وفيه سبعة فصول:
الفصل الأول: آراؤه في الإيمان بالله
الفصل الثاني: آراؤه في الإيمان بالملائكة
الفصل الثالث: آراؤه في الإيمان بالكتب
الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان بالرسل والأنبياء
الفصل الخامس: آراؤه في الإيمان باليوم الآخر
الفصل السادس: آراؤه في الإيمان بالقدر
الفصل السابع: آراؤه في مسائل الإيمان
[ ٢٠٧ ]
الفصل الأول: آراؤه في الإيمان بالله
وفيه ثلاث مباحث:
المبحث الأول: مسائل الربوبية
المبحث الثاني: مسائل الأسماء والصفات
المبحث الثالث: مسائل الألوهية
[ ٢٠٩ ]
المبحث الأول: مسائل الربوبية
أولًا: تعريف التوحيد في اللغة
قال الخليل الفراهيدي: "الوَحَدُ: المُنْفَرِدُـ رجلٌ وَحَدٌ، وثورٌ وَحَدٌ، وتفسير الرُّجلِ الوَحِد: الذي لا يُعْرَفُ له أَصْلٌ، ووَحَدَ الشَّيْءُ فهو يحد حدة، وكل شيءٍ على حدة بائن من آخر، يقال: ذلك على حدته وهما على حدتهما، وهم على حدتهم، والرَّجل الوحيد ذو الوحدة، وهو المنفرد لا أنيس معه، وقد وحد يوحد وحادة ووحدة ووحدًا، والتوحيد: الإيمان بالله وحده لا شريك له، والله الواحد الأحد ذو التوحُّد والوحدانية" (^١).
قال ابن فارس: "الواو، والحاء والدال أصلٌ واحدٌ يدلُّ على الانفراد، من ذلك: الوحدة، وهو واحد في قبيلته، إذ لم يكن فيهم مثله ولقيت القوم موحد، ولقيته وحده، ولا يضاف إلا في قولهم: نسيج وحده، وعيير وحده، وجحيش وحده، ونسيج وحده، أي: لا ينسج غيره لنفاسته، وهو مثل، والواحد: المنفرد" (^٢).
ثانيًا: تعريف التوحيد اصطلاحًا
قال الطحاوي (^٣): "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره" (^٤).
_________________
(١) العين ٣/ ٢٨٠ - ٢٨١.
(٢) مقاييس اللغة ٦/ ٩٠ - ٩١.
(٣) هو أبو جعفر، أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي، الطحاوي، ولد سنة ٢٣٨ هـ، انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة في زمانه، وروى عنه خلق كثير منهم: أبو محمد عبد العزيز الجوهري قاضي الصعيد، وأبو بكر محمد بن إبراهيم المقري الحافظ، وله مصنفات منها: معاني الآثار، مشكل الآثار، كانت وفاته سنة ٣٢١ هـ. ينظر: الطبقات السنية في تراجم الحنفية ١/ ١٣٦.
(٤) متن الطحاوية، ص ٣١.
[ ٢١١ ]
والقرآن كلُّه توحيد من فاتحته إلى خاتمته، قال ابن القيم: "كل سورة في القرآن فهي متضمِّنة لنوعي التوحيد، بل نقول قولًا كليًّا: إنَّ كل آية في القرآن فهي متضمِّنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإنَّ القرآن: إمَّا خبرٌ عن الله، وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإمَّا أمرٌ ونهي، وإلزامٌ بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإمَّا خبرٌ عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإمَّا خبرٌ عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحلُّ بهم في العقبى من العذاب، فهو خبرٌ عمَّن خرج عن حكم التوحيد" (^١).
ثالثًا: تعريف توحيد الربوبية في اللغة والاصطلاح
مصدر ربَّ يرُبُّ ربابةً ورُبُوبية (^٢)، قال ابن فارس: "الراء والباء يدل على أصول:
فالأول: إصلاحُ الشِّيء والقيام عليه ، الآخر: لزوم الشَّيء والإقامة عليه ، الثالث: ضمُّ الشَّيء للشَّيء، ومتى أمعن النظر كان الباب كله قياسًا واحدًا" (^٣).
والرَّبُّ يطلق في اللغة على: "المالك، والسيِّد، والمدبِّر، والمربِّي، والقيِّم، والمنعم" (^٤).
ويطلق الرَّبُّ في الشرع ويراد به عين معناه في اللغة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الرَّبُّ- سبحانه: هو المالك، المدبِّر، المعطي،
_________________
(١) مدارج السالكين ٤/ ٤٤٢
(٢) اشتقاق أسماء الله تعالى، ص ٣٢.
(٣) ينظر: مقاييس اللغة، ص ٣٧٨.
(٤) لسان العرب ١/ ٣٩٩، وينظر: القاموس المحيط، ص ١١١.
[ ٢١٢ ]
المانع، الضار، النافع، الخافض، الرافع، المعز، المذل" (^١).
وقال ابن القيم: "الرَّب: هو السيِّد، والمالك، والمنعم، والمربِّي، والمصلح، والله هو الرَّب بهذه الاعتبارات كلها" (^٢).
تعريف توحيد الربوبية في الاصطلاح:
قال شيخ الإسلام: "هو الإقرار بأنَّ الله خالق كل شيءٍ وربه" (^٣)، وقال أيضًا: "فتوحيد الربوبية: أنه لا خالق إلا الله، فلا يستقل شيءٌ سواه بإحداث أمرٍ من الأمور، بل ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن" (^٤).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (^٥): "هو الإقرار بأنَّ الله تعالى ربُّ كل شيءٍ ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في الإيمان والقدر" (^٦).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١/ ٩٢.
(٢) بدائع الفوائد ٤/ ١٣٢.
(٣) بدائع الفوائد ١١/ ٥٠، وينظر: منهاج السُّنَّة النبوية ٣/ ٢٨٩.
(٤) مجموع الفتاوى ١٠/ ٣٣١.
(٥) سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، من آل الشيخ، الفقيه المحدث الأصولي، ولد سنة ١٢٠٠ هـ في بلدة الدرعية، ومن شيوخه: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وجده الشيخ عبد الله، والشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمَّر، والشيخ عبد الله بن فاضل من علماء الدرعية، ومن تلاميذه: الشيخ محمد بن سلطان، والشيخ عبد الرحمن بن عبد الله، ومن مصنفاته: تحفة الناسك بأخبار المناسك، تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، توفي سنة ١٢٣٣ هـ، وكان عمره ٣٣ سنة، ينظر: علماء نجد خلال ثمانية قرون ١/ ١٢٧، الأعلام ٣/ ١٢٩، مشاهير علماء نجد وغيرهم ١/ ٤٤.
(٦) تيسير العزيز الحميد، ص ١٧، وينظر: شرح الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي ١/ ٢٥.
[ ٢١٣ ]
رابعًا: تعريف ابن عجيبة لتوحيد الربوبية لغة
قال ابن عجيبة: " (رب) مصدر بمعنى التربية، وهو تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا، ثم وصف به للمبالغة كالصوم والعدل، وقيل هو وصف من ربَّه يربُّه، وأصله: ربَبَ، ثم ادغم، سُمِّي به المالك؛ لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه" (^١).
خامسًا: تعريف التوحيد اصطلاحًا
قال ابن عجيبة: "الحقُّ واحد في ذاته وفي صفاته، وفي أفعاله فلا شيءَ قبله ولا شيءَ بعده ولا شيءَ معه" (^٢).
وعرَّفه بقوله: "إفراد الحق بالوجود في الأزل والأبد" (^٣).
وقال أيضًا: "نهاية توحيد الواصلين من العارفين والمريدين السائرين: توحيد الذات، فلا يشهدون إلا الله، ولا يرون معه سواه" (^٤).
بل ذهب إلى أبعد من هذا حين قال في موضع آخر: "كلُّ ما يدلُّ على التوحيد من الألفاظ يكفي في الدخول في الإسلام" (^٥).
وهذه التعاريف التي أوردها ابن عجيبة للتوحيد قد اشتملت على مخالفات عقدية وهي:
١ - أنه في التعريفات السابقة لا يقرر إلا توحيد الربوبية فقط وأخرج منه التوحيد الذي بعث به الرُّسل ﵈ وخلق الخليقة من أجله ألا وهو توحيد الألوهية.
_________________
(١) البحر المديد ١/ ٥٤.
(٢) إيقاظ الهمم، ٧١.
(٣) معراج التشوف إلى حقائق التصوف، ص ٢٩.
(٤) البحر المديد ٢/ ٦٦.
(٥) المرجع نفسه ١/ ٦٩.
[ ٢١٤ ]
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على من سلك هذا المسلك أنهم "ظنُّوا أنَّ التوحيد ليس إلا الإقرار بتوحيد الربوبية، وأنَّ الله خلق كل شيء، وهو الذي يسمونه توحيد الأفعال" (^١).
٢ - أنه جعل توحيد الربوبية هو الغاية، إذ فسَّر معنى لا إله إلا الله بـ "لا موجود إلا الله" (^٢)، وهذا التفسير باطل، ومعلوم أنَّ كفَّار قريش يقرون بتوحيد الربوبية، وقد يقول قائل: هذا تفسير ابن عجيبة بين أيدينا وكتبه تحثُّ على العبادة والطاعة لله، فكيف لا يعرف من التوحيد سوى توحيد الربوبية، فيجاب عليه أنه يرى توحيد الألوهية من عموم الدين الإسلامي، لكنه لا يرى أنه من حقيقة التوحيد الذي يقع في الشرك مخالفُه، بدليل قوله: كل لفظ من التوحيد يكفي في الدخول في الإسلام، قال ابن تيمية: "وإذا تبيَّن أنَّ غاية ما يقرره هؤلاء النظَّار، أهل الإثبات للقدر المنتسبون إلى السُّنَّة، إنما هو توحيد الربوبية، وأن الله ربُّ كلِّ شيءٍ ومع هذا فالمشركون كانوا مقرين بذلك مع أنهم مشركون، وكذلك طوائف من أهل التصوف والمنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد وأن يشهد أن الله ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكه وخالقه، لا سيِّما إذا غاب العارف (^٣) بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية، بحيث يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل فهذا عندهم هو
_________________
(١) اقتضاء أصحاب الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم ٢/ ٣٨٦.
(٢) الجواهر العجيبة، ص ١١٥.
(٣) العارف: هو المستغرق في معرفة الله ومحبته. ينظر: الكليات، ص ٤٩٠، وقيل في الفرق بين العارف والمؤمن: أنَّ المؤمن عند الصوفية ينظر بنور الله والعارف ينظر بالله، وللمؤمن قلب وليس للعارف قلب، وقلب المؤمن يطمئن بذكر الله، والعارف لا يطمئن بسواه. ينظر: معجم المصطلحات الصوفية، ص ١٨١.
[ ٢١٥ ]
الغاية التي لا غاية وراءها، ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقرَّ به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلمًا فضلًا عن أن يكون وليًّا لله أو من سادات الأولياء" (^١).
ومعلوم لدى أهل السُّنَّة والجماعة وفق فهم سلف الأُمَّة أنَّ التوحيد الذي دعت إليه الرُّسل، هو توحيد الألوهية المتضمِّن لتوحيد الربوبية، وأول ما يتعلق القلب بتوحيد الربوبية، ثم يرتقي إلى توحيد الألوهية.
٣ - اشتماله على العبارات المجملة التي لا يتصور أكثر الناس مراد أهل الاصطلاح منها (^٢).
٤ - اشتملت تعاريفه للتوحيد على قول الاتحادية القائلين بأنَّ وجود الخالق هو وجود المخلوق أو قول: الوجود واحد وهو الله ولا أرى الواحد ولا أرى الله، أو لا يشار إليه، وهذه ألفاظ باطلة مخالفة لما عليه السلف الصالح من الرجوع إلى الوحيين، فيما يقولون به عن الله ودينه (^٣).
