وتحته فصلان:
* الفصل الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في الأسماء والصفات.
* الفصل الثاني: الأحاديث المتوهم إشكالها في القدر.
[ ٩٧ ]
الفصل الأول: الأحاديث المتوهم إشكالها في الأسماء والصفات (^١)
وفيه تمهيد وأحد عشر مبحثًا:
* التمهيد: بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات.
* المبحث الأول: (خلق الله آدم على صورته).
* المبحث الثاني: (وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة).
* المبحث الثالث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا ).
* المبحث الرابع: (لا يمل الله حتى تملوا).
* المبحث الخامس: (مرضت فلم تعدني ).
* المبحث السادس: (ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله).
_________________
(١) يدخل في هذا الفصل ما توهم أنه صفة لله تعالى وليس هو كذلك.
[ ٩٩ ]
* المبحث السابع: (ما ترددت عن شيء أنا فاعله ).
* المبحث الثامن: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله).
* المبحث التاسع: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر )
* المبحث العاشر: (الرحم شجنة من الرحمن)
* المبحث الحادي عشر: (فإذا مت فأحرقوني ثم اسحقوني).
[ ١٠٠ ]
التمهيد
بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات
سلك أهل السنة والجماعة في هذا الباب طريقًا واضحًا بيِّنًا لا عوج فيه ولا أمتًا، وذلك لأنهم عوَّلوا فيه -وكذا في بقية أبواب الاعتقاد- على النقل الثابت الصحيح، فسلموا من الانحراف الذي وقع فيه من اتخذ العقل أساسًا في هذا الباب وقدمه على النقل، كما هو حال أهل الكلام، علمًا أن أهل السنة يؤكدون على أن العقل الصريح لا يمكن بحال أن يخالف النقل الصحيح.
وأهل السنة وسط في هذا الباب بين الإفراط والتفريط، فلم يغلوا في الإثبات إلى درجة تصل بهم إلى التكييف أو التمثيل، كما لم يقعوا في التفريط الذي هو تعطيل الله سبحانه عن أسمائه وصفاته كلها، أو شيء منها، بل أثبتوا جميع ما صح به النقل من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به سبحانه، كالعلو والاستواء والنزول والعلم والكلام والضحك والوجه واليدين وغيرها.
والكلام على معتقدهم في هذا الباب وذكر أدلته وتفاصيل مسائله يطول، ولربما أخرج عن المقصود، ولذا فسأقتصر على بيان أهم الأصول والأسس التي بنى عليها أهل السنة والجماعة عقيدتهم في الأسماء والصفات، وهي كما يلي:
أولًا: الاعتماد على الكتاب والسنة الصحيحة، فيثبتون ما أثبته الله لنفسه في كتابه، وما أثبته له رسوله -ﷺ- في سنته، من غير تحريف ولا
[ ١٠١ ]
تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وينفون ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أو نفاه عنه رسوله -ﷺ- في سنته مع إثبات كمال ضده (^١).
قال الإمام أحمد: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسول الله -ﷺ-، لا يُتجاوز القرآن والحديث" (^٢).
وقال ابن خزيمة: "نحن نثبت لخالقنا -جل وعلا- صفاته التي وصف الله ﷿ بها نفسه في محكم تنزيله، أو على لسان نبيه المصطفى -ﷺ-، مما ثبت بنقل العدل عن العدل موصولًا إليه" (^٣).
وقال الإسماعيلي (^٤): "اعلموا رحمنا الله وإياكم أن مذهب أهل الحديث -أهل السنة والجماعة-: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقبول ما نطق به كتاب الله تعالى، وما صحت به الرواية عن رسول الله
_________________
(١) قال ابن تيمية: "ينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال، إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال، لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء هو كما قيل: ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال، فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح" [التدمرية (٥٧ - ٥٨)، وانظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٤/ ١٣٦٧)].
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٦)، وانظر: إبطال التأويلات (١/ ٤٥)، ولمعة الاعتقاد بشرح العثيمين (٣٥)، واجتماع الجيوش الإسلامية (٢١١ - ٢١٢).
(٣) التوحيد (١/ ٥٧).
(٤) هو الإمام الحافظ الفقيه شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الجرجاني الإسماعيلي الشافعي، كان شيخ المحدثين والفقهاء في عصره، وأجلهم في المروءة والسخاء، توفي ﵀ سنة (٣٧١ هـ) له من المصنفات: مسند عمر -﵁-، والمستخرج على الصحيح. [انظر: تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٤٧)، والسير (١٦/ ٢٩٢)، وشذرات الذهب (٣/ ٧٢)].
[ ١٠٢ ]
﵌، لا معدل عما وردا به، ولا سبيل إلى رده ويعتقدون أن الله تعالى مَدْعُوٌّ بأسمائه الحسنى، موصوف بصفاته التي سمَّى ووصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه -ﷺ-" (^١).
وقال قِوَامُ السنة الأصبهاني: "قال علماء السلف: جاءت الأخبار عن النبي -ﷺ- متواترة في صفات الله تعالى، موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها السلف على سبيل الإثبات والمعرفة، والإيمان به والتسليم، وترك التمثيل والتكييف، وأنه ﷿ أزلي بصفاته وأسمائه، التي وصف بها نفسه، أو وصفه الرسول -ﷺ- بها، فمن جحد صفة من صفاته بعد الثبوت كان بذلك جاحدًا، ومن زعم أنها محدثة لم تكن ثم كانت، دخل في حكم التشبيه في الصفات التي هي محدثة في المخلوق، زائلة بفنائه غير باقية، وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته، ودعا عباده إلى مدحه بذلك، وصدَّق به المصطفى -ﷺ-، وبين مراد الله فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهومًا عند العرب، غير محتاج إلى تأويله" (^٢).
وقال ابن تيمية: "طريقة سلف الأمة وأئمتها: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل: إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، إثبات الصفات ونفي مماثلة المخلوقات، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فهذا رد علي الممثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد على المعطلة" (^٣).
ثانيًا: إمرار نصوص الصفات كما جاءت وذلك بحملها على ظاهرها دون التعرض لتعطيل شيء منها أو تأويله بما لا يتفق مع مراد الله ورسوله -ﷺ-.
_________________
(١) اعتقاد أهل السنة (٣١ - ٣٢)، وأورده الذهبي بإسناده في العلو (٢٢٩)، وفي السير (١٦/ ٢٩٥)، وانظر: مختصر العلو للألباني (٢٤٨).
(٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨٣)، وانظر: (٢/ ٥٤٩).
(٣) منهاج السنة (٢/ ٥٢٣)، وانظر: التدمرية (٧)، ومجموع الفتاوى (٥/ ٢٦)، و(٦/ ٣٨).
[ ١٠٣ ]
قال الوليد بن مسلم (^١): "سألت الأوزاعي (^٢)، والثوري (^٣)، ومالك بن أنس، والليث بن سعد (^٤)، عن الأحاديث التي فيها الصفات، فكلهم قال: أمروها كما جاءت بلا تفسير (^٥) " (^٦).
_________________
(١) هو عالم أهل الشام أبو العباس الدمشقي، الحافظ الإمام، مولى بني أمية، حدث عن جمع من أهل العلم، وارتحل في هذا الشأن، وصنف التصانيف، وكان من أوعية العلم، ثقةً حافظًا، لكنه رديء في التدليس، وقد احتج به البخاري ومسلم، لكنهما ينتقيان من حديثه، ويتجنبان ما ينكر له، توفي بذي المروة راجعًا من الحج في المحرم، سنة خمس وتسعين ومائة (١٩٥ هـ). [انظر: السير (٩/ ٢١١)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٠٢)، والعبر (١/ ٢٤٨)، وشذرات الذهب (١/ ٣٤٤
(٢) هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي الدمشقي إمام أهل الشام، لم يكن بالشام أعلم منه، من كبار تابعي التابعين، روى عن خلق كثير من التابعين، كان أحد الأئمة المجتهدين، والعباد المعدودين، توفي ﵀ سنة (١٥٧ هـ). [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ١٠٦)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٧٨)، والعبر (١/ ١٧٤)، وشذرات الذهب (١/ ٢٤١)].
(٣) هو سفيان بن سعيد بن مسروق أبو عبد الله الثوري الكوفي شيخ الإسلام وسيد الحفاظ وأمير المؤمنين في الحديث، أجمع الناس على دينه وورعه وزهده وثقته، وهو أحد الأئمة المجتهدين، له مذهب في الفقه لكنه اندثر، كان قوَّالًا بالحق شديد الإنكار، توفي ﵀ بالبصرة -مختفيًا عن المهدي- سنة (١٦١ هـ). [انظر: وفيات الأعيان (٢/ ٣٢٢)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٠٣)، والسير (٧/ ٢٢٩)، والعبر (١/ ١٨١)، وتقريب التهذيب (١/ ٣٧١)، وشذرات الذهب (١/ ٢٥٠)].
(٤) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث الفهمي مولاهم، وأصله فارسي أصبهاني، شيخ الديار المصرية وعالمها، روى عن عطاء بن أبي رباح وابن أبي مليكة ونافع، وخلق كثير، وكان إمامًا ثقةً ثبتًا حجةً فقيهًا، واسع العلم، سخيًا جوادًا، توفي ﵀ سنة خمس وسبعين ومائة (١٧٥ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (١٣/ ٤)، ووفيات الأعيان (٣/ ٥٤٥)، والسير (٨/ ١٣٦)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٢٤)، والعبر (١/ ٢٠٦)، وشذرات الذهب (١/ ٢٨٥)].
(٥) أي: تفسير الكيفية، كما في الرواية الأخرى عن الوليد أنهم قالوا: "امضها بلا كيف".
(٦) أخرجه الآجري في الشريعة (٣/ ١١٤٦)، والدارقطني في الصفات (٧٥)، =
[ ١٠٤ ]
وسئل عبد الله بن المبارك (^١) عن أحاديث الصفات فقال: "تمر كما جاءت بلا كيف" (^٢).
وقال أبو زرعة (^٣) عن أحاديث الصفات: "هذه أحاديث متواترة عن رسول الله -ﷺ-، أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف" (^٤).
وهذا القول متواتر عن السلف عليهم رحمة الله، قال أبو يعلى (^٥): "روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من
_________________
(١) = واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٥٥٨)، وأورده أبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٤٧)، وابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩)، وعزاه إلى الخلال في السنة، وأورده الذهبي في العلو (١٣٩ - ١٤٠).
(٢) هو الإمام العالم أمير المؤمنين في الحديث، أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك المروزي مولى بني حنظلة، ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جُمعت فيه خصال الخير، أخذ عن بقايا التابعين، وأكثر من الترحال والتطواف إلى أن مات في طلب العلم -﵀- سنة (١٨١ هـ). [انظر: السير (٨/ ٣٧٨)، وتقريب التهذيب (١/ ٥٢٧)، وشذرات الذهب (١/ ٢٩٤)].
(٣) إبطال التأويلات (١/ ٥٣).
(٤) هو الإمام الحافظ عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فرُّوخ القرشي مولاهم الرازي، محدث الرَيِّ، سمع من أبي نعيم والقعنبي وأحمد بن حنبل وطبقتهم، وحدَّث عنه مسلم وأبو حاتم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو داود وغيرهم، وكان من أفراد الدهر حفظًا وذكاءً ودينًا وعلمًا وعملا، توفي ﵀ سنة أربع وستين ومائتين (٢٦٤ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (١٠/ ٣٢٥)، والسير (١٣/ ٦٥)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٥٧)، والعبر (١/ ٣٧٩)، وشذرات الذهب (٢/ ١٤٨)].
(٥) إبطال التأويلات (١/ ٥٣).
(٦) هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد، المعروف بأبي يعلى الفراء البغدادي، شيخ الحنابلة وفقيههم، صاحب التصانيف الفريدة، كان إمامًا لا يدرك قراره، ولا يشق غباره، درَّس وأفتى وولي قضاء الحريم، توفي ﵀ سنة (٤٥٨ هـ)، ومن مصنفاته: إبطال التأويلات، وكتاب مسائل الإيمان. [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٢٥٢)، والعبر (٢/ ٣٠٩)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٠٦)].
[ ١٠٥ ]
أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا: أَمِرُّوها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين" (^١).
وقال قِوَامُ السنة الأصبهاني: "الكلام في صفات الله ﷿، ما جاء منها في كتاب الله، أو روي بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله -ﷺ-، فمذهب السلف رحمة الله عليهم أجمعين: إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها" (^٢).
وقال ابن قدامة: "وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف -﵃-، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات، لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-" (^٣)
ومراد السلف بهذه العبارة (أمروها كما جاءت بلا كيف): إجراء نصوص الصفات على ظاهرها والأخذ بما دلت عليه من الصفات، وليس مرادهم: إمرار ألفاظها دون فهم معانيها.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "قولهم -﵃-: (أمروها كما جاءت) رد على المعطلة، وقولهم: (بلا كيف) رد على الممثلة " (^٤).
ثم قال مبينًا مراد السلف بهذه العبارة: "إنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه -على ما يليق بالله- لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلومًا، بل مجهولًا بمنزلة حروف المعجم.
وأيضًا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ
_________________
(١) المرجع السابق (١/ ٤٣ - ٤٤).
(٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨٨)، وبنحوه قال الخطيب البغدادي، كما في السير للذهبي (١٨/ ٢٨٤).
(٣) لمعة الاعتقاد مع شرحها للعثيمين (٣٧).
(٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩).
[ ١٠٦ ]
معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.
وأيضًا: فإن من ينفي الصفات الخبرية -أو الصفات مطلقًا- لا يحتاج إلى أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف.
وأيضًا: فقولهم: أمروها كما جاءت، يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظًا دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أُمِرَّتْ كما جاءت، ولا يقال حينئذٍ: بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول" (^١).
ومما ينبغي التأكيد عليه هنا: أن عدم فهم معنى الصفة ليس مبررًا ولا مسوغًا لردها، أو تأويلها بما يخالف مراد المتكلم بها.
قال ابن تيمية: "ما أخبر به الرسول عن ربه ﷿، فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه" (^٢).
ثالثًا: عدم تمثيل صفات الله تعالى بصفات خلقه -كما تقدم- فالله تعالى له صفات تليق به، والمخلوق له صفات تليق به، ولا يلزم من الاتفاق في الأسماء الاتفاق في المسميات (^٣).
قال أبو يعلى عن أحاديث الصفات: "الواجب حملها على ظاهرها،
_________________
(١) المرجع السابق (٥/ ٤١ - ٤٢)، وانظر: درء التعارض (٧/ ١٠٨ - ١٠٩).
(٢) التدمرية (٦٥).
(٣) انظر: التدمرية (٢٠).
[ ١٠٧ ]
وأنها صفات لله تعالى، لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها" (^١).
وقال ابن تيمية: "أهل السنة والجماعة والحديث، من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم، متفقون على تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلق، وعلى ذم المشبهة الذين يشبهون صفاته بصفات خلقه، ومتفقون على أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله" (^٢).
رابعًا: تفويض الكيفية، وقطع الطمع عن إدراكها، وذلك لوجوه ثلاثة:
أحدها: أن الله تعالى أخبرنا أنه متصف بالصفات، ولم يخبرنا كيف هي.
والثاني: أن العلم بكيفية الصفة فرع عن العلم بكيفية الموصوف، فإذا كنا لا نعلم كيفية ذات الله تعالى، فكذلك لا نعلم كيفية صفاته.
قال الخطيب البغدادي: "الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين ﷿ إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف" (^٣).
وقال ابن تيمية معللًا عدم العلم بكيفية الصفات: "إذ العلم بكيفية الصفة، يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له" (^٤).
والثاك: أن الشيء لا تعلم كيفيته إلا بمشاهدته أو مشاهدة نظيره أو
_________________
(١) إبطال التأويلات (١/ ٤٣).
(٢) منهاج السنة (٢/ ٥٢٢)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية (٥٧).
(٣) جواب أبي بكر الخطيب عن سؤال أهل دمشق في الصفات (٦٤)، وانظر: السير (١٨/ ٢٨٤).
(٤) التدمرية (٤٤)، وانظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٢٥).
[ ١٠٨ ]
الخبر الصادق عنه، وكل ذلك منتفٍ في صفات الله تعالى (^١).
فالكيفية ثابتة لله تعالى لكنها مجهولة لنا غير معقولة، ولهذا كان شعار أهل السنة والجماعة في هذا الباب، تلك الكلمة العظيمة للإمام مالك ﵀، حيث ثبت عنه أنه لما سُئل عن كيفية الاستواء، قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" (^٢).
_________________
(١) انظر: تقريب التدمرية للعثيمين (٤٠)، وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (١/ ٣١٧).
(٢) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (٦٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٤١)، والصابوني -من ثلاثة طرق- في عقيدة السلف (١٨٠ - ١٨٥)، والبيهقي -واللفظ له- في الأسماء والصفات (٢/ ٣٠٥) ح (٨٦٧)، وفي الاعتقاد (٥٦). وقال الذهبي في العلو (١٣٩): "هذا ثابت عن مالك". - وهو ثابت أيضًا عن ربيعة الرأي، شيخ مالك [أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٤٢)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٠٦) ح (٨٦٨)، وساقه الذهبي في العلو (١٢٩) بإسناده إلى ربيعة، وصححه الألباني في مختصر العلو (١٣٢)]. وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٠): "وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة، قال: سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن " فذكره. وقال أيضًا في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٦٥): "ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك". - وروي نحوه عن أم سلمة -﵂-، [أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٤٠)، والصابوني فى عقيدة السلف (١٧٨ - ١٧٩)] لكنه غير ثابت عنها من طريق صحيح. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٦٥): "وقد روي هذا الجواب عن أم سلمة -﵂-، موقوفًا ومرفوعًا، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه". وقال الذهبي في العلو (٨١): "هذا القول محفوظ عن جماعة، كربيعة الرأي، ومالك الإمام، وأبي جعفر الترمذي، فأما عن أم سلمة فلا يصح". وللدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر كتاب بعنوان: الأثر المشهور عن الإمام مالك ﵀ في صفة الاستواء، دراسة تحليلية.
[ ١٠٩ ]
وجاء عن وكيع بن الجراح (^١) أنه قال عن أحاديث الصفات: "نسلم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول: كيف هذا، ولِمَ جاء هذا" (^٢).
وقال أبو عبيد (^٣) -وقد ذكر بعض أحاديث الصفات-: "هذه الأحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء، بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل: كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك؟ قلنا: لا يفسر هذا، ولا سمعنا أحدًا يفسره" (^٤).
والتأكيد على هذا المعنى -وهو نفي العلم بالكيفية- كثير في كلام السلف.
قال ابن تيمية: "ومثل هذا يوجد كثيرًا في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو" (^٥).
_________________
(١) هو الإمام الحافظ محدث العراق، وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي أبو سفيان الرواسي الكوفي، سمع من ابن جريج والأعمش والأوزاعي وغيرهم، وحدَّث عنه الثوري وابن المبارك وابن المديني وابن معين وغيرهم، وكان من بحور العلم وأئمة الحفظ، توفي ﵀ سنة سبع وتسعين ومائة (١٩٧ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (١٣/ ٤٧١)، والسير (٩/ ١٤٠)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٠٦)، والعبر (١/ ٢٥٣)، وشذرات الذهب (١/ ٣٤٩)].
(٢) أخرجه الدارقطني في الصفات (٧١).
(٣) هو الإمام الحافظ المجتهد القاسم بن سلَّام بن عبد الله البغدادي اللغوي الفقيه، صاحب المصنفات، كان أبوه مملوكًا روميًا لرجل من أهل هَراة، وكان أبو عبيد فاضلًا في دينه وعلمه ولي قضاء الثغور مدة، قيل: إنه أول من صنف في غريب الحديث، توفي ﵀ بمكة سنة (٢٢٤ هـ)، وله مصنفات عديدة منها: كتاب الأموال، وغريب الحديث، والإيمان. [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٤٨٩)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤١٧)، والسير (١٠/ ٤٩٠)، وشذرات الذهب (٢/ ٥٤)].
(٤) أخرجه الدارقطني في الصفات (٦٨ - ٦٩)، وانظر: إبطال التأويلات (١/ ٤٨).
(٥) مجموع الفتاوى (٣/ ٥٨).
[ ١١٠ ]
وقال ابن القيم: "العقل قد يئس من تعرُّف كنه الصفة وكيفيتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول السلف: (بلا كيف) أي: بلا كيف يعقله البشر، فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعجزنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم.
فكيف يطمع العقل المخلوق المحصور المحدود في معرفة كيفية من له الكمال كله، والجمال كله، والعلم كله، والقدرة كلها، والعظمة كلها، والكبرياء كلها؟ " (^١).
* * *
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ٣٧٦).
[ ١١١ ]
المبحث الأول: (خلق الله آدم على صورته)
وفيه أربعة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
* المطلب الرابع: في بيان معنى قوله -ﷺ-: (فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون).
[ ١١٣ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
- عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك -نفر من الملائكة جلوس- فاستمع ما يُحَيُّوْنَكَ فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن) متفق عليه (^١).
- وعنه -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) رواه مسلم (^٢).
بيان وجه الإشكال
استشكل بعض أهل العلم قوله -ﷺ-: (خلق الله آدم على صورته)، حيث فهموا أن القول: بإعادة الضمير على الله تعالى في هذا الحديث، يلزم منه التشبيه -تشبيه صورة آدم بصورة الله تعالى- ولذلك اختلفوا في متعلق الضمير على أقوال يأتي بيانها قريبًا إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) البخاري: كتاب الاستئذان، باب: بدء السلام (٥/ ٢٢٩٩) ح (٥٨٧٣)، ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير (١٧/ ١٨٤) ح (٢٨٤١).
(٢) صحيح مسلم: كتاب البر والصله، باب: النهي عن ضرب الوجه (١٦/ ٤٠٤)، (٢٦١٢).
