الباب الثاني: أثر الإيمان في تحصين القلب ضد الأفكار الهدامة
الفصل الثالث: أثرالإيمان في تزكية القلوب
*
إن صلاح القلب بسلامته من الشر وعمرانه بالخير يجعله في حصن حصين من دعاة الضلال وأسبابه، وقد تقدم الكلام في الفصل السابق عن أثر الإيمان في تطهير القلب، وهو أثر هادم للوظائف الذميمة القائمة بالقلب، والتي تمثل ثغرات ومداخل في حصنه للأفكار والوساوس الشيطانية المفسدة.
وفي هذا الفصل يجري الكلام بعون الله تعالى على أثر الإيمان في تزكية القلب، وهو الأثر الباني للخصال الحميدة فيه، والتي يتحصن بها ضد أعدائه ومخططاتهم الرامية إلى التسلل إليه وإفساده.
والزكاة في اللغة: النماء والزيادة في الصلاح، يقال: زكا الشيء إذا نما في الصلاح، فالقلب يحتاج أن يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح ١.
وسميت الزكاة بذلك: "لما يكون فيها من رجاء البركة أو تزكية النفس -أي: تنميتها بالخيرات والبركات- أو لهما جميعًا، فإن الخيرين موجودان فيها"٢.
والمقصود بهذا الفصل هو زكاة القلب، ومعرفة أثر الإيمان في ذلك، ثم الإشارة إلى تحصنه بهذه التزكية من موارد الأفكار الهدامة ودوافعها.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٠/٩٦. ٢ المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص٢١٣، مادة "زكا".
[ ٢ / ٤٤٩ ]
وزكاة القلب أمر زائد على طهارته، فالتزكية وإن كان أصلها النماء والبركة وزيادة الخير، فإنما تحصل بإزالة الشر، فلهذا صار التزكي يشمل هذا وهذا١.
فطهارة القلب لازمة لتزكيته متقدمة عليها، قال ابن تيمية ﵀: "ولن ينمو الخير إلا بترك الشر، والزرع لا يزكو حتى يزال عنه الدغل، فكذلك النفس والأعمال لا تزكو حتى يزال عنها ما يناقضها، ولا يكون الرجل متزكيًا إلا مع ترك الشر "٢.
وتزكية القلب المتضمنة لتطهيره من المحرمات، وتغذيته بالصالحات هي طريق الفلاح والسعادة والأمن والهداية في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٧-١٠] .
وتزكية القلب تكون بالتوحيد والأعمال الصالحة، وتدسيته تكون بالشرك والمعاصي٣.
وقد تقدم٤ أن العقائد والعواطف هي المؤثرة على الإرادات، وأن
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١/٩٦، ٩٧. ٢ مجموع الفتاوى ١٠/٦٢٩. ٣ مجموع الفتاوى ١٠/٦٣٢. ٤ تقدم ص ٣١٦.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
العلم هو المؤثر بإذن الله في بناء العقائد والعواطف، وتزكيتها أو تدسيتها. وعلى هذا فإن العلم هو العامل الأهم في تزكية القلب وصلاحه لما له من تأثير على العقائد والعواطف. وتقدم أيضًا١ الإشارة إلى أثر العلم في تزكية القلب، وأن كلا من التطهير والتزكية إنما يكون بتعلم الوحي المطهر واتباعه اعتقادًا وفعلًا وتركًا.
وحيث إن البحث يجري في دراسة أثر الإيمان الكامل القائم على العلم المستقى من الوحي، والعمل الخالص الصواب، ذلك الإيمان الذي يثمر العقائد الحق، والعواطف الصالحة، والإرادات الطيبة، فإن القصد والحالة هذه هو بيان الآثار التي تنتج عن هذا الإيمان الذي زكا به القلب، والتي لها دور في تحصينه من الأفكار الخبيثة المفسدة.
ويمكن حصر أهم هذه الآثار فيما يأتي:
١- حصول الطمأنينة في القلب.
٢- النور والبصيرة والفرقان.
وسوف أتكلم -بحول الله تعالى- عن كل منها في مبحث مستقل، وبالله التوفيق.
_________________
(١) ١ تقدم ص٣٥٣.
[ ٢ / ٤٥١ ]
المبحث الأول: أثر التزكية في طمأنينة القلب.
طمأنينة القلب هي من أعظم نعم الله على المؤمن، وذلك أن سكون النفس واستقرارها هو الدافع للخير والشعور بالغبطة والسعادة، وبقيمة الحياة وهدفها، والثقة بالله ووعده.
ولذا كانت طمأنينة القلب هي حصنه الحصين الذي يستعصي على الشياطين، وذلك أن النفس المطمئنة والقلب الثابت لا سبيل إلى زعزعته بإذن الله.
ولكي يتبين أثر الطمأنينة في تحصين القلب، ينبغي أن أشير إلى ما يحدثه ضدها، وهو القلق من ثغور في القلب تتسرب من خلالها القاذورات من مستنقعات الجاهلية.
فالقلق: هو انزعاج القلب وانفعاله، وخروجه من استقراره وطمأنينته وراحته، فهو شعور بالضيق وعدم الرضى١.
_________________
(١) ١ انظر: المعجم الفلسفي د. جميل صليبا ٢/١٩٩، دار الكتاب اللبناني، بيروت ط: الأولى ١٩٧٣م، والموسوعة الطبية الحديثة ١١/١٥٧٩، تأليف نخبة من علماء مجمع "قلودن برس بأمريكا"، ترجمة لجنة تحت إشراف الإدارة العامة للثقافة بوزارة التعليم العالي بمصر، الناشر مؤسسة سجل العرب، القاهرة ١٩٦٩.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
والدوافع للقلق كثيرة، أهمها الخوف من حصول مكروه أو فوات محبوب، ومنها الشوق فإذا اشتاق العبد لشيء قلق من أجله واهتم له، ومن هذا النوع الشوق إلى المعرفة.
وهناك نوع من القلق لم يجد له علماء النفس سببًا معروفًا، وهو عبارة عن انزعاج واضطراب القلب يصحبه حزن وكآبة وضيق صدر، وقد انتشر هذا النوع انتشارًا واسعًا في السنوات الأخيرة، كشفت ذلك بعض الدراسات المتخصصة١، وهذا النوع من القلق معروف سببه لدى أهل الإيمان، فمرجعه إلى مخالفة الفطرة، وذلك أن الإنسان مجبول على الركون إلى الخير والحق والاطمئنان له، والقلق من الشر والضيق به.
فهذا النوع إذًا مرده إلى قيام الكفر أو الشرك أو النفاق أو المعاصي بالإنسان، واستمراره عليها.
وسوف أتكلم عن نوعين من أنواع القلق لما لهما من أثر في جنوح الفرد إلى الأفكار الخبيثة المخالفة للحق.
النوع الأول: القلق الناتج عن الشوق للمعرفة.
النوع الثاني: القلق الناتج عن مخالفة الفطرة بالشرك أو المعاصي.
_________________
(١) ١ انظر: علم الصحة النفسية، د، مصطفى خليل الشرقاوي، ص٢٧٣، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، ط: الأولى ١٩٨٣م. وانظر: دراسة حول ذلك في جريدة الشرق الأوسط، ص٢٢ العدد ٤١٢٤، الأربعاء ١٤/٣/١٩٩٠م.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
النوع الأول: القلق الناتج عن الشوق للمعرفة.
هذا النوع من القلق أصله فطري قد جبل عليه أكثر الخلق، فكل إنسان عاقل لديه رغبة في المعرفة، وإذا أحس بجهله بأمر انفعل طلبًا لمعرفته.
وقد ذكر الله لنا مثلًا على هذا القلق الذي يصيب الإنسان طلبًا للعلم، فإذا حصل ما تشوق إليه القلب من العلم سكن واطمئن، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠] .
أورد المفسرون أن هذا القلق والشوق لهذا النوع من العلم إنما وجد عند إبراهيم ﵇ بعد محاجته للنمرود١ في قضية أن الله هو الذي يحيي ويميت.
فقد ذكر ابن جرير ﵀ عن بعض السلف أن سبب مسألة
_________________
(١) ١ نمرود هو ملك بابل زمن نبي الله إبراهيم ﵇، قيل إنه ملك الدنيا وأنه استمر في ملكه أربعمائة سنة، كان من الطغاة المتجبرين، ادعى لنفسه الربوبية فأبطل الخليل ﵇ دليله وألجمه الحجة. انظر: البداية والنهاية ١/١٤٨.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
إبراهيم ربه ذلك المناظرة والمحاجة التي جرت بينه وبين نمرود في ذلك، من غير شك في الله تعالى ذكره، ولا في قدرته، ولكنه أحب أن يعلم ذلك وتاق إليه قلبه، فقال: ليطمئن قلبي، أي: ما تاق إليه إذا هو علمه١.
وهذا الشوق للمعرفة عند المؤمن إنما يرويه ما نزل من الحق في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ خاصة في الأمور الغيبية والمطالب الإلهية، والشرائع التعبدية.
إلا أن هذا الشوق يتحول إلى مرض إذا صاحبه عدم الرضى أو عدم الثقة بالنصوص الناقلة للعلم نتيجة لاستحكام الشبهات فيجنح عند ذلك إلى طلب الحق من مصادر أخرى.
يقول عبد الرحمن البدوي: "فإن أمثال هؤلاء المفكرين الذين يشعرون بالتوتر العظيم، بين النقل والعقل، أو بين الدين والعلم، لا يجدون خيرًا من هؤلاء الفلاسفة لكي يشبعوا هذه الرغبة"٢.
فجنوح المنتسبين إلى الإيمان إلى كتب الفلاسفة، أو الأديان الباطلة كالهندية والفارسية ونحوها، مرده إلى عدم الطمأنينة إلى مصدر الحق، وهو الوحي المطهر وقلة الثقة به، كمصدر كاف لمعرفة الحقائق، أو عدم الثقة بنقلته الذين بلغوه.
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان ٣/٤٨. ٢ كتاب أرسطو، لعبد الرحمن البدوي ص٢٧٥، مكتبة النهضة المصرية القاهرة، ط: الثانية، ١٩٤٤م.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
أما زعم من قال إن الفلسفة تشبع هذه الرغبة، فهذا ادعاء كاذب مردود بشهادة المختصين في دراسة الفلسفة قديمًا وحديثًا، وخاصة في هذا العصر الذي بلغت فيه الفلسفة أوجها، وقمة مجدها، حيث تبنتها الحضارة الغربية، وأقامت نظمها الاجتماعية عليها، وإليك بعض هذه الشهادات: ورد في كتاب مدخل إلى الفلسفة: "ومن الطبيعي أن يصبح الباحث حين يواجه هذه الحالة مرتبكًا مشدوهًا فاتر الهمة، فبينما كان يرجو أن يجد الحقيقة الواحدة، وجد نفسه بدلًا من ذلك مسوقًا إلى أن يسأل: ما هو الحق؟ لقد رجا أن يمسح على شكوكه بيد اليقين، لكنه بدلًا من ذلك وجد أن التفلسف يثير شكوكًا وارتباكات أكثر مما يطمئن، وأنه يثير أسئلة هي أعسر بكثير من أن يقدر على الإجابة عنها، والحاصل غالبًا هو انتفاء الرجاء في الفلسفة فما الفائدة؟ إن الفلسفة لا تقدر أن تبرهن على شيء والفلاسفة لا يتفقون أبدًا، كلها استراق وتحايل على كل حال، وهكذا يقع المتشكك فريسة سائغة لمعتقد يبشر به أهله تبشيرًا تعسفيًا"١.
وورد في الموسوعة الفلسفية المختصرة كلمة المحرر قوله: " ومن
_________________
(١) ١ مدخل إلى الفلسفة، تأليف جون هرمان راندال، وجوستاس يولخر ص٣٠ ترجمة د. ملحم قربان، دار العلم للملايين، بيروت ١٩٦٣م.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
هناك كانت أي مجموعة من الإجابات التي توضع لمشكلات الفلسفة الرئيسية إما أن تمثل وجهة نظر واحدة من بين ما لا يحصى من وجهات النظر، وأن تكون بمثابة بيان حزبي، وإما أن يظل يناقض بعضها بعضًا، ويترتب على هذا أن لا يمكن لأية موسوعة فلسفية أن تضطلع بتقديم إجابات قاطعة لمشكلات الفلسفة دون أحد أمرين: فإما أن تخدع قراءها بأن تصور لهم ما هو في حقيقة الأمر أحد الآراء المتخاصمة على أنه الإجابة المتفق عليها. وإما أن تربكهم بسلسلة من الإجابات المتعارضة، ولما كان الأمر كذلك، فقد آثرنا ألا نجيب عن هذه الأسئلة إطلاقًا"١.
وهذا الكلام الذي يقوله الذين يشرحون الفلسفة للقراء ويبسطونها لهم، هو بمثابة إعلان بالإفلاس، وإشعار القارئ أنه لن يجني خيرًا منها، فما أقربه من تحذير الملكين الذي ذكره الله بقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢] .
وبهذا الدافع جنح كثير من المنتسبين إلى العلم إلى الفلسفة وعلم الكلام، طلبًا للحق في المطالب الغيبية بزعمهم، فلم يجنوا لأنفسهم إلا
_________________
(١) ١ الموسوعة الفلسفية المختصرة، يشرف على تحريرها: جي يورمسون، تصدر باللغة الانجليزية، ترجمة نخبة من المترجمين المقدمة ص١، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة ١٩٦٣.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
الحيرة والضلال والخلاف، والانقسام لأمة الإسلام، فضلوا وأضلوا.
والغرض هو بيان أن قلق القلب، وتشوفه للعلم المصحوب بأي نوع من أنواع عدم الثقة أو القناعة بالوحي، يكون دافعًا للوقوع في الأفكار المنحرفة المخالفة، وبهذا يتبين أثر الإيمان في طمأنينة القلب وثقته فيما جاء من عند الله من الهدى والنور.
النوع الثاني: القلق الناتج عن مخالفة الفطرة بالعصيان.
لقد خلق الله عباده على فطرة سوية، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس:٧] .
قال ابن كثير ﵀: "أي خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة"١.
وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠] .
وقال ﷺ: " ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه "٢.
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ٤/٥١٦. ٢ متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات ح١٥٣٨ الصحيح مع الفتح ٣/٢١٩. ومسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة ح٢٥٦٨ ٤/٢٠٤٧.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
قال ابن رجب ﵀: "وهذا يدل على أن الله فطر عباده على معرفة الحق والسكون إليه وقبوله، وركز في الطباع محبة ذلك، والنفور من ضده"١، ثم استدل ببعض النصوص المتقدمة.
وإذا تبين هذا فإن الاعتقاد الصحيح، والعواطف الرشيدة من محبة الإيمان وما يتصل به، وكراهية الكفر وما ينتسب له أو يؤدي إليه، كل ذلك يوجب للقلب والنفس طمأنينة وراحة وسكينة.
وخلاف ذلك من الشرك أو الكفر والنفاق والعصيان يوجب للقلب الخوف والوحشة والقلق والانزعاج.
قال ابن القيم ﵀ في معرض بيانه لعقوبة المعاصي: "ومن عقوبتها ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف في قلب العاصي، فلا تراه إلا خائفًا مرعوبًا، فإن الطاعة حصن الله الأعظم، من دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة، ومن خرج منه أحاطت به المخاوف من كل جانب"٢.
وقال: "وهل العذاب إلا عذاب القلب، وأي عذاب أشد من
_________________
(١) ١ جامع العلوم والحكم ص٢٣٩. ٢ الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص٥٠، ٥١.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
الخوف والهم والحزن وضيق الصدر"١.
وقال أيضًا: "ومن عقوباتها أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب، فيجد المذنب نفسه مستوحشًا قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه، وبينه وبين الخلق، وبينه وبين نفسه، وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة"٢.
وقال في سر ذلك: "وسر المسألة أن الطاعة توجب القرب من الرب سبحانه، وكلما اشتد القرب قوي الأنس، والمعصية توجب البعد من الرب، وكلما زاد البعد قويت الوحشة"٣.
ولا شك أن هذه الأدواء المزمنة المتمثلة في الخوف والقلق والوحشة والضيق، سوف تؤدي بصاحبها إلى طلب الخلاص منها، وإذا أضيف إلى ذلك ضعف البصيرة وقسوة القلب الناتجة عن المعاصي، وكون المعاصي تطلب ما يلائمها، فإن الغالب على من قامت به أن يطلب الخلاص منها في أمور محرمة أخرى تزيد في مرضه وبعده عن الطمأنينة، فالمعاصي يجر بعضها بعضًا.
والكثير المشاهد أن هذه القلوب التي أحرقها لهيب الوحشة والقلق والضيق، تهرع إلى وسائل الترفيه والمرح التي لا يخلو بعضها من محرم
_________________
(١) ١ الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص٥٠، ٥١. ٢ نفس المصدر والصفحة. ٣ نفس المصدر والصفحة.
[ ٢ / ٤٦١ ]
وفتنة، وبعضها ينطوي على جملة من المحرمات، كممارسة الغناء والرقص أو سماعه ومشاهدته، ومشاهدة مواد التلفزيون وأشرطة الفيديو الفاسدة، والتردد على المسارح والسينما التي تُبث من خلالها الأفكار الهدامة على نطاق واسع، وأساليب مختلفة، ومن ذلك كثرة النزهات والتردد على الملاهي التي لا يخلو الكثير منها من الفتنة واختلاط الرجال بالنساء وبعض المحرمات، والإفراط في الاشتغال بالأدب والرياضة والفنون، وقراءة الروايات والمجلات التي تصد عن ذكر الله وتوقد الغرائز وتحرف الأفكار، وقد تزيد الوحشة والقلق فيلجأ إلى تعاطي المسكرات والمخدرات، أو يجنح إلى الفواحش والجريمة، أو الانتحار أو يصاب بالجنون.
وقد بين بعض الباحثين في أحوال الأمم الكافرة -المولعة باللهو واللعب والترفيه- أن الناس يلجؤون إلى هذه الوسائل للتخلص من القلق١، ويقول الكاتب "بسكال"٢: "إن الناس قد اخترعوا شتى ضروب اللهو أو التسلية، حتى يتجنبوا الخوف من الوحدة أو العزلة"٣.
_________________
(١) ١ انظر: الموسوعة الطبية الحديثة ١١/١٥٨٠، وجريدة الشرق الأوسط، ص٢٢، العدد ٤١٢٤، الأربعاء ١٤/٣/١٩٩٠م، زاوية "دراسات". ٢ "باسكال" مؤلف فرنسي ولد عام ١٩٢٣م، وتوفي ١٩٦٣م. انظر: دائرة المعارف، بطري البستاني ٥/٤١٨، مطبعة المعارف، بيروت، ١٨٨١م. ٣ نقلًا عن كتاب: في سبيل موسوعة نفسية، تغلب على الخوف، لمجموعة من علماء النفس الغربيين، عرض وتقديم د. مصطفى غالب، ص١٣، دار مكتبة الهلال، بيروت ١٩٨٥م.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
وكثيرًا ما استخدم شياطين الإنس والجن هذه الوسائل كطعم لصيد الناس وإيقاعهم في الفواحش والأفكار الهدامة المفسدة للعقائد والأخلاق.
قال الشيخ محمد قطب مبينًا استغلال أعداء الإسلام لهذه الوسائل في هدم الإسلام: "كان من المفاسد الجديدة التي جاء بها الاستعمار: التعالن بالفاحشة باسم "التحرر" و"الانطلاق" و"المدنية" والدعوة إلى السفور والدعوة إلى الاختلاط، وكان منها توسيع دائرة "اللهو" باسم "الفن" و"الرقي" و"الحضارة" فمرة مسرح، ومرة سينما، ومرة إذاعة ماجنة تقدم الغناء الفاحش، والتأوهات المريضة والألفاظ العاتية، ومرة يكتب عليه صراحة اسم "ملهى" ومرة.. ومرة.. ومرة"١.
وقال أيضًا: "وجدت بعد أيام الاستعمار الأولى وسائل أخرى كلها للإفساد، من أبرزها التلفزيون والفيديو واتخاذ الصحافة النسوية ثم السينما والتلفزيون لإغراء المرأة بمزيد من التبذل والفساد"٢.
ولخص بعد ذلك أهم أهدافهم من وراء نشر ذلك بأنها صرف
_________________
(١) ١ الجهاد الأفغاني ودلالاته، محمد قطب، ص٥٢ مؤسسة المدينة للصحافة والطباعة والنشر، جدة ط الأولى، ١٤١٠؟. ٢ نفس المصدر، والصفحة.
[ ٢ / ٤٦٣ ]
الناس عن الصلاة بعدما صرفوهم عن تحكيم شريعة الله، والقضاء على روح الجد في الأمة، والقضاء على ما بقي من روح الجهاد فيها١.
ولا شك أن زعزعة اعتقاد المسلمين وإفقادهم الثقة والعزة بدينهم من أهم أهدافهم.
والحق أن هذه الأمور التي يلجأ إليها الناس للتخلص من القلق لا تحقق لهم هذا المطلب، بل تزيدهم قلقًا ووحشة، فهي تصرف فكر الإنسان وتشغله عمّا يعانيه من القلق مؤقتًا ما دام في لهوه، ثم يعود بعد ذلك أسوأ حالًا مما كان عليه.
ورد في الموسوعة الطبية الحديثة: "أما الإقبال على المشروبات الكحولية، والترويح السلبي من أمثال مشاهدة التلفزيون والسينما، فلا يخفف القلق، بل على العكس يزيد من سوئه"٢.
"فاللهو حمض أكّال، يرهّل النفس، ويقتل الوقت، ويمنع التوجه لمعالي الأمور، وهو في الوقت ذاته مغر بالمزيد، ولا تشبع منه النفس إذا وجهت همها إليه، وإنما تسعى للاستزادة منه مع "التفنن" الدائم في التغيير! " ٣.
فالنفس لا تشبع من اللهو لأنه ليس علاجًا صحيحًا، لما فيها من
_________________
(١) ١ المصدر السابق، ص٥٢، ٥٣. ٢ الموسوعة الطبية الحديثة ١١/١٥٨٠. ٣ الجهاد الأفغاني ودلالاته محمد قطب ص٥٣.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
القلق والضيق، إذ لو كان علاجًا مناسبًا لقطع القليل منه دابر الداء أو خففه. كما يحدث للمؤمن عند فعل الطاعات، لكن اللهو مسكن؛ تمامًا كالحبوب المسكنة للآلام البدنية، يشعر المريض بالراحة ويسكن الألم إذا تعاطاها، والمرض في الحقيقة يزيد إذا لم يعالج بعلاجه المناسب.
وسعي النفس للاستزادة -حيث إنها كلما جربت نوعًا من اللهو بحثت عن غيره- دليل على زيادة الدافع للهو ألا وهو القلق والضيق والكآبة.
وبهذا يتبين أن القلق وعدم سكون القلب دافع لطلب الأفكار الهدامة، أو تعاطي الأمور التي تستخدم لنشرها، فهو إذًا ثغرة في القلب خطيرة، قد تؤدي بصاحبها إلى الوقوع فريسة للأفكار الهدامة المفسدة للدين. وبهذا تتبين الأهمية الكبرى للإيمان في جلب الطمأنينة للقلب، وتحصنه بذلك من الجنوح إلى شيء من أباطيل الجاهلية أو أفعالها القبيحة.
وقد جاء المجال للكلام على الطمأنينة كأثر فعال في تحصين قلب المؤمن، والله المستعان.
الطمأنينة حصن للقلب:
إذا تقرر أن قلق القلب إنما هو فقر وحاجة تدفعه إلى طلب ما يرويها ويلائمها من الشهوات المحرمة أو وسائلها من اللهو واللعب ونحوه،
[ ٢ / ٤٦٥ ]
أو إلى تطلب الحق في غير محله، ومن غير أهله، وفي ذلك وقوع في الأفكار الفاسدة، أو في مصائد المفسدين التي يستدرجون بها أهل الخير إلى مهاوي الرذيلة والضلال
إذا تقرر ذلك، فإن طمأنينة القلب وسكونه تعني غناه وركونه إلى الإيمان وعقائده وشرائعه، فلم يعد فيه قلق أو حيرة في أي مطلب علمي تدفعه إلى طلب الحق فيه من غير الوحي المبارك، وليس في قلبه مرض يميل به إلى الفاحشة أو مواردها حيث حبب الله إليه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، فهو مطمئن سليم. فالطمأنينة إذًا هي غنى القلب الذي يتحصن به المؤمن من كل شر فكري يؤثر في عقائده، أو عاطفي يخل بعواطفه وإرادته.
سبب طمأنينة القلب:
طمأنينة القلب وسكون النفس قضية تهم البشر جميعًا، فكل إنسان يبحث عن هذا الأمر، لذا كثر كلام المفكرين قديمًا وحديثًا عن أسباب الطمأنينة وكيفية حصولها، واختلفوا في ذلك اختلافًا واسعًا، كعادتهم في كل القضايا الرئيسية الهامة.
والقرآن الكريم أنزله الله على رسوله ﷺ هاديًا للبشرية إلى الحق في جميع نواحي الحياة ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] .
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى
[ ٢ / ٤٦٦ ]
وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] .
ونظرًا لأهمية هذه القضية وخطورتها، فلا بد أن يأتي البيان لها فيما نزل من الوحي بوضوح يتفق مع أهميتها.
وقد جاء البيان للسبب الذي به تطمئن القلوب في كثير من النصوص، من ذلك قوله الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] .
ففي قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّه﴾ علامة على المؤمنين الذي صدقوا في إيمانهم وتمكن من قلوبهم، وهي اطمئنان قلوبهم لذكر الله، أي: "تسكن قلوبهم وتستأنس بذكر الله"١.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "ثم ذكر تعالى علامة المؤمنين، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ﴾ أي يزول قلقها واضطرابها وتحضرها أفراحها ولذاتها"٢.
وهذه العلامة ينبغي أن يتحقق وجودها في نفسه كل من ينتسب
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ١٣/١٤٥. ٢ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ٤/١٠٨، طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض ١٤٠٤هـ.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
للإيمان، فإن كان من الذين تنشرح صدورهم عند قراءة القرآن أو سماعه، وفي حلق العلم وسماع الدروس، ويتلذذون ويرتاحون في الصلاة، ومجالسة الصالحين، وفي كل ما يذكرون الله به أو يذكرهم به، فهو من ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ﴾ فليحمد الله وليلزم.
أما إن كان يجد ثقلًا وانقباضًا عند ذلك، وفي المقابل ينشرح صدره ويرتاح عند سماع الغناء واللهو، وأمام الملهيات وفي مجالس القيل والقال، والغفلة أو في المعاصي، فهو ليس من ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ﴾ بل إيمانه ضعيف، وفي قلبه مرض، وهو على خطر عظيم فليستفد من هذه العلامة وليتدارك نفسه.
أما قوله: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ فلها مدلول أعمق.
فهي مع تأكيدها لما تقدم من طمأنينة قلوب المؤمنين بذكر الله حيث إنه هو الحقيق بأن يطمئن له ويسكن إليه١، فهي مع ذلك تشير إلى حقيقة هامة، يحتاج إلى إدراكها كل إنسان، وعلى إدراكها أو عدمه يتحدد سلوكه في الحياة.
هذه الحقيقة هي أنه لا طريق إلى طمأنينة القلوب وسعادتها وأنسها
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ٢/٥١٢.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
وبهجتها، إلا بذكر الله ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ لا بغيره، فالسبب الوحيد لطمأنينة القلوب وشفائها من أمراضها، وزال قلقها ووحشتها هو ذكر الله، ذكر الله بمدلوله الواسع الشامل لكل ما يذكّر بالله، أو يُذكر الله به، ما يُذكر بالله من العلوم النافعة والأدلة القاطعة في الآيات البينات الناطقات أو المشاهدات، وما يذكر به الله من سائر الأذكار والعبادات، وإقامة الأحكام والمعاملات على شرع الله.
ويجمع ذلك العلم بما نزل من الوحي والعمل به. فذلك هو الطريق إلى طمأنينة القلوب وسعادتها في الدنيا والآخرة، قال تعالى مشيرًا إلى هذه الحقيقة: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٣-١٢٦]
قال سيد قطب -﵀-: في تعليقه على قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ "تطمئن بإحساسها بالصلة بالله، والأنس بجواره والأمن في جانبه وفي حماه تطمئن من قلق الوحدة، وحيرة الطريق، وبإدراك الحكمة في الخلق والمبدأ والمصير، وتطمئن بالشعور بالحماية من
[ ٢ / ٤٦٩ ]
كل اعتداء، ومن كل ضرر ومن كل شر إلا بما شاء مع الرضى بالابتلاء والصبر على البلاء، وتطمئن برحمته في الهداية والرزق والستر في الدنيا والآخرة: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ وذلك الاطمئنان في قلوب المؤمنين حقيقة عميقة يعرفها الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، فاتصلت بالله، يعرفونها، ولا يملكون بالكلمات أن ينقلوها إلى الآخرين الذين لم يعرفوها، لأنها لا تنقل بالكلمات، إنما تسري في القلب فيستروحها ويهش لها ويندى بها ويستريح إليها، ويستشعر الطمأنينة والسلام" ١.
وقد يقال: إذا كانت القلوب لا تطمئن إلا بذكر الله، فكيف نجد من يطمئن بغير ذلك من اللهو والمعاصي، وغير ذلك مما هو مخالف لذكر الله؟!
فالجواب: إن طمأنينة من يتعاطى ذلك غير صحيّة، فهي راحة كاذبة لموافقتها ما قام في قلوبهم من الشر والمرض، فيشعر بنشوة وراحة لذلك، لكنها راحة مؤقتة لا تلبث أن تنقشع عن نار محرقة في القلب، لذلك يغلب على هؤلاء إدمان اللهو واللعب والمرح، أو المسكرات والمخدرات هربًا من مجابهة ما يثور في قلوبهم من النكد والضيق إذا فتر اللهو.
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى هذا النوع من الراحة
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ٥/٩٤.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
التي يجدها مرضى القلوب، وأنها ليست ناتجة عن منفعة حقيقية، وصلاح في القلب وزوال لمرضه، وإنما هي راحة مؤقتة مع بقاء أصل المرض الذي كدر القلب، فالقلب في الحقيقة قلق مضطرب منكود، فقال: "والتحقيق أن الحسد هو البغض والكراهة لما يراه من حسن حال المحسود وهو نوعان:
أحدهما: كراهة للنعمة عليه مطلقًا، فهذا هو الحسد المذموم، وإذا أبغض ذلك فإنه يتألم ويتأذى بوجود ما يبغضه، فيكون ذلك مرضًا في قلبه، ويلتذ بزوال النعمة عنه، وإن لم يحصل له نفع بزوالها، لكن نفعه زوال الألم الذي كان في نفسه وهو راحة، وأشده كالمريض الذي عولج بما يسكن وجعه والمرض باق" ١.
وقد بين الله في كتابه حال بعض من يطمئنون بغير ذكر الله، وأن سبب ذلك مرض في قلوبهم، نتج عنه ذلك الاطمئنان المنحرف، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس:٧، ٨] فبين سبحانه أن رضوانهم بالحياة الدنيا واطمئنانهم بها ناتج عن مرض الكفر بالله وبلقائه سبحانه، وأن ذلك كله مترتب على مرض الجهل الحاصل من
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٠/١١١، ١١٢.
[ ٢ / ٤٧١ ]
الغفلة عن آيات الله.
وبهذا يتبين أن الطمأنينة الحق هي طمأنينة القلب السليم، الذي عمر بالإيمان وتغذى من الوحي المطهر، وانصبغت عقائده وعواطفه وانفعالاته وإراداته بالعلوم المستقاة منه، وكلما زاد الإيمان، زادت الطمأنينة واستغنى القلب وعظم انفكاكه وابتعاده عن أفكار الجاهلية وأعمالها.
الإيمان والطمأنينة:
والمقصود بهذا العنوان بيان أن الإيمان بمختلف شعبه يحقق للقلب ما يصبو إليه ويتشوق لتحصيله من المعلومات والمحبوبات، والتي تُوجِد به الخير والصلاح، وتعمل على ثباته وقوته واستقراره.
ومن أجل بيان هذا المطلب المهم ينبغي معرفة ما يحتاج إليه الإنسان السوي، ويتطلع إلى حصوله من الأمور التي فطر على الحاجة إليها، أو التي يوحي له عقله بالبحث عنها لتحقيق السعادة والأمن، ثم معرفة دور الإيمان في تلبية تلك الحاجات، وسكون النفس وطمأنينة القلب بذلك، فالإنسان مفطور على أن له خالقًا أوجده ويملكه ويدبره، فهو بأشد الشوق إلى معرفة: خالقة، ومبدأ خلقه، والغرض الذي من أجله أوجده، ودوره ووظيفته التي يقوم بها، ثم مصيره ومنتهاه، وهو بحاجة إلى ركن شديد يعتمد عليه، ويركن إليه في حصول الخير الذي يصبو إليه، ويطمئن تحت حمايته من الأخطار الكثيرة التي تحيط به أو التي يتوقعها، ويستعينه
[ ٢ / ٤٧٢ ]
على كشف ما نزل منها، وكلما زادت معرفته بالأخطار كان قلقه وحاجته إلى الحماية والإعانة أشد، كما أنه محتاج إلى أن يعرف الاستجابة المناسبة الصحيحة لما يجري عليه أو حوله من أقدار الله. فإذا تحققت هذه المطالب سكن القلب واطمأن، وإلا كان مضطربًا قلقًا بقدر ما نقص منها. فأين يجد الإنسان ما يسد حاجة قلبه وقلق نفسه؟
لا شك أن هذه الأمور -لأهميتها وكثرة تخبط البشر في تحديدها- جاء بيانها في الوحي المطهر بيانًا كشف جميع جوانبها وطرق تحصيلها، والعلم الذي يحصل به الإيمان بالله والعمل بموجبه كفيل بإشباع القلب وإرواء النفس لما ترنو إليه.
"إن في فطرة الإنسان فراغًا لا يملؤه علم، ولا ثقافة، ولا فلسفة، إنما يملؤه الإيمان بالله جل وعلا.
وستظل الفطرة السليمة تحس بالتوتر والجوع والظمأ حتى تجد الله وتؤمن به، وتتوجه إليه، هناك تستريح من تعب، وترتوي من ظمأ، وتأمن من خوف، هناك تحس بالهداية بعد الحيرة، والاستقرار بعد التخبط، والاطمئنان بعد القلق، ووجدان المنزل والأهل بعد طول الغربة والضرب في أرض التيه"١.
_________________
(١) ١ الإيمان والحياة، د. يوسف القرضاوي ص٩٦، مؤسسة الرسالة، بيروت ط ٩، ١٤٠٣هـ.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
وقد بين الإمام ابن القيم -﵀- حاجات القلب الفطرية وأثر الإيمان في إشباعها بقوله: "ففي القلب شعث: لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة، لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته. وفيه حزن: لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وصدق معاملته. فيه قلق: لا يسكنه إلا الاجتماع عليه١، والفرار منه إليه.
وفيه نيران حسرات: لا يطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه، وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه. وفيه طلب شديد: لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه. وفيه فاقة: لا يسدها إلا محبته، والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبدًا"٢.
أثر معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله في طمأنينة القلب:
إن معرفة الله بأسمائه وأفعاله وصفاته تخصب القلب بالخير في عقائده، وعواطفه وإراداته، كما أنها عامل في توازن القلب واستقراره، وكلما كانت معرفته أكمل، كان حظه من ذلك أكبر.
_________________
(١) ١ يقصد ﵀ بالاجتماع على الله: "جمع الهمة على الله سبحانه، محبة وإنابة وتوكلًا وخوفًا ورجاء ومراقبة، وجمع الهمة على تنفيذ أوامر الله في الخلق دعوة وجهادًا، فهما جمعان: جمع القلب على المعبود وحده، وجمع الهم له على محض عبوديته". مدارج السالكين ٣/٤٥٩. ٢ مدارج السالكين ٣/١٧٢.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
وذلك أن لكل اسم من أسماء الله تعالى عبودية خاصة، وأثرًا معينًا في القلب والفكر والسلوك.
أما العبودية، فتكون بإثبات الاسم لله تعالى، واعتقاد أن الله متصف بما دل عليه من الصفة، وقيام العواطف المناسبة في القلب، ثم دعاؤه والثناء عليه به، بالحال التي تتناسب مع ما دل عليه من المعاني، فإذا كانت حال الداعي طلب مغفرة ورحمة، دعاه باسمه "الغفور الرحيم"، وإذا كانت حالة استشعار الرحمة وفيض النعمة أثنى عليه بالجواد الكريم المعطي المنعم وهكذا.
أما أثر الأسماء -وهو المقصد الأهم في هذا المجال- فكل اسم له أثر خاص يتناسب مع ما يدل عليه من المعنى والصفة، فإن إثبات الاسم لله تعالى واعتقاد أنه متصف بالصفة التي دل عليها يحدث أثرًا في القلب، فالقلب باستشعاره لمعنى الصفة يتفاعل ويتجاوب مع ذلك المعنى ويتأثر به، وينبعث لموجبه، محبة أو خوفًا، رغبة أو رهبة، أو تعظيمًا وإجلالًا، أو توكلًا ورجاء.
ذلك الانفعال في القلب الناتج عن الاعتقاد، له تأثير على العواطف والإرادات والتفكير، وبالتالي على السلوك؛ ولكل اسم من أسماء الله معنى خاص وتأثير خاص، ولا تزال معاني الأسماء والصفات تتوارد على القلب وتحدث فيه تأثيرًا مناسبًا لكل منها، حتى تصبح فيه معرفة متكاملة لربه ﷾، وأثرًا متكاملًا يخصب فيه نوازع الخير في عواطفه وأعماله
[ ٢ / ٤٧٥ ]
الصالحة، كما يصبح فه توازن مستفاد من استشعار جميع أو أغلب الصفات التي وردت في الكتاب والسنة، دون أن يستشعر معاني بعض الصفات ويتأثر بها وينفعل لموجبها، ويغفل عن استشعار ما يقابلها، فيصبح عنده خلل في أعمال القلب والتفكير والسلوك؛ فكل جهل أو ضلال بمعنى اسم من أسماء الله ينتج عنه خلل في القلب والفكر وانحراف في السلوك، ويفقد من الطمأنينة والاتزان بقدر جهله أو ضلاله.
قال ابن القيم ﵀: " والتعرفات إلى عباده بأسمائه وصفاته، واستدعاء محبتهم له، وذكرهم له، وشكرهم له، وتعبدهم له بأسمائه الحسنى، إذ كل اسم فله تعبد خاص به، علمًا ومعرفة وحالًا، وأكمل الناس عبودية: المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر، فلا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر، كمن يحجبه التعبد باسمه "القدير" عن التعبد باسمه "الحليم الرحيم" أو يحجبه اسمه "المعطي" عن عبودية اسمه "المانع" أو التعبد بأسماء "التودد، والبر واللطف، والإحسان" عن أسماء العدل، والجبروت، والعظمة والكبرياء، ونحو ذلك"١.
أمثلة على أثر بعض الأسماء في طمأنينة القلب:
من ذلك أن إدراك العبد لمعاني أسماء الله "العليم، الخبير، الحكيم" يوجب له ثقة واطمئنانًاَ إلى أن أمره ومصيره وما يجري عليه بيد ملك
_________________
(١) ١ مدارج السالكين ١/٤٥٢.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
مدبر عليم حكيم خبير، فيزول عنه كابوس الخوف والقلق من المستقبل والمجهول الذي ينخر قلوب الكافرين الجاهلين بربهم، ومثال ذلك، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل:٦٠] . لو أن ركابًا في سفينة تجري في البحر علموا أن قائد السفينة عاقل حليم ماهر عالم بأحوال البحار وأمواجه، له خبرة في معرفة الطريق والجهات، فإن هذا العلم يوجب لهم أمنًا واطمئنانًا وثقة به، بخلاف ما لو أدركوا أنه طائش أو جاهل بالقيادة أو بأحوال البحر، فإن ذلك يوجب لهم خوفًا وقلقًا يزيد كلما زاد علمهم بالأخطار.
ومن ذلك أن استشعار القلب لصفات معينة كالتي تدل عليها أسماء الله "الرحمن، الرحيم، المنعم، اللطيف، المنان، الودود، الكريم، الجواد، الغفور، العفو، التواب"، ونحوها.
وبعض الأخبار الواردة عن الله من أن الله واسع المغفرة، وأن يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، وأن رحمة الله قريب من المحسنين، وأن رحمته وسعت كل شيء، وشهود القلب لآثار هذه الصفات في الكون: كنزول المطر، وتجدد النعم وحصول البركات، والهداية، والأمن ونحوها، كل ذلك يوجب للقلب أثرًا معينًا يتمثل في محبة المنعم ورجائه سبحانه، وتعلق القلب به، وتوكله عليه؛ وذلك يوجد فيه قدرًا عظيمًا من الطمأنينة؛ كما أن فقه القلب لمدلول تلك الصفات يجعله يحبها، ويتخلق بتلك المعاني
[ ٢ / ٤٧٧ ]
الحسنة التي يحبها، فيحرص أن يكون كريمًا رحيمًا عفوًا الخ.
كما أن إدراك القلب لمعاني صفات أخرى كالتي تدل عليها أسماء الله "العزيز الجبار، المتكبر، القهار ونحوها"، والأخبار والواردة عنه سبحانه من أن أخذه أليم شديد، وأنه سريع العقاب، وفعال لما يريد، وأن بطشه شديد.. ونحوها، ومشاهدة آثار ذلك في الكون من حصول المصائب والكوارث والحروب، وذهاب الأمن ووقوع الفتن، والزلازل والبراكين.. ونحوها، فإن ذلك يحدث في القلب أثرًا آخر من الخوف والخشية والتعظيم والمهابة.
وهذه الأعمال التي قامت بالقلب تؤثر في العواطف والإرادات نفورًا من الظلم والشر والمعاصي التي يمقتها الله، وتوجب سخطه وعقوبته، فيقوم في القلب نتيجة لذلك محبة ورجاء مستفادة من إدراك القلب لمعاني بعض الأسماء، وخوف ورهبة وتعظيم مستفاد من معرفة القلب لمجموعة أخرى من الأسماء، محبة تدفعه وخوف يمنعه، محبة تبعث فيه الرجاء وتدفعه إلى فعل الطاعات والمسارعة إلى الخيرات طلبًا لرضوان المحبوب والقرب منه، وخوف يمنعه من كل ما يغضب الله خوفًا من بعده عن محبوبه والتعرض لسخطه وعقوبته.
ولذلك جمع الله بين الخوف والرجاء في سياق واحد في معرض مدحه لعباده المؤمنين، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ
[ ٢ / ٤٧٨ ]
أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧] .
وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] .
وفي الحديث عن أنس بن مالك ﵁: " أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت، فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله يا رسول الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ: "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجوه وآمنه مما يخاف "١.
والقلب ليس له صلاح بدونهما -الخوف والرجاء- ولا بانفراد أحدهما بالسيطرة على القلب، فإن ذلك يخرجه عن طمأنينته واستقراره، ويجنح في عواطفه وسلوكه، وتضطرب عبوديته.
