الإيمان باليوم الآخر، أُس العقيدة بعد الإيمان بالله تعالى، ولأهميته ذكره الله تعالى بالخصوص بعد العموم، قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١ - ٢]، ثم قال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤]، يقول السعدي: " وخصَّه بالذكر بعد العموم؛ لأن الإيمان باليوم الآخر، أحد أركان الإيمان؛ ولأنه أعظم باعث على الرغبة، والرهبة، والعمل ". (^١)
وهو داخل في الغيب الذي أمر الله تعالى بالإيمان به، فقال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، يقول السمعاني: " قال ابن عباس: الغيب: كل ما أمرت بالإيمان به مما غاب عن بصرك، وذلك مثل: الملائكة، والجنة، والنار، والصراط، والميزان، ونحوها " (^٢). ولما كان الإيمان باليوم الآخر بهذه المثابة العظيمة، كُرر في القرآن الوعد والوعيد، توكيدًا، وقطعًا للتأويل. (^٣)
والإيمان باليوم الآخر، محل اتفاق بين أهل الملل، يقول الإمام ابن تيمية: " بل هم، اليهود، والنصارى، والمسلمون، متفقون على الإيمان باليوم الآخر، وقد تنازعوا في بعض معانيها". (^٤)
ويقول الإمام ابن حزم: " اتفق جميع أهل القبلة على تنابذ فرقهم على القول بالبعث في القيامة ". (^٥)
_________________
(١) السعدي: تيسير الكريم الرحمن: مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢٠ هـ، (٢٤)
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٣
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٨٢
(٤) ابن تيمية: الجواب الصحيح: ٢/ ٤٤١
(٥) ابن حزم: الفِصل: ٤/ ٦٦
[ ٥٦٦ ]
ويقول العلامة القصري: " والإجماع من أهل الإيمان عليه " (^١). وهل إيمان أهل الكتابين باليوم الآخر متمحضًا؟. فقد أورد الإمام السمعاني في تفسيره تساؤلًا، مفاده: " قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:٢٩]: فإن قال قائل: إن أهل الكتابين يؤمنون بالله واليوم الآخر، فكيف معنى الآية؟!. الجوب من وجهين:
أحدهما: أنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، كإيمان المؤمنين، فإنهم قالوا: عزير ابن الله، وقالوا: المسيح ابن الله، وقالت اليهود: لا أكل ولا شرب في الجنة.
والجواب الثاني: أن كفرهم ككفر من لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، في عظم الجرم ". (^٢)
ومن أهم المعالم التي قررها السمعاني في هذا الفصل، الإقرار بحقيقة الموت وحتميته، وذكر الساعة وأشراطها، وأحوال القيامة وتوابعها.
وهذا الركن الذي يسميه المتكلمون بباب السمعيات؛ بناء على تقسيمهم أبواب العقائد إلى: إلهيات، ونبوات، وسمعيات، وأن السمعيات مختصة بأخبار اليوم الآخر وما يتعلق به، وإنما سموه بذلك؛ لأن قضاياه لا تثبت إلا بالأخبار الصادقة، لكنهم قصروا فيها من جهتين:
الأولى: أنهم لم يقبلوا فيها أحاديث الآحاد، ولذلك رد بعضهم شيئا مما ورد في السنة المطهرة من أخبار الدار الآخرة.
_________________
(١) القصري: شعب الإيمان: ٥٨٩
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٠١
[ ٥٦٧ ]
الثانية: أنهم أغفلوا دلالة العقل في هذا الباب، مع أنهم أهل تقديس للعقل، وقد حصر الأشاعرة أمر المعاد في السمعيات، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما أمر المعاد فيجعلونه كله من باب السمعيات؛ لأنه ممكن في العقل، والصادق أخبر به (^١)، والحق أن هذا الباب، وخاصة ما يتعلق بالبعث والمعاد، فإن معرفته بالسمع واجبة، وأما بالعقل فقد تُعرف وقد لا تُعرف، فليست معرفته بالعقل ممتنعة، ولا هي أيضا واجبة (^٢)، فهي تدخل في حيز الإمكان، فما يتعلق بجانب الإمكان وعدم الاستحالة، فقد قامت الأدلة العقلية على جوازه وإمكانه، كما هو مسطور في ثنايا البحث، وأما ما يتعلق بتفاصيل وأحداث اليوم الآخر وأخباره، فهي سمعية محضة.
_________________
(١) - ابن تيمية: شرح العقيدة الأصبهانية: ٨
(٢) - ابن تيمية: جامع المسائل: ٣/ ٢٤٢
[ ٥٦٨ ]
المبحث الأول: التعريف باليوم الآخر، وأشراط الساعة:
المطلب الأول: التعريف باليوم الآخر:
لليوم الآخر أسماء كثيرة في القرآن الكريم، تتبعها السمعاني في تفسيره، ووضحها، وبيَّن معانيها. ومعلوم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، أو عِظَمه، أو تهويل أمره (^١)، منها ماهو في القرآن بلفظه، ومنها ما أُخذ بطريق الاشتقاق (^٢). ومن أسمائها:
١ - الآخرة: قال تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤]، يقول السمعاني: " وسميت الآخرة آخِرة؛ لتأخرها عن الخلق ". (^٣)
٢ - القيامة: قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء:٨٧]. يقول السمعاني: " واختلفوا لِمَ سميت القيامة؟ قال بعضهم: لأن الناس يقومون فيه إلى رب العالمين، وقيل: إن الناس يقومون فيها إلى الحساب ". (^٤)
_________________
(١) الأقفهسي: الإرشاد: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ (٢/ ٥٧٤)
(٢) السيوطي: البدور السافرة: دار المعرفة، بيروت، ط ١، ١٤٢٦ هـ، (٧١)
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٤
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٥٨ - ٦/ ١٠٢
[ ٥٦٩ ]
٣ - الآزفة: قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر:١٨]، يقول السمعاني: " أي: يوم القيامة، وسميت آزفة لقربها، كأنها قريبة عند الله تعالى، وإن كان الناس يستبعدونها، وقيل: هي قريبة لأنها واقعة لا محالة، وكل كائن قريب " (^١)، ولذا قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]، يقول السمعاني: " وإنما سمى الساعة قريبة؛ لأنها كائنة لا محالة، وكل ما هو كائن لا محالة، فهو قريب، وأيضًا فإن ما بقي من الدنيا، في جنب ما مضى قليل، فسمى الساعة قريبة على هذا المعنى ". (^٢)
٤ - الجمع: قال تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى:٧]، " أي: يوم القيامة، وهو اليوم الذي تجتمع فيه أهل السموات، وأهل الأرض. وقيل: يجتمع فيه الأولون والآخرون". (^٣)
٥ - الواقعة: قال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة:١]، وسُميت القيامة واقعة؛ لأنه لا بُدَّ من وقوعها، والعرب تسمي كل متوقع لا بُدَّ منه واقعًا، وقيل: سميت القيامة واقعة؛ لكثرة ما يقع فيها من الشدة، وعن بعضهم: لأنها تقع على غفلة الناس ". (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٢
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٦٧ - ٥/ ٣١٨
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦٤ - ٥/ ٤٥١
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٤١
[ ٥٧٠ ]
٦ - يوم التغابن: قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩]، قال ابن عباس: هو اسم ليوم القيامة. وفي التغابن معنيان: أحدهما: أن أهل الحق يغبنون أهل الباطل، وأهل الإيمان يغبنون أهل الكفر. والقول الثاني: أن الله تعالى سمَّى لكل أحد من خلقه منزلًا في النار، ومنزلًا في الجنة، فمن كان مؤمنًا يرث منزلة الكافر في الجنة، ومن كان كافرًا يرث منزل المؤمن في النار. وعن بعضهم: أن الغبن هو أخذ الشيء بدون قيمته، فبالتفاوت الذي يقع بين القيمة وما دونها يحصل التغابن، فالمؤمنون لما عملوا للجنة وللنعيم الباقي، فقد غبنوا أهل النار، والكفار لما اختاروا النعيم المنقطع على النعيم الباقي، والدار التي تفنى على الدار التي لا تفنى، فقد غبنوا ". (^١)
٧ - الحاقة: قال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١ - ٢]، يقول السمعاني: " وسميت القيامة حاقة؛ لأن فيها حواق الأمور، أي حقائقها. ويُقال: لأنها حققت على كل إنسان عمله من خير وشر، وتظهر جزاءه من الثواب والعقاب. قال الأزهري: سميت حاقة؛ لأنها تحق الكفار الذين حاقوا الأنبياء في الدنيا إنكارًا لها. تقول العرب: حاققت فلانًا فحققته، أي: خاصمته فخصمتة ". (^٢)
٨ - اليوم العظيم: قال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطفِّفين:٤ - ٥]، يقول السمعاني: " سماه عظيمًا، لعِظم ما فيه وشدته ". (^٣)
