مقدمة
أثر الإيمان في تحصين الأمّة الإسلامية ضد الأفكار الهدّامة تأليف د. عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠، ٧١] .
أما بعد: فقد يسر الله لي الالتحاق بالدراسات العليا بقسم العقيدة بالجامعة الإسلامية وعينت معيدًا في كلية الدعوة عام ١٤٠٧هـ. وكان عليّ أن أكتب بحثًا، للحصول على الدرجة العالمية العالية الماجستير.
[ ١ / ٧ ]
وبين ذلك اتجاهات وتصورات كثيرة لا يخلو واحد منها من جهل أو خطأ أو قصور.
ولست أدعي خلو الساحة من العلماء والدعاة المتبصرين العاملين القائمين بالحق، الداعين إليه المدافعين عنه، المشفقين على الأمة، الذين يجتهدون في نصح العباد ودعوتهم إلى طريق ولاية الله، بتصحيح المعتقد ونبذ البدع، والاجتماع على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ونبذ الفرقة والاختلاف. إلا أن صوت هؤلاء مع ظهوره ووضوحه، لا يكاد يسمع في خضم الاتجاهات والتصورات والجماعات الكثيرة والمناهج المختلفة.
فهذا البحث إن شاء الله يسلط الضوء على أهم أسباب القوة والحصانة الفكرية، ونقطة البدء، ومحور العمل، وأنه تحقيق الإيمان بمفهومه الصحيح، ويعرّف بآثاره المباركة في هذا المجال.
فهو دعوة للعمل على استجلاب ولاية الله ليكون سعي المؤمنين بعد ذلك مؤيدًا منصورًا مسددًا مباركًا فيه.
وهو باعث للأمل بإذن الله للقلوب اليائسة. فالإيمان سبب قوى مؤثر في تخليص وتحصين القلوب والمجتمعات من الشرور الجاهلية الفكرية وغيرها. وتعلمه والعمل به والدعوة إليه أمر ممكن ميسور بإذن الله إذا تظافرت الجهود وخلصت النيات.
وإذا عرف المؤمن ميدان علمه ونقطة انطلاقه زاح عن كاهله هم كبير، وخرج من دوامة الحيرة إلى العمل، وانبعث في نفسه الأمل.
[ ١ / ٨ ]
ولست أقصد أنه يُكتفى بتعلم الإيمان وأداء العبادات، وترك الأسباب المشروعة للنهوض بالمسلمين -معاذ الله-، وإنما قصدت أن المؤمنين إذا حققوا الإيمان علمًا وعملًا ﵃ وتولاهم، ووفقهم إلى الأسباب وسهلها لهم، وبارك فيها وكمّل نقصهم، وسدد سعيهم. فيدخلون ميدان العمل ومجابهة الباطل مؤيَّدين بالله. وإذا تخلف الإيمان الصحيح فإنهم يوكَلون إلى أنفسهم.
تحرير المراد بالعنوان:
الأثر: المراد اسم جنس.
وله أكثر من معنى. منها أنه يطلق على النتيجة. أو الأمر الحاصل من الشيء. والآثار: هي اللوازم المعللة بالشيء١ أو جملة الأمور التي تنتج عن الشيء المسبب لها.
وهذا المعنى هو المعتبر في العنوان.
فالمراد بأثر الإيمان: أي الأمور التي تنتج عن تحقيق الإيمان، ويكون سببًا في حصولها، والتي لها دور في تحصين الفرد والجماعات ضد الفكر الهدام خصوصًا.
_________________
(١) ١ التعريفات، علي بن محمد الجرجاني، ط٩، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: الأولى١٤٠٣؟.
[ ١ / ٩ ]
الإيمان: المراد به الإيمان الشرعي الذي جرى بيانه في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وكان عليه السلف الصالح - وسيأتي بيان طبيعته في التمهيد.
الأفكار: جمع فكر. ومؤنثه فكرة ويطلق ويراد به معنيان١.
- الأول: الفعل الذي تقوم به النفس عند حركتها في المعقولات.
وهذه هي عملية التفكر والنظر.
- الثاني: يطلق على المعقولات نفسها.
والمراد المعنى الثاني: أي المعقولات والمعاني التي تنتج عن تفكر البشر وتأخذ شكل عقيدة أو مبدأ يؤمن به، فتتكون منه العقائد والتصورات البشرية المصدر، وتكون باعثة ومؤثرة على السلوك.
فيدخل في ذلك عقائد ومفاهيم الأديان البشرية المصدر، أو السماوية الأصل لكن دخلها التحريف بفعل الفكر البشري، وتصورات الفلاسفة وأوهام وأساطير الوثنيين التي تأخذ شكل عقائد وقناعات وتصورات معتبرة.
ولا يدخل فيه عقائد وشرائع الدين المحفوظ لأنها ليست نتائج فكر بشري بل هي وحي إلهي.
_________________
(١) ١ المعجم الفلسفي، جميل صليبا، ح٢/١٥٦، دار الكتاب اللبناني، بيروت ط: الأولى ١٩٧٩م.
[ ١ / ١٠ ]
وقد رغبت إلى الله أن يحفظ وقتي وجهدي في المدة المقررة لإعداد هذا البحث في عمل أرجوه عنده، ويعالج جانبًا يحتاج إليه المسلمون في هذا الوقت.
وبتوفيق الله اخترت موضوعًا هامًا بعنوان: أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الفكر الهدام ليكون موضوع البحث.
سبب اختيار الموضوع:
لقد بدأ اهتمامي في هذا الموضوع عندما درست أساليب الغزو الفكري ووسائل مقاومتها في السنة الرابعة في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية. وأشار مدرس المادة إلى أهمية العقيدة في مجابهة الغزو الفكري كما أن الذين كتبوا في ذلك أشاروا إليه إشارات مختصرة.
فتكونت عندي رغبة في تجلية الدور الهام للعقيدة السليمة في التصدي للفكر الهدام.
كما أن من أسباب اختياري له تلك الأهمية البالغة والتي تتبين فيما يلي:
١- شدة الهجوم الفكري على الأمة الإسلامية في القديم والحديث ونجاحه في اختراق صفوفها، وتفريق المسلمين وحرف كثير منهم عن الإسلام.
[ ١ / ١١ ]
٢- ازدياد الصيحات التي تحذر من الأساليب الحديثة للغزو الفكري وتبين أنها أعظم تحد يواجه الإسلام اليوم وتدعو للتصدي له.١
٣- أن أساليب مكافحة الغزو الفكري كثيرة، يأتي على رأسها تحقيق الإيمان الصحيح بتعليمه للناس وتربية الأجيال عليه، وتطبيق تعاليمه
_________________
(١) ١ ولا أدل على ذلك من قرار (مجلس مجمع الفقه الإسلامي) رقم: ٧١/٧/٧، المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجده في المملكة العربية السعودية من ٧ إلى ١٢ من ذي القعدة ١٤١٢؟. الموافق: من ٩ إلى ١٤ مايو ١٩٩٢م، حيث ورد في بداية القرار: "إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (الغزو الفكري) والتي بينت بداية هذا الغزو وخطورته وأبعاده وما حققه من نتائج في بلاد العرب والمسلمين، واستعرضت صورًا مما أثار من شبه ومطاعن، ونفذ من خطط وممارسات، استهدفت زعزعة المجتمع المسلم، ووقف انتشار الدعوة الإسلامية، كما بينت هذه البحوث الدور الذي قام به الإسلام في حفظ الأمة وثباتها في وجه الغزو وكيف أحبط كثيرًا من خططه ومؤامراته. وقد اهتمت هذه البحوث ببيان سبل مواجهة هذا الغزو وحماية الأمة من آثاره في جميع المجالات وعلى كل الأصعدة، ثم أوصى المجلس بعدة توصيات لمقاومة الغزو الفكري، ثم ختم قراره بما يلي: "كما يوصي المجلس أيضًا الأمانة العامة للمجمع باستمرار الاهتمام بطرح أهم قضايا هذا الموضوع في لقاءات المجمع وندواته القادمة نظرًا لأهمية موضوع الغزو الفكري وضرورة وضع استراتيجية متكاملة لمجابهة مظاهره ومستجداته". نقلاُ عن: مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، السنة الرابعة، العدد الخامس عشر عام ١٤١٣هـ. ص٢٠٨.
[ ١ / ١٢ ]
وشرائعه في كل المجالات. لذلك فإن هذا البحث يجلي بعض الآثار المباركة للإيمان في مجال التحصين ضد الفكر الهدام.
٤- أن أهل الإسلام قد ذهبوا مذاهب شتى في تصوراتهم لما ينبغي فعله في مقابلة هذه المخططات الماكرة. فمنهم من رأى أن مقارعة الأعداء لا تكون إلا بسلاحهم، فركّز على النواحي المادية والوسائل العصرية، والسيطرة على السلطة وامتلاك مراكز القوى والنفوذ والإعلام.. ونحوها، مع وجود تقصير في الدعوة والعمل على تحقيق الإيمان الصحيح. بل وحدث أن وُجدت دعوة إلى توحيد الجهود دون اعتبار للاختلافات الجوهرية في العقيدة، ووُجد من يضع ثقته بكل من زعم نصرة الإسلام ولو كان على واقع بعيد جدًا عن الإيمان الذي دعا إليه النبي ﷺ وجاء بيانه في نصوص الوحي.
وطائفة أخرى ظنت أن معنى أن الحياة جنة الكافر أنه لا نصيب للمؤمن فيها من العزة والتمكين، وامتلاك مصادر القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية، فانصرفت إلى العناية بأنفسها، وتكميل إيمانها بالذكر والأعمال الصالحة، وأبعدت من برامجها ودعوتها النظر في السياسة والجهاد والعلم والمجادلة عن دين الله بالحق.
ومن المسلمين من أسلمه هول ما يرى عند الكفار من القوة المادية وأسباب التأثير والمكر ووسائل الإغواء، وما يرى من حال المسلمين وما آل إليه من الضعف والانحراف واستحكام الجهل، إلى اليأس والقنوط.
[ ١ / ١٣ ]
والوصف بالهدامة: يدل على أن المقصود هي تلك الأفكار التي تتسلط على العقائد الإيمانية بالهدم والتشكيك، وعلى التعاليم الإسلامية والأخلاق بالتعطيل والتحريف، كما يخرج بهذا الوصف الأفكار غير الهدامة فهي غير مراده.
الصعوبات:
لم أواجه - بفضل الله - صعوبة في جمع المادة العلمية ذلك أن الموضوع يتعلق بجانب من جوانب الإيمان. وكل ما يتعلق بالإيمان فقد ورد بيانه في نصوص الوحي، وأشار إليها العلماء في كتب التفسير والحديث والعقائد والفقه ونحوها.
كما أن الموضوعات المكملة للبحث قد اعتنى بها العلماء والمفكرون قديمًا وحديثًا.
إلا أن البحث لم يخل من صعوبات. كان أهمها الكيفية التي ينبغي أن يُنظَّم عليها، في تقسيمه وتوزيع المسائل على أبوابه وفصوله ومباحثه ومطالبه، واختيار العناوين المناسبة لكل منها.
فهذا الموضوع - حسب علمي - لم يفرد ببحث مستقل من قبل.
وإنما هو مُفَرَّق في بطون كتب التفسير والحديث والعقائد ونحوها، كما تُذكر بعض جوانبه في الكتب التي تكلمت عن آثار الإيمان عامة.
[ ١ / ١٤ ]
ومن الصعوبات صعوبة نفسية وهي إحساسي بعمق وثقل هذا البحث، وخوفي ألا أوفيه حقه، ولعلي بما تيسر أكون قد جئت ولو بأدنى مراتب الكفاية.
منهجي في البحث:
لقد استقر الأمر - بحمد الله - على أن يجري الكلام في أبواب البحث على ما يتعلق بالآثار الإيمانية المحصنة للفرد والجماعة ضد الفكر الهدام. أما القضايا التي يتطلبها البحث وليست من صلبه فقد تطرقت إليها في التمهيد.
وقسمت البحث على أساس تنوع الآثار الإيمانية من حيث تعلقها بالعبد ومواطن تجلي تلك الآثار. وهي على وجه الإجمال ثلاثة أنواع:
الأول: مظاهر ولاية الله للمؤمنين التي تحصنهم من الفكر الهدام.
الثاني: الآثار القلبية التي يحدثها الله في قلب العبد المؤمن فيحصنه بها من ضلالات الجاهلية.
الثالث: الآثار الاجتماعية. وهي آثار إقامة الشعائر الإيمانية الاجتماعية فيتحصن بها المجتمع ضد الشرور عامة والفكرية خاصة.
وأورد قدر الإمكان الأدلة التي تشير إلى كل أثر، والشعائر الإيمانية الجالبة له، مع ذكر الفكر الهدام أو أساليبه التي يتصدى لها كل أثر، مع بيان أن فقد هذا الأثر - نتيجة لتعطيل الشعيرة الإيمانية - يمثل ثغرة تسري منها الأفكار الهدامة.
[ ١ / ١٥ ]
وفي مجال التوثيق أذكر بعد الآية اسم السورة التي وردت فيها، ورقم الآية.
وقد خرجت الأحاديث من كتب السنة. فإن كان في الصحيحين أو أحدهما فإني أكتفي بالإشارة إلى موضعه ذاكرًا اسم الكتاب والباب ورقم الحديث والجزء والصفحة، وإن كان في غيرهما ذكرت بعض كتب السنة التي أخرجته، ثم أتبع ذلك ببعض أقوال أهل العلم التي تبين درجة الحديث.
وقد ترجمت للرجال الذين ورد ذكرهم في المتن باختصار، ما عدا المعاصرين.
هذا وقد جرى البحث حسب الخطة الآتية:
المقدمة: وتكلمت فيها عن سبب اختيار الموضوع، وأهميته، وبينت المراد بالعنوان، وأهم الصعوبات، ولمحات في المنهج، وخطة البحث.
التمهيد، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: طبيعة الإيمان المؤثر.
وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الإيمان.
المطلب الثاني: الأسس التي يقوم عليه الإيمان.
المبحث الثاني: الفكر الجاهلي في مجابهة الإيمان وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الصراع بين الحق والباطل من سنن الله الجارية إلى يوم القيامة.
[ ١ / ١٦ ]
المطلب الثاني: الصراع بين الحق والباطل في عصور الإسلام المتقدمة.
المطلب الثالث: الغزو الفكري للأمة الإسلامية في العصر الحديث.
الباب الأول: الإيمان سبب لتحصيل ولاية الله الأثر الخارجي.
وفيه فصلان:
الفصل الأول: صفات المستحقين للولاية.
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: مراتب أهل الإيمان. وفيه أربعة مطالب.
المطلب الأول: بيان أصل الإيمان.
المطلب الثاني: مرتبة الظالم لنفسه.
المطلب الثالث: مرتبة المقتصد.
المطلب الرابع: مرتبة السابق بالخيرات.
المبحث الثاني: أهل ولاية الله.
المبحث الثالث: العناية بأهم سبب لحصول الولاية.
الفصل الثاني: أثر ولاية الله في تخليص المؤمنين وتحصينهم من الأفكار الهدامة.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: مظاهر ولاية الله لعبده المؤمن. وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: إخراج المؤمن من الظلمات إلى النور.
[ ١ / ١٧ ]
المطلب الثاني: تثبيت المؤمن عند الشدائد.
المطلب الثالث: الحيلولة بين المؤمن وبين ما قد يقوم بقلبه من الإرادات السيئة.
المطلب الرابع: مظاهر الولاية الكاملة للكُمّل من عباد الله.
المبحث الثاني: مظاهر ولاية الله للجماعة المؤمنة.
الباب الثاني: أثر الإيمان في تحصين القلب ضد الأفكار الهدامة الأثر القلبي.
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: وظائف القلب وأحواله. وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الوظائف القائمة بالقلب. وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: وظيفة التعقل.
المطلب الثاني: الاعتقادات.
المطلب الثالث: النيات والإرادات.
المطلب الرابع: العواطف.
المطلب الخامس: الانفعالات.
المبحث الثاني: العلاقة بين الوظائف القلبية.
المبحث الثالث: أحوال القلوب.
المبحث الرابع: أثر الإيمان في القلوب دائر بين التطهير والتزكية.
الفصل الثاني: أثر الإيمان في تطهير القلوب. وفيه ثلاثة مباحث:
[ ١ / ١٨ ]
المبحث الأول: أثر الإيمان في تطهير القلب من العقائد الباطلة والظنون السيئة.
المبحث الثاني: أثر الإيمان في تطهير القلب من الران ودرن المعاصي.
المبحث الثالث: أثر الإيمان في تطهير القلب من العواطف الفاسدة.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: أثر الإيمان في تخليص القلب من محبة غير الله.
المطلب الثاني: أثر الإيمان في تخليص القلب من حب الشهوات المحرمة.
المطلب الثالث: أثر الإيمان في تخليص القلب من الحقد والحسد.
الفصل الثالث: أثر الإيمان في تزكية القلوب. وفيه مبحثان.
المبحث الأول: أثر التزكية في طمأنينة القلب.
المبحث الثاني: أثر التزكية في حصول النور والفرقان.
الباب الثالث: أثر الإيمان في تحصين المجتمع المسلم ضد الأفكار الهدامة.
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: أثر الرابطة الإيمانية والأخلاق والنظم الإسلامية في صيانة المجتمع المسلم من الانحراف الفكري.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: أثر المحافظة على الرابطة الإيمانية في الحصانة الفكرية.
[ ١ / ١٩ ]
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: التزام الأخلاق الفاضلة.
المطلب الثاني: قيام المؤمنين بالحقوق المفروضة لبعضهم على بعض.
المطلب الثالث: الالتزام بالنظام الاجتماعي والاقتصادي الإسلامي.
المطلب الرابع: المحافظة على الوحدة الفكرية.
المبحث الثاني: العمل على سلامة مقومات المجتمع المسلم. وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكونه واجبًا اجتماعيًا.
المطلب الثاني: أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تحصين المجتمع المسلم من الأفكار الهدامة.
الفصل الثاني: دور ولاة الأمر في حماية المجتمع من الأفكار الهدامة.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: ضوابط الإمامة في المجتمع المسلم.
المبحث الثاني: وظائف الإمامة ومقاصد الحكم.
الفصل الثالث: أثر وضع الدولة المتمكن في الأرض في تحصين المجتمع ضد الأفكار الهدامة.
[ ١ / ٢٠ ]
وتكلمت فيه عن: أثر الجهاد في عزة الإسلام وتمكين المسلمين في الأرض وتحصين المجتمع الإسلامي ضد الأفكار الخبيثة.
الخاتمة: ولخصت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث.
الفهارس والمراجع: وتشتمل على ما يلي: فهرس الآيات، وفهرس الأحاديث، وفهرس تراجم الأعلام، وقائمة المصادر والمراجع، وفهرس المحتويات.
[ ١ / ٢١ ]
تنبيه واعتذار
نظرًا لطبيعة البحث الذي يتطرق بجانب النواحي العقدية، إلى الآثار التي يحدثها الإيمان على النفس البشرية والمجتمع، كما يتطرق إلى النواحي الفكرية وغيرها من الموضوعات التي تبحث غالبًا في مجالات الدعوة، فقد دعت الحاجة إلى الاستفادة من بعض العلماء والدعاة والمفكرين والكتاب القدامى والمعاصرين، الذين خالفوا ببعض آرائهم أو فتاويهم أو مناهجهم أو حتى عقائدهم ما ذهب إليه السلف الصالح؛ بل قد تجاوزت ذلك إلى النقل عن غير المسلمين والمشتغلين بعلم النفس والاجتماع والطب مما يوجد فيه خليط من الحق والباطل. والقاعدة في ذلك: الحكمة ضالة المؤمن وقد حرصت أن لا أنقل عنهم إلا ما كان صوابًا ليس فيه شيء من مخالفاتهم أو باطلهم، فيما أرى أنه يؤيد الحق أو يجلي بعض الجوانب التي تطرق إليه البحث.
وقد أشار شيخ الإسلام إلى هذا المنهج في النقل بقوله: "وليس كل من ذكرنا شيئًا من قوله من المتكلمين وغيرهم يقول بجميع ما نقول في هذا وغيره، ولكن الحق يُقْبَل من كل من تكلم به "١.
وقد بذلت جهدي وطاقتي الضعيفة القاصرة، ولم آل جهدًا، وأرجو أن أكون قد وُفقت إلى الصواب. ألا وإن الله متفرد سبحانه بالكمال.
_________________
(١) ١الفتوى الحموية الكبرى، لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية ص٦٠، القاهرة، ط: الثالثة، ١٣٩٨هـ.
[ ١ / ٢٢ ]
وحَكم على البشر بالعجز والقصور، فلا يسلم أحد من الخطأ إلا من عصمه الرحمن.
وحسبي - إن شاء الله - أني اجتهدت في تحري الحق ولم أتعمد الخطأ. فما كان فيه من صواب فمن الله وله الحمد، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله.
[ ١ / ٢٣ ]
شكر وتقدير
هذا وأحمد الله وأشكره على عظيم منته وكريم فضله، حيث وفقني لسلوك طريق العلم، ويسر لي الالتحاق بالجامعة الإسلامية والتزود من علومها، وأعانني على كتابة هذا البحث الذي أرجو أن يكون على الوجه الذي يرضيه، وأن يكون خالصًا صوابًا نافعًا. وله الحمد على نعمه التي لا تحصى.
ثم أتوجه بالشكر لكل من كان له فضل عليَّ في إتمام هذا البحث، وعلى رأسهم شيخي المشرف على البحث الدكتور: أحمد بن عطية الغامدي، الذي زودني بنصائحه وتوجيهاته القيمة والتي أسهمت في إنجاز هذا البحث وتخطي ما يعرض فيه من إشكال. وكانت أوقات التقائي به فرصة للاستفادة من علمه وتجاربه. فله مني جزيل الشكر والتقدير، وأسأل الله أن يجزل له المثوبة، وأن يرفع منزلته في الدنيا والآخرة.
ثم أثني بالشكر للجامعة الإسلامية - ممثلة بكلية الدعوة وأصول الدين وقسم العقيدة، وقسم الدراسات العليا سابقًا - التي هيأت لي الفرصة للنهل من علومها، وعلى ما يسّرته من المكتبات التي سهلت مهمة البحث، وما وجدته من المسئولين من التفاهم والتعاون. كما أشكر كل من ساعدني في إتمام هذا البحث من الأساتذة والزملاء بإبداء رأي أو نصيحة أو إعارة كتاب وإرشاد إلى مرجع أو غير ذلك، والحمد لله أولًا
[ ١ / ٢٤ ]
وآخرًا. والصلاة والسلام على الرسول المصطفى وعلى آله وأصحابه السادة النجباء.
عبد الله بن عبد الرحمن المنصور الجربوع
المدينة النبوية ١/١١/١٤١٢هـ
[ ١ / ٢٥ ]
التمهيد
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: طبيعة الإيمان المؤثر
المبحث الثاني: الفكر الجاهلي في مجابهة الإيمان
المبحث الأول: طبيعة الإيمان المؤثر
من المهم معرفة طبيعة الإيمان الذي نبحث في آثاره في مجال تحصين المؤمنين جماعات وأفرادٍ ضد الفكر الجاهلي الهدام. والمسلم مطالب بمعرفة المفهوم الصحيح للإيمان والالتزام به. وبذلك يبتعد عن المفاهيم المبتدعة المنسوبة للإسلام. كما يتحصل بالالتزام به على الآثار المباركة التي رتبها الله على ذلك، ويكرم بها من جاء به، والتي سيجري الكلام على كثير منها في هذا الكتاب.
والإيمان الذي أراده الله من الناس، وكلفهم به، ورد البيان الواضح لجميع معالمه في آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي ﷺ. فالله لا يرضى ولا يقبل من الناس إلا إيمانهم على الكيفية التي بيَّن لهم. وما عدا ذلك من معتقدات أو شعائر أو مناهج اصطلحوا عليها واستحسنوها ثم عكفوا على ممارستها ونسبوها إلى الإيمان وهو منها براء، فإن الله سبحانه لا يرضاها ولا يتولى من جاء بها. ولا تثمر لصاحبها البركات والكرامات التي يكرم بها من سار على صراطه المستقيم، ولا يتحصن بها من كيد الشياطين. كما أن حسن النية، وصدق التوجه لله لا يغني شيئًا إذا لم يتقيد المسلم بالإيمان الصحيح والسنة المستقيمة. وسيجري الكلام في هذا المبحث على مطلبين هامين:
[ ١ / ٢٩ ]
الأول: تعريف الإيمان بالله كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وبينه السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين.
الثاني: الأسس التي يقوم عليها الإيمان بالله.
وسوف أفرد لكل منهما مطلبًا مستقلًا.
[ ١ / ٣٠ ]
المطلب الأول: تعريف الإيمان الشرعي
للإيمان مفهوم شرعي دلت عليه نصوص كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. هذا المفهوم أجمله السلف رضوان الله عليهم في تعريفهم للإيمان بأنه اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. وفيما يلي عرض لبعض النصوص التي تدل على ذلك:
أولًا: الأدلة على أن الإيمان يكون بالقلب.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١] .
وقال: ﴿مَنْ كفر بالله مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ﴾ [النحل:١٠٦] .
وقال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] .
[ ١ / ٣١ ]
وقال النبي ﷺ: " ألا وأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب "١.
وصلاح القلب إنما يكون بعمرانه بالعقائد الحق. فإذا أُشْرب القلب الحقائق الإيمانية وانبعثت منها أعماله القلبية كان قلبًا سليمًا.
وفي حديث جبريل ﵇: "قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره " ٢.
وهذه الأمور الستة يكون الإيمان بها بالعلم والتصديق والقبول الذي يكون في القلب.
فدلت هذه النصوص على أن الإيمان يدخل القلب ويطمئن به، وأن إيمان القلب هو الأصل وأنه شرط في صحة الإيمان، ولا عبرة لغيره بدونه، وأن أساس الإيمان هي الاعتقادات التي تقوم بالقلب.
_________________
(١) ١ رواه البخاري، كتاب الإيمان، ح (٥٢) . الصحيح مع فتح الباري الطبعة السلفية ج١/١٢٦. ٢ رواه مسلم، كتاب الإيمان، الباب الأول، ح (٨) صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ج١/٣٦.
[ ١ / ٣٢ ]
ثانيًا: النصوص الدالة على أن الإيمان يكون باللسان.
قال ﷺ: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله "١.
وقال ﵊: " يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعرة من إيمان، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من إيمان، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من إيمان "٢.
ففي هذين الحديثين دلالة واضحة على اشتراط النطق بالشهادتين لصحة الإيمان.
وأن الإيمان الذي يدخل في الإسلام والذي يُنجي من الخلود مكوّن من قول اللسان مع عقد القلب.
وقوله ﷺ في حديث شعب الإيمان: " الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان " ٣.
_________________
(١) ١ رواه مسلم. كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ح (٢٠) ج١/٥١. ٢ رواه البخاري، كتاب الإيمان. باب زيادة الإيمان ونقصانه، ح (٤٤) الصحيح مع الفتح ١/١٠٣. ٣ رواه مسلم. كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان. ح (٣٥) ج١/٦٣.
[ ١ / ٣٣ ]
فيه دليل على أن التلفظ بلا إله إلا الله أفضل شعب الإيمان سواء قالها عقدًا أو ذكرًا.
ثالثًا: النصوص الدالة على أن الإيمان يكون بالأعمال الظاهرة:
كل النصوص المتقدمة في المجموعة الثانية داخلة في هذا النوع، وذلك أن النطق باللسان عمل ظاهر. ويضاف إلى ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] . أي صلاتكم، فسمى الصلاة إيمانًا.
قال البخاري١ ﵀ في الصحيح: وقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يعني صلاتكم عند البيت، ثم أورد بسنده إلى البراء٢ أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الإمام الحافظ محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، صاحب الجامع الصحيح، والتاريخ الكبير، والأدب المفرد، وغيرها. توفي سنة٢٥٦. انظر: سير أعلام النبلاء ١٢/٣٩١، ومقدمة فتح الباري. ٢ البراء بن عازب الأنصاري أبو عمارة. صحابي جليل توفي سنة ٧٢ وقيل ٧١؟. انظر: سير أعلام النبلاء ٣/١٦٤، والإصابة ١/١٤٢. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان ح (٤٠) ج١/٩٥.
[ ١ / ٣٤ ]
ومن أقوى الأدلة وأصرحها في القرآن على أن الأعمال من الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢-٤] .
حيث جعل سبحانه إقام الصلاة والإنفاق من صفات المؤمنين حقًا.
أما من الأحاديث، فقد تقدم في حديث شعب الإيمان أن إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان وهو عمل ظاهر.
ومن ذلك حديث وفد عبد القيس١، وفيه قال رسول الله ﷺ ".. هل تدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وأن تؤدوا خُمْسًا من المغنم "٢.
_________________
(١) ١ بنو عبد القيس: قبيلة تنتسب إلى عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد ابن ربيعة بن نزار. كانت ديارهم في تهامة ثم خرجوا إلى البحرين. قدم وفدهم على النبي ﷺ وأسلموا ومقدمهم يومئذ المنذر بن عائذ. انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم ٢٩٥. ٢ رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله تعالى.. ح (١٧) ج١/٤٨.
[ ١ / ٣٥ ]
فهذا الحديث من أقوى الأدلة وأصرحها على أن الأعمال من الإيمان وذلك أن النبي ﷺ فسر الإيمان بالنطق بالشهادتين، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأداء خمس المغنم، وهذه أعمال ظاهرة.
[ ١ / ٣٦ ]
رابعًا: النصوص الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] .
قال ابن كثير١–﵀- في تفسيره لهذه الآية:"وقد استدل البخاري وغيره بهذه الآية وأشباهها على زيادة
الإيمان وتفاضله في القلوب كما هو مذهب جمهور الأمة، بل قد حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة كالشافعي٢ وأحمد بن حنبل٣ وأبي
_________________
(١) ١ الإمام الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الشافعي ألف تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية، وطبقات الشافعية وغيرها توفي سنة ٧٧٤هـ. انظر: شذرات الذهب ٦/٢٣٧، والبدر الطالع ١/١٥٣. ٢ الإمام الفقيه محمد بن إدريس الشافعي القرشي المشهور بالشافعي. إمام المذهب المعروف. صاحب كتاب الرسالة توفي سنة ٢٠٤هـ. سير أعلام النبلاء ج١/٥ وتهذيب التهذيب٩/٢٥. ٣ إمام أهل السنة أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، صاحب المذهب المشهور مصنف المسند، وفضائل الصحابة، والزهد وغيرها توفي سنة ٢٤١هـ. سير أعلام النبلاء ج١١/١٧٧، والبداية والنهاية ١/٣٤٠.
[ ١ / ٣٧ ]
عبيد١ "٢.
وأشباه هذه الآية التي أشار إليها كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ* وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤-١٢٥] .
وقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:٤] . ونحوها.
أما الأحاديث فمنها قوله ﷺ: " من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " ٣.
_________________
(١) ١ الإمام الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلام بن عبد الله مصنف غريب الحديث وفضائل القرآن والأقوال، توفي سنة ٢٢٤. سير أعلام النبلاء ١٠/٤٩٠ والبداية والنهاية ١٠/٣٩١. ٢ تفسير القرآن العظيم -للحافظ ابن كثير ج٣/٥٥٢. تحقيق: عبد العزيز غنيم ومحمد أحمد عاشور ومحمد إبراهيم البنا ط-الشعب. ٣ رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب كون النهي عن المنكر من الإيمان. ح (٤٩) ج١/٦٩.
[ ١ / ٣٨ ]
فدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شعب الإيمان وخصاله١ وأن بعضه أعلى من بعض.
وقال ﷺ: " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من إيمان.."٢.
فدل هذا الحديث على أن الإيمان يتفاوت قوة وضعفًا في القلوب. كما دل الحديث الذي قبله على أن شعب الإيمان بعضها أقوى وأعلى من بعض.
ومما تقدم من النصوص يتضح لنا تعريف الإيمان في الكتاب والسنة وأنه قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن بعض خصاله أعلى من بعض، وأن أهله يتفاوتون فيه قوة وضعفًا.
وعلى هذا القول السلف الصالح -رضوان الله عليهم- أهل الذكر الذين لازموا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واستمدوا علومهم منهما.
_________________
(١) ١ جامع العلوم والحكم، عبد الرحمن بن شهاب الدين بن رجب الحنبلي ص٣٠٦ مكتبة الرسالة الحديثة- عمان، ط. ت: بدون. ٢ تقدم تخريجه ص (٣٣) .
[ ١ / ٣٩ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية١ -﵀-: "والمأثور عن الصحابة وأئمة التابعين، وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو المنسوب إلى أهل السنة: أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية "٢ وقال ابن حجر٣ -﵀-: " وروى اللالكائي٤ بسنده الصحيح عن البخاري قال: لقيت أكثر
_________________
(١) ١ الإمام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي، جاهد بيده ولسانه، تصانيفه الكثيرة تدل على قوة فهمه وسعة علمه وتمسكه بالكتاب والسنة؛ ومن أشهرها: منهاج السنة، ودرء تعارض العقل والنقل، ونقض التأسيس، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، واقتضاء الصراط المستقيم، وجمعت فتاواه في مجموع ضخم. توفي سنة ٧٢٨هـ. انظر: الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية للبزار- والبداية والنهاية ١٤/١٤١. ٢ مجموع الفتاوى ج٧/٥٠٥. ٣ الحافظ العلامة أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني المصري الشافعي، صاحب فتح الباري شرح صحيح البخاري والإصابة في معرفة الصحابة، ولسان الميزان، وغيرها، توفي سنة ٨٥٢هـ. انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ٢/٣٦، وشذرات الذهب لابن العماد ج٧/٢٨٠. ٤ الإمام الحافظ أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري اللالكائي الشافعي، صنف شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وأسماء رجال الصحيحين، وكرامات الأولياء. توفي سنة ٤١٨هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/٤١٩، والبداية والنهاية ١٢/٢٦.
[ ١ / ٤٠ ]
من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص.
وأطنب ابن أبي حاتم١ واللالكائي في نقل ذلك بالأسانيد عن جمع كثير من الصحابة والتابعين وكل من يدور عليه الإجماع من الصحابة والتابعين.."٢.
وقد عرف الإمام ابن القيم٣ -﵀- الإيمان تعريفًا وافيًا فقال:
"وهو حقيقة مركّبة من معرفة ما جاء به الرسول ﷺ علمًا، والتصديق به عقدًا، والإقرار به نطقًا، والانقياد له محبة وخضوعًا، والعمل به باطنًا وظاهرًا، وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان.
وكماله في الحب في الله والبغض في الله، والعطاء لله والمنع لله، وأن
_________________
(١) ١ الإمام الحافظ ابن أبي حاتم أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الحنظلي الرازي، صنف الجرح والتعديل، والرد على الجهمية، وتفسير القرآن، توفي سنة ٣٢٧هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/٢٦٣، والبداية والنهاية ١١/٢٠٣. ٢ فتح الباري ج١/٧٤. ٣ الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الدمشقي الحنبلي المشهور بابن قيم الجوزية. صنف أعلام الموقعين، والصواعق المرسلة، وإغاثة اللهفان، وزاد المعاد، وغيرها. توفي سنة ٧٥١هـ. انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/٤٤٧، وشذرات الذهب ٦/١٦٨.
[ ١ / ٤١ ]
يكون الله وحده إلهه ومعبوده.
والطريق إليه تجريد متابعة رسوله ظاهرًا وباطنًا، وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى سوى الله ورسوله وبالله التوفيق" ١.
_________________
(١) ١ الفوائد لابن القيم، ص١٤٠، دار النفائس، بيروت، ط: السابعة ١٩٨٦م.
[ ١ / ٤٢ ]
المطلب الثاني: أهم الأسس التي يقوم عليها الإيمان بالله
لا بد من التأكيد على أن الإيمان الذي يجري بيان طبيعته هو الإيمان المؤثر الذي يقرب من الله ويجلب ولايته ويتحصن به المؤمن من كيد شياطين الإنس والجن، وأفكارهم العفنة وأفعالهم القبيحة.
وهذا الإيمان يقوم على عدة أسس أهمها:
١- الكفر بالطاغوت.
٢- الإيمان بالغيب.
٣- القيام بمقتضى التكليف بامتثال الأوامر واجتناب النواهي.
٤- الإخلاص لله في العبادة.
٥- صدق المتابعة للرسول ﷺ.
٦- العلم.
وسوف أتكلم على كل منها بما أرى أنه يفي بالغرض والله المستعان.
[ ١ / ٤٣ ]
الأساس الأول: الكفر بالطاغوت
الطاغوت في اللغة: مشتق من طغا يطغو: إذا عدا وتجاوز قدره١.
ومنه قول الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١] .
وقد قدم الله تعالى الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله في بعض النصوص لكونه شرطًا لصحته. كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦] .
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر:١٧] . وفي ذلك إشارة إلى أن التطهير مقدم على التزكية، وأن تخليص القلب من أدرانه ونجاساته المتمثلة بالمعتقدات الباطلة وما يترتب عليها من محبة الطواغيت أو التعلق بهم واجب لحلول الإيمان بالقلب.
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ج٣/١٩ مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وشركاه-مصر، ط: الثالثة ١٣٨٨هـ. والمفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني أبي القاسم الحسين بن محمد، تحقيق محمد سيد كيلاني ص٣٠٤. دار المعرفة بيروت. ط، ت: بدون.
[ ١ / ٤٤ ]
وفي بعض النصوص نجد تقديم الإيمان والأمر بالعبادة على الكفر بالطاغوت، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] .
وقول النبي ﷺ: " من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله " وفي رواية: " من وحد الله " ثم ذكر بمثله١.
وتقديم الأمر بالتوحيد على الكفر بالطاغوت يتضمن الإشارة إلى أمرين هامين:
الأول: أن عبادة الله وحده لا شريك له هي الأساس الأهم للإيمان، وهي حق الله على عباده. والكفر بالطاغوت شرط لها. فدعوة الرسل تنصب على المقصد الأهم وهو العبادة الخالصة ثم بيان شرطها. فتقديم الغاية على شرطها هو الأنسب في مقام التبليغ والبيان.
أما في فعل العبد وامتثاله لما كلف به، فلا بد أولًا أن يخلع ثوب الشرك ويكفر بالطاغوت ثم يدخل الإيمان نقيًا طاهرًا فيتزكى، كما قال تعالى في فعل العبد: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللهِ﴾ .
وقال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر:١٧] .
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس ح (٢٣) ج١/٥٣.
[ ١ / ٤٥ ]
الثاني: أن تأخير ﴿وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوت﴾ في الآية، و"كفر بما يعبد من دون الله" في الحديث تفيد وجوب الاستمرار. فكما أن الكفر بالطاغوت مقدم في المجال العملي، إلا أنه يجب أن يستمر إلى أن يلقى العبد ربه. فعلى المؤمن طول حياته أن يستقيم على عبادة الله الخالصة، ويجتنب الطاغوت، وذلك كالصلاة والطهارة لها. فالطهارة تكون قبل الصلاة وتستمر حتى نهايتها. والله أعلم.
والكفر بالطاغوت أصل تتضمنه شهادة أن لا إله إلا الله.
قال الشيخ سليمان١ بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -﵏- مبينًا حقيقة التوحيد: "وحاصله هو البراءة من عبادة كل ما سوى الله، والإقبال بالقلب والعبادة على الله. وذلك هو معنى الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله وهو معنى: لا إله إلا الله"٢.
_________________
(١) ١ الشيخ العلامة سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب. صنف تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، وأوثق عرى الإيمان. قتل ﵀ سنة ١٢٣٣هـ على يدي إبراهيم باشا بعد استيلائه على الدرعية. انظر: الأعلام للزركلي ٣/١٩١، ومشاهير علماء نجد ٤٤. ٢ تيسير العزيز الحميد، للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ص١٣٩. المكتب الإسلامي ط الثالثة، ١٣٩٧هـ.
[ ١ / ٤٦ ]
المراد بالطاغوت في خطاب الشارع:
فُسر الطاغوت بالشيطان، والساحر، والكاهن، والأصنام١.
وهذا تفسير له ببعض أفراده، وإلا فالطاغوت يطلق على كل من طغى وتجاوز حده، وادّعى حقًا من حقوق الله التي تفرد بها.
قال ابن جرير٢ -﵀-: "والصواب من القول عندي في الطاغوت أنه كل ذي طغيان على الله فعُبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنسانًا كان ذلك المعبود أو شيطانًا، أو وثنًا، أو صنمًا كائنًا ما كان من شيء" ٣.
فالضابط إذًا لمعنى الطاغوت:
أنه كل مخلوق تجاوز حده وادّعى لنفسه أو لغيره شيئًا مما تفرد الله به٤، أو نُسب إليه ورضي بذلك، أو كان في حكم الراضي.
ويخرج من هذا الأنبياء والملائكة وصالحو الإنس والجن الذين عُبدوا
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان لابن جرير ٣/١٨، ١٩، والتفسير الكبير لمحمد بن عمر الرازي ج٧/١٦. دار الكتب العلمية طهران. ط: الثانية، ت: بدون. ٢ الإمام الحافظ أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، صنف التفسير والتاريخ وتهذيب الآثار. توفي سنة ٣١٠هـ. ٣ جامع البيان لابن جرير ج٣/١٩. ٤ سيأتي بيان الأمور التي تفرد الله بها عند الكلام على الأساس الثاني: "الإيمان بالغيب".
[ ١ / ٤٧ ]
في حياتهم أو بعد موتهم، أو أسند إليهم دون رضاهم شيء مما اختص الله به. وذلك أنهم لم يدّعوا ذلك ولن يُقروا من ادعاه. وسيتبرؤون منه إن علموا به في حياتهم أو يوم القيامة كما قال تعالى مبينًا ذلك:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠، ٤١] .
فهم لا يعبدونهم في حقيقة الأمر، إنما يعبدون الشياطين الذين زينوا لهم ذلك، والذين يتلاعبون بهم بما يظهرون لهم من خوارق العادات ونحوها.
ويدخل في مسمى الطاغوت الجمادات التي عُبدت من دون الله، كالقبور والأحجار والأشجار والعتبات والمشاهد، ونحوها.
وذلك أنه نُسب إليها وفُعل عندها ما لا يجوز إلا لله وحده، فهي في حكم الطواغيت. وسوف تُلقَى في النار مع من عبدها زيادة في تبكيت المشركين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] .
وقد استثنى الله عبادة الصالحين الذين عُبدوا من دونه من الدخول في جهنم وذلك أنه نُسِب إليهم ذلك زورًا وبهتانًا. فلم يدْعوا لذلك ولن
[ ١ / ٤٨ ]
يرضوا به، وسيتبرّؤون منهم يوم القيامة فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١، ١٠٢] .
والإيمان بالطاغوت: يكون بتصديقه فيما ادعاه من حق الله. أو تصديق ما نسب إليه من ذلك حتى لو لم يعمل به.
وعبادة الطاغوت: تكون بالعمل بموجب ذلك التصديق، بصرف شيء من العبادة له كالصلاة أو الدعاء أو الرجاء ونحو ذلك.
والكفر بالطاغوت: يكون باعتقاد بطلان عبادة غير الله، وتكذيب ما يدّعون أو ما ينسب إليهم من حق الله.
ويدخل في ذلك بغض الطواغيت وأتباعهم ومللهم وكراهتهم والبراءة منهم ومما يعبدون وعداوتهم١ وقد بين الله تعالى أهمية الكفر بالطاغوت وكيفيته وممن يكون في سياق واحد في سورة الممتحنة فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
_________________
(١) ١ انظر: مجموعة التوحيد: مجموعة رسائل لنخبة من علماء المسلمين، الرسالة الأولى ص١١، ط: السلفية. وانظر تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ص٣٤.
[ ١ / ٤٩ ]
كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة:٤-٦] .
فقوله تعالى في أول السياق: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ..﴾ وفي آخر السياق: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ..﴾ بيان لأهمية هذا الأمر وتأكيد له وأنه من الأسس التي تقوم عليها الحنيفية ملة إبراهيم ﵇، وأن الكفر بالطاغوت والبراءة من الشرك وأهله لازم لمن أراد أن يلقى الله وهو راض عنه فيفوز في اليوم الآخر.
وفي قوله: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بيان أن البراءة تكون من الشرك وأهله، من الطواغيت وأتباعهم وأعمالهم وكل خصائصهم وأحوالهم المنحرفة.
وفي قوله: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا﴾ بيان لكيفية الكفر بالطاغوت، وأنها تكون بجحد وتكذيب ما هم عليه من
[ ١ / ٥٠ ]
الشرك والعقائد الباطلة، وإظهار العدواة والبغضاء لهم.
وفي قوله: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ بيان لغاية الكفر بالطاغوت وأنها مستمرة ما دام الكافر على كفره، لا حد لها إلا رجوعه عن باطله.
فالكفر بالطاغوت والبراءة من الشرك وأهله أساس هام للإيمان بالله، وخطوة مقدمة لتطهير القلب، وتهيئته لاستقبال الإيمان وعقائده المباركة.
الأساس الثاني: الإيمان بالغيب
الإيمان بالغيب هو حقيقة الإيمان بالله وتصديق المرسلين.
وقد ذكره الله في مطلع سورة البقرة أول وأهم صفة يتميز بها المتقون. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:١-٣] .
والغيب: هو كل ما غاب عنك من شيء.
والإيمان به هو: التصديق والإقرار١.
قال ابن جرير -﵀- في بيان المراد بالإيمان بالغيب: "الإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل" ٢.
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ج١/١٠١. ٢ جامع البيان لابن جرير ج١/١٠١.
[ ١ / ٥١ ]
والإيمان بالغيب هو: التصديق والإقرار بكل ما أخبر به الله من الأمور المغيبة.
ويشمل ما أخبر به عن نفسه تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، وأخبار الأمم السابقة، وما سيكون في مستقبل الزمان، واليوم الآخر، والقدر.
قال الربيع بن أنس١ -﵀- في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾: "آمنوا بالله، وملائكته، ورسله، واليوم الآخر، وجنته، وناره، ولقائه، وآمنوا بالحياة بعد الموت" ٢.
وقد جمع الرسول ﷺ أصول الأمور الغيبية بتعريفه للإيمان في حديث جبريل -﵇- حيث قال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره " ٣.
وسأتكلم -باختصار- على تعريف هذه الأركان الستة بما يحصل به المقصود من تجلية الأسس التي يقوم عليها الإيمان، وأهم معالمها دون قصد الشرح والتفصيل، فذلك له مواضعه من كتب أهل العلم.
_________________
(١) ١ الربيع بن أنس بن زياد البكري، عالم مرو في زمانه، توفي سنة ٢٣٩هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٦/١٦٩، وتهذيب التهذيب ٣/٢٣٨. ٢ جامع البيان ج١/١٠١. ٣ سبق تخريجه ص (٣٢) .
[ ١ / ٥٢ ]
الأول: الإيمان بالله.
وهو التصديق والإقرار الجازم بكل ما أخبر الله به عن نفسه وما يجب له من الأسماء والصفات والأفعال، وسننه وحكمته في خلقه وحقه على عباده.
وهو توحيده سبحانه، الذي يكون باعتقاد تفرده بما أخبر بأنه متفرد به من الأمور.
وهي تنحصر إجمالًا في ثلاثة أمور:
١- تفرده بالذات المقدسة، وصفات الكمال، والأسماء الحسنى الواردة في نصوص الكتاب والسنة.
وإثباتها على الحقيقة، وِفْقَ منهج السلف الصالح، بعيدًا عن المناهج المبتدعة القائمة على التعطيل أو التأويل أو التشبيه.
قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] .
وقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] .
وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
وقال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] .
ومعرفة ذلك وإثباته هو: توحيد الأسماء والصفات.
[ ١ / ٥٣ ]
٢- تفرده بأفعاله العظيمة الحكيمة.
قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] .
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١] .
وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٤٠] .
وقال: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:١٠٠] .
واعتقاد ذلك هو: توحيد الربوبية.
٣- تفرده بالألوهية واستحقاقه للعبادة.
قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] .
وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] .
واعتقاد تفرد الله بالألوهية، وإخلاص العبادة له، هو توحيد الألوهية، الذي هو حق الله على عباده وأساس الدين.
[ ١ / ٥٤ ]
فإذا اعتقد العبد تفرد الله بهذه الأمور، وانقاد لموجبها، فقد حقق التوحيد، وكان إيمانه بالله صحيحًا.
الثاني: الإيمان بالملائكة.
"وهو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى خلَق عالمًا أسماه الملائكة. وهم أرواح قائمة في أجسام نورانية، قادرة على التمثل بأنواع مختلفة الشكل، بإذنه تعالى مناسبة للحال التي يأتون بها" ١.
"كما يجب التصديق بصفاتهم وأفعالهم الواردة في نصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية، الدالة دلالة قطعية على وجودهم، وأنهم يتصفون بصفات حميدة وأفعال رشيدة" ٢.
الثالث: الإيمان بكتب الله:
"وهو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى أنزل على رسله كتبًا مشتملة على هدى العباد، مبينة لهم ما يصلح دينهم ودنياهم، موضحة ما عليهم من واجبات، وما لهم من حقوق، بها الأنظمة الشرعية والتوجيهات الخُلُقية"٣.
_________________
(١) ١ منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان. د/علي بن ناصر فقيهي ص٢١ ط: الأولى ١٤٠٥هـ. ٢ انظر: المرجع نفسه ص٢٣، ٢٧. ٣ د/ علي ناصر فقيهي، المصدر السابق ص٢٩.
[ ١ / ٥٥ ]
هكذا يكون الإيمان إجمالًا بالكتب المنزلة على رسل الله السابقين:
كالتوراة التي أنزلت على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، وصحف إبراهيم، وكل ما وردت الإشارة إليه في نصوص الوحي.
أما القرآن فيزيد على ذلك باعتقاد حفظ الله له، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والإيمان بعقائده، والتصديق بأخباره، وامتثال أوامره، والانتهاء عن نواهيه، وتنفيذ وصاياه.
واعتقاد أنه كلام الله حقًا سمعه منه جبريل -﵇-، وسمعه محمد ﷺ من جبريل. وسمعه الصحابة -رضوان الله عليهم- من النبي، وتناقلته الأمة بالنقل الصحيح المتواتر جيلًا بعد جيل وإلى أن يرفعه الله إليه.
الرابع: الإيمان بالرسل:
وهو الاعتقاد الجازم بأن الله ﷾ بعث في كل أمة رسولًا منهم يدلهم على الخير ويحذرهم من الشر رحمة بهم١.
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤] .
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص٣٠.
[ ١ / ٥٦ ]
ويتضمن الإيمان بالرسل أربعة أمور١:
١- الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى، فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بالجميع.
٢- الإيمان بمن علمنا اسمه منهم، مثل محمد وإبراهيم وموسى ونوح -﵈- وغيرهم مما ذكر اسمه في الكتاب أو السنة على وجه التعيين.
أما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالًا حيث نعتقد أن الله بعث في كل أمة نذيرًا.
٣- تصديق ما صح عنهم من أخبارهم.
٤- العمل بشريعة من أُرسل إلينا منهم وهو خاتمهم محمد ﷺ.
الخامس: الإيمان باليوم الآخر.
قال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤] .
والإيمان باليوم الآخر: هو الاعتقاد بالبعث بعد الموت وأن هناك يومًا يحاسب فيه الناس على أعمالهم، والتصديق بكل ما أخبر الله به مما
_________________
(١) ١ انظر: رسائل العقيدة. الشيخ محمد بن صالح العثيمين الرسالة الأولى ص٢٥، ٢٦، دار طيبة الرياض، ط الثانية ١٤٠٦.
[ ١ / ٥٧ ]
يكون في ذلك اليوم.
ويشمل الإيمان باليوم الآخر أمورًا أهمها:
الإيمان بالبعث بعد الموت، وبعد النفخ في الصور، والحساب والجزاء والموازين، ولقاء رب العالمين، والحوض والصراط، وما ورد الخبر به مما يجري على العباد، والجنة والنار وما ورد في صفاتهما وصفات أهلهما.
ويلحق بالإيمان باليوم الآخر التصديق بما يكون بعد الموت، من فتنة القبر والسؤال فيه وعذاب القبر ونعيمه١.
السادس: الإيمان بالقدر:
وهو الاعتقاد الجازم بأن الله سبق في علمه مقادير الخلائق -ويشمل ذلك ما يعمله العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية، ومن هو من أهل الجنة، ومَنْ مِن أهل النار- وقد كتب الله ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
كما كتب لهم وعليهم ما تقتضيه حكمته، من المقادير والأحوال التي يستحقونها على أعمالهم التي علم أنهم سيعملونها، وأراد إرادة كونية أن يقع ما عَلِمَه وكَتبه لأجلهِ الذي قدر له. وهو الذي يخلقه إذا حان الأجل، فهو الخالق لكل شيء بما في ذلك أفعال العباد، من الكفر والإيمان
_________________
(١) ١ الشيخ محمد بن عثيمين. المصدر السابق ص٢٩، ٣٠.
[ ١ / ٥٨ ]
والطاعة والعصيان وغيرها١.
فإذا آمن العبد بهذه الأمور الغيبية الستة أصبح من المؤمنين بالله الذين تصح منهم العبادة، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] .
الأساس الثالث: القيام بمقتضى التكليف بامتثال الأوامر واجتناب النواهي
والمراد أن العبد إذا كفر بالطاغوت، وتبرأ من الشرك وأهله، وآمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر، فعليه بعد ذلك أن يستجيب لله بفعل ما كلفه به من الطاعات، وترك ما نهاه عنه من المحرمات.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] . ففي هذه الآية بيان للحكمة الشرعية التي خلق الله من أجلها الناس، وهي أن يكلفهم بعبادته، بالامتثال لأوامره والانتهاء عن نواهيه.
_________________
(١) ١ انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب ص٢٤، ورسائل العقيد للشيخ محمد بن عثيمين الرسالة الأولى ص٣٧-٤٠.
[ ١ / ٥٩ ]
قال الشوكاني١ -﵀-:
"وروي عن مجاهد٢ أنه قال: المعنى إلا لآمرهم وأنهاهم ويدل عليه قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [التوبة:٣١] واختار هذا الزجاج ٣" ٤
وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠] .
وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] .
_________________
(١) ١ هو العلامة الفقيه المحدث محمد بن علي بن محمد الشوكاني من أهل اليمن، صنف نيل الأوطار، وفتح القدير، والسيل الجرار. توفي سنة ١٢٥٠هـ. انظر: البدر الطالع ٢/٢١٤، والأعلام ٦/٢٩٨. ٢ هو شيخ القراء والمفسرين أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي توفي سنة ١٠٣ وقيل غير ذلك. انظر: سير أعلام النبلاء ٤/٤٤٩، والبداية والنهاية ٩/٢٣٢. ٣ الزجاج: إمام زمانه في النحو، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الزجاج البغدادي. صنف معاني القرآن، والاشتقاق والنوادر توفي ٣١١هـ. انظر: وفيات الأعيان ١/٤٩، وسير أعلام النبلاء ١٤/٣٦٠. ٤ فتح القدير لمحمد بن علي الشوكاني، ج٥/٩٢. دار المعرفة -بيروت.
[ ١ / ٦٠ ]
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] .
فقوله: تعبدوا وليعبدوا واعبدوا في النصوص المتقدمة تأكيد لوجوب الامتثال لأمر الله بفعل الطاعات، واجتناب ما نهى عنه بترك المحرمات. وأن ذلك أساس هام يقوم عليه الإيمان الصحيح والعبودية الحق التي لا يتحصل العبد على الإيمان الجالب لولاية الرحمن بدونه.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨] .
السلم: هو الإسلام. والمراد بكافة: أي جميع شرائع الإسلام.
ففي الآية يدعو الله المؤمنين إلى الأخذ بجميع شرائع الإسلام، وإقامة جميع أحكامه، وحدوده، دون تضييع بعضه والعمل ببعضه١.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤] .
وقد حذر الله تعالى ورسوله ﷺ من التفريط في الطاعة وعدم
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان لابن جرير ج٢/٣٢٤.
[ ١ / ٦١ ]
الالتزام بالتكليف في نصوص كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] .
وقال ﷺ: " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى "١.
وليس الغرض الكلام على تفاصيل التكاليف، وإنما بيان أن القيام بمقتضى التكليف أساس مهم في الإيمان الصحيح الراسخ الذي يتحصن به العبد ضد الفكر الخبيث، ويتحصل به على الثمرات المباركة التي يكرم الله بها أولياءه.
والقيام بمقتضى التكليف مشروط بشرطين هامين هما الإخلاص والمتابعة. وسوف يجري الكلام عليهما في الأساس الرابع، والخامس.
الأساس الرابع: الإخلاص لله في العبادة
والمراد أن العبد إذا ستبرأ من الشرك وأهله وآمن بالله وما أخبر به من الأمور الغيبية وانقاد لموجب الأمر، واجتنب ما يُنهى عنه، فإنه لا يتحقق الإيمان إلا بالإخلاص لله في عبادته. فالإخلاص في العبادة هو حق الله الذي أمر به عباده.
_________________
(١) ١ رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ، ح (٧٢٨٠) ج١٣/٢٤٩.
[ ١ / ٦٢ ]
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] .
وقال ﷺ في حديث معاذ١ ﵁: " فإن حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا "٢.
والإخلاص هو أن يقصد العبد بكل عباداته وجه الله تعالى. فلا يشرك معه في العبادة المعينة أحدًا، ولا يصرف جنس العبادة لغيره.
قال تعالى مبينًا نية عباده الذين رضي عنهم وأشاد بصنيعهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٩] .
والإخلاص في العبادة أساس الحنيفية ملة إبراهيم وهو الأمر الذي تميز به الحنفاء أتباع الأنبياء عن غيرهم من الأدعياء الذين ينتسبون إلى الأديان السماوية وهي منهم براء. فالفارق الأساس هو التوحيد الخالص
_________________
(١) ١ هو الصحابي الجليل معاذ بن جبل بن عمرو الخزرجي الأنصاري. أعلم الصحابة بالحلال والحرام. توفي سنة ١٧ وقيل ١٨هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١/٤٤٣ وتهذيب التهذيب ١٠/١٨٦. ٢ متفق عليه. البخاري، كتاب الجهاد، باب اسم الفرس والحمار، ح (٢٨٥٦) الصحيح مع الفتح ٦/٥٨. ومسلم كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، ح (٣٠) ١/٥٨.
[ ١ / ٦٣ ]
عند أتباع النبي ﷺ والذي لا يوجد عند أهل الكتاب الذين حادوا عن منهج الأنبياء. بين ذلك ربنا بقوله: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة:١٣٩] .
فانظر إلى قوله في ختام الآية ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ ولم يقل وأنتم له مخلصونّ مما يدل على أن هذا الأمر تفرد به المسلمون.
والإخلاص هو حقيقة معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب –﵏-:"النوع الثالث: توحيد الإلهية المبني على إخلاص التأله لله تعالى، من المحبة والخوف، والرجاء والتوكل، والرغبة والرهبة، والدعاء لله وحده. ويبنى على ذلك إخلاص العبادات كلها ظاهرها وباطنها لله وحده لا شريك له، لا يُجعل فيها شيء لغيره، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فضلًا عن غيرهما
وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول: لا إله إلا الله. فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة والخشية والإجلال والتعظيم، وجميع أنواع العبادة، ولأجل هذا التوحيد خلق الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة، وأشقياء أهل النار" ١.
_________________
(١) ١ تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، ص٣٦.
[ ١ / ٦٤ ]
وضابط الإخلاص:
أن كل ما ثبت أنه عبادة فهو من الدين. وما كان من الدين فيجب أن يكون خالصًا يقصد به وجه الله وحده: فلا يشرك معه فيه أحد، ولا يصرف جنسه إلى غير الله.
وذلك أن الله تعالى قال: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] .
قال: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:٦٥] .
فالدعاء -مثلًا- من الدين، فيجب أن يكون خالصًا.
فلا يجوز أن يدعى الله ويدعى غيره في آن واحد.
ولا يجوز أن يصرف جنس الدعاء لغير الله -كأن يدعو الله وحده مرة، وفي مرة أخرى يدعو غير الله.
وهكذا كل العبادات: كالصلاة، والتوبة، والطواف، والاستعانة، والسؤال، والخوف، والرجاء، ونحوها.
فالإخلاص شرط في صحة العبادة. وأساس هام من أسس الإيمان. بدونه لا يدخل العبد في ولاية الله، ولا يقبل منه عمل، ولا يتحصل على ثمرات الإيمان وكراماته التي وعد الله بها عباده المؤمنين.
الأساس الخامس: صدق المتابعة للنبي ﷺ
والمراد أن العبد إذا كفر بالطاغوت وآمن بالغيب، وقام بفعل ما أمر به وانتهى عما نهى عنه، وتوجه لله وحده، فعليه مع ذلك أن يقتدي بالنبي
[ ١ / ٦٥ ]
ﷺ في أداء العبادات، وأن يتلقى منه وحده بيان العبادات وكيفياتها وكل ما يحتاج إليه في القيام بما كُلف به.
وصدق المتابعة للرسول ﷺ هو حقيقة معنى شهادة أن محمدًا رسول الله.
قال ابن رجب١–﵀-: "وتحقيقه بأن محمدًا رسول الله، ألا يعبد الله بغير ما شرعه الله على لسان محمد ﷺ"٢.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١] .
قال ابن كثير -﵀-:"هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله، وأفعاله، وأحواله" ٣.
وفي قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ دليل على أهمية الاقتداء
_________________
(١) ١ الإمام الحافظ العلامة أبو الفرج عبد الرحن بن أحمد بن رجب الحنبلي، صنف شرحًا لصحيح البخاري ولم يتمه، والقواعد الفقهية، وجامع العلوم والحكم. وغيرها. توفي سنة ٧٩٥هـ. انظر: شذرات الذهب ٦/٣٣٩، والجوهر المنضد ٤٦. ٢ كلمة الإخلاص وتحقيق معناها. للحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي ص٢١. ٣ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٦/٣٩٢.
[ ١ / ٦٦ ]
برسول الله ﷺ، وأنه أساس من أسس العبودية التي ينبغي أن يكون عليها من كان يرجو الله، والحصول على ولايته والفوز يوم القيامة.
وهذا الأصل العظيم دلت عليه نصوص كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] .
وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] .
وقد جمع الله بين هذا الأصل -صدق المتابعة- والذي قبله -الإخلاص- في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] .
"وهذان ركنا العمل المتقبل لا بد أن يكون صوابًا خالصًا. فالصواب: أن يكون على السنة، وإليه الإشارة بقوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ .
والخالص: أن يخلص من الشرك الجلي والخفي، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ "١.
واتباعه ﷺ يكون بتعلم ما جاء به من الوحي والعمل والاقتداء به.
_________________
(١) ١ تيسير العزيز الحميد ص٥٢٥.
[ ١ / ٦٧ ]
قال ﷺ آمرًا بالاقتداء به وبالخلفاء الراشدين السائرين على نهجه المقتفين لأثره، ومحذرًا من البدع والمحدثات: " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنه من يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة "١.
وكما نهى عند البدعة والمحدثات نهى عن الغلو فقال: " هلك المتنطعون " قالها ثلاثًا٢.
وقال أيضًا: " فمن رغب عن سنتي فليس مني "٣.
وبهذا يتبين أن التأسي بالنبي ﷺ وصدق المتابعة له شرط في صحة العبادة، وأساس عظيم يقوم عليه الإيمان بالله، وأن ذلك لا يتحقق إلا بالابتعاد عن الغلو والبدع والمعاصي.
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد: المسند ٤/١٢٦ واللفظ له، مسند العرباض بن سارية، وابن ماجه، المقدمة: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين ح (٣٥) ١/١٠ تحقيق محمد مصطفى الأعظمي. ورواه الترمذي أبواب العلم، باب ١٦، ٤/١٤٩ وقال:" حديث حسن صحيح" وصححه الألباني في إرواء الغليل ٨/١٠٧. ٢رواه مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، ح (٢٦٧٠) ٤/٢٠٥٥. ٣ متفق عليه. البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، ح (٥٠٦٣) الصحيح مع الفتح ٩/١٠٤. ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح ، ح (١٤٠١) ٢/١٠٢٠.
[ ١ / ٦٨ ]
الأساس السادس: العلم
والمراد أن الإيمان الصحيح الراسخ المؤثر على صاحبه تطهيرًا وتزكية وتحصينًا، هو الذي يقوم على العلم المستقى مما جاء به النبي ﷺ من الوحي.
وهو أمر لازم لتحقيق جميع الأسس المتقدمة، فلا يتسنى له -مثلًا- تحقيق الكفر بالطاغوت إلا بالعلم بصفات الطواغيت وخصائصهم وأحوالهم، لذلك جرى بيانها في الكتاب والسنة، أشار إلى ذلك ربنا بقوله:
﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥] .
