في خلافة أبي بكر وعمر لم يكن أحد يسمى من الشيعة، ولا تضاف الشيعة إلى أحد لا عثمان ولا عليّ ولا غيرهما.
فلما قتل عثمان تفرق المسلمون فمال قوم إلى عثمان، ومال قوم إلى عليّ، واقتتلت الطائفتان.
قال معاوية لابن عباس: أنت على ملة عليّ؟ فقال: لا على ملة عليّ ولا على ملة عثمان أنا علي ملة رسول الله - ﷺ -.
وكانت الشيعة أصحاب عليّ يقدمون أبا بكر وعمر وإنما كان النزاع في تقدمه على عثمان، ولم يكن حينئذ يسمى أحد إماميًا ولا رافضيًا.
وإنما سموا «رافضة» وصاروا رافضة لما خرج زيد بن علي بن الحسين بالكوفة في خلافة هشام فسأله الشيعة عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما فرفضه قوم فقال رفضتموني رفضتموني فسموا «رافضة» وتولاه قوم فسموا «زيدية» لانتسابهم إليه. ومن حينئذ انقسمت الشيعة إلى رافضة إمامية، وزيدية.
فشيعته الذين قاتلوا معه كانوا مع سائر المسلمين متفقين على تقديم أبي بكر وعمر إلا من كان ينكر عليه ويذمه- مع قلتهم وحقارتهم وخمولهم- وهم ثلاث طوائف: طائفة غلت فيه وادعت فيه الإلهية- فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له، فقال لهم ما هذا؟
[ ١٢٣ ]
قالت: أنت هو. قال: من أنا. قالوا أنت الله الذي لا إله إلا هو. فقال: ويحكم هذا كفر ارجعوا عنه وإلا ضربت أعناقكم، فصنعوا في اليوم الثاني والثالث كذلك، وأخرهم ثلاثة أيام لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام فلما أصروا أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كندة وقذفهم في تلك النار، وقال:
لما رأيت الأمر أمرًا منكرا
| أججت ناري ودعوت قنبرا
وطائفة سبت أبا بكر وعمر- أسهم عبد الله بن سبأ- فطلب علي قتله حتى هرب منه إلى المدائن. وطائفة كانت تفضله حتى قال: لا يبلغني عن أحد أنه فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري.
وقد روى عن علي من نحو ثمانين وجهًا أنه قال على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر (١) .
وهذا مما يعترف به علماء الشيعة الأكابر من الأوائل والأواخر حتى ذكر مثل ذلك أبو القاسم البلخي قال: سأل سائل شريك بن عبد الله فقال له: أيما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر. فقال له السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ فقال له: نعم، من لم يقل هذا فليس شيعيًا، والله لقد رقى هذه الأعواد عليّ فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر. فكيف نرد قوله، وكيف نكذبه والله ما كان كذابًا. نقل هذا عبد الجبار الهمداني في «كتاب تثبيت النبوة» قال: ذكره أبو القاسم البلخي في النقض على ابن الراوندي في اعتراضه على الجاحظ (٢) .
_________________
(١) أخرجه البخاري ك (٦٢) ب (٥) جزء (٤) ص (١٩٥) .
(٢) ج (١) ص (٢٢٦ - ٢٢٨، ١١٠) ج (٤) ص (١٣٧) ج (١) ص (٤) .
[ ١٢٤ ]
لا يعرف في علماء الحديث من يفضل عليًا على أبي بكر وعمر
الحاكم النيسابوري منسوب إلى التشيع، وقد طلب منه أن يروي حديثًا في فضل معاوية فقال: ما يجيء من قلبي، ما يجيء من قلبي. وقد ضربوه على ذلك فلم يفعل، وهو يروي في الأربعين أحاديث ضعيفة بل موضوعة عند أئمة الحديث كقوله «بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين» لكن تشيعه وتشيع أمثاله من أهل العلم بالحديث كالنسائي وابن عبد البر وأمثالهما لا يبلغ إلى تفضيله على أبي بكر وعمر؛ فلا يعرف في علماء الحديث من يفضله عليهما؛ بل غاية المتشيع منهم أن يفضله على عثمان أو يحصل منه كلام أو إعراض عن ذكر محاسن من قاتله ونحو ذلك؛ لأن علماء الحديث قد عصمهم وقيدهم ما يعرفونه من الأحاديث الصحيحة الدالة على أفضلية الشيخين، ومن ترفّض ممن له نوع اشتغال بالحديث كابن عقدة وأمثاله فهذا غايته أن يجمع ما يروى في فضائله من المكذوبات والموضوعات لا يقدر أن يدفع ما تواتر من فضائل الشيخين فإنها باتفاق أهل العلم بالحديث أكثر مما صح من فضائل عليّ، وأصح وأصرح في الدلالة (١) .
عدد فرق الشيعة
الاثنا عشرية فرقة من نحو سبعين فرقة من طوائف الشيعة. وبالجملة فالشيعة فرق متعددة جدًا. وفرقهم الكبار أكثر من عشرين فرقة (٢) .
_________________
(١) ج (٤) ص (٩٩) .
(٢) ج (٢) ص (١٢٩) .
[ ١٢٥ ]
الزيدية
مذهبهم في التفضيل والخلافة والخروج على الأئمة وفي الأحكام
كان زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لما خرج بالكوفة أيام هشام بن عبد الملك وكان أمير الكوفة يوسف بن عمر الثقفي وكان زيد يفضل علي بن أبي طالب على أصحاب رسول الله - ﷺ - ويتولى أبا بكر وعمر، ويرى الخروج على أئمة الجور فلما ظهر بالكوفة على أصحابه الذين بايعوه وسمع من بعضهم الطعن في أبي بكر وعمر أنكر ذلك على من سمعه منه، فتفرق عنه الذين بايعوه، فقال لهم: رفضتموني. وهم شرذمة، فقاتل يوسف بن عمر فقتل.
قال أبو حاتم البستي: قتل زيد بن علي بن الحسين بالكوفة سنة اثنتين وعشرين وصلب على خشبة، وكان من أفاضل أهل البيت وعلمائهم، وكانت الشيعة تنتحله.
ولما صُلب كانت العباد تأتي إلى خشبته بالليل فيتعبدون عنده.
وقد ذكر هذا أيضًا الأشعري وغيره قالوا: وإنما سموا «زيدية» لتمسكهم بقول زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان زيد بويع له بالكوفة في أيام هشام بن عبد الملك.
وأما شيعة علي فكثير منهم أو أكثرهم يذم عثمان حتى الزيدية الذين يترحمون على أبي بكر وعمر فيهم من يسب عثمان ويذمه وخيارهم الذي يسكت عنه فلا يترحم عليه ولا يلعنه.