٥ - أنه فسَّر التوحيد بتفسير لم يدل عليه الكتاب والسُّنَّة ولا قاله أحدٌ من سلف الأمة وأئمتها، واتبع المتكلمين الذين يجعلون نفي الصفات أو بعضها من التوحيد (^٤) إذ أشهر أنواع التوحيد عندهم هو توحيد الأفعال، ويعني أنَّ خالق العالم واحد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإنَّ عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر: غايتهم أن يجعلوا التوحيد (ثلاثة أنواع)، فيقولون: هو واحد في
_________________
(١) التدمرية، ص ١٨٦ - ١٨٧.
(٢) ينظر: الصفدية ٢/ ٢٢٩.
(٣) المرجع نفسه ٢/ ٢٢٤.
(٤) ينظر: تلبيس الجهمية ١/ ٤٢٨، وينظر: التدمرية، ص ١٨٤.
[ ٢١٦ ]
ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث وهو "توحيد الأفعال" وهو أنَّ خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها ويظنون أنَّ هذا هو التوحيد المطلوب، وأنَّ هذا هو معنى قولنا (لا إله إلا الله) حتى يجعلوا معنى الإلهية القدرة على الاختراع" (^١).
ووضح ابن تيمية مقصود الأشاعرة من هذا التقسيم فقال: "وليس مرادهم بأنه لا ينقسم ولا يتبعَّض أنه لا ينفصل بعضه عن بعض، وأنه لا يكون إلهين اثنين، ونحو ذلك مما يقول نحوًا منه النصارى والمشركون، فإن هذا مما لا ينازعهم فيه المسلمون، وهو حقٌّ لا ريب فيه، وكذلك كان علماء السلف ينفون التبعيض عن الله بهذا المعنى، وإنما مرادهم بذلك أنه لا يشهد ولا يرى منه شيءٌ دون شيء، ولا يدرك منه شيءٌ دون شيء، بحيث إنه ليس له في نفس حقيقة عندهم قائمة بنفسها يمكنه هو أن يشير منها إلى شيء دون شيء، أو يرى عباده منها شيئًا دون شيء بحيث إذا تجلَّى لعباده يريهم من نفسه المقدسة ما شاء، فإن ذلك غير ممكن عندهم، ولا يتصور عندهم أن يكون العباد محجوبين عنه بحجاب منفصل عنهم يمنع أبصارهم عن رؤيته، فإن الحجاب لا يحجب ما هو جسم منقسم ولا يتصور عندهم أن الله يكشف عن وجهه الحجاب ليراه المؤمنون، ولا أن يكون على وجهه حجاب أصلًا، ولا أن يكون بحيث يلقاه العبد أو يصل إليه أو يدنو منه أو يقرب إليه في الحقيقة، فهذا ونحوه هو المراد عندهم بكونه لا ينقسم، ويسمون ذلك نفي التجسيم، إذ كل ما ثبت له ذلك كان جسمًا منقسمًا مركَّبًا، والبارئ منزَّه عندهم عن هذه المعاني" (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣/ ٩٧، والتدمرية، ص ١٨٥.
(٢) التسعينية ٣/ ٧٨٠.
[ ٢١٧ ]
وعلَّق الدكتور عبد الرحمن المحمود على قول الأشاعرة بقوله: "وجماع المعاني التي قصدوها بقولهم هذا: أنه تعالى عن قولهم ليس قائمًا بنفسه، ولا بائنًا من خلقه ولا على العرش استوى، وأنه لا يُشار إليه في جهة العلو، وهذا ما يعبرون عنه بنفي الجسمية والتحيُّز، والجهة، وكل متحيِّز فهو منقسم، وكل منقسم فهو ليس بأحد، وهكذا صار حقيقة التوحيد والواحد والأحد عند هؤلاء نفي صفات الله الخبرية، ونفي علوه على عرشه" (^١).
وهذا المفهوم للتوحيد غريب على اللسان العربي، والقرآن نزل بلغة العرب، ولم يرد استخدام الواحد في القرآن والسُّنَّة إلَاّ فيما سمَّاه هؤلاء منقسمًا مثل قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (^٤)، وقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ (^٥)، فكل ما سمي واحد في هذه الآيات يصح انقسامه؛ لأنه جسم من الأجسام التي يصح انقسامها، وأمَّا السُّنَّة فلقد مرَّ النبي - ﷺ - بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أمَّا أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأمَّا الآخر فكان يمشي بالنميمة" (^٦).
وإن قال قائل من أهل الكلام: هذا الاستخدام على سبيل المجاز، فيجاب
_________________
(١) موقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/ ٩٤٨.
(٢) سورة البقرة: ٢٦٦.
(٣) سورة الكهف: ٤٩.
(٤) سورة النساء: ١١.
(٥) سورة المدثر: ١١.
(٦) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب النميمة من الكبائر ١/ ٨٩، برقم ٢١٦، والفتح ١٠/ ٤٧٢.
[ ٢١٨ ]
عليه بأنه باطل؛ لأنه ادعاء لا دليل عليه، كما أنه لا يمكن أن يأتوا بمثال صحيح لاستخدام الواحد في القرآن والسُّنَّة واللغة بأنه الذي لا ينقسم، فإن لفظ الواحد وما يتصرف منه لا يطلق في لغة العرب وغيرهم من الأمم إلا على ما يسميه أهل الكلام منقسمًا فهل يصح أن لا يوجد مثال لما سموه حقيقة؟ وهل أصبحت كل الأمثلة مجازًا؟، والحقيقة أن ما عرَّف به أهل الكلام الواحد هو شيء لا يتصوره ولا يعقله الناس، فإنهم لا يعلمون وجوده حتى يعبروا عنه (^١).
وهذا الدليل قد يقلب عليهم قال ابن تيمية: "إذا قال قائل: دلالة القرآن على نقيض مطلوبهم أظهر، كان قد قال الحق، فإن القرآن نزل بلغة العرب، وهم لا يعرفون الواحد في الأعيان إلا ما كان متصفًا بالصفات، مباينًا لغيره، مشارًا إليه، وما لم يكن مشارًا إليه أصلًا، ولا مباينًا لغيره، ولا مداخلًا له، فالعرب لا تسميه واحدًا، ولا أحدًا بل ولا تعرفه، فيكون الاسم الواحد والأحد دلَّ على نقيض مطلوبهم منه لا على مطلوبهم" (^٢).
وحتى لا يكون الكلام جزافًا من غير دليل فإنَّ ابن عجيبة يعتقد عقيدة الأشاعرة في تعريفه للتوحيد، فلقد ورد في كتاب جوهرة التوحيد (^٣) شرحٌ لهذه الأقسام وهي "الوحدانية الشاملة لوحدانية الذات، ووحدانية الصفات، ووحدانية الأفعال تنفي كمومًا (^٤) خمسة:
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٧/ ١١٤ - ١١٦، وينظر: حقيقة التوحيد بين أهل السُّنَّة والمتكلِّمين، ص ١١٠.
(٢) المرجع نفسه ٧/ ١١٧.
(٣) واسمه: فتح المجيد في بيان تحفة المريد على جوهرة التوحيد، إبراهيم بن محمد الباجوري، وهو أحد شروح منظومة التوحيد على عقيدة الأشاعرة، لبرهان الدين اللقاني.
(٤) الكم: هو العرض الذي يقتضي الانقسام لذاته. التعريفات، للجرجاني، ص ٢٣٩.
[ ٢١٩ ]
- الكم المتصل في الذات وهو تركُّبها من أجزاء.
- الكم المنفصل فيها وهو تعددها بحيث يكون هناك إله ثان فأكثر وهذان الكمان منفيان بوحدة الذات.
- والكم المتصل في الصفات وهو التعدد في صفاته تعالى من جنس واحد كقدرتين فأكثر، وبُحث في هذا بأنَّ الكم المتصل مداره على شيءٍ ذي أجزاء ولا كذلك الصفات، ويجاب: بأنهم نزَّلوا كونها قائمة بذات واحدة منزلة من التركيب.
- والكم المنفصل في الصفات وهو أن يكون لغير الله صفة تشبه صفته تعالى، وكأن يكون لزيد قدرة بها ويعدم بها كقدرته تعالى، أو إرادة تخصص الشيء ببعض الممكنات، أو علم محيط بجميع الأشياء، وهذان الكمان منفيان بوحدانية الصفات.
- والكم المنفصل في الأفعال وهو أن يكون لغير الله فعل من الأفعال على وجه الإيجاد، وإنما ينسب الفعل على وجه الكسب (^١) والاختيار، وهذا الكم منفيٌّ بوحدانية الأفعال، وفي ذلك ردٌّ على المعتزلة (^٢)
القائلين بأنَّ العبد يخلق أفعال نفسه
_________________
(١) جمهور الأشاعرة ومتأخروهم يرون أنَّ الله - ﷿ - خالق أفعال العباد فيثبتون مرتبتي المشيئة والخلق، ولكنهم يقولون: "إنَّ أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها، وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارًا، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنًا لهما، فيكون الفعل مخلوقًا لله إبداعًا وإحداثًا ومكسوبًا للعبد، والمراد بكسبه إياه مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك من تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلًا، فهم يرون أفعال العباد مخلوقة لله وهي كسب للعباد. ينظر: مصطلحات في كتب العقائد، ص ١٥٣.
(٢) المعتزلة: من الفرق المنتسبة إلى الإسلام، أتباع واصل بن عطاء، اختُلف في سبب التسمية على أقوال: من أشهرها اعتزال واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري، من معتقداتهم: أنَّ مرتكب الكبيرة، لا يُسمَّى مؤمنًا مطلقًا، ولا كافرًا مطلقًا، بل في منزلة بين المنزلتين، إنكار رؤية الله - ﷿ -، وأنَّ كلام الله مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة لهم، وأنكروا المعراج، وشفاعة النبي - ﷺ -، والحوض والكوثر، وعذاب القبر. ينظر: مقالات الإسلاميين ١/ ٢٥٣، شرح العقيدة الطحاوية، ص ٢٩٨، الملل والنحل، ص ٥٦ ..
[ ٢٢٠ ]
الاختيارية، وإنما لم يكفروا بذلك لاعترافهم بأنَّ أقدارهم عليها من الله تعالى، وأما الكم المتصل في الأفعال فإن صورناه بتعدد الأفعال فهو ثابت لا يصح نفيه؛ لأن أفعاله كثيرة من خلق، ورزق، وإحياء، وإماتة إلى غير ذلك، وإن صورناه بمشاركة غير الله في فعل من الأفعال فهو منفيٌّ بوحدانية الأفعال" (^١).
٦ - قول ابن عجيبة كل ما يدل على التوحيد من الألفاظ يكفي في الدخول في الإسلام مخالف للنصوص الشرعية التي أبانت كيفية الدخول في الإسلام، فلقد قال رسول الله - ﷺ - لمعاذ - ﵁ - لما بعثه إلى اليمن: «إنَّك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحِّدوا الله» (^٢)، فهذا تصريحٌ بلفظ التوحيد في قوله: "أن يوحِّدوا" فأين ابن عجيبة من هذا؟.
وأجمع السلف على أنَّ أول أمر يؤمر به العبد أن يوحد الله - ﷿ - وينطق بالشهادتين قال ابن تيمية: "إنَّ السلف والأئمة متفقون على أنَّ أول ما يؤمر به العباد الشهادتان، ومتفقون على أنَّ من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عند البلوغ" (^٣).
وقال أبوسعيد الدارمي (^٤): "وتفسير التوحيد عند الأُمَّة وصوابه: "قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له" (^٥).
_________________
(١) شرح الجوهرة، ص ٥٩ - ٦٠.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام ١/ ٥٥، رقم ١٩، ورواه أبو داود، كتاب الزكاة، باب زكاة السائمة، رقم ١٥٨٤.
(٣) درء تعارض العقل والنقل ٨/ ١١ - ١٢.
(٤) هو: عثمان بن سعيد بن خالد الدارمي السجستاني، محدِّث هراة، ولد سنة ٢٠٠ هـ، وأخذ الحديث عن ابن حنبل، وابن المديني، وإسحاق بن راهويه، وابن معين، له مصنفات منها: الرَّد على بشر المرِّيسي، والرَّد على الجهمية، وكانت وفاته سنة ٢٨٠ هـ. ينظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٢١.
(٥) نقض الدارمي على بشر المريسي ١/ ١٥٢.