٩ - الغاشية: قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١]، يقول السمعاني: "وسميت غاشية؛ لأنها تغشى كل شيء بالأهوال، ويُقال: تغشى كل كافر وفاجر بالعذاب". (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤٥٢
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٣٤
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٧٨
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢١٢
[ ٥٧١ ]
١٠ - القارعة: قال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١ - ٢]، يقول السمعاني: " سميت قارعة؛ لأنها تقرع القلوب بالهول والشدة ". (^١)
المطلب الثاني: أشراط الساعة:
الكتاب والسنة حافلان بذكر اشراط الساعة، وهي من الغيب الذي يجب الإيمان به، فقد كان النبي ﷺ يُحدِّثُ أصحابه ويخبرهم عن الساعة وأشراطها، بل إنه ﵊، خطبهم خطبة، ما ترك فيها شيئًا إلى قيام الساعة إلا ذكره. (^٢)
وبتتبع كلام السمعاني في هذا المقام، يظهر اهتمامه الجلي ببيان هذه العقيدة، من جهات:
١ - تأكيده على أن علم الساعة، إنما هو من خصائص الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [المُلك:٢٥ - ٢٦]، يقول السمعاني: " أي: علم الساعة عند الله " (^٣)، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فُصِّلَت:٤٧]، " معناه: إلى الله يرد علم الساعة، وهذا على االعموم، فإن كل من سُئل عن الساعة، يقول: الله أعلم ". (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٧٣
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب القدر، باب ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ، ح (٦٦٠٤)
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٤ - ٥/ ١١٩
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٥٨
[ ٥٧٢ ]
يقول السمعاني في حكمة إخفاء أمر الساعة: " وقد أخفى الله تعالى أمر الساعة، وزمان قيامها، ليكون أبلغ في الإنذار والتخويف " (^١)، وقال تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾ [النجم:٥٧ - ٥٨]، " ومعنى الآية: أنه لا يعلم علمها سوى الله تعالى، وهو علم قيامها وتجليها " (^٢)، وفي بعض التفاسير: أن النبي ﷺ كان يسأل كثيرًا جبريل: متى الساعة، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾ [النازعات:٤٢ - ٤٤]، أي: منتهى علم قيامها إلى الله، وقيل: أن كل من يُسأل عنه يقول: الله أعلم، فيرد علمها إلى الله تعالى (^٣). ولذا كان أهل الإيمان مشفقون منها، وأهل الكفر منكرون مكذبون لها، قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى:١٨]، فأما الكفار فكان استعجالهم بها على طريق الاستبعاد لقيامها؛ تكذيبًا بها، وأما المؤمنون فهم خائفون وجلون منها، وخوفهم من المحاسبة الموعودة، والجزاء الواقع على الأعمال. (^٤)
٢ - إشارته إلى بعض علامات الساعة وأماراتها، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨]، قال السمعاني: " أي: علاماتها " (^٥). وقد ذكر السمعاني بعضًا من الأشراط الصغرى، وبعضًا من الأشراط الكبرى:
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١١٤
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٠٤
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٥٣
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٧١
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٧٦
[ ٥٧٣ ]
أ - من الأشراط الصغرى:
١ - صدق رؤيا المؤمن: واستدل لها السمعاني بقوله ﷺ: " إذا تقارب الزمان، لم تكد رؤيا المؤمن تكذب " (^١)، قال السمعاني: " وله معنيان: أحدهما: أن تقارب الزمان، هو استواء الليل والنهار، والطِّباع عند استواء الليل والنهار أصح، فالرؤيا أصدق. والمعنى الثاني: أن تقارب الزمان هو تقارب الساعة " (^٢)، وهذا أحد الأقوال التي ذكرها العلماء في الزمن الذي تقع فيه صدق رؤيا المؤمن، إذا اقتربت الساعة، وقُبض العلم، ودرست معالم الشريعة، بسبب الفتن وكثرة القتل، فإنهم يُعَوَّضون بالمرائي الصادقة، التي هي جزء من النبوة، الآتية بالتبشير والإنذار، وقيل: ذلك خاص بزمان عيسى ﵇. (^٣)
٢ - ظهور مُدَّعيي النبوة: واستدل لها السمعاني بقوله ﷺ: " لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون قريبًا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه نبي، ولا نبي بعدي " (^٤)، يقول العلماء: وليس التحديد مرادًا به كل من ادعى النبوة مطلقًا، فإنهم كثير لا يحصون، وإنما المراد من قامت له شوكة، وكثر أتباعه، واشتهر بين الناس. (^٥)
٣ - حسر الفرات عن جبل من ذهب: واستدل له السمعاني بقوله ﷺ: " يوشك أن يحسر الفرات على جبل من ذهب، فيقتتل الناس عليه " (^٦)، وقد نهى النبي ﷺ من حضره، أن يأخذ منه شيئًا؛ لما ينشأ عن أخذه من الفتنة والقتال عليه. (^٧)
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب القيد في المنام، ح (٧٠١٧)
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٥
(٣) ابن حجر: فتح الباري: ١٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، باب علامات النبوة، ح (٣٦٩)
(٥) ابن حجر: فتح الباري: ٦/ ٦١٧
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، باب خروج النار، ح (٧١١٩)
(٧) ابن حجر: فتح الباري: ١٣/ ٨١
[ ٥٧٤ ]
ب - من الأشراط الكبرى:
أولًا: ذكر السمعاني خلاف العلماء في أول أشراط الساعة، فذكر عن بعضهم، حسب اختلاف الروايات:
ـ أن أول أشراط الساعة، طلوع الشمس من مغربها، وحينئذ يُغلق باب التوبة.
ـ أن أول أشراط الساعة، نار تخرج من المشرق، فتسوق الناس إلى المغرب.
ـ أن أول أشراط الساعة، خروج الدابة.
ثم ذكر السمعاني في الخبر:"أن هذه الأشراط تكون في مدة قريبة، ويتتابع بعضها إثر بعض (^١). وقيل: كلؤلؤ العقد إذا انحل نظامه، كان بعضه في إثر بعض. (^٢)
وقد جمع ابن حجر بين مجموع الأخبار، فقال: " الذي يترجح من مجموع الأخبار، أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى ﵇. وأن طلوع الشمس من المغرب، هو أول الآيات العِظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي بقيام الساعة، ولعل خروج الدابة، يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب ". (^٣)
ثانيًا: من العلامات التي ذكرها السمعاني في تفسيره، ما يلي:
١ - طلوع الشمس من مغربها: واستدل السمعاني بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، يقول السمعاني: " أجمع المفسرون على أنه أراد به: طلوع الشمس من مغربها، إلا في رواية شاذة، عن معاذ بن جبل أنه: خروج الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج، وقد ثبت برواية ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: (هي طلوع الشمس من مغربها) (^٤)، وكذلك رواه أبو سعيد مرفوعًا بلفظه (^٥)، وقال ابن مسعود: إن الشمس والقمر يطلعان يومئذ أسودين " (^٦)، ورجح هذا القول الطبري، وقال: هو أولى الأقوال بالصواب (^٧)، وقال الشوكاني: " فإذا ثبت رفع هذا التفسير النبوي من وجه صحيح لا قادح فيه، فهو واجب التقديم، محتم الأخذ به ". (^٨)
٢ - المسيح الدجال: وقد أثبته السمعاني من جهتين:
_________________
(١) أخرجه الهيتمي في مجمع الزوائد: ٧/ ٣٣١
(٢) أخرجه أحمد في المسند، ح (٧٠٤٠)
(٣) ابن حجر: فتح الباري: ١١/ ٣٥٣
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير: ح (٩٠١٩)
(٥) أخرجه الترمذي في جامعه، ح (٣٠٧١)
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٥٩
(٧) الطبري: جامع البيان: ٨/ ١٠٣
(٨) الشوكاني: فتح القدير: ٢/ ١٨٢
[ ٥٧٥ ]
أ - ما رود عن بعض أهل التفسير، في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧]، يقول السمعاني: " ويُقال: لخلق السموات والأرض أكبر من قتل الدجال واحدًا وإحيائه، فالناس هنا هو الدجال على هذا القول ". (^١)
ب - ما ورد في السنة الصحيحة، من حديث أبي بكر ة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال " (^٢) (^٣).