فلو غلب جانب الرجاء بأن استشعر الأسماء والأخبار وما يفيده الاعتبار مما يدل على عفو الله ورحمته وكرمه ولطفه ونحوها، وحجب قلبه عما يقابلها مما يدل على مكر الله بالظالمين واستدرجه لهم وانتقامه منهم،
_________________
(١) ١ رواه الترمذي، أبواب الجنائز، الباب العاشر، ح٩٨٨ ٢/٢٢٧، وابن ماجه في كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، ح٤٢٦١ ٢/١٤٢٣ واللفظ له، وأورده الألباني في السلسة الصحيحة ٣/٤١، وحسنة بالمتابعة.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
وعقوبته لمن خالف أمره، فإنه ينتج عن ذلك الأمن من مكر الله، وذلك يؤدي بصاحبه إلى أن يضرب بالمعاصي ولا يبالي، فيتوزع القلب في محبة الشهوات، وسيِّئ الإرادات فيتنازعه الهم والقلق، وفي أقل أحواله يخلد إلى الدعة والراحة وترك العمل فيما يعود عليه بالنفع في الدين والدنيا، إذ إن الطمأنينة الناتجة عن الأمن والرجاء المطلق الذي بدون خوف، هي عامل فساد وخمول وعقم في القصد والطلب، وهي ناتجة عن جهل بالله ولا يسلم من كان كذلك من مرض في عقائده أو عواطفه وسوء ظن بربه.
وقد حذر الله تعالى من الأمن من مكره وبين أنه من أحوال الخاسرين، فقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] .
أما إذا كان العكس بأن أدرك قلبه من معاني الأسماء والصفات ما يدل على عظمة الله وجبروته وسرعة عقابه وشدة انتقامه، وحجب قلبه عن الأسماء الدالة على الرحمة واللطف والتوبة والمغفرة الخ، فيسيطر على القلب الخوف فيسلمه ذلك إلى اليأس من روح الله والقنوط من رحمته؛ مما يؤدي به إلى ترك العمل، إذ لا فائدة منه بزعمه، وهذه طامة من الطوام وكبيرة من كبائر الذنوب، تُخرج القلب عن سكينته وأنسه إلى انزعاجه وقلقه وهمه.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
وقد حذر الله من القنوط من رحمته واليأس من روحه، فقال: ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٥، ٥٦] .
وقال حاكيًا عن نبيه يعقوب ﵇: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] .
وهكذا سائر أسماء الله وصفاته، فإن لمعرفتها أثرًا كبيرًا في سلامة القلب واتزانه، وبالتالي سلامة واتزان التفكير والسلوك، كما أن لها أثرًا مهمًا في طمأنينة القلب وتوكله وركونه إلى ربه، وتسليمه لشرعه، راضيًا بقدره، واثقًا بعدله وحكمته، مطمئنًا إلى عفوه ومغفرته عند زلته وتوبته.
قال ابن القيم ﵀ كاشفًا هذا الأثر العظيم لمعرفة العبد بأسماء الله وصفاته، وكيف أنها تعمل في إصلاح القلب واطمئنانه واستقراره: "القرآن كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته، فتارة يتجلى في جلباب الهيبة والعظمة والجلال، فتخضع الأعناق، وتنكسر النفوس، وتخشع الأصوات، ويذوب الكبر كما يذوب الملح في الماء، وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال، وهو كمال الأسماء وجمال الصفات، وجمال الأفعال الدال على كمال الذات فيستنفد حبه من قلب العبد قوة الحب
[ ٢ / ٤٨١ ]
كلها، بحسب ما عرفه من صفات جماله ونعوت كماله، فيصبح فؤاد عبده فارغًا إلا من محبته وإذا تجلى بصفات الرحمة والبر واللطف والإحسان انبعثت قوة الرجاء من العبد، وانبسط أمله وقوي طمعه وسار إلى ربه وحادي الرجاء يحدو ركاب سيره، وكلما قوي الرجاء جد في العمل وإذا تجلى بصفات العدل والانتقام والغضب والسخط والعقوبة، انقمعت النفس الأمارة، وبطلت أو ضعفت قواها من الشهوة والغضب واللهو واللعب والحرص على المحرمات، وانقبضت أعنة رعونتها، فأحضرت المطية حظها من الخوف والخشية والحذر وإذا تجلى بصفات السمع والبصر والعلم، انبعثت من القلب قوة الحياء فيستحيي من ربه أن يراه على ما يكره، أو يسمع منه ما يكره، أو يخفي في سريرته ما يمقته عليه، فتبقى حركاته وأقواله وخواطره موزونة بميزان الشرع غير مهملة ولا مرسلة تحت حكم الطبيعة والهوى.
وإذا تجلى بصفات الكفاية والحسب والقيام بمصالح العباد وسوق أرزاقهم إليهم، ودافع المصائب عنهم ونصره لأوليائه وحمايته لهم، ومعيته الخاصة لهم، انبعثت من العبد قوة التوكل عليه والتفويض إليه، والرضى به وبكل ما يجريه على عبده ويقيمه فيه مما يرضى به هو سبحانه، والتوكل معنى يلتئم من علم العبد بكفاية الله وحسن اختياره لعبده، وثقته به ورضاه بما يفعله ويختاره له. وإذا تجلى بصفات العز والكبرياء أعطت نفسه المطمئنة ما وصلت
[ ٢ / ٤٨٢ ]
إليه من الذل لعظمته والانكسار بعزته والخضوع لكبريائه، وخشوع القلب والجوارح له، فتعلوه السكينة والوقار في قلبه ولسانه وجوارحه وسمته، ويذهب طيشه وقوته وحدته"١١١ [٤٠] .
ومما تقدم يتجلى أثر معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله ﵎ في طمأنينة القلب، وكلما زادت المعرفة زادت الطمأنينة والشعور بالثقة والأمن.
أثر معرفة المبدأ والغاية والمصير في طمأنينة القلب:
إن الشوق إلى معرفة المبدأ والغاية والمصير، فطري قائم في أعماق كل إنسان يسأل عنها بإلحاح، منتظرًا الجواب الذي يزيل قلقه وتطمئن به نفسه.
والإسلام يقدم إجابة متميزة عن إجابة غيره، تميزًا أمدها قوة وثباتًا يبعث على الثقة والاطمئنان، والسر في ذلك أنها قائمة على مرتكزات اختصت بها أهمها:
١- شعور المتلقي أنه يتعلم من خالقه الذي هو أعلم به وبما يصلحه.
٢- قيام الدلائل على إعجاز القرآن، وعلى صدق النبي ﷺ، وكلما زاد علمه بهذه الدلائل والمعجزات كانت ثقته واطمئنانه بالعلم المستقى منها أعظم.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
٣- موافقة تلك الأجوبة للفطرة.
فالعلم الذي قرره الإسلام يروي المطالب الفطرية، والتكاليف والشرائع تراعي الغرائز الفطرية، فالانسجام والتوافق في أعلى قممه بين الإسلام والفطرة الإنسانية، ولا عجب، فالإسلام هو الدين الذي شرعه خالق الإنسان.
قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠] .
٤- انسجام تلك الأجوبة مع العقل السليم.
فليس في شيء من تلك الأجوبة وتفاصيلها ما تستحيله العقول السليمة، بل إن التفكير السديد يدل على أنها متناسقة مع واقع الإنسان وما فُضل به من العقل والخلق، ويتجلى ذلك في ظهور التكريم للإنسان وتفضيله وتكليفه، ومؤاخذته في تفاصيل هذه المطالب، فالحكمة ظاهرة متناسقة.
فالعقل يدرك أن ما حصل من تكريم الله للإنسان من خلقه له بيده، وإسجاد الملائكة له، أنه يتناسب مع مكانة الإنسان ووظيفته التي كلفه بالقيام بها من الخلافة في الأرض وتحقيق العبودية.
كما أن العقل يقرر أن عبودية المخلوق لخالقه، والمتفضل عليه والذي يملكه ويدبره هي الحق المتعين، والخلافة في الأرض على منهجه هو
[ ٢ / ٤٨٤ ]
الغرض المتحتم، كما يحكم بأن الإنسان بما أُعطي من عقل وقدرات نفسية وبدنية هو المهيأ وحده للقيام بهذه الوظيفة على الأرض.
والعقل يرى أن العدل أن يبعث الناس للحساب، فيقتص للمظلوم من الظالم، ويجازي المحسن بالإحسان، والمسيء بالعقاب والحرمان.
فإذا تحققت هذه الخصائص في أجوبة الأسئلة الفطرية الموجودة في قلوب الناس وغيرها من العلوم، كان تقبلها لها عظيمًا وركونها إليها قويًا، وأحدثت فيها سكينة واطمئنانًا، وثقة في مصدر التلقي ينسحب على العلوم المستفادة منه، ويستغني به عن غيره.
وقد بين الشيخ د. يوسف القرضاوي التوافق العظيم بين الفطرة والعقل، وبين ما جاء به الوحي المطهر، فقال:
"تقول الفطرة والعقل: إن الناس لم يُخلقوا من غير شيء، ولم يخلقوا هم أنفسهم، ولم يخلقوا مما حولهم ذرة في الأرض أو في السماء.
ويقول القرآن: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥-٣٦] .
وتقول الفطرة والعقل: لا بد إذن من خالق لهذا الإنسان العجيب، ولهذا الكون العريض، ولا بد أن يكون هذا الخالق واسع العلم، بالغ الحكمة، نافذ المشيئة، عظيم القدرة، ويقول القرآن: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ
[ ٢ / ٤٨٥ ]
كَانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٣-٦٤] .
وتقول الفطرة والعقل: إن هذا الخالق الحكيم لا بد أن يكون وراء تنظيمه لهذا الكون، ووضع الإنسان فيه غاية وحكمة، وتعالت حكمته أن يكون خلق هذا كله عبثًا، ويقول القرآن: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاّ َبِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٨-٣٩] .
وهذا الحق الذي به خلقت السموات والأرض هو ما يستشفه العقل وتحس به الفطرة -وإن يكن إحساسًا غامضًا- أن لهذا الإنسان في الوجود رسالة وأن وراء هذه الحياة -حياة الابتلاء والفناء- حياة أخرى، هي الغاية وإليها المنتهى يُجزى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، حتى لا يستوي الخبيث والطيب، والبر والفاجر، وهذا ما تقتضيه الحكمة.
ويقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٧، ٢٨] .
[ ٢ / ٤٨٦ ]
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] .
وتشعر الفطرة والعقل أن لهذا الخالق العظيم -بحكم خلقه لعباده، وإمدادهم بنعم لا تحصى- حقًا عليهم: أن يُعرَف فلا يُجحد، ويُشكر فلا يُكفر، ويُطاع فلا يُعصى، ويُفرد بالعبادة فلا يُشرك به، وينادي القرآن الناس جميعًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١، ٢٢] .
ويبين القرآن الغاية من خلق السموات والأرض عامة، ومن خلق الجن والإنس خاصة، فيقول: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢] .
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧] .
وبهذه الأجوبة القرآنية اهتدى المؤمن إلى سر وجوده ووجود العالم كله، لقد عرف الله فعرف به كل شيء، وحل به كل لغز، واهتدى به
[ ٢ / ٤٨٧ ]
إلى كل خير، فالعالم مملكة الله، وكل ما فيه من آثار رحمة الله، والإنسان خليفة الله، خٌلِق لعبادة الله، وتحمل أمانة الله، والحياة هبة من الله، والموت قدر من الله، والدنيا مزرعة لطاعة الله، والآخرة موعد الحصاد، والجزاء من الله، والسعيد من اهتدى بهدى الله، والشقي من أعرض عن ذكر الله.
والإنسان مبتلى ومسئول في هذه الدار الفانية، ليصقل ويعد للخلود في تلك الدار الباقية، والموت هو القنطرة التي تصل بين الدارين"١.
وحيث إن خلق الإنسان ليس للإنسان أثر فيه، وبما أن المصير والمنتهى ثمرة ونتيجة لسعي الإنسان في الدنيا متوقف على مدى تحقيقه للغاية التي من أجلها خلق، فلذلك كانت معرفة الغاية والحكمة من خلق الإنسان مطلبًا أساسيًا في سلوك المسلم واستقراره النفسي.
والإسلام يجعل غاية الإنسان وهدفه الأساسي هو حسن الصلة بالله ﵎، والحصول على مرضاته بالقيام بالعبودية الخالصة، فهذه غايته ومنتهى سعيه وأمله، ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] .
والكدح المجدي الذي ينتهي بصاحبه نهاية سعيدة هو القيام بحق الله، وهو عبادته وحده لا شريك له.
_________________
(١) ١ الإيمان والحياة ص١٠٣-١٠٥.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
وعلى هذا فمن المهم هنا بيان أثر توحيد الأُلوهية في حصول الاستقرار والطمأنينة في نفس المؤمن.
أثر توحيد الألوهية في طمأنينة القلب:
إن شعور المسلم أن لسعيه وكدحه وجهة وغاية واحدة، هي وجه الله وابتغاء مرضاته وحده، وأن السعي والكدح يتم وفق شريعة محددة شاملة واضحة، جاءت من معبوده الذي أسلم له وجهه، وتعلقت به غايته، إن لذلك كله آثارًا عظيمة على نفسه من أهمها:
أولًا: إحساسه أن لحياته معنى وقيمة، ولعيشه طعمًا، وأنه لم يخلق عبثًا، ولن يترك سدى، فهو لا يعيش في ظلام، ولا يخبط خبط عشواء، بل يسير على هدى من ربه وبينة من أمره، واستبانة لمصيره، بعد أن عرف الله وأقر بالوحدانية١
فالله الذي خلقه ويدبر أمره، منه وحده يستمد منهجه، وهو الذي يميته ويبعثه، ويغفر ذنوبه ويرحمه، وبيده وحده مصيره يوم القيامة.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ
_________________
(١) ١ انظر: سلسلة دراسات إسلامية، النفس المطمئنة، د. عبد الرحمن مرسي ص٢٠ مطتبة وهبة، القاهرة، ط: الأولى، ١٤٠٣هـ.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء:٧٧-٨٢] .
وله وحده سعيه وكدحه، ومنه وحده يرجو الجزاء عليه.
﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣] .
﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١٢] .
فلله كم يشعر الإنسان بالبهجة والغبطة والرضى، وهو يشعر أن لوجوده معنى ساميًا وغرضًا نبيلًا، ويطمع في ثمرة طيبة لهذا السعي في الدنيا والآخرة!
ثانيًا: سلامة النفس من التمزق والصراع الداخلي، والتوزع والانقسام بين مختلف الغايات وشتى الاتجاهات١.
"ولقد اختصر الإسلام غايات الإنسان في غاية واحدة، هي إرضاء الله تعالى، وركز همومه في هم واحد هو العمل على ما يرضيه سبحانه، ولا يريح النفس الإنسانية شيء كما يريحها وحدة غايتها ووجهتها في
_________________
(١) ١ انظر: النفس المطمئنة د. عبد الحميد مرسي ص٢١.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
الحياة فتعرف من أين تبدأ؟ إلى أين تسير؟ وفي أي اتجاه تمضي؟
ولا يُشقِي الإنسان شيء مثل تناقض غاياته، وتباين اتجاهاته، وتضارب نزعاته فهو حينًا يشرق وحينًا يغرب، وتارة يتجه يمينًا، وطورًا يتجه يسارًا، ومرة يرضي هذا، فيغضب ذلك، وهو في كلا الحالين حائر بين رضى هذا، وغضب ذاك"١.
وقد أشار الله إلى هذا الأثر الذي يحدثه التوحيد في نفس الموحد من الاستقرار والطمأنينة، وضده من الشرك وما ينتج عنه من تشتت النفس واضطرابها.
فقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٢٩] .
ففي هذه الآية ضرب الله مثلًا للكافر الذي يعبد آلهة شتى، ويطيع جماعة من الشياطين، والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد٢.
وحول هذه الآية قال سيد قطب ﵀: "يضرب الله المثل للعبد الموحد والعبد المشرك بعبد يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضًا فيه، وهو بينهم موزع، ولكل منهم فيه توجيه، ولكل منهم عليه تكليف، وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج، ولا يستقيم على طريق، ولا يملك أن
_________________
(١) ١ د. عبد الحميد مرسى، المصدر السابق ص٢١. ٢ انظر: جامع البيان لابن جرير ٢٣/٢١٣.
[ ٢ / ٤٩١ ]
يرضي أهواءهم المتنازعة المتشاكسة المتعارضة التي تمزق اتجاهاته وقواه! وعبد يملكه سيد واحد، وهو يعلم ما يطلبه، ويكلفه به، فهو مستريح مستقر على منهج واحد صريح ﴿هَلْ يَسْتَوِيَان ِ مَثَلًا﴾ إنهما لا يستويان، فالذي يخضع لسيد واحد ينعم براحة الاستقامة والمعرفة واليقين، وتجمع الطاقة ووحدة الاتجاه، ووضوح الطريق، والذي يخضع لسادة متشاكسين معذب مقلقل، لا يستقل على حال، ولا يرضي واحدًا منهم، فضلًا على أن يرضي الجميع!.وهذا المثل يصور حقيقة التوحيد، وحقيقة الشرك في جميع الأحوال.
فالقلب المؤمن بحقيقة التوحيد هو القلب الذي يقطع الرحلة على هذه الأرض على هدى ولأنه يعرف مصدرًا واحدًا للحياة والقوة والرزق، ومصدرًا واحدًا للنفع والضر، ومصدرًا واحدًا للمنح والمنع، فتستقيم خطاه على هذا المصدر الواحد، يستمد منه وحده، ويعلق يديه بحبل واحد يشد عروته ويطمئن اتجاهه إلى هدف واحد لا يزوغ عنه بصره، ويخدم سيدًا واحدًا يعرف ماذا يرضيه فيفعل، وماذا يغضبه فيتقيه..وبذلك تتجمع طاقاته كذلك وتتوحد، فينتج بكل طاقته وجهده وهو ثابت القدمين على الأرض متطلع إلى إله واحد في السماء ويعقب على المثل الناطق الموحي بالحمد لله الذي اختار لعباده الراحة والأمن والطمأنينة والاستقامة والاستقرار، وهم مع ذلك ينحرفون
[ ٢ / ٤٩٢ ]
وأكثرهم لا يعلمون"١.
إن عقيدة التوحيد التي منحت المسلم الرضى بالله ربًا ومعبودًا عليه يتوكل وإليه ينيب، وفي فضله يطمع، ومن قوته يستمد، وله يتودد وإليه يحتكم، جعلت منه معتصمًا بالله مهتديًا إلى صراطه المستقيم.
قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠١] .
والاعتصام بالله بأفراده سبحانه بالعبودية والتوكل والدعاء والاستعانة، كما أنه يجلب للقلب الاستقرار الطمأنينة -كما تقدم- فهو أيضًا حصن منيع يحمي الله به العبد من الأخطار جميعًا الخارجية والداخلية، المادية والفكرية التي تستهدف إفساد دينه.
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨] .
قال ابن القيم ﵀ مبينًا ثمرة الاعتصام بالله: "هو الدافع عن العبد -والله يدافع عن الذين آمنوا- فيدفع عنه الشبهات والشهوات وكيد عدوه الظاهر والباطن، وشر نفسه ويدفع موجب أسباب الشر بعد
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ٧/١٣٨، ١٣٩.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
انعقادها، بحسب قوة الاعتصام به وتمكنه"١.
وخلاصة ما تقدم: أن لمعرفة المبدأ والغاية والمصير أثرًا هامًا حصول الطمأنينة في القلب من جهة تلبية الرغبة الفطرية لمعرفة ذلك على وجه يلائم الفطرة ولا يتعارض مع العقل.
كما أن سعي الإنسان وفق هذه المعرفة بتحقيق توحيد الألوهية بإخلاص العبودية لله، والاستسلام له في كل شؤون الحياة، من المقاصد والوسائل والغايات، عامل مؤثر في حصول السكينة وسلامة النفس من الصراع والتشتت والقلق.
وكل ذلك يجعل القلب غنيًا بدينه مطمئنًا به وإليه، بعيدًا كل البعد عما يضاده من الأفكار والمبادئ الهدامة.
أثر التوكل على الله في طمأنينة القلب:
تقدمت الإشارة٢ إلى أن الإنسان مفطور على الحاجة إلى ركن شديد يعتمد عليه، ويركن إليه، في حصول الخير الذي يصبو إليه، ويطمئن تحت حمايته من الأخطار الكثيرة التي تحيط به الظاهرة والباطنة.
وإلى هذه الحاجة يعود تدين جميع البشر على اختلاف شعوبهم وأديانهم، فكل طائفة اتخذت معبودًا تعتقد أنه مصدر للنفع لها ودافع الضر
_________________
(١) ١ مدارج السالكين ١/٤٩٧. ٢ انظر ص ٤٧٠ وما بعدها.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
عنها، تستنصره إذا خافت وتفزع إليه في الشدائد، وأكثر الأمم قد ضلوا في تعيين المعبود الحق، أو أشركوا معه غيره.
ويرى فريق من علماء النفس أن مصدر الخوف ليس وجود المخاطر والمكروهات المحدقة بالإنسان، وإنما سببه هو الشعور بأنه ليس هناك وسيلة تضمن له عدم التعرض لأي خطر من الأخطار، أو ملاذ آمن يلوذ به الإنسان ويحتمي به من ضربات القدر المفاجئة١.
وعلل هؤلاء رأيهم بأن الطفل يتعلق بأمه لإشباع حاجته إلى الحماية حيث إنها تمثل -في نظر الطفل- الملجأ الحصين الذي يلبي حاجته إلى الطمأنينة والأمن والسلام٢.
وإذا كبر ونما عقله وأدرك عجز والديه عن تلبية حاجاته إلى ذلك، انتابه الخوف والقلق لعدم ركونه إلى من يلبي ذلك.
وهذه حقيقة تصور حال الكافر الخائف الحيران الذي لا يرى في الوجود وسيلة تضمن له الأمن، ولا ملاذًا يحتمي به من المخاطر والشرور.
وبها تتبين أهمية التوكل على الله للمؤمن، ومدى أثرها البالغ في حصول الطمأنينة والسكينة في نفسه.
فالمسلم هداه الله إلى وسيلة تضمن له الأمن والهداية، هي الإيمان
_________________
(١) ١ في سبيل موسوعة نفسية، تغلب على الخوف ص١١. ٢ نفس المصدر ص١١.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
الخالص وعبادة الله وحده لا شريك له.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] .
وهو يعرف ركنًا شديدًا يعتمد عليه ويلوذ به، ويحتمي بحماه، هو رب العالمين الذي بيده ملكوت السموات والأرض، وبأمره يقوم كل شيء.
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] .
﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] .
وإذا انتابه هم، أو نزلت به مصيبة، أو أصابه فزع، فهو موصول بمولاه وإلهه الملك المدبر الرؤوف الرحيم، يدعوه ويضرع إليه، واثقًا بوعده مستشعرًا قربه ومعيته، يترقب نصره وتأييده وفرجه وحفظه والدفاع عنه. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] .
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]
[ ٢ / ٤٩٦ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨]
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] .
وهو في ذلك كله مغتبط بما شرع الله منقاد إليه، راضٍ بما قدر الله محتسب للأجر، صابر يترقب الفَرَج وحسن العاقبة.
أمره كله خير، ونفسه مطمئنة واثقة بالله وبثوابه.
فيا له من شعور عظيم بالغبطة والأمن والثقة والطمأنينة ينتاب من استشعر هذه المعاني!
قال ابن القيم -﵀- مبينًا أثر التوكل في طمأنينة القلب: "فالتوكل: محض الاعتماد والثقة، والسكون إلى من له الأمر كله، وعلم العبد بتفرد الحق تعالى وحده بملك الأشياء كلها، وأنه ليس له مشارك في ذرة من ذرات الكون: من أقوى أسباب التوكل، وأعظم دواعيه. فإذا تحقق ذلك علمًا ومعرفة، باشر قلبه حالًا: لم يجد بدًا من اعتماد قلبه على الحق وحده وثقته به، وسكونه إليه وحده، وطمأنينته به وحده، لعلمه أن حاجاته وفاقاته وضروراته، وجميع مصالحه كلها: بيده وحده، لا بيد غيره. فأين يجد قلبه مناصًا من التوكل بعد هذا؟ "١.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين ٢/١٤٢.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
فالتوكل على الله ثمرة من ثمرات معرفة الله، وتعلق القلب بموجب أسمائه وصفاته ﵎.
فيتوكل على الله في مغفرة الذنوب وصرف شؤمها وعقوباتها عنه استشعارًا لأسمائه: "الغفار، والتواب، والعفو، والرؤوف، والرحيم".
وفي حصول الرزق والإحسان يتعلق قلبه بأسمائه: "الفتاح، والوهاب، والرزاق، والمعطي، والمحسن".
ويتعلق بأسمائه: "المعز، المذل، الحافظ، الرافع، المانع" في حفظه ونصره على عدوه، وفي إذلال أعداء دينه وخفضهم، ومنع أسباب النصر عنهم.
وللتوكل تعلق عام بجميع الأسماء الحسنى، وكلما كان بالله أعرف، كان توكله عليه أقوى١.
وإذا تبين أن التوكل على الله وثقة العبد واطمئنانه إلى ربه ومليكه ومدبره يمثل حصنًا يحمي الله به العبد، فيكون راسخ الإيمان قويًا ثابتًا عند الابتلاء وفي مجابهة الفتن والمغريات التي تستهدف زعزعة دينه إذا تبين ذلك، فإن القلق الناتج عن عدم التوكل على الله عند من قام في قلبه مرض الريب والنفاق، يكون دافعًا إلى موالاة غير المسلمين والركون إليهم والتعاون معهم على نشر الفكر الخبيث والتخطيط والمكر
_________________
(١) ١ انظر: مدارج السالكين ٢/٢٣٠ بتصرف.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
لأهل الإسلام.
قال تعالى مبينًا هذا الأثر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥١، ٥٢] .
قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ يدل على أن الدافع لهم للتوكل على غير الله وموالاة اليهود والنصارى هو مرض القلوب بالشك والريب والنفاق، وعلى العكس من ذلك، فالإيمان الصحيح الراسخ دافع للتوكل على الله وحده.
قوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي يسرعون في موالاتهم ومصانعتهم ومناصحتهم ومساعدتهم في غش المؤمنين١.
قوله: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾: بيان لغاية موالاتهم للكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار، وأنه بغية الحماية منهم إن
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ٦/٢٧٩.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
دارت على المنافقين الدوائر، أو الظفر لديهم إن كانت الدائرة للكفار. فهم إذًا سارعوا إلى موالاتهم، بعد أن توكلوا عليهم.
ولا يقف الأمر عند محبتهم وموالاتهم، وإنما يتعدى ذلك إلى الدخول مع الكفار في مخططاتهم الشريرة لحرب الإسلام، من سماع الإشاعات، وترويج الكذب والأباطيل والشبهات، والتجسس لصالح أعداء الإسلام.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٤١] .
قال ابن كثير ﵀: "نزلت هذه الآيات الكريمة في المسارعين في الكفر الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله ﷿ ﴿قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ أي أظهروا الإيمان بألسنتهم وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون ﴿وَمِنَ الَّذِينَ
[ ٢ / ٥٠٠ ]
هَادُواْ﴾ أعداء الإسلام وأهله وهؤلاء كلهم ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي مستجيبون له منفعلون عنه ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوك﴾ أي يستجيبون لقوم آخرين لا يأتون مجلسك يا محمد، وقيل المراد أنهم يستمعون الكلام وينهونه إلى قوم آخرين ممن لا يحضر عندك من أعدائك"١.
وكلام ابن كثير هذا يدل على أن علاقة المنافقين بأعداء الدين تقوم على التعاون في الكيد بجماعة المؤمنين في جانبين:
الأول: استماعهم للقوم الآخرين من رؤوس الكفر والشر، وتصديقهم لكذبهم واستجابتهم لما يأمرونهم به من الشر والباطل.
الثاني: تجسس المنافقين على المؤمنين لحساب أعداء الدين، فينقلون ما يسمعون ويشاهدون إليهم ويدلونهم على عورات المؤمنين.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٤، ١٥] .
فهذه الآية تؤكد استماع المنافقين وتعلمهم الشر، واستجابتهم للأوامر الشريرة التي تصدر من أعداء الإسلام من اليهود والنصارى
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ٢/٥٨.
[ ٢ / ٥٠١ ]
وغيرهم، يدل على ذلك قوله "شياطينهم" فَوَصْفُ أعداء الله ورسوله ودينه بأنهم شياطين وإضافتهم إليهم، يدل على أن العلاقة علاقة شر وإفساد في الأرض، وتآمر على الإسلام وأهله، وذلك من فعل الشياطين وأتباعهم.
قال ابن جرير ﵀: "وكذلك أخبر عنهم في هذه الآية أنهم يقولون للمؤمنين المصدقين بالله وكتابه ورسله بألسنتهم: آمنا وصدقنا بمحمد وبما جاء به من عند الله، خداعًا عن دمائهم وأموالهم وذراريهم، ودرءًا لهم عنها، وأنهم إذا دخلوا إلى مردتهم وأهل العتو والشر والخبث منهم ومن سائر أهل الشرك الذين هم على مثل الذي هم عليه من الكفر بالله وبكتابه ورسوله وهم شياطينهم -وقد دللنا فيما مضى من كتابنا على أن شياطين كل شيء مردته- قالوا لهم ﴿قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ﴾ أي إنا معكم على دينكم وظهراؤكم على من خالفكم فيه، وأولياؤكم دون أصحاب محمد ﷺ، إنما نحن مستهزئون بالله وبكتابه ورسوله وأصحابه"١.
فالمنافقون الذين ركنوا إلى أعداء الله، وتوكلوا عليهم، وأحسنوا الظن بهم وأحبوهم وأعجبوا بحالهم، هم الجسر والمنفذ الذي يتسلل منه الفكر الجاهلي ويشاد برجاله، وتحسن أحواله، وتثبت نظرياته وفلسفاته
_________________
(١) ١ جامع البيان ١/١٢٩.
[ ٢ / ٥٠٢ ]
وسائر شروره من خلاله بين المسلمين.
قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين مبينًا بعض علامات النفاق: "ومنها محبة أعداء الإسلام وأئمة الكفر ومدحهم ونشر آرائهم المخالفة للإسلام، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة:١٤] "١.
وخلاصة القول: أن التوكل على الله باعث في طمأنينة القلب وثقته بربه، وتعلقه به وحده، مما يمثل حصنًا يحميه من الركون إلى أعداء الله والثقة بهم، والتأثر بأفكارهم وشبهاتهم، كما أن عدم التوكل على الله أو ضعفه الناتج عن النفاق أو ضعف الإيمان، ثغرة في القلب تميل به إلى الركون إلى أعداء الله وموالاتهم ومحبتهم، والإعجاب وحسن الظن بهم، والتأثر بجاهليتهم وباطلهم وفكرهم الخبيث وسلوكهم المنحرف، ثم التعاون على نشره والترويج له في المجتمعات الإسلامية.
أثر زكاة القلب بالعلم والإيمان بالقدر في طمأنينته:
إذا عرف العبد ربه وخالقه ومدبره، وعرف الحكمة من خلقه، وأنها تنحصر في تحقيق العبودية لله، والخلافة في أرضه بشرعه، وعرف مصيره ومنتهاه، فإن ذلك سيحقق له قدرًا عظيمًا من الطمأنينة والسكون،
_________________
(١) ١ مجالس شهر رمضان، الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ص١٣٠ الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط الثانية ١٤٠٦هـ.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
ويصرف عنه القلق الناتج عن الجهل أو الضلال في معرفة هذه المطالب.
إلا أنه سيبقى في القلب قلق كامن وشوق مستمر يثور ويشتد أحيانًا إذا وجد ما يثيره ويبعثه، ألا وهو حاجته لمعرفة الكيفية التي ينبغي أن تكون عليها استجابته لأوامر الله المتوجهة إليه بمختلف أنواعها.
وأمر الله: هو كلامه الذي يأمر به١، وهو ينقسم إلى قسمين:
أمر شرعي متوجه إلى المكلفين من الإنس والجن بالأمر والنهي والتكليف، وهو كلام الله الذي يأمر به المكلفين طلبًا للفعل، كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] .
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١]، أو طلبًا للترك، كقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢] .
٢- أمر قدري كوني: وهو كلامه الذي يأمر به الشيء الذي أراد خلقه وإيجاده، فيقول له: "كن" فيكون كما أراد وقدر.
_________________
(١) ١ ويأتي "أمر الله" بمعنى مأموره، أي الشيء الذي وجد أو سيوجد بأمره، كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١] وقوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] ونحوها، وقد جمع الله بين الأمر بمعنى المأمور، والأمر بمعنى كلامه الذي يأمر به في أول سورة النحل بقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ .
[ ٢ / ٥٠٤ ]
كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨] .
وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] .
ومن ذلك قوله: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] .
والأمر الشرعي ينقسم إلى أمر بالفعل أو أمر بالترك.
والأمر الكوني له متعلقات كثيرة، ومنها ما يتعلق بالإنسان مما يقدر له في طبيعة خلقه: كالحسن أو القبح، والطول والقصر ونحوها، أو حاله: كالغنى والفقر، وما يجري عليه من المصائب والنعم، وما يصدر منه من الطاعات والمعاصي، ومنها ما يجري على مجتمعه ومحيطه من النوازل الضار منه أو السار إلى غير ذلك.
ولا شك أن التفريق بينها ومعرفة الاستجابة المناسبة لكل منها أساس عظيم في صلاح القلب وسلامته وطمأنينته، وبالتالي صلاح العبودية واستقرارها على الصراط المستقيم.
وهذا أمر عظيم زل فيه كثير ممن ينتسب إلى الزهد والعبادة والعلم فضلًا عن غيرهم ممن قل حظهم من العلم والعبادة، لذلك نجد شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في كتابه الجليل "العبودية" بعد أن بين معنى العبودية وحقيقتها، وما تستلزمه، وشمولها لجميع الدين، والفرق بين العبودية الكونية والشرعية، بعد ذلك ناقش حال فريق من الناس لم يفرقوا
[ ٢ / ٥٠٥ ]
بين الأمر الكوني القدري، والأمر الشرعي، واستغرق ذلك معظم الكتاب، وقال في بداية مناقشتهم: "وبالفرق بين هذين النوعين١ يعرف الفرق بين الحقائق الدينية الداخلة في عبادة الله ودينه وأمره الشرعي التي يحبها ويرضاها ويوالي أهلها ويكرمهم بجنته، وبين الحقائق الكونية التي يشترك فيها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والتي من اكتفى بها ولم يتبع الحقائق الدينية كان من أتباع إبليس اللعين، والكافرين برب العالمين، ومن اكتفى فيها ببعض الأمور دون بعض، أو في مقام دون مقام أو حال دون حال نقص من إيمانه وولايته لله حسب ما نقص من الحقائق الدينية، وهذا مقام عظيم غلط فيه الغالطون، وكثر فيه الاشتباه على السالكين، حتى لزق فيه من أكابر الشيوخ المدعين للتحقيق والتوحيد والعرفان ما لا يحصيه إلا الذي يعرف السر والإعلان"٢.
_________________
(١) ١ بين -﵀- هذين النوعين فيما سبق من كلامه في الكتاب المذكور وخلاصته: النوع الأول: هي العبودية التي يمتثل فيها أمر ربه الشرعي الذي كلفه به، ويكون العبد بمعنى: العابد. النوع الثاني: العبودية العامة التي يخضع لها جميع الخلق، والمتعلقة بأمر الله القدري الكوني الذي يجري على المؤمن والكافر والبر والفاجر، ويكون العابد بمعنى المُعبَّد انظرص٥٠، ٥١ بتصرف. ٢ العبودية، لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٥٠، ٥١ المكتب الإسلامي، بيروت ط: الخامسة، ١٣٩٩هـ.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
وبين ابن القيم -﵀- أهمية هذا الفرق بين الأمر القدري الكوني الذي يرضى به العبد، وبين الأمر الشرعي الذي يجب عليه فيه فعل ما أمر به وعدم الرضى بفعله الذي يخالف الشرع، كما أشار إلى اضطراب كثير من الناس في ذلك، فقال: "وهذا هو التفصيل الواجب في الرضى بالقضاء. وقد اضطرب الناس في ذلك اضطرابًا عظيمًا، ونجا منه أصحاب الفرق والتفصيل"١.
وبعد هذه الإشارة إلى أهمية التفريق بين الأمر القدري، والأمر الشرعي، واستجابة العبيد لكل منها، وقبل بيان أثر هذه المعرفة المتزنة، وأثر الرضى بالقدر في حصول الطمأنينة للقلب، أذكر قبل ذلك باختصار أنواع الأوامر الشرعية والقدرية، والاستجابة المناسبة لكل منها، لتتم الفائدة بإذن الله.
أولًا: الأمر الشرعي.
التكليف الإلهي للإنسان ينحصر في أمرين: عبادة الله، والخلافة في الأرض وعمارتها.
ففي مجال العبادة: هو مأمور بفعل الطاعات، واجتناب المعاصي والمحرمات.
_________________
(١) ١ مدراج السالكين ٢/١٩٧.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] .
والاستجابة المناسبة لذلك تتم بأصلين:
الأول: الاجتهاد في فعل أسباب الهداية والنجاة، علمًا وعملًا بقدر استطاعته واجتناب أسباب الضلال والهلاك.
قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر:٧] .
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤] .
الثاني: التوكل على الله والاستعانة به في التوفيق لذلك وتيسيره، والثبات عليه، والإحسان فيه وإتمامه، وقد جمع الله بين هذين الأصلين بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] .
وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣] .
وفي مجال الاستخلاف في الأرض: فالإنسان مأمور أن يسعى في الأرض لإصلاحها وإقامة الحق والعدل فيها، ويسعى في مصالح نفسه ومجتمعه، كل ذلك وفق شريعة الله.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] .
[ ٢ / ٥٠٨ ]
وقال: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦] .
والاستجابة لذلك تكون بالأصلين السابقين، وهما:
فعل الأسباب المناسبة، والتوكل على الله والاستعانة به في التوفيق إليها وتيسيرها وإنجاحها والمباركة فيها وحصول الخير منها.
ففي الحكم بين الناس يطبق شرع الله وأحكامه وحدوده، وهي الأسباب التي شرعها الله لتسير عليها حياة الناس سيرًا صحيحًا آمنًاَ.
وفي جوانب الحياة الأخرى -التي يحتاج إليها المسلمون لصلاح حياتهم كالتجارة، والصناعة، والزراعة.. ونحوها، أو لحمايتهم وجهادهم كإعداد السلاح وتصنيعه- يأخذون بكافة الأسباب المتاحة المشروعة، ويجتهدون في ذلك علمًا وعملًا، مع التوكل على الله في تيسيرها وتسهيلها وإنجاحها، والمباركة فيها.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠] .
وقال: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء:٨٠] .
وقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة:٦٤، ٦٥] .
[ ٢ / ٥٠٩ ]
وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦٠] .
وقال الرسول ﷺ: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز "١.
ثانيًا: الأمر القدري الكوني.
ونقصد هنا ما كان له علاقة أو أثر على الإنسان، وهو في الجملة ينقسم إلى أربعة أقسام رئيسية هي:
١- النعم والمسرات، من حصول الأمن ورغد العيش، وتيسر أسباب الحياة. واستجابة العبد لذلك، تكون بالثناء على المنعم، والإحسان في عبادته وإلى خلقه، وتقدير النعمة بصيانتها عن الترف والإسراف والطغيان، وبذلك يكون شكرها.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] .
٢- نعمة الهداية والتوفيق، وما يتصل بها من البركات العامة
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب القدر، باب الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، ح٢٦٦٤ ٤/٢٠٥٢.
[ ٢ / ٥١٠ ]
لجماعة المؤمنين، أو الخاصة لأفرادهم.
والاستجابة لذلك تكون بالفرح بها، والثناء على الله وذكره وشكره عليها، ويتم ذلك بالعناية بها والمحافظة عليها علمًا وعملًا، والتواصي بإقامة دين الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله.
قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] .
وقال: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْ كُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥١، ١٥٢] .
٣- المصائب التي تقع على عامة الناس، أو تخص بعضهم.
والاستجابة المناسبة لهذا النوع تكون بالصبر والرضى وحسن الظن بالله، قال تعالى في آية البر في معرض بيان صفات الأبرار.
﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة:١٧٧] .
وقال جل ذكره: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ
[ ٢ / ٥١١ ]
وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥-١٥٧] .
٤- المعايب والمعاصي التي يقع فيها الإنسان.
والاستجابة المناسبة لذلك، أن يتوب ويستغفر ولا يرضى بفعله الذي خالف به شرع ربه.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] .
وبعد هذه الإشارة الموجزة إلى أهم أنواع الأوامر الإلهية المتوجهة للعباد، وما ينبغي أن تكون عليه استجابتهم إزاء كل نوع منها، أصل بعون الله إلى المقصود، وهو بيان أثر هذه المعرفة، وأثر الرضى بالقدر-وفق التفصيل المتقدم- في تزكية القلب وطمأنينته.
فأقول وبالله التوفيق:
لا شك أن استقرار القلب على يقين في هذه المطالب الهامة، وبهذا الوضوح، يجلب للقلب الثبات والثقة، ويرفع عن كاهله الحيرة والشك والمخاوف، ويسهل عليه الطريق، وسر هذا الأثر القلبي هي الواقعية في التكليف المتوجه إلى العباد، والمتمثلة في التفريق بين الاستجابات بما يتناسب في كل أمر مع استعدادات الإنسان وطاقاته.
[ ٢ / ٥١٢ ]
ففي جانب الأمر الشرعي يراعي تمتع الإنسان بالعقل والقدرة، فالعقل يفهم به الخطاب، ويميز به، والقدرة يزاول بها الأسباب التي كلف بها.
فالمؤمن يؤدي ما كلف به عن رضى بالله وبشرعه، حيث يدرك انه بمقدوره وليس شاقًا عليه.
﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فهو يدرك أنه مسئول مطلوب منه بذل الجهد المستطاع في امتثال الأمر.
ومن جهة أخرى يشعر بالغبطة والرضى، حين يشعر أنه في طاعة ملك الملوك مدبر السموات والأرض، وأنه يرضى عنه مادام قائمًا بطاعته، ويكون معه يحوطه بعنايته وتوفيقه في الدنيا، ويجزيه خير الجزاء في الآخرة، مما يجعله يؤدي الواجبات ويتجافى عن المحرمات متلذذًا بذلك مرتاحًا إليه.
ومن جهة ثالثة يشعر بالأمل والثقة لمعرفته أن باب التوبة مفتوح فيما لو زل وخالف شرع ربه، وأن بإمكانه التوبة والرجوع والإقلاع عن ذنبه، وسوف يجد الله توابًا رحيمًا، وفي هذا عظيم الأثر في طرد اليأس والقنوط، ومنع انغلاق النفس، وغلبة الوساوس.
وهذه الأسس المتمثلة في: الشعور بالمسئولية والتكليف، والرضى والغبطة بالقيام بذلك، واستشعار محبة الله مع الأمل والثقة بحسن العاقبة، هي العوامل الرئيسية في طمأنينة النفس وعطائها المثمر الخير، وفي إحساسها بالسعادة والرضى.