وهكذا سائر الأسس وغيرها من المطالب الإيمانية، لا يمكن القيام بها إلا بالعلم بما ورد من تفاصيلها في كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ.
فالعلم أساس هام في الإيمان بالله، وركن بارز في دعوة النبي ﷺ قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] .
هذه الآية وردت في أواخر سورة يوسف ﵇، فهي تعقيب وربط بين ما قرر فيها من منهج وطريق المرسلين السابقين، وما ينبغي أن تكون عليه الدعوة الجديدة التي يقوم بها المصطفى ﷺ:
[ ١ / ٦٩ ]
فهذه الآية تبين أن النبي ﷺ وأتباعه على طريق يوسف -﵇- الذي كان على ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب -﵈.
تلك الملة القائمة على الكفر بالطاغوت، والالتزام الدقيق بالتوحيد الخالص والتي بينها يوسف -﵇- بقوله: ﴿قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف:٣٧، ٣٨] .
فهذه الملة هي طريق النبي ﷺ وأمته أيضًا وأساس دعوتهم، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] .
فدلت آية سورة يوسف على أن طريق النبي ﷺ يقوم على ثلاثة أمور:
الأول: التوحيد الخالص: القائم على فعل الطاعات واجتناب المحرمات، مع الإخلاص لله في ذلك.
الثاني: الدعوة إلى توحيد الله.
[ ١ / ٧٠ ]
الثالث: العلم والبصيرة في ذلك كله.
قال ابن جرير -﵀-: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد هذه الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له، دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته وترك معصيته، سبيلي وطريقتي ودعوتي أدعو إلى الله وحده لا شريك له على بصيرة بذلك، ويقين علم مني به أنا ويدعو إليه على بصيرة أيضًا من اتبعني وصدقني، وآمن بي. وسبحان الله يقول تعالى ذكره:
وقل تنزيهًا لله وتعظيمًا له، من أن يكون له شريك في ملكه أو معبود سواه في سلطانه. وما أنا من المشركين يقول: وأنا بريء من أهل الشرك به، لست منهم ولا هم مني" ١.
وقد بين سبحانه أن التعليم من أخص وظائف النبي ﷺ وأنه أخرج به المسلمين من الضلال المبين، فقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] .
_________________
(١) جامع البيان ١٣/٧٩، ٨٠.
[ ١ / ٧١ ]
فالعلم مقدم على كل قول أو عمل كُلف به الإنسان، أو رام القيام به، وشرط في صحته. قال الإمام البخاري ﵀ في الجامع الصحيح:
"باب العلم قبل القول والعمل، لقول الله تعالى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ فبدأ بالعلم"١.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب٢ -﵀-: "اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل:
الأولى: العلم، وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
الثانية: العمل به.
الثالثة: الدعوة إليه.
الرابعة: الصبر على الأذى فيه.
الدليل قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ١/١٥٩. ٢ الإمام العلامة مجدد الدعوة السلفية في الجزيرة العربية محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي، ألف كتاب التوحيد، وكشف الشبهات، ومختصر السيرة النبوية، وغيرها. توفي ﵀ في سنة ١٢٠٦هـ. انظر: روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام، لحسن بن غنام، والأعلام ٦/٧٢٥.
[ ١ / ٧٢ ]
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١-٣] ١.
وبهذا يتبين أن العلم والبصيرة في الدين أساس هام لا يتحصل العبد على الإيمان المثمر المحصن بدونه.
وفيما يأتي مزيد بيان لأهمية العلم وآثاره المباركة وبيان لبعض مباحث الإيمان كلما اقتضت الحاجة ذلك. والله المستعان.
_________________
(١) ١ الأصول الثلاثة وأدلتها، للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ص٥ مكتبة الشباب، مكة المكرمة، ط: الأولى، ١٣٨٧هـ.
[ ١ / ٧٣ ]
المبحث الثاني: الفكر الجاهلي في مجابهة الإيمان
والمراد بهذا المبحث بيان أن أعداء الإسلام قد شنوا حربًا فكريةً عنيفة ومستمرة استهدفت القضاء على الإيمان، وذلك ضمن كيد ومكر متكامل، استخدموا فيه جميع الوسائل الممكنة في حرب الإسلام.
ومن ذلك توجيههم الكثير من الأفكار الخبيثة نحو العلم المبين للإيمان، بهدف تحريفه وتشويهه ومعارضته بالشبهات، وتوجيهه الوجهات الضالة، ووضع التصورات والتعاريف المنحرفة لجميع مسائله وقضاياه.
وبذلك يعطون من ظفروا به من الناشئة ومعتنقي الإسلام مفاهيم خاطئة ضالة للإيمان من البداية.
ووجهت أفكار ومخططات أخرى نحو قلوب معتنقي الإيمان الصحيح في محاولة لزعزعتها، وتزيين الباطل لها ولبسه بالحق، وإيقاد نار الشهوات وإطفاء نور الإيمان المتأجج فيها.
وبذلك كانت الأفكار الهدامة بمثابة الجراثيم والديدان، التي تنخر في الأبدان فتمرضها، فالأفكار الضالة تنخر في القلوب والعقول، وتتسلط على العقائد الحق، والعواطف الطيبة، والإرادات، فتمرضها وتوجهها نحو الباطل والشر.
وسوف يجري الكلام في هذا المبحث من خلال المطالب الآتية:
[ ١ / ٧٥ ]
المطلب الأول: بيان أن الصراع بين الحق والباطل من سنن الله الجارية إلى يوم القيامة.
المطلب الثاني: الصراع الفكري بين الحق والباطل في عصور الإسلام المتقدمة.
المطلب الثالث: الغزو الفكري للأمة الإسلامية في العصر الحديث.
[ ١ / ٧٦ ]
المطلب الأول: بيان أن الصراع بين الحق والباطل من سنن الله الجارية منذ خلق الله الإنسان وإلى يوم القيامة
لقد كرم الله الإنسان فخلقه بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه الأسماء كلها، وأعطاه العقل الذي يعرف به الخطاب، ويطلب به الأسباب، ويستفيد مما سخره الله له على وجه الأرض.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٧٠] .
وهبط آدم أبو البشر -﵇- إلى الأرض عارفًا بربه، عالمًا بما يجب له، مؤمنًا نقيًا مغفورًا له، واصطفاه الله بالنبوة والوحي.
قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٣٧] .
وعاش البشر الذين تناسلوا من آدم وحواء مدة من الزمن على دين أبيهم، وكانوا أمة واحدة على التوحيد ودين الحق كما قال تعالى:
[ ١ / ٧٧ ]
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣] .
قال ابن جرير -﵀-: "فإن دليل القرآن واضح على أن الذين أخبر الله عنهم أنهم كانوا أمة واحدة، إنما كانوا على الإيمان ودين الحق دون الكفر بالله والشرك به" ١.
ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس٢ -﵄- أنه قال: "كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين"٣.
والعجيب في واقع البشر أن الهدى الرباني - الذي شاء الله بإرادته
_________________
(١) ١ جامع البيان في تفسير القرآن، لابن جرير ٢/١٩٦. ٢ إمام التفسير وحبر الأمة الصحابي الجليل عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله ﷺ. توفي سنة سبع أو ثمان وستين. سير أعلام النبلاء ٣/٣٣١، والبداية والنهاية ٨/٢٩٨. ٣ رواه ابن جرير، جامع البيان ٢/١٩٤.
[ ١ / ٧٨ ]
الشرعية١ أن يكون مزيلًا للخلاف بينهم- تؤول حالهم معه إلى التفرق
_________________
(١) ١ الإرادة المنسوبة إلى الله نوعان: الإرادة الشرعية: وهي إرادة الله المتعلقة بالشرع والتكليف، وأمره سبحانه المتوجه إلى المكلفين بما يجب أن يفعلوه وما يرضاه لهم من الشرائع والعبادات والأخلاق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (يوسف:٤٠) وهي إرادة متعلقة بالحكمة الشرعية، أي أنه يشرع لعباده ما تقتضيه حكمة التكليف من حصول المصالح لهم كما في المعاملات والأخلاق، ودفع المفاسد كما في الحدود، وحصول محبوبات لله كما في العبادات. وقد وردت الإشارة إلى الإرادة الشرعية في بعض النصوص نحو: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ (البقرة:١٨٥) أي أن الله شرع لعباده الفطر في رمضان لمن كان مريضًا أو مسافرًا، لأنه يحب لهم اليسر، ولكن اليسر لا يحصل إلا لمن امتثل هذه الشرائع فأفطر. والإرادة الكونية: وهي متعلقة بالخلق والإيجاد، وأمر الله المتوجه إلى سائر المخلوقات بما يريد خلقه وإيجاده، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس:٨٢) وهي نافذة لا يتخلف عنها المراد ﴿فَعَّالٌ لِمَ يُرِيدُ﴾ (البروج:١٦) وهذه الإرادة متعلقة بحكمة الله الكونية أي أنه سبحانه يخلق ويوجد ويصرف خلقه كما تقتضيه حكمته من تهيئة الكون بما يصلحه والأرض للعيش عليها وما يحقق حصول الابتلاء والامتحان للعباد، وغير ذلك من الحِكم التي يُعلم بعضها ويقصر العقل عن معرفة الكثير منها. ويمكن حصر الفروق بين الإرادة الكونية وما يتعلق بها من الأمر والحكمة، وبين الإرادة الشرعية وما يتعلق بها من الأمر والحكمة فيما يلي:
(٢) الإرادة الكونية متعلقة بالخلق والإيجاد والشرعية بالشرع والتكليف.
(٣) الكونية لا يلزم منها محبة المراد فيخلق سبحانه ما يحبه وما لا يحبه، فخلق الأنبياء مثلًا وهو يحبهم، وخلق إبليس والكفار وهو لا يحبهم، أما الشرعية فهي متعلقة بالمحبة فلا يشرع لعباده إلا ما يحبه ويرضاه.
(٤) الكونية نافذة لا محالة لا يتخلف عنها المراد، أما الشرعية فإنها لا تنفذ إلا فيمن جاء بالسبب وامتثل الشرع وانقاد للأمر، وتتخلف عمن أعرض عن الأمر.
(٥) الكونية متوجهة إلى جميع المخلوقات، أما الشرعية فهي متوجهة إلى المكلفين. انظر: مجموع الفتاى ٢/١٥٩-١٦٠، ١٨٨-١٨٩، وشفاء العليل لابن القيم ٥٥٩-٥٦٧، وشرح العقيدة الطحاوية ٢٤٩-٢٥٤ ط الثامنة.
[ ١ / ٧٩ ]
والاختلاف.
وقد بين الله ذلك من حالهم بقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:٤] .
وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا﴾ [البقرة:٢١٣] .
وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُم﴾ [آل عمران:١٩] .
فالله سبحانه أنزل الوحي والهدى، رحمة بالناس، ليحققوا به ما
[ ١ / ٨٠ ]
أراده منهم من الحكمة الشرعية لخلقهم وهي عبادته وحده لا شريك له والتي بينها بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] .
ولكن الكثير من الناس يأبى إلا التنازع، والبغي والعدوان، والغرور الذي ينتج عنه الخلاف المذموم الذي يقع بعد البينة والعلم.
فواقع الناس صائر إلى ما أراده الله بحكمته الكونية من اختلافهم وتفرقهم إلى أهل باطل وخلاف مذموم، وأهل حق ﵏ فتمسكوا بدينه ولازموه١، بيّن ذلك ربنا بقوله: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨، ١١٩] .
فهذه هي الحال التي علم الله أنها ستكون من الناس، فأرادها وقدرها عليهم، وأذن بحصولها لتتحقق بها حكمته من وقوع الابتلاء والامتحان وتميز الفريقين، ووجود محبوبات له لا تحصل بدون ذلك، من وجود أناس يؤمنون بالغيب، ويعبدون الله عن حرية واختيار لا عن قهر واضطرار، يعرفون الله بالعقل والأخبار دون الحس والمشاهدة بالأبصار.
ويجاهدون النفس والهوى وغيرها، من قوى الباطل، من شياطين
_________________
(١) ١ انظر: درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية ٨/٤٧٧، تحقيق محمد رشاد سالم. جامعة الإمام محمد بن سعود الرياض ط-الأولى ١٤٠١هـ.
[ ١ / ٨١ ]
الإنس والجن، تصديقًا بالغيب، وثقة بكلام الله ووعده، بل ويقدمون أنفسهم في الدفاع عن دين الله، وذلك أسمى مراتب العبودية وأعظم محبوبات الله١.
وسبب اختلاف الناس بعد أن يأتيهم العلم والبينة، هو البغي كما بيّن الله ذلك بقوله: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣] .
والبغي هو: "طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى، فتارة يعتبر في القدر الذي هو الكمية، وتارة يعتبر في الوصف الذي هو الكيفية"٢.
"والبغي المذموم هو تجاوز الحق إلى الباطل أو تجاوزه إلى الشبه"٣.
فالاختلاف على هذا يكون سببه الظلم، والاعتداء، والطغيان في طلب العلم، حيث يؤدي إلى تجاوز العلم الذي أنزله الله، وتطلب الحق في غيره مما يقود إلى الاختلاف المذموم.
ومن الدوافع التي تدفع بعض طلاب العلم إلى هذا التجاوز هو تنافسهم في الدنيا وحب الرئاسة وحسد بعضهم لبعض، حيث عمد بعضهم إلى تلك العلوم الغريبة عن الوحي الإلهي ليتفوقوا بها على أقرانهم،
_________________
(١) ١ انظر: مدارج السالكين، لابن قيم الجوزية أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ١/٤٤٠، دار الكتب العلمية- بيروت ط: الأولى ١٩٨٣م. ٢ المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص٥٥. ٣ المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص٥٥.
[ ١ / ٨٢ ]
ويأتوا بجديد يتميزون به.
ومن ذلك الاغترار بالعقل الذي كان وما يزال من أقوى الدوافع في تجاوز الوحي الإلهي إلى غيره من العلوم، التي ضررها أكثر من نفعها.
فقد اغتر كثير من الناس بعقولهم، وأعطوها أكبر من قدرها، وظنوا أنهم قادرون على إدراك علم وحقيقة سائر الموجودات، المشاهدات منها والمغيبات، فحملهم ذلك مع شهوة حب الاستطلاع، وطلب المزيد إلى عدم الاكتفاء بالوحي، غير شاعرين أن الله -سبحانه- إنما علّمهم ما يكفيهم للقيام بما خُلقوا من أجله، من تحقيق العبودية والاستخلاف في الأرض، وحجب عنهم الكثير من العلوم، إما لعدم حاجتهم لها، أو لضررها عليهم، أو لعدم قدرتهم على إدراكها.
ولقد انتهى بهم هذا الغرور، إلى الإعجاب بطريقة الفلاسفة، الذين اعتمدوا على عقولهم من البداية، وجردوا أنفسهم -بزعمهم- لمعرفة الكون وخالقه، والحياة والغيب، زاعمين أن العقل وحده قادر على معرفة ذلك، وشغلوا الناس قديمًا وحديثًا، بوضع أسس ومقومات ومقدمات تحكم النظر العقلي وتحدد مساراته، وبنظريات وافتراضات لم يستفد منها البشر عبر تاريخهم الطويل، مصالح تذكر. بل إن الشر الذي نتج عن تلك المذاهب الفلسفية يفوق بأضعاف كثيرة، ما زعمه أهلها من مصالحها، وما أقربهم إلى الذين وصفهم الله وحذر أهل الكتاب منهم بقوله: ﴿قُلْ يَا
[ ١ / ٨٣ ]
أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧] .
وكم يصدق عليهم قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣-١٠٤] .
فقد خاض بعض العلماء في تلك العلوم التي خاض فيها الفلاسفة، وراق لهم زخرف القول، واستهوتهم تلك المصطلحات والمناهج، وظنوا أنهم قادرون على الجمع بين الوحي الإلهي وبين تلك العلوم الفلسفية، وسولت لهم أنفسهم أن الوحي لا يعارض تلك العلوم العقلية، بل يجب أن يؤيدها لأن كلا من العقل والوحي من عند الله، فلا يتصور تعارضهما، وهم بذلك لم يفرقوا بين العلم الذي جاء به الوحي من عند الله، والذي يستمد كماله وصلاحه من كمال الله وشمول علمه، وبين العلم البشري الذي يتميز بالضعف والقصور والحيرة نتيجة لضعف العقل البشري الذاتي وتأثير الشهوات والغرائز والعواطف والموروثات البيئية والفكرية عليه.
ونتج عن هذا الاقتحام لتلك المتاهات الفكرية، أن ضل أصحابها عن الوحي الإلهي، وحرفوا الأديان، ونقصوا منها، وزادوا فيها من التصورات والعقائد والأهواء الجاهلية.
[ ١ / ٨٤ ]
وتنوعت المعتقدات والتصورات المنحرفة، نتيجة لاختلاف العقول والأهواء، واختلف الناس باختلافها، فيرسل الله الرسل ينذرونهم من عاقبة هذا الاختلاف والانحراف، ويبشرونهم بثواب الرجوع إلى دين الله والبقاء عليه، وعدم مجاوزته.
وقد بين الله أنه يهدي المؤمنين إلى الحق الذي اختلف الناس في تعيينه بقوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢١٣] .
فخص المهتدين بوصف المؤمنين.
وهؤلاء المؤمنون الذين تكفل الله لهم بالهداية عند اختلاف الناس، هم الذين تمسكوا بما جاءت به الرسل ولم يحيدوا ولم يبدلوا، قال الربيع١ ابن أنس -﵀-: "إن الله هدى المؤمنين الذين أقاموا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف، لذلك كانوا شهداء على الناس يوم القيامة" ٢.
_________________
(١) ١ الربيع بن أنس بن زياد البكري، عالم مرو في زمانه، توفي سنة ١٣٩هـ. سير أعلام النبلاء ٦/١٦٩، وتهذيب التهذيب ٣/٢٣٨. ٢ أورده ابن جرير في جامع البيان في تفسير القرآن ٢/١٩٧.
[ ١ / ٨٥ ]
وهذا البيان الذي ذكره الربيع بن أنس لأهم صفات المؤمنين الذين هداهم الله عند الاختلاف إلى الحق الذي لا مرية فيه، فتولاهم الله وخصهم بعنايته، جزاء موافقًا لعملهم، حيث رضوا بالله وبدينه ولم يجاوزوه إلى غيره، وهم بهذا الثبات أصبحوا شهداء على معاصريهم بوجود الحق وإمكان معرفته واعتناقه.
وهذه الآية تحمل النور الساطع والدليل القاطع لمن أراد الحق وتحراه، وتثلج صدور المؤمنين الذين حققوا إيمانهم بالثبات على المنهج الأول الذي كان عليه سلف الأمة، ونفروا من المحدثات وحذروا منها، لذلك قال أبو العالية١ -﵀-:"في هذه الآية مخرج من الشبهات والضلالات والفتن"٢.
والحق من جهة ظهوره أو خفائه، يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، ففي يعضها يكون ظاهرًا يعلن به أهله ويجاهرون به، وفي بعضها يكون مستترًا مضطهدًا، يصعب على الناس تعلمه والاهتداء إليه، فيبعث الله عند ذلك من رسله وأنبيائه مَن يبين للناس الحق في أمور دينهم، ويزيل عنهم تلك الظلمات، التي رانت على قلوبهم وعقولهم.
_________________
(١) ١ هو الإمام المقرئ الحافظ المفسر أبو العالية، رفيع بن مهران الرياحي، أدرك زمن النبي ﷺ، وأسلم في زمن أبي بكر، وثقه أبو زرعة وأبو حاتم، توفي ٩٣هـ على الراجح. انظر: سير أعلام النبلاء /٢٠٧٤، وشذرات الذهب ١/١٠٢. ٢ رواه ابن جرير في جامع البيان ٢/٣٣٩.
[ ١ / ٨٦ ]
وفي رسالة خاتم الأنبياء والرسل ﷺ، تكفّل الله بحفظ الحق في فئة من الناس لا يزالون ظاهرين حتى قيام الساعة. وعند استحكام الجاهلية في بعض الأماكن في وقت من الأوقات، أو التباس الحق بالباطل وصعوبة الاهتداء إلى الحق، يبقى تحقيق وصف الإيمان هو سبب الهداية بإذن الله ويكون -والحالة هذه- بالتجرد لطلب الحق وإسلام الوجه لله، وسلوك طريق العلم الصحيح، والالتجاء إلى الله والاستعانة به وسؤاله الهداية للحق، فإن من فعل ذلك، وعلم الله من قلبه الصدق، فإنه سبحانه يهديه للحق كما دل على ذلك عموم قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] .
وقوله: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس:٩] .
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] .
ولقوله ﷺ في دعائه إذا قام من الليل: " اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " ١.
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، ح (٢٠٠) ١/٥٣٤.
[ ١ / ٨٧ ]
وإذا كان البغي والغرور، وعدم الاكتفاء بالوحي الإلهي، والتطلع إلى ما وراء الوحي من العلوم، أهم دافع لاختلاف الناس بعد مجيء البينة والعلم، إلا أنه ليس بالدافع الوحيد لاختلافهم.
فهناك فئات من الناس لها طبائع شيطانية، قد انتكست فطرها وقست قلوبها، لا يحبون الخير بل يعادونه، قد زاغوا فأزاغ الله قلوبهم، وختم الله على سمعهم وأبصارهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] .
وقال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٧] .
هذا النوع من الناس هم الذين قال الله فيهم: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٤٦] .
فليس لهم هَم إلا الانغماس في الشهوات، والإفساد في الأرض، لا ينتفعون بعلم ولا هدى، فهم كالكلب الذي لا ينتفع بالراحة فيترك اللهث وإنما هو ملازم للهث، سواء تعب أو ارتاح، كما بين الله حال
[ ١ / ٨٨ ]
بعضهم بقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥، ١٧٦] .
فهم بدافع طبائعهم الفاسدة، ومن أجل تحقيق شهواتهم ومصالحهم، يعادون الحق من أول يوم، ويسلكون كل سبيل لمحاربته، ومن ذلك استغلالهم للخلاف الذي يقع من أتباع الحق، فيروجون لتلك الاختلافات، وينشرونها بقصد نشر البلبلة وتوسيع الخلاف.
وهناك طائفة ثالثة جمعت بين الداءين، داء الاختلاف بعد البينة، وداء الطبائع الشريرة، والأغراض الدنيوية الفاسدة، أولئك هم اليهود الذي جاءهم الهدى والنور، فلم يلتزموا به، ولم يحافظوا عليه، بل زادوا فيه ونقصوا، وحرفوا وبدلوا، ولبسوا الحق بالباطل، وكتموا الحق، ثم ازداد أمرهم سوءًا وضلالًا، عندما زعموا أن الله إله اليهود وحدهم، وكرهوا أن تنزل الهداية والوحي على غيرهم قال الله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة:١٠٥] .
[ ١ / ٨٩ ]
وقال: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة:٩٠] .
قلما اصطدمت أطماعهم الشريرة الباغية، بمشيئة الله وقضائه المحكم، ونزل النور والرحمة على غيرهم، شرقوا بغيظهم، وأحرق الحسد قلوبهم، وعزموا بغرورهم أن يقاوموا إرادة الله القوي العزيز، وانضمّوا إلى جند الشيطان، وبذلوا أقصى ما يستطيعون ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] .
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩] .
فقتلوا في ذلك الأنبياء، واضطهدوا أتباعهم، وتصدوا للرسالة الخاتمة بكل ما أوتوا من قوة، وسلكوا في سبيل الإفساد في الأرض كل الوسائل.
وطائفة ضالة أخرى بَعُد بها العهد عن مشكاة النبوة والنور الإلهي، فخضعت للأوهام والخرافات، والعادات والتقاليد، وجعلت منها دينًا ألفته وتربّت عليه، وربت أجيالها، حتى صعب عليها فراقه، وخالفت الحق وناصبته العداء، محافظة على ميراثها وسِمَةِ أجدادها، وقد أشار الله
[ ١ / ٩٠ ]
إلى هذا النوع بقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة:١٧٠] .
وانتشرت هذه الطوائف المخالفة للحق، وتوزعت في أرجاء المعمورة، وأصبح لكل منها أتباع وأنصار، يتعصبون لها، ويدافعون عنها بدافع من الانتماء الفكري، أو العرقي أو المكاني.
وبعد أن كان الناس في بداية عهدهم أمة واحدة، اجتالتهم الشياطين وهوى الأنفس، والبغي والوهم، حتى أصبحوا فرقًا مختلفة، تتخبط في ظلمات الجهل والضلال ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥] .
حيث قال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩] وسيبقى هذا شأنهم إلى يوم القيامة، أمم تائهة ضالة، وطائفة على الحق ظاهرين.
ونتيجة لوجود هذه الطوائف الضالة بين الناس من جهة، ووجود أهل الحق والنور الإلهي من جهة أخرى، وجد الصراع بين قوى الحق والباطل، سنة جارية أرادها الله إرادة كونية، فكان الناس كما اقتضت حكمته مختلفين.
[ ١ / ٩١ ]
وقد بين الله تعالى أن الاختلاف هو الدافع للصراع بقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقر:٢٥٣] .
ومن يستعرض واقع مسيرة البشر من آدم ﵇، وإلى اليوم يجد نماذج واضحة تؤكد هذه الحقيقة، حقيقة ملازمة الاختلاف والصراع بين الحق والباطل للناس إلى يوم القيامة.
وقصص الأنبياء والمرسلين -﵈- مليئة بالشواهد على ذلك، كذلك قصص العلماء العاملين، والقادة المجاهدين، والدعاة والمصلحين.
وقد دل الدليل الشرعي، والدليل الواقعي على أنه كلما ازداد البيان والإيضاح ازداد الخلاف والتفرق والصراع، فهذه الرسالة الخاتمة جاءت ببيان واضح مفصّل تفصيلًا دقيقًا شاملًا لجميع نواحي الحياة.
قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء:١٢] .
وظل الرسول ﷺ ثلاثة وعشرين عامًا يبين للناس الدين عقائده وشرائعه، على تؤدة وروية يبين لهم ما نزل إليهم من ربهم: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦] .
[ ١ / ٩٢ ]
حتى بلغ البلاغ المبين، وترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها.
وشربت نفوس الصحابة -رضوان الله عليهم- ذلك العلم، فعملوا به وعلّموه لمن بعدهم. وظل هذا العلم والنور الإلهي ينقله من كل عصر عدوله، وبقي ظاهرًا جليًا سليمًا في جماعة من الناس محفوظًا بحفظ الله إلى أن يأتي أمر الله.
ورغم هذا البيان الواضح والحفظ للرسالة، سرت في الأمة الإسلامية سنة الله الجارية، وقضاؤه النافذ بوقوع الاختلاف بعد العلم والبينة، بسبب بغي الناس وتعديهم، وبفعل الطبائع الشريرة الحاقدة المعادية للخير.
فكان الخلاف في هذه الأمة أوسع منه فيمن قبلها، كما كان البيان فيها أوضح، وقد وردت الإشارة لذلك في قول النبي ﷺ: " ألا إن مَن قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة " ١.
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد، المسند ٤/١٠٢، مسند معاوية بن أبي سفيان. ورواه أبو داود - واللفظ له -،كتاب السنة، باب شرح السنة ط الحلبي ٢/٥٠٣. وأخرجه الحاكم وقال: "هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث" ووافقه الذهبي. المستدرك ١/١٢٨. وقال الألباني: "فقد تبين بوضوح ان الحديث ثابت لا شك فيه، ولهذا تتابع العلماء خلفًا عن سلف على الاحتجاج به" السلسلة الصحيحة ج١ ح (٢٠٤) .
[ ١ / ٩٣ ]
ففي هذا الحديث دليل على أن الخلاف داء متأصل في الأمم التي جاءها الكتاب، وأن هذا الداء سينتقل إلى هذه الأمة، وأنها ستتشبه بالأمم الضالة اليهودية والنصرانية والفارسية.
قال ﷺ: " لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، فقيل يا رسول الله: كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك " ١.
وقال ﵊: " لتتبعنّ سنن من كان قبلكم، شبرًا شبرًا، وذراعًا ذراعًا حتى لو دخلوا حجر ضب تبعتموه، قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ "٢.
والتشبه بهذه الأمم عام في كل شيء فيشمل الاختلاف والتفرق في الدين، وقد نبه الله على هذه الناحية من التشبه بقوله: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ
_________________
(١) ١ رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب لتتبعن سنن من كان قبلكم ح (٧٣١٩) ١٣/٣٠٠. ٢ متفق عليه. البخاري -واللفط له- وتفاصيله كسابقه ح (٧٣٢٠) . ومسلم، كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى ح (٢٦٦٩) ٤/٢٠٥٤.
[ ١ / ٩٤ ]
كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة:٦٩] .
فقد أخبر الله سبحانه أن من هذه الأمة من سوف يتشبه بالأمم السابقة في الاستمتاع بالشهوات، والخوض بالشبهات، فإذا كان وقع هذا من بعض الأمم المعاصرين للنبي ﷺ، فوقوعه ممن بعدهم من باب أولى-فهو أخبر عن أمر دائم مستمر، فيكون كل من حصل منه الاستمتاع والخوض إلى يوم القيامة مخاطبًا بذلك١.
وقد حذر الله من التشبه بالأقدمين في الاختلاف والتفرق بقوله: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] .
فأخبر سبحانه أنه سيكون في المسلمين مضاهاة لليهود والنصارى والفرس، وليس هذا إخبارًا عن جميع الأمة، بل قد تواتر عنه ﷺ أنه قال: " لا يزال ناس من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون "،٢
_________________
(١) ١ انظر: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية تحقيق ناصر بن عبد الكريم العقل ١/١٠٥ ط الأولى ١٤٠٤هـ. ٢ رواه البخاري، كتاب المناقب، باب ٢٨ الصحيح مع الفتح ٦/٦٣٢.
[ ١ / ٩٥ ]
وهذه الطائفة هي الجماعة، وهي التي ضمن لها الرسول ﷺ الجنة في حديث معاوية المتقدم: " وواحدة في الجنة، وهي الجماعة " ١.
هذه الطائفة هي التي بقيت على الأمر الأول، واستمسكت بالكتاب والسنة وجانبت البدع والمحدثات، وهي التي يهديها الله إلى الحق بإذنه ويثبتها عليه.
وقد فسر كثير من السلف الطائفة المنصورة الظاهرة الباقية على الحق إلى أن يأتي أمر الله بأنهم: أصحاب الحديث منهم علي بن المديني٢، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأحمد بن حنبل، وعبد الله بن المبارك٣.. وغيرهم٤.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص (٩٣) . ٢ الإمام الحافظ على بن عبد الله بن جعفر البصري المعروف بابن المديني، إمام أهل زمانه في معرفة الحديث والعلل توفي سنة ٢٣٤هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١١/٤١، وشذرات الذهب ٢/٨١. ٣ الإمام الحافظ عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، صاحب كتاب الزهد، توفي سنة ١٨١هـ. سير أعلام النبلاء ٨/٣٨٧، وتهذيب التهذيب ٥/٣٨٢. ٤ شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي، تحقيق د، محمد سعيد خطيب ص٢٦، ٢٧ دار إحياء السنة النبوية، أنقره، ط الأولى ١٩٧١م.
[ ١ / ٩٦ ]
وأهم صفة لهم أنهم تمسكوا بما كان عليه السلف الصالح في العقيدة والشريعة، مستمدين دينهم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، قائمين بالدعوة إلى ذلك، قد فارقوا البدع والمحدثات وحذروا منها.
قال الخطيب البغدادي١ مبينًا شرف أصحاب الحديث وثباتهم على الحق:"فقد جعل الله الطائفة المنصورة حراس الدين، وصرف عنهم كيد المعاندين لتمسكهم بالشرع المتين، واقتفائهم آثار الصحابة والتابعين، فشأنهم حفظ الآثار، وقطع المفاوز والقفار، وركوب البراري والبحار في اقتباس ما شرع الرسول المصطفى لا يعوجون عنه إلى رأي ولا هوى، قبلوا شريعته قولًا وفعلًا، وحرسوا سنته حفظًا ونقلًا، حتى أثبتوا بذلك أصلها وكانوا أحق بها وأهلها، وكم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها، والله تعالى يذب بأصحاب الحديث عنها، فهم الحفاظ لأركانها والقوامون بأمرها وشأنها إذا صدف الناس عن الدفاع عنها، فهم دونها يناضلون.. أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون" ٢.
فالفرقة الناجية هم أهل الحديث أتباع السلف الذين سلكوا منهجهم، باستمداد العلوم من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ولم
_________________
(١) ١ الخطيب البغدادي أحمد بن علي بن ثابت البغدادي صاحب تاريخ بغداد وغيره، توفي سنة ٢٦٣هـ انظر: وفيات الأعيان ١/٩٢، وسير أعلام النبلاء ١٨/٢٧٠. ٢ شرف أصحاب الحديث، للخطيب البغدادي ص١٠.
[ ١ / ٩٧ ]
يقدموا بين يدي ذلك بدعة ولا هوى، ولا رأيًا ولا كشفًا، ولا وجدًا ولا غيره.
وهذه الفرقة باقية فيمن سار على نهجهم إلى يوم القيامة.
ونتيجة لهذا الخلاف الشديد الذي وقع داخل الأمة الإسلامية، ولذلك الخلاف العنيف القديم الذي حصل من الأمم الأخرى التي رفضت الإسلام وناصبته العداء من أول يوم، كان الصراع عنيفًا شديدًا بين دعاة الحق ودعاة الباطل في تاريخ الأمة الإسلامية، ساعد على قوته وشدته على أهل الحق وجود طوائف المنافقين والذميين، بين صفوف المسلمين والذين يساعدون على اتساع الخلاف الداخلي، ويعينون العدو الخارجي، ويمهدون لمخططاتهم الهدامة داخل جسد الأمة الإسلامية.
وقد جرت سنة الله تعالى أن يكون اللقاء الأول بين دعاة الحق، ودعاة الباطل صراعًا فكريًا يبدأ بالمحاجة والمجادلة، يقدم كل من الفريقين دليله على دعواه.
وهذا النوع من الصراع مشروع لكل أحد، فكل إنسان من حقه أن يظهر وجهة نظره التي يعتقد أنها الحق، ولكن مع التزامه بشرطين أساسيين:
أحدهما: أن يكون طالبًا للحق.
ثانيهما: أن يجادل بالحق، وذلك أن يقدم أدلة صحيحة معقولة، ويقبلها إذا قُدمت إليه، فإذا توفر هذان الشرطان كانت المجادلة مشروعة،
[ ١ / ٩٨ ]
ودائماَ تكون النتيجة ظهور الحق على أيدي دعاته وتفوق حجتهم، أما بالنسبة لأهل الباطل ففي كثير من الأحيان يهتدي طالب الحق، ويتبين له الرشد من الضلال، وفي أحيان كثيرة أخرى يتحول الأمر إلى صراع فكري آخر، قائم على المكر والكيد ومكابرة الحق من قبل أهل الضلال، ومحاربته والصد عنه عن طريق نشر الأفكار الهدامة من الأكاذيب على تعاليم الدعوة وعلى صاحبها وأتباعها تشويهًا للحقائق، ومجادلة بالباطل، ومن ذلك نشر الشبهات، وتزيين الفواحش والدعوة إليها، والاستهزاء بالدعاة وأتباعهم وتحقيرهم بالفعل والقول.
ويختلف رد فعل جماعة المؤمنين على هذه الأعمال العدوانية والحرب الفكرية الخبيثة، حسب حال الجماعة من جهة القوة والضعف، فتارة يكون بالصبر والاحتساب وانتظار فرج من الله، كما قال تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة:١٠٩] .
وتارة يكون الرد بالمعاقبة بالمثل كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦] وكما فعل النبي ﷺ بالذين حاربوا الدعوة بافتراء الكذب، وهجاء المسلمين من اليهود والشعراء الكفار والقينات وغيرهم، حيث أجلى بعضهم، وأهدر دم بعض.
[ ١ / ٩٩ ]
وقد بين حسان بن ثابت١ -﵁- بلاء الأنصار في الدعوة المحمدية، وأنهم ردوا على طوائف الضالين بأساليبهم بقوله:
لنا في كل يوم من معد سباب أو قتال أو هجاء
فنحكم بالقوافي من هجانا ونضرب حين تختلط الدماء٢
وهذا الصراع أحيانًا ينتهي بعذاب من الله ينزل على الكافرين المعاندين، كما حصل لقوم نوح، ولوط، وهود، ولفرعون.. وغيرهم.
وتارة يتحول إلى صراع مسلح حيث يكلّف الله الزمرة المؤمنة بجهاد الكفار وقتالهم بعدما يهيّئ لهم أسباب ذلك.
ومن هذا العرض الموجز تبين أن الصراع بين الحق والباطل يأخذ أشكالًا متعددة أهمها ما يلي:
١- الصراع الفكري القائم على المحاجة والجدال.
٢- الصراع الفكري القائم على المكر، والكيد ونشر الأفكار الهدامة، من قبل قوى الضلال.
٣- الصراع المسلح.
_________________
(١) ١ الصحابي الجليل حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري شاعر الرسول ﷺ قال له الرسول ﷺ:" أهجهم وهاجهم وجبريل معك"، توفي سنة ٥٤هـ. سير أعلام النبلاء ٢/٥١٢، وتهذيب التهذيب ٢/٢٤٧. ٢ ديوان حسان بن ثابت الأنصاري ص٩، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت ط الأولى ١٣٩٨هـ.
[ ١ / ١٠٠ ]
وقد بين الله سبحانه في كتابه الكريم وفي سنة رسوله ﷺ هذه الأنواع الثلاثة من الصراع، وبين موقف المؤمنين تجاه كل نوع منها، وبين علماء الأمة في كتب التاريخ والتفسير والعقائد والفرق ما لاقته الأمة الإسلامية من الصراع المرير والحرب المسعورة من أنصار الباطل بجميع الوسائل، وفي مختلف العصور، كما بينوا في كتب الحديث والأحكام المعاملات ما ينبغي للمسلم عمله في مجابهة هذه التحديات.
والصراع الفكري -القائم على المكر، والكيد والتآمر في الخفاء ونشر الأفكار الهدامة- هو أشد تلك الأنواع خطرًا وأعظمها فتكًا، لملازمته للدعوة الإسلامية من بدايتها، إذ لم ينفك عنها يومًا من الأيام، ولازدياد خطره وعظم ضرره على مر الأيام، ولتطور أساليبه، واعتماده على النفاق والسرية والخبث، والتهرب من المسئولية والتظاهر بخدمة الإسلام والتمسك به مع التخطيط لمحاربته.
وسوف أخصص المطلبين القادمين للكلام على هذا النوع في المكر، والله والمستعان.
[ ١ / ١٠١ ]
المطلب الثاني: الصراع الفكري بين الحق والباطل في عصور الإسلام المتقدمة
لقد كان العالم قبل الإسلام يموج بتيارات فكرية مختلفة اختلافًا شديدًا، وكانت تلك الأفكار الضالة السائدة، وذلك الاختلاف القائم على أساسها، أهم أسباب تصارع البشرية وضلالها وشقائها.
قال سيد قطب١ -﵀-:" جاء الإسلام وفي العالم ركام هائل
_________________
(١) ١ الكاتب المفكر الأديب، سيد قطب، ولد عام ١٩٠٦م، في إحدى قرى محافظة أسيوط بمصر، عاش حياة قلقة مضطربة، وتنقل في المدارس الأدبية، ثم استقر به المطاف على التأليف والدراسات الإسلامية بمنظور فكري أدبي. من مؤلفاته: في ظلال القرآن، وخصائص التصور الإسلامي، ومعالم في الطريق.. وغيرها. وقد تضمنت تلك الدراسات بعض البحوث الجيدة في مجال التصوير الأدبي، ونقد الحضارة الغربية المادية، والفكرة الشيوعية، والنظم المالية. وقد نقلت قطوفًا منها في هذا الكتاب. كما وقع -بسبب ضعف حصيلته العلمية، وجهله بمنهج السلف الصالح في العقيدة والحديث والأصول، واعتماده على المنهج الفكري الأدبي في فهم القرآن ومسائل الدين- في أخطاء كثيرة. قال الدكتور يوسف القرضاوي، عن سيد قطب وأخطائه:"ولكن المسألة هنا تتعلق باتجاهات، وهذا اتجاه وهذا الاتجاه يجب أن يُقوَّم، ولا نستطيع أن نهمش إلا إذا كانت المسألة جزئية، وإنما هو صاحب أفكار متسلسلة مرتبط بعضها ببعض، الأمة الإسلامية انقطعت من الوجود، وهو له رأيه المتطرف في مسألة بني أمية وعثمان، وغيره. ورد عليه الأستاذ محمود شاكر من قديم في مسألة الصحابة، ولا تسبوا أصحابي، ورأيه في المجتمع الإسلامي على طوال التاريخ [حيث يرى أنه انقطع من عهد الخلفاء الراشدين]، ورأيه في المجتمع الحالي، وأنه لا يوجد على وجه الأرض مجتمع مسلم قط، في أي بلد من البلاد، حتى المجتمع الذي يعلن ارتباطه بالإسلام، ويقول: إن المجتمع جاهلي، وهذا في الظلال في عشرات المواضع. ودعونا نتكلم بصراحة: إن من حق الأجيال المسلمة أن تعرف هذا الأمر على حقيقته، ولقد كنت لا أعرف هذا! ولقد اضطررت أن أرد على هذا الكلام، وذلك من سنين طويلة إن سيد قطب قدم الكثير للفكر الإسلامي ولهذا: فمن الإنصاف لسيد قطب، ومن الإنصاف للفكر الإسلامي، ومن الإنصاف للحركة الإسلامية، ومن الإنصاف للمسلمين، ومن الإنصاف للإسلام نفسه أن نُقوّم فكر سيد الآن يمكننا أن نراجع تفكيره، وإنتاجه، ونقومه بميزان الكتاب والسنة، وبميزان الأصول عندنا، ونسأل الله أن يغفر له ويرحمه". كما دعا إلى تقويم فكر وكتب سيد قطب كل من: محمد سعيد البوطي، وجعفر شيخ إدريس، وغيرهم. انظر: ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر، البحرين، من ص٥٤٧ إلى٥٦٠، وأول من استجاب للدعوات التي تنادي بتقويم فكره وبيان أخطائه الشيخ عبد الله ابن محمد الدويش -﵀- في كتابه: "المورد الزلال في التنبيه على أخطاء الظلال" ثم تلاه الشيخ د. ربيع بن هادي المدخلي في كتابه: "أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره" وكتابه:"مطاعن سيد قطب في أصحاب رسول الله ﷺ". قتل سيد قطب ﵀ سنة ١٩٦٦م الموافق ١٣٨٦هـ. انظر: سيد قطب، حياته وأدبه، لعبد الباقي محمد حسين. وندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر ص٥٣١-٥٦٥.
[ ١ / ١٠٢ ]
من العقائد والتصورات، والفلسفات، والأساطير، والأفكار والأوهام، والشعائر والتقاليد، والأوضاع والأحوال يختلط فيها الحق بالباطل، والصحيح بالزائف، والدين بالخرافة، والفلسفة بالأسطورة
والضمير البشري -تحت هذا الركام الهائل- يتخبط في ظلمات وظنون، لا يستقر منها على يقين، والحياة الإنسانية -بتأثير هذا الركام الهائل- تتخبط في فساد وانحلال، وظلم وذل، وفي شقاء وتعاسة، لا تليق بالإنسان، بل لا تليق بقطيع من الحيوان"١.
لقد كان الإنسان -بعقله القاصر وعلمه المحدود- الينبوع لهذه الأفكار الضالة المتخبطة، فلم يكن -باستثناء أتباع الرسل- يستند إلى أصل ثابت ومنطلقات محددة صحيحة، تحكم سيره وتحدد هدفه.
فقد كان للوهم والخرافة، والظن، وتأثير الشهوات والانفعالات
_________________
(١) ١ خصائص التصور الإسلامي، سيد قطب، ص٢٢، دار الشروق، القاهرة ط العاشرة، ١٤٠٨هـ.
[ ١ / ١٠٤ ]
على العقول، وما توسوس به شياطين الجن في صدور الناس من زخرف القول تأثير في ابتكار ونمو تلك الأفكار الضالة التي سيطرت على عقول الناس قديمًا وحديثًا.
ومما لا شك فيه أن الجاهلية تكون في مكان أشد منها في مكان آخر، تبعًا لوجود العوامل التي تساعد على تركيزها في عقول الناس.
ولعل أخف الجاهليات هي جاهلية العرب قبل الإسلام، وذلك أنه لم تكن قائمة على تلبيسات منطقية، وزخارف فلسفية، ولم تكن قد توغلت فيهم عقائد التناسخ والحلول، فقد كانت عقائدهم وهمًا وخرافات، وعادات منها الطيب والخبيث، قلدوا فيها الآباء دون أن يعملوا فيها العقول، وألفوها حتى أصبحت دينًا لازمًا لهم.
فكانوا مع جاهليتهم أقرب إلى الفطرة، وأخف من غيرهم جاهلية، فكان ذلك -والله أعلم- مع فصاحتهم وسلامة فهمهم لمدلولات الكلام، وإقرارهم بربوبية الله وتعظيمهم له، من حكمة اختيار الله لهم لحمل الرسالة الخاتمة ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] .
أما المجتمعات التي تمركزت فيها الحضارات القديمة، ووجد فيها الفلاسفة والنظارة، فإن جاهليتها أوسع وأعمق، ذلك أن الفلاسفة صاغوا العقائد الجاهلية صياغة تقربها من العقول، وزخرفوها، ونسجوا الأدلة والمبررات والأساطير الوهمية حولها، مما زاد من استحكامها في عقول الناس، وأصبحت مع مرور الأيام أديانًا مقدسة، وتوسعت نتيجة اختلاف
[ ١ / ١٠٥ ]
أولئك النظارة وتعدد مذاهبهم.
فظهرت المدارس الإغريقية في بلاد اليونان، وتنوعت الأديان الهندية والفارسية والصينية والمصرية، وأثرت هذه الوثنيات في الديانتين السماويتين اليهودية والنصرانية، كما أن كثيرًا من عقائدهما انتقلت إلى الأديان الوثنية، والفلسفات العقلية نتيجة لاحتكاك البشر عبر الهجرات والتجارة وغيرها.
هذا حال العالم عندما بُعث النبي محمد ﷺ بالحنيفية السمحة في أعلى مراتب النقاء والصفاء والوضوح، فيها البيان الشافي لكل ما يحتاجه البشر لتحقيق وظيفتهم على الأرض، من الاستخلاف فيها، وتحقيق العبودية لله، وتحصيل أسباب السعادة في الدارين.
فقد تميزت الرسالة الخاتمة بالشمول لجميع متطلبات البشر، والعموم لجميع أجناسهم في كل مكان وزمان، فهي تحمل التعريف الصحيح بالله وحقه والكون والحياة، وعن مبدأ الإنسان ودوره في الحياة، ومصيره بعد الممات.
كما تضمنت النظام الكامل السديد لعلاقة البشر مع خالقهم ومع بعضهم البعض ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٥، ١٦] .
[ ١ / ١٠٦ ]
فهذه الشمولية تجلي للفرد والمجتمع التوازن والانسجام في الفكر والنفس والعمل، الذي هو أهم مقومات الحياة السعيدة المثمرة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤] .
فكانت الرسالة المحمدية رحمة من الله للناس لتخليصهم من تلك الجاهليات التي جثمت على قلوبهم، ولوثت أفكارهم دهرًا طويلًا.
لقد عاش الرسول ﷺ في المدينة النبوية يؤسس للمجتمع المسلم، ويقيم جميع شئونه على منهج الله، ولم ينتقل ﷺ إلى جوار ربه إلا وقد تحول الإسلام بكل ما فيه من عقائد وتعاليم وأخلاق إلى واقع حي، تظهر مظاهره وثماره في الأفكار والقلوب والسلوك.
وبعده ﷺ رسّخ الخلفاء الراشدون هذا الواقع، ووسعوا دائرته بالفتوحات الإسلامية، سعيًا لتخليص البشر من الجاهليات، وما نتج عنها من ظلم وشقاء، وما هي إلى سنوات قليلة، حتى خلص المسلمون كثيرًاَ من شعوب الأرض من الحكومات والجيوش التي كانت تحول بينهم وبين نور الإيمان، فدخل كثير من الناس في دين الله أفواجًا، وحل الأمن والعدل مكان الخوف والظلم والطغيان، وظهرت آثار تلك العقائد السامية الصافية، والتعاليم السديدة الرشيدة، صفاء في العقول، وسلامة في التفكير، وطمأنينة في القلوب، وصلاحًا في السلوك والأعمال، ونتج عن ذلك أعظم وأسمى حضارة عرفتها البشرية.
[ ١ / ١٠٧ ]
إلا أن الانتصار السريع في المجال العسكري لم يكن نهائيًا، فقد كانت الجاهلية تخطط لجولة ثانية من الحرب، اتخذت من الفكر ميدانًا لها، بعد أن أدرك قادتها قوة تأثر الأفكار على السلوك، وأن الحرب الفكرية هي السبيل الوحيد المتاح لهم في ذلك الوقت لمقاومة الإسلام.
وسبب ذلك أن مواقف الناس في الشعوب التي دخلت في الإسلام، لم يكن واحدًا، فمنهم من استبشر بهذا الدين، وانشرح صدره له، ومنهم من أذعن للوضع القائم دون أن يتفهم ويتحمس له، ومنهم من أخذ موقفًا معاديًا وأخذ يعمل ضده. وأصحاب هذا الموقف الأخير هم عادة الملأ من أبناء الملوك والأمراء، وقادة الجيوش وأصحاب الجاه، ورجال الدين الذين سلبت منهم المناصب والمصالح الدنيوية فشرقوا بغيظهم، وزاد من غيظهم زوال ملكهم على أيدي العرب المسلمين الفاتحين، واقتسامهم لأموالهم ومزارعهم ونسائهم، وعزّ عليهم كثيرًا هزيمة دينهم الذي ألفوه دهرًا طويلًا.
قال محمد محيي الدين عبد الحميد: "وقد دخل في الإسلام قوم خلصت قلوبهم من أدران التقليد والعصبية، وصفت نفوسهم لما يدعوهم إليه رسول الإيمان، واطمأنت خوالجهم إلى أمانة هذا الرسول الكريم وصدقِه فعضوا على ما دعاهم إليه بالنواجذ، واستمسكوا منه بالعروة الوثقى لا انفصام لها
[ ١ / ١٠٨ ]
ودخل في الإسلام -بجانب هؤلاء- أصناف من الناس أولهم جماعة من العرب شاقهم إلى الإسلام -حين جاء فتح الله والنصر- دخول قومهم فيه، فدخلوه تقليدًا وانسياقًا مع الجمهور، ولم تكتحل أعينهم برؤية صاحب الرسالة، ولا انشرحت صدورهم بسماع تعاليمه منه، ولا صفت قلوبهم من آثار جاهليتهم، ولا نظفت من أدرانها، فكان سواء لديهم انتصرت الدعوة الإسلامية أم لم تنتصر.
وثانيهم جماعة من عامة أهل الأديان الأخرى -على الأخص اليهودية والمجوسية- دخلوا في هذا الدين أيام الفتوح التي أخضعت الدولتين الكبيرتين اليونانية والفارسية، فرارًا من حكم الإسلام على من يبقى على دينه منهم١، ولم تخالط بشاشة هذا الدين قلوبهم ولا استأصلت من أنفسهم أعلاق الحنين إلى دينهم القديم
وثالثهم جماعة من دهاة الأديان الأخرى ذوو الخبث والمكر منهم-وعلى الأخص اليهودية والمجوسية أيضًا- تظاهروا بالدخول في الدين الجديد، وهم يضمرون في أنفسهم الكيد والمكر والخديعة، ويتحينون الفرصة للانقضاض على هذا الدين الذي بسط سلطانه على رقعة الأرض المعروفة يوم ذاك، ويعملون في الخفاء لإيجاد هذه الفرصة إن لم تواتهم من تلقاء نفسها، ويهيئون أذهان الطائفتين السابقتين وقلوبهم وجهودهم،
_________________
(١) ١ أي فرارًا من الجزية التي يدفعها الذمي أو المجوسي للدولة المسلمة.
[ ١ / ١٠٩ ]
للقيام معهم فيما يعتزمون القيام به فيلبسون للناس مسوح١ الصلاح تارة، ومسوح الحرص على تعاليم الدين تارة أخرى، ثم يلبسون لهم مسوح محبة الرسول ﷺ وآل بيته الطاهرين
فينفث هؤلاء سمومهم، فيؤولون تعاليم الشريعة، ويدخلون فيها ما ليس منها، ويضعون على الرسول أحاديث تؤيد دعواهم، ويطالبون الأغرار -وهم الطائفتان الأولى والثانية- بالقيام لنصرة الدين، أو لنصرة آل الرسول الذي جاء بهذا الدين، هذا فيما نعتقد هو الأصل الأصيل في الفُرقة التي حدثت في الإسلام، وهو غض طري، لم يكتمل عليه قرن واحد" ٢.
فشن الحاقدون على الإسلام حربًا عليه من داخله، تستهدف الأصل الذي به ظهر وعز أهله، ألا وهو الإيمان بالله والالتزام بتعاليم الإسلام.
ولم تكن هذه الحرب حربًا عشوائية، بل منظمة مدروسة، خطط لها
_________________
(١) ١ المسوح: نوع من الكساء المصنوع من الشعر. لسان العرب ٢/٥٩٦. والمراد أنهم يتصنعون ويظهرون للناس الحرص على الدين والنصيحة لأهله، وهم ليسوا كذلك، كالذي يتزيا بزي الصالحين، ويظهر بمظهرهم وهو ليس منهم، ويأتون لكل أناس بالحال التي تناسبهم. ٢ كتاب الفرق بين الفرق، لعبد القاهر البغدادي، مقدمة المحقق محمد محي الدين عبد الحميد ص٤، ٥.
[ ١ / ١١٠ ]
المفسدون من أبناء الفرس واليهود في اجتماعات ومشاورات عقدوها لهذا الشأن، تمخضت عن تنظيم مكر كان له أثر بالغ في تفريق المسلمين وإضلال كثير منهم عن دينه.
كشف خبر هذا الكيد ابن حزم١ في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل، حيث قال:
"والأصل في أكثر خروج هذه الطوائف عن ديانة الإسلام، أن الفرس كانوا من سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم وجلالة الخطر في أنفسهم، حتى أنهم كانوا يسمون الأحرار والأبناء، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدًا لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكانت العرب أقل الأمم عند الفرس خطرًا، تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى.. فرأوا أن كيده على الحيلة أنجع، فأظهر قوم منهم الإسلام واستمالوا أهل التشيع
_________________
(١) ١ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، الإمام الظاهري، ولد بقرطبة سنة ٣٨٤هـ، عالم الأندلس في عصره له من المؤلفات: المحلى، والإحكام لأصول الأحكام، والفصل في الملل والأهواء والنحل، وغيرها كثير، توفي سنة ٤٥٦هـ. انظر: وفيات الأعيان ٣/١٣ ومقدمة كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل ١/ ٤ وما بعده.
[ ١ / ١١١ ]
بإظهار محبة أهل بيت رسول الله ﷺ، واستشناع ظلم علي رضي الله عنه١، ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن الإسلام".
ثم قال:"وقد سلك هذا المسلك أيضًا عبد الله بن سبإ الحميري٢ اليهودي، فإنه لعنه الله أظهر الإسلام ليكيد لأهله" ٣.
"فابن حزم -﵀- يوضح لنا أن المجوس اجتمعوا لمحاربة الإسلام وأهله، بأسلوب الخداع والمكر، حين عجزوا عن مواجهته علنًا فأظهروا الإسلام للكيد وأظهروا للناس محبة أهل البيت لما يعلمون من تقدير المسلمين لأهل بيت رسول الله ﷺ"٤.
_________________
(١) ١ الخليفة الراشد والصحابي الجليل أول من أسلم من الفتيان، أبو الحسن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي، ابن عم رسول الله ﷺ وزوج ابنته فاطمة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة استشهد سنة ٤٠هـ. انظر: البداية والنهاية ٧/٢٣٣ وتهذيب التهذيب ٧/٣٣٤. ٢ عبد الله بن سبإ يقال له ابن السوداء، كان يهوديًا ثم أظهر الإسلام نفاقًا، وصار مع علي بن أبي طالب، وأظهر الغلو فيه، فهمّ أن يحرقه، ثم نفاه إلى المدائن، وله أتباع يقال لهم السبئية من غلاة الروافض، يعتقدون الهية علي ﵁، ويقال أن عليًا حرقهم في خلافته. انظر: لسان الميزان ٣/٢٨٩، والأعلام ٤/٨٨. ٣ الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٢/٢٧٣، ٢٧٤. ٤ د. علي ناصر فقيهي، كتاب الإمامة، والرد على الرافضة لأبي نعيم الأصفهاني، مقدمة المحقق، ص١٤، مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة ط الأولى ١٤٠٧هـ.
[ ١ / ١١٢ ]
وقد اختاروا بعد تأمل ودراسة لأحوال المسلمين أهل التشيع، وذلك لوجود ثغرتين خطيرتين فيهم مكّنتا المفسدين من التلاعب بهم، وبث ما يريدون من الفكر الهدام.
الثغرة الأولى: عدم التزامهم بمنهج أهل الحديث القائم على تلقي العلم والحديث بالسند المتصل عن الثقات، فقد كانوا يأخذون قول كل من أعجبهم قوله، وأثار عواطفهم نحو أهل البيت، وتباكى على ما حصل عليهم من الظلم بزعمهم.
الثغرة الثانية: عدم عرض أقوال الرجال على ميزان الشرع، وإنما الحق عندهم يعرف بالرجال، فمن ارتضوا ما ظهر من حاله، وأعجبوا بقوله قبلوا منه، وجعلوه حجة، فسهل على أهل الكيد والمكر التلاعب بهم وخداعهم.
كما أن هذين المبدأين -وهما: تلقي العلم بالسند المتصل عن الثقات، وعرض أقوال الناس مهما كانوا على ميزان الكتاب والسنة-كانا بعد توفيق الله السبب الأهم في حفظ الله أهل الحديث على الصراط المستقيم، وتحصينهم من الأفكار المضللة.
قال شيخ الإسلام -﵀- مبينًا حال هؤلاء وتلاعب المفسدين بهم حتى أصبحوا مأوى لكل فكر هدام، وغرض خبيث: "وهم من أكذب الناس في النقليات، ومن أجهل الناس في العقليات، يصدقون المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل، ويكذبون بالمعلوم من
[ ١ / ١١٣ ]
الاضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة جيلًا بعد جيل، ولا يميزون في نقلة العلم ورواة الأخبار بين المعروف بالكذب، أو الغلط، أو الجهل بما ينقل، وبين العدل الحافظ الضابط المعروف بالعلم والآثار، وعمدتهم في نفس الأمر على التقليد وإن ظنوا إقامته بالبرهانيات، فتارة يتبعون المعتزلة والقدرية١، وتارة يتبعون المجسمة٢ والجبرية٣، وهم من أجهل هذه الطوائف بالنظريات، ولهذا كانوا عند عامة أهل العلم والدين من أجهل الطوائف الداخلين في المسلمين، ومنهم من أدخل على الدين من الفساد
_________________
(١) ١ هم أتباع واصل بن عطاء الذي ابتدع القول بأن مرتكب الكبيرة من المسلمين في منزلة بين المنزلتين، واعتزل على ذلك مجلس الحسن البصري، فسموا المعتزلة لذلك، واستقر أمرهم على أصول خمسة مشهورة هي: العدل، التوحيد، المنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والوعد والعيد، وهم يجمعون بين نفي الصفات ونفي القدر. ولهم ضلالات أخرى، وسموا بالقدرية لنفيهم القدر. انظر: شرح الأصول الخمسة، والملل والنحل ١/٤٣، ٤٤، والفرق بين الفرق١١٧. ٢ المجسمة: هم الذين يقولون إن الله جسم من الأجسام؛ له طول وعرض وعمق وطعم ورائحة. انظر: الفرق بين الفرق ٦٥-٦٩، ومقالات الإسلاميين ١/١٠٦. ٣ الجبرية هم الجهمية وكل من قال بأن الخلق مجبورون على أفعالهم، وليس لهم حرية ولا اختيار، وسواء أكانوا لا يثبتون للعبد فعلًا ولا قدرة على الفعل أصلًا، أم كانوا يثبتون قدرة غير مؤثرة. انظر: الملل والنحل ١/٨٥، والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ٤٢.
[ ١ / ١١٤ ]
ما لا يحصيه إلا رب العباد. فملاحدة الإسماعيلية١ والنصيرية٢، وغيرهم من الباطنية المنافقين من بابهم دخلوا، وأعداء المسلمين من المشركين وأهل الكتاب بطريقهم وصلوا، واستولوا بهم على بلاد الإسلام، وسبوا الحريم وأخذوا الأموال، وسفكوا الدم الحرام، وجرى على الأمة بمعاونتهم من فساد الدنيا والدين ما لا يعلمه إلا رب العالمين"٣.
_________________
(١) ١ الإسماعيلية: هم المنتسبون إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وقالوا: إن الإمام بعد جعفر ابنه إسماعيل، ثم بعد إسماعيل ابنه محمد وهم من الباطنية، ويزعمون أن لكل ركن من أركان الشريعة تأويلًا، فيزعمون أن معنى الصلاة موالاة إمامهم، والحج زيارته.. الخ، وهم زنادقة دهريون يقولون بقدم العالم، وإنكار الإله، واستحلال المحرمات، وغير ذلك. انظر: الفرق بين الفرق ٢٨١، والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ٨١، والملل والنحل ١/١٩١. ٢ النصيرية: هم أتباع محمد بن نصر النميري من غلاة الرافضة، الذي ادعى النبوة ثم الربوبية، ويزعم أتباعه أن الله يحل في علي، ويعتقدون إباحة المحرمات، ولهم ضلالات أخرى، وقد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بأنهم أكفر من اليهود والنصارى، بل ومن كثير من المشركين. انظر: المل والنحل للشهرستاني ١/١٨٨، والفرق بين الفرق ٢٥٥، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ٣٥/٢٤٥ وما بعده. ٣ مختصر منهاج السنة لابن تيمية، اختصار الشيخ عبد الله الغنيمان ١/٨، ٩ ط الأولى ١٤١٠هـ.
[ ١ / ١١٥ ]
وعلى هذا فالتشيع "كان مأوى يلجأ إليه كل من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد، ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية أو نصرانية أو زرادشتيه١ وهندية، ومن كان يريد استقلال بلاده، والخروج على مملكته.
كل هؤلاء كانوا يتخذون حب أهل البيت ستارًا يضعون وراءه كل ما شاءت أهواؤهم" ٢.
وكان رائد هؤلاء المفسدين عبد الله بن سبإ الحميري؛ الذي أنشأ فرقة السبئية، بل إن كل فرق الشيعة إنما حدثت من جراء ما أحدثه من الأفكار، وهو أول من قال بالنص على ولاية على ﵁، وبرجعته في آخر الزمان، والقول بتناسخ٣ الجزء الإلهي في الأئمة بعد
_________________
(١) ١ هم طائفة من المجوس ينتسبون إلى رجل يقال له زرادشت بن يورشب، وضع له كتابًا اسمه: "زندا أو ستا" وهم يوافقون بقية فرق المجوس في القول بأصلين، ويخالفونهم ببعض التفاصيل. انظر: الملل والنحل ١/٢٣٦ وما بعده، ودائرة معارف القرن العشرين محمد فريد وجدي ٨/٤٥١، دار المعرفة بيروت ط الثالثة ١٩٧١م. ٢ فجر الإسلام لأحمد أمين ص٢٧٦، مكتبة النهضة القاهرة، ط الحادية عشرة ١٩٧٥م. ٣ التناسخ: هو ادعاء انتقال الروح من الميت وولادتها في شخص آخر، ويتخبط التناسخية في كيفية التناسخ، وسببه وحدوده، تخبطًا عظيمًا. انظر: الفرق بين الفرق ص٢٧١-٢٧٦، وتناسخ الأرواح لمصطفى الكيك ص١٧-٢٤ منشأة المعارف الإسكندرية ط، ت، بدون.
[ ١ / ١١٦ ]
علي رضي الله عنه١، كما كان ابن سبإ السبب في إثارة الناس على عثمان٢ رضي الله عنه٣.
