الفصل الأوّل في صفة عبادته ﷺ وصلاته
قال رسول الله ﷺ: «أنا أتقاكم لله تعالى، وأشدّكم له خشية» .
وفي «صحيح البخاريّ»: «إنّي لأعلمكم بالله، وأشدّكم له خشية» .
وفيه: عن أبي هريرة رضي الله [تعالى] عنه: «لو تعلمون ما أعلم..
لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» .
وفي «صحيح مسلم»: عن أنس رضي الله [تعالى] عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «والّذي نفس محمّد بيده، لو رأيتم ما رأيت.. لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» . قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: «رأيت الجنّة والنّار» .
وعن المغيرة بن شعبة وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما قالا: صلّى رسول الله ﷺ حتّى انتفخت قدماه، فقيل له: أتتكلّف هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟! قال: «أفلا أكون عبدا شكورا؟!» .
[ ٢٥٥ ]
قال الباجوريّ: (واستشكل هذا قديما وحديثا.. بأنّه ﷺ لا ذنب عليه؛ لكونه معصوما.
وأحسن ما قيل فيه: أنّه من باب (حسنات الأبرار.. سيّئات المقرّبين)، إذ الإنسان لا يخلو عن تقصير، من حيث ضعف العبوديّة مع عظمة الرّبوبيّة، وإن كان ﷺ في أعلى المقامات وأرفع الدّرجات في عباداته وطاعاته.
وقد قال ﷺ: «سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» .
ولذلك قيل: المغفرة قسمان:
مغفرة للعوامّ، وهي: مسامحتهم من الذّنوب.
ومغفرة للخواصّ، وهي: مسامحتهم من التّقصير) اهـ
وعن الأسود بن يزيد [رحمه الله تعالى] قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صلاة رسول الله ﷺ باللّيل فقالت: كان ينام أوّل اللّيل، ثمّ يقوم، فإذا كان من السّحر.. أوتر، ثمّ أتى فراشه، فإذا كان له حاجة.. ألمّ بأهله، فإذا سمع الأذان.. وثب، فإن كان جنبا.. أفاض عليه من الماء، وإلّا.. توضّأ وخرج إلى الصّلاة.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّه بات عند ميمونة أمّ المؤمنين وهي خالته رضي الله تعالى عنها قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ في طولها، فنام رسول الله ﷺ، حتّى إذا انتصف اللّيل، أو قبله بقليل،
[ ٢٥٦ ]
أو بعده بقليل.. فاستيقظ رسول الله ﷺ، فجعل يمسح النّوم عن وجهه، ثمّ قرأ العشر الايات الخواتيم من سورة (ال عمران)؛ أي: الّتي أوّلها: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى اخر السّورة ثمّ قام إلى شنّ معلّق فتوضّأ منها، فأحسن الوضوء، ثمّ قام يصلّي.
قال عبد الله بن عبّاس: فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي، ثمّ أخذ بأذني اليمنى ففتلها- وفي رواية: فأخذ بأذني؛ فأدارني عن يمينه- فصلّى ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين (ستّ مرّات)، ثمّ أوتر، ثمّ اضطجع حتّى جاءه المؤذّن، فقام فصلّى ركعتين خفيفتين، ثمّ خرج فصلّى الصّبح.
وفي «الصحيح»: عن أنس [رضي الله تعالى عنه]: أنّ رسول الله ﷺ كان يتوضّأ عند كلّ صلاة.
وعن ابن عبّاس أيضا «١» [رضي الله تعالى عنه]؛ قال: كان النّبيّ ﷺ يصلّي من اللّيل ثلاث عشرة ركعة.
وعن عائشة ﵂: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا لم يصلّ باللّيل؛ منعه من ذلك النّوم، أو غلبته عيناه.. صلّى من النّهار ثنتي عشرة ركعة.
_________________
(١) غير مناسب الإتيان به هنا بعد حديث أنس، إذ يوهم أن حديث أنس من حديث ابن عباس، ومحل الحديث- والله أعلم- بعد حديث بيتوتته ﷺ عند ميمونة رضي الله تعالى عنها.
