وفيه فصلان:
الفصل الأول: المازري عصره وحياته
الفصل الثاني: القرطبي عصره وحياته
[ ١٣ ]
الفصل الأول المازري عصره وحياته
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: عصره
المبحث الثاني: حياته الشخصية
المبحث الثالث: حياته العلمية
المبحث الرابع: التعريف بالكتاب وبيان أهميته
[ ١٥ ]
المبحث الأول عصره
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: عصره من الناحية السياسية
المطلب الثاني: عصره من الناحية العلمية
[ ١٧ ]
المطلب الأول: الحالة السياسية:
لقد عاش المازري بين سنة (٤٥٣ هـ) وسنة (٥٣٦ هـ)، وهي فترة اضطراب وعدم استقرار وحروب وفتن، خصوصًا في بلاد إفريقية التي عاش فيها.
فهذه الفترة لم تكن فيها للخليفة العباسي أيَّة سلطة حقيقة، إنما يُكتفى بذكر اسمه على المنابر، والدعاء له في الدولة التي تدين له بالولاء، وإلَّا فقد كانت الدولة الفاطمية العبيدية الباطنية تسيطر على مصر والشام وإفريقية. أمَّا بلاد اليمن وبلاد الحجاز فتخضعان لهم تارة، وتخرجان عن سلطتهم تارة أخرى.
وفي اليمن كانت الدولة الصليحية الباطنية خاضعةً للدولة الفاطمية وتحت سلطتها.
وكذلك في إفريقية كانت الدولة الصنهاجية تابعة للفاطميين وخاضعة لهم كما سيأتي تفصيله.
وأمَّا خُراسان والعراق وما تبعهما فكانتا خاضعتين للسلطان السلجوقي.
والمغرب والأندلس كانتا تحت حكم دولة المرابطين (^١).
وهكذا انقسمت بلاد الإسلام، وأصبحت دولًا متعددةً تحت رايات كثيرة.
أما إذا خصصنا الحديث عن بلاد إفريقية وهي التي عاش فيها المازري، فإنها كانت تحت حكم الدولة الفاطمية التي قامت أصلًا في إفريقية ثم امتد سلطانها إلى مصر والشام، فانتقلت عاصمة الدولة من
_________________
(١) انظر: تاريخ الإسلام السياسي، لحسن إبراهيم حسن (٤/ ١، ١١٥، ١٧٧، ٢١٩).
[ ١٩ ]
إفريقية إلى مصر سنة (٣٦٢ هـ) في عهد المعز لدين الله الفاطمي، وجعلوا على إفريقية بلكين بن زيزي الصنهاجي، وهي بداية قيام الدولة الصنهاجية التي امتدت قرابة القرنين، ولما توفي بلكين سنة (٣٧٣ هـ) (^١) تولى ابنه المنصور الذي توفي سنة (٣٨٥ هـ) (^٢) فتولى بعده ابنه باديس حتى توفي سنة (٤٠٧ هـ) (^٣)، فتولى ابنه المعز بن باديس.
وكان المعز بن باديس يميل إلى السنة ويسعى إلى التخلص من سلطة الدولة الفاطمية الشيعية، خصوصًا أن الشعب يعين على ذلك بتمسكه بالسنة ورفضه للمذهب الرافضي الذي تدين به الدولة.
وقد أعلن المعز بن باديس انفصاله عن الدولة الفاطمية ودعا للخليفة العباسي، ودان له بالولاء، وذلك سنة (٤٤٠ هـ) (^٤)، فما كان من الخليفة الفاطمي "المستنصر" إلَّا أن سلَّط عليه الأعراب من هلال ورياح وزغبة، الذين كانوا مع القرامطة فبعثهم إلى إفريقية، وأوكل الأمر فيها إليهم، فساروا إليها، ودخلوا مع الصنهاجيين في حروب طاحنة أدت إلى ضعف الدولة الصنهاجية وتسلَّط الأعراب على كثير من مدنها حتى دخلوا القيروان عاصمة الدولة الصنهاجية سنة (٤٤٩ هـ)، وعاثوا فيها فسادًا، حتى رحل المعز إلى المهدية، حيث سبقه ابنه تميم إليها، وانتقلت عاصمة الدولة الصنهاجية إلى المهدية، ولم ينته حكم المعز بن باديس الذي توفي سنة (٤٥٤ هـ) - أي بعد ولادة المازري بسنة - إلَّا وقد كثُرت الاضطرابات والمحن، واختل الأمن، وضعف أمر صنهاجة وتفككت وحدة الدولة.
_________________
(١) الدولة الصنهاجية، الهادي روجي إدريس (١/ ٦٩).
(٢) المرجع السابق (١/ ٩٨).
(٣) المرجع السابق (١/ ١٢٠).
(٤) المرجع السابق (١/ ٢١٢).
[ ٢٠ ]
قال ابن خلدون (^١): "وانتزى الثوار في البلاد فغلب حَمُّو بن مليل البرغواطي على مدينة صفاقس، وملكها سنة إحدى وخمسين، وخالفت سوسة وصار أهلها إلى الشورى في أمرهم، وصارت تونس آخرًا إلى ولاية الناصر بن علناس بن حماد صاحب القلعة، وولى عليهم عبد الحق بن خراسان فاستبد بها، واستقرت في ملكه وملك بنيه، وتغلب موسى بن يحيى على قابس وصار عاملها المعز بن محمد الصنهاجي إلى ولايته، وأخوه إبراهيم من بعده، والتاث ملك آل باديس وانقسم في الثوار وهلك المعز سنة أربع وخمسين، ولما هلك المعز قام بأمره ابنه تميم وغلبه العرب على إفريقية فلم يكن له إلَّا ما ضمه السور" (^٢).
ولكنَّه استطاع إعادة أغلب ما زال من ملكهم فاستعاد صفاقس وسوسة وتونس والقيروان.
غير أنه لم يهدأ الوضع ويستعيد بعض الملك حتى فاجأه النصارى بحملات أدت إلى استيلائهم على المهدية عاصمة الدولة الصنهاجية سنة (٤٨٠ هـ)، ولم يخرجوا منها حتى بذل لهم تميم أموالًا طائلة، وما زال تميم في حروب متواصلة، لاستعادة ما ذهب من ملكه، وإخضاع من تحت يده من عمال، يسعون لانتهاز الفرصة للاستقلال بما تحت أيديهم، حتى توفي سنة (٥٠١ هـ) (^٣).
_________________
(١) عبد الرحمن بن محمد بن محمد المالكي المشهور بابن خلدون العالم المؤرخ نشأ في المغرب، ثم انتقل إلى مصر، له مؤلفات، منها: "تاريخ ابن خلدون" و"مقدمة ابن خلدون" وغيرها، توفي بالقاهرة سنة (٨٠٨ هـ). شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد (٩/ ١١٤)، ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة (٢/ ١١٩).
(٢) تاريخ ابن خلدون (٦/ ١٨٨).
(٣) الدولة الصنهاجية (١/ ٢٩٦).
[ ٢١ ]
وتولى من بعده ابنه يحيى الذي رجع إلى طاعة الفاطميين ولم يبق في الملك طويلًا إذ توفي سنة (٥٠٩ هـ) (^١).
فتولى من بعده ابنه علي بن يحيى، ولكن ملكه أيضًا لم يدم طويلًا إذ توفي سنة (٥١٥ هـ) (^٢).
فتولى ابنه الحسن، وهو صغير لم يبلغ الحلم، وفي عهده هاجم رجار النصراني حاكم صقلية المهدية وحاصرها، ولكنه فشل في الاستيلاء عليها، فرجع عنها.
ولكنه عاد مرة أخرى ونشب مع الحسن في قتال استطاع النصارى فيها أن يدخلوا المهدية، ويستولوا عليها، وذلك سنة (٥٤٣ هـ) بعد وفاة المازري بسبع سنوات (^٣).
ودخلت بعد ذلك المهدية وغالب مدن إفريقية تحت الحكم النصراني حتى جاء عبد المؤمن بن علي زعيم الموحدين واسترجعها من النصارى، وسيطر عليها، ودخلت إفريقية تحت حكم الدولة الموحدية.
هذه مجمل الأحداث السياسية في عهد المازري في إفريقية، وهي - ولا شك - مرحلة حرجة مليئة بالفتن والاضطرابات وعدم الاستقرار السياسي مما سيكون له الأثر الواضح على حياة المازري الشخصية والعلمية ولا شك.
_________________
(١) المرجع السابق (١/ ٣٦٠).
(٢) المرجع السابق (١/ ٣٧٢).
(٣) انظر: تاريخ ابن خلدون (٦/ ١٨٣)، والدولة الصنهاجية (١/ ٤٤٨)، والكامل في التاريخ لابن الأثير (٧/ ٣٣٣، ٤١٤، ٤٨٥، ٨/ ٩، ٨٦، ٢٦٥، ٢٩٥، ٣٥٤، ٣٧٦، ٤٢٦، ٩/ ١١٩، ١٦٠، ٢٠٧، ٢٢٢، ٣٥٠). وانظر: مقدمة تحقيق المعلم لمحمد النيفر (١/ ٨).
[ ٢٢ ]
المطلب الثاني: الحالة العلمية:
لقد عاش المازري في النصف الأخير من القرن الخامس، والثلث الأول من السادس.
وقد رأينا في الحالة السياسية الأحداث المعاصرة لحياته من حروب واضطرابات تعرضت لها بلاده من الأعراب والنصارى، مما يترتب عليه تأثير على الحياة العلمية في تلك البلاد. إضافة إلى أن حياته كانت تحت ظل دولة ترضخ للحكم الفاطمي الشيعي وما يضمره من عداء للسنة والقائمين بها والمنافحين عنها، ولذا أثرت هذه الظروف على الحياة العلمية.
فالغموض الذي صاحب حياة المازري خصوصًا في نشأته الأولى، فلم يُعرف من شيوخه سوى أربعة - بعد البحث والتحري - رغم كثرتهم، وهو العلم البارز - أثر من آثار هذا التأثير.
فغالب تأثير الحياة السياسية في عصره على الحياة العلمية ينصب في ضياع ذلك التراث العلمي الضخم للعلماء في ذلك العصر، وقلة المعلومات عنهم، والمازري - وهو العلم البارز - مثل لذلك بغموض حياته وضياع معظم مؤلفاته.
ولكن رغم هذه الظروف الصعبة، والحملة الشيعية الظالمة إلَّا أن العلماء لم يتخلَّو عن واجبهم ولم يغفلوا عمَّا أُنيط بهم من نصرة الدين، ونصيحة الأمة، والقيام بواجب العلم، بل كلما ازدادت المحنة عظمت المهمة، فلم تقتصر على التدريس فقط في حلق العلم ومجالس الذكر، وهو ما حدث من علماء إفريقية في هذا العصر، بل قاوموا الدعوة الفاطمية الشيعية، رغم دخولهم راغمين تحت سلطانها.
[ ٢٣ ]
قال الشيخ محمد الشاذلي النيفر: ويرجع تستر الفاطميين إلى شدة شكيمة الأفارقة، فإنهم لم يقبلوا بالسنة بدلًا، كلفهم ذلك ما كلفهم، ومع أنهم لاقوا شدة وبلاءً كبيرًا من الفاطميين لم تلن لهم قناة ولا رجعوا عن السنة" (^١).
فهم يقومون بواجبهم من نشرٍ للعلم الصحيح، وإحياءٍ للسنة، والأخذ بعامة الأمة إلى ما فيه صلاحهم وإصلاحهم، ولو قدموا حياتهم ثمنًا لذلك.
قال الشيخ النيفر: فمن المقاومة في ابتدائها حين تأسيس الدعوة ما قام به ابن خيرون (^٢) فإنه عُذب من أجل أنه سُعى به لدى عبيد الله المهدي (^٣) فقُتل رفسًا بأرجل السودان.
ولم يترك فقهاء القيروان أرضهم بل صمدوا عاملين للسنة بكل ما أوتوا من قوة، وقد صرح بصبر أهل القيروان وثباتهم ووقوفهم في وجه الدعوة ابن ناجي (^٤) في كتابه "معالم الإيمان" (^٥): وجزى الله مشيخة
_________________
(١) مقدمة المعلم (١/ ٩).
(٢) محمد بن محمد بن خيرون، مقرئ مؤرخ، نسَّابة، ولد في الأندلس، ثم رحل إلى إفريقية، من آثاره: كتاب "الأداء"، "الألفات واللامات في رسم المصحف"، توفي سنة (٣٠١ هـ). معجم المؤلفين (٣/ ٦٤١)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢١٧).
(٣) عبيد الله بن محمد الفاطمي العلوي، المعروف بالمهدي، مؤسس دولة الفاطميين الشيعية بالمغرب، اختط "المهدية" وجعلها عاصمة لملكه، توفي سنة (٣٢٢ هـ). البداية والنهاية لابن كثير (١١/ ١٩١)، الأعلام لخير الدين الزركلي (٤/ ١٩٦).
(٤) أبو الفضل قاسم بن عيسى بن ناجي، فقيه، حافظ من القيروان، تولى القضاء في عدة بلدان، له عدة مؤلفات، منها: "شرح المدونة" و"الشافي في الفقه" توفي سنة (٨٣٧ هـ). الأعلام (٥/ ١٧٩)، معجم المؤلفين (٢/ ٦٤٦).
(٥) كتاب معالم الإيمان لعبد الرحمن بن محمد الدباغ، المحدث، المؤرخ، المتوفى سنة (٦٨٩ هـ)، وكتاب ابن ناجي المذكور هنا هو: "زيادات على معالم الإيمان". معجم =
[ ٢٤ ]
القيروان: هذا يموت، وهذا يضرب، وهذا يسجن، وهم صابرون، لا يفرون، ولو فروا لكفرت العامة دفعة واحدة (^١).
فالأحوال السياسية في إفريقية فرضت على العلماء في ذلك الوقت طريقة خاصة في نشر العلم وتبليغه، وهو مقاومة الواقع المفروض من تأثير المذهب الشيعي الذي تدعمه الحكومة، وكذلك مواجهة الأطماع النصرانية التي سيطرت على البلاد القريبة من إفريقية، بل سيطرت أحيانًا على المهدية نفسها.
ولكن لم تكن هذه الظروف لتقضي على العلم، أو تطمس رسمه، قال فرحات الدشراوي: لقد كان المازري في تلك الفترة التي طالت فيها محنة الدولة الصنهاجية مثلًا ساطعًا عن اتصال السند العلمي بإفريقية منذ القرن الأول، بالرغم مما كان ينتاب البلاد من نوائب الفتنة، وشرور الاضطراب السياسي، فلقد استقر فيها الإسلام وترعرعت بربوعها علومه، ونمت به الآداب والمعارف، جيلًا بعد جيل، منذ دخولها في الملة الإسلامية والثقافة العربية، ولم تكن تلك التقلبات السياسية التي ألفتها البلاد قاطعة لأسباب النمو الفكري، والنهضة العلمية، بل إن إفريقية ظلت دارًا خصبة للعلوم الإسلامية، والآداب والمعارف فقد عاش المازري وهو صقلي الأصل في عهد كاد يتقلص فيه سلطان الإسلام من بلادنا بخطر النصارى الزاحفين من جهة جنوب إيطاليا وصقلية فكأن المازري ظل طيلة حياته - وقد أبى الالتجاء إلى المشرق، وآثر البقاء في بلده والصمود أمام المحنة - برهانًا عن صبر إفريقية على المآسي، وعما يكون بالعلوم والمعارف من العزاء من شرور السياسة واضطراب
_________________
(١) = المؤلفين (٢/ ١١٧).
(٢) مقدمة المعلم (١/ ١١).
[ ٢٥ ]
الدول (^١).
والمهدية وهي بلد المازري، كانت بلد علم وعلماء ساعدها على ذلك موقعها على طريق المارين من المغرب إلى المشرق، والعكس، لذا أصبحت فيها حركة علمية متميزة.
قال محمد الهادي العامري: "انتصب أبو عبد الله محمد المازري للتدريس بالمهدية، فأقبل على مدرسته ما لا يحصى ولا يعد، من الرحالة المستهامين بطلب العرفان، أكان ذلك من الأندلس أو المغرب، أو المشرق الإسلامي، فكان ذلك الملتقى العجيب يجمع بين رجال الفكر والعلم من كل صوب وحدب وكانت المهدية في تلكم العهود تضج برجال العلم وتزخر بكبار الأدباء وتزدحم بالوافدين عليها" (^٢).
وبرز في عصر المازري علماء أعلام سواء بالمغرب أو المشرق، حفلت كتب التراجم بسيرهم، من أشهرهم:
- ابن حزم (^٣): المتوفى سنة (٤٥٦ هـ).
- والبيهقي (^٤) المتوفي سنة (٤٥٨ هـ).
_________________
(١) الصراع العقائدي في الفلسفة الإسلامية، محنة الحضارة الإسلامية في الدولة الصنهاجية، فرحات الدشراوي، دراسات ملتقى الإمام المازري في الفلسفة الإسلامية، المنستير، تونس، ١٩٧٥ م، ص (٢٧).
(٢) المرجع السابق، بحث الإمام المازري، حياته وعلمه، محمد الهادي العامري، ص (١١٢).
(٣) الإمام الشهير أحمد بن محمد بن حزم، الأندلسي بلدًا، الظاهري مذهبًا. له: الفصل في الملل والنحل، المحلى بالآثار، وغيرهما، توفي سنة (٤٥٦ هـ). سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٨٤)، طبقات الحفاظ للسيوطي ص (٤٥٥) ترجمة (٩٨٣).
(٤) أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الحافظ الفقيه الشافعي، صاحب المصنفات الكثيرة، منها: "السنن الكبرى"، و"شعب الإيمان"، و"دلائل النبوة" وغيرها، توفي سنة (٤٥٨ هـ). سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٦٣)، طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح =
[ ٢٦ ]
- وابن عبدالبر (^١): المتوفى سنة (٤٦٣ هـ).
- والواحدي المفسر (^٢): المتوفي سنة (٤٦٨ هـ).
- والجويني (^٣): المتوفى سنة (٤٧٨ هـ).
- والبغوي (^٤): المتوفي سنة (٥١٦ هـ) وغيرهم.
_________________
(١) = (١/ ٣٣٢).
(٢) أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبدالبر الأندلسي القرطبي المالكي، المحدث الحافظ المؤرخ، تولى قضاء بعض بلدان الأندلس، وصنف مصنفات كثيرة، منها: "الاستيعاب في معرفة الأصحاب"، وله "الاستذكار"، و"التمهيد"حول موطأ الإمام مالك ﵀، و"بيان العلم وفضله" توفي في شاطبة سنة (٤٦٣ هـ). سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٥٣)، الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون المالكي ص (٦٢٦).
(٣) علي بن أحمد بن محمد الواحدي، النيسابوري، المفسر، توفي في نيسابور سنة (٤٦٨ هـ). طبقات المفسرين لمحمد الداوودي (١/ ٣٩٤)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٣٩).
(٤) أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، الشافعي، الأشعري، المشهور بإمام الحرمين الأصولي، المتكلم، له: "البرهان" في أصول الفقه"، و"الإرشاد" في أصول الدين، توفي سنة (٤٧٨ هـ). طبقات الشافعية لأحمد بن قاضي شهبة (١/ ٢٥٥)، البداية والنهاية (١٢/ ١٣٦).
(٥) الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء، البغوي، الشافعي، المحدث، المفسر، له عدة مصنفات، منها: "معالم التنزيل" و"شرح السنة"، توفي في خراسان سنة (١٦٦ هـ). سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٣٩)، طبقات الحفاظ ص (٤٧٨) ترجمة (١٠٢٩).
[ ٢٧ ]
المبحث الثاني حياته الشخصية
وفيه تمهيد وثلاثة مطالب:
المطلب الأول: اسمه ونسبه وولادته
المطلب الثاني: نشأته
المطلب الثالث: وفاته
[ ٢٩ ]
تمهيد
إن علمية المازري وشهرته الواسعة لم تشفع لنا في الحصول على ترجمة وافية له، خصوصًا في جانب حياته الشخصية، ذلك أن غالب التراجم التي تحدثت عنه تهتم بالجانب العلمي، وكذلك الدراسات أو الكتابات التي اهتمت بحياته ركزت على حياته العلمية، أي: بعد بروزه وظهوره وشهرته فحفظت لنا تلاميذه ومؤلفاته، وتحدثت عن علمه واجتهاده وما يتعلق بهذه الجوانب. وأمَّا حياته الشخصية من ولادته ونشأته وبداية طلبه للعلم، وشيوخه، فالمعلومات لا تكاد تفي بالغرض في هذا الجانب.
ويكفي أن نعلم أنه لم يذكر أحد ممن ترجم له تاريخ ولادته.
واختلفوا كثيرًا في مكان ولادته ونشأته الأولى، ولم يَذكر غالب من ترتجم له من شيوخه إلَّا اللخمي وابن الصائغ.
ولعل هذا يعود إلى أسباب، منها:
١ - أنه لم ترجم له أحد من تلاميذه الملازمين أو ممن عرفه وعاصره، وأقرب من ترجم له القاضي عياض (^١)، وهو لم يلتق به، ولم يره، وإنما تتلمذ عليه بالإجازة.
٢ - الأحداث السياسية المضطربة في عصره، خصوصًا في بلده وما جاوره، فالنصارى قد استولوا على صقلية بلاد المازري الأصلية سنة
_________________
(١) عياض بن موسى بن عياض اليحصبي الأندلسي المالكي، المحدث، الحافظ، له العديد من المؤلفات، منها: "إكمال المعلم بفوائد مسلم"، و"الشفا بتعريف حقوق المصطفى" توفي سنة (٥٤٤ هـ). الديباج المذهب ص (٢٧٣)، طبقات الحفاظ ترجمة (١٠٥٠) ص (٤٩٢).
[ ٣١ ]
(٤٦٤ هـ) وما تبع ذلك من طمعهم في بقية البلاد المجاورة.
وهذا ما حصل إذا احتلوا المهدية عاصمة الدولة الصنهاجية بعد القيروان سنة كثير من العلماء وتفرقهم في البلاد، إذ هذا الخوف والحياة المضطربة لا تساعد على تدوين تراجم لهؤلاء العلماء في ذلك البلد، وما دون من ذلك فهو عرضة للضياع والتلف في هذه الاضطرابات، إضافة إلى تفرق العلماء أو هجرتهم، أو اختفائهم مما أدى إلى غموض حياتهم.
قال الدكتور الحسين شواط عن ذلك الزمن وأثره في شح مصادر ترجمة المازري: "فاتصلت الحروب، وعمَّت الفوضى، وتجرأ العدو على بلاد إفريقية بعد أن افتكَّ صقلية، ووصل الأمر إلى استيلائه على المهدية نفسها عاصمة البلاد، بعد خراب القيروان، وضعفت الحياة العلمية، وتفرَّق أكثر العلماء في الأمصار، ولم تتهيأ أسباب التدوين لتواريخ من بقي بها من أهل العلم، ويسهل على الناظر في كتب طبقات الأفارقة مثل "شجرة النور الزكية" و"معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان" أن يلاحظ قلة العلماء في طبقة المازري، وفي الطبقة التي قبله والطبقة التي بعده، ولم تعد الحياة العلمية لتلك الربوع إلَّا بعد سنة ٥٥٥ هـ" (^١).