وبدعة التشيع هي مفتاح باب الشرك والغلو في الصالحين وعبادتهم والتبرك بقبورهم، قال ابن تيمية -﵀-:"ومن هنا أدخل أهل النفاق في الإسلام ما أدخلوه، فإن الذي ابتدع دين الرافضة كان زنديقًا٤ يهوديًا، أظهر الإسلام وأبطن الكفر، ليحتال في إفساد دين المسلمين -كما احتال بولص٥ في إفساد دين
_________________
(١) ١ الملل والنحل للشهرستاني ١/١٧٤. ٢ الخليفة الراشد عثمان بن عفان بن أبي العاص القرشي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، زوّجه النبي ﷺ ابنته رقية، ولما توفيت زوجه بأختها أم كلثوم، استشهد ﵁ سنة ٣٥هـ. انظر: البداية والنهاية ٧/٢٠٨، وشذرات الذهب ١/٤٠. ٣ الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢/٢٧٤. ٤ زنديق: كلمة معربة أخذًا من المصطلحات الإيرانية، وجمعها زنادقة، وتطلق على الملحدين وكل من خرج عن الدين وسعى لنشر فكره الخبيث. انظر: دائرة المعارف الإسلامية ١٠/٤٤٠-٤٤٦. ٥ بولس أو شاؤل كان يهوديًا شديد العداوة لأتباع المسيح ﵇، وله دور كبير في قتلهم واضطهادهم. تحول في عهد الحواريين بعد رفع المسيح إلى المسيحية وأصبح معلمًا لها، وأبطل دين المسيح ﵇، وأدخل الشرك، وأهم الأصول التي أحدثها، والتي أصبحت بعد ذلك أسس الديانة المسيحية: عالمية المسيحية، والقول بالتثليث، وألوهية المسيح، والروح القدس، والقول بأن عيسى ابن الله، وبدعة الصليب من أجل التكفير، وأن عيسى يجلس على يمين أبيه تعالى الله عن ذلك. انظر: مقارنة الأديان: المسيحية د. أحمد شلبي ص١٠٤-١١٥ مكتبة النهضة -القاهرة ط الخامسة ١٩٧٧م.
[ ١ / ١١٧ ]
النصارى - سعى في الفتنة بين المسلمين حتى قتل عثمان، وفي المؤمنين من يستجيب للمنافقين، كما قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧] .
ثم إنه لما تفرقت الأمة، ابتدع ما ادعاه في الإمامة من النص والعصمة، وأظهر التكلم في أبي بكر وعمر، وصادف ذلك قلوبًا فيها جهل وظلم، وإن لم تكن كافرة، فظهرت بدعة التشيع التي هي مفتاح باب الشرك، ثم لما تمكن الزنادقة أمروا ببناء المشاهد، وتعطيل المساجد محتجين بأنه لا تصلى الجمعة والجماعة إلا خلف المعصوم.
ورووا في إنارة المشاهد، وتعظيمها والدعاء عندها من الأكاذيب، ما لم أجد مثله فيما وقفت عليه من أكاذيب أهل الكتاب وكذبوا..
[ ١ / ١١٨ ]
على النبي ﷺ وأهل بيته، أكاذيب بدلوا بها دينه، وغيروا ملته، وابتدعوا الشرك المنافي للتوحيد، فصاروا جامعين بين الشرك والكذب"١.
ولم يمض القرن الأول إلا وقد أثمرت جهود المفسدين الحاقدين عن قيام فرق الشيعة الضالة، التي استحوذت على عدد كبير من المنتسبين للإسلام، وتبنت كثيرًا من الأفكار الهدامة، والعقائد الضالة، وتفرقت في البلاد، وأصبح لها علماؤها ودعاتها، الذين يهدمون في جسد الأمة من داخلها.
وفي مقابل الشيعة الذين غلوا في علي ﵁، ظهرت فرقة الخوارج٢، التي أُسست على أفكار ضالة: كتكفير علي وعثمان -﵄-، والإكفار بارتكاب الكبائر، ووجوب الخروج على الإمام الجائر٣.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٢٧/١٦١. ٢ هم الذين خرجوا على الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁، ثم تفرقوا إلى فرق كثيرة، ولا يزال لهم وجود إلى الآن، ومن فرقهم الإباضية، وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر، وأن الله يعذب أصحاب الكبائر عذابًا دائمًا إلا النجدات لم يقولوا بذلك. انظر الفرق بين الفرق ٧٢، ومقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري، تصحيح هلموت ريتر ص٨٧ ط الثالثة. ٣ انظر: الفرق بين الفرق ص٧٣، ومقالات الإسلاميين ص٨٦ وما بعدها.
[ ١ / ١١٩ ]
فلما رأى الحاقدون ذلك وأنهم نجحوا في كيدهم هذا، كروا كرة أخرى على أهل السنة، ونفذوا إليهم من طريق التصوف والزهد المنحرف، الذي ظهرت بوادره في بداية القرن الثاني الهجري، والذي كان من أهم ركائزه الزهد في العلم، والتفرغ للذكر والعبادة -بزعمهم-.
وهذا مقتل عظيم، ومنفذ خطير للأفكار الهدامة.
وكان لدى هذه الطائفة ثغرة خطيرة، وهي تفريطهم في منهج أهل الحديث في التلقي، واعتمادهم في قبول المعارف على الذوق والإعجاب والعاطفة، والاغترار بأحوال الرجال وما ظهر لهم، فكانوا في هذا أشبه بأهل التشيع.
وهي الحال التي تُعجب الشياطين، وتمكنهم من عملهم اللعين.
قال ابن الجوزي١ -﵀- يصف حال هؤلاء القوم، وكيف تلاعبت بهم شياطين الإنس والجن، فأوقعوهم في الأفكار الضالة والعقائد الفاسدة: "وكان أصل تلبيسه عليهم أنه صدهم عن العلم، وأراهم أن المقصود العمل، فلما أطفأ مصباح العلم عندهم، تخبطوا في الظلمات، فمنهم من أراه المقصود من ذلك ترك الدنيا في الجملة، فرفضوا ما يصلح
_________________
(١) ١ الإمام العلامة أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، الحنبلي، صنف زاد المسير، والموضوعات، والمنتظم، توفي سنة ٥٩٧هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٢١/٣٦٥، والبداية والنهاية ١٣/٣١.
[ ١ / ١٢٠ ]
أبدانهم وهؤلاء كانت مقاصدهم حسنة غير أنهم على غير الجادة، وفيهم من كان لقلة علمه يعمل بما يقع إليه من الأحاديث الموضوعة وهو لا يدري.
ثم جاء قوم فتكلموا لهم في الجوع والفقر والوساوس والخطرات
وجاء آخرون فهذّبوا مذهب التصوف، وأفردوه بصفات ميزوه بها من الاختصاص بالمرقعة، والسماع والوجد والرقص والتصفيق
ثم ما زال الأمر ينمو، والأشياخ يضعون لهم أوضاعًا ويتكلمون بواقعاتهم.
ويتفق بعدهم عن العلماء، لا بل رؤيتهم ما هم فيه أوفى العلوم حتى سموه علم الباطن، وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر، ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة، فادعى عشق الحق والهيمان فيه، فكأنهم تخايلوا شخصًا مستحسن الصورة فهاموا به، وهؤلاء بين الكفر والبدعة، ثم تشبعت بأقوام منهم الطرق، ففسدت عقائدهم، فمن هؤلاء منقالبا بالحلول١
_________________
(١) ١ الحلول فكرة شيطانية مفادها: أنه يجوز أن يظهر الله في صورة بعض خلقه، وعلى ذلك أطلقوا الإلهية على البشر، ومن الحلولية النصارى حيث قالوا: حل الباري في عيسى، والسبئية، وغلاة الشيعة، وغلاة المتصوفة. انظر: كشاف اصطلاحات الفنون، محمد على الفاروقي التهانوي، تحقيق د. لطفي عبد البديع، ٢/١٠٨، المؤسسة المصرية للتأليف والنشر القاهرة ط، ت: بدون.
[ ١ / ١٢١ ]
ومنهم من قال بالاتحاد١، وما زال إبليس يخبّطهم بفنون البدع حتى جعلوا لأنفسهم سننًا" ٢.
فهذا الكلام الرصين من هذا العالم المستبصر، يبين لنا كيف يتعاون شياطين الإنس والجن على إضلال الناس، وكيف يكمل بعضهم عمل بعض، فالشيطان يوسوس في القلوب، ويقذف بها الشبهات، ويزين الباطل، ويغري به، وشياطين الإنس يأتون الناس بزي أهل الإيمان، والزهد والورع، وهم دعاة دين الشيطان، فيلبسون الحق بالباطل، ويجعلون من أنفسهم قدوة في فعل ما زينته الشياطين في القلوب من الباطل، ولا يزالون يستجرون الغُفّل من الناس حتى يخرجوهم من الإيمان ويقذفوهم في ظلمات الباطل، وهم -مع ذلك- يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
_________________
(١) ١ الاتحاد: في اللغة: امتزاج شيئين واختلاطهما، حتى يصيرا شيئًا واحدًا، وعند غلاة الصوفية هو الاتحاد والاستهلاك كليه في الإله، والفناء عما سواه. فهو يتصل بعقيدة الحلول، وبينهما فرق يسير، فالحلول بزعمهم يكون من الله في عبده، والاتحاد يكون سببه من العبد حيث يترقى في الكمال، حتى يتحد في الله، فهي عقيدة قائمة على أن الكون منبثق عن الله -كما في الديانة الهندوكية- والاتحاد هو عود الفرع إلى الأصل، والجزء إلى الكل. انظر: الموسوعة العربية الميسرة، بإشراف محمد شفيق غربال ص٤٥، مؤسسة فرنكلين، القاهرة ط الأولى ١٩٦٥. وانظر أديان الهند الكبرى ٦٧. ٢ تلبيس إبليس لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، ص١٦٣، ١٦٤، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، ط الأولى ١٣٩٦هـ.
[ ١ / ١٢٢ ]
فالتصوف أصبح المنفذ الثاني -بعد التشيع- الذي نفذ من خلاله أعداء الإسلام لمحاربة الإسلام والهدم فيه من الداخل.
قال إحسان إلهي ظهير -﵀-: "فظهر التصوف بصورة مذهب مخصوص، وبطائفة مخصوصة اعتنقه قوم، وسلكه أشخاص ساذجون بدون تفكير كثير، وتدبر عميق، كمسلك للزهد، ووسيلة للتقرب إلى الله، غير عارفين بالأسس التي قام عليها هذا المشرب، والقواعد الني أسس عليها هذا المذهب، بسذاجة فطرية، وطيبة طبيعية، كما تستّر بقناعه، وتنقّب بنقابه.. آخرون لهدم الإسلام وكيانه، وإدخال اليهودية والمسيحية في الإسلام وأفكارهما من جانب، والزرادشتية والمجوسية والشعوبية١ من جانب آخر، وكذلك الهندوكية٢
_________________
(١) ١ هي حركة تتمثل من مجموعة الآراء والأشخاص والمواقف التي عبرت عن نظرة عنصرية أساسها تفضيل الأجناس غير العربية على العرب، عن طريق ذمهم والحط من حضارتهم والعمل على إزالة سلطانهم وتتفرع عنها الشعوبية الدينية، وهي محاولة أحياء أديان الشعوب الأخرى عن طريق نشر أفكارها، ومحاربة الإسلام. انظر: الشعوبية د. عبد الله سلوم السامرائي ص٨ المؤسسة العراقية للطباعة والنشر، بغداد ١٩٨٤م. ٢ الهندوكية: أشهر الديانات الهندية القديمة، وتسمى البرهمية، نسبة إلى معبودهم براهما، وهو دين قائم على وحدة الوجود والتناسخ. انظر: أديان الهند الكبرى لأحمد شلبي ص٧٧-١٤٣ مكتبة النهضة المصرية القاهرة، ط: الرابعة ١٩٧٦م. ودائرة معارف القرن العشرين محمد فريد وجدي ٢/١٥٩، ١٦٤.
[ ١ / ١٢٣ ]
والبوذية١ والفلسفة اليونانية الأفلاطونية من ناحية أخرى، وتقويض أركان الإسلام، وإلغاء تعاليم سيد الرسل ﷺ، ونسخ الإسلام وإبطال شريعته، بنعرة وحدة الوجود٢، ووحدة الأديان٣ وترجيح من يسمى
_________________
(١) ١ البوذية: فرقة من فروق الهندوكية، أسسها "بوذا" وهي خليط من العقائد الهندية والصينية. أديان الهند الكبرى ص١٣٧ وما بعدها، ودائرة معارف القرن العشرين ٢/٣٨٨. ٢ وحدة الوجود: هو مذهب الذين يوحدون الله والعالم -تعالى الله عن ذلك- ويزعمون أن كل شيء هو الله، وأن العالم مظهر من مظاهر الذات الإلهية، وأنه صادر عن الله بالتجلي، ويزعمون أن وجود الله هو عين وجود المخلوقات، سبحانك اللهم هذا إفك عظيم. انظر: المعجم الفلسفي د. جميل صليبا ٢/٥٦٩، دار الكتاب اللبناني، بيروت ط: الأولى ١٩٧٣م، وانظر: مصرع التصوف أو تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي لبرهان الدين البقاعي، تحقيق عبد الرحمن الوكيل ص٦٢، ٦٣ دار الكتب العلمية، بيروت ط: الأولى ١٤٠٠هـ. ٣ وحدة الأديان: هي عقيدة متفرعة من القول بوحدة الوجود، وأن كل شيء فهو عين الحق، وعلى هذا فالآلهة المعبودة في كل دين هي في حقيقتها الإله الواحد، وإن كانت كواكب أو أحجارًا، أو موتى وكل عابد لأي منها عابد لله، فما ذلك المعبود إلا عين ذات الله تعالى الله عن إفك الزنادقة. انظر: مصرع التصوف ١٩٩، ١٠٠ المتن والهامش.
[ ١ / ١٢٤ ]
بالولي على أنبياء الله ورسله، ومخالفة العلم، والتفريق بين الشريعة والحقيقة، وترويج الحكايات والأباطيل، والأساطير باسم الكرامات والخوارق، وغير ذلك من الخرافات والترهات" ١.
وكما أن ابن سبإ وغيره من دعاة الباطنية، امتطوا ظهر التشيع لبَثِّ الفكر الهدام، فقد كان التصوف ميدانًا لزمرة أخرى أشد وأخبث في المكر والإفساد.
فالحلاج٢ بثّ فكرة الحلول في أوكار الطرق الصوفية وشطحاتها الكلامية، ووجد في مصطلحات القوم وأوهامهم ما يمكنه من ترويج فكره الجاهلي الملحد.
_________________
(١) ١ التصوف: المنشأ والمصادر، إحسان إلهي ظهير ص٤٥، إدارة ترجمان السنة، لاهور، باكستان، ط: الأولى ١٤٠٦هـ. ٢ الحسين بن منصور الحلاج، فارسي الأصل، أظهر الزهد والورع، واشتغل بكلام الصوفية، قال بالحلول، وتلفظ بألفاظ منكرة شنيعة، كقوله: "أنا الحق" و"ما في الجبة إلا الله". أفتى العلماء بكفره وقتله، فقتل بأمر المقتدر العباسي سنة ٣٠٩هـ. ذكر عنه الجويني أنه كان يعمل على قلب الدولة وإفساد المملكة. انظر: وفيات الأعيان ١٨١، والعبر ٢/١٣٨، والفرق بين الفرق ٢٦٠، ٢٦٨.
[ ١ / ١٢٥ ]
وتبعه على ذلك ابن عربي١، الذي قال بفكرة وحدة الوجود، وألف كُتبًا ضمنها الكفر الصريح، وإنكار وجود الله تعالى بذاته، بائنًا عن خلقه، متفردًا بصفات الكمال، وهدم بتلك الكتب أعظم أساس قام عليه الدين، ألا وهو التوحيد.
وتبعهما على هذا الفكر كثير من المفسدين، وضل بفكرهم كثير من الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ولم يأت القرن السابع الهجري، إلا والفكر الصوفي الفلسفي قد صار كالمستنقعات لكل الشرور الفكرية، والضلالات الموجودة في جميع الأديان والمذاهب، وليس عند كثير من فرق الصوفية شيء من الإسلام إلا أسماء ألبسوها تلك الأصول الجاهلية.
ومن أساليب أهل التشيع والتصوف التي لبسوا بها باطلهم: التأويل ودعوى الظاهر والباطن، والتي تلاعبوا بها بنصوص الكتاب والسنة، وأدخلوا ما أرادوا من الشر والفكر الهدام كتفسير معنوي باطني للنصوص.
_________________
(١) ١ الملحد الضال شيخ الصوفية الغالية، محمد بن علي بن محمد الطائي، المعروف بابن عربي أحد القائلين بوحدة الوجود وأشهرهم، كفّره عدد من العلماء، صنف: الفصوص والفتوحات المكية. هلك سنة ٦٣٨هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/٢٨، ومصرع التصوف أو تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي لبرهان الدين البقاعي، تحقيق عبد الرحمن الوكيل
[ ١ / ١٢٦ ]
كما يتهربون بهذه الدعوى من تبعات مقالاتهم الكفرية الإلحادية١.
وكان من كيد أعداء الدين التحريض على الفتنة، وإيقاد نار الفرقة، وتعميق الخلاف بين المسلمين، وإحياء النعرات العرقية، وإذكاء النزعة الشعوبية.
ومن كيدهم للإسلام وأهله وضع الأحاديث ونقل الإسرائيليات وأساطير أهل الكتاب وغيرهم.
قال أنور الجندي: "وقد ذهب أغلب الباحثين إلى أن أكثر الأحاديث الموضوعة من الإسرائيليات، إنما وضعت عن تدبير وتخطيط وخصومة وكيد، وأنها من عوامل الحرب الفكرية والعقائدية الضارية، التي شنها اليهود وغلاة النحل المبتدعة على الإسلام والمسلمين بكافة الوسائل من التخفي والتسلل والتمويه، بقصد تمزيق وحدة المسلمين، وتلهيتهم عن دينهم القويم، وتشتيتهم عن صراطه المستقيم.
ويصف بعض الباحثين هذه الظاهرة بأنها ليست إلا حربًا حقيقية لكتاب الله، أرادوا بها صرف كل من يقرأ تفسيرًا من التفاسير عما يريده الله في كتابه من هداية البشر إلى حكايات وأعاجيب وأساطير تستهوي البسطاء، ثم تتراكم هذه الأساطير، وتعترض حركة الأفهام السليمة"٢.
_________________
(١) ١ التصوف المنشأ والمصادر، إحسان إلهي ظهير ص٢٤٣. ٢ الإسلام والدعوات الهدامة، أنور الجندي ص٢٣٦ دار الكتاب اللبناني، بيروت ط الأولى ١٩٧٤م.
[ ١ / ١٢٧ ]
ومن هذا النوع من المكر ترجمة كتب الفلسفة، والأديان المنحرفة والوثنية وآدابها مما كان له الأثر العظيم في انحراف كثير من المسلمين وظهور البدع والفرق الضالة، قال شيخ الإسلام ﵀:"وأظهر الله من نور النبوة شمسًا، طمست ضوء الكواكب، وعاش السلف فيها برهة طويلة ثم خفي بعض نور النبوة، فعرب بعض كتب الأعاجم الفلاسفة من الروم والفرس والهند، في أثناء الدولة العباسية.
ثم طلبت كتبهم في دولة المأمون من بلاد الروم، فعُربت، ودرسها الناس وظهر بسبب ذلك من البدع ما ظهر"١.
ويرى بعض الباحثين المعاصرين أن الترجمة للفلسفة اليونانية كانت عاملًا في إضعاف الدولة الإسلامية، وهزيمتها بعد ذلك عسكريًا أمام أعدائها، فيقول: "وإنني أريد أن أعقب، بصفتي قارئًا ومتخصصًا في الفلسفة الإسلامية٢ -بأن الترجمة الفلسفية اليونانية، التي وصلت إلى قمة الجهاز السياسي في عهد المأمون٣ كانت إحدى عوامل الهزيمة الثقافية،
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٢/٨٤. ٢ قوله: "الفلسفة الإسلامية" تعبير غير سليم، حيث إن الإسلام ليس فيه فلسفة، بل هو دين إلهي ووحي رباني في غاية البيان والوضوح، والفلسفة لا يحتاجها إلا أهل التعقيد والتلبيس والتناقض، والأصح لو قال: "الفلسفة المنسوبة إلى الإسلام". ٣ الخليفة العباسي عبد الله المأمون بن هارون الرشيد، تولى الخلافة بعد قتل أخيه الأمين سنة ١٩٨هـ، أشعل في آخر خلافته فتنة القول بخلق القرآن. توفي سنة ٢١٨. انظر: سير أعلام النبلاء ١٠/٢٧٢، والبداية والنهاية ١٠/٢٨٧.
[ ١ / ١٢٨ ]
بل الهزيمة العسكرية، فكان الحسم لصالحهم بعد ذلك عبر الغزو التتاري، والغزو الصليبي" ١.
وهذا الربط بين ترجمة الفلسفة، وبين الهزيمة الثقافية، والعسكرية، هو الحق الذي لا مرية فيه، وذلك أن سر ظهور الإسلام وتمكن أهله في الأرض إنما كان بالتزام أهله بالدين الصافي، واستغنائهم عن معارف الجاهلية، ثم بعد الترجمة كان ما أشار إليه ابن تيمية من ظهور البدع، وما تبع ذلك من الخلاف، وذهاب الريح، فضعف السبب الذي به ظهر الإسلام، وكان من أهم أسباب الهزيمة العسكرية.
كما أن قبول المسلمين لتلك الفلسفات واستخدامها في معرفة العقائد، وتقريرها بمثابة شهادة وتزكية لها بالصلاح، وهذا يرفع من شأنها كما أنه في الوقت نفسه يشعر بحاجة المسلمين وفقرهم لها، وهذه هزيمة ثقافية، مع أن الواقع أن الإسلام في أشد الغنى عنها.
_________________
(١) ١ انظر: تعليق الدكتور راجح الكردي على تعليق على بحث:"موقف الفكر الإسلامي المعاصر من الحضارة الحديثة" للدكتور: إبراهيم زيد الكيلاني ص١٥٦ ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر، البحرين، مكتب التربية العربي لدول الخليج ١٤٠٧هـ.
[ ١ / ١٢٩ ]
فلا يحتاجون إليها ولا إلى غيرها لمعرفة دينهم، ولو اقتصر استخدام تلك العلوم العقلية على المطالب المادية، كالصناعة والزراعة والطب ونحوها، لكان ذلك حسنًا.
أما الزعم بأنها الطريق إلى معرفة العقائد والأخلاق فهذا خطأ كبير وسبب من أسباب ضعف المسلمين وهزيمتهم، بل إن بعض الكتاب الغربيين يرى أن خوض الفلاسفة اليونان أنفسهم في هذه المطالب، كان سببًا في تأخر الحضارة اليونانية حيث قال: "إن الفلسفة التي تخوض فيما وراء الطبيعة، وفي علم الأخلاق من العقبات، التي حالت دون تقدم الحضارة اليونانية القديمة" ١.
ولم يقتصر كيد الحاقدين على ما تقدم، بل كروا كرة هوجاء على جميع أصول الإسلام وأسسه، وراموا هدم عقائده، والتحلل من شرائعه، وتفكيك دعائمه الاجتماعية، فحدث في زمن المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية في القدر، أخذه معبد الجهني٢ عن سوسن٣ النصراني
_________________
(١) ١ قصة الحضارة وُل ديورانت ٧/١٩٤. ٢ معبد بن عبد الله الجهني نزيل البصرة، أول من تكلم بالقدر في زمن الصحابة، قيل إنه أخذ قوله في القدر من رجل نصراني اسمه سوسن، مات قبل سنة ٩٠هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٤/١٨٥ والبداية والنهاية ٩/٣٦. ٣ رجل نصراني أظهر الإسلام وقذف بين المسلمين القول في القدر، ثم لحق بدينه النصراني. انظر: سير أعلام النبلاء ٤/١٨٦، والبداية والنهاية ٩/٣٦.
[ ١ / ١٣٠ ]
الذي أظهر الإسلام ثم تنصر وورثه عن معبد غيلان الدمشقي١ والجعد بن درهم٢.
وجاء من بعدهم الجهم بن صفوان٣، فنفث في روع أناس من شروره الفكرية، فصبغت تلك الشرور كثيرًا من الفرق المنتسبة إلى الإسلام على درجات متفاوته.
_________________
(١) ١ غيلان بن مسلم الدمشقي القدري من أوائل من قال بإنكار القدر، ناظره الأوزاعي فلم يرجع عن بدعته، فأفتى بقتله فقتله هشام بن عبد الملك. انظر: لسان الميزان ٤/٤٢٤ والأعلام ٥/١٢٤. ٢ الجعد بن درهم مؤدب مروان بن محمد الأموي، أول من ابتدع في هذه الأمة إنكار أن الله اتخذ إبراهيم خليلًا، وأنه كلم موسى تكليمًا، وأخذ ذلك عن الجهم بن صفوان الذي تنسب إليه الجهمية، وقد قتل الجعد والي العراق خالد بن عبد الله القسري سنة ١٢٤هـ على الزندقة. انظر: سير أعلام النبلاء ٥/٤٣٣، والبداية والنهاية ٩/٣٦٤. ٣ أبو محرز الجهم بن صفوان الراسبي. تلميذ الجعد بن درهم الذي قتل على الزندقة، والجهم هو أول من جاهر بالقول بخلق القرآن، وتعطيل الباري تعالى عن صفاته وإليه تنسب الجهمية، قال عنه الذهبي: "الضال المبتدع رأس الجهمية، هلك في زمان صغار التابعين، وما علمته روى شيئًا، ولكنه زرع شرًا عظيمًا"، وكان مع بدعته يحمل السلاح ويخرج على السلطان، قتله سلم بن أحوز في آخر زمان بني أمية. انظر: الفرق بين الفرق تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ص٢١١، وميزان الاعتدال للذهبي تحقيق على محمد البجادي ١/٤٢٦.
[ ١ / ١٣١ ]
فتكلم بفكرة الجبر، وتعطيل صفات البارئ ﵎، وفكرة الإرجاء١ وأن الإيمان هو المعرفة بالله، والكفر هو الجهل به، وقال بخلق القرآن٢، وغير ذلك من الأفكار الخبيثة التي أحدثت جدلًا وفرقة، ونتج عنها فتن داخل الأمة الإسلامية.
_________________
(١) ١ الإرجاء: معناه في اللغة التأخير، والمراد به تأخير العمل عن الإيمان، حيث زعموا أن الأعمال الصالحة من الأقوال، والأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان، وترتب على هذا القولُ بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، والمرجئة فرق كثيرة مختلفة في قولها في الإرجاء. فمنهم الجهمية الذين قالوا: الإيمان هو المعرفة فقط، ومنهم من قال: هو تصديق القلب، كالأشاعرة ومن نحا نحوهم، ومنهم من قال: هو قول اللسان كالكرامية، ومنهم من قال هو: تصديق القلب وقول اللسان. انظر: الفرق بين الفرق ٢٠٢، ومجموع الفتاوى لابن تيمية ٧/١٩٥. ٢ القول بخلق القرآن: عقيدة باطلة، قالت بها الجهمية، وتبعها على ذلك المعتزلة، وهي حقيقة قول الأشعرية والماتريدية، وهي ناتجة عن تعطيل صفات الله، وإنكارهم صفة الكلام لله ﷿. والذي دل عليه القرآن والسنة، وعليه السلف الصالح أن الله تعالى يتكلم حقيقة، بكلام بدأ منه بحرف وصوت، يسمع منه متى شاء كيف شاء، والقرآن كلام الله منزل غير مخلوق. وقد استقصى علماء السلف الأدلة على ذلك في كتب السنة والإيمان والتوحيد. انظر: مثلًا: كتاب التوحيد من صحيح البخاري. وانظر: مجموع الفتاوى ١٢/١١٨-١٢٥، والإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري تحقيق د. فوقيه حسين محمود ص١٤، ١٥، ٦٣ وما بعده دار الأنصار، مصر، ط: الأولى ١٣٩٧هـ.
[ ١ / ١٣٢ ]
ثم ظهرت فرقة المعتزلة على يدي واصل بن عطاء١، وعمرو بن عبيد٢ متأثرين بأفكار الجهمية، وراموا الرد على الجهمية بطريقة خالفوا فيها أهل الحق، كما تبنوا بعض أفكار الجهمية، كالقول بخلق القرآن وتعطيل الصفات وغير ذلك، فأخذوا من التجهم بنصيب.
_________________
(١) ١ واصل بن عطاء البصري الغزال، أول من قال بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، وأحد شيوخ المعتزلة، صنف كتاب المنزلة بين المنزلتين توفي سنة ١٣١هـ. انظر: وفيات الأعيان ٦/٧، وسير أعلام النبلاء ٥/٤٦٤. ٢ عمرو بن عبيد البصري أبو عثمان كبير المعتزلة وأحد شيوخها الأوائل. تركه عدد من الأئمة لبدعته. صنف كتاب العدل والتوحيد مات سنة ١٤٣هـ. انظر: وفيات الأعيان ٣/٤٦٠، وسير أعلام النبلاء ٦/١٠٤.
[ ١ / ١٣٣ ]
ثم ظهرت الماتريدية١ والأشاعرة٢، وزعموا التوسط بين منهج أتباع السلف الصالح، وبين المعتزلة، فوافقوا المعتزلة والجهمية ببعض قولهم، ووافقوا السلف ببعض قولهم، فأخذوا من التجهم بنصيب.
وقد امتطت هذه الفرق -كما فعل المتشيعة والمتصوفة- التأويل لإبطال دلالة نصوص التنزيل، قال ابن القيم ﵀: "الفصل الخامس والعشرون: في ذكر الطواغيت الأربعة الني هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين، وانتهكوا بها حرمة القرآن، ومحوا بها رسوم الإيمان وهي:
قولهم: أن كلام الله، وكلام رسوله أدلة لفظية، لا تفيد علمًا ولا يحصل منها يقين.
_________________
(١) ١ الماتريدية: أتباع أبي منصور محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي الحنفي المتوفي سنة ٣٣٣هـ. وماتريد محلة من سمرقند، من بدعتهم الإرجاء، ونفي بعض الصفات، وغير ذلك. انظر: الفرق الإسلامية الكلامية ٣٤١، والماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات. ٢ الأشاعرة: هم المنتسبون إلى أبي الحسن بن إسماعيل الأشعري بعد أن ترك الاعتزال، وأخذ بمذهب الكلابية، وهم مرجئة في باب الإيمان، معطلة لبعض الصفات، جبرية في باب القدر، ولهم بدع أخرى. انظر: الفرق الكلامية الإسلامية ٢٧٨، ومجموع الفتاوى ١٢/٢٠٤، ٣٦٨ و١٣/١٣١.
[ ١ / ١٣٤ ]
وقولهم: إن آيات الصفات، وأحاديث الصفات مجازات لاحقيقة لها.
وقولهم: إن أخبار رسول الله ﷺ الصحيحة التي رواها العدول، وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد العلم، وغايتها أن تفيد الظن.
وقولهم: إذا تعارض العقل ونصوص الوحي، أخذنا بالعقل، ولم نلتفت إلى الوحي.
فهذه الطواغيت الأربعة التي فعلت بالإسلام ما فعلت، وهي التي محت رسومه، وأزالت معالمه، وهدمت قواعده، وأسقطت حرمة النصوص من القلوب، ونهجت طريق الطعن فيها لكل زنديق وملحد، فلا يحتج عليه المحتج بحجة من كتاب الله أو سنة رسوله، إلا لجأ إلى طاغوت من هذه الطواغيت، واعتصم به واتخذه جُنة يصد به عن سبيل الله، والله تعالى بحوله وقوته، ومَنّه وفضله، قد كسر هذه الطواغيت طاغوتًا طاغوتًا، على ألسنة خلفاء رسله، وورثة أنبيائه فلم يزل أنصار الله ورسوله يصيحون بأهلها من أقطار الأرض، ويرجمونهم بشهب الوحي، وأدلة المعقول" ١.
_________________
(١) ١ الصواعق المنزلة على الطائفة الجهمية والمعطلة لابن القيم، تحقيق د. أحمد عطية الغامدي ٢/٣٧٩، ٣٨٠ الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط: الأولى ١٤١٠هـ.
[ ١ / ١٣٥ ]
ومع مرور الأيام انقسمت تلك الفرق على أنفسها، وزاد اختلافها وانحرافها وشقت طريقها بين أفراد المجتمع المسلم وكثر أتباعها، ومما ساعد على ذلك:
١- ضعف الإيمان وغلبة الجهل، وذلك أن الإيمان الراسخ القائم على التوحيد الخالص، والعلم المستمد من الكتاب والسنة، هو الحصن الحصين الذي يحصن الله به عباده من الفكر الهدام وسائر الفتن.
٢- إظهار القائلين بهذه الأفكار، الداعين إليها للزهد والورع والحماس، وادعاء الحرص على الإسلام، وتحملهم الكثير من التضحيات والمشاق، مما جعل كثيرًا من الناس يغترون وينخدعون بهم.
٣- تقبل بعض المعروفين بالعلم لبعض هذه الأفكار، ومدحهم لأساطين الفلاسفة وعلومهم.
٤- تسامح بعض الخلفاء والولاة والسلاطين مع أهل الأهواء والبدع، وعدم الحزم في مقاومتهم، ومناصرة بعضهم لهم وفرضهم لأفكارهم.
٥- استيلاء بعض الحكام المنتمين إلى بعض الفرق الضالة على الحكم، في بعض البلاد الإسلامية.
فهذه الأمور -وغيرها- كانت ثغرات نفذت منها الأفكار الهدامة إلى المجتمع المسلم، وما إن دخلت حتى وجدت آذانًا تستمع إليها، وقلوبًا
[ ١ / ١٣٦ ]
مفتوحة لها، فتغلغلت وسرت كسريان النار في الهشيم، وأُشربت كثير من القلوب الفتنة.
وحفظ الله الحق في طائفة من الناس، استمسكوا به وتجافوا عن البدع والمحدثات، وقاموا بما استطاعوا من النصيحة لله ولرسوله ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم، إلا أن الانحراف استبد وفرض وجوده، واستحكم في المجتمع ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١] . ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة:٤١] .
واستمر خطر الفكر الهدام والفرق الضالة يزيد مع مرور الزمن، ويقوى سلطان أهله واستحواذهم على المسلمين، حتى إذا جاء العصر الحديث فإذا الجهل والضلال قد استحكم في عقائد كثير من المسلمين وشرائعهم، وأصبحت البدعة سنة، والسنة بدعة، وألفوا ذلك ودافعوا عنه، وعادوا ما سواه، ولو كان الحق الذي ينطق به الكتاب.
من أصدق الشواهد على هذه الحال، ذلك الوقوف المنكر والمجابهة لأهل التوحيد والدعوة إلى تنقية الدين مما خالطه من الفكر الهدام والانحرافات والرجوع إلى سنة المصطفى ﷺ وما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم، التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن آزره في دعوته -﵏- فرموهم بالبدعة والضلال وحاربوهم باسم الإسلام.
[ ١ / ١٣٧ ]
وليس غريبًا -وهذه حالهم- أن يتسلط عليهم أعداؤهم من النصارى واليهود، والشيوعيين فيشنوا عليهم حملات استعمارية، وقع في إثرها كثير من البلاد الإسلامية، تحت الاستعمار الصليبي الغادر، والشيوعي الملحد الفاجر، حيث شنّ على المسلمين نوعًا جديدًا من الغزو الفكري الرهيب بغرض الإجهاز على الإسلام واقتلاعه من جذوره، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]
وقد جاء المجال للكلام على الصراع الفكري في العصر الحديث، ويكون ذلك في المطلب القادم، والله المستعان.
[ ١ / ١٣٨ ]
المطلب الثالث: الغزو الفكري للأمة الإسلامية في العصر الحديث
إن استخدام لفظ الغزو في التعبير عن كيد أعداء الأمة في العصر الحديث مناسب لطبيعة ذلك الكيد، وذلك أن جهود أعداء الإسلام في العصور الحديثة تختلف عن تخطيط أولئك الحاقدين في القديم.
ففي القديم كان الإسلام قويًا مهيمنًا، وفي الحديث نجد أن أهل الإسلام في أدنى مستويات الانحطاط الفكري والعسكري والاجتماعي.
وفي القديم كان الالتزام قويًا، وكان يكثر وجود العلماء العاملين السائرين المستمسكين بالإيمان الصحيح، وكانت لهم مكانتهم عند العامة والخاصة، أما في الوقت الذي بدأت فيه الجولة الجديدة من الحرب الفكرية في العصور المتأخرة، كان المجتمع المسلم قد تنازعته الأهواء والفرق، فعكرت صفوه، وتدنس بعض العلماء بلوثات الأفكار الهدامة، والمذاهب المختلفة، والمناهج الضالة.
وفي القديم كان الحاقدون يتظاهرون بالإسلام، ويفسدون بدعوى الإصلاح والحرص على الإسلام، أما في الحديث فرواد المجابهة الفكرية هم من النصارى واليهود، وهم يعملون لحساب دول ومنظمات قوية غنية.
لذلك غلب على المواجهة القديمة، لفظ الصراع لوجود المقاومة العنيفة التي قام بها المسلمون من العلماء والخلفاء وغيرهم.
[ ١ / ١٣٩ ]
وفي العصر الحديث فالواقع يدل على وقوع الأمة الإسلامية تحت غزو فكري عنيف، سبق الغزو المسلح ومهد له، ورافقه واستمر بعده، وقد كان ميدان هذا الغزو هو المعارف الإسلامية، من العقائد والشرائع، والأخلاق والنظم، والأدب والتاريخ، وجميع المجالات الفكرية.
مفهوم الغزو الفكري:
بيّن بعض الباحثين مفهوم الغزو الفكري بقوله: "هو من شعب الجهد البشري المبذول ضد عدو ما، لكسب معارك الحياة منه، ولتذليل قياده، وتحويل مساره، وضمان استمرار هذا التحويل حتى يصبح ذاتيًا إذا أمكن. وهذا هو أقصى مراحل الغزو الفكري بالنسبة للمغلوب، وإن كان في الوقت نفسه هو أقصى درجات نجاح الغزاة.
وسلاح هذا الغزو: الفكرة، والرأي والحيلة، والنظريات والشبهات، وخلابة المنطق، وبراعة العرض ولدادة الخصومة، وتحريف الكلم عن مواضعه، وغير ذلك.
ويتميز الغزو الفكري: بالشمول والامتداد، فهو حرب دائبة لا يحصرها ميدان بل تمتد إلى شعب الحياة الإنسانية جميعًا، وتسبق حروب السلاح وتواكبها، حتى تستمر بعدها لتكسب ما عجز السلاح عن تحقيقه، فتشل إرادة المهزوم وعزيمته حتى يلين ويستكين، وتنقض تماسكه النفسي حتى يذوب كيانه، فيقبل التلاشي والفناء في بوتقة أعدائه، أو
[ ١ / ١٤٠ ]
يصبح امتدادًا ذليلًا لهم" ١.
والمراد هنا هو ذلك الجهد الفكري المنظم، الذي شنه أعداء الإسلام، وبخاصة اليهود والنصارى والشيوعيون على الأمة الإسلامية في العصر الحديث.
وقد مرت جهود أعداء الأمة في مجال الغزو الفكري في العصر الحديث بثلاث مراحل:
الأولى: مرحلة الإعداد، وهي ما قبل الاستعمار العسكري المباشر، ويشمل ذلك التخطيط للتفريق بين المسلمين، وإسقاط الدولة العثمانية، وإيجاد الفكرة القومية٢، لدى شعوب العالم الإسلامي، وإثارة الكراهية
_________________
(١) ١ الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام د. عبد الستار فتح الله سعيد ص٧ دار الأنصار، القاهرة، ط: الأولى، ت: بدون. ٢ القومية: هي فكرة تقوم على التقاء كل شعب على الروابط المشتركة بين أفراده كالجنس، أو اللغة والتاريخ، أو الأرض والوطن، أو الظروف المعيشية والاقتصادية أو عليها جميعًا، واستثنى من ذلك الدين، وقد اختلفت وجهات النظر بين دعاة القومية في تحديد العنصر الأهم والمقوم الأساسي لهذه الفكرة. وحقيقة القومية التي دعا إليها الاستعمار، هي دعوة كل جنس من شعوب العالم الإسلامي إلى التلاحم والتآخي على أساس اللغة والدم وغيرها من الروابط، دون اعتبار للدين، كما استبعد التاريخ الإسلامي من الروابط المشتركة. انظر: الاتجاهات الفكرية المعاصرة وموقف الإسلام منها د. جمعة الخولي ص١١٥، ١١٦ الناشر الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط: الأولى ١٤٠٧هـ. والمخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام لمحمد محمود الصواف ص٢٣-٢٨ دار الإصلاح، الدمام، ط: الأولى ١٩٧٩م.
[ ١ / ١٤١ ]
بين العرب والترك، وقد نشطت هذه المرحلة في القرن التاسع عشر الميلادي١.
الثانية: مرحلة الاستعمار العسكري، وقعت معظم البلدان الإسلامية تحت حكم المستعمرين النصارى، في أوائل القرن العشرين الميلادي، وبذلك استلم أعداء الأمة مباشرة مراكز التعليم والتربية، والحكم والإعلام وسائر مؤسسات الدولة، فوجهوها وجهة غربية إلحادية، وأقاموها على الأفكار والنظريات الضالة التي توافق وضع المستعمر وتحقق أهدافه.
وأثيرت الأفكار الجاهلية، والشكوك والطعن في الإسلام، والدعوة إلى مسايرة الغرب علنًا في مجالات واسعة، كالإذاعات والمسارح، والسينما والمدارس، والصحف وغيرها٢.
الثالثة: مرحلة ما بعد الاستعمار: وهي فترة تعتبر في كثير من البلاد
_________________
(١) ١ انظر: فكرة القومية العربية على ضوء الإسلام د. صالح بن عبد الله العبود ص٩٦-١٤٣ دار طيبة الرياض، ط الأولى ١٤٠١هـ. والاتجاهات الفكرية المعاصرة، ص١٢٢-١٢٨. ٢ حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة د. جميل عبد الله المصري ١/١٣٣-١٥٥ مطابع الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط: الأولى ١٤٠٧هـ.
[ ١ / ١٤٢ ]
استمرارًا لمرحلة الاستعمار العسكري، حيث إن المستعمربن يسلمون الحكم لمن ربوهم على أفكارهم واتجاهاتهم، أو تستلمه زمرة -بمساعدة المستعمر- من المنحرفين المنتسبين إلى بعض الأفكار الخبيثة كالشيوعية أو القومية البعثية أو غيرها. ففرض على الشعوب الإسلامية ما غرسه الاستعمار، أو وقعت تحت أوضاع أشد خطرًا وكفرًا وتسلطًا١.
ويرجع كثير من الباحثين بداية التخطيط للحرب الفكرية الحديثة، إلى توجيهات ملك فرنسا لويس التاسع٢ الذي كان يقود بعض الحملات الصليبية بنفسه، حيث أسر في أحدها وسجن في المنصورة بمصر، وقتل في حملة أخرى.
_________________
(١) ١ انظر: احذروا الأساليب الحديثة في مجابهة الإسلام ص١٨٧، وأساليب الغزو الفكري د. علي جريشه، ومحمد شريف الزيبق ص٤٨-٤٩ دار الاعتصام القاهرة، ط: الأولى ١٩٧٨. ٢ لويس التاسع ملك فرنسا من سنة ١٢٢٦-١٢٧٠م قاد الحملة الصليبية السابعة عام ١٢٤٩م التي توجهت إلى مصر والتي باءت بالفشل، وأسر فيها لويس وسجن في سجن المنصورة بمصر، وأطلق سراحه بفدية كبيرة، ثم قاد في آخر حكمه حملة أخرى سنة ١٢٧٠م توجهت إلى تونس حيث فشلت أيضًا، ومات فيها لويس. انظر: أوربا العصور الوسطى، التاريخ السياسي د. سعيد عبد الفتاح عاشور ١/٢٦٠-٢٦٥ مكتبة الأنجلو المصرية مصر ط: السادسة ١٩٧٥.
[ ١ / ١٤٣ ]
وقد أخذ يفكر بعمق – وهو في معتقله بالمنصورة في السياسة التي كان أجدر بالغرب أن يتبعها إزاء المسلمين.
وبعد ذلك وضع خيوط المؤامرة الفكرية الجديدة على الإسلام، ولخصها في أربعة أمور:
١- تحويل الحملات الصليبية العسكرية إلى حملات سِلْمية صليبية تستهدف ذلك الغرض، ولا فرق بين الحملتين إلا من حيث نوع السلاح الذي يستخدم في المعركة.
٢- تجنيد المبشرين١ الغربيين في معركة سلمية لمحاربة تعاليم الإسلام، ووقف انتشاره، ثم القضاء عليه معنويًا، واعتبار هؤلاء المبشرين جنودًا للغرب.
٣- العمل على إنشاء قاعدة للغرب في قلب الشرق
_________________
(١) ١ مفهوم التبشير المزعوم هو الدعوة إلى النصرانية، إلا أنه في الحقيقة يتقنع بالدين والأعمال الخيرية لتحقيق الغرض الحقيقي، وهو زعزعة عقائد غير النصارى عامة، والمسلمين خاصة، ثم تهيئتهم بشتى الوسائل لقبول النفوذ الغربي، والاستكانة للاستعمار وبسط السيطرة الغربية عليها، ثقافيًا ودينيًا وسياسيًا. انظر: التبشير والاستعمار في البلاد العربية د. مصطفى خالدية، د. عمر فروخ ص٥ المكتبة العصرية، بيروت، ط الثانية ١٩٨٣، واحذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام ص٣٩.
[ ١ / ١٤٤ ]
الإسلامي، يتخذها الغرب نقطة ارتكاز لقواته الحربية ولدعوته السياسية والدينية، وقد اقترح لويس لهذه القاعدة الأماكن الساحلية في لبنان وفلسطين١.
وقد سار الأوربيون بالفعل في طريق تنفيذ وصية لويس، حيث أعدوا جيوشًا من المستشرقين٢ والمنصرين، الذين قاموا بحركة تشويه للإسلام بهدف تشكيك المسلمين فيه، كما قاموا بإنشاء قاعدة نصرانية لهم في لبنان، ويهودية في فلسطين٣.
والحق أن لويس بقراراته هذه وقع على أمرين هامين:
الأول: أنه أدرك السر في قوة المسلمين، وهي عقيدتهم وتمسكهم بتعاليم دينهم، وأنه لا سبيل للغرب ولا لغيرهم للانتصار على المسلمين
_________________
(١) ١ انظر: أساليب الغزو الفكري د. علي جريشه ومحمد شريف الزيبق ص١٩، واحذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام ص٣٣. ٢ الاستشراق: هو حركة دراسة العلوم والآداب، والحضارة والثقافة الإسلامية، بهدف معرفة عقلية المسلمين وأفكارهم واتجاههم، وأسباب تفوقهم وقوتهم لضرب هذه القوة من جهة، والاستفادة من علوم المسلمين من جهة ثانية، والتمهيد للاستعمار النصراني لدول الإسلام وإخضاعها لنفوذه وسلطانه من جهة ثالثة. احذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام ص٨٩. ٣ انظر: احذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام ص٣٤، وأساليب الغزو الفكري ص١٩.
[ ١ / ١٤٥ ]
مع تمسكهم به١.
_________________
(١) ١ يثبت التاريخ أنه كلما قام رجال بالدعوة للدين الصحيح، وتطهير الاعتقاد، وقمع البدع، فإن الإسلام يقوى ويحيى فيه الجهاد، وتعتز الأمة وتسترد ما سلب من أوطانها، ومن شواهد ذلك ما حصل من استرداد بيت المقدس من الصليبيين، ودحر حملاتهم المتأخرة –ومنها الحملات التي قادها لويس- على أيدي رجال أمثال: نور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، ومن جاء بعدهم واقتفى أثرهم في الصلاح والجهاد، قال ابن كثير –﵀- في ترجمة نور الدين زنكي:"كان مجاهدًا في الفرنج آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، محبًا للعلماء والفقراء والصالحين، مبغضًا للظلم، صحيح الاعتقاد مؤثرًا لأفعال الخير، ولا يجسر أحد أن يظلم أحدًا في زمانه، وكان قد قمع المناكر وأهلها، ورفع العلم والشرع، وكان مدمنًا لقيام الليل، إلى أن قال: قال ابن الجوزي: استرجع نور الدين محمد بن زنكي –رحمه الله تعالى- من أيدي الكفار نيفًا وخمسين مدينة". البداية والنهاية للحافظ ابن كثير ١٢/٣٨٧، دار الفكر العربي. ففي مثل هذه الأحوال التي يقام فيها الإيمان الصحيح، وينصر تتجلى آثار الإيمان المباركة –التي هي موضوع هذه الدراسة- ومنها ولاية الله لعباده بحفظهم، والدفاع عنهم وتمكينهم في الأرض، كما يشهد لذلك ما حصل للموحدين في نجد، في القرن الرابع عشر الهجري الذين دعوا إلى ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب –﵀- من تصحيح الاعتقاد ونبذ البدع واتباع السنة والجهاد في سبيل الله، فحفظهم الله في الجزيرة العربية، في وقت اكتسح فيه الاستعمار الصليبي جميع البلاد الإسلامية تقريبًا، فحفظهم الله وحفظ بهم منهج السلف الصالح. وإذا قورنت هذه الأحوال بالأحوال التي ضاعت فيها بلاد المسلمين نجد أن السبب الأهم هو الانحراف عن الإيمان، وكثرة البدع والعصيان، ومن شواهد ذلك ما قاله ابن كثير وهو يبين سبب انتصار الروم على المسلمين وانتزاعهم الكثير من بلادهم:" وذلك لتقصير أهل ذلك الزمان، وظهور البدع الشنيعة فيهم، وكثرة العصيان من الخاص والعام منهم، وفشو البدع فيهم، وكثرة الرفض والتشيع منهم، وقهر أهل السنة بينهم". البداية والنهاية المصدر السابق ١٢/٣٤٣.
[ ١ / ١٤٦ ]
وما داموا قد حددوا السبب الحقيقي: "فإن العلاج والمقاومة يكون من السهولة بمكان، وقد عرفوا سر قوة المسلمين وهو: عقيدتهم وشريعتهم وأخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم الإسلامية.
إذًا -لا بد من توجيه الحرب إلى الإسلام نفسه كدين وعقيدة، ومنهج حياة، وعادات وتقاليد، ولا بد من زعزعة الإسلام في قلب المسلم، وتخريب العقيدة في قلوب المسلمين، أو بمعنى آخر قالوا: لا بد من القضاء على الإسلام كعقيدة وشريعة، ونظام ليسهل القضاء على المسلمين كقوة" ١.
الثاني: أنه وقع على الكيد المؤثر في حرب الإسلام، وهو أسلوب الغزو الفكري، الذي يفوق بعشرات المراحل أسلوب الغزو العسكري، ذلك أنه يمتاز بعدة أمور منها:
١- الخداع: فالعدو من خلال هذا الغزو لا يقف أمامك عيانًا بيانًا، بل هو مستخف، يأتيك من وراء حجاب ويداهمك بدون شعور
_________________
(١) ١ انظر: احذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام ص٣٢.
[ ١ / ١٤٧ ]
منك، قد يأتيك في صورة مقال جذاب، أو كتاب بغلاف براق، أو برنامج إذاعي أو تلفزيوني، أو فيلم أو مسلسل، بل إنه قد يأتيك من خلال واحد من أبناء جلدتك ووطنك، بل ودينك أحيانًا.
٢- الخطورة: الغزو الفكري أخطر بكثير من الغزو العسكري، لأنه عميق التأثير في الشعوب المغزوّة، إذ يمتد تأثيره عشرات بل مئات السنين أحيانًا، والشعب الذي يُحارَب بالغزو الفكري ينصرف بمحض اقتناعه هو كما يريد الغازي
٣- البساطة: فالغزو الفكري سهل وبسيط، وأقل تكلفة من الغزو العسكري، الذي يكلف كثيرًا من الدماء والطاقات١.
ومما يزيد في ضراوة المعركة أن معظم الطبقة التي تملك زمام البلاد الإسلامية من المفكرين والسياسيين مع القيم الغربية قلبًا وقالبًا٢.
وزاد من خطر هذه الهجمة الفكرية، التقاء المصالح والجهود النصرانية واليهودية في التخطيط للسيطرة على العالم وتدمير الإسلام، والتقاء هؤلاء مع الشيوعيين على عداوة الإسلام، واعتباره الخطر الأول عليهم، وعملهم جميعًا على محاربته بكل الوسائل الفكرية والمادية.
وقد استخدموا لهذا الغرض جيوشًاَ من المبشرين والمستشرقين، الذين
_________________
(١) ١ المصدر نفسه ص٣٥. ٢ المصدر نفسه ص٣٥.
[ ١ / ١٤٨ ]
كان دورهم هو نشر الفكر الهدام في صفوف المسلمين، وصرفهم عن المفاهيم الصحيحة التي جاء بها الإسلام في كل المجالات.
وقد أدرك المستشرقون ومَنْ وراءهم من قادة الاستعمار أن عقيدة كثير من المسلمين قد شابها ما شابها من الانحراف، وعملت فيها جهود الحاقدين القديمة، ولولا ذلك ما نجحت مخططاتهم الحديثة بسهولة، ولذلك اتجهت أهدافهم إلى ترسيخ الانحراف، والعمل على منع عودة المسلمين إلى الفهم الصحيح للإيمان المستمد من الكتاب والسنة، وما كان عليه السلف الصالح، وقد عملوا لتحقيق ذلك في عدة مجالات:
منها: إحياء تلك الجهود القديمة وإذكاء نارها.
قال أنور الجندي: "إن من أخطر التحديات التي تواجه الإسلام في العصر الحديث ابتعاث الفكر الوثني القديم هذا الفكر الذي يجمع بين الوثنية والإلحاد والتعددية، والإشراق والمادية، والذي عرفه العرب والمسلمون بعد ترجمة الفلسفة اليونانية، والفارسية والهندية، وظهر أثره في الفلسفة وعلم الكلام، والتصوف والدعوات الباطنية المتجددة عن المجوسية وغيرها"١.
ومنها: العمل على استحداث المزيد من الأفكار الضالة، والفرق
_________________
(١) ١ المؤامرة على الإسلام، أنور الجندي ص٥، دار الاعتصام، القاهرة ط: الأولى ١٩٧٧م.
[ ١ / ١٤٩ ]
الهدامة، فلقد شجع الاستعمار قيام عدد من الفرق، والمذاهب والجماعات المنحرفة، والتي تتبنى آراء تهدم مبادئ الإسلام من أساسه، وكان الهدف من إنشاء هذه الجماعات هو:
١- ضرب الإسلام كعقيدة وشريعة، وتشكيك المسلمين في دينهم بعد أن حاولوا إبعاده عن مجال التطبيق.
٢- أن تساعد هذه الفرق على إسقاط شريعة الجهاد، التي أقضّت مضاجع المستعمرين، وذلك لاستمرار سيطرتهم على بلدان العالم الإسلامي.
٣- أن تساعد على إشاعة الفرقة الفكرية بين المسلمين وشغلهم بالرد على بعضهم، واستنفاد قوتهم في الجدل والمناقشات.
٤- أن تساعدهم على نشر عقائدهم الباطلة، فقد تبنت هذه الجماعات كثيرًا من عقائد النصارى واليهود والماركسيين، وبذلك تستخدم هذه الجماعات كمدارس تبشيرية جديدة داخل العالم الإسلامي١.
ومنها: التحريض على ضرب الحركات الإسلامية، وإجهاض الدعوات التي تهدف إلى عودة المسلمين إلى دينهم، وتبصرهم بكيد أعدائهم؛ ومن هذا الباب تشويه سمعة الدعاة، ووصفهم بالتطرف
_________________
(١) ١ انظر: احذروا الأساليب الحديثة في مجابهة الإسلام ص٢٨٣.
[ ١ / ١٥٠ ]
والإرهاب، ونشر الافتراءات عليهم١.
ومن ذلك تشجيع الدول الاستعمارية على مزاولة الضغوط على الحكومات الإسلامية، بعدم انتهاج وتطبيق أحكامه، والالتزام به في سياساتها المختلفة.
وقد اعتمد المستشرقون في كيدهم الفكري وغدرهم الخفي على حيلة المنهج العقلي المتجرد وادعوا أنهم يلتزمون به، ويبحثون عن الحق في دراستهم وفق أسس منطقية، ونظرة عقلية محايدة، فخدعوا الكثير من كتّاب ورجال الفكر من المسلمين فقبلوا أقاويلهم، ومفترياتهم ظنًا منهم أنها نتائج بحث علمي متجرد.
والحق أن دعوى التجرد والحياد، ودعوى المنطقية العقلية لا صحة لها في الواقع، وإنما هي أوهام وظنون وخدع قولية وتلبيسات شيطانية جعلها المستشرقون ومن سار في ركابهم من الحاقدين ستارًا للطعن في الإسلام، والتشكيك في تعاليمه وزخرفة الباطل.
فالباحث والناقد والدارس –مهما كان- لا بد أن يكون له منهج يسير عليه، وميزان يزن به ويُرجع الحكم إليه. فالحكم بالخير والشر، والحق والباطل، والصواب والخطإ، يختلف باختلاف البشر ومشاربهم الفكرية، وقناعاتهم الشخصية، فلا بد أن يكون عند الباحث والناقد تحديد
_________________
(١) ١ انظر المصدر نفسه، ص٢٦٩.
[ ١ / ١٥١ ]
مسبق لهذه المفاهيم يحكم به، ويحتكم إليه، لكن بعض الباحثين لا يجهر بمنهجه ويدّعي التجرد من باب التدليس وإعطاء نتائجه قوة وقبولًا.
أما دعوى تحكيم العقل ومنطقه، وأن هناك منطقًا عقليًا مشتركًا بين جميع الناس يزنون به الأمور ويحتكمون إليه، فهي دعوى باطلة، وفتنة قديمة متجددة، ولا وجود لمثل هذا العقل أصلًا.
وإنما الموجود هو إعمال الناظر العقل في أمر ما لينظر هل يستقيم على منهجه أو لا، قال سيد قطب ﵀:
"إن العقل المبرأ من النقص والهوى لا وجود له في دنيا الواقع، وإنما هو مثال!.. فهناك عقلي وعقلك وعقل فلان وعقل علان وليس هناك عقل مطلق لا ينتابه النقص والهوى، والشهوة والجهل يحاكم النص القرآني إلى مقرراته، وإذا أوجبنا التأويل ليوافق النص هذه العقول الكثير، فإننا ننتهي إلى فوضى! " ١.٢
_________________
(١) ١ خصائص التصور الإسلامي، سيد قطب، ص١٩، دار الشروق، ط العاشرة ١٤٠٨هـ. ٢ هذه الومضة المنهجية القيمة في فكر سيد قطب، مفادها خطأ من يزعم وجوب تحكيم العقل في نصوص الكتاب والسنة، إذا لم توافق دلائل العقول القاصرة. إلا أن سيدًا عندما كتب في التفاصيل، وخاصة في التفسير، خالفها من جهتين: الأولى: وقع في التأويل المذموم، وقدم العقل ورد الآثار الصحيحة. انظر أمثلة ذلك في كتاب: المورد الزلال في التنبيه على أخطاء الظلال، للشيخ عبد الله بن محمد الدويش، العناوين الآتية من فهرس أخطاء الظلال: -أسباب النزول. ص٣٣٥. -تقديمه الرأي والاستحسان على الأثر ص٣٣٨. الثانية: موافقته لأهل التأويل في بعض ما ذهبوا إليه من تأويل: صفات الله تعالى، كتأويل صفة الاستواء، وكلام الله ﷿، ورؤيته، ونحوها. انظر: المصدر السابق ص٣٢٩.
[ ١ / ١٥٢ ]
وبالإضافة إلى قصور العقل في القوة، وقصوره في العلم، وتأثير الشهوة والعواطف والانفعالات عليه، فهو أيضًا متأثر بالتصورات الفكرية، والقناعات الموروثة من البيئة أو الدين، أو التعصب للجنس أو الوطن أو نحوها.
ومع ذلك فإن الكافر والفاسق ميدان لوسوسة الشياطين، وإمدادهم لأعوانهم بزخرف القول والباطل، كما قال رب العالمين:
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء:٢٢١، ٢٢٢] .
فكيف بعد هذا تقبل دعوى من هذه حاله، بالنظر الصحيح، والتجرد والحياد العلمي.
وليس الغرض هو التأريخ أو استقصاء الحركات الهدامة، وجهود
[ ١ / ١٥٣ ]
الأعداء، وإنما بيان خطورة الغزو الفكري الحديث، واعتماده على الأفكار الهدامة، مما يبين أهمية العناية بالإيمان ليتحقق أثره، في تحصين الأمة ضد الأفكار الضالة بمختلف أنواعها.
وسوف أورد أهم الأساليب التي استخدمها الغرب الصليبي خاصة، وتعاون على تحقيقها أعداء الأمة عامة، وجندوا أنفسهم لمحاربة الإسلام والمسلمين بها، وقد لخص هذه الأساليب صاحب كتاب: المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام فيما يلي١:
١- فتح المدارس الأجنبية في ديار المسلمين وتكثيرها وتنويعها، وإرسال القُسوس والرهبان.. ليشرفوا على هذه المدارس، ويربوا أجيال المسلمين على أعينهم، ففتحوا المدارس التي كمن التبشير والاستعمار في طيات كتبها المسمومة، وفي صور أساتذتها الحاقدين على الإسلام، والذين وهبوا أنفسهم لمكافحة الإسلام ودحر المسلمين.
٢- ومنها إرسال البعوث، وتكثير الإرساليات التبشيرية لتنشر مكامن التبشير في كل مكان، وتشكك الشباب المسلم في دينه وعقيدته، وتحيطه بسياج من أوهامها وضلالاتها، ومن وسائلهم فتح المستشفيات والمستوصفات ودور التمريض لنفس الغرض الخبيث.
_________________
(١) ١ المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام، محمد محمود الصواف ص١٧-٢١، دار الإصلاح، الدمام، ط: الثالثة ١٣٩٩هـ.
[ ١ / ١٥٤ ]
٣- ومنها إرسال أكبر قدر ممكن من شباب المسلمين وأبنائهم، إلى ديار الغرب لينهلوا من ثقافته المسمومة هناك، ويعودوا إلى ديارهم وقد ودعوا هناك دينهم، وخُلقهم ومبادئهم، ورجعوا يحملون هم الأمانة١.
أمانة التبشير وحرب رسالة الإسلام.
٤- ومنها نشر الكتب المفسدة العابثة المضللة، التي تشغل الشباب عن ثقافتهم الأصلية، وتلهيهم بالعبث والخيال الماجن الذي سيجرهم إلى المجون والجنون.
٥- ومن هذه المخططات السيطرة قدر المستطاع على برامج التعليم في الديار الإسلامية، وتوجيه التعلم توجيهًا علمانيًا٢ لا يؤمن بدين ولا يصدق برسول وينطلق نحو الإلحاد والفساد.
٦- ومنها نشر المجلات الخليعة، والسينمات المسمومة، والتلفزيون المشحون بما يثير غرائز الشباب، ويشغلهم بالتفكير في إشباع غرائزهم عن التفكير في مصالح أمتهم، ومستقبل دينهم وعقيدتهم وحرية
_________________
(١) ١ ليست بأمانة، وإنما هي عين الخيانة. ٢ العلمانية: ترجمة مضللة لمصطلح أجنبي وترجمته الصحيحة: اللادينية أو الدنيوي، وهي دعوة إلى إقامة الحياة على غير الدين، والفصل الكامل بين الدين والحياة ولا صلة لها بالعلم. انظر: الاتجاهات الفكرية المعاصرة د. جمعه الخولي ص٩١، والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة ص٣٦٧.
[ ١ / ١٥٥ ]
أوطانهم وأمتهم.
٧- ومنها العمل المتواصل لإفساد شبابنا ورجالنا بزجاجة الخمر، وفتاة الهوى، والصورة الخليعة، والقصة الماجنة، وإرسال القينات١ والفاتنات أفواجًا أفواجًا، إلى ديار المسلمين ليفسدن باسم الفن، ويهدمن باسم الحرية، ويخربن باسم الترفيه.
٨- ومنها فتح نوافذ للحضارة الغربية، والثقافة الغربية وتمجيدها، والدعاية لها، لينظر منها شباب الإسلام فيفتن بمباهجها، وتأخذه مظاهرها الخلابة الكاذبة، فيبدأ يأخذ بثقافتها ويعجب بحضارتها، ويحتقر بعد ذلك أمته وبلاده، لسوء حاضرها الماثل أمام عينيه، وقد جهل ما هو ماضيها، وفُتِن بحاضر الغربيين.
حتى أصبح قلبه معهم هناك، وإن كان جسمه هنا، وروحه مع الغرب، وإن عاش في الشرق وسكنه وولد فيه.
٩- ومنها السيطرة الاقتصادية والتحكم في الأسواق، وامتصاص أكبر قدر ممكن من ثروة البلاد الإسلامية، وإشاعة الفقر والبطالة بين المسلمين، وهم أي المسلمون إن اشتغلوا بدنياهم لمعالجة عوزهم، وسد حاجاتهم وفقرهم نسوا دينهم، وأُشغلوا عنه، وأهمتهم أنفسهم وأهلوهم واحتاجوا إلى الغرب يستجدونه ويستقرضون منه ويسترضونه.
