فنرد على هذه الفرية من وجوه:
أولا: قد سلك جراغ علي وأمير علي منهج المستشرقين أمثال "جولدتسيهر" و"شاخت" و"بول" و"كولسن" في بيان تاريخ التشريع الإسلامي، وهو المنهج التطوري والمنهج الإسقاطي معا، لما أن الديانات الأخرى مثل اليهودية والنصرانية المحرفتين والهندوسية لم توجد مرة واحدة، إنما وجدت في بدايتها كفكرة ضئيلة ثم تطورت حسب تقدم البشرية واحتياجاتها ورغباتها، حتى أصبحت ديانات بشرية
_________________
(١) أعظم الكلام لجراغ علي: ١/ ٣٣.
(٢) ينظر المرجع السابق: ٣٣ - ٣٤.
[ ٤١٤ ]
خالصة، فكذلك القرآن كان ناقصا غير شامل لمقتضيات الحياة فاحتاج المسلمون إلى إيجاد السنة ثم إلى الإجماع ثم إلى القياس.
ولا شك أن هذا الكلام وإن كان صحيحا مع الديانات الأخرى، فإنه خطأ منهجي مع الإسلام، لأن الإسلام لم يكتمل في مجرى التطور كما هو شأن الأديان الباطلة، إنما هو اكتمل في حياة الرسول ﷺ يقول الله ﷿: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (^١).
وأما التطور الذي حدث في التشريع الإسلامي هو شرح وتوضيح لما ورد في القرآن والسنة.
ثانيا: إن القرآن شامل لكل ما يحتاج إليه الإنسان إلى قيام الساعة من عقيدة وأحكام دينية وسياسية واجتماعية واقتصادية وقانونية، وإن القرآن في حجمه الصغير قد أعطى خطوطا عريضة لكل ما يحتاجه إليه الإنسان، وهو كلام الله المعجز الخالد المهيمن ولم يفرط فيه من شيء، قال الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
وقد وضع بعض العلماء الآيات القرآنية في موضوعات يحتاج إليها الإنسان، لم يخل حَقل من حقول هذه الموضوعات إلّا وفيها حكم من أحكام الله قد ذكر في القرآن، وأحسن تأليف في هذا الموضوع: "تقابل ثلاثة (توراة- إنجيل- قرآن" للشيخ ثناء الله الأمرتسري (^٢)، وقد قسم الشيخ حاجيات الإنسان إلى موضوعات تالية: إثبات واجب الوجود، ودعوى التوحيد ودلائله، أسماء الله وصفاته، أحكام العبادة الشرعية، الأخلاق العامة، تدبير المنزل، القوانين العسكرية والسياسية، أحكام القتال، أحكام الصلح، أحكام القيامة، طريق النجاة.
وقد أثبت الشيخ في هذا المؤلف شمولية القرآن وهدايته في كل مجال، وقارن بينه وبين التوراة والإنجيل فبين نقص الكتب السابقة وحاجتها إلى القرآن.
_________________
(١) سورة المائدة: ٣٠.
(٢) طبعته ونشرته مكتبة مولانا ثناء الله الأمرتسري دلهي الهند، ١٩٨٧ م، وهو كتاب قيم يجدر العناية به في الدراسات المقارنة.
[ ٤١٥ ]
ثالثا: وأصل الخطأ قد جاء عند هؤلاء المستغربين لتفريقهم بين القرآن والسنة، إذ أن السنة جاءت شرعًا وبيانًا لما ورد في القرآن من أحكام مجملة، قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (^١) فمن أراد الإسلام بدون سُنّةٍ فقد ضل، وعاب الإسلام، واتهم القرآن بأنه ناقص.
والنصوص في ذلك كثيرة جدًا قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (^٢) والرسول ﷺ قد يأمر بشيء وقد ينهى عن شيء قد لا تجد ذكره في كتاب الله، ولكن الصحابة اعتبروه من كتاب الله مستدلين بالآية السابقة.