[ ١١٤ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم -رحمهم الله تعالى- في هذا الحديث وما في معناه، وعلى أي شيء يعود الضمير في قوله -ﷺ-: (خلق الله آدم على صورته)، وجملة الخلاف يعود إلى أربعة أقوال هي كالتالي:
القول الأول: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد على غير الله تعالى: ففي حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) يعود إلى المضروب.
قال الحافظ ابن حجر: "واختلف في الضمير على من يعود؟ فالأكثر على أنه يعود على المضروب لما تقدم من الأمر بإكرام وجهه، ولولا أن المراد التعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها" (^١).
ولعل مراد الحافظ رحمه الله تعالى بقوله "فالأكثر " أي: أكثر أهل التأويل كابن حبان والبيهقي (^٢) والقاضي عياض (^٣)
_________________
(١) الفتح (٥/ ١٨٣)، وانظر: وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٠٣).
(٢) انظر: الأسماء والصفات (٢/ ٦٣). والبيهقي هو: الإمام الحافظ العلامة أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي الشافعي صاحب التصانيف، لزم الحاكم مدة فأخذ عنه وعن غيره، كتب الحديث وحفظه في صباه، وتفقه وبرع، وارتحل إلى العراق والجبال والحجاز، توفي ﵀ سنة (٤٥٨ هـ)، وله مصنفات عديدة منها: شعب الإيمان وكتاب الأسماء والصفات وكتاب البعث والنشور. [انظر: وفيات الأعيان (١/ ٩٦)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٣٢)، والعبر (٢/ ٣٠٨)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٠٤)].
(٣) انظر: إكمال المعلم (٨/ ٩٠ - ٩١)، والقاضي عياض هو: عياض بن موسى بن =
[ ١١٥ ]
والقرطبي (^١) وغيرهم.
قال ابن حبان ﵀ تعليقًا على حديث: (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته): "يريد صورة المضروب؛ لأن الضارب إذا ضرب وجه أخيه المسلم ضرب وجهًا خلق الله آدم على صورته" (^٢).
أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَلَا يُعْرَفُ هذا القَوْل عَن أحَدٍ مِنْهُمْ سِوى ابن خزيمة وابن منده (^٣) عليهما رحمة الله.
قال ابن خزيمة: "توهم بعض من لم يتحر العلم أن قوله: (على صورته) يريد صورة الرحمن عز ربنا وجل عن أن يكون هذا معنى الخبر، بل معنى قوله: (خلق آدم على صورته): الهاء في هذا الموضع كناية عن
_________________
(١) = عياض بن عمرو بن موسى اليحصبي الأندلسي، الإمام العلامة الحافظ كان من أهل العلم والتفنن والذكاء والفهم، تولى القضاء فترة طويلة حمدت سيرته فيها، توفي سنة (٥٤٤ هـ) وله من المصنفات: إكمال المعلم بفوائد مسلم، ومشارق الأنوار في تفسير غريب الحديث، وغيرهما. [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٤٢٤)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٠٤)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٢)].
(٢) انظر: المفهم (٦/ ٥٩٧). والقرطبي هو: العلامة المحدث أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري القرطبي المالكي، كان من كبار الأئمة، توفي ﵀ بالإسكندرية سنة (٦٥٦ هـ) له مؤلفات من أشهرها: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم. [انظر: تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٤٨)، والعبر (٣/ ٢٧٨)، وشذرات الذهب (٥/ ٢٧٣)].
(٣) صحيح ابن حبان (١٢/ ٤٢٠ - ٤٢١).
(٤) انظر: التوحيد (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤). وابن منده هو: الحافظ الجوَّال محدث العصر أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني، صاحب التصانيف طوَّاف الدنيا، سمع من ألف وسبعمائة شيخ، توفي ﵀ سنة (٣٩٥ هـ) له مؤلفات عديدة منها: كتاب التوحيد، والرد على الجهمية وغيرها. [انظر: تذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٣١)، والعبر (٢/ ١٨٧)، وشذرات الذهب (٣/ ١٤٦)].
[ ١١٦ ]
اسم المضروب والمشتوم، أراد -ﷺ-: أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب الذي أُمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب، والذي قبح وجهه، فزجر -ﷺ- أن يقول: (ووجه من أشبه وجهك) (^١)؛ لأن وجه آدم شبيه وجوه بنيه، فإذا قال الشاتم لبعض بني آدم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، كان مقبحًا وجه آدم صلوات الله عليه وسلامه الذي وجوه بنيه شبيهة بوجه أبيهم، فتفهموا -رحمكم الله- معنى الخبر: ولا تغلطوا ولا تغالطوا فتضلوا عن سواء السبيل، وتحملوا على القول: بالتشبيه الذي هو ضلال" (^٢).
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - التعليل في قوله -ﷺ-: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) رواه مسلم (^٣). فقوله: (فإن الله خلق آدم على صورته) بيان لسبب النهي عن ضرب الوجه، وهو أن آدم ﵇ خُلِقَ على صورة المضروب، ولذلك عنون ابن حبان على هذا الحديث بقوله: "ذكر العلة التي من أجلها زُجر عن هذا الفعل" (^٤).
وقال البيهقي: "وإنما أراد -والله أعلم- فإن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب" (^٥).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "ولولا أن المراد التعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها" (^٦).
٢ - حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: (إذا ضرب أحدكم
_________________
(١) سيأتي تخريجه قريبا.
(٢) التوحيد (١/ ٨٤).
(٣) تقدم تخريجه ص (١١٤).
(٤) صحيح ابن حبان (١٢/ ٤١٩).
(٥) الأسماء والصفات (٢/ ٦٣).
(٦) الفتح (٥/ ١٨٣)، وانظر: شرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٠٣).
[ ١١٧ ]
فليجتنب الوجه، ولا يقل: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله ﷿ خلق آدم على صورته) (^١).
قال الحافظ ﵀ تعليقًا على هذا الحديث: "وهو ظاهر في عود الضمير على المقول له ذلك" (^٢).
وتقدم استدلال ابن خزيمة ﵀ بهذا الحديث.
٣ - أن حمل الحديث على ظاهره يقتضي التشبيه.
قال ابن خزيمة رحمه الله تعالى عن هذه الأحاديث: "تأولها بعض من لم يتحر العلم على غير تأويلها، ففتن عَالَمًا من أهل الجهل والغباوة صلهم الجهل -بمعنى: الخبر- على القول: بالتشبيه، جل وعلا عن أن يكون وجه خلق من خلقه مثل وجهه، الذي وصفه الله بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه" (^٣).
وتقدم قوله ﵀: "فتفهموا -رحمكم الله- معنى الخبر، ولا تغلطوا ولا تغالطوا فتضلوا عن سواء السبيل، وتحملوا على القول: بالتشبيه الذي هو ضلال" (^٤).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده في موضعين (١٢/ ٣٨٢) ح (٧٤٢٠)، و(١٥/ ٣٧١) ح (٩٦٠٤)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٣٠) ح (٥٢٠)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٨٢) ح (٣٧)، والدارقطني في الصفات (٥٦) ح (٤٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٧٠) ح (٧١٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٦٣) ح (٦٣٩)، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند (١٣/ ١٥٢)، وقال الألباني في ظلال الجنة (١/ ٢٣٠): "إسناده حسن صحيح". وأخرجه -بدون قوله: (إذا ضرب أحدكم الوجه) -: الحميدي في مسنده (٢/ ٤٧٦) ح (١١٢٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٧١) ح (١٧٣)، وابن مندة في التوحيد (١/ ٢٢٣) ح (٨٤)، وقال: "هذا إسناد مشهور متصل صحيح، وابن عجلان أخرج عنه مسلم والنسائي والجماعة إلا البخاري".
(٢) الفتح (٥/ ١٨٣).
(٣) التوحيد (١/ ٨١).
(٤) التوحيد (١/ ٨٥).
[ ١١٨ ]
وأما حديث: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا )، متفق عليه (^١).
فقد جعلوا الضمير فيه عائدًا إلى آدم ﵇ (^٢)، كما قال به أبو ثور (^٣) وابن خزيمة والخطابي (^٤) وأبو الشيخ الأصبهاني (^٥) وابن مندة (^٦) والبيهقي، -فقد نقل قول الخطابي وأقره عليه (^٧) - والقاضي عياض (^٨) والقرطبي (^٩)، واحتمله ابن حجر (^١٠) وعزاه ابن قتيبة إلى أهل
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (١١٤).
(٢) انظر: المعلم للمازري (٣/ ١٧١)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٠٣)، وفتح الباري (١١/ ٣).
(٣) هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي، صاحب الإمام الشافعي، وناقل الأقوال القديمة عنه، وكان أحد الفقهاء الأعلام، والثقات المأمونين في الدين، له مصنفات جمع فيها بين الحديث والفقه، وكان أول اشتغاله بمذهب أهل الرأي، حتى قدم الشافعي العراق فاختلف إليه ورجع عن الرأي إلى الحديث، توفي ﵀ سنة ست وأربعين ومائتين (٢٤٦ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٦/ ٦٣)، ووفيات الأعيان (١/ ٥٣)، والسير (١٢/ ٧٢)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥١٢)، والعبر (١/ ٣٣٩)، وشذرات الذهب (٢/ ٩٣)].
(٤) هو الإمام العلامة الحافظ اللغوي أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي، صاحب التصانيف، كان يُشبه في عصره بأبي عبيد القاسم بن سلام علمًا وأدبًا وزهدًا وورعًا وتدريسًا وتأليفًا، توفي ﵀ سنة (٣٨٨ هـ) له تصانيف عديدة منها: معالم السنن، وغريب الحديث، وأعلام الحديث في شرح صحيح البخاري. [انظر: وفيات الأعيان (٢/ ١٨٤)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠١٨)، والسير (١٧/ ٢٣)].
(٥) انظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٣٩٦).
(٦) انظر: كتاب التوحيد له (١/ ٢٢٣).
(٧) انظر: الأسماء والصفات (٢/ ٦١).
(٨) انظر: إكمال المعلم (٨/ ٣٧٤).
(٩) انظر: المفهم (٧/ ١٨٣).
(١٠) انظر: الفتح (٥/ ١٨٣).
[ ١١٩ ]
الكلام (^١)، وهو كما قال (^٢)، فان هذا القول لا يعرف لأحد من أهل السنة غير أبي ثور وابن خزيمة وأبي الشيخ وابن منده عليهم رحمة الله.
قال أبو ثور ﵀: "إنما هو على صورة آدم ليس هو على صورة الرحمن" (^٣).
وقال ابن خزيمة ﵀: "فصورة آدم ستون ذراعًا التي أخبر النبي -ﷺ- أن آدم ﵇ خلق عليها، لا على ما توهم بعض من لم يتحر العلم، فظن أن قوله: (على صورته): صورة الرحمن، صفة من صفات ذاته جل وعلا عن أن يوصف بالموتان والأبشار (^٤)، قد نزه الله نفسه وقدس عن صفات المخلوقين، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] " (^٥).
وقال الخطابي ﵀: "قوله: (خلق الله آدم على صورته)، الهاء: وقعت كناية بين اسمين ظاهرين، فلم يصلح أن تصرف إلى الله ﷿ لقيام الدليل على أنه ليس بذي صورة سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فكان مرجعها إلى آدم، والمعنى: أن ذرية آدم إنما خلقوا أطوارًا، كانوا في مبدأ الخلقة نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم صاروا صورًا أجنة إلى أن تتم مدة
_________________
(١) انظر: تأويل مختلف الحديث (٢٠٤).
(٢) انظر مثلًا: أساس التقديس في علم الكلام للرازي (٧١) فقد عقد فصلًا في تأويل حديث الصورة ذكر فيه أن عود الضمير له ثلاث احتمالات، الثاني منها قال: "أن يكون الضمير عائدًا إلى آدم ﵇، وهذا أولى الوجوه الثلاثة".
(٣) طبقات الحنابلة (٢/ ٨٩ - ٩٠)، وانظر: (٢/ ٣٣٦).
(٤) الموتان: ضد الحيوان، وهو كل شيء غير ذي روح. انظر: تهذيب اللغة (١٤/ ٢٤٤) مادة: (موت)، والأبشار: جمع بشر. انظر: لسان العرب (٤/ ٦٠) مادة (بشر)، وقد ذكر المحقق (١/ ٩) هامش (٦) أن في بعض النسخ: "بالذرعان والأشبار" بدلًا من: "الموتان والأبشار"، ولعل هذا هو الصواب، حيث إن شيخ الإسلام ابن تيمية قد نقل هذا الكلام من كتاب ابن خزيمة فذكره بهذا اللفظ. انظر: ص (١٤٧) من هذا البحث ففيه نقل كلامه.
(٥) التوحيد (١/ ٩٤).
[ ١٢٠ ]
الحمل، فيولدون أطفالًا، وينشؤون صغارًا إلى أن يكبروا فيتم طول أجسامهم، يقول: إن آدم لم يكن خلقه على هذه الصفة، لكنه أول ما تناولته الخلقة وجد خلقًا تامًا طوله ستون ذراعًا" (^١).
واستدل أصحاب هذا التأويل بما يلي:
١ - حديث: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا ).
قال القاضي عياض: "قوله هنا: (طوله ستون ذراعًا) يبين الإشكال ويزيح التشابه ويوضح أن الضمير راجع إلى آدم نفسه" (^٢).
وقال الحافظ ابن حجر بعد ذكره لهذا الحديث: "وهذه الرواية تؤيد قول من قال: إن الضمير لآدم، والمعنى: أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها لم ينتقل في النشأة أحوالًا، ولا تردد في الأرحام أطوارًا كذريته، بل خلقه الله رجلًا كاملًا سويًا من أول ما نفخ فيه الروح ثم عقب ذلك بقوله: (وطوله ستون ذراعًا) فعاد الضمير أيضًا على آدم" (^٣).
٢ - أن حمل الحديث على ظاهره يقتضي التشبيه وهذا ظاهر في استدلال ابن خزيمة ﵀ بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ كما تقدم.
وكذا قول الخطابي في الضمير: "فلم يصلح أن تصرف إلي الله ﷿؛ لقيام الدليل على أنه ليس بذي صورة سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ " (^٤).
فالحامل لهم على هذا التأويل هو الفرار من التشبيه.
القول الثاني: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وأن إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وعلى هذا جمهور أهل السنة، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية -وهو ممن
_________________
(١) أعلام الحديث (٣/ ٢٢٢٧).
(٢) إكمال المعلم (٨/ ٣٧٤)، وانظر: التوحيد لابن خزيمة (١/ ٩٣ - ٩٤).
(٣) الفتح (٦/ ٣٦٦).
(٤) تقدم قريبًا في ص (١٢٠).
[ ١٢١ ]
انتصر لهذا القول وأطال الكلام جدًا على هذا الحديث (^١) -قال: "هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك" (^٢).
وممن أشار إلى هذا القول -أيضًا- وأثبت صفة الصورة لله تعالى بهذا الحديث:
إسحاق بن راهويه والإمام أحمد، فعن إسحاق الكوسج (^٣) أنه قال: قلت لأحمد: (لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورته) (^٤)، أليس تقول بهذه الأحاديث؟ قال أحمد: صحيح.
_________________
(١) في كتابه الذي يرد فيه على الرازي واسمه: (بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) أو (نقض تأسيس الجهمية)، وقد طبع منه مجلدان كبيران بهذا العنوان، وأما بقية الكتاب فلا يزال مخطوطًا، وقد قام عدد من الباحثين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بتحقيق الكتاب كاملًا، لكنه لم يطبع بعد. وكلام ابن تيمية عن هذا الحديث في هذه البقية التي لم تطبع، وقد لخصه الشيخ حمود التويجري ﵀ في كتابه: (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن).
(٢) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس، تحقيق د. عبد الرحمن اليحيى (٢/ ٣٩٦).
(٣) هو أبو يعقوب إسحاق بن منصور بن بهرام المروزي، نزيل نيسابور، إمام فقيه حافظ حجة، طلب العلم ودوَّنه، وبرع واشتهر، وهو الذي دوَّن المسائل في الفقه عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، توفي ﵀ سنة إحدى وخمسين ومائتين (٢٥١ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٦/ ٣٦٠)، وطبقات الحنابلة (١/ ٣٠٣)، والسير (١٢/ ٢٥٨)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٢٤)، وتقريب التهذيب (١/ ٨٥)، وشذرات الذهب (٢/ ١٢٣)].
(٤) أخرجه بهذا اللفظ -عن ابن عمر- ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٢٩) ح (٥١٨)، والدارقطني في الصفات (٥٦) ح (٤٥)، وقال الألباني في ظلال الجنة: "حديث صحيح وإسناده ضعيف". وأخرجه الآجري في الشريعة (٣/ ١١٥١) ح (٧٢٢) من طريق أبي هريرة -﵁-.
[ ١٢٢ ]
وقال ابن راهويه: "صحيح ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي" (^١).
وسئل الإمام أحمد فقيل له: يا أبا عبد الله: الحديث الذي رُوي عن النبي -ﷺ-: (أن الله خلق آدم على صورته) على صورة آدم؟ فقال: فأين الذي يروى عن النبي -ﷺ-: (أن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن ﷿)؟ وأي صورةٍ كانت لآدم قبل أن يخلق؟ (^٢).
وصرح الإمام أحمد ﵀ بأن القول: بإعادة الضمير على آدم أو على
_________________
(١) رواه الآجري في الشريعة (٣/ ١١٢٧) ح (٦٩٧)، وابن بطة في الإبانة (المختار ٢٦٦) ح (١٩٧)، واللفظ له وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٩٧)، وانظر: إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ٨١)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣)، وفتح الباري (٥/ ١٨٣).
(٢) انظر: إبطال التأويلات (١/ ٨٨، ٩٠). تنبيه: روي عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال في معنى حديث: (إن الله خلق آدم على صورته): "صوَّر آدم قبل خلقه ثم خلقه على تلك الصورة، فأما أن يكون الله خلق آدم على صورته فلا، وقد قال الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ولا نقول: إن الله يشبهه شيء من خلقه، ولا يخفى على الناس أن الله خلق آدم على صورة آدم"، ولكن هذه الرواية باطلة لا تصح عن الإمام أحمد ﵀، إذ إن جميع الروايات عنه ﵀في هذا الباب- ترد هذه الرواية وتبطلها، كيف وقد جعل الإمام أحمد ﵀ هذا التأويل من تأويلات الجهمية كما سيأتي. وقد نقل هذه الرواية أبو يعلى الفراء في إبطال التأويلات (١/ ٨٩ - ٩٠) ثم قال: "قال أبو طالب المكي: هذا توهم عن أحمد، إنما هذا قول أبي ثور، فذُكر ذلك لأحمد فأنكر عليه وقال: ويله وأي صورة كانت لآدم حتى خلقه عليها؟ يقول: إن الله خلق على مثال! ويله فكيف يصنع بالحديث الآخر: (أن الله خلق آدم على صورة الرحمن). فهذا هو المحفوظ من قول أحمد، وإنما التبس القولان فنسب ذلك إلى أحمد، لأن أبا ثور كان سئل عن قوله: (خلق آدم على صورته) فقال: الهاء عائدة على آدم". وذكر هذه الرواية الذهبي في الميزان (٢/ ٣٧٤)، ووصف الراوي لها بأنه قد أتى بشيء منكر.
[ ١٢٣ ]
الرجل المضروب: قول الجهمية (^١).
فقال ﵀: "من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة لآدم قبل أن يخلقه" (^٢).
وقال عبد الله (^٣) بن الإمام أحمد: "قال رجل لأبي: إن فلانًا يقول في حديث رسول الله -ﷺ-: (إن الله خلق آدم على صورته)، فقال: على صورة الرجل! قال أبي: كذب هذا، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا؟ " (^٤).
وممن قال بهذا القول -أيضًا- الآجري (^٥) ﵀، فقد عقد بابًا
_________________
(١) الجهمية: هم أتباع جهم بن صفوان وهو من الجبرية الخالصة، حيث زعم أنه لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على سبيل المجاز، وزعم أيضًا أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، وأنه لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه، وقال بنفي أسماء الله تعالى وصفاته، ظهرت بدعته بترمذ وقتله سلم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بني أمية. [انظر: مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (١/ ٣٣٨، ٢١٤)، والفرق بين الفرق للبغدادي (١٩٤)، وأصول الدين للبغدادي أيضًا (٣٣٣)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٦)].
(٢) رواه ابن بطة في الإبانة (المختار ٢٦٦) ح (١٩٨)، وانظر: إبطال التأويلات (١/ ٧٥، ٨٨)، وطبقات الحنابلة (٢/ ٣٣٦)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٣٥).
(٣) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي، الإمام الحافظ الناقد المحدِّث، روى عن أبيه شيئًا كثيرًا، من جملته: المسند كله، والزهد، وله كتاب السنة، وكان ثقة ثبتًا فهمًا، توفي ﵀ سنة تسعين ومائتين (٢٩٠ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٣٨٢)، والسير (١٣/ ٥١٦)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٦٥)، وتقريب التهذيب (١/ ٤٧٧)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٠٣)].
(٤) إبطال التأويلات (١/ ٨٨).
(٥) هو الإمام المحدث الفقيه الشافعي أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري البغدادي، كان عالمًا عابدًا صاحب سنة واتباع، انتقل إلى مكة وجاور بها، وبها توفي ﵀ سنة (٣٦٠ هـ)، وله عدة تصانيف أشهرها: كتاب الشريعة. [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٢٣٩)، ووفيات الأعيان (٤/ ١١٣)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ٩٣٦)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٥)].
[ ١٢٤ ]
بعنوان: "الإيمان بأن الله ﷿ خلق آدم على صورته بلا كيف" (^١)، ثم ساق هذا الحديث بطرق متعددة، ثم قال: "هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يُقال فيها: كيف؟ ولِمَ؟ بل تستقبل بالتسليم والتصديق وترك النظر" (^٢).
وأيضًا قال بهذا القول ابن قتيبة (^٣)، وأبو يعلى الفراء (^٤)، وأبو إسماعيل الهروي (^٥)، فقد عقد بابًا بعنوان: "إثبات الصورة له ﷿" (^٦)، ثم ساق تحته حديث أبي هريرة: (خلق الله آدم على صورته).