٣ - نزول المسيح عيسى ﵇: واستدل له السمعاني بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزُّخرُف:٦١]، يقول السمعاني: " معناه: أن عيسى ﵇ شرط من أشراط الساعة، فيعلم بنزوله علم الساعة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " لينزلن ابن مريم حكمًا مقسطًا، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير " (^٤)، وفي رواية: " أنه يقتل الدجال بباب لد " (^٥)، ويقول: " فإن عيسى ينزل ويقتل الدجال؛ نصرة للمسلمين ". (^٦)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٧
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، باب لا يدخل الدجال المدينة، ح (١٨٧٩)
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٥٤
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، باب قتل الخنزير، ح (٢٢٢٢)
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، باب ذكر الدجال وصفته، ح (٢٩٣٧)
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٣٤ - ٢/ ٥٤ - ٥/ ٢٧
[ ٥٧٦ ]
٤ - الدابة: واستدل لها السمعاني بقول تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢]، يقول السمعاني: " والأكثرون على أنها دابة، وهي تخرج في آخر الزمان "، ثم ذكر السمعاني بعض صفاتها، وفي الغالب هي أشياء لم ترد في السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ. واختلف في الدابة هل تتكلم على وجه الحقيقة أم لا؟ ورجح السمعاني أنها تتكلم، ثم ذكر الخلاف على هذا القول بما تتكلم؟ فقيل: إن كلامها: أن هذا مؤمن، وهذا كافر، وقيل: أنها تتكلم بما قال الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾. (^١)
٥ - يأجوج ومأجوج: واستدل السمعاني بالنصوص الواردة في القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦]،
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١١٣ - ١١٤
[ ٥٧٧ ]
٦ - الدخان: واستدل له السمعاني، بقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان:١٠ - ١١]، يقول السمعاني: " أن هذا الدخان يكون في القيامة، وهذا قول الحسن، وقتادة، وقيل: هو الأصح، وقيل: إن الدخان شرط من أشراط الساعة، وفي بعض الأخبار: " بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان " (^١)، وكان ابن مسعود يقول: قد مضى خمس: الدخان، والدم، والقمر، والبطشة، واللزام " (^٢)، وما ورد عن ابن مسعود في معارضة المرفوع من ثبوت الدخان في القيامة، إما أن يُقال: إن المرفوع مقدم على الموقوف، أو يُقال: بأنهما دخانان، ظهر أحدهما، وبقي الآخر، وهو الذي سيقع في آخر الزمان، يقول القرطبي: "قال مجاهد: كان ابن مسعود يقول: هما دخان قد مضى أحدهما، والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض، ولا يجد المؤمن منه إلا كالزكمة، وأما الكافر، فيثقب مسامعه " (^٣).
ومن خلال هذا السرد العلمي لفكر السمعاني وآرائه، يتبين إيمانه بالنصوص والتزامه بما دلت عليه من المعاني والأحكام، دون تأويل أو رد.
وهو بهذا التقرير يرد على المخالفين في هذا الباب، ممن أنكر بعض ما ورد في كتب السنة، مما يتعلق بأشراط الساعة:
- فإثباته لنزول المسيح ﵇؛ رد على من كذب ذلك وتأوله.
- وإثباته للمسيح الدجال؛ رد على من أنكره، أو زعم أنه كناية عن غلبة الشر في ذلك الزمان، أو أنه رمز للدجل والخرافة والقبائح، وقد نقل الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: أن إثبات المسيح الدجال، هو مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار، خلافا لمن أنكره من الخوارج، والجهمية، وبعض المعتزلة (^٤)
_________________
(١) أخرج مسلم في صحيحه، باب في بقية من أحاديث الدجال، ح (٢٩٤٧)
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٢٣
(٣) القرطبي: التذكرة: مكتبة دار المنهاج، الرياض، ط ١، ١٤٢٥ هـ، (١٢٦٧)
(٤) - النووي: شرح صحيح مسلم: ١٨/ ٥٨
[ ٥٧٨ ]
المبحث الثاني: الموت وحقيقته:
الموت حق، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، يقول السمعاني: "والذوق في الموت مجاز، وحقيقة الذوق: هو الإحساس بالشيء، فلما كان يحس بالموت سماه ذوقًا " (^١)، وإنما ذكر ﷾ ذلك، مع أنه لا يخفى أن كل نفس تموت؛ تزهيدًا بالدنيا.
والسمعاني قرر حقيقة الموت، في عدة قضايا:
١ - أنه مصير محتوم: قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزُّمَر:٣٠] (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]، يعني: أن الموت طريق معهود مسلوك، لا بُدَّ منه لكل حي. (^٣)
٢ - التأكيد على شموله وعمومه: قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦]، يقول السمعاني: " أي: كل من على الأرض هالك ". (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٨٦
(٢) فرق نحاة الكوفة بين الميِّت والميْت، فقالوا: الميت بالتشديد، هو الحي الذي يموت في المستقبل، ومثله المائت، والميْت مخففًا: هو الذي قد مات، واستدلوا بقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزُّمَر:٣٠]، وأنكر ذلك نحاة البصرة. وقالوا: هما بمعنى واحد. السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٠٨ - ٣/ ٤٦٨
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٧٩
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٢٨
[ ٥٧٩ ]
٣ - أنه محدد لا يتقدم ولا يتأخر: قال تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحِجر:٥]، ذكر السمعاني: قولًا في تفسيره مفاده: أن الموت لا يتقدم ولا يتأخر وقته (^١). وقال تعالى: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾ [سبأ:٣٠]، قال السمعاني: " قد فُسِّر هذا بيوم البعث، وقد فُسر بيوم الموت، وكلاهما صحيح " (^٢)، ويقول تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح:٤]، يقول السمعاني: " هو الأجل المسمى المضروب لكل إنسان ". (^٣)
٤ - أن الإنسان لا يتمنى الموت؛ لقوله ﵊: " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، ولكن ليقل: اللهم أحيني ما دامت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي " (^٤)، فإن قيل: ما معنى قول نبي الله يوسف: ﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف:١٠١]، قيل: معناه: ثبتني على الإسلام عند الوفاة (^٥)، وإن قيل:: لِمَ تمنت مريم الموت: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم:٢٣]، قيل: إنها تمنت الموت استحياء من قومها، ويُقال: إنها تمنت الموت؛ لأنها علمت أن الناس يكفرون بسبب ابنها وبسببها، فتمنت الموت، حتى لا يُعصى الله بسببها، وبسبب ابنها. (^٦) ونقل السمعاني عن بعض السلف قوله: لا يكره الموت إلا مريب، ثم قال: وإنما كره الموت بضر نزل به على ما في الخبر، فأما إذا تمنى الموت ليستخلص من الدنيا وفتنها، وشوقا إلى لقاء ربه فهو محبوب (^٧)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٣٠
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٣٤
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٥٤
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، باب الدعاء بالموت والحياة، ح (٦٣٥١)
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٦٨
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٨٦
(٧) - السمعاني: مرجع سابق: ٥/ ٢٤١
[ ٥٨٠ ]
٥ - الموت لا يدخل تحت الأمر والنهي، ومع ذلك نهى الله تعالى عباده ألا يموتوا على الكفر، قال تعالى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، " فإن قيل: كيف نهاهم عن الموت على الكفر، والموت لا يدخل تحت الأمر والنهي؟ قيل: معناه: داوموا على الإسلام، حتى إذا وافاكم الموت، ألفاكم على الإسلام " (^١)، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحِجر:٩٩]، بمعنى: أن يدوم عليها إلى أن يموت، وهي أيضًا في معنى قوله تعالى ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم:٣١]. (^٢)
٦ - أن الموت يُذبح يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم:٣٩]، يقول السمعاني: " وأما قول أكثر أهل التفسير في الآية: هذه الحسرة حيث يذبح الموت على الصراط، وقد صح الخبر برواية أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ ". (^٣) وهذه القضايا التي قررها السمعاني، قضايا محققة في الشرع، يجب الإيمان والتصديق بها، دون دخول في تأويلات باطلة، يردون بها الثابت الصحيح، وقد قال الإمام السمعاني في معرض رده على المتكلمين: وكذلك ردوا الخبر الذي روي عن النبي ﷺ: أن الموت يذبح على الصراط؛ لأن الموت عرض لا ينفرد بنفسه، فهذا أصلهم الثاني الذي أدى إلى رد الأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ (^٤).