وفي جانب الأمر القدري يراعى فيه ضعف الإنسان وأن عقله
[ ٢ / ٥١٣ ]
صغير، وعلمه قاصر، وقدرته محدودة محكومة بإرادة الله النافذة، فما عليه إلا أن يصبر على ما يجري عليه من الشدائد والمصائب التي لا قدرة له على ردها ويرضى محسنًا الظن بربه الحكيم الخبير، محتسبًا الأجر وحسن العاقبة.
والباعث على الرضى على المقادير أمور:
منها علمه أنه لم يخلق ليدوم، وإنما خلق ليكدح ويعمل ثم ينقطع أثره من هذه الدنيا، والخلود إنما هو في الدار الآخرة، ويعلم أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان واختبار، وأن كل ما يجري عليه إنما هو نوع من ذلك، أما السلامة والأمن التامان فهما في دار السلام. كما يبعث على الرضى حسن ظنه بالله واستشعاره لأسمائه وصفاته الحسنى، وأنه رحيم بعباده، عليم بما هو خير لهم، فالرضى بالله وعن الله١ هما ركنا الهداية ومفاتح
_________________
(١) ١ الرضى بالله: أي الرضى به ربًا وإلهًا، قال ابن القيم:"فالرضى به ربًا متعلق بذاته وأسمائه وصفاته، وربوبيته، وحكمًا ووكيلًا ووليًا، وناصرًا ومعينًا وكافيًا وحسيبًا ورقيبًا، ومبتليًا ومعافيًا، وقابضًا وباسطًا إلى غير ذلك من صفات ربوبيته فالرضى بالله يتضمن توحيده وعبادته والإنابة إليه، والتوكل عليه، وخوفه ورجاءه ومحبته، والصبر له وبه، والشكر على نعمه " مدارج السالكين ٢/١٩٢، ١٩٣. والرضى عن الله: أي الرضى عنه فيما أولى وأعطى، قال ابن القيم:"وأما الرضى عنه: فهو رضى العبد بما يفعله به، ويعطيه إياه، ولهذا لم يجئ إلا في الثواب والجزاء". نفس المصدر ٢/١٩٢.
[ ٢ / ٥١٤ ]
السعادة في الدنيا والآخرة.
وقد بين الله تعالى أثر الإيمان بالقدر في تخليص القلب من القلق الناتج عن الحزن على فوات محبوب، أو الخوف من حصول مكروه، فقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٢، ٢٣] .
ففي هذه الآية بين سبحانه عموم قدره، وأنه شامل لعموم المصائب التي تصيب الخلق من خير وشر، فكلها قد كتب في اللوح المحفوظ.
وحيث إن الناس ليس في مقدورهم دفع المقادير ولا تغييرها، فما هي الحكمة إذًا من إخبارهم بالقدر السابق؟
إن الحكمة من ذلك بينها ربنا بقوله: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ .
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "وأخبر الله عباده بذلك، لأجل أن تتقرر هذه القاعدة عندهم، ويبنوا عليها ما أصابهم من الخير والشر، فلا ييأسوا ويحزنوا، على ما فاتهم، مما طمحت له أنفسهم، وتشوفوا إليه لعلمهم أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، لا بد من نفوذه
[ ٢ / ٥١٥ ]
ووقوعه، فلا سبيل إلى دفعه، ولا يفرحوا بما آتاهم الله، فرح بطر وأشر، لعلمهم أنهم ما أدركوه بحولهم ولا قوتهم، وإنما أدركوه بفضل الله ومنّه، فيشتغلوا بشكر مَن أولى النعم ودفع النقم"١.
فالله تعالى أخبر أنه قدّر المقادير، وجعل ذلك جزءًا من اعتقاد المسلم كي يحدث ذلك الاعتقاد أثره في نفسه، فلا يحزن حزنًا شديدًا-عند المصيبة- يخرجه إلى الجزع والسخط واليأس، ولا يفرح فرحًا شديدًا -عند النعمة- يحمله على البطر والبغي، وهذا أثر عظيم يُكسبه توازنًا في مشاعره وسلوكه، واستقرارًا وطمأنينة في حياته، ورضى وتسليمًا لربه العليم الحكيم.
إلا أن هناك نوعًا من المصائب تكون شديدة الوطأة، تحدث في النفس انفعالًا حادًا، يخرج الإنسان بسببه من سلطان عقله، وتصبح تصرفاته طائشة غير منضبطة، مما قد يدفعه إلى بعض الأفعال التي تعود عليه بالضرر في دينه أو دنياه.
وإزاء هذا النوع من المصائب نجد أن للإيمان أثرًا معينًا يتناسب مع طبيعة ما تحدثه من الأثر، فالإنسان في مثل هذه المواقف –التي يضعف فيها تأثير العقل- بأشد الحاجة إلى مؤثر خارجي يكبح جماحه ويسدد تصرفاته.
_________________
(١) ١ تيسير العزيز الرحمن في تفسير كلام المنان ٧/٢٩٩، ٣٠٠.
[ ٢ / ٥١٦ ]
وهذا هو الذي يحدث تمامًا للمؤمن، فقد بين الله تعالى أن الإيمان سبب لحصول ولاية الله وعنايته بعبده عند المصيبة، فيهدي قلبه ويربط عليه ويثبته، فلا يتصرف تصرفًا أحمقَ يعود عليه بالضرر في دينه أو دنياه.
قال تعالى مبينًا هذا الأثر: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن:١١] .
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: "أي ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه ويقينًا صادقًا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه أو خيرًا منه"١.
فالمراد بقوله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾: أي يعلم ويؤمن بقدر الله ويطمئن إلى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وقوله: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾: أي يزيده إيمانًا وتصديقًا وصلاحًا وثباتًا، وتكون الهداية متناسبة مع شدة المصاب، وحاجة العبد وهو في هذه الحالة في أشد الحاجة إلى أن يربط على قلبه ويسدد انفعالاته وإراداته، فالله يثبت عبدهُ بما شاء، وكيف شاء.
وعلى هذا فالعلم والإيمان بالقدر، والرضى به، من أهم أسباب
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/٣٧٥.
[ ٢ / ٥١٧ ]
طمأنينة القلب. وقد ذكر ابن القيم ﵀ ثنتين وستين فائدة للرضى١، أذكر منها ما له علاقة في أثر الرضى في حصول الطمأنينة والسكينة لقلب المؤمن، قال ﵀: "إن السخط باب الهم والغم والحزن، وشتات القلب، وكسف البال وسوء الحال، والظن بالله خلاف ما هو أهله، والرضى يخلصه من ذلك كله، ويفتح له باب جنة الدنيا قبل جنة الآخرة"٢.
وقال أيضًا: "إن الرضى يوجب له الطمأنينة، وبرد القلب، وسكونه وقراره، والسخط يوجب اضطراب قلبه، وريبته وانزعاجه، وعدم قراره"٣.
كما قال: "إن الرضى ينزل عليه السكينة التي لا أنفع له منها، ومتى نزلت عليه السكينة، استقام، وصلحت أحواله، وصلح باله، والسخط يبعده منها بحسب قلته وكثرته، وإذا ترحلت عنه السكينة ترحل عنه السرور والأمن والدعة والراحة، وطيب العيش، فمن أعظم نعم الله على عبده: تنزل السكينة عليه، ومن أعظم أسبابها: الرضى عنه في جميع الحالات"٤.
_________________
(١) ١ انظر: مدارج السالكين ٢/٢١٤-٢٣٩. ٢ نفس المصدر ٢/٢١٦. ٣ نفس المصدر ٢/٢١٦. ٤ نفس المصدر ٢/٢١٦.
[ ٢ / ٥١٨ ]
وبهذا يتبين أن زكاة القلب بالعلم والإيمان بالقدر وفق ما دل عليه الكتاب والسنة، وقرره السلف الصالح يجلب للقلب الاتزان والطمأنينة والسكينة.
وفي مقابل ذلك فإن اضطراب تلك المعرفة بالجهل أو الضلال في هذا الباب يجلب للقلب قلقًا وحيرة، وسوء ظن بالله، وعدم رضى عن الله؛ يزيد ذلك وينقص بقدر الجهل والضلال الحاصل في العلم الإيمان بتفاصيل القدر.
وهذا القلق وعدم الرضى يدفع صاحبه إلى البدع والأهواء والمعاصي، وقد أشار ابن القيم ﵀ إلى هذه الثغرة الخطيرة في حصن القلب بقوله: "إن عدم الرضى يفتح باب البدعة، والرضى يغلق عنه ذلك"١.
وقال أيضًا: "إن أول معصية عصي الله بها في العالم إنما أنشأت من عدم الرضى، فإبليس لم يرض بحكم الله الذي حكم به كونًا، من تفضيل آدم وتكريمه، ولا بحكمه الديني، من أمره بالسجود لآدم، وآدم لم يرض بما أبيح له من الجنة، حتى ضم إليه الأكل من شجرة الحمى، ثم ترتبت معاصي الذرية على عدم الصبر وعدم الرضى"٢.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٢/٢٢٠. ٢ نفس المصدر ٢/٢٢٣.
[ ٢ / ٥١٩ ]
وعلى هذا يتبين بجلاء أثر تزكية القلب بالعلم والإيمان بالقدر في طمأنينة القلب واستقراره، ورضاه عن ربه وزوال القلق الدافع إلى الأفكار الهدامة أو مواردها.
وخلاصة هذا المبحث: أن طمأنينة القلب تنتج عن: تزكيته بالإيمان الصحيح القوي، القائم على معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، واعتقاد تفرده بذلك وإخلاص العبادة له وحده، واستشعار القلب بأن الله خالقه ومدبره وإليه مرجعه، وأن سعيه سوف يرى ويجازى عليه، وتوكل العبد على ربه وحده والإيمان بالقدر القائم على التمييز بين الأمر الشرعي المكلف به العبد، والأمر الكوني الجاري على العبيد وفق القدر السابق، ومعرفة الاستجابة الصحيحة المناسبة لكل منها.
وإذا اطمأن القلب استغنى بالإيمان والعلم المُتلّقى من الوحي، وسكن واستأنس بربه، واشتغل بما يرضيه. وفتح له بابُ الرضى عن ربه، الأملَ بمعونته وتوفيقه له في الدنيا، والرضى عليه وإكرامه في الآخرة.
كما أن القلب إذا اطمأن زال قلقه ومرضه الذي يدفعه إلى الأفكار الهدامة المخالفة، أو ممارسة أساليب اللهو والترفيه ونحوها التي كثيرًا ما تكون ستارًا لترويجها.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
المبحث الثاني: أثر التزكية في حصول النور والفرقان
إن القلب إذا تزكى بالعلم المستمد من الكتاب والسنة، وما يتولد عن ذلك من العقائد الصحيحة، والعواطف السليمة، والإرادات الخيرة، فإنه يشرق بالنور ويصبح لديه -بفعل هذه الأمور- ملكة يعرف بها الحق، ويميز بها الخير والشر، والهدى والضلال، ويتجافى بها عن الأفكار الهدامة وسائر الأخطار.
وهذا الأثر من أهم آثار الإيمان التي يكرم الله بها المؤمن.
فمن المعلوم أن اجتناب الطاغوت شرط لصحة الإيمان، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦] .
وقال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر:١٧] .
فالمسلم الذي اجتنب الطاغوت، وتبرأ من الكفر والشرك وأهله وتجافى عن كل خصائص الجاهلية، يلزمه الاستمرار على ذلك، لاستمرار إيمانه وصحته.
[ ٢ / ٥٢١ ]
وحيث إن أمور الجاهلية -ومنها الأفكار الهدامة- كثيرة متشعبة، يروج لها دعاة الضلال، ويزخرفونها بالشبهات، كما أخبر الله بذلك بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام:١١٢]، فقد جعل الله للمؤمن حصنًا يحتمي به من ذلك، ألا وهو النور والفرقان في قلبه، يفرق بهما بين الهدى والضلال، فيستمر في اجتنابه للطاغوت وموارد الهلكة التي تحيط به.
قال ﵎: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٢] .
قال ابن جرير ﵀: " ﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾، يقول: فهديناه للإسلام فأنعشناه، فصار يعرف مضار نفسه ومنافعها، ويعمل في خلاصها من سخط الله وعقابه في معاده، فجعل إبصاره الحق تعالى ذكره بعد عماه عنه، ومعرفته بوحدانيته وشرائع دينه بعد جهله بذلك حياة وضياء يستضيء به، فيمشي على قصد السبيل، ومنهج الطريق في الناس ﴿كَمَن
[ ٢ / ٥٢٢ ]
مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ لا يدري كيف يتوجه، وأي طريق يأخذ لشدة ظلمة الليل وإضلالة الطريق، فكذلك هذا الكافر الضال في ظلمات الكفر، لا يبصر رشدًا، ولا يعرف حقًا، يعني في ظلمات الكفر"١.
فالله ﵎ يجعل للمؤمن نورًا في قلبه يستنير به، يهتدي به إلى سبل السلام، ويكشف له الظلمات وموارد العطب ومنها الأفكار المضلة، فيحيد عنها، هذا النور حصن يحصن الله به عباده المؤمنين المتقين المتبعين للرسول ﷺ.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨] .
فدلت هذه الآية على أن من اتقى الله وأطاعه مؤمنًا مقتديًا بالرسول ﷺ، فسوف يجعل له نورًا يمشي به؛ ذلك النور هو نور الإيمان والعلم المستمد من الكتاب والسنة، قال ابن جرير -﵀- في المراد بقوله: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره، وعد هؤلاء القوم أن يجعل لهم نورًا يمشون به، والقرآن مع اتباع رسول الله ﷺ نور -لمن آمن بهما وصدقهما- وهُدَى،
_________________
(١) ١ جامع البيان ٨/٢٢، ط: ٣.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
من آمن بذلك فقد اهتدى"١.
قوله: " نور -لمن آمن بهما وصدقهما- وهدى": يدل على أن نور القرآن والسنة لا يهتدي به إلا المؤمن الذي يتعلمهما، ليعمل بهما.
كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٥، ١٦] .
وقول الله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١، ٢] .
دلت هذه الآيات أن الله يجعل في قلب عبده المؤمن نورًا، وأن سبب ذلك هو الإيمان والتقوى، فالنور إذًا أثر من آثار تزكي القلب بالإيمان والعلم المستقى من الوحي، وليس هناك طريق آخر لحصول النور للعبد بدون هذا الطريق، قال سبحانه في تأكيد هذا المعنى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] .
_________________
(١) ١ جامع البيان ٢٧/٢٤٥.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] .
وقد بين سبحانه -كما في الآيات المتقدمة- أن الذين يهديهم لنوره ويجعل لهم نورًا يمشون به هم الذين آمنوا واتقوا واتبعوا رسوله ﷺ.
ووجود النور في قلب المؤمن وجود حقيقي -كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور:٣٥] .
أورد ابن جرير ﵀ في المعنى بالهاء في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ عن بعض السلف قولهم: "مثل نور المؤمن الذي في قلبه من الإيمان والقرآن مثل مشكاة"١.
وقال ابن القيم ﵀: "والمراد نور الإيمان الذي جعله له خلقًا وتكوينًا، كما قال تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ فهذا النور إذا تمكن من القلب وأشرق فيه: فاض على الجوارح، فيرى أثره في الوجه والعين، ويظهر في القول والعمل"٢.
وبوجود هذا النور في قلب المؤمن يصبح القلب مبصرًا حقيقة، يرى مواقع السلامة ومواقع الهلكة، كما تبصر العين الحسن والقبيح، قال تعالى
_________________
(١) ١ جامع البيان ١٨/١٣٦. ٢ مدارج السالكين ٣/٢٤٠.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
مبينًا هذه الحقيقة: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] .
وكما أن الإيمان جالب للنور وحياة القلب وبصيرته، فكذلك الكفر هو سبب موت القلب وعماه كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩] . ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] .
والنور الذي يجعله الله في قلب المؤمن هو نور زائد على النور الذي يحصل له من العلم الذي قام به، والمستمد من الوحي المطهر.
قال تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] .
وقد اختلفت عبارات المفسرين حول المراد بالنورين في الآية.
ففسر بعضهم النور الأول، بالحجج والبراهين الكونية التي نصبها الله لعباه والتي تكاد من بيانها ووضوحها تضيء لمن فكر فيها ونظر، والنور الثاني: هو القرآن الذي أنزله منبهًا على توحيده، ومنبهًا ومذكرًا بآياته، فزادهم إلى حججه عليهم قبل ذلك١.
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان لابن جرير ١٨/١٤٣.
[ ٢ / ٥٢٦ ]
وفسر بعضهم النور الأول بالفطرة السليمة والنور الثاني بالقرآن.
قال ابن كثير ﵀: "فشبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى، وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [هود:١٧] . فشبه قلب المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري، وما يستهدي به من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل الذي لا كدر فيه ولا انحراف"١.
وفسر بعض العلماء النورين بالإيمان والقرآن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حول قوله تعالى: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾: "نور الإيمان الذي في قلبه يطابق نور القرآن، كما أن الميزان العقلي يطابق الكتاب المنزل، فإن الله أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"٢.
وقد استدل لهذا المعنى بأدلة من القرآن والسنة وأقوال السلف الصالح٣.
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم، ط: الشعب، ٦/١٦. ٢ مجموع الفتاوى ١٠/٤٧٥. ٣ انظر: نفس المصدر من ٤٧٤-٤٧٧.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
وسوف أذكر من ذلك دليلًا واحدًا لكونه مع دلالته على ما ذهب إليه شيخ الإسلام، يدل أيضًا على أثر هذين النورين في تحصين المسلم ضد الأفكار الهدامة وأسبابها -التي هي موضوع الدراسة.
قال ﷺ: "ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا وعلى جنبتي الصراط سوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تنفرجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله تعالى، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله ﷿، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم " ١.
وخلاصة هذه الأقوال الثلاثة أنها متفقة على أن أحد النورين هو القرآن وما يدل عليه من العلم، أما النور الثاني فهو في قول: الفطرة السليمة، وفي آخر: الحجج والبراهين العقلية، وفي الثالث: الإيمان.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند واللفظ له ٤/١٨٢، ١٨٣ من حديث النواس بن سمعان، والحاكم وقال:"صحيح على شرط مسلم" ووافقه الذهبي، المستدرك ١/٧٣ ووافقهما الألباني، انظر: ظلال الجنة في تخريج السنة مع كتاب السنة لابن أبي عاصم ١/٤١، وقال ابن كثير:" هو إسناد حسن صحيح" تفسير القرآن العظيم ١/٤٣ ط: الشعب.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
وفي نظري أن القول الثالث ينتظم تلك الأقوال، وذلك أن قلب المؤمن على الفطرة القويمة، وهو القلب الذي ينتفع بالحجج والبراهين فيتعقلها.
وعلى هذا فمبدأ هذا النور هو الفطرة، ويزيده النظر والإيمان والقرآن قوة وحدة واستقامة، وقد أشار ابن تيمية إلى هذا المعنى، فقال: "وأيضًا فالله ﷾ فطر عباده على الحنيفية: وهو حب المعروف وبغض المنكر، فإذا لم تستحل الفطرة، فالقلوب مفطورة على الحق، فإذا كانت الفطرة مقومة بحقيقة الإيمان، منورة بنور القرآن "١.
فالنور في القلب يقوى بقوة الإيمان والعلم المستقى من الكتاب والسنة الذي يغذي الفطرة القويمة، الموافقة للتوحيد، القابلة لدلائله المطمئنة لها.
قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠] .
وقد أشار الله تعالى إلى أن المستحقين لهذا النور هم الموحدون المخلصون كما في سورة "الزمر" التي تميزت بالكلام على الإخلاص وعامة قضايا التوحيد، وصفة أهله وجزائهم، ثم مقارنة ذلك كله بما يقابله
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٠/٤٧٤.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
من أحوال المشركين، حيث قال تعالى مبينًا أهم ركائز العبودية التي كلف الله بها عباده، والتي حققها الرسول ﷺ الذي هو إمام الموحدين وقدوتهم: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١١-١٤] .
ثم بين سبحانه في نفس السياق أهم أساس يقوم عليه الإخلاص، وأنه اجتناب الطاغوت والإنابة إلى الله وحده، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر:١٧] .
وفي نفس السياق أيضًا وبعد أن ذكر بعض صفاتهم التي استحقوا بها هداية الله وبين مصيرهم ومصير أعدائهم، وبعض دلائل التوحيد، أتبع ذلك ببيان أن هؤلاء الذي شرح صدورهم للإسلام فكانوا على نور من ربهم، فقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢] .
فدل هذا السياق على أن النور عطيّة الله للموحدين المخلصين، وكلما رسخ التوحيد والعلم والعمل بموجبهما، تم النور وقوي حتى يصبح العبد يرى بنور الله، ويتكلم بالحق ويعمل به، فالنور الذي في قلب المؤمن
[ ٢ / ٥٣٠ ]
مظهر من مظاهر عناية الله به؛ وقد تكلمت فيما سبق عن أهم سبب لحصول ولاية الله لعبده، وأنه التوحيد الخالص، بما يغني عن إعادته١.
والذي يستفيده المسلم من هذه المعرفة -وهي اختصاص أهل الإخلاص بالنور وزيادته برسوخهم في العلم والعبادة- هو الحرص على تعلم التوحيد والتزامه، ومعرفة الشرك وخصائص الجاهلية والطاغوت واجتنابها، ثم تعلم ما ورد في الكتاب والسنة من الشريعة والعمل بها، وغير ذلك من الحكم والوصايا والمواعظ والعبر والاهتداء بها في جميع نواحي الحياة.
كما يستفيد المسلم من هذه المعرفة أن يلازم الذين هذه صفتهم فيواليهم، ويأخذ بفتواهم، فهم أهل الذكر والنور والبصيرة، وخاصة عند حصول الفتن التي تذهل فيها عقول الرجال، وتختلف الأقوال، فإن الملاذ من ذلك هو الفرار إلى الله، والاستنارة بأقوال وأحوال عباد الله الموحدين، فإن الله قد ضمن أن يوجد أمثال هؤلاء الذين يقولون بالحق وبه يعدلون في كل زمان حجة على العباد وقدوة لطالب الرشاد -كما في الحديث: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك "٢.
_________________
(١) ١ راجع ص ٢٢٧ وما بعدها. ٢ رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب لا تزال طائفة من أمتي ، ٣/١٥٢٣.
[ ٢ / ٥٣١ ]
ومن ثمرات هذا النور في قلب المؤمن الفرقان، الذي يفرق به بين الحق والباطل، وبذلك يصبح مشيه في الحياة وبين الناس سليمًا آمنًا.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال:٢٩] .
أورد ابن جرير عن بعض السلف في قوله ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ أنه فسره بفرقان يفرق في قلوبهم بين الحق والباطل حتى يعرفوه، ويهتدوا بذلك الفرقان١.
قال ابن القيم -﵀-: "ومن الفرقان ما يعطيهم من النور الذي يفرقون به بين الحق والباطل "٢.
ومن خصائص هذا النور الذي أشرق به القلب أنه يعطي ملكة يتذوق بها ما يناسبه وما لا يناسبه، فالمؤمن قلبه سليم عامر بالخير، يرتاح ويطمئن له، وينفر من الشر، فإذا عرض له أمر من الأمور لا يجد فيه نصًا من الكتاب والسنة، ولم يبلغه كلام أهل العلم فيه، فإن القلب -المنور بالإيمان والعلم بذوقه السليم وتفرسه- يقبل ذلك الأمر أو ينفر منه.
والذوق كما عرفه ابن القيم -﵀-: هو:"مباشرة الحاسة
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان لابن جرير، ط: الثالثة، ٩/٥٢٢٩. ٢ الفوائد لابن القيم ص١٧٠.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
الظاهرة والباطنة للملائم والمنافر"١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "ولفظ "الذوق" وإن كان قد يظن أنه في الأصل مختص بذوق اللسان فاستعماله في الكتاب والسنة يدل على أنه أعم من ذلك مستعمل في الإحساس بالملائم والمنافر"٢.
وقال أيضًا ذاكرًا قول بعض السلف في قوله تعالى ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾: "قال بعض السلف في الآية: هو المؤمن ينطق بالحكمة وإن لم يسمع فيها بأثر، فإذا سمع بالأثر كان نورًا على نور، نور الإيمان الذي في قلبه يطابق نور القرآن، كما أن الميزان العقلي يطابق الكتاب المنزل، فإن الله أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"٣.
وقد بين شيخ الإسلام -﵀- أن الذوق الصحيح هو ذوق قلوب أهل التوحيد التي عمرت بالإخلاص لله، وبالعلم المستمد من الكتاب والسنة، وأن كلا من المؤمنين الموحدين معه من هذا الذوق بقدر إيمانه وعلمه٤.
فالمؤمن قد ذاق حلاوة الإيمان وأشربه قلبه وتلذذ به، وإذا ذاق
_________________
(١) ١ مدارج السالكين ٣/٩٠. ٢ مجموع الفتاوى ١٠/٣٣٤. ٣ نفس المصدر ١٠/٤٧٥. ٤ نفس المصدر ١٠/٣٣٥.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
القلب طعم الإيمان عرف عند ذلك ما يناسبه وما يخالفه، كما إذا تذوق الإنسان بلسانه طعم العسل والحنظل، ثم أتى بثالث لم يذكر له نوعه، فإنه إذا تذوقه عرف إلى أيهما أقرب.
قال ﷺ: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا "١.
وقال: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار "٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معلقًا على هذين الحديثين: "فبين ﷺ أن ذوق طعم الإيمان لمن رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وأن وجْد حلاوة الإيمان حاصل لمن كان حبه لله ورسوله أشد من حبه لغيرهما، ومن كان يحب شخصًا لله لا لغيره، ومن كان يكره ضد الإيمان، كما يكره أن يلقى في النار، فهذا الحب للإيمان والكراهية للكفر حلاوة الإيمان، كما استلزم الرضى المتقدم ذوق طعم الإيمان، وهذا هو اللذة، وليس هو نفس التصديق والمعرفة الحاصلة في القلب، ولا نفس الحب الحاصل في القلب، بل هذا نتيجة ذاك وثمرته ولازم له، وهي أمور
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن ح٥٦ ١/٦٢. ٢ متفق عليه-واللفظ للبخاري-: البخاري، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، ح ١٦ ١/٦٠. ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال ١/٦٦ ح٦٧.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
متلازمة، فلا توجد اللذة إلا بحب وذوق"١.
قوله ﵀: "بل هذا نتيجة ذلك وثمرته": فيه إشارة إلى أن ذوق القلب ووجده لحلاوة الإيمان لا يقوم إلا إذا تمكن الإيمان منه.
وهذا الذوق هو بمثابة ميزان حساس يستشعر ما يناسبه من الخير والإيمان فيرتاح له ويأنس به، كما يستشعر ما لا يناسبه فينفر ويشمئز منه، وهذا الميزان الإيماني بجانب النور العلمي هما -والله أعلم- الفرقان الذي يفرق به القلب بين الحق والباطل والملائم والمنافر.
قال ﷺ: " البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولا يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون "٢.
والمقصود هنا نفس المؤمن وقلبه العامر بالإيمان والعلم، إذ هو الذي يطمئن ويأنس بالخير ويرتاح إليه، وينفر من الشر.
"فالقلب الذي دخله نور الإيمان وانشرح به وانفسح، سكن للحق واطمأن به ويقبله وينفر عن الباطل ويكرهه ولا يقبله"٣.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٠/٣٢٧. ٢ رواه الإمام أحمد من حديث أبي ثعلبة الخشني، المسند ٤/١٩٤، وقال ابن رجب عن سنده "وهذا إسناد جيد" جامع العلوم والحكم ٢٣٧، وقال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد:"ورجاله ثقات" ١/١٧٦، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٣/٢٥، ٢٦. ٣ جامع العلوم والحكم لابن رجب ص٢٣٩.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
ومما تقدم من النصوص وكلام أهل العلم نخرج بضوابط مهمة لهذا الأثر القلبي الذي يحدثه الإيمان في قلوب العباد فتتحصن به من كيد شياطين الإنس والجن.
هذه الضوابط تتلخص فيما يلي:
١- أن معرفة العقائد والشرائع والخير والشر والحلال والحرام والحسن والقبح إنما طريقه الكتاب والسنة.
٢- أن الله فطر القلوب السليمة العامرة بالعلم والإيمان على الراحة والأنس للخير والنفرة من الشر، وهذه علامة خص الله بها قلوب المؤمنين بالإضافة إلى النور المستفاد من العلم، وأنها تزيد كلما زاد العلم ورسخ الإيمان.
٣- أنه متى استبان الحكم من الدليل الشرعي فيجب المصير إليه، وإن لم ينشرح به الصدر، ولا عبرة بالإحساس المخالف، كما يتحرج بعض المسلمين من الفطر في السفر، وكما كره بعض الصحابة التحلل من الحج إلى العمرة، وبعض ما ورد في مفاوضته لقريش في الحديبية١.
٤- أن فائدة هذه العلامة -وهي التذوق والإحساس الذي يفرق به المؤمن بين الحق والباطل - إنما تكون عند المتشابهات، واختلاف الفتيا أو في الأمور الحادثة التي لم يتبين حكمها.
_________________
(١) ١ انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب ص٢٤٠.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
قال ابن رجب ﵀: "فإن ما شرعه الله ورسوله يجب الإيمان والرضى به والتسليم له، كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] .
أما ما ليس فيه نص من الله ولا عمن يُقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن -المطمئن قلبه بالإيمان المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين- منه شيء وحاك في صدره بشبهة موجودة، ولم يجد من يفتي فيه بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه، وهو ممن لا يوثق بعلمه وبدينه، بل هو معروف باتباع الهوى، فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره وإن أفتاه هؤلاء المفتون"١.
وبهذه الضوابط تخرج المفاهيم الضالة التي أحدثها المبتدعون المبطلون، وجعلوها أساسًا لمعرفة الحقيقة، وعارضوا بها ما دل عليه الوحي المطهر كفكرة الكشف والفيض والوجد ونحوها من الأوهام والظنون.
قال ابن رجب ﵀: "وإنما ذم أحمد وغيره المتكلمين على الوساوس والخطرات من الصوفية حيث كان كلامهم في ذلك لا يستند إلى دليل شرعي بل إلى مجرد رأي وذوق، كما كان ينكر الكلام في
_________________
(١) ١ جامع العلوم ص٢٤٠.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
مسائل الحلال والحرام بمجرد الرأي من غير دليل، فأما الرجوع في الأمور المشتبهة إلى حواز القلوب فقد دلت عليه النصوص النبوية وفتاوى الصحابة"١.
وخلاصة هذا المبحث: أن الإيمان القائم على الإخلاص والعلم المستمد من الوحي المطهر يوجد في القلب نورًا وفرقانًا يهدي صاحبه إلى مواطن الخير ويكشف له عن مواطن الهلكة والضلال، كما يصبح في القلب ملكة وحساسية يتذوق بها ما يلائمه من الخير فيميل إليه ويسكن، وما ينافره من الشر فيشمئز منه وينفر، وواعظًا يذكره؛ وبهذا يكون القلب محصنًا بالعلم والنور، والفطرة السليمة، وواعظ الإيمان والحساسية المرهفة ضد أي فكر خبيث يستهدف زعزعة عقائده أو حرف عواطفه والميل بإراداته.
وإذا ضعف الإيمان وقل العلم ضعفت هذه الحصون، وخفت نور القلب، وقلت حساسيته، فيكون عرضة للانخداع ببعض الأفكار الضالة، وخاصة ما كان منها مزخرفًا بالشبهات الموهمة ولبس في الحق بالباطل.
_________________
(١) ١ نفس المصدر ص٢٤١.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
*
الباب الثالث: أثر الإيمان في تحصين المجتمع المسلم ضد الأفكار الهدامة " الأثر الإجتماعي "
*
لقد خلق الله الإنسان لعبادته، فالعبودية هي المقصد الأهم، والمحور الذي يجب أن تدور حوله وتنطلق منه جميع أعماله ومعاملاته واهتماماته ومقاصده.
والإسلام عندما بيّن جميع نواحي العبادة، وما يتصل بها، لم يتجاهل كون الإنسان اجتماعيًا بطبعه، وما للمجتمع الذي يعيش فيه من تأثير على نفسه وتفكيره وسلوكه.
ومن أجل ذلك جاء الإسلام بالأسس المتكاملة، وهي النّظام الذي يقوم عليه المجتمع المسلم، وهو نظام يمتاز بالشمول والواقعيّة، ويضمن سير الحياة فيه على وجه يحقق العدل والأمن والحياة الكريمة لكافّة أفراده، كما يمنحهم الفرصة بالمشاركة في التنمية الحضارية، مما يدفع المجتمع إلى مستوى رفيع من الإنتاج الاقتصاديّ والزراعيّ والتجاريّ والصناعيّ، وفي كافة المجالات.
وبهذا يحصل التّوازن في سعي النّاس في المجتمع المسلم بين قيامهم بمتطلبات العبودية التي من أجلها خلقوا، وبين كدحهم في استثمار واستغلال ما سخّره الله لهم على الأرض طلبًا للرزق ومتطلبات الحياة.
وهم في سيرهم في كلا الأمرين يُحكمون بمنهج ونظام رباني يسترشدون به في كل ما يأتون أو يذرون، فيأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم، ويباعدهم عن سبل الضلال وظلمات الجاهلية.
والحق أن المجتمع المسلم بتعاليمه وشرائعه، وقيمه وأنظمته،
[ ٢ / ٥٤١ ]
وضوابطه، وكوابحه حصن متين يتحصن به المسلمون من خصائص الجاهلية، وأفكارها الضالة وشرائع الطاغوت، وهذا الحصن مكوّن من دعامات وسدود يقوم كل منها بسد ثغرة يحتمل تسلل الفساد من خلالها إلى قلب المجتمع المسلم.
وبقدر صلابة وتماسك هذه الدعامات، تكون قوة وتماسك الحصن الاجتماعي، وإذا ضعفت فتحت فيه ثغرات يتسلل منها الضلال الفكري والسلوكي إلى جسد الأمة، فيضعف المجتمع وتنخر فيه عوامل الفساد.
وهذا الأثر العظيم للمجتمع المؤمن -وهو كونه حصنًا لأفراده- يفسر بعض جوانب الحكمة في عناية الشارع بإقامة المجتمع المسلم، وتنظيمه، والتأكيد على وجوب لزوم جماعة المسلمين، وإيجاب الهجرة إلى بلاد الإسلام، والنهي عن مساكنة المشركين والإقامة بينهم، والسفر إلى بلادهم بغير حاجة شرعية.
فالإسلام يحتّم على أتباعه الانضمام إلى المجتمع المسلم ليصطبغوا بصبغته ويسايروا تعاليمه، ويوالوا أهله، ويحكموا بنظامه، ويحتموا بحماه من شرور الجاهليات والأفكار المضللات.
قال سيد قطب -﵀- مبينًا أهم الأسس التي يقوم عليها المجتمع المسلم: "والحضارة الإسلامية يمكن أن تتخذ أشكالًا متنوعة في تركيبها العادي والتشكيلي، ولكن الأصول والقيم التي تقوم عليها ثابتة، لأنها هي مقومات هذه الحضارة: العبودية لله وحده، والتجمّع على
[ ٢ / ٥٤٢ ]
آصرة العقيدة فيه، واستعلاء إنسانية الإنسان على المادة، وسيادة القيم الإنسانية التي تنمّي إنسانية الإنسان لا حيوانيته.. وحرمة الأسرة، والخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه وتحكيم منهج الله وشريعته وحدها في شؤون هذه الخلافة "١.
فالإسلام بإقراره هذه الأسس يقدم للناس المجتمع المتحضر حقًا، الذي يشعر فيه الإنسان بإنسانيته وتكريم الله له، ويحس بسموّ هدفه، وإثمار سعيه في عبوديته: ولاية الله في الدنيا، والفوز بالجنة في الآخرة، ويرى ثمرة كدحه في شؤون دنياه: تقدمًا علميًا وصناعيًا وزراعيًا وتجاريًا واجتماعيًا.
ويولي الإسلام هذه الأسس عناية خاصة لما لها من الأهمية في استقرار المجتمع المسلم، وتحصينه وسلامته من المؤثرات الجاهلية، وتتجلى هذه العناية بدقّة البيان لتفاصيل كلّ منها، وبالتشديد على إقامتها والتحذير من الإخلال بشيء منها.
وبقدر اهتمام الإسلام بتوطيد هذه الأسس، يعمل أعداء الإسلام جاهدين على زعزعتها وإضعافها، ليسهل عليهم التوغل في المجتمع المسلم والإفساد فيه.
قال سيد قطب -﵀- في معرض كلامه عن جانب من
_________________
(١) ١ معالم في الطريق ص١٣٢.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
جوانب الفكر الهدام وأثره على أسس المجتمع المسلم: "وإذا تقرر أن مناهج الفكر الغربي، ونتائج هذا الفكر في كل حقول المعرفة، يقوم على أساس تلك الرواسب المسممة بالعداء لأصل التطور الديني جملة، فإن تلك المناهج، وهذا النتاج أشد عداء للتصور الإسلامي خاصة، لأنه يتعمد هذا العداء بصفة خاصة، ويتحرى في حالات كثيرة -في خطة متعمدة- تمييع العقيدة والتصور والمفهومات الإسلامية، ثم تحطيم الأسس التي يقوم عليها تميّز المجتمع المسلم في كل مقوماته"١.
وهذه الأسس -كما تقدم- تشكل حصنًا منيعًا للمجتمع إذا طبقت على الوجه الصحيح.
فالمؤمنون في مجتمعهم يحاطون بأسوار إيمانية تحميهم من الأخطار الداخلية والخارجية، وهذه الأسوار يؤثر بعضها في بعض، فإذا انهدم سور منها أو اختل انهدم أو اختل سور آخر قائم عليه أو متأثر به.
ويمكن حصر هذه الأسوار الإيمانية في ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: ما يتعلق بالرابطة الإيمانية التي تشد أفراد المجتمع بعضهم إلى بعض، بالشعور المشترك بالعبودية لله وحده، والتجمع على آصرة الأخوة فيه، وعلى العمل لنشره والدفاع عنه، وما يتصل بذلك من الأخلاق الفاضلة الجالبة للمحبة والتراحم والتلاحم،
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص١٤٨.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
والتعاون على البر والتقوى، وما يلزم لاستمرارها وازديادها من وجود نظام متكامل يتمثل بتعاليم الإسلام وشرائعه وحدوده وضوابطه التي تنظم العلاقات والمعاملات وسائر جوانب الحياة على وضع يحقق العدالة، ويعمق المودة، ويُعرِّف كلًا بما له من حق وما عليه من واجب.
ويتصل بذلك نظام الردع المتمثل بالحدود والعقوبات الأخرى المانعة من ظهور الفساد في المجتمع المسلم وانتشاره، ونظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي بقيامه يضمن المجتمع المسلم سير جميع أموره سيرًا صحيحًا على منهج الله ويكون واعيًا متيقظًا لكل طارئ غريب فكريّ أو سلوكيّ يحاول التسلل إلى المجتمع.
المجموعة الثانية: ما يتعلق بقيام الدولة وعلى رأسها ولي الأمر وأعوانه من الوزراء والأمراء والقضاة بما عليهم من واجب تنفيذ الدين والدفاع عنه.
المجموعة الثالثة: ما يتعلق بوضع الدولة المتمكن في الأرض ومنزلتها المهيبة بين الأمم، وما له من الأثر في استقرارها الداخلي وحصانتها الفكرية وذلك يرجع إلى أخذها بأسباب القوة والإعداد للجهاد وإقامته. هذا وسوف أفرد لكل منها فصلًا مستقلًا أبيّن فيه -إن شاء الله- أثرها في تحصين المجتمع المسلم ضد الشرور عامة والفكرية منها خاصة. والله المستعان.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
*
الفصل الأول: أثر الرابطة الإيمانية والأخلاق والنظم الإسلامية في صيانة المجتمع المسلم من الانحراف الفكري
*
إن المجتمع الإسلامي -كغيره من المجتمعات- يتكون من السلطان ورجال دولته، ومن أفراد المجتمع. وصلاح المجتمع يكون بصلاح كلا الفريقين وقيام كل منهما بدوره في نصرة الإسلام تنفيذًا ودفاعًا. وسوف يجري الكلام على دور الإمام في حصانة المجتمع في الفصل القادم، إن شاء الله.
أما في هذا الفصل فيجري الكلام -بعون الله تعالى- على أهم الأمور التي تكفل قيام أفراد المجتمع بدورهم في حصانة المجتمع وقوة جبهته الداخلية والعوامل التي تضمن تلاحمهم وتراحمهم وتعاونهم، وقد أجملتها في أمرين:
الأول: المحافظة على الرابطة الإيمانية والعمل على تنميتها.
ويتم تحقيق ذلك بما يلي:
١- الالتزام بالأخلاق الفاضلة.
٢- أداء الحقوق المفروضة لبعضهم على بعض.
٣- الالتزام بالنظام الاجتماعي والاقتصادي الإسلامي.
٤- المحافظة على الوحدة الفكرية.
الثاني: العمل على سلامة مقومات المجتمع المسلم.
ويتحقق ذلك بالتواصي بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على ذلك.
وسوف أفرد لكل منهما مبحثًا مستقلًا أبين فيه أثره في حصانة المجتمع المسلم من الشرور الفكرية وغيرها، والله المستعان.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
*
المبحث الأول: أثر المحافظة على الرابطة الإيمانية في الحصانة الفكرية
إن لكل مجتمع إنساني خصائص تميزه عن غيره، وروابط تشد بين أفراده، ومقومات تحكم تعاملهم مع بعضهم ومع غيرهم في المجتمعات الأخرى.
ويتوقف على حظ المقومات والروابط من الصلاح والتناسق، قوة المجتمع وصلاحه من عدمها.
وقد وردت تعاريف كثيرة لمصطلح المجتمع الإنساني، وكل من هذه التعاريف يتناول جانبًا من جوانب المجتمع وخواصه الرئيسية كالعلاقات الاجتماعية، أو النظم والضوابط السلوكية، أو التجمع والتفاعل الإنساني، أو البقعة الجغرافية التي يعيش عليها الأفراد والجماعات، أو اللغة والتاريخ أو العادات والتقاليد والأهداف المشتركة التي يؤمن بها أبناؤه وهكذا١.
ورابطة الدم والعقيدة هي أقوى الروابط التي يجتمع عليها أفراد المجتمعات الإنسانية، أما الوطن فهو البقعة الجغرافية التي تقيم عليها تلك الجماعة ويشكل الحنين والولاء له رابطة تشد أبناء الوطن بعضهم إلى
_________________
(١) ١ انظر: دراسات في المجتمع العربي، تأليف نخبة من أساتذة الجامعات، الفصل الأول بعنوان: المجتمع الإنساني طبيعته ومقوماته، د. حسان محمد الحسن ص١٧.
[ ٢ / ٥٥١ ]
بعض، كما أن المصالح المشتركة تكون في كثير من الأحيان رابطة يجتمع عليها الناس.
ويعتبر المجتمع متماسكًا قويًا إذا كانت الرابطة بين أفراده قوية والتزامهم بها شعورًا وولاء قويًا.
لكن تماسك المجتمع وقوته لا تعني أنه يسير على الحق والهدى والصراط المستقيم، ذلك أن القوة غير الهداية وإنما تمام الأمر أن تقترن القوة بالهداية، فتكون القوة مجندة لنشر الحق والدفاع عنه، والحق موجهًا للقوة.