[ ٢٥٧ ]
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ قال: «إذا قام أحدكم من اللّيل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» .
وعن زيد بن خالد الجهنيّ رضي الله تعالى عنه أنّه قال: لأرمقنّ صلاة رسول الله ﷺ، فتوسّدت عتبته، أو فسطاطه، فصلّى رسول الله ﷺ ركعتين خفيفتين، ثمّ صلّى ركعتين طويلتين.. طويلتين.. طويلتين.
ذكر لفظ «طويلتين» ثلاث مرّات؛ للتّأكيد مبالغة في طولهما.
ثمّ صلّى ركعتين وهما دون اللّتين قبلهما، ثمّ صلّى ركعتين؛ وهما دون اللّتين قبلهما، ثمّ صلّى ركعتين؛ وهما دون اللّتين قبلهما، ثمّ صلّى ركعتين؛ وهما دون اللتين قبلهما، ثمّ أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة.
وعن أبي سلمة بن عبد الرّحمن- رحمه الله تعالى- أنّه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟
فقالت: ما كان رسول الله ﷺ ليزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة؛ يصلّي أربعا لا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ، ثمّ يصلّي أربعا لا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ، ثمّ يصلّي ثلاثا.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: قلت: يا رسول الله؛ أتنام قبل أن توتر؟ فقال: «يا عائشة؛ إنّ عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي» .
[ ٢٥٨ ]
وعن عائشة أيضا رضي الله تعالى عنها: أنّ رسول الله ﷺ كان يصلّي من اللّيل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها.. اضطجع على شقّه الأيمن.
وعن عائشة أيضا [رضي الله تعالى عنها] قالت: كان رسول الله ﷺ يصلّي من اللّيل تسع ركعات. أي: في بعض الأوقات.
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما: أنّه صلّى مع النّبيّ ﷺ من اللّيل، قال: فلمّا دخل في الصّلاة.. قال:
«الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة» .
قال: ثمّ قرأ (البقرة)، ثمّ ركع؛ فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكان يقول: «سبحان ربّي العظيم، سبحان ربّي العظيم»، ثمّ رفع رأسه؛ فكان قيامه نحوا من ركوعه، وكان يقول: «لربّي الحمد، لربّي الحمد»، ثمّ سجد؛ فكان سجوده نحوا من قيامه، وكان يقول:
«سبحان ربّي الأعلى، سبحان ربّي الأعلى»، ثمّ رفع رأسه فكان ما بين السّجدتين نحوا من السّجود، وكان يقول: «ربّ اغفر لي، ربّ اغفر لي» حتّى قرأ (البقرة)، و(ال عمران)، و(النّساء)، و(المائدة)، أو (الأنعام)؛ أي: أنّه صلّى أربع ركعات قرأ في الأولى: (البقرة)، وفي الثّانية: (ال عمران)، وفي الثّالثة: (النّساء)، وفي الرّابعة:
(المائدة) أو (الأنعام) . والشّكّ فيهما من شعبة راوي هذا الحديث.
[ ٢٥٩ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قام رسول الله ﷺ باية من القران ليلة.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: صلّيت ليلة مع رسول الله ﷺ، فلم يزل قائما حتّى هممت بأمر سوء. قيل له: وما هممت به؟ قال: هممت أن أقعد وأدع النّبيّ ﷺ.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّ النّبيّ ﷺ كان يصلّي جالسا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين- أو أربعين- اية.. قام فقرأ وهو قائم، ثمّ ركع وسجد، ثمّ صنع في الرّكعة الثّانية مثل ذلك.
وعن عبد الله بن شقيق [رحمه الله تعالى] قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صلاة رسول الله ﷺ في تطوّعه؟ فقالت:
كان يصلّي ليلا طويلا قائما، وليلا طويلا قاعدا، فإذا قرأ وهو قائم.. ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو جالس.. ركع وسجد وهو جالس.