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٤٥
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٥٦
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٩٣
(٤) - السمعاني: الانتصار: ٦٩
[ ٥٨١ ]
المبحث الثالث: أحكام البرزخ:
الحياة البرزخية، وهي التي تكون ما بين الموت إلى البعث، أو ما بين الدنيا والآخرة (^١)، وما فيها من السؤال والفتنة، والعذاب والنعيم، حق يجب الإيمان به، وقد أجمع عليه العلماء، يقول أبو الحسن الأشعري: " وأجمعوا على أن عذاب القبر حق، وأن الناس يفتنون في قبورهم، بعد أن يحيون فيها، ويُسألون، فيثبت الله من أحب تثبيته " (^٢)، ويقول ابن عبدالبر: " وأهل السنة والجماعة مصدقون بفتنة القبر، وعذاب القبر؛ لتوافر الأخبار بذلك عن النبي ﷺ ". (^٣)
وهذا الذي أجمع عليه العلماء، هو ما قرره كذلك السمعاني، فقال: " واعلم أن سؤال القبر ثابت في السنة، والإيمان به واجب، وقد وردت فيه الأخبار الكثيرة ". (^٤)
واستدل السمعاني لإثبات سؤال الملكين للمقبور، بحديث أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ كان في جنازة، فذكر لأصحابه أنه يدخل على الرجل في قبره ملكان ويسألانه، فيقولان: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك ". (^٥)
وأما عذاب القبر، فقد أثبته السمعاني، واستدل بدلائل الكتاب والسنة:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه:١٢٤]، يقول السمعاني: " روي عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، أنهم قالوا: عذاب القبر ". (^٦)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٩٠
(٢) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر: ١٥٩
(٣) ابن عبدالبر: الاستذكار: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ (٢/ ٣٢١)
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١١٥
(٥) أخرجه أحمد في المسند، ح (١١٠٠٠)
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٦١
[ ٥٨٢ ]
٢ - قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢]، قال علي بن أبي طالب ﵁: مازلنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت " أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ " (^١)، نقله السمعاني في تفسيره عن أبي عيسى الترمذي، واستدلوا بقوله في السورة نفسها: (لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين) ويُقال: لترون الجحيم في القبر، ثم لترونها عين اليقين في القيامة (^٢) يقول الإمام الطبري: " وفي هذا دليل على صحة القول بعذاب القبر ". (^٣)
٣ - قال تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١]، ذكر السمعاني في أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية، أن منهم من قال: " إن العذاب الأول: هو القتل، والعذاب الثاني: هو عذاب القبر ". (^٤)
٤ - قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور:٤٧]، يقول السمعاني: " الأكثرون عن أنه عذاب القبر ". (^٥)
٥ - قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦]، قال السمعاني: " أكثر المفسرين أن هذا في عذاب القبر ". (^٦)
وأورد السمعاني سؤالًا مفاده:" قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون:١١٣]، فإن قال قائل: هذه الآية تدل على أن عذاب القبر ليس بثابت للكفار؛ لأنه لو كان ثابتًا لم يقولوا: " لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ "؟! والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه ذهب عن قلوبهم عذاب القبر من هول ما يلقاهم يوم القيامة. والثاني: أنه الله تعالى يرفع العذاب عن أهل القبور بين النفختين، فينسون عذاب القبر، ويستريحون، وإنما يقولون: " لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ " لهذا ". (^٧)
_________________
(١) أخرجه الترمذي في جامعه، باب ومن سورة (ألهاكم التكاثر) ح (٣٣٥٥)
(٢) - السمعاني: ٦/ ٢٧٦
(٣) الطبري: جامع البيان: ٢٤/ ٥٨٠
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٤٤
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٨١
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٣
(٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٩٤
[ ٥٨٣ ]
إذن: الإمام السمعاني قرر هذه المسائل، موافقًا فيها إجماعات السلف، يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: " وأجمعوا أن عذاب القبر حق، قال: وأجمع على ذلك الصحابة والتابعون ". (^١)
يقول ابن تيمية: " اعلم أن مذهب سلف الأمة وأئمتها: أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه ". (^٢)
_________________
(١) الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر: ١٥٩
(٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٤/ ٢٨٢
[ ٥٨٤ ]
المبحث الرابع: البعث بعد الموت:
البعث حق، يجب الإيمان به، وهو المعاد الثاني، فإن الله تعالى جعل لابن آدم معادين وبعثين، فالبعث الأول: مفارقة الروح للبدن، ومصيرها إلى دار الجزاء الأول، والبعث الثاني: يوم يرد الله الأرواح إلى أجسادها، ويبعثها من قبورها، إلى الجنة أو النار، وهو الحشر الثاني. (^١)
وقد حكى العلماء الإجماع عليه، قال ابن حزم: " اتفق جميع أهل القبلة على تنابذ فرقهم، على القول بالبعث في القيامة " (^٢)، ويقول القصري: " الشعبة الخامسة والستون: الإيمان باليوم الآخر: وهو يوم القيامة الذي يكون فيه بعث الأجساد وغيره من الكائنات الأخروية، والإجماع من أهل الإيمان عليه " (^٣)، ويقول الجرجاني: " والمعاد حق ". (^٤)
والإمام السمعاني سار في تقريره لعقيدة البعث، على المنهج القرآني، ووافق أهل السنة والجماعة، وبيَّن أن البعث حق، وذكر إنكار المشركين له، ثم بيَّن كيف عالج القرآن الكريم هذا الإنكار، بذكر دلائله، وطرقه، ونُجمل كلام السمعاني في هذا المبحث فيما يلي:
١ - تعريف البعث، وبيان معنى الإعادة:
_________________
(١) ابن القيم: الروح: دار الكتب العلمية: بيروت: ٧٤
(٢) ابن حزم: الفِصل: ٤/ ٦٦
(٣) القصري: شعب الإيمان: ٥٨٩
(٤) الجرجاني: اعتقاد أئمة الحديث: ٨٦
[ ٥٨٥ ]
قال السمعاني: في تعريف البعث: هو الإطلاق، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٦]، فكأنهم حبسوا مُدَّة ثم أُطلقوا (^١). وقد سَمَّى الله جل وعلا الإحياء بعثًا، كما قال سبحانه: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة:٢٥٩]؛ لأنه إذا أُحيي يبتعث للأمور. (^٢)
وأما الإعادة: فهي الإحياء للبعث يوم القيامة (^٣)، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس:٣٤].
٢ - إنكار المشركين للبعث:
قد حكى الله تعالى إنكار المشركين للبعث، في مواطن عديدة من القرآن، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام:٢٩]، يقول السمعاني: " هذا في إنكارهم البعث والقيامة " (^٤)، وفي مثل هذا المعنى في إنكارهم البعث، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد:٥]. وقد أخبر الله تعالى عمن كان يجادل في أمر البعث وينكره، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج:٣]، يقول السمعاني: " الأكثرون على أن الآية نزلت في النضر بن الحارث، وكان ينكر البعث، ويجادل فيه ". (^٥)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٦٨
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٦٣
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٨٢
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٩٨
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤١٨
[ ٥٨٦ ]
والآيات في هذا المعنى كثيرة، تدل على حجود وإنكار المشركين للقاء الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ [الروم:١٦]، يقول السمعاني: " أي البعث يوم القيامة " (^١)، والكفار ليسوا على مرتبة واحدة من التكذيب، فمنهم من كان في شك فيه، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ [فُصِّلَت:٥٤]، أي: في شك من البعث والنشور (^٢)، ولذا أخبر الله تعالى عنهم أنهم في أمر مريج، فقال سبحانه: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق:٥]، يقول السمعاني: " وكانوا أيضًا يقرون بالبعث مرة، وينكرون البعث مرة، فهذا هو معنى الاختلاط والالتباس " (^٣)، ولذا إنكارهم سيكون عليهم حسرة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الحاقة:٥٠]، أي: البعث حسرة على الكافرين، ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة:٥١]، أي: البعث محض اليقين، وعين اليقين. (^٤)
فإن قيل على هذا التقرير: كيف يستقيم قولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [المؤمنون:٣٧]، ولم يكونوا مقرين بالبعث؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أنه على التقديم والتأخير، يعني: نحيا ونموت، والآخر: يموت الآباء، ويحيا الأبناء، والثالث: يموت قوم، ويحيا قوم. (^٥)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٠١
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦١
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٣٥
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٤٣
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٧٥
[ ٥٨٧ ]
٣ - ذكر السمعاني ﵀ دلائل البعث في القرآن الكريم، وهي دلائل سمعية، وأما من جهة إمكانه فدلالة العقل مؤيِّدة لدلالة النقل، يقول ابن القيم: " والصحيح: أن العقل دل على المعاد، والثواب، والعقاب إجمالًا، وأما تفصيله فلا يُعلم إلا بالسمع، ودوام العقاب والثواب، مما لا يدل عليه العقل بمجرده، وإنما عُلِمَ بالسمع ". (^١)
" وبراهين المعاد في القرآن مبنية على ثلاثة أصول: أحدهما: تقرير كمال علم الرب سبحانه، والثاني: تقرير كمال قدرته، والثالث: كمال حكمته ". (^٢)
وقد ذكر السمعاني جملة من الدلائل على إمكان البعث منها:
أ - الاستدلال بالبداءة على الإعادة: وقد استدل السمعاني على ذلك بعدة أدلة، منها:
ـ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد:٥]، يقول السمعاني: " ومعناه: أنك تعجب، فعجب من إنكارهم النشأة الآخرة، مع إقرارهم ابتداء الخلق من الله، وقد تقرر في القلوب، أن الإعادة أهون من الابتداء، فهذا موضع التعجب ". (^٣)
ـ وقال تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٧]، يقول السمعاني: " ومعناه: أنا لما قدرنا على إنشاء خلقهم، فنحن على الإعادة أقدر ". (^٤)