وكذا قوام السنة إسماعيل التيمي الأصبهاني (^٧)، والشيخ عبد الله أبو بطين (^٨)، وعبد العزيز بن باز (^٩)، ومحمد العثيمين (^١٠)، عليهم رحمة الله.
_________________
(١) الشريعة (٣/ ١١٤٧).
(٢) الشريعة (٣/ ١١٥٣).
(٣) انظر: تأويل مختلف الحديث (٢٠٦).
(٤) انظر: إبطال التأويلات (١/ ٨١).
(٥) هو شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي بن الهروي الصوفي الحافظ أحد الأعلام، كان جذعًا في أعين المبتدعة، وسيفًا على الجهمية، وقد امتحن مرَّات وصنف عدة مصنفات، وكان شيخ خراسان في زمانه بلا مدافع، توفي ﵀ سنة (٤٨١ هـ) له عدة مؤلفات منها: ذم الكلام وأهله، والأربعين في دلائل التوحيد. [انظر: السير (١٨/ ٥٠٣)، والعبر (٢/ ٣٤٣)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٦٥)].
(٦) الأربعين في دلائل التوحيد (٦٣).
(٧) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٣١٠ - ٣١١).
(٨) انظر: الدرر السنية (٣/ ٢٦٠ - ٢٦٤)، وأبو بطين هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز العائذي، الملقب بأبي بطين، فقيه الديار النجدية في عصره، وأحد تلامذة الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، تولى القضاء في عدد من المناطق، وله عدة مؤلفات منها: الانتصار، وتأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس، توفي ﵀ في شقراء سنة ألف ومائتين واثنتين وثمانين (١٢٨٢ هـ). [انظر: علماء نجد (٤/ ٢٢٥)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٢٥٢)، والأعلام (٤/ ٩٧)].
(٩) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة له، جمع وترتيب د/ محمد الشويعر (٦/ ٣٥٣).
(١٠) انظر: شرح العقيدة الواسطية (١/ ١٠٨ - ١١٠).
[ ١٢٥ ]
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - ظاهر النصوص السابقة والتي فيها قوله -ﷺ-: (خلق الله آدم على صورته)، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، وذلك بإرجاع الضمير إلى الله تعالى.
وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى عند هذا الحديث: "وإذا ثبتت صحته فغير ممتنع الأخذ بظاهره من غير تفسير ولا تأويل" (^١).
وسئل ﵀ عن هذا الحديث فقال: "لا نفسره كما جاء الحديث" (^٢).
قال القاضي أبو يعلى تعليقًا على هذا الكلام: "فقد صرح بالقول: بالأخذ بظاهره، والكلام فيه في فصلين:
أحدهما: جواز إطلاق تسمية الصورة عليه سبحانه
الفصل الثاني: في إطلاق القول: بأنه خلق آدم على صورته وأن الهاء راجعة على الرحمن" (^٣).
وسئل الإمام أحمد -أيضًا- عن هذا الحديث فقال: "نقول كما جاء الحديث" (^٤).
٢ - حديث ابن عمر -﵄- قال: قال النبي -ﷺ-: (لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن).
فقالوا: هذا نص صحيح صريح غير قابل للتأويل (^٥).
_________________
(١) إبطال التأويلات (١/ ٧٩).
(٢) إبطال التأويلات (١/ ٧٩ - ٨٠)، وانظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤).
(٣) إبطال التأويلات (١/ ٨٠ - ٨١).
(٤) رواه ابن بطة في الإبانة (المختار ٢٦٤) ح (١٩٦)، وانظر: المنتخب من العلل للخلال، لابن قدامة المقدسي (٢٦٥ - ٢٦٧)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٣٥).
(٥) انظر: عقيدة أهل الإيمان (٤٠).
[ ١٢٦ ]
ولأهمية هذا الحديث في هذا الباب وكونه فيصلًا وقاطعًا للنزاع في هذه المسألة، فقد أثار نقاشًا واسعًا، خاصة بين بعض العلماء المعاصرين (^١).
وفيما يلي توضيح وبيان لهذا الحديث بشيء من التوسع فأقول:
جاء هذا الحديث من طريقين: أحدهما موصول والآخر مرسل:
أما الموصول فهو من رواية الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم ) (^٢).
_________________
(١) كتب الشيخ حماد بن محمد الأنصاري ﵀ مقالة -في مجلة الجامعة السلفية في ذي القعدة سنة (١٣٩٦) المجلد الثامن العدد الرابع- بعنوان: "تعريف أهل الإيمان بصحة حديث صورة الرحمن"، صحح فيه هذا الحديث ورد على ابن خزيمة في تعليله له، ونقل هذه المقالة: الدكتور علي بن ناصر الفقيهي في هامش كتاب الصفات للدارقطني بتحقيقه (٥٨ - ٦٢). فكتب الشيخ الألباني رحمه الله تعالى ردًا على هذه المقالة، وذلك في ذيل تضعيفه لهذا الحديث ونصرته لتعليل ابن خزيمة ﵀، في سلسلة الأحاديث الضعيفة (٣/ ٣١٩). فكتب الشيخ حمود التويجري ﵀ رسالة بعنوان: "عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن"، رد فيها على تضعيف ابن خزيمة والألباني لهذا الحديث. ثم كتب الشيخ عبد الله الدويش ﵀ رسالة بعنوان: "دفاع أهل السنة والإيمان عن حديث خلق الله آدم على صورة الرحمن" رد فيها على ابن خزيمة ﵀ وكذا على الألباني في رده على الشيخ حماد الأنصاري. رحم الله الجميع، وأسكنهم فسيح جناته، فكلهم ناشد للحق، حريص على السنة، ذاب عن حياض العقيدة، نحسبهم كذلك والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحدًا.
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٢٨) ح (٥١٧)، وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة (١/ ٢٦٨) ح (٤٩٨)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٨٥) ح (٤١)، والآجري في الشريعة (٣/ ١١٥٢) ح (٧٢٥)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٢٩) ح (١٣٥٨٠)، وابن بطة في الإبانة (المختار ٢٤٤) ح (١٨٥)، وكذا في (٢٦٠) =
[ ١٢٧ ]
وأما المرسل فهو من رواية سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء: قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا يقبح الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن) (^١).
وقد اختلف أهل العلم في هذا الحديث بين مصحح ومضعف:
فممن صححه: إسحاق بن راهويه (^٢) وأحمد (^٣)، والحاكم (^٤)، وابن تيمية (^٥)، والذهبي (^٦)، وابن حجر (^٧).
_________________
(١) = ح (١٩٠)، و(٢٦٢) ح (١٩٣)، والدارقطني في الصفات (٦٤) ح (٤٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٦٤) ح (٦٤٠)، والحاكم في مستدركه (٢/ ٣٤٩) ح (٣٢٤٣)، وأبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٩٦) ح (٨١).
(٢) أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (١/ ٨٦) ح (٤٢)، وصحح إسناده الألباني في ظلال الجنة (١/ ٢٢٩).
(٣) حيث قال ﵀: "قد صح عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: (إن آدم خلق على صورة الرحمن) " إبطال التأويلات (١/ ٨١)، وانظر: المنتخب من العلل للخلال، لابن قدامة (٢٦٥)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٣٧)، والميزان للذهبي (٤/ ٩٦)، وفتح الباري (٥/ ١٨٣).
(٤) قال إسحاق الكوسج: سمعت أحمد بن حنبل يقول: "هذا الحديث صحيح" ميزان الاعتدال (٤/ ٩٦)، وانظر: الفتح (٥/ ١٨٣)، وإبطال التأويلات (١/ ٩٢).
(٥) حيث قال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" المستدرك (٢/ ٣٤٩)، ووافقه الذهبي.
(٦) انظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٦٣)، وعقيدة أهل الإيمان (٢٦)، ودفاع أهل السنة للدويش (٥٠).
(٧) حيث قال عن هذا الحديث "وصح أيضًا من حديث ابن عمر" السير (٥/ ٥٤٠).
(٨) حيث قال عن هذه الزيادة (على صورة الرحمن): "الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في السنة والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات" الفتح (٥/ ١٨٣)، وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي (٨/ ١٠٦). وصحح الحديث -أيضًا- الشيخ حماد الأنصاري في مقالته: "تعريف أهل الإيمان بصحة حديث صورة الرحمن"، وهي مطبوعة في هامش كتاب الصفات للدارقطني (٥٨) بتحقيق الفقيهي. =
[ ١٢٨ ]
وأما الذين ضعفوه فعلى رأسهم ابن خزيمة، والمازري (^١)، والألباني، عليهم رحمة الله.
أما ابن خزيمة فقد وجه إلى هذا الحديث ثلاث علل، وزاد عليها الألباني علة رابعة وهي كالتالي:
العلة الأولى: أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده، فأرسل الثوري ولم يقل: عن ابن عمر.
والعلة الثانية: أن الأعمش مدلس ولم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت.
والعلة الثالثة: أن حبيب بن أبي ثابت مدلس أيضًا ولم يعلم أنه سمعه من عطاء.
وأما العلة الرابعة التي ذكرها الألباني فهي: أن جرير بن عبد الحميد -راوي هذا الحديث عن الأعمش- قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ (^٢).
وقد أجاب أهل العلم عن هذا التعليل بجوابين: أحدهما مجمل، والآخر مفصل:
أما المجمل فهو: أن تضعيف ابن خزيمة ﵀ مقابل بتصحيح غيره كإسحاق وأحمد عليهما رحمة الله، وهما أعلم بالأسانيد والعلل منه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الحديث: "قد صححه إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل، وهما أجل من ابن خزيمة باتفاق الناس" (^٣).
_________________
(١) = وكذا الشيخ عبد الله الدويش في رسالته: "دفاع أهل السنة والإيمان عن حديث خلق آدم على صورة الرحمن" ص (٨).
(٢) انظر: المعلم (٣/ ١٦٩)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٠٣)، وفتح الباري (٥/ ١٨٣).
(٣) انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة (٣/ ٣١٧).
(٤) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٥٨ - ٤٥٩).
[ ١٢٩ ]
وأما الجواب المفصل: فهو بتتبع هذه العلل، الواحدة تلو الأخرى والجواب عنها:
أما العلة الأولى وهي: كون الثوري قد خالف الأعمش في إسناده، حيث أرسله ولم يصله كما فعل الأعمش.
فالجواب عنها: أن مخالفة الثوري للأعمش لا تضر ولا تؤثر لأن الأعمش ثقة حافظ، وكان يسمى المصحف من صدقه، قال فيه يحيى القطان (^١): هو علامة الإسلام، وقال ابن عيينة (^٢): سبق الأعمش أصحابه بأربع خصال: كان أقرأهم للقرآن وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، وذكر خصلة أخرى، وقال شعبة (^٣): ما شفاني أحد من الحديث ما شفاني الأعمش، وقال ابن عمار (^٤): ليس في المحدثين أحد
_________________
(١) هو يحيى بن سعيد بن فرُّوخ التميمي مولاهم أبو سعيد القطان البصري، إمام متقن حافظ، عُني بالحديث ورحل فيه، وساد الأقران، وانتهى إليه الحفظ، وتكلَّم في العلل والرجال، وتخرج به الحفاظ، توفي ﵀ سنة ثمان وتسعين ومائة (١٩٨ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ١٤٠)، والسير (٩/ ١٧٥)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٩٨)، وتقريب التهذيب (٢/ ٣٠٣)، وشذرات الذهب (١/ ٣٥٥)] ..
(٢) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه إمام حجة، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، وقد اتفقت الأئمة على الاحتجاج به لحفظه وأمانته، أدرك نيفًا وثمانين نفسًا من التابعين، انتهى إليه علو الإسناد، ورُحل إليه من البلاد، توفي ﵀ سنة (١٩٨ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٩/ ١٧٣)، ووفيات الأعيان (٢/ ٣٢٦)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٦٢)، والسير (٨/ ٤٥٤)، وتقريب التهذيب (١/ ٣٧١)].
(٣) هو الإمام الحافظ شعبة بن الحجاج بن الورد أبو بسطام الأزدي العتكي مولاهم الواسطي، عالم أهل البصرة وشيخها، وأمير المؤمنين في الحديث، كان من أوعية العلم، لا يتقدمه أحد في الحديث في زمانه، وهو أوَّل من فتَّش بالعراق عن الرجال، وذبَّ عن السنة، وكان عابدًا زاهدًا، توفي ﵀ سنة (١٦٠ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٢٥٥)، ووفيات العيان (٢/ ٣٨٨)، والسير (٧/ ٢١٢)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٩٣)، وتقريب التهذيب (١/ ٤١٨)].
(٤) هو أبو الفضل محمد بن أبي الحسين أحمد بن محمد بن عمَّار الجارودي =
[ ١٣٠ ]
أثبت من الأعمش (^١).
فمخالفة الثوري للأعمش لا تُعِلُّ حديثه؛ لأن معه زيادة علم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ (^٢).
ثم إنه ليس بين الطريقين -الموصول والمرسل- اختلاف؛ لأن المرسل قد بينه الموصول فهو مفسر له، فالطريق التي فيها رواية عطاء عن النبي -ﷺ- مباشرة -دون ذكر ابن عمر- قد بينتها الطريق الأخرى والتي فيها رواية عطاء عن ابن عمر عن النبي -ﷺ-.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من المعلوم أن عطاء بن أبي رباح إذا أرسل هذا الحديث عن النبي -ﷺ-، فلا بد أن يكون قد سمعه من أحد، وإذا كان في إحدى الطريقين قد بين أنه أخذه عن ابن عمر كان هذا بيانًا وتفسيرًا لما تركه وحذفه من الطريق الأخرى، ولم يكن هذا اختلافًا أصلًا" (^٣).
وأما العلة الثانية وهي: تدليس الأعمش فإنها لا تؤثر في صحة الإسناد؛ لأن الأعمش معدود في الطبقة الثانية من المدلسين، وهم الذين احتمل الأئمة تدليسهم وأخرجوا لهم في الصحيح، لإمامتهم وقلة تدليسهم في جنب ما رووا كالثوري أو لأنهم لا يدلسون إلا عن ثقات كابن عيينة، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في كتابه: "تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس" (^٤).
ثم إن الثوري قد تابع الأعمش في رواية هذا الحديث عن حبيب بن
_________________
(١) = الهروي، إمام حافظ ناقد مجوِّد، من أقران الطبراني وابن عدي، ويُعرف بابن عمار الشهيد، لأنه قتل في الحرم على يد القرامطة سنة (٣١٧ هـ). [انظر: السير (١٤/ ٥٣٨)، والعبر (١/ ٤٧٥)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٧٥)].
(٢) انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٤ - ١٢)، وسير أعلام النبلاء (٦/ ٢٤٦، ٢٣٢).
(٣) انظر: عقيدة أهل الإيمان (٢٢)، ودفاع أهل السنة والإيمان (٩).
(٤) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٥٩).
(٥) انظر: ص (٢٣، ٦٧).
[ ١٣١ ]
أبي ثابت كما هو عند ابن خزيمة في كتاب التوحيد -وقد تقدم- إلا أنه مرسل (^١) وقد صحح الألباني إسناده (^٢).
وأما العلة الثالثة: وهي تدليس حبيب بن أبي ثابت، فإنه وإن كان معروفًا بالتدليس (^٣)، إلا أن الذي يترجح في روايته هذه أنه لم يدلس فيها وأنه قد سمعه من عطاء وإن لم يصرح بذلك، ويدل على ذلك أنه كان يروى عن ابن عمر -﵄- مباشرة، فلو كان قد دلس في هذا الحديث لكان جديرًا أن يرويه عن ابن عمر -﵄- بدون واسطة ليحصل له بذلك علو الإسناد، ولكن لما رواه عن عطاء عن ابن عمر -﵄- دلَّ ذلك على أنه لم يدلس في روايته (^٤)، وقد قال فيه يحيي بن معين (^٥): ثقة حجة.
وقال الذهبي: وهو ثقة بلا تردد (^٦).
ثم إن حديث أبي هريرة -الآتي قريبًا- يعضده ويقويه ويشهد له.
وأما العلة الرابعة والتي ذكرها الألباني ﵀ وهي: أن جرير بن عبد الحميد قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ.
فالجواب عنها أن يقال: "إن هذا الحديث قد رواه عن جرير أئمة حفاظ مثل إسحاق بن راهوية وقد جزم بصحة الحديث، وأبي معمر
_________________
(١) انظر: عقيدة أهل الإيمان (٢٢)، ودفاع أهل السنة (٩).
(٢) كما في ظلال الجنة (١/ ٢٢٩).
(٣) انظر: تقريب التهذيب (١/ ١٨٣).
(٤) انظر: عقيدة أهل الإيمان (٢٣)، ودفاع أهل السنة (٩).
(٥) هو الإمام يحيى بن معين المري مولاهم البغدادي، أحد الأعلام وحجة الإسلام وسيد الحفاظ وإمام الجرح والتعديل، حديثه في الكتب الستة، كان بينه وبين الإمام أحمد مودة واشتراك في طلب الحديث ورجاله، وروى عنه الإمام أحمد له مناقب كثيرة وفضائل شهيرة، توفي ﵀ بالمدينة سنة (٣٢٣ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ١٨١)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٢٩)، وتقريب التهذيب (٢/ ٣١٦)، وشذرات الذهب (٢/ ٧٩)].
(٦) السير (٥/ ٢٩٠ - ٢٩١).
[ ١٣٢ ]
وإسماعيل بن موسى وهارون بن معروف ونحوهم، ولم يذكر أحد منهم أنه أخطأ فيه، بل رووه قابلين له وتلقاه عنهم العلماء بالقبول، فهذا برهان واضح أن جريرًا قد حفظه، هذا لو لم يروه غير جرير، فكيف وقد رواه عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن حبيب عن عطاء إلا أنه أرسله؟ ! " (^١).
ويشهد لهذا الحديث: ما رواه أبو هريرة -﵁- والذي جاء من وجهين:
أحدهما: من طريق ابن لهيعة عن أبي يونس سليم بن جبير عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن) (^٢).
والثاني: من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورة وجهه) (^٣).
_________________
(١) دفاع أهل السنة (١٠ - ١١).
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٣٠) ح (٥٢١)، وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة (٢/ ٥٣٦) ح (١٢٤٣)، والدارقطني في الصفات (٦٥) ح (٤٩)، وفيه رواه ابن لهيعة عن الأعرج، وأخرجه -أيضًا- أبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٩٦) ح (٨٢)، وقال الألباني في ظلال الجنة (٢٣٠): "إسناده ضعيف، ورجاله ثقات غير ابن لهيعة فإنه سيء الحفظ".
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٢٧) ح (٥١٦)، وقال الألباني في ظلال الجنة: "إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين غير شيخ المصنف وهو ثقة لكني في شك من ثبوت قوله: (على صورة وجهه) فإن المحفوظ في الطرق: (على صورته) " ا. هـ قلت: لا وجه لهذا الشك وقد حكم على إسناده بالصحة، وليس في هذه الرواية ما يخالف الرواية الأخرى: (على صورته). قال الشيخ عبد الله الدويش تعليقًا على هذا الكلام للألباني: "قلت: سعيد ثقة حافظ فلا يرد حديثه بمثل هذا التوهم، وهذه اللفظة لا تخالف ما ثبت من قوله (على صورته) لأن الضمير يعود على الله كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في =
[ ١٣٣ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀وهو يتكلم على حديث ابن عمر-: "وأيضًا فقد روي بهذا اللفظ من طريق أبي هريرة، والحديث المروي من طريقين مختلفين لم يتواطأ رواتهما، يؤيد أحدهما الآخر ويستشهد به ويعتبر به، بل قد يفيد ذلك العلم، إذ الخوف من تعمد الكذب أو من سوء الحفظ، فإذا كان الرواة ممن يعلم أنهم لا يتعمدون الكذب، أو كان الحديث ممن لا يُتواطأ في العادة على اتفاق الكذب على لفظه، لم يبق إلا سوء الحفظ، فإذا كان قد حفظ كل منهما مثل ما حفظ الآخر، كان ذلك دليلًا على أنه محفوظ" (^١).
بل أشار شيخ الإسلام إلى أن عطاء لو لم يذكره إلا مرسلًا لكان فيه كفاية؛ لأنه من أجلِّ التابعين قدرًا، فإنه هو وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي والحسن البصري أئمة التابعين في زمانهم، وجزمه بهذا الخبر العلمي عن النبي -ﷺ- في مثل هذا الباب دليل على ثبوته عنده (^٢).
تنبيه:
أشار بعض أهل العلم كابن فورك (^٣)، والبيهقي (^٤)، والمازري (^٥)،
_________________
(١) = رده على الرازي وأبطل قول من جعل الضمير يعود على آدم أو غيره من المخلوقين من وجوه كثيرة، من تأملها لم يبق عنده شبهة وشك في أن الضمير يعود على الله" دفاع أهل السنة (١١ - ١٢)، وانظر: عقيدة أهل الإيمان (٢٧ - ٢٨).
(٢) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٦١ - ٤٦٢).
(٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٥٩).
(٤) انظر: مشكل الحديث (٤٣).
(٥) انظر: الأسماء والصفات (٢/ ٦٤).
(٦) المعلم (٣/ ١٦٩)، والمازري هو: الشيخ الإمام العلامة البحر المتفنن أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري المالكي، كان ذكيًا بصيرًا بعلم الحديث، له معرفة بالطب، ألف في الفقه والأصول والحديث وغيرها، توفي ﵀ سنة (٥٣٦ هـ)، وله تصانيف من أشهرها: المعلم بفوائد مسلم. [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٠٩)، والسير (٢٠/ ١٠٤)، والعبر (٢/ ٤٥١)، وشذرات الذهب (٤/ ١١٤)].
[ ١٣٤ ]
والقرطبي (^١)، وغيرهم، إلى أنه يحتمل أن يكون بعض الرواة قد نقله بهذا اللفظ - (على صورة الرحمن) - بناءً على ما وقع في قلبه من معناه.