_________________
(١) ١ القينات: المغنيات.
[ ١ / ١٥٦ ]
١٠- ومنها تمجيد وإحياء الحضارات القديمة كالحضارة الآشورية١، والحضارة الفينيقية٢، والحضارة الفرعونية٣، وتسليط الأضواء عليها، لينبهر بها الشباب المسلم، وينسى حضارته الإسلامية الأصلية، وقد طمسوا عنه أخبارها، وشوهوا له حقائقها، وفتحوا عينيه على حضارتهم وأمجادهم ومدنيتهم الحاضرة.
١١- ومنها العمل على إلغاء المحاكم الشرعية في ديار المسلمين، وإلغاء دور الإفتاء والسيطرة على أوقاف المسلمين، ونشر القوانين الوضعية ودراستها، حتى أنشئت كليات للحقوق في أكثر البلاد
_________________
(١) ١ الآشورية: نسبة إلى الآشوريين، وهم الشعوب التي استوطنت العراق وما حوله من بلاد الأكراد قبل الميلاد بقرابة ألف ومائتي عام، وأقاموا دولة واسعة. انظر: الموسوعة الثقافية د. حسين سعيد ص٩١، مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر-القاهرة ١٩٧٢م. ٢ الفينيقية: نسبة إلى الفينيقيين، وهم الشعوب التي سكنت لبنان وسواحل بلاد الشام قبل الميلاد بقرابة ألفي عام. انظر: نفس المصدر ص٥٣٩. ٣ الفرعونية: نسبة إلى الفراعنة، وهم ملوك مصر القدامى، الذين حكموا مصر قبل الميلاد، بأكثر من ألف سنة. انظر: المصدر ٧١٢. والمراد حضارة الدول التي حكمها الفراعنة في مصر والتي ينسب إليها بناء الأهرامات، وكثير من الآثار العمرانية الموجودة الآن.
[ ١ / ١٥٧ ]
الإسلامية، ويدرس القانون الروماني والقانون الفرنسي وغيرهما من القوانين الأجنبية، ولا تدرس الشريعة الإسلامية إلا في زاوية من زواياها وهي الأحوال الشخصية فقط، أما حقائق الشريعة الإسلامية وتشريعاتها المختلفة فلا نعلم عنها شيئًا، ونجهل حتى أبسط مبادئها وأحكامها.
١٢- ومنا إضعاف سلطان الإسلام في نفوس المسلمين، ويقوم هذا الأسلوب على السخرية بعلماء الدين، وتصويرهم بصورة الجهلاء، الجامدين تارة، والمنافقين المستغلين لسلطان وظائفهم ونفوذهم تارة أخرى، وبت الإشاعات ونشر الاتهامات المختلفة حولهم لتقليص نفوذهم وسيطرتهم على نفوس المسلمين. ولقد نجح الأعداء إلى حد كبير في الحقبة الأخيرة من هذا القرن، حتى شوهوا سمعة العلماء الذين يؤخذ عنهم الدين وتكتسب منهم الدعوة، ويقتبس منهم نور الإسلام وحقائقه، حتى زهدوا الناس في طلب العلم الديني، وأصبح العالم الإسلامي اليوم لا يشكو نقصًا في شيء، كما يشكو النقص في علماء الدين في معظم ديار الإسلام.
١٣- ومن هذه المخططات تشويه حقائق الإسلام ووضع الإسلام في قفص الاتهام، والتركيز على القرآن الكريم وتوجيه الهجوم عليه، وترجمته لغرض محاربته.
١٤- ومنها توجيه الأدب والصحافة وجهة علمانية، لا دينية، والسيطرة على دور النشر والتوزيع، وإنشاء دور ضخمة للطباعة والنشر والتأليف، تتولى نشر ما يريد الاستعمار ورجاله في أوساط المسلمين، وقد
[ ١ / ١٥٨ ]
أنشئت فعلًا في بعض العواصم الإسلامية كثير من هذه الدور.
١٥- ومنها تشويه التاريخ الإسلامي، والتشكيك في حوادثه، وإبراز الجوانب الضعيفة أو المؤسفة فيه.. كما فعل كثير من المستشرقين في هذا الميدان حتى أشبعوا شبابنا حقدًا على الإسلام، وكرّهوهم ونفّروهم من تراثهم وتاريخهم.
١٦- ومن هذه المخططات إنشاء المذاهب والمبادئ الهدامة، كالماسونية١ والبهائية٢ والقاديانية٣ وغيرها، وإشغال المسلمين بها
_________________
(١) ١ الماسونية: منظمة يهودية سرية إرهابية، غامضة محكمة التنظيم، تهدف إلى ضمان سيطرة اليهود على العالم، وتدعو إلى الإلحاد والإباحية، والفساد، وجل أعضائها من الشخصيات المرموقة في العالم، يوثقهم عهد بحفظ الأسرار، ويقومون بما يسمى بالمحافل للتجمع والتخطيط والتكليف بالمهام. انظر: الموسوعة الميسّرة في الأديان والمذاهب المعاصرة ص٤٤٩-٤٥٣، واليهودية لأحمد شلبي ٣٢٥-٣٣٠. ٢ البهائية: حركة أسسها المرزا على محمد رضا الشيرازي عام ١٢٦٠هـ، تحت رعاية الاستعمار الروسي، واليهودية العالمية، والاستعمار الإنجليزي بهدف إفساد العقيدة وتفكيك وحدة المسلمين، وصرفهم عن قضاياهم المعاصرة. انظر: المرجعين السابقين. الموسوعة الميسرة ص٦٣-٦٥، واليهودية ص٣٤٩-٣٥٨. ٣ القاديانية: حركة أسسها مرزا غلام أحمد القادياني عام ١٩٠٠ في القارة الهندية، بتخطيط من الاستعمار الإنجليزي، وتهدف إلى إبعاد المسلمين عن دينهم وعن فريضة الجهاد بشكل خاص حتى لا يواجهوا المستعمر. انظر: الموسوعة الميسرة ص٣٨٩-٣٩١، والمخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام ص٣٥٤-٣٥٩.
[ ١ / ١٥٩ ]
وإخراجهم من دينهم بزعامات فارغة، يوجهها رجال من الشرق والغرب وهم جميعًا أعداء الإسلام.
١٧- ومنها العمل على إلغاء الخلافة الإسلامية، وتفريق كلمة المسلمين وجعلهم أممًا وشعوبًا مختلفة، بعد أن كانوا تحت لواء الخلافة أمة واحدة.
١٨- ومنها العمل على إفساد المرأة المسلمة، ثم إخراجها باسم الثقافة والحرية والديمقراطية١ سافرة ومتبرجة، وجعلها أحبولة الفساد في المجتمعات الإسلامية، ومن ثم تعطيل الأسرة، وهدم كيان المجتمع الإسلامي.
١٩- ومنها محاربة اللغة العربية الأصلية، والدعوة إلى العامية، أو الدعوة إلى الكتابة بالحروف اللاتينية، لقطع الصلة بين ماضي المسلمين وحاضرهم، وضياع كنوزهم العلمية التي تركها سلفهم الصالح، وكانوا بها خير أمة أخرجت للناس.
_________________
(١) ١ الديمقراطية: كلمة من أصل يوناني –معناها حكم الشعب-، وتنصرف إلى كل نظام سياسي يكون الشعب فيه مصدر السلطة والتشريع، وصاحب السيادة. انظر: الموسوعة الثقافية ص٤٦٦.
[ ١ / ١٦٠ ]
٢٠- اتفاق الاستعمار والصهيونية١ العالمية على مكافحة الإسلام، ووضع قدم للاستعمار في فلسطين قلب البلاد الإسلامية بواسطة اليهود، وباسم العطف على قضاياهم وشعبهم المنكوب، وتحويل قضية فلسطين من قضية إسلامية مقدسة، إلى قضية قومية لا ارتباط لها بالإسلام؛ وحربهم لنا في القدس إنما هي امتداد للحروب الصليبية.
٢١- ومن هذه المخططات وأهمها وأخطرها إحياء العاطفة القومية وإثارة النعرات القومية بين المسلمين.
وبعد هذا الاستعراض الموجز لأهم مخططات الاستعمار الصليبي، لهدم الإسلام، أرى أنه ينبغي الوقوف عند نقطة هامة، وهي ما ورد في رقم ٢٠ من الإشارة إلى اتفاق الاستعمار والصهيونية العالمية على مكافحة الإسلام.
وهذا الاتفاق ما تم إلا بعد التقاء المصالح اليهودية، والصليبية والذي
_________________
(١) ١ الصهيونية: هي حركة يهودية سياسية، عنصرية دينية، تهدف إلى جمع الملايين من يهود العالم في كيان يهودي قومي في فلسطين، استنادًا إلى مزاعم تاريخية، ودينية، واتخاذ فلسطين نقطة انطلاق لدولة كبيرة تمتد من الفرات إلى النيل، ومن ثم تكوين إمبراطورية صهيونية عالمية، تكون وريثة للحضارة الغربية. انظر: حاضر العالم الإسلامي د. جميل المصري ١/٨٤، والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة ص٣٢١، الندوة العالمية للشباب الإسلامي الرياض ط: الثانية ١٤٠٩هـ.
[ ١ / ١٦١ ]
تم بعد أن استطاع المحتكرون والفلاسفة اليهود، السيطرة على الاقتصاد والفكر الأوربي، فوجهوه وجهة تتلاءم مع مخططاتهم التي وضعوها لإفساد العالم تمهيدًا للسيطرة عليه وإقامة دولة اليهود الكبرى١، كما ورد ذلك في تعاليم التلمود٢ والبروتوكولات الصهيونية٣.
_________________
(١) ١ انظر: حاضر العالم الإسلامي د. جميل المصري ١/٨٧، ٨٨.، والإسلام والدعوات الهدامة أنور الجندي ص١٠٩-١١ دار الكتاب اللبناني، ط: الأولى. ٢ التلمود: معناه في اللغة العبرية التعاليم، وهو علم على ثاني كتب اليهود بعد التوراة، وهو يجمع بزعمهم التعاليم الشفهية للديانة اليهودية التي يسمونها "المشناة" وشروحها المسماة "جمارا"، وهي تشتمل على كثير من المبادئ الهدامة التي أنكرها عيسى بن مريم ﵇. انظر: التلمود، تاريخه وتعاليمه، ظفر الإسلام خان دار النفائس، بيروت ط: السابعة ١٤٠٥هـ، واليهودية أحمد شلبي ص٢٦٥ مكتبة النهضة، القاهرة ط: السابعة ١٩٨٤م. ٣ اشتهرت باسم بروتوكولات حكماء صهيون، وهي عبارة عن محاضر جلسات أو قرارات اتخذها المخططون اليهود في مؤتمر بال الذي عقد سنة ١٨٩٧م بسويسرا سرقت بعض هذه البروتوكولات من مكتب أحد زعماء اليهود في وكر الماسونية بباريس، ونشرت لأول مرة عام ١٩٠٢م، وهي عبارة عن مخططات شريرة لهدم كل ما عند الأمم غير اليهودية من الخير والفضيلة، والتخطيط لسيطرة اليهود على وسائل النفوذ والضغط والتأثير تحقيقًا لهذا الغرض، وتمهيدًا لإقامة دولة اليهود الكبرى التي تسيطر على العالم. انظر: بروتوكولات حكماء صهيون، واليهودية لأحمد شلبي ص٢٧٢-٢٦٨.
[ ١ / ١٦٢ ]
وأرى من المناسب أن أذكر أهم المخططات اليهودية لتتبين شدة الهجمة الفكرية الموجهة إلى الإسلام، ومدى التوافق بين التخطيط الصليبي الاستعماري، واليهودي الصهيوني، وقد لخص أهم هذه المخططات صاحب كتاب الإسلام والدعوات الهدامة وسوف أذكر منها ما له صلة بكيد اليهود ضد الإسلام خاصة، فمن ذلك١:
١- محاربة الأديان بصورة عامة، وبث روح الإلحاد والإباحية بين الشعوب، والغض من قدْر وقدرة العلماء والمتخصصين في العقائد والأديان.
٢- تدمير القوى البشرية، ومعنويات الأمم، واستذلالها واستعبادها.
٣- السيطرة على الشباب والأطفال من أول الغايات، وتنشئتهم على الكذب، والتمويه والمخادعة وعلى الأنانية، وحب المنفعة والسعي وراءها بكل الطرق، وكسر سلطة الآباء عليهم، والاستعانة على ذلك بالأندية، والفرق الرياضية الموسيقية والفن.
٤- إشعال الثورات والفتن والاضطرابات، وإنفاق الأموال الطائلة في سبيل الأغراض الهدامة.
٥- إيجاد جيل من العلمانيين في العالم، لمعالجة القضايا على أساس مادي وإبعاد الآثار العقائدية والدينية عن مخططات السياسة والاجتماع.
_________________
(١) ١ نقلًا بتصرف عن كتاب الإسلام والدعوات الهدامة، أنور الجندي ص١٠٤-١١١.
[ ١ / ١٦٣ ]
٦- التركيز على المذاهب والفلسفات، وبث الدعاية للمبادئ المستقاة منها –والتي تحارب الدين- وتسميتها بأسماء جذابة كعلم السياسة، والاجتماع والاقتصاد بحيث تسود هذه المبادئ على تعاليم الدين.
٧- التركيز على المرأة، والدعوة إلى تحريرها، ونزعها من الدين والأسرة واجتذابها إلى المرقص والمحافل، وتدمير الأسرة، وإفراد الرجل من عائلته وإفساد أخلاقه، وترغيبه في المعيشة المتفلّتة.
٨- الدعوة إلى التعليم العلماني اللاديني، الذي يفسد قلوب الشباب، ويغرس مقوّمات الرذيلة، واقتلاع العفة من عقول الفتيات، ويجهر فيه بالإلحاد وإنكار الخالق ﵎.
٩- التحريض على الفساد: عن طريق الثقافة، والصحافة، وذلك بنشر الروايات والصور الخليعة، والأغاني البذيئة، ونشر الخرافات، وإشاعة الأدب المكشوف الإباحي، وتسهيل أسبابه عن طريق نشر الرذائل والخمر، ومحلات البغاء والملاهي.
١٠- إحياء الوثنيات القديمة، ومحاربة تعاليم الدين.
١١- الترويج للفلسفات المادية، وبناء جميع العلوم على أساسها، وتمجيد العقل، والزعم بأن العلم العقلي هو الأساس الوحيد لكل معتقد، ورفض كل عقيدة بُنيت على أساس الوحي، والدعوة إلى الإلحاد عن طريق حرية العقيدة.
[ ١ / ١٦٤ ]
١٢- السيطرة قدر الإمكان على الإعلام والتعليم، ودور النشر ووكالات الأنباء، واستخدامها في إثارة الرأي العام، وإفساد الأخلاق، وتحطيم الأسرة، لتسود عبادة المال والشهوات.
وقد استخدم اليهود لتنفيذ هذه المخططات عدة أساليب منها:
١- احتكار المال والصناعات الحساسة، فكثير من البنوك والشركات الكبيرة، وأسواق الأسهم والمال العالمية، بأيديهم، مما يمكّنهم من الضغط غير المباشر على رجال السياسة، بل والتأثير في مجريات الانتخابات في الدول الديمقراطية.
٢- عن طريق المنظمات السرية والعلنية، ومن أشهرها وأخطرها الماسونية، وهي تسمى عند كثير من الباحثين حكومة العالم الخفية، وذلك أنها تؤثر في مجريات الأحداث عن طريق أتباعها الموجودين في جميع الدول تقريبًا، والذين يتقلد بعضهم مناصب حساسة، فمنهم: الوزراء والقضاة، وضباط في الجيش، والشرطة، والمباحث، بل ومنهم رؤساء بعض الدول، ورجال الفكر، وغير ذلك من المراكز الحساسة التي لها تأثير في توجيه الشعوب سياسيًا واقتصاديًا وفكريًا.
٣- عن طريق وسائل الإعلام.
فلقد أدرك اليهود في الوقت الذي أصدروا فيه بروتوكولاتهم الصهيونية في آخر القرن التاسع عشر، أهمية الإعلام المتمثلة في ذلك الوقت في الأدب والصحافة، وأنهما أعظم قوتين تعليميتين –كما قالوا-،
[ ١ / ١٦٥ ]
لذلك قرروا شراء العدد الأكبر من الصحف الدورية –وهدفهم من ذلك الظفر بالسلطان الكبير جدًا على العقل الإنساني١، وأن لا يصل طرف خبر إلى المجتمع من غير موافقتهم٢.
وخططوا لنشر كتب رخيصة الثمن لتعليم العامة، وتوجيه عقولهم الاتجاهات التي يرغبونها٣، لكي يتمكّنوا من إثارة عقل الشعب متى أرادوا وتهدئته إذا أرادوا٤، والظفر بإرادة المجتمعات غير اليهودية إلى حد أنها لا ترى أمور العالم إلا بالمناظير الملونة، التي يضعها الإعلام على عيونها٥.
وقرروا استخدام الإعلام لإلهاء الشعوب، عن طريق الإعلان في الصحف وغيرها من وسائل الإعلان داعين الناس إلى الدخول في مباريات شتى في مجالات: الفن والرياضة وما إليها، هذه المتع التي ستلهي ذهن الشعب حتمًا.
وحالما يفقد الشعب تدريجيًا نعمة التفكير في المستقبل بنفسه،
_________________
(١) ١ انظر: بروتوكولات حكماء صهيون ص٩٢، الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية، ط: الأولى ١٤٠٣هـ. ٢ نفس المصدر السابق ص٨٩. ٣ المصدر السابق ص٩١. ٤ نفس المصدر ص٩٥. ٥ نفس المصدر ص٩٠.
[ ١ / ١٦٦ ]
سيهتف جميعًا معنا –على حد قولهم١.
ومن ذلك استخدام الإعلام في توجيه العقل العام نحو كل نوع من النظريات المبهرجة، التي يمكن أن تبدو تقدمية وتحررية٢.
والنتيجة النهائية التي يطمحون إليها من وراء السيطرة على الإعلام، هي إثمار الملحدين وتحطيم كل عقائد الأديان٣.
ومن أجل هذا الغرض سعى اليهود إلى شراء وإنشاء آلاف الشبكات التلفزيونية في أنحاء العالم، وسيطروا على محطات الإذاعة العالمية، وامتلكوا عشرات الآلاف من الصحف والمجلات وغيرها من الدوريات٤.
ولم يكتفوا بذلك بل احتكروا معظم دور النشر الفعالة في العالم، وأوجدوا لهم نفوذًا وضغوطًا على ما لا يملكونه منها٥.
واهتموا بشكل خاص بوكالات الأنباء، فأكثرها وأهمها بأيديهم، كما ركزوا على السيطرة على صناعة السينما والتلفزيون، والمسرح
_________________
(١) ١ نفس المصدر السابق ص١٠٠. ٢ نفس المصدر السابق ص١٠٠. ٣ المصدر السابق ص١٠١. ٤ النفوذ اليهودي في الأجهزة الإعلامية والمؤسسات الدولية، فؤاد بن سيد عبد الرحمن الرفاعي، ١١، ١٤، ٢٠ دار السياسة، الكويت، ط: الأولى ١٤٠٧هـ. ٥ المصدر السابق ص٣، وانظر: اليهودية لأحمد شلبي ص٢١٢، ٢١٣.
[ ١ / ١٦٧ ]
والثقافة، والإعلان التجاري١.
وقد ساعدهم على ذلك التقاء مصالحهم مع مصالح الغرب الصليبي، في حرب الإسلام، والسعي إلى السيطرة العالمية، وتحويل العالم جميعًا إلى أنماط الحضارة الغربية. فتساعد الفريقان على تسخير الإعلام وغيره من الأساليب في تحقيق هذه الأغراض.
والحق أن جهود أعداء الإسلام من الصليبيين الحاقدين، واليهود الصهاينة المفسدين، نجحت نجاحًا لم يكن يخطر لهم على بال، فتغلغلت تلك الأفكار الجاهلية والمبادئ الغربية والقيم الإباحية تغلغلًا مفزعًا في معظم المجتمعات الإسلامية.
وقد ساعد على نجاحها عدة عوامل، نجملها فيما يلي:
١- ضعف الأمة الإسلامية في وقت المجابهة الفكرية الحديثة، نتيجة للانحراف الخطير في مفهوم الإيمان، وسوء المعتقد، وانتشار الفرق المخالفة والبدع.
كل ذلك كان من آثار الجهود القديمة التي أثرت فيه وترسبت واختمرت حتى أصبح ينظر إليها عند كثير ممن ينتسب إلى الإسلام أنها هي الإسلام.
٢- قوة التخطيط ودقته وشموله، وتظافر جهود أعداء الله من اليهود
_________________
(١) ١ النفوذ اليهودي ص٣٦-٦٥.
[ ١ / ١٦٨ ]
والنصارى والشيوعيين، والمنافقين على تنفيذه.
٣- أن هذه الجهود الفكرية الحاقدة جاءت من القوي المنتصر الذي امتلك كثيرًا من زخارف الحياة الدنيا ومتعها ومغرياتها، وتقدم في العلوم الدنيوية، وبرع في الصناعة مما جعل الكثير من الناس –وخاصة الشباب- ينساق إلى فكره وينخدع بزخرف قوله.
٤- وقوع كثير من الدول الإسلامية تحت الاستعمار الصليبي، أو الشيوعي المباشر حيث فرض عليه الفكر الهدام فرضًا، وأبعد الإسلام عن نواحي الحياة، وشنت عليه حرب في كل الميادين، وبخاصة الحكومات الشيوعية التي فرضت الأفكار الإلحادية وربت عليها أجيالًا، خلال وقوع كثير من البلاد الإسلامية تحت الحكم الشيوعي، الروسي والصيني لعشرات السنين.
واستمر ذلك بعد الاستقلال، حيث وقعت معظم الشعوب الإسلامية تحت حكومات إن لم تكن أسوأ من الاستعمار، فليست بأحسن منه.
٥- تقدم وسائل الإعلام وامتلاك قوى الشر لزمامها.
لقد تقدمت الوسائل الإعلامية تقدمًا مذهلًا، ومن المؤسف أن ذلك تم على أيدي أعداء الإيمان ومن أجل تنفيذ أغراضهم.
فتطورت الطباعة وتنوعت أساليب النشر، وتقدم البث الإذاعي والتلفزيوني بعد استخدام الأقمار الصناعية، وتطورت بشكل خطير جدًا صناعة الأفلام والمواد التلفزيونية، واخترع الفيديو الذي سهل إلى حد
[ ١ / ١٦٩ ]
كبير جهود المفسدين.
وها نحن هذه الأيام نعيش بداية طامة إعلامية كبرى، أقضَّت مضاجع الغيورين على هذا الدين، وأدخلت الوحشة في قلوب المؤمنين، ألا وهي البث المباشر١.
إنها ولا شك أكبر إنجاز يتحقق للشيطان في هذا العصر.
وليست الخطورة في الوسيلة، وإنما الخطورة تكمن في كونها بأيدي المفسدين حزب إبليس اللعين.
فهي ولا شك سلاح قوي فعال، لو كان بأيدي أهل الحق لكان قوة لهم على دعوتهم، وسعيهم للإصلاح في الأرض.
وامتلاك الجاهلين لها يؤذن بشر عظيم، وخطر جسيم يتهدد عقائد المسلمين، وسلوكهم وأخلاقهم، وكل قيم الخير والفضيلة، بل ويهدف في الصميم إلى اقتلاع الإيمان من الأرض اقتلاعًا ومحو رسومه.
قال الله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ
_________________
(١) ١ البث المباشر: "هو قيام الأقمار الصناعية بالتقاط البث التلفزيوني في بلد من البلدان، وبثه مباشرة إلى أماكن أخرى تبعد عن مكان البث الأصلي مسافات بعيدة تحول دون التقاط البث دون وسيط". البث المباشر حقائق وأرقام د. ناصر بن سليمان العمر ص٢٢، دار الوطن الرياض، ط: الأولى ١٤١٢هـ. وهو تعبير يطلق ويراد به غالبًا بث الدول الكافرة المنحلة أخلاقيًا واجتماعيًا، كالدول الأوربية ومن في حكمها لبرامجها التلفزيونية مباشرة إلى الدول الإسلامية.
[ ١ / ١٧٠ ]
اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] .
ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وسوف تكون معظم مواد هذا البث –كما هو في قرارات المشرفين عليه- في خدمة الدول التي تسعى إلى السيطرة على العالم، والصهيونية العالمية التي تخطط لإقامة الدولة اليهودية الكبرى، والمنصّرين الذين ملؤوا الدنيا جعجعة وصراخًا مبشرين بالتثليث، وتأليه البشر، والكفر بالله.
وقد عقدت مؤتمرات لدراسة كيفية الاستفادة من البث المباشر في التنصير١، كما سيكون فيها لدعاة الإباحية، ونشر الفاحشة والرذيلة حظًا وافرًا.
وخلاصة القول:
أن الغزو الفكري الحديث أحدث انقلابًا جذريًا في حياة المسلمين، في معظم البلاد الإسلامية، وابتعد بكثير منهم عن الطريق المستقيم، وهذا الخطر ما يزال يزحف ويشتد، والمكر يتعاظم ويتنامى.
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين﴾ [الأنفال:٣٠] .
وكان من أبرز آثاره:"تحطيم مظلة الأعراف الأخلاقية في المجتمعات الإسلامية، فانطلقت تسري في أوصالها كل موبقات الحضارة الأوربية،
_________________
(١) ١ انظر: البث المباشر حقائق وأرقام ٥٤.
[ ١ / ١٧١ ]
حتى وصلت في ظل الاحتلال إلى مرحلة الشيوع والظهور، ثم إلى مرتبة الاستقرار والاستحسان، ثم درجة الشرعية١ التي تحميها القوانين الوافدة وتدرّج بالمغلوبين الانحلال، بداية بالسلوك الفردي فالانحراف الجماعي عن نهج الدين، واستهوت مظاهر الحياة الغربية الناس، فأقبل كثير منهم على الخمور والفجور، والقمار والربا، ونحو ذلك، ثم دب دبيب التهاون في الدين، فتناول العبادات والعقائد وغيرها، فتكاسل الناس عن أداء العبادات، وانتشر في الجو ضروب من الفلسفة، والمذاهب الضالة، واستمالت الشباب وغير الشباب، وصارت العلاقات الجنسية والنزعة الإباحية الشغل الشاغل للسينما، وكثير من المجلات والصحف.. فانحرف الشباب وفسدت روابط الأسرة٢، إلا من رحم الله.
وقد عمّ السيل وطمّ، بانهيار الفضائل الاجتماعية وغيرها، عندما
_________________
(١) ١ الشرعية: صفة تطلق على الأمر المتفق مع الشرع، والشريعة الحق هي: شريعة الله، إلا أنه غلب إطلاقها على كل أمر أو قرار يتفق مع القوانين السائدة المعتبرة في بلاد ما، فيكون شرعيًا إذا وافقها، وغير شرعي إذا خالفها، ثم أطلق اصطلاح "الشرعية الدولية" ويراد به الأمور والقرارات الصادر عن هيئة الأمم المتحدة. إلا أنه لا يجوز للمسلم وصف قرار بأنه شرعي إلا إذا كان متفقًا مع الشرع الإلهي المطهر، أما ما شرعته القوانين الوضعية، فهو وضعي باطل، ولو سمي شرعيًا، فالمسلم لا يرى شرعيًا إلا ما شرعه الله وأقره. والله أعلم. ٢ حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة ص١٦٥.
[ ١ / ١٧٢ ]
شهد العالم الإسلامي تغيرًا اجتماعيًا استجابة لدعوات التغريب١ على يد المستعمرين ومؤسساتهم التبشيرية والاستشراقية ولكنه وِفْق الأسلوب الجديد، أصبح يتم على أيدي المسلمين أنفسهم من تلاميذ المستشرقين والمبتعثين، يساندهم في تنفيذ هذا المخطط بعض الحكام من المسلمين"٢.
كما أثمرت جهود المنصرين تنصير كثير من أبناء المسلمين الذي درسوا في مدارسهم، أو ألجأتهم الحاجة أو الإعجاب إلى اتباع دين النصارى؛ كما اعتقد كثير من المنتسبين إلى الإسلام الأفكار الكافرة، كالفكرة الشيوعية، أو القومية البعثية، أو العلمانية، أو غير ذلك من الفلسفات الضالة.
وكثمرة لتشجيع المستعمرين ازدهرت المظاهر الوثنية، من عبادة القبور والحج إلى المشاهد، والطرق الصوفية الضالة التي استحوذت على كثير ممن لديهم نزعة إلى التدين في كثير من البلاد الإسلامية.
_________________
(١) ١ التغريب: مصدر تفعيل من غَرَّب يغرب تغريبًا، وهو مشتق من الغرب، أي: الدول الغربية الأوربية والأمريكية، ومن في حكمها. ويراد بالتغريب: تغيير قيم الأمة ومُثلها، أي تغيير عقيدتها وثقافتها وأخلاقها، وإبعاد المسلمين عن دينهم باسم المدنية، أو التطور أو التقدم، وإحلال ما يقابل ذلك في الحضارة الغربية. انظر: المصدر السابق ص١٦٥ بتصرف. ٢ نفس المصدر والصفحة.
[ ١ / ١٧٣ ]
أما الاقتصاد في العالم الإسلامي، فقد أسس تأسيسًا كاملًا على الربا، وعلى نظريات ونظام الغرب الرأسمالي، أو الشرق الاشتراكي الشيوعي، وأصبح موجهًا ومرتبطًا بالدول الاستعمارية، أو المنظمات الاقتصادية العالمية والتي هي في الحقيقة يد خفية للاستعمار.
أما الناحية السياسية فقد توزع العالم الإسلامي إلى دويلات، ومناطق نفوذ اقتسمتها الدول الاستعمارية الغربية أو الشرقية، واستبعد الحكم بالشريعة الإسلامية من جميع البلاد الإسلامية إلا من رحم الله، وحورب محاربة شديدة، وأصبح الخلاف والخصام سمة مميزة للدول الإسلامية في علاقتها فيما بينها.
وفقد المسلمون الكثير من بلادهم، وحول كثير منها إلى دول نصرانية أو شيوعية، وأعطيت فلسطين قبلة المسلمين الأولى إلى شرار الخلق من اليهود الصهاينة، فهي حال تسر العدو وتدمي قلب المؤمن الغيور.
لكن مع هذا الكيد الخبيث الماكر الشديد الوطأة، ومع هذا النجاح الكبير الذي تحقق لأعداء الله، ومع الضعف والفرقة والانحراف في مجتمعات المسلمين، مع ذلك كله فالإسلام –والحمد لله- باق.
فهو في جانبه العلمي محفوظ بحفظ الله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] وما زالت طائفة من أهل الحق تلتزم به علما
[ ١ / ١٧٤ ]
وعملًا دعوة وجهادًا، والأمل قبل ذلك منوط بعناية الله ورعايته. فالدين دينه..
والمؤمنون أولياؤه.. والناس خلقه وعبيده.. والأمر بيده.. وأمره نافذ لا يحول دونه شيء.
فليس مكر الماكرين غائبًا عن رب العالمين ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم:٤٦] ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] .
ومكر الأعداء وكيدهم الجديد، وما عندهم من القوة والعدة والوسائل عظيم شديد، لا يُقدر عليه بالمقارنة بجهد البشر، وما عند المسلمين من الأسباب المادية، لكنه بإزاء قدرة الله لا يساوي شيئًا.
وقد جعل الله الدنيا ميدان صراع، ولا بد لأهل الحق أن يدخلوا الميدان ويقوموا بنصرة ما أكرمهم الله به من الحق، ويدافعوا عنه، ويعملوا على مقاومة الباطل ويستعينوا بالله، ويتوكلوا عليه ويحسنوا الظن به. وهو معهم سبحانه –إذا قاموا- يوفقهم للأسباب، ويبارك في المتيسر من أسبابهم ولو كان ضعيفًا، ويكمِّل ما نقص منها، ويخذل عدوهم، ويمدهم بنصره، ويهيئ لهم من رحمته ما لا يخطر لهم على بال! فالحق قليله كثير، والباطل كثيره قليل. والحق ظاهر، والباطل زاهق.
[ ١ / ١٧٥ ]
وكل ذلك مشروط بمجيء الحق وقيام أهله به، فإذا جاء الحق زهق الباطل بإذن الله وأمره ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١] . ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ:٤٩] . ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١] .
وفي كل وقت يشتد فيه الهجوم والتآمر على الإسلام، تخرج –والحمد لله- بشارات تدل على عناية الله بهذا الدين. ومن ذلك ما حصل في هذا الزمان، فقد ظهرت عدة مظاهر تبشر بالخير، من ذلك رجوع كثير من الناس رجالًا ونساء كهولًا وشبابًا إلى الالتزام بالدين.
ودفع الإحساس بالخطر الكثير من العلماء وطلبة العلم والدعاة الصالحين من الأدباء والشعراء، والغيورين من الموسرين إلى الاهتمام ومضاعفة الجهد، في تعليم الناس وتوعيتهم، وطبع الكتب النافعة، ودعم الأشرطة المفيدة، واستخدام كل سبيل متاح مشروع، في مقاومة أعداء الله ومخططاتهم.
ووجد وعي كبير بضرورة تطهير العقائد، وإزالة البدع، والرجوع إلى الفهم الصحيح للإيمان. وازدادت المطالبة من الشعوب الإسلامية بتحكيم شرع الله، ورفض حكم الطاغوت.
والتزم كثير من النساء بالحجاب، وازداد الإقبال على الجامعات
[ ١ / ١٧٦ ]
والمعاهد الإسلامية إقبالًا شديدًا، وزاد الطلب على الكتاب والشريط الإسلامي، بل وتنامى عدد مَن يعتنق الإسلام من غير المسلمين.
وشهد الربع الأخير من القرن الرابع عشر الهجري قيام مؤسسات ومنظمات إسلامية عالمية وجامعات متقدمة، وهدف الجميع نشر الإسلام، والدفاع عنه، والتبصير بقضايا المسلمين في أنحاء العالم، والدفاع عنها، وكشف مخططات أعداء الله، والتحذير منها، وتشجيع البحوث التي تخدم هذه المجالات كلها. كما قامت جهود إعلامية، وهي وإن كانت متواضعة جدًا بالمقارنة إلى ما عند العدو، إلا أنها مباركة، ظهر أثرها الفعال في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي، وهي تتنامى مع الأيام، ونرجو أن يتولاها الله بالرشد والسداد.
والمظاهر المباركة كثيرة والحمد لله، وذلك يدل على صلابة الإسلام في وجه الأعاصير ولو كانت شديدة، وما ذاك إلا بحفظ الله له، وأن الدين الخاتم لن يخلو منه زمان حتى يأتي أمر الله، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. ومن هذا الاستعراض الموجز للحرب الفكرية، القديمة والحديثة الموجهة إلى الإسلام نستخلص عدة نتائج هامة:
الأولى: شدة عداوة اليهود والنصارى والمشركين لهذا الدين، وسعيهم الخبيث ومكرهم المستمر الذي لا يفتر في مقاومته بكل الأساليب.
[ ١ / ١٧٧ ]
الثانية: تركيزهم على الحرب الفكرية، لإدراكهم خطورتها، وأنها السبيل الأمثل لحرب الإسلام، وتحطيم قيم الإيمان، وتزداد قناعتهم يومًا بعد يوما بذلك، بفعل النجاحات التي تتحقق لهم في مجال الغزو الفكري، لذلك فهم يحاولون بقدر الإمكان عدم اللجوء إلى الحرب العسكرية إلا عند الضرورة.
الثالثة: أنه يجب على أهل الإسلام مدارسة الكيفية التي يتصدون ويقاومون بها هذه الجهود الخطيرة، ولا شك أن هناك جهودًا مشكورة لكنها لم تتعد إلى الآن مجال التوعية، وبعض الأعمال الخيرية.. ولم تصل بعد إلى المستوى المطلوب، من إيجاد خطة متكاملة منسقة، يجتمع عليها العلماء والدعاة والقادة، وتتكاتف جهود أهل الإسلام على تنفيذها من منطلق قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٣٦] .
الرابعة: أن أي وسيلة أو طريق يتبناه أهل الإسلام لمقاومة هذه الجهود الفكرية العدوانية لن يؤتيَ ثماره إلا إذا كانوا على حال توجب لهم ولاية الله، فيدخلون الميدان وقد تولاهم الله وأيدهم بنصره، وحيث أن الإيمان والتقوى هو السبيل الوحيد لتحصيل الولاية، فيكون الالتزام بالإيمان الصحيح هو الخطوة والسبب الأهم في مقاومة الفكر الهدام، والتخطيط الخبيث. مع أن للإيمان آثارًا أخرى –بجانب كونه سببًا لولاية
[ ١ / ١٧٨ ]
الله- تحصن الفرد والجماعات المؤمنة ضد الفكر الجاهلي.
وعلى هذا يكون هذا البحث مساهمة في تبيين أهم جوانب الخطة الإسلامية، التي ينبغي أن يهتم بها للتصدي للغزو الفكري، وتسليط للضوء على السبب الأول والأهم في هذا المجال، فأرجو من الله التوفيق والتسديد، والله المستعان.
[ ١ / ١٧٩ ]
*
الباب الأول: الإيمان سبب لتحصيل ولاية الله " الأثر الخارجي "
*
غرض هذا الباب بيان أن الله تعالى جعل الإيمان والتقوى السبب الأوحد للحصول على ولايته، فإذا جاء العبد بشرطها -وهو الإيمان والتقوى- فإن الله يتولاه.
وعلى هذا فحصول العبد على ولاية الله، أهم الآثار التي يجنيها من تحقيقه الإيمان، وولاية الله هي أغلى مطلوب، وأهم وأسمى غاية يسعى لها ذوو الألباب، إذ عليها مدار السعادة في الدنيا والآخرة.
والولاية: مدار معناها في اللغة على القرب والمحبة والنصرة١.
وولاية الله لعبده المؤمن: أن يعامله ويدبّر أمره بما يقتضيه قربه منه، ومعيّته الخاصة ولطفه به، فيحوطه بعنايته ورعايته، ويحفظه وينصره ويحميه، فيكون بولاية الله في حصن منيع.
فالله يكفي عبده ما يهمه ويدافع عنه، ويخرجه من الظلمات إلى النور.
ويصرف عنه الشرور -ومنها الأفكار الخبيثة- أو يصرفه عنها بما يهيئ له من الأسباب.
وسوف أتكلم على هذا الأثر العظيم في فصلين:
الفصل الأول: صفات المتحقين للولاية.
الفصل الثاني: أثر ولاية الله في تخليص المؤمنين وتحصينهم من الأفكار الهدامة.
وقدجاء المجال للكلام على الفصل الأول والله المستعان.
_________________
(١) ١ انظر: المفردات في غريب القرآن ص٥٣٣، وانظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص٥.
[ ١ / ١٨٣ ]
*
الفصل الأول: صفات المستحقين لولاية الله
*
تقدم ١ الكلام على طبيعة الإيمان المؤثر، وأهم الأسس التي يقوم عليها، وهو الإيمان الجالب لولاية الله والآثار الأخرى المباركة التي جعلها الله أسبابا تحتمي بها العبد من الفكر الخبيث، وغيره من الشرور.
ولاشك أن المفهوم الصحيح للإيمان ضروري لمعرفة الطريق إلى تحصيل ولاية الله، وأنه يكون بالالتزام الكامل به.
وحيث إن المسلمين يتفاوت التزامهم بالإيمان، فأرى أنه من المهم أن أذكر مراتب المؤمين لكي يتبين نصيب كل منهم من ولاية الله وحظه من التحصين ضد الشرور الفكرية وغيرها ٢.
_________________
(١) ١ تقدم ص ٢٩ وما بعدها. ٢ وهذا مبحث هام في هذا الباب، لذلك نجد شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀ - بدأ بهذا الموضوع في بداية كتابه " الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان " وكتابه " التحفة العرقية في أعمال القلوب ".
[ ١ / ١٨٧ ]
*
المبحث الأول: مراتب أهل الإيمان
إن المجتمع المسلم يضم أفرادًا مختلفين من حيث تحقيقهم للإيمان الذي كلفهم الله به، فمنهم من ظلم نفسه بترك شيء مما أوجبه الله عليه، أو بفعل بعض ما حرم عليه، ومنهم من التزم بالإيمان الواجب فاعلًا الواجبات تاركًا المحرمات، مبادرًا إلى التوبة عند الخطيئات.
ومنهم من زاد على ذلك بالمسارعة في الخيرات.
وعلى هذا فهم ثلاثة أقسام على وجه الإجمال، كل قسم في مرتبة، وإن كان أهل كل مرتبة يتفاوتون فيما بينهم.
وأساس تقسيم المؤمنين على هذه المراتب، هو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢] .
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ أي الأقسام الثلاثة الواردة في الآية اصطفاهم الله واختارهم للإيمان والتوحيد، فهم مؤمنو هذه الأمة الذين اشتركوا في أصل الإيمان، ولم يشركوا بالله شيئًا، لكن اختلفوا وتفاوتوا في تكميل الإيمان.
وقد أورد ابن جرير أقوال من قال بذلك من السلف، ورجح هذا
[ ١ / ١٨٩ ]
القول١، كما رجحه ابن كثير وغيرهما من المفسرين٢.
قال الشيخ عبد الرحمن٣ السعدي: "اشترك هؤلاء الثلاثة في أصل الإيمان، وفي اختيار الله لهم من بين الخليقة، وفي أنه منّ عليهم بالكتاب، وفي دخول الجنة.
وافترقوا في تكميل مراتب الإيمان، وفي مقدار الاصطفاء من الله، وميراث الكتاب، وفي منازل الجنة ودرجاتها بحسب أوصافهم" ٤.
وقبل أن أتكلم على مراتب أهل الإيمان، أتطرق باختصار إلى بيان ضابط أصل الإيمان الذي من جاء به دخل في زمرة المصطفين.
_________________
(١) ١ جامع البيان ٢٢/١٣٣، ١٣٤، ١٣٦. ٢ تفسير القرآن العظيم ٦/٥٣٣. ٣ الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله آل سعدي التميمي، ألف تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، والدرة البهية في شرح القصيدة التائية، وتوضيح الكافية الشافية، وغيرها توفي سنة ١٣٧٦هـ. انظر: الأعلام ٣/٣٤٠ وعلماء نجد للبسام ٢/٤٢٢. ٤ فوائد قرآنية، عبد الرحمن بن ناصر السعدي ص٦٠، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، بيروت، ط: الأولى ١٣٨٩هـ.
[ ١ / ١٩٠ ]
المطلب الأول: بيان أصل الإيمان
أصل الإيمان، به يدخل العبد في الإسلام، وبه يكون اعتبار سائر الأعمال، وبصلاح ما في القلب أو فساده يكون صلاح الأعمال أو فسادها، قال ﷺ:" ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب " ١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "فأصل الإيمان في القلب، وهو قول القلب وعمله، وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد" ٢.
فالتصديق: هو قول القلب، وهو المعرفة والإثبات لما دلت عليه الشهادتان.
والحب: عمل القلب نحو المشهود لهما، وهو الله ﵎ في شهادة أن لا إله إلا الله، ومحمد بن عبد الله في شهادة أن محمدًا رسول الله، فيحب الله ورسوله ﷺ ودينه.
والانقياد: عمل القلب أيضًا، وهو القبول وعقد العزم على الامتثال لما دلت عليه الشهادتان.
_________________
(١) ١ رواه البخاري، كتاب الإيمان، ح (٥٢) الصحيح مع الفتح ١/١٢٦. ٢ مجموع الفتاوى ١٤/١١٩.
[ ١ / ١٩١ ]
ولا بد مع هذا الذي يقوم بالقلب، من النطق بالشهادتين؛ وجمع بينهما الرسول ﷺ بقوله: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به " ١.
قال النووي٢ -﵀- معقبًا على هذا الحديث: "وفيه أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما، واعتقاد جميع ما أتى به الرسول ﷺ " ٣.
قوله: الإقرار بالشهادتين: التلفظ بهما.
مع اعتقادهما: هو قول القلب وعمله كما تقدم.
واعتقاد ما جاء به الرسول اعتقاد أن الرسول ﷺ صادق في كل ما أخبر به، وليس المراد أن من شرط الإيمان أن يعرف كل ما جاء به النبي ﷺ ويعتقده.
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى ص (٣٤) ١/٥٢. ٢ الإمام العلامة أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري الحوراني النووي الشافعي، ولد سنة ٦٣١هـ، له من التصانيف: شرح صحيح مسلم، والأذكار، ورياض الصالحين، والأربعون النووية، وحلية الأبرار، وغيرها كثير، توفي سنة ٦٧٦هـ ببلده نوا. انظر: البداية والنهاية ١٣/٢٩٤، وشذرات الذهب ٥/٣٥٤. ٣ شرح النووي على صحيح مسلم ١/٢١٢.
[ ١ / ١٩٢ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلا يكون مسلمًا إلا من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وهذه الكلمة بها يدخل الإنسان في الإسلام فيكون معه من الإيمان هذا الإقرار، وهذا الإقرار لا يستلزم أن يكون صاحبه معه من اليقين ما لا يقبل الريب لكن لا بد من الإقرار بأنه رسول الله، وأنه صادق في كل ما أخبر عن الله" ١.
وبناء على ما تقدم يتبين أن أصل الإيمان ينعقد بثلاثة أمور:
الأول: النطق بالشهادتين.
الثاني: قول القلب وهو العلم والتصديق بمعناهما، وأن الرسول ﷺ صادق في كل ما أخبر به عن الله.
الثالث: عمل القلب، وهو قبول التوحيد والبراءة من ضده، والمحبة لله ولرسوله ولدينه، والعزم على الانقياد لهما.
فإذا جاء العبد بأصل الإيمان فهو مأمور مكلف بتكميل إيمانه، ليس له أمن في الحياة الدنيا ولا في الآخرة إلا بذلك، فإذا امتثل العبد الطاعات، واجتنب المحرمات، فقد استكمل عرى الإيمان الواجب، وأصبح في مرتبة المقتصد.
_________________
(١) ١ كتاب الإيمان لابن تيمية، المصدر السابق ص٢٣١، ٢٣٢.
[ ١ / ١٩٣ ]
روى البخاري تعليقًا أن عمر بن عبد العزيز١ كتب إلي عدي بن عدي٢: "أن للإيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان " ٣.
_________________
(١) ١ الإمام الراشد والخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي، أحد خلفاء بني أمية كان ثقة مأمونًا، له فقه وعلم وورع، وكان إمامًا عادلًا وقد عد من الخلفاء الراشدين توفي سنة ١٠١هـ. انظر: البداية والنهاية ٩/٢٠٠، وسير أعلام النبلاء ٥/١١٤. ٢ عدي بن عدي بن عميرة الكندي الجزري، ثقة فقيه، عمل لعمر بن عبد العزيز على الموصل، كما ولي الجزيرة وغيرها لسليمان بن عبد الملك توفي سنة ١٢٠هـ. انظر: تقريب التهذيب ٣٨٨، وتهذيب التهذيب ٧/١٦٨. ٣ صحيح البخاري مع الفتح ١/٤٥.
[ ١ / ١٩٤ ]
المطلب الثاني: مرتبة الظالم لنفسه
إذا جاء العبد بأصل الإيمان والصلاة وبعض الطاعات، لكن عصى الله بالإخلال ببعض الطاعات، أو فعل بعض المحرمات، كان إيمانه ناقصًا بقدر مخالفته، ولا يستحق اسم الإيمان المطلق، بل هو في مرتبة الظالم لنفسه الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا.
قال ابن كثير -﵀-: " فمنهم ظالم لنفسه وهو المفرِّط في فعل بعض الواجبات، المرتكب لبعض المحرمات" ١.
فالظالم لنفسه: هو الذي جاء بأصل الإيمان صحيحًا، وأدى الصلاة، ولكن ظلم نفسه بأن خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، ومات وهو مصرّ على بعض الكبائر، ولم تبلغ كبيرته الكفر.
وتُسمى مرتبة الظالم لنفسه، ويُسمى من كان من أهلها: مرتكب الكبيرة، أو الفاسق الملي، أو المسلم الظالم لنفسه.
وأهل هذه المرتبة عندهم من الإيمان المجمل ما كانوا به مسلمين، وإن ماتوا عليه دخلوا الجنة، لكن لم تدخل حقيقة الإيمان في قلوبهم، وليس عندهم من المعرفة بالله ورسوله وبدينه ما يوجب لهم رسوخ الإيمان وقوة اليقين الذي يحصنهم ضد الشبهات المضللة، ويخمد الشهوات المحرمة، إلا أن يشاء الله لهم ذلك ويهيئ لهم أسبابه، قال ابن تيمية -﵀-:
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ٦/٥٣٢.
[ ١ / ١٩٥ ]
"فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون وعندهم إيمان مجمل، ولكن دخول حقيقة الإيمان في قلوبهم إنما يحصل لهم شيئًا فشيئًا إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون لا إلى اليقين، ولا إلى الجهاد، ولو شُكّكوا لشكّوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفارًا ولا منافقين، بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب١، ولا عندهم من قوة الحب لله ولرسوله، ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتُلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم، فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع النفاق فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق، ماتوا على هذا الإسلام الذي يثابون عليه، ولم يكونوا من المؤمنين حقًا الذين امتحنوا فثبتوا على الإيمان، ولا من المنافقين حقًا الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة، وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا، وأكثرهم إذا ابتلوا بالمحن التي يتضعضع فيها أهل الإيمان، ينقص إيمانهم كثيرًا، وينافق أكثرهم أو كثير منهم، ومنهم من يُظهر الردة، إذا كان العدو غالبًا، وقد رأينا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة، وإذا كانت العافية، أو كان المسلمون ظاهرين على عدوهم كانوا مسلمين، وهم مؤمنون بالرسول باطنًا وظاهرًا، لكن
_________________
(١) ١ الريب: يكون في علم القلب ويكون في عمل القلب، بخلاف الشك فإنه لا يكون إلا في العلم. انظر: كتاب الإيمان لابن تيمية ص٢٤١.
[ ١ / ١٩٦ ]
إيمانًا لا يثبت على المحنة. ولهذا يكثر من هؤلاء ترك الفرائض، وانتهاك المحرمات" ١.
وهؤلاء في عداد المسلمين، تجري عليهم أحكامهم، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، لكنهم على خطر -إذا لم يتوبوا من ظلمهم ويكملوا إيمانهم- من أمرين:
الأول: أن تتسلط عليهم شياطين الإنس والجن -بسبب ظلمهم- فتستجرهم بالشهوات والشبهات إلى الكفر أو النفاق.
الثاني: تعرضهم للعقوبات في الدنيا والآخرة.
وقد صدر التحذير من المولى القدير، بهذين الأمرين لمن عصاه وتعدى حدوده، فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] .
قال ابن كثير -﵀-: "أي فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطنًا وظاهرًا ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي في الدنيا بقتل أو حد وحبس، أو نحو ذلك" ٢.
_________________
(١) ١ كتاب الإيمان لابن تيمية ص ٢٤٠، ٢٤١، ٢٤٢. ٢ تفسير القرآن العظيم ٦/٩٧.
[ ١ / ١٩٧ ]
وقد بين الله بعض أنواع العذاب الدنيوي الذي قد يعاقب به العصاة بقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام:٦٥] .
أما في الآخرة فهم تحت مشيئة الله، إذا لم يأت أحدهم بشرك أو كفر.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٨] .
ثم هم بعد ذلك أقسام، وقد لخص أحوالهم في ذلك اليوم الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -﵀- فقال:
"أما الظالم لنفسه فهو المؤمن الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وترك من واجبات الإيمان ما لا يزول معه الإيمان بالكلية، وهذا القسم ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: من يرد يوم القيامة وقد كفّر عنه السيئات كلها، إما بدعاء أو شفاعة أو آثار خيرية ينتفع بها في الدنيا، أو عذاب في البرزخ بقدر ذنوبه، ثم رفع عنه العقاب، وعمل الثواب عمله، فهذا أعلى هذا القسم، وهو الظالم لنفسه.
[ ١ / ١٩٨ ]
القسم الثاني: من ورد يوم القيامة وعليه سيئات، فهذا توزن حسناته وسيئاته، ثم هم بعد ذلك ثلاثة أنواع:
أحدها: من ترجح حسناته على سيئاته، فهذا لا يدخل النار، بل يدخل الجنة برحمة الله، وبحسناته وهي من رحمة الله.
ثانيهما: من تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فهؤلاء أصحاب الأعراف، وهي موضع مرتفع بين الجنة والنار، يكونون عليه ما شاء الله، ثم بعد ذلك يدخلون الجنة
ثالثهما: من رجحت سيئاته على حسناته فهذا قد استحق دخول النار، إلا أن يمنع من ذلك مانع من شفاعة أحد من أقاربه، أو معارفه ممن جعل الله لهم في يوم القيامة شفاعة، لعلوّ مقاماتهم عند الله وكرامتهم عليه، أو تدركه رحمة الله المحضة بلا واسطة، وإلا فلا بد له من دخول النار يعذب فيها بقدر ذنوبه، ثم مآله إلى الجنة، ولا يبقى في النار أحد في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ وأجمع عليه سلف الأمة وأئمتها" ١.
وخلاصة القول أن أهل هذه المرتبة -مرتبة الظالم لنفسه- هم الذين جاؤوا بأصل الإيمان، وأدوا الصلاة، ثم زادوا على ذلك أعمالًا صالحة لكنهم خلطوها بأخرى سيئة، وإن معهم من الإيمان ما يدخلون به في
_________________
(١) ١ فوائد قرآنية، عبد الرحمن السعدي ص٦٠، ٦١.
[ ١ / ١٩٩ ]
زمرة المسلمين، وينفعهم في دخول الجنة إن ماتوا عليه، لكن ليس معهم من قوة الإيمان ورسوخه ما يحصنهم أمام الشهوات والشبهات، ومنها الأفكار الهدامة، لذلك يكثر منهم النفاق العملي، وتنقص ولاية الله لهم بقدر بُعدهم عن تكميل إيمانهم، كما نخلص إلى أنهم ليسوا من المعنيين بقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس:٦٢-٦٤] .
أما في الآخرة فإنهم من أهل الجنة، لكن منهم من يدخلها ابتداء برحمة الله ومغفرته، بعد شفاعة أو سبب آخر، ومنهم من يدخلها بعد أن يعذب في النار، والله أعلم.
[ ١ / ٢٠٠ ]
المطلب الثالث: مرتبة المقتصد
تقدم أن من جاء بأصل الإيمان مطالب بتكميل إيمانه بفعل الفرائض والشرائع والسنن، والانتهاء عن المحرمات والمكروهات.
فمن فعل ذلك وعبد الله مخلصًا عن علم وبصيرة كان في مرتبة المقتصد وتسمى: كمال الإيمان الواجب، ويسمى أهلها: المقتصدون، والأبرار، وأصحاب اليمين.
قال ابن كثير -﵀-:"ومنهم مقتصد وهو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات" ١.
فالمقتصد: هو الذي جاء بأصل الإيمان صحيحًا، وتقرب إلى الله بما افترضه الله عليه، وانتهى عما نهاه عنه. وقد يتساهل ببعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات، ويتوسع في المباحات. لكنه يبادر إلى التوبة عند المعاصي والخطيئات.
وهي أدنى منازل التقوى المعتبرة في حصول ولاية الله، وذلك أن حقيقة التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين غضب الله وقاية، هي فعل الطاعات واجتناب المحرمات٢.
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ٣/٥٥٤، وانظر لهذا المعنى: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص١٦، ومدارج السالكين ١/١٢٢. ٢ انظر: جامع البيان لابن جرير ١/١٠٠.
[ ١ / ٢٠١ ]
وقد بين الله تعالى أعمال البر التي من جاء بها كان من الأبرار المتقين، وهذا البيان يكفينا في معرفة حقيقة التقوى التي تُنال بها ولاية الله، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧] .
وقد استدل بهذه الآية الإمام البخاري -﵀- في باب أمور الإيمان من كتاب الإيمان١ على أن الإيمان الكامل يستلزم الأعمال الصالحة الظاهرة.
وقد بين ابن حجر -﵀- وجه الاستدلال بهذه الآية ومناسبتها لحديث الباب٢، ثم قال: "ووجهه أن الآية حصرت التقوى على أصحاب هذه الصفات فإذا فعلوا وتركوا فهم المؤمنون الكاملون"٣.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع فتح الباري ١/٥٠. ٢ ونصه: "الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان"، نفس المصدر ص٥١. ٣ فتح الباري ١/٥٠،٥١.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وبهذا يتبين أن أول منازل التقوى، هي مرتبة كمال الإيمان الواجب، التي يكون أهلها من الأبرار المستحقين لولاية الله.
ومن زاد في القربة كان قدمه في الإيمان أرسخ، ونصيبه من الولاية أوفر، فيترقى إلى كمال الإيمان المستحب، ويأتي بكمال التقوى التي فسرها النبي ﷺ بقوله: " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به بأس "١، أي بعد أدائهم للفرائض، وانتهائهم عن المحرمات يتورعون عن المكروهات والمتشابهات، ويسارعون في النوافل والخيرات، فهم المقربون المحسنون السابقون، وسيأتي الكلام على مرتبتهم إن شاء الله.
وعلى هذا فأهل هذه المرتبة -مرتبة المقتصد- جاؤوا بالإيمان والتقوى التي استحقوا بها ولاية الله، التي توجب لأهلها السلامة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٩٠-٩١] .
_________________
(١) ١ رواه الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن غريب" تحفة الأحوذي، أبواب صفة القيامة، ح (٢٥٦٨) ٧/١٤٧. ورواه ابن ماجة في أبواب الزهد، باب الورع والتقوى، سنن ابن ماجة إعداد: مصطفى الأعظمي ح (٤٢٦٨) ٢/٤٢٨. ورواه الحاكم وقال:" هذا حديث صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي. المستدرك ٤/٣١٩.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وهم من الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ . [فصلت: ٣٠-٣١]
وبين سبحانه أنهم أهل الفلاح، وذكر أوصافهم التي أوجبت لهم ذلك والتي لا يبلغ الإيمان تمامه الواجب بدونها، فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١-١١] .
وأهم ما يميز هؤلاء عمن دونهم -من الظالمين لأنفسهم- أن قلوبهم عمرت باعتقاد الأركان الستة الواردة في حديث جبريل -﵇-: " قال فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله،
[ ١ / ٢٠٤ ]
واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره " ١.
فكان لاستشعار قلوبهم لهذه المعتقدات، أكبر الأثر في تعلقها بالله، ومراقبته والإخلاص في عبادته، والإشفاق من يوم القيامة.
فحملهم ذلك على الاستقامة على طاعته، والانتهاء عن معصيته، متقين بذلك سخط الله وأهوال يوم القيامة.
وقد بين الله ذلك من حالهم في سورة الإنسان بقوله: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان:٥-١١] .
وأهل هذه المرتبة هم من المؤمنين حقًا الذين ابتُلوا فظهر صدقهم قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإسلام والإيمان والإحسان ح (٨) ١/٣٦.
[ ١ / ٢٠٥ ]
الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١-٣] .
وقد تقدم أن أهل مرتبة الظالم لنفسه معهم من الإيمان ما لو ماتوا عليه لدخلوا الجنة، لكن عند حصول الفتنة والابتلاء، فمنهم من ينافق، ومنهم من يدفعه الابتلاء إلى السعي إلى تحصيل العلم واليقين والعمل الصالح، فيرتفع بذلك إلى كمال الإيمان، قال تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١] .
ولا يقف امتحانهم عند هذا الحد، بل لا يزال الله يحدث لهم من الابتلاء ما يظهر به مدى صدقهم وثباتهم، قال جل ذكره: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّر ِالصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥-١٥٧] .
وسئل الرسول ﷺ: أي الناس أشد بلاء.
قال:" الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد، حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه
[ ١ / ٢٠٦ ]
خطيئة" ١.
فالابتلاء للمؤمن كالنار للذهب، يزيد في نقائه وصلابته، فلا يزال يدفعه إلى التعلق بالله واللّياذ به، ومحاسبة النفس، وإصلاح دينه، ولا يزال ثوابه يعمل عمله في تكفير سيئاته، وزيادة حسناته، حتى يكون أهلًا لولاية الله التامة، فالاصطفاء بعد الابتلاء.
كما قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] .
وأهل هذه المراتب وإن كانوا من المؤمنين المتقين، المستحقين لولاية الله إلا أنهم ليسوا معصومين، فقد يصدر من أحدهم بعض الصغائر أو الكبائر، لكنهم ملازمون للتوبة مبادرون لها، كما وصفهم الله بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد. المسند ١/١٧٢، من حديث سعد بن أبي وقاص، والترمذي وقال:" هذا حديث حسن صحيح" تحفة الأحوذي ح (٢٥٠٩) ٧/٧٨. وابن ماجة في أبواب الفتن، باب الصبر على البلاء، سنن ابن ماجة إعداد محمد الأعظمي ح (٤٠٧٢) ٢/٣٨٦. وصححه ابن كثير في التفسير ط الشعب ٦/٢٧٣، وله شاهد عند الحاكم من حديث أبي سعيد الخدري، وقال عنه:" صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي، المستدرك ٤/٣٠٧.
[ ١ / ٢٠٧ ]
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] .
ولا تخرجهم هذه المعاصي، وإن كانت كبائر تابوا منها، من هذه المرتبة.
أما ما أعده الله من النعيم لأهل هذه الدرجة، فقد بين الله تعالى أنه مع عظمه، إلا أنه أقل من نعيم المقربين الذين جاؤوا بكمال الإيمان المستحب، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُدْهَامَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٦٢-٧٨] .
وفي سورة الواقعة: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ
[ ١ / ٢٠٨ ]
أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لأَصْحَابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٢٧-٤٠] .
وفي سورة الإنسان: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:١١-٢٢] .
ففرق سبحانه بين ما أعده من النعيم لأصحاب اليمين، وما أعده للمقربين المحسنين في سورة الواقعة والرحمن، وأشار إلى شيء من ذلك في سورة المطففين فقال في وصف الأبرار: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ
[ ١ / ٢٠٩ ]
مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٢-٢٨] .
ففي قوله: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ ذكر شراب الأبرار، وشراب المقربين، قال ابن جرير -﵀- في المراد بقوله: تسنيم: "وأما سائر أهل التأويل، فقالوا: هو عين يمزج بها الرحيق لأصحاب اليمين، وأما المقربون فيشربونها صرفًا" ١.
وسوف يأتي مزيد من البيان لهذا المعنى عند الكلام على مرحلة السابق بالخيرات إن شاء الله.
وخلاصة القول أن أهل مرتبة المقتصد هم الذين جاؤوا بكمال الإيمان الواجب، وعبدوا الله على بصيرة، وسلمت قلوبهم من الشرك والريب، وأمراض الشبهات والشهوات، كما سلمت أعمالهم من الإصرار على معاصي الله، فهم ملازمون لطاعته واستغفاره.
وهم في الدنيا أهل ولاية الله وعنايته وتسديده ولا يمنع ذلك من أن تصيبهم بعض المصائب والمكروهات، تمحيصًا للذنوب، وتحقيقًا للصبر والإيمان، وزيادة في الحسنات، ورفعة في الدرجات، وتكفيرًا للسيئات.
وفي الآخرة يتولاهم الله أيضًا، فيؤمّنهم من الفزع الأكبر، ويدخلهم
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ٣٠/١٠٨.
[ ١ / ٢١٠ ]
الجنة ابتداء قد حرم الله عليهم النار، لكن لا يمنع ذلك من أن ينال بعضهم بعض المكروه عند الموت، أو في القبر، أو في الحشر، تكفيرًا لما قد أصاب في الدنيا من المعاصي.
وفي الجملة هم أهل السلامة والأمن في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٠-٣٣] .
[ ١ / ٢١١ ]
المطلب الرابع: مرتبة السابق بالخيرات
وتسمى كمال الإيمان المستحب، وهي درجة المقربين المحسنين والسابقين والمسارعين في الخيرات من الأنبياء والصديقين.
فهم المقربون الذين تقربوا إلى الله "بالنوافل بعد الفرائض، ففعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات، فلما تقربوا إليه بجميع ما يقدرون عليه من محبوباته، أحبهم الرب حبًا تامًا كما قال تعالى في الحديث القدسي: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه" ١ يعني الحب المطلق " ٢.
وهم المحسنون، الذين كمّلوا مراتب الإسلام والإيمان، وارتفعوا إلى مرتبة الإحسان، فعبدوا الله كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فقد استشعروا رؤيته لهم، وبذلوا ما استطاعوا من النفع لعباده، فجمعوا بين الإحسان في عبادة الرب، ومعاملة الخلق.
وأعظم ما تميزت به هذه الطائفة هو قوة معرفتهم بالله، بشهود وحدانيته، واستحقاقه وحدهُ للألوهية، واستشعار قلوبهم لمعاني صفاته من خلال تفكرهم بآياته الكونية، وتدبرهم لآياته التنزيلية.