فبينهم وبين المعتزلة نسب راجح من جهة المشاركة في التوحيد
[ ١٢٦ ]
والعدل والإمامة والتفضيل.
كثير من خيار الشيعة الزيدية يقولون إن عليًا كان أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان ولكن كانت المصلحة الدينية تقتضي خلافة هؤلاء؛ لأنه كان في نفوس كثير من المسلمين نفور عن علي بسبب مَنْ قتله من أقاربهم فما كانت الكلمة تتفق على طاعته فجاز تولية المفضول لأجل ذلك.
فهذا القول يقوله كثير من خيار الشيعة وهم الذين ظنوا أن عليًا كان أفضل وعلموا أن خلافة أبي بكر وعمر حق لا يمكن الطعن فيها فجمعوا بين هذا وهذا بهذا الوجه.
وهؤلاء عذرهم آثار سمعوها وأمور ظنوها تقتضي فضل علي عليهم.
وقال الشيخ ﵀ لما ذكر أحاديث الأمر بالكف عن الأمراء كقوله «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال لا ما صلوا» (١) .
فدل على أنه لا يجوز الإنكار عليهم بالسيف كما يراه من يقاتل ولاة الأمر من الخوارج والزيدية والمعتزلة وطائفة من الفقهاء وغيرهم.
من الزيدية والمعتزلة والخوارج من يقول: إن الفسق يحبط الحسنات كلها ولو حبطت حسناته كلها لحبط إيمانه ولو حبط إيمانه لكان كافرًا مرتدًا فيجب قتله.
_________________
(١) صحيح مسلم رقم (١٤٨٠، ١٤٨١) «لا ما أقاموا فيكم الصلاة» صحيح مسلم رقم (١٤٨١، ١٤٨٢) وتقدم قوله - ﷺ -: «ما أقاموا الدين» أخرجه البخاري في باب الأمراء من قريش.
[ ١٢٧ ]
ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل بل يقام عليه الحد، فدل على أنه ليس بمرتد، وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية
فالزيدية تقول بقول المعتزلة بتخليد أهل الكبائر في النار. والإمامية على قولين (١) .
_________________
(١) ج (٢) ص (١٣٠ - ١٣٣، ١٠٧، ١٠٨، ١٠٩، ١٠٦) ج (١) ص (٩، ١٠، ٢٨٦) ج (٣) ص (١٩، ٢١٩، ٢٧٨) .
[ ١٢٨ ]
الخوارج أئمة هؤلاء، والرافضة شر منهم إذا تمكنوا
الخوارج المارقون أئمة هؤلاء في تكفير أهل السنة والجماعة وفي قتالهم. وسيفهم أول سيف سُلَّ في الإسلام، وقد وافقهم في الخروج على الأئمة بالسيف في الجملة من المعتزلة والزيدية والفقهاء وغيرهم كالذين خرجوا مع عبد الله بن حسن بن حسين وأخيه إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسين وغير هؤلاء.
وهذه حالة عامة أهل الأهواء كالجهمية يعاقبون من خالفهم في رأيهم إما بالقتل وإما بالحبس وإما بالعزل ومنع الرزق. والرافضة شر منهم إذا تمكنوا؛ فإنهم يوالون الكفار وينصرونهم، ويعادون من المسلمين كل من لم يوافقهم على رأيهم.
فالرافضة شر من الخوارج في الاعتقاد، لكن الخوارج أجرأ على السيف والقتال منهم، فلإظهار القول ومقاتلة المسلمين جاء فيهم ما لم يجئ فيمن هو من جنس المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
وقد ثبت بالسنة المستفيضة عن النبي - ﷺ - واتفاق أصحابه أنهم مبتدعون مخطئون ضُلاَّل.
فكيف بالرافضة الذين هم أبعد منهم عن العقل والدين والصدق والشجاعة والورع وعامة خصال الخير (١) .
_________________
(١) ج (٢) ص (٣١٦، ٣١٧) ص (٢٢٩) .
[ ١٢٩ ]
ما يتولد عن الخروج على الأئمة من الشر أعظم مما يتولد من الخير
ما يتولد على الخروج على الأئمة من الشر
أعظم مما يتولد من الخير غالبًا
قلَّ من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير، كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق، وكابن المهلب الذي خرج على أبيه بخرسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضًا، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة، وأمثال هؤلاء.
وغاية هؤلاء إما أن يُغلبوا، وإما أن يَغلبوا ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة؛ فإن عبد الله بن علي وأبا مسلم قتلا خلقًا كثيرًا وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور. وأما أهل الحرة وابن الِأشعث وابن المهلب فهزموا وهزم أصحابهم فلا أقاموا دنيا ولا أبقوا دينًا.
والله تعالى لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا، وإن كان فاعل ذلك من عباد الله المتقين ومن أهل الجنة وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم (١) .
_________________
(١) ج (٢) ص (٣١٣، ٣١٤) .
[ ١٣٠ ]
الشيعة أساس كل فتنة وشر
أما الفتنة فإنما ظهرت في الإسلام من الشيعة فإنهم أساس كل فتنة وشر، وهم قطب رحى الفتن.
فإن أول فتنة كانت في الإسلام قتل عثمان- فسعوا في قتل عثمان وهو أول الفتن. ثم انزووا إلى علي لا حبًا فيه ولا في أهل البيت؛ لكن ليقيموا سوق الفتنة بين المسلمين. ثم هؤلاء الذين سعوا معه منهم من كفره بعد ذلك وقاتله كما فعلت الخوارج وسيفهم أول سيف سل على الجماعة.
ومنهم من أظهر الطعن على الخلفاء الثلاثة كما فعلت الرافضة وبهم تسترت الزنادقة كالغالية من النصيرية وغيرهم ومن القرامطة الباطنية والإسماعيلية وغيرهم. فهم منشأ كل فتنة.
ولهذا تجد الشيعة ينتصرون لأعداء الإسلام المرتدين أتباع مسيلمة الكذاب ويقولون إنهم كانوا مظلومين، وينتصرون لأبي لؤلؤة الكافر المجوسي ويعاونون الكفار على المسلمين. ويختارون ظهور الكفر وأهله على الإسلام وأهله (١) .
_________________
(١) ج (٣) ص (٢٤١) .
[ ١٣١ ]
شيوخ الرافضة ليس فيهم إمام في شيء من علوم الإسلام
ولا في الزهد وقول الحق
ليس في شيوخ الرافضة إمام في شيء من علوم الإسلام لا علم الحديث، ولا الفقه، ولا التفسير، ولا القرآن؛ بل شيوخ الرافضة إما جاهل وإما زنديق كشيوخ أهل الكتاب.