وعن حفصة [رضي الله تعالى عنها] زوج النّبيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلّي في سبحته- أي: نافلته قاعدا، ويقرأ بالسّورة ويرتّلها حتّى تكون أطول من أطول منها «١» .
وعن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: والّذي نفسي بيده،
_________________
(١) أي حتى يصير وقت قراءة السورة القصيرة- كالأنفال مثلا- لاشتمالها على الترتيل والوقوف عند معاني الايات أطول من الوقت الذي تقرأ فيه السورة الطويلة كالأعراف- في الأحوال العادية.
[ ٢٦٠ ]
ما مات رسول الله ﷺ حتّى كان أكثر صلاته قاعدا، إلّا المكتوبة.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ لا يدع قيام اللّيل، وكان إذا مرض أو كسل.. صلّى قاعدا.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: صلّيت مع رسول الله ﷺ ركعتين قبل الظّهر، وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته.
وعن حفصة رضي الله تعالى عنها: أنّ رسول الله ﷺ كان يصلّي ركعتين خفيفتين حين يطلع الفجر.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ لا يدع ركعتي الفجر في السّفر ولا في الحضر، ولا في الصّحّة ولا في السّقم.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: حفظت من رسول الله ﷺ ثماني ركعات: ركعتين قبل الظّهر، وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء.
قال ابن عمر: وحدّثتني حفصة بركعتي الغداة، ولم أكن أراهما من النّبيّ ﷺ.
وعن معاذة [رحمها الله تعالى] قالت: قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: أكان النّبيّ ﷺ يصلّي الضّحى؟ قالت: نعم..
أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله ﷿.
[ ٢٦١ ]
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ كان يصلّي الضّحى ستّ ركعات.
وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ يصلّي الضّحى حتّى نقول لا يدعها، ويدعها حتّى نقول لا يصلّيها.
وعن أبي أيّوب الأنصاريّ رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ كان يدمن أربع ركعات عند زوال الشّمس، فقلت: يا رسول الله؛ إنّك تدمن هذه الأربع ركعات عند زوال الشّمس؟ فقال:
«إنّ أبواب السّماء تفتح عند زوال الشّمس، فلا ترتج حتّى يصلّى الظّهر، فأحبّ أن يصعد لي في تلك السّاعة خير»؛ قلت: أفي كلّهنّ قراءة؟
قال: «نعم»، قلت: هل فيهنّ تسليم فاصل؟ قال: «لا» .
ومعنى (لا ترتج): لا تغلق.
وعن أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها: أنّ رسول الله ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكّة فاغتسل، فسبّح- أي: صلّى ثمان ركعات ما رأيته ﷺ صلّى صلاة قطّ أخفّ منها، غير أنّه كان يتمّ الرّكوع والسّجود.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ أخفّ النّاس صلاة في تمام.
وعن أبي واقد اللّيثيّ رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله صلّى الله
[ ٢٦٢ ]
عليه وسلّم أخفّ النّاس صلاة على النّاس، وأطول النّاس صلاة لنفسه.
وعن عبد الله بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن الصّلاة في بيتي، والصّلاة في المسجد؟ قال:
«قد ترى ما أقرب بيتي من المسجد، فلأن أصلّي في بيتي أحبّ إليّ من أن أصلّي في المسجد؛ إلّا أن تكون صلاة مكتوبة»؛ أي: لتحصل البركة للبيت وأهله، وتنزل الملائكة، وليذهب عنه الشّيطان.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا اشتدّ البرد.. بكّر بالصّلاة، وإذا اشتدّ الحرّ.. أبرد بالصّلاة.
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ لا يكون في المصلّين إلّا كان أكثرهم صلاة، ولا يكون في الذّاكرين إلّا كان أكثرهم ذكرا.
وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه- وفي رواية: حزنه- أمر.. صلّى؛ أي: إذا نزل به همّ، وأصابه غمّ.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلا.. لم يرتحل منه حتّى يصلّي فيه ركعتين.