وعلى هذا فالمجتمع السليم المهتدي هو الذي يسير على الهدى الذي جاء به الوحي المطهر النازل على أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم.
ذلك المجتمع هو: الذي ربط بين أعضائه رباط الإيمان وشدهم التوحيد والشعور بالانتماء إليه، وبمسئولية نشره والدفاع عنه، وقَوِيَ ولاؤهم جميعًا له، واتّحدت أهدافهم التي يؤمّلونها في الدنيا والآخرة، وحُكِموا جميعًا بنظامه وشرعه، وتعاملوا بأخلاقه والحقوق التي أوجبها لكل منهم.
ولذلك فإن الرابطة الإيمانية هي أهم الأسس التي يقوم عليها المجتمع المسلم، وبالتالي فهي أهم وأقوى الحصون التي تحصن المجتمع من كيد أعدائه وأفكارهم المسمومة، وتخطيطاتهم الخبيثة.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
وبهذا يكون الإسلام قد أبطل جميع الاعتبارات -غير رابطة الأخوة الإيمانية- أن تتخذ رابطة ولاء كرابطة ولاء وأخوة وتناصر، وأبقاها روابط تعارف وتراحم، تعتبر في الأنساب وبعض الأحكام الشرعية كالدية التي تكون على العاقلة، وولايات التزويج، والميراث ونحو ذلك.
قال الدكتور مصطفى عبد الواحد: "الأساس الأول الذي يشيد عليه الإسلام بناءه الاجتماعي هو الأخوة بين أفراده جميعًا فمن الطبيعي وهو مجتمع يقوم على عقيدة تجمع بين أبنائه أن يجعل منها رابطة قوية تشد كل المسلمين وتؤلف بين قلوبهم.
إنه يجعل تلك الأخوة علاقة حقيقية تزيد على علاقة الدم والنسب، وتفضلها، وقد كان الإسلام بذلك أول من أقام مجتمعًا على أساس رابطة روحية يجعل لها الاعتبار الأول، ويعتمد عليها في تقرير الحقوق والواجبات. إن بين المؤمنين رباطًا روحيًا يتمثل في إيمانهم بإله واحد، واعتقداهم بغاية واحدة للحياة ومصير واحد، ومن أجل ذلك فهم أخوة هكذا يقرر القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ [الحجرات:١٠] .
وهذا الرباط من القوة والأصالة بحيث جُعل أساسًا يتجمع حوله المسلمون دون اعتبار لما تواضع عليه البشر أزمانًا طويلة، فلا اعتبار -في المجتمع الإسلامي- للنسب وشرفه، فقد وضع الإسلام عن الناس وزر التفاخر بالأنساب والتعصب لها
[ ٢ / ٥٥٣ ]
ولا اعتبار للجنس، فالإسلام يرفض أن يفترق الناس أجناسًا مختلفة، وأن تفصل بينهم فواصل من صنع أيديهم.
ولهذا فقد احتضن المجتمع الإسلامي أول المسلمين من كل جنس، ولم يجد الحبشي أو الفارسي أو الرومي حائلًا يمنعهم من الانتساب لهذا المجتمع، بل والتصدر فيه.
وقد كانت الأخوة نوعًا جديدًا من العلاقات لم يعهده المجتمع العربي قبل الإسلام، إذ كان ذلك المجتمع يقوم على رباط النسب والجنس، فجاء الإسلام ليجعل الترابط في مجتمعه على ذلك الأساس الروحي والفكري من وحدة العقيدة ووحدة الغاية، متخطيًا في ذلك الروابط التي تحمل في طيّاتها عوامل التفكك وبذور الانهيار "١.
وقد قرر الله هذه الرابطة والأخوة الإيمانية بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] .
قال ابن كثير ﵀: "أي الجميع إخوة في الدين"٢.
والأخوة من مدلولها معنى التقارب والمحبة والتراحم، والتعاون
_________________
(١) ١ المجتمع الإسلامي، أهدافه ودعائمه أوضاعه وخصائصه، في ضوء الكتاب والسنة، د. مصطفى عبد الواحد ص٤٤، ٤٥ مطبعة دار التأليف، مصر، ط: الأولى ١٣٨٩هـ. ٢ تفسير القرآن العظيم، ط: الشعب، ٨/٣٥٥.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
والمناصرة، وهذه الأمور ثمرات الإيمان، نابعة منه ودالة عليه ولا يمكن أن يوجد بدونها، قال ﷺ مبينًا الترابط الوثيق بين الحب والإيمان: " والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم "١.
ولا يجوز أن يبقى بين المسلمين ما يعكر صفو هذه الأخوة، لذلك قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم﴾ .
وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١] .
وقال ﷺ محذرًا من بعض الأمور التي تعكر صفو الأخوة الإيمانية، وتضعف الرابطة: " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه "٢ كما بيّن الله تعالى، ورسوله ﷺ ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون فيما بينهم لتقوى الرابطة، وتتحقق الأخوة، فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] .
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، ح٥٤ ١/٧٤ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. ٢ متفق عليه: البخاري، كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلم، الصحيح مع الفتح ٥/٩٧. ومسلم، كتاب البر ، باب تحريم الظلم، ٤/١٩٩٦.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
وقال ﷺ: " والله في عون العبد، ما كان العبد في عون أخيه "١.
وقال: " ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد إذا اشتكى عضوًا، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى "٢.
وهذا الحديث مع بيانه لما يجب أن يكون عليه المؤمنون من التّوادّ والتراحم والتعاطف والتواصل، مع ذلك بيّن أمرًا هامًا، ألا وهو أثر هذه الأخوة القائمة على الرابطة والتعاون الإيماني في حصانة المجتمع وتماسكه وقوته، حيث شبّه مجتمع المؤمنين بالجسد الواحد الذي يهتم سائر أفراده لما يحصل لبعضهم أو يحدث في مجتمعهم من خلل أو خطر، ويتكاتفون لصده.
ويؤيد هذا المعنى قول الرسول ﷺ: " إن المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا"، وشبك بين أصابعه ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء ، باب فضل الاجتماع على الذكر ٤/٢٠٧٤. ٢ متفق عليه -واللفظ للبخاري-: البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم الصحيح مع الفتح ١٠/٤٣٨. ومسلم في كتاب البر، باب تراحم المؤمنين ، صحيح مسلم تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٤/١٩٩٩. ٣ متفق عليه -واللفظ للبخاري-: البخاري، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، الصحيح مع الفتح ١/٥٦٥. ومسلم، كتاب البر، باب تراحم المؤمنين ، صحيح مسلم ٤/١٩٩٩.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
وتشبيه المجتمع المسلم بالبنيان من أبلغ التشبيهات، وذلك أن البنيان يتكون من لبنات، ومن مادة تشدّ بينها، وكذلك المجتمع المؤمن يتكون من أفراد، ومن رابطة تشد بينهم.
ففي البناء كلّما كانت اللبنات متقاربة مرصوصة، والمادة اللاصقة قوية، كان البناء أشد قوة وتماسكًا.
وكذلك الحال في المجتمع المسلم، كلما كانت الرابطة الإيمانية قوية، كانت القلوب متقاربة متحدة، وبذلك يكون المجتمع قويًا متماسكًا. فأول أساس لوحدة المسلمين هي الرابطة العقدية والأخوّة الإيمانية.
وهذه الرابطة لا تستحكم إلا إذا كان اعتقاد الجميع مستمدًا من نصوص الكتاب الكريم والسنة الشريفة، وكانت العقيدة نقية من شوائب الشرك والبدع والعقائد المستمدة من المناهج المحدثة المخالفة لما كان عليه السلف في عصر النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، والأئمة المهديين، الذين شهدت لهم الأمة بالخير والإمامة في العصور الثلاثة المفضلة، ومن سار على طريقهم في سائر العصور.
وعلى هذا فأول خطوة في الطريق إلى وحدة المسلمين اليوم هي العمل على تنقية العقائد وتصحيحها، ونشر الإيمان المبيّن في الكتاب والسنة والدعوة إلى نبذ ما خالفه.
وما لم تجتمع كلمة علماء الإسلام ودعاته على هذا، وينطلقون منه، سيبقى المسلمون في شتات وذلة وحيرة، وسيبقى العمل لا يثمر إلا مزيدًا
[ ٢ / ٥٥٧ ]
من الفرقة والتحزب، وإعجاب كل فريق برأيه، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٢]، فلا اجتماع إلا إذا اجتمعت القلوب، ولا اجتماع لها إلا بالتوحيد. فإن التوحيد يجمع أهله، ويفرّق بينهم وبين من خالفهم، قال ربنا ﵎: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] .
وإذا كانت الرابطة الإيمانية هي الأساس للوحدة الإسلامية، وكانت الوحدة حصنًا قويًا للمجتمع من كل فكر دخيل هدام، وسلوك منحرف، فإن الفرقة والنزاع الناتج عن ضعف أو انعكاس الرابطة الإيمانية بين أفراد المجتمع المسلم يمثل ثغرة خطيرة تسهم وبسرعة في تفككه وضعفه، ومن ثم حصول الشر بين أفراده. قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦] .
ومردّ التنازع بالدرجة الأولى إلى الفرقة في الدين الناتجة عن الانحراف في العقيدة، أو الابتداع في الشريعة. وكم خطط أعداء الإسلام للتفريق بين المسلمين، ولم يجدوا أنجح في تحقيق ذلك من نشر الأفكار المخالفة.١
_________________
(١) ١ انظر تفصيل ذلك فيما تقدم تحت عنوان: الصراع الفكري بين الحق والباطل.. من ص٧٩-١٤١.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
فكلما وجدوا ثغرة في المجتمع الإسلامي أطلقوا فكرة ضالة جللوها بتلبيسات مزخرفة، فاستهوت بعض أفراد المجتمع ومالت بهم عن الجادة. وهكذا حتى تفرق المسلمون شيعًا وأحزابًا وطرقًا.
ولم يقف الحد عند ذلك، بل أوجدوا أفكارًا تهدف إلى إزالة الرابطة الإيمانية والأخوة الدينية من أساسها، وتدعو إلى الاجتماع والاتحاد على رابطة أخرى كالشعوبية الداعية إلى التعصب للدم والعرق، ومثلها القومية، والوطنية، والوجودية، والإنسانية أو الدعوة إلى التآخي على الرياضة والفنون أو غير ذلك من الروابط.
وبذلك يقل الولاء للدين، ويخفّ الحماس لنشره والدفاع عنه، وهذا انتصار للكفر بحرب باردة يذوب فيها شباب المجتمع ورجاله الذين هم جيش الإسلام وعدته تحت ألوان من الأفكار والدعوات المضللة، والولاآت المختلفة.
وبعد البيان لأهمية الرابطة الإيمانية لقوة المجتمع المسلم ووحدته وحصانته من الأفكار الهدامة، وأثر ضعف تلك الرابطة في تفككه وحدوث الثغرات التي يتسلل منها كل فكر خبيث ومبدأ هدام، بعد ذلك يأتي المجال لذكر أهم العوامل التي تنمي الرابطة الإيمانية وتشد منها.
وكل عامل من هذه العوامل هو شعيرة من شعائر الإسلام، بمعنى أن الإسلام أمر بها ونظمها، وهي في نفس الوقت لبنة في حصن المجتمع بقيامها يتماسك، وتقوى رابطته، وبضعفها أو زوالها يهتز بناء المجتمع،
[ ٢ / ٥٥٩ ]
وتضعف رابطته ويدب فيه الفساد.
وأهم العوامل التي تنمي الرابطة الإيمانية هي:
أولًا: التزام الأخلاق الفاضلة.
ثانيًا: القيام بالحقوق المفروضة لبعض المسلمين على بعض.
ثالثًا: الالتزام بالنظام الاجتماعي والاقتصادي الإسلامي.
رابعًا: المحافظة على الوحدة الفكرية.
وسأتكلم بإذن الله على كل منها في مطلب مستقل.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
المطلب الأول: أثر الالتزام بالأخلاق الفاضلة في تقوية الرابطة الإيمانية
لقد تقدم أن الله تعالى جعل الرابطة بين أفراد المجتمع الإسلامي الأخوة الإيمانية، لذلك حث على الابتعاد عن كل ما يضعفها، والحرص على التخلص من كل طارئ يحدث الخلل بها، وبالمقابل شرع للمسلمين أخلاقًا وآدابًا ونظمًا في المعاملات إذا التزموا بها ساد بينهم الحب والإخاء وانقطعت موارد الكره والشحناء.
وأهمية الأخلاق في المجتمع المسلم تعود إلى عظم أثرها في تقوية الرابطة بين أفراد المجتمع المسلم، لذلك ورد الإيضاح والتفصيل لها في كثير من آيات الكتاب، وحديث النبي ﷺ.
قال عبد الكريم زيدان: "كثرة الآيات القرآنية المتعلقة بموضوع الأخلاق، أمرًا بالجيد منها ومدحًا للمتصفين به، ومع المدح الثواب، ونهيًا عن الرديء منها، وذم المتصفين به، ومع الذم العقاب. ولا شك أن كثرة الآيات في موضوع الأخلاق أمر مهم جدًا لا يستغني عنه المسلم وأن مراعاة الأخلاق تلزم المسلم في جميع الأحوال، فهي تشبه أمور العقيدة من جهة عناية القرآن بها في سوره المكيّة والمدنية على حد سواء"١.
_________________
(١) ١ أصول الدعوة ص٧٨ د. عبد الكريم زيدان، دار عمر بن الخطاب للطباعة والنشر، الإسكندرية، ط: الثالثة، ١٣٩٦هـ.
[ ٢ / ٥٦١ ]
وهذا التشابه بين أمور العقيدة والأخلاق من حيث التركيز عليها من جهة الأمر بالتزامها، والإيضاح والتفصيل لجميع جوانبها، يدل على التلازم بينهما، فالأخلاق لازمة لقوة العقيدة وانتشارها، كما أن العقيدة الصحيحة باعثة على الخلق الكريم.
فإذا كانت الأعمال الصالحة وقوة الصلة بالله من أسباب زيادة الإيمان في قلب المؤمن ورسوخه، فإن الأخلاق الفاضلة والتعامل بها بين أفراد المؤمنين سبب لتلاحمهم وترابطهم على أساس العقيدة، فتكون الأخلاق الفاضلة سببًا في قوة عقيدة المجتمع ورسوخ إيمانه.
كما أن التزام المؤمن بالأخلاق الفاضلة يجذب الناس إلى الإيمان، ويحببهم فيه فيدخلون في الإسلام، وقد أشار الله إلى هذا الأثر بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] .
وبهذا يتبين الأثر الوثيق بين المعتقد والأخلاق في المجتمع المسلم، وأن الرابطة العقدية والأخوة الإيمانية تزيد كلما التزم أفراد المجتمع بالخلق الفاضل، وكذلك تأثير المجتمع وجاذبيته تزيد إذا سادت الأخلاق، والعكس صحيح، فإن هذين الأثرين يضعفان ويكادان ينحسران إذا ساءت الأخلاق.
ونظام الأخلاق في الإسلام يشمل أمورًا حثّ الشارع على فعلها والتحلي بها، لما لها من الأثر في صلاح المجتمع والأفراد، وقربهم من الله،
[ ٢ / ٥٦٢ ]
فبالتزامها تسود المحبة وتتقارب القلوب، ويتعامل الناس بالمودة والتراحم والتعاون، وتوجد الثقة بين أفراده، ويشعر الجميع بالرضى والأمن. ومن هذه الآداب:
الصدق في الحديث والمعاملة، والعدل في الحكم والعلاقات، والأمانة في جميع الأمور، والوفاء بالعهد والعقود، والحياء، والحلم، والأناة والرفق، والتعاون على البر والتقوى، والتوادّ والتراحم والتعاطف، والصبر والكرم، والشجاعة.
كما يشمل أمورًا من الخلق القبيح نهى الإسلام عنها وحذر منها، لما لها من أثر في بعد المسلمين عن ربهم، وتنافرهم وضعف الرابطة فيما بينهم، وانبعاث بذور الفرقة والشر بينهم، ومن هذه الصفات الذميمة: الكذب، والظلم، ونقض العهد، وتضييع الأمانة، والنفاق الملي، والتكبر والفخر والبخل، والنميمة والغيبة، والغش والخداع، والتحاسد، والخيانة، واللعن والسباب، والفحش، وشهادة الزور وقذف المحصن، إلى غير ذلك من الأخلاق الرذيلة التي توغر الصدور، وتبعث الشرور وتفرق بين المسلمين، فتضعف الرابطة الإيمانية، ويتهدم هذا السور المنيع، وتصبح فيه ثغرات وممرات يدخل منها الشر الفكري، والمكر الخفي والجلي، ويصبح المجتمع ميدانًا لخيل المنافقين، والحاقدين المتربصين، قد أقيمت فيه سوق الضلالات، وصدع فيه بأنواع الجهالات، وليس للمسلمين وحدة يقمعون بها ذلك، بل صار حولهم بينهم وكيدهم على بعضهم، يثبّط
[ ٢ / ٥٦٣ ]
بعضهم بعضًا، وينقض الأخ غزل أخيه، وربما تآمر عليه وفرح بالمكروه يصيبه.
وخلاصة هذا المبحث: أن للأخلاق الفاضلة التي حثّ الإسلام عليهًا أثرًا عظيمًا في قوة الرابطة الإيمانية بين أفرد المجتمع المسلم، كما أنها من أبرز الأسباب التي تحمل على الدخول في الإسلام.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
المطلب الثاني: أثر قيام أفراد المجتمع بالحقوق المفروضة لبعضهم على بعض في قوة الرابطة الإيمانية
المجتمع المؤمن مجتمع إنساني تميّز برابطة الإيمان والأخوة في الله، هذه الرابطة التي تصله بخالقه، وتربط بين أفراده. والمجتمع الإنساني أيّا كان نوعه، تتم فيه مصالح متبادلة بين أفراده ومعاملات تنظم تلك المصالح، وعلاقات وصلات وحقوق.
ولا بد من نظام صالح يحكم هذه الأمور ويسددها لتسير الحياة بين أفراد المجتمع سيرًا حسنًا يحقق العدل ويبعث على الرضى، ويزيد في رباط الأخوة.
والإسلام الذي يقيم الرابطة على أساس الإيمان، نجده ينظم العلاقات والروابط والمعاملات منطلقًا من ذلك الأساس نفسه، فجميع النظم الإسلامية منطلقة من العقيدة الإسلامية.
فالله وحده هو المشرع المعبود المطاع، وله وحده يخضع ويستجيب المؤمنون، فكل سعيهم لربهم وعلى منهاجه.
يقول الدكتور عبد الله الخريجي: "ويشكل القرآن -بسوره المكية والمدنية- كلًا متكاملًا في بدايته إرساء قواعد العقيدة، ويتدرج منها
[ ٢ / ٥٦٥ ]
وعلى أساسها إلى تحديد الإطار الذي على الإنسان أن يلتزم به في علاقته بنفسه وبالآخرين من خلال تنظيم محكم دقيق لحياة الإنسان في جماعته"١.
والحديث النبوي وحي من عند الله، بيّن فيه النبي ﷺ كثيرًا من جوانب العقيدة والشريعة، فاكتمل بيان الدين بالقرآن والسنة المطهرة.
وقد رتب الإمام البخاري كتابه الجامع الصحيح على هيئة تشعر بالترابط الوثيق بين الشرائع الإسلامية والعقيدة، فبدأ بكتاب بدء الوحي، ثم كتاب الإيمان، ثم كتاب العلم، ثم ساق الأبواب مرتبة على أبواب الفقه، وفي ذلك إشارة إلى أن ما يورده في صحيحه من حديث النبي ﷺ وحي من الله، وتعلمه والعمل به إيمان، وطريقة العلم، فنبه على الترابط بين العقيدة والشريعة، والعمل والإيمان.
والحقوق المفروضة بين المؤمنين أداؤها إيمان، ويزيد في الرابطة الإيمانية ويوثقها، كما أن الإخلال بها يضعف تلك الرابطة ويهلهلها، وقد أشار الله إلى هذا الترابط بين عدم الالتزام بما أوجبه من الإيمان، وبين تضييع تلك الحقوق، وأن الإخلال بأحدهما دليل ومؤد إلى اختلال الآخر بقوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢] .
_________________
(١) ١ نظم المجتمع الإسلامي مع التطبيق على المجتمع السعودي، د. عبد الله الخريجي ص٣٠ توزيع رامتان، جدة، ط: الأولى ١٤٠٣.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
ولا شك أن من قطع ما بينه وبين رحمه، كان قطعه لحقوق من هم دونهم أحرى.
وقد امتدح الله المؤدين للحقوق المفروضة عليهم الواصلين لما أمر الله به أن يوصل مبينًا أن ذلك من صفات المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٢١] .
وليس الغرض هو ذكر تفاصيل الحقوق، وإنما بيان علاقتها بالإيمان، وأثر تأديتها في قوة الرابطة الإيمانية، مما يحصن المجتمع ويعمل على قوته وتماسك جبهته الداخلية، وما للتفريط فيها من الأثر في ضعف الرابطة وانهيار حصنها المنيع.
ومجمل هذه الحقوق فيما يلي:
حق ولي الأمر على رعيته، وحق الرعية عليه، وحق الوالد على أولاده، والأولاد عليه، وحق الزوج على زوجته، وحقها عليه، وحق الأرحام والأقارب والجيران والضيف، والخدم والأرقاء، وابن السبيل، وحقوق الفقراء والمساكين والعجزة على الأغنياء والأقوياء، وحق المسلم على أخيه المسلم عامة في غير ما ذكر إلى غير ذلك من الحقوق١.
_________________
(١) ١ انظر تفاصيل ذلك: كتب السنة، أبواب الآداب والبر والصلة، ورياض الصالحين، ومنهاج المسلم، لأبي بكر الجزائري ونحوها.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
وخلاصة هذا المطلب: أنه إذا قام كل فرد بما عليه من الحقوق أثمر ذلك قوة في صلة أفراد المجتمع بربهم، وفي الرابطة القائمة بينهم فأصبح المجتمع قويًا متماسكًا صعبًا على المفسدين.
وإذا ضيعت الحقوق حصل التذمر والخصام والعداوة، فتضعف الرابطة، ويسهل على الخصوم اقتحام حصون المجتمع والتحريش بين المسلمين، وإثارة الأحقاد وبذر بذور الشر.
كما أن واقع المجتمع المسلم الناتج عن ذلك يضعف ثقة بعض أفراده -ممن قل حظهم من العلم- بنظام الإسلام وتعاليمه، فيحمله ذلك على تطلب البدائل في مستنقعات الشرق أو الغرب وأفكارهم الفلسفية العفنة.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
المطلب الثالث: الالتزام بالنظام الاجتماعي والاقتصادي الإسلامي وأثره في قوة الرابطة الإيمانية
إن الدارس لتعاليم الإسلام يلاحظ أنها لا تخلو من أمرين:
الأول: ما شرع منها أصلًا لتقوية الرابطة الإيمانية بين المؤمنين وخالقهم، وبين بعضهم البعض، كالعبادات والأخلاق والآداب، وكثير من الحقوق، وبالقيام بها يكون المجتمع متصلًا بربه موصولًا ببعضه.
الثاني: ما شرع منها لتسير عليها العلاقات والمعاملات التي يحتاجها الناس في تحقيق مصالحهم فنظمها الشارع على حال تحقق ذلك وتضمن استمرار الرابطة وقوتها، والبعد عن أسباب الفرقة والتنازع.
وقد تقدم الكلام على الأمر الأول المتعلق بجانب الأخلاق والآداب والحقوق في المطلب السابق، ويجري الكلام في هذا المطلب على الأمر الثاني، وهو ما يتعلق بالالتزام بالنظم الإسلامية.
فالنظام الاجتماعي -ويعرف بنظام الضبط الاجتماعي- يقصد به جملة الأحكام والشرائع التي تنظم حياة الناس وعلاقاتهم فيما بينهم في المجتمع المسلم، وعلاقاتهم مع غيرهم من الكفار، والحدود التي تقي المجتمع من عوامل الفساد والضرر والاعتداء من بعضهم على بعض.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
والنظم الإسلامية كثيرة، منها: نظام الأسرة كالزواج والطلاق، ودور الرجل والمرأة ونحوها، ونظام القضاء وما يتعلق به من الصلح والحكم في المنازعات، والجنايات والحدود والتعزير، ونظام الرق، ونظام العقود والشركات، والنظام الاقتصادي وما يتصل به كالزكاة والصدقات والنفقات والفروض، والبيع والشراء والإجارة، ونظام الإرث، وغير ذلك من الأنظمة الشاملة لجميع نواحي النشاط الإنساني.
ووجود هذه الأنظمة ودقة الالتزام بها ضروري لاستقرار حياة الناس، وإقامة العدل بينهم، وحفظ حقوقهم، وانتشار الأمن والأمل في نفوسهم، فينطلقون في ميادين الحياة بثقة وجد للعمل على إصلاح دينهم ودنياهم، وبذلك يترسخ رباط الأخوة ويستحكم، ويتعاونون في سعيهم وكدحهم وهم في أمن من بواعث الشر والنزاع بفضل صلاحية النظام وشموله، ومراعاته لمبادئ الأخلاق والعدل.
والإخلال بشيء من النظم الإسلامية تحصل من جرائه الفوضى والقلاقل والظلم والعدوان، وينجم النفاق والبلبلة الفكرية، والخلاف السياسي، فتتقطع الأرحام وتضيع الحقوق.
كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢] .
وإذا زاد التحلل من النظام الإسلامي اختل المجتمع، وشغل الناس
[ ٢ / ٥٧٠ ]
بأنفسهم وأهوائهم، وذهلوا عن العبادة والعلم، فيضعف الإيمان وتقل رابطته ويفشلوا وتذهب ريحهم، فتُزيغ كثيرًا منهم الأهواء، وتتخطفهم الفتن القائمة على الأفكار الهدامة، وبعضهم يقتل في القلاقل والهرج، أعاذنا الله من الإعراض عن الدين، وما يترتب عليه من الشر والفساد.
وبعد هذا الإجمال في الكلام على النظم الاجتماعية في الإسلام وأثرها في صيانة المجتمع المسلم من عوامل الفساد، أخص بمزيد الإيضاح نظامين هامين لهما أثر بالغ وخطير في تحصين المجتمع ضد الأفكار الهدامة خاصة، وسائر الشرور، ألا وهما:
الأول: نظام الجزاء والعقاب.
الثاني: النظام الاقتصادي.
أولًا: نظام الجزاء والعقاب:
ويشتمل على الحدود المقدرة على جرائم معينة بضوابط شرعية معتبرة، وعلى عقوبة التعزير في المعاصي التي لم يرد في الشرع تقدير لعقوبتها.
وإقامة الحدود حصن هام في حفظ المجتمع من سائر الشرور، وخاصة الأفكار الهدامة، فلا بد من الصرامة والحزم في تطبيقها على من استحقها وفق الضوابط الشرعية.
فحد الزنى واللواط والخمر قامع لهذه الشرور التي طالما امتطاها المفسدون، واستغلوها كطعم لإيقاع شباب المسلمين في شرورهم
[ ٢ / ٥٧١ ]
الفكرية، لما لها من الأثر في طمس معالم الإيمان في القلوب، فتحل الظلمة مكان البصيرة، وبذلك ينقاد من وقع في ذلك إلى الأفكار الخبيثة بسهولة، وقد ينسلخ من الإسلام ويعاديه لتحريمه لها، فيصبح عضوًا فاسدًاَ ينشر الفساد في المجتمع.
أما حد الحرابة والإفساد في الأرض فهو فعال جدًا في قمع الشرور الفكرية خاصة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣] .
فالحرابة توجد وضعًا قلقًا يسوده الخوف والفزع، وذلك أنسب الظروف لانتشار الشرور، وظهور المنكرات، ونشر الإشاعات، والتحريض على التمرد والخلاف، والترويج للحركات الملحدةوالأفكار المفسدة.وأعظم الإفساد في الأرض وأخطره نشر الشرك في البلاد التي أكرمها الله بالإيمان.
قال الله تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦] .
قال ابن القيم -﵀-: "وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله،
[ ٢ / ٥٧٢ ]
وإقامة معبود غيره، ومطاع متبع غير رسول الله ﷺ هو أعظم الفساد، ولا صلاح لها ولا لأهلها، إلا أن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلاّ، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته، فلا سمع ولا طاعة، فإن الله أصلح الأرض برسوله ودينه، وبالأمر بتوحيده، ونهى عن إفسادها بالشرك به وبمخالفة رسوله"١.
وعلى هذا فأساس صلاح الأرض هو عبودية الناس لربهم، وسيرهم في جميع جوانب حياتهم على منهج الله، وفساد الأرض يكون بتعبيدهم لغير خالقهم وتسييرهم على غير منهج الله.
والطريق إلى فساد الأرض بعد إصلاحها إنما يكون بعمل شياطين الإنس والجن في الصد عن دين الله بنشر الشبهات ووضع العوائق النفسية والحسية في الطريق إلى الله وسعيهم في الأرض فسادًا بنشر الأفكار المزخرفة المخالفة لما قرره الإسلام في كل جوانب الحياة.
وقد كان الهجوم الأشد الذي جابه الإسلام من وقت البعثة إلى اليوم إنما هو حرب فكرية تهدف إلى معارضة الإسلام بمبادئ الأديان الوثنية، وبنظريات وتصورات الفلاسفة المجللة بزخرف القول غرورًا.
_________________
(١) ١ التفسير القيم، للإمام ابن القيم، جمعه: محمد أويس الندوي، حققه محمد حامد الفقي، ص٢٥٥ لجنة التراث العربي، بيروت.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
وهذه اللوثات الفكرية هي التي جابهت الدعوات السابقة لدعوة نبينا محمد ﷺ، لذلك حذر الله أهل الإيمان منها، وهو تحذير قائم ما بقي الكفر والإيمان، وقام لكل منهما أعوان.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧] .
وبيّن الله تعالى وسيلتهم في الإضلال، وأنها قائمة على ترويج زخرف القول المتمثل بالشبهات والأفكار الخبيثة التي غرت أصحابها، ويغرون بها الناس، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام:١١٢] .
وكان حظ دعوة نبينا محمد ﷺ على مدى عصورها المتعاقبة من كيد هذه الدعوات الفكرية المسعورة أكبر من غيرها.
وقد اشتدت في هذا القرن حيث تنوعت وتطورت الوسائل الناقلة لها، وفرضت المبادئ الإلحادية على كثير من الشعوب الإسلامية، ووضعت أسس العلوم الإنسانية والمادية على أيدي غير المسلمين فأقيمت على قواعد إلحادية في معظمها، ونظريات جاهلية، تهدف إلى حرف العقائد والسلوك، وتسير بمن يتعلمها -إلا من رحم الله- ليلتقي من حيث
[ ٢ / ٥٧٤ ]
لا يشعر مع طريق اليهود والنصارى أو الملحدين في فكره ومنهج حياته، وتصوراته في الكون والحياة.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن المروجين للأفكار الهدامة، والشبهات المضللة من أعظم المفسدين في الأرض، وإفسادهم المؤدي إلى الفتنة عن الدين أعظم من إفساد المحاربين الذين يتلفون الأموال أو يزهقون الأرواح، حيث تقرر ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة:١٩١] .
لذلك كان إيقاع العقاب المناسب عليهم من أعظم الحصون الاجتماعية، الحافظة للمجتمع من الفكر الخبيث.
وعقاب المفسدين في الأرض بترويج الفساد الفكري واجب إيقاعه والصرامة في تنفيذه، سواء كان حدًا يشمله عموم المحاربة لله ولرسوله، وعموم الإفساد في الأرض، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ الآية، أو كان ذلك من باب قياس الأولى، لأن إفسادهم أشد وخطرهم أعظم، فكان إنزال العقاب بهم أوجب، أو كان ذلك من باب التعزير، فقد نص طائفة من أهل العلم على قتل الداعي إلى البدع١.
وليس المقصد تحقيق هذه المسألة من الناحية الفقهية، وإنما الإشارة
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى ٢٨/١٠٨، ١٠٩.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
إلى أهمية إقامة هذه العقوبة، والجد في قمع المضللين، وأثر ذلك في حماية المجتمع من شرهم، وتحصنه بهذه الشعيرة الإيمانية من الشرور الفكرية.
أما حد الردة القاضي بقتل المرتد عن دينه لقوله ﷺ: " من بدل دينه فاقتلوه "١، فهو حصن من حصون المجتمع المسلم يسد ثغرة يتسلل منها المفسدون لإضلال الناس وحملهم على المجاهرة بالردة، والمجادلة بالباطل، والمعارضة بالشبهات، فيتجرأ على التمرد على الدين من لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، وينقاد إليهم ويتابعهم بعض المغرورين الجاهلين، فيبدأ بنيان المجتمع بالانحلال، وتسري فيه عدوى الضلال.
قال عبد الكريم زيدان: "إن المرتد مع إخلاله بالتزامه يقوم بجريمة أخرى، هي الاستهزاء بدين الدولة، والاستخفاف بعقيدة سكانها المسلمين، وتجريء لغيره من المنافقين ليظهروا نفاقهم، وتشكيك لضعاف العقيدة في عقيدتهم، وهذه كلها جرائم خطيرة يستحق معها المرتد استئصال روحه وتخليص الناس من شره، وإنما قلنا: إن المرتد من يرتكب هذه الأمور، لأنه لا يعرف ارتداده إلا بالتصريح، وإلا لو أخفى ردته لما عرف"٢.
وهذا الأسلوب بعينه قد استخدم في مجابهة هذا الدين في عصر النبوة
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب لا يعذب بعذاب الله، الصحيح مع الفتح ٦/١٤٩، ح٣٠١٧) . ٢ أصول الدعوة ص٢٨٦.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
في محاولة إخراج أهله منه، وخاصة من لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، ولم تشرب العلم نفوسهم، فيدخل فرد أو جماعة في الدين، وقد يكونون من الذين وصفهم الله بقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤]، ممن يعجب بهم كثير من السذج والرعاع ويعظمونهم، فإذا دخلوا فيه لم يلبثوا أن يرجعوا عنه، فيظن من يعجب بهم أنهم إنما رجعوا لما تبين لهم من عدم صلاحه، أو لأنهم لم يجدوا فيه شيئًا مهمًا، فتضعف الثقة في نفوسهم بدينهم، ويسري إليهم الشك، وقد يتابعهم بعض من أحبهم وأعجب بهم. قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران:٧٢] .
ولذلك كانت إقامة هذا الحد حصنًا يقي المجتمع المسلم من هذا المكر الخبيث، بالغ التأثير في الإفساد لو أتيح له المجال، وهذا من محاسن الإسلام ودقة تشريعاته وشمولها لكل ما فيه سلامة المجتمع وحمايته.
ثانيًا: النظام الاقتصادي:
النظام الاقتصادي الإسلامي كغيره من النظم الإسلامية يقوم على أساس العقيدة الإسلامية، فالملك لله، والأمور والمعاملات يجب أن تجري على أمره سبحانه.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
وقد اعتنى الإسلام بتنظيم نشاط الناس الاقتصادي عناية كبيرة، بما وضعه من أحكام وقواعد دقيقة شاملة. وهذه العناية تتناسب مع أهمية النشاط الاقتصادي الذي يحتاج إليه الناس لتبادل منافعهم الدنيوية ومصالحهم الحيوية.
والنظام الاقتصادي الإسلامي يتجاوب مع الفطرة بإقراره حق التملك وحرية التصرف بضوابط تضمن حصول المنفعة للفرد والمجتمع وتمنع الضرر.
وهو يراعي الأخلاق الفاضلة، حيث يقوم على مبدأ التعامل النظيف الذي ينمي الحب، ويشد رابطة الأخوة الإيمانية بين أفراده، على حد قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] .
وبهذا يقطع الإسلام جذور المعاملات الباعثة على الحسد والحقد والبغضاء والفساد الخلقي والاجتماعي، فيمنع الكذب والغش والخداع، والغدر والغرر، ويحرم الاتجار بالفاحشة والرذيلة والمتع السيئة، والمسكرات والمخدرات، ويشدد في تحريم الربا لما ينتج عنه من الغبن واستغلال الفقراء والاحتكار والكساد الاقتصادي. وفي الجملة فهو يمنع المتاجرة والتعامل بكل شيء يجر شرًا أو فسادًا خلقيًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا أو فكريًا.
كما أن النظام الاقتصادي الإسلامي يعتني بسد حاجات الناس اللازمة للعيش. فالمجتمع المسلم متكامل متكافل متعاون على المستوى
[ ٢ / ٥٧٨ ]
الشعبي والحكومي، فكل قد سن له في هذا النظام دور يحقق هدف التكافل الاجتماعي؛ فحث الإسلام على العمل ورغب فيه، وأمر الأقارب بكفالة المحتاج والكبير والمريض، وشرع الصدقة والزكاة لسد حاجات الفقراء، وتحقيق بعض المصالح، وحمّل ولاة الأمر رعاية من لم يجدوا من يرعاهم من أقاربهم أو عجزوا عن رعايتهم.
ومما تقدم تبين أن الإسلام يقيم النظام الاقتصادي على أسس متينة تتمثل في استمداده من العقيدة الإسلامية، ومراعاة الفطرة الإنسانية، وقيامه على الأخلاق الفاضلة، والتزامه بسد حاجات الناس المعيشية١.
وإذا التزم المسلمون دولة وأفرادًا بالنظام الاقتصادي، استقامت حياتهم، وانتظم تعاملهم، وانقطعت بوادر الشر والحقد والحسد والضغينة والبغضاء، وأمن الناس على أرزاقهم ومصالحهم، فتتماسك جبهتهم الداخلية. والإخلال بالمعاملات الاقتصادية، وتعدي حدود الله فيها يؤدي إلى اختلال المجتمع، وتغير القلوب، ويعتِب بعضهم على بعض، ثم يحقد ويحسد.
فباختلال هذا النظام تختل الأسوار الواقية للمجتمع والعاملة على تماسكه وسلامته، فيضطرب النظام الاجتماعي، وتضعف الرابطة الإيمانية،
_________________
(١) ١ انظر: لهذا وما قبله، أصول الدعوة، عبد الكريم زيدان ص٣٣٢، ٣٣٧.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
ويحصل الشر بين المسلمين، ويصبح المناخ مهيأً لشياطين الإنس والجن للعمل على الإيقاع بينهم مستغلين ما بينهم من الضغائن.
واختلال النظام الاقتصادي مرده إلى شح الأغنياء، وما يقابله من ظلم واعتداء الأقوياء من الفقراء، وتفريط السلطة بالمحافظة عليه، والصرامة في تطبيقه.
ومما يمهد لانتشار الأفكار الضالة التهاون في منع المتاجرة بالمتع المحرمة والمخدرات والمسكرات، أو وسائل التأثير الفكري كالأفلام المنحرفة، فذلك يؤدي إلى ظهور الفواحش في المجتمع، وكثرة الخاملين الساقطين، وانحراف الأفكار وتغير مفاهيم المجتمع والتشكك في العقائد، بفعل ما تحدثه المعاصي من الظلمة في القلوب، وما تحدثه الأفلام والقصص والمجلات الزائفة من آثار فكرية هدامة.
أما أثر المعاملات المالية على العلاقات القريبة فظاهر جدًا، فكم من عداوة نشأت بين الأقارب بسبب الظلم في المسائل المالية، وأصدق شاهد على ذلك حصول كثير من المنازعات بسبب الجور في قسمة الميراث بين الأقارب، مما يدل على أهمية الالتزام بأحكام الإسلام في تنظيم المال ومعاملاته، وضرورة الرضى بذلك حفاظًا على تلاحم أفراد المجتمع.
ويمكن القول أن النظام الاقتصادي الإسلامي يمثل أقوى دعامة -بعد رباط العقيدة- يتحصن بها المجتمع ويجابه بها مخططات أعدائه،
[ ٢ / ٥٨٠ ]
وخاصة في هذا العصر الذي قامت فيه حضارات الأمم الكافرة على مذاهب اقتصادية، وأصبحت مسألة الاقتصاد هي المحور الذي تدور عليه السياسات والعلاقات بين الدول، فقضايا المال وما يتصل بأرزاق الناس قضايا حساسة تقتضي من المجتمع العناية بها وإيجاد الوعي الكافي بأهميتها وخطورة التهاون بها. كما تستلزم من ولاة الأمر العمل على تحسين أوضاع الناس المالية، ورفع الظلم عنهم، وإيجاد المجالات المشروعة للعمل والاستثمار، والصرامة في تطبيق أحكام الشريعة.
فالناس مجبولون على الشح بالمال ومحبته وإمساكه، كما بيّن ربنا بقوله: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر:٢٠] .
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨] .
وقوله: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج:١٩-٢٢] .
وبين سبحانه أن الإنسان تخرج ضغينته إذا أخذ ماله، فقال: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد:٣٦-٣٧] .
قال ابن جرير -﵀-: "قد علم الله أن في مسألته المال خروج
[ ٢ / ٥٨١ ]
الأضغان"١، ومثل أخذ المال منع الحق كلاهما يخرج الضغينة.
فكم استغل أعداء الإسلام في الداخل والخارج الأوضاع الاقتصادية المضطربة، والضغائن الناتجة عنها في المجتمع المسلم لإثارة الرعية على الراعي، أو الدعوة إلى مذاهب اقتصادية قائمة على أفكار إلحادية كالشيوعية أو الاشتراكية أو الرأسمالية، وأعظم ثغرة يتسللون منها هي وجود الشحناء والبغضاء والحسد بين طبقات المجتمع نتيجة للإخلال بالنظام الاقتصادي، والتهاون في إيصال الحقوق إلى أهلها، وعدم العدل بين الناس فيها، فيَعِدُون الفقراء الكادحين بالعدل الذي فقدوه، أو الحق الذي سلب منهم، فينخدعون بهم، ويناصرونهم على ذلك، مع جهلهم بحقيقة ما يدعون إليه من الإلحاد، فتسير الشعوب خلف شعارات براقة، ودعاوى منسقة، وبذلك سقطت كثير من الشعوب الإسلامية تحت الحكم الشيوعي أو الاشتراكي القومي أو العلماني أو غير ذلك من الحكومات الفاسدة، وبذلك فرضت أفكار إلحادية ومبادئ كفرية خبيثة على الشعوب الإسلامية، وحُرفوا عن دينهم وصدوا عن طريق ربهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وبهذا يتبين أن التزام النظام الاقتصادي الإسلامي حصن يحصن المجتمع من عوامل الفساد والفرقة والخلاف والعداوة والبغضاء، والتي هي
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ٢٦/٦٥.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
جسر يمتطيه أعداء الإسلام المتربصون به في الداخل والخارج لزعزعة المجتمع وبث بذور الشر فيه، من خلال الأفكار الخبيثة والمبادئ الفاسدة، والشبهات المزخرفة.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
المطلب الرابع: المحافظة على الوحدة الفكرية
تقدم أن الرابطة في المجتمع الإسلامي هي رابطة عقدية، وأخوة إيمانية، وعلى هذا فكلما رسخ الاعتقاد وقوي الإيمان عند أفراد المجتمع، قويت الأخوة والرابطة التي تشد بينهم.