وهذه كتب المسلمين التي ذكر فيها زهاد الأمة ليس فيهم رافضي وهؤلاء المعروفون في الأمة بأنهم يقولون الحق وأنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم ليس فيهم رافضي.
والإمامية في الجملة يعتقدون صحة الإسلام في الباطن إلا من كان منهم ملحدًا؛ فإن كثيرًا من شيوخ الشيعة- هو في الباطن على غير اعتقادهم: إما متفلسف ملحد وإما غير ذلك.
وهكذا أهل كل دين تجد فضلاءهم في الغالب إما أن يدخلوا في دين الإسلام الحق، وإما أن يصيروا ملاحدة مثل كثير من علماء النصارى هم في الباطن زنادقة ملاحدة، وفيهم من هو في الباطن يميل إلى دين الإسلام، وذلك لما ظهر لهم من فساد دين النصارى.
ثم من المعلوم لكل عاقل أنه ليس في علماء المسلمين المشهورين أحد رافضي؛ بل كلهم متفقون على تجهيل الرافضة وتضليلهم، وكتبهم كلها شاهدة بذلك. وهذه كتب الطوائف كلها تشهد بذلك مع أنه لا أحد يلجئهم إلى ذكر الرافضة وذكر جهلهم وضلالهم، وهم دائمًا يذكرون من جهل الرافضة وضلالهم ما يعلم معه بالاطراد أنهم
[ ١٣٢ ]
بعض هؤلاء الشيوخ
يعتقدون أن الرافضة من أجهل الناس وأضلهم وأبعد طوائف الأمة عن الهدى (١) .
منهم: ابن النعمان المفيد، الموسوي، الطوسي، الكراجكي. عمدتهم
من شيوخ الرافضة كابن النعمان المفيد ومتبعيه كالكراجكي وأبي القاسم الموسوي والطوسي وأمثالهم.
فإن الرافضة في الأصل ليسوا أهل علم وخبرة بطريق النظر والمناظرة ومعرفة الأدلة وما يدخل فيها من المنع والمعارضة، كما أنهم من أجهل الناس بمعرفة المنقولات والأحاديث والآثار والتمييز بين صحيحها وضعيفها.
وإنما عمدتهم في المنقولات على تواريخ منقطعة الإسناد، وكثير منها من وضع المعروفين بالكذب وبالإلحاد.
وعلماؤهم يعتمدون على نقل مثل أبي مخنف لوط بن علي وهشام بن محمد بن السائل وأمثالهما من المعروفين بالكذب عند أهل العلم، مع أن هؤلاء هم أجل من يعمدون عليه في النقل؛ إذ كانوا يعتمدون على من هو في غاية الجهل والافتراء ممن لا يذكرون في الكتب ولا يعرفه أهل العلم بالرجال.
الطوسي شيخ صاحب «منهاج الكرامة» هو ممن يقول: إن الله موجب بالذات، ويقول بقدم العالم كما في «شرح الإشارات» له، وقد اشتهر عند الخاص والعام أنه كان وزير الملاحدة الباطنية الإسماعيلية بالألموت، ثم لما قدم الترك المشركون (هولاكو) أشار عليه بقتل الخليفة وبقتل أهل العلم والدين واستبقاء أهل الصناعات والتجارات
_________________
(١) ج (٤) ص (٧٦) ج (١) ص (٢٢٦، ٢٢٧) ج (٣) ص (٢٦٤) ج (٢) ص (١٢٢، ١٢٣) .
[ ١٣٣ ]
الذين ينفعونه في الدنيا، وأنه استولى على الوقف الذي للمسلمين وكان يعطي منه ما شاء الله لعلماء المشركين وشيوخهم من النخشية السحرة وأمثالهم.
وأنه لما بنى الرصد الذي بمراغة على طريقة الصابئة المشركين كان أخس الناس نصيبًا منه من كان إلى أهل الملل أقرب، وأوفرهم نصيبًا من كان أبعدهم عن الملل مثل الصابئة المشركين، ومثل المعطلة، وسائر المشركين، وإن ارتزقوا بالنجوم والطب ونحو ذلك.
ومن المشهور عنه وعن أتباعه الاستهتار بواجبات الإسلام ومحرماته، ولا يحافظون على الفرائض كالصلاة، ولا ينزعون عن محارم الله من الخمر والفواحش وغير ذلك من المنكرات، حتى إنهم في شهر رمضان يذكر عنهم من إضاعة الصلاة وارتكاب الفواحش وفعل ما يعرفه أهل الخبرة بهم. ولم يكن لهم قوة وظهور إلا مع المشركين الذين دينهم شر من دين اليهود والنصارى.
ولهذا كان كل ما قوى الإسلام في المغُل وغيرهم من الترك ضعف أمر هؤلاء لمعاداتهم للإسلام وأهله.
ولهذا كانوا من أنقص الناس منزلة عند الأمير تورون المجاهد في سبيل الله الشهيد الذي دعا ملك المغول غازان إلى الإسلام، والتزم أن ينصره إذا أسلم، وقتل المشركين الذين لم يسلموا من النخشية السحرة وغيرهم، وهدم البذخانات، وكسر الأصنام، ومزق شملها كل ممزق، وألزم اليهود والنصارى الجزية والصغار وبسببه ظهر الإسلام في المغُل وأتباعهم.
وبالجملة فأمر هذا الطوسي وأتباعه في المسلمين أشهر وأعرف من أن يوصف. ومع هذا فقد قيل: إنه في آخر عمره يحافظ على
[ ١٣٤ ]
الصلوات ويشتغل بتفسير البغوي والفقه ونحو ذلك. فإن كان قد تاب من الإلحاد، فالله يقبل التوبة عن عباده (١) .
_________________
(١) ج (١) ص (١٦) ج (٢) ص (١٢٢) .
[ ١٣٥ ]
حججهم، وغاية جهلهم
لا يعلم في طوائف أهل البدع أوهي من حجج الرافضة
وليس لهم حجة قط تنفق إلا على جاهل أو ظالم صاحب هوى يقبل ما يوافق هواه سواء كان حقًا أو باطلًا.
ولهذا يُقال فيهم: ليس لهم عقل، ولا نقل، ولا دين صحيح، ولا دنيا منصورة.
وقالت طائفة من العلماء: لو علق حكمًا بأجهل الناس لتناول الرافضة مثل أن يحلف أني أبغض أجهل الناس ونحو ذلك.
وأما لو أوصى لأجهل الناس فلا تصح الوصية لأنها لا تكون إلا على قربة (١) .
_________________
(١) ج (٤) ص (٤٧) .
[ ١٣٦ ]
لا يوجد في الملوك ولا في الوزراء الذين نصروا الإسلام رافضي. أين تجد الرافضة؟
الخلفاء الثلاثة فتحوا الأمصار وأظهرو الدين في مشارق الأرض ومغاربها ولم يكن معهم رافضي.