وكان ﷺ يحبّ أن يليه المهاجرون والأنصار في الصّلاة؛ ليحافظوا عنه.
وكان ﷺ لا يفارق مصلّاه سواكه ومشطه.
[ ٢٦٣ ]
وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والتّرمذيّ، والنّسائيّ، وابن ماجه: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا انصرف من صلاته.. استغفر (ثلاثا)، ثمّ قال: «اللهمّ؛ أنت السّلام، ومنك السّلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» .
[ ٢٦٤ ]
الفصل الثّاني في صفة صومه ﷺ
عن عبد الله بن شقيق [رحمه الله تعالى] قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صيام رسول الله ﷺ؟ قالت: كان يصوم حتّى نقول قد صام- أي: داوم الصّوم- فلا يفطر، ويفطر حتّى نقول قد أفطر- أي: داوم الإفطار- فلا يصوم.
قالت: وما صام رسول الله ﷺ شهرا كاملا منذ قدم المدينة.. إلّا رمضان.
وسئل أنس رضي الله تعالى عنه عن صوم النّبيّ ﷺ فقال: كان يصوم من الشّهر حتّى نرى ألايريد أن يفطر منه، ويفطر حتّى نرى ألايريد أن يصوم منه شيئا، وكنت لا تشاء أن تراه من اللّيل مصلّيا إلّا رأيته مصلّيا، ولا نائما إلّا رأيته نائما.
وعن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت النّبيّ ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلّا شعبان ورمضان.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لم أر رسول الله ﷺ يصوم في شهر أكثر من صيامه في شعبان، كان يصوم شعبان إلّا قليلا، بل كان يصومه كلّه.
[ ٢٦٥ ]
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يصوم من غرّة كلّ شهر ثلاثة أيّام، وقلّما كان يفطر يوم الجمعة «١» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يتحرّى صوم الإثنين والخميس.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «تعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس، فأحبّ أن يعرض عملي وأنا صائم» .
وعن أبي هريرة [رضي الله تعالى عنه] أيضا قال: كان رسول الله ﷺ أكثر ما يصوم الإثنين والخميس، فقيل له.. فقال:
«الأعمال تعرض كلّ إثنين وخميس؛ فيغفر لكلّ مسلم.. إلّا المتهاجرين «٢»، فيقول: أخّروهما [حتّى يصطلحا]» .
وعن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ أكثر صومه السّبت والأحد «٣»، ويقول: «هما يوما عيد المشركين فأحبّ أن أخالفهم» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ صلّى الله عليه
_________________
(١) لكنه ﷺ كان يضمه إلى الخميس أو السبت؛ فلا يخالف هذا حديث النهي عن إفراده بالصوم.
(٢) أي: المسلمين المتقاطعين.
(٣) أي: معا؛ لأنّ إفرادهما كيوم الجمعة مكروه.
[ ٢٦٦ ]
وسلّم يصوم من الشّهر السّبت والأحد والإثنين، ومن الشّهر الاخر الثّلاثاء والأربعاء والخميس.
وعن معاذة [رحمها الله تعالى] قالت: قلت لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر؟ قالت: نعم، قلت:
من أيّها كان يصوم؛ أي: من أيّ أيّامه؟ قالت: كان لا يبالي من أيّها صام؛ أي: من أوّله، ومن وسطه، ومن اخره.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: كان رسول الله ﷺ لا يدع صوم أيّام البيض في سفر ولا حضر.
و(أيّام البيض): اليوم الثّالث عشر من الشّهر، والرّابع عشر، والخامس عشر. وسمّيت بيضا؛ لأنّ القمر يطلع فيها من أوّلها إلى اخرها.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان عاشوراء «١» يوما تصومه قريش في الجاهليّة، وكان رسول الله ﷺ يصومه، فلمّا قدم المدينة.. صامه وأمر بصيامه، فلمّا افترض رمضان.. كان رمضان هو الفريضة، وترك عاشوراء، فمن شاء.. صامه، ومن شاء.. تركه.