ولكن هذا الاحتمال باطل عارٍ من الدليل، فلا ترد بمثله الأحاديث، ومنشأ هذا الاحتمال هو استبعاد عود الضمير على الله تعالى، لأن هذا على مذهبهم يلزم منه تشبيه الله تعالى بخلقه، ولكن هذا اللازم غير مسلم كما سيأتي.
الخلاصة:
أن هذا الحديث -وهو حديث ابن عمر- صححه جمع من أهل العلم كإسحاق وأحمد والحاكم وابن تيمية والذهبي وابن حجر وغيرهم، وذكروا له شواهد تعضده وتقويه، وضعفه آخرون كابن خزيمة والمازري، وتبعهم في ذلك الألباني فأعله ابن خزيمة بثلاث علل، وزاد عليها الألباني علة رابعة تمت الإجابة عنها فيما تقدم، والله أعلم.
القول الثالث: أن الضمير في قوله (على صورته) يعود على الله ﷿ وتكون إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة المخلوق إلى خالقه كما في قوله تعالى: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ وكما يقال في الكعبة: بيت الله وهكذا.
وبهذا جزم ابن خزيمة ﵀بناءً على افتراض صحة حديث (على صورة الرحمن) - فقال بعدما أعل الحديث بما تقدم: "فإن صح هذا الخبر مسندًا بأن يكون الأعمش قد سمعه من حبيب بن أبي ثابت، وحبيب قد سمعه من عطاء بن أبي رباح، وصح أنه عن اين عمر -على ما رواه الأعمش- فمعنى هذا الخبر عندنا: أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر إنما هو من إضافة الخلق إليه، لأن الخلق يضاف إلى الرحمن، إذ الله خلقه، وكذلك الصورة تضاف إلى الرحمن لأن الله صورها، ألم تسمع قوله ﷿: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]،
_________________
(١) نقل ذلك عنه الحافظ في الفتح (٥/ ١٨٣).
[ ١٣٥ ]
فأضاف الله الخلق إلى نفسه، إذ الله تولى خلقه، وكذلك قول الله ﷿: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]، فأضاف الله الناقة إلى نفسه " (^١).
القول الرابع: إنكار حديث: (إن الله خلق آدم على صورته) والنهي عن التحديث به، وهذا مروي عن الإمام مالك (^٢) ﵀، فقد روى العقيلي بسنده عن عبد الرحمن بن القاسم أنه سأل الإمام مالك ﵀ عمن يحدث بهذا الحديث الذي قالوا: (إن الله خلق آدم على صورته)؟ فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا ونهى أن يحدث به أحد، فقيل له: إن أناسًا من أهل العلم يتحدثون به، قال: من هم؟ قيل: ابن عجلان عن أبي الزناد، فقال: لم يكن يعرف ابن عجلان هذه الأشياء، ولم يكن عالمًا، ولم يزل أبو الزناد عاملًا لهؤلاء حتى مات وكان صاحب عمال يتبعهم (^٣).
* * *
_________________
(١) التوحيد (١/ ٨٧ - ٩١)، وانظر: الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٦٣ - ٦٤)، والمعلم للمازري (٣/ ١٧١)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٠٣ - ٤٠٤).
(٢) انظر: التمهيد (٧/ ١٥٠).
(٣) انظر: الضعفاء الكبير (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢)، ونقله عنه الذهبي في الميزان (٤/ ٩٥)، وفي السير (٥/ ٤٤٩)، وانظر: السير (٨/ ١٠٣ - ١٠٤) فقد نقل فيه الذهبي هذه القصة عن الإمام مالك من طريق ابن عدي.
[ ١٣٦ ]
المطلب الثالث: الترجيح
مما لا ريب فيه أن الصورة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وإضافة الصورة إليه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف -على ما جاء في القول الثاني- كما هو مقتضى ظاهر لفظ الحديث، ولا يجوز تأويل الحديث وصرفه عن ظاهره لمجرد توهم التشبيه والتمثيل، فإن هذا شأن أهل البدع، أما أهل السنة فإنهم يؤمنون بما صح من أحاديث الصفات كلها، ويجرونها على ظاهرها على ما يليق بجلال الله وعظمته مع نفي المماثلة على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله تعالى، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك ولكن لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جعل طائفة الضمير فيه عائدًا إلى غير الله تعالى، حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم، والسنة في عامة أمورهم كأبي ثور وابن خزيمة وأبي الشيخ الأصبهاني وغيرهم، ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة" (^١).
ولا فرق بين إثبات هذه الصفة -الصورة- لله تعالى وبين إثبات بقية الصفات، فما يقال فيها من توهم المشابهة والمماثلة، يقال في بقية الصفات كاليدين والوجه والعين وغيرها.
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٣٩٦ - ٣٩٩).
[ ١٣٧ ]
قال ابن قتيبة ﵀: "والذي عندي -والله تعالى أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك، لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد" (^١).
وقال القاضي أبو يعلى ﵀ عن هذا الحديث: "والوجه فيه أنه ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه، لأننا نطلق تسمية الصورة عليه لا كالصور، كما أطلقنا تسمية ذات ونفس لا كالذوات والنفوس" (^٢).
وقد جاءت عدة أحاديث صحيحة في إثبات الصورة لله تعالى -غير ما تقدم- ومن ذلك ما يلي:
١ - حديث أبي هريرة -﵁-: أن ناسًا قالوا لرسول الله -ﷺ-: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله -ﷺ-: (هل تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟) قالوا: لا يا رسول الله، قال: (هل تُضَارُّون في الشمس ليس دونها سحاب؟) قالوا: لا يا رسول الله قال: (فإنكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول، أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه) متفق عليه (^٣).
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث (٢٠٦).
(٢) إبطال التأويلات (١/ ٨١).
(٣) البخاري في مواضع: في كتاب الرقاق، باب: الصراط جسر جهنم (٥/ ٢٤٠٣) ح (٦٢٠٤)، وفي كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٦/ ٢٧٠٤) ح (٧٠٠٠)، وفي كتاب صفة الصلاة، باب: فضل =
[ ١٣٨ ]
قال القاضي أبو يعلى: "اعلم أن هذا الخبر يدل على إثبات الصورة وعلى الإتيان وأنه غير ممتنع جواز إطلاق الصورة لا كالصور" (^١).
٢ - حديث أبي سعيد الخدري -﵁- في الرؤية -وهو بمعنى الحديث السابق- وفيه: (حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر أو فاجر، أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها ) متفق عليه (^٢).
٣ - حديث معاذ -﵁- قال: احتبس عنا رسول الله -ﷺ- ذات غداة من صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعًا فثوَّب بالصلاة، فصلى رسول الله -ﷺ-، وتجوَّز في صلاته، فلما سلَّم دعا بصوته فقال لنا: (على مصافكم كما أنتم)، ثم انفتل إلينا فقال: (أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، أني قمت من الليل، فتوضأت فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي، فاستثقلت، فإذا أنا بربي ﵎ في أحسن صورة ) (^٣).
_________________
(١) = السجود (١/ ٢٧٧) ح (٧٧٣) لكن ليس فيه لفظ الصورة، ومسلم -واللفظ له- في كتاب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (٣/ ٢١) ح (١٨٢).
(٢) إبطال التأويلات (١/ ١٥١).
(٣) البخاري: كتاب التفسير، باب: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) (٤/ ١٦٧١) ح (٤٣٠٥)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (٣/ ٣٠) ح (١٨٣).
(٤) هذا الحديث يعرف بحديث المنام، لأن فيه رؤية النبي -ﷺ- لربه في المنام، وقد أخرجه الترمذي (٩/ ١٠٦) ح (٣٢٨٨)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- عن هذا الحديث فقال: هذا صحيح"، وانظر: العلل الكبير للترمذي (٢/ ٨٩٦)، وأخرجه أحمد في المسند (٣٦/ ٤٢٢) ح (٢٢١٠٩)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٥٤٠) ح (٣٢٠)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٠٩) ح (٢١٦)، وأيضًا في (٢٠/ ١٤١) ح (٢٩٠)، والدارقطني في الرؤية (٣١١ - ٣١٣) ح (٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣١)، والحاكم مختصرًا (١/ ٧٠٢). وهذا الحديث مروي عن معاذ من عدة طرق أصحها ما رواه جهضم بن عبد الله عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن أبي سلَّام عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي أنه حدثه عن مالك بن يخامر السكسكي عن معاذ بن جبل، وهي =
[ ١٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الطريق التي صححها الترمذي والبخاري -كما تقدم- وقال البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٧٩): "وأحسن طريق فيه رواية جهضم بن عبد الله ثم رواية موسى بن خلف". وقال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع، تحقيق د/ محمد البريدي (١/ ٢٦١) عن هذه الطريق: "هذه الطريق أتم الطرق إسنادًا ومتنًا". وقد جاء هذا الحديث -أيضًا- من عدة طرق عن عدد من الصحابة كابن عباس وأنس وعبد الرحمن بن عائش وأبي أمامة الباهلي وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر وثوبان وأبي هريرة وأبي رافع وجابر بن سمرة وأبي عبيدة بن الجراح، وهو بمجموع هذه الطرق حديث صحيح صححه جمع من أهل العلم والحديث. قال الإمام أحمد عن حديث معاذ -كما في الكامل لابن عدي (٦/ ٣٤٤) ترجمة موسى بن خلف-: "هذا أصحها"، وانظر: الإصابة لابن حجر (٤/ ٢٧٣) ترجمة عبد الرحمن بن عائش. وقال ابن منده في الرد على الجهمية (٩١): "وروي هذا الحديث عن عشرة من أصحاب النبي -ﷺ-، ونقلها عنهم أئمة البلاد من أهل الشرق والغرب". وقال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ٢٦٢) بعد سياقه لروايات هذا الحديث: "فهذه الروايات يصدق بعضها بعضًا، إذ قد رواه عن كل شخص أكثر من واحد، ولكن بمجموع هذه الطرق انكشف ما وقع في بعضها من غلط في بعض طرقه". وقال الذهبي في السير (٢/ ١٦٧): "فأما رؤية المنام فجاءت من وجوه متعددة مستفيضة". وذهب عدد من أهل العلم إلى تضعيف هذا الحديث كابن خزيمة والدارقطني والمروزي عليهم رحمة الله. قال ابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٥٤٦) بعد ذكره طرق هذا الحديث: "فليس يثبت من هذه الأخبار شيء من عند ذكرنا عبد الرحمن بن عائش إلى هذا الموضع، فبطل الذي ذكرنا لهذه الأسانيد، ولعل بعض من لم يتحر العلم يحسب أن خبر يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام ثابت، لأنه قيل في الخبر عن زيد إنه حدثه عبد الرحمن الحضرمي، ويحيى بن أبي كثير ﵀ أحد المدلسين لم يخبر أنه سمع هذا من زيد". وقال الدارقطني في العلل (٦/ ٥٧) بعد ذكره لأوجه الخلاف في هذا الحديث: "ليس فيها صحيح وكلها مضطربة". =
[ ١٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال المروزي في قيام الليل (المختصر ٥٦): "هذا حديث قد اضطربت الرواة في إسناده -على ما بيَّنا- وليس يثبت إسناده عند أهل المعرفة بالحديث". قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد نقله لتضعيف ابن خزيمة المتقدم، وكذا قول الإمام أحمد عن هذا الحديث -كما في رواية الأثرم-: "يضطرب في إسناده وأصل الحديث واحد، وقد اضطربوا فيه"، قال ابن تيمية: "هذا كلام صحيح، فإنهم اضطربوا في إسناده بلا ريب، لكن لم يقل: إن هذا يوجب ضعف متنه، ولا قال: إن متنه غير ثابت، بل إن مثل هذا الاضطراب يوجد في أحاديث كثيرة وهي ثابتة، وهذه الطرق مع ما فيها من الاضطراب -لمن يتدبر الحديث ويحسن معرفته- تدل دلالة واضحة على أن الحديث محفوظ صحيح الأصل، لا ريب في ذلك، بل قد يوجب له القطع بذلك وأما ما ذكره ابن خزيمة من كون يحيى مدلسًا لم يذكر السماع، فهذا لا يضر هنا، لأن غاية ما فيه أن يكون أخذه من كتاب زيد بن سلّام، كما حكي عنه أنه كان يحدث من كتاب أبي سلّام، إما لمعرفته بخطه، وإما لأن الذي أعطاه قال له: هذا خطه، وهذا مما يزيد الحديث قوة، حيث كان مكتوبًا والذي ذكر ابن خزيمة من أنه لم يثبت طريقًا معيَّنًا من هذه الطرق، هذا فيه نزاع بين أهل الحديث، لكن إذا ضمت بعضها إلى بعض صدَّق بعضها بعضًا، وهذا مما لا يتنازعون فيه. لكن ابن خزيمة جرى على عادته أنه لا يحتج إلا بإسناد يكون وحده ثابتًا فما قاله لا ينافي ما اتفق عليه أهل العلم، فثبت صحة الاحتجاج به من طريقين: أحدهما: من جمع الطرق، لكن ابن خزيمة لم يسلك هذا. والثاني: من جهة ثبوت الاحتجاج بالكتاب، لكن ابن خزيمة لم يذهب إلى هذا". [بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ٣٧١ - ٣٧٥) باختصار وتصرف يسير، وانظر: إبطال التأويلات (١/ ١٤٠)]. قلت: إعلال ابن خزيمة ﵀ لهذا الطريق -طريق معاذ المتقدم- بتدليس يحيى بن أبي كثير، مدفوع بكون يحيى قد صرح بالتحديث عن زيد في إسناد الإمام أحمد ﵀، انظر: المسند (٣٦/ ٤٢٢)، والله أعلم. [وانظر: للوقوف على طرق هذا الحديث: التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٥٣٣ - ٥٤٥)، والرؤية للدارقطني (٣٠٨ - ٣٤٢)، ولابن رجب ﵀ رسالة في شرح هذا الحديث بعنوان: (اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى)]. =
[ ١٤١ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فقوله: (فإذا أنا بربي في أحسن صورة) صريح في أن الذي كان في أحسن صورة هو ربه" (^١).
مناقشة الأقوال المرجوحة:
أما القول الأول: وهو الذي ذهب إليه ابن خزيمة (^٢) وغيره، والذي
_________________
(١) = وهذا الحديث يفيد أن الله تعالى قد يُرى في المنام، لكن ليس على حقيقته التي هو عليها الآن سبحانه وتعالي. قال الدارمي في النقض على المريسي (٢/ ٧٣٨): "وفي المنام يمكن رؤية الله تعالى على كل حال وفي كل صورة". وقد نقل القاضي عياض اتفاق العلماء على جواز رؤية الله في المنام وصحتها. [انظر: إكمال المعلم (٧/ ٢٢٠)، ومسلم بشرح النووي (١٥/ ٣١)، وفتح الباري (١٢/ ٣٨٧)]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد يَرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحًا لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه، ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير وتأويل لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق". [مجموع الفتاوى (٣/ ٣٩٠)]. وقال أيضًا: "ورؤية الله تعالى في المنام جائزة بلا نزاع بين أهل الإثبات، وإنما أنكرها طائفة من الجهمية، وكأنهم جعلوا ذلك باطلًا، وإلا فما يمكنهم إنكار وقوع ذلك". [بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ٤٣١)، وانظر: (١/ ٧٣ - ٧٤) من نفس الكتاب، طبعة محمد بن قاسم، وإبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ١٢٧)].
(٢) بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ٤٠٢).
(٣) التركيز على ابن خزيمة ﵀ في هذه المسألة دون غيره ممن قال بقوله، لأنه معدود في أهل السنة، بل هو إمام من أئمتهم، فتأويله لهذا الحديث مستغرب منه، أما أهل الكلام المؤولين لهذا الحديث فغير مستغرب منهم ذلك، لأن التأويل الباطل -لنصوص الصفات- مطيتهم فهم أهله وأربابه. وجدير بالتنبيه هنا: أن ابن خزيمة ﵀ لا ينفي صفة الصورة لله تعالى بل يثبتها، فقد عقد بابًا في كتاب التوحيد (١/ ٤٥) بعنوان: "باب ذكر صورة ربنا جل وعلا"، ثم ذكر تحته ما يتصف به وجه الله تعالى -مما ورد ذكره في النصوص- من =
[ ١٤٢ ]
فيه إعادة الضمير على غير الله تعالى، ففي حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)، قالوا: بإعادة الضمير على المضروب.
وفي حديث: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا ) جعلوا الضمير فيه عائدًا إلى آدم ﵇.
فيجاب عنه بجوابين أحدهما مجمل، والآخر مفصل:
أما المجمل فهو أن يقال: هذا تأويل بعيد جدًا عن ظاهر اللفظ، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، كما أن في هذا القول موافقة لأهل الكلام المحرفين لنصوص الصفات عن ظاهرها، ولهذا عد الإمام أحمد هذا التأويل من تأويلات الجهمية وأنكره أشد الإنكار، فقال ﵀: "من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم، فهو جهمي .. ".
ولمَّا قيل له: إن فلانًا يقول في حديث رسول الله -ﷺ-: (إن الله خلق آدم على صورته): على صورة الرجل، قال: "كذب هذا، هذا قول الجهمية .. " (^١).
وعند التأمل نجد أن الشبهة التي أوقعت إمام الأئمة -ابن خزيمة- وغيره في هذا التأويل هي: توهم المشابهة، ولذلك اجتهد في تأويله وصرفه عن ظاهره، فجعل متعلق الضمير في كل حديث غيره في الحديث الآخر.
ففي حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه ) جعل الضمير عائدًا إلى المضروب.
_________________
(١) = السبحات والنور والجلال والإكرام، وعقد قبله (١/ ٢٤) بابًا بعنوان: "باب ذكر إثبات وجه الله"، وساق تحته بعض النصوص الدالة على إثبات هذه الصفة لله تعالى على ما يليق بجلاله، ولكن ابن خزيمة رحمه الله تعالى ينفي -هنا- مماثلة صورة آدم لصورة الله تعالى، وهذا حق، لكن ليس في حمل هذه النصوص على ظاهرها ما يقتضي التمثيل، كما تقدم، وكما سيأتي إن شاء الله تعالى.
(٢) انظر: ص (١٢٤) من هذا البحث.
[ ١٤٣ ]
فلما أتى إلى الحديث الآخر ورأى أن هذا التأويل لا يستقيم معه -لأن النبي -ﷺ- قال ابتداءً: (خلق الله آدم على صورته) - جعل الضمير فيه عائدًا إلى آدم ﵇.
ولما أتى إلى حديث ابن عمر -﵄-: (لا تقبحوا الوجه، فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن)، ورأى أنه غير قابل للتأويل جعله -على فرض صحته- من باب إضافة الخلق إلى خالقه، كل ذلك فرارًا من التشبيه.
ومما يدل على ذلك قوله -كما تقدم (^١) -: "فصورة آدم ستون ذراعًا، التي أخبر النبي -ﷺ- أن آدم ﵇ خلق عليها، لا على ما توهم بعض من لم يتحر العلم، فظن أن قوله: (على صورته): صورة الرحمن، صفة من صفات ذاته جل وعلا عن أن يوصف بالموتان والأبشار (^٢) قد نزه الله وقدس عن صفات المخلوقين، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] " (^٣).
وقوله أيضًا عن هذه الأحاديث: "تأولها بعض من لم يتحر العلم على غير تأويلها، ففتن عَالَمًا من أهل الجهل والغباوة، حملهم الجهل بمعنى: الخبر على القول بالتشبيه، جل وعلا عن أن يكون وجهُ خلقٍ من خلقه مثل وجهه الذي وصفه الله بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه" (^٤).
وقوله تعليقًا على لفظة: (على صورة الرحمن): "قد افتتن بهذه اللفظة التي في خبر عطاء، عالَم ممن لم يتحر العلم، وتوهموا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر من إضافة صفات الذات فغلطوا في هذا غلطًا بينًا، وقالوا مقالة شنيعة، مضاهية لقول المشبهة، أعاذنا الله وكل المسلمين من قولهم" (^٥).
_________________
(١) انظر: ص (١٢٠) من هذا البحث.
(٢) في بعض النسخ: "بالذرعان والأشبار". انظر: ص (١٢٠) من هذا البحث.
(٣) التوحيد (١/ ٩٤).
(٤) التوحيد (١/ ٨١).
(٥) التوحيد (١/ ٨٧).
[ ١٤٤ ]
فهذه النقول عن إمام الأئمة ﵀ تؤكد أنه لجأ إلى تأويل هذا الحديث؛ لتوهمه أن حمله على ظاهره يقتضي التشبيه، فأوله تنزيهًا لله تعالى عن صفات المخلوقين.
وهذه هي الشبهة التي بنى عليها أهل الكلام مذهبهم في أسماء الله تعالى وصفاته.
ولذلك عد أهل العلم هذا التأويل من ابن خزيمة زلَّة لا يجوز أن يتابع عليها، لأن فيه خروجًا عن منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وهو: إجراء نصوص الصفات على ظاهرها دون التعرض لتأويلها، وإثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، وما أثبته له رسوله -ﷺ- في سنته من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تمثيل ولا تكييف، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي (^١) في كتابه الذي سماه (الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزامًا لذوي البدع والفضول) -ذكر فيه الأئمة الاثني عشر المتبوعين في العلم، وهم: الشافعي، ومالك، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان (^٢) -: فأما تأويل من لم يتابعه عليه الأئمة فغير مقبول، وإن صدر
_________________
(١) هو محمد بن عبد الملك بن محمد بن عمر الفقيه الشافعي، شيخ الكُرْج وعالمها ومفتيها، إمام ورع مفتٍ محدث أديب، أفنى عمره في طلب العلم ونشره، له تصانيف في المذهب والتفسير، وله قصيدة مشهورة في السنة، نحو مائتي بيت، شرح فيها عقيدة السلف، توفي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة (٥٣٢). [انظر: العبر (٢/ ٤٤١)، وشذرات الذهب (٤/ ١٠٠)].