_________________
(١) ١ رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع ح (٦٥٠٢) ١١/٣٤٠. ٢ الفرقان بين أولياء الرحن وأولياء الشيطان ص١٦.
[ ١ / ٢١٢ ]
فهم أهل الإيمان الراسخ القائم على العلم بالله، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى، وعلى الإخلاص في عبادته.
فعندهم من قوة التصديق واليقين بذلك ما ارتفعوا به إلى أعلى منازل الإيمان، وتحصلوا به على أوفر الحظ من ولاية الرحمن، وحازوا به أعلى الدرجات في الجنان.
قال الإمام ابن القيم -﵀-: "ومن منازل إياك نعبد، وإياك نستعين منزلة اليقين وهو من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمر المشمرون"١.
وقال أيضًا: "ومتى وصل اليقين إلى القلب، امتلأ نورًا وإشراقًا، وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط، وهم وغم، فامتلأ محبة لله وخوفًا منه، ورضىً به، وشكرًا له، وتوكلًا عليه، وإنابة إليه "٢.
وهم أهل الإخلاص لله الذين حققوا شهادة أن لا إله إلا الله "فأعمالهم كلها لله، وأقوالهم لله، وعطاؤهم لله، ومنعهم لله، وحبهم لله، وبغضهم لله، فمعاملتهم ظاهرًا وباطنًا لله وحده "٣ كما حققوا شهادة أن محمدًا رسول الله، بالتمسك بشريعته، واتباعه فيما جاء به عن
_________________
(١) ١ مدارج السالكين ٢/٤١٣. ٢ نفس المصدر ٢/٤١٤. ٣ نفس المصدر ١/١٩٥.
[ ١ / ٢١٣ ]
ربه، "أعمالهم كلها وعباداتهم موافقة لأمر الله، ولما يحبه ويرضاه، وهذا هو العمل الذي لا يقبل من عامل سواه"١ فهم كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣]، وهم عباد الله الذين جاؤوا بالعبودية الحق، فتعلقت قلوبهم بربهم، وكمل خضوعهم وإنابتهم إليه، أحبوه غاية الحب، وقدموا محبته ومحبة رسوله ﷺ على النفس والأهل والمال والولد، فمحبته بعثت فيهم الرجاء، والمسارعة إلى مرضاته، والشوق إلى لقائه، كما عظموه تعظيمًا حرك فيهم جانب الخشية، وعدم الأمن من مكر الله.
فكان استشعار قلوبهم لعبودية ربهم، وفقرهم وحاجتهم إليه، ولحقيقة الألوهية وعظمة الخالق، وعمرانها بمحبته، وخشيته وتعظيمه، أعظم باعث لهم على الأنس بالله، وإيثار مرضاته، والاشتغال بما يقربهم منه، ويحببهم إليه عن الاشتغال بفضول حظوظ النفس، فزهدوا فيما لا يحتاجون إليه من المباحات.
واطمأنت قلوبهم بطاعة الله، وأنست نفوسهم، وذلت ألسنتهم لذكره، وخضعت جوارحهم لاتباع شرعه، فذاقوا من حلاوة الإيمان ما حملهم على تقديم أرواحهم وأموالهم وقواتهم وأوقاتهم في سبيل الله،
_________________
(١) ١ نفس المصدر ١/١٩٥.
[ ١ / ٢١٤ ]
بالجهاد أو المرابطة أو التعليم، أو الدعوة والنصح للمسلمين خاصتهم وعامتهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. أو غير ذلك من الأمور التي فيها مرضاة الرب، ومنفعة الخلق، فهم أولياء الله وخاصته وصفوته من خلقه.
وقد وردت صفاتهم في كثير من آيات القرآن الكريم، وحيث أنهم يشتركون مع الأبرار في كل ما تقدم من الصفات والأحوال، إلا أن هؤلاء زادوا عليهم في تلك الصفات كيفا وكما، وزادوا عليها أعمالًا أخرى من المندوبات.
ويمكن التمييز بين الآيات التي عمت الفريقين والتي خصت المقربين بأمور منها: أنه يرد في ذكر صفات الفريق الأول تسميتهم: الأبرار، أو أصحاب اليمين، أو المقتصدين أو نحوها، ويصف الفريق الثاني: بالمحسنين، والمقربين، والسابقين، والمسارعين، والسابقين بالخيرات، وعباد الله أو عباد الرحمن ونحوها.
أو أن يرد في ذكر الفريق الأول وصفهم بالقيام بالعبادات المفروضة، وفي الفريق الثاني وصفهم بملازمة الأعمال المندوبة والمسارعة فيها، إشارة إلى أنهم تجاوزوا المفروض إلى المندوب. وقد يذكر معها بعض الفرائض.
ومستند هذا الضابط الأخير هو حديث أبي هريرة المشهور في ذكر الأولياء وفيه قال رسول الله ﷺ: "إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد
[ ١ / ٢١٥ ]
آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مَساءته "١.
وقال ابن تيمية -﵀-: " فالأبرار أصحاب اليمين هم المتقربون إليه بالفرائض، يفعلون ما أوجب عليهم، ويتركون ما حرم عليهم، ولا يكلفون أنفسهم بالمندوبات، ولا الكف عن فضول المباحات، وأما السابقون المقربون فتقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض، ففعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات " ٢.
وقال ابن رجب -﵀- تعليقًا على حديث الأولياء المتقدم: "فقسم أولياءه المقربين قسمين:
أحدهما: من تقرب بأداء الفرائض، ويشمل ذلك فعل الواجبات، وترك المحرمات، لأن ذلك كله من فرائض الله التي افترضها على عباده. الثاني: من تقرب إليه بعد الفرائض بالنوافل " ٣.
وبهذا الضابط يتيسر -بإذن الله- تمييز ما اختص به هؤلاء من
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه، ص (٢١١) . ٢ الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص١٦. ٣ جامع العلوم والحكم ص٣٤٠.
[ ١ / ٢١٦ ]
الأوصاف القرآنية مما يشركهم فيه الأبرار.
ففي قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢،٦٣] .
يدخل كلا الفريقين، حيث يصدق على كل منهما وصف الإيمان والتقوى.
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] . فيه زيادة معية، لمن زاد في التقوى إلى درجة الإحسان.
ومن ذلك ما ورد في سورة الذاريات حيث وصفهم ربنا بالتقوى والإحسان بقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات:١٥،١٦] .
ثم ذكر بعد ذلك أعمالًا هي من المندوبات التي لازموها بعد الفرائض فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٧-١٩] .
ففي قوله: حق للسائل والمحروم لم يقيده بأنه معلوم كما في سورة المعارج حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ
[ ١ / ٢١٧ ]
وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤-٢٥] .
ففي الذاريات: المراد صدقة النفل، أي يجعلون في أموالهم على أنفسهم حقًا للسائل والمحروم تقربًا لله١، ومما يقوي أن المراد هنا الصدقة النفل أنها قد ورد ذكرها في أمور كلها من التطوعات.
أما في المعارج: "فالظاهر أنه الزكاة لوصفه بكونه معلومًا، ولجعله قرينًا للصلاة"٢، ويقوي ذلك: أنه ورد ذكرها مع أمور كلها مفروضة، واجب التزامها فعلًا وتركًا.
فتكون أوصاف سورة الذاريات للمتقين المقربين المحسنين.
وفي سورة المعارج للمتقين الأبرار.
وقد وصفهم الله بأنهم عباد الله وعباد الرحمن إشارة إلى أنهم حققوا العبودية وكمّلوها، والوصف بالعبودية من أجلّ وأحسن الأوصاف، قال الإمام ابن القيم -﵀-: "والله تعالى جعل العبودية وصف أكمل خلقه وأقربهم إليه"٣.
ولعل أشمل ما جاء في ذكر أوصافهم وأعمالهم، وأنهم جمعوا بين الإيمان الواجب والمستحب، ما ورد في سورة الفرقان، قال تعالى:
_________________
(١) ١ فتح القدير، محمد بن علي الشوكاني ٥/٨٤، دار المعرفة، بيروت. ٢ نفس المصدر ٥/٢٩٣. ٣ مدارج السالكين ١/١٠٢.
[ ١ / ٢١٨ ]
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣-٧٧] .
وكما ورد تفضيل المقربين في الصفات، ورد تفضيلهم في النعيم
[ ١ / ٢١٩ ]
يوم القيامة.
ففي سورة الواقعة ذكر سبحانه نعيم المقربين السابقين بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الأَخِرِينَ عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلاَّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:١٠-٢٦] .
وفي المراد بالتكرار في قوله: والسابقون السابقون قال الإمام ابن القيم ﵀: " فيكون المعنى السابقون في الدنيا إلى الخيرات هم السابقون يوم القيامة إلى الجنات، والسابقون إلى الإيمان هم السابقون إلى الجنان، وهذا أظهر، والله أعلم" ١.
وفي قوله: ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين رجح ابن كثير ﵀ أن المراد بقوله: "ثلة من الأولين أي من صدر هذه الأمة،
_________________
(١) ١ حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح للإمام ابن قيم الجوزية ص١١٥، القاهرة، مطبعة المدني، ١٣٨٤هـ.
[ ١ / ٢٢٠ ]
وقليل من الآخرين أي من هذه الأمة"١.
وفي سورة الرحمن ذكر الله نعيم المقربين المحسنين بقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٤٦-٦٠] .
ويدل قول: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان على أن الجزاء من جنس العمل، فحيث إنهم جاؤوا بالإحسان الذي هو أكمل مراتب الإيمان، كمّل الله لهم النعيم يوم القيامة.
وقد تقدمت الإشارة إلى شراب أهل الجنة، وأن الله فرّق بين شراب المقربين، وشراب الأبرار بقوله: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ٤/٢٨٤.
[ ١ / ٢٢١ ]
ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٥-٢٨] .
وفي هذا قال شيخ الإسلام ﵀: "فالمقربون يروون بها، فلا يحتاجون معها إلى ما دونها، فلهذا يشربون منها صرفًا، بخلاف أصحاب اليمين، فإنها مزجت لهم مزجًا، وهو كما قال تعالى في سورة الإنسان: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٥، ٦] .فعباد الله هم المقربون المذكورون في تلك السورة"١.
فيرى شيخ الإسلام ﵀ أن عباد الله في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ في سورة الإنسان، هم المقربون المذكورون في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ في سورة المطففين.
وحول هذا المعنى قال ابن كثير ﵀ في تفسير آية الإنسان: "أي هذا الذي مزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صرفًا بلا مزج ويروون بها " ٢.
وكما فاضل بينهم في الشراب، فاضل بينهم في اللباس والحلي،
_________________
(١) ١ الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص١٥. ٢ تفسير القرآن العظيم ٤/٤٥٤.
[ ١ / ٢٢٢ ]
فذكر نوعين أعلاهما للمقربين، والآخر لأصحاب اليمين.
قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله الله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان:٢١]: "وهذه صفة الأبرار، وأما المقربون فكما قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] "١.
وخلاصة القول: أن المقربين هم الذين جاؤوا بكمال الإيمان المستحب، وأخلصوا حياتهم لله اعتقادًا وقولًا وفعلًا وتركًا، على حد قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] .
وهم أهل ولايته التامة، وعنايته الفائقة، والتي ورد بيانها في الحديث القدسي وفيه قال تعالى: " وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه"٢، فهم في الدنيا عباد الله المخلصون، أعلى العباد علمًا وعملًا وخُلقًا، وفي الآخرة هم سكان الفردوس الأعلى، نسأل الله الكريم من فضله.
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ٤/٤٥٧. ٢ رواه البخاري، سبق تخريجه، ص (٢١١) .
[ ١ / ٢٢٣ ]
المبحث الثاني: أهل ولاية الله
بعد هذا الاستعراض لدرجات المؤمنين وصفات كل منهم وأعمالهم وحكمهم في الدنيا والآخرة، يسهل التعرف على أولياء الله الذي تولاهم بعنايته ونصرته في الدنيا، وكرامته في الآخرة.
فقد تبين أن أولياء الله المعنيين بقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢،٦٣] .
على نوعين:
النوع الأول: المقتصدون الأبرار أصحاب اليمين، الذين جاؤوا بكمال الإيمان الواجب، الذي هو أول مراتب التقوى الموجبة لولاية الله وعنايته والسلامة والأمن في الدنيا والآخرة.
النوع الثاني: المقربون المحسنون السابقون بالخيرات، الذين جاؤوا بكمال الإيمان المستحب الذي هو أعلى مراتب التقوى.
وقد بين الله هذين النوعين من أوليائه في حديث أبي هريرة الذي تقدم ذكره، حيث بين النوع الأول بقوله: " وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضته عليه ". وبين النوع الثاني بقوله: " وما يزال عبدي يتقرب
[ ١ / ٢٢٥ ]
إلي بالنوافل حتى أحبه "١ الحديث.٢
وقد تقدم في المبحث السابق بيان أهم صفات كل نوع وأعمالهم، مما يغني عن إعادته هنا.
وبذلك يخرج من كان في مرتبة الظالم لنفسه من ولاية الله المطلقة، وإن كان من زمرة المسلمين كما تقدم، وذلك أن أولياء الله لهم السلامة والأمن في الدنيا والآخرة، والظالم لنفسه متوعد على تفريطه، كما في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] .
وبهذا يتضح سر انخذال المسلمين في هذا الزمان وغيره من الأزمنة الماضية، وهو أنهم فقدوا ولاية الله الجالبة لمعونته، ورعايته وتأييده، لظلمهم أنفسهم بالانغماس في الشهوات المحرمة، أو الخوض في الشبهات المضلة، فابتعدوا عن تكميل الإيمان الواجب شيئًاَ فشيئًا، وحجب الله ولايته عنهم، كذلك، حتى أصبحوا غثاء كغثاء السيل، وتداعت عليهم الأمم، إلا من ﵀ منهم، ممن تمسك بالعهد الأول، وسار على منهج السلف الصالح، ملازمين لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، متجافين عن البدع والمحدثات، فهم الطائفة المنصورة، الذين أخبر الرسول ﷺ ببقائهم على
_________________
(١) ١ رواه البخاري، تقدم تخريجه ص (٢١٢) . ٢ انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص١٥.
[ ١ / ٢٢٦ ]
الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله -جعلنا الله بمنه وفضله منهم.
كما تبين أيضًا من خلال ما تقدم أن الإيمان الذي نبحث في أثره والذي به تستجلب ولاية الله هو الإيمان الكامل، القائم على العلم بالله، والقيام بحق الله، فيعرف المسلم ربه بأسمائه وصفاته، وأفعاله الواردة في الكتاب والسنة، ويعتقد تفرده -سبحانه- بذلك، كما يعتقد تفرده بأنه الإله الحق الذي يجب أن يعبد وحده؛ ثم يقوم بحق الله تعالى الذي بيّنه ﷺ في حديث معاذ بقوله: " فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا " ١؛ وأنواع العبادات وكيفياتها التي شرعها الله لعباده وارتضى منهم أن يتقربوا إليه بها، قد جرى بيانها في الكتاب والسنة، وطبقها الرسول ﷺ عمليًا؛ فيجب الالتزام بذلك، وعدم الزيادة عليه؛ والميل عن ذلك خروج عن سنة المصطفى ﷺ وميل وانحراف عن طريق الولاية.
فطريق الولاية يقوم على ركنين هامين:
الأول: الإخلاص في العبادة، فيبتغي المؤمن بجميع أعماله وجه الله، قيامًا بحقه وطلبًا لرضوانه وثوابه، وخوفًا من سخطه وعقابه، ولا يلتفت القلب إلى غير الله بطلب النفع أو دفع الضر، ولا يقصد بشيء من العبادات غير الله.
_________________
(١) ١ متفق عليه: البخاري، كتاب الجهاد، باب اسم الفرس والحمار، ح (٢٨٥٦) ٦/٥٨. ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا ح (٣٠) ١/٥٨.
[ ١ / ٢٢٧ ]
الثاني: صدق المتابعة لرسول الله ﷺ، فيعبد الله بما شرع مقتديًا به، مستمسكًا بسنته، لا يخرج عليها بالغلو والبدع، ولا يتحلل منها بالمعاصي وعدم الالتزام.
قال ابن رجب ﵀: " فظهر بذلك أن دعوى طريق يوصل إلى التقرب إلى الله تعالى، وموالاته ومحبته، سوى طاعته التي شرع على لسان رسوله، ممن ادعى ولاية الله ومحبته بغير هذا الطريق، تبين أنه كاذب في دعواه" ١.
وقبل أن أتجاوز هذا المبحث، إلى التعرف على آثار ولاية الله في تحصين المسلم، ضد المخاطر والأفكار الهدامة، يجدر أن أتعرض بمزيد من العناية لأمر مهم وعظيم، هو الأساس والركن الأهم لتحصيل ولاية الله، بل بدونه يتعذر الحصول عليها، ألا وهو التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، والكفر بالطاغوت، والبراءة من الشرك وأهله.
_________________
(١) ١ جامع العلوم والحكم ص٣٤٠.
[ ١ / ٢٢٨ ]
المبحث الثالث: العناية بأهم سبب لحصول الولاية
تقدمت الإشارة إلى أن إخلاص العبادة لله، أهم دعائم الإيمان والتقوى التي هي الطريق لولاية الله، ومن المناسب أن أذكر بعض النصوص التي تبين أهمية هذا الأمر، وأن الله أولاه عناية خاصة، وأكد على أنه الخطوة الأولى والأساس في السعي لتحصيل ولايته.
ومما يزيد الحاجة للتركيز على هذا الأمر حاجة المسلمين اليوم إليه لاستجلاب ولاية الله، وتغافل بعض الدعاة والعاملين لنصرة هذا الدين عنه أو جهلهم بأهميته.
فقد بين الله تعالى أنه خلق الجن والإنس لعبادته، أراد هذا منهم إرادة شرعية تعلقت بها حكمته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] .
وأعلمَهم في كتبه، وعلى ألسن رسله، أنه لا يكفي مجرد العبادة، بل يجب أن تكون خالصة، من ذلك قوله تعال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠] .
وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ
[ ١ / ٢٢٩ ]
وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] .
وبين ذلك خاتم رسله ﷺ في كثير من الأحاديث منها حديث معاذ وفيه قال ﷺ: " فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا "١.
والإخلاص وقصد الله وحده، بالتأله والعبادة، هو تحقيق معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
وأما أنواع العبادة، وكيفية أدائها، وكيف يكون الإخلاص فيها، وما هي خوارم العبادة ومبطلاتها، فتؤخذ مما جاء به النبي ﷺ من الوحي ومن فعله.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤] .
وقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:٣] .
وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١] .
وجاء التحذير الشديد من مخالفة ما جاء به ﷺ، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص١٨٠.
[ ١ / ٢٣٠ ]
سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] .
وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] .
وقال ﷺ: " من أحدث في أمرنا ما ليس منا فهو رد "١.
وقال: " من رغب عن سنتي فليس مني " ٢.
والنصوص التي تقرر وجوب الإخلاص في العبادة، ووجوب متابعة النبي ﷺ وتحذر من الشرك والبدع كثيرة، أكتفي بما ذُكر لأخلص إلى المقصد، وهو التدبر لبعض ما جاء في ذكر أولياء الله، أو طريقهم، والتعرف على مظاهر الولاية، وما ورد فيها من التنبيه على أن التوحيد هو الأساس والسبب الرئيس لحصولها لهم.
فمن ذلك ما تقدم من النصوص في ذكر أوصاف أولياء الله -بنوعيهم الأبرار والمقربين- والتي يتجلى فيها التأكيد الشديد على ملازمتهم للتوحيد، وكمال تعلق قلوبهم بربهم، وإخلاصهم في عبادته،
_________________
(١) ١ متفق عليه: البخاري كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فهو مردود، ح (٢٦٩٧) ٥/٣٠١. ومسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، ح (١٧١٨) ٣/١٣٤٣. ٢ متفق عليه: البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح ح (٥٠٦٣) ٩/ ١٠٤. ومسلم، كتب النكاح، باب استحباب النكاح ح (١٤٠١) ٢/١٠٢٠.
[ ١ / ٢٣١ ]
وخلاصة ما بينته تلك النصوص من أوصافهم هي:
١-التوحيد بإخلاص العبادة لله تعالى.
٢-ملازمة طاعة الله واجتناب معاصيه، مع التركيز على الصلاة والصدقة فرضًا ونفلًا.
٣-الإيمان باليوم الآخر وأثره على سلوكهم.
٤-الصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره.
ويظهر ذلك جليًا في سورة الإنسان التي ذكر فيها أوصاف الأبرار وفي سورة الفرقان التي ذكر فيها أوصاف المقربين.
وسورة يوسف﵇- لهذا المراد شاملة، حيث اشتملت على قصة ولي من أولياء الله، ذكر فيها مظاهر ولاية الله له وعنايته به، وأسباب تلك الولاية.
وقبل استعراض مظاهر ولاية الله ليوسف -﵇- والتي هي فعل الرب ﵎ به، وأسباب تلك الولاية والتي هي فعله -﵇- الذي تحصّل به على ولاية الله، قبل استعراض ذلك، أرى من المناسب أن أطرح بين يدي ذلك مقدمات مهمة
فسورة يوسف -﵇- من السور المكية، والتي تميزت بالإكثار من قصص الأنبياء والأمم السابقة١ "ليكون قصصهم عبرة
_________________
(١) ١ المدخل لدراسة القرآن الكريم، محمد محمد أبو شهبة، ص٢٢٩، دار الكتب الحديثة للطباعة، القاهرة، ط: الثانية ١٩٧٣.
[ ١ / ٢٣٢ ]
وموعظة لأولي الألباب، لبيان أن دعوة الرسل جميعًا واحدة، وأنهم جاؤوا بالتوحيد الخالص، والإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وأن الأنبياء وأتباعهم لاقوا كل أنواع الإيذاء في سبيل عقيدتهم، ومع ذلك صبروا وثبتوا على عقائدهم، وكان النصر والعاقبة لهم والهزيمة والخذلان لأعدائهم "١.
والقصص القرآني نزل منجمًا، ليعالج واقع المسلمين في الدعوة المحمدية، وخاصة في العهد المكي، مهمته الإيحاء السريع والتأثير القوي بضرب القدوة أو الموعظة البليغة.
وبعض القصص يقصد به إنذار الكافرين بذكر ما حل بأسلافهم الأولين من العقاب الأليم في الدنيا، وأن عاقبة الكفر سيئة لا محالة.
والبعض الآخر كشأن سورة يوسف -﵇- يقصد بها بشارة المسلمين بحسن العاقبة في الدنيا، وعظيم الأجر في الآخرة، وتسليتهم وتثبيتهم بذكر قصص أسلافهم، وعناية الله بهم، كما يقصد بها أيضًا تجلية الطريق إلى ولاية الله، وبيان أهم دعائمه لكي يلازموه.
وسورة يوسف نزلت في ظروف خاصة، ومرحلة متميزة مرّ بها السابقون الأولون في مكة، وقد عالجت هذه القصة القضايا المطروحة في ساحة المواجهة مع الكفار، وفي الخواطر المختلجة في المشاعر والأفكار.
فإن كان المسلمون يعذبون ويتآمر عليهم أهلهم وأقاربهم، وإن
_________________
(١) ١ أبو شهبة المصدر السابق ص٢٢٩، ٢٣٠.
[ ١ / ٢٣٣ ]
كانوا يضطرون إلى الهجرة والغربة عن بلادهم، وإن كان بعضهم يسجن ويحاصر في الشِعب، وفريق منهم يرزح تحت ذل الرق وإذا كانت الشياطين توسوس في قلوبهم: كيف تعذبون وتضطهدون وتُستذَلّون وأنتم عباد الله وأوليائه؟ كيف وهو الملك الذي لا يعجزه شيء؟
كيف والذين يعذبونكم هم أعداؤه المستحقون بكفرهم عقابه؟ لماذا يتأخر الانتصار لكم والعقاب عليهم مع وجود الموجب لهما فيكم وفيهم؟
إذا كانوا يلاقون صنوف العذاب، والابتلاء الجسمي والمعنوي، فهذا الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف -﵇- اجتمعت عليه أكثر هذه الأمور
تآمر عليه أقرب الناس إليه، وتغرّب عن بلده، وذاق مرارة الرق، وآثر السجن على الفتنة في الدين وابتُلي وصبر.
إذًا فالابتلاء سنة الله الجارية لتمحيص أوليائه، فهو دليل الكرامة لا الإهانة، وهو عنوان الصدق في الإيمان.
ومع ما حملته القصة من التسلية والتثبيت، حملت أيضًا البشارة بأن العاقبة سوف تكون لهم، وأنها العزة والتمكين، جاء ذلك تلميحًا من خلال ما آل إليه أمر يوسف، وتصريحًا في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف:٥٦، ٥٧] .
[ ١ / ٢٣٤ ]
أما مظاهر الولاية فهي ظاهرة في آيات هذه السورة، بل إن القصة كلها استعراض لعناية الله ورعايته لوليه -يوسف ﵇- حيث تولاه صغيرًا بحفظه ورعايته، ثم اجتباه وعلّمه من تأويل الأحاديث، وأتم عليه النعمة كما أتمها على أبويه إبراهيم وإسحاق، وآتاه علمًا وحكمًا، وصرف عنه السوء والفحشاء، وجعله من عباده المخلصين، ثم مكنه في الأرض وآتاه من الملك، وجمع شمله بأهله بعد أن أظهر فضله ومكانته لهم
أما سبب الولاية فقد ذكره الله بقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٢٢] .
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف:٥٦، ٥٧] .
وقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] .
فبين سبحانه سبب ذلك، وأنه الإحسان والصبر، وبين الإحسان بأنه الإيمان والتقوى، اللذان هما شرط الولاية.
ثم إنه من أجل حصول التأثير التام من هذه القصة للصحابة الذين
[ ١ / ٢٣٥ ]
نزلت عليهم أول مرة، والذين يعانون ما يعانون من العذاب والابتلاء أن يذكر السبب بوضوح تام، لكي يلتزموا به ويقتدوا بنبي الله يوسف -﵇-، فيحصل لهم ما حصل له من حسن العاقبة في الدنيا، والأجر العظيم في الآخرة.
إذًا من الضروري أن توضح هذه القصة طبيعة الإحسان، الذي جاء به يوسف، بيانًا يتناسب مع الاستعراض الموسع لأطوار القصة.
فيا ترى ما هي أهم معالم هذا الإحسان، الذي استحق به يوسف -﵇- هذه الولاية التامة؟ هل هو إعراضه عن الفاحشة مع قوة الدافع إليها؟
لا شك أن السياق لا يوحي بذلك، فقد جعل الله إعراضه عن الفاحشة من آثار ولايته له، فهو الذي عصمه وصرف عنه ذلك بسبب إحسانه السابق، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] .
لقد بين الله ذلك الإحسان غاية البيان، في سياق يدل على أنه هو السبب الرئيس والأهم لولايته وعنايته بيوسف قال جل ذكره مخبرًا عن يوسف -﵇- وهو يبين لصاحبية في السجن بعض مظاهر ولاية الله له: ﴿قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف:٣٧] .
[ ١ / ٢٣٦ ]
ثم ذكر سبب عناية الله به وتعليمه بقوله: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٣٧-٤٠] .
إذًا فسبب الولاية هو التوحيد الخالص، الذي ترتكز عليه الحنيفية ملة إبراهيم -﵇-. فيوسف ﵇ لازم ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأتم الله نعمته عليه كما أتمها عليهم.
وكذلك كل من جاء بعدهم عليهم إذا أرادوا ولاية الله، أن يأتوا أولًا وقبل كل شيء بالحنيفية التي لا يلابسها شائبة من الشرك، بين الله ذلك أتم البيان حيث أخبر أن إبراهيم -﵇- إنما حاز على تلك المرتبة العالية من الولاية بكمال توحيده، ثم أمر النبي محمدًا ﷺ باتباعه في ذلك فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا
[ ١ / ٢٣٧ ]
لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠-١٢٣] .
فالسبيل لتحصيل ولاية الله واحد، هو: الحنيفية القائمة على التوحيد الخالص والتي كان عليها إبراهيم -﵇- وتبعه يوسف ﵇، وأُمر محمد ﷺ باتباعها، لذلك قال تعالى في آخر السورة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف:١٠٨] . أي سبيل يوسف وآبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب هي سبيل جميع أولياء الله من النبيين وأتباعهم من لدن آدم -﵇- وإلى أن يرث الله الدنيا ومن عليها.
وبعد هذا الاستعراض لقصة وليّ من أولياء الله، ومعرفة مظاهر ولاية الله له، وسر تلك الولاية، أستعرض قصة مجموعة من الفتيان تولاهم الله وأشاد بهم في كتابه حامدًا صنيعهم.
بين سبحانه مظاهر ولايته لهم بقوله: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف:١٣-١٤] .
فتجلت ولايته لهم بأن زادهم إيمانًا وربط على قلوبهم ثم ذكر سبب هذه الولاية فقال: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ
[ ١ / ٢٣٨ ]
نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ [الكهف:١٤-١٦] .
إذًا سبب ولاية الله لهم هو تمسكهم بالتوحيد، ولو أدى بهم الحال إلى الفرار من الأهل والوطن في سبيل المحافظة عليه.
ولا يخفى ما لهذه القصة من عظيم الأثر على المسلمين في العهد المكي، الذين اضطرهم الوضع القائم إلى الهجرة إلى الحبشة وغيرها، حفاظًا على التوحيد، فقد كانوا يجدون في هذه القصة الأُنس وحسن العزاء، مما يزيد في ثباتهم وتطلعهم إلى فَرَج الله.
وإذا كان التوحيد الخالص، ومجانبة الشرك هو الركن الأهم في استجلاب ولاية الله للفتى يوسف -﵇-، ولفتيان الكهف، نجد أن الله تعالى جعله الشرط الأهم لولايته للجماعة المسلمة، بيّن ذلك قولُه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ
[ ١ / ٢٣٩ ]
الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥] .
فقد وعد الله الجماعة المؤمنة بولايته وعنايته، وبين مظاهر الولاية بأنها: الاستخلاف في الأرض، والتمكين فيها، فتكون لهم العزة والغلبة، ويبدل خوفهم أمنًا، وبيّن السبب الذي إذا جاؤوا به تحصّلوا على تلك الولاية. هذا السبب هو الإيمان والأعمال الصالحة المذكورة في أول الآية، وبين في آخر الآية أنها يجب أن تكون خالصة.
فالإيمان يجب أن يكون خالصًا لا تلابسه أي شائبة من الشرك، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] .
والأعمال الصالحة يجب أن تكون خالصة يُبتغى بها وجه الله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] .
وبعد هذا الاستعراض لبعض نصوص القرآن الواردة في ذكر الأولياء، وسبب حصولهم على ولاية الله، وضرورة التوحيد لهذا السبب، أستعرض بعض الأحاديث التي اعتنت بهذه الأمور.
فمن ذلك حديث ابن عباس -﵄- وفيه قال: كنت خلف النبي ﷺ يومًا، فقال لي: " يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله
[ ١ / ٢٤٠ ]
يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك، ما نفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف "١.
وفي هذا الحديث أوجز الرسول ﷺ سبب الولاية بقوله: احفظ الله: ومظاهر الولاية بقوله: يحفظك وتجده تجاهك، فقوله: احفظ الله: "يعني احفظ حدوده وحقوقه، وأوامره ونواهيه، وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده، فلا يتجاوز ما أمر به وأذن فيه إلى ما نهى عنه" ٢.فإذا جاء المؤمن بذلك فقد جاء بسبب الولاية.
وقوله ﷺ: يحفظك: "يعني أن مَن حفظ حدود الله، وراعى حقوقه حفظه الله، فإن الجزاء مِن جنس العمل وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان:
أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده، وأهله
_________________
(١) ١ رواه الترمذي، وقال:" حديث حسن صحيح" تحفة الأحوذي ح (٢٦٣٥) ٧/٢٢٠. وقال ابن رجب:" وبكل حال فطريق حنش التي خرجها الترمذي حسنة جيدة" جامع العلوم والحكم ص١٧٤. وصححه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة ح (٣١٨) ١/١٣٨. ٢ جامع العلوم والحكم ص١٧٤.
[ ١ / ٢٤١ ]
وماله
النوع الثاني من الحفظ، وهو أشرف النوعين: حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته فيتوفاه على الإيمان "١.
ونوع ثالث من الحفظ، وهو حفظ الله لعبده بعد موته، فيثبّته عند سؤال القبر ويقيه عذابه، ويؤمّنه عند الفزع الأكبر من أهوال يوم القيامة، وكرباتها، ويدخله الجنة وينجيه من النار.
وقوله ﷺ: تجده تجاهك:"معناه أن من حفظ حدود الله، وراعى حقوقه، وجد الله معه في كل أحواله، حيث توجه، يحوطه، وينصره، ويحفظه ويوفقه ويسدده ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] " ٢.
وبعد أن بيّن الرسول ﷺ سبب الولاية، ومظاهرها بكلمات موجزة هي من جوامع الكلم الذي أوتيه، نبه على أمر مهم لا يستقيم للعبد المجيء بسبب الولاية بدونه، خصه بالذكر، وإن كان داخلًا ضمن قوله: احفظ الله لأهميته، وكونه الأساس الذي يقوم عليه ذلك السبب، هذا الأمر هو تحقيق التوحيد، وقصد الله بالعبادة، والالتجاء إليه وحده، بيّن
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص١٧٥، ١٧٧. ٢ نفس المصدر ص١٧٧.
[ ١ / ٢٤٢ ]
ذلك بقوله: " إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ".
وبيّن له أيضًا: أن تحقيق التوحيد لا يحصل إلا بتعلق القلب بالله، وكمال التوكل عليه، وعدم الالتفات إلى غيره، واليأس من جميع الخلق، وقطع الطمع في حصول النفع أو دفع الضر منهم، فقال: " واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك، ما نفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ".
والسر في ذلك أن من كمل اعتقاده بأن كل ما يرجوه من خير في الدنيا والآخرة فهو بيد الله وحده، وكل ما يخافه من الشر في الدنيا والآخرة فلا يقع إلا بأمر الله وحده، فإنه عندئذ يكمل تعلُّق قلبه بربه، ويتوكل عليه، ولا يقصد إلا هو بالسؤال والاستعانة وسائر العبادات.
ثم بعد ذلك نبهه إلى أمر آخر لا يستقيم الأمر الثاني -تحقيق التوحيد بكمال تعلق القلب بالله والتوكل عليه- إلا به، هذا الأمر هو الإيمان بالقدر.
قال ابن رجب -﵀-: "واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده فهو متفرع عليه، وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة، عَلِم حينئذٍ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه ﷿، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده، فمن يعلم أنه
[ ١ / ٢٤٣ ]
لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع غير الله أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال، والتضرع والدعاء، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعًا، وأن يتقي سخطه ولو كان فيه سخط الخلق جميعًا "١.
فالإيمان بالقدر باعث على التوكل، وتعلق القلب بالله، والتوكل على الله، وكمال تعلق القلب به هو أساس التوحيد، والتوحيد بإخلاص العبادة لله، وصدق الالتجاء إليه هو أساس العبودية، والركن الأهم في طريق الولاية.
ومن ذلك ما تضمنته قصة أصحاب الغار من أهمية إخلاص العبادة في استجلاب ولاية الله، ومعونته ونصره لعباده عند الشدائد، هذه القصة رواها عبد الله بن عمر٢ -﵄- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم، حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم:
_________________
(١) ١ جامع العلوم والحكم ص١٨٣. ٢ الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب الهاشمي، القرشي، أسلم وهو صغير وهاجر مع أبيه، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وأحد فقهاء الصحابة توفي سنة ٧٣هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٣/٢٠٣، وتهذيب التهذيب ٥/٣٢٨.
[ ١ / ٢٤٤ ]
اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي في طلب شيء يومًا، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاسيقظا فشربا غبوقهما. اللهم إن كنتُ فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرّجْ عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج، قال النبي ﷺ: وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها، فامتنعت مني، حتى ألمّت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار، على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرجْ عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. قال النبي ﷺ: وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أدّ إليّ أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر، والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئًا. اللهم إنْ كنتُ فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرجْ عنا ما نحن فيه.
[ ١ / ٢٤٥ ]
فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون " ١.
ففي هذا الحديث يقص النبي ﷺ على أمته قصة نفر تولاهم الله، مبينًا مظاهر ولاية الله لهم، وسبب هذه الولاية، مرغبًا في الاقتداء بهم.
فمظاهر ولاية الله لهم أنه قَبِلَ دعاءهم، وفرّج ما هم فيه من الشدة، فأزاح الصخرة عن فم الغار، فخرجوا يمشون.
أما سبب هذه العناية فهو الأعمال الصالحة التي جاء بها كل منهم، من بر الوالدين، والعفة عن الزِّنَى مع قوة الدافع، وتهيُّؤ الأسباب، وحفظ أجرة الأجير وتنميتها ثم أدائها مع ثمرتها دون أن يأخذ مقابلًا على ذلك.
لكن الرسول ﷺ ركز على أمر مهم، وكررّه مع كل فعل من هذه الأفعال، ليبين لهم أنه السبب في صلاحها، ووقوعها ذلك الموقع الحسن عند الله حتى أثمرت لهم تلك العناية الفائقة.
هذا الأمر هو الإخلاص وقصد الله وحده، بفعل الجميل وترك القبيح، بيّن ذلك بقول كل واحد منهم: " اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، فأفرج عنا ما نحن فيه ".
مما تقدم يتبين أن التوحيد الخالص هو الأساس والمحور لعلاقة العبد
_________________
(١) ١ متفق عليه -واللفظ للبخاري، كتاب الإجارة باب من استأجر أجيرًا فترك أجره، ح (٢٢٧٢) الصحيح مع الفتح ٤/٤٤٩. ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بالأعمال الصالحة، ح (٢٧٤٣) ٤/٢١٠٠.
[ ١ / ٢٤٦ ]
بربه، وأن قرب العبد من الله، وحصوله على ولايته، إنما يتحقق إذا عرف العبد ربه معرفة صحيحة، ثم تعلق قلبه به محبة وخوفًا ورجاء، ثم قصده وحده بعبادته، ولم يصرف جنس تلك العبادات لغيره، ملتزمًا بما شرع سبحانه من العبادات، مقتديًا برسول الله ﷺ في أدائها، مستقيمًا على ذلك.
ولا شك أن القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين، وواقع دعوته وسيرته ﷺ كان المحور الذي يدور عليه كل ما تقرر فيها من قضايا أو أحداث هو توحيد الله ﷿.
وقد بين ﵎ أن التوحيد هو الأساس في العبودية الصحيحة، التي تورث ولاية الله لعبده وقربه منه، وبين ما يقابل ذلك من الشرك، وكيف يبعد صاحبه عن ربه، ويهوي به في متاهات الظلمات والحيرة والشرور.
وأوضح النصوص المبينة لبعد المشركين عن ولاية الله وعنايته، قول الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣٠، ٣١] .
قال ابن جرير ﵀: " فإنه من يشرك بالله شيئًا من دونه، فمثله في بُعده عن الهدى، وإصابة الحق، وهلاكه وذهابه عن ربه، مثل من
[ ١ / ٢٤٧ ]
خرّ من السماء، فتخطفه الطير فهلك، أو هوت به الريح في مكان سحيق"١.
فالمشرك بعيد عن حقيقة الإيمان بالله، بعيد عن ولاية الله، بعد السماء عن ذلك المكان السحيق، قد تخلى الله عنه، ووكله إلى نفسه وشركه، فتردى في مهاوي الهلاك، فإما هوى يتفرق به في شعب الخسار، أو شيطان يطوح به في متاهات الضلال أعاذنا الله من ذلك.
وقد بين سبحانه أن الشرك أعظم أسباب الخذلان، فقال: ﴿لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٣] .
وبهذه الآية بدأ الله جملة وصايا وحِكَم هي مقومات الحياة السعيدة الكريمة للناس، أفرادًا وجماعات، حيث قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآيات [الإسراء:٢٣] .
وختم تلك الوصايا بقوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩] .
فبدأها بالتحذير من الشرك، وبيان عاقبته في الدنيا، وأنها الذم والخذلان.
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ٩/١٣.
[ ١ / ٢٤٨ ]
وختمها كذلك بالتحذير منه، وبيان عاقبته في الآخرة، وأنها دخول صاحبه جهنم ملومًا مدحورًا، وفي ذلك التنبيه على أن التوحيد هو المقصود من جميع التكاليف، فيجب أن يكون ملازمًا لكل عمل من أوله وآخره، فالتوحيد هو الأول، والآخر بالنسبة لعمل المؤمن، وهو الأساس الذي يحكم سيره، ويمضي من أجله حياته.
ولعل فيما تقدم كفاية في بيان أهمية التوحيد في استجلاب ولاية الله، وأنه الركن الأول والأساس في الإيمان بالله، والذي لا يمكن الحصول على ولاية الله بدونه، وأن الشرك يؤدي إلى خذلان الله للإنسان، وتلاعب شياطين الإنس والجن به، وهلاكه وتخبطه في متاهات الضلال.
والمقصود من هذا الفصل بيان أثر ولاية الله في حماية المؤمن من الأفكار الضالة التي تستهدف زعزعة إيمانه وسلوكه.
وقد تقدمت الإشارة إلى أن حصول ولاية الله للمؤمن هو أهم وأغلى ثمرات الإيمان، لما ينتج عنها من إمداد الله لعبده بالعون والنصرة، والدفاع عنه وحمايته.
ويمكن تقسيم مظاهر ولاية الله لعباده المؤمنين على وجه الإجمال إلى قسمين:
الأول: نوع محدد معين جعل الله الإيمان سببًا له، يحصل بحصوله ويرتفع بعدمه.
مثل: الطمأنينة، والنور والفرقان، والألفة والمحبة الناتجة عن الأخوة
[ ١ / ٢٤٩ ]
الإيمانية ونحوها.
الثاني: قسم غير محدد، وهو أن يحدث الله لعبده من آثار ولايته ما يتناسب مع حاله أو حاجته.
ومثال ذلك: أنه تعالى يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويجعل لهم مخرجًا، ويدافع عنهم ويرزقهم من حيث لا يحتسبون ونحوها.
فالنوع الأول سيجري الكلام عليه -إن شاء الله- في البابين القادمين، كل في موضعه. فالطمأنينة والنور والفرقان -ونحوها- في الباب الثاني الأثر القلبي. والرابطة الإيمانية -الألفة والمحبة- في الباب الثالث الأثر الاجتماعي.
أما النوع الثاني فيجري الكلام عليه في هذا الفصل.
[ ١ / ٢٥٠ ]
*
الفصل الثاني: أثر ولاية الله في تخليص المؤمنين وتحصينهم من الأفكار الهدامة
المبحث الأول: مظاهر ولاية الله لعبده المؤمن
*
المبحث الأول: مظاهر ولاية الله لعبده المؤمن
إن مظاهر ولاية الله لعبده المؤمن كثيرة، فهو سبحانه يحوطه بعنايته، ورعايته في كل المجالات، والغرض هنا هو ذكر بعض المظاهر الواردة في النصوص في مجال حفظ الله لعبده من الوقوع في الأفكار الهدامة وأسبابها. وسوف أتكلم على ما تيسر منها في مطالب مستقلة.
[ ١ / ٢٥٣ ]
المطلب الأول: إخراجه من الظلمات إلى النور
ذكر الله تعالى في كثير من الآيات أنه يهدي المؤمن إلى صراطه المستقيم. والهداية تستلزم الحماية من الضلال وأسبابه، بل إن الإخراج من ظلمات الضلال، مقدّم على الهداية إلى الصراط المستقيم واستمراره لازم لاستمرارها، بين ذلك ﵎ بقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٥، ١٦] .
فقدم سبحانه ﴿َيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظُّلُمَاتِ ﴾ على ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهذا نظير قوله تعالى في فعل العبد: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] .
والضمير في قوله: ﴿َيُخْرِجُهُمْ﴾ و﴿َيَهْدِيهِمْ﴾ راجع إلى ﴿مَنِ اتَّبَعَ
[ ١ / ٢٥٤ ]
رِضْوَانَهُ﴾ فدل على أن هذا إخراج وهداية لمن كان عنده أصل ذلك، لأنه لا يتبع رضوان الله أحد إلا ويكون مهتديًا، فيكون المعنى والله أعلم: إن ذلك تثبيت لهم وعناية بهم في مستقبل أمرهم، وترسيخ لقدمهم في الصراط المستقيم، واستمرار لحمايتهم من أسباب الغواية والضلال. وهذا نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٦-٦٨] .
كما دل أيضًا قوله: ﴿َيُخْرِجُهُمْ﴾ و﴿َيَهْدِيهِمْ﴾ على أن هذا فعله -﷾ –وعنايته وولايته لعبده المؤمن.
وقد دل على هذه الفائدة والتي قبلها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧] .
فهذه الآية ونحوها من أشمل الآيات دلالة على هذا المقصد، حيث دلت على أن من جاء بالإيمان الكامل، فإن الله يتولاه بأن يخرجه من الظلمات بصرفها عنه، أو صرفه عنها، ويوفقه للنور ويثبته عليه.
[ ١ / ٢٥٥ ]
فالظلمات: هي ظلمات الكفر، والنور: هو نور الإيمان.
قال الرازي١: "أجمع المفسرون على أن المراد ههنا من الظلمات والنور: الكفر والإيمان، فتكون الآية صريحة في أن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من الكفر وأدخله في الإيمان" ٢.
والظلمات: تشمل كل الأمور التي ممارستها والتلبس بها كفر، سواء كانت اعتقادية أو قولية أو فعلية، كما تشمل الأسباب والوسائل المؤدية إليها كالشبهات ومثيرات الشهوات
ورد في تفسير المنار: "الظلمات هي الضلالات التي تعرض للإنسان في كل طور من أطوار حياته، كالكفر والشبهات التي تعرض دون الدين، فتصد عن النظر الصحيح فيه، أو تحول دون فهمه والإذعان له، وكالبدع والأهواء التي تحمل على تأويله، وصرفه عن وجهه، وكالشهوات والحظوظ التي تشغل عنه وتستحوذ على النفس حتى تقذفها في الكفر "٣.
_________________
(١) ١ محمد بن عمر بن الحسين القرشي الرازي الطبرستاني، الأصولي المفسر المتكلم، ألف التفسير الكبير، والمحصل، والمطالب العالية. توفي سنة ١٠٦هـ. انظر: وفيات الأعيان ٤/٢٤٨، وسير أعلام النبلاء ٢١/٥٠٠. ٢ التفسير الكبير للرازي ٧/٢٠ ط الثانية، دار الكتب العلمية، طهران. ٣ تفسير القرآن الحكيم، الشهير بتفسير المنار، محمد رشيد رضا، ٣/٤١ دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت ط: ٢، ت بدون.
[ ١ / ٢٥٦ ]
فالكفر الأكبر الذي هو تكذيب الرسل وما جاؤوا به، والشرك الذي هو الإيمان بالله وبوجود شركاء معه، والنفاق الاعتقادي أو العملي، والخروج عن الدين بالغلو، أو البدع أو المعاصي بمختلف أنواعها كل ذلك من الظلمات وولاية الله لعبده المؤمن تضمن له الحماية من ذلك كله.
والنور: يشمل كل الأمور التي ممارستها أو التلبس بها إيمان، سواء كانت اعتقادية أو قولية أو فعلية، كما يشمل الأسباب المؤدية إليها كالعلم الصحيح وقد تقدم الكلام على تفصيل هذا عند الكلام على طبيعة الإيمان الذي يجري البحث في آثاره.
وحول ما دلت عليه الآية: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ من طبيعة ولاية الله للمؤمنين، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، قال ابن جرير ﵀: "يعني تعالى بقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه ﴿يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ يعني بذلك يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وإنما عنى بالظلمات في هذا الموضع الكفر، وإنما جعل الظلمات للكفر مثلًا، لأن الظلمات حاجبة للأبصار عن إدراك حقائق الإيمان، والعلم بصحته وأسبابه، فأخبر تعالى ذكره أنه ولي المؤمنين ومبصرهم حقيقة الإيمان،
[ ١ / ٢٥٧ ]
وسُبله وشرائعه وحججه، وهاديهم فموفقهم لأدلته المزيلة عنهم الشكوك، بكشفه عنهم دواعي الكفر، وظلم سواتر أبصار القلوب" ١.
فدل كلامه ﵀ على أن مظاهر ولاية الله للمؤمنين في مجال إخراجهم من الظلمات وهدايتهم للنور يكون بأمرين:
الأول: العلم المزيل للجهل، ويشمل العلم بحقيقة الإيمان وسبله وشرائعه وحججه.
كما يشمل العلم بسبل الضلال الذي يجعل المسلم حذرًا منها، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥] فالله –سبحانه- متولي أمور المؤمنين يوفقهم إلى الخروج من الظلمات ويُمدهم في الهداية، بإعانته لهم على استعمال ما أودعه فيهم من الحواس والعقل في التفكر في آيات الله الكونية والتدبر لآياته التنزيلية، فتستنير قلوبهم، ويرسخ إيمانهم لتظافر الأدلة ووضوحها وإدراك القلوب لها، وتزيد معارفهم بتفاصيل الحق، وما يضاده من طرق الضلال، فكلما عرضت لهم شبهة أو شهوة لاح لهم –من عناية الله بهم- أمر مما استقر في قلوبهم من ذلك، أو مما يفتح به عليهم، يتضح لهم به زيف الشبهة،
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ٣/١٤، ١٥.
[ ١ / ٢٥٨ ]
ويطفئ نار الشهوة ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١، ٢٠٢] .
أما الذين كفروا فإن الله يتخلى عنهم ويخذلهم، فتتلقفهم طواغيت الجن والإنس يتلاعبون بعقولهم وقلوبهم، ويركسونهم في الباطل، ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٢] .
قال الشيخ محمد رشيد رضا١في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧] .
"أي لا سلطان على نفوسهم إلا لتلك المعبودات الباطلة، السائقة إلى الطغيان، فإذا كان الطاغوت من الأحياء الناطقة، ورأى أن عابديه قد لاح لهم شعاع من نور الحق الذي ينبههم إلى فساد ما هم فيه، بادر إلى إطفائه، بل إلى صرفهم عنه بما يلقيه من حُجب الشبهات، وأستار زخارف الأقوال التي تقبل منه لأجل الاعتقاد أو بنفس الاعتقاد٢، وإذا
_________________
(١) ١ محمد رشيد علي رضا القلموني –البغدادي الأصل، الحسيني النسب، صاحب مجلة المنار، نشأ في القلمون من أعمال طرابلس الشام، ثم رحل إلى مصر سنة١٣١٥هـ، ألف: الوحي المحمدي، وتفسير القرآن وغيرها، توفي سنة ١٣٥٤هـ. انظر: الأعلام ٦/١٢٦، ومعجم المؤلفين ٩/٣١٠. ٢ ليس بين قوله:"لأجل الاعتقاد" أو "بنفس الاعتقاد" فرق كبير، والذي يظهر لي –والله أعلم- أن مراده بقوله:"لأجل الاعتقاد" أي من أجل اعتقادهم بصحة ما يدعيه هذا الطاغوت من استحقاقه للعبادة بأي شكل من أشكالها، وما يتبع ذلك من محبته وتعلق القلب به، فإنهم يقبلون ما يقوله. وقوله:"بنفس الاعتقاد" أي أنهم يعتقدون فيه العصمة، وأنه لا ينطق إلا بالحق-وكثيرًا ما يدعي الطواغيت ذلك- فهذا الاعتقاد يجعلهم يقبلون ما يقوله، ويسلمون به.
[ ١ / ٢٥٩ ]
كان الطاغوت من غير الأحياء، فإن سدنة هيكله وزعماء حزبه، لا يقصرون في تنميق هذه الشبهة، وتزيين تلك الشهوة" ١.
الثاني: تطهير القلوب من الشكوك، ودواعي الكفر الساترة لأبصار القلوب: فالقلوب تصح وتمرض.
وأساس صحتها وحياتها هو الإيمان الصحيح، القائم على العلم المستمد من الوحي، وعلى الإخلاص، وما ينتج عن ذلك من العمل الصالح.
ومرض القلب في مقابل ذلك هو الدافع إلى الكفر والنفاق والمعاصي، وهداية الله للمؤمنين وإخراجهم من الظلمات إلى النور، يلزم منها تطهير قلوبهم من الدوافع الجانحة.
وسيأتي تفصيل هذا الأثر عند الحديث عن الأثر القلبي للإيمان في الباب الثاني –إن شاء الله-.
_________________
(١) ١ تفسير المنار محمد رشيد ٣/٤٠، ٤١.
[ ١ / ٢٦٠ ]
إلا أن إخراج الله عباده المؤمنين من الظلمات إلى النور لا يقف عند هذين الأمرين اللذين نص عليهما ابن جرير ﵀، بل إنه سبحانه يهيئ لهم من لطفه بهم، أسبابًا تصرفهم عن كل ظلمة تكون في طريقهم، أو تصرفها عنهم، وبذلك يكون هذا الأثر عامًا في كل سبب يؤدي إلى خلاص المؤمن من أفكار الجاهلية وخصائصها.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٢، ٣] .
ففي هذا السياق المبارك بيّن سبحانه ثلاثة مظاهر لولايته لعبده المتقي، وهي:
أولًا: يجعل له مخرجًا، أي فرجًا وخلاصًا مما وقع فيه من الشدائد والمحن١، ومن ذلك الفتن وانتشار الأفكار الهدامة، ودعوات الضلال والفرقة في الدين، فإنها من الشدائد التي كثيرًا ما تمر على المسلمين، فييسر الله لعبده طريقًا للسلامة والنجاة.
روى ابن جرير عن قتادة٢ –رحمهما الله- في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ
_________________
(١) ١ انظر: فتح القدير للشوكاني ٥/٢٤١. ٢ الإمام العلامة المفسر قتادة بن دعامة السدوسي البصري، روى عن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب وغيرهما، توفي سنة ١١٧هـ. انظر: وفيات الأعيان ٤/٨٥، وسير أعلام النبلاء ٦/٢٦٩.
[ ١ / ٢٦١ ]
اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ .
قال: "من شبهات الأمور والكربات عند الموت"١.
الثاني: يرزقه من حيث لا يحتسب، أي يقدر الله لوليه ما يحتاج إليه وما يصلح شأنه من وجه لا يخطر بباله ولا يكون في حسابه٢.
ومسألة الرزق وتجاوز الحد في الحرص على المصالح الدنيوية، من أكبر ما يصد الناس عن طريق الله، ويعرضهم للفكر الهدام، ويكون مصيدة ينصبها أعداء الله لعباده المؤمنين، وسيأتي تفصيل ذلك –إن شاء الله- عند بيان أثر الإيمان في تطهير القلوب من الحرص على الدنيا، فإذا كفى الله وليه هذا الجانب فأعطاه وأرضاه، انتفى الدافع، وزال الحرص، وسلم له دينه.
الثالث: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ .
أي أن: "من وثق بالله فيما نابه كفاه ما أهمه" ٣.
_________________
(١) ١ جامع البيان ٢٨/١٣٩. ٢ انظر: فتح القدير ٥/٢٤٢. ٣ المصدر السابق.
[ ١ / ٢٦٢ ]
ولا شك أن من أشد ما يهم المسلم هو خوفه من الفتنة في الدين.
لذلك كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك "١.ويأتي مزيد إيضاح لهذا المعنى في المطلب التالي.
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد، المسند ٦/٣٠٢، ٣١٥ من حديث شهر بن حوشب. والترمذي وقال:"هذا حديث حسن"، أبواب الدعوات ٥/١٩٩. وصححه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة ١/١٠٠.
[ ١ / ٢٦٣ ]
المطلب الثاني: تثبيت المؤمن عند الشدائد
الشدائد هي النوازل والأمور المضرة التي يشتد وقعها على المؤمن، وقد تضعف نفسه عن تحملها ومقاومتها، ويُخشى عليه فيها أن تزل قدمه فتصدر منه أعمال أو أقوال، أو ظنون ترديه في دينه أو دنياه.
ولا شك أن من أعظم الشدائد التي عاناها المسلمون في مختلف عصورهم هي جهود أعدائهم من محاولة فتنتهم بمختلف الوسائل ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْل﴾ [البقرة:٢١٧] .
ومن ذلك الوسائل الفكرية التي تهدف إلى التأثير على السلوك، وزعزعة العقائد بالفكر الخبيث، والتي اشتد وقعها في القرون المتأخرة، حيث عمت المصيبة في الدين، ونجم النفاق، وانتشرت أسباب الفساد، وارتفعت أصوات الناعقين بالكفر، والشبهات والتلبيسات، وتسلط الأعداء على المسلمين وظهروا عليهم.
فالله تعالى يتولى عبده المؤمن في مثل هذه الأحوال، فيثبته ويربط على قلبه، ويهديه ويهيئ له من الأسباب ما يعينه على الخلاص منها.
قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي
[ ١ / ٢٦٤ ]
الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] .
وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن:١١] .
وورد في رواية الإمام أحمد -﵀- لحديث ابن عباس –﵄- قوله ﷺ: " احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرّفْ إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة " ١.
فالمؤمن الذي تعرَّف إلى الله في الرخاء، بتحقيق التقوى، يجد ثمرة تلك المعرفة عناية وحماية من الله له في الشدة، فالله هو الشكور الحميد.
فما أحوج المسلمين في هذا العصر إلى الالتزام بالإيمان الصحيح الراسخ، الذي هو السبب في تحصيل ولاية الله، فيهدي قلوبهم ويثبتهم على الصراط المستقيم، ويصلح أحوالهم، ويلهمهم رشدهم، ويبصرهم بما فيه صلاح دينهم ودنياهم.
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد، المسند ١/٣٠٧ من حديث ابن عباس. وصححه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة ح٣١٨ ١/١٣٩.
[ ١ / ٢٦٥ ]
المطلب الثالث: الحيلولة بينه وبين ما قد يقوم في قلبه من الإرادات السيئة
وكما أن عناية الله لعبده المؤمن تكون بحمايته من الفتن والشرور الخارجية، تكون أيضًا بالحيلولة بينه وما قد يقوم في قلبه من الإرادات الباطلة، في لحظة من لحظات الضعف البشري، كما يدل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤] .
قال ابن عباس –﵄-: "يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان. وعنه أيضًا: يحول بين الكافر وبين طاعته، وبين المؤمن وبين معصيته" ١.
ومظاهر عناية الله تعالى بالمؤمن في هذا المجال تكون بتثبيطه عن تلك الشرور وصرف همته عنها، أو عدم تمكينه منها. كما قيل: "من العصمة عدم القدرة" كما تكون بتهيئة الأسباب الصارفة للفتنة والشر عنه.
وأكتفي بهذه الإشارة لهذا الأثر نظرًا لأنه سيأتي له مزيد إيضاح في الباب الثاني الأثر القلبي.
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ٩/٢١٦.
[ ١ / ٢٦٦ ]
المطلب الرابع: مظاهر الولاية الكاملة للكُمّل من عباد الله
إن أعلى مراتب ولاية الله تكون لعباد الله الذين كمّلوا الإيمان وحققوا التقوى، وسارعوا في الخيرات، وكمل توحيدهم وتوكلهم على الله.
وقد بين الله سبحانه أنه يتولاهم ولاية خاصة، ويحوطهم بعنايته الفائقة، ويحفظ جوارحهم الناقلة للشبهات أو لمثيرات الشهوات إلى القلب، فلا تنبعث إلا إلى الخير، ولا تتجاوب إلا مع ما يحبه الله ويرضاه.
فقد ورد البيان لمظاهر ولاية الله الكاملة في حديث الأولياء المشهور، وفيه قال الرسول ﷺ: " إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه " ١.
قال ابن رجب–﵀-: "قوله: " فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢٦٧ ]
يمشي بها "
المراد من هذا الكلام أن من اجتهد بالتقرب إلى الله تعالى بالفرائض، ثم بالنوافل قربه إليه، ورقاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان، فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة، كأنه يراه، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى ومحبته وعظمته وخوفه ومهابته وإجلاله والأنس به، والشوق إليه حتى يصير هذا الذي في قلبه من المعرفة، مشاهدًا له بعين البصيرة فمتى امتلأ القلب بعظمة الله تعالى، محا ذلك من القلب كل ما سواه، ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه، ولا إرادته إلا لما يريده منه مولاه، فحينئذٍ لا ينطق العبد إلا بذكره ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق، نطق بالله، وإن سمع، سمع به، وإن نظر، نظر به، وإن بطش، بطش به، فهذا هو المراد بقوله: " كنت سمعه الذي يسمع به""١.
ففي هذا الكلام السديد لابن رجب –﵀- ذكر لما يحدث في قلب المؤمن وفي سلوك جوارحه، نتيجة لولاية الله لعبده، ومحبته له، فقد ذُكر في الحديث عدة أمور بعضها من فعل العبد، وبعضها من فعل الله، وما ينتج عن كل منها.
فذكر فعل العبد بقوله: " وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما
_________________
(١) ١ جامع العلوم والحكم ص٣٤٤، ٣٤٥.
[ ١ / ٢٦٨ ]
افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل " ثم ذكر أنه ينتج عن ذلك محبة الله لعبده، ثم ذكر ما ينتج عن المحبة بقوله: " فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به " أي إن الله إذا أحب العبد جعل الإيمان هو السلطان الوحيد على قلبه، وجوارحه فلا تنفعل ولا تنبعث إلا لموجب أمره ونهيه، وهذه أعلى الكرامات وأسمى المقامات، وهو عناية إلهية ومنحة ربانية، ومعية ومعرفة خاصة يكرم بها الله خواص عباده تقتضي محبته لعبده وتقريبه إليه، وإجابة دعائه وإنجاءه من الشدائد.
ولا شك أنه إذا كان سلطان الإيمان مسيطرًا على السمع والبصر والفؤاد، فإن الطريق يكون مقطوعًا على شياطين الإنس والجن، الذين يدعون الناس إلى الضلال بنشر الشبهات وإثارة الشهوات.
وخلاصة هذا المبحث أن الله تعالى يتولى عبده المؤمن فيخرجه من الظلمات إلى النور، ويجعل له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ويثبته عند الشدائد، ويحول بينه وبين ما قد يقوم في قلبه من السوء، ويحوطه بعنايته ورعايته ويوفقه ويسدده، ومن ذلك صرفه عن الأفكار الخبيثة أو صرفها عنه بما يهيئ له من الأسباب.
وإذا كان العبد من المقربين المحسنين، فإن الله يزيد في عنايته به، ومعيته له، حتى لا تنبعث جوارحه ولا قلبه، إلا لما يرضي الله، وما فيه خيره في دينه ودنياه، فهو محاط بعناية الله، فإن نطق نطق بالله، وإن سمع
[ ١ / ٢٦٩ ]
سمع به، وإن نظر نظر به، وإن بطش بطش به، وقلبه عامر بذكره ومراقبته.
فهو في حصن حصين من كيد المفسدين، وأنّى لشبهاتهم وضلالاتهم الفكرية أن تجد سبيلًا إلى قلبه، نسأل الله من واسع فضله ورحمته.
[ ١ / ٢٧٠ ]
المبحث الثاني: مظاهر ولاية الله للجماعة المؤمنة
الغرض من هذا المبحث بيان أهم مظاهر ولاية الله للجماعة المؤمنة التي التزمت شعائر الإيمان ظاهرًا وباطنًا.
وأكتفي في هذا المبحث بالإشارة المجملة لما ورد في بعض النصوص من ذكر عناية الله بالجماعة المؤمنة، وذلك لأنه سيأتي تفصيل الآثار الإيمانية –التي جعلها الله حصونًا تقي المجتمع من الشرور الفكرية وغيرها- في الباب الثالث الأثر الاجتماعي.
إن الجماعة المؤمنة تمر بأطوار مختلفة من حيث القوة والكثرة، أو الضعف والقلة، وعناية الله تلازمها في جميع أطوارها بشرط أن تأتي بشرط الولاية وهو نصرة دين الله، بتحقيق التوحيد والتقوى والعمل من أجل إعلاء كلمة الله في أرضه.
ففي بعض الأحوال يكون الضلال منتصرًا، يمتلك أهله كثيرًا من أسباب القوة والغلبة، وفي مقابل ذلك يكون أهل الإيمان ضعفاء مهزومين، أو أذلاء مقهورين، فقد شاء الله العليم بأحوال خلقه، الحكيم في كل ما قدره وفعله، أن تكون الحياة دولًا بين الناس ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
[ ١ / ٢٧١ ]
[آل عمران:١٤٠] ومن ذلك أنه قدر أن يظهر الكفار على أهل الإسلام ويتسلطوا عليهم في فترة من الفترات، أو بقعة من البقاع، كما في العهد المكي، وما شابهه من الحالات في مسيرة الأمة إلى أن يأتي أمر الله. كما قدر في مرات أخرى ظهور أهل الإسلام إذا هم قاموا بشرط ذلك وعملوا ما في وسعهم واستطاعتهم لنصرة دينهم.