ـ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، يقول السمعاني: " أي قدرتنا على إعادة الخلق، كقدرتنا على إنشائه ". (^٥)
_________________
(١) ابن القيم: حادي الأرواح: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٠٣ هـ (٣٦٥)
(٢) ابن القيم: الفوائد: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ١٣٩٣ هـ، (٧)
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨٧
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٠٥
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤١٢
[ ٥٨٨ ]
ـ وقال تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء:٥١]، يقول السمعاني:" أي: أنشأكم أول مرة، ومن قدر على الإنشاء، فهو على الإعادة أقدر ". (^١)
ـ وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [الحج:٥]، يقول السمعاني: " وقوله: " لِنُبَيِّنَ لَكُمْ "، أي: نبيِّن لكم أمر الخلق في الابتداء؛ لتستدلوا بقدرة الله في الابتداء، على قدرته على الإعادة ". (^٢)
ـ وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧]، يقول السمعاني: " وأما وجه الحجة عليهم في خلق الإنسان من نطفة، هو أن إعادة الخلق، أهون فيما يعقله الناس من إنشاء الخلق ". (^٣)
إذن هذه الدلالة فيها أمور ثلاثة:
١ - أن الله تعالى سمَّاها النشأة الأخرى، فقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم:٤٧]، يقول السمعاني: " وإنما قال " الْأُخْرَى "؛ لأنها ثانية النشأة الأولى، والنشأة الأولى ابتداء الخلق ". (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٤٨
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٢١
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٨٩
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٠٥
[ ٥٨٩ ]
٢ - أنه من أبلغ الأدلة في الاحتجاج على المنكرين، ولذا قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٤٠]، أي: أليس الله الذي خلق الإنسان من النطفة، بقادر على أن يحيي الموتى؟ يعني: هو قادر (^١). وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة:٥٨ - ٥٩]، نقل السمعاني عن الأزهري قوله: " إن الله احتج عليهم بأبلغ دليل في البعث والإحياء بعد الموت في هذه الآية، وذلك أن المني الذي يسقط من الإنسان ميت، ثم يخلق الله منه شخصًا حيًا، وقد كانوا مقرين أن الله خلقهم من النطف، وكانوا منكرين للإحياء بعد الموت، فألزمهم أنهم لما أقروا بخلق حي من نطفة ميتة، يلزمهم أن يقروا بإعادة الحياة في ميت، ومعنى الآية: كما أقررتم بذلك فأقروا بهذا ". (^٢)
٣ - أن الكفار قولهم في البعث متناقض، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات:٨]، يقول السمعاني: " ومعنى التناقض في هذا: أنهم أقروا بالنشأة الأولى، وأنكروا النشأة الأخرى، وهذا تناقض؛ لأن من قدر على النشأة الأولى، فهو على النشأة الأخرى أقدر ". (^٣)
ب - الاستدلال بإحياء الأرض الميتة على البعث: وقد استدل بها السمعاني على إثبات البعث، ومن ذلك:
ـ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٥٧]، يقول السمعاني في وجه الدلالة: " استدل بإحياء الأرض بعد موتها، على إحياء الموتى، وفي ذلك دليل بيِّن ". (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١١١
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٥٤
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٥٢
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٩٠
[ ٥٩٠ ]
ـ وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٥ - ٦]، يقول السمعاني: " فهذا أيضًا دليل على إعادة الخلق، وفي بعض ما يُنقل عن السلف: إذا رأيتم الربيع فاذكروا النشور ". (^١)
ـ وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ [ق:٩ - ١١]، يقول السمعاني: " يعني: كما نحيي الأرض اليابسة، ونخرج منها الأشجار، والزرع، والكلأ، كذلك نحيي الأجساد بعد الموت، ونخرجها من الأرض ". (^٢)
ج - الاستدلال على البعث بقياس الأولى (بخلق السموات والأرض): واستدل السمعاني ببعض الدلائل منها:
ـ قول تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١]، يقول السمعاني: " قوله: " بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ " على أن ينشئ خلقًا مثلهم، وقيل: على أن يُعيدهم يوم القيامة، فيكونوا خلقًا كما كانوا ". (^٣)
ـ وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٢]، يقول السمعاني: " استدل عليهم بهذه الآيات في قدرته على البعث، والمعنى: بأن إعادتكم خلقًا جديدًا، أشد أم خلق السماء ". (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٢٢
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٣٧
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٩٠
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٥٠
[ ٥٩١ ]
د - الاستدلال بالدلائل الواقعة الحاضرة المحسوسة: وهذا فيما بينه الله تعالى، في إحياء بعض الموتى، وهذا استدل به السمعاني على إمكان البعث، ومن ذلك:
ـ قوله تعالى في قصة قتيل بين إسرائيل: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٧٣]، يقول السمعاني: " لأنه أراهم إحياء المقتول، حين ضُرب ببعض البقرة ". (^١)
ـ وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة:٥٦]، يعني: أحياكم بعد تلك الموتة بالطور، قال قتادة: أحياهم ليستوفوا آجالهم. (^٢)
هـ - الاستدلال بالقدرة التامة الشاملة: ومن الأدلة التي استدل بها السمعاني، على إمكان البعث بناء على دلالة القدرة الإلهية:
ـ قوله تعالى في قصة العزير حين أماته الله ثم أحياه، فقال: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩]، يقول السمعاني: " فلما ظهرت له قدرة الله تعالى، على عمارة بيت المقدس، وإحياء الموتى، قال " أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ". (^٣)
ـ ولما ذكر الله ﷾، دلائل القدرة على الكفار، وأقروا أن فاعلها هو الله تعالى، وأنهم عاجزون عنها، استدل بها عليهم على إنكارهم للبعث، وهي الآيات التي ذكرها المولى في سورة الواقعة، من خلق الإنسان، وإثبات الزرع، وإنزال الماء من السحاب، وخلق الشجر الذي يورى به النار، لما ذكر كل هذه الدلائل، استدل بها عليهم على إنكارهم للبعث، ووجهه: " قال الله تعالى لهم: لما لم تنكروا قدرة الله تعالى على هذه الأشياء، وما فيها من عجيب الصنع، فكيف تنكرون قدرته على بعثكم، وإحيائكم بعد موتكم". (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٩٤
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٨١
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٦٥
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٥٨
[ ٥٩٢ ]
وقوله ﷾: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق:٨]، رجح السمعاني أن المراد بالآية: " أنه على إحيائه بعد الإماتة لقادر ". (^١)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٠٣
[ ٥٩٣ ]
المبحث الخامس: أحداث الآخرة وأحوالها:
تنتهي هذه الحياة الدنيا بالنفخ في الصور، ثم تبتداء الحياة الآخرة بالنفخ في الصور ثانية، ويعاين المرء الأحداث الرهيبة المفزعة، من حيث أن يُبعث إلى أن يستقر به المقام إما في الجنة، وإما في النار. والكلام عن هذه الأحداث طويل، إذ غالب سور القرآن الكريم، تحدثت عن أحوال القيامة وأهوالها، والذي يُهمنا في هذا المقام آراء السمعاني العقائدية في اليوم الآخر. وبعد التتبع والاستقراء، وجدت أن كلام السمعاني، منسجم تمام الانسجام مع ما ذُكر من إجماعات السلف، عن أحداث اليوم الآخر:
١ - فالعلماء أجمعوا على الإيمان بالنفخ في الصور، وعلى أنه قرن يُنفخ فيه، وأجمعوا على أنه ينفخ في الصور قبل يوم القيامة، فيصعق من في السموات ومن في الأرض، إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون. (^١)
والإمام السمعاني أثبت في أكثر من موضع هذه المعاني، فقال: " وقال ابن مسعود في تفسير الآية: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [الأنعام:٧٣]،: الصور: قرن ينفخ فيه، وهو معروف في الأخبار " (^٢). وضعف القول الذي نُقل عن الحسن البصري، من أن المراد به الصُّوَر، جمع صورة، وقال: " والصحيح: أن الصور: قرن ينفخ فيه إسرافيل "، ثم قال: " فمن العلماء من يقول: ينفخ ثلاث نفخات: نفخة للصعق، ونفخة للموت، ونفخة للبعث، والأكثرون أنه ينفخ نفختين، نفخة للموت، ونفخة للبعث، والصعق هو الموت، ويكون بين النفختين أربعون سنة ". (^٣)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٤
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١١٧
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٩٠
[ ٥٩٤ ]
وذكر السمعاني أن بعض العلماء أوَّل كلام الحسن السابق، فقال: " وأوَّل بعضهم كلامه وقال: إن الأرواح تجعل في القرن، ثم ينفخ فيه، فتذهب الأرواح إلى الأجساد، وتحيا الأجساد ". (^١)
٢ - وأجمع العلماء على الإيمان والإقرار والتصديق، بالميزان الذي توزن به أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه أفلح ونجا، ومن خفت موازينه خاب وخسر. (^٢)
وكذلك السمعاني وافق إجماع السلف، ونص على أن الميزان في القيامة حقيقة، ليس علامة يُعرف بها مقادير استحقاق الثواب والعقاب، بل هو ميزان حقيقي، له لسان وكفتان (^٣)، قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف:٨]، يقول السمعاني: " قال مجاهد: معناه القضاء يومئذ بالحق والعدل، وأكثر المفسرين على أنه أراد به، الوزن بالميزان المعروف، وهو حق ". (^٤)
ثم أشار السمعاني إلى ثلاث مسائل:
الأولى: ما الذي يوزن في الميزان؟ وذكر خلاف العلماء في المسألة، فقال:
قال بعضهم: توزن صحائف الأعمال، وقيل: يوزن الأشخاص، وقيل: توزن الأعمال". (^٥)
والثانية: كيفية الوزن؟ وذكر قولين: الأول: يوزن الحسنات والسيئات، والثاني: يوزن خواتيم الأعمال. (^٦)
والثالثة: هل الميزان متعدد أم لا؟ وذكر قولين: الأول: أن الميزان للكل واحد، والثاني: أن لكل واحد ميزانا. (^٧)
وما أشار إليه السمعاني من المسائل، هي موطن نزاع بين العلماء، وقد تتبعها العلماء في مصنفاتهم، واستدلوا لها، وبينوا الراجح فيها، والسمعاني ذكر الأقوال دون أن يرجح أحدها.