المطلب الأول: اسمه ونسبه وولادته:
هو الإمام العلم العلَّامة أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر (^٢)
_________________
(١) منهجية فقه الحديث عند القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم، للدكتور حسين محمد شواط ص (١٠٤).
(٢) اتفقت المصادر على أن جده عمر إلا ما كان من الحميري حيث قال: محمد بن علي بن إبراهيم التميمي المازري، صاحب "المعلم بفوائد مسلم". الروض المعطار في خبر الأقطار، محمد عبد المنعم الحميرى ص (٥٢١)
[ ٣٢ ]
المازري (^١) المالكي.
لم ينص أحدٌ على تاريخ ولادته، لكن اتفقوا على أنه تُوفي سنة (٥٣٦ هـ) وحدَّد أكثرهم عمره حين وفاته بثلاث وثمانين سنة، فتكون ولادته بناءً على ذلك سنة (٤٥٣ هـ).
وقد ذكر الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب (^٢) أن ولادته سنة (٤٤٣ هـ) (^٣).
وقد ردَّ ذلك الشيخ النيفر فقال: "ولم أظفر إلى اليوم بمستند يدعم ما جاء به، إذ لم يذكر أحد أنه عاش نيفًا وتسعين سنة حتى إن ما خالف فيه
_________________
(١) نسبة لمازر بفتح الزاي. معجم البلدان، ياقوت الحموي (٥/ ٤٠). وهي مدينة في جزيرة صقلية، وصفها الحميري فقال: مدينة بجزيرة صقلية مدينة مشهورة على الساحل الموازي لإفريقية وهي مدينة شامخة فاضلة، لا مثال لها في شرف المحل، إليها الانتهاء في جمال الهيئة والبناء، وما اجتمع فيها من المحاسن لم يجتمع في غيرها، وأسوارها حصينة شاهقة، وديارها حسنة، وبها أزقة واسعة، وشوارع وأسواق عامرة بالتجارات وبساتين وجنات طيبة، يُسافَر إليها من جميع الآفاق ومن مفاخرها أن منها الفقيه الإمام أبا عبد الله محمد بن علي بن إبراهيم التميمي المازري نزيل المهدية. الروض المعطار ص (٢٥). وقد نُسب إليها عدد من العلماء، منهم: صاحب الترجمة، ومحمد بن مسلم المازري، ومحمد بن أبي الفرج المازري المعروف بالذكي الصقلي. انظر: شجرة النور الزكية في طبقات المالكية لمحمد مخلوف ص (١٢٥).
(٢) حسن حسني بن صالح بن عبد الوهاب الصمادحي، بحاثة مؤرخ، أديب، معاصر، ولد في تونس، وبها نشأ، تعلم فيها، وفي باريس، تولى مناصب في تونس كبيرة، منها عاملًا على المهدية وغيرها، ووزيرًا للدولة وعضوًا في العديد من المجامع، له عدة مؤلفات، منها: "خلاصة تاريخ تونس"، و"مجمل تاريخ الأدب التونسي"، أكب على المطالعة والبحث آخر عمره حتى توفي سنة (١٣٨٨ هـ). الأعلام (٢/ ١٨٧).
(٣) مجلة لواء الإسلام، العدد الثامن، ربيع الثاني (١٣٦٨ هـ) ص (٢٣).
[ ٣٣ ]
ابن قنفذ (^١) غيره من أنه قارب التسعين - أي توفي في حدود سبع أو ثمان وثمانين - لا يوافق ما ذكره الأستاذ عبد الوهاب، فالمصادر كلها مطبقة على أنه لم يبلغ التسعين، فضلًا عن تجاوزها، ولهذا لا يصح أنه ولد سنة ٤٤٣ هـ) (^٢).
وأمَّا مكان ولادته فهو موضع اختلاف بين المترجمين، فذهب البعض إلى أنه ولد في مازر؛ لأنه نسب إليها، ومن ترجموا له قالوا: أصله من مازر (^٣)، أو: الساكن بالمهدية (^٤)، أو مستوطن المهدية (^٥). مما يدل على أنه انتقل إليها ولم يكن من أهلها، وهو مفهوم كلام ابن فرحون (^٦)، وإليه مال النيفر حيث قال: "ولا يمكن أن يكون من مواليد المهدية لما ذكر عن ابن فرحون وعياض وغيرهما، ثم إنه ليس هناك ما يدل على أنه من مواليد إفريقية، بل الذي يدل عليه كلام ابن فرحون وعياض وغيرهما أنه من مواليد مازر، حيث قال: أصله من مازر، ولو كان أبوه هو المهاجر لقال: أصل أبيه من مازر، وكذلك لم يقل القاضي عياض واستوطن أبوه المهدية، وهو أعرف الناس به للمعاصرة" (^٧).
_________________
(١) أحمد بن حسن بن علي بن قنفذ القسطنيني، له كتاب "الوفيات" من سنة (١١ هـ حتى ٨٠٧ هـ) توفي سنة (٨١٠ هـ). معجم المؤلفين (١/ ١٢٠).
(٢) مقدمة المعلم (١/ ٢٣).
(٣) الديباج المذهب ص (٣٧٤).
(٤) فهرس ابن عطية ص (١٣٢).
(٥) الغنية فهرس شيوخ القاضي عياض ص (١٣٢).
(٦) إبراهيم بن نور الدين أبو الحسن علي بن محمد بن فرحون المدني المالكي، تولى قضاء المدينة، رحل إلى مصر والشام، له عدة مؤلفات، توفي بالمدينة سنة (٧٩٩ هـ). شذرات الذهب (٨/ ٦٠٨)، الدرر الكامنة (١/ ٤٨). ومرجع كلامه في الديباج المذهب ص (٣٧٤).
(٧) مقدمة المعلم (١/ ٢٤).
[ ٣٤ ]
وذهب آخرون إلى أنه وُلد في إفريقية في المهدية أو غيرها، منهم: الذهبي (^١) في سير أعلام النبلاء (^٢)، فتكون نسبته لمازر لأن والده نزح منها، فهي بلاد آبائه وأجداده، وهذا الذي رجَّحه حسن حسني حيث قال: "ولا نعلم شيئًا عن ولادة هذا العَلَم الفرد هل كانت بصقلية أو بالقطر الإفريقية، ولم ينص على ذلك أحدٌ من المؤرخين، ولا من مؤلفي التراجم، وأصحاب الطبقات، وبعد البحث الطويل غلب على ظننا أنه ولد بإفريقية سواء أكان ذلك بالمهدية أو بالقيروان، أو بغيرهما من مدن الساحل التونسي ومما يؤيد ولادة المازري بالجهة الساحلية هو مداولته التعليم صغيرًا بها، ولم يرو التاريخ أنه أخذ عن شيوخ بلاد نسبته مع توفرهم حينئذ هناك" (^٣).
المطلب الثاني: نشأته:
واكتنف الغموض نشأته كما اكتنف ولادته إذ النشأة مرتبطة بمكان الولادة فذهب البعض إلى أنه نشأ في مازر حيث ولد فيها وترعرع وخرج منها على غلبة الظن حين سقوطها في أيدي النصارى سنة (٤٦٤ هـ) حيث خرج منها غالب أهلها.
والذين رجحوا ولادته في المهدية جعلوا نشأته فيها على أن ما
_________________
(١) شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الدمشقي الذهبي، الحافظ، المحدث، إمام المؤرخين، صاحب المصنفات الكثيرة المفيدة، منها: "سير أعلام النبلاء"، " تذكرة الحفاظ"، "ميزان الاعتدال في نقد الرجال"، وغيرها، توفي بدمشق سنة (٧٤٨ هـ). طبقات الحفاظ ص (٥٤٧) ترجمة (١١٤٦)، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني (٣/ ٣٣٦)، سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠٥).
(٢) سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠٥).
(٣) مجلة لواء الإسلام، مرجع سابق.
[ ٣٥ ]
وصلنا من معلومات مدونة لا تذكر مازر بشيء بل ما ذكر إلَّا حياته في المهدية وطلبه للعلم فيها ونبوغه وتصديه للتدريس حتى أصبح علمًا من أعلام إفريقية، وأمَّا أسرته فلم تذكر التراجم شيئًا عن ذلك إلَّا ما ذكره صاحب شجرة النور من أنه له حفيد وهو عبد الله بن عبد الحق المهدوي الأنصاري الذي تولى القضاء بأشبيلية ثم مراكش وبها توفي سنة (٥٨٩ هـ). وكذلك ابنه عبد الحق بن عبد الله بن عبد الحق الذي تولى قضاء غرناطة، ثم إشبيلية، ثم مراكش، وبه توفى أيضًا سنة (٦٣١ هـ) (^١).
المطلب الثالث: وفاته:
عاش المازري - ﵀ - حياة علمية مديدة، جاوزت الثمانين سنة، قضاها في العلم والتعليم، واتفقت المصادر على أنه توفي سنة (٥٣٦ هـ) بمدينة المهدية، وحدده بعضهم بيوم السبت الثالث من ربيع الأول من تلك السنة (^٢). وقيل في الثامن عشر من ذلك الشهر (^٣).
قال الذهبي: مات في ربيع الأول سنة (٥٣٦ هـ) ودفن بالمنستير (^٤) (^٥).
_________________
(١) شجرة النور ص (١٤٥، ١٦٩).
(٢) الغنية ص (١٣٣).
(٣) وفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٢٨٥).
(٤) سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٥).
(٥) وهي مدينة قرب المهدية، يسكنها العباد والزهاد، للعلم والمرابطة. انظر: معجم البلدان (٥/ ٢٠٩).
[ ٣٦ ]
المبحث الثالث حياته العلمية
وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: طلبه للعلم
المطلب الثاني: شيوخه
المطلب الثالث: جلوسه للتدريس
المطلب الرابع: تلاميذه
المطلب الخامس: مؤلفاته
المطلب السادس: مذهبه الفقهي وعقيدته
المطلب السابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه
[ ٣٧ ]
المطلب الأول: طلبه للعلم:
بدأ بطلب العلم مبكرًا على أيدي علماء بلده - وإن كان التاريخ لم يحتفظ إلَّا بأسماء القليلين من شيوخه - ومما يفيد حرصه على العلم وملازمته للعلماء منذ الصغر ما ذكره هو عن نفسه حيث قال: "ولقد أذكر أني كنت صبيًّا حين راهقت الحلم بين يدي إمامي في الأصول - ﵀ - وكان أول يوم من رمضان، وبات الناس بغير عقد نية في الصيام، فقلت: إن هذا اليوم ما نقضيه على مذهب بعض أصحاب مالك في رواية شاذة، فأخذ بأذني أستاذي وقال لي: إن قرأت العلم على هذا، فلا تقرأه، فإنك إن اتبعت بنيات الطريق جاء منك زنديق" (^١).
وهذا النص يفيد طلبه للعلم منذ الصغر، واتخاذه الشيوخ في شتى التخصصات إضافة إلى جرأته على المسائل الفقهية مع صغر سنه.
وأما رحلاته العلمية، فهي لا تتعدى محيط إفريقية، فهو لم يسافر بعيدًا عن بلده، بل حتى الحج لم يذكر أنه سافر إليه، وإن كان قد عزم على ذلك غير مرة، لكن خوف الطريق منعه من ذلك.
لكنه رحل إلى صفاقس، وأخذ عن شيخه اللخمي فيها، ورحل إلى سوسه، والرباط، وأخذ عن شيخه ابن الصائغ (^٢).
المطلب الثاني: شيوخه:
بالرغم من علمية المازري وشهرته إلَّا أن مصادر الترجمة شحيحة - كما سبق بيانه - خصوصًا في ذكر شيوخه، مع أننا لا نشك أنه تلقى العلم على عدد كبير من العلماء في سائر العلوم، ولكننا لم نظفر إلَّا بأسماء
_________________
(١) فتاوى المازري، الطاهر المعموري ص (١٢).
(٢) المرجع السابق ص (١٥).
[ ٣٩ ]
القليل منهم، وهم:
١ - أبو بكر عبد الله بن محمد القيرواني المالكي، فقيه، مؤرخ، محدث، له مؤلفات، منها: "رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية" وغيره، توفي في القيروان (^١). ذكره المازري وأثنى عليه حيث قال: "وعن الشيخ أبي بكر المالكي، وقد شهدنا فضله ودينه وجلالة علمه بالأخبار بما يحصل الثقة في أنفسنا بما يحكيه" (^٢).
٢ - أبو الحسن علي بن محمد الربعي اللخمي القيرواني: كان أحد أئمة المالكية المعتبرين، وأحد أعلام المذهب في زمنه، له تعليق على المدونة أسماه "التبصرة"، توفي بصفاقس سنة (٤٧٨ هـ) (^٣). ذكره المازري في "شرح التلقين" وكرر ذكره (^٤).
٣ - أبو محمد عبد الحميد بن محمد الهروي: المعروف بابن الصائغ، فقيه، محدث، من القيروان، نزل المهدية، وتصدى للتدريس والإفتاء فيها، توفي سنة (٤٨٦ هـ) (^٥).
٤ - أبو محمد القاسم بن محمد الأندلسي: محدث رحل إلى المشرق، وأخذ عن العلماء هناك (^٦).
_________________
(١) الأعلام (٤/ ١٢١)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٢٨٥). وذكر تاريخ وفاته سنة (٤٥٣ هـ)، وهو خطأ ولا شك، إذ هي سنة ولادة تلميذه المازري، وأما صاحب الأعلام فقال: توفي بعد سنة (٤٥٣ هـ).
(٢) الإمام المازري، لحسن حسني ص (٧٩).
(٣) شجرة النور (١/ ١١٧)، الأعلام (٤/ ٣٢٨)، معجم المؤلفين (٢/ ٥٠٣) وجعل تاريخ وفاته (٤٩٨ هـ).
(٤) تحقيق كتاب شرح التلقين من أوله إلى باب سجود السهو، لزكي محمد بخاري، رسالة دكتوراه، شعبة الفقه، كلية الشريعة، الجامعة الإسلامية، (١٤١٤ هـ)، (١/ ٤٠).
(٥) الديباج المذهب ص (٢٦٠)، شجرة النور ص (١١٧).
(٦) الحديث بإفريقية من القرن السادس إلى القرن الثامن، صنو مسكين، رسالة ماجستير، قسم =
[ ٤٠ ]
المطلب الثالث: جلوسه للتدريس:
جلس المازري للتدريس وتصدى له في زمن مبكر بعدما تقدم على أقرانه بما آتاه الله من الذهن الوقَّاد، والذَّكاء الحاد، لذا التفَّ حوله عدد كبيرٌ من طلَّاب العلم من بلده، والبلدان المجاورة، فقد عمَّت شهرته الآفاق، وطار صيته في البلدان، مما جعل الطلاب يتوافدون عليه، ويزدحمون على حلقته، وذلك لتميزه في سائر فنون العلم، لذا يجد كل طالب مبتغاه وحاجته، فهو في الفقه علم لا يبارى، إذ هو أبرز أعلام الفقه المالكي في عصره، قال القاضي عياض: "إمام بلاد إفريقية وما وراءها من المغرب، وآخر المستقلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد، ودقة النظر لم يكن في عصره للمالكية في أقطار الأرض في وقته أفقه منه ولا أقوم لمذهبهم" (^١).
وكما برز في الفقه برز في أُصوله، ولا أدل على ذلك من شرحه للبرهان في أصول الفقه، قال السبكي (^٢): "هذا الرجل - يعني المازري - من أذكى المغاربة قريحة، وأحدِّهم ذهنًا، حيث اجترأ على شرح البرهان لإمام الحرمين، وهو لغز الأمة الذي لا يحوم نحو حماه، ولا يدندن حول مغزاه إلَّا غواص على المعاني ثاقب الذهن، مبرز في العلم" (^٣). وقال
_________________
(١) = السنة، كلية أصول الدين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (١٤٠٧ هـ)، (١/ ١٥٠). والذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة لمحمد بن عبد الملك المراكشي، السفر الخاص (٢/ ٥٧١).
(٢) الغنية ص (١٣٢).
(٣) تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، فقيه، مؤرخ من أعلام الشافعية، توفي بدمشق سنة (٧٧١ هـ). الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٥)، معجم المؤلفين (٢/ ٣٤٣).
(٤) طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٦/ ٢٤٣).
[ ٤١ ]
القاضي عياض: "ودرس أصول الفقه والدين وتقدم في ذلك فجاء سابقًا" (^١).
وكان مقدمًا في اللغة، عارفًا بالآداب والحساب، والطب، قال القاضي عياض: "وإليه يفزع في الفتوى في الطب في بلده، كما يفزع إليه في الفتوى في الفقه" (^٢).
وبالجملة فهو علم مقدم في شتى فنون العلم، قال ابن خلكان (^٣): "أحد الأعلام المشار إليهم في حفظ الحديث والكلام عليه" (^٤).
ولا أدل على ذلك من كثرة مؤلفاته وشمولها لسائر فنون العلم مما يدل دلالة أكيدة على بروز هذا الإمام في شتى العلوم. ولذا فلا غرابة أن يلتف حوله العدد الكبير من طلبة العلم ويحرصوا على لقائه والاجتماع به والأخذ عنه.
قال الأستاذ حسن حسني: "وتصدر للتدريس بجامعها - أي المهدية - جامع عبد الله بن المهدي، وبث ما وسعه صدره من العلم الغزير والمادة الواسعة فنشر العلوم الدينية والفنون على اختلاف أجناسها ومراميها، ومن ذلك الحين ذاع صيته، وطبقت شهرته المشرق والمغرب، فكانت حلقة دروسه تشمل المبتدئين من التلاميذ المجتهدين سواء كانوا إفريقيين أو وافدين من أقطار المغرب والأندلس، وصار كعبة
_________________
(١) الغنية ص (١٣٢).
(٢) المرجع السابق ص (١٣٢).
(٣) أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان البرمكي الشافعي، أبو العباس، فقيه، أديب، مؤرخ، تولى قضاء دمشق، وبها توفي سنة (٦٨١ هـ). البداية والنهاية (١٣/ ٣١٨)، معجم المؤلفين (١/ ٢٣٧).
(٤) وفيات الأعيان (٤/ ٢٨٥).
[ ٤٢ ]
أنظار الطلاب يقصده الداني والقاصي (^١).
قال الدكتور حسين شواط: "لقد بلغ المازري درجة الاجتهاد، ووصف بالإمامة في الفقه، والبروز في علوم الحديث، وأصول الفقه وأصول الدين ولم يكن في عصره من يماثله في ذلك في مختلف بلاد المغرب فأقبل عليه طلبة العلم من آفاق تلك الديار للإفادة من علمه وهو يعد بحق حامل لواء العلم بإفريقية في ذلك العصر وقد ساعد على تقوية أثره العلمي أمور منها:
١ - ضعف الحياة العلمية، وقلة العلماء بسبب الظروف التي عاشتها إفريقية آنذاك مما جعل تلاميذه يكثرون وينشرون مروياتهم عنه ومؤلفاته في مختلف بلدان المغرب.
٢ - بذله وقته لنشر العلم والجلوس للطلبة أكثر أوقات يومه وعزوفه عن الاتصال بالسلطان ورفضه تولي منصب القضاء والإفتاء.
٣ - استقراره في مدينة المهدية، وهي ممر الحجيج والتجار من مختلف بلاد المغرب والأندلس في ذهابهم وعودتهم، فكثر بذلك الآخذون عنه.
٤ - اهتمامه بطلبة العلم وبرهم والإحسان إليهم وبخاصة المهاجرين الفارين من صقلية.
٥ - أنس مجلسه وملاحته بالإضافة إلى ما فيه من الفوائد العلمية (^٢).
_________________
(١) مجلة لواء الإسلام، مرجع سابق ص (٢٤).
(٢) قال النيفر: أخذ المازري في دروسه بالطريقة النبوية بالاستجمام حيث يأتي بحكايات قصد الترفيه على طلبته حتى لا يكلوا من تتابع المسائل مما يؤدي بهم إلى الملل وقد ذكر له طريقة دروسه المتخللة الاستجمام من ترجم له. واعتنى أحد طلبته وهو الحسن طاهر بن علي فجمعها. مقدمة المعلم للنيفر (١/ ٥٧). وانظر: مجلة لواء الإسلام، مرجع سابق ص (٢٥).
[ ٤٣ ]
٦ - كثرة مؤلفاته وتنوعها بحيث يجد فيها كل طالب مبتغاه (^١).
المطلب الرابع: تلاميذه:
١ - أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت مؤسس دولة الموحدين بالمغرب سمع بالأندلس والمغرب لقي المازري وأخذ عنه توفي سنة (٥٢٤ هـ) (^٢).
٢ - أبو العباس أحمد بن طاهر بن عيسى الأنصاري الداني الشارقي: رحل كثيرًا في طلب العلم، له تأليف في علوم الحديث، توفي سنة (٥٣٢ هـ) (^٣).
٣ - أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن العبدي المعروف بابن عظيمة: مقرئ، محدث، مؤرخ، له تأليف في علم القراءات، توفي سنة (٥٤٣ هـ) (^٤).
٤ - أبو بكر محمد بن عبد الله الأشبيلي، المشهور بابن العربي، من أعلام القرن السادس، رحل إلى المشرق لطلب العلم، التقى بالمازري في المهدية، وأخذ عنه، ثم عاد إلى الأندلس، وتوفي بها سنة (٥٤٣ هـ)، له عدة مؤلفات منها "العواصم من القواصم" و"عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي" وغيرها (^٥).
٥ - أبو عبد الرحمن مساعد بن أحمد الأصبحي ابن زعوقة، أخذ عن علماء الأندلس، ورحل إلى مكة، وأخذ عن علمائها، توفي سنة
_________________
(١) منهجية فقه الحديث ص (١٠٧).
(٢) شجرة النور ص (١٤٠)، الأعلام (٦/ ٢٢٨).
(٣) الديباج المذهب ص (١١٢)، معجم المؤلفين (١/ ١٥٩).
(٤) الأعلام (٦/ ١٩١)، معرفة القراء الكبار للذهبي (١/ ٥٠٤).
(٥) شجرة النور ص (١٣٦)، الديباج المذهب ص (٣٧٦)، ومجلة لواء الإسلام، مرجع سابق ص (٢٤).
[ ٤٤ ]
(٥٤٥ هـ) (^١).
٦ - أبو الحسن محمد بن خلف بن صاعد الغساني: مقرئ، محدث، فقيه، سمع بالأندلس وإفريقية والمشرق، ولقي المازري، وأجازه بكل تآليفه، تولى قضاء أشبيلية، توفي سنة (٥٤٧ هـ) (^٢).
٧ - أبو عبد الله محمد بن عيسى الشلبي، وقيل: أبو محمد عبد الله بن عيسى (^٣)، من رجال الحديث وحفَّاظه، رحل إلى المشرق، لازم المازري قرابة الثلاث سنوات، توفي سنة (٥٥١ هـ) (^٤).
٨ - أبو الحسن علي بن محمد بن الضحاك الفزاري، وقيل: ابن المقري، من أهل غرناطة. له عدة مؤلفات، منها: "مدارك الحقائق" و"السباعيات" وغيرها، توفي سنة (٥٥٧ هـ) (^٥).
٩ - أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة: أخذ عن عدد كبير من علماء المغرب والمشرق، سمع من المازري بعض المعلم، وأجازه بباقيه، تولى قضاء شاطبة وغيرها، له مؤلفات، منها: "شجرة الوهم المرقية إلى ذروة الفهم" وغيرها، توفي سنة (٥٦٥ هـ) (^٦).