[ ٢٢١ ]
وقال الشوكاني: "وليس مجرَّد قول لا إله إلا الله مثبتًا للإسلام؛ فإنه لو قالها أحدٌ من أهل الجاهلية وعكف على صنمه يعبده لم يكن ذلك إسلامًا" (^١).
"وينبغي لمن أراد أن يعرف دين الإسلام أن يتأمل النصوص النبوية، ويعرف ما كان يفعله الصحابة - ﵃ - والتابعون، وما قاله أئمة المسلمين ليعرف المجمع عليه من المتنازع فيه" (^٢).
سادسًا: تقسيم التوحيد عند ابن عجيبة
قسَّم ابن عجيبة التوحيد إلى ثلاثة أقسام، فقال: "اعلم أنَّ توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات:
الأولى: توحيد العامَّة: وهو الذي يعصم النفس والمال، وينجو به من الخلود في النار، وهو نفي الشركاء والأنداد، والصاحبة والأولاد، والأشباه والأضداد.
الثانية: توحيد الخاصَّة: وهو أن يرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده، ويشاهد ذلك بطريقة الكشف لا بطريق الاستدلال.
الثالثة: ألا يرى في الوجود إلا الله، ولا يشهد معه سواه، فيغيب عن النظر إلى الأكوان في شهود المكون" (^٣).
وقال في تفسير سورة الإخلاص: "قد اشتملت هذه السورة على التوحيد الخاص، أعني توحيد أهل العيان، وعلى التوحيد العام، أعني توحيد أهل البرهان، فالتوحيد الخاص له مقامان: مقام الأسرار الجبروتية، ومقام الأنوار الملكوتية، فكلمة
_________________
(١) الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد، ص ٢٨٧.
(٢) الإخنائية (الرد على الإخنائي)، ص ٤١٩.
(٣) البحر المديد ١/ ١٩٢، وينظر: الجواهر العجيبة، ص ٢٢ - ٢٣.
[ ٢٢٢ ]
(هو) تسير إلى مقام الأسرار اللطيفة الأصلية الجبروتية، و(الله) يشير إلى مقام الأنوار الكثيفة المتدفِّقة من بحر الجبروت، ووصفه تعالى بالأحدية والصمدية والتنزيه عن الولد والوالد يحتاج إلى استدلالٍ وبرهان، وهو مقام الإيمان، والأول مقام الإحسان" (^١).
وقال أيضًا عند قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (^٢).
التوحيد على قسمين:
١ - توحيد البرهان: وهو إفراد الحق بالصفات والأفعال والذات من طريق البرهان.
٢ - توحيد العيان: وهو إفراد الحق بالوجود في الأزل والأبد (^٣).
وقصده من المسمَّيات التي أطلقها على أقسام التوحيد قال: "وأما عالم الجبروت فهو البحر اللطيف الفياض الذي يتدفَّق منه أنوار الملكوت، وهو ما لم يقع التجلِّي من الكنز المصون، والسر المكنون" (^٤)، وقال أيضًا: "عالم الجمع، وعالم القدرة، وعالم الملكوت، وعالم الأرواح، وعالم الغيب" (^٥).
وهنا تلحظ تقسيمه للذات الإلهية، إلى الجبروتية، والملكوتية.
ثم قال: "والحاصل أنَّ الأشياء كلها قائمة بين ذاتٍ وصفات، بين حسٍّ ومعنى، بين قدرةٍ وحكمة، فستر الحق سبحانه معاني أسرار الذات اللطيفة بظهور الذوات الكثيفة، وستر المعنى اللطيف بالحسِّ الكثيف، وستر القدرة بالحكمة، والكل
_________________
(١) البحر المديد ٦/ ٥٣٦ - ٥٣٧.
(٢) سورة البقرة: ١٦٣.
(٣) معراج التشوف إلى حقائق التصوف، ص ٥٦.
(٤) كشف النقاب عن سر الألباب، ص ١٨١.
(٥) المرجع نفسه، ص ١٨١.
[ ٢٢٣ ]
من الله، وإلى الله، ولا موجود سواه، وهذه الكثائف الظاهرة هي أرديةٌ وقمصٌ للمعاني اللطيفة" (^١).
ويقول: "اعلم أن الله تعالى كان كنزًا مخفيًّا، لطيفًا أزليًّا، لم يعرفه أحد، فلما أراد أن يعرف تجلّى بتجليات من ذلك الكنز، كثَّفها وأظهرها بمقتضى اسمه الظاهر، ثم أبطنها بمقتضى اسمه الباطن، فصارت ظاهرة باطنة، أبطنها بما أظهر عليها من أحكام العبودية، وأوصاف البشرية، ونعوت الحدثية من حسن التكوين والتشكيل والتغيير والتحيُّز، ولا حادث في الحقيقة، إنما تجدد لها التجلِّي والظهور، فبطنت بعد ظهورها، فمن نظر لأصلها وغاب عن حسِّها لم ينحجب بها عن الحقِّ تعالى، ورآه ظاهرًا فيها، ومن وقف مع حسِّها الظاهر حجب بها عن شهود الحق وصارت في حقه ظلمة
إلى أن قال: والحاصل أنَّ الوجود واحد، وهو وجود الحق تعالى، فما وقع به التجلِّي من نظره بعين الجمع سمَّاه ملكوتًا وما لم يقع به التجلِّي من الأسرار اللطيفة الغيبية فهو جبروت" (^٢).
وهذا التقسم اشتمل على مخالفات عقدية عدة بيانها كالتالي:
١ - أقسام التوحيد التي ذكرها ابن عجيبة لم ترد لا في الكتاب ولا في السُّنَّة، بل اشتمل على الرموز والإشارات الخفيَّة، ولم يكن دين الله - ﷿ - رمزًا (^٣)، ولقد استفاضت الآيات القرآنية بذكر أقسام التوحيد، ومما يدلُّ على ذلك سورة الفاتحة التي دلَّت على أقسام التوحيد فتوحيد الربوبية والأسماء والصفات مبيَّن في قوله تعالى:
_________________
(١) إيقاظ الهمم، ص ٢٨٧.
(٢) كشف النقاب عن سر الألباب، ص ٩٩ - ١٠٠.
(٣) ينظر: مدارج السالكين ٣/ ٤٨٦.
[ ٢٢٤ ]
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١)، فالحمد يتضمَّن مدح المحمود بصفات كماله مع محبته والرضا عنه، وهذا متضمِّنٌ لنفي النقائص والعيوب، وقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يدلُّ على ربوبيته وتدبيره لجميع خلقه كما يشاء، وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (^٢) يدلُّ على توحيد الأسماء والصفات، وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (^٣) يدلُّ على الربوبية المطلقة (^٤).
وقوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (^٥)، قال الشيخ السعدي: "اشتملت الآية على أصول عظيمة على توحيد الربوبية وأنه تعالى ربُّ كلِّ شيء وخالقه ورازقه ومدبِّره، وعلى توحيد الألوهية والعبادة وأنَّه تعالى الإله المعبود، وعلى أنَّ ربوبيته موجب لعبادته وتوحيده؛ ولهذا أتى بالفاء في قوله: " ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ الدالة على السبب؛ أي فكما أنَّه ربُّ كلِّ شيءٍ فليكن هو المعبود حقًّا فاعبده، ومنه الاصطبار لعبادته تعالى وهو جهاد النفس، وتمرينها وحملها على عبادة الله تعالى فيدخل في هذا أعلى أنواع الصبر، وهو الصبر على البليَّات، فإنَّ الصبر عليها وعدم تسخيطها والرضى عن الله تعالى بها من أعظم العبادات الداخلة في قول الله تعالى: ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، واشتملت الآية على أنَّ الله تعالى كاملٌ في الأسماء والصفات عظيم النعوت جليل القدر، وليس في ذلك شبيهٌ ولا نظيرٌ ولا سمي، بل تفرَّد بالكمال المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات" (^٦).
_________________
(١) سورة الفاتحة: ٢.
(٢) سورة الفاتحة: ٣.
(٣) سورة الفاتحة: ٤.
(٤) ينظر: مدارج السالكين ١/ ٨٤، وحقيقة التوحيد بين أهل السُّنَّة والمتكلمين، ص ٨٤.
(٥) سورة مريم: ٦٥.
(٦) المواهب الربانية من الآيات القرآنية ١/ ٦٠.
[ ٢٢٥ ]
٢ - أنَّ غاية ما عندهم هو شهود هذا التوحيد، وهو أن يشهد أنَّ الله ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكه وخالقه، لا سيِّما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، فابن عجيبة وغيره من المتصوفة الذين يشهدون الحقيقة الكونية، المتضمِّنة لخلق الله وإيجاده، وأغفلوا الحقيقة الشرعية المتضمِّنة لأمر الله ونهية، واتباع ما جاء به من الهدى والنور، والحق في ذلك أن يجمع بين شهود الحقيقتين الكونية والشرعية (^١).
٣ - القول بوحدة الوجود، وتصور مذهبهم هذا كافٍ في بيان فساده، إذ التوحيد عندهم: "أنَّ الحقَّ المنزَّه هو عين الخلق المشبَّه، وأنَّه سبحانه هو عين وجود كل موجود، وحقيقته وماهيته، وأنَّه آية كلِّ شيء، وله فيه آية تدلُّ على أنه عينه، وهذا عند محققيهم من خطأ التعبير، بل هو نفس الآية، ونفس الدليل، ونفس المستدل، ونفس المستدل عليه، فالتعدد بوجود اعتبارات وهمية، لا بالحقيقة والوجود، فهو عندهم عين الناكح، وعين المنكوح وعين الذابح، وعين المذبوح، وعين الآكل، وعين المأكول.
ومن فروع هذا التوحيد: أنَّ فرعون وقومه مؤمنون كاملو الإيمان، عارفون بالله على الحقيقة، ومن فروعه: أنَّ عُبَّاد الأصنام على الحق والصواب، وأنهم إنما عبدوا عين الله سبحانه لا غيره، ومن فروعه: أنَّ الحق أن لا فرق في التحريم والتحليل بين الأُمِّ والأخت والأجنبيَّة، ولا فرق بين الماء والخمر، والزنا والنكاح، الكل في عينٍ واحدة، بل هو العين الواحدة، وإنما المحجوبون عن هذا السر قالوا: هذا حرام وهذا حلال، نعم هو حرام عليكم؛ لأنكم في حجاب عن حقيقة هذا
_________________
(١) ينظر: التدمرية ١/ ١٨٧
[ ٢٢٦ ]
التوحيد، ومن فروعه: أنَّ الأنبياء ضيَّقوا الطريق على الناس، وبعدوا عليهم المقصود، والأمر وراء ما جاءوا به، ودعوا إليه" (^١).
وقال ابن تيمية: "أمَّا كون وجود الخالق هو وجود المخلوق، فهذا كفرٌ صريحٌ باتفاق أهل الإيمان، وهو من أبطل الباطل في بديهة عقل كل إنسان، وإن كان منتحلوه يزعمون أنه غاية التحقيق والعرفان" (^٢).
٤ - زعم ابن عجيبة أنَّ الله - ﷿ - مفتقر لغيره تعالى عمَّا يقول علوًّا كبيرًا، فظهر في صورة خلقه، بعد أن لم يعرف.
وهذا من أشنع الباطل وأقبحه، فالله - ﷿ - غني عن عباده، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (^٣).
قال الشوكاني في تفسيره: "ذكر - ﷾ - افتقار خلقه إليه، ومزيد حاجتهم إلى فضله، فهم الفقراء إليه على الإطلاق وهو الغنيُّ على الإطلاق الحميد أي: المستحق للحمد من عباده بإحسانه إليهم.
ثم ذكر سبحانه نوعا من الأنواع التي يتحقق عندها افتقارهم إليه، واستغناؤه عنهم ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (^٤)، إن يشأ يفنكم ويأت بدلكم بخلق جديد يطيعونه ولا يعصونه، أو يأت بنوع من أنواع الخلق، وعالم من العالم غير ما تعرفون وما ذلك الإذهاب لكم والإتيان بآخرين على الله بعزيز أي: بممتنعٍ ولا متعسِّر" (^٥).
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/ ٤٦٦ - ٤٦٧.