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١١٧
(٢) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٥
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٦٦
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٨٤
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٨٤
(٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٦٦ - ٦/ ٢٧٣
[ ٥٩٥ ]
والذي يترجح في هذه المسائل - والعلم عند الله تعالى ـ: أن الذي يوزن، الأعمال، والعامل، وصحائف الأعمال، يقول ابن كثير: " وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار، بأن يكون ذلك كله صحيحًا، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها ". (^١)
وأن الميزان واحد، وإنما جاء اللفظ بالجمع، باعتبار تعدد الموزون. (^٢)
وبقي أن نشير إلى أن السمعاني أورد قضيتين:
الأولى: فيما يتعلق بوزن أعمال الكفار، فقد أورد تساؤلًا في التوفيق بين قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء:٤٧]، وبين قوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]، فأجاب عنه: بأن المعنى: أي: لا يستقيم وزنهم على الحق، فإن ميزانهم شائل ناقص خفيف (^٣). وهذه المسألة محل خلاف عند العلماء، وما ذكره السمعاني هو الراجح - والعلم عند الله - وذلك أنها توزن، وإن لم تكن لهم حسنات تنفعهم، يقابل بها كفرهم؛ لإظهار شقائهم، وفضيحتهم على رؤوس الخلائق. (^٤)
والثانية: أشار السمعاني إلى بعض صفات الميزان، وهو أن له لسانا وكفتين، أما الكفتان فقد ذكر ابن القطان إجماع العلماء على ذلك، فقال: " وأجمعوا أن كفة السيئات تهوي إلى جهنم، وأن كفة الحسنات تهوي عند زيادتها إلى الجنة " (^٥)، وأما اللسان فهو وارد عن ابن عباس وجماعة. (^٦)
٣ - وأجمع العلماء على أن الخلق يُؤتون بصحف أعمالهم، فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حسابًا يسيرًا، ومن أوتي كتابه بشماله، فأولئك يصلون سعيرًا. (^٧)
وقد أثبت السمعاني هذا المعنى المجمع عليه، وقال: " الكتاب: هو صحيفة الحسنات والسيئات ". (^٨)
_________________
(١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٣٩٠
(٢) ابن عطية: المحرر الوجيز: ٤/ ٨٥
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٨٤
(٤) ابن كثير: النهاية في الفتن والملاحم: دار الجيل، بيروت، ١٤٠٨ هـ (٢/ ٣٦)
(٥) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٥
(٦) القرطبي: التذكرة: ٧٢٤
(٧) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٥
(٨) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٦٤
[ ٥٩٦ ]
واستدل له بكثير من دلائل القرآن الكريم، والسنة المطهرة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، قال قتادة: أي: فملاق عملك من خير وشر، ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]، أي: هينًا، وقيل في اليسير: هو أن يقبل الحسنات، وتجاوز عن السيئات، ثم قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق:١٠]، قال مجاهد: يخلع يده اليمنى، ويجعل يده اليسرى وراء ظهره، فيوضع كتابه فيها، وقال الكلبي: تُغل يده اليمنى، ويوضع كتابه في شماله وراء ظهره. (^١)
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير:١٠]، يقول السمعاني: " يعني على الخلائق، فمنهم من يُعطى بيمينه، ومنهم من يُعطى بشماله " (^٢)، وقال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]، أي: يُظهر ما عملتم بالحق. (^٣)
٤ - وأجمع العلماء على أن الصراط حق، وهو جسر ممدود على جهنم، يجوز عليه العباد بقدر أعمالهم، وأنهم يتفاوتون بالإبطاء والسرعة على قدر ذلك. (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٨٨ - ٩٠
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٦٨
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٤٤
(٤) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٥
[ ٥٩٧ ]
والسمعاني أثبته بصفاته الواردة، فقال عند تفسير قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢]، قال الحسن البصري: على الصراط، وعن ابن مسعود، قال: نور كل إنسان على قدر عمله، وعن ابن عباس في رواية الضحاك قال: الصراط في دقة الشعرة، وحدة الشفرة، والمؤمنون يمرون عليه، ونورهم من بين أيديهم، بعضهم كالبرق، وبعضهم كالريح، وبعضهم كالطير، وبعضهم كحضرة الفرس " (^١)، وقال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]، يقول السمعاني: " فإن قيل: كيف قال: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾، ثم قال: " وَقِفُوهُمْ "؟ قلنا: لأنهم يوقفون على الصراط للمساءلة، ويُقال: إن هذا أشد في التعذيب والتوبيخ ". (^٢)
٥ - وأجمع العلماء على أن للنبي ﷺ حوضًا ترده أمته يوم القيامة، لا يظمأ من شرب منه، ويُذاد عنه من بَدَّل وغَيَّر بعده. (^٣)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٦٩
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٣٩٦
(٣) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٦
[ ٥٩٨ ]
وقد أثبت السمعاني الحوض بصفاته الواردة في السنة النبوية المطهرة، وذكر خلاف العلماء في الكوثر، هل هو الحوض أم لا؟!. وذكر حديث أنس ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلت: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: أنزل عليَّ آنفًا سورة، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر:١ - ٣]، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: نهر وعدنيه ربي خيرًا كثيرًا، هو حوض ترد عليه أُمتي يوم القيامة، آنيته عدد نجوم السماء، فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك " (^١)، ثم ذكر خلافًا عند العلماء، فذكر أنه نهر في الجنة، وقيل: إن الخير الكثير، وقيل: القرآن، وقيل: العلم والقرآن. (^٢)
وقال القرطبي: " والصحيح: أن للنبي ﷺ حوضين، وكلاهما يُسمى كوثرًا، وأن الحوض الذي يُذاد عنه من بَدَّل وغيَّر، يكون في الموقف قبل الصراط ". (^٣)
٦ - والشفاعة حق، فقد أجمع العلماء على الإيمان بشفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته (^٤). وقد أثبت السمعاني الشفاعة بأنواعها، وجمع بين النصوص الواردة في إثبات الشفاعة ونفيها، ونُجمل عقيدة السمعاني في الشفاعة في أمور:
أ - أن الشفاعة لله جميعًا، كما قال جل وعز: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزُّمَر:٤٤]، يقول السمعاني: " معناه: أنه لا يشفع أحد إلا بإذنه، فالشفاعة من عنده؛ لأنها لا تكون إلا بإذنه". (^٥)
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، باب حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة، ح (٤٠٠)
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٩٠
(٣) القرطبي: التذكرة: ٧٠٣
(٤) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٦
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٧١
[ ٥٩٩ ]
ب - أن الشفاعة حق، ومن أنكرها فهو ضال مبتدع، يقول السمعاني: " والأخبار في الشفاعة كثيرة، وأول من أنكرها عمرو بن عبيد، وهو ضال مبتدع بإجماع أهل السنة ". (^١)
ج - وأن الشفاعة قسمان: أولًا: شفاعة منفية: وهي شفاعة الكفار، قال تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:١٢٣]، يقول السمعاني: " أراد بقوله: " وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ " في قوم مخصوصين، وهم اليهود والنصارى " (^٢)، وقال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدَّثر:٤٨]، يقول السمعاني معللًا ذلك: " لأنهم كفرة، فلا يكون لهم شفيع ولو كان لم ينفعهم. وفي التفسير: أن هذا حين يخرج قوم من المؤمنين من النار، بشفاعة الأنبياء والرسل، والملائكة، والعلماء والصديقين، وكل هذا مروي في الأخبار، ويبقى الكفار في النار على الخصوص ". (^٣)
ثانيًا: الشفاعة المثبتة: وهي ما اجتمع فيها شرطان:
١ - إذن الله تعالى للشافع أن يشفع،
٢ - ورضاه عن المشفوع له، واستدل لها السمعاني بجملة من النصوص، منها:
قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، يقول السمعاني: " والمعنى أنهم لا يملكون الشفاعة لأحد، حتى يأذن الله فيه ويرضاه " (^٤).
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٧٠
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٣٤
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٩٩
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٩٦
[ ٦٠٠ ]
د - إثبات الشفاعة للنبي ﷺ، قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، يقول السمعاني:" أجمع المفسرون أن هذا مقام الشفاعة، وقد ثبت هذا عن النبي ﷺ " (^١)، وأثبت شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته، خلافًا لما ذهب إليه المنكرون.