١٠ - أبو مروان عبيد الله، وقيل: عبد الله (^٧)، وقيل: عبد الملك (^٨)
_________________
(١) شجرة النور ص (١٤١)، وبغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس لأحمد الضبي ص (٤١٥).
(٢) شجرة النور (١٤٢)، التكملة لكتاب الصلة لمحمد بن عبد الله بن الآبار (٢/ ٤٧٧).
(٣) منهجية فقه الحديث ص (١٠٨)، وفتاوى المازري ص (٥٣).
(٤) شجرة النور ص (١٤٣)، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للتلمساني (٢/ ٦٥٠).
(٥) شجرة النور ص (١٤٥)، الديباج المذهب (٣٠٣).
(٦) شجرة النور ص (١٤٩)، الأعلام (٧/ ١٤٩).
(٧) فتاوى المازري ص (٥٢).
(٨) شجرة النور ص (١٥٢).
[ ٤٥ ]
ابن عبد الله ابن عبد الرحمن المعافري، من أهل بلنسية، أخذ العلم في الأندلس، ورحل في طلب العلم، ولقي المازري بالمهدية، وأخذ عنه، من أثرياء بلده، وله مكتبة جامعة، توفي سنة (٥٧٤ هـ) (^١).
١١ - أبو الحسن صالح بن خلف بن عامر الأنصاري الأوسي: إمامًا عالمًا مقدمًا في علم الكلام، أخذ المعلم عن المازري سماعًا لبعضه وإجازة لباقيه توفى سنة (٥٨١ هـ) (^٢).
١٢ - أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانشي القرشي: نزل مكة ودرس بها وخطب، له مؤلفات، منها: "المجالس المكية" و"ما لا يسمع المحدث جهله" توفي سنة (٥٨١ هـ) وقيل: سنة (٥٨٣ هـ) (^٣).
١٣ - أبو يحيى زكريا بن عبد الرحمن المهدوي الغساني، المعروف بابن الحداد، من أكبر تلاميذ المازري، وهو الذي خلفه في التدريس والإفتاء بالمهدية، اختلف في تاريخ وفاته، ويرى النيفر أنه بعد سنة (٥٨٠ هـ) (^٤).
١٤ - أبو الحسن طاهر بن علي السوسي: تولى القضاء بسوسة، ثم انتقل منها إلى المهدية، ولازم المازري، ثم رحل إلى الأندلس وتوفي بها (^٥).
_________________
(١) التكملة (٢/ ٩٣٥)، مقدمة المعلم (١/ ٤٠).
(٢) شجرة النور ص (١٥٧)، الذيل والتكملة السفر الرابع (١/ ١٣٢)، وقال: توفي سنة ٥٨٦ هـ.
(٣) معجم المؤلفين (٢/ ٥٦٥)، العبر في خبر من غبر للذهبي (٣/ ٨٣).
(٤) شجرة النور ص (١٤٤)، مقدمة المعلم (١/ ٣٩).
(٥) شجرة النور ص (١٤٤)، التكملة (١/ ٣٤٢).
[ ٤٦ ]
١٥ - أبو القاسم محمد بن خلف الله بن مشكان (^١)، وقيل مجكان (^٢)، تولى قضاء قابس وهو من آخر من أخذ عنه (^٣).
١٦ - أبو الطاهر بن الدمنة التونسي (^٤).
١٧ - أبو يحيى بن الجواد المهدوي (^٥).
١٨ - أبو الحسن الأوجقي (^٦).
تلاميذه بالإجازة:
نظرًا لشهرة الإمام المازري، وبروزه في سائر الفنون، رغب طلَّاب العلم في عموم بلاد المغرب والأندلس الالتقاء به، والأخذ عنه، لكن بعضهم لم تتهيأ له الظروف للانتقال إليه فحرصوا على التتلمذ عليه، ولو عن طريق الإجازة، وساعدهم على ذلك حرص المازري على انتشار مؤلفاته، وإشاعة مروياته، فأجاز عددًا من طلاب العلم بجميع مؤلفاته، أو ببعضها، ومن هؤلاء:
١ - أبو محمد عبد الحق بن أبي بكر غالب بن عطية المحاربي: محدث، فقيه، مفسر، من أعلام الأندلس، له عدة مصنفات، منها: تفسيره "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" وغيره، توفي سنة (٥٤١ هـ) وقيل (٥٤٢ هـ) (^٧). وقد كتب إليه المازري يجيزه بكتاب "المُعْلم"
_________________
(١) فتاوى المازري ص (٤٥).
(٢) مقدمة المعلم (١/ ٣١).
(٣) التكملة (٢/ ٦٤٧)، الذيل والتكملة (٦/ ٢٨٩).
(٤) شجرة النور ص (١٢٧)، التكملة (٢/ ٦٢٩).
(٥) الذيل والتكملة (٦/ ٢٨٩)، مقدمة المعلم (١/ ٣٠).
(٦) شجرة النور ص (١٢٧).
(٧) شجرة النور ص (١٢٩)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٢٦٥).
[ ٤٧ ]
وبسائر مؤلفاته (^١).
٢ - أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي، الشهير بالقاضي عياض: محدث، فقيه، أصولي، مؤرخ، بارز في سائر العلوم، له العديد من المؤلفات، منها: "إكمال المُعْلم بفوائد مسلم"، و"الشفا بتعريف حقوق المصطفى" وغيرها. كتب إليه المازري مجيزًا بكتاب "المعلم" وسائر مؤلفاته، فكان أثر ذلك أن أكمل القاضي عياض كتاب "المعلم" بكتابه المذكور سابقًا. توفي سنة (٥٤٤ هـ) (^٢).
٣ - محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الحفيد: الإمام الفقيه، برز في فنون عديدة، خصوصًا بالفقه وأصوله، والفلسفة والطب، فهو إمام في هذه العلوم، مشارك في غيرها، له العديد من المؤلفات، منها: "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" و"الكليات" في الطب وغيرها، استجاز المازري في مؤلفاته وهو صغير السن، إذ له من العمر عند وفاة المازري ست عشرة سنة حيث ولد سنة (٥٢٠ هـ) وتوفي سنة (٥٩٥ هـ) (^٣).
المطلب الخامس: مؤلفاته:
لقد تنوعت مؤلفات المازري وتميَّزت بالجودة والأصالة، والابتكار، وشملت غالب فنون العلم، وأذكرها هنا مرتبة على حروف المعجم حسب أسمائها:
١ - إملاء على رسائل إخوان الصفا:
قال الأستاذ حسن حسني: "حررها في إيضاح بعض مشكلات
_________________
(١) فهرس ابن عطية ص (١٣٩).
(٢) أزهار الرياض في أخبار عياض لأحمد المقري (٣/ ١٦٥)، الديباج المذهب ص (٢٧٠).
(٣) شجرة النور ص (١٤٦)، الأعلام (٥/ ٣١٨).
[ ٤٨ ]
وردت ضمن فصول تلك الرسائل الهامة في مسائل من العلوم الرياضية والآراء الفلسفية، وكان إملاؤه لها بطلب من أمير عصره الأمير العالم الأديب تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي صاحب إفريقية، وللأسف الكبير أن هذا التعليق أو الانتقاد على رسائل إخوان الصفا لم يبلغ إلينا فيما نعلم، ولم نقف منه إلَّا على ذكر من بين مؤلفات المازري" (^١).
٢ - إيضاح المحصول من برهان الأصول:
وهو شرح لكتاب "البرهان في أصول الفقه" للجويني. قال السبكي: "إن هذا الرجل - يعني المازري - كان من أذكى المغاربة قريحة، وأحدِّهم ذهنًا، بحيث اجترأ على يشرح "البرهان" لإمام الحرمين، وهو لغز الأمة الذي لا يحوم نحو حماه ولا يدندن حول مغزاه إلَّا غواص على المعاني، ثاقب الذهن، مبرز في العلم" (^٢).
وقد اعتمد عليه الزركشي (^٣) في "البحر المحيط"، ونقل منه كثيرًا (^٤).
قال الشيخ النيفر: "وشرح المازري لم أقف إلى الآن على وجود نسخة منه، فلذلك يعد مفقودًا" (^٥).
لكن الأستاذ حسن حسني أثبت وجود الكتاب، حيث قال: "وهو
_________________
(١) مجلة لواء الإسلام، مرجع سابق ص (٢٧).
(٢) طبقات الشافعية الكبرى (٣/ ٢٤١).
(٣) محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، الشافعي، الأصولي، المحدث، من آثاره: (شرح علوم الحديث لابن الصلاح"، "البرهان في علوم القرآن"، ومصنفات أخرى في الفقه الشافعي، توفي بالقاهرة سنة (٧٩٤ هـ). شذرات الذهب (٨/ ٥٧٢)، الدرر الكامنة (٣/ ٣٩٧).
(٤) تحقيق شرح التلقين (١/ ٥٣).
(٥) مقدمة المعلم (١/ ٦٥).
[ ٤٩ ]
شرح ممتع في أجزاء عديدة على برهان إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك الجويني الشافعي، المتوفى سنة (٣٤٨ هـ) في أصول الديانة، وهو من أهم ما صنف في علم الأصول، وأقدم ما شرح به هو تأليف المازري هذا، ومنه أجزاء متفرقة في مكتبات تونس وغيرها" (^١).
٣ - تعليق على أحاديث الجوزقي:
وهو عبارة عن شرح مختصر للأحاديث التي اختارها الجوزقي (^٢) من صحيح مسلم. ولم يكتب ذلك بقلمه بل علَّقها بعض تلاميذه.
قال النيفر: ولم نقف على ما يفيد الكتاب الذي علَّق عليه المازري من كتب الجوزقي ما هو؛ لأن للجوزقي كتبًا متعددة، ومن الأقرب حسبما يبدو أنه الجمع بين الصحيحين (^٣).
٤ - التعليق على المدونة:
وهو تعليق على "المدونة" (^٤) في الفقه المالكي لابن القاسم المالكي (^٥)، ويوجد قطع منه في الخزانة العامة بالرباط (ق/ ١٥٠).
_________________
(١) مجلة الهداية الإسلامية عدد (٧، ٨) سنة (١٣٦٩ هـ)، ص (١٠٤).
(٢) أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد الجوزقي النيسابوري، المحدث، الحافظ، له عدة مؤلفات في علم الحديث، منها: "الصحيح المخرج على صحيح مسلم"، و"الجمع بين الصحيحين" وغيرها، توفي سنة (٣٨٨ هـ). طبقات الحفاظ ص (٤١٨) ترجمة (٩١٢)، معجم المؤلفين (٣/ ٤٥٥).
(٣) مقدمة المعلم (١/ ٦١).
(٤) كشف الظنون (٢/ ١٦٤٤).
(٥) أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم العتقي المصري، المشهور بابن القاسم، من فقهاء المالكية، ولد بمصر، وتوفي فيها سنة (١٩١ هـ)، له: "المدونة" وهي من أجل كتب المالكية. الديباج المذهب ص (٢٣٩)، طبقات الحفاظ ص (١٦٦) ترجمة (٣٢٤)، معجم المؤلفين (٢/ ١٠٦).
[ ٥٠ ]
٥ - شرح التلقين:
وهو أيضًا في الفقه المالكي، ألَّفه القاضي عبد الوهاب البغدادي (^١)، قام المازري بشرحه ولم يتمه، قال الشيخ النيفر: الذي في الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب أنه لم يتمه حيث يقول: لم يبلغنا أنه أكمله، وما قاله ابن فرحون صحيح بالرجوع إلى متن التلقين نجد أن هناك الشيء الكثير مما لم يشرحه المازري أي ما يقارب ثلث الكتاب (^٢).
ثم رأيت هذا الشرح مطبوعًا بثلاث مجلدات إلى آخر كتاب الجنائز بتحقيق مفتى الجمهورية التونسية الشيخ محمد المختار السلامي.
٦ - شرح صحيح البخاري:
قال الدكتور زكي بخاري في تحقيقه لجزء من كتاب شرح التلقين للمازري: "ذكر المازري في ص (١٢٨٢) من شرح التلقين ما يدل على أنه شرح صحيح البخاري وأحال إلى كتابه ذلك (^٣).
٧ - كشف الغطا عن لمس الخطا:
وقد ذكر الشيخ النيفر سبب تأليف المازري لهذا الكتاب فقال:
_________________
(١) أبو محمد عبد الوهاب بن علي البغدادي المالكي، يعرف بابن نصر، شيخ المالكية في عصره، له عدة مؤلفات، منها: "التلقين" و"الملخص في أصول الفقه"، وغيرها، تولى القضاء في مصر وغيرها، توفي سنة (٤٢٢ هـ). الديباج المذهب ص (٢٦١)، البداية والنهاية (١٢/ ٣٤).
(٢) مقدمة المعلم (١/ ٥٩).
(٣) تحقيق شرح التلقين (١/ ٥٧)، والإحالة هذه وقفت عليها في المطبوع من شرح التلقين، وذلك عند حديثه عن تقدير طول القراءة في الصلاة. حيث قال بعد ذكره لاختلاف الفقهاء في ذلك: وعن النبي -ﷺ- أحاديث أُخر تقتضي التخفيف، وقد أوعبنا الكلام على جميعها وذكرنا صفة البناء فيها، وما تؤولت عليه فيما أملينا على البخاري، فمن أحب الوقوف عليه فليلتمسه هناك. شرح التلقين (٢/ ٥٧٨).
[ ٥١ ]
"وقضية ابن التبان (^١) أنه وقعت يده على ساق ابنته وهو يظنها زوجته ففارق الزوجة أم البنت، ورأى أنها حرمت عليه بهذا، وكان يفتي بذلك وهنا حرر المازري المسألة، وبيَّن أن هذا لا يصح مجريًا لها على الأصول وألَّف في ذلك كتابًا وسماه "كشف الغطا عن لمس الخطا"" (^٢).
قال الأستاذ حسن حسني عن هذا الكتاب: "هي رسالة في مسألة فقهية دقيقة استفتي فيها فأجاب عنها بإيضاح وعلم وتحقيق، وقد وقفت عليها ومنها نسخة بالزيتونة" (^٣).
٨ - الكشف والإنباء عن المترجم بالإحياء:
وهو جواب لسؤال ورده عن كتاب الغزالي (^٤) "إحياء علوم الدين" قال ابن الصلاح (^٥): "ولأبي عبد الله المازري رسالة يذكر فيها حال الغزالي وحال كتابه "الإحياء" تكلم المازري في محاسن الإحياء ومذامه ومنافعه ومضاره بكلام يطول ختمه بأن من لم يكن عنده من
_________________
(١) محمد بن عبد الله التبان المعتزلي، أبو عبد الله، له مؤلفات، منها: "كتاب في المعدوم"، "كتاب في تكليف من علم الله أنه يكفر" توفي سنة (٤١٩ هـ). معجم المؤلفين (٣/ ٤٦٥)، هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين من كشف الظنون لإسماعيل البغدادي (٦/ ٦٣).
(٢) مجلة المنهل، عدد (٤٠)، سنة (٥٤، ١١، ١٢/ ١٣٩٩ هـ) ص (٧١٦، ٧١٨، ٧١٩).
(٣) مجلة الهداية الإسلامية، عدد (٩، ١٠، ١١، ١٢) سنة (١٣٦٩ هـ)، ص (١٣٤).
(٤) أبو حامد محمد بن محمد الطوسي الغزالي، الشافعي، حجة الإسلام، المتكلم، الصوفي، الفقيه، الأصولي، له عدة مصنفات، منها: "تهافت الفلاسفة" المستصفى في أصول الفقه" توفي سنة (٥٠٥ هـ). سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٢٢)، طبقات الشافعية (١/ ٢٠٤).
(٥) تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الكردي الشافعي، المعروف بابن الصلاح، محدث، مفسر، فقيه، كانت له رياسة الفتوي بدمشق، له مصنفات كثيرة، منها: "علوم الحديث"، "طبقات الشافعية"، توفي بدمشق سنة (٦٤٣ هـ). سير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٤٠)، البداية والنهاية (١٣/ ١٧٩).
[ ٥٢ ]
البسطة في العلم ما يعتصم به من غوائل هذا الكتاب، فإن قراءته لا تجوز له وإن كان فيه ما ينتفع به. ومن كان عنده من العلم ما يأمن به على نفسه من غوائل هذا الكتاب ويعلم ما فيه من الرموز فيجتنب مقتضى ظواهرها، ويكل أمر مؤلفها إلى الله تعالى، وإن كانت كلها تقبل التأويل، فقراءته لها سائغة، ويَنْتَفِعُ به، اللهم إلَّا أن يكون قارئه ممن يقتدى به، ويغتر به، فإنه ينهى عن قراءته وعن مدحه والثناء عليه" (^١).
٩ - قطع لسان النابح في المترجم بالواضح:
قال عنه المازري في المعلم: "وهو كتاب نقضنا فيه كلام رجل وصف نفسه بأنه كان من علماء المسلمين ثم ارتد وأخذ يلفق قوادح في الإسلام، فنقضنا أقواله في هذا الكتاب، وأشبعنا القول في هذه المسألة وبسطناه في أوراق" (^٢).
وقال في شرح التلقين: "وقد أشبعنا الكلام على هذه المسألة وتأويل قوله ﵇: "أُنزل القرآن على سبعة أحرف" (^٣) وذكرنا تأويل ما حكي عن ابن مسعود وابن شهاب في كتابنا المترجم بقطع لسان النابح في المترجم بالواضح، وهو كتاب نقضنا فيه كتابًا ألَّفه بعض حذَّاق نصارى المشرق، قصد فيه إلى جمع المطاعن التي تشبث بها الملحدون، وقذفها الطاعنون على ديننا وأضافوها إلى العقل والنقل، فاكتفينا بذكرها هناك عن ذكرها هاهنا لاشتغال أهل الأصول بالخوض فيها دون أهل
_________________
(١) طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح (١/ ٢٥٩).
(٢) المعلم (٣/ ١٥١)، وانظر أيضًا (٣/ ٢١٤).
(٣) رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب أُنزل القرآن على سبعة أحرف، ح (٤٩٩٢) (٨/ ٦٣٨)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف، وبيان معناه ح (٨١٨) (٦/ ٣٤٦).
[ ٥٣ ]
الفروع" (^١).
١٠ - المُعلم بفوائد مسلم:
ويأتي التعريف به مفصَّلًا.
١١ - النكت القطعية في الرد على الحشوية والذين يقولون بقدم الأصوات والحروف:
وسماه الأستاذ حسن حسني: "النقط القطعية" وقال عنه: "وهذا تأليف لم نقف له على أثر ولا على السبب الأصلى في تحريره" (^٢).
١٢ - نظم الفرائد في علم العقائد:
قال عنه الأستاذ حسن حسني: "وهو من أجل مصنفات الإمام، إذ أنه أفرغ فيه ما آتاه الله تعالى من العلم الغزير الواسع والنظر الدقيق في المعتقدات وأصولها ولم نقف على ذكر وجود نسخة منه في المكتبات التي نعرفها" (^٣).
١٣ - كتاب في الطب:
قال عنه الأستاذ حسن حسني: "المشهور أنه وضع مؤلفًا في علم الطب الإمام ﵁ درس الطب، وألف فيه لاسيما وقد نقل مترجموه أنه كان درس فنونًا كثيرة من أدب وحساب وطب وغير ذلك، فلا يستغرب حينئذ من تدوينه في الطب، وإن لم يصل إلينا تأليفه المشار إليه" (^٤).
_________________
(١) شرح التلقين (٢/ ٦٨٠).
(٢) مجلة الهداية الإسلامية، عدد (٧، ٨) سنة (١٣٦٨ هـ) ص (١٠٥).
(٣) مجلة لواء الإسلام، مرجع سابق ص (٢٥)، وثناؤه عليه ثناء مطلع على مضمونه، وكلامه لا يدل على ذلك، ولكن ربما اعتمد على كلام العلماء السابقين المطلعين عليه.
(٤) المرجع السابق ص (٢٨، ٢٩).
[ ٥٤ ]
المطلب السادس: مذهبه الفقهي وعقيدته:
أولًا: مذهبه الفقهي:
أخذ الإمام المازري الفقه على مذهب الإمام مالك وهو المنتشر في المغرب العربي والأندلس حتى بلغ رتبة عالية أهَّلته لأن يكون أحد أئمة المذهب المعتبرين حتى اعتمدت أقواله في المذهب. بل أصبح حامل راية المذهب المالكي في عصره.
قال ابن خلكان: الفقيه المالكي المحدث (^١).
وقال ابن فرحون: آخر المشتغلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه (^٢).
وقال القاضي عياض: لم يكن في عصره للمالكية في أقطار الأرض -في وقته- أفقه منه ولا أقوم لمذهبهم (^٣).
وقال المقري (^٤): أحد الأئمة الأعلام عد في المذهب إمامًا وملك من مسائله زمامًا (^٥).
وقال محقق كتاب "شرح التلقين للمازري": المازري ﵀ قد بلغ رتبة الإفتاء في المذهب وتبوأ مكانة مشهورة واستفاض خبره حتى كتب إليه الناس من المشرق والمغرب لقد أسهم المازري بجهد
_________________
(١) وفيات الأعيان (٤/ ٢٨٥).
(٢) الديباج المذهب ص (٣٧٥).
(٣) الغنية ص (١٣٢).
(٤) أحمد بن محمد بن أحمد المقري التلمساني، المالكي، الأشعري، مؤرخ، أديب، رحاله، تنقل بين المشرق والمغرب، ونال شهرة واسعة، من آثاره: "نفح الطيب" توفي في مصر سنة (١٠٤١ هـ). معجم المؤلفين (١/ ٢٤٩).
(٥) أزهار الرياض (٣/ ١٦٥).
[ ٥٥ ]
ظاهر في مجال التأليف في العلوم الشرعية عمومًا، وفي الفقه المالكي خصوصًا كما ظهر ذلك من خلال بعض مؤلفاته الفقهية
أما أثره في المذهب المالكي فهو ظاهر جدًّا وذلك من خلال ما يلي:
- كثرة الناقلين عن المازري والاستشهاد بأقواله وتخريجاته وملاحظاته، خاصة ما أثبته في كتابه "شرح التلقين" فقد اتفق المتأخرون ممن جاء بعد المازري على اعتبار كتابه "شرح التلقين" من المصادر الأصلية في تحرير المذهب وأكثروا من النقل عنه من هذا الكتاب وسائر مؤلفاته (^١).
ولم يكن ملتزمًا بالمذهب المالكي تقليدًا دون دليل بل وصل إلى مرحلة تؤهله للاجتهاد.
قال ابن دقيق العيد (^٢): ما رأيت أعجب من هذا - يعني المازري- لأي شيء ما ادعى الاجتهاد (^٣).
فهو يأخذ ما دل عليه الدليل ولو خالف المذهب ويظهر هذا من خلال شرحه للتلقين وهو أحد الكتب المالكية المعتمدة.
ثانيا: عقيدته:
ألَّف المازري كتابًا في العقيدة سماه "نظم الفرائد في علم العقائد" لكنه لم يصل إلينا. على أننا نستطيع أن نعرف عقيدته من خلال ما وصلنا من مؤلفاته، خصوصًا كتابه "المُعلم" الذي تظهر عقيدته واضحة من
_________________
(١) تحقيق شرح التلقين (١/ ٧٩).