(٢) مجموع الفتاوى ٢/ ٢٦.
(٣) سورة فاطر: ١٥.
(٤) سورة فاطر: ١٦.
(٥) فتح القدير ٤/ ٣٩٥.
[ ٢٢٧ ]
وعن النبي - ﷺ - فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: «يا عبادي إنِّي حرَّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا فلا تظالموا، يا عبادي كلُّكم ضالٌّ إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلُّكم جائعٌ إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلُّكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفرُ الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضرِّي فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيتُ كلَّ إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه» (^١).
وهذا الوصف لا يطلقه أحدٌ على الله - ﷿ - إلا من فسدت عقيدته والعياذ بالله، إذ لو كان الله - ﷿ - مفتقرًا لغيره دلَّ على حاجته إلى غيره، قال ابن تيمية: "فافتقاره إلى غيره بوجهٍ من الوجوه دليل عدم غناه، وعلى حاجته إلى غيره" (^٢)، ويقول أيضًا: "وهو سبحانه غنيٌّ عن العرش، وعن سائر المخلوقات لا يفتقر إلى شيءٍ من مخلوقاته، بل هو الحامل بقدرته العرش وحملة العرش" (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ٨/ ١٦، رقم ٦٧٣٧.
(٢) مجموع الفتاوى ٢/ ٣٤.
(٣) المرجع نفسه ١/ ٣٦٧.
[ ٢٢٨ ]
والقول الحق: قول أهل السُّنَّة والجماعة في تقسيم التوحيد وفق فهم سلف الأُمَّة قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والتوحيد الذي جاءت به الرُّسل ونزلت به الكتب هو توحيد الإلهية، وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له وهو متضمِّنٌ لشيئين: أحدهما التوحيد العلمي: وهو إثبات صفات الكمال له وتنزيهه عن النقائص وتنزيهه عن أن يماثله أحد في شيءٍ من صفاته فلا يوصف بنقص بحال ولا يماثله أحدٌ في شيءٍ من الكمال والتوحيد العملي الإرادي: أن لا يعبد الا إياه فلا يدعو إلا إيَّاه، ولا يتوكَّل إلا عليه ولا يخاف إلا إيَّاه ولا يرجو إلا إياه، ويكون الدين كله لله وهذا التوحيد يتضمَّن أنَّ الله خالق كل شيء وربه ومليكه لا شريك له في الملك" (^١).
وهذا التقسيم أيضًا ذكره ابن القيم قال: "التوحيد نوعان: نوع في العلم والاعتقاد، ونوع في الإرادة والقصد، ويُسمَّى الأول: التوحيد العلمي، والثاني: التوحيد القصدي الإرادي، لتعلُّق الأول بالأخبار والمعرفة، والثاني بالقصد والإرادة" (^٢).
وعرَّف هذين النوعين بقوله: "والتوحيد العلمي أساسه إثبات صفات الكمال للرب تعالى ومباينته لخلقه، وتنزيهه عن العيوب والنقائص والتمثيل، والتوحيد العملي أساسه تجريد القصد بالحب، والخوف، والرجاء، والتوكُّل، والإنابة، والاستعانة، والاستغاثة، والعبودية بالقلب، واللسان، والجوارح لله وحده فمدار ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه على هذين التوحيدين وأقرب الخلق إلى الله أقومهم بهما علمًا وعملًا" (^٣).
_________________
(١) الصفدية ٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩، وينظر: تلبيس الجهمية ١/ ٤٧٩.
(٢) مدارج السالكين ١/ ٧٥.
(٣) الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ٢/ ٤٠٢ - ٤٠٣.
[ ٢٢٩ ]
وكذلك من العلماء المحدثين الذي جاء عنهم تقسيم التوحيد وفق فهم سلف الأُمَّة هو ابن حِبَّان البستي (^١)، ظهر ذلك في مقدمة كتابه (نزهة الفضلاء وروضة العقلاء) إذ يقول فيه: "الحمد لله المتفرِّد بوحدانية الألوهية، المتعزِّز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، والعالم بتقلبها وأحوالها، المانّ عليهم بتواتر آلائه، المتفضِّل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي أنشأ الخلق حين أراد بلا معينٍ ولا مشير، وخلق البشر كما أراد بلا شبيهٍ ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بعزَّته إرادته، فألهمهم حسن الإطلاق، وركَّب فيهم تشعُّب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وعلى تشعُّب أخلاقهم يدورون، وفيما قضى وقدَّر عليهم يهيمون إلى أن قال: وأشهد أن لا إله إلا الله فاطر السموات العلا ومنشئ الأرضين والثرى، لا معقِّب لحكمه ولا راد لقضائه" (^٢).
ويذكر هذا التقسيم ابن أبي زيد القيرواني (^٣)، حيث قال: "من ذلك الإيمان والنطق باللسان أنَّ الله واحد لا إله غيره، ولا شبيه له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا والد له، ولا صاحبة له، ولا شريك له، ليس لأوَّليَّته ابتداء، ولا لآخرِيَّته انقضاء، لا يبلغ كُنه صفته الواصفون، ولا يحيطون بأمره المتفكرون بآياته، ولا يتفكرون في مائية ذاته (^٤) إلى
_________________
(١) أبو حاتم، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد التميمي الدارمي البستي، نسبةً إلى بُست ضمن أفغانستان، من مؤلفاته: علل أوهام المؤرخين، علل مناقب الزهري، الهداية إلى علم السنن، توفي سنة ٣٥٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٦/ ٩٢.
(٢) نزهة الفضلاء وروضة العقلاء، ص ١٧.
(٣) عالم أهل المغرب، أبو محمد، عبد الله ابن أبي زيد القيرواني المالكي، ولد سنة ٣١٠ هـ بالقيروان، يقال له مالك الصغير، قال عنه القاضي عياض: حاز رئاسة الدين والدنيا، من مؤلفاته: النوادر والزيادات، المدونة، كتاب الاقتداء بمذهب مالك، رسالته في الرَّد على القدرية، توفي سنة ٣٨٦ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٠ - ١١، والفهرست، ص ٢٣٥.
(٤) مائية ذاته: أي حقيقة ذاته، والمائية لا تكون إلا لذي الجنس والنوع وماله مثل، اللهم إلا أن يريد بذكر المائية ضربًا من المجاز والاتساع، فإذا سأل سائل بلفظها فقال: أخبروني عن الباري ما هو؟ قسمنا عليه بما يحتمل سؤاله. ينظر: شرح عقيدة ابن أبي زيد القيرواني في كتابه الرسالة، للقاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي، ص ١٦٥.
[ ٢٣٠ ]
أن قال تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد، أو يكون لأحدٍ عنه غنىً، أو يكون خالقٌ لشيءٍ إلا هو، ربُّ العباد وربُّ أعمالهم، والمقدِّر لحركاتهم وآجالهم، الباعث الرُّسل إليهم لإقامة الحجَّة عليهم" (^١).
سابعًا: الشرك في الربوبية
١ - زعم ابن عجيبة أنه أُعطيَ التصرُّف في الكون، قال: "رأيتُ في المنام قائلًا يقول لي: الليلة أُعطي سيدي أحمد بن عجيبة يتصرَّف في الكون" (^٢).
٢ - قال ابن عجيبة عن القطب الفرد: "هو المتصرِّف في الكون بهمَّته العالية، وبالأسرار الربَّانية، يقول للشيء كن فيكون، والكل خادمٌ له، القطب يعرف ما كان وما يكون، وهو القائم بحقِّ الكون، والمكوّن، وهو واحد" (^٣)، وقال أيضًا: "وأما تسميته بالغوث فمن حيث إغاثته للعوالم بهمَّته ومادته، ورتبته الخاصَّة" (^٤).
٣ - يزعم ابن عجيبة أنَّ شيخيه البوزيدي والدرقاوي (^٥) يجعلان الفقير غنيًّا بمجرد النظر والملاحظة (^٦).
_________________
(١) رسالة ابن أبي زيد القيرواني، ومعها إيضاح المعاني على رسالة القيرواني، ص ١٧.
(٢) الفهرسة، ص ٦٩.
(٣) رسائل النور الهادي، ص ١١٩، وينظر: سلسلة الفتوحات القدسية في شرح المقدمة الآجرومية، ص ١٠٢.
(٤) سلسلة الفتوحات القدسية في شرح المقدمة الآجرومية، ص ١٠٢، وينظر: معراج التشوف، ص ٨٠.
(٥) هو: العربي بن أحمد بن الحسين بن علي بن محمد بن يوسف الإدريسي الشهير بالدرقاوي؛ نسبةً إلى أحد أجداده أبي درقة، ولد سنة ١١٥٠ هـ بقبيلة بني زروال، وكانت وفاته سنة ١٢٣٩ هـ. ينظر: سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣.
(٦) ينظر: البحر المديد ٦/ ٣٦٨.
[ ٢٣١ ]
وقال في موضع آخر: "فمن أراد أن يمدَّه الله في باطنه بكمالات الربوبية من قوَّةٍ، وعلمٍ، وغنىً، وعزٍّ، ونصرٍ، وملك، فليتحقق في ظاهره بنقائص العبودية، من ذلٍّ، وفقرٍ، وضعفٍ وعجزٍ، وجهل" (^١).
٤ - ليس هناك خالق ولا مخلوق، ومن قال غير هذا فهو مشرك في الربوبية -بزعم- ابن عجيبة، يظهر ذلك من خلال شرحه لقول ابن مشيش (^٢): "وانشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة، حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد ولا أحس إلا بها"، وقال: "وأهل التحقيق لم يثبتوا مع الحقِّ سواه، ورأوا الكلَّ منه وإليه فالكلُّ دون الله، إنَّ حقيقته عدم على التفصيل والإجمال" (^٣).
وقال أيضًا: "ومن أوحال التوحيد فانشلني إنها عقائد أهل الزيغ والجهل والبعد، وفي عين بحر الذات أغرقني إنه محل شهود الحق في كل مشهد" (^٤).
وقال أيضًا: "من كحَّل عينيه بإثمد توحيد الذات لا يستبعد أن يكون الحق ﷻ يتجلَّى بتجلٍّ خاصٍّ من أسرار ذاته وأنوار صفاته إذ تجلِّياته لا تنحصر، بل كل ما ظهر في عالم الشهادة فإنما هو نورٌ من تجلِّي ذاته" (^٥).
وهذه الأقوال السابقة تُعدُّ من الانحراف العظيم في باب الاعتقاد؛ لما فيها من التعدي على خصائص ربوبية الله - ﷿ - والتي خالف فيها النصوص الشرعية التي
_________________
(١) البحر المديد ٣/ ١٥١.
(٢) عبد السلام بن مشيش بن أبي بكر منصور بن علي، ولد في جبل العلم القريب من تطوان، وتوفي به سنة ٦٢٥ هـ، اشتهر بالصلاة المشيشية، وهي ورد لأهل الوحدة والاتحاد. ينظر: الروض العطر الأنفاس، ص ٣١٢، طبقات الشاذلية، ص ٨٥.
(٣) شرح صلاة القطب ابن مشيش، ص ٣١.
(٤) الفهرسة، ص ١٠٨.
(٥) البحر المديد ٢/ ٢٢٥.
[ ٢٣٢ ]
دلَّت على تصرف الله - ﷿ - المطلق في الكون، ومن ادَّعى غير ذلك فقد أشرك في الربوبية، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (^١).
قال الشيخ السعدي في تفسيره: يقول تعالى مبيِّنًا لربوبيته وإلهيته وعظمته خلقه لها في ستة أيام مع أنه قادر على خلقها في لحظة واحدة، ولكن لما له في ذلك من الحكمة الإلهية، ولأنَّه رفيقٌ في أفعاله.
ومن جملة حكمته فيها أنَّه خلقها بالحقِّ وللحق، ليعرف بأسمائه وصفاته ويفرد بالعبادة.
ثم بعد خلق السماوات والأرض استوى على عرشه استواءً يليق بعظمته.
ويُدَبِّرُ الأمْرَ في العالم العلوي والسُّفلي من الإماتة والإحياء، وإنزال الأرزاق، ومداولة الأيام بين الناس، وكشف الضرِّ عن المضرورين، وإجابة سؤال السائلين.