بنو أمية بعدهم مع انحراف كثير منهم عن علي وسب بعضهم له غلبوا على مدائن الإسلام كلها من مشرق الأرض إلى مغربها، وكان الإسلام في زمنهم أعز منه فيما بعد بكثير.
ولا يوجد في الملوك الذين نصروا الإسلام وأقاموه وجاهدوا أعداءه من هو رافضي.
ولا في الوزراء الذين لهم سيرة محمودة من هو رافضي.
وأكثر ما تجد الرافضة إما في الزنادقة المنافقين الملحدين، وإما في جهال ليس لهم علم بالمنقولات ولا بالمعقولات قد نشئوا بالبوادي والجبال، وتحيزوا عن المسلمين، فلم يجالسوا أهل العلم والدين، وإما في ذوي الأهواء ممن قد حصل له بذلك رياسة أو مال، أو له نسب يتعصب له كفعل أهل الجاهلية، وتجد ظهور الرفض في شر الطوائف كالنصيرية والإسماعيلية والملاحدة الطرقية.
وفيهم من الكذب والخيانة وإخلاف الوعد ما يدل على نفاقهم كما في الصحيحين عن النبي - ﷺ - أنه قال: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» (١) وأكثر ما تجد هذه الثلاث في طوائف أهل القبلة في الرافضة (٢) .
_________________
(١) تقدم تخريجه في موالاة الرافضة لأعداء الله.
(٢) ج (١) ص (٢٢٣) ج (٤) ص (٤١) ج (٣) ص (٢٥٨) .
[ ١٣٧ ]
مذهب الاثني عشرية جمع عظائم البدع المنكرة
مذهب هؤلاء الإمامية قد جمع عظائم البدع المنكرة فإنهم جهمية، قدرية، رافضة.
وكلام السلف والعلماء في ذم كل صنف من هذه الأصناف لا يحصيه إلا الله، والكتب مشحونة بذلك ككتب الحديث والآثار والفقه والتفسير والأصول والفروع وغير ذلك.
وهؤلاء الثلاثة شر من غيرهم من أهل البدع والمرجئة والحرورية.
وقد اتفق عقلاء المسلمين على أنه ليس في طوائف أهل القبلة أكثر جهلًا وضلالًا وكذبًا وبدعًا وأقرب إلى كل شر وأبعد عن كل خير من طائفة الإمامية.
والله يعلم أني مع كثرة بحثي وتطلعي إلى معرفة أقوال الناس ومذاهبهم ما علمت رجلًا له في الأمة لسان صدق متهمًا بمذهب الإمامية فضلًا عن أن يقال يعتقده في الباطن.
وقد اتهم بمذهب الزيدية الحسن بن صالح بن حي وكان فقيهًا زاهدًا. وقيل: إن ذلك كذب عليه ولم يقل أحد إنه طعن في أبي بكر وعمر فضلًا عن أن يشك في إمامتهما (١) .
_________________
(١) ج (٢) ص (١٧٨) ج (١) ص (٣٤٥) .
[ ١٣٨ ]
أول من ابتدع الرفض كان منافقًا زنديقًا أراد إفساد الإسلام
ذكر غير واحد من أهل العلم أن أول من ابتدع الرفض والقول بالنص على عليّ وعصمته كان منافقًا زنديقًا أراد إفساد دين الإسلام، وأراد أن يصنع بالمسلمين ما صنع بولس بالنصارى وذلك في أواخر أيام الخلفاء الراشدين، افترى ذلك عبد الله بن سبأ وطائفته الكذابون فإنه أظهر النسك ثم أظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذه الأمة لله الحمد لا يزال فيها طائفة ظاهرة على الحق؛ فلا يتمكن ملحد ولا مبتدع من إفساده بغلو أو انتصار على الحق، ولكن يضل من يتبعه على ضلاله.
فمقصود واضعيه الطعن في القرآن والرسول ودين الإسلام فوضعوا من الأحاديث ما يكون التصديق به طعنًا في دين الإسلام وردوا بها على أقوام- فمنهم من كان صاحب هوى فقبلها لهواه ولم ينظر في حقيقتها.
ومنهم من كان له نظر فتدبرها فوجدها تقدح في الإسلام فقال بموجبها وقدح بها في دين الإسلام: إما لفساد اعتقاده في الدين أو لاعتقاده أن هذه صحيحة وقدحت فيما كان يعتقده من دين الإسلام.
ولهذا دخلت عامة الزنادقة من هذا الباب؛ فإن ما تفعله الرافضة من الأكاذيب تسلطوا به على الطعن في الإسلام، وصارت شبها عند من لم يعرف أنه كذب ولا كان عنده خبرة بحقيقة الإسلام.
وضلت طوائف كثيرة من الإسماعيلية والنصيرية وغيرهم من
[ ١٣٩ ]
الزنادقة الملاحدة المنافقين، وكان مبدأ ضلالهم تصديق الرافضة في أكاذيبهم التي يذكرونها في تفسير القرآن والحديث.
كان أئمة العبيديين إنما يقيمون دعواهم بالأكاذيب التي اختلقها الرافضة ليستجيب لهم بذلك الشيعة الضلال، ثم ينقلون الرجل من القدح في الصحابة إلى القدح في علي، ثم في النبي، ثم في الإلهية- كما رتبه لهم صاحب البلاغ الأكبر والناموس الأعظم.
ولهذا كان الرفض أعظم باب ودهليز إلى الكفر والإلحاد.
ومن نظر في كتب النقل التي اتفق أهل العلم بالمنقولات على صحتها وما تواتر به النقل في كتب الحديث كالصحاح والسنن والمسانيد والمعجمات والأسماء والفضائل وكتب أخبار الصحابة وغير ذلك وكتب السير والمغازي وإن كانت دون ذلك وكتب التفسير والفقه وغير ذلك من الكتب علم بالتواتر اليقيني أن الصحابة - ﵃ - كانوا أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وأن أصل كل فتنة وبلية هم الشيعة ومن انضوى إليهم، وكثير من السيوف التي سلت في الإسلام إنما كانت من جهتهم. وعلم أن أصلهم ومادتهم منافقون اختلقوا أكاذيب وابتدعوا آراء فاسدة ليفسدوا بها دين الإسلام، ويستزلوا بها من ليس من أولي الأحلام (١) .
_________________
(١) ج (٣) ص (٢٠٨، ٢٦١، ٢٤٣) ج (٤) ص (٢٦٩، ٣، ٦٠، ٢١٠، ٢٦٦) ج (١) ص (٨، ٤) .