والمعركة مستمرة بين الخير والشر، والصراع قائم بين قُوى الإيمان وقُوى الطغيان، منذ أن خلق الله آدم وإلى أن يرث الأرض ومن عليها.
ومن طبيعة الشر أنه جامح مسلح، يبطش ولا يتحرج، ويضرب ولا يتورع، ويملك من أسباب الفتنة ما يصد به عن الحق، وقد يملك من القوة المادية والمغريات ما قد يزلزل القلوب، ويستهوي النفوس، ويزيغ الفِطَر، وللصبر حدود، وللاحتمال أمد، وللطاقة البشرية منتهى، والله أعلم بقلوب الناس ونفوسهم ومن ثم لم يشأ أن يترك المؤمنين للفتنة١.
فبين سبحانه أنه سيتولى الدفاع عنهم، إذا جاءوا بشرط الولاية، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨] .
وهذه الآية الكريمة وردت في سياق ذكر فيه أولًا: الدفاع عن
_________________
(١) ١ انظر: في ظلال القرآن مجلد ٥ ج١٧/٦٠١.
[ ١ / ٢٧٢ ]
المؤمنين، ثم الإذن لهم بالقتال، ثم الوعد بنصرهم إذا جاؤوا بشرطه، ثم ذكر التمكين في الأرض، ثم الأعمال التي يتعين على الأمة التي تولاها الله أن تقيمها وتعمل على إقامتها في الأرض.
فدل هذا الترتيب على أهمية هذا المظهر العظيم من مظاهر ولاية الله، ألا وهو دفاعه عن المؤمنين، كما دل على أنه يستمر معهم في جميع حالاتهم.
ففي حال ضعفهم يثبتهم، ويعينهم على الصبر، ويقوي قلوبهم فلا يرتدون ولا يتشككون.
وعند وجود الشوكة، ومنازلة الأعداء، يتجلى دفاعه عنهم نصرًا لهم ودفعًا لتسلط الأعداء عليهم.
وبعد انتصارهم وتمكينهم في الأرض يستمر دفاعه عنهم بخذلان أعدائهم، وإدخال الرعب في قلوبهم، وتفريق كلمتهم وكشف مخططاتهم السرية، كما يكون بصرف أسباب الضلال عنهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ
[ ١ / ٢٧٣ ]
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٣٨-٤١] .
فبين سبحانه أول السياق أنه سيتولى الدفاع عن المؤمنين ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأنهم جاؤوا بموجب ذلك، وهو الإيمان.
وأشار إلى أن أعداءهم قد جاؤوا بموجب المقت والخذلان، وهو الكفر والخيانة ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ .
وأن عليهم أن يطمئنوا إلى دفاعه عنهم وولايته إياهم ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ لذلك شرع لهم قتال الكفار، وأذن لهم به، وهو من الأسباب التي جعلها الله لعباده المؤمنين، لمكافحة الباطل والدفاع عن الحق ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ .
ثم زادهم من البيان ما يوجب طمأنينة قلوبهم، إلى ولايته ودفاعه ونصره إذا التزموا أسباب ولايته ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ .
ثم ختم السياق بذكر أعمال صالحة هي: الصلاة، والصوم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فدل ختم هذا السياق الذي ذكرت فيه
[ ١ / ٢٧٤ ]
المدافعة والنصر والتمكين بهذه الأعمال على أهميتها في حصول ذلك واستمراره.
وإذا كان الله قد تكفل لعباده المؤمنين الذين جاؤوا بأسباب ولايته، بالمدافعة عنهم ونصرهم في حال قوتهم، ووجود شوكة لهم على العدو الظاهر وكيده السافر، فإنه من باب أولى أن يدافع عنهم في حال ضعفهم، أو في مقابلة الكيد الخفي الماكر، فتكون عنايته بهم في ذلك أشد، بحيث لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا يتمكنون به من إخراج المؤمن من دينه
قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١] .
قال ابن كثير ﵀: "يحتمل أن المراد: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾
أي في الدنيا، بأن يُسلطوا عليهم استيلاء استئصال، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة"١.
وقال ابن القيم ﵀: "والتحقيق أن انتفاء السبيل عن أهل
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ١/٥٦٧.
[ ١ / ٢٧٥ ]
الإيمان الكامل، فإذا ضعف الإيمان صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم، فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله. فالمؤمن عزيز غالب مؤيد منصور، مكفي عنه بالذات أين كان، ولو اجتمع عليه من بأقطارها، إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته ظاهرًا وباطنًا"١.
وكلا المعنيين اللذين أوردهما ابن كثير وابن القيم –رحمهما الله- صحيح.
فانتفاء السبيل بالكلية لأهل الإيمان الكامل، فالإيمان جالب لولاية الله الموجبة حفظه عباده، وتحصينهم من شرور الكافرين، ومن نقص في تحقيق التقوى، كان ذلك ثغرة في الحصن، وسبيلًا للكافرين عليه، بقدر نقصه، كما أن معه من ولاية الله بقدر إيمانه، إلا أن هذا السبيل الذي فتح عليه لا يصل إلى الاستئصال الكامل للجماعة المؤمنة، بل يبقى لهم باقية يُحيون دين الله في أرضه، والعاقبة للمتقين، والله أعلم.
والله ﵎ عندما بين للمؤمنين أنه معهم يدافع عنهم، وينصرهم ويحبط كيد أعدائهم، بيّن لهم بنفس الوضوح ما يريده منهم من الأمور التي جعلها أسبابًا لحصول ذلك، فقال: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان ٢/٢٦٣.
[ ١ / ٢٧٦ ]
وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:١٢٠] .
قال ابن جرير ﵀: "وإن تصبروا أيها المؤمنون على طاعة الله، واتباع أمره فيما أمركم به، واجتناب ما نهاكم عنه وتتقوا ربكم لا يضركم كيدهم شيئًا: أي كيد هؤلاء الذين وصف صفتهم، ويعني بكيدهم: غوائلهم التي يبتغونها للمسلمين ومكرهم بهم، ليصدوهم عن الهدى وسبيل الحق"١.
وخلاصة القول: إن لله بعباده المؤمنين –الذين حققوا الإيمان الذي أراده منهم وبين معالمه لهم- ألطافًا جلية وخفية، فهو يحوطهم بتوفيقه وعنايته ورعايته، ويهديهم إلى ما فيه صلاح دينهم، ويثبتهم على صراطه المستقيم، ويخرجهم من ظلمات الكفر والشرك والنفاق والبدع والعصيان، بما أنزل عليهم من العلم والبيان، وبما يحدثه في قلوبهم من نور الإيمان والبصيرة، وبتهيئة الأسباب التي تصرفهم عن الباطل أو تصرفه عنهم، وهو –سبحانه- دائمًا معهم، يدافع عنهم في جميع أحوالهم، أفرادًا كانوا أو جماعات.
فولاية الله لعباده هي أعلى المصالح التي يستفيدها المؤمنون من تحقيق الإيمان، وهي الخطوة الأولى التي يجب أن يسعى إليها المؤمنون في مجابهة المخططات الفكرية، أو الخلاص منها، وفي مجابهة كل أساليب الأعداء،
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ٤/٤٤.
[ ١ / ٢٧٧ ]
فهي حصن عظيم يحصن الله به عباده من كل مكروه. لكن شرطها قوي يحتاج من أئمة الدين وقواد المسلمين إلى العمل الجاد المشترك في استخلاص الأسباب الجالبة لولاية الله من الكتاب والسنة، وما كان عليه السلف الصالح، ثم إعداد الخطط المناسبة لحمل الناس على المجيء بها، والصدق في تنفيذ تلك الخطط.
وبهذا ينتهي ما يسره الله لي من الحديث عن الأثر الأول والأهم من آثار الإيمان في مجابهة الأفكار الهدامة. والله أعلم.
[ ١ / ٢٧٨ ]
*
الباب الثاني: أثر الإيمان في تحصين القلب ضد الأفكار الهدامة " الأثر القلبي "
*
والمقصود بهذا الباب بيان ما يحدثه الإيمان في القلب من الآثار التي يتحصن بها من تسلل الأفكار الخبيثة.
فالقلب هو ملك الأعضاء، وسيدها وأشرفها، والمتصرف فيها، فهو مركز الاعتقاد والإرادة، وموجه السلوك، وبصلاحه يكون الإنسان صالحًا، ويفسد بفساده.
قال ﷺ: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب " ١.
فإذا كان القلب بهذه المنزلة من التأثير على السلوك وتوجيهه، فإن جهود شياطين الإنس والجن متوجهة في المقام الأول إلى قلوب العباد، لا لإفسادها بالأفكار المهلكة لها، بقذف الشبهات وتزيين الشهوات.
وفي مقابل ذلك جعل الله الإيمان وما يحدثه من الآثار في قلب المؤمن السبب -بعد عناية الله- في سلامته وتحصينه منهم.
وإذا كانت ولاية الله هي الأثر الخارجي -الخارج عن إرادة الإنسان وفعله- فإن عمران القلب بالإيمان سبب داخلي، وحصن يحصن الله به المؤمن من غوائل أعداء الله ومكرهم، وهو من آثار عناية الله وولايته لعبده.
_________________
(١) ١ رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، ح٥٢ الصحيح مع الفتح ١/١٦٢.
[ ١ / ٢٨١ ]
فوجود الإيمان في القلب وجود حقيقي، يحدث في القلب تغيرًا جذريًا يسري إلى كل ما يقوم بالقلب من الوظائف.
وقبل أن أتكلم عما يحدثه الإيمان في القلب من الآثار، أرى أن البحث يتطلب الكلام على ما يقوم في قلوب الناس من الوظائف، والعلاقة بينها، والمؤثرات الموجهة لها، وأحوال القلوب، لكي يسهل معرفة أثر الإيمان عليها بإذن الله.
وسيجري الكلام -إن شاء الله- على الأثر القلبي في ثلاثة فصول، هي:
الفصل الأول: وظائف القلب وأحواله.
الفصل الثاني: أثر الإيمان في تطهير القلوب.
الفصل الثالث: أثر الإيمان في تزكية القلوب.
وإلى الفصل الأول من هذا الباب.
[ ١ / ٢٨٢ ]
*
الفصل الأول: وظائف القلب وأحواله.
المبحث الأول: الوظائف القائمة بالقلب.
*
المبحث الأول: الوظائف القائمة بالقلب.
القلب مركز لأهم الوظائف الإنسانية، مثل:
١-وظيفة التعقل.
٢-الاعتقاد.
٣-النيات والإرادات.
٤-العواطف.
٥-الانفعالات.
وسوف أتكلم في هذا المبحث على كل منها في مطلب مستقل بحدود ما أرى أنه يفي بالغرض إن شاء الله، والله المستعان.
[ ١ / ٢٨٥ ]
المطلب الأول: وظيفة التعقل
لقد اختلفت تعاريف الباحثين والمفكرين للعقل، والوظائف التي تناط به، كما اختلفوا في مكان وجوده، وسبب ذلك أن لفظ العقل يطلق على عدة وظائف وصفات تقوم بالإنسان، ويسمى مَنْ قامت به عاقلًا، وسوف أشير إلى أهمها:
الأولى: يطلق العقل على مجموع الوظائف النفسية المتعلقة بتحصيل المعرفة كالإدراك، والفهم والتمييز والتذكر والتخيل والحكم والاستدلال الخ. ويرادفه على هذا المعنى الفهم والذهن١.
وعلى هذا الاعتبار يسمى الإنسان عاقلًا أي ليس بمجنون.
ويوصف بأنه متعقل أي يفهم الخطاب، ويرد الجواب، ويميز ويستدل.
قال ابن تيمية -﵀-: "وقد يراد بالعقل نفس الغريزة التي في الإنسان، التي بها يعلم ويميز ويقصد المنافع دون المضار، كما قال أحمد بن
_________________
(١) ١ المعجم الفلسفي د. جميل صليبا ٢/٨٨، ٨٩ دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط الأولى، ١٩٧٣م.
[ ١ / ٢٨٦ ]
حنبل والحارث المحاسبي١ وغيرهما: أن العقل غريزة"٢.
وبمقدار هذه الغريزة، تكون نسبة الذكاء قوة وضعفًا.
وهذا الأمر يستوي في أصله الناس العقلاء، وهو طريق العلم الذهني.
الثانية: يطلق العقل على التفكر والفقه فيما تنقله الحواس للقلب، وأخذ العبرة منها، واستشعار القلب للمعاني والعبر، والتفاعل معها رغبة ورهبة، حبًاَ أو كراهية وهذا هو طريق العلم الباعث على صلاح السلوك.
فالعقل على هذا يطلق على وظيفة التفكر والاعتبار التي هي وظيفة القلب الأساسية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله-: "فصلاح القلب وحقه، والذي خلق من أجله، هو أن يعقل الأشياء، لا أقول يعلمها فقط، فقد يعلم الشيء من لا يكون عاقلًا له، بل غافلًا عنه ملغيًا له، والذي يعقل الشيء هو الذي يقيده ويضبطه ويعيه ويثبته في قلبه، فيكون وقت الحاجة إليه غنيًا، فيطابق عمله قوله، وظاهره باطنه، وذلك
_________________
(١) ١ الحارث بن أسد المحاسبي البغدادي، صاحب التصانيف الزهدية، منها: الرعاية وغيرها، توفي سنة ٢٤٣هـ. انظر: وفيات الأعيان ٢/٥٧، وسير أعلام النبلاء ١٢/١١٠. ٢ مجموع الفتاوى ٩/٢٨٧.
[ ١ / ٢٨٧ ]
هو الذي أوتي الحكمة" ١.
وهذا القدر زائد على الإدراك الذي يتحصل عليه الإنسان بذهنه وذكائه، فالعلم قد يكون علمًا نظريًا من الحواس إلى الدماغ، فيحفظ العلم، أو يعرف كثيرًا من خصائص الأشياء، والسنن التي أودعها هذا الكون وأسرار المخلوقات، وقد يعرف معاني ودلالات الكلام دون أن يصل ذلك العلم إلى القلب، ويستشعر ما دل عليه من الخير، وأدلته وأسبابه وعواقبه، فيرغب فيه ويندفع إليه، ودون أن يستشعر ما دلت عليه من الشر، وأدلة قبحه وأسبابه وعواقبه، فيحدث فيه نفورًا منه وخوفًا من عواقبه.
والعاقل بهذا الاعتبار: هو الذي ينتفع بسمعه وبصره ويعمل عقله لاستخلاص التجارب والعبر، ومعرفة الخير والشر، وسنن الله الجارية في عباده، وينعكس أثر ذلك على سلوكه.
قال ابن تيمية ﵀: "ثم إن الله خلق القلب للإنسان يعلم به الأشياء وإذ قد خلق القلب، لأن يعلم به، فتوجهه نحو الأشياء ابتغاء العلم بها، هو الفكر والنظر " ٢.
وقيل لابن عباس -﵁- بماذا نلت العلم؟ قال:" بلسان
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٩/٣٠٩. ٢ مجموع الفتاوى ٩/٣٠٧، ٣٠٨.
[ ١ / ٢٨٨ ]
سؤول، وقلب عقول" ١.
وقال الرازي في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج:٤٦]: "فالمقصود منه ذكر ما يتكامل به ذلك الاعتبار لأن الرؤية لها حظ عظيم في الاعتبار، وكذلك استماع الأخبار فيه مدخل، ولكن لا يكمل هذان الأمران إلا بتدبر القلب، لأن من عاين وسمع، ثم لم يتدبر ولم يعتبر، لم ينتفع البتة، ولو تفكر فيما سمع لانتفع" ٢.
وهذه الوظيفة -التي هي القدرة على التعقل- موجودة لدى سائر العقلاء من الناس، لكن منهم من استفاد منها -بإذن الله- ومنهم من عطلها، أو استخدمها في غير ما ينبغي لها، لذلك لام الله الكفار على عدم التعقل، والانتفاع به، واللوم دليل الإمكان، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] .وقال أيضًا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ
_________________
(١) ١ نفس المصدر السابق ٩/٣٠٣. ٢ التفسير الكبير ٢٣/٤٤، ٤٥ ط الثانية، دار الكتب العلمية، طهران.
[ ١ / ٢٨٩ ]
أَأفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] .وقال: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًاّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٢] .
ففي هذه الآيات ونحوها لوم من الله للكفار على عدم انتفاعهم بما أعطاهم الله من نعمة التفكر والاعتبار، والنظر في مخلوقاته، وفي أحوالهم وما يجري منهم من التناقض، ونحو ذلك مما لو تفكروا فيه ونظروا نظرًا صحيحًا، وتدبروا ما وصلهم من الكتب ومواعظ الأنبياء، لكان كفيلًا بهدايتهم وإخراجهم من الضلال.
أما الآيات التي تنفي عنهم التعقل في نحو قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءصُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١] .
وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس:٤٢] .
فهذا النفي ليس للقدرة ووجود وظيفة التعقل، وإنما هو نفي للانتفاع بها، فالواقع أنهم لم يتعقلوا، وإن كانوا قد هُيئوا بأصل الخلقة لذلك.
قال ابن جرير ﵀ في قوله تعالى: ﴿بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً
[ ١ / ٢٩٠ ]
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١] .
قال: "ومثل الذين كفروا في قلة فهمهم عن الله وعن رسوله، كمثل المنعوق به من البهائم الذي لا يفقه من الأمر والنهي غير الصوت الذي يسمعه فكذلك الكافر، مثله في قلة فهمه لما يؤمر به، وينهى عنه بسوء تدبره إيّاه، وقلة نظره وفكره فيه، مثل هذا المنعوق به فيما أمر به ونهي عنه" ١.
فقوله ﵀: "بسوء تدبره إياه، وقلة نظره وفكره فيه" يدل على وجود القدرة على التدبر والنظر، وإنما هو أساء في ذلك أو أعرض عنه.
وسبب ذلك أن ظلمة الكفر والمعاصي، تظلم القلب وتحرف التفكر والتعقل، قال تعالى: ﴿كَلاّ َبَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] .
لذلك لا تحصل الهداية إلا إذا شرح الله صدر من علم فيه الخير، فأزال ذلك الران الذي غطى قلبه.
قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢] .
الثالث: يطلق لفظ العقل صفة يوصف بها العلم المكتسب
_________________
(١) ١ جامع البيان ٢/٨١.
[ ١ / ٢٩١ ]
المهذب للسلوك.
فالعقل على هذا الاعتبار، يطلق على:"ما يكتسبه الإنسان بالتجارب والأحكام الكلية، فيكون حده أنه معان مجتمعة في الذهن، تكون مقدمات يستنبط بها الأغراض والمصالح"١.
فتصير المعارف والعبر مخزونة عند القوة العاقلة بتكرار الاكتساب فتقوي ملكة العقل، كما يوصف من قام به ذلك بأنه عاقل، إذا أثرت تلك المعارف في عمله وتصرفاته وعَقَلته ووجهته، وكلما كانت كمية العلوم التي عقلها كبيرة، كان عقله أقوى وأرجح، كما أن العقل يكون سليمًا بسلامة وصلاح تلك المعقولات المتراكمة.
إلا أن العاقل حقيقة هو الذي عقل عن الله مراده في كتابه وسنة رسوله ﷺ، فوعى العلم واعتقده، وأثر في عمله وأخلاقه وتصرفاته جميعًا.
قال ابن تيمية ﵀:" والمقصود أن اسم العقل عند المسلمين وجمهور العلماء إنما هو صفة وإذا كان كذلك فالعقل لا يسمى به مجرد العلم الذي لم يعمل به صاحبه، ولا العمل بلا علم، بل إنما يسمى به العلم الذي يعمل به، والعمل بالعلم" ٢.
_________________
(١) ١ المعجم الفلسفي ٢/٨٤. ٢ مجموع الفتاوى ٩/٢٨٦، ٢٨٧.
[ ١ / ٢٩٢ ]
فالعاقل على هذا هو الذي يفكر تفكيرًا صحيحًا، وعقل بذلك علومًا وتجارب نافعة، تمكنه من الحكم على الأشياء حكمًا صادقًا، وتهديه إلى العمل الصالح، والخلق القويم، وتحمله على أن يكبح جماح نفسه، فيعرض عن كل ما يوقعه في المهالك، أو يخرج عن نطاق قدرته أو مسئوليته، وأولئك هم أولو الألباب الذين آمنوا بالله وتعلموا من وحيه.
وقد بين الله في سياق مبارك أن الذين يعلمون أن الحق فيما ما نزل من الوحي، هم الذين يتذكرون ويتعقلون تعقلًا صحيحًا، وهم العقلاء حقًا، وبيّن أنهم يعملون بموجب علمهم، وبذلك كله استحقوا الوصف بأنهم أولو الألباب، فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:١٩-٢٢] .
أما مقر العقل في بدن الإنسان فيرى كثير من المشتغلين في دراسة النفس البشرية: "أن الجهاز العصبي ومركزه المخ، هو القاعدة الرئيسية
[ ١ / ٢٩٣ ]
للنشاط العقلي" ١.
إلا أن هذا الرأي لا يزال مجرد ظن لم يصلوا فيه إلى يقين.
وحول هذا قال الدكتور: حلمي المليجي: "ويعتقد كبار المفكرين في كل العصور، أن نشاط العقل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمخ، ولا نزال في هذه الأيام نعتبر أن المخ مركزًا للعمليات الشعورية، ولقد أجريت دراسات طويلة في المخ استمرت عدة قرون، أثبتت أن التنقيب الصناعي عن مركز العقل في المخ، كان باطلًا، فلا توجد نقطة واضحة محددة نستطيع أن نبرهن على أنه في هذه النقطة، وفي هذا المكان يرتبط العقل أو النفس بمادة الروح" ٢.
والذي دل عليه صريح القرآن أن العقل بمعنى التعقل والتدبر والتفقه، إنما مقره القلب، فالقلب هو آلة التفكر.
قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] .
قال الرازي: "وقوله يعقلون بهاكالدلالة على أن القلب آلة لهذا
_________________
(١) ١ علم النفس المعاصر د. حلمي المليجي ص٦٥، دار النهضة، بيروت. ٢ المصدر السابق ص٦٤.
[ ١ / ٢٩٤ ]
التعقل، فوجب جعل القلب محلًا للتعقل"١.
وقال أيضًا في بيان الحكمة من ذكر الصدور في الآية مع أن القلوب لا تكون إلا في الصدور: "وعندي فيه وجه آخر، وهو أن القلب قد يجعل كناية عن الخاطر والتدبر وعند قوم أن محل التفكر هو الدماغ، فالله تعالى بيّن أن محل ذلك هو الصدر" ٢.
وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] .
وقال: ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٣] .
فبين سبحانه أن المانع من التدبر هو أقفال القلوب، وأن الطبع عليها ينتج عنه عدم التفقه، مما يدل أنها هي آلة التدبر والتفقه.
أما بقية الوظائف الأخرى التي توصف بأنها عقلية -كالوظائف الغريزية المتعلقة بتحصيل المعرفة، والمذكورة في المعنى الأول للعقل، وكذلك حصيلة العلوم والتجارب والمعارف المخزونة في نفس العاقل، المؤثرة في سلوكه، والمذكورة في المعنى الثالث للعقل -فلا يوجد لدينا ما ينص على مركزها في البدن، فليس هناك -في نظري- ما يمنع من القول أن مستقرها في الدماغ.
_________________
(١) ١ التفسير الكبير ٢٣/٤٥. ٢ نفس المصدر ٢٣/٤٥.
[ ١ / ٢٩٥ ]
فيكون مبدأ الفكر والنظر في الدماغ، ثم التعقل واكتمال النظر في القلب، ثم تخزن المعلومات والعبر المعقولة في الذاكرة في الدماغ.
قال شيخ الإسلام ﵀: "لكن مبدأ الفكر والنظر في الدماغ"، ثم قال: "فيبتدئ ذلك من الدماغ، وآثاره صاعدة إلى الدماغ، فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء" ١.
ومن هذا نخرج بنتيجة هي أن القلب محل لأهم وظيفة أمر الله بها الإنسان، وهي التفكر والتعقل، الذي هو طريق العلم والهداية بإذن الله.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٩/٣٠٤.
[ ١ / ٢٩٦ ]
المطلب الثاني: الاعتقادات
الاعتقاد هو حكم الذهن الجازم، أو هو تصديق القلب الجازم، فإذا كان مطابقًا للواقع كان صحيحًا، وإذا كان غير مطابق له كان فاسدًا.١
إلا أن الاعتقاد يطلق على العلم تارة، وتارة على اليقين، وتارة على التصديق مطلقًا، فيكون -على الأخير- أعم من أن يكون جازمًا أو غير جازم، مطابقًا أو غير مطابق، ثابتًا أو غير ثابت٢.
والاعتقاد باعتبار ثباته في القلوب ثلاثة أنواع:
الأول: اعتقاد تلقاه الإنسان من آبائه أو علماء ملته أو مجتمعه، دون أن يعرف أدلته وبراهينه.
وهذا النوع قد يكون صحيحًا أو باطلًا، ولكنه يقبل التشكيك في قلب معتقده لجهله بأدلته٣.
_________________
(١) ١ كشاف اصطلاحات الفنون ٢/٩٥٤، والمعجم الفلسفي ١/١٠٤. وقد قرر هذا التعريف الدكتور/ صالح بن عبد الله العبود، رئيس قسم العقيدة، لطلاب السنة الرابعة بكلية الدعوة وأصول الدين عام ١٤٠٧هـ، وكنت من بينهم. ٢ نفس المرجع. ٣ وهذا النوع إذا كان صحيحًا، فإنه يكون من الاقتداء الذي يحصل به إيمان مجمل، ينفع صاحبه، لكنه لا يوجب له الرسوخ في الإيمان، أو التحصن من الشبهات المضلة، والشهوات المحرمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الإسلام، والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ولرسوله، فهم مسلمون وعندهم إيمان مجمل " إلى أن قال: "هؤلاء إن عوفوا من المحنة، وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم، فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب، وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع من النفاق" [كتاب الإيمان، لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٢٣٢] .
[ ١ / ٢٩٧ ]
الثاني: اعتقاد عن اقتناع: "وهو إذعان نفسي لما يجده المرء من أدلة تسمح له بقدر من الرجحان والاحتمال، كاف لتوجيه عمله إلا أنه دون يقين" ١.
فهو أمر تبين للمعتقد صحته في النظر في محاسنه وعواقبه وبراهينه على وجه الإجمال، دون التمكن في معرفة براهينه على وجه التفصيل، وهذا أكثر رسوخًا في قلب صاحبه من النوع الأول، وإن كان أقل من اليقين.
الثالث: اليقين: وهو اعتقاد الأمر عن بصيرة ومعرفة بأدلته وبراهينه القاطعة، فهو اعتقاد عن اقتناع مستند إلى أسباب وحجج ثابتة قاطعة، وهذا هو الاعتقاد الراسخ الذي لا يقبل التشكيك إلا أن يشاء الله.
وقد وردت نصوص تدل على أن العقائد التي يؤمن بها الإنسان
_________________
(١) ١ المعجم الفلسفي ١/١١١.
[ ١ / ٢٩٨ ]
محلها القلب، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] .
فدلت الآية على أن الإيمان -وهو جملة اعتقادات- يدخل في القلب.
وقال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٧] .
أيْ إنّهم لا يعتقدون الإيمان الذي يتلفظون به، فقولهم ليس عن عقيدة قائمة في قلوبهم.
وقال: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ﴾ [المجادلة:٢٢] .
فدلت هذه النصوص على أن القلب محل الاعتقاد.
[ ١ / ٢٩٩ ]
المطلب الثالث الإرادات
الإرادة هي: نزوع النفس وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه١.
فهي تتركب من أمرين:
رغبة في الفعل أو شعور بالحاجة إليه أو تعلق أمل به، ثم قصده وميل النفس لفعله.
ويراد بالإرادة القصد، فتكون بمعنى النية٢.
وهي نوعان:
أحدهما: قصد الفعل المعين، كتوجه الإرادة إلى القتال.
والثاني: تمييز المقصود بالفعل، كأن يقصد بالقتال وجه الله.
وقد وردت كثير من النصوص تدل على أن الإرادات والنيات محلها القلب، من ذلك:
قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقر:٢٢٥] .
_________________
(١) ١ كشاف اصطلاحات الفنون ١/٥٥٢. ٢ جامع العلوم والحكم ص٨.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] .
وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤] ففي هذه الآية بين تعالى تمكنه من قلوب العباد، فيصرفها كيف يشاء، بما لا يقدر عليها صاحبها، فيفسخ عزائمه، ويغير مقاصده، ويلهمه رشده، ويزيغ عن الصراط السوي قلبه ١
وعلى هذا فالعزائم والمقاصد والإرادات تقوم بالقلب.
_________________
(١) ١ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ٩/١٩١، شهاب الدين محمد الألوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
[ ١ / ٣٠١ ]
المطلب الرابع: العواطف
العواطف تتعلق بالمحبوبات والمكروهات، وكل عاطفة عبارة عن مجموعة انفعالات.
فمثلًاَ: مجموعة انفعالات سارة نحو شخص ما -كالإعجاب أو الشهوة، أو السرور والراحة أو الامتنان- تكون عاطفة محبة له أو حنوًا عليه.
ومجموعة انفعالات غير سارة -كمشاعر الضيق، والاشمئزاز والاحتقار أو الحقد- فإنه تكون عاطفة كراهة١.
فالعواطف السارة مثل: المحبة والحنو، والاشفاق، والرحمة، والرجاء، ونحوها.
والعواطف غير السارة مثل: الكراهية، والابتئاس، والقنوط ونحوها.
والعواطف من أعمال القلوب، وتكون مستقرة أو سائدة.
فالعاطفة المستقرة هي:"استعداد وجداني مكتسب يجعل صاحبه
_________________
(١) ١ انظر: معجم المصطلحات النفسية والتربوية، إعداد د. محمد مصطفى زيدان ص١٨٨، دار الشروق، جدة ط الثانية ١٤٠٤هـ. وانظر: علم النفس المعاصر ص١٦٧.
[ ١ / ٣٠٢ ]
قابلًا للانفعال، ولاتخاذ سلوك معين كلما اتصل بالموضوع أو الشخص الذي ركز حوله هذه العاطفة"١.
وعرفها بعضهم بأنها: "صفة نفسية ثابتة مكتسبة لها أثر كبير في تكوين الشخصية"٢.
ويراد بوصفها بالثبات: تمييزًا لها عن الانفعالات الطارئة -كالغضب والفزع- فإنها توجد مع وجود المهيج، وتزول بزواله، أما العاطفة فهي شعور معين يقوم بالنفس نحو شخص معين أو أرض أو فكرة معينة وتكون ثابتة نسبيًا.
والمراد بوصفها مكتسبة: أي أنها وإن كنت تَمُت بالأصل إلى دوافع فطرية٣، إلا أنها تتأثر بالعوامل الاجتماعية، فتنمو وتقوى تحت تأثر التفكر والتأمل، والتجارب الانفعالية وتكرارها وتتوجه نحو موضوع
_________________
(١) ١ بحوث في علم النفس، د. فائز محمد على الحاج ١/١٥٨، المكتب الإسلامي، ط ٤، ١٤٠٢هـ. ٢ معجم المصطلحات النفسية والتربوية ص١٨٨. ٣ الدوافع الفطرية المراد منها: الغرائز التي جُبل الإنسان عليها، كحب الأكل والجماع مثلًا، إلا أن الدافع الفطري يكون عامًا غير متوجه إلى معين، بخلاف العاطفة، فإنها تكون متوجهة إلى معين، فمثلًا: حب الأكل دافع فطري، ولكن حب التفاح يكون عاطفة، والميل إلى النساء دافع، ولكن توجهه إلى الزوجة المعينة يكون عاطفة.
[ ١ / ٣٠٣ ]
معين، أو شخص أو جهة معينة١.
ووصفها بأنَ لها تأثيرًا كبيرًا في تكوين الشخصية: أي أن العواطف لها تأثير على إرادات الإنسان، ونواياه الدائمة التي تأخذ شكل العادات أو العبادات المتكررة، ومواقفه الثابتة.
"فتقوم العواطف بتنظيم الحياة الانفعالية للفرد، وتنظيم السلوك والدوافع الفطرية، وتعدلها وتوجهها وجهة معينة، ونتيجة لذلك يكتسب المرء قسطًا وفيرًا من الثبات والاستقرار، مما يساعد على التنبؤ بسلوكه، ويرجع هذا إلى الاتجاه الثابت الذي تكونه العاطفة لدى الفرد تجاه موضوعات معينة أو أشخاص وأفكار " ٢.
وقد أشار ابن القيم ﵀ إلى العاطفة المستقرة بقوله: "حتى تصير الطاعات أو المعاصي هيئات راسخة، وصفات لازمة، وملكات ثابتة" ٣.
أما العاطفة السائدة: فهي عاطفة من عواطف الإنسان إلا أنها تزيد على غيرها من العواطف، وتستحكم حتى تسيطر على جميع عواطفه
_________________
(١) ١ انظر: بحوث في علم النفس العام ١/١٥٧، ١٥٨، وعلم النفس المعاصر ص١٦٦. ٢ علم النفس المعاصر ص١٦٨. ٣ الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، للإمام ابن قيم الجوزية ص٥٧، ٥٨ المطبعة السلفية، ط الأولى، ١٣٩٤هـ.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وتصبغها بصبغتها، وتعمل على توحيدها وتتحكم في تعلقاتها١.
وعرفها بعضهم بقوله: "هي الاستعدادات النفسية للتأثر والتفكير والانفعال بموضوع معين، يصبح محور الحياة، وتسخر الدوافع النفسية لإرواء هذه العاطفة بزيادة التضحية والانفعال، والعمل من هذا الموضوع في كل موقف من مواقف الحياة"٢.
وقد أشار ابن القيم -﵀- إلى هذه العاطفة بقوله: "إنما نعنى بالمحبة الخاصة، وهي التي تشغل قلب المحب، وفكره وذكره لمحبوبه" ٣.
وقال أيضًا: "وكذلك غمرات الحب، وهي ما يغطي قلب المحب فيغمره" ٤.
ومن أمثلة العاطفة السائدة: حب الله في قلب المؤمن، عاطفة سائدة توجه جميع عواطفه وانفعالاته وإراداته، فيحدد موقفه وسلوكه في مختلف نواحي الحياة، بناء عليه، وكذلك حب شهوة معينة كالمال أو النساء ونحوها، قد تكون سائدة في قلب الإنسان فتسير وظائف القلب الأخرى وتوجهها لوجهتها، كحب العجل الذي أشربته قلوب بعض بني إسرائيل،
_________________
(١) ١ انظر: علم النفس المعاصر ص١٧٠. ٢ بحوث في علم النفس العام ١/١٥٨. ٣ الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ١٧٨. ٤ روضة المحبين ونزهة المشتاقين للعلامة محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية ص٣٤ دار الباز للطباعة والنشر، مكة المكرمة، ط بدون ١٣٩٧هـ.
[ ١ / ٣٠٥ ]
ومن أمثلتها أيضًا الحقد، فقد يصبح في وقت من الأوقات عاطفة سائدة، كحقد ابن المقتول -مثلًا- على قاتل والده، قد يستغرق فكره وجهده، ويسخر جميع إمكانياته في طلب ثأره.
أما مكان العواطف، فقد وردت نصوص تدل على أن مقرها في القلب، من ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد:٢٧] .
وقال تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣] .
أي أشربوا حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم واستقر بها١.فهذه عاطفة سائدة حملتهم على عصيان التكليف الإلهي.
والخوف والوجل قد يكون عاطفة، وقد يكون انفعالًا، فباعتباره حالة مستقرة ملازمة للقلب، كالخوف من الله في قلوب المؤمنين فهو عاطفة، وباعتباره حالة مؤقتة كالفزع والخوف من مكروه طارئ فهو انفعال.
وقد ورد في القرآن ما يدل على أن الخوف يقوم بالقلب، من ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] .
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان لابن جرير ١/٤٤٢، ٤٢٣.
[ ١ / ٣٠٦ ]
وقال: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران:١٥١] .
ولكل عاطفة انفعال معين، إلا أنه انفعال هادئ مستقر لاستقرار العاطفة -كما تقدم-. هذا الانفعال ينشط القلب، ويحرك الإرادة إلى السعي لما يوافق العاطفة أي لإرواء العاطفة، وهذه الانفعالات المنبعثة من العواطف، ضرورية لحركة الإنسان ونشاطه، فلها تأثير كبير على سلوكه المعتاد بخلاف الانفعالات الحادة التي سيأتي الكلام عليها في المطلب التالي.
[ ١ / ٣٠٧ ]
المطلب الخامس: الانفعالات
الانفعالات منها ما يكون هادئًا ومنها ما يكون حادًا، وهي تغير وثورة داخلية طارئة، توجد لوجود مهيج ما، وتزول لزواله١.
والانفعالات كثيرة منها: الغضب، والخوف، والفرح، والحزن، والاندهاش التعجبي ونحوها.
فهي إذًا حالات اضطراب وتغير في الكائن الحي، استجابة لمؤثر معين تميز بمشاعر قوية، واندفاع نحو سلوك ذا شكل معين٢.
ويصاحب هذه الانفعالات، ثلاثة أنواع من التغيرات:
١- مشاعر داخلية وجدانية لا يدركها إلا الشخص نفسه، كشعور الغضبان بالضيق، وانتقاص الذات أو الإهانة.
٢- تغير في أجهزة الجسم الداخلية، كما يبدو على الغضبان من اضطراب في الجهاز التنفسي، وسرعة خفقان القلب، وازدياد إفرازات الغدد الصماء، وارتفاع ضغط الدم الخ.
_________________
(١) ١ علم النفس المعاصر ص١٥٨، ١٥٩. ٢ نفس المصدر ص١٥٤.
[ ١ / ٣٠٨ ]
٣- تغيرات جسمية خارجية، فالمغضب مثلًا يقطب جبينه، وتتقلص عضلات وجهه، وتظهر عليه حركات وإيماآت غير طبيعية١.
والانفعالات بحسب قوة هيجانها، ثلاثة أنواع:
١- انفعال خفيف يحمل النفس على طلب ما يلائمها، ويروي عواطفها المختلفة، أو ما تعتقد فيه النفع، كما يحملها على ترك المنافر، أو ما تعتقد فيه الضرر، وهذه انفعالات لازمة لقيام الإنسان بنشاطاته المعتادة، وتصاحب العواطف، كما تقدم في المطلب السابق.
٢- انفعال طارئ مصحوب بشيء من الهيجان، لكنه ليس بحاد، كما أنه يزيد عن الانفعال الخفيف الناتج عن العواطف، كما يتميز عنه بأنه طارئ وذاك مستقر.
وهذا الانفعال الطارئ الهادئ لازم للإنسان، ليتخذ موقفًا مناسبًا من الأحداث الطارئة، طلبًا أو هربًا أو غير ذلك٢، فالخوف من خطر داهم انفعال مهم للهرب منه أو مقاومته، ورؤية الوالد ولده مع قرناء السوء -مثلًاَ- يولد عنده انفعالًا يحمله على توجيه النصح والعمل على عزله عنهم وهكذا.
٣- الانفعالات الشديدة الهيجان وهي غالبًا غير بنّاءة، ولها أثر سيئ
_________________
(١) ١ نفس المصدر ص١٥٥ و١٥٦ مع التصرف. ٢ انظر: علم النفس المعاصر ص١٥٩، ١٦٣، ١٦٤.
[ ١ / ٣٠٩ ]
على السلوك خاصة إذا أخرجت الإنسان عن حدود النشاط المعتدل السوي، ويبدو الأثر السيئ لتلك الثورة العارمة على الوظائف العقلية، حيث يشل التفكير، ويشوه الإدراك، وتضعف الذاكرة، ويقل مستوى الذكاء وبالتالي يسوء فهم الفرد للموقف ويفتقد القدرة على حل المشكلات، وتصبح أحكامه فاسدة، حيث يعمى عن رؤية الكثير من الحقائق١.
وقد يدفعه إلى أعمال سيئة ضارة به وبغيره.
وقد وردت نصوص كثيرة تبين أنّ الانفعالات عمومًا محلها القلب، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] .
فذكر تعالى في هذه الآية انفعالين:
الأول: انفعال الانقباض والنفور الذي يقوم في قلوب المنكرين للبعث والمعاد من توحيد الله.
والثاني: انفعال الفرح والسرور والاستبشار، إذا أشيد بالآلهة التي يعبدونها من دون الله.
وقال تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النازعات:٨] .
_________________
(١) ١ انظر: المصدر السابق ص١٦٠، ١٦١.
[ ١ / ٣١٠ ]
واجفة: أي خائفة، وهو انفعال يحصل لها في ذلك اليوم، مما عاينته من عظيم الهول النازل١.
﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاء﴾ [التوبة: ١٤، ١٥] .
أي يشف صدور المؤمنين مما يجدونه من الموجدة والغيظ على الكافرين، بسبب ما كانوا ينالونه من الأذى على أيديهم، وغدرهم بهم ونقضهم لعهودهم، فهو انفعال طارئ، وُجِد مع وجود المهيج ويزول بالتشفي من العدو، وهو غير عاطفة الكراهة والبغضاء للكفار الملازمة لقلوب المؤمنين.
فدلت هذه الآيات على أن انفعال النفور والاشمئزاز، وانفعال الفرح والاستبشار، وانفعال الخوف والفزع، وانفعال الغيط والغضب، إنما تكون في القلوب، فدل ذلك على أن القلوب هي محل الانفعالات، والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان لابن جرير ١٠/٩١.
[ ١ / ٣١١ ]
المبحث الثاني: العلاقة بين الوظائف القلبية
تبين مما تقدم أنه يقوم بالقلب أهم الوظائف الإنسانية -المؤثرة في الهداية أو الضلال- وهي: التعقل والاعتقادات، والإرادات الموجهة، والعواطف والانفعالات.
وبينها ترابط وثيق، وتلازم دقيق، مع أن لكل منها دوره في التلقي من الحواس، أو التأثير في نشاط الإنسان.
ومعلوم أن سلوك الإنسان وعمله الظاهر يبدأ بالإرادة، ويشترط له القدرة وتهيؤ الأسباب، إلا أن الإرادة قبل أن تحدث وتتبلور تمر بمراحل، وتخضع لمؤثرات قلبية، حتى تخرج في صورتها النهائية قاصدة فعلًا معينًا، وهدفًا محددًا.
فالإرادة تتأثر بأربعة وظائف، هي:
الدوافع الفطرية، والعواطف، والعقائد، والانفعالات وكل منها له أثره في حصول إرادات الإنسان المختلفة، كما قد تشترك وظيفتان أو أكثر في حصول إرادة معينة.
والمقصود بيان أثر كل وظيفة منها على الإرادة من حيث وجودها أو توجيهها، ثم بيان أثر هذه الوظائف في بعضها البعض، ليسهل بعد ذلك -بعون الله تعالى- بيان أثر الإيمان في تكون هذه الوظائف وتوجيهها
[ ١ / ٣١٣ ]
الوجهة السليمة الصالحة، وتحصن القلب به وبآثاره من الأفكار الهدامة، وما يتفرع منها.
فالدوافع الفطرية هي: استعدادات يولد الفرد مزودًا بها، وهي حاجات تتصل بأعضاء الجسم الداخلية، كالجوع والعطش، والإخراج والتعب، والحاجة الجنسية١.
فيقوم بالقلب إرادة مع كل دافع من هذه الدوافع.
أما العواطف فهي انفعالات قلبية ثابتة مكتسبة كما تقدم نحو أمر معين، تدفع القلب إلى إرادة سلوك معين نحو من توجهت له العاطفة إما سلبًا أو إيجابًا.
فالعواطف هي هوى القلب ورغباته.
فعاطفة الحب تدفع إلى الاتصال بالمحبوب، والتعلق به، وفعل ما يرضيه.
وعاطفة الكراهية تدفع القلب إلى النفور من المكروه، والتخلص منه، وفعل كل ما يبعد عنه.
أما العقائد فلها تأثير عظيم على الإرادة، حتى أن البعض فسر الإرادة بالميل الناتج عن عقيدة، فقال:
_________________
(١) ١ الإنسان في الإسلام والإنسان المعاصر، عبد الغني عبود ص٤٨، ٤٩ دار الفكر العربي، ط الأولى ١٩٧٨م.
[ ١ / ٣١٤ ]
"هي ميل يتبع اعتقاد النفع أو ظنه، فإنّا نجد من أنفسنا بعد اعتقاد أن الفعل الفلاني فيه جلب نفع أو دفع ضر، ميلًا إليه مترتب على ذلك الاعتقاد، وهذا الميل مغاير للعلم بالنفع ودفع الضرر ضرورة " ١.
وهذا التعريف لا يصلح تعريفًا للإرادة البشرية مطلقًا، وذلك أن الإرادة قد تكون منبعثة من الاعتقادات، أو من العواطف والهوى، أو من الانفعال، وعليه فهو تعريف لنوع من الإرادات.
كما أني أرى أنه يصلح لتعريف إرادة نوع من الناس، وهم المؤمنون كاملو الإيمان، الذي اتفقت عواطفهم وانفعالاتهم مع عقائدهم.
أما الانفعالات فأثرها على الإرادة واضح، وذلك أن الانفعال تهيؤ في النفس يدفع إلى سلوك معين يتناسب مع مهيجات الانفعال.
فالانفعال الذي يقوم بالقلب -مثلًا- عند رؤية من يفعل المنكر أو الضار، أو من يترك المعروف أو النافع، يوجه الإرادة نحو سلوك مناسب تقتضيه طبيعة الإصلاح.
ورؤية الأسد -مثلًا ينتج عنها انفعال خوف يتولد عنه إرادة الهروب، ورؤية المنقطع قافلة مارة ينتج عنها انفعال فرح واستبشار يتولد عنه إرادة طلبها واللحاق بها.
_________________
(١) ١ كشاف اصطلاحات الفنون، المولوي محمد علي التهانوي ١/٥٥٣، دار قهرمان للنشر والتوزيع، استانبول ط:٢، ١٤٠٤هـ.
[ ١ / ٣١٥ ]
والانفعال الحاد الشديد ينتج عنه -في الغالب- إرادة فعل سيئ ضار. فالذي يغضب غضبًا شديدًا قد تتوجه إرادته إلى قتل نفسه، أو أحد أقاربه، أو الذي أغضبه، كما قد يطلق زوجته، أو يتلفظ بأقوال تعود عليه بالشر في دينه أو دنياه.
وكما أن الوظائف القلبية تؤثر في الإرادة، فإنها أيضًا يؤثر بعضها في بعض، فتوجه بعض الوظائف وظائف أخرى إلى وجهات تتفق معها.
وحال القلب في النهاية من حيث الصلاح أو ضده، متوقف على صلاح تلك الوظائف أو فسادها.
وذلك أن وظائف القلب خلقت متقلبة غير مجبرة على حال واحدة، بل هي قابلة للتوجه مع ما يتناسب مع الموجهات الواردة لها والمؤثرة فيها.
فإذا كانت تلك الموجهات صحيحة، وتجاوب القلب معها صلحت وظائفه وإراداته، فأصبح صالحًا، وإذا صلح صلح سائر عمله وأحواله، وإذا كانت الموجهات فاسدة، وتأثرت الوظائف القلبية بها وتغذت منها، فسد القلب، ففسد سلوك الإنسان وأحواله.
فالعلوم الواردة إلى القلب، أو جملة المشاهدات والمسموعات التي ينقلها السمع والبصر، هي السبب الأهم الذي جعله الله لتغذية وتوجيه وظائف القلب المختلفة.
والجسر الذي ينقلها إلى القلب هي وظيفة التعقل.
فالتعقل -الذي هو إعمال الفكر بما يورده السمع والبصر- تنتج
[ ١ / ٣١٦ ]
عنه العلوم والحكم والمعارف، وهذه إذا صدقها القلب وركن إليها أصبحت عقائد يتولد عنها عواطف.
فمثلًا: يعمل الإنسان فكره في تفهم كلام الله ﷿، فيفيده ذلك علمًا بأن الله لا إله إلا هو، فإذا صدق القلب بذلك وركن إليه أصبح عقيدة، يتولد منها عاطفه هي حب الله، ويتولد من ذلك كله إرادة التقرب إلى الله بطاعته.
فيكون الفكر والتعقل وما ينتج عنه من العلوم هو الخطوة الأولى والأساس لما يقوم بالقلب من التصورات والعقائد، والعواطف، والإرادات، والانفعالات، وما يكون في القلب هو الأساس لما يقوم بالجوارح من الأعمال الاختيارية.
قال ابن القيم ﵀ مشيرًا إلى تأثير الوظائف القلبية بعضها في بعض: "مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري، هو الخواطر والأفكار، فإنها توجب التصورات، والتصورات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوع الفعل وكثرة تكراره تعطي العادة، فصلاح هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار، وفسادها بفسادها"١.
وقال أيضًا ﵀: "أصل الخير والشر من قبل التفكر، فإن الفكر
_________________
(١) ١ كتاب الفوائد لابن القيم ص٢٢٥.
[ ١ / ٣١٧ ]
مبدأ الإرادة والطلب في الزهد، والترك والحب والبغض" ١.
ويستخلص من ذلك:
إن العلوم الواردة من التفكر هي البانية للعقائد والتصورات، وبما يتفق معها تكون العواطف من المحبوبات والمكروهات. وإن العقائد والعواطف هي الموجهة للإرادات.
فالأصل أن الإنسان يحب ما يعتقد فيه النفع، ويكره ما فيه الضرر.
لكن قد يقترن بالنافع مكروه كالمشقة أو توقع الأذى، فيكره النافع لكراهية ما اقترن به، أو تتخلف الإرادة عنه، وكذلك قد يقترن بالضار محبوب، كراحة أو لذة، فيحبه وتتعلق إرادته به.
وقد بين الله هذا المعنى بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ البقرة:٢١٦] .
وقال ﷺ: " حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات " ٢.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص٢٥٥. ٢ رواه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيم أهلها، ح٢٨٢٣ ٤/٢١٧٤، ورواه البخاري بلفظ: "حجبت" كتاب الرقاق، باب حجب النار بالشهوات ح٦٤٨٧ الصحيح مع الفتح ١١/٣٢٠.
[ ١ / ٣١٨ ]
وكما أن العقائد مؤثرة في الإرادة فهي أيضًا موجهة للانفعال، فالمؤمن -مثلًا- ينفعل منكرًا محذرًا إذا رأى من يخالف ما يعتقده معروفًا، أو رأى من يفعل ما يعتقد أنه منكر.
وكذلك العواطف موجهة للانفعال، فينفعل الإنسان مع من يحب شوقًا ومودة، كما ينفعل غضبًا له إذا اعتدى عليه أو على حق من حقوقه.
كما أن الانفعال تختلف صفته بحسب العقيدة والعاطفة، فإذا نال الولد -مثلًا- مكروهًا من والده الذي يحبه ويحسن الظن به، ويعتقد أنه لا يريد به إلا الخير، كان انفعاله مختلفًا عن لو أصابه ذلك المكروه من شخص آخر لا يشعر نحوه بتلك العاطفة، ولا يعتقد فيه ذلك الاعتقاد.
وبهذا يتبين أثر العلم في تكون وتوجه العقائد والعواطف، وأثر العواطف والعقائد على الإرادات والانفعالات.
ومما يحسن التنبيه عليه أن العكس صحيح، أي أن العواطف والعقائد إذا استحكمت كان لها تأثير عظيم في توجيه الفكر والتعقل.
فالعقائد الباطلة إذا استحكمت في قلوب معتنقيها وألفوها صدفتهم عن تفهم ما يخالفها عمومًا، وعن الحق خصوصًا، ولو فهموه وعرفوه أعرضوا عنه ولم يقبلوه.
وهذه خاصية نفسية للعقائد والعواطف الباطلة المستحكمة تشل القلب والفكر، فالباطل عقيم يميت القلب.
[ ١ / ٣١٩ ]
أما عقائد الحق وما يتبعها من عواطف طيبة، فإنها تحيي القلب وتخصبه وتكسبه ملكة وخاصية نفسية أخرى، وهي محبة الخير والبحث عنه وتقبله، كما أنها تحصنه من الباطل وتنفره منه.
وقد بين الله أثر العقائد والعواطف الباطلة في صرف أهلها عن العلم بالحق والعمل به، فقال: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ الجاثية:٧-٩] .
فبين تعالى أن هذا الأفاك الأثيم لا ينتفع بسماع آيات الله البينات، بل يصر على باطله، ويستكبر عن تفهم الحق والانقياد له، ولا يبالي به كحال الذي لا يسمع١.
وقد بين سبحانه -في موضع آخر- سبب هذا الموقف، وأنه استحكام العقائد الفاسدة، والأعمال السيئة في قلبه، حتى غطته وحجبته عن معرفة الحق والانقياد له، فقال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ المطففين: ١٣، ١٤] .
_________________
(١) ١ انظر: التفسير الكبير للرازي ٢٧/٢٦٠، ٢٦١ بتصرف.
[ ١ / ٣٢٠ ]
فبين تعالى أن ما كسبوه من العقائد الباطلة، والأفعال القبيحة ومداومتهم عليها، قد رانت على قلوبهم، أي رسخت فيها وغطتها حتى حجبت عنها الحق، وحالت بينها وبين رؤيته١.
ومن أمثلة ذلك ما قصه الله من حال بني إسرائيل الذي استحكمت فيهم عقيدة ألوهية العجل، ومحبتهم له فصرفتهم عن تدبر الحق والعمل به: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩٣] .
ومن آفات قلوبهم أيضًا الحسد، وهو عاطفة سائدة، تسيطر على القلب والعمل، فقال تعالى مبينًا اتصافهم به: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ البقرة: ١٠٩] .
من ذلك استحكام الوثنية في قلوب المشركين من كفار العرب، وتقليدهم لآبائهم فيها حملهم على عدم الرضوخ للحق علمًا وعملًا:
_________________
(١) ١ انظر التفسبر الكبير للرازي ٣١/٩٤ بتصرف.
[ ١ / ٣٢١ ]
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠] .
فكل ذلك يجمعه تكون العواطف -كحب الآلهة، أو حب الآباء، والإعجاب بهم، أو حب العادة والإلف- من العقائد، وقوة تلك العواطف بكثرة الاكتساب، حتى تصبح عواطف راسخة متمكنة من القلوب.
ومن العواطف السائدة التي تحجب القلوب عن العلم: الهوى. قال الله ﵎: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣] .
فبين الله تعالى في هذه الآية حال فريق من الناس، وما فعله بهم جزاء لتلك الحال:
بين حالهم بقوله: ﴿اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ أي سيطر عليه الهوى حتى صار معبودًا له.
"فيعبد ما هوي من شيء دون الإله الحق الذي له الألوهية من كل شيء" ١.
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ٢٥/١٥٠.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وبين عقابه لهم على ذلك بقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾ .
"أي خذله عن محجة الطريق، وسبيل الرشاد في سابق علمه، علم منه بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية" ١.
وعاقبهم أيضًا بأن منعهم من الانتفاع بموارد العلم التي هي السمع والبصر والقلب.
فدل على أن استحكام الهوى وهي العواطف الفاسدة
سبب الضلال ومانع من التعقل، والمعرفة السليمة.
وبهذا يتبين المقصود، وهو تأثير العواطف والعقائد على التعقل وتحصيل العلوم.
وخلاصة ما تقدم: أن العلم الوارد إلى القلب، هو الموجه الأول والمؤثر الأساس الباني -بإذن الله- للعقائد والعواطف، وللعقائد تأثير على العواطف، ولهما تأثير على الانفعالات.
كما تبين الأثر العكسي وهو تأثير العواطف والعقائد المستحكمة على التعقل واكتساب العلوم، والله أعلم.
وإذا تبين ذلك فإن الغرض هو معرفة أثر الإيمان على هذه الوظائف القلبية، وبحيث يقطع الصلة بينها وبين الأفكار المخالفة الضالة، وذلك ما سيجري الكلام عليه في الفصل الثاني والثالث، من هذا الباب -إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٢٥/١٥٠.
[ ١ / ٣٢٣ ]
المبحث الثالث: أحوال القلوب
إن الكلام على تأثير الإيمان في مجال تحصينه من الأفكار الهدامة، يتطلب معرفة أحوال القلوب، وذلك لكي يتبين أي القلوب التي يجري البحث في أثر الإيمان في تحصينها.
فالقلوب عامة لا تخلو من ثلاث حالات، فإما أن يكون القلب حيًا صحيحًا، وإما أن يكون مريضًا، وإما أن يكون ميتًا، وهذه الأحوال قد يمر بها قلب واحد، فيتقلب من حال إلى حال، وقد تلازم حال منها بعض القلوب دائمًا.
والكلام على أحوال القلوب وأنواعها قد ورد بيانه في الوحي المطهر، ولذا سوف يكون الكلام في هذا المبحث من خلال استعراض بعض النصوص التي تكلمت عن القلوب.
فالحال الأولى: هي حال القلب السليم.
قال -﵎- عن خليله إبراهيم ﵇ أنه قال في دعائه: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧، ٨٩]، وقال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ الصافات:٨٣، ٨٤] .
[ ١ / ٣٢٥ ]
والقلب السليم هو الذي عمر بالعلم والإيمان، والعقائد والعواطف المستمدة منها، وسلم من ضد ذلك.
قال ابن القيم ﵀: "وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم، والأمر الجامع لذلك: إنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة ومحبة وتوكلًا، وإنابة وإخباتًا وخشية، وخلص عمله لله، فإن أحب، أحب في الله، وإن أبغض، أبغض في الله، وإن أعطى، أعطى لله، وإن منع، منع لله، ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسوله ﷺ فيعتقد قلبه معه عقدًا محكمًا على الائتمام والاقتداء به وحده، دون كل أحد " ١.
والقلب السليم هو الذي لا يشوب اعتقاده شيء من رجس الشرك أو الشك، ولا تميل عواطفه إلى محبة غير الله، أو محبة ما يمقته ولا تتوجه إراداته إلى الأعمال القبيحة، فهو طاهر من الشبهات الموجبة للشك في العلم والاعتقاد، ومن الشهوات الموجبة للميل إلى الفواحش والقبائح.
ومن أوصافه أنه منيب، قال تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان لابن القيم ١/١٢، تحقيق: محمد عفيفي.
[ ١ / ٣٢٦ ]
بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣٣] .
والقلب المنيب هو التائب من ذنوبه، الراجع مما يكرهه الله إلى ما يرضيه١.
ومن أوصافه أنه مطمئن.
قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] .
وقال: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] .
فالقلب المطمئن هو الذي انشرح للإيمان، وركن إليه، وارتاح واستأنس به، قد أدرك من الأدلة المشاهدة والمتلوة -على ما يتطلب الإيمانُ التصديقَ به- ما أكسبه اليقين، وهو الذي يأنس ويرتاح لذكر الله.
ومن أوصافه أنه طاهر.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] ومن أوصافه أنه قلب لين.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣] .
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان لابن جرير ٢٦/١٧٣.
[ ١ / ٣٢٧ ]
ولين القلوب ضد قساوتها الذي وصفت به قلوب الكفار، فالقلب اللين هو الذي ينتفع بالذكر والمواعظ، فيرق للحق ويقبله ويذعن له، وينقاد.
الحالة الثانية: القلب الميت:
وهو القلب الخالي من الإيمان، قد أقفر من الخير، وأصيح مرتعًا للشر.
قال ابن القيم ﵀: "وهو القلب الميت الذي لا حياة به، فهو لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه، بل هو واقف مع شهواته ولذاذاته، ولو كان فيها سخط ربه وغضبه " ١.
ومن صفاته أنه قد غلفه الران فخُتم وطُبع عليه، فهو مقفل عن كل خير أعمى لا يبصر الهدى.
قال تعالى: ﴿كَلاَّبَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] .
وقال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٧] .
وقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:١٠١] .
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان لابن القيم ١/١٣.
[ ١ / ٣٢٨ ]
وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٣] .
وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] .
قال مجاهد ﵀: "الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الأقفال، والأقفال أشد ذلك كله"١.
وقال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ الآية: "يقول تعالى ذكره: إذا قرئ عليه حججنا وأدلتنا التي بيناها في كتابنا الذي أنزلناه إلى محمد ﷺ قال أساطير الأولين يقول هذا ما سطره الأولون من الأحاديث والأخبار.
وقوله: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ يقول تعالى ذكره مكذبًا لهم قولهم ذلك: كلا، ما ذلك كذلك، ولكنه ران على قلوبهم، يقول غلب على قلوبهم وغمرها، وأحاطت بها الذنوب فغطتها" ٢.
ومعنى ذلك -والله أعلم- أن إصرارهم على الكفر والمعاصي سبّب لهم إلفها واستحكام معتقداتهم الباطلة وعواطفهم المائلة، فإنّ العواطف تقوى مع تكرار الممارسة، فتصبح عواطف مستحكمة، والعواطف
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ١/١١٢ ط ٣. ٢ المصدر السابق ٣٠/٩٧.
[ ١ / ٣٢٩ ]
المستحكمة تستولي على القلب، وتغمره وتسيطر عليه، وتتحكم في تعقله وإراداته وانفعالاته، فلا ينبعث بشيء من ذلك إلا لما يلائمها، واستحكام العقائد الفاسدة هو عمي القلب.
قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] .
وقال ابن جرير ﵀ مبينًا العلاقة بين الران وبين الطبع والختم: "والحق في ذلك ما صح بنظيره الخبر عن رسول الله ﷺ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت له نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زادت حتى يغلف قلبه، فذلك الران الذي قال جل ثناؤه: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ "١، فأخبر ﷺ أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلفتها، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله ﷿ والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر منها مخلص، فذلك هو الطبع والختم الذي ذكره الله ﵎ لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه
_________________
(١) ١ رواه أحمد، المسند ٢/٢٩٧، والترمذي وقال:" حديث حسن صحيح"، تحفة الأحوذي ٩/٢٥٤، والحاكم وقال:" صحيح على شرط مسلم" المستدرك ٢/٥١٧، ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٣٣٠ ]
ختم على قلوبهم، إلا بعد فضه خاتمه وحله رباطه عنها" ١.
وقلب كهذا عليه أقفال كثيرة تحول بينه وبين تدبر كلام الله، فالعقائد والعواطف المستحكمة أقفال، والران الحاجب للبصيرة قفل، والختم والطبع الذي عاقب الله ذلك القلب به لِمَا قام به من السوء قفل. قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] .
قال ابن كثير ﵀: "أي بل على قلوب أقفالها، فهي مطبقة لا يخلص إليها شيء من معانيه"٢.
ومن أوصاف القلب الميت أنه لاه غافل، قد أشرب حب اللهو فاشتغل به.
قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ* مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ* لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء:١-٣] .
وقال: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨] .
_________________
(١) ١ جامع البيان ٣/١١٢، ١١٣. ٢ تفسير القرآن العظيم ٦/٣٠٢.
[ ١ / ٣٣١ ]
قال ابن جرير ﵀: "يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ: ولا تطع يا محمد من شغلنا قلبه من الكفار ، بالكفر وغلبة الشقاء، واتبع هواه، وترك اتباع أمر الله ونهيه، وآثر هوى نفسه على طاعة ربه" ١.
ومن أوصافه أنه قاسٍ:
قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢] .
والقسوة هي غلظ القلب وجفافه، وأصله من حجر قاس٢.
قال الشوكاني ﵀: "والقسوة: الصلابة واليبس، وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله " ٣.
فالمادة القاسية مثل للقلب القاسي، والأشياء القاسية تنقسم إلى قسمين: قسم صلب لا يحتوي على الماء، ولا يلين بنزول الماء عليه كالحجارة، وقسم لا يحتوي على الماء حال شدته ويبوسته، لكن يؤثر عليه الماء فيلينه، كالطين اليابس.
وكذلك القلوب، منها قلوب قاسية كالحجارة، لا يوجد فيها إيمان ولا تنتفع بالذكر والمواعظ والآيات فتلين، وهذه قلوب نوع من الكفار،
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ١٥/٢٣٦. ٢ انظر المفردات للراغب الأصفهاني ص٤٠٤، وجامع البيان ٢٣/٢٠٩. ٣ فتح القدير ١/١٠٠.
[ ١ / ٣٣٢ ]
أشار الله إلى هذا النوع بقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤] .
وحيث إنّ الحجارة لا تحتوي على الماء، ولا يلينها الماء إذا نزل عليها، ولكن قد يوجد فيها فجوات يستقر فيها فيخرج من الشقوق التي في الصخور، أو يجري على شكل أنهار فينتفع منه الناس، إلا أن هذه الصفة النافعة الموجودة في الحجارة ليست عندهم، فهم ليسوا بمهتدين، ولا يذعنون للهدى، وليس عندهم خير ينتفع منه الناس. كما أن الحجارة أفضل منهم من وجه آخر، حيث إنها تخشع وتسقط من خشية الله. كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّه﴾ [الحشر:٢١] .
بين الله هذه الفروق التي تدل على أن قساوة قلوب هؤلاء أشد من الحجارة بقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٧٤] .