فأنواع التدابير نازلة منه وصاعدة إليه، وجميع الخلق مذعنون لعزِّه خاضعون لعظمته وسلطانه (^٢).
قال ابن تيمية: "فما من مخلوق إلا له شريك وند، والرَّبُّ سبحانه وحده هو الذي لا شريك له ولا ندَّ بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا لا يستحق غيره أن يُسمَّى خالقًا ولا ربًّا مطلقًا ونحو ذلك" (^٣).
_________________
(١) سورة يونس: ٣.
(٢) ينظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان ١/ ٣٥٧.
(٣) مجموع الفتاوى ٢/ ٣٥.
[ ٢٣٣ ]
وقال أيضًا: "والقرآن ملآن من توحيد الله تعالى وأنَّه ليس كمثله شيء، فلا يمثل به شيءٌ من المخلوقات في شيءٍ من الأشياء إذ ليس كمثله شيءٌ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا فيما يستحقه من العبادة والمحبة والتوكل والطاعة والدعاء وسائر حقوقه، قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (^١) فلا أحد يساميه، ولا يستحق أن يُسمَّى بما يختصُّ به من الأسماء ولا يساويه في معنى شيءٍ من الأسماء لا في معنى الحي ولا العليم ولا القدير ولا غير ذلك من الأسماء ولا في معنى الذات والموجود ونحو ذلك من الأسماء العامَّة ولا يكون إلهًا ولا ربًّا ولا خالقًا، فقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^٢).
فلم يكن أحدٌ يكافئه في شيءٍ من الأشياء: فلا يساويه شيءٌ ولا يماثله شيءٌ ولا يعادله شيء" (^٣).
ويبيِّن ابن القيم حقيقة الشرك عند المتصوفة الذي أشركوا مع الله - ﷿ - إذ يقول: "ومذهب القوم أنَّ عُبَّاد الأوثان وعُبَّاد الصُّلبان وعُبَّاد النيران وعُبَّاد الكواكب كلّهم موحِّدون، ومن عبد النار والصليب فهو موحِّدٌ عابدٌ لله، والشرك عندهم إثبات وجود قديمٍ وحادثٍ وخالقٍ ومخلوقٍ وربٍّ وعبد، ولهذا قال بعض عارفيهم وقد قيل له: القرآنُ كلُّه يبطل قولكم، فقال: القرآنُ كلُّه شركٌ والتوحيد هو ما نقوله" (^٤).
_________________
(١) سورة مريم: ٦٥.
(٢) سورة الإخلاص: ١ - ٤.
(٣) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٣٦٦.
(٤) مدارج السالكين ٣/ ٥٤٢.
[ ٢٣٤ ]
ثامنًا: طريقة ابن عجيبة في إثبات دلائل توحيد الربوبية
قسَّم ابن عجيبة الناس إلى قسمين في طريقة إثبات دلائل الربوبية، فقال: "والناس على قسمين: أهل تصديق وإيمان، وأهل شهود وعيان، فأهل التصديق والإيمان هم عامَّة أهل اليمين، وهم أكثر المسلمين من العلماء والصالحين، ويستندون في معرفتهم بالله إلى الدليل والبرهان، فتارة يقوى عندهم الدليل، فيترقون عن اتباع الظن إلى الجزم والتصميم، وتارة يضعف فيرجعون إلى اتباع الظن الراجح، وأمَّا الشهود والعيان فقد غابت عنهم الأكوان في شهود المكون، فصاروا يستدلون بالله على وجود غيره، فلا يجحدونه، حتى قال بعضهم: لو كُلِّفت أن أرى غيره لم أستطع، فإنه لا غير معه حتى أشهده، محال أن تشهده وتشهد معه سواه" (^١).
وقال أيضًا: "التوحيد الذي ينتجه الدليل والبرهان يعتريه الزيادة والنقصان، إذ قد تعرض له الشكوك والأوهام" (^٢)، وقال أيضًا: النظر في دلائل الكائنات من غير تنوير، ولا صحبة أهل التنوير لا تزيد إلا حيرة" (^٣)، وقال "لا يستوي العالم بالله مع الجاهل به، العالم يعبده على العيان، والجاهل به في مقام الاستدلال والبرهان، العالم بالله يستدل بالله على غيره، والجاهل به يستدل بالأشياء على الله" (^٤)، وقال: "وكل من كان محجوبًا عن الله يستدلُّ بغيره فهو من البله" (^٥)، وقال: "كل من لم يعرف
_________________
(١) البحر المديد ٢/ ٤٧١.
(٢) شرح خمرية ابن الفارض، ص ٥٠.
(٣) البحر المديد ٥/ ٣٠١.
(٤) المرجع نفسه ٥/ ٨٥.
(٥) نفسه ٦/ ٩٤.
[ ٢٣٥ ]
الله معرفة العيان فهو من الأُمِّيين" (^١)، وفسَّر قول الله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (^٢)، "هم الذين حبسهم الجهل والتقليد، فلم تنفذ بصائرهم إلى خالص التوحيد، فنكصوا عن توحيد العيان إلى توحيد الدليل والبرهان، وهو ضلال أهل الشهود والعيان، ولو بلغ في الصلاح غاية الإمكان" (^٣).
والقول الذي عليه أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ كل ما في الكون من آيات قولية وكونية، وسمعية دالة على ربوبيته الله - ﷾ - ولا تعارض بينهما، قال ابن القيم: "والتعلق بها استدلالًا ونظرًا في آيات الرَّبِّ ليصل إلى الله - ﷿ - هو التوحيد والإيمان" (^٤).
وقال أيضًا: "والمقصود: أنَّ الله سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالةً عليه، فإنَّ دلالتها إنما هي بخلقه وجعله، ويشهد بآياته القولية الكلامية المطابقة لما شهدت به آياته الخلقية، فتتطابق شهادة القول وشهادة الفعل، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (^٥).
أي أن القرآن حق، فأخبر أنه يدلُّ بآياته الأفقية والنفسية على صدق آياته القولية الكلامية" (^٦).
_________________
(١) البحر المديد ٦/ ١٤٨.
(٢) سورة الفاتحة: ٧.
(٣) البحر المديد ١/ ٦٧.
(٤) مدارج السالكين ٣/ ٥٢٤.
(٥) سورة فصلت: ٥٣.
(٦) مدارج السالكين ٣/ ٥٢٤.
[ ٢٣٦ ]
وهذه الشواهد الكونية دلالة على الكمال الإلهي لله - ﷿ - قال ابن القيم: "يصحُّ بالشواهد أي: بالأدلة والآيات والبراهين، وهذا مما يدلُّ على كماله وشرفه، أن قامت عليه الأدلة ونادت عليه الشواهد وأوضحته الآيات والبراهين، وما عداه فدعاوى مجرَّدة لا يقوم عليها دليلٌ ولا تصحُّ بشاهد، فكلُّ توحيدٍ لا يصحُّ بشاهد فليس بتوحيد، فلا يجوز أن يكون توحيدًا أكمل من التوحيد الذي يصح بالشواهد والآيات، وتوحيد القرآن من أوله إلى آخره كذلك" (^١).
وبهذه الدلائل يعرف الله - ﷾ -، والرُّسُل ﵈ أخبروا عن الله - ﷿ - بكلامه، قال ابن القيم: "وأمَّا آياته العيانية الخلقية، والنظر فيها والاستدلال بها: فإنَّها تدلُّ على ما تدلُّ عليه آياته القولية السمعية، وآيات الرَّب: هي دلائله وبراهينه التي بها يعرفه العباد، وبها يعرفون أسماءه وصفاته، وتوحيده، وأمره ونهيه، فالرُّسل تخبر عنه بكلامه الذي تكلَّم به، وهو آياته القولية، ويستدلُّون على ذلك بمفعولاته التي تشهد على صحة ذلك، وهي آياته العيانية، والعقل يجمع بين هذه وهذه، فيجزم بصحة ما جاءت به الرُّسل، فتتفق شهادة السَّمع والبصر والعقل والفطرة" (^٢).
وشبهته التي بثَّها في قوله العارف لا يحتاج إلى دليل يستدل به على الله - ﷿ - بل الله أغناه عن الدليل، مقلوبة عليه ودحضها ابن القيم بقوله: "قوله (^٣): (ويسلك سبيل إسقاط الحدث) يريد أنه في هذا الشهود، وهذه الملاحظة المذكورة: سالكٌ سبيل الذين شهدوا عين الأزل، فنفى عنهم شهود الحدث، وذلك بالفناء في حضرة الجمع، فإنها هي التي يفنى فيها من لم يكن، ويبقى فيها من لم يزل.
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/ ٥٠٦ - ٥٠٧.
(٢) المرجع نفسه ٣/ ٤٨٣.
(٣) يقصد صاحب منازل السائرين.
[ ٢٣٧ ]
فإن أراد بإسقاط الحدث: أنه يعتقد نفي حدوث شيء، فهذا مكابرة للحس والشهود، وإن أراد إسقاط الحدث من قلبه، فلا يشهد حادثًا ومحدثًا -وهذا مراده- فهذا خلاف ما أمر الله ورسوله به، وخلاف الحق، فإنَّ العبد مأمور أن يشهد: أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، ويشهد أنَّ الجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيين حق، ويشهد حدوث المحدثات بإحداث الرَّبِّ تعالى لها بمشيئته وقدرته، وبما خلقه من الأسباب، ولما خلقه من الحكم، ولم يأمر العبد -بل لم يرد منه- أن لا يشهد حادثًا ولا حدوث شيء، وهذا لا كمال فيه، ولا معرفة، فضلًا عن أن يكون غاية العارف، وأن يكون توحيد الخاصَّة، والقرآن -من أوله إلى آخره- صريحٌ في خلافه، فإنَّه أمر بشهود الحادثات والكائنات، والنظر فيها، والاعتبار بها، والاستدلال بها على وحدانية الله سبحانه، وعلى أسمائه وصفاته، فأعرف الناس به، وبأسمائه وصفاته أعظمهم شهودًا لها، ونظرًا فيها، واعتبارًا بها، فكيف يكون لبُّ التوحيد وقلبه وسرُّه: إسقاطها من الشهود" (^١).
وبهذا يتضح لكلِّ من كان له قلب أو ألقى السَّمع وهو شهيد البون الشاسع بين أدلة السلف الواضحة والموافقة للوحيين وأدلة المتكلِّمين، وهذا الذي أكَّده ابن القيم حين قال: "وكثيرًا ما يكون الدليل الذي عرف به الحق أصح من كثير من أدلة المتكلِّمين ومقدماتها، وأبعد عن الشبه، وأقرب تحصيلًا للمقصود، وإيصالًا إلى المدلول عليه، بل من استقرأ أحوال الناس رأى أنَّ كثيرًا من أهل الإسلام -أو أكثرهم- أعظم توحيدًا، وأكثر معرفةً، وأرسخ إيمانًا من أكثر المتكلِّمين وأرباب النظر والجدال، ويجد عندهم من أنواع الأدلة والآيات التي يصحُّ بها إيمانهم ما هو أظهر
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/ ٥٢٧ - ٥٢٨.
[ ٢٣٨ ]
وأوضح وأصح مما عند المتكلمين، وهذه الآيات التي ندب الله عباده إلى النظر فيها، والاستدلال بها على توحيده، وثبوت صفاته وأفعاله، وصدق رسله هي آيات مشهودةٌ بالحس، معلومة بالعقل، مستقرِّة في الفِطَر، لا يحتاج الناظر فيها إلى أوضاع أهل الكلام والجدل، واصطلاحهم، وطرقهم البتة، وكلُّ من له حسٌّ سليم، وعقلٌ يميِّز به يعرفها ويقرُّ بها، وينتقل من العلم بها إلى العلم بالمدلول، وفي القرآن ما يزيد على عشرات ألوف من هذه الآيات البيِّنات، ومن لم يحفظ القرآن فإنَّه إذا سمعها وفهمها وعقلها انتقل ذهنه منها إلى المدلول أسرع انتقال وأقربه.
وبالجملة: فما كلُّ من علم شيئًا أمكنه أن يستدلَّ عليه، ولا كل من أمكنه الاستدلال عليه يحسن ترتيب الدليل وتقريره" (^١).