[ ١٤٠ ]
وأمراؤهم إنما قصدوا بالملك إفساد الدين
وأمراؤهم أيضًا إنما قصدوا بالملك إفساد الدين
الشيعة كثير منهم يعترفون بأنهم إنما قصدوا بالملك إفساد دين الإسلام ومعاداة النبي - ﷺ - كما يعرف ذلك من خطاب الباطنية وأمثالهم من الداخلين في الشيعة، فإنهم يعترفون بأنهم في الحقيقة لا يعتقدون دين الإسلام، وإنما يتظاهرون بالتشيع لقلة عقل الشيعة وجهلهم ليتوسلوا بهم إلى أغراضهم وأهوائهم، وأول هؤلاء بل خيارهم هو المختار بن أبي عبيد الكذاب فإنه كان (أمين الشيعة) وقتل عبيد الله بن زياد وأظهر الانتصار للحسين حتى قتل قاتله وتقرب بذلك إلى محمد بن الحنفية وأهل البيت. ثم ادعى النبوة وأن جبريل يأتيه، وثبت في صحيح مسلم عن النبي - ﷺ - أنه قال: «سيكون في ثقيف كذاب ومبير» (١) فكان الكذاب هو المختار، وكان المبير هو الحجاج بن يوسف الثقفي (٢) .
_________________
(١) صحيح مسلم ك (٤٤) ص (٢٥٤٥) بلفظ «إن في ثقيف كذابًا ومبيرًا» وفي مسند أحمد ج (٢) ص (١٨٧، ٩١) والترمذي في الفتن (٤٤) وفي المناقب (٧٣) .
(٢) ج (١) ص (٢٢٠) .
[ ١٤١ ]
غلاة الشيعة:
الإسماعيلية، والنصيرية، القرامطة الباطنية
بنو عبيد القداح الذين أقاموا بالمغرب مدة، وبمصر نحو مائتي سنة- هؤلاء باتفاق أهل العلم والدين ملاحدة، ونسبهم باطل، فلم يكن لهم بالرسول نسب في الباطن ولا دين، وإنما أظهروا النسب الكاذب وأظهروا التشيع ليتوسلوا بذلك إلى متابعة الشيعة إذ كانت أقل الطوائف عقلًا ودينًا وأكثرها جهلًا.
وإلا فأمر هؤلاء العبيديين المنتسبين إلى إسماعيل بن جعفر أظهر من أن يخفى على مسلم.
ولهذا جميع المسلمين الذين هم مؤمنون في طوائف الشيعة يتبرءون منهم- فالزيدية والإمامية تكفرهم وتتبرأ منهم، وإنما ينتسب إليهم الإسماعيلية الملاحدة الذين فيهم من الكفر ما ليس لليهود والنصارى كابن الصباح الذي أخرج لهم السكين (١) .
وأئمة الإسماعيلية كالمعز والحاكم وأمثالهما يدعون من علم الغيب وكشف باطن الشريعة وعلو الدرجة أعظم مما تدعيه الاثنا عشرية لأصحابهم، ويضمنون لهم هذا مع استحلال المحرمات وترك الواجبات- فيقولون له: قد أسقطنا عنك الصلاة والصوم والحج والزكاة، وضمنا لك بموالاتنا الجنة ونحن قاطعون بذلك.
وحقيقة قول الإسماعيلية التعطيل.
_________________
(١) اتخذ الحسن بن الصباح مبدأ القتل والاغتيال وسيلة لتحقيق أهدافه (انظر عنه وعن أتباعه من طائفة الإسماعيلية الملل والنحل ج ١ ص ١٧٥) .
[ ١٤٢ ]
أما أصحاب الناموس الأكبر والبلاغ الأعظم (١) الذي هو آخر المراتب عندهم فهم من الدهرية القائلين بأن العالم لا فاعل له ولا علة ولا خالق.
ويقولون ليس بيننا وبين الفلاسفة خلاف إلا واجب الوجود فإنهم يثبتونه وهو شيء لا حقيقة له، ويستهزءون باسم الله ولا سيما هذا الاسم الذي هو الله؛ فإن منهم من يكتبه في أسفل قدميه ويطؤه.
وأما من دون هؤلاء فيقولون بالسابق والتالي الذين عبَّروا بهما عن العقل والنفس عند الفلاسفة والنور والظلمة عند المجوس. والإسماعيلية ملاحدة أكفر من النصيرية (٢) .
النصيرية
النصيرية هم من غلاة الرافضة الذين يدعون إلهية علي، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى باتفاق المسلمين.
ومن شرع النصيرية:
أشهد أن لا إله إلا حيدرة الأنزع البطين
|
أشهد أن لا إله إلا سلمان ذو القوة المتين
ويقولون إن شهر رمضان أسماء ثلاثين رجلًا- إلى أنواع من الكفر الشنيع يطول وصفها.
والنصيرية يعظمون القائلين بوحدة الوجود كالتلمساني شيخ القائلين بالوحدة، فقد ذهب إلى النصيرية وصنف لهم كتابًا وهم يعظمونه جدًا (٣) .
_________________
(١) مؤلفه أبو القاسم القيرواني سالم.
(٢) ج (٣) ص (٢٢٨) ج (٢) ص (٣٠٩، ١٣٧) ج (١) ص (٣٢٠) .
(٣) ج (٢) ص (٣٠٩) ج (١) ص (٣٥٠) ج (١) ص (٣٢٠) .
[ ١٤٣ ]
القرامطة الباطنية
وشر من الإسماعيلية قرامطة البحرين أصحاب أبي سعيد الجنابي؛ فإن أولئك لم يكونوا يتظاهرون بدين الإسلام بالكلية، بل قتلوا الحجاج، وأخذوا الحجر الأسود وبقي عندهم مدة، وجرى فيه عبرة حتى أعيد (١) ومع هذا فلم يسلطوا على الكعبة بإهانة بل كانت معظمة مشرفة وهم كفار من أكفر خلق الله (٢) .