هـ - وأثبت الشفاعة لغير النبي ﷺ، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ومنهم الأصدقاء، قال تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١]، يقول السمعاني: " في الأخبار: أن المؤمنين يشفعون للمذنبين، وكذا الملائكة والأنبياء. وعن الحسن البصري قال: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، فإن لهم شفاعة يوم القيامة، والصديق هو الصادق في المودة على شرط الدين ". (^٢)
٧ - وحساب الله جل وعلا للخلائق يوم القيامة، من الأصول المتفق عليها عند أهل السنة والجماعة، وقد حكى الإجماع على ذلك جماعة من الأئمة: يقول الإمام ابن تيمية: " .. الجنة والنار، والبعث، والحساب فإن هذه الأصول كلها متفق عليها بين أهل السنة والجماعة" (^٣)، ويقول الإمام ابن أبي زمنين: " ومن قول أهل السنة: أن الله تعالى يحاسب عباده يوم القيامة، ويسألهم مشافهة منه إليهم " (^٤)، ويقول العلامة القصري عن هذه الشعبة، وهي الإيمان بالحساب: " أما كون هذه الشعبة من الإيمان فبَيِّن؛ لإجماع أهل الشرائع عليه ". (^٥)
والسمعاني في تفسيره، جارٍ على ما اتفق عليه السلف، من الإيمان بالحساب يوم القيامة، ومما أشار إليه في هذا المقام:
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٦٩
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٥٥ - ٥٦
(٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١١/ ٤٨٦
(٤) أبن أبي زمنين: أصول السنة: مكتبة الغرباء، السعودية، ط ١، ١٤١٥ هـ (١١٧)
(٥) القصري: شعب الإيمان: ٥٩٣
[ ٦٠١ ]
أ - أن الله جل وعلا، هو متولي الحساب يوم القيامة (^١)، قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد:٤٠]، ويقول تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور:٢٥]، أي: حسابهم العدل. (^٢)
ب - وأن الحساب يوم القيامة، موصوف بعدة أوصاف:
ـ سرعته: قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة:٢٠٢]، نقل السمعاني عن أهل التفسير معنى سرعة الحساب، فقال: " قال أهل التفسير: يحاسب العباد أسرع من لمح البصر. وقال أهل المعاني: يُحاسب العباد من غير تدبير ولا رؤية؛ لكونه عالمًا بما للعباد، وما على العباد، فلا يحتاج إلى رؤية ". (^٣)
وقال في مقام آخر: " معناه: سريع المجازاة، وحقيقة الحساب: إحصاء ما عمله الإنسان من خير أو شر، ليجازى عليه " (^٤)، وقال أيضًا في بيانه: " في التفسير: أن الله تعالى يحاسبهم في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا. وعن الضحاك: ما بين صلاتين، وقيل بقدر شربة ماء". (^٥)
ـ سوؤه وشدته: قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:١٨]، رُوي عن إبراهيم النخعي أنه قال لفرقد: يا فرقد، أتدري ما سوء الحساب؟ هو أن يُحاسب على جميع الذنوب، ولا يغفر منها شيئًا، وقيل: إن سوء الحساب: هو أن لا يقبل حسنة، ولا يعفو عن سيئة". (^٦)
ـ يُسْره: قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]، أي: هينًا، وقيل في اليسير: هو أن يقبل الحسنات، ويتجاوز عن السيئات، وقد فسره النبي ﷺ بالعرض، أما من نوقش الحساب فقد هلك ". (^٧) (^٨)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٠٠
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٥١٥
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٢٠٥
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٢٧
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١٢
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨٩
(٧) أخرجه البخاري في صحيحه، باب من سمع شيئًا فلم يفهمه، ح (١٠٣)
(٨) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٨٨
[ ٦٠٢ ]
ج - ذكر السمعاني خلاف المفسرين في سؤال الكفار وحسابهم، فقال:
ـ عن قتادة قال: الكافر لا يُحاسب، بل يُؤمر به إلى النار من غير حساب ولا سؤال.
ـ وقال بعضهم: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨]؛ لأنهم يُعرفون بسيماهم.
ـ وقيل: لا يُسألون سؤال استعلام، وإنما يُسألون سؤال تقريع وتوبيخ.
ـ ويُقال: لا يُسألون سؤال لمن له عذر في الجواب، وإنما يُسألون على معنى إظهار قبائحهم، ليفتضحوا على رؤوس الجميع (^١)، قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦]، يقول السمعاني: هذا سؤال توبيخ، لا سؤال استعلام، يعني نسألهم عما عملوا فيما بلغهم، " ولنسألن المرسلين " عن الإبلاغ ". (^٢)
وأشار السمعاني إلى أن في القيامة مواقف، فموقف يُسألون، وموقف لا يسألون. (^٣)
٨ - أجمع العلماء على أن الله جل وعلا، يحشر الخلائق يوم القيامة، ويعيدهم كما بدأهم، حفاة، عراة، غرلًا (^٤). والحشر يوم القيامة حق. يقول السمعاني: " أما حشر الجن والإنس، حق يجب الإيمان به " (^٥)، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم:٨٥ - ٨٦]، يقول السمعاني: " الحشر: جمع الأقوام من كل صقع في محل واحد ". (^٦)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٥٧
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٦٥
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٥٧
(٤) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٤
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٤٤
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣١٤، والحشر يكون لكل شيء حتى الذباب. تفسير السمعاني: ٦/ ١٦٥
[ ٦٠٣ ]
وقرر السمعاني مسائل الحشر، على وفق الظواهر القرآنية، على ما أجمع عليه السلف، فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٣٨]: " ولا شك في حشر البهائم والحيوانات يوم القيامة " (^١)، وأن الناس يُحشرون يوم القيامة بأتم خلق، مصححة الأجساد؛ لخلود الأبد، وقد جاء في الخبر عن النبي ﷺ: " تُحشرون يوم القيامة حفاة، عراة، غرلًا، بهمًا " (^٢)، يقول السمعاني: " وقوله: بهمًا، أي: مصححة الأجساد للخلود ". (^٣)
وذكر السمعاني صفة حشر الناس يوم القيامة، فقال: " في الأخبار: أن الناس يحشرون ثلاثة أصناف: صنف، ركبانًا، وصنف مشاة، وصنف على وجهوهم ". (^٤)
وهل (من) في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:٨٣]، للتبعض؟. يقول السمعاني: " وليس (من) هاهنا للتبعيض؛ لأن جميع المكذبين يحشرون " (^٥)، وفائدة تخصيص المكذبين؛ لأن الحشر الذي يُساق فيه إلى النار، إنما يكون للمكذبين. (^٦)
٩ - أجمع المسلمون من أهل السنة، على أن الجنة والنار مخلوقتان، وعلى أن الله تعالى قد أعدهما لأهلهما، وأجمعوا على أنهما لا يبيدان ولا يفنيان، وأجمعوا على أن ما وصف الله تعالى في الجنة من أكل وشرب، وأزواج مقدسات، ولباس، ولذَّات حق صحيح. (^٧)
" والجنة والنار داران، كل واحدة منهم ضد الأخرى، فما في هذه من أنواع الإكرام والنعيم، فله في هذه ضده من الخزي والعذاب الأليم. قالوا هذه نور، والأخرى ظلمة، وهذه أُنس وحُسن محض، وهذه وحشة وفزع وقبح محض، وهذه راحة ولذة وسرور محض، وهذه مشقة وتنغيص وكرب محض ". (^٨)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٠٢
(٢) أخرجه أحمد في المسند، ح (١٦٠٤٢)
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٦٤
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٩
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١١٦
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١١٦
(٧) ابن القطان: الإقناع: ١/ ٥٧ - ٥٨
(٨) القصري: شعب الإيمان: ٦٢٢
[ ٦٠٤ ]
وأثبت الإمام السمعاني الجنة وما فيها من النعيم، والنار وما فيها من العذاب الأليم، وقد قَرَّر عقيدة الآخرة في الجنة والنار، وفق ما جاء عن أهل السنة والجماعة، على النحو التالي:
أ - أن الجنة والنار مخلوقتان، واستدل السمعاني على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤]، يقول: " " أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ " أي: هيئت للكافرين، وهذا دليل على أن النار مخلوقة، لا كما قال أهل البدعة. ودليل على أنها مخلوقة للكافرين، وإن دخلها بعض المؤمنين تأديبًا وتعريكًا ". (^١)
واستدل بأن الجنة مخلوقة، بأن الله أمر آدم أن يسكن الجنة، قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥]، وأورد السمعاني إشكالًا مفاده: " فإن قيل: لم أمرهما بدخول الجنة، وقد وعد أن من دخلها يكون خالدًا فيها، فكيف أخرجهما من الجنة؟ قلنا: إنما ذلك الوعد في حق من يدخلها للثواب والجزاء، وآدم إنما دخل الجنة بالكرامة دون الثواب " (^٢). وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم:١٤ - ١٥]، وفي الآية دليل على أن الجنة في السماء، وأنها مخلوقة، ومن زعم أنها غير مخلوقة، فهو كافر بهذه الآية ". (^٣)
ب - أنهما عظيمتان، واستدل السمعاني على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤]، قال علي وابن مسعود: " هي حجارة الكبريت؛ لأنها أكثر توقدًا والتهابًا، وقال الباقون هي جميع الحجارة، يقول السمعاني: " وهذا دليل على عظيم تلك النار ". (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٩
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٦٨
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٩١
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٩
[ ٦٠٥ ]
وقال عن الجنة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣]، يقول السمعاني: " أي سعتها كسعة السموات والأرض وأما طولها فلا يعلمه إلا الله ". (^١)
ج - أن الجنة درجات، والنار دركات (^٢)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، وقال تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحِجر:٤٤]، قال ابن جريج: النار سبعة دركات: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. (^٣)
وفي الجنة مائة درجة، قال تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ [النساء:٩٦]، يقول السمعاني: " وفي الخبر: (في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين ما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله) (^٤) (^٥).