(٢) تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي القشيري، المشهور بابن دقيق العيد، محدث، حافظ، فقيه، أصولي، تولى قضاء الديار المصرية، من مصنفاته: "شرح عمدة الأحكام" توفي بالقاهرة سنة (٧٠٢ هـ). الدرر الكامنة (٤/ ٩١)، شذرات الذهب (٨/ ١٢).
(٣) الوافي بالوفيات لخليل أيبل الصفدي (٤/ ١٥١).
[ ٥٦ ]
خلال تعليقه على صحيح مسلم. فهو أشعري العقيدة سائر على مذهب المتكلمين من الأشاعرة، يظهر ذلك من خلال نصره لأقوالهم ومدافعته عنها وتقريرها والاستدلال عليها.
ومن خلال تأويله لعامة صفات الله تعالى -كما سيتبين إن شاء الله- من خلال مبحث الصفات كما هو مذهب الأشاعرة.
ولذا فقد أكثر من ذكرهم في المعلم ووصفهم بالأئمة وانتسب إليهم فقال: ومال إليه بعض أئمتنا من المتكلمين (^١)، وجعلهم هم أهل السنة فقال: وإنما سميت الأشعرية أهل السنة لأتباعهم السنة وموافقتهم لها (^٢).
هذا ما صرح به هو في كتابه وهو ما أكده الذين كتبوا عنه قال ابن الصلاح: كان إمامًا محققًا بارعًا في مذهبي مالك والأشعري (^٣) (^٤).
قال السبكي: كان مصممًا على مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري ﵁، جليلها وحقيرها، كبيرها وصغيرها، لا يتعداها ويبدِّع من خالفه ولو في النزر اليسير والشيء الحقير (^٥).
قال النيفر: نجد المازري في شرحه للمعلم أشعريًّا يتقلد قول الأشعري وقول أصحابه، ويذب عما رأوه من آراء فهو خالص في
_________________
(١) المعلم (٣/ ١٣٣).
(٢) المعلم (٣/ ١٧٦).
(٣) أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، ينتسب إلى الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري، كان على مذهب المعتزلة، ثم سلك مذهب الكلَّابية، ثم رجع أخيرًا إلى مذهب السلف، واستقر عليه، حتى توفي، وكتابه "مقالات الإسلاميين" و"الإبانة عن أصول الديانة" يدل على ذلك، ولكن الذين انتسبوا إليه بعد ذلك تابعوا ما كان عليه قبل سلوك مذهب السلف. توفي سنة (٣٢٤ هـ). طبقات الشافعية (١/ ١١٣)، الديباج المذهب ص (٢٩٣).
(٤) انظر: طبقات الفقهاء الشافعية (١/ ٢٥٥).
(٥) طبقات الشافعية الكبرى (٦/ ٢٤٤).
[ ٥٧ ]
أشعريته (^١).
وقال أيضًا: اشتمل المعلم على جملة صالحة من المسائل التي اختلفت فيها الأشعرية مع المعتزلة وانتصر فيها المازري لمذهبه العقائدي (^٢).
وسيتضح هذا أكثر من خلال مباحث هذه الرسالة -إن شاء الله-.
المطلب السابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:
يعتبر الإمام المازري علمًا من أعلام المذهب المالكي، فهو حامل لوائه في زمنه، وأحد العلماء الذين بلغوا رتبة علمية عالية شهد له بها علماء أفذاذ. ومما يدل على تلك المكانة اجتماع الأعداد الكبيرة من طلاب العلم على درسه وحرصهم على الأخذ عنه ومراسلة أعداد أخرى من شتى بلاد المغرب والأندلس له للأخذ عنه عن طريق الإجازة إضافة إلى مؤلفاته التي تدل على تضلعه بالعلوم وإسهامه في سائر الفنون.
لذا عده العلماء قد بلغ رتبة الاجتهاد وهي منزلة رفيعة لا يبلغها كل أحد.
قال صاحب شجرة النور عنه: الإمام خاتمة العلماء المحققين والأئمة الأعلام المجتهدين الحافظ النظار كان واسع الباع في العلم والاطلاع مع ذهن ثاقب ورسوخ تام بلغ رتبة الاجتهاد (^٣).
وقال ابن دقيق العيد: ما رأيت أعجب من هذا -يعني المازري-
_________________
(١) مقدمة المعلم (١/ ٧٤).
(٢) مقدمة المعلم (١/ ٨١).
(٣) شجرة النور ص (١٢٧).
[ ٥٨ ]
لأي شيء ما ادعى الاجتهاد (^١).
وقال الذهبي: الإمام العلامة البحر المتفنن كان أحد الأذكياء الموصوفين والأئمة المتبحرين (^٢).
وقال المقري: أحد الأئمة الأعلام المشار إليهم في حفظ الحديث والكلام عليه (^٣). وقال ابن فرحون: كان آخر المشتغلين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد ودقة النظر (^٤).
وقال الحميري (^٥): برع في العلم وانتهت إليه رياسة العلم في وقته ولا يسمى بالإمام أحد بإفريقية سواه وسارت مقالاته وفتاويه في الأقطار وقصد الناس إليه (^٦).
قال الشيخ محمد المختار السلامي: برزت مكانته العلمية منذ عهد حداثته وازدادت تلك المكانة رسوخًا مع نضجه وتقدم سنه فإذا كان وهو ابن عشرين سنة مرجعًا للقاضي يعود إليه ولا يخرج عن رأيه وإنه منذ حداثته يهاب الشيوخ البالغون درجة الإفتاء مناظرته (^٧) فإن ذلك يدلك
_________________
(١) الوافي بالوفيات (٤/ ١٥١).
(٢) سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠٤).
(٣) أزهار الرياض (٣/ ١٦٥).
(٤) الديباج المذهب ص (٣٧٥).
(٥) محمد بن محمد بن عبد الله بن عبد المنعم الحميري الأندلسي، من أهل سبتة، توفي بعد سنة (٩٠٠ هـ). كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون لحاجي خليفة (١/ ٩٢٠)، الأعلام (٧/ ٥٣).
(٦) الروض المعطار ص (٥٢١).
(٧) قال في شرح التلقين: "وقد كنت في سن الحداثة وعمري عشرون عامًا وقع في نفسي أن القراءة في الشفع لا يستحب تعيينها إذا كانت عقب تهجد بالليل، وإنما الاستحباب يتوجه في حق من اقتصر على شفع الوتر، فأمرت من يصلي التراويح في رمضان أن يوتر عقيب فراغه من عدد الأشفاع، ويأتي بجميع مقروآته بالحزب الذي يقوم به فيه ويوتر عقيبه فتمالأ =
[ ٥٩ ]
على أنه كان أرفع مقامًا، وأعلى شأنًا بعد ذهاب شيوخه وتفرده بالإمامه (^١). وهذه المكانة التي عرفها أهل العلم عرفها أهل السلطان فكتبوا إليه يستفتونه فيما يشكل عليهم (^٢) وهو لم يتول لهم قضاء ولا إفتاء.
_________________
(١) = المشايخ المفتون حينئذ بالبلد على إنكار ذلك واجتمعوا بالقاضي، وكان ممن يقرأ عليَّ ويصرف الفتوى فيما يحكم إليَّ، فسألوه أن يمنع من ذلك، فأبى عليهم إلَّا أن يجتمعوا لمناظرتي على المسألة، فأبوا، فأبى". شرح التلقين (٢/ ٧٨٤).
(٢) مقدمة تحقيق شرح التلقين (١/ ٩٨).
(٣) ومع ذلك لم يداهن في دين الله، ولم يجامل، إذ جاء في شرح التلقين قوله: "وقد كتب إليَّ سلطان يسألني عن الصلاة بمقصورة في قصره، الحائط مشترك بينها وبين الجامع، وأحب أن يصلي على أعلى الحائط المشترك مرتفعًا عن الناس محجوبًا عنهم، فأجبته بأن سر اشتراط الجامع والجماعة في الجمعة بخلاف غيرها من الصلوات أنها صلاة قصد بها المباهاة والإشادة والإعلان، ولهذا جهر بالقراءة فيها، وإن كانت نهارًا، وجعل فيها الخطبة، فكل معنى تكمل المباهاة فيه ويزيد فيه بهاء الإسلام كان أولى أن يسلك، والإخفاء والاستتتار نقيض الغرض الذي أشار إليه الشرع، فلما كتبت إليه بهذا امتنع من إحداثه". شرح التلقين (٣/ ٩٧٢).
[ ٦٠ ]
المبحث الرابع التعريف بالكتاب وبيان أهميته
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: تسميته
المطلب الثاني: نسبته للمازري
المطلب الثالث: تأليفه
المطلب الرابع: أهميته
المطلب الخامس: مميزاته ومنهج المازري فيه
[ ٦١ ]
المطلب الأول: تسميته:
اختلفت المصادر في تسمية هذا الكتاب وإن كانت قد اتفقت على الكلمة الأولى وهي "المعلم" فبعضهم قد اقتصر عليها مسماه "المُعْلِم" بصيغة اسم الفاعل دون إضافة ما يفيد أنه شرح لصحيح مسلم أو أن هذا هو أصل اسمه ثم أضيف عليه ما يبين موضوعه من قبل المترجمين.
وممن سماه بهذا الاسم القاضي عياض في كتابه "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (^١).
وابن الآبار (^٢) في كتابه "التكملة لكتاب الصلة" (^٣).
وهناك من سمى الكتاب بـ "المعلم بفوائد مسلم".
وقد وردت هذه التسمية عند أكثر المترجمين وإن كان بعضهم يقتصر على هذا الاسم وبعضهم يضيف كلمة "كتاب" في أوله، أو كلمة "صحيح" قبل كلمة "مسلم" أو كلمة "كتاب" بدل من كلمة "صحيح".
وهذه التسمية هي المشهورة والمذكورة في غالب كتب التراجم وقد ذكرها ابن عطية في فهرس شيوخه (^٤)، وابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان" (^٥) وابن العماد الحنبلي (^٦) في كتابه "شذرات
_________________
(١) إكمال المعلم (١/ ٧٢).
(٢) أبو عبد الله محمد بن عبد الله البلنسي، الأندلسي، الشهير بابن الآبار، فقيه، حافظ، مقرئ، مؤرخ، أخذ عن علماء الأندلس وإفريقية، من آثاره: "هداية المعتسف في المؤتلف والمختلف" توفي بتونس سنة (٦٥٨ هـ). سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٣٦)، معجم المؤلفين (٣/ ٤٣٢).
(٣) التكملة (٢/ ٩٣٩).
(٤) فهرس ابن عطية ص (١٣٩).
(٥) وفيات الأعيان (٤/ ٢٨٥).
(٦) عبد الحي بن أحمد بن محمد بن العماد الدمشقي الحنبلي، المشهور بابن العماد، مؤرخ، =
[ ٦٣ ]
الذهب" (^١).
وحسن حسني في مجلة الهداية (^٢)، والنيفر في مقدمة المعلم (^٣) وغيرهم.
بل قد نصَّ ابن خلدون على أن هذه التسمية من المازري نفسه حيث قال عند تعريفه لصحيح مسلم، وبيان اهتمام المغاربة به: وأملى الإمام المازري من فقهاء المالكية عليه شرحًا وسماه "المعلم بفوائد مسلم" (^٤).
وهناك تسمية أخرى له وردت عند البعض وهي "المعلم في شرح مسلم".
وذلك عند حاجي خليفة (^٥) في كتابه "كشف الظنون" (^٦) والقاضي عياض في كتابه "الغنية" حيث قال عند حديثه عن المازري: كتب إليَّ من المهدية يجيزني في كتابه المسمى بالمعلم في شرح مسلم وغيره من تواليفه (^٧).
والذي يظهر لي -والله أعلم- أن اسمه "المعلم بفوائد مسلم" فمن
_________________
(١) = أديب، من آثاره: "بغية أولى النهى في شرح المنتهى"، في الفقه الحنبلي، توفي بمكة سنة (١٠٨٩ هـ). معجم المؤلفين (٢/ ٦٧)، الأعلام (٣/ ٢٩٠).
(٢) شذرات الذهب (٦/ ١٨٦).
(٣) مجلة الهداية الإسلامية، عدد (٧، ٨) سنة (١٣٦٩ هـ) ص (١٠٣).
(٤) مقدمة المعلم (١/ ٥٣).
(٥) مقدمة ابن خلدون ص (٤١١).
(٦) مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الحنفي الشهير بكاتب جلبي، أو حاجي خليفة مؤرخ عالم بالكتب ومؤلفيها من آثاره: "سلم الوصول إلى طبقات الفحول" توفي بالقسطنطينية سنة (١٠٦٧ هـ). معجم المؤلفين (٣/ ٨٧٠)، الأعلام (٧/ ٢٣٦).
(٧) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة (٢/ ١٧٤١).
(٨) الغنية ص (١٣٣).
[ ٦٤ ]
اقتصر على "المعلم" أراد الاختصار ومن سماه "المعلم في شرح صحيح مسلم" ونحوها، أراد إيضاح أن هذا هو اسمه فكأنه اقتصر على تسميته بالمعلم وبين بما بعده موضوع الكتاب ومما يؤكد هذا ما جاء في شذرات الذهب حيث قال: محمد بن علي مصنف المعلم بشرح مسلم -ثم قال في تعداد مؤلفاته- وله المعلم بفوائد مسلم (^١).
المطلب الثاني: نسبته للمازري:
قد أجمعت المصادر على نسبة هذا الكتاب للإمام المازري بل أصبح هذا المؤلف علامة فارقة له عند خوف الالتباس فيقال: المازري صاحب المعلم. وكل من ترجم للمازري ذكر مؤلفه هذا مما يجعلنا نثق بنسبة الكتاب إليه ولا يخامرنا شك في ذلك. بل لقد ورد في المعلم نفسه ما يدل على نسبته إلى أبي عبد الله المازري حيث ورد ما نصه: "هذا كتاب قُصد فيه إلى تعليق ما جرى في مجالس الفقيه الإمام الجليل أبي عبد الله محمد بن علي المازري (^٢) ﵁ حين القراءة عليه لكتاب مسلم بن الحجاج -﵀- في شهر رمضان المكرم من سنة تسع وتسعين وأربعمائة (^٣).
المطلب الثالث: تأليفه:
لم يقصد المازري تأليف هذا الكتاب ولم يستجمع نفسه لذلك،
_________________
(١) شذرات الذهب (٦/ ١٨٦).
(٢) هناك من يتفق مع أبي عبد الله بالاسم والنسبة فقط، أو بالنسبة دون الاتفاق باسم الأب كمحمد بن مسلم بن محمد المازري المتوفى بالإسكندرية، سنة (٥٣٠ هـ)، ومحمد بن أبي الفرج المازري، المعروف بالذكي الصقلي المتوفي سنة (٥١٦ هـ). معجم المؤلفين (٣/ ٥٢٥، ٥٨٥، ٧١٦).
(٣) المعلم (١/ ١٨١).
[ ٦٥ ]
إنما كان من إملائه في درسه، فقد درَّس في حلقته في رمضان سنة (٤٩٩ هـ) هذا الإملاء فتلقاه بعض التلاميذ ودوَّنه، ثم عرضه بعد على الشيخ، فاطلع عليه وصحح بعضه وحذف بعضه، ثم أجازه بعد ذلك.
ولذا فغالب الكتاب يكون النقل عن الإمام بالمعنى لا باللفظ، قال ابن الآبار في ترجمته لتلميذ المازري عبيد الله بن عيشون: "ولقي أيضًا أبا عبد الله المازري بالمهدية وحكى عنه أنه سمعه يقول، وقد جرى ذكر كتابه "المعلم بفوائد صحيح مسلم": إني لم أقصد تأليفه وإنما كان السبب فيه أنه قرئ عليَّ كتاب مسلم في شهر رمضان فتكلمت على نقط منه فلما فرغنا من القراءة عرض عليَّ الأصحاب ما أمليته عليهم فنظرت فيه وهذبته فهذا كان سبب جمعه" (^١)، وقد جاء ذلك في كتاب المعلم ونصه: "هذا كتاب قصد فيه إلى تعليق ما جرى في مجالس الفقيه الإمام الجليل أبي عبد الله محمد بن علي المازري (﵁) حين القراءة عليه لكتاب مسلم بن الحجاج -﵀- في شهر رمضان المكرم من سنة تسع وتسعين وأربعمائة منقولًا ذلك بعضه بحكاية لفظ الفقيه الإمام أيَّده الله وأكثره بمعناه" (^٢).
وهو وإن كان من تدوين بعض تلاميذه في درسه فقد أجازه وصار ينسبه إلى نفسه ويعتبره من تأليفه وهو يدل على طول نفس المازري في دروسه وتمهله في إلقائه على طلابه بحيث يستطيع التلاميذ أن يدونوا ذلك أو كثيرًا منه بلفظ الشيخ.
وقد جزم النيفر أن هذا الشرح كان خلال شهر واحد أي في شهر
_________________
(١) التكملة (٢/ ٩٣٦).
(٢) المعلم (١/ ١٨١).
[ ٦٦ ]
رمضان عام (٤٩٩ هـ) فقط حيث قال: "ونجزم أن هذا الإملاء كان في رمضان واحد سنة (٤٩٩ هـ) لأن عباراته هذه لا يستفاد منها إلَّا أنه كانت القراءة في السنة المذكورة دون غيرها إذ لو كانت القراءة على سنوات في رمضانات متعددة لوقع التصريح بذلك" (^١).
المطلب الرابع: أهميته:
إن أهمية كتاب المعلم بفوائد مسلم تبدو من خلال المميزات الكثيرة التي تميز بها، ومنها:
- أنه يعتبر أول شرح لصحيح مسلم، أو أول تعليق يصل إلينا، بل لم يبدأ التأليف حول صحيح مسلم إلَّا في عصر المازري، فألَّف أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي النيسابوري المتوفى سنة (٥٢٩ هـ) في نيسابور كتاب "المفهم بشرح غريب مسلم" (^٢) وكذلك ألَّف محمد بن أحمد التجيبي المعروف بابن الحاج قاضي قرطبة المتوفى سنة (٥٢٩ هـ) كتابه "الإيجاز والبيان لشرح خطبة مسلم مع كتاب الإيمان" (^٣).
- وأبو محمد عبد الله بن عيسى الشيباني الأندلسي المتوفى ببلنسية سنة (٥٣٠ هـ) له كتاب حول صحيح مسلم لم يكمله (^٤).
- وعبد السلام بن عبد الرحمن بن برجان اللخمي الأندلسي المتوفى بمراكش سنة (٥٣٦ هـ) له كتاب "الإرشاد" وهو شرح للأحاديث من خلال الآيات القرآنية الدالة عليها (^٥).
_________________
(١) المعلم (١/ ١٢٨).
(٢) شذرات الذهب (٦/ ١٥٢)، سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٦).
(٣) شذرات الذهب (٦/ ١٥٣)، معجم المؤلفين (٣/ ٦٣).
(٤) سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٧)، معجم المؤلفين (٢/ ٢٦٧).
(٥) شذرات الذهب (٦/ ١٨٥)، سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٣٤).
[ ٦٧ ]
فهذه الكتب مع كتاب المازري هي أول المؤلفات حول صحيح مسلم.
فالأول منها اختص بشرح الغريب، والثاني اقتصر على جزء منه، والثالث لم يتم شرحه المذكور، والرابع قصد مؤلفه استخراج معاني الأحاديث من كتاب الله.
ومع ذلك ما وصل إلينا إلَّا كتاب "المعلم"، فهو أول المؤلفات التي وصلت إلينا حول صحيح مسلم.
ثم بعد ذلك توالت الشروح لصحيح مسلم حتى بلغت عشرات الشروح والتعليقات.
ومما يبين أهمية الكتاب أنه أصبح أساسًا لمن جاء بعده، فبنيت عليه شروح كثيرة، حيث أكمله القاضي عياض في كتابه "إكمال المعلم بفوائد مسلم"، ثم جاء بعده أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري الأندلسي المحدث، المتوفى سنة (٧٠٧ هـ) بمراكش، فألَّف كتاب "إكمال الإكمال" (^١) وكذلك عيسى بن مسعود المنكلاتي الحميري الزواوي المتوفى بالقاهرة سنة (٧٤٣ هـ) له كتاب "إكمال الإكمال" (^٢) ومحمد بن خليفة التونسي المشهور بالأبي المحدث الحافظ المتوفى سنة (٨٢٨ هـ) له كتاب "إكمال إكمال المعلم" (^٣)، ولعيسى بن أحمد البجائي المشهور بابن الشاط كتاب في شرح صحيح مسلم اختصره من كتاب "إكمال الإكمال" (^٤) للأبي، ثم جاء محمد بن يوسف التلمساني السنوسي
_________________
(١) الديباج المذهب ص (٤١٠)، معجم المؤلفين (٣/ ٣٩).
(٢) الدرر الكامنة (٣/ ٢١٠)، معجم المؤلفين (٢/ ٥٩٨).
(٣) الأعلام (٦/ ١١٥)، معجم المؤلفين (٣/ ٢٧٨).
(٤) معجم المؤلفين (٢/ ٥٩٠).
[ ٦٨ ]
المتوفى سنة (٨٩٥ هـ) فألَّف كتاب "مكمل إكمال الإكمال" (^١).
وهكذا توالت الشروح مبنية على كتاب "المعلم" ومكملة له وهذا ولا شك يدل على اهتمام العلماء بهذا الكتاب وعنايتهم به واعتبارهم إياه أساسًا يبني عليه غيره ولم تقتصر العناية والاهتمام بهذا الكتاب ممَّن ألفوا عليه بل كل من جاء بعد المازري وألَّف في شرح الصحيحين فقد استفاد منه أو اعتمد عليه.
فقد نقل القرطبي عنه كثيرًا في كتابه "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (^٢).
وكذلك النووي (^٣) في كتابه "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (^٤).
وكذلك الحافظ ابن حجر (^٥) في كتابه "فتح الباري في شرح صحيح البخاري" (^٦).
_________________
(١) الأعلام (٧/ ١٥٤)، معجم المؤلفين (٣/ ٧٨).
(٢) انظر على سبيل المثال (٢/ ١٦٢، ١٧٦، ٣/ ٢١٢، ٥٤٤، ٥/ ٣٥١، ٤٨٣، ٦/ ٧، ١٢، ١٤).
(٣) محيي الدين يحيى بن شرف بن مري النووي الدمشقي الشافعي، أبو زكريا، إمام في العلم والزهد، والعبادة له مصنفات كثيرة نافعة مشهورة، منها: "رياض الصالحين"، "المجموع شرح المهذب" توفي سنة (٦٧٦ هـ). طبقات الحفاظ ص (٥٣٩) ترجمة (١١٣٠)، البداية والنهاية (١٣/ ٢٩٤).
(٤) انظر على سبيل المثال: المجلد الأول (٤١٨، ٤٢٧، ٤٨٤، ٥٠٠، ٥٠٨).
(٥) أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني المشهور بابن حجر المصري الشافعي، شيخ الإسلام العلم المحدث الحافظ، قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية، له عدد كبير من المصنفات، منها: "الإصابة في تمييز الصحابة"، "بلوغ المرام من أدلة الإحكام"، "الدرر الكامنة"، "تهذيب التهذيب" وغيرها. توفي سنة (٨٥٢ هـ). طبقات الحفاظ ص (٥٧٩) ترجمة (١١٩٢)، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسيوطي (٢/ ٣٦).