_________________
(١) ج (١) ص (٢٨١) (وانظر مجموع الفتاوى) ج (٢) ص (٤٤٦، ٤٤٧) والفهارس العامة لمجموع الفتاوى ج (١) ص (٢١ - ٣١) . قال ابن كثير ﵀: وقد ذكر غير واحد أن القرامطة لما أخذوه حملوه على عدة جمال فعطبت تحته واعترى أسنمتها القرح، ولما ردوه حمله قعود واحد ولم يصبه أذى. ومكث عندهم ثنتين وعشرين سنة حتى ردوه [البداية والنهاية ج (١ / ١٦١، ٢٢٣)] . وقد سأل بعضهم ههنا سؤالًا فقال: قد أحل الله سبحانه بأصحاب الفيل (وكانوا نصارى) ما ذكره في كتابه ولم يفعلوا بمكة شيئًا مما فعله هؤلاء، ومعلوم أن القرامطة شر من اليهود والنصارى والمجوس بل ومن عبدة الأصنام فهل لا عوجلوا بالعذاب والعقوبة؟ وقد أجيب عن ذلك بأن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهارًا لشرف البيت ولما يراد به من التشريف العظيم بإرسال النبي الكريم في البلد الذي فيه البيت الحرام، فلما أرادوا إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها وإرسال الرسول منها أهلكهم سريعًا عاجلًا ولم يكن شرائع مقررة تدل على فضله، فلو دخلوه وأخربوه لأنكرت القلوب فضله. وأما هؤلاء القرامطة فإنما فعلوا ما فعلوا بعد تقرير الشرائع وتمهيد القواعد والعلم بالضرورة من دين الله بشرف مكة والكعبة فلهذا لم يحتج الحال إلى معاجلتهم بالعقوبة، بل أخرهم الرب تعالى ليوم تشخص فيه الأبصار اهـ. (باختصار من البداية والنهاية ج ١١ ص ١٦٢) .
(٢) ج (٣) ص (٢٢٨)، ج (٢) ص (٣٠٩، ٣٣٠) .
[ ١٤٤ ]
التعطيل أعظم من الشرك
الله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته وخلق فيهم الشهوات ليتناولوا بها ما يستعينون به على عبادته، ومن لم يعبد الله فإنه فاسد هالك والله لا يغفر أن يشرك به فيعبد معه غيره؛ فكيف بمن عطل عبادته فلم يعبده البتة كفرعون وأمثاله؟ وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، والتعطيل ليس دون الشرك؛ بل أعظم منه؛ فالمستكبر عن عبادته أعظم جرمًا من الذين يعبدونه ويعبدون معه غيره، وهو لا يغفر لهم فأولئك أَوْلَى (٢) .
_________________
(١) سورة النساء آية: (١١٦) .
(٢) ج (٣) ص (٩٨) .
[ ١٤٥ ]
العلم بوجود الصانع وحدوث العالم له طرق كثيرة
كل من العلم بوجود الصانع وحدوث العالم له طرق كثيرة متعددة، أما إثبات الصانع فطرقه لا تحصى؛ بل الذي عليه جمهور العلماء أن الإقرار بالصانع فطري ضروري معروف في الجبلَّة.
وأيضًا فنفس حدوث الإنسان يعلم به صانعه، وكذلك حدوث كل ما يشاهد حدوثه. وهذه الطريقة المذكورة في القرآن.
وأما حدوث العالم فيمكن أن يستدل عليه بالسمع وبالعقل، فإنه يمكن العلم بالصانع إما بالضرورة والفطرة وإما بمشاهدة حدوث المحدثات وإما بغير ذلك ثم يعلم صدق الرسول بالطرق الدالة على ذلك وهي كثيرة.
ودلالة المعجزات طريق من الطرق.
وطريق التصديق لا ينحصر في المعجزات.
ثم يعلم بخبر الرسول حدوث العالم.
وإما بالعقل فمثل أن يقال: لا ريب أنا نشهد الحوادث كحدوث السحاب والمطر والزرع والشجر وحدوث الشمس وحدوث الإنسان وغيره من الحيوان وحدوث الليل والنهار وغير ذلك- ومعلوم بضرورة العقل أن المحدَث لابد له من مُحدِث وأنه يمتنع تسلسل المحدِثات بأن يكون للمحدِث محدث وللمحدث محدث إلى غير نهاية وهذا يسمى تسلسل المؤثرات والعلل والفاعلية وهو ممتنع باتفاق العقلاء.
وكذلك إذا قيل: الموجود إما أن يكون مخلوقًا وإما أن لا يكون
[ ١٤٦ ]
مخلوقًا والمخلوق لابد له من موجود غير مخلوق، فثبت وجود الموجود الذي ليس بمخلوق على التقديرين.
وكذلك إذا قيل: الموجود إما غني عن غيره وإما فقير إلى غيره والفقير المحتاج إلى غيره لا تزول حاجته وفقره إلا بغني عن غيره، فيلزم وجود الغني على التقديرين.
وكذلك إذا قيل: الحي إما حي بنفسه وإما حي حياته من غيره وما كانت حياته من غيره فذلك الغير أولى بالحياة، فثبت وجود الحي بنفسه على التقديرين.
وكذلك إذا قيل: العالم إما عالم بنفسه وإما عالم علَّمه غيره ومن علَّم غيره فهو أوْلى أن يكون عالمًا وإذا لم يتعلم من غيره كان عالمًا بنفسه فثبت وجود العالم بنفسه على التقديرين الحاصرين فإنه لا يمكن سوى هذين التقديرين والقسمين.
فإذا كان لا يمكن إلا أحدهما وعلى كل تقدير العالم بنفسه موجود والحي بنفسه موجود والغني بنفسه موجود والقديم الواجب بنفسه موجود لزم وجوده في نفس الأمر وامتنع عدمه في نفس الأمر وهو المطلوب (١) .
المطر معروف عند السلف والخلف أن الله يخلقه من الهواء ومن البخار المتصاعد- لكن خلقه للمطر من هذا كخلق الإنسان من نطفة وخلقه للشجرة والزرع من الحب والنوى فهذا معرفته بالمادة التي خلق منها ونفس المادة لا توجب ما خلق منها باتفاق العقلاء؛
_________________
(١) ج (١) ص (٢٨١- ٢٨٤) (وانظر مجموع الفتاوى) ج (٢) ص (٤٤٦، ٤٤٧) والفهارس العامة لمجموع الفتاوى ج (١) ص (٢١- ٣١) .
[ ١٤٧ ]
بل لابد مما به يخلق تلك الصورة على ذلك الوجه وهذا هو الدليل على القادر المختار الحكيم الذي يخلق المطر على قدر معلوم وقت الحاجة إليه.
والبلد الجرز يسوق إليها الماء من حيث أمطر كما قال تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ فالأرض الجرز لا تمطر ما يكفيها كأرض مصر لو أمطرت المطر المعتاد لم يكفها فإنها أرض إبليز (١) وإن أمطرت مطرًا كثيرًا مثل مطر شهر خربت المساكن فكان من حكمة الباري ورحمته أن أمطر أرضًا بعيدة ثم ساق ذلك الماء إلى أرض مصر.
فهذه الآية يستدل بها على علم الخالق وقدرته ومشيئته وحكمته وإثبات المادة التي خلق منها المطر والشجر والإنسان والحيوان (٢) .
_________________
(١) الإبليز وطين الإبليز: طين مصر الذي يتركه النيل بعد انسحابه من الأرض يونانية (منجد) وانظر المعجم الوسيط قلت: وكلام ابن تيمية واضح في وصفه.