وعلى هذا فالمحافظة على سلامة المعتقد ووحدته يتطلب المحافظة على الناحية الفكرية المؤثرة فيه، من أجل استدامة تلك الأخوة القائمة عليه وسلامتها من النزعات المخالفة وما ينتج عنها من فرقة وشتات. وقبل الكلام في هذا الموضوع المهم يجدر أن أقدم ببيان المراد بالفكر الإسلامي، والوحدة الفكرية لكي يتبين المراد بالمحافظة عليها.
فالفكر هو اسم جنس يطلق على الأفكار الحاصلة من وظيفة التفكر والتعقل التي أودعها الله في قلوب الناس. فالتفكر إذًا وظيفة بشرية، وقد أشار الله لهذا في نحو قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ [المدثر:١٨] .
والفكر عمومًا هو محصول الاجتهاد البشري١.
_________________
(١) ١ انظر: ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر المنعقدة بالبحرين في ٣/٦/١٤٠٥هـ ص٩٦، ٩٧، ١٧٧، الناشر مكتب التربية العربي لدول الخليج ط: الأولى، ١٤٠٧هـ.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
وعلى هذا فالعقيدة الإسلامية ليست فكرًا، وإنما هي وحي من عند الله، وهي غذاء الفكر الإسلامي وقاعدته.
وقد بيّن الله أن التفكر في الآيات الكونية، والآيات التنزيلية وما فيها من دلائل التوحيد، والآيات والقصص المشتملة على العبر والمواعظ، بين أن ذلك من صفات المؤمنين.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١] .
وقال: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس:٢٤] .
وقال: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦] .
وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد:٣، الزمر:٤٢، الجاثية:١٣] . ونحوها.
وعلى هذا فالتفكير السديد وظيفة أمر الله بها عباده المسلمين، وهم الجديرون بها، وما ينتج عنه من فكر هو فكر إسلامي قام به المسلم وفق ضوابط الشرع، ومن منطلق العقيدة.
قال الأستاذ محمد عبد الله السمان: "إن العقيدة الإسلامية هي قاعدة الفكر الإسلامية ليكون في إطار العقيدة، وفي خدمتها، فإذا
[ ٢ / ٥٨٥ ]
خرج عن إطارها، أو تجاوز حدودها، أو تحول ليكون في خدمة غيرها، فلن يكون فكرًا إسلاميًا، ولو زعم هذا ألف مرة ومرة"١.
فالفكر الإسلامي هو الذي يستند إلى العقيدة الإسلامية وينطلق من نصوص الوحي في بحثه واجتهاده في مختلف مجالات الحياة، والحضارة القويمة هي الحضارة الإسلامية التي تقوم على ثمرات الفكر الإسلامي الشامل لجميع الميادين.
ويمكن حصر أهم ميادين الفكر الإسلامي فيما يلي:
١- فهم نصوص الكتاب والسنة، واستنباط الأحكام والعبر والمواعظ.
٢- استنباط براهين الحق ودلائل التوحيد ومعجزات النبي ﷺ وغير ذلك من العقائد بالتدبر لآيات الله التنزيلية والتفكر في آيات الله الكونية.
٣- بيان محاسن الإسلامي وسلامة نظمه وتشريعاته من النقائص، وأنها هي المصلحة لحياة الناس.
٤- الدفاع عن الإسلام وتفنيذ الشبهات المثارة حوله، وبيان بطلان الأفكار المنحرفة والأديان الضالة.
٥- استكشاف الأسرار التي وضعها الله في خلقه، وسخرها
_________________
(١) ١ ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر، المصدر السابق ص٤٧.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
للإنسان، والانتفاع من ذلك في تسهيل حياة الناس والرقي بها، وفي الإعداد لقوة المسلمين في كافة المجالات. ويدخل في ذلك العلوم المادية كالفيزياء، والكيمياء، والرياضيات، والطب، والإحياء، والصناعات المختلفة، والزراعة، والعلوم الاقتصادية والتجارية. والفكر الإسلامي معني بتطهير هذه العلوم مما أدرج فيها من الضلالات بالإضافة إلى نقل المفيد منها، واستخدامه وتطويره.
٦- البحث والدراسة للنفس البشرية، والنشاط الإنساني وإقامته على مبادئ الإسلام ومسلماته، ويشمل ذلك: علم النفس، وعلم الاجتماع وفروعهما، والدراسات التاريخية، ونحوها.
٧- التفكر في الأمور الغيبية التي أخبر الله بها، كالموت وأحوال القبر، وما يجري يوم القيامة من أهوال، وصفات الجنة والنار، مما يفيد في إصلاح القلوب واندفاعها للخير وارتداعها عن الشر، وعدم تماديها في الحرص على الدنيا. وعلى العموم فالنشاط الفكري الإسلامي يشمل كل المجالات التي يحتاج إليها الناس في دينهم ودنياهم.
الوحدة الفكرية:
تقدم أن الفكر لا يبدأ من فراغ، بل لا بد من أسس يقوم عليها، ومنابع يستقي منها، وأصول يرجع إليها في بحثه ودراسته ومقارنته واستنتاجه.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
والأسس والمنابع والأصول في الفكر الإسلامي، هي أصول الإسلام وقواعده العقدية والتشريعية.
فالوحدة الفكرية المطلوب المحافظة عليها في المجتمع المسلم هي:
نشر وترسيخ العقائد والمبادئ والمعارف التي جاء بها الإسلام لدى أكبر عدد من أفراد المجتمع، وجعلها أساس التربية والتعليم في مختلف مراحله، والإعلام في جميع مجالاته، لكي تكون قاسمًا مشتركًا يؤمن به ويخضع له الجميع، فينطلقون منه ويرتكزون عليه في نشاطهم الفكري، ويصبح هذا الغذاء الفكري المشترك ميزانًا موحدًا يحتكم إليه الناس ويرجعون إليه عند النزاع، ويوحد مشاعرهم وعواطفهم وأهدافهم ويوجه سلوكهم، فيتلاحم الأفراد، ويصبح المجتمع كالجسد الواحد، وتقل فيه نوازع الفرقة.
أثر الوحدة الفكرية في قوة الرابطة الإيمانية:
إن وجود الوحدة الفكرية -المتمثلة بملئ قلوب الناس وإنارتها بالعقائد الحق، والمفاهيم الصحيحة، واستئثار الوحي بذلك، وما ينتج عنه من تقارب وانسجام في تفكير أفرادها- ضرورة اجتماعية لازمة لاتحاد المسلمين وقوة رباطهم الإيماني.
وتخلّف الوحدة الفكرية ينتج عنه أحد حالين:
الأولى: الفراغ الفكري الناتج عن انتشار الجهل وانصراف الناس عن العلم، وفي هذه الحال يسود المجتمع خليط من الأفكار الفاسدة،
[ ٢ / ٥٨٨ ]
والخرافات والتصورات والعادات الجاهلية، ويصبح المجتمع مهيأً لكل فكر ضال، كما أنه في بعض الأحيان يكون صالحًا لدعوات الإصلاح إذا لم تكن فيه بدع مستحكمة، ومفاهيم منحرفة مقدسة.
قال الدكتور عبد الحليم عويس: "ولئن كانت عوامل التجزؤ عديدة ورهيبة، فإن هذه العوامل لا تتسلل إلى الأمة إلا حيث تعاني من فراغ فكري، وفقر إلى مجموعة القيم التي تغنيها بدراية سليمة مطمئنة عن حقيقة كل من الكون والإنسان والحياة، إذ أن من شأن أي جماعة تعاني من مثل هذا الفراغ أن تغدو هدفًا لمطامع أولى الدعوات الهدامة، التي تصطنع المبادئ والقيم لبلوغ أمانيها وأغراضها"١.
والحالة الثانية: الفرقة الفكرية ومردها إلى الفوضى الفكرية، حيث تنتشر المعارف وتقوى حركة التعليم، مع اختلاف مشارب الأفراد الفكرية.
فيجهر المبطلون بالضلال ويتفننون في عرضه على الناس، وعندها يتوزع أبناء المجتمع الواحد إلى طوائف كل طائفة تسير خلف فكرة ومبدأ، ويزخرف كل فريق مبدأه، إما بتقريبه إلى الإسلام بالاستدلال الفاسد، أو بتقديمه على أنه الجديد المفيد المتجاوب مع مستجدات العصر، مع دعوى أنه لا يتعارض مع أصول الإسلام.
_________________
(١) ١ ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر، ص١٨٨.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
وقد يتمادى الأمر فيتجرأ المفسدون على مدح الكفر والإلحاد والتشكيك والاستهزاء بمسلمات الدين بلا خوف ولا حياء.
وفي هذه الحال يتفكك المجتمع ويعادي بعضه بعضًا، وتزول رابطة الإيمان كرباط مشترك لجميع أفراده، وإنما تبقى رابطة بين أفراد طائفة من طوائفه، هي التي التزمت به وأخذت على عاتقها مسئولية تنفيذه والدفاع عنه.
وسيجد كل فكر خبيث خارجي فئة في المجتمع تسير على مبدئه، فيعمل من خلالها داخل المجتمع.
عندها يصبح من المتعذر اجتماع أفراد المجتمع على تحكيم نظم الإسلام، فتستبدل به الفكرة بالفكر المدمرة لكيان المجتمعات الإسلامية، ألا وهي الديمقراطية التي يحكم الناس بها الأهواء والقوانين الوضعية.
ويصبح بذلك أهل الإيمان المستمسكون به -في أحسن أحوالهم- طائفة من طوائف المجتمع ليس لهم إلا المجادلة عن أنفسهم بدل أن يكون الإسلام هو المهيمن على الجميع وكلمة الله هي العليا.
هذا مع أن اجتماع الناس في المجتمع الذي مزقته الفوضى الفكرية على الديمقراطية أو غيرها لا يكون في الغالب -كما يشاهد من الواقع- إلا بعد حروب أهلية طاحنة يتجرع فيها الناس أصنافًا من العذاب، ويذيق بعضهم بأس بعض.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
السبيل إلى المحافظة على الوحدة الفكرية:
إن العمل للمحافظة على الجانب الفكري في المجتمع الإسلامي -بغرض إخلاصه للتلقي عن الوحي المطهر في جانب العقيدة والعبادات والأخلاق والآداب- يجب أن يكون في اتجاهين هامين:
الاتجاه الأول: التطهير.
والمراد به تطهير الجانب الفكري في المجتمع الإسلامي من الفكر الدخيل، وذلك يشمل تحصين المجتمع من تسلل الأفكار الغازية ومحاربة وسائل اتصالها بالمجتمع، كما يشمل مراجعة ما ينسب إلى الإسلام من العلوم والمعارف، وعرضه على ميزان الشرع، وبذلك يبقى الوحي الإلهي وحده هو المغذي للقلوب والأفهام والموجه للسلوك والإرادات.
والاستغناء بالوحي أصل قرره الإسلام واعتنى به لما له من الأهمية في خلوص قلوب العباد وأعمالهم لله وحده، ثم اتحادهم على تقوى الله والولاء لدينه، وعلى هذا دلت نصوص كثيرة منها:
قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢] .
تشمل تفاسير السلف للزور كل ما كان من خصائص الجاهلية، وشرائع الطاغوت، ففسر بالشرك وعبادة الأصنام وبالكذب والفسق، واللغو والباطل، والغناء وأعياد المشركين، ومجالس السوء والخنَى، كما
[ ٢ / ٥٩١ ]
فسر بالشهادة الكذب١. ورجح ابن كثير أن المراد بقوله: ﴿لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ .
أي: لا يحضرونه حيث قال: "والأظهر من السياق أن المراد لا يشهدون الزور، أي لا يحضرونه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ .
أي لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم به مروا، ولم يتدنسوا منه بشيء، ولهذا قال: ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ "٢.
وهذه حالة المؤمن الحق مع الزور والباطل وأهله لا يشهده، فلا يشاهده، ولا يستمع إليه، ولا يقوله من باب أولى ولا يخالط أهله، وكيف يتفق له ذلك وقد حبب الله إليه الإيمان، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان؟ فالدافع إلى شهود الزور غير موجود عنده، فهو لا يحبه وليس من أعماله، وقد بيّن الله هذا المعنى بقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] .
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان لابن جرير ١٩/٤٨، ٤٩، وتفسير القرآن العظيم ٦/٢٤١٠. ٢ تفسير القرآن العظيم، ط الشعب ٦/١٤٠.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان:٦] .
فسر لهو الحديث في هذه الآية بالغناء، وهو الأشهر، كما فسر بأخبار الأعاجم وملوك الروم والشرك١. واختار ابن جرير ﵀ أنها عامة في كل كلام يصد عن آيات الله واتباع سبيله٢.
وقال ابن القيم ﵀: "ولا تعارض بين تفسير لهو الحديث بالغناء وتفسيره بأخبار الأعاجم وملوكها وملوك الروم، ونحو ذلك مما كان النضر بن الحارث٣ يحدث به أهل مكة ليشغلهم به عن القرآن فكلاهما لهو الحديث"٤.
وإذا تبيّن عموم الآية لكل ما يمت للجاهليين بصلة، من أغانيهم
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان لابن جرير ٢١/٦٢، وإغاثة اللهفان لابن القيم ١/٢٥٨. ٢ انظر: جامع البيان لابن جرير ٢١/٦٣. ٣ النضر بن الحارث بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي، أحد أعداء الله الذين كذبوا الرسول ﷺ بمكة وعادوه، أخذ أسيرًا يوم بدر، وأمر النبي ﷺ بقتله وهو راجع إلى المدينة. انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم ١٢٦، والبداية والنهاية ٣/٣٠٦. ٤ إغاثة اللهفان ١/٢٥٨.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
ولغوهم وباطلهم وفحشهم وقصصهم وآدابهم، وتبين أن الذين كانوا يشترونها وينشرونها هم الكفار ليصدوا بها الناس عن سبيل الله، إذا تبين هذا، فانظر إلى حال وسائل الإعلام المسموعة والمرئية في البلاد الإسلامية، كيف أنها جمعت ذلك كله، وزادت أن عرضت لهو الحديث من قصص الكفار والمشركين والفاسقين وأخبارهم وأغانيهم وآدابهم في أفلام ومجلات ونحوها، قد اعتنى بزخرفتها وحُشِد فيها كل ما قدر عليه من وسائل التأثير والإقناع والإغراء.
والذين يشترونها ويبثونها بين المسلمين هم من المنتسبين إلى الإسلام الذين حملهم الله مسئولية تعليم الناس وإرشادهم والمحافظة على دينهم وأخلاقهم، فهم يساهمون في صد المسلمين عن دينهم وإشغالهم بما يهدم الدين والخلق، يفعلون ذلك بأيديهم وأيدي الكافرين، فالمسلم يشتري بماله، والكافر ينتج ويصدر، فما أقرب من هذه حاله ممن قال الله فيهم: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] .
فالاعتبار اليوم بحال المسلمين الذي يخربون عقائدهم وأخلاقهم-التي هي أعظم من البيوت- بأيديهم وأيدي الكافرين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فالواجب على المسلمين الاكتفاء بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فالخير كل الخير في الاهتداء بهما.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٩] .
وقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٢٣] .
فوصف الله كتابه بأنه أحسن الحديث لما يشتمل عليه من العلوم الحسنة، والأخلاق والآداب الفاضلة، والعبر القيمة، فهو حسن لما يشتمل عليه من الدلائل والمعاني، كما أنه حسن لفصاحته وبلاغته بإعجازه، ثم بيّن تعالى أثر كلامه على عباده المؤمنين، وأنّه هو الطريق إلى هدايتهم لا طريق غيره، حيث قال: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ومن تركه إلى غيره ضل.
وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلام دِينًا﴾ [المائدة:٣] .
والكامل غني بنفسه عن غيره.
وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا
[ ٢ / ٥٩٥ ]
الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف:٣] .
قال ابن كثير -﵀-: "وبما يناسب ذكره عند هذه الآية الكريمة المشتملة على مدح القرآن، وأنه كاف عن كلّ ما سواه من الكتب "١ ثم ساق عدة نصوص تدل على هذا الأصل وهو الاكتفاء بالكتاب والسنة.
وقبله الإمام البخاري ﵀ أفرد لتقرير هذا الأصل كتابًا في "الجامع الصحيح" هو كتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة" جعل من ضمن أبوابه بابًاَ لقول النبي ﷺ: " لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء " ثم أتبعه بباب "كراهية الاختلاف".
وهو بذلك يشير إلى أن من لوازم الاعتصام بالكتاب والسنة الاكتفاء بالوحي، وعدم سؤال أهل الكتاب عن شيء، وغيرهم من باب أولى لكونهم ليسوا بأهل كتاب، ثم في تعقيبه بباب "كراهية الخلاف" إشارة إلى أن في الأخذ من الأمم الأخرى، فتح لباب الخلاف حيث تختلف المشارب الفكرية، فتختلف القلوب، والله أعلم.
وعلى هذا الأصل سار سلف هذه الأمة من أئمة التابعين ومن تبعهم مقتدين بمن قبلهم من الصحابة، فكانوا ينكرون على كل من عدل عن الكتاب والسنة، وتطلب العلم في غيرهما.
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم، ط الشعب ٤/٢٩٥.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
قال ابن حجر ﵀: "وقد توسع من تأخر من القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلًا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرهًا، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عاميّ جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف، واجتنب ما أحدثه الخلف"١.
ومن الأئمة الذين كانت لهم مواقف بارزة في تقرير هذا الأصل والدفاع عنه: الإمام أحمد -﵀- حيث وقف في وجه الشاربين من مستنقعات الفلاسفة مدافعًا عن الكتاب والسنة، مبينًا أن ما دلاّ عليه هو الحق الذي لا يجوز العدول عنه، ولا معارضته.
ومنهم شيخ الإسلام أحمد بن تيمية -﵀- فقد كان جهاده دعوة عامة للمسلمين لإعادة جميع أحوالهم وشئون حياتهم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ونبذ ما خالفهما من المناهج والأحوال، وبيّن ضلال من حاد عنهما من الفِرق والأفراد.
وعلى هذا الطريق سار العلماء والدعاة المصلحون الذي اقتفوا نهج السلف الصالح، حتى أخذ الراية الشيخ الموفق والعالم المسدد محمد بن عبد
_________________
(١) ١ فتح الباري ١٣/٢٥٣.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
الوهاب، فركز على هذا الأصل مبينًا أن التفريط في المحافظة عليه هو أساس الداء والعودة إليه هو رأس الدواء، وأقام على هذا الأصل دعوته وجهاده، وألف كتابه المبارك المشهور: "كتاب التوحيد" لتقريره، كما أفرد بابًا في كتابه "فضل السلام" ترجم له بقوله: "وجوب الاستغناء بمتابعة الكتاب والسنة عن كل ما سواه" ١.
وإذا تبيّنت أهمية هذا الأصل، وأن على الأمة -في سبيل تحقيق الوحدة الفكرية- أن تعتني بالوحي وتستغني به، وتحارب كل فكر دخيل، وتقطع منافذه، إذا تبيّن هذا فإن تطهير المجتمع المسلم من ذلك يتم في نظري بثلاث خطوات هامة:
الخطوة الأولى: هي عزل المجتمع عن أفكار وثقافات وآداب المجتمعات الجاهلية.
فكما أن الأمم تقوم بمكافحة الأمراض الحسية، ومقاومة أسباب انتشارها، فكذلك الأمراض الفكرية لا بد من منع أسباب انتشارها، ومقاومة الوسائل الناقلة لها، وتطهير الوسائل التي بأيدينا في جميع المجالات الثقافية والإعلامية والتعليمية والتربوية من شوائبها. فهذه الخطوة لا بد منها لتحصين المجتمع ضد الأفكار المخالفة.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، القسم الأول، العقيدة والآداب الإسلامية ص٢١١، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط: الأولى.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
وهي خطوة قد فرط فيها المسلمون اليوم، فوسائل الإعلام والاتصال الثقافي والتعليمي والتربوي القائم في البلاد الإسلامية تنشر أفكار وآداب وفلسفة الأمم الجاهلية على أوسع نطاق من خلال الأفلام والمسرحيات والأغاني والمجلات والمقابلات. والمكتبات يوضع فيها ما هبّ ودبّ من المطبوعات الوافدة من كل مكان، وتفتح أما المسلم أيا كان مستوى وعيه وتعليمه، ليطلع على ما شاء دون موجه أو رقيب، وقد تبنت كثير من الدول الإسلامية دعوى الحرية الفكرية، وأقامت مؤسساتها الفكرية على أساسها.
ولا شك أن هذه الفوضى الفكرية ستولد قناعات واتجاهات تخالف النهج الإسلامي القويم، وذلك سيوجد خلافًا فكريًا يعمل على تمزق المجتمع وتنافره، كما أن التفريط في هذه الخطوة يعتبر من أعظم الثغرات التي يتسلل منها الحاقدون على الإسلام، فينشرون المبادئ الهدامة، والأفكار الخبيثة التي تولد الشك والارتياب والكفر والزندقة.
الخطوة الثانية:
تأتي بعد العزل الفكري، وهي عملية التطعيم لأفراد المجتمع ضد تلك الأفكار الخبيثة التي يخشى من تسللها إلى المجتمع أو تعرض الأفراد لها عند سفرهم أو احتكاكهم ببعض الجاهليين.
ويتم ذلك بنقد وتفنيذ الأسس والمبادئ التي تقوم عليها تلك الأفكار ودحض حججها وبيان بطلانها، وبالمقابل التركيز على بيان
[ ٢ / ٥٩٩ ]
محاسن الإسلام ومزاياه العظام.
ثم تكوين القدرة العلمية لدى المسلم للدفاع عن عقيدته وقيمه عند المواجهة، وتبصيره بوسائل الأعداء المباشرة وغير المباشرة للغزو الفكري والثقافي والحضاري.
وهذه الخطوة قد قام بها علماء الإسلام ومفكروه ودعاته إلى حد كبير، حيث نقدوا مقومات المجتمعات الجاهلية القديمة والحديثة، وبينوا ما فيها من التناقض والمخالفة للمنقول والمعقول، وما ينتج منها من أضرار محسوسة.
إلا أن هذا العطاء القيم ظل محصورًا عند العلماء والدعاة وطلاب العلم وعلى رفوف المكتبات، وفي الجامعات التي تُعنَى بالدعوة والدراسات الإسلامية، وذلك أن الإعلام في معظم الدول الإسلامية لم يحمل رسالة تبليغه إلى جمهور الأمة ولم ينتفع منه، بل هو في كثير من الأحيان يضاده.
وكذلك الحال في التعليم العام وغيره من المجالات التي لها دور في التأثير على الناحية الفكرية لا يزال بعيدًا كل البعد عن مسايرة ذلك العطاء، بل هو يسير في اتجاه نشر وتأييد بعض الأفكار الجاهلية، إن لم يكن قد أسس عليها وانطلق منها.
الخطوة الثالثة: تنقية الفكر المنسوب للإسلام في جميع ميادينه من الفكر الدخيل الزائف.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
وهذه الخطوة من خطوات التطهير لازمة لتحقيق الوحدة الفكرية، ذلك أن الفكر الدخيل كان من أهم أسباب تفرق المسلمين في القديم والحديث. ويتم ذلك -بإذن الله تعالى- إذا اتحدت همم العلماء والدعاة المخلصين، وجميع العاملين في خدمة الإسلام، والساعين من أجل عزته، على إرجاع أحوال المسلمين ومناهجهم وأوضاعهم إلى الكتاب والسنة، والاتفاق على التلقي من الوحي المطهر، ونبذ ما استمد من غيره.
قال الشيخ محمد قطب: "وأول ما نبدأ به من هذا الجهد، هو تصحيح منهج التلقي من أين نتلقى فهمنا لهذا الدين؟ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرة السلف الصالح رضوان الله عليهم؟ أم مما دخل على هذا الفهم الواضح المستقيم من أفكار دخيلة ومنحرفة، بتأثير عوامل متعددة في أثناء المسيرة الطويلة للأمة الإسلامية، واحتكاكها الدائم بأخلاط من المذاهب، وأخلاط من الأفكار؟ .
فإذا صححنا منهج التلقي، وصححنا بناء على ذلك ما انحرف في حس المسلمين المتأخرين من مفاهيم الإسلام الرئيسية، بقيت علينا مهمة أخرى لا تقل خطرًا، هي مهمة التربية على المفاهيم الصحيحة لهذا الدين. والتربية هي الجهد الحقيقي الذي ترجى معه الثمرة، ولكنه لن يؤت ثمرته حتى يقوم على أساسه الصحيح"١.
_________________
(١) ١ مفاهيم ينبغي أن تصحح، محمد قطب، ص١٣، ١٤ دار الشرق القاهرة، ط: الثالثة، ١٤٠٨.
[ ٢ / ٦٠١ ]
فتوحيد منهج التلقي وتطهيره وإخلاصه للوحي، قضية هامة لها أثرها البارز في وحدة المسلمين الفكرية والسلوكية، كما أن التفريط فيها من أعظم أسباب فرقتهم وشتاتهم.
وهذه الخطوة تعتبر بحق طرف الخيط وبدايته بالنسبة للمهتمين بالدعوة الإسلامية، فإن قدر الله لهم الإمساك بها وجمع الجهود عليها، كانت البداية صحيحة، والنتائج بإذن الله طيبة فعّالة في سبيل تصحيح المفاهيم الخاطئة التي طالمًا كانت عائقًا أمام توحيد المسلمين، وإقامة العبودية الحق الجالبة لولاية رب العالمين، فيدخل المسلمون مضمار الكفاح بجهود موحدة وولاية من الله مؤيدة، فيتحقق بهم بذلك ما وعدهم الله من النصر والتمكين.
الاتجاه الثاني: التزكية.
والمراد أن العمل من أجل تحقيق الوحدة الفكرية بين المسلمين في سبيل توحيدهم وتقوية الرابطة الإيمانية بينهم، كما أنه يستلزم التطهير-كما تقدم بيانه- فهو يستلزم أيضًا تزكية الأفراد بنشر العلم بينهم وتلقينهم العقائد الإسلامية بأدلتها، كما دل على ذلك كتاب ربنا، وسنة نبينا ﷺ وسار عليه سلفنا الصالح رضوان الله عليهم.
ومن ثم تربيتهم على الأخلاق الفاضلة، والآداب الحميدة، وإعطاء كل فرد ما يحتاج إليه من أحكام الشريعة، لكي يُعبد الحق ويعامل الخلق على بصيرة.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
وفي سبيل تحقيق ذلك تسخر جميع طاقات الأمة الفكرية ووسائل الاتصال العامة والتعليم والتربية والتثقيف، في خدمة هذا الهدف العام.
ومن ذلك الاهتمام بالأسرة التي هي الوحدة الاجتماعية الأولى في المجتمع، وهي أول مدرسة يتلقى منها الطفل مبادئه ومفاهيمه.
فلا بد من تأسيسها على الارتباط الوثيق بالمعتقدات والشرائع والأخلاق والآداب الإسلامية، وتاريخ الأمة وهمومها وأهدافها وتحدياتها، وأن يسودها الاعتزاز بالإسلام، والشعور بالمسئولية عن إقامته، والدعوة إليه، والدفاع عنه، والحماس لقضاياه.
وتطهير الأسرة من الثغرات التي تتسلل منها أفكار الجاهلية وخصائصها مهم وضروري.
وأهم هذه الثغرات: أجهزة التلفاز والفيديو والإذاعات والجرائد والكتب ما كان منها ينشر الفكر والأدب الجاهلي، وكذلك الاختلاط بالكفار والمشركين والمنافقين، كاتخاذهم خدمًا أو سائقين، أو مصادقة الأسر الكافرة، أو سفر الأسرة أو بعض أفرادها إلى بلاد الكفر والفسوق.
ومن أهم مقومات تزكية الأسرة إدراك كل من الزوجين مسئوليته ودوره، وتعلمه أمر دينه، والحقوق المناطة به، وتخصيص وقت كاف لتعلم ذلك.
كما أن العناية بالمرأة مهم جدًا في صلاح المجتمع وسلامة وحدته
[ ٢ / ٦٠٣ ]
الفكرية. فصلاح المرأة سبب في صلاح الجيل -بإذن الله-، حيث إنها المدرسة والمربية الأولى لأطفالها، كما أن فسادها فساد للجيل الذي تتولى تربيته.
ولذلك يوجه الأعداء مخططات محمومة مسعورة، وبوسائل مختلفة لإفساد النساء لعلمهم أنهن أمهات الجيل القادم، وكسبهن يعني كسب ذلك الجيل، ولما لهن من الأثر -عند فسادهن- في إفساد الرجال وتخريب البيوت، وشتات الأسر.
وقد اهتم الإسلام بتنظيم وبيان جميع ما يخص المرأة، فما على الزوجين إلا تعلم ذلك والعمل به، كما أهتم علماء الإسلام ومفكروه بهذا الجانب، ومؤلفاتهم تزخر بها المكتبات الخاصة والعامة.
وليست هذه مسئولية الزوجين فقط، بل المجتمع يجب عليه أن يتخذ الأسباب التي تضمن تعلم كل منهما ما يهمه ويحتاج إليه من أمور الدين، ويتم ذلك بالعناية بالجوانب التالية:
١- الاهتمام بالتعليم والتربية في جميع مراحله، وإقامة أنظمتها واستمداد مناهجها وسياساتها من الكتاب والسنة، والعناية بالمدرسين والمُربين ليكونوا من المتحمسين للإسلام، الهادفين لإخراج جيل يحمل رسالة الإسلام.
٢- تسخير وسائل الإعلام في الدعوة والتعليم والتوجيه السليم المنبثق من تعاليم الإسلام، وضبط قضية الترفيه بالضوابط الشرعية، لكي
[ ٢ / ٦٠٤ ]
لا تتحول إلى إشغال وصد عن سبيل الله.
٣- العناية بالمسجد والعمل على أن يؤديَ دوره التعليمي التربوي لكافة أفراد المجتمع.
فهذه الوسائل مع أنها مؤثرة جدًا في سلامة الأسرة وتزكيتها إذا استغلت استغلالًا حسنًا، فهي أيضًا قنوات فكرية هامة مؤثرة في الوضع الفكري العام للمجتمع، فلا بد من تطهير وتزكية وتوحيد لما يبث فيها، لتساهم في تحقيق الوحدة الفكرية المنشودة للمجتمع المسلم.
فينبغي أن تكون هذه الوسائل جميعًا تخدم هدفًا واحدًا هو التوجيه والتعليم والتربية والتثقيف والترويح في المجتمع المسلم من منطلق تعاليم الإسلام وفي اتجاه تحقيق أهدافه.
فرسالتها واحدة، ويكمل بعضها بعضًا، في سبيل تحقيق وحدة فكرية وسلوكية في مجتمع يحافظ على قيمه الدينية مع أخذه بمعطيات العصر الحضارية، وينتفع بها في مصالح دينه ودنياه.
وخلاصة هذا المطلب: أن الوحدة الفكرية -القائمة على المفهوم الصحيح للإيمان بالله كما قرره الكتاب والسنة وسلف الأمة الصالح- أساس هام لوجود الرابطة الإيمانية بين أفراد المجتمع المسلم، كما أن المحافظة عليها لازمة لاستدامة تلك الرابطة وتلاحم الأفراد واتفاقهم، وعدم اختلافهم.
وأهم العوامل اللازمة للمحافظة على الوحدة الفكرية أمران
[ ٢ / ٦٠٥ ]
أساسيان:
الأول: تطهير الفكر الإسلامي من الفكر الدخيل، وعزل المجتمع المسلم عن أفكار المجتمعات الجاهلية، وجميع خصائصها، ومحاربة الوسائل الناقلة لها، وتطعيم أفراد المجتمع ضد الأفكار المحتمل تسللها ببيان بطلانها وتناقضهما وما تجره من الشر والدمار وسوء العاقبة.
الثاني: تزكية أفراد المجتمع بالتوسع في نشر عقائد الإسلام وتعاليمه المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على فهم السلف الصالح وأصولهم، والعناية بالأسرة، وتسخير كافة الجهود والوسائل لتحقيق هذا الغرض، وأن تكون رسالة التعليم والتربية والإعلام والمسجد واحدة هي رسالة الإسلام ووظيفتها هي الدعوة إلى الله، والدفاع عنه، وإعداد أجيال تطبق الإسلام تطبيقًا سليمًا، وتتحمس له، وتنهض به، عالمة عاملة مؤيدة.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
*
المبحث الثاني: العمل على سلامة مقومات المجتمع المسلم
والمقصود أنه إذا تقرر أن الربطة بين أفراد المجتمع المسلم منوطة بسلامة وعمق الإيمان، وإقامة العبادات والأخلاق والنظم المنبثقة منه، وأن استدامة الرابطة الإيمانية مرهونة بسلامة واستدامة ذلك، كان من الواجب على المجتمع العمل على سلامة مقوماته الإيمانية.
ويكون ذلك بالتواصي بالحق والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على ذلك، والصبر والمثابرة في سبيل تحقيقه.
فإقامة هذه الشعائر الإيمانية، كما أنها لازمة لقوة ومتانة الرابطة الإيمانية، هي أيضًا حصن يقي المجتمع من الفكر الخبيث وسائر الشرور.
وليس الغرض ذكر تفاصيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما بيان أثر هذه الشعيرة الإيمانية الاجتماعية في تحصين المجتمع من الأفكار الخبيثة، الذي هو موضوع هذا البحث.
وسوف أتكلم في هذا الأمر من خلال مطلبين:
المطلب الأول: أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكونه واجبًا اجتماعيًا.
المطلب الثاني: أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تحصين المجتمع من الأفكار الهدامة.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
المطلب الأول:أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكونه واجبًا اجتماعيًا
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للخلق من شعائر الإيمان التي تميز بها أهل الحق من الأنبياء والرسل وأتباعهم، فقد كانت مهمتهم الأمر بالمعروف من إقامة التوحيد وعبادة الله، وإقامة العدل والتزام الأخلاق الفاضلة، والنهي عن المنكر من الشرك والعصيان والظلم والإفساد في الأرض.
قال تعالى قاصًا ما قاله لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧] .
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود:١١٦] .
وكان حض نبينا ﷺ من هذه الوظيفة أكبر من غيره، حيث أمر أمته بكل معروف، ونهاهم عن كل منكر.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
قال ابن تيمية -﵀-:"قوله تعالى في صفة نبينا محمد ﷺ ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَر﴾ [الأعراف:١٥٧] .هو بيان لكمال رسالته، فإنه ﷺ هو الذي أمر الله على لسانه بكل معروف، ونهى عن كل منكر، وأحل كل طيب، وحرم كل خبيث"١.
فهو ﷺ أفضل الرسل عليهم الصلاة والسلام وأعظمهم بركة على الناس، حيث دعا إلى كل معروف، ونهى عن كل منكر.
وهذا الأمر بعينه هو سر أفضلية أمته الذين ساروا على هداه، وتأسوا به في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] .
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة اجتماعية، يقوم بها كافة المؤمنين رجالًا ونساء، كل بحسب قدرته.
قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] .
_________________
(١) ١ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق د. صالح المنجد، ص١٠، دار الكتاب الجديد، بيروت، ط: الأولى ١٣٩٦هـ.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
وقال الرسول ﷺ محملًا الأفراد مسئولية المجتمع: " من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان "١، فهو من أهم وظائف مجتمع المؤمنين إذ مكنهم الله في الأرض، وإقامته لازمة لاستمرار التمكين.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]
وعلى المجتمع أن يجند طائفة من أفراده للقيام بهذا الأمر والعناية به: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] .
وقد أشار شيخ الإسلام إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة اجتماعية بقوله: "وبنو آدم لا يعيشون إلا باجتماع بعضهم مع بعض، وإذا اجتمع اثنان فصاعدًا فلا بد أن يكون بينهما ائتمار بأمر، وتناه عن أمر وإذا كان الأمر والنهي من لوازم وجود بني آدم، فمن لم يأمر بالمعروف الذي أمر به الله ورسوله، وينهى عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، وإلا فلا بد أن يأمر وينهى، ويؤمر وينهى إما بما يضاد
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، رقم الحديث ٤٩ ١/٦٩.
[ ٢ / ٦١٠ ]
ذلك، وإما بما يشترك فيه الحق الذي أنزله الله بالباطل الذي لم ينزله الله، وإذا اتخذ ذلك دينًا كان دينًا مبتدعًا باطلًا"١.
وقال الدكتور عبد الكريم زيدان: "ومن خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام تحميل الفرد مسؤولية إصلاح المجتمع بمعنى أن كل فرد فيه مطالب بالعمل على إصلاح المجتمع، وإزالة الفساد منه على قدر طاقته ووسعه، والتعاون مع غيره لتحقيق هذا المطلب. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] .
ومن أعظم التعاون، التعاون على إصلاح المجتمع، وإذا كان الفرد مطالبًا بإصلاح المجتمع، فمن البديهي أنه مطالب بعدم إفساده، قال تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٥٦] "٢.
فالمجتمع المسلم يتكاتف أفراده رجالًا ونساء ويتعاونون في مجال الإصلاح، ونشر الخير ومنع الفساد في الأرض، في مقابل المنافقين الذين يسعون إلى عكس ذلك.
قال تعالى واصفًا المؤمنين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
_________________
(١) ١ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص٦٦، ٦٧. ٢ أصول الدعوة ص١٢٢.
[ ٢ / ٦١١ ]
يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] .
وقال واصفًا المنافقين: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة:٦٧] .
وعلى هذا فإقامة هذه الوظيفة من أهم الحصون التي يحافظ بها المؤمنون على سلامة مجتمعهم من فكر المفسدين، وترويج انحرافهم الفكري والسلوكي.
والمؤمنون بحكم ما جعل الله بينهم من الولاية، والتعاون على البر والتقوى، عليهم أن يقوموا بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خير قيام، "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض"، وذلك في مجابهة المنافقين الذين يعيثون في المجتمع فسادًا، ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.
وهذه المجابهة بين الفئتين مستمرة في كل زمان ومكان وجد فيه مجتمع مسلم، وأي الفئتين ظهرت كان لها التأثير الفعال في توجيه المجتمع.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة هامة، يترتب عليها سلامة المجتمع من عوامل الفساد، وكيد المفسدين، وينتج عنها استمرار النهج القويم للمجتمع، والمحافظة على مقوماته.
ولا أدل على أهمية هذه الشعيرة المباركة في مجابهة العاملين على إفساد المجتمع الإسلامي، وفي العمل على سلامته ونجاته من ذلك المثل
[ ٢ / ٦١٢ ]
الذي ضربه النبي ﷺ، حيث شبه المجتمع المسلم بالسفينة، فقال: " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا "١.
قال الشيخ محمد الشوكاني -﵀- مبينًا الأثر الاجتماعي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضرورة التعاون والتكاتف في سبيل إقامته، والأثر العكسي للتفريط في ذلك: "فاعلم أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر هما من أعظم عُمُد الدين، لأن بهما حصول مصالح الحياة الأولى والأخرى، فإن كانا قائمين قام بقيامها سائر الأعمدة الدينية، والمصالح الدنيوية، وإن كانا غير قائمين لم يكثر الانتفاع بقيام غيرهما من الأمور الدينية والدنيوية.
وبيان ذلك: أن أهل الإسلام إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم ثابت الأساس، والقيام به هو شأن الكل والأكثر من الناس، والمعروف بينهم معروف، وهم يد واحدة على إقامة من زاغ عنه، ورد
_________________
(١) ١ رواه البخاري، كتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة رقم ٢٤٩٣ ٥/١٣٢، وفي كتاب الشهادات، باب القرعة في المشكلات رقم ٢٦٨٦ ٥/٢٩٢.
[ ٢ / ٦١٣ ]
غواية من فارقه، والمنكر لديهم منكر، وجماعتهم متعاضدة عليه متداعية إليه، متناصرة على الأخذ على يد فاعله وإرجاعه إلى الحق، والحيلولة بينه وبين ما قارفه من الأمر المنكر، فعند ذلك لا يبقى أحد من العباد في ظاهر الأمر تاركًا لما هو معروف، ولا فاعلًا لما هو منكر، لا في عبادة، ولا في معاملة فتظهر أنوار الشرع، وتطلع شموس العدل، وتهب رياح الدين، وتعلن كلمة الله في عباده، وترتفع أوامره ونواهيه، وتقوم دواعي الحق، وتسقط دواعي الباطل، وتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو المرجوع إليه، والمعول عليه، وكتابه الكريم وسنة رسوله المصطفى ﷺ هما المعيار الذي توزن به أعمال العباد، وترجع إليهما في دقيق الأمور وجليلها، وبذلك تنجلي ظلمات البدع، وتنقصم ظهور أهل الظلم، وتنكسر نفوس أهل معاصي الله، وتخفق رايات الشرع في أقطار الأرض، ويضمحل جولان الباطل في جميع بلاد الله ﷿.
وأما إذا كان هذان الركنان العظيمان غير قائمين، أو كانا قائمين قيامًا صوريًا لا حقيقيًا، فهناك كم من بدع تظهر، وكم من منكرات تستبين، وكم من معروف يخفى، وكم من جولات للعصاة وأهل البدع تقوى وترتفع، ومن ظلمات بعضها فوق بعض تتراكم، فتعمى الطريق السوي على الناس، ومن هرج يمرج في العباد، ويبرز للعيان، وتقر به عين الشيطان، وعند ذلك يكون المؤمن كالشاة، والعاصي كالذئب المفترس.
[ ٢ / ٦١٤ ]
وهذا بلا شك ولا ريب يقضي بمحو رسوم الدين، وذهاب نور الهدى وانطماس معالم الطريق"١.
وبهذا يتبين أثر إقامة هذه الشعيرة الإيمانية الاجتماعية -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- في تحصين المجتمع المسلم ضد تسلل الأفكار المخالفة والشرور المفسدة، وأنه دعامة يحفظ الله بإقامته مقومات المجتمع المسلم.
_________________
(١) ١ رسالة: شرح الصدور بتحريم رفع القبور، لمحمد بن علي الشوكاني، ص٣٣، ٣٤، ضمن مجموعة رسائل، نشر الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط السادسة ١٤١١.
[ ٢ / ٦١٥ ]
المطلب الثاني: أثر القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تحصين المجتمع من الأفكار الهدامة
تقدم الكلام على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للمجتمع المسلم، وأن ذلك الأمر من صفات أهل الحق من النبيين وأتباعهم، وأنه من أخص وظائف هذه الأمة وسر أفضليتها، وهو الوسيلة التي يجابهون بها كيد المفسدين ويتحصنون به من تسلل الشرور إلى مجتمعاتهم.
وحيث إن هذا البحث يدور حول آثار الإيمان وشعائره في وقاية المؤمنين من الأفكار الهدامة، فسوف أشير في هذا المطلب إلى أثر هذه الشعيرة في هذه الناحية خاصة.
إن المنافقين والحاقدين على هذا الدين يدركون أن دعوة المسلمين مباشرة إلى ترك الدين، أو المجاهرة بما يخالفه أمر ينفر منه المؤمن، ويتحفزون لمجابهة الداعين إليه، لذلك فهو يلجؤون إلى أساليب غير مباشرة تنطوي على الخبث والتدرج، ووسيلتهم في ذلك نشر الأفكار الضالة المستوردة من الجاهليات القديمة والحديثة، وإلباسها لباس الإسلام بزخرف القول وصنوف من التلبيسات والشبهات بقصد حرف المفاهيم لدى المسلمين.