(٦) انظر على سبيل المثال: (١/ ٨٨، ٩٩، ٣/ ٣٣٠).
[ ٦٩ ]
وغيرهم من العلماء الذين اعتمدوا كتاب "المعلم" كمرجع في تآليفهم وتصانيفهم.
تظهر أيضًا أهمية الكتاب من خلال إشادة العلماء به وثنائهم عليه.
قال القاضي عياض عن كتاب "المعلم": "نهاية في فنه، بالغ في بابه، مودع من فنون المعارف وفوائدها، وغرائب الأثر وشواردها" (^١).
وقال ابن خلكان عند ترجمته للمازري: "وشرح صحيح مسلم شرحًا جيدًا" (^٢).
وقال ابن خلدون عند حديثه عن صحيح مسلم: وأملى الإمام المازري -من فقهاء المالكية- عليه شرحًا وسماه: المعلم بفوائد مسلم، اشتمل على عيون من علم الحديث وفنون الفقه (^٣).
وقال النيفر: إذا نظرنا في الكتاب نراه مشحونًا بالفوائد المتنوعة المختلفة الدالة على سعة وتمكن صاحبها من ناحية الكثير من العلوم" (^٤).
وقال القاضي عياض أيضًا -عند ذكره لعزمه على تأليف كتابه "إكمال المعلم"-: "إن تأليف كتاب جامع لشرحه لا معنى له مع ما قد تقرر في "المعلم" من فوائد جمة لا تضاهى، ونكت متقنة وقف عندها حسن التأليف وتناهى" (^٥).
_________________
(١) إكمال المعلم (١/ ٧٢).
(٢) وفيات الأعيان (٤/ ٢٨٥).
(٣) مقدمة ابن خلدون ص (٤١١).
(٤) المعلم (١/ ١٢٨).
(٥) إكمال المعلم (١/ ٧٣).
[ ٧٠ ]
المطلب الخامس: مميزاته ومنهج المازري فيه:
قد سبق بيان أن المازري لم يقصد تأليف هذا الكتاب، إنما كان من إملائه لتلاميذه، ولا شك أن ما يلقى على الطلاب في الدرس يختلف عن التأليف من وجوه كثيرة لا تخفى.
ومع أن المعلم على طريقة الإملاء في الدروس إلَّا أنه تميز بميزات واختص بفرائد لم تكن لغيره من الشروح، لغزارة علم مؤلفه، وذكائه، ودقة استنباطه.
ومن خلال النقاط التالية يتبين ميزات هذا الكتاب، ومنهج المازري فيه:
• الكتاب لا يعتبر شرحًا لصحيح مسلم بمعنى استيعابه لجميع أحاديث الصحيح، وشرحه لها شرحًا وافيًا.
إنما هو تعليق على بعض الأحاديث وعادة ما يكتفى بالتعليق على حديث أو حديثين في الباب، ولا يكون التعليق أيضًا عبارة عن شرح لهذا الحديث الذي اختاره، إنما يذكر من الحديث الجزء الذي يكون عليه التعليق.
• لم يلتزم المازري بترتيب الأحاديث في تعليقه حسب ما هو في صحيح مسلم، بل يقدم ويؤخر في ذلك (^١).
قال القاضي عياض: وكان في المعلم تقديم وتأخير عن ترتيب كتاب مسلم (^٢).
• إذا ذكر الحديث أو جزءًا منه لا يذكر في الغالب جميع الفوائد المتعلقة
_________________
(١) انظر أمثلة لذلك في: المعلم (١/ ١٣٢)، والحديث بإفريقية (٢/ ٥٦٢).
(٢) إكمال المعلم (١/ ٧٣).
[ ٧١ ]
به، إنما يقتصر على إيضاح غامض، أو استنباط فائدة، أو تعليق يسير، أو تفسير لغريب، وقد يتوسع أحيانًا عند مناقشته لمسألة، أو انتصاره لقول.
• لم يتعرض المازري لمقدمة صحيح مسلم بالشرح، إنما علَّق على ثمانية مواضع فقط من المقدمة بالاختصار الذي عرف به المعلم (^١).
• اهتم المازري بإيراد الألفاظ المختلفة لروايات صحيح مسلم سواء بالسند أو المتن (^٢).
- كما اهتم المعلم بالمسائل العقدية والأصولية والفقهية- كما تبين سابقًا-، اهتم أيضًا بالحديث وعلومه، وفي الكتاب تعليقات نفيسة في هذا الباب (^٣).
واهتم كذلك بالمباحث اللغوية اهتمامًا واضحًا بحيث لا يخلو تعليق على حديث من فوائد لغوية نافعة (^٤).
- تميز الكتاب بالنقل عن مصادر ضاع بعضها، فلم يصل إلينا، ولذا يعتبر هذا توثيقًا لها، وحفظًا لما نقل منها (^٥).
_________________
(١) انظر: المعلم (١/ ١٨٢).
(٢) انظر على سبيل المثال: المعلم (١/ ١٨٦، ١٨٧، ١٩٣، ٣٠١) وهي كثيرة.
(٣) انظر على سبيل المثال: المعلم (١/ ١٨٢، ١٨٣، ١٨٤، ١٨٥).
(٤) انظر على سبيل المثال: المعلم (١/ ١٨٣، ١٨٦، ١٨٩، ٢١٤) وهي كثيرة جدًّا تكاد تكون في كل صفحة من المعلم وأحيانًا يستروح ويطيل في ذلك بحيث يذكر فوائد لغوية لا تتعلق بشرح الحديث، ولكن وردت للمناسبة كما قال عند تعليقه على قول ورقة بن نوفل للرسول ﵊ عن جبريل "هذا الناموس": قال المطرز قال ابن الأعرابي لم يأت في الكلام فاعول لام الفعل سين إلَّا الناموس والجاسوس والجاروس والفاعوس والبابوس والداموس والقاموس والقابوس والعاطوس والفانوس والجاموس. فالناموس: صاحب سر الخير. والجاسوس: صاحب سر الشر، والجاروس: الكثير الأكل، والقاعوس: الحية. والبابوس: الصبي الرضيع. المعلم (١/ ٢١٨).
(٥) المقدمة تحقيق إكمال المعلم (١/ ٣٩).
[ ٧٢ ]
- تميز بتتبعه لميلاد كثير من أقوال مالك في الحديث والمسألة من قبل أن تكون مذهبًا، ويشير إلى وقت ميلادها مما يجعل منه ثروة في تقييم المذهب (^١).
على أن المُعلم مهما وجد فيه من قصور، أو خلل، أو نقص، فيشفع له أنه لم يعد أصلًا، ويوضع كتأليف يعد له بحيث تجمع له المراجع، وتحرر فيه الأقوال، وتُراجع فيه المسائل وتدقق.
وكذلك لم يكن شرحًا لصحيح مسلم، إنما تعليق على بعض أحاديث الصحيح، وإذا ظهرت هذه الصورة لم يعتمد عليه كشرح لصحيح مسلم، وقد اعتذر القاضي عياض عن المازري فيما يُوردُ على كتابه من نقد حيث قال: "والعذر بيِّن فإن كتاب "المُعْلم" لم يكن تأليفًا استجمع له مؤلفه، وإنما هو تعليق ما تضبطه الطلبة من مجالسه وتتلقفه وكدات الألباء" (^٢).
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) المرجع السابق (١/ ٧٢).
[ ٧٣ ]
الفصل الثاني القرطبي عصره وحياته
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: عصره
المبحث الثاني: حياته الشخصية
المبحث الثالث: حياته العلمية
المبحث الرابع: التعريف بالكتاب وبيان أهميته
[ ٧٥ ]
المبحث الأول عصره
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: من الناحية السياسية
المطلب الثاني: من الناحية العلمية
[ ٧٧ ]
المطلب الأول: الحالة السياسية
عاش القرطبي -﵀- في الفترة من (٥٧٨ هـ) حتى (٦٥٦ هـ) وهي فترة اضطرابات، وحروب وفتن، وضعف للأمة الإسلامية، وتسلُّط لأعدائها عليها من النصارى والتتار.
فقد عاصر القرطبي حملة التتار واجتياحهم للبلاد الإسلامية، حيث خرجوا من بلاد الصين في الشرق، وساروا نحو بلاد الإسلام، فما مروا على بلدة إلَّا سقطت تحت أيديهم، فيعيثون فيها فسادًا؛ بقتل الرجال والشيوخ والأطفال والنساء، ونهب الأموال، وإحراق البلاد.
فعظُمَت بهمُ الفتنة، حتى قال ابن الأثير (^١) -وهو المعاصر لتلك الأحداث- في تاريخه -مصورًا عظم الفتنة وشدة المحنة-: "لقد بقيت سنين عديدة معرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها، كارهًا لذكرها، فأنا أُقَدِّم رِجْلًا وأُؤخِّر أُخْرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني ويا ليتني مت قبل هذا، وكنت نسيًا منسيًا، إلَّا إنني حثَّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها، وأنا مُتوقفٌ، ثمَّ رأيت أنَّ ترك ذلك لا يُجدي نفعًا، فنقول: هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى، التي عَقمَت الأيام والليالي عن مثلها عمَّت الخلائق وخصَّت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق الله -﷾- آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها ولعلَّ الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض
_________________
(١) عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن محمد الشيباني، المعروف بابن الأثير الجزري، مؤرخ أديب، نسَّابه، من آثاره: "أسد الغابة في معرفة الصحابة" توفي سنة (٦٣٠ هـ). البداية والنهاية (١٣/ ١٤٩)، طبقات الحفاظ ص (٥٨٩) ترجمة (١٠٩٢).
[ ٧٩ ]
العالم، وتفنى الدُّنْيا، إلَّا يأجوج ومأجوج فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم، لهذه الحادثة التي استطار شرُّهَا وعمَّ ضررها (^١).
ثمَّ شرع في ذكر اجتياحهم لبلاد المسلمين، والمجازر العظيمة التي ارتكبوها والأفعال الشنيعة التي فعلوها.
وما زالوا في تقدم مستمر والبلاد الإسلامية تتساقط في أيديهم حتى سقطت عاصمة الخلافة الإسلامية ببغداد، وقُتل الخليفة المستعصم بالله آخر خلفاء بني العباس مع أهله وحاشيته وعدد من العلماء، وذلك سنة (٦٥٦ هـ) (^٢) وهي السنة التي توفي فيها القرطبي.
فقضوا على عامة بلاد الإسلام، وفي نيتهم مواصلة الزحف للقضاء على جميع البلاد الإسلامية حتى قيَّض الله -﷾- السلطان المملوكي سيف الدين قطز، المتوفى في ذي القعدة سنة (٦٥٨ هـ) حيث انتصر عليهم في معركة "عين جالوت" الشهيرة، وذلك في رمضان من سنة (٦٥٨ هـ) (^٣).
وكان القرطبي معاصرًا لهذه الأحداث العظام التي عمَّت غالب بلاد الإسلام، ولذا تعرض لهؤلاء في كتابه "المفهم" حينما ورد ذكر الترك حيث قال: "وخرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصيهم إلَّا الله، ولا يردهم عن المسلمين إلَّا الله، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج، أو مقدمتهم،
_________________
(١) الكامل في التاريخ (١٠/ ٣٩٩).
(٢) البداية والنهاية (١٣/ ٢١٣)، وتاريخ الإسلام (٤/ ٥٤)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص (٥١٦).
(٣) البداية والنهاية (١٣/ ٢٣٣).
[ ٨٠ ]
فنسأل الله أن يهلكهم ويبدد جمعهم" (^١).
ولذا فقد ساهم في شحذ الهمم للوقوف أمام هؤلاء الأعداء، وصدهم عن بلاد الإسلام، وبيَّن تعين الجهاد في ذلك الوقت لقهر الأعداء، وكثرة الاستيلاء، حيث قال: "وقد يكون الجهاد في بعض الأوقات أفضل من سائر الأعمال، وذلك وقت استيلاء العدو وغلبته على المسلمين، كحال هذا الزمان، فلا يخفى على من له أدنى بصيرة أن الجهاد اليوم أوكد الواجبات، وأفضل الأعمال، لما أصاب المسلمين من قهر الأعداء وكثرة الاستيلاء شرقًا وغربًا، جبر الله صدعنا وجدد نصرنا" (^٢).
أولًا: الحال في الأندلس:
ما مضى حال الأمة الإسلامية عامة، حيث أُصيبت بهذا المصاب العظيم.
وأما إذا خصصنا بلاد الأندلس بالحديث، حيث قضى فيها القرطبي حياته الأولى، فوُلدَ ونَشأ، وتعلم فيها.
فقد عاش القرطبي حياته في عهد دولة الموحدين التي أسسها عبد الله بن تومرت، حيث خرج على المرابطين سنة (٥١٥ هـ) وسقطت مراكش عاصمة ملكهم على يد خليفته عبد المؤمن بن علي سنة (٥٤١ هـ).
ثم زحف إلى الأندلس فاستولى على ملكهم هناك وأصبحت قرطبة عاصمة دولة الموحدين في الأندلس، ومنطلق جيوشهم.
_________________
(١) المفهم (٧/ ٢٤٨).
(٢) المفهم (١/ ٢٧٦).
[ ٨١ ]
وقد سيطر الموحدون على بلاد الأندلس، وصدوا هجمات النصارى، وخاضوا معهم عدة معارك.
وكانت ولادة أبي العباس القرطبي في عهد يوسف بن عبد المؤمن، الذي حكم أكثر من عشرين سنة (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ) (^١) ثم جاء بعده ابنه يعقوب المنصور (^٢)، واستمر حكمه حتى سنة (٥٩٥ هـ)، وقد خاض مع النصارى معركة "الأرك" سنة (٥٩١ هـ) (^٣)، وانتصر فيها انتصارًا ساحقًا، وقتل وأسر أعدادًا كبيرة من النصارى.
ثم جاء بعده ابنه محمد الناصر الذي حكم حتى توفي سنة (٦١٠ هـ) (^٤) بعد هزيمته سنة (٦٠٩ هـ) في معركة "العقاب" (^٥) الشهيرة مع النصارى، والتي كانت سببًا في ضعفه وتمزق جيوشه، ثم وفاته حسرة بعد المعركة بزمن يسير.
وقد خلف ابنه يوسف المنتصر حيث تولى الحكم وهو صغير، مما جعل الممالك التابعة له لا تخضع له ولا تدين له بالطاعة حتى توفي سنة (٦٢٠ هـ) (^٦).
فتولى بعده عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن لعدة شهور، ثم عبد الله بن يعقوب المنصور، ثم إدريس بن يعقوب، فتوالى الملوك واحدًا بعد الآخر، لا يستقر الملك لأحد إلَّا مدة قصيرة، مما أضعف هذه
_________________
(١) دولة الإسلام في الأندلس، عصر المرابطين والموحدين، محمد عبد الله عنان ص (١٠).
(٢) المرجع السابق ص (١٤٠).
(٣) المرجع السابق ص (١٩٦).
(٤) المرجع السابق ص (٢٤٩).
(٥) المرجع السابق ص (٢٨٢).
(٦) المرجع السابق ص (٣٢٨).
[ ٨٢ ]
الدولة، فانتقلت من ضعف إلى ضعف، مما أطمع فيها النصارى فهاجموها فتساقطت المدن بأيديهم واحدة بعد الأخرى (^١)، حتى سقطت قرطبة حاضرة الأندلس، وعاصمة الموحدين، ومدينة القرطبي، وذلك سنة (٦٣٣ هـ)، حيث وُضع الصليب على جامعها وحُوِّلَ إلى كنيسة، ورحل المسلمون عنها، فتفرقوا في البلاد الإسلامية (^٢)، وكان فيمن رحل أبو العباس، حيث خرج في هذا الوقت أو قريبًا منه. فلا حول ولا قوة إلَّا بالله.
وقد بيَّن القرطبي -﵀- وهو المعاصر لهذه الأحداث أن سبب تسلُّط الأعداء عليهم إنما كان لاختلافهم وتفرقهم حيث قال: "ولما اختلفت ملوك المغرب وتجادلوا استولت الإفرنج على جميع بلاد الأندلس، والجزر القريبة، وهاهم قد طمعوا في جميع بلاد الإسلام، فنسأل الله أن يتدارك المسلمين بالعفو والنصر واللطف" (^٣).
ثانيًا: الحال في مصر:
عاش أبو العباس في مصر بعد نزوحه من الأندلس، فاستوطن الإسكندرية حتى توفي فيها سنة (٦٥٦ هـ)، وكانت مصر في ذلك الزمن خاضعة لسلطة الدولة الأيوبية، التي خلفت دولة الفاطميين، بقيادة صلاح الدين الأيوبي سنة (٥٦٧ هـ)، حتى توفي سنة (٥٨٩ هـ) فخلفه على مصر ابناه العزيز ثم الأفضل، ثم عمهما العادل بن أيوب الذي تولى مصر سنة (٥٩٦ هـ) حتى توفي سنة (٦١٥ هـ) ثم تولى ابنه الكامل حتى توفي سنة (٦٣٥ هـ)، ثم تولى الملك الصالح أيوب حتى توفي سنة
_________________
(١) المرجع السابق ص (٥٦١).
(٢) انظر: تاريخ الإسلام (٤/ ٢٣٣).
(٣) المفهم (٧/ ٢١٨).
[ ٨٣ ]
(٦٤٧ هـ) فتولى ابنه توران شاه، لكنه لم يبق في الحكم إلَّا يسيرًا حيث قتله المماليك واستولوا على السلطة، وبذلك سقطت الدولة الأيوبية وقامت دولة المماليك (^١).
وحيث عاش القرطبي تحت سلطتها قرابة ثمان سنوات في آخر عمره، حيث انتصر المماليك على التتار، وقضوا عليهم، وصدوا هذا الجيش الجرار عن باقي بلاد الإسلام بقيادة المظفر قطز في معركة "عين جالوت" سنة (٦٥٨ هـ) بعد وفاة القرطبي -رحمة الله- بسنتين (^٢).
المطلب الثاني: الحالة العلمية:
لقد عاش القرطبي -﵀- في الربع الأخير من القرن السادس، والنصف الأول من القرن السابع، وهو عصر مليء بالاضطرابات والحروب والهجمات الشرسة على بلاد المسلمين في المشرق والمغرب من قبل النصارى والمغول -كما سبق ذكره- وقد قُتل خلال ذلك عددٌ من العلماء، ورحل آخرون عن بلادهم، ودُمرت المساجد والمكتبات، حتى ألقى المغول مكتبة بغداد في نهر الفرات حتى تغير لونه (^٣).
ولكن مع ذلك فبيئة القرطبي وبلاده التي عاش فيها أو انتقل إليها بيئة علمية مزدهرة.
* في الأندلس:
عرفت الأندلس -التي عاش فيها القرطبي بداية حياته وتعلم في
_________________
(١) البداية والنهاية (١٣/ ٣، ٢٠، ١٩٠، ١٩٢، ٢٢٩)، وتاريخ ابن خلدون (٥/ ٣٩٢).
(٢) انظر: تاريخ الإسلام (٤/ ١٠٤)، وتاريخ ابن خلدون (٥/ ٣٩٢).
(٣) تاريخ الإسلام (٤/ ١٦٠).
[ ٨٤ ]
دور العلم فيها، ولازم مجالس العلماء-، بأنها بلد العلم والأدب، شجع على ذلك اهتمام غالب حكامها بالعلم وتشجيعهم عليه، واهتمامهم بإنشاء المكتبات وتشييدها، وجمع الكتب لها، بداية من عهد الأمويين، فهذا الحكم الثاني الأموي المتوفى سنة (٣٦٦ هـ) كون مكتبة عظيمة جمع لها الكتب من شتى البلاد، وكان محبًا للعلم مشجعًا عليه، قال عنه المقري: "كان محبًا للعلوم مكرمًا لأهلها، جمَّاعًا للكتب بأنواعها، بما لم يجمعه أحد من الملوك قبله" (^١).
وفي حكم المرابطين كان يوسف بن تاشفين محبًّا للعلم، مقرِّبًا لأهله، قال عنه المراكشي (^٢): "فانقطع إلى أمير المؤمنين من الجزيرة من أهل كل علم فحوله حتى أشبهت حضرته حضرة بني العباس في صدر دولتهم واجتمع له ولابنه من أعيان الكتاب، وفرسان البلاغة، ما لم يتفق اجتماعه في عصر من الأعصار (^٣).
واستمر ذلك في دولة الموحدين، وهي التي قامت على أساس العلم، وعلى يد من انتسب إليه وهو عبد الله بن تومرت (^٤). وسار على دربه الخلفاء من بعده فيوسف بن عبد المؤمن كون مكتبة كبيرة جمع فيها
_________________
(١) نفح الطيب (١/ ٣٨٥).
(٢) عبد الواحد بن علي التميمي المراكشي، المالكي، مؤرخ نشأ بمراكش وتعلم في إفريقية والأندلس، تجول في بلدان العالم الإسلامي، توفي سنة (٦٤٧ هـ). معجم المؤلفين (٢/ ٣٣٤).
(٣) المعجب في تلخيص أخبار المغرب للمراكشي ص (٢٢٧).
(٤) سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عنه، فبين أنه تعلم العلم، ثم جاء إلى قوم من البربر لا يعرفون شرائع الإسلام فعلمهم الصلاة والزكاة والصيام وغيرها من شرائع الدين، ولكنه استجاز الكذب عليهم وإظهار المخاريق ليعتقدوا بولايته وأنه المهدي واستحل دماء أهل السنة والجماعة في المغرب بدعوى أنهم مجسمة ثم بيَّن شيخ الإسلام، أنه قد وافق عقائد المعطلة والفلاسفة. الفتاوى (١١/ ٤٧٨).
[ ٨٥ ]
من أصناف الكتب ما فاق به من قبله، قال المراكشي: "ولم يزل -يعني يوسف بن عبد المؤمن- يجمع الكتب من أقطار الأندلس والمغرب، ويبحث عن العلماء، وخاصة أهل النظر، إلى أن اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك قبله ممن ملك المغرب" (^١).
ولذا أصبحت الأندلس من أعظم بلاد المسلمين في الحركة العلمية، مما جعل العلماء وطلبة العلم يقصدونها لهذا الغرض، خصوصًا قرطبة، وهي بلد القرطبي التي تميزت بذلك، واشتهرت فصارت مدينة العلم في بلاد الأندلس، قال المقري عنها: "هي أكثر بلاد الأندلس كتبًا، وأشد الناس اعتناءً بخزائن الكتب" (¬٢).
* في مصر:
وإذا نظرنا إلى مصر، حيث قضى فيها أبو العباس بقية عمره، رأيناها قد ازدهرت بالعلم، واكتظت بالعلماء، فالنكبات التي توالت على بلاد المسلمين جعلت عددًا كبيرًا من العلماء يرحلون إليها، ويستقرون فيها، منهم أبو العباس القرطبي، وتلميذه القرطبي المفسر، وابن مالك النحوي (^٣) وغيرهم. خصوصًا بعد سقوط عامة بلاد الأندلس في يد النصارى، وسقوط غالب بلاد المسلمين في يد التتار، وبهذا انتقل النشاط العلمي من المشرق والمغرب إلى مصر.
_________________
(١) المعجب ص (٣١١).
(٢) نفح الطيب (١/ ٤٦٢).