د - أنهما لا تفنيان، وأن أهلهما باقون فيهما، إما في النعيم أو العذاب، وقد استدل السمعاني على بقاء الجنة والنار وعدم فنائهما، بدلالات كثيرة كثيرة من نصوص القرآن، تدل ظواهرها على البقاء وعدم الفناء:
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٥٨
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٩٥
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٤١
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، ح (٢٧٩٠)
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٦٨
[ ٦٠٦ ]
١ - في بقاء الجنة وخلودها: يقول الله تعالى بعد أن ذكر نعيم الجنة: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥]، يقول السمعاني: " أي: مقيمون لا يظعنون " (^١)، ويقول تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [التوبة:٢١ - ٢٢]، يقول السمعاني: " والمقيم: الدائم، وهو من لا يظعن أبدًا " (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم:٢٣]، يقول السمعاني: " مقيمين فيها أبدًا" (^٣)، وهذا وعد الله الحق، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ [لقمان:٨ - ٩]، يقول السمعاني: " ومعناه: مقيمين في الجنة كما وعد الله " (^٤)، وقال: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١١]، " أي: مقيمين لا يظعنون أبدًا "، وأما أنص آية في القرآن على الخلود، فقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحِجر:٤٨] (^٥).
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٦٠
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٩٧
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١١٣
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٢٧
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٦٦ - ٣/ ١٤٢
[ ٦٠٧ ]
٢ - في بقاء النار وخلودها: يقول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة:٦٨]، أي: دائم (^١)، وقال تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [النحل:٢٩]، قال السمعاني: " أي: مقيمين دائمين فيها ". (^٢)
فإن قيل: ما وجه الاستثناء في قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٢٨]، الجواب: قال الفراء، هو مثل قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧]، يعني: من الزيادة على مدة دوام السموات والأرض، فهذا هو المراد بهذه لآية أيضًا، وقيل: الاستثناء في العذاب، يعني: خالدين في نوع من العذاب، إلا ما شاء الله من سائر العذاب، وقيل: هو استثناء مدة البعث والحساب، لا يُعذبون في وقت البعث والحساب ". (^٣)
ووجه السمعاني ما ورد عن بعض السلف، من خلو النار من المعذبين، كما جاء عن أبي هريرة أنه قال: يأتي على جهنم زمان لا يبقى فيها أحد، يقول السمعاني موجهًا لهذا الأثر وأمثاله: " ومعنى هذا عند أهل السنة - إن ثبت - أن المراد منه: الموضع الذي فيه المؤمنون من النار، ثم يخرجون عنه، فلا يبقى فيها أحد، وأما مواضع الكفار، فهي ممتلئة بهم أبد الأبد، على ما نطق به الكتاب والسنة ". (^٤)
وأجاب كذلك عن الإشكال الوارد في قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣]، بثلاثة أوجه، ومنها: لابثين فيها أحقابًا إلى أحقاب لا تنقطع أبدًا. (^٥)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٢٦
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٦٩
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٤٥
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٦١
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٣٩
[ ٦٠٨ ]
وبقي الإشكال في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٧]، قال السمعاني: هذه الآية تُعدُّ من مشكلات القرآن، وقد أكثر العلماء فيها الأقوال، ونذكر ما يعتمد عليه " (^١)، ففسر السمعاني معنى خلود السموات والأرض، بما ورد عن ابن عباس: أن الآية نزلت في قوم من المؤمنين يدخلهم الله تعالى النار، ثم يخرجهم منها إلى الجنة، ويسمون الجهنميين، وعَبَّر بالسموات والأرض عن طول المكث، ويكون الاستثناء واقعا على ما بعد الإخراج من النار، بشفاعة الأنبياء والمؤمنين. (^٢)
وأما تفسير الآية الأخرى في أهل الجنة الذين دخلوها، من غير أن يدخلوا في النار، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨]، فالخلود يُراد به الإقامة فيها ما دامت السموات والأرض، وكنى بهذا عن طول المكث.
ـ وقيل: معنى الخلود راجع إلى سموات الجنة وأرضها، والاستثناء يعود على زمان الوقوف في القيامة، ومدة المكوث في القبر.
ـ وقيل: معنى الاستثناء: ولو شاء لقطع التخليد عليهم، ولكن لا يشاء. (^٣)
إذن: فهما باقيتان لا تفنيان بإتفاق أهل الإسلام، يقول ابن تيمية: " وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها، وسائر أهل السنة والجماعة، على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية، كالجنة والنار ". (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٥٩
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٦٠
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٤٦٠ - ٤٦١
(٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١٨/ ٣٠٧
[ ٦٠٩ ]
١٠ - وهناك جملة من العقائد والمسائل المتعلقة باليوم الآخر، أثبتها السمعاني وفق ظواهر النصوص القرآنية، كنطق الجوارح يوم القيامة على الحقيقة، وسور الأعراف الذي بين الجنة والنار، وتبديل الأرض يوم القيامة، ومال بعد حكاية الخلاف في معنى التبديل، إلى القول المعروف فيها، وهو أن التبديل ليس بتبديل ذات، بل تبديل صفة وهيئة (^١)، وما في الجنة من أصناف النعيم، وألوان التكريم، وما في النار من صنوف العذاب، والورود على النار، وزفيرها وتكلمها على الحقيقة (^٢)، وقيام الناس لرب العالمين، ودنو الشمس على رؤوسهم (^٣)، فكل هذه العقائد والمسائل قررها السمعاني، وأثبتها على وفق المنهج القرآني الرباني، وبناء على ما أجمعت عليه الأمة.
١١ - وأختم هذا الفصل بما أورده السمعاني، من كلام العلماء في مسألة مصير أولاد المشركين:
أولًا: ذراري المسلمين إن ماتوا صغارًا، فهم مع آبائهم في الجنة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١]، وهذا هو الصحيح، وأما ما ورد في الحديث عن عائشة أنها قالت لما مات صبي من الأنصار: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال النبي ﷺ: " يا عائشة أوغير ذلك؟ إن الله خلق النار، وخلق لها أهلها، وخلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق الجنة وخلق لها أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم "، فهذا الحديث حمله السمعاني على ماقبل نزول الآية، فقال: " وقد قال أهل العلم: إن الأصح في ذراري المؤمنين أنهم في الجنة، ويحمل أن النبي ﷺ إنما قال ذلك، على ما كان عرفه في الأصل، ثم إن الله تعالى أخبره أن ذراري المسلمين في الجنة بهذه الآية وغيرها ". (^٤)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٢٥
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٤٥
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٧٩
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٧٣
[ ٦١٠ ]
ثانيًا: ذراري المشركين: فقد حكى السمعاني خلاف العلماء فيهم، بناء على اختلاف الروايات في المسألة، فقيل: هم خدم أهل الجنة، وقيل: هم في النار مع آبائهم، وقيل: بالتوقف؛ لأن النبي سُئل عنهم، فقال: " الله أعلم بما كانوا عاملين " (^١)، ولذا رجح السمعاني هذا القول، فقال: " والأولى أن يتوقف، ويوكل علم ذلك إلى الله تعالى، وهم على مشيئته، يفعل بهم ما يشاء " (^٢)، وقال في موطن آخر: " والأصح أن الأمر فيهم على التوقف " (^٣)، وقد ناقش ابن حزم المسألة، ورجح أنهم من أهل الجنة (^٤). وهذه المسألة محل بحث وأخذ ورد عند العلماء، وابن القيم ناقش الأدلة، ونصر القول بامتحانهم يوم القيامة بطاعة الرسول ﷺ. (^٥)
وهكذا نرى منهج الإمام السمعاني في هذا الباب متسقا تمام الاتساق مع المنهج القرآني، والمنهج السلفي القائم على التسليم المطلق للنصوص، والإيمان الجازم بكل ما دلت عليه. والإثبات تمييز للضد، فإثباته ردٌ على كل منكر أو متأول، فسيما أهل البدع إنكار كثير من الغيبيات التي دلت عليها النصوص؛ فمنهم من أنكر حقيقة الميزان، أو الحوض، أو الصراط، أو الشفاعة لأهل الكبائر، أو خلود الجنة والنار، وكل ذلك مبثوث في كتب المقالات، ومعروف في كلام القوم.
فجاءت آراء الإمام السمعاني سادة لهذا الخلل، ومقومة للإعوجاج الذي طرأ على العقيدة الصحيحة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب ما قيل في أولاد المشركين: ح (١٣٨٣)
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ١٦٦
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٢٧٣
(٤) ابن حزم: الفِصل: ٤/ ٦٠
(٥) ابن القيم: التفسير القيم (٤٥١)
[ ٦١١ ]