[ ٢ / ٦١٦ ]
وهذا الأسلوب لا ينجح إلا إذا جاهر أولئك المبطلون بدعواتهم وهُيئت لهم الفرصة لمخاطبة أفراد المجتمع، وذلك لا يتسنى لهم إلا بغياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الواعي الحازم، لذلك يجب أن تكون الأمة يقظة مهتمة بذلك، محافظة على وسائل الاتصال العامة من أن يتطرق إليها خلل يسمح للمفسدين بمخاطبة المجتمع ونشر تلبيساتهم.
"إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمانة للبيئة من التلوث الفكري والأخلاقي، وهذا النوع من التلوث لا يقل خطورة وفتكًا عن التلوث الحسي الذي ينجم -مثلًا- عن الحرب الجرثومية التي تفزع الناس، وتقض مضاجعهم، أو غيرها من وسائل التلوث.
فإتاحة الفرصة مثلًا لأهل الرذيلة ليمارسوا الفساد من خلال الأغنية والمجلة والكتاب، والأجهزة المرئية، وبيوت الدعارة، وغيرها، هذا يلوث البيئة العامة وينشر الوباء الأخلاقي الفاتك في المجتمع، مما يعسر مهمة المصلحين ويجعلهم يقفون أحيانًا عاجزين عن مقاومة تيار الانحلال.
وقل مثل ذلك في نشر الشبهات الفكرية التي تشكك الناس في دينهم من خلال الكتاب، والمجلة والجريدة، والشريط، والقصيدة ونحوها، فإن في ذلك أيضًا تلويثًا للبيئة من الناحية الفكرية، مما يجعل كثيرًا من الناس يتخبط في بحر الشبهات التي تتجاذبه من هنا وهناك
والمجتمع الذي تظهر فيه المنكرات -فكرية أو أخلاقية- يتعرض لهزات عظيمة لا يعلم مداها إلا الله، ولهذا قيل: إن المنكر إذا خفي، لم
[ ٢ / ٦١٧ ]
يضر إلا صاحبه، أما إذا أعلن، فإنه يضر الخاصة والعامة
وكم هو محزن أن ينشأ بعض أطفال المسلمين في بيئات ملوثة بالسموم الفكرية أو الأخلاقية أو غيرها من سموم الفساد، فيرضعون الرذيلة مع حليب الأم، ويستنشقون الهواء الملوث بالجراثيم المعنوية الفاتكة، فينشأ أحدهم ضحل الثقافة، بعيدًا عن الدين، منحرف الفكر والسلوك، غاية علمه خليط من قمامات الأغاني، والتصورات التائهة، والاهتمامات التافهة لا يكاد يقيم آية من القرآن الكريم، يستنكر المظاهر الإسلامية إذا رآها لأنه لم يعتدها ولم يألفها، فيستوحش مثلًا من منظر المرأة المحجبة العفيفة، ويستغرب من صنيعها، لأنه ترعرع في بيئة ملوثة بضروب الجراثيم السلوكية والفكرية"١.
ومحصلة هذا الوضع التمزق الفكري، والاختلاف في القناعات والمفاهيم، ثم التبيان في السلوك والمناهج، ثم التحزب والتكتل على تلك المناهج، ونهاية المطاف التناحر والخصام.
فالبداية كانت في التفريط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو سوء استخدامه، كالإنكار عن جهل أو الغلو في الإنكار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- مبينًا العلاقة بين الاختلاف
_________________
(١) ١ حتى لا تغرق السفينة ص٢٢-٢٤.
[ ٢ / ٦١٨ ]
والتفريط بهذه الوظيفة: "وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان، فقد يذنب الرجل والطائفة، ويسكت آخرون عن الأمر والنهي، فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر آخرون إنكاراُ منهيًا عنه، فيكون ذلك من ذنوبهم، فيحصل التفرق والاختلاف والشر، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديمًا وحديثًا، إذ الإنسان ظلوم جهول، والظلم والجهل أنواع، فيكون ظلم الأول وجهله من نوع، وظلم كل من الثاني والثالث وجهلهما من آخر وآخر. ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك، ورأى أن ما وقع بين أمراء الأمة وعلمائها، ومن تبعهم من العامة في الفتن هذا أصلها"١.
فحصول الفتن والتفرق وضع حاصل من ظلم مركب من بغْي وانحراف بعض أفراد المجتمع، والسكوت أو الإنكار غير السديد من البعض الآخر.
قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين مبينًا أثر الإخلال بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حصول الاختلاف والتفرق: "فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعامتان قويتان لبقاء الأمة وعزتها ووحدتها، حتى لا تتفرق بهم الأهواء وتتشتت بها المسالك، ولذلك كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فرائض الدين على كل مسلم ومسلمة مع
_________________
(١) ١ رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص٧٦، ٣٧.
[ ٢ / ٦١٩ ]
القدرة، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٤، ١٠٥] .
فلولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتفرق الناس شيعًا، وتمزقوا كل ممزق كل حزب بما لديهم فرحون "١.
فالفرقة والاختلاف كما أنها النتيجة الحتمية للفوضى الفكرية السائدة في المجتمع بسبب غياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي أيضًا أنسب الظروف لاستعار الأفكار الهدامة، ونشاط المروجين لها، وانقسام المجتمع وتحزبه عليها.
فبهذا يتبين أثر الإيمان من خلال شعبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تحصين المجتمع وصيانته من الأفكار الهدامة، وأنه دعامة قوية وهامة يجب المحافظة عليها، والحزم في إقامتها للمحافظة على الأسس التي يقوم عليها المجتمع المسلم.
_________________
(١) ١ مجالس شهر رمضان ٩٧.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
*
الفصل الثاني: دور ولاية الأمر في حماية المجتمع من الأفكار الهدامة
*
إقامة ولي الأمر -ويسمى إمام المسلمين أو الخليفة- واجب من واجبات الدين، ومن أهمها، لما يترتب عليه من صلاح الدين والدنيا في المجتمع المسلم.
قال شيخ الإسلام -﵀-: "يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين لا قيام إلا بها"١.
وإذا كان واجبًا من واجبات الدين فهو شعيرة من شعائر الإيمان التي كلفت بها الجماعة، وعلى ذلك كان دور الإمام وأعوانه في صيانة المجتمع المسلم من الأفكار المنحرفة وسائر الفساد أثرًا من آثار الإيمان. وقد دل على وجوب تنصيب الإمام نصوص من الكتاب والسنة والإجماع، منها:
قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] .
وقول النبي ﷺ: " ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية "٢.
وقال ﷺ: " لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم
_________________
(١) ١ السياسة الشرعية لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٢١٧. ٢ رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ح١٨٥١ ٣/٨.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
أحدهم "١.
وفي رواية: " إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤموا أحدهم "٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- تعليقًا على هذا الحديث: "فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات، وأقصر الاجتماعات أن يولى أحدهم، كان هذا تنبيهًا على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك"٣.
وليس الغرض الكلام على التفاصيل المتعلقة بالإمامة، وإنما بيان أمرين هامين لهما صلة بموضوع البحث:
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو، المسند بتحقيق أحمد شاكر، رقم الحديث ٦٦٤٧ ١٠/١٣٤. وفي سنده عبد الله بن لهيعة: صدوق خلط بعد احتراق كتبه، ولم يتبين أسماع حسن ابن الأشيب منه قبل الاختلاط أم بعده؟ انظر: الكواكب النيرات ص٤٨١. فالإسناد فيه ضعف لكن يتقوى بالطرق الأخرى المذكورة بعده إلى حسن لغيره. ٢ أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد رقم ٢٦٠٨ ٣/٨١، وفي الإسناد حاتم بن إسماعيل وهو:"صحيح الكتاب صدوق يهم". انظر: تقريب التهذيب ص١٤٤. ولم يرد في روايات الحديث أنه حدث من كتاب، بل وردت بلفظ حدثني حدثنا حاتم، ولذا ففي الإسناد ضعف، ولكن يتقوى بالطرق الأخرى المتقدمة إلى حسن لغيره، والله أعلم. ٣ السياسة الشرعية، في إصلاح الراعي والرعية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، حققه أبو عبد الله علي بن محمد المغربي، ص٢١٧، ٢١٨، دار الأرقم، الكويت ط بدون، ١٤٠٦هـ.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
الأول: أهم الضوابط التي تعمل على بقاء هذا الحصن متينًا منيعًا: كالعلم بمهام ومقاصد الحكم في الدولة المسلمة، والعزم والحماس لتحقيقها واستعمال الأصلح، والالتزام بالمشاورة.
الثاني: وظائف الإمامة ومقاصد الحكم، ومن أهمها واجب الدفاع عن الدين، ومن ذلك مقاومة الأفكار الهدامة والداعين إليها.
وسوف أفرد لكل منها مبحثًا مستقلًا، والله المستعان.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
المبحث الأول:ضوابط الإمامة في المجتمع المسلم
والمراد بهذا المبحث بيان الأمور التي بمراعاتها ينضبط أمر الإمامة وتصبح حصنًا فعالًا قويًا.
إن قيام ولي الأمر ودولته بالدور الأكمل في حماية المجتمع وسلامته لا يتم إلا إذا توفرت فيه مقومات الحكم والاستخلاف.
فمع كونه رجلًا مسلمًا حازمًا قويًا، عدلًا عادلًا، عارفًا بأمور السياسة وشؤون الحكم، جريئًا على إقامة حدود الله لا تأخذه في الله لومة لائم، شجاعًا ذا دراية بمصالح الأمة وسبل تحقيقها، مع حرصه عليها وتقديمه لها١، مع ذلك كله لا بد من مراعاة أمور تعتبر أساسية في صلاح ولي الأمر وقيامه بمهام الحكم من أهمها:
أولًا: العلم.
يشترط للإمام أن يكون عالمًا بالأحكام الشرعية، لأنه مكلف بتنفيذها، والعلم مقدم على العمل٢.
_________________
(١) ١ القاضي أبو يعلى الفراء، وكتابه الأحكام السلطانية، د. محمد عبد القادر أبو فارس ص٤، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الأولى ١٤٠٠هـ. ٢ نفس المصدر ص٣٥٩، ٣٦٠.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
ويتأكد على السلطان أن يعرف المقصود بالولاية وأنه: "إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم"١.
فوظيفة الإمام نوع من أنواع الجهاد، بل لا يقوم الجهاد إلا بها، فهو الذي يعقد الألوية، ويسيّر الجيوش، فإذا كان كذلك فغاية الإمام هي غاية المجاهدين وهي: أن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين لله. فمنصب الإمامة عبادة يتقرب بها إلى الله، يلزم فيها إصلاح النية، وبذل المستطاع في القيام بها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "فالواجب اتخاذ الإمارة دينًا وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات"٢.
ومع علم ولي الأمر بمقصد الولاية وغايتها، ومعرفة الأحكام الشرعية، والأساليب الوسائل التي تحققها لا بد من معرفة أعداء الأمة، وما ذكر الله من عداوتهم وأساليبهم في الكيد للإسلام وأهله، ومعرفة الفرق والحركات المنحرفة التي ظهرت في عصور الإسلام، والأساليب التي سهلت عملها، بقصد أخذ العبرة والحيطة والحذر من تكرارها، ومعرفة
_________________
(١) ١ السياسة الشرعية لابن تيمية ص٣٩. ٢ ابن تيمية، المصدر السسابق، ص٢١٩.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
الأساليب التي تسلل من خلالها المنافقون والمبتدعون إلى الحكام حتى تمكنوا من تمرير بعض شرهم من خلال سلطانه، ومعرفة الأخطار والتحديات المعاصرة، والاستعداد لمجابهتها بالخطط المضادة التي تحصن المجتمع وتحاربها وتقمعها.
وفي الجملة فإن على الإمام أن يكون عالمًا بأهداف المجتمع المسلم، وسبل تحقيقها، عازمًا متحمسًا للعمل من أجل ذلك، كما يكون عالمًا بالأخطار التي تهدده، وسبل مقاومتها والخلاص منها، مندفعًا إلى الأخذ بهذه السبل بكل ما أوتي من حيلة وقوة.
وحيث إن الإحاطة بهذه العلوم وتنفيذها، يحتاج إلى جهد عظيم يصعب تحققه في شخص واحد، فقد نص أهل العلم على أن تقريب العلماء وأهل الاختصاص يكمل قصوره في ذلك١.
ثانيًا: استعمال الأصلح.
ولاية أمر الناس أمانة عظيمة، وحيث إنه لا يستطيع شخص واحد -مهما أوتي من قوة وعلم- أن يقوم بجميع مهامّها، لذلك وجب عليه أن يسند أمورها إلى ولاة يعينونه على القيام بها، وبذلك يتحملون هذه الأمانة معه كل فيما أسند إليه، وعليه في ذلك أن يولّي الأصلح الذي هو أهل لحمل تلك الأمانة.
_________________
(١) ١ أبو يعلى وكتابه الأحكام السلطانية ص٣٦٠.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٨،٥٩] .
فالآية الأولى: بيّنت ما يجب على الحكام والأمراء ومن في حكمهم على وجه الإجمال، وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل.
والثانية: بينت ما على الرعية من السمع والطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر، وأمر ثالث يشترك فيه الطرفان، وهو ردّ الأمر عند النزاع إلى الله ورسوله ﷺ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك، في قسمهم وحكمهم ومغازيهم، وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله تعالى، فإذا أمروا بمعصية الله تعالى، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.. وإذا كانت الآية قد
[ ٢ / ٦٣٠ ]
أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة"١.
وأداء الأمانات عام لجميعها، قال ابن كثير -﵀-: "وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان، ومن حقوق الله ﷿ على عباده وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض"٢.
وإسناد الأمر إلى أهله وتولية الأصلح، وعدم اعتبار القرابة، أو الصداقة أو أي اعتبار آخر في الولاية أمر داخل ضمن عموم الأمانات التي أمرت الآية بأدائها؛ إلا أنه متأكد من جهة انه من أعمال الحكام الذين خاطبتهم الآية في المقام الأول.
قال ابن تيمية ﵀: "أما أداء الأمانات ففيه نوعان: أحدهما الولايات، وهو كان سبب نزول الآية، فإن النبي ﷺ لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شيبه٣،طلبها منه
_________________
(١) ١ السياسة الشرعية ص١٣. ٢ تفسير القرآن العظيم، ط: الشعب ٢/٢٩٨. ٣ بنو شيبة من نسل شيبة بن عثمان بن أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، أسلم شيبة بعد الفتح، ودفع النبي ﷺ مفتاح الكعبة إليه وإلى عثمان بن طلحة يوم الفتح، وقال: "خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة." انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم ١٢٧، وتهذيب التهذيب ٤/٣٧٦.
[ ٢ / ٦٣١ ]
العباس١ ليجمع له بين سقاية الحاج، وسدانة البيت، فأنزل الله هذه الآية٢ فأعاد مفاتيح الكعبة إلى بني شيبه، فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين، أصلح من يجده لذلك العمل"٣.
وعلى ذلك عليه أن يجتهد في البحث عن المستحقين للولايات، من نوابه على الأمصار والوزراء والقضاة ومدراء المصالح العامة، ورؤساء العشائر، وأمراء الجند الصغار منهم والكبار، وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده٤.
والميزان الذي يوزن به العمال هو: القوة والأمانة، والعلم والتقوى.
قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦] .
وقال: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧] .
_________________
(١) ١ العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ، هاجر قبل الفتح، وكان وهو في مكة مشفقًا على النبي صلى الله عليه وسلممحبًا له، متعاونًا معه في تثبيت أمره، توفي سنة ٣٢هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٢/٧٨، والبداية والنهاية ٧/١٦٨. ٢ هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ . ٣ السياسة الشرعية ص١٧. ٤ انظر نفس المصدر ١٨، ١٩.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
ويختار الأمثل فالأمثل، ويستعان بأهل العلم والرأي والفضل في التعرف عليهم.
ولا يجوز أن يكون المعيار هو القرابة أو الصداقة أو غير ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره لأجل قرابة بينهما، أو ولاء عتاقة أو صداقة، أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة، أو جنس كالعربية والفارسية والتركية والرومية، أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة، أو غير ذلك من الأسباب، أو لضغن في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهى عنه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧] "١.
ومن المعايير التي جدت في زماننا بالإضافة إلى ما ذكره شيخ الإسلام تولية المناصب الوزارية أو الإدارية وغيرها من الولايات الهامة بالشهادات أو بسبق الطلب، والتقدم للوظيفة، دون التمييز بالصلاح والكفاءة من جهة القوة والأمانة.
فالشهادة تدل على العلم المهني أو الشرعي، ولكن لا تدل على الأمانة والقوة والتقوى، وهي أمور مقدمة، لذلك كان الواجب اختيار
_________________
(١) ١ السياسة الشرعية ص٢٠.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
من توفرت فيه هذه الأمور مجتمعة: فيكون حائزًا على الشهادة في التخصص الذي يسند إليه، مع معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة به، وثبت بالتزكيات من الثقات أمانته وتقواه، ويبتلى لمعرفة قوته وحزمه في القيام بما يسند إليه.
وإذا لم تتوفر مجتمعة قدّم أهل الأمانة والقوة والتقوى بشرط علمهم بما يسند إليهم ولو دون شهادة، أو يعلمون ما يحتاجون إليه بعد الاختيار، مع تزويدهم بالأعوان والمساعدين المهرة المتخصصين، فيكملون نقصهم.
وهذا الواجب على ولاة الأمر -وهو تولية الأصلح- حصن ودعامة يقوم عليها سلامة المجتمع بانتشار العدل، ووصول الحقوق إلى أهلها، واستقامة أمور الناس العامة والخاصة على الهدى، وبذلك يقطع الطريق أمام كل فكر خبيث، أو تخطيط ماكر يستهدف تقويض أركان المجتمع المسلم، حيث إن كل صاحب ولاية على ثغرة من ثغرات المجتمع الإسلامي، عالم بدوره، مخلص صادق في تنفيذه والدفاع عنه، قوي على ذلك، فأنى يجد الشر إلى المجتمع سبيلًا؟.
وإذا اختل هذا الأمر وضيعت هذه الأمانة، وأسندت الأمور إلى غير أهلها، حصل خلل عظيم في المجتمع المسلم، وفتحت ثغرات خطيرة تمهد السبيل لأعداء الأمة للتسلل إليه للفساد والإفساد، وترويج الأفكار الهدامة، والسلوك المنحرف.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
قال ﷺ: "إذا ضيعت الأمانة، فانتظر الساعة " قال١: كيف إضاعتها يا رسول الله. قال: " إذا أسند الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة "٢.
فقد بين ﷺ أن من علامات قرب الساعة تضييع الأمانة بإسناد الأمر إلى غير أهله، ومعلوم أن الساعة لا تقوم إلى على شرار الخلق، الذين انتشر الجهل بينهم والفساد، وبذلك يكون إسناد الأمر إلى غير أهله من أسباب فساد الناس في آخر الزمان.
وسر ذلك أن الأمور إذا لم تسند إلى أهلها فإنها تسند إلى الجهال أو السفهاء أو الضعفاء أو إلى الخونة والمنافقين.
فالجهال والسفهاء يخبطون في أعمالهم بلا هدى، ويضعون الأمور في غير مواضعها، وقد يفسدون وهم لا يشعرون، وكثيرًا ما يغرر بهم ويخدعون من طائفة المنافقين والحاقدين.
أما الضعفاء فإنهم عاجزون عن تنفيذ ما يرونه صالحًا، ويغلبون على
_________________
(١) ١ القائل هو الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ عن الساعة، كما في الراوية الأخرى:"بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي، فقال: متى الساعة؟ .. الحديث رواه البخاري، كتاب العلم، باب من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه ، صحيح البخاري مع الفتح ١/٤١ ح٥٩. ٢ رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، الصحيح مع الفتح ١١/٣٣٣،ح٦٤٩٦.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
أمرهم فيبقى الحق الذي أمروا به بعيدًا عن التنفيذ، ويظهر الفساد والمنكر في أعمالهم ويضعفون عن إزالته، وهذه ثغرة اجتماعية خطيرة ليس لها إلا أهل الحزم والقوة والعلم والديانة.
أمّا المنافقون فهم الشر المستطير، ومنهم الضرر الكبير، وشرهم حاصل للجماعة المسلمة دون أن يتولوا من أمورها شيئًا، فكيف إذا أسندت بعض الأمور الهامة إليهم. فتلك قاصمة الظهر، وسوسة النخر.
قال تعالى محذرًا من طاعتهم ومشاورتهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:١-٣] .
قال ابن كثير ﵀: "قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ أي لا تسمع منهم ولا تستشرهم ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه، فإنه عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله، ولهذا قال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ أي من قرآن وسنة ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي فلا تخفى عليه خافية ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ أي في جميع أمورك وأحوالك ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي وكفى به وكيلًا لمن
[ ٢ / ٦٣٦ ]
توكل عليه وأناب إليه"١.
فبعد أن نهاه الله عن طاعة الكافرين والمنافقين، أمره باتباع الوحي النازل من العليم الحكيم الخبير، ففيه النور والهداية والرشاد.
وأرشده للتوكل عليه وحده، وتفويض الأمور إليه، وتعلق القلب به في التسديد والتوفيق لما فيه صلاح الدين والدنيا، وفي ذلك إشارة إلى عدم تعلق القلب أو رجاء الهداية من أعداء الله مهما كان عندهم من العلم، أو أظهروا من النصح فلا يولون ولا يستشارون، بل يحذرون ويجتنبون.
وقد بيّن الله العلة من النهي عن طاعة الكافرين والمنافقين، وهي كونهم يضمرون الشر لأهل الإسلام ويخططون لإخراجهم من دينهم.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٠٠] .
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩] .
وقال: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ط الشعب ٦/٣٧٦.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٩] .
فإذا كان هذا هو حال الكفار عمومًا، واليهود والنصارى خصوصًا يعملون جاهدين لصدّ المسلمين عن دينهم، فالمنافقون هم الجسر الذي يتوصلون من خلاله إلى المجتمع المسلم، وينفذون بواسطتهم أفكارهم الخبيثة ومخططاتهم الشريرة.
قال تعالى في معرض بيان حال المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٤، ١٥] .
قولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أي: "على مثل ما أنتم عليه"١، فهم مع الكفار مشاركين لهم في الكفر وعداوة الرسول ﷺ والمؤمنين، وفي الكيد للإسلام وأهله.
وقال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥٢] .
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم، ط: الشعب ١/٧٧.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
قال ابن كثير ﵀: "وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي شك وريب ونفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي يبادرون إلى موالاتهم في الباطن والظاهر ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ أي يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع من ظفر الكافرين بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى فينفعهم ذلك"١.
فالمنافقون يتخذون عند اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار أيادٍ يرضونهم ويتحببون بها إليهم، فيُسدون لهم الخدمات، ومن أعظمها مساعدتهم في التجسس على المسلمين، وتمرير خططهم وكيدهم إلى جسد الأمة الإسلامية، والذي يعتبر ضربًا فعّالًا في حرب الكافرين للمسلمين، يستهدف زعزعة الجبهة الداخلية، وانحلال أسباب قوتها وتماسكها، فيسهل الظفر بها، فيخرجوا من قدروا عليه من المسلمين من دينه، كما هو حالهم في كثير من البلاد التي احتلوها.
قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] .
والحق أن الكفار لا يريدون من المنافقين أكثر من هذا، وفي المقابل يقدمون للمنافقين الكثير من المال، ومتاع الدنيا.
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ٣/١٢٤.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
والمنافقون مع كونهم ثغرة في حصن المجتمع المسلم تنفذ من خلالها الشرور الخارجية، فهم في حد ذاتهم منبع شر وضرر وفساد للمجتمع لما اتصفوا به من إشاعة الشبهات، ومحبة ظهور الفاحشة في الذين آمنوا، وأمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف.
قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٦٧] .
لذلك كانت تولية الكفار أو المنافقين المناصب الهامة- كالوزارات أو الإدارات أو وظائف التخطيط، أو التعليم، أو اتخاذهم مستشارين لولي الأمر، أو عُمّاله أو تقريبهم بأي شكل من الأشكال، كالمنادمة أو المصاهرة -يعتبر من الخيانة للأمانة، وهو خرق عظيم في حصن المجتمع المسلم، وسوف يناله به فساد ذريع، ومن أخطر نتائجه الترويج للأفكار الهدامة وزخرفتها بدعم من المنافقين الذين اشتدت شوكتهم بتقريب ولاة الأمر لهم.
وكم حرص الكفار والمنافقون على التقرب لولاة الأمر وأعوانهم بشتى الوسائل، فتعلموا المهن النادرة: كالطب والصناعة ونحوها، وانتحلوا الشعر والظرافة للمؤانسة والمنادمة، وتسللوا إلى بيوتهم بإهداء الجواري الحسان، والخادمات الماهرات، أو عن طريق المصاهرة وهو أخطرها.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
وإذا فتح لهم المجال إلى الولاة، ولو قليل استغلوه أسوأ استغلال، وكانت خطوتهم الأولى هي التقليل من شأن العلماء بأساليب متنوعة، وإيحاءات ماكرة، فيصفونهم بالانزواء وعدم الانفتاح، والتشدد والبعد عن حياة الناس، والجهل بأمور السياسة، وأنه لا ينبغي استشارتهم إلا في أمور العبادات فقط.
وفي المقابل يشيرون عليهم بتولية أشخاص مشبوهين يعرفون عنهم النفاق، ويطمعون في ظل ولايتهم في الانطلاق في أهوائهم ومخططاتهم المعادية للإسلام.
وهكذا شيئًا فشيئًا حتى يكثر عددهم ويتفاقم شرهم، فيستحوذون على السلطان، ويصيب الإسلام منهم أعظم الرزايا، كما حصل في عهد هارون الرشيد١ عندما استولى أبناء فارس من البرامكة٢ وغيرهم على
_________________
(١) ١ الخليفة العباسي أبو جعفر هارون بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ولي الخلافة بعد أخيه الهادي سنة ١٧٠هـ وكان من أنبل الخلفاء وأحشم الملوك ذا حج وجهاد وغزو وشجاعة ورأي، توفي سنة ١٩٣هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٩/٢٨٦، والبداية والنهاية ١٠/٢٢٢. ٢ البرامكة: أسرة يرجع أصلها إلى فارس، تنسب إلى برمك بن جاماس، تولى الوزارة عدد من أفرادها لبعض خلفاء بني العباس، ولما آلت الخلافة إلى الرشيد، تقدموا عنده وارتفعت مكانتهم لديه، ثم نقم عليهم فقتل جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي وسجن الباقين من أسرته. انظر: وفيات الأعيان ١/٣٢٨، والبداية والنهاية ١٠/١٩٦.
[ ٢ / ٦٤١ ]
الوزارات وقيادة الجيوش، وكثرت نساؤهم في بيوت الخليفة وأبنائه وأقاربه: من زوجات، وأمهات أولاد، وخادمات ومربيات، وولد لهارون ابنه المأمون من جارية فارسية، وتربى في كنف أخواله من أبناء وبنات الفرس، ثم آلت الخلافة إليه فحصل للأمة بسببه فتنة عظيمة، فقمع أهل السنة وعزلهم عن مناصب القضاء والفتيا، ومنعهم من التدريس، وحملهم على القول بخلق القرآن، وتعطيل صفات الباري ﷿، وما نجم عن ذلك من تعذيب وسجن وقتل عدد من علماء الأمة وفضلائها، وعلى رأسهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ الذي سجن بأمر المأمون، وجلد في عهد المعتصم، ولا حول ولا قوة إلا بالله١.
وفي مقابل ذلك مكن المأمون أهل البدعة من المعتزلة والشيعة والفلاسفة، وشجع ترجمة كتبهم، فكانت أعظم فتنة فكرية جابهت الإسلام من داخله، ودُعِمت من خليفة المسلمين، بفعل تخطيط أعداء الإسلام الطويل الأمد٢.
_________________
(١) ١ ٢ انظر: تاريخ الطبري، تاريخ الرسل والملوك، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ٨/٦٣١-٦٤٥، والبداية والنهاية لابن كثير ١/٢٧٢-٢٧٥ ومن ٣٣١-٣٣٥، الخمينية وريثة الحركات الحاقدة والأفكار الفاسدة لوليد الأعظمي ص١٣٦-١٤٠.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
ثالثًا: المشاورة.
والمقصود أن مشاورة ولي الأمر لأهل العلم والعقل والتجربة والاختصاص في النوازل والأمور الهامة، أمر لا غنى عنه، وهو حصن تتحصن به الأمة من عواقب الاستبداد بالحكم والقرار الذي يفتح عليها ثغرات خطيرة، قد لا يدركها ولي الأمر، وإنما بالمشاورة ينبه إليها.
"فمبدأ الشورى من أهم مقومات الحكم في الإسلام، به نطق القرآن وجاءت به السنة، وأجمع عليه الفقهاء، وهو حق للأمة وواجب على الخليفة"١.
قال ابن تيمية -﵀-: "لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، فإن الله أمر بها نبيه ﷺ، فقال: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩] "٢.
ويروى عن أبي هريرة ﵁: "ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله"٣.
_________________
(١) ١ أصول الدعوة، لعبد الكريم زيدان ص٢٠٧، دار عمر بن الخطاب الإسكندرية، ط٣، ١٣٩٦هـ. ٢ السياسة الشرعية ٢١٣. ٣ رواه الترمذي هكذا بصيغة التمريص، أبواب الجهاد، باب ما جاء في المشاورة ٣/١٢٩. واستشهد به شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة الشرعية ص٢١٣، وذكره ابن حجر في الفتح، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، وقال:"ورجاله ثقات، إلاأنه منقطع" ١٣/٣٤٠. ولمعناه شواهد كثيرة من سيرة النبيصلى الله عليه وسلمذكر طرفًا منها: ابن كثير في التفسير ١/٤٢٠، وابن حجر في الفتح ١٣/٣٤٠، ٣٤١.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
وامتدح الله جماعة المؤمنين بالتزامهم بهذا المبدأ الهام، فقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] .
وأولى الناس بالمشورة العلماء أهل الذكر، الذين عرفوا أحكام الشريعة وحدود الله، ودرسوا ما في الكتاب والسنة من الحكم والعبر والسنن، واستناروا بنورهما.
قال البخاري -﵀-: "وكان الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة، ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي ﷺ"١. وقال أيضًا: "وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولًا وشبانًا، وكان وقافًا عند كتاب الله ﷿"٢.
فواجب على الإمام تقريب العلماء واستشارتهم في الأمور المهمة من أمور الدين والدنيا.
وإذا استشارهم في أمور الدين، فإن بين له بعضهم ما يجب اتباعه
_________________
(١) ١، ٢ صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ١٣/٣٣٩.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
من كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ، أو إجماع المسلمين، فعليه اتباعه ولا طاعة لأحد خلاف ذلك١. فإن من أهداف المشورة اتضاح الحكم إذا كان خافيًا على الإمام.
قال الإمام الشافعي -﵀-: "إنما يؤمر الحاكم بالمشورة، لكون المشير ينبهه على ما يغفل عنه، ويدله على ما لا يستحضره من الدليل"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس، فعلى كل منهم أن يتحرى فيما يقوله وما يفعله، طاعة الله ورسوله واتباع كتاب الله. ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة، كان هو الواجب، وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت، أو عجز الطالب، أو تكافؤ الأدلة عنده أو غير ذلك، فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه، هذا أقوى الأقوال"٣.
أما استشارتهم في أمور الدنيا، فتكون في شؤون الدولة المهمة مثل: تسيير الجيوش، وإعلان الحرب، وعقد المعاهدات، وإسناد المناصب المهمة في الدولة إلى مستحقيها٤.
_________________
(١) ١ انظر: السياسة الشرعية لابن تيمية ٢١٤. ٢ فتح الباري شرح صحيح الباخري لابن حجر ١٣/٣٤٢. ٣ السياسة الشرعية ص٢١٤. ٤ انظر: أصول الدعوة ص٢٠٩.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
وكذلك السياسات الداخلية والخارجية، كسياسة التربية والتعليم، والسياسة المالية والصناعية، والتجارية، والطبية، وكذا خطط الدولة التنموية، وعلاقاتها الخارجية.
فكل ناحية منها لها جانبان: جانب يتعلق بالمهنة، وجانب يتعلق بالتعامل، وكل منهما له ضوابط شرعية يجب مراعاتها، ويلزم عرضها على أهل الشريعة بعد أهل الصنعة للتأكد من سلامة الخطة والسياسة من مخالفات شرعية أو ثغرات تؤدي إلى مفاسد خلقية أو اجتماعية أو نحوها.
فنظر العلماء لا يقل أهمية عن نظر المختصين والخبراء. وليس هناك مجال من مجالات الحياة ليس للعلماء نظر فيه. ودور العلماء لا يقتصر على المشاورة في الخطوط العريضة للأمور بل يتعدى ذلك إلى التفاصيل الدقيقة المنظمة لذلك الأمر.
ونظرًا لتشعب نواحي الحياة ودقتها في الوقت الحاضر، فيقتضي الأمر تشكيل هيئة استشارية لها لجان متعددة مختصة بدراسة جميع أوضاع الدولة من الناحية الشرعية. يكلف بعض هذه اللجان بالنظر في الأوضاع القائمة، ودراسة البحوث المقدمة فيها، واقتراح الإصلاحات. ولجان أخرى تنظر في المشاريع المقترحة والنوازل الطارئة، والتأكد من ملائمة ما يقترح لها من جميع نواحيه لأحكام الشريعة الإسلامية. واقتراح التعديلات المناسبة.
ويقوم على هذه اللجان نخبة من العلماء الأمناء، ويستعينون عند
[ ٢ / ٦٤٦ ]
الحاجة بالعلماء الآخرين الذين ليسوا أعضاء فيها.
ولا يقتصر في المشاورة في أمور الدنيا على العلماء، بل يشترك معهم أهل النظر والاختصاص والتجربة من سائر المسلمين، ويشترط فيهم الأمانة وسلامة الديانة والنصح للأمة.
والتزام ولي الأمر بمبدأ المشاروة -وخاصة مشاروة أهل العلم- يمثل حصنًا سلطانيًا اجتماعيًا تتكاتف فيه العقول المستنيرة على انتهاج أفضل السبل وأكثرها نقاء وصفاء وبعدًا عن شوائب الجاهلية وأفكارها وأنظمتها الفاسدة.
وبذلك يقطع الطريق على المفسدين من المنافقين والكافرين والفاسقين الذين يحاولون جاهدين أن يمرروا باطلهم عن طريق السلطان. لذلك شدد الله النهي لرسوله ﷺ في أكثر موضع عن طاعتهم أو مشاروتهم. كما في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢٤] .
وقوله: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٨] .
واختلال هذا المبدأ -إما بالاستبداد من ولي الأمر والمشاركين له في الحكم، أو بترك مشاورة أهل العلم، والجنوح إلى مشاورة أهل الفسق والخيانة والنفاق- ينتج عنه خطر عظيم، فهو ثغرة تمرر من خلالها أفكار
[ ٢ / ٦٤٧ ]
الجاهلية ونظرياتها، ونظمها تحت أغلفة براقة، وشبه منمقة، كادعاء الحاجة أو الضرورة، وعدم وجود البديل، وغير ذلك من المبررات التي قد يستحسنها الولاة، ويعملون بها عند تعطيل الشورى.
وخلاصة هذا المبحث: أن ولي الأمر يمثل دعامة من دعائم المجتمع المسلم، فإذا كان صادق الإيمان، مراقبًا لله في كل ما يأتي ويقرر، قائمًا بما عليه خير قيام، كانت الثغرة التي من قبله مسدودة آمنة، وأهم عوامل سلامة هذه الدعامة أن يكون ولي الأمر عالمًا بالأحكام الإسلامية، وبمهام الحكم ومقاصد الولاية، غيورًا على الإسلام متحمسًا لتنفيذه، والدفاع عنه ونشره، وان يستعمل الأصلح في أعماله، ويحذر من توليه الكافرين والمنافقين، أو غير الأمناء، أو الضعفاء، وأن يستشير أهل العلم والصلاح والرأي والخبرة.
وبذلك يكون المجتمع قويًا من الداخل ضد أي شر يتربص به الدوائر، وخاصة الأفكار الهدامة التي تستهدف القضاء على مقوماته الدينية والاجتماعية.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
المبحث الثاني: وظائف الإمامة، ومقاصد الحكم
والمقصود بهذا المبحث بيان أن على الإمام واجبًا عظيمًا في حماية دين الأمة وصيانته، وأن ذلك من أهم مقاصد الحكم، ومن ذلك مكافحة الأفكار الهدامة وقمع مروجيها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "فالمقصود الواجب في الولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم"١.
وقال الماوردي٢: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا"٣.
وعلى ما تقدم يتبين أن وظائف الخلافة، ومقاصد الحكم تجمل في
_________________
(١) ١ السياسة الشرعية ص٣٩. ٢ القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي الشافعي، صنف الحاوي، والأحكام السلطانية، والنكت، وأدب الدنيا والدين، توفي سنة ٤٥٠هـ في بغداد. انظر: وفيات الأعيان ٣/٢٨٢، وسير أعلام النبلاء ١٨/٦٤. ٣ الأحكام السلطانية، لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي، ص٥، مطبعة مصطفى الحلبي، القاهرة، ط: الأولى ١٣٨٦هـ.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
مقصدين هامين:
الأول: تنفيذ الدين بإقامة فرائضه وشرائعه، وبسط أحكامه وحدوده في كافة المجالات وسياسة الدنيا به.
الثاني: الدفاع عنه وحراسته، من الأفكار المخالفة، والأهواء الجامحة والبدع المحدثة التي هي أساس الفساد، وبواعث التنازع والفرقة.
ولكل منهما دور في حصانة المسلم وحمايته من الأفكار الهدامة وسائر الشرور، ففي جانب تنفيذ الدين تقع المسئولية الأولى على ولي الأمر، فلا يجوز له أن يعدل عن شيء من الشريعة في أي أمر من الأمور، وعليه أن يشرف بنفسه على تنفيذ النظم الإسلامية، ويجتهد في اختيار القضاة ونحوهم، وينشئ من الوزارات والدوائر ما يراه ضروريًا لتسيير مصالح الناس، ويولي عليها الثقات الأقوياء الأمناء، ويحرص على إقامة العدل ورفع الظلم، وأن يكون الناس سواسية في الحقوق، وبذلك يكون المجتمع قد أسس على تقوى من الله، وقاعدته قوية متينة.
حراسة الدين والدفاع عنه:
لا شك أن إقامة المجتمع على شريعة الإسلام وأسس التقوى هي الخطوة الأولى في بناء الدولة الإسلامية، وهي خطوة هامة لسلامتها والمحافظة عليها، إلا أن الأهم من ذلك هو استدامته والاستقامة عليه، وذلك يتجلى في واجب حراسة الدين والدفاع عنه.
والمقصود بحفظ الدين والدفاع عنه، بينه الماوردي بقوله: "حفظ
[ ٢ / ٦٥٠ ]
الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحجة، وبين له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروسًا من خلل، وأمة ممنوعة من زلل"١.
وبين هذا الأمر الدكتور عبد الكريم زيدان فقال: "وحفظ الإسلام يعني إبقاء حقائقه ومعانيه، ونشرها بين الناس، كما بلغها رسول الله ﷺ، وسار عليها صحابته الكرام، ونقلوها إلى الناس بعده، وعلى هذا لا يجوز أي تبديل أو تحريف في هذه الحقائق والمعاني، لأن التحريف والتبديل يدخلان في نطاق الابتداع المذموم في دين الله، ولا يجوز التردد أبدًا في منع التبديل والتحريف بحجة حق الفرد في إبداء الرأي وحرية الفكر والاجتهاد لأن الفرد إن كان مسلمًا فليس من حقه أن يبدل دين الله، وإذا اختار لنفسه الضلالة ولعقيدته الفساد، فليس من حقه أبدًا أن يضل الآخرين أو يفسد عقائدهم، وإن كان الفرد غير مسلم فليس من حقه أبدًا أن يخرج على نظام دار الإسلام، ويشوه حقائق الإسلام، وإلا كان ناقضًا لعقد الذمة، ومع هذا فقد يقع المسلم في زيغ أو شبهة أو خطأ نتيجة فهم سقيم أو تضليل خبيث، فيجب على ولي الأمر -الخليفة، أو نائبه- أن يعمل على كشف الشبهة وإظهار الصواب بالدليل والبرهان، حتى يظهر الحق وتقوم الحجة، فإن أصر المبطل على باطله، وسعى إلى
_________________
(١) ١ الماوردي الأحكام السلطانية ص١٥.
[ ٢ / ٦٥١ ]
نشره في الناس، منع من ذلك وأقيم عليه ما يوجبه الشرع"١.
وقال أيضًا: "ومنها إزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع، كما يقضي به الإسلام، إذ لا يمكن الادعاء بحفظ الدين مع ترك المفاسد والمنكرات بلا إنكار ولا إزالة، مع توفر القدرة على ذلك"٢.
فواجب الإمام إذًا أن يشرف على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعين في كل بلاد من خيار أهله الأمناء الأقوياء الأتقياء من يقوم بهذه المهمة، ويكون لهم خير معين ونصير، فإن ذلك من أهم وظائف الأمة وأئمتها إذا مكنوا في الأرض.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] .
ومن أهم الركائز التي تتحتم على ولي الأمر لتحقيق هذا المقصد -وهو حراسة الدين وحفظه- قطع صلة المجتمع المسلم بالمجتمعات الكافرة والفاسقة، ومنع بث أفكارهم وعاداتهم وما يمت إليهم بصلة بين المسلمين.
والحق أن الإسلام يواجه في هذا العصر أعظم خطر فكري، ليس بكثر الضلال وتنوع مشاربه، ولكن بوجود الوسائل الناقلة له التي تبث في
_________________
(١) ١ أصول الدعوة ص٢٢٢. ٢ نفس المصدر ص٢٢٣.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
وقت واحد، المادة الواحدة في ملايين البيوت.
لذلك كان العزل الفكري وتحصين الأمة الإسلامية من موارد الضلال، وعفونات الجاهلية الفكرية، من أهم الواجبات المناطة بولاة الأمر من السلاطين والعلماء وغيرهم، وخاصة في هذا الوقت الذي اشتدت فيه الهجمة وأثرت أثرًا خطيرًا في أفكار المسلمين وسلوكهم، فواجب ترشيد وسائل الإعلام، وقطع المواد المفسدة ومحاربة الوسائل الباثة لها.
ومن ذلك أيضًا منع اختلاط الكفار بالمسلمين من خلال تسهيل سفر المسلم إلى بلاد الكفر والفسوق بلا حاجة شرعية، أو استقدامهم إلى بلاد المسلمين دون قيود تضمن التزام غير المسلم بما جاء من أجله، وعدم بث باطله، واحترام شعائر الإسلام، وعدم المجاهرة بالفسق.