(٣) جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الأندلسي، نحوي أديب، مقرئ، رحل من الأندلس إلى المشرق، من آثاره "الألفية في النحو"، "مختصرات الشاطبية"، توفي بدمشق سنة (٦٧٢ هـ). البداية والنهاية (١٣/ ٢٨٣)، . إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين عبد الباقي اليماني ص (٣٢٠).
[ ٨٦ ]
إضافة إلى حرص العلماء على تعويض الخسارة العلمية التي لحقت بالأمة الإسلامية من آثار غزو التتار لبلاد الإسلام وإتلافهم لنتاجهم العلمي. فانتشرت المدارس في عهد الأيوبين وبعدهم، قال ابن خلكان: "ولما ملك السلطان صلاح الدين الديار المصرية لم يكن بها شيء غير المدارس" (^١).
فبلغت المدارس في القاهرة وحدها سنة (٦٠٠ هـ) ثلاث عشرة مدرسة، ثم تضاعف هذا العدد في زمن المماليك (^٢).
إضافة إلى كثرة المكتبات الزاخرة بأمهات الكتب في شتى فنون المعرفة، ولا غرابة في ذلك إذا كان الحكام يشجعون على العلم، ويهتمون بنشره، وتقريب أهله.
قال المقريزي (^٣) عن الملك الكامل: "وكان يحب أهل العلم، ويؤثر مجالستهم، وشغف بسماع الحديث النبوي وكان يناظر العلماء، وعنده مسائل غريبة من فقه ونحو يمتحن بها، فمن أجاب قدَّمه وحظي عنده" (^٤).
وبالجملة فالحالة العلمية في هذا العصر تميزت بالازدهار والنشاط وكثرة المكتبات ودور العلم.
وأعظم ما يدل على هذه الحركة العلمية كثرة العلماء الأعلام في
_________________
(١) وفيات الأعيان (٧/ ٢٠٦).
(٢) القاهرة وتاريخها وآثارها، د. عبد الرحمن زكي، ص (٧٣).
(٣) أحمد بن علي بن عبد القادر المصري، المشهور بابن المقريزي، مؤرخ محدث، فقيه، حنفي، له مؤلفات كثيرة، منها: "الخبر عن البشر"، "كتاب النقود" توفي بالقاهرة سنة (٨٤٥ هـ). الضوء اللامع (٢/ ٢١)، شذرات الذهب (٩/ ٣٧٠).
(٤) السلوك لمعرفة دول الملوك (١/ ٢٥٨).
[ ٨٧ ]
هذا العصر، سواء في المشرق أو المغرب، وغزارة نتاجهم العلمي الذي حُفِظ لنا، فمنهم:
ابن الجوزي (^١) توفي سنة (٥٩٧ هـ)، والفخر الرازي (^٢) توفي سنة (٦٠٦ هـ)، وابن قدامة المقدسي (^٣) توفي سنة (٦٢٠ هـ)، وابن الأثير الجزري توفي سنة (٦٣٠ هـ)، وابن الصلاح توفي سنة (٦٤٣ هـ)، والمنذري توفي سنة (٦٥٦ هـ)، والعز بن عبد السلام (^٤)، توفي سنة (٦٦٠ هـ)، وابن مالك النحوي توفي سنة (٦٧٢ هـ)، والقرطبى المفسر توفي سنة (٦٧٢ هـ)، والنووي توفي سنة (٦٧٦ هـ) وغيرهم.
_________________
(١) عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي البغدادي، الحنبلي، أبو الفرج بن الجوزي، الإمام، الحافظ، الواعظ، صاحب التصانيف الكثيرة، من آثاره: "زاد المسير في علم التفسير"، "تلبيس إبليس"، "منهاج القاصدين"، توفي سنة (٥٩٧ هـ) .. سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٦٥)، طبقات الحفاظ ص (٥٠٢)، ترجمة (١٠٦٥).
(٢) محمد بن عمر بن الحسن البكري الطبرستاني الرازي الشافعي المشهور بالفخر الرازي، مفسر متكلم، أصولي من أئمة الأشاعرة الذين تأثروا بالفلسفة والاعتزال، قيل: إنه رجع في آخر حياته إلى مذهب السلف. من آثاره "شرح الأسماء الحسنى"، "أسرار التنزيل وأنوار التأويل"، توفي سنة (٦٠٦ هـ). طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٢١٥)، والبداية والنهاية (١٣/ ٦٠).
(٣) عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الدمشقي الحنبلي، فقيه، مجتهد من أعيان الحنابلة، من مصنفاته "المفتي" في الفقه الحنبلي، "البرهان في علوم القرآن"، توفي بدمشق سنة (٦٢٠ هـ). سير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٦٥)، البداية والنهاية (١٣/ ١٠٧).
(٤) عبد العزيز بن عبد السلام بن القاسم السلمي الدمشقي، الشافعي، الشهير بالعز بن عبد السلام، شيخ الشافعية في عصره، المجاهد، الصدَّاع بالحق، من آثاره: "التفسير"، "القواعد الكبرى والصغرى"، توفي في مصر سنة (٦٦٠ هـ)، البداية والنهاية (١٣/ ٢٤٩)، الأعلام (٤/ ٢١).
[ ٨٨ ]
المبحث الثاني حياته الشخصية
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: اسمه ونسبه
المطلب الثاني: مولده ونشأته
المطلب الثالث: أسرته
المطلب الرابع: وفاته
[ ٨٩ ]
المطلب الأول: اسمه ونسبه
هو أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري القرطبي الأندلسي المالكي.
أمَّا الأنصاري فنسبة إلى الأنصار -﵃- إذ قد هاجر منهم أناس إلى المغرب واستقروا هناك.
ولكن هل نسبة أبي العباس إليهم ولاءً أم صليبة، رجَّح بعض المترجمين له أن نسبته إليهم بالولاء (^١)، وذلك لأن والده كان "مُزَيِّنًا" وهو من يمتهن الحلاقة والحجامة والختان، ولذا لُقِّب بابن المزين نسبة لعمل والده.
وهذه مهنة محتقرة عند العرب لا يقوم بها عادة إلَّا الرقيق والموالي، وهذا دليل قوي لترجيح هذا القول.
وأمَّا القرطبي فنسبة إلى مدينته قرطبة (^٢) التى عاش فيها الشطر الأول من حياته.
وأما الأندلسي فنسبة إلى بلاده الأندلس (^٣).
أما المالكي فإلى مذهب الإمام مالك -﵀- إذ هو من أعيان
_________________
(١) قال بذلك الدكتور عبد الوهاب الطريري في دراسته حول القرطبي عند تحقيقه لكتاب الإيمان من المفهم (١/ ٧٧)، وقد استفدت منه كثيرًا في هذه الترجمة "القرطبي ومنهجه في كتابه المفهم في حل ما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" مع تحقيقه من أوله إلى نهاية باب مضاعفة أجر الكتابي إذا آمن، رسالة دكتوراه، قسم السنة وعلومها، كلية أصول الدين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، (١٤١٥ هـ).
(٢) ينسب إلى هذه المدينة عدد كبير من العلماء كابن عبد البر القرطبي وأبي عبد الله القرطبي، صاحب التفسير، وغيرهم، وقد ذكر صاحب معجم المؤلفين بهذا الاسم قرابة ثمانين علمًا (٤/ ٤٧٠).
(٣) وأيضًا نسب إلى الأندلس واشتهر بهذا النسبة عدد من العلماء، كابن حزم الأندلسي، وابن العربي الأندلسي صاحب العواصم من القواصم، وغيرهما، وقد ذكر صاحب معجم المؤلفين من عرف بهذا الاسم قرابة الثلاثين علمًا (٤/ ٢٢٤).
[ ٩١ ]
المذهب.
كنيته أبو العباس، ولقب بضياء الدين، وبجمال الدين، كما لُقِّب بالعدل، والشاهد، وذلك لأنه قام بعمل العدول والشهود في الإسكندرية، وهم من يتعرفون على الناس، ويشهدون في القضايا، مع كونهم محل ثقة عند القضاة (^١).
كما عُرِف بابن المزين نسبة لعمل والده -كما سبق-.
قال ابن فرحون: "أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر أبو العباس الأنصاري الأندلسي، ثم القرطبي المالكي الفقيه، عُرف بابن المزيّن بالزاي المعجمة بعدها ياء مثناة من تحت ونون يلقب بضياء الدين من أعيان فقهاء المالكية" (^٢).
وقال ابن العماد الحنبلي: "أبو العباس القرطبي أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري المالكي المحدث الشاهد" (^٣).
وقال محمد محمد مخلوف (^٤): "ضياء الدين أبو العباس أحمد بن عمر الأنصاري الأندلسي القرطبي يعرف بابن المزين" (^٥).
وقال البغدادي (^٦): "أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري
_________________
(١) معيد النعم ومبيد النقم لعبد الوهاب السبكي ص (٦٣).
(٢) الديباج المذهب ص (١٣٠).
(٣) شذرات الذهب (٧/ ٤٧٣).
(٤) محمد بن حسنين بن محمد مخلوف العدوي المصري المالكي، عمل وكيلًا للأزهر، له العديد من المصنفات في شتى العلوم، توفي سنة (١٣٥٥ هـ). معجم المؤلفين (٣/ ٢٤٤)، الأعلام (٦/ ٩٦).
(٥) شجرة النور الزكية ص (١٩٤).
(٦) إسماعيل باشا بن محمد أمين بن سليم الباباني البغدادي، مؤرخ أديب، عالم بالكتب ومؤلفيها، من آثاره: "إيضاح المكنون"، "هدية العارفين". توفي سنة (١٣٣٩ هـ). الأعلام=
[ ٩٢ ]
أبو العباس، جمال الدين القرطبي" (^١).
المطلب الثاني: مولده ونشأته
أولًا: مولده:
ولد -﵀- في قرطبة من بلاد الأندلس عام (٥٧٨ هـ) ثمان وسبعين وخمسمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وهذا محل اتفاق بين من ترجموا له إذ لم يذكر أحد سوى هذا التاريخ لولادته. ولم أجد من ذكر اليوم أو الشهر الذي ولد فيه بل جميعهم اكتفوا بذكر السنة.
ثانيا: بيئته ونشأته:
نشأ أبو العباس في مكان ولادته في قرطبة في بيئة علمية فوالده على ما يبدو من طلبة العلم أو العلماء وإن لم أظفر له بترجمة لكن جاء في افتتاح كتاب المفهم ما نصه: "قال الشيخ الفقيه الإمام العالم المحدث أبو العباس أحمد بن الشيخ الفقيه أبي حفص عمر القرطبي الأنصاري" (^٢). وتطواف هذا الوالد بولده وهو صغير في حواضر العلم في سائر أنحاء العالم الإسلامي ليسمع من العلماء مع مشقة ذلك في تلك الأوقات ليَدُلُ دلالة أكيدة على أنه من أهل العلم العارفين بفضله (^٣).
قال ابن فرحون: رحل أبو العباس مع أبيه من الأندلس في سن الصغر فسمع كثيرًا بمكة والمدينة والقدس، ومصر، والإسكندرية،
_________________
(١) = (١/ ٣٢٦)، معجم المؤلفين (١/ ٣٧٧).
(٢) هدية العارفين للبغدادي (١/ ٩٦).
(٣) المفهم (١/ ٨٥).
(٤) تحقيق كتاب الإيمان من المفهم للطريري (١/ ٨٠).
[ ٩٣ ]
وغيرها من البلاد (^١).
ونشأة أبي العباس في هذه البيئة العلمية الصالحة كان له أثر كبير على مستقبل حياته وتوجهه للعلم، وجده في طلبه.
وقد عاش القرطبي الشطر الأول من حياته في قرطبة، وإن تخلل ذلك رحلات في سائر البلاد الإسلامية -كما سبق ذكره- حينما رحل مع والده في سن الصغر إلى الشام ومصر والحجاز، عاد بعدها إلى قرطبة، إذ رحلته تلك قبل مجاوزته الاثنتي عشرة سنة، بدليل أخذه من القاسم بن فيرة بمصر، وهو قد توفي سنة (٥٩٠ هـ) (^٢).
وقد أخطأ من اعتبر رحلته هذه إلى مصر هي التي استقر فيها هناك، إذ وجد دليل على وجوده في قرطبة بعد هذا التاريخ.
فقد ذكر أنه سمع صحيح مسلم في قرطبة سنة (٦٠٧ هـ) (^٣).
وقد ذكر ابن مسدي (^٤) أنه لقيه بغرناطة سنة (٦١٤ هـ) (^٥).
وقد رحل إلى الحج سنة (٦١٧ هـ) (^٦) حيث قال في رحلته تلك:
_________________
(١) الديباج المذهب ص (١٣١).
(٢) وفيات الأعيان (٤/ ٧٢)، نفح الطيب (٢/ ٢٢).
(٣) تلخيص صحيح مسلم للقرطبي (١/ ٣٤).
(٤) محمد بن يوسف بن موسى بن مسدي المهلبي الغرناطي، محدث، فقيه، مقرئ، رحل إلى المشرق، ثم جاور بمكة، من آثاره: "أعلام الناسك بأحكام المناسك". توفي سنة (٣٦٣ هـ). الديباج المذهب ص (٤٢٠)، معجم المؤلفين (٣/ ٧٩٠).
(٥) توضيح المشتبه لابن ناصر الدين الدمشقي (٨/ ١٣٩).
(٦) تغلب الإفرنج على دمياط سنة (٦١٥ هـ) وانكسروا سنة (٦١٧ هـ) على يد الكامل محمد بن العادل الأيوبي، وتغلبوا عليها مرة أخرى سنة (٦٤٧ هـ)، وانكسروا سنة (٦٤٨ هـ). البداية والنهاية (١٣/ ٨٦٦، ٩١، ٩٩، ١٨٩، ١٩٠)، الكامل في التاريخ (١٠/ ٣٩٤، ٤٠٠). وما ذكره القرطبي هنا إما سنة (٦١٧ هـ) أو سنة (٦٤٨ هـ)، وقد رجَّح الدكتور محمد=
[ ٩٤ ]
"لما وصلت إلى تونس قاصدًا إلى الحج سمعت أخبارًا سيئة عن البلاد المصرية، من جهة العدو الذي غلب على دمياط، فعزمت على المُقام بتونس إلى أن ينجلي أمر العدو، فجدد الله عزمًا وأزال عني ما كنت أتخوفه من أمر العدو، وسافرت إلى أن وصلت إلى الإسكندرية، فوجدتها والديار المصرية على أشد خوف وأعظم كرب، والعدو قد استفحل أمره، وعظمت شوكته، فلم أكمل في الإسكندرية عشرة أيام حتى كسر الله العدو، ومكَّن منه من غير صنع أحد من المخلوقين، بل
_________________
(١) = أبا الخيل في كتابه "جهود علماء الأندلس في الصراع مع النصارى" أن كلام القرطبي هنا سنة (٦٤٧ هـ)، ورجح الدكتور عبد الوهاب الطريري في تحقيقه للمفهم أن هذا سنة (٦١٧ هـ)، وهو الذي يترجح عندي لأسباب، منها: أن قرطبة ساءت أحوالها فخرج عامة أهلها خصوصًا العلماء وطلبة العلم، خوفًا على أنفسهم من تسلُّط النصارى، خصوصًا بعد سقوط قرطبة سنة (٦٣٣ هـ)، وكان فيمن خرج أبو عبد الله القرطبي المفسر، وأبو القاسم أخو أبي العباس القرطبي، قال أبو عبد الله القرطبي: "ولقد أخبرني صاحبنا أبو القاسم ﵀ أخو شيخنا أبي العباس أحمد بن عمر ﵀ أنه ربط نحوًا من خمسين امرأة واحدة بعد الأخرى حتى خرجوا من قرطبة أعادها الله". التذكرة (٧٢٤)، وقد أُسر عدد من العلماء في قرطبة حينما تغلب النصارى عليها، فمن المستبعد أن يمكث أبو العباس فيها خمسة عشر عامًا بعد سقوطها وهو الذي تصدى للنصارى باللسان والسنان، وقد ألَّف كتابه القيم "الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام" ولو بقي لامتدت إليه يد الحقد، كما امتدت إلى غيره من العلماء. إضافة إلى أن أبا العباس من خلال الوقوف على سيرته وعلى أسماء شيوخه يتضح أنه قد أخذ منهم في مصر بعد استقراره فيها ولا يكون ذلك إذا كان استيطانه فيها بعد (٦٤٨ هـ) حيث جاوز غالبًا سن الطلب، فقد بلغ السبعين سنة إضافة إلى قصر المدة التي بقيها في مصر على هذا الرأي حيث تكون أقل من تسع سنوات، وهذه مدة قصيرة لا يتسنى خلالها قراءة التلاميذ عليه، وانتشار علمه، وذياع صيته، ولم يذكر له جلوس للتدريس في قرطبة ويبعد أن يبلغ هذا السن في قرطبة وليس له تلاميذ فيها. فالذي يترجح عندي أن وصف هذا الحال لدمياط يعود إلى استيلاء الإفرنج الأول عليها، وانكسارهم سنة (٦١٧ هـ) هو الموافق لحاله وسيرته والله تعالى أعلم.
[ ٩٥ ]
بلطف أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين" (^١).
وهل عاد بعد هذه الرحلة إلى قرطبة أم كان هذا هو الاستقرار النهائي له في الإسكندرية؟ الله أعلم بذلك! .
المقصود أنه استقر في الإسكندرية وانتقل من قرطبة بعدما ساءت أحوالها انتقالًا نهائيًا. فكان أن قضى شطر حياته الأخير في الإسكندرية حيث تصدى للتدريس ونفع الناس هناك.
قال ابن فرحون: "نزل الإسكندرية واستوطنها ودرَّس بها" (^٢).
المطلب الثالث: أسرته:
لم أقف على ترجمة لوالده ولا ذكر لأسرته، سوى ما ذكره تلميذه أبو عبد الله القرطبي حينما أشار إلى أخيه أبي القاسم حيث قال: "ولقد أخبرني صاحبنا أبو القاسم ﵀ أنه ربط نحوًا من خمسين امرأة واحدة بعد أخرى في حبل مخافة سبي العدو، حتى خرجوا من قرطبة أعادها الله" (^٣).
ولم أقف أيضًا على شيء يدل على زواجه وإنجابه، إلَّا ما ذكره هو عن نفسه في "المفهم" حيث قال: "ومنها أني تزوجت امرأة، وقبل الدخول بها حُدِّثْتُ عن صفتها ما أوقع في قلبي نفرة، فأُريتها في النوم على الصفة التي كانت عليها في بيتها، ثم إني لما اجتمعت بها وجدتها هي التي أريتها في النوم" (^٤).
وقد يكون تزوج فلم يوفق فآثر العزوبة بعد، وربما يؤيد هذا الظن
_________________
(١) المفهم (٦/ ٢٥).
(٢) الديباج المذهب ص (١٣٠).
(٣) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة لأبي عبد الله القرطبي ص (٧٢٤).
(٤) المفهم (٦/ ٢٥).
[ ٩٦ ]
ما ذهب إليه من تفضيله التفرغ للعبادة على الزواج، فبعد ذكره لأقوال القائلين بتفضيل الزواج على التفرغ منه للعبادة قال: "وحديث أنس وسهيل يدلان على أن التزويج أفضل من التفرغ للعبادة، وهو أحد القولين المتقدمين، ويمكن أن يقال كان ذلك في أول الإسلام، لِمَا كان عليه النساء من المعونة على الدين والدنيا، وقلة الكلفة، والتعاون على البر والتقوى، والحنو والشفقة على الأزواج، وأما في هذه الأزمان فنعوذ بالله من الشيطان والنسوان، فوالله الذي لا إله إلَّا هو لقد حلت العزبة والعزلة بل وتعين الفرار من فتنتهن والرحلة، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله" (^١).
وقال أيضًا في شرحه لدعاء الرسول -ﷺ- لأنس بن مالك -﵁- بقوله: " اللهُمَّ أكثِرْ مالَهُ وَوَلَدَهُ" (^٢).
قال: "يدل على إباحة الاستكثار من المال والولد والعيال، لكن إذا لم يشغلك ذلك عن الله تعالى، ولا عن القيام بحقوقه، لكن لما كانت سلامة الدين مع ذلك نادرة، والفتن والآفات غالبة، تعين التقلل من ذلك، والفرار مما هنالك، ولولا دعوة النبي -ﷺ- لأنس بالبركة لخيف عليه من الإكثار الهلكة، ألا ترى أن الله تعالى قد حذَّرنا من آفات الأموال والأولاد، ونبَّه على المفاسد الناشئة من ذلك، فقال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (^٣).
وصدر الكلام بإنما الحاصرة المحققة، فكأنه قال: لا تكون
_________________
(١) المفهم (٤/ ٨٩).
(٢) رواه البخاري في كتاب الدعوات، باب الدعاء بكثرة المال والولد مع البركة ح/ ٦٣٧٨ (١١/ ١٨٦)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أنى بن مالك ﵁ ح/ ٢٤٨٠ (١٦/ ٢٧٢).
(٣) سورة الأنفال، الآية: ٢٨.
[ ٩٧ ]
الأموال والأولاد إلَّا فتنة، يعني في الغالب، ثمل قال بعد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (^١).
ووجه عداوتهما. أن محبتهما موجبة لانصراف القلوب إليهما، والسعي في تحصيل أغراضهما، واشتغالهما بما غلب عليهما من ذلك عما يجب عليهما من حقوق الله تعالى، ومع غلبة ذلك تذهب الأديان ويعم الخسران، فأي عداوة أعظم من عداوة من يدمر دينك هذا الدمار ويورثك عقوبة النار" (^٢).
المطلب الرابع: وفاته:
بعد عمر مديد حافل بالعلم والعمل قارب الثمانين سنة توفي أبو العباس القرطبي في مدينة الإسكندرية من بلاد مصر عام (٦٥٦ هـ) في شهر ذي القعدة. وقد اختُلِف في يوم وفاته من ذلك الشهر فقيل في الرابع منه (^٣)، وقيل في الرابع عشر (^٤)، وقيل في الرابع والعشرين (^٥)، عن ثمان وسبعين سنة.
وقد اتفقت المصادر في ذلك سوى ما ذكره ابن فرحون، ويبدو أنه قد وهم في ذلك، أو أن التاريخ قد تصحف حيث جعله سنة (٦٢٦ هـ) (^٦) وقد تفرد بهذا الوهم.
_________________
(١) سورة التغابن، الآية: ١٤.
(٢) المفهم (٦/ ٤١٢).
(٣) نفح الطيب (٢/ ٦١٥).
(٤) ذيل مرآة الزمان لموسى اليونيني (١/ ٩٥).
(٥) المقفى الكبير لتقي الدين المقريزي (١/ ٥٤٥).
(٦) الديباج المذهب ص (١٣١).
[ ٩٨ ]
المبحث الثالث حياته العلمية
وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: طلبه للعلم ورحلاته فيه
المطلب الثاني: شيوخه
المطلب الثالث: تلاميذه
المطلب الرابع: مؤلفاته
المطلب الخامس: مذهبه وعقيدته
المطلب السادس: علمه وثناء العلماء عليه
[ ٩٩ ]
المطلب الأول: طلبه للعلم ورحلاته فيه:
بدأ أبو العباس بطلب العلم في مسقط رأسه "قرطبة" حيث أخذ عن علمائها ولازمهم في صغره.