(٢) أبو حاتم الرازي هو: محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي الغطفاني، الإمام الحافظ الناقد، كان من بحور العلم، طوَّف البلاد، وبرع في المتن والإسناد، وجمع وصنَّف، وجرح وعدَّل، وصحح وعلَّل، وهو من نظراء =
[ ١٤٥ ]
ذلك التأويل عن إمام معروف غير مجهول نحو ما ينسب إلى أبي بكر محمد بن خزيمة تأويل الحديث: (خلق آدم على صورته)، فإنه يفسر ذلك بذلك التأويل، ولم يتابعه عليه من قبله من أهل الحديث لما روينا عن أحمد رحمه الله تعالى، ولم يتابعه -أيضًا- من بعده
قلت (^١): وقد ذكر الحافظ أبو موسى المديني (^٢) فيما جمعه من مناقب الإمام الملقب بقوام السنة أبي القاسم إسماعيل بن محمد التيمي صاحب كتاب: (الترغيب والترهيب)، قال: سمعته يقول: أخطأ محمد بن خزيمة في حديث الصورة، ولا يطعن عليه بذلك، بل لا يؤخذ عنه هذا فحسب.
قال أبو موسى: أشار بذلك إلى أنه قلَّ من إمام إلا وله زلة، فإذا ترك ذلك الإمام لأجل زلته، ترك كثير من الأئمة، وهذا لا ينبغي أن يفعل" (^٣).
وقال الذهبي في ترجمة الإمام ابن خزيمة: "وكتابه في (التوحيد) مجلد كبير، وقد تأوَّل في ذلك حديث الصورة، فليعذر من تأوَّل بعض الصفات، وأما السلف فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكفوا، وفوضوا علم ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده -مع صحة
_________________
(١) = البخاري، ومن طبقته، توفي ﵀ سنة سبع وسبعين ومائتين (٢٧٧). [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٧٠)، والسير (١٣/ ٢٤٧)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٦٧)، وشذرات الذهب (٢/ ١٧١)].
(٢) القائل: شيخ الإسلام ابن تيمية.
(٣) هو الحافظ الكبير محمد بن أبي بكر عمر بن أحمد الأصبهاني المديني، كان إمام عصره في الحفظ والمعرفة بالحديث وعلومه، وكان مع ذلك صاحب ورع وعبادة وتقى، له مصنفات عديدة منها: معرفة الصحابة، والمجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث، توفي ﵀ سنة إحدى وثمانين وخمسمائة (٥٨١). [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٠٩)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٣٤)، والعبر (٣/ ٨٤)، وشذرات الذهب (٤/ ٢٧٣)].
(٤) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤١٩، ٤٢٤ - ٤٣٠)، وانظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٨٨).
[ ١٤٦ ]
إيمانه وتوخيه لاتباع الحق -أهدرناه وبدعناه، لقلَّ من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه" (^١).
ثم إن هذا الحديث ليس في حمله على ظاهره ما يقتضي التشبيه، بل نحن نثبته ونجريه على ظاهره مع نفي التشبيه.
قال قوام السنة إسماعيل التيمي: "فصل في الرد على الجهمية الذين أنكروا صفات الله ﷿، وسموا أهل السنة مشبهة، وليس قول أهل السنة: إن لله وجهًا ويدين وسائر ما أخبر الله تعالى به عن نفسه موجبًا تشبيهه بخلقه، وليس روايتهم حديث النبي -ﷺ-: (خلق الله آدم على صورته) بموجبه (^٢) نسبة التشبيه إليهم، بل كل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به رسوله -ﷺ- فهو حق، قول الله حق، وقول رسوله حق، والله أعلم بما يقول، ورسوله -ﷺ- أعلم بما قال، وإنما علينا الإيمان والتسليم، وحسبنا الله ونعم الوكيل" (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن قيل: قوله -ﷺ-: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا )، هذا الحديث إذا حمل على صورة الله تعالى كان ظاهره: أن الله طوله ستون ذراعًا، والله تعالى -كما قال ابن خزيمة- جل أن يوصف بالذرعان والأشبار
قيل: ليس هذا ظاهر الحديث، ومن زعم أن هذا ظاهره، أو حمله عليه فهو مفتر كذاب ملحد، فإن فساد هذا معلوم بالضرورة من العقل والدين كما تقدم، ومعلوم أيضًا عدم ظهوره من الحديث، فإن الضمير في قوله: (طوله) عائد إلى آدم الذي قيل فيه: (خلق آدم على صورته)، ثم قال: (طول آدم ستون ذراعًا، فلما خلقه قال له: اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٧٤ - ٣٧٦).
(٢) هكذا جاءت في الكتاب ولعل الصواب (بموجبة)، والله أعلم.
(٣) الحجة في بيان المحجة (١/ ٣١٠).
[ ١٤٧ ]
فهذه الضمائر كلها عائدة إلى آدم، وهذا منها أيضًا، فلفظ الطول وقدره ليس داخلًا في مسمى الصورة، حتى يقال إذا قيل: (خلق الله آدم على صورته) وجب أن يكون على قدره وطوله" (^١).
إذا تبين هذا وهو: وجوب حمل النص على ظاهره، وأن ظاهره لا يقتضي التشبيه، فما معنى كون آدم خلق على صورة الله تعالى؟
الجواب عن هذا أن يقال: الواجب إذا جاءت الآية من كتاب الله تعالى أو صح الحديث عن رسول الله -ﷺ-: الإيمان والتصديق بهما، واعتقاد ما جاء فيهما، والتسليم والانقياد لهما، ولا يجوز السؤال عن كيفية ما جاء فيهما من الصفات، فإن الله تعالى أخبرنا أنه متصف بالصفات، ولم يخبرنا عن كيفية هذه الصفات، فنَكِلُ علمها إلى الله تعالى، مع اعتقادنا أنها لا تماثل صفات المخلوقين، فالله تعالى كما قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وقد عقد الإمام ابن بطة (^٢) بابًا بعنوان: "الإيمان بأن الله ﷿ خلق آدم على صورته بلا كيف".
ثم قال: "كل ما جاء من هذه الأحاديث، وصحت عن رسول الله -ﷺ- ففرض على المسلمين قبولها، والتصديق بها، والتسليم لها، وترك الاعتراض عليها، وواجب على من قبلها وصدَّق بها أن لا يضرب لها المقاييس، ولا يتحمل لها المعاني والتفاسير، ولكن تمر على ما جاءت ولا
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٥٣٤ - ٥٣٧) باختصار وتصرف يسير.
(٢) هو الإمام أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري الفقيه الحنبلي شيخ العراق، كان عبدًا صالحًا زاهدًا، سمع من خلائق لا يحصون، وكان صاحب حديث ولكنه ضعيف من قبل حفظه، توفي ﵀ سنة (٣٨٧ هـ)، وله مصنف كبير في السنة سماه: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية. [انظر: تاريخ بغداد (١٠/ ٣٧٠)، والسير (١٦/ ٥٢٩)، والعبر (٢/ ١٧١)، وشذرات الذهب (٣/ ١٢٢)].
[ ١٤٨ ]
يقال فيها: لِمَ؟ ولا كيف؟ إيمانًا وتصديقًا، ونقف من لفظها وروايتها حيث وقف أئمتنا وشيوخنا، وننتهي منها حيث انتهى بنا، كما قال المصطفى نبينا -ﷺ-، بلا معارضة ولا تكذيب ولا تنقير ولا تفتيش، والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل، فإن الذين نقلوها إلينا هم الذين نقلوا إلينا القرآن وأصل الشريعة، فالطعن عليهم والرد لما نقلوه من هذه الأحاديث، طعن في الدين ورد لشريعة المسلمين، ومن فعل ذلك فالله حسبه والمنتقم منه بما هو أهله" (^١)، ثم ساق ﵀ عددًا من طرق هذا الحديث.
وقال الكرجي بعد ما ساق عددًا من أحاديث الصفات، والتي منها: (خلق الله آدم على صورته): " .. إلى غيرها من الأحاديث، هالتنا أو لم تهلنا، بلغتنا أو لم تبلغنا، اعتقادنا فيها وفي الآي الواردة في الصفات: أن نقبلها ولا نحرفها ولا نكيفها ولا نعطلها ولا نتأولها، وعلى العقول لا نحملها، وبصفات الخلق لا نشبهها، ولا نعمل فكرنا ورأينا فيها، ولا نزيد عليها ولا ننقص منها، بل نؤمن بها ونَكِلُ علمها إلى عالمها، كما فعل ذلك السلف الصالح، وهم القدوة لنا في كل علم" (^٢).
وقال الذهبي ﵀: "أما معنى حديث الصورة فنرد علمه إلى الله ورسوله، ونسكت كما سكت السلف مع الجزم بأن الله ليس كمثله شيء" (^٣).
وذهب بعض أهل العلم إلى أن معنى الحديث هو: بيان أن آدم ﵇ خلق ذا وجه متصفًا بصفة السمع والبصر والكلام، كما أن الله تعالى كذلك، فهو مخلوق على صورة الله من هذه الحيثية، ولا يلزم من ذلك المماثلة.
قال ابن القيم ﵀: "وقوله: (خلق آدم على صورة الرحمن) لم يرد
_________________
(١) الإبانة (المختار ٢٤٤)، وانظر: الشريعة للآجري (٣/ ١١٥٣).
(٢) نقل ذلك عنه: ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٤/ ١٨٥).
(٣) ميزان الاعتدال (٤/ ٩٦).
[ ١٤٩ ]
به تشبيه الرب وتمثيله بالمخلوق، وإنما أراد به تحقيق الوجه، وإثبات السمع والبصر والكلام، صفة ومحلًا والله أعلم" (^١).
وقال الشيخ ابن باز ﵀: "والمعنى والله أعلم: أنه خلق آدم على صورته ذا وجه وسمع وبصر، يسمع ويتكلم ويبصر ويفعل ما يشاء، ولا يلزم أن يكون الوجه كالوجه، والسمع كالسمع، والبصر كالبصر وهكذا لا يلزم أن تكون الصورة كالصورة" (^٢).
ومما ينبغي التأكيد عليه والتنبيه إليه -هنا- أن كون الشيء على صورة الشيء: لا يلزم منه المماثلة بينهما من كل وجه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من المعلوم أن الشيئين المخلوقين قد يكون أحدهما على صورة الآخر مع التفاوت العظيم في جنس ذواتهما وقدر ذواتهما، وقد تظهر السموات والقمر في صورة ماء أو مرآة في غاية الصغر، ويقال: هذه صورتها، مع العلم بأن حقيقة السموات والأرض أعظم من ذلك بما لا نسبة لأحدهما إلى الآخر" (^٣).
وقال الشيخ محمد العثيمين ﵀: "الذي قال: (إن الله خلق آدم على صورته) رسول الذي قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، والرسول لا يمكن أن ينطق بما يكذب المرسِل.
والذي قال: (خلق آدم على صورته) هو الذي قال: (إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر) متفق عليه (^٤). فهل أنت تعتقد أن هؤلاء الذين يدخلون الجنة على صورة القمر من كل وجه؟ !
فإن قلت بالأول: فمقتضاه أنهم دخلوا وليس لهم أعين وليس لهم آناف وليس لهم أفواه، وإن شئنا قلنا: دخلوا وهم أحجار!
_________________
(١) مختصر الصواعق (٢/ ٥١٥).
(٢) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة له، جمع د/ محمد الشويعر (٦/ ٣٥٣ - ٣٥٤).
(٣) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨).
(٤) من حديث أبي هريرة: البخاري (٣/ ١١٨٧) ح (٣٠٨١)، ومسلم (١٧/ ١٧٨) ح (٢٨٣٤).
[ ١٥٠ ]
وإن قلت بالثاني: زال الإشكال وتبين أنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلًا له من كل وجه" (^١).
وأما الجواب المفصل، فهو في الرد على كل تأويل على حِدَةٍ كما يلي:
أما التأويل الأول: وهو القول بإعادة الضمير على المضروب، والاستدلال له:
١ - بأن النبي -ﷺ- علل النهي عن ضرب الوجه بقوله: (فإن الله خلق آدم على صورته).
٢ - وكذا استدلالهم بحديث: " (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، ولا يقل: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله ﷿ خلق آدم على صورته).
فهو باطل من عدة وجوه:
أحدها: أن في الصحيحين ابتداءً: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا)، وفي أحاديث أخر: (إن الله خلق آدم على صورته)، ولم يتقدم ذكر أحد يعود الضمير إليه (^٢)، وما ذكر بعضهم (^٣) من أن النبي -ﷺ-
_________________
(١) شرح العقيدة الواسطية (١/ ١٠٨ - ١٠٩).
(٢) وهذا ظاهر في هذه الأحاديث، وأما ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -كما في بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣) - من أن حديث: (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته)، وحديث: (لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك، ووجهًا أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته): ليس فيها ذكر أحد يصلح عود الضمير إليه، لأنه لم يتقدم فيها ذكر مضروب، فإنه يشكل عليه، أن الحديث الأول جاء بلفظ -كما عند مسلم-: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه ) فقوله: (أخاه) يصلح عود الضمير إليه. وكذلك الحديث الثاني جاء بلفظ -كما عند ابن خزيمة في التوحيد (١/ ٨٢) -: (لا يقولن أحدكم لأحد: قبح الله وجهك ) فقوله: (لأحد) يصلح عود الضمير إليه. وقد بنى شيخ الإسلام ﵀ على قوله هذا ثلاثة أوجه في الرد على هذا التأويل، أعرضت عنها لهذا السبب، وفي بقية الأوجه ما يكفي ويشفي، والله أعلم.
(٣) كابن فورك في مشكل الحديث (٤٦).
[ ١٥١ ]
رأى رجلًا يضرب رجلًا ويقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فقال: (خلق الله آدم على صورته) أي: على صورة هذا المضروب، فهذا شيء لا أصل له، ولا يعرف في شيء من كتب الحديث (^١).
الوجه الثاني: أن ذرية آدم خُلِقُوا على صورة آدم، لم يُخْلَق آدم على صورهم، فالثاني المتأخر في الوجود خُلِقَ على صورة الأول المتقدم وجوده، وهذا ظاهر، ولا يجوز أن يقال: خُلِقَ الأول على صورة الثاني المتأخر في الوجود كما هو مقتضى هذا التأويل فإنه إذا قيل: خُلِقَ الولد على صورة أبيه أو على خَلْقِ أبيه، كان كلامًا سديدًا، وإذا قيل: خُلِقَ الوالد على صورة ولده أو على خَلْقِه كان كلامًا فاسدًا، بخلاف ما إذا ذكر التشبيه بغير لفظ الخلق وما يقوم مقامه، مثل أن يقال: الوالد يشبه ولده، فإن هذا سائغ لأن قوله: خلق، إخبار عن تكوينه وإبداعه على مثال غيره، ومن الممتنع أن الأول يكون على مثال من لم يكن بعد، وإنما يكون على مثال من قد كان.
الوجه الثالث: أن يقال: هب أن هذه العلة تصلح لقوله: (لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك)، فكيف تصلح لقوله: (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه؟) فمعلوم أن كون صورته تشبه صورة آدم لا توجب سقوط العقوبة عنه، فإن الإنسان لو كان يشبه نبيًا من الأنبياء أعظم من مشابهة الذرية لأبيهم في مطلق الصورة والوجه، ثم وجبت على ذلك الشبيه بالنبي عقوبة، لم تسقط عقوبته لهذا الشبه باتفاق المسلمين، فكيف يجوز تعليل تحريم العقوبة بمجرد المشابهة المطلقة لآدم؟ .
الوجه الرابع: أن في ذرية آدم من هو أفضل من آدم، وتناول اللفظ لجميعهم واحد، فلو كان المقصود بالخطاب ليس ما يختص به آدم من ابتداء خلقه على صورة، بل المقصود مجرد مشابهة المضروب والمشتوم له،
_________________
(١) انظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (٢٠٥).
[ ١٥٢ ]
لكان ذكر سائر الأنبياء والمرسلين بالعموم هو الوجه، وكان تخصيص غير آدم بالذكر أولى، كإبراهيم وموسى وعيسى -وإن كان آدم أباهم- فليس هذا المقام مقامًا له به اختصاص على زعم هؤلاء (^١).
الوجه الخامس: وهو قاطع أيضًا أن يقال: كون الوجه يشبه وجه آدم، مثل كون سائر الأعضاء تشبه أعضاء آدم، فإن رأس الإنسان يشبه رأس آدم، ويده تشبه يده، ورجله تشبه رجله، وبطنه وظهره وفخذه وساقه يشبه بطن آدم وظهره وفخذه وساقه، فليس للوجه بمشابهة آدم اختصاص، بل جميع أعضاء البدن بمنزلته في ذلك، فلو صح أن يكون هذا علة لمنع الضرب، لوجب أن لا يجوز ضرب شيء من أعضاء بني آدم؛ لأن ذلك جميعه على صورة أبيهم آدم، وفي إجماع المسلمين على وجوب ضرب هذه الأعضاء في الجهاد للكفار والمنافقين وإقامة الحدود، مع كونها مشابهة لأعضاء آدم وسائر النبيين دليل على أنه لا يجوز المنع من ضرب الوجه ولا غيره لأجل هذه المشابهة.
الوجه السادس: أنه لو كان علة النهي عن شتم الوجه وتقبيحه أنه يشبه وجه آدم، لَنُهِيَ -أيضًا- عن الشتم والتقبيح لسائر الأعضاء، فيقال مثلًا: لا يقولنَّ أحدكم: قطع الله يدك، ويد من أشبه يدك
الوجه السابع: أنه قد روي من غير وجه (على صورة الرحمن) (^٢)، وهذا نص صريح في عود الضمير على الله تعالى، وإبطال عوده على المضروب.
- وأما دليلهم الثالث وهو: أن حمل اللفظ على ظاهره يقتضي التشبيه، فقد تقدمت الإجابة عنه بما يغني عن إعادته.
وأما التأويل الثاني: وهو القول: بإعادة الضمير إلى آدم ﵇،
_________________
(١) انظر: إبطال التأويلات (١/ ٨٥).
(٢) انظر في هذه الوجوه: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٤٢ - ٤٤٩).
[ ١٥٣ ]
والاستدلال له بحديث: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا ). فقد رده ابن قتيبة ﵀ فقال: "قال قوم من أصحاب الكلام: أراد خلق آدم على صورة آدم، لم يزد على ذلك.
ولو كان المراد هذا، ما كان في الكلام فائدة، ومن يشك في أن الله تعالى خلق الإنسان على صورته، والسباع على صورها، والأنعام على صورها؟ !
وقال قوم: إن الله تعالى خلق آدم على صورة عنده، وهذا لا يجوز؛ لأن الله ﷿ لا يخلق شيئًا من خلقه على مثال" (^١).
كما رده شيخ الإسلام ابن تيمية من عدة وجوه، فقال ﵀: "وأما قول من قال: الضمير عائد إلى آدم كما ذُكر ذلك للإمام أحمد عن بعض محدثي البصرة ويذكر ذلك عن أبي ثور، فهو كما قال الإمام أحمد: هذا تأويل الجهمية، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه (^٢).
وقد زعم المؤسس (^٣) أنه أولى الوجوه الثلاثة، وليس كما ذكره، بل هو أفسد الوجوه الثلاثة، ولهذا لم يعدل إليه ابن خزيمة إلا عند الضرورة لرواية من روى (على صورة الرحمن)، ولقوله ابتداءً: (إن الله خلق آدم على صورته)، فأما حيث ظن أن التأويل الأول ممكن فلم يقل هذا.
وبيان فساده من وجوه:
أحدها: أنه إذا قيل: إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورة آدم، أو: لا تقبحوا الوجه ولا يقل أحدكم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورة آدم. كان هذا من أفسد
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث (٢٠٤)، وانظر -أيضًا- في الرد على هذا التأويل: إبطال التأويلات (١/ ٦٩ - ٧٣).
(٢) انظر: ص (١٢٤) من هذا البحث.
(٣) المؤسس هو الرازي نسبةً إلى كتابه: "أساس التقديس"، وكلامه هذا تقدم في ص (١٢٠) هامش (٢).
[ ١٥٤ ]
الكلام، فإنه لا يكون بين العلة والحكم مناسبة أصلًا، فإن كون آدم مخلوقًا على صورة آدم، فأي تفسير فُسر ليس في ذلك مناسبة للنهي عن ضرب وجوه بنيه ولا عن تقبيحها وتقبيح ما يشبهها، وإنما دخل التلبيس بهذا التأويل حيث فُرِّقَ الحديث فروي قوله: (إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه) مفردًا، وروي قوله: (إن الله خلق آدم على صورته) مفردًا، أما مع أداء الحديث على وجهه فإن عود الضمير إلى آدم يمتنع فيه، وذلك أن خلق آدم على صورة آدم سواء كان فيه تشريف لآدم أو كان فيه إخبار مجرد بالواقع، فلا يناسب هذا الحكم.
الوجه الثاني: أن الله خلق سائر أعضاء آدم على صورة آدم، فلا فرق بين الوجه وسائر الأعضاء في هذا الحكم، فلو كان خلق آدم على صورة آدم مانعًا من ضرب الوجه أو تقبيحه، لوجب أن يكون مانعًا من ضرب سائر الأعضاء وتقبيح سائر الصور، وهذا معلوم الفساد في العقل والدين وتعليل الحكم الخاص بالعلة المشتركة من أقبح الكلام، وإضافة ذلك إلى النبي -ﷺ- لا يصدر إلا عن جهل عظيم أو نفاق شديد، إذ لا خلاف في علمه وحكمته، وحسن كلامه وبيانه.
الوجه الثالث: أن هذا تعليل للحكم بما يوجب نفيه، وهذا من أعظم التناقض، وذلك أنهم تأولوا الحديث على أن آدم لم يخلق من نطفة وعلقة ومضغة، وعلى أنه لم يتكون في مدة طويلة بواسطة العناصر، وبنوه قد خلقوا من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة وخلقوا في مدة من عناصر الأرض (^١)، فإن كانت العلة المانعة من ضرب الوجه وتقبيحه كونه خلق على ذلك الوجه -وهذه العلة منتفية في بنيه- فينبغي أن يجوز ضرب وجوه بنيه وتقبيحها لانتفاء العلة فيها وهي: أن آدم هو الذي خلق على صورته دونهم، إذ هم لم يخلقوا -كما خلق آدم- على صورهم التي هم عليها، بل نقلوا من نطفة إلى علقة إلى مضغة.