(٢) ج (٣) ص (١١١) .
[ ١٤٨ ]
الفرقة الناجية وصف أهل السنة والجماعة
لا وصف الرافضة ولا غيرها من الفرق
حديث الفرقة الناجية رواه أهل السنن كأبي داود والترمذي وابن ماجه، ورواه أهل الأسانيد كالإمام أحمد وغيره (١) .
والحديث روي تفسيره فيه من وجهين: أحدهما أنه - ﷺ - سُئل عن الفرقة الناجية فقال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، والرواية الأخرى قال: «هم الجماعة» .
وكل من التفسيرين يناقض قول الإمامية، ويقتضي أنهم خارجون عن الفرقة الناجية، فإنهم خارجون عن جماعة المسلمين يكفرون أو يفسقون أئمة الجماعة كأبي بكر وعمر وعثمان دع معاوية وملوك بني أمية وبني العباس، وكذلك يكفرون أو يفسقون علماء الجماعة وعبادهم كمالك والثوري والأوزاعي والليث بن سعد وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي وأمثال هؤلاء.
_________________
(١) رواية أبي داود عن معاوية ﵁ قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - فقال: «ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة» أخرجه أبو داود برقم (٤٥٩٦) في السنة باب شرح السنة، والترمذي برقم (٢٦٤٢) في الإيمان وفي رواية الترمذي عن عمرو بن العاص «كلها في النار إلا ملة واحدة قالوا من هي يا رسول الله قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي» أخرجه الترمذي برقم (٢٦٤٣) . وأخرجه في مسند الإمام أحمد ج (٢) ص (٣٣٢) وانظر «كنز العمال» رقم (١٠٥٣، ١٠٥٥، ١٠٥٧، ١٠٥٩، ١٠٦٠) .
[ ١٤٩ ]
وهم أبعد الناس عن معرفة سير الصحابة والاقتداء بهم في حياة النبي - ﷺ -؛ فإن هذا لا يعرفه إلا أهل العلم بالحديث والمنقولات والمعرفة بأخبار الثقات.
وهم من أعظم الناس جهلًا بالحديث لفظًا له ومعاداة لأهله.
فإذا كان وصف الفرقة الناجية اتباع الصحابة على عهد رسول الله - ﷺ - وذلك شعار السنة والجماعة كانت الفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة.
فالسنة ما كان - ﷺ - هو وأصحابه عليها في عهده مما أمرهم به أو أقرهم عليه أو فعله هو.
وأما الجماعة فهم المجتمعون الذين ما فرقوا دينهم وكانوا شيعًا.
وأما الذين فرقوا دينهم وكانوا خارجين عن الفرقة الناجية قد برأ الله نبيه منهم.
فعلم بذلك أن هذا وصف أهل السنة والجماعة لا وصف الرافضة، وأن الحديث وصف الفرقة الناجية باتباع السنة التي كان عليها هو وأصحابه وبلزوم جماعة المسلمين.
فإن قيل: فقد قال في الحديث: «على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» فمن خرج عن تلك الطريقة بعده لم يكن على طريقة الفرقة الناجية، وقد ارتد ناس بعده فليسوا من الفرقة الناجية.
قلنا نعم. وأشهر الناس بالردة خصوم أبي بكر الصديق ﵁ وأتباعه كمسيلمة الكذاب وأتباعه وغيرهم. وهؤلاء تتولاهم الرافضة، ويقولون إنهم كانوا على الحق وأن الصديق قاتلهم بغير حق.
ثم أظْهَرُ الناس ردةً الذين حرقهم علي ﵁ بالنار لما
[ ١٥٠ ]
ادعوا فيه الإلهية وهم السبأية أتباع عبد الله بن سبأ الذين أظهروا سب أبي بكر وعمر.
وأول من ظهر عنه دعوى النبوة من المنتسبين إلى الإسلام المختار بن أبي عبيد وكان من الشيعة.
فعلم أن أعظم الناس ردة هم في الشيعة أكثر منهم في سائر الطوائف، ولهذا لا تعرف ردة أسوأ حالًا من ردة الغالية كالنصيرية ومن ردة الإسماعيلية الباطنية ونحوهم.
فدل على أن المرتدين الذين لم يزالوا مرتدين على أعقابهم هم بالرافضة أوْلى منهم بأهل السنة والجماعة إن كان فيهم مرتد.
ويدل الحديث على أنه لابد أن تفارق هذه الواحدة سائر الثنتين والسبعين.
ويدل على مفارقة الثنتين والسبعين بعضها بعضًا كما فارقت هذه الواحدة. فليس في الحديث ما يدل على اشتراك الثنتين والسبعين في أصول العقائد؛ بل ليس في ظاهر الحديث إلا مباينة الثلاث والسبعين كل طائفة للأخرى. وحينئذ فمعلوم أن جهة الافتراق جه ذم لا جهة مدح؛ فإن الله أمر بالجماعة والائتلاف ونهى عن الفرقة والاختلاف فقال تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٢) الآيات.
_________________
(١) سورة آل عمران آية: (١٠٣) .
(٢) سورة آل عمران آية: (١٠٥- ١٠٧)،
[ ١٥١ ]
وإذا كان كذلك فأعظم الطوائف مفارقة للجماعة وافتراقًا في نفسها أوْلى الطوائف بالذم؛ وأقلها افتراقًا ومفارقة للجماعة أقربها إلى الحق.
وإذا كانت الإمامية أوْلى بمفارقة سائر الطوائف فهم أبعد من الحق لا سيما وهم في أنفسهم أكثر اختلافًا من جميع فرق الأمة حتى يقال إنها ثنتان وسبعون فرقة.
وقد صنف الحسن بن موسى النوبختي وغيره في تعديد فرق الشيعة.
وأما أهل الجماعة فهم أقل اختلافًا في أصول دينهم من كل طائفة إلى ضدها فهم الوسط في أهل الإسلام، كما أن أهل الإسلام هم الوسط في أهل الملل.
وهم في باب صفات الله تعالى بين أهل التعطيل وأهل التمثيل، وقد قال رسول الله - ﷺ -: «خير الأمور أوساطها» وحينئذ أهل السنة والجماعة خير الفرق.
وفي باب القدر بين أهل التكذيب به وأهل الاحتجاج به.
وفي باب الأسماء والأحكام بين الوعيدية والمرجئة.
وفي باب الصحابة بين الغلاة والجفاة.
فلا يغلون في علي غلو الرافضة، ولا يكفرونه تكفير الخوارج.
ولا يكفرون أبا بكر وعمر وعثمان كما تفكرهم الرافضة.
ولا يكفرون عثمان وعليًا كما تكفرهما الخوارج.