قال ابن كثير (^١): "ولد بقرطبة سنة (٥٧٨ هـ) وسمع الكثير هناك" (^٢).
ورحل لطلب العلم مع والده، وهو دون البلوغ، فطاف حواضر العلم في أنحاء العالم الإسلامي في الحجاز ومصر والشام والمغرب، وسمع من العلماء هناك. قال ابن فرحون: "رحل أبو العباس مع أبيه من الأندلس في سن الصغر فسمع كثيرًا بمكة والمدينة والقدس ومصر والإسكندرية وغيرها من البلاد" (^٣).
ورحلاته هذه وتطوافه سائر هذه البلدان مع بعدها عن موطنه، وتحمله ما في تلك الأسفار من المشاق والأخطار يدل على أن البلاد القريبة من بلده سيكون لها النصيب الأكبر، والوقت الأطول من هذه الرحلات العلمية لسهولة الوصول إليها، وهو ما أفادتنا به المصادر من أنه طاف عامة بلدان المغرب، ولقي العلماء فيها، وسمع منهم. قال ابن فرحون: "سمع الحديث من مشايخ المغرب، فلقي بفاس أبا القاسم عبد الرحمن بن عيسى ابن الملجوم الأزدي، وسمع بتلمسان من أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن التجيبي، ومن قاضيها أبي محمد عبد الله بن
_________________
(١) إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، أبو الفداء، أحد أعلام عصره، من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، مفسر، محدث، مؤرخ، من آثاره: "تفسير القرآن العظيم"، "اختصار علوم الحديث". توفي سنة (٦٦٤ هـ). الدرر الكامنة (١/ ٣٧٣)، طبقات الشافعية (٣/ ٨٥).
(٢) البداية والنهاية (١٣/ ٢٢٦).
(٣) الديباج المذهب ص (١٣١).
[ ١٠١ ]
سليمان بن حوط الله وبسبته من عبد الحق الخزرجي" (^١).
ولا شك أن القرطبي قد استفاد من هذه الرحلات الالتقاء بعدد كبير من العلماء في مختلف بلدان العالم الإسلامي.
وبعد استقراره في مصر أخذ عن علمائها مع تصديه للتدريس فيها.
وكان في بداية طلبه قد اشتغل بعلم الكلام ثم تركه واتجه للفقه والحديث.
قال ابن مسدي: "أخذ نفسه بعلم الكلام وأن الجوهر الفرد لا يقبل الانقسام وتغلغل في تلك الشعاب عدة أحقاب" (^٢).
وقال المقري: "وكان يشتغل أولًا بالمعقول" (^٣) ويدل على ذلك تمكنه من علم الكلام ورده على الخائضين فيه (^٤).
المطلب الثاني: شيوخه:
أخذ أبو العباس العلم عن عدد من العلماء سواء في المشرق أو المغرب، وذلك خلال رحلاته العلمية، وتطوافه سائر الحواضر الإسلامية، ولكن مصادر ترجمته لم تزودنا إلَّا بعدد قليل منهم، لا يتناسبُ مع ما ذكر من كثرة رحلاته وتطوافه بسائر بلاد الإسلام، منذ نعومة أظفاره، فمنهم:
١ - أبو محمد القاسم بن فيرة بن أبي القاسم الشاطبي، المقرئ الضرير، عالم بالقراءات، محدث، مفسر، لغوي، له "حرز الأماني ووجه
_________________
(١) الديباج المذهب، ص (١٣١).
(٢) توضيح المشتبه (٨/ ١٣٩).
(٣) نفح الطيب (٢/ ٦١٥).
(٤) انظر على سبيل المثال: المفهم (٦/ ٦٩٠).
[ ١٠٢ ]
التهاني" قصيدة تزيد على ألف بيت في علم القراءات، وهي عمدة في هذا العلم، توفي بمصر سنة (٥٩٠ هـ) (^١).
٢ - أبو ذر مصعب بن محمد بن مسعود الخشني، المحدث، الفقيه، اللغوي، إمامٌ في اللغة، ولي القضاء بجيان، ورحل إلى فاس، واستوطنها، وبها مات سنة (٦٠٤ هـ). له عدة مؤلفات، منها: "شرح كتاب سيبويه" (^٢). ذكره القرطبي في المفهم حيث قال: "وقد رويته كذلك من طريق شيخنا أبي ذر بن مسعود الخشني" (^٣).
٣ - أبو القاسم عبد الرحمن بن يوسف الأزدي ابن الملجوم الزهراني، من أهل فاس، إمامٌ في اللغة والأدب، لقيه القرطبي بفاس، وسمع منه، توفي سنة (٦٠٥ هـ) (^٤).
٤ - أبو الصبر أيوب بن محمد الفهري، من أهل سبته، رحل إلى الأندلس والمشرق في طلب العلم، وأخذ عن عدد كبير من العلماء، توفي شهيدًا في معركة العقاب بالأندلس سنة (٦٠٩ هـ) (^٥). ذكره القرطبي في المفهم فقال: "وقد وجدت في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب بن محمد الفهري السبتي" (^٦)، وكرر ذكره في أكثر من موضع (^٧).
٥ - أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن التجيبي، من أهل إشبيلية، طاف عامة
_________________
(١) شجرة النور (١٩٤)، طبقات القراء للذهبي (٢/ ٨٨٣)
(٢) شذرات الذهب (٧/ ٢٧)، معجم المؤلفين (٣/ ٨٨).
(٣) المفهم (٤/ ٤٨٠).
(٤) جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الأعلام مدينة فاس لأحمد بن القاضي المكناسي (٢/ ٣٩٦)، معجم المؤلفين (٢/ ١٢٨).
(٥) شجرة النور (١/ ١٨٤)، جذوة الاقتباس (١/ ١٦٨).
(٦) المفهم (١/ ٤٣٠).
(٧) انظر: المفهم (٦/ ٤٠٩، ٤٢٣، ٤٣٢، ٧/ ٤٦، ١٦٩، ٣٥١).
[ ١٠٣ ]
بلاد الأندلس لطلب العلم، ثم استوطن تلمسان، وفيها سمع منه القرطبي، وله عدة مؤلفات، منها: "الترغيب في الجهاد" توفي سنة (٦١٠ هـ) (^١).
٦ - أبو محمد عبد الله بن سليمان بن داود بن حوط الله الأنصاري الحارثي، الفقيه، الأصولي، النحوي، الأديب، الحافظ، ولي القضاء في قرطبة وإشبيلية وسبتة وغيرها من بلاد الأندلس، توفي سنة (٦١٢ هـ) (^٢). ذكره القرطبي في المفهم فقال: "فممن رويته عنه والشيخ الفقيه القاضي الأعدل العلم الأعلم، أبو محمد عبد الله بن سليمان بن داود بن حوط الله قراءة عليه وسماعًا لكثير منه وإجازة لسائره وذلك بقرطبة" (^٣).
٧ - أبو إبراهيم تقي الدين عوض بن محمود الحميري البوستي المالكي، الفقيه الزاهد، العابد، سمع منه القرطبي بمصر توفي سنة (٦٣٣ هـ) (^٤). ذكره القرطبي ممن روى عنهم صحيح مسلم فقال: قرأته كله على الشيغ الفقيه الزاهد الفاضل تقي الدين أبي إبراهيم عوض بن محمود (^٥).
٨ - أبو الحسين مرتضي بن العفيف حاتم بن المسلم الحارثي المصري، المقرئ المحدث العابد، الزاهد، توفي بمصر سنة (٦٣٤ هـ) (^٦).
_________________
(١) نفح الطيب (٢/ ٣٧٩)، الأعلام (٦/ ١٩١).
(٢) الديباج المذهب ص (٢٣١)، طبقات الحفاظ، ص (٥١٨) ترجمة (١٠٩٠).
(٣) المفهم (١/ ١٠٣).
(٤) التكملة (٣/ ٤١٢)، توضيح المشتبه (٨/ ١٣٩).
(٥) المفهم (١/ ١٠٤).
(٦) سير أعلام النبلاء (٢٣/ ١١)، شذرات الذهب (٧/ ٢٦٥).
[ ١٠٤ ]
وقد ذكره القرطبي فيمن روى عنهم صحيح مسلم فقال: وممن أجازه لي الشيخ الفقيه المحدث الزاهد التلاء للقرآن أبو الحسين مرتضي بن العفيف المقدسي" (^١).
٩ - أبو جعفر أحمد بن محمد القيسي القرطبي المعروف بابن حجة المقرئ المحدث الحافظ، درَّس بقرطبة وإشبيلية له مؤلفات منها: "منهاج العباد" أسر وعذب ثم توفي سنة (٦٤٣ هـ) (^٢).
١٠ - أبو الفضل أحمد بن عبد العزيز بن الحسين بن الجباب التميمي السعدي المالكي، فخر القضاة، حدث عنه الدمياطي والمنذري، توفي سنة (٦٤٨ هـ) (^٣). ذكره القرطبي فيمن روى عنهم صحيح مسلم فقال: "ومنهم القاضي فخر القضاة أبو الفضل بن الجباب وأجازه لي" (^٤).
١١ - أبو محمد زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المصري الشافعي، الإمام، الحافظ، الشهير، له عدة مؤلفات، منها: "اختصار صحيح مسلم" و"الترغيب والترهيب" وغيرها، توفي سنة (٦٥٦ هـ) (^٥). وقد ذكره القرطبي في المفهم، فقال: "قال شيخنا أبو محمد عبد العظيم المنذري" (^٦).
ومنهم عبد الحق بن محمد بن عبد الحق الخزرجي، وأبو الحسن
_________________
(١) المفهم (١/ ١٠٤).
(٢) بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة (٣/ ٣٨٢)، معجم المؤلفين (١/ ٢٩٥)، التذكرة ص (٣٩).
(٣) الوافي بالوفيات (٨/ ٥٥)، شذرات الذهب (٥/ ٢٤٠).
(٤) المفهم (١/ ١٠٤).
(٥) طبقات الحفاظ ص (٥٢٩) ترجمة (١١١٢)، سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣١٩).
(٦) المفهم (٣/ ٧١١).
[ ١٠٥ ]
علي بن محمد اليحصبي (^١)، وأبو جعفر بن أبي يحيى، وعبد العزيز بن أبي الوليد يوسف الدباغ، وأبو بكر محمد بن عبد الله العربي المعافري (^٢).
المطلب الثالث: تلاميذه:
جلس أبو العباس للتدريس في الأندلس حال وجوده فيها، وفي مصر بعد استقراره في الإسكندرية، والتف حوله أعداد كبيرة من التلاميذ للاستفادة من علمه.
قال المقري: "ثم انتقل إلى المشرق، واشتهر وطار صيته، وأخذ النالس عنه، وانتفعوا بكتبه" (^٣).
وقال ابن فرحون: "وأخذ عنه الناس من أهل المشرق والمغرب" (^٤). ومع ذلك لم نعرف من تلاميذه إلَّا القليل، بل أقل القليل. فمنهم:
١ - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي، المفسر، الحافظ، ولد في قرطبة وعاش بها وتعلم، ثم انتقل إلى مصر واستوطن الإسكندرية، وأخذ عن علمائها، له عدة مؤلفات، منها: "الجامع لأحكام القرآن" تفسير للقرآن الكريم في مجلدات و"التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة" وغيرها، توفي سنة (٦٧١ هـ) (^٥).
_________________
(١) ذكره القرطبي في التلخيص فقال: فممن رويته عنه الشيخ الفقيه، القاضي، المحدث، الثقة، الثبت، أبو الحسن علي بن الشيخ الزاهد الفاضل المحدث المقيد، أبي عبد الله محمد بن علي بن حفص اليحصبي. التلخيص (١/ ٣٣).
(٢) لم أقف لهؤلاء على ترجمة.
(٣) نفح الطيب (٢/ ٦١٥).
(٤) الديباج المذهب ص (١٣١).
(٥) نفح الطيب (٢/ ٤٠٩) طبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٦٩).
[ ١٠٦ ]
وهو أشهر تلاميذه وأكثرهم ملازمة له، وكان كثير الذكر له، ملازمًا للثناء عليه، فكثير ما ينقل عنه فيقول: قال شيخنا الإمام أبو العباس الفقيه المحدث (^١).
وقد نقل عنه في كتابيه السابقين نقولات كثيرة (^٢).
٢ - أبو محمد شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، الشافعي، محدث، فقيه، إمام، حافظ، لغوي، عالم بالنسب، له عدة مؤلفات، منها: "المتجر الرابح" و"الخيل" وغيرها، توفي سنة (٧٠٥ هـ) (^٣). وقد ذكر القرطبي في معجم شيوخه فقال: "اجتمعت به وأخذت عنه شيئًا" (^٤).
٣ - أبو الحسن بن يحيى القرشي (^٥). قال ابن فرحون: "كتب عنه الحافظ أبو الحسن بن يحيى القرشي، وذكره في معجم شيوخه" (^٦).
ومما لا شك فيه أن عدد التلاميذ الذين أخذوا عنه أكثر من هؤلاء بكثير، ولكن لم يصلنا من تلاميذه إلَّا هؤلاء لشح مراجع ترجمته كما سبق.
كما تتلمذ على كتبه عدد كبير من جهابذة العلماء وطلبة العلم خلال
_________________
(١) التذكرة ص (١٧٠).
(٢) انظر على سبيل المثال: التذكرة ص (٣٩، ١٢٠، ١٨٩، ١٩١، ٢٣٦، ٣٧٧، ٤٢٢، ٦٩٠)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ١٦٨، ٢/ ٢٤٨، ٣/ ٢٥، ٦٣، ٤/ ١١، ١٣، ٥٨، ٦٠، ٩٠، ٥/ ١٩، ٣٠، ٦٩، ٦/ ٣١، ١٢٣، ١٩١، ٧/ ٤٠، ٨/، ٦، ٩٤، ٢١٨، ١١/ ٢٧، ٢٨، ١٢/ ١٧٥، ١٥/ ١٥٠، ١٩٠، ٢٠٠ وغيرها.
(٣) طبقات الحفاظ ص (٥٤٠) ترجمة (١١٣٤)، الدرر الكامنة (٢/ ٤١٧).
(٤) الديباج المذهب ص (١٣١).
(٥) لم أجد له ترجمة.
(٦) الديباج المذهب ص (١٣١).
[ ١٠٧ ]
القرون التي تلته إلى عصرنا هذا.
وقد ذكر ابن فرحون أن أبا عبد الله بن الأبار أخذ عنه بالإجازة. قال: "وحدث عنه بالإجازة أبو عبد الله بن الأبار" (^١).
المطلب الرابع: مؤلفاته:
إن علمية أبي العباس القرطبي تجلت وظهرت فيما خلف لنا من تراث علمي نفيس في مؤلفاته التي شملت سائر فنون العلم في الفقه وأصوله، والعقيدة والحديث. وإن كان لم يصل إلينا إلَّا القليل من هذه المؤلفات، ولعل أشهرها كتاب "المفهم" الذي لم يطبع إلَّا قبل سنوات، وإن كان قد حظي باهتمام واسع من قبل العلماء السابقين إذ أصبح مرجعًا لكثير ممن ألفوا بعده.
ونعرف هذه المؤلفات من خلال ذكرها في كتب التراجم ممن ترجموا له أو من خلال ذكره لها في كتاب "المفهم" وهي كالتالي مرتبة على حروف المعجم:
١ - إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار:
وقد أحال عليه في المفهم فقال: "جزء كتبناه في المسألة سميناه "إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار وذكرنا فيه غاية أدلة الفريقين وتمسكاتهم من الكتاب والسنة على طريقة التحقيق والتحرير والنقل، ومن وقف على ذلك قضى منه العجب العجاب وعلم أنه لم يكتب مثله في هذا الباب" (^٢).
٢ - الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإثبات نبوة نبينا
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) المفهم (٤/ ١٥٧).
[ ١٠٨ ]
محمد - ﷺ -:
وقد ألَّفه ردًّا على أحد النصارى الذي ألَّف كتابًا سماه "تثليث الوحدانية في معرفة الله". وقد تهجم فيه على دين الإسلام، وانتقصه، فتصدى له القرطبي ورد باطله، ودحض شبهه بهذا الكتاب، وقد طبع الكتاب بتحقيق الدكتور: أحمد حجازي السقا، عن دار التراث العربي، ولم يُنسب في طبعته هذه لأبي العباس، وقد نسبه بعض الباحثين لأبي عبد الله القرطبي (^١)، ورد الدكتور محمد أبا الخيل نسبة الكتاب للقرطبي المفسر وناقش نسبته لأبي العباس خصوصًا بعد وقوفه على إحالات في المفهم للكتاب المذكور، ولكنه تردد في الجزم بنسبته إليه؛ لأن الإحالات التي ذكرها لم تصرح باسمه كاملًا بل اكتفت بجزء من الاسم (^٢) كما سيتبين بعد قليل.
ولعله لم يقف على الإحالة التي ذكر القرطبي فيها الكتاب باسمه كاملًا مما يزول معه اللبس ونجزم بنسبته إليه، وأن ما سبق من إحالات ذكر فيها الاسم مختصرًا إنما كان ذلك حسب مناسبة الإحالة.
فالكتاب لأبي العباس القرطبي جزمًا لا شك فيه، حيث ذكره في المفهم في مواضع كثيرة بذكر اسمه مختصرًا حيث قال مرة: "في كتابنا في الرد على النصارى" (^٣)، وقال مرة أخرى: "في كتابنا المسمى الإعلام
_________________
(١) وهم: البغدادي في هداية العارفين (٦/ ١٢٩) وبروكلمان في تاريخ الأدب العربي (١/ ٧٣٨)، ومشهور حسن في ترجمته للقرطبي المفسر ص (٥/ ٢٠٣).
(٢) انظر: جهود علماء الأندلس في الرد على النصارى، للدكتور محمد أبا الخيل ص (٣٩٩ - ٤٠٢).
(٣) المفهم (٥/ ٢٠٣).
[ ١٠٩ ]
بصحة نبوة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام" (^١)، وذكره كثيرًا باسم الإعلام (^٢). وهو بهذا يريد الاختصار ودليل الاستشهاد، وإلَّا فقد ذكره صريحًا باسمه كاملًا في كتاب التفسير حين قال: "كما قد نقلناه في كتابنا المسمى: بكتاب الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإثبات نبوة نبينا - ﷺ -" (^٣).
٣ - تلخيص كتاب مسلم:
وقد بين سبب وضعه لهذا التلخيص فقال: "لما تقاصرت الهمم في هذا الزمان عن بلوغ الغايات من حفظ جميع هذا الكتاب بما اشتمل عليه من الأسانيد والروايات أشار من إشارته غنم وطاعته حتم إلى تقريبه على المتحفِّظ وتيسيره على المتفقه، بأن نختصر أسانيده ونحذف مكرره .. فاستعنت بالله تعالى وبادرت إلى مقتضى الإشارة" (^٤).
والمفهم شرح لهذا التلخيص كما ذكر هو في مقدمة المفهم حيث قال: "وسميته المُفْهِم لما أشْكَلَ من تلخيص كتاب مسلم" (^٥).
فلخص مقدمة الصحيح بذكر أهم مقاصدها، واقتصر في الإسناد على الصحابي، إلَّا أن تدعو حاجة لذكر غيره، وساق أكمل المتون، وألحق بها ما في غيرها من زيادة فائدة حيث قال: فاقتصرت في الإسناد على ذكر الصاحب إلَّا أن تدعو الحاجة إلى ذكر غيره، فأذكره لزيادة فائدة، وحصول عائدة، ومن تكرار المتون على أكملها مساقًا، وأحسنها
_________________
(١) المفهم (٦/ ٥٠).
(٢) انظر: المفهم (٦/ ٥٢، ١٤٨، ١٧٦، ١٨٣).
(٣) المفهم (٧/ ٤٠٤).
(٤) التلخيص (١/ ٣٤).
(٥) المفهم (١/ ٨٤).
[ ١١٠ ]
سياقًا، ملحقًا به ما في غيره من الرواية" (^١).
وقد حافظ على ترتيب مسلم إلَّا أن تدعو الضرورة للإخلال بهذا الترتيب في بعض الأحيان، وقد بيَّن ذلك بقوله: "وربما قدمت بعض الأحاديث وأخَّرت، حيثما اضطررت، حرصًا على ضم الشيء لمشاكله، وتقريبًا له على متناوله" (^٢).
وقد بوَّب كتابه بما تتضمنه الأحاديث التي يضعها تحت الباب، وقد يجعل معنى من معاني الحديث أو جزءًا منه ترجمة عليه، وقد بيَّن هذا بقوله: "وننبه على ما تضمنته أحاديثه بتراجم تسفر عن معناها وتدل الطالب على موضوعها وفحواها" (^٣).
٤ - الجامع لمقاصد الأصول:
وهو كتابٌ في أصول الفقه، أحال عليه في المفهم كثيرًا في مواضع متعددة (^٤).
واختلفت عباراته في هذه الإحالات، فمرة يقول: أوضحنا ذلك في الأصول، ومرة يقول: بيَّنا ذلك في أصول الفقه.
٥ - الجدل:
وقد أكثر الزركشي من النقل عنه في البحر المحيط (^٥)، ولم يتعرض القرطبي لذكره، إنما ذكره الزركشي في البحر المحيط حيث قال في مسألة
_________________
(١) التلخيص (١/ ٣٥).
(٢) التلخيص (١/ ٣٥).
(٣) المرجع السابق (١/ ٣٤).
(٤) انظر: المفهم (١/ ١٣١، ١٦٩)، (٤/ ٣٤١)، (٤٥٧)، ٤٩٢، ٥٥٩). (٥/ ١٦٣).
(٥) ذكر الطريري (٤٨) إحالة في البحر المحيط على كتاب القرطبي هذا. انظر: تحقيق كتاب الإيمان من المفهم (١/ ٢٦٥).
[ ١١١ ]
السبر والتقسيم: "ما ذكرناه أن هذا النوع من المسالك هو المشهور، وقد نازع فيه جماعة من المتأخرين منهم أبو العباس القرطبي في جدله" (^١).
٦ - جزء في صلاة الآبق والسكران:
وقد ذكره في المفهم عند حديثه عن عدم قبول صلاة الآبق في كتاب الإيمان حيث قال: "فكان هذا كما قلناه في قوله ﵊: "إن شارب الخمر لا تقبل منه صلاة أربعين يومًا" (^٢). وقد كنا كتبنا في ذلك الحديث جزءًا حسنًا" (^٣).
٧ - جزء في الطلاق الثلاث:
وقد ذكره في المفهم في كتاب الطلاق باب إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة، حيث قال بعد عرضه للأقوال في هذه المسألة: "وقد أشبعنا القول في هذه المسألة في جزء كتبناه في هذه المسألة سؤالًا وجوابًا" (^٤).
٨ - جزء في كراء الأرض:
وقد ذكره في المفهم عند شرحه لحديث النهي عن كراء الأرض في كتاب البيوع، حيث قال بعد مناقشة المسألة: "وقد كتبنا في هذه المسألة جزءًا حسنًا" (^٥).
_________________
(١) البحر المحيط للزركشي (٥/ ٢٢٥).
(٢) أخرجه ابن ماجة، كتاب الأشربة، باب من شرب الخمر لم تقبل له صلاة، والنسائي في كتاب الأشربة، باب ذكر الرواية المبينة عن صلوات شارب الخمر، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، وقال: أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وإسناده صحيح على شرط مسلم (٢/ ٣٢٦) حديث (٧٠٩).