عن ابن مسعود ﵁ قال: "لعن الله الواشمات والمستوشمات والمنتصمات والمنفلجات للحسن المغيرات خلق الله ﷿، قال: فبلغ امرأة من بني أسد في البيت يقال لها أم يعقوب، فجاءت إليه فقالت: بلغني أنك قلت كيت وكيت قال مالي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ، وهو في كتاب الله تعالى، فقالت إني لأقرأ ما بين لوحيه فما وجدته، فقال إن كنت قرأته فقد وجدتيه أما قرأت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قالت بلى: قال: فإن رسول الله ﷺ نهى عنه" اهـ (^٣).
رابعا: والقاعدة التي تقررت من منهج أهل السنة والجماعة هو الإيمان باشتمال الكتاب والسنة على أصول الدين وأمور الدنيا، قال ابن القيم ﵀: إن النصوص (الكتاب والسنة) محيطة بأحكام الحوادث لم يُحِلْنا الله ورسوله على رأي ولا قياس، بل بين الأحكام كلها والنصوص كافية وافية (^٤).
_________________
(١) سورة النحل: ٤٤.
(٢) سورة الحشر: ٧.
(٣) رواه أحمد: ١/ ٤١٧.
(٤) أعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم: ١/ ٢٥٤.
[ ٤١٦ ]
وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: إنه ما من مسألة فقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها، فإنه لما فتحت البلاد وانتشر الإسلام حدثت جميع أجناس الأعمال فتكلموا فيها بالكتاب والسنة، وإن تكلم بعضهم بالرأي في مسائل قليلة (^١).
خامسا: وأما استدلال معظم المستشرقين والمستغربين بقول الرسول ﷺ: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" فهو رواية وردت في الصحيح عن موسى بن طلحة عن عبيد الله عن أبيه قال: مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رؤس النخل، فقال: "ما يصنع هؤلاء" فقالوا يلحقونه يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح، فقال رسول الله ﷺ: "ما أظن يغني ذلك شيئا قال: فأخبروا بذلك فتركوه. فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله ﷿ (^٢).
والرسول ﷺ في هذه الرواية لم يأمر بشيء ولم ينه عن شيء، إنما ظن ظنًا، وقال لهم: أنتم بالخيار لأنه لم يحدثهم عن الله ولم يجتهد رأيه.
وهذا الاختيار مقيد بالنظر إلى الأمر بالعبادات وبالنظر إلى النهي في المعاملات إذ أنه قد ثبت عند أهل السنة والجماعة "الأصل في العبادة الإتباع ليس الابتداع والأصل في الأشياء (المعاملات) الإباحة ما لم يرد فيه النهي" اهـ (^٣).
الثاني: أقوال المتأثرين في مصدرية القرآن:
قال أمير علي: "أراد النبي ﷺ أن تظل ذكرى المكان الذي شهد مولد الإسلام في أذهان العالم الإسلامي، فأمر المسلمين أن يولّوا وجوههم في الصلاة شطر مكة باعتبارها المركز المجيد الذي أشرقت منه شمس الدين الجديد، ورأي بنور النبوة ما ينشأ من التضامن بين المسلمين إذ اتخذت نقطة مركزية تلتف حولها قلوب آمنة في كل
_________________
(١) مجموع فتاوى لابن تيمية: ١٩/ ٢٠٠.
(٢) صحيح مسلم كتاب الفضائل، باب وجوب ما قاله شرعًا. ١٥ - ١٦/ ١٢٥ (٢٣٦١).
(٣) ينظر الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم دار الكتب العلمية بيروت ط /١: ١/ ٥٢.
[ ٤١٧ ]
زمان، ولذلك أمر ﷺ أن يتجه المسلمون في جميع أنحاء الأرض إلى الكعبة المشرفة" اهـ (^١).
قال جراغ علي: "لما رأى الرسول ﷺ أن عادة تعدد الزوجات قد انتشرت في العرب والدول الشرقية، وامتزجت بطبيعتهم، لم يكن أمامه بد إلّا أن يأمرهم في القرآن خلاف هذه العادة، واتباع القرآن كان فرضا عليهم" اهـ ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ (^٢) ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (^٣) ولم يكن من وسعه أكثر من هذا، وكل مصلح ومقنن لا يستطيع أكثر من هذا" اهـ (^٤).