_________________
(١) انظر كلام الخطابي: ص (١٢٠ - ١٢١) من هذا البحث.
[ ١٥٥ ]
الوجه الرابع: ما أبطل به الإمام أحمد هذا التأويل حيث قال: من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه؟ وهذا الوجه الذي ذكره الإمام أحمد يعم الأحاديث، يعم قوله ابتداءً: (إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعًا)، ويعم قوله: (لا تقبحوا الوجه)، (وإذا ضرب أحدكم فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته)، وذلك أن قوله: (خلق الله آدم على صورته) يقتضي أنه كان له صورة قبل الخلق خلقه عليها، فإن هذه العبارة لا تستعمل إلا في مثل ذلك.
وبمثل هذا أبطلنا قول من يقول: إن الضمير عائد إلى المضروب، فإن المضروب متأخر عن آدم ولا يجوز في مثل هذا الكلام أن تكون الصورة التي خُلِقَ عليها آدمُ متأخرةً عن حين خلقه، سواء كانت هي صورته أو صورة غيره فمن المعلوم بالضرورة أنه لم تكن لآدم صورة خلق عليها قبل صورته التي خلقها الله تعالى (^١).
الوجه الخامس: أن جميع ما يذكر من التأويل كقول القائل: خلق آدم على صورة آدم، موجود نظيره في جميع المخلوقات، فإنه إن أريد بذلك على صورتها الثابتة في القدر في علم الله وكتابه، أي: على صفتها التي هي عليها أو غير ذلك، فهذا موجود نظيره في سائر المخلوقات من السموات والأرض وما بينهما من الملائكة والجن والبهائم، بل وذرية آدم كذلك فإنهم خلقوا على صورهم، كما يذكرونه في معنى قولهم: خلق الله آدم على صورة آدم، فإن كون آدم على صورته يعني شبحًا موجودًا في صور هذه الأمور.
وأما كونه خلق على هذه الصورة ابتداءً أو في غير مدة، فإنه لم يخلق إلا من حال إلى حال من التراب ثم من الطين ثم من الصلصال، كما خلق
_________________
(١) لأن التصوير إنما يكون بعد الخلق لا قبله كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)﴾ [سورة الأعراف، آية: (١١)].
[ ١٥٦ ]
بنوه من النطفة ثم العلقة ثم المضغة، فلا منافاة في الحقيقة بين الأمرين، فإذا جاز أن يقال في أحدهما: إنه خلق على صورته مع تنقله في هذه الأطوار، جاز أن يقال في الآخر: إنه خلق على صورته مع تنقله في هذه الأطوار، وإذا كان كذلك -ومن المعلوم بالاتفاق أن قوله: (خلق آدم على صورته) هي من خصائص آدم، وإن كان بنوه تبعًا له في ذلك كما خلقه الله بيديه وأسجد له ملائكته- علم بطلان ما يوجب الاشتراك ويزيل الاختصاص.
الوجه السادس: أن المعنى الذي تدل عليه هذه العبارة التي ذكروها هو من الأمور المعلومة ببديهة العقل التي لا يحسن بيانها والخطاب بها لتعريفها، بل لأمر آخر فإن قول القائل: إن الشيء الفلاني خلق على صورة نفسه، لا يدل لفظه على غير ما هو معلوم بالعقل، لأن كل مخلوق فإنه خلق على الصورة التي خلق عليها، وهذا المعنى مثل أن يقال: أوجد الله الشيء كما أوجده، وخلق الله الأشياء على ما هي عليه وعلى الصورة التي هي عليها، ونحو ذلك مما هو معلوم ببديهة العقل، ومعلوم أن بيان هذا وإيضاحه قبيح جدًا.
الوجه السابع: أن الحديث روي من وجوه بألفاظ تبطل عود الضمير إلى آدم مثل قوله: (لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن)، وقوله في الطريق الآخر من حديث أبي هريرة: (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، فإن صورة الإنسان على صورة الرحمن) " (^١).
وأما قول أصحاب هذا التأويل: إن حمل الحديث على ظاهره يقتضي التشبيه! فقد تقدمت الإجابة عنه.
وأما القول الثالث: وهو القول بإعادة الضمير إلى الله تعالى، وجعل إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، فهو باطل من عدة وجوه أيضًا:
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٥٠ - ٤٥٧) باختصار وتصرف يسير.
[ ١٥٧ ]
أحدها: أنه لم يكن قبل خلق آدم صورة مخلوقة خلق آدم عليها، فقول القائل: على صورة مخلوقة لله -وليس هناك إلا صورة آدم- بمنزلة قوله: على صورة آدم، وقد تقدم إبطال هذا من وجوه كثيرة.
الوجه الثاني: أن إضافة المخلوق جاءت في الأعيان القائمة بنفسها كالناقة والبيت والأرض والفطرة التي هي المفطورة، فأما الصفات القائمة بغيرها مثل العلم والقدرة والكلام والمشيئة، إذا أضيفت كانت إضافة صفة إلى موصوف، وهذا هو الفرق بين الأمرين، وإلا التبست الإضافة التي هي إضافة صفة إلى موصوف، والتي هي إضافة مملوك ومخلوق إلى المالك والخالق، وذلك هو ظاهر الخطاب في الموضعين، لأن الأعيان القائمة بنفسها قد علم المخاطبون أنها لا تكون قائمة بذات الله، فيعلمون أنها ليست إضافة صفة، وأما الصفات القائمة بغيرها فيعلمون أنه لا بد لها من موصوف تقوم به وتضاف إليه، فإذا أضيفت علم أنها أضيفت إلى الموصوف التي هي قائمة به، وإذا كان كذلك فالصورة قائمة بالشيء المصور، فصورة الله كوجه الله ويد الله وعلم الله وقدرة الله ومشيئة الله وكلام الله، يمتنع أن تقوم بغيره.
الوجه الثالث: أن سائر الأعضاء مشاركة للصورة التي هي الوجه في كون الله خلق ذلك جميعه، فينبغي أن يضاف سائر الأعضاء إلى الله بهذا الاعتبار، حتى يقال: يد الله ووجه الله وقدمه ونحو ذلك، لأن الله قد خلقها؟ ! .
الوجه الرابع: أن قوله: (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)، لو كانت الإضافة فيه إضافة خلق وملك لوجب ألا يضرب شيء من الأعضاء، لأن إضافته إلى خلق الله وملكه كإضافة الوجه سواء.
الوجه الخامس: أن هذا الوجه المضروب هو في كونه مخلوقًا مملوكًا لله، بمنزلة الصورة المملوكة لله، فلو كان قد نهي عن ضرب
[ ١٥٨ ]
هذا (^١) لكونه ذاك (^٢)، لكان هذا التشبيه من باب العبث، لأن العلة في المشبه به، مثل من يقول لأحد بنيه: إنما أكرمتك لأنك مثل ابني الآخر في معنى البنوة، أو يقول لعبده: إنما أعطيتك لأنك مثل عبدي الآخر في معنى العبودية، وهما مشتركان في هذا.
الوجه السادس: أنه من المعلوم أن جميع ما يضرب ويشتم من الموجودات، هو مخلوق مملوك لله، وهذا يوجب ألا يضرب مخلوق ولا يشتم مخلوق.
الوجه السابع: أن قوله: (لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته) يدل على أن المانع هو مشابهة وجهه لصورة الله، فلو أريد صورة يخلقها الله، لكان كونه هو في نفسه مخلوقًا لله أبلغ من كونه مشبِهًا لما خلقه الله، فيكون عدولًا عن التعليل بالعلة الكاملة إلى ما يشبهها.
الوجه الثامن: أن العلم بأن الله خلق آدم هو من أظهر العلوم عند العامة والخاصة، فإذا لم يكن في قوله: (على صورته) معنى، إلا أنها الصورة التي خلقها وهي ملكة، لكان قوله: خلق آدم، كافيًا، لأن قوله: خلق آدم، و(خلق آدم على صورته) سواء على هذا التقدير، وإن ادُعي أن في الإضافة بمعنى الخلق تخصيصًا، فكذلك يكون في لفظ خلق (^٣).
وأما القول الرابع: وهو المروي عن الإمام مالك في إنكار حديث: (إن الله خلق آدم على صورته) والنهي عن التحديث به، والقدح في بعض رواته، كابن عجلان وأبي الزناد.
فالجواب عنه ما ذكره الذهبي ﵀، حيث قال بعد ما ساق الرواية عن الإمام مالك في إنكاره الحديث: "قلت: الحديث في أن الله خلق آدم
_________________
(١) أي: الوجه.
(٢) أي: مخلوقًا لله كالصورة.
(٣) انظر في هذه الوجوه: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٥٤٠ - ٥٤٦).
[ ١٥٩ ]
على صورته، لم ينفرد به ابن عجلان، فقد رواه همام عن قتادة، عن أبي موسى أيوب، عن أبي هريرة (^١).
- ورواه شعيب وابن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة (^٢).
- ورواه معمر عن همام، عن أبي هريرة (^٣).
- ورواه جماعة كالليث بن سعد وغيره عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة (^٤).
- ورواه شعيب -أيضًا- وغيره عن أبى الزناد، عن موسى بن أبى عثمان، عن أبي هريرة (^٥).
_________________
(١) هو حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) أخرجه مسلم (١٦/ ٤٠٤) ح (٢٦١٢)، ولكن ليس فيه ذكر (لأبي موسى أيوب) كما ذكره الذهبي وإنما فيه: أبو أيوب، وهو كذلك عند مسلم أيضًا، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٦٢) من طريق المثنى بن سعيد عن قتادة عن أبي أيوب عن أبي هريرة.
(٢) هو حديث: (إذا قاتل أحدكم. ..) المتقدم، ولكن هذا الإسناد عند الإمام أحمد (١٢/ ٢٧٥) ح (٧٣٢٣)، وفيه بدل (قاتل): (ضرب).
(٣) هو حديث: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا ) متفق عليه، وقد تقدم ص (١١٤).
(٤) هو حديث: (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، ولا يقل قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك، فإن الله ﷿ خلق آدم على صورته)، وقد تقدم ص (١١٧ - ١١٨).
(٥) هو حديث: (إن الله ﷿ خلق آدم على صورته، وطوله ستون ذراعًا) هكذا مختصرًا، أخرجه الإمام أحمد في المسند (١٤/ ٤٥) ح (٨٢٩١)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٩٢) ح (٤٣)، وفيهما: "عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة". فأبو عثمان هو الراوي عن أبي هريرة، وقد سقط من الإسناد الذي ذكره الذهبي. وأخرج هذا الحديث -أيضًا- عبد الله بن الإمام أحمد في السنة (٢/ ٤٧٩) ح (١١٠٠) من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
[ ١٦٠ ]
- ورواه جماعة عن ابن لهيعة، عن الأعرج وأبي يونس، عن أبي هريرة (^١).
- ورواه جرير عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- (^٢).
وله طرق أخر وهو مخرج في الصحاح.
وأبو الزناد (^٣) فعمدة في الدين، وابن عجلان (^٤) صدوق من علماء المدينة وأجلائهم ومفتيهم، وغيره أحفظ منه" (^٥).
وقد اعتُذر للإمام مالك ﵀ بأنه نهى عن التحديث بهذا الحديث: خشية أن يقع بعض الجهال بتشبيه الله تعالى بخلقه، فنهيه عن التحديث به من باب سد الذريعة، وقد روى مسلم في مقدمة صحيحه عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان
_________________
(١) هو حديث: (من قاتل فليجتنب الوجه، فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن)، وقد تقدم ص (١٣٣).
(٢) هو حديث: (لا تقبحوا الوجه، فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن)، وقد تقدم ص (١٢٦).
(٣) هو عبد الله بن ذكوان، قال فيه يحيى بن معين: ثقة حجة، وقال أبو حاتم: ثقة فقيه حجة صاحب. سنة، وقال البخاري: أصح أحاديث أبي هريرة: أبو الزناد عن الأعرج عنه، وقال الذهبي: انعقد الإجماع على أن أبا الزناد ثقة رضي. [انظر: ميزان الاعتدال (٤/ ٩٤ - ٩٦)، والسير (٥/ ٤٤٥ - ٤٤٩)]، وقال ابن حجر في تقريب التهذيب (١/ ٤٩٠) عن أبي الزناد: "ثقة فقيه".
(٤) هو محمد بن عجلان القرشي، قال الذهبي في السير (٦/ ٣٢٠): "وثق ابنَ عجلان: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وحدث عنه شعبة ومالك، وهو حسن الحديث"، وقال أيضًا في (٦/ ٣٢٢): "فحديثه إن لم يبلغ رتبة الصحيح، فلا ينحط عن رتبة الحسن، والله أعلم". وقال الحافظ ابن حجر في التقريب (٢/ ١١٢): "صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة".
(٥) ميزان الاعتدال (٤/ ٩٥ - ٩٦)، وانظر: السير (٥/ ٤٥٠) (٦/ ٣٢٠).
[ ١٦١ ]
لبعضهم فتنة" (^١).
قال الإمام ابن عبد البر (^٢): "وإنما كره ذلك مالك، خشية الخوض في التشبيه بكيف ها هنا" (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " على أن علماء الأمة لم تنكر إطلاق القول: بأن الله خلق آدم على صورة الرحمن، بل كانوا متفقين على إطلاق مثل هذا.
وكراهة بعضهم لرواية ذلك في بعض الأوقات له نظائر، فإن الشيء قد يمنع سماعه لبعض الجهال، وإن كان متفقًا عليه بين علماء المسلمين" (^٤).
ومما يؤيد ذلك ما ذكره الحافظان ابن عبد البر وابن حجر عليهما رحمة الله من أن الإمام مالكًا كان يكره التحديث بأحاديث الصفات (^٥)، والله تعالى أعلم.
وهذا الاعتذار متوجه في نهيه عن التحديث بهذا الحديث، وأما إنكاره له فغير متوجه فيه، لأنه لا يليق بإمام دار الهجرة أن ينكر حديثًا صحيحًا من أجل سد الذريعة، فإن هذا لا يجوز.
_________________
(١) مسلم (١/ ١٩١)
(٢) هو الإمام العلامة حافظ المغرب شيخ الإسلام أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النَّمَري الأندلسي القرطبي المالكي، صاحب التصانيف الفائقة، أدرك الكبار، وطال عمره وعلا سنده، وتكاثر عليه الطلبة، وخضع لعلمه علماء الزمان، وكان في أصول الديانة على مذهب السلف فلم يدخل في علم الكلام، توفي ﵀ سنة (٤٦٣ هـ)، وله مصنفات عديدة منها: الاستذكار، والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد. [انظر: وفيات الأعيان (٥/ ٤٢٨)، والسير (١٨/ ١٥٣)، والعبر (٢/ ٣١٦)، وشذرات الذهب (٣/ ٣١٤)].
(٣) التمهيد (٧/ ١٥٠).
(٤) عقيدة أهل الإيمان (٧٤).
(٥) انظر: التمهيد (٧/ ١٥٠)، والفتح (١/ ٢٢٥)، وعقيدة أهل الإيمان (١٠).
[ ١٦٢ ]
فالنهي عن التحديث بالحديث -في بعض الأوقات أو الأماكن- شيء، وإنكاره شيء آخر، ولذلك جزم الذهبي رحمه الله تعالى بأن إنكار مالك لهذا الحديث لأنه لم يثبت عنده (^١)، ويؤيد ذلك أنه قدح في بعض رواته، والله أعلم.
وقد طعن الألباني في صحة هذه الرواية عن الإمام مالك ﵀، لضعف مقدام بن داود شيخ العقيلي، والذي ساق العقيلي هذه القصة من طريقه، فقال ﵀: "مقدام هذا مُتَكَلَّم فيه، بل قال النسائي (^٢) فيه: (ليس بثقة)، فلا يجوز أن ينسب بروايته إلى الإمام مالك أنه أنكر حديثًا صحيحًا" (^٣).
ولكن هذه القصة لم ينفرد بها مقدام، فقد ساقها ابن عدي ﵀ من طريق آخر عن أبي زيد بن أبي الغمر، عن ابن القاسم، عن الإمام مالك (^٤) ﵀، فهذه المتابعة من ابن عدي يعتضد بها طريق العقيلي.
وذكرها -أيضًا- حافظ المغرب ابن عبد البر عن أُصْبُغ بن الفرج، وعيسى بن مثرود، عن ابن القاسم (^٥)، ولم يتعقبها بتضعيف، بل اعتذر له بأنه كره ذلك خشية الخوض بالتشبيه -كما تقدم- مع أن ابن عبد البر يعتبر
_________________
(١) انظر: السير (٨/ ١٠٤)، وسيأتي نقل كلامه هذا قريبًا.
(٢) هو الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام، ناقد الحديث، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان الخرساني النسائي صاحب السنن، كان من بحور العلم مع الفهم والإتقان وحسن التأليف، ومن مؤلفاته: عمل اليوم والليلة، والضعفاء، توفي ﵀ سنة ثلاث ومائة (١٠٣). [انظر: وفيات الأعيان (١/ ٩٧)، والسير (١٤/ ١٢٥)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٦٩٨)، وتقريب التهذيب (١/ ٣٦)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٣٩)].
(٣) سلسلة الأحاديث الضعيفة (٣/ ٣٢٠)، وطعن في صحتها أيضًا الشيخ حمود التويجري ﵀ في كتابه: عقيدة أهل الإيمان (٩).
(٤) انظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ١٠٣).
(٥) انظر: التمهيد (٧/ ١٥٠).
[ ١٦٣ ]
من محققي المذهب المالكي، ولذا فهو يتحرى الدقة فيما ينقل عن إمام المذهب، فهذا الصنيع منه يشعر بإقراره لهذه القصة، والله أعلم.
كما ذكر هذه القصة -أيضًا- الذهبي من طريق ابن عدي مقرًا لها، وعلق عليها بقوله: "قلت: أنكر الإمام ذلك، لأنه لم يثبت عنده، ولا اتصل به، فهو معذور" (^١).
فهذه القصة رواها أربعة عن عبد الرحمن بن القاسم ﵀ وهم:
١ - أبو زيد بن أبي الغمر، كما عند العقيلي وابن عدي.
٢ - الحارث بن مسكين، كما عند العقيلي.
٣ - أُصْبُغ بن الفرج، كما ذكر ذلك ابن عبد البر في التمهيد.
٤ - عيسى بن مثرود، كما ذكر ذلك ابن عبد البر في التمهيد.
فالطعن فيها غير متوجه، وإنكار الإمام مالك محمول على ما ذكره الذهبي من أن هذا الحديث لم يثبت عنده، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) السير (٨/ ١٠٤).
[ ١٦٤ ]
المطلب الرابع: في بيان معنى قوله -ﷺ-: (فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون)
جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة -﵁-: أن ناسًا قالوا لرسول الله -ﷺ-: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله -ﷺ-: (هل تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟) قالوا: لا يا رسول الله، قال: (هل تُضَارُّون في الشمس ليس دونها سحاب؟) قالوا: لا يا رسول الله، قال: (فإنكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب الصراط ).
قال عطاء بن يزيد: وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يَرُدُّ عليه من حديثه شيئًا، حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله قال لذلك الرجل: (ومثله معه)، قال أبو سعيد: وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة، قال أبو هريرة: ما حفظت إلا قوله: (ذلك لك ومثله معه)، قال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله -ﷺ- قوله: (ذلك لك وعشرة أمثاله)، قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولًا الجنة (^١).
_________________
(١) متفق عليه: البخاري في مواضع: في كتاب الرقاق، باب: الصراط جسر جهنم =
[ ١٦٥ ]
وجاء معناه -أيضًا- في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-: أن ناسًا في زمن رسول الله -ﷺ- قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله -ﷺ-: (نعم قال: هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوًا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوًا ليس فيها سحاب؟) قالوا: لا يا رسول الله (قال: ما تضارون في رؤية الله ﵎ يوم القيامة إلا كلما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: ليتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبقَ إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغُبَّرِ أهل الكتاب، فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم أَلَا تَرِدُون، فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، قال: فيشار إليهم أَلَا تَرِدُون، فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبقَ إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين ﷾ في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئًا مرتين أو ثلاثًا، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول:
_________________
(١) = (٥/ ٢٤٠٣) ح (٦٢٠٤)، وفي كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٦/ ٢٧٠٤) ح (٧٠٠٠)، وفي كتاب صفة الصلاة، باب: فضل السجود (١/ ٢٧٧) ح (٧٧٣) لكن ليس فيه لفظ الصورة، ومسلم -واللفظ له- في كتاب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (٣/ ٢١) ح (١٨٢).
[ ١٦٦ ]
هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة (^١)، فقال: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم ) (^٢).
وفي رواية للبخاري: (فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة ) (^٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما هذا الخبر -في الجملة- فهو متواتر عند أهل العلم بالحديث، ورواته -من التابعين وأتباعهم- من أجل الأمة قدرًا في العلم والدين، وهو معروف عن عدد من الصحابة" (^٤).
وقال أيضًا: "هذان الحديثان من أصح الأحاديث" (^٥).
وقال عن الحديث الأول: "فهذا الحديث من أصح حديث على وجه الأرض" (^٦).
هذه الأحاديث تدل دلالةً واضحة على إثبات الصورة لله تعالى -كما
_________________
(١) قوله: (وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة) ليس في البخاري.
(٢) متفق عليه: البخاري في مواضع: في كتاب التفسير، باب: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (٤/ ١٦٧١) ح (٤٣٠٥)، وفي كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٦/ ٢٧٠٦) ح (٧٠٠١). ومسلم واللفظ له: كتاب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (٣/ ٣٠) ح (١٨٣).
(٣) صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٦/ ٢٧٠٦) ح (٧٠٠١).