(٣) المفهم (١/ ٢٥٧).
(٤) المفهم (٤/ ٢٣٨).
(٥) المفهم (٤/ ٤٠٨).
[ ١١٢ ]
٩ - شرح التلقين:
وهو شرح لكتاب التلقين في الفقه المالكي للقاضي عبد الوهاب البغدادي. وقد ذكره في المفهم في كتاب الطهارة عند حديثه عن فرض غسل الرجلين في الوضوء، حيث قال بعد ذكر الأقوال في ذلك: "وقد طولنا النفس في هذه المسألة في كتابنا في "شرح التلقين" أعان الله على تمامه" (^١).
وبعدم وصول الكتاب إلينا لا ندري هل أتم شرح هذا الكتاب الذي بدأ به أم لا؟ .
١٠ - كشف القناع عن حكم الوجد والسماع:
وقد طُبع عام (١٤١١ هـ) بتحقيق الدكتور عبد الله بن محمد الطريقي، وهو في مجمله ردٌّ على الصوفية المنحرفة الذين اتخذوا من هذا العمل عبادة تقربهم إلى الله بزعمهم، فبين بهذا الكتاب ضلالهم وانحرافهم، وناقش حكم الغناء وعرض الأقوال فيه بتحقيق هانصاف.
وقد ألَّف هذا الكتاب أثناء تأليفه للمفهم بدليل إحالته فيه إلى المفهم (^٢)، وإحالته في المفهم إليه (^٣).
١١ - مختصر الجامع لصحيح البخاري:
ولم يذكره في المفهم، إنما ذكره حاجي خليفة في كتابه "كشف الظنون" حيث قال: "مختصر الشيخ الإمام جمال الدين أبي العباس أحمد بن عمر الأنصاري القرطبي، المتوفي سنة (٦٥٦ هـ) ست وخمسين
_________________
(١) المفهم (١/ ٤٩٦).
(٢) كشف القناع ص (٧٨).
(٣) المفهم (٣/ ٦٤٥).
[ ١١٣ ]
وستمائة بالإسكندرية أوله: الحمد لله الذي خص أهل السنة بالتوفيق" (^١).
وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (^٢).
ويوجد منه جزء في خزانة القرويين بفاس (^٣).
١٢ - المفهم لما أشكل في تلخيص كتاب مسلم:
وسيأتي التعريف به مفصلًا.
وكما وهم من نسب كتاب أبي العباس "الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام" لأبي عبد الله القرطبي، فقد وهم البعض فنسبوا كتاب "التذكرة في ذكر الموتى وأحوال الآخرة" لأبي العباس (^٤)، وهو خطأ ظاهر إذ اشتهرت نسبة "التذكرة" لأبي عبد الله حتى أصبحت علامة فارقة بينه وبين غيره من القرطبيين كما قال المقري: "وممن أخذ عنه القرطبي صاحب التذكرة" (^٥).
المطلب الخامس: مذهبه الفقهي وعقيدته:
أولًا: مذهبه الفقهي:
يعتبر القرطبي أحد فقهاء المالكية في زمنه ذلك أنه درس بالأندلس والمغرب، وهي بلاد يتمذهب أهلها بالمذهب المالكي، فأخذ أصول المذهب عن شيوخه، وتبحر فيه، حتى عد أحد أعلامه ساعده في ذلك
_________________
(١) كشف الظنون (١/ ٥٥٤)، وانظر أيضًا ذيل مرآة الزمان (١/ ٩٥)، وهدية العارفين (١/ ٩٦).
(٢) فتح الباري (٢/ ٢١٧، ١٠/ ١٠٣، ١١/ ٥٢٩).
(٣) فهرس مخطوطات خزانة القرويين بفاس (١٤٧).
(٤) وهو عمر رضا كحالة في معجم المؤلفين (١/ ٢١٤).
(٥) نفح الطيب (٢/ ٦١٥).
[ ١١٤ ]
تمكنه من علم أصول الفقه وقوته فيه.
قال ابن فرحون عنه: "من أعيان المالكية" (^١).
وقال ابن العماد: "كان من كبار الأئمة" (^٢).
وقال ابن كثير: "أبو العباس الأنصاري القرطبي المالكي الفقيه المحدث" (^٣).
وقال المقريزي: "فقيه مالكي محدث أصولي" (^٤).
ولكنه لم يكن متعصبًا للمذهب، متمسكًا به ولو خالف الدليل، بل كان سالكًا لطريق الإنصاف، ساعيًا في اتباع الدليل، ولو خالف مالكًا أو المشهور من مذهبه.
قال الطريري: إلَّا أن الشيخ أبا العباس مع ذلك كله لم ينزلق إلى وهدة التعصب الأعمى، ولم يتقيد بأغلال التقليد، فمع مذهبيته المالكية إلَّا أنك لا ترى الغلو في إمامه، ولا التحطط على مخالفيه، ولا التقليد الجامد للمذهب في كل مسألة وتتجلى سلامة أبي العباس من غلواء التعصب في مسائل كثيرة عرض لها في المفهم، ثم انقاد فيها إلى ما أداه اجتهاده مع مخالفته للمشهور من مذهب مالك" (^٥).
وقال المحققون للمفهم: "مالكي متضلع في مذهب الإمام مالك، ومستحضر لأقواله وأدلته، ولكنه يقف في بعض الأحيان مع الدليل
_________________
(١) الديباج لمذهب ص (١٣٠).
(٢) شذرات الذهب (٣/ ٢٧٣).
(٣) البداية والنهاية (١٣/ ٢٢٦).
(٤) المقفى الكبير (١/ ٥٤٥).
(٥) تحقيق كتاب الإيمان من المفهم (١/ ٢٥١).
[ ١١٥ ]
ويصرح بمعارضته لمالك فيما ذهب إليه" (^١).
ثانيًا: عقيدته:
لقد حفل كتاب "المفهم" بالمباحث العقدية، وكان القرطبي طويل النفس في مناقشتها، والوقوف عندها، قويًّا في نصرة ما يراه من مسائل العقيدة، شديدًا في الرد على المخالفين له في ذلك.
وقد كان في بداية طلبه للعلم توجه للعلوم العقلية، والأخذ بأقوال المتكلمين.
قال ابن مسدي: "أخذ نفسه بعلم الكلام، وأن الجوهر الفرد لا يقبل الانقسام، وتغلغل في تلك الشعاب عدة أحقاب" (^٢). ولكنه انصرف بعد ذلك عنه بل رد على المتكلمين بكلام نفيس للغاية (^٣).
وإن كان من خاض في هذه العلوم قلما ينجو دون أن يعلق به شيء منها.
ومن خلال هذه المباحث العقدية التي حفل بها المفهم نجد أبا العباس قد سلك طريقة الأشاعرة في غالب مسائل العقيدة خصوصًا في تأويل الصفات التي تأولها الأشاعرة، وإن كان قد تردد في بعضها فلم يجزم بالتأويل، إلَّا أنه تكلف في رد كثير مما يخالف ما ذهب إليه الأشاعرة وشنع على المخالفين لهم.
قال في تأويل إتيان الله تعالى ومجيئه: "لكن مع القطع بأن هذه الظواهر الواردة في الكتاب والسنة الموهمة للتجسيم والتشبيه يستحيل
_________________
(١) مقدمة تحقيق المفهم (١/ ٣٥).
(٢) توضيح المشتبه (٨/ ١٣٩).
(٣) انظر: المفهم (١/ ١٤٥، ٦/ ٦٩٣).
[ ١١٦ ]
حملها على ظاهرها لما يعارضها من ظواهر أخرى كما قرره أئمتنا ولما دل العقل الصريح عليه" (^١).
وقذف بالتجسيم من يثبت الصفات على مذهب السلف حيث قال: "اعتقدوا أن الباري تعالى جسم مجسم، وصورة مصورة، ذات وجه وعين وجنب ورجل وأصبع، تعالى الله عن ذلك فالصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون، فإن تابوا، وإلَّا قُتلوا كما يفعل بمن ارتد" (^٢).
فنستطيع أن نقول أن القرطبي أشعري العقيدة، وإن كان من غير المتعصبين للأشاعرة، إذ ربما خالفهم في بعض أقوالهم كما سيتضح من خلال الرسالة على أنه ﵀ كان شديدًا على الفرق الضالة المنحرفة عن الحق كالرافضة والمعتزلة والخوارج والصوفية وله ردود قوية عليهم.
المطلب السادس: علمه وثناء العلماء عليه:
إن ما خلفه الإمام أبو العباس القرطبي يدل على علميته وسعة ثقافته فمؤلفاته كثيرة، وفي فنون متعددة من العلم، في الفقه والحديث والعقيدة وغيرها، وهي لا شك تدل على ما وصل إليه من مكانة علمية، جعلت العلماء بل أكابر العلماء يعتمدون عليها وينقلون منها، ويكفي من ذلك اعتماد الحافظ ابن حجر على كتاب المفهم في شرحه لصحيح البخاري واعتماد الزركشي على كتاب القرطبي في الأصول، وغيرهم من العلماء في شتى فنون العلم.
مع فقد غالب كتب هذا الإمام.
_________________
(١) المفهم (١/ ٤١٩).
(٢) المفهم (٦/ ٦٩٧).
[ ١١٧ ]
ولذا أثنى عليه العلماء بما هو أهله، قال المقري: "انتقل إلى المشرق واشتهر وطار صيته وأخذ الناس عنه، وانتفعوا بكتبه كان بارعًا في الفقه والعربية عارفًا بالحديث له اقتدار على توجيه المعاني بالاحتمال وكان إمامًا عالمًا جامعًا" (^١).
وقال محمد محمد مخلوف: "الإمام العمدة العلامة الفقيه المحدث المتقن الفهامة" (^٢).
وقال ابن كثير: "أبو العباس الأنصاري القرطبي المالكي الفقيه المحدث" (^٣).
وقال الذهبي: "العلامة المحدث" (^٤)، "عالم الإسكندرية" (^٥) وقال ابن فرحون: "كان من الأئمة المشهورين والعلماء المعروفين جامعًا لمعرفة علوم منها: علم الحديث، والفقه، والعربية، وغير ذلك وكان يشار إليه بالبلاغة والعلم والتقدم في علم الحديث والفضل التام وأخذ عنه الناس من أهل المشرق والمغرب" (^٦).
وقال المقريزي: "فقيه مالكي محدث أصولي وكان عالمًا محققًا ثقة" (^٧).
_________________
(١) نفح الطيب (٢/ ٦١٥).
(٢) شجرة النور ص (١٩٤).
(٣) البداية والنهاية (١٣/ ٢٢٦).
(٤) تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٣٨).
(٥) سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٢٣).
(٦) الديباج المذهب ص (١٣١).
(٧) المقفى الكبير (١/ ٥٤٥).
[ ١١٨ ]
المبحث الرابع التعريف بالكتاب وبيان أهميته
المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم
وهو موضوع هذه الرسالة وأعظم كتبه وأشهرها ونتعرف عليه من خلال النقاط التالية
وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: تسميته
المطلب الثاني: نسبته للقرطبي
المطلب الثالث: تأليفه
المطلب الرابع: أهميته
المطلب الخامس: مميزاته
المطلب السادس: منهج القرطبي فيه
[ ١١٩ ]
المطلب الأول: تسميته:
لم يختلف في تسمية كتاب القرطبي هذا نظرًا لأنه نص على تسميته في مقدمته حيث قال: "وسميته المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (^١). وقد ورد عند بعض من ترجموا له بل عند أغلبهم بتسميته "المفهم في شرح صحيح مسلم" وهو سياق على وجه الاختصار وما دام مؤلفه قد نصَّ على تسميته فلا اجتهاد مع النص.
المطلب الثاني: نسبته للقرطبي:
لقد أجمع كل من ترجم للقرطبي على نسبة هذا الكتاب له. بل لقد اشتهر القرطبي بهذا الكتاب حتى أصبح علامة فارقة بينه وبين غيره ممن يتفق معه في الاسم فإذا أُريد التعريف به قيل: القرطبي صاحب المفهم. وقد ذكر اسمه أيضًا في كتابه كشف القناع حيث قال: وقد بيَّنا ما قيل في شرط البخاري ومسلم في كتابنا الملقب بالمفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (^٢).
المطلب الثالث: تأليفه:
لقد ذكر القرطبي سبب تأليفه لهذا الكتاب فقال: فلما حصل من تلخيص كتاب مسلم وترتيبه وتبويبه المأمول وسهل إلى حفظه وتحصيله الوصول رأينا أن نكمل فائدته للطالبين ونسهل السبيل إليه على الباحثين بشرح غريبه والتنبيه على نكت من إعرابه وعلى وجوه الاستدلال بأحاديثه وإيضاح مشكلاته حسب تبويبه وعلى مساق ترتيبه (^٣).
_________________
(١) المفهم (١/ ٨٤).
(٢) كشف القناع ص (٧٨).
(٣) المفهم (١/ ٨٣).
[ ١٢١ ]
ولم يذكر تحديد تاريخ تأليفه لهذا الكتاب لكن ورد ما يدل على أنه ألفه حال استقراره بمصر بعد رحيله من الأندلس منها قوله: وقد سمعنا ونحن بالأندلس أن بلدًا بشرقها خسف به وهلك كثير من أهله (^١).
فيغلب على الظن أنه ألفه في آخر عمره فيكون من آخر مؤلفاته بدليل إحالته فيه على كثير من كتبه.
المطلب الرابع: أهمية الكتاب:
يعتبر كتاب المفهم من أهم كتب شروح صحيح مسلم، وإن كان قد بقي حبيسًا قرونًا متطاولة.
قال المحققون للكتاب في بيان أهميته ومكانته: يعد كتاب المفهم - تجوزًا - شرحًا واضحًا ذا أهمية بالغة لصحيح الإمام مسلم فهو حلقة وصل بين المازري والقاضي عياض من جهة، وبين من جاء بعد أبي العباس القرطبي كالأبي والسنوسي ويكفيه أهمية ومكانة أن اعتمده الإمامان النووي وابن حجر كمصدر مهم في شرحيهما على الصحيحين، ولا شك أن العلماء اهتموا فيما بعد بكتاب المفهم اهتمامًا واضحًا، فها نحن نجد بصماته عميقة فيما ألف بعده عند: الزواوي في كتابه "إكمال الإكمال" الذي جمع فيه بين المعلم والإكمال والمفهم والمنهاج: الأبي في كتابه "إكمال إكمال المُعْلم" الذي ذكر فيه أنه ضمنه كتب شراحه الأربعة: المازري وعياض والقرطبي والنووي. ثم يطالعنا التاريخ بكتاب "مكمل إكمال الإكمال" للسنوسي وغير ذلك من المصنفات التي اعتمدت على كتاب "المفهم" واستفادت منه (^٢).
_________________
(١) المفهم (٧/ ٢٣٩).
(٢) مقدمة تحقيق المفهم (١/ ١٧، ١/ ١١).
[ ١٢٢ ]
قال المقري: "هو من أجل الكتب، ويكفي شرفًا اعتماد الإمام النووي - رحمه الله تعالى - عليه في كثير من المواضع" (^١).
ومما يبين أهميته ومكانته، كثرة النقل عنه من علماء أجلاء، وفي كتب معتمدة فقد نقل عنه تلميذه القرطبي المفسر كثيرًا سواء في تفسيره أو في كتابه "التذكرة" (^٢)، وكذلك ابن حجر في كتابه "فتح الباري في شرح صحيح البخاري" فقد نقل عنه في مواضع كثيرة (^٣) بل نقل له كلامًا في صفحة كاملة (^٤).
وكذلك أكثر العراقي (^٥) من النقل عنه في كتابه "طرح التثريب" (^٦).
كذلك نقل عنه الشيخ عبد الرحمن بن حسن (^٧) في كتابه "فتح
_________________
(١) نفح الطيب (٢/ ٦١٥) ولكن جاء في كتاب "الإمام النووي وأثره في علم الحديث" لأحمد الحداد أن الإمام النووي ﵀ لم يستفد من المفهم بتاتًا حيث قال: وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ النووي ﵀ لم يستفد من كتاب المفهم للقرطبي في شرحه هذا البتة، حيث لم يرجع إليه ولا في موطن واحد من شرحه مع كثرة مراجعه ومصادره. ص (٣٧٤).
(٢) انظر الإحالات عند ذكر تلاميذه ص (٨١).
(٣) وقد ذكر مؤلف "معجم المصنفات الواردة في فتح الباري" أكثر من مائة إحالة، انظرها ص (٢٤٧، ٤٠٧).
(٤) فتح الباري (١٣/ ٣٦٢).
(٥) عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن الكردي المصري، الشافعي، المعروف بزين الدين، العراقي، محدث، حافظ، فقيه، أصولي، له مصنفات كثيرة منها: "ألفية في علوم الحديث"، "المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار"، "فتح المغيث بشرح ألفية الحديث". توفي سنة (٨٠٦ هـ) والكتاب له ولابنه ولي الدين المتوفي سنة (٨٢٦ هـ) "الضوء اللامع" (٤/ ٧١)، "معجم المؤلفين" (٢/ ١٣٠، ٤/ ٧٤).
(٦) قد ذكر الطريري أنه وقف على (٣٨٢) إحالة، تحقيق كتاب الإيمان من المفهم (١/ ٣٤٩).
(٧) عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب التميمي، النجدي، حفيد الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب، طلب العلم في صغره على جده الشيخ محمد، ثم على عمه عبد الله بن محمد، ثم طلب العلم بمصر على علمائها عندما رُحِّل إليها بعد هدم الدرعية، من آثاره: =
[ ١٢٣ ]
المجيد" (^١) وغيرهم من العلماء.
فهذه النقولات وغيرها تدل دلالة أكيدة على مكانة هذا الكتاب العلمية وأهميته.
المطلب الخامس: مميزاته:
اتضح لنا من خلال الفقرة السابقة أهمية كتاب المفهم، وعناية العلماء به، وكثرة استفادتهم منه، ولا شك أن ذلك يعود لما تميز به الكتاب من مميزات جعلته في طليعة كتب شرح السنة، ومن هذه المميزات ما يلي:
- عنايته الفائقة بشرح الكلمات اللغوية والاستدلال عليها بالآيات القرآنية، والاستشهاد لها بالشعر العربي والأمثال والحكم (^٢).
- كما تميز بوضوح العبارة وسهولتها وعنايته بتحسين سياقته وتجميلها بالمحسنات اللفظية، والتي جاءت بعيدة عن التكلف، فكانت قريبة المتناول سهلة المأخذ بعيدة عن العسر والمشقة (^٣).
- تميز بعنايته بالناحية الأصولية فكَثُر ربطه للقضايا الفرعية بالقضايا الأصولية، كما أصَّل قواعد أصولية بنصوص السنة، وبيَّن مأخذها منها إضافة إلى عرضه بعض المسائل الأصولية في أثناء شرحه وإبداء رأيه فيها (^٤).
_________________
(١) = "قرة عيون الموحدين"، "الرد على داود بن جرجيس". توفي سنة (١٢٨٥ هـ). معجم المؤلفين (٢/ ٨٨)، الأعلام (٣/ ٣٠٤).
(٢) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص (٩٧).
(٣) مقدمة تحقيق المفهم (١/ ١٨).
(٤) تحقيق كتاب الإيمان من المفهم (١/ ٣٥٤).
(٥) المرجع السابق.
[ ١٢٤ ]
قال الطريري: "واستجلاء الصفة الأصولية في المفهم لا يسعها أن تكون مبحثًا في فصل، وإنما هي جديرة أن تفرد برسالة دكتوراه تامة تامة تامة" (^١).
- ومن مميزاته احتواؤه لكتب سابقة فقد بعضها، كان القرطبي قد اجتنى فوائدها واستبطنها في المفهم، مما جعل كتابه زاخرًا بمواد علمية كانت مفرقة في مصادر شتى، فجاء شرحه غزير المادة مفنن العلوم (^٢).
قال المحققون للمفهم: "يعد كتاب المفهم حافظًا لما عدا عليه الزمن وأتلفه الأعداء من تراثنا العربي والإسلامي" (^٣).
- يعتبر المفهم رائدًا في حل الأحاديث المشكلة في صحيح مسلم، وإزالة ما بينها من تعارض في الظاهر، أو تناقض في الحكم يبدو لأول وهلة (^٤).
قال المقري عن القرطبي: "كان بارعًا في الفقه والعربية، عارفًا بالحديث له اقتدار على توجيه المعاني بالاحتمال" (^٥).
- ظهور شخصية القرطبي عند نقله عن غيره فهو إذا نقل ناقش وحاور وعقَّب وتعقباته تمحيص علمي ومناظرة مصغرة (^٦).
- استمراره في شرحه على سنن واحد من أوله إلى آخره برغم طول الكتاب، فليس بين أوله وآخره ذاك التفاوت الذي يوجد في بعض الكتب (^٧).
_________________
(١) المرجع السابق (١/ ٢٦٥).
(٢) المرجع السابق (١/ ٣٥٤).
(٣) المفهم (١/ ١٨).
(٤) المرجع السابق.
(٥) نفح الطيب (٢/ ٦١٥).
(٦) تحقيق كتاب الإيمان من المفهم (١/ ٣٥٥).
(٧) المرجع السابق.
[ ١٢٥ ]
المطلب السادس: منهج القرطبي فيه:
- قام بشرح وافٍ لمقدمة الصحيح.
- كانت طريقته في شرح الحديث كطريقة الحافظ ابن حجر في الفتح، بحيث يختار من الحديث النص الذي يحتاج إلى شرح ويضعه بين قوسين ثم يعقبه بالشرح والتعليق.
- بيَّن أن من منهجه في هذا الشرح الاختصار ما لم يدع الكشف إلى التطويل والإكثار (^١).
وقد وفى بذلك في الغالب، ولذا كثيرًا ما يختم شرحه بقوله: "في هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى" (^٢). أو عبارة نحو هذه (^٣).
- ترجم لبعض الأعلام الذين ورد ذكرهم أثناء الشرح (^٤).
- إذا عرض لمسألة أثناء الشرح سبق الكلام عنها أو سيأتي الكلام عليها، فإنه يحيل إلى السابق أو اللاحق (^٥)، أو يحيل إلى أحد كتبه التي استوفى فيها الكلام على هذه المسألة وبالرجوع إلى المبحث الخاص بمؤلفاته يتضح ذلك.
- التزم بكامل شرحه بالأدب في المناقشة فهو عفيف اللسان أديب العبارة، عارفًا لأهل العلم فضلهم، حريصًا على الاعتذار عما وقع منهم (^٦).
_________________
(١) المفهم (١/ ٨٤).
(٢) المفهم (٢/ ٤٦٦).
(٣) المفهم (١/ ١٦٥، ٢٠٨، ٣٥٠).
(٤) انظر كتاب (فضائل الصحابة) حيث ترجم لعدد كبير من الصحابة - ﵃ -.
(٥) وهذا كثير جدًّا، انظر على سبيل المثال: المفهم (١/ ٢٢٣، ٢٣٤، ٢٥٨، ٢/ ٢٥٢، ٢٩٤).
(٦) ولم يخالف هذا المنهج إلَّا في مواضع قليلة لا تذكر، انظر: المفهم (١/ ٥٤٢، ٥٨٩).
[ ١٢٦ ]