وفي الجملة فإن واجب ولاة الأمر والمحتسبين مكافحة كل منكر يطرأ في المجتمع، سواء كان سلوكيًا أو فكريًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "فأما الغش والتدليس في الديانات، فمثل البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من الأقوال والأفعال: مثل إظهار المكاء والتصدية١ في مساجد المسلمين، ومثل سب جمهور الصحابة وجمهور المسلمين، أو سب أئمة المسلمين
_________________
(١) ١ المكاء: هو الصفير، والتصدية: التصفيق. جامع البيان لابن جرير الطبري ٩/٢٤٠.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
ومشايخهم، وولاة أمورهم: المشهورين عند عموم الأمة بالخير: ومثل التكذيب بأحاديث النبي ﷺ التي تلقاها أهل العلم بالقبول، ومثل رواية الأحاديث الموضوعة على رسول الله ﷺ، ومثل الغلو في الدين بأن ينزل البشر منزلة الإله، ومثل تجويز الخروج عن شريعة النبي ﷺ، ومثل الإلحاد في أسماء الله وآياته، وتحريف الكلم عن مواضعه والتكذيب بقدر الله، ومعارضة أمره ونهيه بقضائه وقدره، ومثل إظهار الخزعبلات١ السحرية والشعبذية٢ الطبيعية وغيرها، التي يضاهي بها ما للأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات، ليصد بها عن سبيل الله، أو يظن بها الخير فيمن ليس من أهله، وهذا باب واسع يطول وصفه.
فمن ظهر منه شيء من هذه المنكرات وجب منعه من ذلك، وعقوبته عليها إذا لم يتب حتى قدر عليه، بحسب ما جاءت به الشريعة من قتل أو جلد أو غير ذلك، أما المحتسب فعليه أن يُعزر من أظهر ذلك قولًا أو فعلًا، ويمنع الاجتماع في مظان التهم"٣.
_________________
(١) ١ الخزعبلات: الأفعال والأحاديث الباطلة. انظر: معجم متن اللغة، الشيخ أحمد رضا ٢/٢٦٨ دار مكتبة الحياة، بيروت ١٣٧٨هـ. ٢ الشعبذة أو الشعوذة: خفة اليد ومخاريق وأخذ كالسحر يرى الشيء بغير ما هو عليه في رأي العين، المصدر السابق ٣/٣٢٩. ٣ مجموع الفتاوى ٢٨/ ١٠٦.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
فالواجب الأول على أئمة الأمة من الأمراء والحكام والعلماء، هو حفظ أصول الدين، وهو المقصود الأعظم من السلطان، فيجب القيام على المبتدع في الدين بما يكفه عن ضلال بدعته من ناحية الولاة وغيرهم١. والقيام على المبتدعة ودعاة الضلال يختلف باختلاف حال كل منهم.
قال الإمام الشاطبي٢ ﵀: "إن القيام عليهم بالتثريب أو التنكيل أو الطرد أو الإبعاد أو الإنكار، هو بحسب حال البدعة في نفسها من كونها عظيمة المفسدة في الدين أم لا، وكون صاحبها مشتهرًا بها أوْ لا، وداعيًا إليها أوْ لا، ومستظهرًا بالاتباع وخارجًا عن الناس أوْ لا، وكونه عاملًا بها على جهة الجهل أوْ لا.
وكل من هذه الأقسام له حكم اجتهادي يخصه، إذ لم يأت في الشرع في البدعة حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، كما جاء في كثير من
_________________
(١) ١ انظر: بدائع السلك في طبائع الملك، لأبي عبد الله بن الأزرق ٢/١٢٧، تحقيق: علي سامي النشار، وزارة الثقافة العراقية ط ١، ١٩٧٨. ٢ إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي أبو إسحاق من مؤلفاته: الموافقات في أصول الأحكام، والاعتصام، وعنوان التعريف بأسرار التكليف، وغيرها، توفي سنة ٧٩٠هـ. انظر: معجم المؤلفين عمر كحاله ١/١١٨، ومعجم الأعلام لبسام عبد الوهاب ص٢٤.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
المعاصي، كالسرقة والحرابة والقتل والقذف والجراح والخمر وغير ذلك، لا جرم أن المجتهدين من الأمة نظروا فيها بحسب النوازل"١.
ثم ذكر بعد ذلك أنواع العقوبات٢ التي ذكرها العلماء لأهل البدع كل حسب بدعته كما تقدم تفصيله، وسوف أذكر هذه العقوبات بشيء من التصرف، وأقسمها إلى ثلاثة مجموعات: ما يتعلق بالإمام، وما يتعلق بالعلماء والقضاة، وما يتعلق بالمجتمع.
أولًا: العقوبات التي يتولى الإمام إنزالها بأهل البدع.
١- القتال: إذا ناصبوا المسلمين وخرجوا عليهم.
٢- القتل: لمن أظهر بدعته واستتيب ولم يرجع.
٣- الضرب.
٤- التغريب.
٥- السجن.
٦- عدم استعمالهم ولاة أو قضاة، أو أئمة وخطباء في المساجد، أو في مجال التدريس ونحوها.
ثانيًا: العقوبات التي يتولى القيام عليها القضاة والعلماء.
١- تكفير من دل الدليل على كفره.
_________________
(١) ١ الاعتصام للإمام أبي إسحاق، إبراهيم بن موسى الشاطبي ١/١٧٥ دار المعرفة، لبنان، ط: بدون. ٢ نفس المصدر ١٧٥-١٧٧.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
٢- الحكم بأنه لا يرثهم أقاربهم من المسلمين، ولا يرثون أحدًا منهم، ولا يغسلون إذا ماتوا ولا يصلى عليهم، ولا يدفنون في مقابر المسلمين.
٣- الأمر بأن لا يناكحوا.
٤- تجريحهم على الجملة، فلا تقبل شهادتهم ولا روايتهم.
ثالثًا: العقوبات الاجتماعية.
١-الهجران وترك الكلام والسلام.
٢- ترك عيادة مرضاهم.
٣- ترك شهود جنائزهم.
٤- عدم مناكحتهم أو مشاركتهم في البيوع ونحو ذلك.
ويسبق هذه العقوبات جميعًا الإنكار عليه باللسان ومجادلته وإقامة الحجة عليه، فإن رجع وإلا عوقب بما يتناسب مع مخالفته.
ولا شك أن هذه العقوبات إذا أنزلت بمن يستحقها فسوف تجعل صاحب البدعة منبوذًا معزولًا عن المجتمع، وبذلك ينحسر شره وتخمد ناره.
وإذا أُخل بذلك، فتقاعس الولاة عن إيقاع العقوبات بالمبتدعين والمفسدين وخاصة أهل الأهواء والأفكار المنحرفة، وتغاضوا عنهم أو قربوهم واستعملوهم في بعض الأعمال، كذلك إذا أخل العلماء والقضاة بواجبهم في مجابهة أولئك، وبيان حالهم ومواصاة ولاة الأمر بتأديبهم،
[ ٢ / ٦٥٧ ]
ومثله إذا أخل أفراد المجتمع بما عليهم، ولم يهجروا المبتدعين والفساق، وخالطوهم واحترموهم، واختل الميزان الذي يقاس به الناس، فأصبح الدنيا ومتعها بدل التقوى والسنة، إذا حصل ذلك انهدم السور القريب، والمعقل الأخير، وأصبح أفراد المجتمع -إلا من عصم الله- عرضة للشبهات المشككة، والشهوات المهلكة، فينجم فيه النفاق، ويصول ويجول فيه أهل الضلال، والعصمة في ذلك -بعد الله تعالى- قيام السلطان بما عليه، فإنه إن استقام أقام من دونه، وإن مال كان من دونه أسرع وأقرب إلى الميلان.
وخلاصة هذا المبحث: أن قيام ولاة الأمر بتنفيذ الدين وإقامة نظامه وشرائعه وأحكامه وحدوده والصرامة في ذلك، وبالمقابل الدفاع عن الدين وحراسته من كيد المفسدين في الداخل والخارج، والضرب على أيدي المبتدعين والمفسدين، فإن ذلك حصن قوي يحمي به الله المجتمع المسلم من الأفكار المنحرفة، وسائر الشرور.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
الفصل الثالث: أثر وضع الدولة المتمكن في الأرض في تحصين المجتمع ضد الأفكار الهدامة
يحيط بالدولة الإسلامية من جميع الجهات أمم كافرة، والكفر ملة واحدة، وهم جميعًا جند الشيطان وحزبه، والدولة الإسلامية مأوى جند الرحمن وحزبه. والحق في صراع دائم مع الباطل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وعليه فإن الدولة الإسلامية إذا كانت قوية عسكريًا ومتحدة، آخذة بأسباب القوة وعدتها، كان لها هيبة عند الكفار، فلا يجرؤون على حربها والتعرض لها، وبذلك يسلم أفراد المجتمع من شرهم وعقائدهم الخبيثة.
وتمكن الدولة الإسلامية له وضعان:
الوضع الأول: أن تكون هي القوة الظاهرة، قد دحرت دول الباطل وكسرتها، وأعلت كلمة الله، وهذه هي قمة التمكن، وبذلك تكون الدعوة الإسلامية مؤثرة، والمسلمون يُعجب ويقتدى بهم، ولهم هيبة القوي المنتصر.
والوضع الثاني: أن يكون لديها قوة وشوكة تقاتل بها قوى الباطل وتدافع عن نفسها، ولكنها ليست بالقوة الظاهرة المسيطرة، وإن كانت محافظة على وجودها وتماسكها، ولها ثقلها في النظام الدولي، وهذا الوضع يحتمي به المسلمون ويحسب له الكفر حسابه، وإن لم يكونوا بتلك المكانة من حيث إعجاب الناس وشدة تأثرهم بهم، وهم مع الكفار في حالة من الحرب العسكرية والفكرية، والحرب بينهم سجال.
[ ٢ / ٦٦١ ]
أما الوضع غير المتمكن الذي تكون فيه دولة الإسلام ضعيفة قد ظهر عليها الكفار وفاقوها عددًا وعدة، وأصبح وضعهم السياسي والعسكري والاقتصادي أقوى من وضعها، وهي في داخلها لم تأخذ بعد بأسباب التمكين من سلامة العقيدة وإخلاص العبادة، واتحاد الكلمة وإعداد العدة.
فهذا الوضع للجماعة المسلمة يجعلها مكشوفة مهدمة الأسوار أمام الكفار، فإما أن يأخذوها لقمة سائغة، كما فعلت دول الاستعمار الصليبية في احتلالها معظم العالم الإسلامي في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري، وبذلك يعملون مباشرة على فرض الفكر المخالف على الناس، بتأسيس المدارس والعلاقات الاجتماعية، والنظم الاقتصادية على مبادئ إلحادية -كما يوجد في بلاد الكفر- وذلك هدم للمجتمع من أساسه، وإما أن تبقى دولة الإسلام، ولكن توجه إليها ضغوط مختلفة؛ فَتُكْرَه على انتهاج سياسات اجتماعية وإعلامية تسمح بنشر الأفكار الضالة، والعلاقات المنحرفة التي يريدها الكفار ويخططون لها.
كما تجبر على سياسات اقتصادية وزراعية وصناعية تضمن عدم نهوض المجتمع المسلم في ميادين الصناعة والقوة والتجارة، فيبقى بعيدًا عن أسباب النصر، ومستهلكًا دائمًا لصناعة الكفار.
وهذا الأسلوب الأخير أخطر من الأول، لأن الناس فيه يظنون أنهم يحكمون بالإسلام لكون الحكام من أبناء المسلمين، كما أنهم في هذه
[ ٢ / ٦٦٢ ]
الحالة يجرون إلى الانحلال والكفر برضاهم دون إكراه، أما النوع الأول فإن الناس يأنفون ويقاومون المستعمر، ويعادون ما جاء منه في الغالب.
وهذا السور -أعني بقاء الأمة في وضع التمكن في الأرض- لا يتحقق إلا بإقامة الجهاد في سبيل الله، والعمل المستمر في الإعداد والأخذ بأسباب القوة، بعد إقامة دين الله في أرضه وبين عباده.
وقد جاء المجال للكلام على أثر الجهاد في حماية المجتمع المسلم، والله المستعان:
أثر الجهاد في تحصين المجتمع المسلم ضد الأفكار الخبيثة:
الجهاد شعيرة هامة من شعائر الإيمان، أمر الله به المؤمنين وجعله من أسباب فلاحهم.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٣٥] .
وقد جاهد رسول الله ﷺ وجاهد صحابته معه وبعده، وورثهم من تبعهم في إقامته حتى أعلى الله به كلمته، وبسط سلطان الإسلام في أنحاء الأرض. ولذلك فأثر الجهاد أثر من آثار الإيمان وشعائره المباركة. وسوف أستعرض بعض النصوص التي تبين أثر الجهاد في تحصين المجتمع المسلم.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
فمن تلك النصوص، قول الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٣٩-٤٠] .
ففي هذه الآيات بيان لأثرين هامين من آثار الجهاد المباركة، والتي من أجلها شرع:
الأثر الأول: أن القتال وسيلة لرفع الذل والظلم عن المستضعفين من أهل الإيمان، فالله قد أذن لهم بهذا السبب، وفتح لهم باب الأمل بالنصر بقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ بعدما ابتلاهم ومحصهم، واقتضت حكمته أن ينقلهم إلى مرحلة المجابهة العسكرية، وهي خطوة تقودهم إلى وضع العزة والتمكين، بعد الخطوة الأولى وهي إقامة الدين.
فالمسلمون في مكة كانوا مستضعفين يعذبون ويُستهزَأ بهم ويضطرون إلى الهجرة عن بلادهم، ولما أراد الله لهم عزًا وتمكينًا في الأرض، ورفعًا للظلم عنهم، هيأ لهم أسباب الجهاد بوجود الجماعة، والمكان الذي ينحازون إليه ويحتمون به، والعدة، وأذن لهم بالقتال ووعدهم بالنصر إذا استقاموا على نصر دينه، وقد فعلوا ما أمرهم به،
[ ٢ / ٦٦٤ ]
وأنجز لهم ما وعدهم، فدل ذلك على أن الله أعزهم ومكنهم ورفع الظلم عنهم بالجهاد، فهو السبب الشرعي لعزة الأمة وتمكينها في الأرض، بعد نصر الله بالتزام دينه.
وإذا ترك المسلمون الجهاد الذي هو سبب عزهم وظهورهم رجع عليهم الذل، وظهر عليهم عدوهم.
وقد بين هذا المعنى نبينا الكريم ﷺ بقوله: " إذا تبايعتم بالعينة١وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم "٢.
قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني مبينًا المراد بهذا الحديث: " إن تسليط الذل ليس هو لمجرد الزرع والحرث، بل لما يقترن به من الإخلاد إليه والانشغال به عن الجهاد في سبيل الله، فهذا هو المراد بالحديث، وأما الزرع الذي لم يقترن به شيء من ذلك، فهو المراد
_________________
(١) ١ العينة: لها صور متعددة من أشهرها: أن يبيع الرجل للرجل شيئًا بثمن مؤجل ثم يشتريه منه نقدًا بثمن أقل، ومنها عكس الصورة المتقدمة، وهي أن يبيع الرجل سلعة بثمن معلوم نقدًا، ثم يشتريها بثمن أكبر منه مؤجل. انظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي عياض بن موسى السبتي ١/١٠٧ ط: دار التراث. ٢ رواه أبو داود في سننه رقم الحديث ٣٤٦٢ ٣/٧٤٠، وقال الألباني"هو حديث صحيح لمجموع طرقه" السلسلة الصحيحة ١/١/١٥.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
بالأحاديث المرغبة في الحرث، فلا تعارض بينها، ولا إشكال"١.
فمن فوائد هذا الحديث أن الإخلاد إلى الدنيا وترك الجهاد والإعداد موجب لعقوبة الله لجماعة المسلمين، بتسليط الذل عليهم، وذهاب ريحهم، وزوال الهيبة من قلوب أعدائهم.
وفائدة أخرى هامة دل عليها الحديث، هي بيان الطريق إلى رفع الذل عنهم، وأنه يكون برجوعهم إلى دينهم، ومعلوم أن الرجوع إلى الدين يستلزم من الأمة جهادًا داخليًا يتم داخل المجتمع المسلم وبين أفراده، بالدعوة إلى الله والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم، والغرض من ذلك مراجعة الدين وإزالة ما حصل فيه من انحرافات ومخالفات في العقائد والعبادات والمعاملات، ويشهد لذلك الرواية الأخرى في مسند الإمام أحمد وفيها: " أنزل الله بهم بلاء فلم يرفعه عنهم، حتى يراجعوا دينهم "٢.
ومراجعة الدين خطوة تسبق الرجوع إليه وتؤدي إليه، ومن ذلك إقامة الجهاد والعمل على الإعداد بعد إصلاح العقائد والأعمال، والتخلص مما لم يأذن به الله منها، وبذلك تدخل الأمة الميدان متسلحة أولًا بالإيمان الصحيح الذي تستوجب به ولاية الله وتوفيقه وتسديده
_________________
(١) ١ السلسلة الصحيحة ١/١/١٧. ٢ رواه الإمام أحمد في مسنده، تحقيق أحمد شاكر، رقم الحديث ٤٨٢٥ ٨/٢٧.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
وعونه ورعايته ونصره.
أما الدعوة أو العمل على إقامة الجهاد كخطوة أولى دون أن تتقدمها الخطوة التي أرشد إليها النبي ﷺ وهي مراجعة الدين والرجوع إليه، فإن ذلك مُؤداه الدخول إلى ميدان الصراع بدون ولاية الله التي لا يتحصل عليها إلا من كان على ما أراده الله وشرعه من الاعتقاد والعمل، وهي محاولة لرفع الذل والظلم عن المسلمين دون العمل على إزالة السبب الأول والرئيس في حصوله، وهو الانحراف عن الدين، والبعد عما كان عليه السلف الصالح، وانتشار المخالفات والبدع العقدية والفعلية والقولية بين المسلمين، تلك المخالفات التي حجبت عن الأمة ولاية الله.
الأثر الثاني: دلت الآية ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض﴾ على أثر آخر هام حيث بينت أن القتال شرع لدفع الكفار بالمسلمين، ويترتب على ذلك انحسار أذاهم وشرهم عن عباد الله، وترك الجهاد سبب لتسلط الكفار على المسلمين، وصدهم عن دينهم، وتخريب أماكن العبادة إما بهدمها وإزالة بنيانها، أو بصد الناس عنها بفتح أبواب الشر والفساد واللهو واللعب، فينصرفوا إليها وتبقى دور العبادة خرابًا من أهلها.
قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٩٣] .
[ ٢ / ٦٦٧ ]
وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال:٣٩] .
ففي هاتين الآيتين الكريمتين بيان لأثر من آثار قتال الكفار:
الأول: أن قتال الكفار قاطع للفتنة.
وذلك أن تعطيل الجهاد يؤدي إلى قوة الكفار وظهورهم على المسلمين، فتحصل الفتنة بهم ومنهم، فيرتد بعض المسلمين عن دينهم، أو يفتنوا حتى يتركوه، وهذه مفسدة أعظم من مفسدة إزهاق روحه.
قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل﴾ [البقرة:١٩١] .
قال ابن جرير -﵀-: "وقد بينت فيما مضى أن أصل الفتنة الابتلاء والاختبار، فتأويل الكلام: وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجع عنه، فيصير مشركًا بالله، من بعد إسلامه، أشد عليه وأضر من أن يقتل مقيمًا على دينه متمسكًا عليه محقًا فيه"١.
وقال سيد قطب -﵀-: "إن الفتنة عن الدين اعتداء على أقدس ما في الحياة الإنسانية، ومن ثم فهي أشد من القتل، أشد من قتل النفس وإزهاق الروح وإعدام الحياة، ويستوي إن تكون هذه الفتنة بالتهديد والأذى الفعلي، أو بإقامة أوضاع فاسدة من شأنها أن تضل
_________________
(١) ١ جامع البيان لابن جرير ٢/١٩١.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
الناس وتفسدهم وتبعدهم عن منهج الله، وتزين لهم الكفر به والإعراض عنه"١.
الأثر الثاني: أنه بإقامة الجهاد يكون الدين لله.
والمراد بالدين هنا العبادة والانقياد والطاعة لله في أمره ونهيه٢.
﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾: إذا كان دين الله هو الظاهر على سائر الأديان٣.
قال سيد قطب -﵀-: "وغاية القتال هي ضمانة ألا يفتن الناس عن دين الله، وألا يصرفوا عنه بالقوة أو ما يشبهها، كقوة الوضع الذي يعيشون فيه بوجه عام، وتسلط عليهم في المغريات والمضلات والمفسدات، وذلك بأن يعز دين الله ويقوى جانبه ويهابه أعداؤه، فلا يجرؤوا على التعرض للناس بالأذى والفتنة والجماعة المسلمة مكلفة إذن أن تظل تقاتل حتى تقضي على هذه القوى المعتدية الظالمة، وحتى تصبح الغلبة لدين الله والمنعة"٤.
وإعداد العدة والأخذ بأسباب القوة له أثر فعال في إرهاب الأعداء القريبين والبعيدين، فمع أخذ الدولة المسلمة بأسباب القوة نجد أن الكفار
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ٢/٢٧٢. ٢ جامع البيان ٢/١٩٤. ٣ تفسير القرآن العظيم ط: الشعب ١/٣٢٩. ٤ في ظلال القرآن ٢/٢٧٣.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
يشتغلون في الدفاع عن أنفسهم وتحصين ديارهم، فيستريح المسلمون من شرهم وتآمرهم.
أما في حالة ضعف الدولة المسلمة، فإن الكفار يتجرؤون عليها، ويعملون في إضعافها وزعزعة أسس قوتها بالمكر والتآمر مع طائفة المنافقين والعملاء، أو الاعتداء المباشر على بعض تجمعات المسلمين، أو بالضغوظ المختلفة التي سبقت الإشارة إليها.
قال تعالى مبينًا هذا الأثر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٦٠] .
ففي هذه الآية الكريمة ذكر الله تعالى ثلاثة أسباب هامة، تحصل بها الغاية الفعالة وهي إرهاب العدو، فهذه الأمور هي:
أولًا: إعداد المستطاع من القوة، ويختلف هذا باختلاف الزمان والمكان، فالواجب على المسلمين في هذا العصر: صنع المدافع والطائرات والصواريخ، والقنابل والدبابات، وإنشاء السفن الحربية والغواصات ونحو ذلك، كما يجب عليهم تعلم الفنون والصناعات التي يتوقف عليها صنع هذه الأشياء وغيره من قوى الحرب١.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير المراغي، أحمد مصطفى المراغي ١٠/٢٤، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط: الرابعة، ١٣٩٠هـ.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
ثانيًا: مرابطة الجند في ثغور البلاد وحدودها، والحكمة من ذلك أن يكون للأمة جند مستعد دائم للدفاع عنها، إذا فاجأها العدو.
وهذا الأمر الهام -الذي أرشد إليه القرآن- نجد أن الأمم الكافرة التي تعمل على بسط هيبتها ونفوذها في العالم، تعمل به وتوليه عناية فائقة، من خلال تدريب جيش للتدخل أو الانتشار السريع، وأنظمة للطوارئ والإنذار المبكر، وقواعد متطورة قريبة من أماكن الخطر المتوقعة، وكان الأجدر بالمؤمنين أن يعملوا بموجبه، ويستنيروا بهدى القرآن، ويأخذوا بتوجيهاته، فيعدوا العدة، ويأخذوا بزمام المبادرة، ويحصنوا ثغورهم ويوحدوا كلمتهم، بعد أن يقيموا توحيد ربهم وشريعته، ليدخلوا الميدان حائزين على ولايته، مؤهلين لتأييده ونصره.
الثالث: الترغيب في النفقة في سبيل الله، وفي ذلك إشارة إلى أن أعداد العدة وتهيئة الجيوش المرابطة تحتاج إلى بذل المال الكثير، وقد رغبهم الله في النفقة في هذا المجال، ووعدهم عليه بالأجر الجزيل في الآخرة، مع ما يتحصلون عليه في الدنيا، من عزتهم وخوف عدوهم منهم، وسلامة دينهم ودنياهم من شره وكيده.
فإذا تحققت هذه الأسباب حصل ما رتب عليها من عزة الإسلام وأهله، ورهبة الكفار منهم، وبذلك يصبح المجتمع المسلم آمنًا من شرهم مطمئنًا، وتصبح حصونه الداخلية قوية منيعة تحت ظل حكومة قوية، كما ينقمع المنافقون والحاقدون الذين يكيدون له من داخله، لأنهم يستندون
[ ٢ / ٦٧١ ]
على أعداء الإسلام ويتقوون بهم.
فإذا ضعف مستندهم كبتوا وتواروا، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] . وقال: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١] .
وهذا الأثر الهام -أثر وضع الدولة المتمكن- في تحصين المجتمع المسلم، قد فطن له علماء الإسلام، وبينوا أهميته:
قال الماوردي وهو يعدد واجبات الإمام: "الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة، والقوة الدافعة حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرمًا أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دمًا.
السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم، أو يدخل في الذمة ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله"١.
وقال عبد الكريم زيدان، معلقًا على كلام الماوردي: "والحقيقة أن دفع الأعداء عن دار الإسلام ضروري لحفظ الدين وبقائه، لأن اسيتلاء الكفرة على دار الإسلام ضياع للإسلام وطمس لحقائقه، وفتنة عظيمة للمسلمين، وزعزعة لعقائدهم بسبب حكم الكفرة له، وما يبذلونه
_________________
(١) ١ الماوردي الأحكام السلطانية ص١٦.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
لصرف المسلمين عن دينهم الحق، بالوعد والوعيد والتلبيس والخداع أو التضليل، بل نستطيع القول أن من لوازم وتمام حفظ الدين إعلاءه وإظهاره على جميع أنظمة الكفر حتى لا يبقى للباطل حكم قائم ولا راية مرفوعة"١.
وقال محمد بن ناصر الجعوان: "القتال في الإسلام عبادة عظيمة من أفضل القربات إلى الله وأكثرها أجرًا وثوابًا كيف لا؟ وهو الذي بسببه تقوى ركائز الدعوة الإسلامية، وينشط أهلها، وتتعمق في الأرض جذورها، وهو الذي يجعل أعداء الحق يخضعون لسلطان الله، فيتركون المسلمين يؤدون عباداتهم ويقيمون دولتهم، وينشطون في دعوة الآخرين إلى الله ورسوله، ونحن نعلم جميعًا بأن دولة الإسلام في عهد مؤسسها الأول محمد بن عبد الله ﷺ لم تقم ولم يخضع لها الكفر وأهله، إلا بعدما ارتفعت راية الجهاد عندما فرضه الله عليهم"٢.
وخلاصة ما تقدم: أن إقامة الجهاد في سبيل الله، وتكاتف الأمة في الإعداد له والإنفاق بسخاء على ذلك يمكن للأمة في الأرض، ويعلي من شأنها، وتكسر شوكة أعدائها ويأخذهم الرعب والرهبة منها، وبذلك تبقى حصون الدولة الداخلية آمنة من مكرهم، قوية بقوة الأمة، عزيزة بعزتها.
_________________
(١) ١ أصول الدعوة ص٢٢٢. ٢ القتال في الإسلام وأحكامة وتشريعاته، ص٤٥، مطابع المدينة، الرياض ط: ٢/ ١٤٠٣؟.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
الخاتمة
في ختام هذا البحث عن آثار الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة، والذي تم الكلام فيه -بحمد الله- في تمهيد وثلاثة أبواب، أجمل أهم النتائج التي احتواها فيما يلي:
١- أن الإيمان المؤثر الذي يثمر لصاحبه ولاية الله، ويتحصن به ضد الشرور عامة والفكرية خاصة، هو ما بينه الله في كتابة وسنة رسوله ﷺ وكان عليه سلف الأمة، وهو الذي يشمل الاعتقاد والقول والعمل.
٢- وأنه يقوم على أسس هامة هي:
أولًا: الكفر بالطاغوت والبراءة من الشرك وأهله.
ثانيًا: الإيمان بالغيب.
ثالثًا: القيام بمقتضى التكليف بامتثال الأوامر واجتناب النواهي.
رابعًا: الإخلاص لله في العبادة.
خامسًا: صدق المتابعة للرسول ﷺ.
سادسًا: العلم والبصيرة في كل ما تقدم.
٣- إن الصراع بين الحق والباطل من سنن الله الجارية إلى يوم القيامة، وأنه قائم بين المؤمنين والكافرين بشتى ومختلف الميادين، وأنه يأخذ أشكالًا ثلاثة على وجه الإجمال:
الأول: الصراع بالمجادلة والمحاجة.
الثاني: الصراع بالمراوغة والكيد والتآمر وبث الشبهات ونحوها، من
[ ٢ / ٦٧٧ ]
جند الشيطان ضد المؤمنين (الصراع أو الغزو الفكري) .
الثالث: الصراع المسلح.
٤- أن أعظم أنواع الصراع تأثيرًا على سلامة الأمة الإسلامية هو الصراع والغزو الفكري الذي استهدف زعزعة الإيمان، وحرف السلوك بنشر الفكر الهدام.
٥- أن الجهود القديمة لأعداء الإسلام من اليهود والنصارى والحاقدين من أبناء الفرس أثمرت الفرقة بين صفوف المسلمين، ونتج عنها ظهور الفرق المنتسبة للإسلام التي تتبنى كل منها جملة من الأفكار الجاهلية.
٦- أن الجهود الحديثة المنظمة المدعومة من الدول القوية الصليبية والشيوعية، ومن اليهود أثرت تأثيرًا جذريًا في حرف كثير من المسلمين أفرادًا وجماعات عن الالتزام بالدين وتطبيقه، وتفننوا بوسائل التضليل وأجادوها، ونشروا الفكر الخبيث بأساليب متقدمة، ولا تزال تزداد مكراُ وخبثًا في هذا المجال.
٧- أن على المؤمنين التصدي لهذا الهجوم الفكري الخبيث بمقاومته والتخلص من آثاره والعمل على وقاية المجتمع منه، وأن يكون ذلك وفق خطة مدروسة يجتمع عليها كافة أفراد المجتمع من ولاة وعلماء ودعاة وعامة، ويجند لها كل الوسائل المشروعة المناسبة.
٨- أن على الأمة أن يدخلوا ميدان الصراع والمقاومة وهم مؤيدون
[ ٢ / ٦٧٨ ]
بولاية الله، وهذا لا يتسنى لهم إلا بالتزام الإيمان الصحيح الذي يوجب لهم ولاية الله ونصره وتأييده وتوفيقه، فالتزام الإيمان الصحيح والدعوة إليه وتعليمه للناس، وتنشئة الناشئة عليه من أهم الأسباب لمقاومة الفكر الخبيث، وهو الخطوة الأولى في العمل لمجابهته.
٩- أن الآثار الإيمانية التي تثمر الحصانة من الشرور الفكرية تنقسم على وجه الإجمال إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ولاية الله لعباده المؤمنين.
الثاني: الأثر القلبي المتمثل في دور الإيمان وعمله في تحصين القلوب من الاغترار بالفكر الجاهلي، وسائر الشرور.
الثالث: الأثر الاجتماعي، المتمثل بإيتاء الشعائر الإيمانية الاجتماعية ثمرتها في تقوية الجبهة الداخلية، وتماسك المجتمع وتطهيره وحمايته من الضلالات عامة والفكرية خاصة.
١٠- أن أهم الآثار التي يستفيدها المسلم من تحقيق الإيمان، والتي لها دور بالغ في تحصينه من الفكر الهدام هي ولاية الله ﷿ له.
١١- أهل ولاية الله هم المؤمنون المتقون، وهم على وجه الإجمال طائفتان: المقربون المحسنون، والأبرار أصحاب اليمين، وأهم سبب لتحصيل الولاية والذي هو الأساس الأهم الذي يقوم عليه الإيمان والتقوى، هو تحقيق التوحيد وإخلاص العبادة لله، والخلوص من الشرك وأهله.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
١٢- أن مظاهر ولاية الله لعبده المؤمن في مجال تحصينه من الفكر الضال تتجلى في: إخراجه من الظلمات إلى النور، وأن يجعل له من كل ضيق مخرجًا، ويثبته عند الشدائد، ويحول بينه وبين ما قد يقوم بقلبه من السوء، ويحوطه بعنايته ورعايته، ومن ذلك أنه يصرفه عن الأفكار الخبيثة، أو يصرفها عنه لما يهيء له من الأسباب، وإذا كان العبد من المقربين المحسنين، فإن الله يزيد في عنايته له، ومعيته له، فلا تنبعث جوارحه وقلبه إلا لما يرضي الله، فيكون في حصن حصين من كيد المفسدين وضلالاتهم الفكرية.
١٣- أن لله بجماعة المؤمنين -الذين حققوا الإيمان في أنفسهم وفي مجتمعهم والتزموه ظاهرًا وباطنًا عقيدة وسلوكًا ودعوة وجهادًا- ألطافًا خفية وجلية، يحصنهم بها من الفكر الهدام، فيحوطهم بعنايته ورعايته، ويهديهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويصرف عنهم كيد عدوهم، وهو معهم دائمًا يدافع عنهم في جميع أحوالهم وأطوارهم، ويهيئ لهم الأسباب التي تصرفهم عن الباطل أو تصرفه عنهم.
١٤- أن من أعظم الآثار الإيمانية تحصينه لقلوب المؤمنين عن الأفكار المنحرفة. وذلك أنه يقوم بالقلب أهم الوظائف الإنسانية المؤثرة في سلوك الإنسان، مثل: التعقل، والاعتقادات، والإرادات والنيات، والعواطف والانفعالات.
١٥- أن التعقل هي الوظيفة الهامة في التأثير على بقية الوظائف
[ ٢ / ٦٨٠ ]
القلبية، وإذا كان العلم المتعقل الواصل إلى القلب صحيحًا انصبغت بقية الوظائف به، ومالت إلى موجبه، والعكس بالعكس، وبذلك تتبين أهمية شعيرة العلم في التأثير في صلاح القلب وعمرانه بالخير واستغنائه بالوحي عن أفكار الجاهلية.
١٦- أن حياة القلوب أو مرضها أو موتها موقوف على صلاح أو فساد ما فيها، وهي باعتبار ذلك ثلاثة أنواع: قلب ميت، وقلب مريض، وقلب حي.
١٧- أن القلب المحصن ضد الأفكار الهدامة والميل إلى الباطل، هو القلب الحي العامر بالإيمان.
١٨- أن أثر الإيمان على القلوب دائر بين تطهيرها وتزكيتها، ولكل منها دور في حصانة القلب وسلامته وتجافيه عن السوء والفكر الخبيث.
١٩- أن التطهير مقدم على التزكية، وهو شرط لها.
٢٠- أن أثر الإيمان في تطهير القلب يتجلى في ثلاثة أمور:
الأول: تطهيره من العقائد الباطلة، والظنون السيئة.
والثاني: تطهيره من الران ودرن المعاصي.
والثالث: تطهيره من العواطف الفاسدة.
٢١- أن تعقل القلب للعلم المستقى من الوحي المطهر، وقبوله له، هو العامل الأهم في تطهير القلب من العقائد الباطلة والظنون السيئة الناتجة عنها، ويتجلى ذلك بوضوح بالعلم بالله بمعرفة أسمائه وصفاته وحقه على
[ ٢ / ٦٨١ ]
عباده، وتحقيق التوحيد.
٢٢- أن العقائد الباطلة والظنون السيئة ثغرة في القلب، تميل به إلى ما يشاكلها من الفكر الجاهلي.
٢٣- أن هذه الأهمية لمباحث التوحيد في تخليص القلب من المعتقدات والظنون الباطلة، تبين الحكمة من العناية العظيمة بتقرير مباحث التوحيد في الكتاب والسنة، وأهمية دراستها ووجوب البدء بها علمًا عملًا.
٢٤- أن كثيرًا من المسلمين اليوم بحاجة إلى تطهير القلوب والمناهج، مما شابها من المعتقدات الباطلة والظنون السيئة النابعة منها.
٢٥- أن ران الذنوب يغطي القلب وينتج عنه قطع الصلة بالله، وظلمة القلب ويغذي مادة الشر فيه، وبذلك تضعف ولاية الله له، ويسير بلا نور وهدى، ويقوى ميله إلى الباطل ويسهل تقبله للفكر الهادم، وتصبح أسوار القلب مهدمة أمام شياطين الإنس والجن الذين يزينون ويقذفون به الباطل والشبهات.
٢٦- أن تطهير القلب من الران ودرن المعاصي، أثر هام من آثار الإيمان، وأن ذلك يتم بفعل المكفرات، وهي الأعمال الصالحة، التي جعلها الله من رحمته تكفر الذنوب وتُمحا بها الخطايا، وبذلك يحافظ القلب على سلامته ونوره، وتقوى فيه مادة الخير، وتقل نوازع الشر، وتقوى صلته بالله، حيث يُزال ما يجثم على القلب من الران ونكد المعاصي أولًا بأول بفعل المكفرات، فيبقى القلب على درجة عالية من حب الإيمان، وكره
[ ٢ / ٦٨٢ ]
الكفر والفسوق والعصيان، فلا يميل إلى الأفكار الهدامة، ولا تستهويه، ولو تولد في قلبه شيء منها -مما يلقيه الشيطان- أو عرضها عليه شياطين الإنس لكان فيه من النور وداوعي الخير ما يكشفها ويحرقها، وينفر القلب منها.
٢٧- أن العواطف الفاسدة المتمثلة في حب التأله المتوجه إلى غير الله، وحب الشهوات المحرمة كالحرص على المال، وحب الفواحش من الزنى واللواط، وحب المسكرات والمخدرات، والحقد والحسد النابعان من عاطفة الكراهة، هذه العواطف الفاسدة تمثل ثغرة في القلب يتسلل منها الفكر الهدام، أو تميل بصاحبها إلى أسبابه، ويستغلها أعداء المؤمنين للنيل منهم.
٢٨- أن أثر الإيمان في تطهير القلب من داء الحرص على المال والدنيا، يتجلى في دراسة التوحيد وتقوية الاعتقاد بمعرفة أسماء الله، وما تدل عليه من الصفات والأفعال، والتوكل على الله والإيمان بالقدر، كما يتجلى بإقامة الصلاة والمداومة والمحافظة عليها، وأداء الزكاة والنفقات.
٢٩- أن أثر الإيمان في تطهير القلب من محبة الفواحش يتجلى في اعتقاد التوحيد الذي يعمر القلب بمحبة الله والخشية منه، نتيجة لمعرفته بأسمائه وصفاته وأفعاله، كما يتجلى بأثر الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وفي الذكر الذي يحصن العبد من عدوه الشيطان، ويوجب ذكر الله له، وفي الصيام الذي يزيد في تقواه وقربه من مولاه، ويضعف الشهوة ويكسر حدتها.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
٣٠- أن الحسد مرض قلبي يضر بصاحبه فيحمله على رد الحق، وفعل الشر والعدوان، فقد كان الدافع إلى فعل أمهات المعاصي الكبيرة، كما أنه مرض اجتماعي يورث العداوة والبغضاء ويعمل على البغي والعدوان، فهو بذلك ثغرة يتسلل منها شياطين الإنس والجن لتفريق المسلمين وإفساد دينهم ودنياهم، وبث الأفكار الخبيثة بينهم.
٣١- أن أثر الإيمان في تخليص القلوب من داء الحقد والحسد يكمن في إزالة الدوافع لها، بتقوية الإيمان بتعليم الناس أسماء الله وصفاته وأفعاله، وغيرها من حقائق التوحيد، وبفرض الزكاة والحث على الإنفاق، وتحريم الربا، والتحريض على التعاون والتكافل بين المسلمين والأمر بإفشاء السلام وحسن الخلق.
٣٢- أن أثر الإيمان في تطهير القلب هو أثر هادم للوظائف الذميمة القائمة بالقلب، والتي تمثل ثغرات ومداخل في حصنه يتسلط عليه من خلالها الشياطين بوساوسهم وأفكارهم المفسدة.
كما أن أثر الإيمان في تزكية القلوب هو أثر بَانٍ -بإذن الله- للخصال الحميدة في القلب، والتي يتحصن بها ضد أعدائه ومخططاتهم الرامية إلى التسلل إليه وإفساده.
٣٣- أن أثر تزكية القلب بالإيمان في تحصينه ضد الفكر الهدام إنما يكون بما يحصل فيه من الطمأنينة والنور والبصيرة.
٣٤- أن القلق المرضي الذي يقوم بالقلب، له عدة أشكال: منها
[ ٢ / ٦٨٤ ]
قلق القلب وتشوقه للعلم المصحوب بأي نوع من عدم الثقة أو القناعة بالوحي، ومنها القلق الناتج عن مخالفة الفطرة بالعصيان.
وهي تمثل ثغرات تدفع القلب إلى الفكر الهدام.
فالنوع الأول: يدفع الإنسان إلى البحث عن العلم والمعرفة في كتب الفلاسفة أو غيرهم، التي هي مستنقعات للأفكار الضالة.
والنوع الثاني: يدفع صاحبه إلى التخلص منه بوسائل الترفيه التي تحتوي غالبًا على الفكر الهدام، أو تكون مصائد لإيقاع الناس فيه.
٣٥- أن الطمأنينة هي غنى القلب وركونه إلى الإيمان الذي يتحصن به من كل شر فكري يؤثر في عقائده أو عاطفي يخل بمشاعره وإراداته.
٣٦- أن السبب الوحيد لطمأنينة القلوب وشفائها من أمراضها وزوال قلقها ووحشتها هو ذكر الله، وذكر الله بمدلوله الواسع الشامل لكل ما يُذكر بالله، أو يذكر الله به.
ويجمع ذلك تحقيق الإيمان بالعلم بما نزل من الوحي والعمل به، فالإيمان بمختلف شعبه يجلب للقلب الطمأنينة، فإذا تغذى القلب من العلم المستقى من الكتاب والسنة وانصبغت عقائده وعواطفه وانفعالاته وإراداته بذلك اطمأن وسكن، وكلما زاد الإيمان زادت الطمأنينة واستغنى القلب وعظم انفكاكه وابتعاده عن أفكار الجاهلية وأعمالها.
٣٧- أن شعب الإيمان المؤثر في حصول الطمأنينة هي تلك التي
[ ٢ / ٦٨٥ ]
تحقق للقلب ما يصبو إليه ويتطلع لتحصيله من المعلومات والمحبوبات، التي توجد به الخير والصلاح، وتعمل على قوته وثباته واستقراره.
فهو يعرف بالعلم ما يتطلع إليه من معرفة خالقه ومالكه ومدبره باستشعاره لأسماء الله وما تدل عليه من الصفات والأفعال، ويعرف دوره في الحياة والأمر الذي خلق من أجله، ومبدأه وغايته ومصيره، ويتجلى ذلك بمعرفة وتحقيق توحيد الألوهية الذي يحمي النفس من الصراع والتشتت، ويجلب للقلب السكينة، وبالإيمان باليوم الآخر الذي يجعل للحياة معنى وغاية.
٣٨- أن التوكل على الله يلبي للقلب حاجة جُبل عليها، وهي تطلعه إلى ركن شديد يعتمد عليه، ويركن إليه في حصول الخير ودفع الشر، والتوكل حصن يحمي العبد من الفزع أو الاعتماد والركون إلى أعداء الله، فيؤثرون عليه ويجرونه إلى فكرهم الخبيث، أو يستخدمونه لتحقيق هذا الغرض كما يفعلون بالمنافقين الذين قل اعتمادهم على الله، وركنوا إلى أعدائه من اليهود والنصارى وغيرهم.