تاسعًا: زعم ابن عجيبة أن التوحيد الخاص سرٌّ لا يمكن لأحدٍ معرفته ولو ظهر لأبيح دم من أظهره
قال ابن عجيبة: "أنوار السرائر هي العلوم اللدنية والمعارف الربانية، ويجمعها علم الربوبية الذي يجب كتمه عن غير أهله، ومن أباحه أُبيح دمه؛ وهو الذي قتل بسببه الحلاج" (^٢).
وقال في موضع آخر: "كلُّ من أفشى سر الربوبية سلَّط الله عليه سيف الشريعة، فيباح دمه ويُهتك عرضه، كما وقع للحلاج وغيره والمراد بسر الربوبية: التوحيد الخاص: الذي هو الشهود والعيان المخصوص بأهل العرفان" (^٣).
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/ ٥٠٨.
(٢) إيقاظ الهمم، ص ٢٨٦.
(٣) شرح قصيدة يامن تعاظم، ص ٢٠ - ٢٢.
[ ٢٣٩ ]
وهذه دعاوى عارية من الصحَّة ولا مستند لها بل هي مصادمة لمنهج الأنبياء في بيان التوحيد.
يقول ابن القيم: "أفضل صفوة الرَّب تعالى: الأنبياء، وأفضلهم: الرُّسُل، وأفضلهم: أولو العزم، وأفضلهم: الخليلان عليهما الصلاة والسلام، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، والذي ألاحه الله إلى أسرارهم من ذلك هو أكمل توحيد عرفه العباد، ولا أكمل منه، وليس وراءه إلا الشطح والدعاوى والوساوس، وهم -صلوات الله وسلامه عليهم- قد تكلَّموا بالتوحيد وأوضحوه وقرروه، بحيث صار في حيِّز التجلِّي والظهور والبيان، فعقلته القلوب، وحصَّلته الأفئدة، ونطقت به الألسنة، وأوضحته الشواهد، وقامت عليه البراهين، ونادت عليه الدلائل، ولا يمكن أحدٌ أن ينقل عن نبيٍّ من الأنبياء، ولا وارث نبيٍّ داع إلى ما دعا إليه أنه يعلم توحيدًا لا يمكنه النطق به، وأنَّ الله سبحانه أخرسه عن نطقه وأعجزه عن بثِّه، بل كلُّ ما علمه القلب أمكن اللسان التعبير عنه، وإن اختلفت العبارة ظهورًا وخفاءً، وبين ذلك، وقد لا يفهمه إلا بعض الناس، فالناس لم تتفق أفهامهم لما جاءت به الرُّسُل.
كيف يقال: إنَّ أعرف الخلق وأفصحهم وأنصحهم عاجزٌ أن يبيِّن ما عرفه الله من توحيده، وأنَّه عاجزٌ عن بثِّه؟ فما هذا التوحيد الذي عجزت الأنبياء والرُّسُل عن بثِّه، ومنعوا من النُّطق به، وعرفه غيرهم؟ " (^١).
ولهذا كان مسلك أهل السُّنَّة والجماعة في بيان إثبات توحيد الربوبية مسلكًا شرعيًّا من القرآن والسُّنَّة، وهي طريقة منهج الأنبياء ومن سار على نهجهم من العلماء بخلاف ما اعتقده ابن عجيبة.
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/ ٥٣٥ - ٥٣٦.
[ ٢٤٠ ]
"وفي هذه الأُمَّة -ولله الحمد- لم يزل فيها من يتفطَّن لما في كلام أهل الباطل من الباطل ويرده، وهم لما هداهم الله به يتوافقون في قبول الحق، ورد الباطل رأيًا وروايةً من غير تشاعر ولا تواطُؤ" (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٩/ ٢٣٣.
[ ٢٤١ ]
المبحث الثاني: مسائل الأسماء والصفات
أولًا: تعريف الاسم والصفة لغةً
اختلف النحويُّون في أصل اشتقاق (اسم) على قولين:
القول الأول: أنَّ الاسم مشتَّقٌّ من الوسم وهو: العلامة، والأصل في (اسم) (وسم) إلا أنه حذفت منه الفاء التي هي الواو في (وسم)، وزيدت الهمزة في أوله عوضًا عن المحذوف، ووزنه أُعلَّ لحذف الفاء منه، وهذا قول الكوفيين.
القول الثاني: أنَّه مشتَّقٌّ من السُّمو وهو: العلو؛ لأنه يدلُّ على مسمَّاه فيرفعه ويُظهره، وهذا القول للبصريين، وحجَّتهم في ذلك: أنَّه مشتَّقٌّ من السُّمو؛ لأنَّ السُّمو في اللغة هو العلو يقال: سما يسمو سموًّا: إذا علا، ومنه سُمِّيت السماء سماءً لعلوّها، والاسم يعلو على المسمَّى ويدلُّ على ما تحته من المعنى، ولذلك قال: أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد (^١): الاسم ما دلَّ على مُسمَّى تحته، وهذا القول كاف في الاشتقاق لا في التحديد، فلمَّا سما الاسم على مسمَّاه وعلا على ما تحته من معناه دلَّ على أنَّه مشتَّقٌّ من السُّمو" (^٢).
قال ابن يعيش (^٣) عن هذا الخلاف:
_________________
(١) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي البصري، المعروف بالمبِّرد، إمام العربية ببغداد في زمانه، ولد بالبصرة سنة ٢١٠ هـ، ومن شيوخه: الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر الرياشي، وأبان بن رزين البصري، ومن تلاميذه: أحمد بن جعفر الدينوري، والأخفش أبو الحسن علي بن سليمان، له مصنفات منها: الكامل، المقتضب، المقصور والممدود، معاني القرآن، مات سنة ٢٨٥ هـ، ودفن بمقابر بغداد. ينظر: بُغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة ١/ ٢٦٩.
(٢) ينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين، الأنباري، ص ٥، والمخصص ١٧/ ١٤٣.
(٣) أبو البقاء، يعيش بن علي بن يعيش، موفق الدين الأسدي المعروف بابن يعيش، ولد سنة ٥٣٣ هـ، وتوفي ٦٤٣ هـ، من مصنفاته: شرح المفصَّل. ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٣٤١، الأعلام ٨/ ٢٠٦.
[ ٢٤٢ ]
"وكلامهما حسنٌ من جهة المعنى، إلا أنَّ اللَّفظ يشهد مع البصريين؛ ألا ترى أنك تقول: أسميتهُ: إذا دعوته باسمه، أو جعلت له اسمًا، والأصلُ: أسموته، فقلبوا الواو ياءً، لوقوعها رابعة، على حدِّ: (أدعيت وأغريت)؛ ولو كان من (السِّمة) لقيل: أوسمته؛ لأن لام (السُّمو) واو تكون آخرًا، وفاء (السِّمة) واو تكون أولًا" (^١).
وأمَّا الصِّفة فتطلق في لغة العرب على تحلية الشَّيء ونعته، يقال: وصفتُ الشَّيءَ وصفًا وصِفةً، والهاء في صفة عوضٌ من الواو إذا أخبرت عن أمارته اللازمة لحليته ونعته (^٢)، والوصف والصِّفة مصدران، كالوَعد والعِدَة، والوَزن والزِّنة، يراد به تارةً هذا وتارةً هذا (^٣).
ثانيًا: تعريف توحيد الأسماء والصفات اصطلاحًا
عرَّفه ابن تيمية - ﵀ - بقوله: "فأمَّا الأول: وهو التوحيد في الصفات، فالأصل في هذا الباب: أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله -﵈- نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله - ﷿ - ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه" (^٤).
وعرَّفه الشيخ السعدي - ﵀ - بقوله: "هو اعتقاد انفراد الرب -ﷻ- بالكمال المطلق من جميع الوجوه، بنعوت العظمة والجلال والجمال، التي لا يشاركه فيها مشارك بوجه من الوجوه، وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله
_________________
(١) المفصل ١/ ٢٣.
(٢) ينظر: تهذيب اللغة ١٢/ ٢٤٨، مقاييس اللغة ٦/ ١١٥.
(٣) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٤٠، ٣/ ٣٣٥.
(٤) المرجع نفسه ٣/ ٣. وينظر: الإبانة الكبرى ٦/ ١٧٢ - ١٧٣، لوامع الأنوار البهية ١/ ١٢٩.
[ ٢٤٣ ]
- ﷺ - من جميع الأسماء والصفات، ومعانيها وأحكامها، الواردة في الكتاب والسُّنَّة على الوجه اللائق بعظمته وجلاله من غير نفيٍ لشيءٍ منها ولا تعطيل، ولا تحريف ولا تمثيل، ونفي ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله - ﷺ - من النقائص والعيوب، وعن كل ما ينافي كماله" (^١).
ثالثًا: معتقد أهل السُّنَّة والجماعة في أسماء الله وصفاته
أهل السُّنَّة والجماعة يؤمنون بما وردت به نصوص القرآن والسُّنَّة الصحيحة إثباتًا ونفيًا فهم بذلك يُسَمُّون الله بما سمَّى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله - ﷺ -.
ويثبتون لله - ﷿ - صفاته بما وصف نفسه في كتابه أو على لسان رسوله - ﷺ - من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيل.
وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله محمد - ﷺ - مع اعتقاد أنَّ الله موصوفٌ بكمال ضدِّ ذلك الأمر المنفيّ (^٢).
فأهل السُّنَّة طريقتهم في هذا الباب طريقة الكتاب والسُّنَّة لا يحيدون عنها، قال ابن تيمية: "وطريقة سلف الأمة وأئمتها: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ولا تكييفٍ ولا تمثيل؛ إثباتٌ بلا تمثيل، وتنزيهٌ بلا تعطيل، إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهذا ردٌّ على الممثِّلة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٣) ردٌّ على المعطلة.
_________________
(١) القول السديد في مقاصد التوحيد، ص ٤٠.
(٢) ينظر: معتقد أهل السُّنَّة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، للتميمي، ص ٥٦.
(٣) سورة الشورى: ١١.
[ ٢٤٤ ]
فقولهم في الصفات مبنيٌّ على أصلين:
أحدهما: أنَّ الله - ﷿ - منزَّه عن صفات النقص مطلقًا كالسِّنة، والنوم، والعجز، والجهل، وغير ذلك.
والثاني: أنه متصفٌ بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجهِ الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيءٌ من المخلوقات في شيءٍ من الصفات" (^١).
رابعًا: الأسس الثلاثة التي يرتكز عليها معتقد أهل السُّنَّة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته
الأساس الأول: الإيمان بما وردت به نصوص القرآن والسُّنَّة الصحيحة من أسماء الله وصفاته إثباتًا ونفيًا.
الأساس الثاني: تنزيه الله عن أن يُشْبِهَ شيءٌ من صفاته شيئًا من صفات المخلوقين.
الأساس الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الله بتلك الصفات (^٢).
خامسًا: موقفه من أسماء الله الحسنى وصفاته العُلى
لا ريب أنَّ باب الأسماء والصفات من أهم مباحث العقيدة، فمن ظفر به فقد فاز وغنم، ومن صُرف عنه فقد خسر وحُرم (^٣)، وابن عجيبة فاته كثيرٌ من فضائل هذا الباب؛ نظرًا لمعتقده الأشعري الصوفي، فقد سلك مسالك خالف فيها عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة، وإن كان في بعض الأمور وافق أهل السُّنَّة قولًا، ولكن خالفهم عمليًّا، وسيأتي بيان ذلك في الأمور الآتية:
_________________
(١) منهاج السُّنَّة ٢/ ٥٢٣.
(٢) ينظر: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات، ص ٢٥.
(٣) ينظر: تهذيب السنن ١/ ٩٢ - ٩٣.
[ ٢٤٥ ]
أولًا: آراؤه في أسماء الله - ﷿ - الحُسنى
أ طريقته في إثبات الأسماء الحسنى
ابن عجيبة يقول بإثبات أسماء الله وأنها كثيرة، ويذكر في بعض أقواله أنَّ الذي ورد فيه التوقيف تسعةٌ وتسعون اسمًا، فقال: "أسماء الحق تعالى كثيرة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^١)، والذي ورد بها التوقيف تسعةٌ وتسعون (^٢).