ومن القلوب قلوب قاسية، لكنها تنتفع بالعلم والخير والمواعظ إذا
[ ١ / ٣٣٣ ]
جاءتها، كما يلين الماء الطين اليابس فتزول شدته، ويمكن الانتفاع به، وهذه قلوب المؤمنين الذين تقسو قلوبهم أحيانًا بالغفلة والمعاصي.
والحال الثالثة: هي حال القلب المريض.
قال ابن القيم ﵀ في وصف هذا القلب: "قلب له حياة وبه علة، فله مادتان، تمده هذه مرة، وهذه أخرى، وهو لما غلب عليه منهما، ففيه محبة الله تعالى والإيمان به والإخلاص له، والتوكل عليه ما هو مادة حياته، وفيه من محبة الشهوات وإيثارها والحرص على تحصيلها والحسد والكبر والعجب، وحب العلو والفساد في الأرض بالرياسة، ما هو مادة هلاكه وعطبه، وهو ممتحن بين داعيين: داع يدعوه إلى الله ورسوله والدار الآخرة، وداع يدعوه إلى العاجلة، وهو إنما يجيب أقربهما منه بابًا، وأدانهما إليه جوارًا. فالقلب الأول، حي مخبت لين واع، والثاني يابس ميت، والثالث مريض، فإما إلى السلامة أدنى، وإما إلى العطب أدنى.
وقد جمع الله سبحانه بين هذه القلوب الثلاثة في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ وَلِيَعْلَمَ الَّذِين
[ ١ / ٣٣٤ ]
أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٢-٥٤] .
فجعل ﷾ القلوب في هذه الآية ثلاثة: قلبين مفتونين، وقلبًا ناجيًا، فالمفتونان: القلب الذي فيه مرض، والقلب القاسي.
والناجي: القلب المؤمن المخبت إلى ربه، وهو المطمئن إليه الخاضع له، المستسلم المنقاد"١.
وأمراض القلوب نوعان:
مرض شك وريب، يصيب المعتقدات، ويتولد من الخوض في الشبهات، ومنه يكون الكفر والنفاق.
ومرض الشهوات، يصيب العواطف والرغبات، ومنه تكون المعاصي وبعض البدع.
وقد أشار الله تعالى إلى أن هذين الأمرين هما أساس فساد الدين بقوله: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ
_________________
(١) ١ إغاثة للهفان لابن القيم ١/١٤.
[ ١ / ٣٣٥ ]
الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة:٦٩] .
قال ابن تيمية ﵀: "وجمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق، وبين الخوض: لأن فساد الدين إما أن يقع بالاعتقاد الباطل والتكلم به، أو يقع في العمل بخلاف الاعتقاد الحق
والأول: من جهة الشبهات. والثاني: من جهة الشهوات"١.
فبين ﵀ إنّ الفساد في القول والعمل أصله شبهة، أو شهوة قائمة في القلب.
وقد ذكر الله نوعي مرض القلب في كثير من الآيات:
فقال في مرض الشك والريب: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠] .
وقال: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [المدثر: ٣١] فهذا مرض النفاق٢.ومن صفات هذا القلب المريض بمرض النفاق أنه زائغ.
_________________
(١) ١ اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة اصحاب الجحيم تحقيق د. ناصر العقل ١/١٠٢، ١٠٣. ٢ انظر: جامع البيان لابن جرير ٢٩/٣.
[ ١ / ٣٣٦ ]
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] .
أي: لما عدلوا وجاروا عن قصد السبيل أزاغ الله قلوبهم فأمالها عنه١، عقوبة منه بهم موافقة لفعلهم.
فالقلب الزائغ هو الذي عرف الحق، ثم مال عنه بسبب الشهوات، كحال أهل الأهواء والبدع، لذلك شرع الله للمهتدين سؤال التثبيت بقوله: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] .
ومن صفاته أنه مرتاب.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة ٤٥] .
فالريب والشك الحاصل في هذا القلب بسبب الجهل والخوض في الشبهات، هو الداء الحقيقي الذي ترتب عليه الزيغ والنفاق، والسلوك السيئ.
والنوع الثاني من أمراض القلوب: هو مرض الشهوة.
قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] .
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان ٢٨/٨٦.
[ ١ / ٣٣٧ ]
والمراد والله أعلم، مرض شهوة الزنَى١.
والقلب المريض هو الذي تمكن حب الشهوة المنحرفة في عواطفه، فينبعث عند ورود دوافعها، فهو مريض يصيب العواطف، كما أنّ مرض الشك والريب يكون في العقائد.
ومن الأمراض التي تصيب العواطف: عاطفة حب المال، الباعث على الحرص عليه، والتعلق به، وحب الرئاسة الباعثة على إرادة العلو والاستكبار، والكبر والعجب، وهي ترجع إلى عاطفة حب الذات.
ويشتد خطر هذه الأمراض عندما يتمكن حب شيء من ذلك في القلب، حتى يصبح عاطفة سائدة ولا يكون متوجهًا إلى الله، فإنه والحالة هذه يكون شركًا، وذلك أن القلب لا ينبعث لشيء إلا وفق هذه العاطفة المستحكمة، وبذلك يكون هوى القلب وميله موافقًا لها، فيسري أثرها على كافة وظائف القلب، وهذا داء خطير يميت القلب.
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية:٢٣] .
والقلب المريض بشبهة أو شهوة محرمة فيه من صفات القلب الميت بحسب ما فيه من المرض، ففيه من الران والقلق والقسوة والغفلة واللهو ما
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان ٢٢/٣.
[ ١ / ٣٣٨ ]
يتناسب مع قوة المرض، إلا أنه لم يصل إلى درجة الختم والقفل والطبع، فهو قلب مريض ينفع فيه العلاج بإذن الله، كما أنه في طريقه إلى الموت إن أهمل علاجه، واستمر به داؤه.
مما تقدم تبين أن للقلوب على وجه الإجمال، ثلاث حالات:
القلب السليم وهو الذي عمر بالعلم النافع والمعتقد الصحيح، والإيمان الخالص، والعواطف السليمة، فهو طاهر بذلك سالم من ضده، مطمئن للحق راكن إليه، لين ينتفع بالذكر المواعظ ويتفاعل معها.
وقلب ميت خراب من الإيمان والخير، عقائده باطلة، وظنونه سيئة وعواطفه مائلة، قد استحكم عليه الران فغطّاه، فهو أعمى عن الهدى، غافل عما فيه سعادته وهداه، مشتغل فيما يهواه، قلب غليظ قاس لا يلين للمواعظ والذكر فينتفع بها.
وقلب مريض فيه إيمان وبه داء من جهة الشبهات أو الشهوات أو منهما معًا، ففيه من الشك والريب والزيغ، أو الغفلة والقسوة والران والقلق بقدر تلك الشبهات أو الشهوات الناخرة فيه، فهو قابل للسلامة إن تعاهده صاحبه بالعلاج بإذن الله، وإلا فهو في طريقه إلى الهلاك، أعاذنا الله من ذلك.
والقلب الذي يجري البحث في أثر الإيمان في تحصينه ضد الأفكار الهدامة، هو القلب السليم الذي عمر بالإيمان، ويخشى عليه من تسلل الشبهات أو الشهوات إليه، فجعل الله الإيمان سببًا في تحصينه، ودفع تلك
[ ١ / ٣٣٩ ]
الأخطار عنه، كما سيأتي إن شاء الله.
أما القلب المريض فليس البحث في تحصينه، حيث إنه قد دخل بعض الداء فيه، وإنما للإيمان أثر عظيم في شفائه وتطهيره إذا سلك صاحبه أسباب ذلك.
أما القلب الميت فإن كان لم يختم عليه، فحياته بالإيمان ممكنة.
قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] .
وأما إن كان قد ختم وطبع عليه فلا سبيل للإيمان إليه، وذلك أن الله لا يختم على قلب إلا عن علم بأنه لن يؤمن أبدًا، وأنه سيلازم الغي والضلال، ولو رأى كل آية، بل وعلم الله أنه من الذين لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، بين ذلك سبحانه، وأنه الختم عن علم بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣] .
[ ١ / ٣٤٠ ]
المبحث الرابع: أثر الإيمان في القلوب دائر بين التطهير والتزكية
الهداية إلى صراط الله المستقيم تتم بإرادته وخلقه سبحانه، فحياة القلب تبدأ بفعل يفعله الله به، وبين ذلك سبحانه بقوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
فبين سبحانه أنه من أراد هدايته فإنه يقذف نور الإيمان في قلبه، فينشرح له القلب بالقبول والإذعان١.
وفعل الله هذا جار على مقتضى علمه وحكمته سبحانه، فهو يعلم ما العباد عاملون، وإلى أي حال صائرون، كما اقتضت حكمته أنْ يجازي كلا منهم بما يتناسب مع عمله، وما جاء به من السبب، فمن اهتدى وسلك أسباب الهداية هداه.
كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان لابن جرير ٨/٢٦، ٢٧، وتفسير القرآن العظيم ط الشعب ٣/٣٢٦، ٣٢٧.
[ ١ / ٣٤١ ]
الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] .
ومن ضل وسلك أسباب الغواية أضله الله وأرداه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥] . ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِم﴾ [النساء:١٥٥] .
وعلى هذا فإن الله بين أنه يشرح صدر من أراد هدايته وبين في مواضع أخرى من هو الذي اقتضت حكمته أن يُهْدى، وأنه الذي أناب إلى ربه، وانتفع بما أعطاه الله من العقل، وما جاءه من العلم وركب فيه من القوى، وهُيّأ له من الأسباب في معرفة الحق ومحبته وطلبه، فمن جاء بذلك هداه الله، وشرح صدره للإسلام.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد:٢٧] .
وقال: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣] .
فقد بين سبحانه في هاتين الآيتين أنه يهدي من اتصف بالإنابة، والإنابة صفة يوصف بها من أقبل على الحق ورجع عن الباطل.
وقد حصر ابن جرير ﵀ ما ورد في تعريف الإنابة في: الرجوع والإقبال١.
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان ١٢/٨٠، ١٠٣ و٢٥/١٦.
[ ١ / ٣٤٢ ]
فمن كان بهذه الصفة مقبلًا على الحق إذا تبين له، راجعًا تائبًا عن ضده من الباطل، فإن الله يهديه حيث اقتضت حكمته أن يهدي من طلب الهداية وسعى لها.
أما الذي ليس له همة في معرفة الحق، أو عرفه ولم يقم به شوق ولا طلب له، ولم يرفع به رأسًا، فهبة الله أغلى من أن تعطى لمن لا يقدرها، ولم ينبعث لطلبها.
ونور الهداية الذي يقذفه الله في قلب المؤمن يحدث أثراُ عظيمًا على وظائف القلب، أهمها توجيه وظيفة التعقل الوجهة الصحيحة، حيث يركن إلى الوحي وحده، يستقي منه العقائد والشرائع، فلا يزال القلب يتعقل المعارف والحكم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فتبنى عقائده على أساس ثابت، وتُغذى عواطفه بمعين الخير الصافي، ويخرج ما يضاد ذلك من ظلمات الجاهلية، ويزداد ذلك بازدياد العلم الوارد إلى القلب، فلا يزال الخير إليه واصل، والشر منه نازل، حتى يصلح القلب ويستنير، فتنبعث الجوارح بالعبودية لله عن علم به وبحقه سبحانه.
فالقلب الذي رسخت عقائده بالدلائل البينات، وتوجهت عواطفه إلى الله بالحب والرغبات ميلًا إليه، وإعراضًا عمن سواه، وأصبحت إراداته وانفعالاته طوعًا لمراد الله وشرعه، هذا القلب هو المحصن بإذن الله من الشبهات التي يزخرفها شياطين الإنس والجن أو الشهوات التي يزينونها.
وحصانة القلب وعمرانه بالخير لا بد لها من أن يكون طاهرًا زكيًا،
[ ١ / ٣٤٣ ]
فصلاح القلب قائم على التطهير والتزكية.
قال ابن القيم ﵀: "والمقصود: أن زكاة القلب موقوفة على طهارته، كما أن زكاة البدن موقوفة على استفراغه من أخلاطه الرديئة الفاسدة" ١.
وقال أيضًا:" فكذلك القلب إذا تخلص من الذنوب بالتوبة، فقد استفرغ من تخليطه، فتخلصت قوة القلب وإرادته للخير، فاستراح من تلك الجواذب الفاسدة، والمواد الردية، فزكا ونما وقوي واشتد، وجلس على سرير ملكه، ونفذ حكمه في رعيته، فسمعت له وأطاعت، فلا سبيل إلى زكاته إلا بعد طهارته " ٢.
فأثر الإيمان على القلوب دائربين تطهيرها وتزكيتها، وكلا هذين الأمرين من التطهير والتزكية لهما دور هام في تحصين القلب من الأفكار الفاسدة.
والتطهير مقدم على التزكية من باب: التخلية قبل التحلية فالتطهير هو إخراج دغل القلب وفساده، فيكون مهيأ لاستقبال الخير والترقي فيه.
وقد وردت الإشارة إلى تقديم التطهير على التزكية في كثير من
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان ١/٨١. ٢ نفس المرجع ص٧٧.
[ ١ / ٣٤٤ ]
النصوص منها: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:١٥٦] .
وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] .
وإذا تبين هذا فإن أهم وأول أثر للإيمان هو تطهير القلب، ثم تزكيته، وسوف أتكلم على كل منهما في فصل مستقل، أبين فيه الآثار التي يحدثها الإيمان من خلال كل منهما، والله المستعان.
[ ١ / ٣٤٥ ]
*
الفصل الثاني: أثر الإيمان في تطهير القلوب.
*
والمقصود هو الكلام على أثر الإيمان في تطهير نفس المؤمن، وبيان أن ذلك جزء هام من الحصن المتين الذي يُحصن به القلب ضد الأفكار الخبيثة.
والتطهير: اسم للفعل الذي تحصل به الطهارة.
وطهارة النفس: تشمل تنقية القلب من العقائد الباطلة، والظنون السيئة، والعواطف المنحرفة، والإرادات الفاسدة، وتنقيته من أدران الذنوب والران الجاثم عليه.
كما تشمل تنقية السلوك من الأعمال القبيحة والعادات الرديئة.
وهذا الفصل يدور حول الأمر الأول تنقية القلوب وهو الأصل والأساس لصلاح السلوك.
هذا وسوف أتكلم على آثار الإيمان في تطهير القلب -مع الإشارة إلى علاقة كل أثر بتحصين القلب- في عدة مباحث على النحو التالي:
المبحث الأول: أثره في تطهير القلب من العقائد الباطلة والظنون السيئة.
المبحث الثاني: أثره في تطهير القلب من الران ودرن المعاصي.
المبحث الثالث: أثره في تطهير القلب من العواطف الفاسدة.
وإلى المبحث الأول من هذا الفصل، وبالله التوفيق
[ ١ / ٣٤٩ ]
المبحث الأول: أثر الإيمان في تطهير القلوب من العقائد الباطلة والظنون السيئة
كل إنسان يحمل في قلبه عقائد ومفاهيم تخصه عن مختلف القضايا التي يتوجه إليها اهتمام الناس، استقى هذه المعلومات من مصادر مختلفة أهمها: كتب ورجال ملته، وعن طريق والديه ومجتمعه، كما أن للقصص والأساطير التي غالبًا ما تنتشر بين الناس أثرًا في تكوين ذلك، وفي وقتنا الحاضر تحتل وسائل الإعلام مكانة عظيمة كموجه ومؤثر على الفكر، وتكوين العقائد والمفاهيم.
وعلى هذا فالخطوة الأولى التي يعتني بها الإسلام هي تنقية وتطهير قلوب معتنقيه، من العقائد والظنون السيئة الموروثة لديهم.
ويتم ذلك بتعليمهم الحق، وبيان الباطل ودحضه في جميع المطالب الأساسية التي تشتاق قلوب العباد لمعرفتها، والتي لا بد منها لحصول الهداية للبشر، كمعرفة الخالق ﵎، وأصل الإنسان، ودوره في الحياة، والحكمة من خلقه، ومصيره وما يكون بعد الموت، وحق خالقه عليه، وغير ذلك من الأمور الغيبية: كالملائكة، والكتب المنزلة، ورسل
[ ١ / ٣٥١ ]
الله إلى البشر، واليوم الآخر، والقدر.
ومن أجل ترسيخ هذه المفاهيم المصلحة للقلب، لا بد من تطهيره من ضدها، قال ابن القيم ﵀:"قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده، وهذا كما أنه في الذوات والأعيان، فكذلك في الاعتقادات والإرادات، فإذا كان موضع القلب ممتلئًا بالباطل اعتقادًا ومحبة، لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع" ١.
وقد أكد سبحانه هذا المعنى بقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] .
فقدم سبحانه الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله تنبيهًا إلى وجوب تخلية القلب من الضد، فلا يصح إيمان بالله وإيمان بشيء من الطواغيت، كما لا يكفي براءة من الطاغوت بدون إيمان بالله، فلا بد من تطهير تصاحبه تزكية.
قال ابن جرير ﵀ في تفسير الآية: "فتأويل الكلام إذًا: فمن يجحد ربوبية كل معبود من دون الله فيكفر به ويؤمن بالله، يقول: ويصدق بالله أنه إله وربه ومعبوده، فقد استمسك بالعروة الوثقى، يقول: فقد تمسك بأوثق ما يتمسك به من طلب الخلاص لنفسه من عذاب الله
_________________
(١) ١ الفوائد لابن القيم ص٤٣، دار النفائس، بيروت ط السابعة ١٤٠٦هـ.
[ ١ / ٣٥٢ ]
وعقابه" ١.
وهكذا في جميع المطالب الإلهية فإنه يجب على المسلم أن يتبرأ من الباطل فور انكشافه له، ويلتزم الحق.
والمؤثر الأهم في تحقيق هذا المطلب هو العلم المستقى من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وقد تقدم أن العلم هو المؤسس والمغذي -بإذن الله- للعقائد والعواطف، وعلى هذا فلا يتصور إيمان بلا علم، ذلك أن الإيمان هو علم صدقه القلب وقبله وانقاد لموجبه، إلا أنه قد يوجد علم بلا إيمان.
وقد بين الله تعالى في كتابه الكريم أثر العلم في إخراج الناس من ظلمات الضلال وتطهيرهم منها في مواضع عديدة، منها:
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] .
فدلت الآية على أن خروجهم من الضلال المبين، كان ببعثه الرسول الكريم ﷺ الذي يعلمهم الكتاب والحكمة، وبقدر حظهم من الكتاب والسنة يكون انفصالهم عن الضلال، والعكس صحيح، أي أنهم كلما ابتعدوا عن الكتاب والحكمة رجعوا إلى الضلال المبين بقدر ذلك الابتعاد. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ٣/١٩.
[ ١ / ٣٥٣ ]
النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم:١] .
فإرسال الرسول ﷺ بهذا الكتاب العظيم المشتمل على العلم الصحيح والطريق القويم، إنما هو لإخراجهم من الكفر ودواعيه، وإدخالهم في الإيمان وشرائعه، وأعظم ظلمات الكفر هي عقائده الباطلة النجسة، والظنون السيئة القائمة في قلوب أهله.
وقد أحكم الله آياته وبينها بيانًا واضحًا بالأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة، والخطاب الواضح، لجلاء الحق وكشف زيف الباطل.
قال ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٩] .
وقال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٦] .
فدلت هذه الآية على أمور هامة في مجال التطهير منها:
١- أن الذين ينتفعون بالعلم الذي جاء في كتاب الله وعلى لسان رسوله ﷺ فيحصل لهم أثره في التطهير والتزكية، هم المؤمنون الذين اتبعوا رضوان الله، فهم الذين تحقق لهم نفعه، كما قال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١-٢] .
[ ١ / ٣٥٤ ]
أما سائر الناس، فإن الوحي هو سبيل هدايتهم، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] .
لكن تحقق الهداية يتم للمتقين الذين اتبعوا رضوان الله.
٢- دلت الآية على أن العلم المستقى من الوحي المطهر، هو السبب الأهم في هداية المؤمنين، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، دل على ذلك قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ ﴾ الآية، فبالقرآن يهدي الله عباده المؤمنين، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراطه المستقيم.
٣- أن تأثير العلم فيمن اتبع رضوان الله شامل لتطهيرهم بإخراجهم من الظلمات، وإبعادهم عن الضلالات، كما هو شامل لإدخالهم في النور بتزكيتهم وهدايتهم إلى سبل السلام، والصراط المستقيم.
فالنور والكتاب مؤثر في التطهير والتزكية، فالله تعالى عندما يذكر إخراجهم من الظلمات يقرن به إدخالهم في النور، مما يدل على أن التطهير من الظلمات لا يكفي بدون الدخول في النور، كما أن التزكية لا تتم بدون التطهير، كما دلت الآية على أن الطريق إليهما يكون بالعلم المستمد من الكتاب والسنة والعمل به.
وبهذا يتبين أن بداية الاهتداء تكون بتطهير القلب من العقائد الفاسدة، والظنون السيئة، وما يتبع ذلك من النيّات والعواطف، وتبين أن
[ ١ / ٣٥٥ ]
العلم هو المؤثر الأهم لتحقيق هذا الغرض.
والعلم الذي يتم به حصول المراد، هو علم التوحيد المتعلق بمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وحقه على عباده، والذي يتحصل عليه المسلم بدراسة ما ورد في القرآن الكريم وأحاديث خاتم المرسلين ﷺ، وفق منهج السلف الصالح، بعيدًا عن مناهج المتكلمين، أو الفلاسفة الضالين، أو المتصوفة المبتدعين.
وبالرجوع إلى القرآن العظيم، وسنة النبي ﷺ وواقع دعوته، نجد أنها تولي أهمية بالغة وعناية خاصة بإزالة ما علق في قلوب الناس من مفاهيم وعقائد وظنون خاطئة، وذلك بالتركيز على تجلية أسماء الله وصفاته وأفعاله، وحكمته وقدره وحقه على عباده، والرد على من أثبت خلاف الحق في ذلك، وبهذه التجلية والبيان الواضح والرد الحاسم ينفك المسلم عن الطاغوت وكل ما يمت إليه بصلة، ويستمسك بالإيمان وكل ما يتصل به.
والخلل في معرفة الخالق ﵎، أو حكمته وقدره، أو حقه على عباده، يُوجِد سوء ظن بالله يتناسب مع هذا الخلل، سواء كان بجهل تلك الأسماء وما تدل عليه من الصفات، أو جهل بعض تفاصيل القدر وتوحيد الألوهية، أو كان بفهمها فهمًا يخالف الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة.
والظن السيئ دافع إلى الفعل السيئ، فقطع ذلك الظن قطع لإرادات
[ ١ / ٣٥٦ ]
الشر وخواطره من القلب، والتي ينفذ من خلالها الشيطان لإضلال الإنسان.
وكل جهل أو ضلال في معرفة اسم من أسماء الله، وما يتضمن من الصفة، يتولد عنه ظن سيئ ينعكس أثره على سلوك الفرد، ومن أمثلة ذلك ما قصه الله علينا من حال فريق من الناس حصل في قلوبهم خلل في إثبات صفة العلم لله تعالى، تولد عنه ظن سيئ وعمل خبيث.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٢، ٢٣] .
قال ابن جرير ﵀ في تأويل هذه الآية: "يقول تعالى ذكره: وهذا الذي كان منكم في الدنيا من ظنكم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعلمون من قبائح أعمالكم ومساويها، وهو ظنكم الذي ظننتم بربكم في الدنيا أرداكم، يعني أهلككم" ١.
فدلت الآية على أن الظن السيء ناتج عن خلل في معرفة توحيد الأسماء والصفات، وأثر ذلك على السلوك.
كما دلت على أمر آخر له صلة وثيقة بهذا البحث، هو أن الظن
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ٢٤/١٠٩.
[ ١ / ٣٥٧ ]
السيء يتسبب في هلاك صاحبه، فهو ثغرة في قلبه يتسلل منها الشياطين لإفساد عبوديته وتوحيده، وتطهير القلب من هذه الظنون الفاسدة المردية لازم لبقاء حصن القلب منيعًا صامدًا.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤] .
قال ابن القيم ﵀ حول هذه الآية: " وأخبر أنّ من لم يصبه ذلك النعاس، فهو ممن أهمته نفسه لا دينه ولا نبيه ولا أصحابه، وإنهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية.
وقد فُسِّر هذا الظن الذي لا يليق بالله، بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل، وقد فسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره، ولا حكمة له فيه، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله ويظهر على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون به ﷾ في سورة الفتح حيث يقول: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ
[ ١ / ٣٥٨ ]
وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح:٦] " ١.
ثم بين -﵀- علاقة الظن السيء بالضلال في توحيد الأسماء والصفات، فقال: "وإنما كان هذا ظن السوء، وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل وظن غير الحق، لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، وخلاف ما يليق بحكمته وحمده، وتفرده بالربوبية والألوهية، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه "٢، ثم قال: "وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته "٣.
وإذا كان الانحراف في توحيد الأسماء والصفات متولدًا عن ظن سيء برب العالمين، فكذلك الانحراف في توحيد الألوهية متولد عن ظن
_________________
(١) ١ زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية ٣/٢٢٨، مؤسسة الرسالة، بيروت ط: ٨، ١٤٠٥هـ. ٢ المصدر السابق ص٢٢٩. ٣ نفس المصدر ٢٢٩، ٢٣٠. وقد بسط ابن القيم رحمه الكلام على هذا الموضوع من ص٢٢٨-٢٣٧ وذكر فوائد جليلة وجملة من الظنون الفاسدة الناتجة عن المعتقدات الباطلة والجهل والضلال في معرفة أسماء الله وصفاته، وقدره وحكمته، تركت إيراد ذلك لأن الغرض من هذا البحث هو معرفة الأثر والمؤثر، والله الموفق.
[ ١ / ٣٥٩ ]
سيء قائم في قلوب المنحرفين.
أشار إلى ذلك ربنا -﵎- في معرض ذكره مجادلة إبراهيم لقومه حيث قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لأَبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٣-٨٧] .
قال ابن القيم ﵀ مبينًا العلاقة بين الظن السيء الناتج عن تعطيل أسماء الله، وبين الشرك في عبادة الله: "فالشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن بالله، ولهذا قال إمام الحنفاء لخصمائه المشركين: ﴿أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وإن كان المعنى: ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به، وقد عبدتم معه غيره، وجعلتم له أندادًا١؟ فأنت تجد تحت هذا التهديد: ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره٢ "٣.
_________________
(١) ١ هذا التفسير هو المشهور الذي عليه معظم المفسرين. انظر: جامع البيان لابن جرير ٢٣/٧٠. ٢ ذكر هذا التفسير أيضًا: القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٥/٩٢، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم ٤/٥١٤.والشيخ عبد الرحمن السعدي في تيسير العزيز الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ٦/٣٨٦. ٣ إغاثة اللهفان ١/١٠١.
[ ١ / ٣٦٠ ]
فالله سبحانه في هذا السياق قابل بين سلامة قلب إمام الموحدين-الذي كان به موحدًا- وبين ظن قومه المشركين برب العالمين الذي أوقعهم في الشرك، مما يدل على أهمية تطهير القلب وسلامته من العقائد الباطلة والظنون الفاسدة، ليتزكى بعد ذلك بالتوحيد.
وعلى هذا فالضلال في معرفة توحيد الأسماء والصفات، هو السبب في تولد الظنون السيئة الباعثة على الوقوع في الشرك والسلوك المنحرف.
وإذا تبين أهمية التطهير ووجوب البدء به، وأنّ ذلك مطلوب في كل زمان ومن كل إنسان لشدة الضلال وتنوعه وانتشاره في كافة أجناس البشر، وقت البعثة النبوية وبعدها، تبين بوضوح الحكمةُ من العناية العظيمة بمسائل الإيمان، وتكرارها في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وأحاديث المصطفى ﷺ، فمعرفة الله هي أساس الهداية، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله١.
والهداية بمعناها الأشمل الذي يعني الرشد والسداد في كل نشاط إنساني، فمرجع ذلك كله إلى معرفة الله معرفة صحيحة، والعمل بموجب تلك المعرفة، وكلما كان في معرفة الله خلل عند الفرد أو الجماعة، كان في سلوكها وهدايتها خلل بقدره، فهناك تلازم وثيق بين الاعتقاد وبين السلوك البشري، فصلاح وهداية النشاط البشري عائد إلى صلاح
_________________
(١) ١ انظر: الفتوى الحموية الكبرى ص٥.
[ ١ / ٣٦١ ]
الاعتقاد وفساده راجع إلى فساده.
والحقيقة المرة التي يجب على كل مخلص يهتم بأمر المسلمين أن يدركها ويعترف بها، هي أن المنتسبين إلى الإسلام اليوم بأشد الحاجة إلى عملية التطهير، وذلك أن عقائد كثير من المسلمين وعباداتهم قد شابتها الأكدار واستحكمت فيها الانحرافات، وابتعدوا على مستويات مختلفة عما كان عليه النبي ﷺ وصحابته الكرام، في جميع قضايا الدين، وأشد ذلك خطرًا الانحراف فيما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية والقدر، وسائر مباحث العقيدة الإسلامية.
فقد أهملت أهم قضية قررها القرآن ودعا إليها النبي ﷺ ألا وهي تطهير الاعتقاد، وتأسيس التوحيد في قلوب العباد على أساس معرفة الله بأسمائه وصفاته، وإخراج ما يضاد ذلك من العقائد الباطلة والظنون السيئة، ثم عبادته تعالى وحده عن علم به وبحقه، فلا يصرف شيء مما تفرد به سبحانه من الأفعال والصفات لغيره، ولا يُحرف شيء مما وصف به نفسه ﵎ إلى غير مراده، كما لا يُقصد بشيء مما يجب إفراده به من الطاعات أي مخلوق كان.
فقلّ أن يوجد في مناهج الدعاة والجماعات المعاصرة الدعوة إلى تصفية الفكر الإسلامي من المناهج المبتدعة، والعلوم الزائفة الدخيلة، وإلى تنقية القلوب من العقائد الباطلة والظنون السيئة، وإلى ترك العبادات المبتدعة الناتجة عن تلك المناهج، وإلى إزالة مظاهر الانحراف والشرك من
[ ١ / ٣٦٢ ]
المساجد والمشاهد التي كثرت في بلاد المسلمين.
إلا أنّ الساحة الإسلامية لم تخل -والحمد لله- من القائمين بدين الله الداعين إلى ما كان عليه الرسول ﷺ وصحابته الكرام، وسلف الأمة الصالح، مبتدئين بالدعوة إلى تطهير الاعتقاد، وتطهير الفكر والسلوك، وكل ما أدى إليه أو نتج عنه، ملتزمين بأخذ العلوم من منابعها الصافية، من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وفهم السلف الصالح مقتفين أثرهم في العبادات والسلوك ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
وقد بارك الله في جهودهم -وله الحمد والمنة- فلهم علماؤهم وكتبهم المنشورة، ومجلاتهم السائرة، ودعاتهم الظاهرون، ومدارسهم وجامعاتهم المعروفة، ومحافلهم العامرة، وهم بخير وإلى خير -إن شاء الله.
وخلاصة هذا المبحث: إنّ الأثر الأول للإيمان هو تطهير القلوب من الاعتقادات الباطلة، وما ينتج عنها من الظنون الرديّة المُرْدِية.
وإنّ ذلك يكون بالعلم بالله وبحقه ودراسة ذلك من خلال البيان الوارد في الكتاب والسنة، وفق منهج السلف الصالح.
وإنّ المسلمين اليوم بأشد الحاجة إلى هذا الأثر، وإنّه يكون بتبني العلماء العاملين والدعاة على مستوى الأفراد والجماعات المنهج السليم وتقديم هذا الأمر والعناية به، ونبذ ما خالف الحق من المبتدعات في كل مجال، وعلى كل مستوى١، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) ١ سيأتي المزيد من البيان لهذه النقطة في مبحث "الوحدة الفكرية" في الفصل الأول من الباب الثالث.
[ ١ / ٣٦٣ ]
المبحث الثاني: أثر الإيمان في تطهير القلب من الران ودَرَن المعاصي
ويكون ذلك بتكفير الذنوب، فقد جعل الله الإيمان سببًا لتكفير الذنوب.
وذلك أن الذنوب يغطي رانها القلب، وينتج عن ذلك ثلاثة أمور لها أثر بالغ في إضعاف أو فقدان حصانة القلب ضد الأفكار الهدامة ومسبباتها، وهي:
١- تقطع الصلة بالله:
وقد تقدم أن أول وأهم أثر للإيمان هو كونه السبب الوحيد في حصول ولاية الله ومعونته وتأييده للعبد، وما ينتج عن ذلك من تحصينه ضد الضلالات بصرفه عنها، أو صرفها عنه.
ومعلوم أن العبد في ولاية الله ما دام قائمًا بالسبب الذي يحصل به عليها، وهو الإيمان والتقوى، فإذا قارف المعاصي واستمر على ذلك، بَعُد بذلك عن الله، وحجب عنه ولايته، ووكله إلى نفسه بقدر فسقه، فكان بذلك غرضًا لشياطين الإنس والجن.
قال ابن القيم -﵀- في معرض تعداد عقوبات المعاصي: "ومن أعظم عقوبتها أنها توجب القطيعة بين العبد وبين ربه ﵎، وإذا وقعت القطيعة بين العبد وبين ربه -﵎- انقطعت عنه
[ ١ / ٣٦٥ ]
أسباب الخير، واتصلت به أسباب الشر، فأي فلاح وأي رجاء، وأي عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير، وقطع ما بينه وبين وليه ومولاه الذي لا غنى له عنه، واتصلت به أسباب الشر ووصل ما بينه وبين أعدى عدوّ له، فتولاه عدوه وتخلى عنه وليه " ١.
وقال أيضًا: "وأصل هذا كله، أن القلب كلما كان أبعد من الله، كانت الآفات إليه أسرع، وكلما كان أقرب من الله بعدت عنه الآفات، والبعد من الله مراتب بعضها أشد من بعض، فالغفلة تبعد العبد عن الله، وبعد المعصية أعظم من بعد الغفلة، وبعد البدعة أعظم من بعد المعصية، وبعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله" ٢.
٢- تظلم القلب:
وذلك أن الران إذا زاد في القلب حجب بصيرته، وأضعف وظيفة التعقل، فيظلم قلبه ويسير في الحياة بلا نور يتخبط في الظلمات، ومنها الأفكار الهدامة التي تحيط به من كل الاتجاهات، ويروج لها كل شيطان.
قال ابن القيم -﵀- في بيان بعض آثار المعاصي على قلب العاصي: "يجد ظلمة في قلبه حقيقية يحس بها، كما يحس بظلمة الليل، فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره، فإن الطاعة نور
_________________
(١) ١ الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص٨٧. ٢ المصدر السابق ص٨٣.
[ ١ / ٣٦٦ ]
والمعصية ظلمة، وكلما قويت ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة، وهو لا يشعر " ١.
وقال ابن عباس -﵁-: "إن للحسنة ضياء في الوجه، ونورًاُ في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق" ٢.
وكما أن المعصية تضعف البصيرة، فهي أيضًا تضعف التعقل، وقد تقدم أن الإيمان له تأثير في وظيفة التعقل، وكلما كان الإيمان قويًا، كان العقل أقوى وأرشد، وإذا ضعف الإيمان باقتراف المعاصي، وزاد الران أضعف هذه القوة.
قال ابن القيم ﵀: "إن المعاصي تفسد العقل، فإن للعقل نورًا، والمعصية تطفئ نور العقل ولا بد، وإذا طفئ نوره ضعف ونقص" ٣.
٣- تغذي مادة الشر في القلب:
إن المعاصي تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، فلا يزال مريضًا معلولًا لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه، فتأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، بل الذنوب أمراض القلوب
_________________
(١) ١ المصدر نفسه ص٥٥. ٢ المصدر نفسه ص٥٥. ٣ المصدر السابق ص٦١.
[ ١ / ٣٦٧ ]
ولا دواء لها إلا بتركها.١
فالمعاصي تقسي القلب، وتقوي العواطف الفاسدة التي هي من موجهات الإرادة، فيكون القلب مهيأ بما فيه من الدوافع للتفاعل مع المغريات الخارجية التي تزين له الشهوات، وتلبس عليه بالشبهات، وتكون استجابته لها بقدر ما في قلبه من الران والفساد.
وتكرار المعاصي تكرار الممارسة لمعصية ما يسبب إلفها، أو ما يسمى "العاطفة المستقرة"٢ التي تجعل الإنسان يمارسها إشباعًا لهذه العاطفة، حتى ولو لم يلتذ بها، وكذلك الطاعات مع تكرار الممارسة تكون عواطف مستقرة.
أشار إلى ذلك العلامة ابن القيم -﵀- بقوله: "ومنها أن المعاصي تزرع أمثالها، وتولد بعضها بعضًا حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها، كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة، السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة، الحسنة بعدها، فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها اعملني أيضًا، فإذا عملت قالت الثالثة كذلك وهلم جرا، فيتضاعف الربح وتزايدت الحسنات، وكذلك كانت السيئات أيضًا حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة، وصفات لازمة وملكات ثابتة، فلو عطل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما
_________________
(١) ١ انظر: المصدر السابق ص٨٠. ٢ تقدم الكلام على العواطف المستقرة ص٢٤٥.
[ ١ / ٣٦٨ ]
رحبت حتى يعاودها فتسكن نفسه وتقر عينه، ولو عطل المجرم المعصية، وأقبل على الطاعة، لضاقت عليه نفسه وضاق صدره وأعيت عليه مذاهبه حتى يعادوها، حتى إن كثيرًا من الفساق ليواقع المعصية من غير لذة يجدها " ١.
والعواطف المستقرة المتوجهة إلى حب المعاصي مخالفة للفطرة، وبذلك ينتج عنها قلق وخوف يلازم القلب، يقوى بقوة تلك العواطف ويضعف بضعفها.
والقلق والخوف من أقوى الموجهات القلبية إلى الجنوح إلى العديد من العادات والأعمال التي يصطاد بها المروجون للأفكار الهدامة، وإذا كان القلق ناتجًاَ عن شبهة -ثارت في القلب لضعف اليقين- كان دافعًا إلى الخوض في المناهج المخالفة للحق، طالبًا اليقين، وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام على أثر الإيمان في طمأنينة القلب في الفصل القادم إن شاء الله.
وخلاصة ما تقدم: أن المعاصي تحدث أثرًا عظيمًا في القلب، ينتج عنه بعد العاصي عن الله، ويغطي الران القلب فيظلم، وتضعف بصيرته وتعقله كما تزداد فيه مادة الشر، وتتوجه الإرادات إليه، وبذلك تنهدّ الأسوار المنيعة التي كانت تحوط القلب وتحصنه من مخططات ووساوس
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص٥٧، ٥٨.
[ ١ / ٣٦٩ ]
شياطين الإنس والجن، بل يكون مقبلًا عليها طالبًا لها بقدر ما فيه من الشر والظلمة.
وحيث إن كل بني آدم خطاؤون، ونظرًا لخطورة المعاصي على القلوب -كما تقدم - فقد أوجد الله المخرج من ذلك ويسره، حيث أوجد أسبابًا لتكفير الذنوب وتطهير القلوب من آثارها، وهذا من عظيم رحمته بعباده وله الحمد والمنة.
تكفير الذنوب وأثره في تطهير القلوب:
بين الرسول ﷺ هذا الأثر للذنوب في تدنيس القلوب، وكيف يتم تطهيرها منه بقول: " إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوادء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب، سُقل١ قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] " ٢.
فبين ﷺ أن المعاصي سبب لحصول الظلمة والران في القلب، والتوبة والاستغفار وعدم الاستمرار على الذنب سبب لجلائها وزوالها، وتطهير
_________________
(١) ١ سُقِل على البناء للمفعول، وفي رواية الإمام أحمد صقل، المسند ٢/٢٩٧، قال في القاموس: السقل والصقل، وقال: صقله أي جلاه، القاموس المحيط ط مؤسسة الحلبي وشركاه ٣/٣٩٦ و٤/٢. ٢ الحديث تقدم تخريجه، ص٣٢٨.
[ ١ / ٣٧٠ ]
القلب من آثارها.
ومكفرات الذنوب -من فضل الله- كثيرة جدًا، بل إن كل الأعمال الصالحة مكفرات للذنوب، إلا أن أثر بعضها أقوى وأشمل من بعض. وسوف أذكر باختصار أهم تلك المكفرات.
فمن أعظم أسباب تكفير الذنوب وتطهير القلوب من آثارها:
التوحيد:
قال ابن رجب ﵀: "من أسباب المغفرة التوحيد، وهو السبب الأعظم، فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة
فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية، فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله، محبة وتعظيمًا وإجلالًا ومهابة وخشية ورجاء وتوكلًا، وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات
فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع ذرة منه على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات"١.
_________________
(١) ١ جامع العلوم الوحكم ص٣٧٤.
[ ١ / ٣٧١ ]
قوله -﵀- في حق التوحيد: "فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة"، مفاده أن لا حظّ لغير الموحد في رحمة الله الموجبة لمغفرة الذنوب، والنجاة من العذاب ودخول الجنة، وذلك أن الشرك يعمل عملًا يضاد عمل التوحيد.
فالتوحيد يكفر السيئات، والشرك يحبط الحسنات.
كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] .
فالتوحيد هو الشرط الأساسي لانتفاع العبد بأعماله الصالحة في مجال تكفير الذنوب وغيره، والتوسل به هو أبرك التوسلات النافعة في حصول المغفرة واستجابة الدعاء، لذلك توسل به ذو النون -﵇- وهو في تلك الشدة الرهيبة، كما أخبرنا الله عنه بقوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧، ٨٨] .
ومن أجل ذلك كانت أفضل صيغ الاستغفار تشتمل على الإقرار بالتوحيد بالنطق بالشهادة، كما في دعاء سيد الاستغفار الذي علمناه النبي ﷺ بقوله: "سيد الاستغفار أن يقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت،
[ ١ / ٣٧٢ ]
خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت " ١.
ومن المكفرات: التوبة والاستغفار.
قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] .
وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] .
ومن المكفرات: الصلوات الخمس والجمعة وصوم رمضان والحج.
قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] .
وقال ﷺ: " أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء،
_________________
(١) ١ رواه البخاري، كتاب الدعوات، باب أفضل الاستغفار، ح٦٣٠٦ الصحيح مع الفتح ١١/٩٧.
[ ١ / ٣٧٣ ]
قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا " ١.
وقال ﵊: " من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه " ٢.
وقال ﷺ: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" ٣.
وقال ﷺ في الحج: "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه "٤.
_________________
(١) ١ متفق عليه: البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلوات الخمس كفارة، رقم٥٢٨ الصحيح مع الفتح ٢/١١. ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا رقم ٦٦٧ ١/٤٦٢. ٢ متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب قيام ليلة القدر احتسابًا من الإيمان وباب صوم رمضان احتسابًا من الإيمان، رقم٣٥، ٣٨ الصحيح مع الفتح /٩١، ٩٢. ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان رقم ٧٦٠ ١/٥٢٤ -واللفظ له. ٣ رواه مسلم، كتاب الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة مكفرات ما بينهن رقم ٢٣٣ ١/٢٠٩. ٤ متفق عليه: البخاري، الحج، باب فضل الحج المبرور، رقم ١٥٢١ الصحيح مع الفتح ٣/٣٨٢. ومسلم، كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة رقم ١٣٥٠ ٢/٩٨٤.
[ ١ / ٣٧٤ ]
ولا يقتصر تكفير الذنوب على الفرائض بل يشمل النوافل أيضًا.
قال ﷺ: " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط "١.
ومن ذلك: الذكر:
قال ﷺ: " من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك، ومن قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر "٢.
والنصوص الدالة على فضائل الأعمال، وتكفيرها للذنوب كثيرة جدًا، وليس الغرض الحصر، وإنما الإشارة إلى عناية الله بهذا الأمر الذي
_________________
(١) ١ رواه مسلم في كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، رقم ٢٥١ ١/٢١٩. ٢ متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل التهليل، الصحيح مع الفتح١١/٢٠١، ح٦٤٠٣. ومسلم، كتاب الذكر، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء رقم ٢٦٩١ ٤/٢٠٧١ -واللفظ له
[ ١ / ٣٧٥ ]
فيه جلاء القلوب وتطهيرها من أدران الذنوب، لتبقى قوية حصينة من كل فكر خبيث، متوجهة بإراداتها إلى الخير.
وهذه الأعمال المكفرة منها ما يكون تكفيره عام لجميع الذنوب، ومنها ما يقتصر على الصغائر، فالكبائر لا بد لها من توبة نصوح.
كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨-٧٠] .
فاشتراط التوبة مع الأعمال الصالحة يدل على لزومها لتكفير الكبائر، وأكد ذلك سبحانه في الآية التي تليها، فقال: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:٧١] .
أما الصغائر فإنها تكفر بالأعمال الصالحة فرائض ونوافل، كما قال ﷺ: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر "١.
ومما يجدر التنبيه عليه أن هذه الأعمال جميعها لا يحصل منها
_________________
(١) ١ رواه مسلم، تقدم تخريجه ص٣٧٢.
[ ١ / ٣٧٦ ]
المقصود، وهو تكفير الذنوب وتطهير القلب من نكدها، إلا إذا كانت صادرة من موحد عالم بربه، مخلص بأعماله لله وحده، وعملها عن علم وموافقة لشريعة النبي ﷺ.
وخلاصة هذا المبحث: أن تطهير القلب من الران ودرن المعاصي، أثر هام من آثار الإيمان، يجعل القلب محافظًا على سلامته ونوره، ويُقوّي فيه مادة الخير، ويقلل نوازع الشر، ويزيد من صلته بربه، حيث يُزَال ما يجثم عليه من الران وكدر المعاصي أولًا بأول بفعل المكفرات، وبذلك يحافظ القلب على درجة عالية من حب الإيمان، وكره الكفر والفسوق والعصيان، فلا يميل إلى الأفكار الهدامة ولا تستهويه، ولو تولد في قلبه شيء منها -مما يلقيه الشيطان- أو عرضها عليه شياطين الإنس، لكان فيه من النور ودواعي الخير ما يكشفها ويحرقها وينفر القلب منها. والله أعلم.
[ ١ / ٣٧٧ ]
*
المبحث الثالث: أثر الإيمان في تطهير القلب من العواطف الفاسدة
تقدم بيان أن العواطف تتعلق بالمحبوبات والمكروهات١، وعواطف المحبة أو الكراهة تكون صحيحة إذا توجهت وجهة صحيحة كمحبة الله تعالى، وكراهية الطاغوت، وتكون فاسدة إذا اتجهت وجهة فاسدة، كمحبة الباطل، وكراهية الحق.
وقد يكون أصل هذه العواطف صحيحًا، لكن تتجاوز الحد، فتخرج عن صحتها إلى مرضها، مثل: حب المال إذا زاد أصبح حرصًا مذمومًا يسيطر على القلب، وكراهية الموت عاطفة جبلت عليها النفوس، لكن إذا زاد الحد إلى الخور والجبن، أصبحت عاطفة فاسدة.
ويمكن حصر أهم العواطف الفاسدة التي تقوم في قلوب الناس فتحرف سلوكهم عن الصراط المستقيم فيما يلي:
١- حب التأله العبادة المتوجه لغير الله.
٢- حب الشهوات المحرمة.
٣- الحقد والحسد. وهما مرضان نابعان من عاطفة الكراهة للمحقود عليه والمحسود، وشهوة التشفي منه.
_________________
(١) ١ انظر: مبحث الوظائف القلبية العواطف ص٣٠٠.
[ ١ / ٣٧٩ ]
ووجود أحد هذه الأمراض أو أكثر يكون خللًا في القلب يتسلل منه شياطين الإنس والجن، وهو ثغرة في حصن القلب، ومقتل عظيم قد يؤدي إلى هلاكه.
وسيجري الكلام في هذا المبحث إن شاء الله حول هذه الأمراض العاطفية والتي يعود إليها كل مرض، وينبعث منها كل سلوك سيء مع بيان أثر الإيمان في تطهير القلب منها، مما يؤدي إلى حصانته، وقد أفردت لكل منها مطلبًا مستقلًا.
[ ١ / ٣٨٠ ]
المطلب الأول: أثر الإيمان في تطهير القلب من محبة غير الله
والمراد محبة العبادة، التي تجمع بين الحب مع الذل١.
وهذه العاطفة متعلقة بالاعتقاد كما تقدم، فإن من اعتقد في ذات أنها تنفعه، وتجلب له الخير أو تدفع عنه الشر، أحبها، كما أنه يكره الشر والباطل وأهله.
وعلى هذا فالطريق إلى تطهير القلب منها هو تطهيره من العقائد الفاسدة، والظنون السيئة، ويكون ذلك بالعلم المستقى من الوحي، كما سبق تقريره في المبحث الأول من هذا الباب.
وقد أشار الله تعالى إلى العلاقة بين الحب والاعتقاد في سورة البقرة فبين سبحانه أولًا أنه المتفرد بالذات المقدسة، التي لا تساميها ذات أخرى لتفرده بصفات الكمال، والأفعال الحميدة التي لا نقص فيها، كما بين أنه المتفرد وحده بأنه الإله الحق المستحق للعبادة، فقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] .
فحقه سبحانه لهذا أن يُحَب ويُعبد ولا يشرَك به، ومع ذلك أقام
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٠/٧٠.
[ ١ / ٣٨١ ]
الأدلة القاطعة المؤيدة لما تقدم، والمبينة لنعمه وأفضاله على عباده التي سخرها لهم على الأرض، والتي هي دافع آخر لمحبته وحده، فهو محبوب لذاته الكريمة المقدسة، ومحبوب لأنه المنعم المتفضل، فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤] .
ومع أن هذا العلم الواصل لهم عن طريق رسله بأنه ربهم وإلههم، لا رب لهم سواه، وهذه الآيات البينات الشاهدات على ذلك، مما يستدعي محبته وحده، مع ذلك كله يوجَد من يحب غيره لعدم قيام موجب ذلك العلم بقلبه، أما المؤمنون الذين شربت قلوبهم موجب هذا العلم، فإنهم أشد حبًا لله، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] .
وقد ذكّر الله عباده في كثير من الآيات بنعمه وآلائه عليهم، وكرر ذلك في كثير من السور، مع بيان الأدلة والبراهين على تفرده بذلك، وعجز غيره عن إحداث شيء من تلك النعم لو حبسها الله عن عباده.
[ ١ / ٣٨٢ ]
والحكمة من ذلك -والله أعلم- أن يستثير عواطفهم لمحبته والتعلق به سبحانه، وتوحيده والانقياد لطاعته.
فإذا آمن العبد بالله واستشعر قلبه معاني أسماء الله وصفاته وتفرده بالربوبية، وعلم أن ما به من نعمة فمن الله وحده وما يرجو من خير أو دفع شر فبيده وحده، وفقه قلبه تلك العلوم التي تغرسها الآيات البينات في قلوب العباد، عندها يذعن القلب لله بالحب والخوف، فيتوجه لطاعته يدفعه الحب والأمل والرجاء، ويحجم عن معصيته يردعه الخوف.
وبما أن محبة الله هي أساس التوحيد والعبودية، فكذلك محبة غير الله حب العبادة، هي أساس الضلال والكفر، وعلى ذلك فالتزام الإيمان قولًا وعملًا واعتقادًا كفيل بتطهير القلب من محبة غير الله، أو ما يمتّ إليه بصلة في أي ناحية من النواحي.
قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات:٧، ٨] .
ومحبة معبود غير الله تابعة للاعتقادات الفاسدة، وزوالها يكون بزوالها، وقد تقدم أن زوال العقائد الباطلة إنما يكون بالعلم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ الذي كشف الباطل وأهله على مختلف أحوالهم، واستبان
[ ١ / ٣٨٣ ]
بذلك سبيل المجرمين، فإذا نسفت العقائد الفاسدة، زال ما يترتب عليها من العواطف، وقد جرى الكلام حول ذلك بما فيه الكفاية -إن شاء الله- فلا داعي لتكراره١.
_________________
(١) ١ انظر: مبحث: أثر الإيمان في تطهير القلب من العقائد الباطلة والظنون السيئة.
[ ١ / ٣٨٤ ]
المطلب الثاني: أثر الإيمان في تطهير القلب من الشهوات المحرمة
الشهوة المحرمة هي عاطفة مستقرة تقوم في القلب نحو أمر ضار مخالف للفطرة، جاءت الشريعة بتحريمه، يحن القلب المريض لذلك الأمر وينبعث إليه ويرتاح لمزاولته وملابسته، ويزيد مرضه بتلك المزاولة والممارسة، ويقوى تعلقه به.
وقد تقوى العاطفة حتى تصبح عاطفة سائدة تستولي على القلب، وتتحكم فيه فتميته.
وهذه العواطف الجانحة المتوجهة إلى أمور مذمومة هي ما غلب عليه اسم الهوى.
وإذا سيطر الهوى على القلب أمرضه أو أماته، وينافسه ويضاده العقل الذي هو ما عقله القلب من العلوم النافعة والعقائد الصحيحة من معرفة الحق والخير، وما يضاده من الباطل والشر، فإذا كانت السيطرة للعقل على العواطف والإرادات، كان ذلك سبب صلاح القلب ومادة حياته.
وإذا سيطر أحدهما أضعف الآخر، وقلل انبعاث القلب لموجبه، فهما يتجاذبان القلب المريض الذي فيه إيمان ومرض، أما القلب الميت فقد استحكم فيه الهوى، والقلب السليم قد سيطر فيه الإيمان والعقل.
[ ١ / ٣٨٥ ]
فلا يوجد الإيمان ويثمر إلا إذا جاهد نفسه في تطهيرها من هواها وزجرها عنه، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠، ٤١] .
"وهذا ثمرة العقل الذي به عُرف الله ﷾ وأسماؤه وصفات كماله ونعوت جلاله، وبه آمن المؤمنون بكتبه ورسله ولقائه وملائكته، وبه عرفت آيات ربوبيته وأدلة وحدانيته ومعجزات رسله، وبه امتثلت أوامره واجتنبت نواهيه، وهو الذي تلمح العواقب فراقبها، وعمل بمقتضى مصالحها، وقاوم الهوى، فرد جيشه مغلولًا، وساعد الصبر حتى ظفر به بعد أن كان بسهامه مقتولًا، وحث الفضائل ونهى عن الرذائل "١.
وإذا قوي الهوى واستحكم، فإن العاطفة عندئذ تكون سائدة فيكون لها السلطان الأقوى على إرادات القلب وعواطفه، بل وتعقله، فيصبح هذا الهوى موجهًا لقلبه، له يوالي وعليه يعادي، وله ينفعل ويثور، ولأمره يأتمر، ولنهيه ينتهي، فيكون ذلك المحبوب الذي توجهت له تلك العاطفة ندًّا لله، يحبه الحب الذي لا ينبغي إلا لله، فقد اتخذه إلهًا من دون الله.
_________________
(١) ١ روضة المحبين ونزهة المشتاقين، لابن قيم الجوزية ص٧، دار الباز للطباعة والنشر، مكة المكرمة.
[ ١ / ٣٨٦ ]
قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣] .
والشهوة ركبها الله في طبيعة الناس، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤] .
وجعل الله العقل للإنسان، وأنزل إليه العلم لتنظيم الشهوات ووضعها في مكانها المناسب، واستخدامها بالقدر المناسب، فقد أحل الله له ما يناسبه ويحصل له به السكن والطمأنينة، ويعود عليه بالخير والصلاح في نفسه ومجتمعه، وحرّم عليه الضار المفسد الذي يقلقه، ويسبب له التعاسة في نفسه أو مجتمعه.
قال ابن القيم ﵀: "وإذا كانت الدولة للعقل سالمة الهوى، وكان من خدمه وأتباعه، كما أن الدولة إذا كانت للهوى، صار العقل في يديه، محكومًا عليه، ولما كان العبد لا ينفك عن الهوى ما دام حيًا -فإن هواه لازم له- كان الأمر بخروجه عن الهوى بالكلية كالممتنع، ولكن المقدور له والمأمور به أن يصرف هواه عن مراتع الهلكة إلى مواطن الأمن والسلامة، فما حرم الله على عباده شيئًا إلا عوضهم خيرًا منه، كما حرم عليهم الاستقسام بالأزلام، وعوضهم عنه دعاء الاستخارة، وحرم
[ ١ / ٣٨٧ ]
عليهم الربا، وعوضهم منه التجارة الرابحة، وحرم عليهم القمار، وأعاضهم منه أكل المال بالمسابقة النافعة في الدين بالخيل والإبل والسهام، وحرم عليهم الحرير وأعاضهم منه أنواع الملابس الفاخرة من الصوف والكتان والقطن، وحرم عليهم الزنى واللواط، وأعاضهم منهما بالنكاح والتسري بصنوف النساء الحسان، وحرم عليهم شرب المسكر، وأعاضهم عنه بالأشربة اللذيذة النافعة للروح والبدن، وحرم عليهم سماع آلات اللهو والمثاني١، وأعاضهم عنها بسماع القرآن والسبع المثاني، وحرم عليهم الخبائث من المطعومات، وأعاضهم منها بالمطاعم الطيبة. ومن تلمح هذا وتأمله هان عليه ترك الهوى المردي، واعتاض عنه بالنافع المجدي، وعرف حكمة الله ورحمته، وتمام نعمته على عباده فيما أمرهم به، ونهاهم عنه، وفيما أباحه لهم، وأنه لم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه لهم، ولا نهاهم عنه بخلًا منه تعالى عليهم، بل أمرهم بما أمرهم إحسانًا منه ورحمة، ونهاهم عنه صيانة لهم وحمية "٢.
العواطف الفاسدة ثغرة في القلب:
وقبل أن أتكلم عن أثر الإيمان في تطهير القلب من سلطان الهوى والعواطف الرديئة الكامنة فيه، أذكر بعض النصوص التي تدل على أن
_________________
(١) ١ المثاني: جمع مثنى وهو اسم للوتر من أوتار آلة اللهو التي تسمى العود. انظر: لسان العرب لابن منظور ١٤/١٢٠، مادة ثنى. ٢ روضة المحبين ونزهة المشتاقين ص١٢.
[ ١ / ٣٨٨ ]
العواطف الفاسدة والشهوات المحرمة ثغرة في حصن القلب تردي صاحبها، ويتسلل من خلالها الشيطان لإهلاك الإنسان، وقد يقع الإنسان في المهالك بسبب جريانه لإشباع شهوة من هذه الشهوات، حيث إن الشهوات هي أصول المعاصي والدافع إليها، وهي تختلف عن الران الناتج عن المعاصي، فإن الشهوة تسبق الفعل، وهي صفة لازمة، أما الران فهو أثر المعصية، وناتج عنها.
فمن هذه النصوص قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥-١٧٧] .
فهذا نبأ عظيم أمر الله نبيه ﷺ أن يتلوه على أمته ويقصه عليهم رجاء أن يتفكروا فيه وينتفعوا به.
فهذه قصة رجل آتاه الله العلم والآيات البينات، وكان حقه أن يتولاه الله ويزيده هدى لو عمل بموجب ذلك العلم، كما قال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة:١٦] .
[ ١ / ٣٨٩ ]
لكنه انسلخ من العمل بموجب تلك الآيات، وأخلد إلى الأرض، واتبع هواه، فتخلى الله عنه، وتسلط عليه الشيطان فكان من الغاوين، ففيه أكبر الدلالة على أن اتباع الهوى ثغرة في القلب يتسلل منها المفسدون.
وهو مثل مضروب لكل من تعلم العلم ووعاه، لكنه لم ينتفع به، ولم يعمل بموجبه، بل أخلد إلى متاع من متاع الدنيا، وسار خلف شهواته، وما تهواه نفسه، دون ما يرضي ربه، فهو ملازم لغيه وضلاله حال جهله، وحال تعلمه، لم ينتفع بالعلم فيترك الغي، فهو في ذلك أشبه بالكلب الذي لا ينتفع بالراحة، فيترك اللهث، فهو ملازم للهث حال راحته وحال تعبه، أعاذنا الله من الخذلان، وأسباب الضلال والحرمان.
ومن أخطر العواطف الفاسدة المهلكة الحرص على المال، والشهوة إلى الفاحشة، وقد جمعهما الرسول ﷺ محذرًا عنهما بقوله: " إن الدنيا حلوة خَضِرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل في النساء "١.
والمطلوب اتقاؤه من الدنيا هو التعلق بها والركون إليها، فإنه يقود إلى الحرص والشح، وهو داء قلبي عضال خطير، ينتج عنه ويتفرع منه كثير من المعاصي، وقد يؤدي بصاحبه إلى النفاق أو الردة.
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والاستغفار، باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء ح٢٧٤٢ ٤/٢٠٩٨.
[ ١ / ٣٩٠ ]
قال ﷺ: " ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه "١.
والحرص على المال والشرف مرضان قلبيان يجمعهما حب الدنيا، والقوة والعلو فيها، قال ابن رجب ﵀: "وقد تبين ذكرنا أن حب المال والرياسة والحرص عليهما يفسد دين المرء، حتى لا يبقى منه إلا ما شاء الله، كما أخبر بذلك النبي ﷺ. وأصل محبة المال والشرف حب الدنيا، وأصل حب الدنيا اتباع الهوى، قال وهب٢ بن منبه: "من اتباع الهوى الرغبة في الدنيا، ومن الرغبة فيها حب المال والشرف، ومن حب المال والشرف استحلال المحارم."وهذا كلام حسن، فإن حب المال والشرف يحمل على الرغبة في الدنيا، وإنما تحصل الرغبة في الدنيا من اتباع الهوى، لأن الهوى داع إلى
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما، المسند ٣/٤٥٦، ٤٦٠ مسند كعب بن مالك. ورواه الترمذي، كتاب الزهد، ح٢٣٧٦ ٤/٥٨٨، وقال:"هذا حديث حسن صحيح"، وللحديث شواهد ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد وحكم على كل منها ١٠/٢٥٠.وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/٢٩٠. ٢ الإمام العلامة وهب بن منبه بن كامل بن سيج بن ذي كبار الصنعاني، أحد التابعين أخذ عن ابن عباس، وأبي سعيد بن بشير وغيرهم توفي سنة عشر ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء ٤/٥٤٤، والبداية والنهاية ٩/٢٨٨.
[ ١ / ٣٩١ ]
الرغبة في الدنيا وحب المال والشرف فيها، والتقوى تمنع من اتباع الهوى وتردع عن حب الدنيا. قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٧-٤١] "١.
وفي هذا الكلام البديع بيّن الإمام ابن رجب ضرر عاطفة حب المال والشرف على الدين، كما بين أثر الإيمان في تطهير القلب منها، بقوله: "والتقوى تمنع من اتباع الهوى، وتردع من حب الدنيا".
والحرص على المال هو شدة محبته الدافعة إلى شدة طلبه، ولا شك أنه لو سلم صاحبه من الحرام، فإنه سيؤدي به إلى بعض المخالفات والتجاوزات والمراهنات التي تستدرجه شيئًا فشيئًا فتبعده عن التقوى، مع ما في ذلك من الغفلة عن طلب العلم، والعمل الصالح، وتضييع العمر في جمع حطام زائل، وحرص لا يغير من قدر الله شيئًا.
أما إذا تجاوز به الحرص إلى الشح الذي يطلب به المال من كل طريق حتى ولو كان محرمًا، ويمنع حق المال، فإن هذه قاصمة الظهر.
_________________
(١) ١ شرح حديث "ما ذئبان جائعان " للحافظ عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، تحقيق بدر البدر، ص٥٧، الدار السلفية، الكويت، ط الثانية ١٤٠٤هـ.
[ ١ / ٣٩٢ ]
قال ﷺ: " واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمه م" ١.
فالشح الذي هو شدة الحرص على المال، يكون عاطفة سائدة إذا استولى على القلب وسيطر عليه، فيقدم الهم له والعمل من أجله على كل شيء، فيصبح الإنسان عبدًا للمال، لا يتوجه إلا حيث رجا زيادته، ولا يحجم إلا إذا توقع نقصانه، لا مؤثر في قصده وطلبه إلا ذلك، وهذه عبودية المال، قال ﷺ: "تعس عبد الدينار والدرهم، والقطيفة والخميصة٢، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض "٣.
قوله ﷺ: " إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض " دليل على استحكام هذه العاطفة، حيث أثرت على انفعالاته القلبية الأخرى وسلوكه، ولذلك سمي عبدًا لما توجهت إليه تلك العاطفة من متاع الدنيا.
والحاصل أن الحرص على المال والشرف الدافع إليه عاطفة فاسدة تقوم في القلب، وهي ثغرة في حصنه يتسلل منها شياطين الإنس والجن لإفساد الإنسان، بترويج الأفكار الهدامة وغيرها من ضروب الفساد عليه،
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب البر والصلة والأدب، باب تحريم الظلم، ح٢٥٧٨ ٤/١٩٦٦. ٢ القطيفة: هي الثوب الذي له خمل، والخميصة هي الكساء المربع. انظر: فتح الباري لابن حجر ١١/٢٥٤. ٣ رواه البخاري، كتاب الجهاد، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله، ح٢٨٨٦ ٦/٨١ وفي كتاب الرقاق، باب ما يتقى من فتنة الدنيا ح٦٤٣٥ ١١/٢٥٣.