وأبعد الناس عن هذه الطائفة المهدية المنصورة هم الرافضة لأنهم أجهل وأظلم طوائف أهل الأهواء المنتسبين إلى القبلة
[ ١٥٢ ]
فليس الضلال والبغي في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في الرافضة، كما أن الهدى والرشاد والرحمة ليس في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في أهل الحديث والسنة المحضة الذين لا ينتصرون إلا للرسول - ﷺ - فإنهم خاصته وهو إمامهم المطلق الذين لا يغضبون لقول غيرهم إلا إذا اتبع قوله، ومقصودهم نصر الله ورسوله.
وإن كان الصحابة ثم أهل الحديث والسنة المحضة أوْلى بالهدى ودين الحق أبعد الطوائف عن الضلال والبغي فالرافضة بالعكس.
ودعوى الرافضة أو غيرهم من أهل الأهواء الكفر في كثير ممن سواهم كالخوارج وكثير من المعتزلة والجهمية أنهم هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات دون من سواهم كقول اليهود والنصارى:
﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١) وهذا عام لكل من عمل لله بما أمره الله فالعمل الصالح هو المأمور به، وإسلام الوجه لله إخلاص وجهه.
ولفظ أهل السنة يراد به من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة.
وقد يراد به أهل الحديث وأهل السنة المحضة فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ويقول إن القرآن غير مخلوق وأن الله يُرى في الآخرة ويثبت القدر وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل الحديث والسنة (٢) .
_________________
(١) سورة البقرة الآيتان: (١١١، ١١٢) .
(٢) ج (٢) ص (١٢٥- ١٢٩، ١٤٠) ج (٣) ص (٢٤١، ٢٤٢) ج (١) ص (٢٧٢) ج (٤) .
[ ١٥٣ ]
حكم الفرق الاثنين والسبعين إذا لم تقع في شرك أو كفر
حكم الفرق الثنتين والسبعين إذا لم تقع في كفر أو شرك (١)
ومما يدل على أن الصحابة لم يكفروا الخوارج أنهم كانوا يصلون خلفهم، وكان عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة كانوا يصلون خلف نجدة الحروري، وكانوا أيضًا يحدثونهم ويفتونهم ويخاطبونهم كما يخاطب المسلم المسلم، كما كان عبد الله بن عباس يجيب نجدة الحروري لما أرسل إليه يسأله عن مسائل وحديثه في البخاري (٢)، وكما أجاب نافع بن الأزرق عن مسائل مشهورة، وكان نافع يناظره في أشياء بالقرآن كما يتناظر المسلمان ومازالت سيرة المسلمين على هذا، ما جعلوهم مرتدين كالذين قالتهم الصديق ﵁.
هذا مع أمر رسول الله - ﷺ - بقتالهم في الأحاديث الصحيحة
وهكذا سائر فرق أهل البدع والأهواء من الشيعة والمعتزلة وغيرهم فمن كفر الثنتين والسبعين فرقة كلهم فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
وليس قوله: «ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة» (٣) بأعظم من قوله تعالى:
_________________
(١) أما إذا وقع منهم كفر أو شرك فحكمهم فيه حكم أمثالهم، وتقدم تحريق عليّ ﵁ الغالية فيه، وبسط العلماء في (باب حكم المرتد) المسائل التي يكفر بها ومنها الشرك بالله.. إلخ ويأتي في كلام المؤلف أقسام الردة وأنواع المرتدين.
(٢) ذكره مسلم في صحيحه في كتاب (الجهاد والسير) . ولم أجد الحديث في البخاري.
(٣) تقدم تخريجه.
[ ١٥٤ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (٢) وأمثال ذلك من النصوص الصريحة بدخول من فعل ذلك النار.
ومع هذا فلا نشهد لمعين بالنار لإمكان أنه تاب أو كانت له حسنات ماحية أو كفر الله عنه بمصائب أو غير ذلك.
الرافضة كثير منهم ليسوا منافقين ولا كفارًا؛ بل بعضهم له إيمان وعمل صالح، ومنهم من هو مخطئ يرجى له مغفرة الله، لكن الجهل بمعنى القرآن والحديث شامل لهم كلهم؛ فليس فيهم إمام من أئمة المسلمين في العلم والدين.
الإمامية مع فرط جهلهم وضلالهم فيهم خلق كثير مسلمون ظاهرًا وباطنًا ليسوا زنادقة منافقين لكنهم جهلوا واتبعوا أهواءهم.
والردة قد تكون عن أصل الإسلام كالغالية من النصيرية والإسماعيلية فهؤلاء مرتدون باتفاق أهل السنة والشيعة.. وقد تكون الردة عن بعض الدين كحال أهل البدع الرافضة وغيرهم. والله تعالى يقيم قومًا يحبهم ويحبونه يجاهدون من ارتد عن الدين أو بعضه كما يقيم من يجاهد الرافضة المرتدين عن الدين في كل زمان (٣) .
_________________
(١) سورة النساء آية: (١٠) .
(٢) سورة النساء آية: (٣٠) .
(٣) ج (٣) ص (٢٠٨) ج (٣) ص (٦٢، ٦٣) ج (٤) ص (٦٠) .
[ ١٥٥ ]
أهل البدع هم أهل الشبهات
أهل البدع أهل الشبهات
أهل البدع ابتدعوا بدعًا خلطوها بما جاءت به الرسل، وفرقوا دينهم وكانوا شيعًا، فكان في كل فريق منهم حق وباطل، وهم يكذبون بالحق الذي مع الفريق الآخر، ويصدقون بالباطل الذي معهم، وبسبب ذلك وقعت الشبهة، وإلا فالباطل المحض لا يشتبه على أحد. وهذا حال أهل البدع كلهم فإن معهم حقًا وباطلًا فهم فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل فريق يكذب بما مع الآخر من الحق بما معه من الباطل كالخوارج والشيعة.
والخوارج يكذبون بما ثبت من فضائل أمير المؤمنين عليّ ﵁؛ ويصدقون بما روي في فضائل أبي بكر وعمر ﵄، ويصدقون بما ابتدعوه من تكفيره وتكفير من يتولاه ويحبه.
والشيعة يصدقون بما روي في فضائل عليّ ﵁. ويكذبون بما روي في فضائل أبي بكر وعمر ﵄ ويصدقون بما ابتدعوه من التكفير والطعن في أبي بكر وعمر وعثمان.
وأهل السنة في الإسلام متوسطون في جميع أمورهم، فهم في علي وسط بين الخوارج والروافض، وكذلك في عثمان هم وسط بين المروانية والزيدية، وكذلك في سائر الصحابة وسط بين الغلاة فيهم والطاعنين عليهم (١) .
_________________
(١) ج (٣) ص (٤٠ - ٤٦) .
[ ١٥٦ ]