وقول ابن عجيبة بأنَّ أسماء الله كثيرة حقٌّ عليه جماهير أهل العلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "الذي عليه جماهير المسلمين أنَّ أسماء الله أكثر من تسعةٍ وتسعين" (^٣).
ويقول أيضًا: "إنَّ أهل المعرفة مهما حصَّلوا من المعرفة واليقين والهدى فهناك أمور لم يصلوا إليها فهذا صحيح" (^٤)، كما قال النبي - ﷺ -: «اللهم إنِّي أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك سمَّيت به نفسَك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همِّي وغمِّي» (^٥).
_________________
(١) سورة الأعراف: ١٨٠.
(٢) سلسلة الفتوحات القدوسية في شرح المقدمة الآجرومية، ص ٩٠.
(٣) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٨١ - ٣٨٢
(٤) الفتاوى الكبرى ٥/ ٥٧.
(٥) أخرجه أحمد ١/ ٤٥٢، رقم ٤٣١٨، وابن أبى شيبة ٦/ ٤٠، رقم ٢٩٣١٨، والطبراني ١٠/ ١٦٩، رقم ١٠٣٥٢، وابن حبَّان في صحيحه باب الأدعية، باب ذكر الأمر لمن أصابه حزن أن يسأل الله ذهابه عنه وإبداله إياه فرحًا ٣/ ٢٥٣، رقم ٩٧٢، والحاكم ١/ ٦٩٠، رقم ١٨٧٧، وقال: صحيح على شرط مسلم،، قال الهيثمي ١٠/ ١٣٦: رجاله رجالُ الصحيح غير أبي سلمة الجهمي، وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ١٩٩، رقم ٣٥٢٨.
[ ٢٤٦ ]
وعلَّق ابن تيمية على هذا الحديث بقوله: "من قال هذا أذهب الله همَّه وغمَّه وأبدله مكانه فرحًا، فقد أخبر أنَّ لله أسماء استأثر بها في علم الغيب عنده وهذه لا يعلمها ملكٌ مقرَّبٌ ولا بشر" (^١).
ومما يستدل بها العلماء في هذا الباب حديث النبي - ﷺ - الذي كان يدعو به في سجوده «اللهم إنِّي أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصى ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (^٢).
ووجه الدلالة من قول النبي - ﷺ -: «لا أحصى ثناء عليك» أنه - ﷺ - وهو أعلم الخلق بربه لا يحصي الثناءَ عليه؛ لكثرة أسمائه الحسنى التي استأثر الله بها في علم الغيب عنده (^٣).
وقال ابن القيم: "إنَّ الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد؛ فإنَّ لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملكٌ مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل، كما في الحديث الصحيح: «أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك، سمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك »، فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: قسم سمَّى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزل به كتابه، وقسم أنزل به كتابه فتعرَّف به إلى عباده، وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يُطلع عليه أحدًا من خلقه، ولهذا قال: (استأثرت به) أي انفردت بعلمه، وليس المراد انفراده بالتسمِّي به؛ لأنَّ هذا الانفراد ثابتٌ في الأسماء التي أنزل الله بها كتابه، ومن هذا قول: النبي - ﷺ - في حديث الشفاعة: «فيفتح عليَّ من محامده بما لا
_________________
(١) الإيمان الأوسط ١/ ١١٥.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، ١/ ٣٥٢، رقم ٤٨٦.
(٣) ينظر: بيان تلبيس الجهمية في بدعهم الكلامية ١/ ٣١٠، بتصرف.
[ ٢٤٧ ]
أحسنه الآن» (^١) (^٢).
ويقول أيضًا في بيان حديث النبي - ﷺ -: «إنَّ لله تسعةً وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» (^٣): "فالكلام جملة واحدة وقوله: «من أحصاها دخل الجنة» صفة لا خبر مستقبل، والمعنى: له أسماء متعددة من شأنها أنَّ من أحصاها دخل الجنَّة، وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها، وهذا كما تقول: لفلانٍ مائة مملوك وقد أعدَّهم للجهاد، فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم معدّون لغير الجهاد، وهذا لا خلاف بين العلماء فيه" (^٤).
وأمَّا زعمه أنَّ الذي ورد بها التوقيف تسعة وتسعون فهذا لا يوافق عليه؛ لأنها مدرجة في الحديث في عدِّ الأسماء الحسنى، والصحيح أنَّ ذكر التسعة والتسعين اسمًا اجتهادٌ من العلماء لم يرد في تعيينها نصٌّ صحيحٌ عن النبي - ﷺ - (^٥).
وقال الصنعاني: "اتفق الحفَّاظ من أئمة الحديث أنَّ سردها إدراج من بعض الرواة" (^٦).
ب: شرح ابن عجيبة أسماء الله الحسنى بما يوافق معتقده الأشعري
وذلك أنِّه يفسِّر الاسم بلازم معناه، وهو بهذه الطريقة يوافق الأشاعرة في موقفهم من الأسماء التي لا يثبتون ما تدلُّ عليه من المعاني، ومن أمثلة ذلك لدى ابن
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ٦/ ٨٤، برقم ٤٧١٢.
(٢) بدائع الفوائد ١/ ١٦٦.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب (إنَّ لله مئة اسم إلا واحدًا)، ٨/ ١٠٨، رقم ٦٤١٠.
(٤) بدائع الفوائد ١/ ١٦٧.
(٥) ينظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٢/ ٤٨٢، تفسير ابن كثير ٢/ ٢٩٦.
(٦) سبل السلام ٤/ ١٠٨.
[ ٢٤٨ ]
عجيبة -عفا الله عنَّا وعنه- ما يلي:
١ - اسم الله (العلي)، "فسَّره بعلو الشرف والمكانة، ونفى دلالته على علو الله - ﷿ - " الذاتي (^١).
٢ - اسم الله (النور)، "فسَّره بمنوِّر السموات والأرض" (^٢).
٣ - اسم الله (الحليم): أول المعنى بقوله: "الذي لا يعاجل بالعقوبة لمن يستحقها" (^٣).
وأهل السُّنَّة والجماعة لا يخالفون في تفسير الاسم بلازم معناه مع إثبات ما يدلُّ عليه من الصفة؛ ولكن المحذور لديهم أن يفسَّر الاسم بلازمه مع نفي ما يدلُّ عليه من الصفات؛ لذا كان من المقرَّر لديهم أنَّ الإيمان بأسماء الله تعالى لا يتم إلا بثلاثة أركان، كما مرَّ معنا في تقرير عقيدة أهل السُّنَّة الجماعة، وهي: الإيمان بالاسم، وبما دلَّ عليه من معنى، وبما تعلَّق به من أثر، فأهل السُّنَّة يثبتون الاسم حقيقة لله - ﷿ -، ويعتقدون أنَّ كل اسمٍ من أسماء الله - ﷿ - يدلُّ على معنى، وهو الذي يُسمَّى بالصفة، فعندما يثبتون اسم (الله) - ﷿ -، يثبتونه حقيقة، قال ابن تيمية: "وقد اتفق جميع أهل الإثبات على أنَّ الله حيٌّ حقيقة عليمٌ حقيقة قديرٌ حقيقة سميعٌ حقيقة بصيرٌ حقيقة" (^٤).
وينزهون الله - ﷿ - عن مشابهة المخلوقين؛ لأنه عُلم من طريق المشاهدة أنَّ بعض المخلوقات تتفق في الأسماء وتختلف في الحقيقة والكيفية، فأنت تشاهد -على
_________________
(١) تفسير سورة الفاتحة، ص ١٤٥.
(٢) المرجع نفسه، ص ١٨٢.
(٣) نفسه، ص ١٤١.
(٤) مجموع الفتاوى ٥/ ١٦٩.
[ ٢٤٩ ]
سبيل المثال- أنَّ للإنسان يدًا ليست كيد الفيل، وقوةً ليست كقوَّة الجمل مع الاتفاق في الاسم.
قال ابن تيمية: "ليس للمطلق مسمَّى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المسميين، وعند الاختصاص يُقيَّد ذلك بما يتميَّز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق، ولا بدَّ من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دلَّ عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق وما دلَّ عليه بالإضافة والاختصاص" (^١).
فالله - ﷿ - سمَّى نفسه بالحي في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^٢).
وسمَّى بعض عباده حيًّا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (^٣).
وليس هذا الحيُّ مثل هذا الحي؛ لأن قوله: ﴿الحي﴾ اسمٌ لله مختصٌّ به، وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسمٌ للحيِّ المخلوق مختصّ به، وكذلك يقال في اسم الله (العليم) فإنَّ الله تسمَّى به، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (^٤)، وقال في حق المخلوق: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ (^٥)، (^٦).
وكل اسم من أسماء الله - ﷿ - له معنى يخصُّه غير الاسم الآخر، وليس معنى
_________________
(١) شرح الرسالة التدمرية، ص ١٢٧.
(٢) سورة البقرة: ٢.
(٣) سورة الأنعام: ٩٥.
(٤) سورة النساء: ٢٦.
(٥) سورة الذاريات: ٢٨.
(٦) ينظر: مجموع الفتاوى ٣/ ١١.
[ ٢٥٠ ]
الاسم هو الذات فقط، إلا أنَّ الأسماء غير معلومة الحقيقة والكيفية، فالمعاني معلومة واضحة لنا من لغة العرب، أما الكيفية فمجهولة لنا نعجز عن إدراكها.
وأسماء الله - ﷿ - أعلامٌ باعتبار دلالاتها على الذات، وهي أوصاف باعتبار دلالاتها على المعاني، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ (^٢).
فالآية الأولى أثبتت اسم الله الرحيم، والثانية أثبتت صفة الرحمة التي تضمَّنها اسم الله الرحيم.
فهذه الأسماء مترادفة باعتبار دلالتها على الذات، ومتباينة باعتبار دلالتها على الصفات.
أمَّا الإيمان بما يتعلَّق به الاسم من آثار، هو: الحكم والمقتضى، وليس عامًّا في جميع الأسماء، فإنَّ أسماء الله إن دلَّت على وصفٍ متعدٍّ فإنَّه يثبت الاسم وما دلَّ عليه من معنى، مثال ذلك: اسم الله (الرحيم)، متضمِّنٌ لصفة الرحمة، ويتعلَّق به الأثر، وإن دلَّت الأسماء على وصف لازم غير متعدٍّ فإنَّ هذه الأسماء تتضمَّن أمرين هما:
ثبوت ذلك الاسم لله - ﷿ -.
وثبوت الصفة التي تضمَّنها الاسم لله - ﷿ -، وليس لها أثرٌ أو حكم؛ لأنَّه وصفٌ لازمٌ لا يتعدَّى إلى الغير، مثل: اسم الحي، وهو متضمِّنٌ لصفة الحياة لله - ﷿ - (^٣).
_________________
(١) سورة يونس: ١٠٧.
(٢) سورة الكهف: ٥٨.
(٣) ينظر: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه، ص ١٣.
[ ٢٥١ ]
وابن عجيبة مثله مثل غيره من الأشاعرة في إثباته لأسماء الله الحسنى، يثبتها إلا أنه يثبتها بما يوافق معتقده الأشعري، فإذا كان الاسم دالًا على صفة يؤولونها، نفوا دلالة الاسم على هذا المعنى الذي ينفونه، وإن كان موافقًا لمذهب السلف، وسأذكر أمثلة على ذلك منها:
اسم الله (العلي الأعلى): أول المعنى؛ لكي ينفي صفة العلو الذاتي لله - ﷿ -.
وهذا التأويل قال به عددٌ من الأشاعرة (^١)، وسيأتي إثبات هذه الصفة وفق معتقد أهل السُّنَّة والجماعة.
اسم الله (الحليم): أوَّل المعنى بقوله: "الذي لا يعاجل بالعقوبة لمن يستحقها" (^٢).
وهذا التفسير الذي أراد به التنزيه -بزعمه- قد عطَّل صفة الله - ﷿ -، فقد أوَّل الاسم لنفي الصفة، بل قال: "فيكون من الصفة النفسيَّة" (^٣).