[ ١ / ٣٩٣ ]
فكثيرًا ما استخدم أئمة الضلال ودعاته المال والمناصب في ترويج باطلهم، فإذا وجد الدافع القلبي وعرضت المغريات، فإن انقياده عندئذِ يكون سهلًا، والمعصوم من عصمه الله وعافاه.
قال ابن رجب ﵀ في معرض شرحه لحديث ما ذئبان جائعان: "فأخبر النبي ﷺ أن حرص المرء على المال والشرف، إفساد لدينه ليس بأقل من إفساد الذئبين لهذه الغنم، بل إما أن يكون مساويًا، وإما أكثر يشير إلى أنه لا يسلم من دين المسلم مع حرصه على المال والشرف في الدنيا إلا القليل، كما أنه لا يسلم من الغنم مع إفساد الذئبين إلا القليل، فهذا المثل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا"١.
ومن العواطف الفاسدة المهلكة: محبة الفاحشة، وهي ميل القلب إلى إشباع غريزة النكاح في غير ما أحل الله، وهي مرض قلبي.
وقد تكون العاطفة مستقرة، فتدفعه إلى هذا العمل، ويزاوله كلما تيسر له، وقد تتوجه العاطفة إلى ذات وصورة معينة، ويحب ذلك الشخص كأشد ما يكون الحب، وهذه عاطفة سائدة تستولي على القلب وتعميه، وتصبغ حياة ذلك الإنسان بصبغتها فإراداته وانفعالاته وحركاته وسكناته خاضعة لها، وبذلك تصبح عبودية لغير الله تميل بالقلب عن التوحيد.
_________________
(١) ١ شرح حديث ما ذئبان جائعان ص١١.
[ ١ / ٣٩٤ ]
قال ﷺ: " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء "١.
ضرر الفاحشة المحرمة على القلوب:
إن العواطف الفاسدة المتوجهة نحو الفواحش محبةً وتعلقًا، تضعف الإيمان، وقد تزيله إذا أُشربها القلب، وفي كلا الحالين يفقد العبد ولاية الله التي اختصها للمتقين، كما يفقد حصانته، ولا يزال يتردى حتى يهلك، فالفواحش سبيل مظلم نكد.
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢] .
وقال ﷺ: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " ٢.
قال ابن القيم ﵀ مبينًا المفاسد التي تنتج عن هذه العواطف الفاسدة: "والزنى يجمع خلال الشر كلها، من قلة الدين، وذهاب الورع، وفساد المروءة، وقلة الغيرة.
ومنها أن الزنى يُجرِّؤُه على قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين،
_________________
(١) ١ متفق عليه: البخاري، كتاب النكاح، باب ما يتقى من شؤم المرأة، ح٥٠٩٦ الصحيح مع الفتح ١٢/٨١. ومسلم، كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء ح٢٧٤١ ٤/٢٠٩٨. ٢ متفق عليه: البخاري، كتاب الحدود، باب السارق حين يسرق، ح٦٧٨٢ الصحيح مع الفتح ١٢/٨١. ومسلم، كتاب الإيمان، باب نقصان الإيمان بالمعاصي ح١٠٠ ١/٧٦.
[ ١ / ٣٩٥ ]
وكسب الحرام، وظلم الخلق، وإضاعة أهله وعياله، وربما قاده قسرًا إلى سفك الدم الحرام، وربما استعان بالسحر وبالشرك وهو يدري أو لا يدري، فهذه المعصية لا تتم إلا بأنواع من المعاصي قبلها ومعها، ويتولد عنها أنواع أخر من المعاصي بعدها" ١.
أما محبة فاحشة اللواط فهي أشد خطرًا وأعظم قبحًا، لما ينتج عنها من عُقم من ابتلي بها من كل خير، وقربه من كل شر، ولا يقال إن اللواط طريق للأفكار الخبيثة إلى قلب متعاطيه فحسب، بل إن غاية الأفكار الهدامة هي أن يكون المسلم بهذا المنحدر، فأهل هذا الفعل مجمع لكل فساد فكري وخلقي وسلوكي، قد جردوا من الخلق والحياء، وجندوا أنفسهم لنشر بذور الفساد، لذلك كانت عقوبتهم القتل، وتخليص البلاد والعباد من شرهم.
قال الله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف:٨٠،٨١] .
وقال: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٢،٨٣] .
_________________
(١) ١ روضة المحبين.. ص٣٦٠.
[ ١ / ٣٩٦ ]
وقال ﷺ: " إن أخوف ما أخاف على أمتي، عمل قوم لوط " ١.
وما خاف النبي ﷺ على أمته من هذا الداء الخبيث، إلا لأنه مجمع للشر والفساد، ولا يستمر عليه ويستمرئه إلا من فسد قلبه بالشرك أو الكفر والنفاق، لذلك كانت صلة أهل الفاحشة بالشرك، وقربهم منه أمرًا ظاهرًا يدركه كل من اطلع على أحوالهم، ونظر في أقوالهم وأشعارهم.
قال ابن القيم ﵀ مبينًا العلاقة بين محبة الفاحشة والشرك: "ولكن الزنى واللواطة أغلظ من غيرها من النجاسات، من جهة أنها تفسد القلب، وتضعف توحيده جدًا، ولهذا أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركًا، فكلما كان الشرك في العبد أغلب، كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر.
وكلما كان أعظم إخلاصًا، كان منها أبعد، كما قال تعالى عن يوسف الصديق: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] .
فإن عشق الصور المحرمة نوع تعبد لها، بل هو من أعلى أنواع
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما، المسند ٣/٣٨٢، مسند جابر بن عبد الله، سنن الترمذي في كتاب الحدود، باب ما جاء في اللوطي ح١٤٨٢ ٣/٩، ورواه الحاكم وقال:"صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي، المستدرك ٤/٣٥٧. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٢٨/٤٤.
[ ١ / ٣٩٧ ]
التعبد، ولا سيما إذا استولى على القلب، وتمكن منه صار تتيمًا، والتتيم: التعبد، فيصير العاشق عابدًا للمعشوق، وكثيرًا ما يغلب حبه وذكره والشوق إليه، والسعي في مرضاته، وإيثار محابه على حب الله، وذكره والسعي في مرضاته بل كثيرًا ما يذهب ذلك من قلب العاشق بالكلية، فيصير معلقًا بمعشوقه من الصور، كما هو مشاهد، فيصير المعشوق هو إله من دون الله.
ولهذا كان العشق والشرك متلازمين، وإنما حكى الله سبحانه العشق عن المشركين من قوم لوط، وعن امرأة العزيز، وكانت إذ ذاك مشركة، فكلما قوي شرك العبد بُلي بعشق الصور، وكلما قوي توحيده صرف ذلك عنه
فليس في الذنوب أفسد للقلب والدين من هاتين الفاحشتين، ولهما خاصية في تبعيد القلب من الله، فإنهما من أعظم الخبائث، فإذا انصبغ القلب بهما بعد ممن هو طيب، لا يصعد إليه إلا طيب، وكلما ازداد خبثًا ازداد من الله بعدًا ولما كانت هذه حال الزنى كان قرينًا للشرك في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣] "١.
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان.. لابن القيم ١٠٦، ١٠٧.
[ ١ / ٣٩٨ ]
فهذه العاطفة الفاسدة -حب الشهوات- إذا قامت في القلب، فإن صاحبها يتهاوى في نوادي الفساد، ويقوده شياطين الإنس والجن كيفما أرادوا، ويلبسون عليه دينه.. وقد يستخدمونه لأغراضهم في نشر الأفكار المنحرفة، والمبادئ الملحدة، فكم استخدموا النساء الساقطات ومن تشبه بهن في هذا الغرض، وما ذاك إلا لأنهن حبائل الشيطان، ومعاقل الفساد، فهن أعظم طعم استعمله المفسدون وأقدمه.
فإذا وجدت الفتنة وتيسرت أسبابها ودُعي إليها، ووافقت فتنة في القلب، كان التجاوب إليها سريعًا، بين ذلك ربنا بقوله: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢] .
ولا سبيل إلى استئصال هذا الداء إلا بالإيمان بالله، والعمل الصالح الذي يوجب ولاية الله ورحمته، فيخلص برحمته القلب من دائه، كما سيأتي إن شاء الله.
ومن العواطف الفاسدة: شهوة شرب الخمر والمسكرات والمخدرات.
إن شرب الخمر والمخدر كغيره من المعاصي، قد يزاولها الإنسان دون تعلق القلب، بل حتى دون أي شهوة في أول الأمر، كأن يشرب مجاملة لرفاقه، أو بدافع الاستطلاع، لكن سرعان ما يألف القلب هذه القاذورات مع تكرار التعاطي حتى يحبها ويتعلق بها، فتقوم في قلبه عاطفة
[ ١ / ٣٩٩ ]
المحبة المتوجهة نحوها، وبذلك تصبح زمامًا يقاد به إلى المهالك.
وأضرار الخمر والمخدرات الصحية والدينية والاجتماعية كثيرة جدًا، إلا أن الذي يهمنا في هذا البحث هو الأثر الديني، المتمثل في إسهام هذا الداء بتسلل الفكر الخبيث إلى صاحبه حتى يصبح أُلعُوبة بأيدي أعدائه.
قال الدكتور أحمد بن عطية الغامدي مبينًا أضرار المسكرات والمخدرات الدينية: "وإذا تأملنا النص القرآني الذي حرم الخمر، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠، ٩١] لعرفنا هدف الشيطان وغاية كيده من إيقاع العدواة والبغضاء في صفوف المسلمين بكل الوسائل وكافة الطرق، إلا أن أشدها تأثيرًا وتحقيقًا لهذا الهدف إغراؤهم بإدمان الخمر والميسر، الذي لا يقف تأثيره عند ذلك، بل يتعدى إلى ما هو أخطر وأنكى، هو صدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، ولا ريب أن للمخدر التأثر ذاته، لأنه إذا كانت الخمر أم الخبائث، فإن المخدرات أخبث الخبائث، ولها من التأثير ما للخمر وزيادة، كما قال عنها الإمام ابن تيمية ﵀: "والخمر توجب الحركة والخصومة، وهذه توجب الفتور والذلة، وفيها مع ذلك من فساد المزاج
[ ١ / ٤٠٠ ]
والعقل، وفتح باب الشهوة وما توجبه من الدياثة، مما هي من شر الشراب المسكر" ١ فأي مكيدة أعظم من هذه، وأي وسيلة لإبعاد الإنسان عن الخير وإيقاعه في حبائل الشر أبلغ من هذه الوسيلة؟
ومكائد الشيطان بين المسلمين ملموسة مشاهدة، وإغراء المسلمين بتعاطي الخمور وما شابهها من المخدرات -التي هي أبشع آثارًا في هذا المجال منها- كان له أثره السيئ في تفريق كلمة المسلمين وإبعادهم عن دينهم، وفساد عقولهم، وذهاب هيبتهم، وضعف كيانهم وتفكك مجتمعاتهم"٢.
وبعد الإشارة إلى أهم العواطف الفاسدة التي تعود إلى مرض الشهوة والتنبيه على أثرها في دفع صاحبها إلى الأفكار الخبيثة، وإضعاف حصن القلب عن التصدي لها، بعد ذلك، أصل بعون الله تعالى إلى المقصود وهو بيان أثر الإيمان في تخليص القلب منها، واقتلاعها من جذورها، وأبدأ بذكر أثره في تطهير القلب من الشح والحرص على المال.
أثر الإيمان في تطهير القلب من الشح والحرص على المال:
تقدم أن الشح والبخل سلوك مشين ينتج عن داء قلبي هو شدة المحبة
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٣٤/٢١١. ٢ أثر المخدرات على الأمة وسبل الوقاية منها، د. أحمد عطية الغامدي، مجموعة بحوث في المخدرات، البحث الثالث، ص١٩، ٢٠ الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط الأولى، ١٤١٠هـ.
[ ١ / ٤٠١ ]
للمال، وتعلق القلب به، والحرص الشديد على جمعه، والمحافظة عليه، فيصبح القلب عابدًا للمال متوكلًا عليه، فلا يهون عليه إنفاقه. وقد جعل الله أسبابًا لإزالة هذا الداء من القلب، هذه الأسباب تتمثل في بعض شعب الإيمان التي لها أثر عظيم في تطهير القلب من هذا المرض المفسد.
وأول هذه الأسباب هو التوحيد، فإذا كان الحرص والشح والبخل ناتجًا عن سوء الظن بالله، وضعف التوكل عليه، وعدم الثقة بوعده بالخلف للمنفقين، وقلة إيمانه بالقدر وأن الرزق مقسوم لكل حي، إذا كان كذلك فإن تقوية الإيمان بدراسة التوحيد وانقياد القلب له كفيلة باجتثاث هذا الداء من أصوله.
وسوء الظن بالله -كما تقدم- ناتج عن جهل أو ضلال في معاني صفات الله التي تدل عليها أسماؤه ﵎، وطرد هذا الظن يكون بدراسة توحيد الأسماء والصفات وفق نهج السلف الصالح واستشعار القلب لها.
وفي هذا المجال إذا استشعر القلب معاني أسماء الله: الرزاق، والكريم، والمنعم، ونحوها، وإدراك القلب معاني الآيات التي تدل على أن الرزق بيد الله وحده لا يزيده حرص حريص، ولا يؤخره حقد حاسد. كقوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢] .
[ ١ / ٤٠٢ ]
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] .
ونحوها، فهذه المعرفة بأسماء الله، ومدلول آياته، مع ما يشاهده من آثار رحمته من نزول المطر، وحياة الأرض بمختلف الأصناف من الثمار، وأنواع الحيوان الذي سخره الله لأهل الأرض رزقًا لهم، وكيف هيأ للمخلوقات الضعيفة أرزاقها ، كل ذلك يوجب للقلب محبة الله، وحسن الظن وتعلق القلب به، والركون إليه. وكذلك إذا وقر في القلب ثقة وتصديق بوعد الله للمتصدقين بالخلف والنماء كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] .
فإن ذلك كله يكسر حدة الحرص على المال، ويصرف القلب عن التعلق به، كما يجلب للقلب حسن الظن بالله والثقة بما عنده.
ومن جهة أخرى فإن نمو التوكل على الله يصرف القلب عن التوكل والتعلق بالمال، وذلك أن الإنسان إنما يحرص على المال رجاء نفعه واتقاء الشر به، وإذا قوي يقينه على ربه باستشعار آيات التوحيد التي أفاضت في تقرير هذا المعنى، وأن الإيمان هو السلم والعروة الوثقى للحصول على ولاية الله، ومعيته في الدنيا والآخرة، وأن كل خير يأمله في الدنيا والآخرة، وكل شر يحاذره إنما هو بيد الله، والسبب إلى ذلك هو قوة الصلة به والتوكل عليه.
[ ١ / ٤٠٣ ]
بين ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٢، ٣] .
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥-٧] .
وكذلك الإيمان بالقدر بمعرفة ما جاء في بيانه في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من أن الرزق مقسوم بين العباد، وأن إرادة العباد له وحرصهم عليه لا تغير من أرزاقهم شيئًا، وإنما عليهم طلب الرزق بالأسباب المشروعة، والتعلق بالله لا على السبب في حصوله، دون الحرص الشديد على جمعه.
قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:١٨] .
وقال: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء:٢٩-٣٠] .
وقال ﷺ: " إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم علقة مثل
[ ١ / ٤٠٤ ]
ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع: برزقه وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح " الحديث ١.
وفي رواية لمسلم: " ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثم تطوى الصحف، فلا يزاد فيها ولا ينقص "٢.
فالإيمان بالقدر وأن ما يجري عليه من الأرزاق وسائر الأحوال بيد الله ﷿، وأنه سبحانه المانع المعطي، الضار النافع، وأن اجتهاد الخلق جميعًا على خلاف أقدار الله غير مجد البتة، يوجب للعبد توكلًا على الله، وتعلقًا به، فبضعف تعلقه بالأسباب، وبذلك يستقيم توحيده وعبوديته ويسلم قلبه من الآفات الفاسدة، وبهذا يتجلى أثر التوحيد في تطهير القلب من هذا الداء.
أما شعب الإيمان الأخرى كالصلاة، والزكاة، ونحوها، فلها أثر مهم في تخليص القلب من مرض الشح والحرص.
أشار إليه ربنا بقوله: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلاَّ الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي
_________________
(١) ١ متفق عليه: واللفظ للبخاري، البخاري، كتاب القدر، الباب الأول ح٦٥٩٤ الصحيح مع الفتح ١١/٤٧٧. ومسلم، كتاب القدر، الباب الأول، ح٢٦٤٣ ٤/٢٠٣٦. ٢ رواه مسلم، كتاب القدر، الباب الأول، ٠٢٦٤٤ ٤/٢٠٣٧.
[ ١ / ٤٠٥ ]
أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:١٩-٣٥] .
الهلع: هو شدة الحرص وقلة الصبر١.
وقد فسره الله تعالى بقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ .
قال بعض العلماء: "قد فسره الله، ولا تفسير أبين من تفسيره، هو الذي إذا ناله شر أظهر شدة الجزع، وإذا ناله خير بخل به ومنع الناس"٢.والمراد بالإنسان في هذا السياق فيه قولان:
قال الرازي: "قال بعضهم المراد بالإنسان ههنا الكافر، وقال
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان لابن جرير ٢٩/٧٨، والتفسير الكبير للرازي ٣٠/١٢٨. ٢ التفسير الكبير للرازي ٣٠/١٢٨.
[ ١ / ٤٠٦ ]
آخرون بل هو على عمومه بدليل أنه استثنى منه المصلين"١.
والذي أراه والله أعلم أنه لا تعارض بين القولين، فالذي قال المراد به الكافر، يعني الذي تحقق في هذا الوصف بكماله، والذي قال بعمومه لجميع أفراد الجنس، لاحظ أصل الخلقة وهي قابلية الناس جميعًا بطبيعة خلقهم لقبول هذه الصفة، ولا يتخلصون منها إلى بأسباب تزكيتهم، فمن التزم الأسباب المذكورة في الآيات، تخلص من الهلع وإلا فحاله صائرة إليه لا محالة.
ونظير ذلك كثير في القرآن، نحو قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١-٣] .
فالمراد بالإنسان هنا عموم الناس، فهم واقعون في الخسران، واستثنى منهم من جاء بهذه الأمور الأربعة، ومن قال أن المراد به الكافر فهو صحيح، حيث أنه هو الذي تحقق فيه الخسران.
وبهذا يتضح أن الله جعل الإيمان مؤثرًا في إخراج هذه الصفة الذميمة من القلب، متمثلًا في هذه الشعب المذكورة في الآيات من قوله: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ .
_________________
(١) ١ المصدر نفسه.
[ ١ / ٤٠٧ ]
فقد وصف المتخلصين من الهلع بالمصلين، ثم ذكر صفاتهم على وجه التفصيل، فذكر منها في بداية السياق وختامه مداومتهم ومحافظتهم على الصلاة، ومنها إيتاؤهم الزكاة، وتصديقهم بيوم الدين، ثم استرسل السياق في بيان صفاتهم المباركة الخيرة.
والعناية بأمر الصلاة في هذا السياق دليل على شدة أثرها في التطهير من هذا الداء، إلا أن أثرها في التطهير عام لجميع أدواء القلب، بين ذلك ربنا بقوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] .
ولا شك أن الشح من أعظم منكرات القلوب، وما ينتج عنه من العمل من أقبح منكرات الأعمال، والمداومة على الصلاة، والمحافظة عليها شرط لحصول هذا الأثر الهام في تطهير القلب من أدرانه، وسيأتي مزيد إيضاح لهذا الأمر إن شاء الله عند الكلام على تطهير القلب من محبة الفواحش.
أما الزكاة، فأثرها في التطهير من هذا الداء بارز ظاهر.
قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] .
فقد أشار تعالى في هذه الآية إلى أثر الزكاة في التطهير والتزكية.
وفي المراد بالتطهير أورد ابن جرير ﵀ فيما نقله عن بعض
[ ١ / ٤٠٨ ]
السلف رضوان الله عليهم١، ما يدل على أن أثر الصدقة يكون في ثلاثة مجالات هي:
الأول: أنها تطهير للمال:
فالمال الحلال الذي يكتسبه صاحبه من طرق مشروعة، فيه حق معلوم لله يصرف في مصارفة، ومنع هذا الحق شؤم يدنس المال، ويعرضه للعقوبات والآفات، ولا يطهر المال إلا بإخراجه.
كما أن الإنسان في معاملاته قد يبدر منه بعض التقصير أو المخالفات التي هي من باب المتشابهات، أو المكروهات التي قد تلوث المال دون أن تصل إلى درجة تحريم التكسب، وفي إخراج الزكاة والصدقة تطهير له من ذلك.
والمال الذي يتطهر بالزكاة هو المال الحلال، أما المال الحرام الذي جاء عن طريق غير مشروع من نهب وسلب وسرقة واختلاس ورشوة وربا وقمار، فإنه لا تطهره الزكاة ولا تباركه.
الثاني: تطهيرها لهم من دنس الذنوب وران العصيان:
قال ابن جرير ﵀: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: يا محمد خذ من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم فتابوا منها صدقة تطهرهم من
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان ١١/١٦، ١٧.
[ ١ / ٤٠٩ ]
دنس ذنوبهم "١.
فالزكاة كغيرها من شعب الإيمان لها أثر في تكفير الخطايا ومحو آثارها من القلب، وقد تقدم الكلام على هذا الموضوع في المبحث الثاني من هذا الفصل.
الثالث: تطهيرهم من صفات المنافقين:
قال ابن جرير في الإشارة لهذا: " وتزكيهم بها، يقول: وتنميهم وترفعهم عن خسيس منازل أهل النفاق"٢.
وخاصة خُلُق الحرص على المال والشح الذي يتصف به المنافقون حيث أشار الله إلى ذلك من حالهم، بقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٦٧] .
فالمزكي الذي يبذل من ماله الذي جبل على محبته والذي صرف كثيرًا من الوقت والجهد في جمعه، وقد أدرك منفعته له في قضاء حاجاته وتيسير أموره، إنما يجود به امتثالًا لأمر الله، وحسن ظن به وثقة بوعده، فهذه المعاني من أقوى الأسباب في تخليص القلب من دائه، بل إن مرض
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ١١/١٦. ٢ جامع البيان ١١/١٦.
[ ١ / ٤١٠ ]
الحرص والنفاق لا يقوم له قائمة في قلب استشعر هذه المعاني، والزكاة والصدقة بالإنفاق من المحبوب جالبة للبر الذي هو مادة صلاح القلب.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧] .
ولا شك أن عمران القلب بهذه العقائد القيمة، وانبعاث الجوارح للعمل بموجبها، لا يكون إلا من قلب قد تخلص من دائه، وتمكن منه حب الله وحب ما يحبه، والفرح بفعل ما يرضيه، فقد ذكر الله أن من أعمال أهل البر أنهم يؤتون المال على حبه، وهذا الفعل ضد الشح الذي يحمل على منع حق المال، فدل على أن الإيمان قد هذب وكسر حدة حبهم للمال إلى بذله لاستجلاب محبوب أهم منه، وهو القرب من الله، والترقي في منازل الإيمان.
وخلاصة ما تقدم: أن أثر الإيمان في تطهير القلب من هذا الداء يتجلى في دراسة التوحيد، وتقوية الاعتقاد بمعرفة أسماء الله وأفعاله، والتوكل عليه، والإيمان بالقدر وفق ما دل عليه كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ،
[ ١ / ٤١١ ]
كما يتجلى ذلك الأثر في إقامة الصلاة والمداومة والمحافظة عليها ضمن أثرها العام في النهي عن الفحشاء والمنكر، وفي أثر الزكاة التي يتخلص من أدَّاها من خلُق الحرص والشح. أما سائر شعائر الإسلام الأخرى فهي مؤثرة في هذا الجانب من جهة أنها تزيد الإيمان الذي هو مادة الخير في القلب، والذي إذا تمكن أخرج ما يضاده من خصال الكفر والنفاق.
أثر الإيمان في تطهير القلب من محبة الفاحشة:
تقدمت الإشارة إلى أن من ابتلي بحب الفواحش، لا يخلو إما من ضعف توحيده وإيمانه، أو ميله إلى الشرك؛ وبهذا يتبين أن أهم مؤثر في سلامة القلب من هذا الداء -إذا أراد الله له السلامة- هو قوة الإيمان ورسوخ التوحيد.
قال ابن القيم ﵀: "ومحبة الصور المحرمة وعشقها من موجبات الشرك، وكلما كان العبد أقرب إلى الشرك، وأبعد من الإخلاص، كانت محبته لعشق الصور أشد، وكلما كان أكثر إخلاصًا وأشد توحيدًا، كان أبعد من عشق الصور، ولهذا أصاب امرأة العزيز ما أصابها من العشق لشركها، ونجا منه يوسف الصديق بإخلاصه، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] "١.
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ٢/١٩٧، ١٩٨.
[ ١ / ٤١٢ ]
وقد بين ﵀ سر ذلك بقوله: "فمحبة الله ﷿ أصل المحاب المحمودة، وأصل الإيمان والتوحيد، والمحبة مع الله أصل الشرك، والمحاب المذمومة "١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وذلك أن القلب إذا ذاق حلاوة عبودية الله ومحبته له، لم يكن شيء أحب إليه من ذلك، حتى يقدمه عليه، وبذلك يصرف عن أهل الإخلاص لله السوء والفحشاء، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ .
فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه من عبوديته لغيره، ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه من محبة غيره، إذ ليس عند القلب لا أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له، وإخلاصه الدين له، وذلك يقتضي انجذاب القلب منيبًا خائفًا راغبًا راهبًا، كما قال تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣٣] .
فلا يكون عبد الله ومُحِبُّهُ إلا بين خوف ورجاء، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ
_________________
(١) ١ المصدر السابق.
[ ١ / ٤١٣ ]
إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧] .
وإذا كان العبد مخلصًا له اجتباه ربه فيحيى قلبه، واجتذبه إليه فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء"١.
ومما تقدم من أقوال أهل العلم يتحصل أن عمران القلب بالإيمان والإخلاص لله القائم على قوة المحبة لله، والخوف منه ورجائه، ينتج عنه حياة القلب وانجذابه إلى الله، وما يقرب إليه من العمل الصالح، وانصرافه عما يضاد ذلك من السوء والفحشاء.
فقيام هذه الثلاثة في القلب موجب صلاحه واستقامته، فالمحبة تدفعه إلى فعل ما يرضي الحبيب، والخوف يمنعه من تعاطي الأسباب التي تغضبه وتحجب عنه، والرجاء يقوي الأمل في إقالة العثرات وحصول البركات والمسرات.
وقيام المحبة لله في القلب مع الخوف والرجاء، لا يكون إلا بمعرفة الله، وذلك لا يكون إلا بالتفكر والتعلم لما دلت عليه أسماء الله الحسنى من المعاني واستشعار القلب لذلك.
قال ابن القيم ﵀ في بيان ذلك: "القرآن كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته، فتارة يتجلى في جلباب الهيبة والعظمة والجلال، فتخضع الأعناق، وتنكسر النفوس، وتخشع الأصوات، ويذوب الكبر كما
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١/٢١٥، ٢١٦.
[ ١ / ٤١٤ ]
يذوب الملح في الماء، وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال، وهو كمال الأسماء وجمال الصفات، وجمال الأفعال الدال على كمال الذات فيستنفذ حبه من قلب العبد قوة الحب كلها، بحسب ما عرفه من صفات جماله ونعوت كماله، فيصبح فؤاد عبده فارغًا إلا من محبته؛ وإذا تجلى بصفات الرحمة والبر واللطف والإحسان، انبعث قوة الرجاء من العبد، وانبسط أمله وقوي طمعه، وسار إلى ربه، وحادي الرجاء يحدو ركاب سيره.
وكلما قوي الرجاء جد في العمل وإذا تجلى بصفات العدل والانتقام والغضب والسخط والعقوبة، انقمعت النفس الأمارة، وبطلت أو ضعفت قواها من الشهوة والغضب، واللهو واللعب والحرص على المحرمات، وانقبضت أعنة رعونتها، فأحضرت المطية حظها من الخوف والخشية والحذر"١.
ومما تقدم تبين أن المؤثر الأول في تخليص القلب من هذه العواطف الفاسدة من حب الفواحش هو عمران القلب بالتوحيد والإيمان، حيث تقوى محبته لربه وخوفه منه ورجاؤه له، وأن الطريق إلى ذلك هو معرفة الله بأسمائه وأفعاله، واستشعار القلب لذلك، ثم عبادته تعالى بهذه المعرفة، وأهم العبادات تأثيرًا في قطع هذا الداء -بإذن الله تعالى- بعد التوحيد،
_________________
(١) ١ الفوائد لابن القيم ص٩١، ٩٢.
[ ١ / ٤١٥ ]
الصلاة التي آن أوان الكلام على أثرها في ذلك.
أثر الصلاة في تخليص القلب من حب الفاحشة:
للصلاة أثر عظيم في صلة العبد بربه، لما فيها من إظهار العبودية، والخضوع، والافتقار، والذكر، والدعاء، والاستغفار الذي هو أعظم الأسباب مع التوحيد لنيل ولاية الله تعالى، كما أن للصلاة أثرًا في تطهير القلب من ران الذنوب ودرنها -كما تقدم ذكره١- مما يجلب للمصلي طمأنينة قلبه، وسكون نفسه وراحتها.
وقد أخبر سبحانه أن لها أثرًا في تطهير العبد من محبة الفاحشة والمنكر، تلك المحبة الدافعة إلى طلبها وسلوك طريقها، فالصلاة سبب لتقوية وازع الخير، وإضعاف الدافع إلى الشر والفواحش، قال تعالى مشيرًا إلى هذا الأثر: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥] .
قال ابن كثير ﵀ حول هذه الآية: "يعني أن الصلاة تشتمل على شيئين، على ترك الفواحش، أي مواظبتها تحمل على ترك ذلك وتشتمل الصلاة أيضًا على ذكر الله تعالى وهو المطلوب الأكبر، ولذلك
_________________
(١) ١ تقدم في المبحث الثاني من هذا الفصل.
[ ١ / ٤١٦ ]
قال: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي أعظم من الأول"١.
وروى ابن جرير عن قتادة والحسن٢ ﵃: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فإنه لا يزداد من الله إلا بعدًا"٣.
وبين ذلك أبو العالية ﵀ بقوله: "إن الصلاة فيها ثلاث خصال، فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخلال فليست بصلاة: الإخلاص والخشية، وذكر الله، فإخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله القرآن يأمره وينهاه"٤.
وكثيرًا ما استخدم شياطين الإنس والجن النساء في تحقيق أغراضهم الخسيسة في نشر الفساد، وإغواء العباد والترويج للأفكار الهدامة.
ومعلوم أنه لا تحصل الفتنة بهن إلا بعد إغوائهن وإفساد قلوبهن ففساد القلب دافع إلى قبول الشر والرذيلة.
لذلك اهتم الإسلام بصلاح قلوب النساء وسلامتها من محبة الفاحشة، وأرشدهن إلى ما له أثر في قطع ذلك.
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ط الشعب ٦/٢٨٩، ٢٩١. ٢ الإمام الفقيه الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، روى عن عمران بن حصين والمغيرة بن شعبة، وابن عباس وغيرهم، توفي سنة ١٢٠هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٤/٥٦٣، والبداية والنهاية ٩/٢٧٨. ٣ جامع اليبان ٢٠/١٥٥. ٤ تفسير القرآن العظيم ٦/٢٩١.
[ ١ / ٤١٧ ]
فعندما نهى الله سبحانه عن بعض الأسباب المؤدية للفاحشة، أرشد في نفس السياق إلى العلاج المعين على ترك ذلك، فقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٠-٣٣] .
فبعد أن نهاهن عن الخضوع بالقول عند مخاطبة الرجال الأجانب، وأمرهن بملازمة البيوت، ونهاهن عن التبرج عند الخروج من البيوت لحاجة تستدعي ذلك -وهي تعليمات تؤدي مخالفتها إلى فتنتهن أو الفتنة بهن، وما خالفتها النساء في مجتمع إلا فشت فيه الفاحشة- أرشدهن بعد ذلك إلى ملازمة القول المعروف عند مخاطبة الرجال الأجانب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله ﷺ، وبين سبحانه أن ذلك الترك لما نهى عنه، والفعل لما أمر به، سبب لذهاب الرجس عنهن
[ ١ / ٤١٨ ]
وطهارتهن، فقد شرع سبحانه هذه الأعمال، وأراد أن يحصل لمن التزم بها ما رتبه عليها، وجعلها سببًا له من الطهارة وذهاب الرجس. وقد ذكر منها سبحانه الصلاة، فدل على أن لها أثرًا عظيمًا في شفاء القلوب من داء محبة الفاحشة، واقتلاع دوافعها.
وعلى هذا فإن النتيجة الحتمية لإضاعة الصلاة هي اتباع الشهوات، من شهوة الفاحشة، أو شهوة الظلم، والبغي والتكبر في الأرض.
قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩] .
فللصلاة أثر عظيم في سلامة القلوب وصلاحها وانبعاثها للخير وبُعدها عن الشر، وما ذلك إلا لأنها اشتملت على معان وأفعال عظيمة أشير إلى أهمها:
فمن جهة هي تحقيق للتوحيد، فالمصلي يظهر ذله وخضوعه وافتقاره لربه، يدعوه ويستغفره، يفزع إلى الصلاة، يرجو الخير والسلامة، ويعوذ بربه من الشر والهلاك. فهو يتصل بالله معلنًا فقره وحاجته، ومعلنًا شكره وامتنانه، عالمًا مستشعرًا أن ذلك بيد الله وحده، فلا يقصد غيره في ذلك؛ ومن جهة أخرى هي جامعة لأركان الإيمان الثلاثة: القول والعمل والاعتقاد.
[ ١ / ٤١٩ ]
فالاعتقاد والتصديق لا يفارق المسلم في جميع أوقاته، ما دام العقل باقيًا، فهو ملازم له حال صلاته، والعمل يتمثل بالقيام والركوع والسجود والقعود ونحوها. والقول يتمثل بقراءة القرآن، والذكر والتشهد ونحوها، لذلك سمى الله الصلاة إيمانًا في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] . أي صلاتكم تجاه بيت المقدس قبل أن تحول القبلة، كما ورد في صحيح البخاري١.
ومن جهة ثالثة، هي جامعة لأنواع الذكر، فالذكر بالعمل حاصل بأداء الفرض، وفي القلب حاصل حيث أن قلب المصلي الخاشع موصول متعلق بمن يقف بين يديه ويناجيه، وبالقول فجميع الأذكار القولية تقريبًا تشتمل عليها الصلاة، فقراءة القرآن في القيام والتكبير والتحميد والتسبيح والتشهد في أركانها، والدعاء في قراءة الفاتحة والسجود وبين السجدتين، والتشهد الأخير، والاستغفار بين السجدتين، وبعد الصلاة مباشرة، وغير ذلك من الأذكار العظيمة التي اشتملت عليها.
قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] .
وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤، ١٥] .
فبالله أي خير جمعت؟! وأي بركة تعود على من حافظ عليها
_________________
(١) ١ انظر: صحيح البخاري مع الفتح ١/٩٥، كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان.
[ ١ / ٤٢٠ ]
واستشعر أهميتها وحاجته إليها؟!
ومن أعظم بركتها أن صاحبها -بإذن الله- يكون في حصن حصين من الشياطين وكيدهم، وذلك لاشتمالها على الذكر، كما تقدم، فقد ورد أن الذكر سبب لتحصين العبد من الشياطين، ومن ذلك ما أخبر به النبي ﷺ من أن الله أوحى إلى يحيى بن زكريا ﷺ بخمس كلمات أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فذكر منهن الذكر، ومثله فقال:
" وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعًا حتى إذا أتى حصنًا حصينًا فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله "١.
"فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقًا بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى، وأن لا يزال لهجًا بذكره، فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة، فهو يرصده فإذا غفل وثب عليه وافترسه، وإذا ذكر الله تعالى انخنس عدو الله تعالى وتصاغر وانقطع "٢.
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد المسند ٤/٢٠٢ مسند الحارث الأشعري، ورواه الترمذي وقال:"حديث حسن صحيح غريب" سنن الترمذي، أبواب الأمثال، ج٢٢٥. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٢/١٠٠. ٢ الوابل الصيب من الكلم الطيب، لابن قيم الجوزية، ضمن مجموعة الحديث ص ٦٥٩، مكتبة الرياض الحديثة، ط الخامسة، ت بدون.
[ ١ / ٤٢١ ]
فملازمة ذكر الله تعالى تجعل العبد في حصن حصين من الشياطين ووساوسهم وتلبيساتهم. ومردّ ذلك إلى أن الذكر -كغيره من الحسنات- يذهب السيئات، ويكفرها ويجلو القلب، فيبقى منيرًا يقظًا يكشف لصاحبه الضلال وينفره منه.
كما أن الذاكر موصول بالله يجازيه بما يناسب عمله، فيذكره سبحانه كما قال ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] ذكرًا خاصًا يوجب معيته وتوفيقه، وحفظه وتسديده، فيصرفه عن المهالك، ويوفقه لما فيه هدايته وصلاحه. ومن ذلك حفظه من الأفكار الخبيثة إذا طرأت على قلبه أو عُرضت عليه.
أثر الصيام في تخليص القلب من الميل للفواحش:
الأصل في هذا الأثر هو قول النبي ﷺ: " يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء "١.
_________________
(١) ١ متفق عليه: واللفظ لمسلم، البخاري، كتاب النكاح، باب من لم يستطع الباءة فليصم، ح٥٠٦٦ ٩/١٣٣. مسلم، كتاب النكاح، الباب الأول ح١٤٠٠ ٢/١٠١٨ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
[ ١ / ٤٢٢ ]
قال النووي ﵀: "واختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد أصحهما أن المراد معناها اللغوي، وهو الجماع فتقديره: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه، كما يقطعه الوجاء١.وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشبان الذين هم مظنة شهوة النساء، لا ينفكون عنها غالبًا "٢.
فالرسول أرشد إلى عبادة عظيمة تؤدي إلى تحصين المسلم من ثوران شهوته وجريانه خلفها إذا لم يكن له زوج.
هذه العبادة تؤدي إلى ترك الطعام والشراب الذي يضعف الشهوة ويكسر حدتها لكنه لم يرشد إلى مجرد ترك الطعام والشراب، وإنما أرشد إلى العبادة التي تتضمن ذلك.
قال ابن حجر ﵀: "عدل عن قوله فعليه بالجوع وقلة ما يثير الشهوة ويستدعي طغيان الماء من الطعام والشراب إلى ذكر الصوم، إذ ما جاء لتحصيل عبادة هي برأسها مطلوبة "٣.
_________________
(١) ١ قال النووي:"الوجاء: هو رض الخصيتين، والمراد هنا أن الصوم يقطع الشهوة، ويقطع شر المني، كما يفعله الوجاء". شرح النووي على صحيح مسلم ٩/١٧٣. ٢ المصدر نفسه. ٣ فتح الباري شرح صحيح البخاري ٩/١١٠.
[ ١ / ٤٢٣ ]
فالأثر المتمثل في كسر الشهوة وإضعافها ليس ناتجًا عن الجوع والعطش فحسب، بل هو ناتج مع ذلك عن الإيمان والتقوى في الصيام، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] .
فالصيام يشتمل على أمور هامة تعمل مجتمعة في أحداث هذا الأثر منها:
أنه علة لحصول تقوى الله ﷿، وزيادة الإيمان، وهو من الصبر على طاعة الله، ويشتمل على ذكره سبحانه؛ وبهذه الأمور تستجلب ولاية الله وعنايته ومعيته الخاصة لأوليائه
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] .
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] .
وبذلك يقوى القلب وينصرف فكره عن الشهوة ودواعيها، ويسهل عليه الصبر عن معصية الله، فمن صبر على طاعة الله، أعانه الله على الصبر عن معصيته، والصوم أيضًا يؤدي من جهة أخرى إلى ضعف الشهوة وسكونها، لانقطاع مادة هيجانها وهو الشراب والطعام. وللصيام خاصية عظيمة في ردع القلب عن التهور والعجلة والاندفاع، فهو فعال في تهذيب السلوك، وتعويد من لازمه على التأني والصبر مما يعينه على الروية
[ ١ / ٤٢٤ ]
والتبصر في أمره، وذلك يقود صاحبه إلى الخير.
قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥] .
ومن أجل ذلك والله أعلم نجد أن الكفارات المغلظة ككفارة القتل والظهار، والجماع في نهار رمضان، التي كثيرًا ما يكون الدافع إليها العجلة وعدم ضبط النفس، والضعف عن كبح الانفعال، شرع فيها الصوم شهرين متتابعين، وما ذلك إلا لتربية من حصل منه شيء من ذلك بالصوم ليحصل على هذا الأثر الهام.
فملازمة الصوم تجعل الإنسان في حصون منيعة تحول دون عدوه والتسلل من خلال شهوة الجماع إلى استدراجه إلى مراتع الرذيلة التي يتوصل بها إلى إفساد دينه ودنياه؛ كما أنه يقوي قلبه على الصبر وكبح جماح النفس عند الانفعال، وذلك من آثار عناية الله بعبده، حيث أن الصوم من التقوى التي تستجلب بها ولاية الله.
ومما تقدم يتبين: أن أثر الإيمان في تطهير القلب من محبة الفواحش يتجلى في أثر التوحيد الذي يعمر القلب بمحبة الله والخشية منه، وأن ذلك يتحقق بدراسة ومعرفة أسماء الله الموجبة لحبه وخشيته، واستشعار القلب لذلك؛ كما يتجلى في أثر الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وفي الذكر الذي يحصن العبد من عدوه ويوجب ذكر الله له، وفي الصيام الذي يزيد في تقواه وقربه من مولاه، ويضعف الشهوة، ويكسر من حدتها،
[ ١ / ٤٢٥ ]
وفي غير ذلك من الأعمال الصالحة التي تزيد في الإيمان، وتقرب العبد من الرحمن، وتحبب إليه الخير والإحسان، وتنفره من الشر والفحش والطغيان.
وأختتم هذا المطلب بأبيات تعبر عن معان ثارت في نفسي عند كتابة ما يختص بأثر الإيمان في تحصين القلوب من حب الفاحشة.
الحمد لله العلي المنجد لعباده من كل فِكْر ملحد
للشر مكر بالنساء الخُرد صبرًا جميلًا صاح لا تتمرد
فيما أحل الله غُنية عاقل ولذيذ عيش المرء في أن يهتدي
وإذا نظرت إلى الحرام وجدته متعًا تزول ووحشة تتلبد
لله در المؤمن المتجلد في دربه يسعى بغير تردد
علم الفتى بالله أصل حياته وربيع قلب العبد حب الأوحد
وبذكره تكسى القلوب حلاوة فهو الشفاء وللهموم يبدد
والعلم نور للفتى في سعيه والعقل يحكم سيره ويسدد
والقلب يأنس للموافق فطرة والنفس إن تجهل تميل وتعتدي
لا يلتقي في القلب حب إلهه ومحبة الفحش المقيت الأنكد
المخلصون مخلصون من الردى في أمر يوسف عبرة للمقتدي
[ ١ / ٤٢٦ ]
المطلب الثالث: أثر الإيمان في تحصين القلب من الحقد والحسد
تقدم أن أهم العواطف الفاسدة التي تقوم في قلوب الناس هي: حب العبادة المتوجهة لغير الله، وحب الشهوات المحرمة، والحقد والحسد، وتم بعون الله تعالى الكلام على القسمين الأولين، ويجري الكلام هنا على مَرَضَيِ الحقد والحسد، وأثر الإيمان في تطهير القلب منهما.
الحقد والحسد وأثر الإيمان في تطهير القلب منهما:
الحقد والحسد مرضان مصدرهما عاطفتا الكراهية والبغضاء للمحسود والمحقود عليه١، وقد يكون الدافع للحسد حب الذات، وكراهية أن يفوقه أحد من جنسه في شيء من الفضائل٢.
والحسد هو تمني زوال نعمة عند غيره، وقد يتمنى أن تؤول إليه، وقد لا يتمنى، كما أنه قد يعمل بموجب حسده فيسعى لإزالة نعمة المحسود بالبغي عليه بالفعل أو بالقول، وقد لا يعمل.
وأشده فتكًا وأعظمه خطرًا وحرمة الحسد الذي يعمل صاحبه في
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٠/١١. ٢ انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب ص٣٠٨.
[ ١ / ٤٢٧ ]
إلحاق الضرر بالمحسود١.
الحقد والحسد ثغرتان في القلب:
لا يوجد مرض يكون سببًا لرد الحق من أول وهلة بعد معرفته أشد من الحسد، فهو داء عضال إذا استحكم في القلب مال به عن القصد وأوقعه في المهالك.
قال ابن تيمية ﵀: "فالبخل والحسد مرض يوجب بغض النفس لما ينفعها، بل وحبها لما يضرها، ولهذا يقرن الحسد بالحقد والغضب"٢.
والحسد هو الدافع لأول ذنب عُصي الله به، حيث رفض إبليس السجود لآدم حسدًا له على ما أولاه الله من الكرامة بإسجاد الملائكة له، وكِبْرًا أن يسجد لمن يرى نفسه أفضل منه.
وقد كانت أمهات المعاصي الكبار الدافع إليها الحسد، فقد قص الله علينا ما كان من إبليس، وما كان من بني إسرائيل وتكذيبهم لنبيهم ﵊، بل وعداوته وعداوة أتباعه، وأن الدافع لذلك هو الحسد.
قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى ١٠/١١٢، ١٢١، وجامع العلوم والحكم ص٣٠٨، ٣٠٩. ٢ مجموع الفتاوى ١٠/١٢٩.
[ ١ / ٤٢٨ ]
حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩] .
كما قص علينا أول حادث قتل بين بني آدم، وقد كان الدافع إليه الحسد، "ولهذا قيل أول ذنب عصي الله به ثلاثة: الحرص، والكبر، والحسد، فالحرص من آدم، والكبر من إبليس، والحسد من قابيل حيث قتل هابيل" ١.
فأصول المعاصي ترجع إلى: شهوة، أو كبر، أو حسد.
والحسد كما أنه مضر بدين الحاسد، فهو أيضًا مرض اجتماعي يورث البغضاء بين أفراد المجتمع المسلم، ويحمل على البغي، أشار إلى أثره الاجتماعي الرسولصلى الله عليه وسلم بقوله: " لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث " ٢، وفي رواية: " وكونوا عباد الله إخوانًا كما أمركم الله " ٣.
قوله: " وكونوا عباد الله إخوانًا كما أمركم الله " دليل على أنهم إن سرت فيهم هذه الأدواء، لم يكونوا إخوانًا كما أمرهم الله، مما يدل على
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٠/١٢٦. ٢ متفق عليه:-واللفظ لمسلم- البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر، ح٦٠٦٥ ١٠/٤٨١. ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم التحاسد والتباغض والتدابر ح٢٥٥٩ ٤/١٩٨٣. ٣ رواه مسلم، الكتاب والباب ورقم الحديث كسابقه ٤/١٩٨٤.
[ ١ / ٤٢٩ ]
أثرها في هدم أو إضعاف الأخوة الإيمانية.
فالظلم والبغي الناتج عن الحقد والحسد عند الفقراء وخاصة الأقوياء منهم، هو مرض يقابل الشح والحرص على المال الذي يقوم في قلوب الأغنياء، فيحملهم على إمساك حقوق المال والظلم في تحصيله وإنفاقه، لذلك جمع الرسول ﷺ بينهما فقال: " اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم "١.
وينتج عن هذين الأمرين -حقد وحسد الفقير، وشح الغني- داء اجتماعي خبيث هو بمثابة السرطان الذي يفتك بالأبدان، ألا وهو تغير القلوب وتنافرها وتباغضها، مما يؤدي إلى تسلط وتآمر بعض المسلمين على بعض.
وقد استغل الحاقدون على الإسلام المتربصون بأهله، وجود هذا الداء بين أفراد المجتمع المسلم -قديمًا وحديثًا- أسوأ استغلال لنشر المبادئ الهدامة والأفكار الخبيثة، والتفريق بين المسلمين، ولعل آخرها الفكر الشيوعي الذي يقوم على تسليط الفقراء على الأغنياء مستثيرًا كوامن الحسد والبغضاء المنتشرة بين المسلمين، بسبب البعد عن منهج الله، وضعف الإيمان وانتشار الجهل، وشح الأغنياء، وإمساك الزكاة
_________________
(١) ١ رواه مسلم: تقدم تخريجه.
[ ١ / ٤٣٠ ]
ونحو ذلك.
وبهذا يتضح أن الحسد وما يتفرع عنه من أدواء هي ثغرات في حصن القلب تتسلل منها دعوات الشياطين لإفساد الدنيا والدين، كما ينتج عنها أيضًا أمراض اجتماعية كالحقد والتباغض والتنازع والبغي، وهي انهيارات في حصون المجتمع المسلم تكشف ظهورهم لعدوهم، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦] .
وليس الغرض التوسع في عرض هذه الأدواء، وما ترتب عليها من المفاسد، وإنما القصد بيان أن هذه العواطف الفاسدة إذا قامت في القلوب كانت أقوى الدوافع لتقبل أو طلب الأفكار الهدامة، ثم بيان أثر الإيمان في تطهير القلب منها.
الإيمان مخلّص من الحقد والحسد:
إن الحقد والحسد -كغيرها من أمراض القلوب- انحرافات في صحة القلب نتيجة لتغذيه من شرور الجاهلية، وعلاجها بكون بقطع مادة الشر التي تغذيه، وإمداده بضدها من مادة الخير والصلاح.
قال ابن تيمية ﵀: " فهكذا أمراض القلب يحتاج فيها إلى حفظ الصحة ابتداء وإلى إعادتها -إن عرض له المرض- دومًا، والصحة تحفظ بالمثل، والمرض يزول بالضد. فصحة القلب تحفظ باستعمال أمثال
[ ١ / ٤٣١ ]
ما فيها، أو هو ما يقوي العلم والإيمان من الذكر والتفكر والعبادات المشروعة، وتزول بالضد، فتزال الشبهات بالبينات، وتزال محبة الباطل ببغضه ومحبة الحق"١.
وهذه قاعدة جامعة نافعة للعلماء والدعاة والمربين، تدور حول معرفة سبب الداء ثم علاجه بالحمية منه وتعاطي ضده.
ولأجل معرفة أثر الإيمان في تطهير القلوب من أدواء الحسد والحقد ونحوها، يجدر أن نتعرف على أسبابها ثم العلاج المضاد لكل سبب والذي يزول -بإذن الله- ذلك السبب ومن ثم المسبَّب.
وأسباب هذه الأمراض بعضها يعود إلى نفس الحاسد، وبعضها يعود إلى المجتمع، وفي الإيمان علاج لجميعها.
فأما الأسباب التي مردها إلى نفس الحاسد أو الحاقد فهي ضعف إيمانه، وقلة استشعاره لمعاني أسماء الله التي تدل على تفرده بالملك والتدبير، وأن ما يصيب الناس من خير أو ضده فهو من الله، وكذلك ضعف إيمانه بقدَر الله، وعدم الرضى بالمقدور.
وعلاج هذا إنما يكون بالعلم بالتوحيد والقدَر واستشعار ذلك، وبالمحافظة على الصلوات، والتوجه إلى الله بالدعاء والضراعة، وحسن الظن به، والرضى بفعله وقدره.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٠/١٤٥.
[ ١ / ٤٣٢ ]
فهذا جانب من الإيمان إذا علمه الإنسان واستشعره، وقام بموجبه، فإنه يؤثر تأثيرًا قويًا في صلاح القلب وتخليصه من غله وحسده وحقده.
أما العوامل الاجتماعية فهي رئيسية، حيث تمثل الدافع لقيام الحسد والحقد والكراهية في قلوب ضعاف الإيمان من المسلمين من الفقراء ضد الأغنياء.
وأخبث هذه الأسباب هو الشح والبخل من الأغنياء بمنع حق المال من الزكاة والصدقة والبر والإحسان، أو بالسعي إلى جمع المال بالظلم والحرام، أو بصرف المال في الترف والإسراف في المعاصي.
فهذه الأمور التي تقع من الأغنياء بمرأى ومسمع من الفقراء من أعظم الأسباب إثارة للحقد والحسد.
وقد شرع الله الزكاة والصدقة ورغب فيها، لما لها من الأثر العظيم في اقتلاع هذه الأدواء وإحلال المحبة وسلامة الصدر محلها، وحول هذا الأثر العظيم قال الدكتور يوسف القرضاوي: "فالإنسان إذا عضته أنياب الفقر، ودهته الحاجة، ورأى حوله من ينعمون بالخير، ويعيشون في الرغد، ولا يمدون له يد العون، بل يتركونه لمخالب الفقر وأنيابه هذا الإنسان لا يسلم قلبه من البغضاء والضغينة على مجتمع يهمله، ولا يعنى بأمره، وتربة الشح والأنانية لا تنبت إلا الحقد والحسد لكل ذي نعمة ولم يحارب الإسلام هذه الآفات النفسية الاجتماعية الخطيرة بالوعظ المجرد، والإرشاد النظري فحسب، ولكنه عمل على اقتلاع أسبابها من الحياة،
[ ١ / ٤٣٣ ]
واستئصال جذورها من المجتمع، فليس يكفي الجائع والمحروم أو العريان أن تلقي عليه درسًا بليغًا في خطر الحقد والحسد، وكل لحظة في حياته البائسة، وحياة الطاعمين الناعمين المترفين من حوله تلقنه دروسًا عملية أخرى: كيف يحسد؟ وكيف يحقد؟ وكيف يبغض؟ وكيف يغلي قلبه كراهية وغيظًا ونقمة؟
ومن أجل ذلك فرض الإسلام الزكاة لييسر للعاطل العمل١،
_________________
(١) ١ ليس من مصارف الزكاة وضعها في إنشاء مشاريع ينتج عنها فرص العمل، وذلك أن مصارف الزكاة محددة بنص القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة:٦٠] . وليس من بين هؤلاء الثمانية ما ذكره الشيخ د. القرضاوي، كما أن استثمار الزكاة في المشاريع يؤدي إلى جعلها علاجًا طويل الأجل، قد لا يستفيد منها الفقير العاطل وقت إخراجها، وهي في الأصل علاج عاجل لسد عوز المحتاجين، وتحقيق المصالح المذكورة في الآية. ولكن يمكن توجيه كلام الذكتور القرضاوي بأن يقال: إنه يترتب على نظام الزكاة إيجاد كثير من فرص العمل، حيث تستحدث أجهزة في الدولة والمؤسسات والشركات الكبيرة للإشراف على الزكاة، فتخصص وظائف للعاملين على جمعها وتوزيعها، وسائقين وحرس، وكما أن وجود المال بيد الفقير يمكنه من الانتفاع به كرأس مال لعمل ولو بسيط في زراعة أو صناعة أو تجارة، وعلى هذا ترتب وجود فرص كثيرة للعمل ببركة الزكاة.
[ ١ / ٤٣٤ ]
ويضمن للعاجز العيش، ويقضي عن الغارم الدين، ويحمل ابن السبيل إلى أهله ووطنه، فيشعر الناس أنهم أخوة بعضهم أولياء بعض وفي هذا الجو النقي يمتد ظل الإيمان بما يتبعه من حب وإيثار "١.
وبهذا يتبين أن للزكاة أثرًا عظيمًا في شيوع المحبة بين المسلمين، فهي تجلب المحبة والشفقة لقلب المزكي نفسه، ويشعر بالفرحة والسرور لشعوره أنه في طاعة الله وأن الله راض عنه، ولمساهمته في تفريج كرب إخوانه المؤمنين وإدخال السرور على قلوبهم، وإحساسه بأداء واجب التعاون والتكافل والإخوة الإيمانية. كما أن أثرها على الآخذ أشد وأعظم، فالقلوب قد جبلت على محبة المحسن، "فإن الناس إذا علموا في الإنسان رغبة في نفعهم، وسعيه في جلب الخير لهم، ودفع الضر عنهم، أحبوه بالطبع، ومالت نفوسهم إليه لا محالة" ٢.
ومن أخطر جرائم الأغنياء التي تسبب الحقد والحسد والكراهية
_________________
(١) ١ فقه الزكاة، د. يوسف القرضاوي ٢/٨٧٦، مؤسسة الرسالة بيروت، ط الرابعة، ١٤٠٠هـ. ٢ المصدر السابق ٢/٨٦٧.
[ ١ / ٤٣٥ ]
التعامل بالربا، وما ينتج عنه من أضرار اقتصادية واجتماعية مدمرة.
وحقيقة الربا هي أخذ زيادة وفائدة دون مقابل حقيقي صحيح مشروع، ومن ذلك المتاجرة بالمال بإقراضه إلى أجل معين وأخذ زيادة على ذلك، فيزيد المال ويتضاعف لصاحبه دون أن يقدم فائدة حقيقية للمجتمع.
فالمرابي لا يجلب بضاعة إلى الأسواق تساهم في نماء التجارة واتساعها، ولا يستثمر ماله في مشاريع زراعية أو صناعية أو مضاربات تعود على البلاد والعباد بالخير، وتؤمن فرصًا للعمل، وبضائع تتداول يستفيد منها المسلمون ويستغنون بها عن غيرهم.
فالربا عقيم ممحوق، فنتيجته النظرية والواقعية هي تراكم المبالغ الدائنة لصالح الأغنياء على الفقراء، مما يزيد في فقرهم، وكثيرًا ما تؤول منجزات الفقراء من مصانع ومزارع وعمارات ونحوها -والتي أنشؤوها من الربا إلى الأغنياء نتيجة لتراكم الديون على أصحابها وعجزهم عن سدادها فيتسلمونها في مقابل الدين الذي على أصحابها، فيذهب كدح الفقراء لسنين طويلة إلى المرابين الذين لم يبذلوا فيه أدنى تعب. وعلى هذا فحصيلة الربا النهائية، هي ازدياد الحرص والجشع والاحتكار والاستغلال من جانب الأغنياء، والحقد والحسد والبغضاء من جانب الفقراء، مما يزيد في اتساع الهوة بينهم ويؤدي إلى العداوة والبغي والظلم.
[ ١ / ٤٣٦ ]
وأثر الإيمان في إزالة هذا الداء العضال يكمن في تحريمه للربا، والتحذير الشديد منه، وجعل المصر على الربا محاربًا لله ولرسوله ﷺ، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥-٢٧٩] .
وبجانب تحريم الربا، شرع الله لعباده الأسباب المثمرة التي تكفل للعباد العيش المستقر الكريم، فشرع البيع، واستثمار المال في الزراعة والصناعة والعقار، والتي إذا أقيمت على النظام المشروع كفلت للأمة ازدهارًا اقتصاديًا واجتماعيًا، وتوفرت البضائع وفرص العمل، وسار كل في مجال عمله قرير العين مغتبطًا لا يشعر بتسلط ولا حرمان.
كما أن قيام المجتمع بالتكافل الاجتماعي في إيجاد صناديق للإقراض
[ ١ / ٤٣٧ ]
الحسن، ومساعدة المحتاج للزواج أو سداد الدين أو بناء مسكن، وقيام الشركات والمؤسسات بالبيع بالتقسيط، كل ذلك يقلل من المحتاجين إلى الاقتراض بالربا، مما يقطع مصدر الشر ويساهم في إيجاد التعاون على البر والتقوى، الباعث على الحب والخير. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] .
وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨٠] .
وقال ﷺ: " مَن نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومَن يسَّر على معسر، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد، ما كان العبد في عون أخيه " الحديث ١.
وهذه النصوص وغيرها تمثل أساسًا في التعاون والتكافل الاجتماعي، سواء كان على مستوى فردي، أو عمل جماعي، وهذا الباب مفتوح لكل من يسهم فيه بفكرة جيدة أو مشروع مفيد، فكل من سن سنة حسنة في
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن ، ح٢٦٩٩ ٤/٢٠٧٤.
[ ١ / ٤٣٨ ]
إيصال النفع ومساعدة المسلمين، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى قيام الساعة، وفي ذلك قال ﷺ: " من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء "١.
وعلى هذه القاعدة النبوية، فمن الأمثلة على السنن السيئة في هذا الزمان: البنوك الربوية، ومن الحسنة الصناديق الخيرية، والجمعيات التعاونية، ومن السنن السيئة أيضًا المحلات التي تبيع أشرطة الغناء والأفلام المفسدة، ومن الحسنة محلات بيع أشرطة القرآن والمحاضرات المفيدة.
فالسنة الحسنة المراد بها أن يعمل الإنسان بعمل صالح عند أناس لا يعملون به، أو يجهلونه فيكون أول من عمل به فيقتدون به. والسنة السيئة أن يعمل بمعصية أو بدعة عند من لا يعملونها أو يجهلونها، فيقتدون به فيها. وفي هذا المعنى قال ﷺ: " لا تقتل نفس ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سن القتل "٢.
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، ح١٠١٧ ٢/٧٠٥، وفي كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة ٤/٢٠٥٩. ٢ متفق عليه: البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته، ح٣٣٣٥، الصحيح مع الفتح ٦/٣٦٤. ومسلم، كتاب القسامة، باب بيان إثم من سن القتل، ح١٦٧٧ ٣/١٣٠٤ واللفظ لمسلم.
[ ١ / ٤٣٩ ]
وليس من الحسنة الابتداع في الدين بإحداث فعل على وجه التعبد، وذكر بهيئة مخصوصة أو عدد معين، أو جعل فضل لعملٍ، لم يأذن بها ولم يأت لها أصل في شريعة النبي ﷺ، فالعبادة مبناها على الاتباع ويحرم فيها الابتداع. قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس:٣٢] .
وقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] .
وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] .
وقال ﷺ: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد "١.
وكان رسول الله ﷺ إذا خطب يقول: " أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة "٢.
والنصوص في ذم البدعة في الدين كثيرة، وفيما ذكر وفاء بالمقصود، إن شاء الله.
_________________
(١) ١ متفق عليه: البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على جور فالصلح مردود، ح٢٦٩٧ ٥/٣٠١. ومسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ح١٧١٨ ٣/١٣٤٣. ٢ رواه مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة ح٨٦٧ ٢/٥٩٢.
[ ١ / ٤٤٠ ]
وبعد الكلام على الربا وما يسببه من أمراض قلبية وكوارث اقتصادية، وأضرار في العلاقات الاجتماعية، أذكر أمرًا آخر له أثر في تغير القلوب وتنافرها، وذهاب ودها ومحبتها، ألا وهو التكبر من القوي على الضعيف، والغني على الفقير، والكبر مرض قلبي من أهم دلائله الظاهرة، ترك السلام تكبرًا.
وأثر الإيمان في تطهير القلب من هذا المرض يكمن في الإيمان القلبي القائم على معرفة الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وأفعاله العظيمة الحكيمة. فإذا استشعر العبد عظمة الله وكبريائه وجلاله، وبالمقابل استشعر ضعفه وذله وفقره وحاجته إلى ربه، فإن ذلك من أعظم البواعث على ابتعاده عن التكبر وجنوحه إلى التواضع. وأيضًا إذا كمل توكله على الله واستشعر أن النعمة التي هو بها -وغيرها من الخير الذي يأمله والشر الذي يحاذره- بيد الله وحده، حمله هذا العلم على ترك الاعتداد بنفسه أو قوته أو جاهه أو غناه وغير ذلك.
وقد أرشد النبي ﷺ إلى عمل له أثر كبير في نشر السلام والمحبة والوئام بين أفراد المسلمين، لما يحمله من رسالة من الأخ لأخيه بأنه يحترمه ويجله، ويعترف بمساواته في الحقوق بموجب رباط الإيمان هذا الأمر الجليل، هو إفشاء السلام.
قال ﷺ: " لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا
[ ١ / ٤٤١ ]
أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم "١.
مما تقدم تبين: أن الحقد والحسد والكراهية والبغضاء ثغور في حصن القلب والمجتمع المسلم إذا انتشرت بين الأفراد، وهي منفذ خطير للأفكار المنحرفة، وأن أثر الإيمان يتجلى في إزالة الدوافع لها بتقوية الإيمان بتعليم الناس بأسماء الله وصفاته وأفعاله، وغيرها من حقائق التوحيد، وبفرض الزكاة والحث على الإنفاق، وتحريم الربا، والتحريض على التعاون والتكافل بين المسلمين، والأمر بإفشاء السلام وحسن الخلق.
وبهذا ينتهي ما يسره الله من الكلام على هذا الفصل أثر الإيمان في تطهير القلب وأنتقل -بعون الله- إلى الفصل الذي يليه أثر الإيمان في تزكية القلب، والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمن، ح٥٤ ١/٧٤.
[ ١ / ٤٤٢ ]