٣٩- أن العلم والإيمان بالقدر وإدراك العبد للفرق بين الأمر الكوني القدري والأمر الشرعي التكليفي، ومعرفة الاستجابة المناسبة لكل منهما، له أثر عظيم في سكون النفس وطمأنينة القلب واستقراره ورضاه بالله وعن الله، وزوال القلق الدافع إلى الأفكار الهدامة أو مورادها.
٤٠- أن تزكي القلب بالإيمان القائم على الإخلاص والعلم المستمد
[ ٢ / ٦٨٦ ]
من الوحي المطهر يوجد في القلب نورًا وفرقانًا يهدي صاحبه إلى مواطن الخير، ويكشف له عن مواطن الهلكة والضلال، كما يصبح في القلب ملكة وحساسية يتذوق بها ما يلائمه من الخير، فيميل ويسكن إليه، وما ينافره من الشر فيشمئز منه، وينفر عنه وواعظ يذكره بالله، وهذه حصون يتحصن بها القلب ضد أي فكر يستهدف زعزعة عقائده أو حرف عواطفه والميل بإراداته، تقوى هذه الحصون كلما قوي العلم والإيمان، وتضعف بضعفهما.
٤١- بيان الآثار الاجتماعية التي يتحصن بها المجتمع المؤمن الذي التزم شعائر الإيمان وطبقها، وهي: تقوية الرابطة الإيمانية، والتزام الأخلاق الفاضلة، وتطبيق النظم الإسلامية في البيع والشراء، وسائر العلاقات، وإقامة الحدود ووظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوها.
وقيام ولي الأمر بدوره في تنفيذ الدين وسياسة الدنيا به وحمايته والدفاع عنه، وإقامة شعيرة الجهاد التي يعز الله بها عباده المؤمنين، ويمكن لهم في الأرض، هذه الأمور جميعًا تمثل أسوارًا وحصونًا يحمي الله بها المجتمع من شرور الجاهلية عمومًا، وفكرها النجس خصوصًا، وإذا اختل أحدها كان ثغرة ينفذ منها شر الجاهلية، وفكرها الخبيث.
٤٢- أن الرابطة الإيمانية هي أهم الأسس التي يقوم عليها المجتمع المسلم، وبالتالي فهي أهم وأقوى الحصون التي تحصن المجتمع من كيد أعدائه وأفكارهم المسمومة وتخطيطاتهم الخبيثة.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
٤٣- أن أهم العوامل التي تنمي الرابطة الإيمانية هي:
١- التزام الأخلاق الفاضلة.
٢- أداء المسلمين للحقوق المفروضة لبعضهم على بعض.
٣- التزام النظام الاجتماعي والاقتصادي الإسلامي.
٤- المحافظة على الوحدة الفكرية.
٤٤- أن كلا من هذه العوامل يمثل لبنة في حصن المجتمع، بقيامها يتماسك وتقوى رابطته، وبضعفها أو زوالها يهتز بناء المجتمع ويدب فيه الفساد، ويصبح فيه منافذ للشرور الفكرية وغيرها.
٤٥- أن التزام الأخلاق الفاضلة له أثر في تقارب المؤمنين وصلاحهم وقربهم من الله، فتسود المحبة والألفة ويتعاملون بالمودة والتراحم والتعاون، وتوجد الثقة بينهم، ويحب كل منهم لأخيه ما يحبه لنفسه، فيسود بينهم الرضى والأمن، وتصبح جبهتهم الداخلية قوية متحدة يصعب على العدو اختراقها.
أما التفريط في الأخلاق الفاضلة فله أثر في بعد المسلمين عن ربهم، وتنافر قلوبهم، وضعف الرابطة التي تشدهم، وتنبعث بذور الفرقة والشر بينهم، وبذلك يصبح الجو مهيأً لأعدائهم لنشر الأفكار الخبيثة التي تفرق بينهم وتجرهم إلى المهالك.
٤٦- أن لقيام أفراد المجتمع بالحقوق المفروضة لبعضهم على بعض، أثرًا هامًا في قوة الرابطة الإيمانية التي تربط بينهم، كما تقوي صلة المجتمع
[ ٢ / ٦٨٨ ]
بالله، فيصبح المجتمع قويًا متماسكًا صعبًا على المفسدين.
وإذا ضيعت الحقوق حصل التذمر والخصام والعداوة، وتضعف الرابطة، وتقل ولاية الله لهم، فيصبح حصن المجتمع ضعيفًا يسهل اقتحامه.
كما أن الخلل الناتج عن تضييع تلك الحقوق يضعف ثقة بعض أفراده -ممن قل حظهم من العلم والإيمان- بنظام الإسلام وتعاليمه، فيحملهم ذلك على تطلب البدائل في مستنقعات الشرق أو الغرب، وأفكارهم الفلسفية العفنة.
٤٧- أن الالتزام الدقيق بالنظم الإسلامية ضروري لاستقرار حياة الناس، وإقامة العدل بينهم، وحفظ حقوقهم، وانتشار الأمن والأمل في نفوسهم، فينطلقون في ميادين الحياة بثقة وجد للعمل على إصلاح دينهم ودنياهم، وبذلك يترسخ رباط الأخوة ويستحكم ويتعاونون في سعيهم وكدحهم وهم في أمن من بواعث الشر والنزاع بفضل صلاحية النظام وشموله، ومراعاته لمبادئ الأخلاق والعدل.
٤٨- أن الإخلال بشيء من النظم الإسلامية تحصل من جرائه الفوضى والقلاقل والظلم والعدوان، وينجم النفاق والبلبلة الفكرية، والخلاف السياسي، فتتقطع الأرحام، وتضيع الحقوق.
وإذا زاد التحلل من النظام الإسلامي اختل المجتمع، وشغل الناس بأنفسهم وأهوائهم، وذهلوا عن العبادة والعلم، فيضعف الإيمان وتقل رابطته، ويفشل المسلمون، وتذهب ريحهم، وتُزيغ كثيرًا منهم الأهواء،
[ ٢ / ٦٨٩ ]
وتتخطفهم الفتن القائمة على الأفكار الهدامة.
٤٩- أن النظم الإسلامية كثيرة، وكلها لها أثر في تقوية الرابطة بين المؤمنين وتحصين المجتمع من الشرور الفكرية، إلا أن نظام الجزاء والعقاب، والنظام الاقتصادي الإسلامي لهما أثر بارز هام وخطير في تحقيق ذلك.
٥٠- أن إقامة الحدود والتعزيرات حصن هام يقي المجتمع سائر الشرور وخاصة الأفكار الهدامة، فلا بد من الصرامة والحزم في تطبيقها على من استحقها وفق الضوابط الشرعية.
٥١- أن عقاب المفسدين في الأرض بترويج الفساد الفكري واجب إيقاعه، والصرامة في تنفيذه، سواء كان حدًا يشمله عموم المحاربة لله ولرسوله، وعموم الإفساد في الأرض، أو كان ذلك من باب قياس الأولى؛ لأن إفسادهم أشد وخطرهم أعظم، فكان إنزال العقاب بهم أوجب، أو كان ذلك من باب التعزير، وهذا العقاب يمثل حصنًا مهمًا يحمي به الله المجتمع من الشرور الفكرية ودواعيها.
٥٢- أن النظام الاقتصادي الإسلامي يقوم على أسس متينة تتمثل في استمداده من العقيدة الإسلامية، ومراعاة الفطرة الإنسانية، وقيامه على الأخلاق الفاضلة، ويسد حاجات الناس المعيشية.
وإذا التزم المسلمون به استقامت حياتهم، وانتظم تعاملهم، وانقطعت بوادر الشر والحقد الحسد والضغينة والبغضاء، وأمن الناس على أرزاقهم ومصالحهم فتتماسك جبهتهم الداخلية.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
٥٣- أن الإخلال بالمعاملات الاقتصادية الشرعية، وتعدي حدود الله فيها يؤدي إلى اختلال المجتمع وتغير القلوب، ويعتب بعضهم على بعض، ثم يحقد ويحسد، فتختل الأسوار الواقية للمجتمع والعاملة على تماسكه وسلامته، فيضطرب النظام الاجتماعي، وتضعف الرابطة الإيمانية، ويقع الشر بين المسلمين، ويصبح المناخ مهيأً لشياطين الإنس والجن للعمل على الإيقاع بينهم، وبث المبادئ الفاسدة والشبهات المزخرفة والمذاهب الاقتصادية المتخبطة.
٥٤- أن المحافظة على الوحدة الفكرية المتمثلة بملء قلوب الناس وإنارتها بالعقائد الحق، والمفاهيم الصحيحة، واستئثار الوحي المطهر بذلك، ينتج عنه تقارب وانسجام في تفكير أفرادها، فهو ضرورة اجتماعية لازمة لاتحاد المسلمين وقوة رباطهم الإيماني.
٥٥- أن تخلف الوحدة الفكرية والتفريط بالمحافظة عليها ينتج عنه أمران خطيران:
الأول: الفراغ الفكري الناتج عن انتشار الجهل وانصراف الناس عن العلم.
الثاني: الفرقة الفكرية أو الفوضى الفكرية، حيث تنتشر المعارف وتقوى حركة التعلم مع اختلاف المشارب الفكرية.
٥٦- أن النتيجة النهائية للفراغ الفكري: هي أن يسود المجتمع خليط من الأفكار الفاسدة، والخرافات والتصورات والعادات الجاهلية،
[ ٢ / ٦٩١ ]
ويصبح المجتمع مفتوح الثغور لكل فكر ضال.
ونتيجة الفوضى الفكرية أشد وأنكى حيث يتوزع أبناء المجتمع المسلم إلى طوائف، كل طائفة خلف فكرة ومبدأ، ويزخرف كل فريق مبدأه، والمجال مفتوح لكل منهم بحجة الحرية الفكرية، ويجد كل فكر خبيث خارجي فئة من المجتمع تسير على مبدئه، فيعمل من خلالها؛ وقد يتمادى الحال تحت هذه الظروف فيتجرأ المفسدون على مدح الكفر والإلحاد والتشكيك والاستهزاء بمسلمات الدين بلا خوف ولا حياء.
وبذلك يتفكك المجتمع ويعادي بعضه بعضًا، وتزول رابطة الإيمان كرباط مشترك لجميع أفراده، ويتعذر مع ذلك الاجتماع على تحكيم نظم الإسلام، فتتعالى الأصوات للاجتماع على العلمانية والديمقراطية، وبذلك يُطعن الإسلام في الصميم، ويُقصى عن حكم الناس، ويحشر في دائرة ضيقة لا تتعدى الحرية الشخصية.
٥٧- أن المحافظة على الجانب الفكري أمر مهم جدًا، وإنما يتم بإخلاص التلقي والتعليم من الوحي الكريم، والاستغناء به في سائر الجوانب العقدية والعبادات والأخلاق والآداب، وذلك أصل قرره الكتاب والسنة وسار عليه السلف الصالح، وكثير من العلماء العاملين، ويتحقق ذلك بإذن الله بالعمل في اتجاهين هامين:
الأول: التطهير.
والثاني: التزكية.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
٥٨- أن تطهير الجانب الفكري في المجتمع الإسلامي من الفكر الدخيل، يتم بخطوات أهمها:
أولًا: عزل المجتمع المسلم عن أفكار وثقافات المجتمعات الجاهلية.
ثانيًا: تطعيم أفراد المجتمع المسلم ضد الأفكار الجاهلية التي يخشى من تسللها إليهم، ويكون ذلك بنقد وتفنيد الأسس والمبادئ التي تقوم عليها تلك الأفكار ودحض حججها وبيان بطلانها، وبالمقابل التركيز على بيان محاسن الإسلام ومزاياه العظام، وتقوية الاعتزاز به.
ثالثًا: تنقية الفكر المنسوب للإسلام في جميع ميادينه من الفكر الدخيل الزائف.
٥٩- أن المحافظة على الوحدة الفكرية تستلزم تزكية أفراد المجتمع بالتوسع في نشر عقائد الإسلام وتعاليمه المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على فهم السلف الصالح.
٦٠- أن العمل في جانب التزكية الفكرية إنما يتم بالعناية بالأسرة -وخاصة المرأة- تعليمًا وتربية على العقيدة السليمة والخلق الفاضل، والاعتزاز بالإسلام والحماس به، وتسخير كافة الجهود والوسائل لتحقيق هذا الغرض، وأن تكون رسالة التعليم والتربية والإعلام والمسجد واحدة هي رسالة الإسلام، ووظيفتها هي الدعوة إليه، والدفاع عنه، وإعداد أجيال تطبق الإسلام تطبيقًا سليمًا وتتحمس له، وتنهض به، عالمة عاملة مؤيدة.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
٦١- أن العمل على المحافظة على مقومات المجتمع إنما يكون بالتواصي بالحق، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على ذلك، والصبر والمثابرة في سبيل تحقيقه.
٦٢- أن هذه الشعائر الإيمانية كما أنها لازمة لقوة ومتانة الرابطة الإيمانية، فهي أيضًا حصن يقي المجتمع من الفكر الخبيث، وسائر الشرور.
٦٣- أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قضية مصيرية، يترتب عليها احتفاظ الأمة بمسارها الإسلامي، وهي وظيفة اجتماعية يجب أن تحظى بعناية المسلمين أجمعين، ولهذه الشعيرة المباركة أهمية بالغة في مجابهة العاملين على إفساد المجتمع الإسلامي.
٦٤- أن أساليب الأعداء في نشر الأفكار الضالة والشبهات المزخرفة لا يتسنى لها النجاح إلا بغياب أو ضعف وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإقامة هذه الشعيرة ضمانة للمجتمع من التلوث الفكري والأخلاقي، لذلك يجب أن تكون الأمة يقظة مهتمة بإقامته، ومن ذلك الحسبة على وسائل الاتصال العامة من أن يتطرق إليها خلل يسمح للمفسدين بمخاطبة المجتمع أو نشر تلبيساتهم.
٦٥- أن إقامة ولي الأمر -إمام المسلمين- من أهم واجبات الدين، لما يترتب عليه من صلاح الدين والدنيا في المجتمع المسلم.
٦٦- أن الإمام إذا كان عالمًا بمهام ومقاصد الحكم، عازمًا متحمسًا
[ ٢ / ٦٩٤ ]
لتنفيذها، والتزم بتولية الأصلح، والمشاورة لأهل العلم وغيرهم من أهل الرأي والاختصاص، قائمًا على واجب الدفاع عن الدين، ومن ذلك مقاومة الأفكار الهدامة والداعين إليها، فإن ذلك كله يمثل حصنًا يقي الله به المجتمع الإسلامي من شرور الجاهلية الفكرية وغيرها.
٦٧- أن وضع الدولة الإسلامية غير المتمكن الذي تكون فيه دولة الإسلام ضعيفة، قد ظهر عليها الكفار وفاقوها عددًا وعدة، وأصبح وضعهم السياسي والعسكري والاقتصادي أقوى من وضعها وهي في داخلها لم تأخذ بعد بأسباب التمكين من سلامة العقيدة، وإخلاص العبادة واتحاد الكلمة، وإعداد العدة، هذا الوضع يجعلها مكشوفة مهدمة الأسوار أمام الكفار، فإما أن يأخذوها لقمة سائغة فتقع تحت حكم الأعداء مباشرة، فيفرضون عليها الفكر الهدام ويؤسسون له في كل المجالات.
وإما أن تبقى دولة الإسلام مستقلة، ولكن توجه إليها ضغوط مختلفة، فتُكره على انتهاج سياسات اجتماعية، وإعلامية تسمح بنشر الأفكار الضالة والعلاقات المنحرفة وتُكره على سياسات اقتصادية وزراعية وصناعية تضمن عدم نهوض المجتمع المسلم في ميادين الصناعة والقوة والتجارة، فيبقى بعيدًا عن أسباب النصر والتمكين، ومستهلكًا دائمًا لصناعة الكفار.
٦٨- أن الجهاد شعيرة هامة من شعائر الإيمان، أمر الله به المؤمنين وجلعه من أسباب فلاحهم، له آثار هامة في مجال قوة المجتمع المسلم
[ ٢ / ٦٩٥ ]
وتحصينه ضد الشرور عامة والفكرية خاصة فمن هذه الآثار:
أولًا: أن القتال وسيلة لرفع الذل عن المستضعفين من أهل الإيمان.
ثانيًا: أنه به يدفع شر الكفار الذي يعملون على فتنة الناس عن الحق، والإفساد في الأرض، ومن ذلك نشر الفكر الخبيث.
ثالثًا: أنه بإقامة الجهاد يكون الدين كله لله.
٦٩- أن إقامة الجهاد يتطلب الإعداد الجيد المسبق لكي يؤتي ثماره، وهذا الإعداد يتمثل فيما يأتي:
أولًا: الجهاد الداخلي الذي يتم داخل المجتمع المسلم وبين أفراده، بالدعوة إلى الله، والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم؛ والغرض من ذلك مراجعة الدين وإزالة ما حصل فيه من انحرافات ومخالفات في العقائد والعبادات والمعاملات.
ثانيًا: إعداد المستطاع من القوة.
ثالثًا: إعداد الجنود وتدريبهم ومرابطتهم في ثغور البلاد وحدودها.
رابعًا: الإنفاق في سبيل الله على إعداد القوة وتهيئة الجيوش، وما يلزم لذلك.
٧٠- أن إقامة الجهاد في سبيل الله، وتكاتف الأمة في الإعداد له والإنفاق بسخاء على ذلك، يمكن لها في الأرض، ويعلي شأنها، وتكسر شوكة أعدائها، ويأخذهم الرعب والرهبة منها، وبذلك تبقى حصون
[ ٢ / ٦٩٦ ]
الدولة الداخلية آمنة من مكرهم، قوية بقوة الأمة عزيزة بعزتها.
٧١- أن الثمرة الجامعة لهذا البحث هي القناعة بأن العناية بتطبيق الإيمان الصحيح وفق معالمه المبينة في الكتاب والسنة، والتي التزم بها وبينها سلف الأمة الصالح، والتركيز على هذا الأمر، وإعطائه الأولوية في كل السياسات، وفي جميع المجالات، والتزام العلماء والدعاة والقادة على المستوى الفردي، وعلى مستوى الجماعات والدول به، بجعله المحور الذي تبنى عليه المناهج، وتنبثق منه جميع النشاطات، إن العناية بذلك وظهور أثره في المجتمع متمثلًا بسلامة العقيدة، والاستجابة لله ولرسوله ﷺ في جميع الأمور، سوف يحدث تغييرًا جذريًا في حياة الأمة، وفي ولاية الله لها، وفي علاقتها مع بعضها، ووضعها بين الدول.
فتسود الألفة والوحدة على التوحيد بدلًا من الفرقة، وتكون الأمة بعين الله يكلؤها ويسددها ويهديها لأسباب عزتها، ويهيئ لها من كل ضيق مخرجًا، ويصبح لها وزن وثقل وقوة، لا يستهان بها بين الأمم ويمكّن الله لها في الأرض، يقوى ذلك ويزيد كلما زادت العناية بالإيمان علمًا وعملًا، ويضعف بضعفه.
وفي الختام أحمد الله عودًا على بدء، فالحمد لله أولًا وآخرًا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
مصادر ومراجع
فهرس المصادر والمراجع:
القرآن الكريم.
الإبانة عن أصول الديانة، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق د. فوقيه حسين محمود، دار الأنصار، ط الأولى، ١٣٩٧.
الإتجاهات الفكرية المعاصرة وموقف الإسلام منها، د. جمعه الخولي، والناشر الجامعة الإسلامية المدينة، ط الأولى، ١٤٠٧.
أثر المخدرات على الأمة وسبل الوقاية منها، د. أحمد عطية الغامدي، ضمن مجموع بحوث في المخدرات، البحث الثالث، الجامعة الإسلامية.
الأحكام السلطانية، لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، مطبعة مصطفى الحلبي، القاهرة، ط الأولى١٣٨٦؟.
أديان الهند الكبرى، د. أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ط الرابعة، ١٩٧٦م.
أرسطو، عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط الثانية، ١٩٤٤م.
إراوء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، محمد ناصر الدين الألباني، إشراف: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، دمشق،
[ ٢ / ٧٥٩ ]
ط الأولى، ١٣٩٩؟.
أساليب الغزو الفكري، د. علي جريشه ومحمد شريق الزيبق، دار الاعتصام القاهرة، ط الأولى، ١٩٧٨.
الإسلام والدعوات الهدامة، أنور الجندي، دار الكتاب اللبناني، بيروت ط الأولى ١٩٧٤.
الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الأولى ١٣٢٨؟.
الأصول الثلاثة وأدلتها، للشيخ محمد بن عبد الوهاب، مكتبة الشباب مكة المكرمة، ط الأولى ١٣٨٧؟.
أصول الدعوة، د. عبد الكريم زيدان، دار عمر بن الخطاب للطباعة والنشر، الإسكندرية ط الثالثة، ١٣٩٦؟.
الاعتصام للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، دار المعرفة، لبنان، ط بدون، ت بدون.
الأعلام –قاموس تراجم، لخير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، ط السادسة، ١٩٨٤.
الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية، للحافظ عمر بن علي البزار، تحقيق زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط الثانية،
[ ٢ / ٧٦٠ ]
١٣٩٦؟
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، العلامة محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق محمد عفيفي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط الأولى ١٤٠٧؟.
اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق د. ناصر العقل، شركة العبيكان للطباعة والنشر، الرياض، ط الأولى، ١٤٠٤؟.
الإمامة والرد على الرافضة، لأبي نعيم الأصفهاني، تحقيق د. علي ناصر فقيهي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط الأولى، ١٤٠٧؟.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، شيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق د. صالح المنجد، دار الكتاب الجديد، بيروت، ط الأولى، ١٣٩٦؟.
الإنسان في الإسلام والإنسان المعاصر، عبد الغني عبود، دار الفكر العربي، ط الأولى ١٩٧٨.
أوربا العصور الوسطى، التاريخ السياسي، د. سعيد عبد الفتاح عاشور، مكتبة الأنجلو المصرية، مصر ط السادسة، ١٩٧٥م.
[ ٢ / ٧٦١ ]
الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية، دار الكتب العليمة، بيروت ط الأولى ١٤٠٣؟.
الإيمان والحياة، د. يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط التاسعة، ١٤٠٣؟.
البث المباشر حقائق وأرقام، د. ناصر سليمان العمر، دار الوطن، الرياض، ط الأولى ١٤١٢؟.
بحوث في علم النفس العام، د. فائز محمد علي الحاج، المكتب الإسلامي، ط ٤، ١٤٠٣؟.
بدائع السلك في طبائع الملك، لأبي عبد الله بن الأزرق، تحقيق علي سامي النشار، وزارة الثقافة العراقية، ط الأولى، ١٩٧٨م.
البداية والنهاية، للحافظ ابن كثير، تحقيق د. أحمد أبو طحم وجماعة، دار الكتب العليمة، بيروت، ط الرابعة ١٤٠٨؟.
البداية والنهاية لابن كثير، دار الفكر العربي، ط بدون، ت بدون.
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، لمحمد بن علي الشوكاني، مطبعة السعادة، القاهرة، ط الأولى، ١٣٤٨؟.
البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان، لعباس بن منصور
[ ٢ / ٧٦٢ ]
السكسكي الحنبلي، تحقيق د. علي سلامة العموش، مكتبة المنار، الأردن، ط الأولى ١٤٠٨؟.
بروتوكولات حكماء صهيون، الاتحاد الإسلامي العالمي لمنظمات الطلابية، ط الأولى، ١٤٠٣؟.
تاريخ الطبري، الرسل والملوك، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف القاهرة، ١٩٦٠م.
التبشير والاستعمار في البلاد العربية، د. مصطفى خالدي، ود. عمر فروخ المكتبة العصرية، بيروت ط الثانية، ت بدون.
تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، لأبي العلى محمد المباركفوري، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، ط الثانية، ١٣٨٧؟.
التصوف، المنشأ والمصادر، إحسان إلهي ظهير، إدارة ترجمان السنة، لاهور، الباكستان، ط الأولى، ١٤٠٦؟.
التعريفات تأليف علي بن محمد الجرجاني، دار الكتب العلمية، ط الأولى ١٤٠٣؟.
تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار، محمد رشيد رضا،
[ ٢ / ٧٦٣ ]
دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، ط بدون، ت بدون.
تفسير القرآن العظيم، للحافظ ابن كثير، تحقيق عبد العزيز غنيم ومحمد أحمد عاشور ومحمد إبراهيم البنا، ط الشعب، ط بدون، ت بدون.
التفسير القيم للإمام ابن القيم، جمعه محمد أويس الندوي، تحقيق: محمد حامد الفقي، لجنة التراث العربي، بيروت، ط بدون، ت بدون.
التفسير الكبير، محمد بن عمر الرازي، دار الكتب العلمية، طهران، ط الثانية، ت بدون.
تفسير المراغي، أحمد مصطفى المراغي، مطبعة مصطفي البابي الحلبي، القاهرة، ط الرابعة، ١٣٩٠؟.
تقريب التهذيب، للحافظ ابن حجر العسقلاني، حققه وقدم له محمد عوامه، دار الرشيد، سوريا ط الأولى، ١٤٠٦؟.
تلبيس إبليس، لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، ط الأولى، ١٣٩٦؟.
التلمود تاريخه وتعاليمه، ظفر الإسلام خان، دار النفائس، بيروت، ط السابعة، ١٤٠٥؟.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
تناسخ الأرواح، مصطفى الكيك، منشأة المعارف، الإسكندرية، ط بدون، ت بدون.
تهذيب التهذيب، للحافظ ابن حجر العسقلاني، مصور عن طبعة دائرة المعارف النظامية، حيدر أباد بالهند، ط الأولى، ت بدون.
تيسيير العزيز الحميد، لسليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، المكتب الإسلامي، دمشق، ط الثالثة، ١٣٩٧؟.
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، ١٤٠٤؟ ط بدون.
جامع البيان عن تأويل القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وشركاه، مصر، ط الثالثة، ١٣٨٨؟.
الجامع الصحيح للإمام أبي محمد بن إسماعيل البخاري، مع شرحه فتح الباري للإمام أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، تحقيق: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الطبعة السلفية، الناشر: رئاسة إدارة البحوث العلمية
[ ٢ / ٧٦٥ ]
والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، ت، ط بدون.
جامع العلوم الحكم، لابن رجب الحنبلي، مكتبة الرسالة الحديثة، عمان الأردن، ط بدون، ت بدون.
جريدة الشرق الأوسط، العدد ٤١٢٤، الأربعاء١٤/٣/١٩٩٠.
جمهرة أنساب العرب، لابن حزم، تحقيق وتعليق عبد السلام بن محمد هارون، دار المعارف، ط الخامسة، ت بدون.
الجهاد الأفغاني ودلالاته، محمد قطب، مؤسسة المدينة للصحافة والطباعة والنشر، جدة، ط الأولى، ١٤١٠؟.
الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، للإمام ابن القيم، المطبعة السلفية، ط الأولى ١٣٩٤؟.
الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد، يوسف بن الحسن عبد الهادي، تحقيق. عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط الأولى، ١٤٠٧؟.
حتى لا تغرق السفينة، سلمان بن فهد العودة، دار الوطن للنشر، الرياض، ط الأولى، ١٤١٢؟.
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، للإمام ابن قيم الجوزية، مطبعة المدني القاهرة، ١٣٨٤، ط بدون.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة، د. جميل عبد الله المصري، مطابع الجامعة الإسلامية، المدينة ط الأولى، ١٤٠٧هـ.
خصائص التصور الإسلامي، سيد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط العاشرة، عام ١٤٠٨.
الخمينية وريثة الحركات الحاقدة والأفكار الفاسدة، لوليد الأعظمي، الناشر، دار عمار، عمان، ط الأولى، ١٤٠٨؟.
دائرة المعارف، بطرس البستاني، مطبعة المعارف، بيروت ١٨٨١م ط بدون.
دائرة المعارف الإسلامية، ترجمة محمد ثابت الفندي وآخرون، دار المعرفة، بيروت، ط بدون، ١٣٥٢؟.
دائرة معارف القرن العشرين، محمد فريد وجدي، دار المعرفة، بيروت، ط الثالثة، ١٩٧١م.
درء تعارض العقل والنقل، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق د. محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، ط الأولى، ١٤٠١؟.
دراسات في المجتمع العربي، لنخبة من أساتذة الجامعات، الناشر اتحاد الجامعات العربية، الأمانة العامة، بيروت، ط الأولى،
[ ٢ / ٧٦٧ ]
١٤٠٦؟.
ديوان حسان بن ثابت الأنصاري، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، ط الأولى ١٣٩٨؟.
الذيل على طبقات الحنابلة، عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، ط الأولى ١٣٧٢؟.
رسائل في العقيدة، تأليف الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، دار طيبة الرياض، ط الثانية، ١٤٠٦؟.
رسالة شرح الصدور بتحريم رفع القبور، محمد بن علي الشوكاني، ضمن مجموعة رسائل، نشر الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط السادسة، ١٤١١؟.
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، شهاب الدين محمد الألوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ت، ط بدون.
روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات أهل الإسلام، حسين بن غنام، المطبعة المصطفوية، بمباي، ١٣٣٢؟.
روضة المحبين ونزهة المشتاقين، للعلامة محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، دار الباز للطباعة والنشر، مكة المكرمة، ١٣٩٧؟
[ ٢ / ٧٦٨ ]
رقم الطبعة بدون.
زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن قيم الجوزية، تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ط الثامنة، ١٤٠٥؟.
سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب، لأبي الفوز محمد أمين السويدي، دار الكتب العليمة، بيروت، ط بدون ١٤٠٩؟.
سلسلة الأحاديث الصحيحة، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الجزء الأول، المكتب الإسلامي، دمشق، ط الأولى ١٣٧٨؟.
سلسلة الأحاديث الصحيحة، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الجزء الثالث، مكتبة المعارف، الرياض، ط الثانية، ١٤٠٧؟.
سنن ابن ماجه، أبي عبد الله محمد يزيد القزويني، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط بدون،١٣٩٥؟.
سنن ابن ماجه أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، شركة الطباعة العربية السعودية، الرياض، ط الأولى ١٤٠٣؟.
سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق السجستاني، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط الأولى، ١٣٧١؟.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
سنن الترمذي أو الجامع الصحيح، للحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، ط بدون، ١٤٠٠؟.
سيد قطب حياته وأدبه، عبد الباقي محمد حسين، دار الوفاء المنصورة، ط الأولى، ١٤٠٦؟.
السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق أبي عيد الله علي بن محمد المغربي، دار الأرقم، الكويت، ط بدون، ١٤٠٦؟.
سير أعلام النبلاء، للحافظ الذهبي، إشراف: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الثانية، ١٤٠٢؟.
شذرات الذهب في أخبار من ذهب، عبد الحي بن العماد الحنبلي، دار المسيرة، بيروت، ط الثانية، ١٣٩٩؟.
شرح الأصول الخمسة، لعبد الجبار بن أحمد، تحقيق د. عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، مصر، ط الأولى، ١٣٨٤؟.
شرح العقيدة الطحاوية، لعلي بن علي ابن أبي العز الحنفي، تحقيق جماعة من العلماء، المكتب الإسلامي، بيروت، ط الثامنة، ١٤٠٤؟.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
شرح النووي على صحيح مسلم، للإمام محيى الدين يحيى بن شرف النووي، المطبعة المصرية ومكتبتها، ط بدون، ت بدون.
شرح حديث (ما ذئبان جائعان) للحافظ عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، تحقيق بدر البدر، الدار السلفية، الكويت، ط الثانية، ١٤٠٤؟.
شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي، تحقيق د. محمد سعيد خطيب، دار إحياء السنة النبوية، أنقرة، ط الأولى، ١٩٧١م.
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن قيم الجوزية، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط الثانية، ت بدون.
الشعوبية، د. عبد الله سلوم السامرائي، المؤسسة العراقية للطباعة والنشر، بغداد، ط بدون، ١٩٨٤م.
صحيح الجامع الصغير للسيوطي، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، دمشق، ط الأولى، ١٣٨٨؟.
صحيح سنن الترمذي، محمد ناصر الدين الألباني، إشراف: زهير الشاويش، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، ط الأولى، ١٤٠٨؟.
[ ٢ / ٧٧١ ]
صحيح مسلم للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: رئاسة البحوث العليمة والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، ١٤٠٠؟.
الصواعق المنزلة على الطائفة الجهمية والمعطلة، لابن القيم، تحقيق د. أحمد عطية الغامدي، الجامعة الإسلامية، ط الأولى، ١٤١٠؟.
الضوء اللامع للقرن التاسع، لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي، دار مكتبة الحياة، بيروت، ط الأولى، ت بدون.
ظلال الجنة في تخريج أحاديث السنة، لمحمد ناصر الدين الألباني، بذيل كتاب السنة لابن أبي عاصم، المكتب الإسلامي، بيروت، ط الأولى، ١٤٠٠؟.
العبر في خبر من غبر، للحافظ الذهبي، تحقيق: فؤاد سيد، الناشر التراث العربي، الكويت، ط الأولى ١٩٦١م.
العبودية، شيخ الإسلام ابن تيمية، المكتب الإسلامي، بيروت، ط الخامسة، ١٣٩٩؟.
علماء نجد خلال ستة قرون، عبد الله بن عبد الرحمن البسام، مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، ط الأولى، ١٣٩٨؟.
علم الصحة النفسية، د. مصطفى خليل الشرقاوي، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، ط الأولى،
[ ٢ / ٧٧٢ ]
١٩٨٣م.
علم النفس المعاصر، د. حلمي المليجي، دار النهضة، بيروت، ت، ط بدون.
الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام، د. عبد الستار فتح الله سعيد، دار الأنصار، القاهرة، ط الأولى، ت بدون.
فتح الباري شرح صحيح البخاري، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ط السلفية.
فتح القدير، لمحمد بن علي الشوكاني، دار المعرفة، بيروت، ط بدون، ت بدون.
الفتوى الحموية الكبرى، لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، القاهرة، ط الثالثة، ١٣٩٨؟.
فجر الإسلام، لأحمد أمين، مكتبة النهضة، القاهرة، ط الحادية عشر، ١٩٧٥م.
الفرق الكلامية الإسلامية، د. علي عبد الفتاح المغربي، مكتبة وهبة، مصر، ط الأولى، ١٤٠٧؟.
[ ٢ / ٧٧٣ ]
الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، لتقي الدين أحمد بن تيمية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط بدون، ١٤٠٢؟.
الفرق بين الفرق، لعبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي، حققه محمد محي الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت، ط بدون، ت بدون.
فقه الزكاة، د. يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الرابعة، ١٤٠٠؟.
فكرة القومية العربية على ضوء الإسلام، د. صالح بن عبد الله العبود، دار طيبة، الرياض، ط الأولى، ١٤٠١؟.
الفوائد لابن قيم الجوزية، دار النفائس، بيروت، ط السابعة، ١٩٨٦؟.
فوائد قرآنية، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، بيروت، ط الأولى، ١٣٨٩؟.
في سبيل موسوعة نفيسة، تغلب على الخوف، لمجموعة من علماء النفس الغربيين، عرض وتقديم، د. مصطفى غالب، دار مكتب الهلال، بيروت، ١٩٨٥، ط بدون.
في ظلال القرآن، سيد قطب، دار إحياء التراث العربي، بيروت،
[ ٢ / ٧٧٤ ]
ط السابعة، ١٣٩١؟.
القاضي أبو يعلى الفراء وكتابه الأحكام السلطانية، د. محمد عبد القادر أبو فارس، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط الأولى، ١٤٠٠؟.
القاموس المحيط، لمحمد بن يعقوب الفيروزابادي، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط الثانية، ١٣٧١؟.
القتال في الإسلام وأحكامه وتشريعاته، محمد بن ناصر الجعوان، مطابع المدينة، الرياض، ط الثانية، ١٤٠٣؟.
قصة الحضارة، ول ديورانت، ترجمة نجيب محمود وآخرين، الناشر: لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ط الثالثة، ١٩٨٦م.
كشاف اصطلاحات الفنون، محمد علي الفاروقي التهانوي، تحقيق لطفي عبد البديع، المؤسسة المصرية للتأليف والنشر، القاهرة، ط بدون، ت بدون.
كلمة الإخلاص وتحقيق معناها للحافظ ابن رجب الحنبلي، المكتب الإسلامي، دمشق، ط الخامسة، ١٣٩٩؟.
الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات، لمحمد
[ ٢ / ٧٧٥ ]
ابن أحمد الكيال، تحقيق: عبد القيوم عبد رب النبي، مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى، مكة المكرمة، ط الأولى، ١٤٠١؟.
لسان العرب، لأبي الفضل جمال الدين محمد بن كرم بن منظور، (دار صادر، ودار بيروت) للطباعة والنشر، بيروت، ط بدون، ١٣٧٥؟.
لسان الميزان، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط الثانية، ١٣٩٠؟
المؤامرة على الإسلام، أنور الجندي، دار الاعتصام، القاهرة، ط الأولى، ١٩٧٧م.
الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات، رسالة ماجستير مقدمة من الطالب شمس الدين الأفغاني لنيل درجة الماجستير، من شعبة العقيدة في قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية.
مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، القسم الأول العقيدة، والآداب الإسلامية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط الأولى، ت بدون.
[ ٢ / ٧٧٦ ]
مجالس شهر رمضان، محمد بن صالح بن عثيمين، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط الثانية، ١٤٠٦؟.
المجتمع المسلم، أهدافه ودعائمه، أوضاعه وخصائصه في ضوء الكتاب والسنة، د. مصطفى عبد الواحد، مطبعة دار التأليف، مصر، ط الأولى، ١٣٨٩؟.
مجلة البيان، المنتدى الإسلامي بلندن، العدد الخامس عشر، ربيع الثاني، ١٤٠٩؟.
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، مكتبة القدسي، القاهرة، ١٣٥٢؟.
مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الناشر، رئاسة الحرمين الشريفين، طبع بإدارة المساحة العسكرية، القاهرة، ١٤٠٤؟.
مجموعة التوحيد، مجموعة رسائل لنخبة من علماء المسلمين.
مختصر منهاج السنة لابن تيمية، اختصار الشيخ عبد الله الغنيمان، ط الأولى، ١٤١٠؟.
المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام، محمد محمود الصواف، دار الإصلاح، الدمام ط الثالثة، ١٣٩٩؟.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
مدارج السالكين، لابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى، ١٩٨٣م.
مدخل إلى الفلسفة، جون هرمان راندال، وجسوستاس يوخلر، ترجمة: ملحم قربان، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٦٣، ط بدون.
المدخل لدراسة القرآن الكريم، محمد محمد أبو شهبة، دار الكتب الحديثة للطباعة، القاهرة، ط الثانية، ١٩٧٣م.
المستدرك على الصحيحين، للحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري، دار الفكر، بيروت، ط بدون، ١٣٩٨؟.
المسند للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق أحمد شاكر، دار المعارف للطباعة والنشر القاهرة، ١٣٦٨؟
المسند للإمام أحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي، بيروت، ط الأولى، ١٣٨٩؟.
المسيحية د. أحمد شلبي، مكتبة النهضة، القاهرة، ط الخامسة، ١٩٧٧م.
مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي عياض بن موسى السبتي، دار التراث، ط بدون، ت بدون.
[ ٢ / ٧٧٨ ]
مشاهير علماء نجد وغيرهم، عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ، دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، الرياض، ط الثانية، ١٣٩٤؟.
مصرع التصوف أو تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي، لبرهان الدين البقاهي، تحقيق عبد الرحمن الوكيل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى، ١٤٠٠؟.
معالم في الطريق، سيد قطب، دار الشروق، بيروت، ط العاشرة، ١٤٠٣؟.
معجم الأعلام، لبسام عبد الوهاب، الناشر الجفان والجابي للطباعة والنشر، قبرص، ط الأولى، ١٤٠٧؟.
المعجم الفلسفي، تأليف جمال صليبا، دار الكتاب العربي، بيروت، ط الأولى، ١٩٧٩م.
معجم المؤلفين، عمر رضاله كحالة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط الأولى، ١٣٧٦؟.
معجم متن اللغة، الشيخ أحمد رضا، دار مكتبة الحياة، بيروت، ١٣٧٨؟ ط بدون.
معجم المصطلحات النفسية والتربوية، إعداد د. محمد مصطفى
[ ٢ / ٧٧٩ ]
زيدان، دار الشروق، جدة، ط الثانية، ١٤٠٤؟.
مفاهيم ينبغي أن تصحح، محمد قطب، دار الشرق، القاهرة، ط الثالثة، ١٤٠٨؟.
المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني أبي القاسم الحسين بن محمد، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، د بدون، ت بدون.
مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري، تصحيح هلموت ريتر، دار إحياء التراث العربي، ط الثالثة، ت بدون.
الملل والنحل، لمحمد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٠؟، ط بدون.
منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان، تأليف د. علي بن ناصر فقيهي، ط الأولى، ١٤٠٥؟.
الموسوعة الثقافية، د. حسين سعيد، مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، القاهرة، ١٩٧٢، ط بدون.
الموسوعة الطبية الحديثة، تأليف نخبة من علماء مجمع «قولدن برس بأمريكا» ترجمة لجنة تحت إشراف الإدارة العامة للثقافة بوزارة التعليم العالي بمصر، الناشر مؤسسة سجل العرب،
[ ٢ / ٧٨٠ ]
القاهرة، ١٩٦٩م.
الموسوعة العربية الميسرة، إشراف محمد شفيق غربال، مؤسسة فرنكلين القاهرة، ط الأولى، ١٩٦٥م.
الموسوعة الفلسفية المختصرة، يشرف على تحريرها: جي. يورمسون، ترجمة نخبة من المترجمين، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ١٩٦٣م.
الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الرياض، ط الثانية، ١٤٠٩؟.
ميزان الاعتدال في نقد الرجال، لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق علي محمد البجاوي، بيروت، دار المعرفة، ط بدون، ١٣٨٢؟.
ندوة اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر، المنعقدة بالبحرين في ٣/٦/١٤٠٥؟، الناشر مكتب التربية العربي لدول الخليج، ط الأولى، ١٤٠٧؟.
نظم المجتمع الإسلامي مع التطبيق على المجتمع السعودي، د. عبد الله الخريجي، توزيع رامتان، جدة، ط الأولى، ١٤٠٣؟.
النفس المطمئنة، سلسلة دراسات إسلامية، د. عبد الحميد
[ ٢ / ٧٨١ ]
مرسي، مكتبة وهبة، القاهرة، ط الأولى، ١٤٠٣؟.
النفوذ اليهودي في الأجهزة الإعلامية والمؤسسات الدولية، فؤاد سيد عبد الرحمن الرفاعي، دار السياسة، الكويت، ط الأولى، ١٤٠٧؟.
الوابل الصيب من الكلم الطيب، لابن قيم الجوزية، ضمن مجموعة الحديث، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، ط الخامسة، ت بدون.
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لأبي العباس أحمد بن محمد بن خلكان، حققه د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ١٣٩٧؟، ط بدون.
اليهودية، د. أحمد شلبي، مكتبة النهضة، القاهرة، ط السابعة، ١٩٨٤م.
[ ٢ / ٧٨٢ ]