(٤) بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع، تحقيق د/ محمد البريدي (١/ ٧٣).
(٥) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٣٢).
(٦) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٩٣).
[ ١٦٧ ]
تقدم في المطلب الثالث -والغرض من سياقها هنا هو بيان معنى قوله -ﷺ-: (فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون) وأنه على ظاهره، فهو يدل على أنهم رأوه رؤية متقدمة على هذه الرؤية في غير هذه الصورة، وقد جاء هذا المفهوم صريحًا في رواية البخاري: (فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة).
كما تدل هذه الأحاديث على أن الله تعالى هو نفسه الذي يتحول من صورة إلى صورة، كما هو صريح رواية مسلم: (وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة).
وتدل -أيضًا- على أن رؤية المؤمنين لربهم تتكرر في ذلك الموقف (^١)، وأن الله تعالى أتاهم ثلاث مرات في صور متغايرة:
_________________
(١) كما أنهم يرونه بعد ذلك في الجنة -على ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة- لكن هذه الرؤية تختلف عن رؤيته تعالى في الموقف، لأن رؤية الجنة رؤية لذة ونعيم فهي أعلى مراتب نعيم الجنة، وغاية مطلوب المؤمنين، بخلاف رؤيته في عرصات القيامة فإنها ليست من النعيم والثواب. [انظر: التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٤٢٠)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ١٢٢)، ومجموع الفتاوى (٦/ ٤٨٥)]. وهل الرؤية في عرصات القيامة عامةً، فيراه أهل الموقف كلهم بما في ذلك الكفار؟ في هذا اختلف أهل العلم على ثلاثة أقوال: الأول: أن الكفار لا يرون ربهم بحال لا المظهر للكفر ولا المسر له، وهذا قول أكثر العلماء المتأخرين وعليه يدل عموم كلام المتقدمين، وعليه جمهور أصحاب الإمام أحمد وغيرهم. والثاني: أنه يراه من أظهر التوحيد من مؤمني هذه الأمة ومنافقيها، وغبرات من أهل الكتاب، وذلك في عرصة القيامة، ثم يحتجب عن المنافقين فلا يرونه بعد ذلك، وهذا قول أبي بكر بن خزيمة من أهل السنة، وذكر نحوه القاضي أبو يعلى. والثالث: أن جميع الخلائق يرون ربهم في عرصات القيامة بما في ذلك الكفار، وذلك في أول الأمر، وتكون رؤية الكفار لربهم رؤية تعريف وتعذيب -كاللص إذا رأى السلطان- ثم يحتجب الله عنهم ليعظم عذابهم ويشتد عقابهم، ثم يراه =
[ ١٦٨ ]
الأولى: وهي التي عرفوه فيها، ويدل عليها قوله -ﷺ- في الروايات المتقدمة: ( التي رأوه فيها أول مرة)، وكذا قوله: (فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون)، فإن هذه المعرفة تدل على رؤية متقدمة على هذه الرؤية في غير هذه الصورة.
_________________
(١) = المسلمون بمن معهم من المنافقين، ثم بعد ذلك يتميز المؤمنون، وهم الذين يرونه رؤية تنعم، وإلى هذا القول ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم عليهما رحمة الله. [انظر: هذه الأقوال وأدلتها في: مجموع الفتاوى (٦/ ٤٨٧)، وما بعدها، و(٦/ ٤٦٦)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ١٢٢ - ١٢٣)، و(١/ ١٠٩)، وما بعدها، وحادي الأرواح (٣٦٣ - ٣٦٤)، والتوحيد لابن خزيمة (٢/ ٤٢٩ - ٤٣٣)]. وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية -وهو ممن يرجح القول الثالث- إلى أمور تجب مراعاتها في هذه المسألة وهي:
(٢) أن الرؤية أنواع متباينة تباينًا عظيمًا لا يكاد ينضبط طرفاها، وبناءً عليه، فإن هذا النوع من الرؤية الذي هو عام للخلائق كلهم، قد يكون ضعيفًا، فلا يكون من جنس الرؤية التي يختص بها المؤمنون.
(٣) أنه ليس لأحد أن يطلق القول: بأن الكفار يرون ربهم من غير تقييد، وذلك لأمرين: أحدهما: أن الرؤية المطلقة قد صار يفهم منها الكرامة والثواب، وفي إطلاقها على الكفار إيهام وإيحاش، وليس لأحد أن يطلق لفظًا يوهم خلاف الحق، إلا أن يكون مأثورًا عن السلف، وهذا اللفظ ليس مأثورًا. والثاني: أن الحكم إذا كان عامًا، وفي تخصيص بعضه باللفظ خروج عن القول الجميل فإنه يمنع من التخصيص، فإن الله خالق كل شيء ومريد لكل حادث، ومع هذا يمنع الإنسان أن يخص ما يستقذر من المخلوقات، وما يستقبحه الشرع من الحوادث، بأن يقول على الانفراد: يا خالق الكلاب، ويا مريدًا للزنا، ونحو ذلك. [انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٣ - ٥٠٤)].
(٤) أن الخلاف في هذه المسألة لا يوجب نزاعًا أو فرقة أو مقاطعةً، لأنها مسألة خفيفة، فليست هي من المهمات التي ينبغي كثرة الحديث عنها، ومفاتحة عوام المسلمين فيها، مما قد يوجب تفرق القلوب وتشتت الأهواء، بخلاف اعتقاد رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، فإن هذا فرض واجب لازم كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة. [انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٤٥٨، ٥٠٢، ٥٠٤)].
[ ١٦٩ ]
الثانية: وهي التي جاءهم فيها في غير صورته التي رأوه فيها أول مرة (^١)، وهي المرادة بقوله -ﷺ-: (فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون)، وقد أنكروا هذه الصورة لأنها مغايرة للصورة الأولى، فهي أدنى منها كما في رواية: (أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها)، وقد فعل الله تعالى ذلك امتحانًا لهم، فلما أنكروه عرَّفهم نفسه بالآية التي يعرفون، وهي الساق، فإنه لما كشفه خَرُّوا له سجدًا.
وأما الثالثة: فهي التي تحول فيها من الصورة السابقة إلى الصورة التي رأوه فيها أول مرة، وذلك حال سجودهم كما في رواية مسلم: (فيرفعون رؤسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة)، وهي المرادة بقوله -ﷺ- -في حديث أبي هريرة-: (فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون ).
وقد ذهب بعض أهل العلم والحديث كأبي عاصم النبيل (^٢)، والدارمي (^٣)، عليهما رحمة الله إلى تأويل هذا الحديث وصرفه عن ظاهره:
_________________
(١) وجاء عند ابن خزيمة (١/ ٢١٥ - ٢١٦) ح (١٢٣) ما يدل على أن هذه الرؤية تكون مرتين متتاليتين.
(٢) هو الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم، الإمام الحافظ، شيخ المحدثين الأثبات، كان واسع العلم، ولم يُرَ في يده كتاب قط، حدَّث عن جماعة من التابعين، وحدث عنه خلق كثير، منهم البخاري ﵀، وهو أجل شيوخه وأكبرهم، توفي ﵀ سنة اثنتي عشرة ومائتين (٢١٢)، وقيل غير ذلك. [انظر: السير (٩/ ٤٨٠)، والعبر (١/ ٢٨٥)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٦٦)، وتقريب التهذيب (١/ ٤٤٤)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٨)].
(٣) هو أبو سعيد عثمان بن سعيد بن خالد السجستاني، الحافظ الإمام الحجة صاحب التصانيف، أكثر من الترحال والتطواف في طلب الحديث، أخذ علم الحديث وعلله على علي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وفاق أهل زمانه وكان لهاجًا بالسنة بصيرًا بالمناظرة جذعًا في أعين المبتدعة، توفي ﵀ سنة (٢٨٠ هـ) له مصنفات منها: النقض على المريسي، وكتاب الرد على الجهمية. [انظر: تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٢١)، والسير (١٣/ ٣١٩)، وشذرات الذهب (٢/ ١٧٦)] ..
[ ١٧٠ ]
فقد حُكي عن أبي عاصم أنه قال: "ذلك تغيّر يقع في عيون الرائين، كنحو ما يتخيل إلى الإنسان الشيء بخلاف ما هو به، فيتوهم الشيء على الحقيقة" (^١).
وقال الدارمي في رده على المريسي حين أنكر هذا الحديث واعترض عليه -مدعيًا أنه يتضمن شك المؤمنين في معبودهم؛ لأنهم يقولون: (نعوذ بالله منك)، وذلك إذا أتاهم في صورة غير صورته التي يعرفون-: "ويلك إن هذا ليس بشك وارتياب منهم، ولو أن الله تجلى لهم أول مرة في صورته التي عرفهم صفاتها في الدنيا، لاعترفوا بما عرفوا، ولم ينفروا، ولكنه يري نفسه في أعينهم، لقدرته ولطف ربوبيته في صورة غير ما عرفهم الله صفاتها في الدنيا، ليمتحن بذلك إيمانهم ثانية في الآخرة كما امتحن في الدنيا، ليثبتهم أنهم لا يعترفون بالعبودية في الدنيا والآخرة إلا للمعبود الذي عرفوه في الدنيا بصفاته التي أخبرهم بها في كتابه، واستشعرتها قلوبهم حتى ماتوا على ذلك، فإذا مثل في أعينهم غير ما عرفوا من الصفة نفروا وأنكروا، إيمانًا منهم بصفة ربوبيته التي امتحن قلوبهم في الدنيا، فلما رأى أنهم لا يعرفون إلا التي امتحن الله قلوبهم، تجلى لهم في الصورة التي عرفهم في الدنيا فآمنوا به وصدقوا، وماتوا، ونشروا عليه (^٢)، من غير أن يتحول الله من صورة إلى صورة، ولكن يمثل ذلك في أعينهم بقدرته، فليس هذا أيها المريسي بشك منهم في معبودهم، بل هو زيادة يقين وإيمان به مرتين
ويلك إن الله لا تتغير صورته ولا تتبدل، ولكن يمثل في أعينهم يومئذ، أولم تقرأ كتاب الله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤]، وهو
_________________
(١) إبطال التأويلات للقاضي أبي يعلى (١/ ١٥٣)، وانظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ١٩١).
(٢) في النسخة التى اعتمدها المحقق أصلًا: "وبشروا عليه"، وما أثبته أوضح، وهو موجود في بقية النسخ كما ذكر المحقق.
[ ١٧١ ]
الفعال لما يشاء، كما مثل جبريل ﵇ مع عظم صورته وجلالة خلقه في عين رسول الله -ﷺ- صورة دحية الكلبي، وكما مثله لمريم بشرًا سويًا، وهو ملك كريم في صورة الملائكة، وكما شبه في أعين اليهود أن قالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾، فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] " (^١).
ولا ريب أن هذا تأويل باطل مخالف لظاهر هذه النصوص، ويتضح بطلانه من عدة وجوه:
الوجه الأول: أن في حديث أبي سعيد المتقدم (فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة)، وفي لفظ: (في أدنى صورة من التي رأوه فيها)، وهذا يفسر قوله في حديث أبي هريرة (فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون)، ويبين أن تلك المعرفة كانت لرؤية منهم في صورة غير الصورة التي أنكروه فيها.
وما ذهب إليه الدارمي من جعل صورته التي يعرفون، هي التي عرَّفهم صفاتها في الدنيا، فغير صحيح، لأنه أخبر أنها الصورة التي رأوه فيها أول مرة، لا أنهم عرفوها بالنعت في الدنيا، ولفظ الرؤية صريح في ذلك.
الوجه الثاني: أنهم لا يعرفون في الدنيا لله صورة معينة، ولم يروه في الدنيا في صورة، فإن ما وصف الله تعالى به نفسه ووصفه به رسوله -ﷺ- لا يوجب لهم صورة يعرفونها، وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
ولو كانوا أرادوا الصفات المخبر بها في الدنيا لذكروا ذلك، فعلم أنهم لم يطيقوا وصف الصورة التي رأوه فيها أول مرة، وقد قال النبي -ﷺ- في سدرة المنتهى: (فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرَتْ، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها)، رواه مسلم (^٢).
_________________
(١) نقض الإمام أبي سعيد على المريسي الجهمي العنيد (١/ ٣٨٦ - ٣٩١).
(٢) من حديث أنس -﵁-، صحيح مسلم (٢/ ٥٦٧) ح (١٦٢).
[ ١٧٢ ]
فالله أعظم من أن يستطيع أحد أن ينعت صورته، وهو سبحانه وصف نفسه لعباده بقدر ما تحتمله أفهامهم، ومعلوم أن قدرتهم على معرفة الجنة بالصفات -التي ذكرها الله ورسوله- أيسر، ومع هذا فقد قال -ﷺ-: (قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، متفق عليه (^١). فالخالق أولى أن يكونوا لا يطيقون معرفة صفاته كلها.
الوجه الثالث: أن في حديث أبي سعيد -المتقدم-: (فيرفعون رؤسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة)، وهذا نص صحيح صريح في أن الذي يتحول هو الله نفسه، لا أنه تغير في عيون الرائين، كما في هذا التأويل.
وقول الدارمي: "من غير أن يتحول من صورة إلى صورة، ولكن يمثل ذلك في أعينهم" مخالف لهذا النص.
الوجه الرابع: أنه في عدة أحاديث، كحديث أبي سعيد قال: (هل بينكم وبينه علامة؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساقه فيسجدون له).
وهذا يبين أنهم لم يعرفوه بالصفة التي وصف لهم في الدنيا، بل بآية وعلامة عرفوها بالموقف.
الوجه الخامس: أن تمثيل الدارمي بقوله: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] لا يناسب تشبيهه بمجيء جبريل في صورة دحية والبشر، وذلك أن اليهود غلطوا في الذي رأوه، فلم يكن هو المسيح ولكن ألقي شبهه عليه، والذي رأته مريم، ومحمد -ﷺ- هو جبريل نفسه ولكن في صورة آدمي، فكيف يقاس ما رُئي هو نفسه في صورة على ما لم يُر هو، وإنما ألقى شبهه على غيره.
الوجه السادس: أن هذا المعنى -وهو التمثيل- إذا قصد كان مقيدًا
_________________
(١) البخاري (٣/ ١١٨٥) ح (٣٠٧٢)، ومسلم (١٧/ ١٧١) ح (٢٨٢٤).
[ ١٧٣ ]
بالرائي لا بالمرئي مثل قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ [الأنفال: ٤٤]، فقيد ذلك بأعين الرائين، ويقال: كان هذا في عين فلان رجلًا فظهر امرأةً، وكان كبيرًا فظهر صغيرًا، ونحو ذلك، ولا يقال: جاء فلان في صورة كذا، ثم تحول في صورة كذا، ويكون التصوير في عين الرائي فقط، هذا لا يقال في مثل هذا أصلًا (^١).
* * *
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ١٩٨ - ٢٠٢)، وإبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ١٥٣).
[ ١٧٤ ]
المبحث الثاني: (وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ١٧٥ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
عن أبي هريرة -﵁-: قال النبي -ﷺ-: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم، وإن تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) متفق عليه (^١).
وفي رواية لمسلم: (إن الله قال: إذا تلقاني عبدي بشبر تلقيته بذراع، وإذا تلقاني بذراع تلقيته بباع، وإذا تلقاني بباع أتيته بأسرع).
وعن أنس -﵁-، عن النبي -ﷺ-، يرويه عن ربه، قال: (إذا تقرب العبد إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإذا تقرب إليَّ ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة)، رواه البخاري (^٢).
وعن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (يقول الله ﷿: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا
_________________
(١) البخاري: كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٦/ ٢٦٩٤) ح (٦٩٧)، ومسلم في موضعين: في كتاب الذكر والدعاء والاستغفار، باب: الحث على ذكر الله تعالى، (١٧/ ٥) ح (٢٦٧٥)، وفي نفس الكتاب، باب: فضل الذكر والدعاء (١٧/ ١٤) ح (٢٦٧٥).
(٢) صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب: ذكر النبى -ﷺ- وروايته عن ربه (٦/ ٢٧٤) ح (٧٠٩٨).
[ ١٧٦ ]
يشرك بي شيئًا لقيته بمثلها مغفرة)، رواه مسلم (^١).
بيان وجه الإشكال
أن الهرولة (^٢) الواردة في هذا الحديث، هل يصح أن تثبت صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، أم أن لها معنى آخر يقتضيه السياق فتحمل عليه؟ في هذا اختلف أهل العلم، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
* * *
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء والاستغفار، باب: فضل الذكر والدعاء (١٧/ ١٥) ح (٢٦٧٧).
(٢) الهرولة: "بين المشي والعدو" تهذيب اللغة (٦/ ١٤٦) مادة: (هرل)، وانظر: معجم مقاييس اللغة (٦/ ٤٨) مادة: (هرل)، والمجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث لأبي موسى المديني (٣/ ٤٩٦)، ولسان العرب (١١/ ٦٩٥) مادة: (هرول).
[ ١٧٧ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في معنى قوله: (وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) على قولين:
الأول: أن المراد به ضرب مثل لكرم الله وجوده على عبده، ومعناه: أن العبد إذا تقرب إلى الله تعالى بالطاعة والأعمال الصالحة، تقرب الله إليه بالثواب والرحمة والكرامة ومضاعفة الأجر، أو زاده قربًا إليه، فمثَّل القليل من الطاعة بالشبر -أي قدر شبر- والزيادة عليه بالذراع، وبذل الجهد من الطاعة بالمشي، وقابل كلًا منها بما هو أقوى وأزيد، تكرمًا منه وفضلًا.
وعليه، فلا يؤخذ من هذا الحديث إثبات الهرولة صفة لله تعالى.
وهذا التفسير للحديث هو ظاهر كلام قتادة -رحمه الله تعالى- حيث قال بعد روايته لهذا الحديث: "والله أسرع بالمغفرة" (^١).
كما أنه مروي عن الأعمش (^٢) وهو قول إسحاق بن راهويه وابن قتيبة
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٩/ ٣٩٧)، وحكم المحقق -شعيب الأرنؤوط- على إسناده بالصحة، وأخرجه أيضًا البغوي في شرح السنة (٥/ ٢٣)، وقال عنه: "صحيح"، وانظر: إبطال التأويلات (٢/ ٤٥٠).
(٢) هو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي أبو محمد الكوفي، شيخ المقرئين والمحدثين، ثقة حافظ، كان من أقرأ الناس للقرآن، وأعرفهم بالفرائض، وأحفظهم للحديث، رأى أنس بن مالك وحدَّث عنه، لكنه مع إمامته كان مدلِّسًا، توفي ﵀ سنة ثمان وأربعين ومائة (١٤٨ هـ)، وقيل غير ذلك. [انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٤)، والسير (٦/ ٢٢٦)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٥٤)، وتقريب التهذيب (١/ ٣٩٢)، وشذرات الذهب (١/ ٢٢٠)، وتقدم ذكر شيء من أقوال أهل العلم عنه ص (١٣٠)].
[ ١٧٨ ]
وأبي يعلى وابن تيمية، عليهم رحمة الله، وإليه ذهب الشيخ عبد الله الغنيمان (^١) وعليه عامة أهل التأويل من شراح الحديث وغيرهم (^٢).
قال الترمذي: "ويروى عن الأعمش في تفسير هذا الحديث: من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، يعني: بالمغفرة والرحمة، وهكذا فسر بعض أهل العلم هذا الحديث، قالوا: إنما معناه يقول: إذا تقرب إليَّ العبد بطاعتي وما أمرت، أُسْرِع إليه بمغفرتي ورحمتي" (^٣).
وقال إسحاق بن راهويه في معنى هذا الحديث: "يعني: من تقرب إلى الله شبرًا بالعمل تقرب الله إليه بالثواب باعًا" (^٤).
وقال ابن قتيبة: "وإنما أراد: من أتاني مسرعًا بالطاعة، أتيته بالثواب أسرع من إتيانه فكنى عن ذلك بالمشي والهرولة" (^٥).
وقال أبو يعلى: "تقرب العبد إليه بالأعمال الصالحة، وأما تقربه إلى عبده فبالثواب والرحمة والكرامة" (^٦).
وقال ابن تيمية: "ولا ريب أن الله تعالى جعل تقربه من عبده جزاءً
_________________
(١) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ٢٧١).
(٢) انظر: صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان (٣/ ٩٤)، وأعلام الحديث للخطابي (٤/ ٢٣٥٨)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٣٨٤)، وشرح السنة للبغوي (٥/ ٢٦)، والمعلم للمازري (٣/ ١٨٤)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (٨/ ١٧٤)، والمفهم للقرطبي (٧/ ٨)، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٥/ ٢٦١)، والأسنى في شرح أسماء الله الحسنى لأبي عبد الله القرطبي (١٥٢)، وشرح صحيح مسلم للنووي (١٧/ ٦)، وإيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل لابن جماعة (١٩٢)، وفتح الباري (١٣/ ٥١٣ - ٥١٤)، ومنة المنعم في شرح صحيح مسلم لصفي الرحمن المباركفوري (٤/ ٣٣٢).
(٣) جامع الترمذي (عارضة ١٣/ ٨١)، وانظر: شرح السنة للبغوي (٥/ ٢٦).
(٤) مسائل الإمام أحمد بن محمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، رواية حرب الكرماني (٣٤٥).
(٥) تأويل مختلف الحديث: (٢٠٩).
(٦) إبطال التأويلات: (٢/ ٢٨٩)، وانظر: (١/ ٢٣١)، و(٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠).
[ ١٧٩ ]
لتقرب عبده إليه؛ لأن الثواب أبدًا من جنس العمل، كما قال في أوله: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم) وإذا كان كذلك فظاهر الخطاب أن أحد التقديرين من جنس الآخر، وكلاهما مذكور بلفظ المساحة
ومن المعلوم أنه ليس ظاهر الخطاب أن العبد يتقرب إلى الله بحركة بدنه، شبرًا وذراعًا ومشيًا وهرولة، ولكن قد يقال: عدم ظهور هذا للقرينة الحسية العقلية، وهو أن العبد يعلم أن تقربه ليس على هذا الوجه" (^١).