وعن عليّ رضي الله [تعالى] عنه: كان رسول الله ﷺ يصوم يوم عاشوراء، ويأمر به.
وعن حفصة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله صلّى الله عليه
_________________
(١) هو اليوم العاشر من المحرّم.
[ ٢٦٧ ]
وسلّم يصوم تسع ذي الحجّة ويوم عاشوراء، وثلاثة أيّام من كلّ شهر:
أوّل إثنين من الشّهر، والخميس، والإثنين من الجمعة الاخرى.
وعن جابر رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ يعجبه أن يفطر على الرّطب ما دام الرّطب، وعلى التّمر إذا لم يكن رطب، ويختم بهنّ، ويجعلهنّ وترا؛ ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ يحبّ أن يفطر على ثلاث تمرات، أو شيء لم تصبه النّار.
وعن أنس [رضي الله تعالى عنه] أيضا: كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلّي، فإن لم يكن رطبات.. فتمرات، فإن لم يكن تمرات.. حسا حسوات من ماء.
وعن أنس [رضي الله تعالى عنه] أيضا قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر عند قوم.. قال: «أفطر عندكم الصّائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وتنزّلت عليكم الملائكة» .
وعن ابن الزّبير رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر عند قوم.. قال: «أفطر عندكم الصّائمون، وصلّت عليكم الملائكة» .
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر.. قال: «ذهب الظّمأ، وابتلّت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى» .
[ ٢٦٨ ]
وعن معاذ بن زهرة [رحمه الله تعالى]: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر.. قال: «اللهمّ؛ لك صمت، وعلى رزقك أفطرت» .
وعن معاذ رضي الله تعالى عنه «١» قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر.. قال: «الحمد لله الّذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت» .
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر.. قال: «اللهمّ؛ لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، فتقبّل منّي إنّك أنت السّميع العليم» .
وعن علقمة [رحمه الله تعالى] قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها: أكان رسول الله ﷺ يخصّ من الأيّام شيئا؟
قالت: كان عمله ديمة «٢»، وأيّكم يطيق ما كان رسول الله ﷺ يطيق؟
وعن عائشة أيضا رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي امرأة، فقال: «من هذه؟»، قلت:
فلانة؛ لا تنام اللّيل. فقال رسول الله ﷺ: «عليكم من الأعمال ما تطيقون؛ فو الله لا يملّ [الله] حتّى تملّوا»، وكان أحبّ ذلك إلى رسول الله ﷺ الّذي يدوم عليه صاحبه.
_________________
(١) وهو معاذ بن زهرة التابعي المعروف، وكان ينبغي هنا الترحم لا الترضي، كما هي عادة المؤلف- رحمه الله تعالى- في الترضي على الصحابة والترحم على من بعدهم.
(٢) أي: دائما.
[ ٢٦٩ ]
وعن أبي صالح [رحمه الله تعالى] «١» قال: سألت عائشة وأمّ سلمة رضي الله [تعالى] عنهما: أيّ العمل كان أحبّ إلى رسول الله ﷺ؟ قالتا: ما ديم عليه، وإن قلّ.
وروى البخاريّ: عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّه كان أحبّ الدّين إلى رسول الله ﷺ ما داوم عليه صاحبه.
_________________
(١) واسمه: ذكوان السمان والزيات.
[ ٢٧٠ ]
الفصل الثّالث في صفة قراءته ﷺ
عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة، فاستاك، ثمّ توضّأ، ثمّ قام يصلّي، فقمت معه، فبدأ فاستفتح (البقرة)، فلا يمرّ باية رحمة.. إلّا وقف فسأل، ولا يمرّ باية عذاب.. إلّا وقف فتعوّذ، ثمّ ركع فمكث راكعا بقدر قيامه، ويقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة»، ثمّ سجد بقدر ركوعه، ويقول في سجوده: «سبحان ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة»، ثمّ قرأ (ال عمران)، ثمّ سورة سورة. يفعل مثل ذلك في كلّ ركعة.
وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا مرّ باية خوف.. تعوّذ، وإذا مرّ باية رحمة.. سأل، وإذا مرّ باية فيها تنزيه الله.. سبّح.
وعن أبي ليلى رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا مرّ باية فيها ذكر النّار.. قال: «ويل لأهل النّار، أعوذ بالله من النّار» .
[ ٢٧١ ]
وعن يعلى بن مملك [رحمه الله تعالى]: أنّه سأل أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها: عن قراءة رسول الله ﷺ فإذا هي تنعت قراءة مفسّرة حرفا حرفا.
وعن قتادة [رحمه الله تعالى] قال: قلت لأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: كيف كانت قراءة رسول الله ﷺ؟ قال:
مدّا.
وعن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يقطّع قراءته؛ يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ»، ثمّ يقف، ثمّ يقول: «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»، ثمّ يقف، وكان يقرأ:
«مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» «١» .
وعن عبد الله بن قيس [رحمه الله تعالى] قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها: عن قراءة النّبيّ ﷺ: أكان يسرّ بالقراءة أم يجهر؟ قالت: كلّ ذلك قد كان يفعل؛ قد كان ربّما أسرّ، وربّما جهر.
فقلت: الحمد لله الّذي جعل في الأمر سعة.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ من اللّيل.. رفع طورا، وخفض طورا.
وعن أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها قالت: كنت أسمع قراءة النّبيّ
_________________
(١) أي بالألف؛ أحيانا، وهي قراءة متواترة مشهورة، كما أنّ قراءة (ملك) بدون ألف متواترة أيضا.
[ ٢٧٢ ]
ﷺ باللّيل، وأنا على عريشي.
وعن معاوية بن قرّة [رحمه الله تعالى] قال: سمعت عبد الله بن مغفّل رضي الله تعالى عنه يقول: رأيت النّبيّ ﷺ على ناقته يوم الفتح وهو يقرأ: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: ١- ٢] .
قال: فقرأ ورجّع «١» .
قال: وقال معاوية بن قرّة: لولا أن يجتمع النّاس عليّ.. لأخذت لكم في ذلك الصّوت، أو قال: اللّحن.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان قراءة النّبيّ ﷺ ربّما سمعها من في الحجرة، وهو في البيت؛ أيّ: كان إذا قرأ في بيته.. ربّما يسمع قراءته من في حجرة البيت من أهله، ولا يتجاوز صوته إلى ما وراء الحجرات.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى.. قال: «بلى»، وإذا قرأ: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ.. قال: «بلى» .
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى.. قال: «سبحان ربّي الأعلى» .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله صلّى الله عليه
_________________
(١) أي: ردّد صوته بالقراءة.
[ ٢٧٣ ]
وسلّم إذا تلا: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.. قال: «امين»؛ حتّى يسمع من يليه من الصّفّ الأوّل.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ لا يقرأ القران في أقلّ من ثلاث «١» .
وكان رسول الله ﷺ إذا ختم.. جمع أهله ودعا.
وكان ﷺ إذا ختم.. يقرأ من أوّل القران خمس ايات.
_________________
(١) أي: لا يقرؤه كاملا في أقل من ثلاثة أيام؛ لأنها أقل مدة يمكن فيها تدبره وترتيله، هذا كله في تفهم معانيه. أما الثواب على قراءته: فحاصل لمن قرأه سواء فهمه أم لا، للتعبّد بلفظه بخلاف غيره من الأذكار.. فلا ثواب فيه إلا إن فهمه ولو بوجه.
[ ٢٧٤ ]
الباب السّابع في أخبار شتّى من أحوال رسول الله ﷺ
وبعض أذكار وأدعية كان يقولها في أوقات مخصوصة وثلاث مئة وثلاثة عشر حديثا من جوامع كلمه ﷺ وفيه ثلاثة فصول
[ ٢٧٥ ]