اسم الله (النور): أوَّل معناه بـ (منوِّر السموات).
ففسَّره بلازمه مع عدم إثبات ما تضمَّنه من الصفة.
يقول ابن القيم - ﵀ -: "والقرآن والحديث وأقوال الصحابة صريحٌ بأنه - ﷾ - نور السماوات والأرض، ولكن عادة السلف أن يذكر أحدهم في تفسير
_________________
(١) قال عبد القاهر البغدادي: "في إحالة كون الإله في مكان دون مكان"، ينظر: أصول الدين للبغدادي، ص ١١٣، ويقول أيضًا: "لا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان قد كان ولا مكان وهو الآن على ما كان". ينظر: الفرق بين الفرق، ص ٣٣٣.
(٢) تفسير سورة الفاتحة، ص ١٤١.
(٣) المرجع نفسه، ص ١٤١، وسيأتي بيان تقسيم الصفات عند الأشاعرة.
[ ٢٥٢ ]
اللفظة بعض معانيها ولازمًا من لوازمها أو الغاية المقصودة منها أو مثالًا ينبه السامع على نظيره، وهذا كثيرٌ في كلامهم لمن تأمَّله، فكونه سبحانه هاديًا لا ينافي كونه نورًا، وما ذكر أنه بمعنى منوِّر لا ينافي كونه في نفسه نورًا وأن يكون النور من أسمائه وصفاته بل يؤكّد ذلك، فإنَّ الموجودات النورانية نوعان (منها) ما هو في نفسه مستنير ولا ينير غيره كالجمرة مثلًا، فهذا لا يقال له نور، ومنها ما هو مستنيرٌ في نفسه وهو منيرٌ لغيره كالشَّمس والقمر والنار، وليس في الموجودات ما هو منوِّرٌ لغيره وهو في نفسه ليس بنور بل إنارته لغيره فرع كونه نورًا في نفسه" (^١).
وما تأوله ابن عجيبة باطل، فأئمة السَّلف - ﵏ - أثبتوا هذا الاسم حقيقة لله - ﷿ -.
قال ابن القيم: "ومن أسمائه النور" (^٢).
ويقول أيضًا: "الله - ﷿ - سمَّى نفسه نورًا، وجعل كتابه نورًا، ورسوله نورًا، ودينه نورًا، واحتجب عن خلقه بالنور، وجعل دار أوليائه نورًا يتلألأ، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٣) (^٤).
وما فسَّره ابن عجيبة بكونه مُنوِّر السماوات والأرض، فهو يفسر الأسماء بلوازم معناها مع نفي الصفة، وإلا فالنُّور الذي هو من أوصافه قائمٌ به، ومنه اشتق له
_________________
(١) مختصر الصواعق ٢/ ١٩٩.
(٢) المرجع نفسه ١/ ١٦.
(٣) سورة النور: ٣٥.
(٤) مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٤٠٥.
[ ٢٥٣ ]
(اسم النُّور) الذي هو أحد الأسماء الحسنى (^١).
والنُّور صفة الكمال، وضدُّه صفة نقص، ولهذا سمَّى الله نفسه نورًا، وسمَّى كتابه نورًا، وجعل لأوليائه النور ولأعدائه الظلمة (^٢).
اسم الله (السلام): جعله من الصفات السلبية فقال: "السلام صفة سلب" (^٣).
ومعرفة الله - ﷿ - ليست بمعرفة صفات السَّلب، بل الأصل فيها صفات الإثبات، والسَّلب تابعٌ ومقصوده تكميل الإثبات (^٤).
"فإنَّ السَّلب لا يراد لذاته، وإنما يقصد لما يتضمَّنه من إثبات الكمال، فكلُّ ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله - ﷺ - من صفات النقص فإنَّه متضمِّنٌ للمدح والثناء على الله بضد ذلك من النقص من الأوصاف الحميدة والأفعال الرشيدة" (^٥).
والسلام: اسمٌ من أسماء الله - ﷿ - الدالة على تنزيهه عن النقائص والعيوب على جهة العموم أيضًا، وقال العلماء في تفسيره:
السالم من جميع العيوب والنقائص، كاملٌ في ذاته، وصفاته، وأفعاله (^٦)، وهو مشتَّقٌّ من السَّلامة، أي مبرئٌ من الآفات الظاهرة والباطنة (^٧).
_________________
(١) ينظر اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة الجهمية، ص ٤٤ - ٤٥.
(٢) ينظر مختصر الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٥٤، ١٠٢٥، ١٠٣٣.
(٣) تفسير الفاتحة الكبير، ص ١٢٢.
(٤) ينظر: مجموع الفتاوى ١٧/ ١١٢.
(٥) شرح القصيدة النونية، للهراس ٢/ ٥٥، وينظر: القواعد المثلى، ص ٢٤.
(٦) ينظر بدائع الفوائد ٢/ ١٣٨، وشفاء العليل ١/ ١٨٠، والجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٢٤١.
(٧) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن، ص ٤٢١، ومختار الصحاح، ص ١٣١.
[ ٢٥٤ ]
قال ابن القيم - ﵀ -: "وأخطأ كلَّ الخطأ من زعم أنَّه من أسماء السُّلوب، فإنَّ السَّلب المحض لا يتضمَّن كمالًا، بل اسم السلام متضمِّنٌ للكمال السالم من كلِّ ما يضاده، وإذا لم تظلم هذا الاسم ووفَّيته معناه وجدته مستلزمًا لإرسال الرُّسُل، وإنزال الكتب وشرع الشرائع، وثبوت المعاد وحدوث العالم، وثبوت القضاء والقدر، وعلو الرَّبِّ تعالى على خلقه ورؤيته لأفعالهم وسمعه لأصواتهم واطلاعه على سرائرهم وعلى نياتهم، وتفرده بتدبيرهم وتوحده في كماله المقدَّس عن شريكٍ بوجه من الوجوه، فهو السَّلام الحقُّ من كلِّ وجه، كما هو التنزيه البريء عن نقائص البشر من كلِّ وجه، ولما كان سبحانه موصوفًا بأنَّ له يدين لم يكن فيهما شمال، بل كلتا يديه يمين مباركة، كذلك أسماؤه كلُّها حسنى، وأفعاله كلُّها خير، وصفاته كلُّها كمال" (^١).
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان -حفظه الله-: " سلامٌ في صفاته من كلِّ عيبٍ ونقص، وسلامٌ في أفعاله من كلِّ عيبٍ ونقصٍ وشرٍّ وظلمٍ وفعلٍ واقع على غير وجه الحكمة، فهو السَّلام الحقُّ من كلِّ وجه وبكلِّ اعتبار، وهذا هو حقيقة التنزيه الذي نزَّه به نفسه، ونزَّهه به رسوله، فهو السَّلام من الصاحبة والولد، والسَّلام من النظير والكفء، والسَّميُّ والمماثل، والسَّلام من الشريك.
ولهذا إذا نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت كلَّ صفةٍ سلامًا ممَّا يضاد كمالها وهكذا جميع صفاته وأفعاله سلامٌ من كلِّ ما يتوهَّمه معطِّلٌ أو تخيَّله مشبِّه -تعالى ربُّنا السَّلام- عمَّا يضاد كماله فلله تعالى ما يليق به من المعاني الكاملة السالمة من النقائص والعيوب، وللمخلوق ما يناسبه ويليق بضعفه" (^٢).
_________________
(١) أحكام أهل الذمة ١/ ١٣٩.
(٢) شرح كتاب التوحيد في صحيح البخاري ١/ ١٢٦ - ١٢٧.
[ ٢٥٥ ]
ج: تسميته لله - ﷿ - بما لم يرد في الكتاب والسُّنَّة
مثل: "المنتقم"، "وقديم لا أوَّل له" (^١)، "ومنتقمٌ من أسمائه تعالى" (^٢).
وضع العلماء - ﵏ - ضابطًا لمعرفة الأسماء الحسنى، يتبيَّن ذلك من خلال تعريف ابن تيمية للأسماء الحسنى، بقوله: الأسماء الحسنى المعروفة، هي التي يُدعى بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسُّنَّة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها (^٣).
وهذا التعريف مستنبطٌ من قول الله - ﷿ -: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٤)، فهي توقيفيَّة بمعنى أنها وردت في الكتاب والسُّنَّة، وهي معهودة، فالألف واللام في قول الله تعالى: ﴿الْأَسْمَاءُ﴾ للعهد، وكذلك أسماء الله الحسنى تقتضي المدح والثناء بنفسها، وهذا مستنبطٌ من قول الله تعالى: ﴿الْحُسْنَى﴾، وهي التي يُدعى بها وهي مأخوذة من قول الله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
فإذا اكتملت هذه الضوابط في الاسم نثبته لله - ﷿ - (^٥).
ولهذا قول ابن عجيبة (المنتقم) من أسماء الله - ﷿ - مخالفٌ لما قرَّره وبيَّنه أهل العلم.
قال ابن تيمية: "واسم (المنتقم) ليس من أسماء الله الحسنى الثابتة عن النبي - ﷺ - وإنما جاء في القرآن مقيَّدًا كقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (^٦)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (^٧) (^٨).
_________________
(١) رسالة في العقائد مخطوط، ل/١، وإيقاظ الهمم في شرح الحكم، ص ١٩٩.
(٢) شرح البردة، ص ٣١٢، وينظر: البحر المديد ١/ ٦٦.
(٣) ينظر: شرح العقيدة الأصفهانية، ص ٥.
(٤) سورة الأعراف: ١٨٠.
(٥) ينظر: معتقد أهل السُّنَّة والجماعة في أسماء الله الحسنى، ص ٣٨ - ٣٩.
(٦) سورة السجدة: ٢٢.
(٧) سورة إبراهيم: ٤٧.
(٨) مجموع الفتاوى ٨/ ٩٦.
[ ٢٥٦ ]
وهذا الذي رجَّحه ابن تيمية - ﵀ - بعدم صحَّة هذا الاسم لله - ﷿ - فقال: "وأما كونه القديم الأزلي واحدًا، فهذا اللَّفظ لا يوجد في كتابٍ ولا في سنة نبيه - ﷺ -، بل ولا جاء اسم القديم في أسماء الله تعالى، وإن كان من أسمائه (الأول).
والأقوال نوعان: فما كان منصوصًا في الكتاب والسُّنَّة وجب الإقرار به على كلِّ مسلم.
وما لم يكن له أصلٌ في النَّص والإجماع، لم يجب قبوله ولا ردُّه حتى يعرف معناه" (^١).
وردَّ أيضًا على أهل الكلام الذين أطلقوا اسم (القديم) على الله - ﷿ - "والصواب أنَّ القديم ما تقدَّم على غيره في اللغة التي جاء بها القرآن، وأما كونه كان معدومًا، أو لم يكن معدومًا، فهذا لا يشترط في تسميته قديمًا، والله أحقُّ أن يكون قديمًا؛ لأنه متقدِّمٌ على كلِّ شيء لكن لما كان لفظ القديم فيه نواحٍ لا تدلُّ مطلقة إلا على المتقدِّم على غيره، كان اسم الأوَّل أحسن منه فجاء في أسمائه الحسنى التي في الكتاب والسُّنَّة أنَّه الأول، وفرق بين الأسماء التي يُدعَى بها وبينما يُخبر به من الألفاظ لأجل الحاجة إلى بيان معانيها" (^٢).
ولذلك عدَّ العلماء من الإلحاد في أسماء الله "العدول بها عن الصواب فيها، وإدخال ما ليس من معانيها فيها، ومن فعل ذلك فقد كذب على الله - ﷿ - (^٣).
قال ابن حجر - ﵀ -: "قال أهل التفسير: ومن الإلحاد في أسمائه تسميته بما لم يرد في الكتاب أو السُّنَّة الصحيحة" (^٤).
_________________
(١) منهاج السُّنَّة النبوية ٢/ ١٢٣.
(٢) بيان تلبيس الجهمية ٥/ ١٧١ - ١٧٢.
(٣) ينظر: بدائع الفوائد، ص ١٥٣ - ١٥٤.
(٤) فتح الباري ١١/ ٢٢١.
[ ٢٥٧ ]