وقال أيضًا: "فكلما تقرب العبد باختياره قدر شبر زاده الرب قربًا إليه، حتى يكون كالمتقرب بذراع" (^٢).
واستدل هؤلاء بما يلي:
١ - دلالة السياق، فإنه قال: (ومن أتاني يمشي )، ومن المعلوم أن المتقرب إلى الله ﷿ لا يتقرب إليه بالمشي فقط، بل يكون تارة بالمشي كالسير إلى المساجد، ومشاعر الحج، والجهاد في سبيل الله ونحوها، وتارة يكون بغير المشي كالصيام، والركوع والسجود ونحوها، وقد قال -ﷺ-: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء)، رواه مسلم من حديث أبي هريرة -﵁- (^٣).
قالوا: وإذا كان ذلك كذلك صار المراد بالحديث: مجازاة الله تعالى العبد على عمله، وكان هذا هو ظاهر الحديث، بدلالة هذه القرينة المفهومة من السياق، وليس تفسيره بهذا خروجًا بالحديث عن ظاهره، بل هو ظاهره (^٤).
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ١٥٠ - ١٥٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٠)، وانظر: (٥/ ٢٣٨)، و(٣٥/ ٣٧١)، والفتاوى الكبرى (٢/ ٣٩٧)، وشرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ٢٦٨، ٢٧١).
(٣) صحيح مسلم (٤/ ٤٤٥) ح (٤٨٢).
(٤) انظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ١٥٢)، والقواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى للعثيمين (٧١).
[ ١٨٠ ]
وأما أهل التأويل فإنهم قالوا بهذا القول: فرارًا من التشبيه والتمثيل، حيث زعموا -كعادتهم- أن حمل اللفظ على ظاهره وحقيقته يلزم منه التشبيه (^١)، ولذلك أوجبوا صرفه عن ظاهره على حد زعمهم.
فأهل التأويل، وإن قالوا: بهذا القول، إلا أنهم لا يجعلونه هو ظاهر الحديث بل يجعلونه مجازًا فيه، فمنزعهم في هذا القول يختلف عن منزع القائلين به من أهل السنة.
قال النووي: "هذا الحديث من أحاديث الصفات، ويستحيل إرادة ظاهره" (^٢).
وقال ابن حجر: "والحاصل أن الثواب راجح على العمل، بطريق الكم والكيف، ولفظ القرب والهرولة مجاز على سبيل المشاكلة، أو الاستعارة، أو إرادة لوازمها" (^٣).
٢ - استدل أبو يعلى -﵀- بأن الحديث جاء مفسرًا في بعض ألفاظه، حيث روي بلفظ: (من جاء يمشي أقبل الله إليه بالخير يهرول) (^٤)، لكن إسناده ضعيف. ولكن جاء هذا الحديث عند ابن حبان من طريق أبي هريرة -﵁- بلفظ: (وإذا أتاني مشيًا أتيته هرولة، وإن هرول سعيت إليه، والله أوسع بالمغفرة) (^٥).
_________________
(١) وقد وافقهم ابن قتيبة -﵀- في كون الحديث إذا حمل على الصفة أفاد التمثيل، انظر: تأويل مختلف الحديث (٢٠٩).
(٢) شرح صحيح مسلم (١٧/ ٦)، وانظر: (١٧/ ١٥).
(٣) فتح الباري (١٣/ ٥١٤)، وانظر: (١٣/ ٥١٣).
(٤) رواه أبو يعلى في إبطال التأويلات (٢/ ٤٤٣)، وانظر: (١/ ٢٣١) (٢/ ٢٩٠)، وسنده ضعيف، لأن فيه إسحاق بن إبراهيم الحنيني -أبو يعقوب المدني- قال عنه النسائي في الضعفاء والمتروكون (٥٤): "ليس بثقة"، وقال البخاري: فيه نظر، وقال ابن عدي: ضعيف، ومع ضعفه يكتب حديثه. [انظر: تهذيب التهذيب (١/ ٢٠١)]، وقال ابن حجر في التقريب: (١/ ٧٩): "ضعيف".
(٥) صحيح ابن حبان (٢/ ١٠٠) ح (٣٧٦)، وحكم عليه المحقق -شعيب الأرناؤوط- بالصحة.
[ ١٨١ ]
وجاء عند الإمامِ أحمد من طريق أبي هريرة -﵁- -أيضًا- بلفظ (وإن تقرب العبد مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، وإن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، وإذا جاءني يمشي جئته أهرول، له المن والفضل) (^١).
القول الثاني: أن (الهرولة) صفة فعلية خبرية، ثابتة لله تعالى بهذا الحديث: (وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة).
وقد صرح بكونها صفة لله تعالى بعض العلماء المعاصرين، كأعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، والشيخ محمد العثيمين -﵀-، وقد أطال النفس في تقرير وإثبات ذلك.
وعلى هذا القول ظاهر كلام الهروي وأبي موسى المديني، عليهما رحمة الله:
أما الهروي فقد عقد بابًا بعنوان: "باب الهرولة لله ﷿" (^٢)، ثم ساق تحته هذا الحديث.
وأما أبو موسى المديني فقد قال: "في الحديث عن الله ﵎: (من أتاني يمشي أتيته هرولة)، وهي مشي سريع بين المشي والعدو" (^٣).
وأما اللجنة الدائمة فقد قالوا -بعد أن سُئلوا: هل لله صفة الهرولة؟ -: "نعم، صفة الهرولة على نحو ما جاء في الحديث القدسي الشريف على ما يليق به" (^٤).
وقد وقع على هذه الفتوى كل من: الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ
_________________
(١) المسند (١٦/ ١٧٨) ح (١٠٢٥٣)، وقال المحقق: "هذا إسناد حسن قوله: (له المن والفضل) هو من قول النبي -ﷺ-، أو من بعض الرواة، والله أعلم ".
(٢) الأربعين في دلائل التوحيد (٧٩).
(٣) المجموع المغيث (٣/ ٤٩٦).
(٤) فتاوى اللجنة الدائمة (٣/ ١٩٦)، وانظر: تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي للدكتور عبد الرزاق البدر (١٦٩).
[ ١٨٢ ]
عبد الرزاق عفيفي، والشيخ عبد الله بن غديان، والشيخ عبد الله بن قعود.
وقال الشيخ محمد العثيمين ﵀: "صفة الهرولة ثابتة لله تعالى كما في الحديث الصحيح وهذه الهرولة صفة من صفات أفعاله التي يجب علينا الإيمان بها، من غير تكييف ولا تمثيل، لأنه أخبر بها عن نفسه، وهو أعلم بنفسه، فوجب علينا قبولها بدون تكييف، لأن التكييف قول على الله بغير علم، وهو حرام، وبدون تمثيل لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] " (^١).
وأجاب ﵀ عن استدلال أصحاب القول الأول، بأن التقرب إلى الله تعالى لا يختص بالمشي فقال: "الحديث خرج مخرج المثال لا الحصر، فيكون المعنى: من أتاني يمشي في عبادة تفتقر إلى المشي، لتوقفها عليه بكونه وسيلة لها، كالمشي إلى المساجد للصلاة، أو من ماهيتها، كالطواف والسعي، والله تعالى أعلم" (^٢).
وعمدة أصحاب هذا القول هو هذا الحديث، فقالوا: إن ظاهره يدل على إثبات هذه الصفة لله تعالى (^٣).
* * *
_________________
(١) إزالة الستار عن الجواب المختار لهداية المحتار (٢٤)، وانظر: صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي السقاف (٢٦٢).
(٢) القواعد المثلى (٧٢).
(٣) انظر: إزالة الستار (٢٤ - ٣١)، والقواعد المثلى (٧٠).
[ ١٨٣ ]
المطلب الثالث: الترجيح
قبل ترجيح أيٍّ من القولين السابقين لا بُدَّ من التذكير بقاعدتين هامتين في هذا الباب:
القاعدة الأولى: أن الواجب في نصوص الكتاب والسنة إجراؤها على ظاهرها، دون التعرض لها بتحريف أو تعطيل، لا سيما نصوص الصفات، لأنه لا مجال للرأي فيها (^١).
قال القاضي أبو يعلى عن أخبار الصفات: "والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى، لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها" (^٢).
القاعدة الثانية: أن المراد بظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السياق، وما يضاف إليه الكلام، فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق، ومعنى آخر في سياق آخر (^٣).
وعليه، فإنه لا يجوز طرد معنى من معاني اللفظ في كل سياق ورد فيه، لمجرد أن اللفظ يحتمله، بل لا بد من النظر إلى معناه مقترنًا بسياقه الذي ورد فيه، و"كل لفظ موجود في كتاب الله ورسوله، فإنه مقيد بما يبين معناه" (^٤).
_________________
(١) انظر: القواعد المثلى للعثيمين (٣٣).
(٢) إبطال التأويلات: (١/ ٤٣).
(٣) انظر: القواعد المثلى (٣٦)، ونقض الدارمي على المريسي (١/ ٣٤٤).
(٤) مقتبس من مجموع الفتاوى لابن تيمية (٧/ ١٠٧)، وانظر: مختصر الصواعق لابن القيم (٢/ ٣٠٧).
[ ١٨٤ ]
قال ابن القيم ﵀: "السياق يرشد إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته، فانظر إلى قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩]، كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير" (^١).
وقال أيضًا: "كل موضع ظهر فيه المراد بذلك التركيب والاقتران، فهو ظاهره وحقيقته، لا ظاهر له غيره، ولا حقيقة له سواه، فقوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] حقيقته وظاهره أنه أجاعها بعد شبعها، وأخافها بعد أمنها، وألبس بواطنها ذل الجوع والخوف" (^٢).
وبناءً على ما تقدم، فإن لفظ الهرولة وإن كان معناه: الإسراع في المشي، إلا أنه لا يقتضي أن يكون هذا معناه المراد منه في كل سياق ورد فيه، وإنما السياق هو الذي يحدد معناه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- وهو يتحدث عن قرب الله تعالى: "ولا يلزم من جواز القرب عليه، أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة، وينظر في النص الوارد، فإن دلَّ على هذا حمل عليه، وإن دل على هذا حمل عليه" (^٣).
فالهرولة في هذا الحديث معناها: مجازاة الله تعالى وإثابته لعبده بأكمل وأفضل من عمله -على ما جاء في القول الأول- وليس المراد بها: المشي السريع، فتثبت صفةً لله تعالى، كما أن تقرب العبد بالشبر والذراع لا يراد به حقيقة الشبر والذراع، وإنما يراد به قدرهما، وإلا فما موضع
_________________
(١) بدائع الفوائد (٤/ ٢٢٢)، وقد تقدم هذا النقل وتقرير هذه القاعدة في المبحث الثالث من التمهيد، وذكرته هنا لأهميته ومناسبته.
(٢) مختصر الصواعق (٢/ ٣١٧).
(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ١٤).
[ ١٨٥ ]
العبادات القلبية -والتي هي من أعظم العبادات وعليها تنبني أعمال الجوارح- كالخوف والرجاء والمحبة والتوكل ؟
وكذا العبادات القولية كالذكر والدعاء والاستغفار، هل نخرجها من هذا الحديث؟ !
وليس هذا تأويلًا للحديث وحملًا له على غير ظاهره، بل هو حقيقة معناه، وظاهر سياقه، وقد بيَّنا -فيما تقدم- أن ظاهر اللفظ: هو ما ظهر منه في السياق الذي ورد فيه، لا ما ظهر منه في سياق آخر.
ثم إن من جعل تقرب العبد الوارد في الحديث، لا يراد به التقرب بالمساحة المذكورة -وهو الحق كما تقدم- فإنه يلزمه أن يجعل تقرب الله تعالى كذلك، لأن ظاهر الخطاب أن أحد التقديرين من جنس الآخر، وكلاهما مذكور بلفظ المساحة (^١)، ومن فرق بينهما فقد تناقض.
ومثل هذا الحديث ما أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس -﵄-، عن النبي -ﷺ- قال: (من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتةً جاهلية)، وفي رواية: (من فارق الجماعة شبرًا) (^٢).
فإنه لا يفهم من ظاهره أن المراد بالشبر شبر المساحة، وإنما المراد به كما هو ظاهر سياقه: التمثيل والتقريب، ومعناه: النهي عن معصية السلطان، ومفارقة الجماعة، ولو بأقل القليل.
قال الحافظ ابن حجر: "قوله: (شبرًا): هي كناية عن معصية السلطان ومحاربته، قال ابن أبي جمرة (^٣): المراد بالمفارقة: السعي في حل عقد
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ١٥١).
(٢) متفق عليه: البخاري (٦/ ٢٥٨٨) ح (٦٦٤٥)، ومسلم (١٢/ ٤٨١) ح (١٨٤٩).
(٣) هو الإمام العالم الناسك أبو محمد عبد الله بن سعد بن سعيد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي المالكي، كان عالمًا بالحديث، قوَّالًا بالحق، أمَّارًا بالمعروف نهَّاءً عن المنكر، اختصر صحيح البخاري ثم شرحه في كتاب: بهجة النفوس، توفي بالديار المصرية سنة (٦٩٥). =
[ ١٨٦ ]
البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكنى عنها بمقدار الشبر، لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق" (^١).
ومثله -أيضًا- قوله -ﷺ-، كما في حديث أبي هريرة: (ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن يشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأً أو معاذًا فليعذ به)، متفق عليه (^٢).
إذ ليس المراد به ذات القعود وذات القيام، وإنما المراد به: التنبيه على عظم وخطر الدخول فيها، والحض على تجنبها، والإمساك عن التشبث بشيء منها، وأن بلاءها بقدر مبلغ الإنسان منها، ودخوله فيها، ولهذا حض النبي -ﷺ- على الهروب عنها (^٣).
والقول: بهذا المعنى للهرولة، ليس هروبًا من إثباتها صفةً لله تعالى؛ لأنها توهم معنى فاسدًا -كما هو منهج نفاة الصفات-، وإنما لأن سياق الحديث وظاهره يدل عليه، ولو لم يرد في السياق ما يدل عليه لتعين إثباتها صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله، ولذلك فقد أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات صفة المجيء والإتيان له سبحانه على ما يليق بجلاله، لدلالة النصوص الصحيحة عليهما (^٤)، والهرولة من جنسهما، ولكن لأنه لم يدل دليل صريح على إثباتها صفة لله تعالى فإنه لا يتوجه إثباتها صفة له، والله أعلم.
_________________
(١) = [انظر: البداية والنهاية (١٣/ ٣٦٦)، والأعلام (٤/ ٨٩)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٢٤٣)].
(٢) فتح الباري (١٣/ ٦ - ٧) بتصرف يسير.
(٣) البخاري في مواضع: (٣/ ١٣١٨) ح (٣٤٠٦)، و(٦/ ٢٥٩٤) ح (٦٦٧٠، ٦٦٧١)، ومسلم (١٨/ ٢٢٤) ح (٢٨٨٦).
(٤) انظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (٨/ ٤١٨)، وفتح الباري (١٣/ ٣٠).
(٥) انظر: عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني (١٩٢)، ومجموع الفتاوى (٥/ ٥٧٧ - ٥٧٨).
[ ١٨٧ ]
ثم إن الهرولة جاءت في الحديث مقيدة، فالله يأتي هرولة لمن أتاه يمشي، ولم تأتِ مطلقة كبقية الصفات المطلقة، ولذا فمن أثبتها صفة لله تعالى ينبغي له تقييدها بما قيدت به في الحديث، فلا يجعلها صفة لله تعالى على وجه الإطلاق.
فإن قيل: تفسير الحديث بهذا المعنى، فيه حجة لأهل التأويل في تأويلهم، وإلزام لنا بموافقتهم، أو مداهنتهم فيما أولوه من صفات الله ﷿ (^١).
قيل: هذا الإيراد مبني على اعتقاد أن هذا المعنى: تأويل للحديث وصرف له عن ظاهره، وقد تقدم بيان أن القول بهذا المعنى عمل بظاهر الحديث وليس تأويلًا له.
وقد قال الشيخ محمد العثيمين -رحمه الله تعالى- عن هذا القول: إن له حظًا من النظر (^٢)، مع أنه قد انتصر للقول الثاني.
ثم إن أهل السنة في إثبات الصفات لله تعالى وغيرها ينطلقون من دلالة نصوص الكتاب والسنة -ولذلك نلاحظ أن كلًا من أصحاب القولين السابقين ممن هم من أهل السنة يرى أنه قد عمل بظاهر الحديث- لا من مجرد مخالفة أهل التأويل.
وأما ما قيل في معنى: (وإذا أتاني يمشي ..) أي: في عبادة تفتقر إلى المشي، فبعيد عن ظاهر الحديث، وهل يقال مثل ذلك في رواية: (وإن هرول سعيت إليه) (^٣) فيكون المعنى: في عبادة تفتقر إلى الهرولة؟ ! لا ريب أن هذا تكلف ظاهر، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) انظر: إزالة الستار للعثيمين (٢٨).
(٢) انظر: القواعد المثلى (٧٢)، وإزالة الستار (٣١).
(٣) تقدم تخريجه ص (١٨١).
[ ١٨٨ ]
المبحث الثالث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ١٨٩ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
عن أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- قال: (إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة)، متفق عليه (^١).
وفي لفظ آخر: (لله تسعة وتسعون اسمًا، مائة إلا واحدًا، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر)، متفق عليه (^٢).
بيان وجه الإشكال
هو أن هذا العدد المذكور في الحديث، هل هو حاصر لأسماء الله تعالى كلها، فلا تزيد عليه، أم أن المراد به بيان عدة الأسماء التي اختصت بأن من أحصاها دخل الجنة؟
وفي الحديث إشكالان آخران:
أحدهما: في بيان معنى الإحصاء الوارد في الحديث.
والثاني: هل يمكن معرفة هذه الأسماء التسعة والتسعين على وجه التعيين.
وسيأتي الكلام عليهما في المطلب الثالث إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) البخاري في موضعين: في كتاب الشروط، باب: ما يجوز من الاشتراط (٢/ ٩٨١) ح (٢٥٨٥)، وفي كتاب التوحيد، باب: إن لله مائة اسم إلا واحدًا، (٦/ ٢٦٩١) ح (٦٩٥٧)، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها (١٧/ ٨) ح (٢٦٧٧).
(٢) البخاري: كتاب الدعوات، باب: لله مائة اسم غير واحد (٥/ ٢٣٥٤) ح (٦٠٤٧)، ومسلم: الموضع السابق.
[ ١٩٠ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن الأسماء الحسنى ليست محصورة بهذا العدد المذكور، وأن مقصود الحديث بيان أن هذه الأسماء قد اختصت بأن من أحصاها دخل الجنة.
وإلى هذا ذهب الجمهور، بل نقل النووي -رحمه الله تعالى- اتفاق العلماء عليه حيث قال: "واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ﷾، فليس معناه: أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء" (^١).
وقد نص جمع من أهل العلم على أن الحديث لا يفهم منه إرادة حصر أسماء الله تعالى بالعدد المذكور فيه، وممن نص على ذلك: الخطابي، والباقلاني (^٢)،
_________________
(١) شرح صحيح مسلم (١٧/ ٨).
(٢) انظر: فتح الباري (١١/ ٢٢٠)، والباقلاني هو: القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم المعروف بالباقلاني البصري الشافعي الأصولي المتكلم المشهور، كان على مذهب أبي الحسن الأشعري ومؤيدًا اعتقاده وناصرًا طريقته سكن بغداد، وصنف التصانيف الكثيرة في علم الكلام وغيره، توفي ﵀ ببغداد سنة (٤٠٣ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٤٥٥)، ووفيات الأعيان (٤/ ٩٨)، والعبر (٢/ ٢٠٧)، وشذرات الذهب (٣/ ١٦٨)].
[ ١٩١ ]
والبيهقي (^١)، وابن العربي (^٢)، والقرطبي (^٣)، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير (^٤)، وابن الوزير (^٥)، وابن حجر (^٦)، والشوكاني (^٧)، وحافظ الحكمي (^٨)،
_________________
(١) انظر: الأسماء والصفات (١/ ٢٧)، والاعتقاد (٢٠).
(٢) انظر: أحكام القرآن (٢/ ٢٧٥)، وابن العربي هو: الإمام العلامة الحافظ القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله ابن العربي الأندلسي الإشبيلي المالكي كان متبحرًا بالعلم ثاقب الذهن كريم الشمائل، ولي قضاء إشبيلية فحمد وأجاد السياسة، ثم عزل فأقبل على التصنيف ونشر العلم، توفي ﵀ سنة (٥٤٣ هـ) له تصانيف عديدة من أشهرها: عارضة الأحوذي في شرح جامع الترمذي، والعواصم من القواصم. [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ١١٦)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٢٩٤)، والسير (٢٠/ ١٩٧)، وشذرات الذهب (٤/ ١٤١)].
(٣) انظر: المفهم (٧/ ١٦).
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٢٥).
(٥) انظر: إيثار الحق على الخلق (١٥٨)، وابن الوزير هو: محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى ابن الوزير، أبو عبد الله الإمام المجتهد الكبير، من علماء اليمن، تعلم بصنعاء وصعدة ومكة، وأقبل في آخر حياته على العبادة، وانقطع عن الناس، له مؤلفات عديدة منها: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، وإيثار الحق على الخلق، والروض الباسم، توفي ﵀ سنة أربعين وثمانمائة (٨٤٠). [انظر: البدر الطالع (٢/ ٨١)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٣٥)، والأعلام (٥/ ٣٠٠)].
(٦) انظر: الفتح (١١/ ٢٢١).
(٧) انظر: تحفة الذاكرين (١٩٦). والشوكاني هو: العلامة محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني، فقيه مجتهد من كبار علماء اليمن، من أهل صنعاء وبها نشأ وولي قضاءها، وكان محاربًا للتقليد، . توفي ﵀ سنة (١٢٥٠ هـ)، وله مؤلفات عديدة منها: نيل الأوطار، وإرشاد الفحول، والسيل الجرار. [انظر: البدر الطالع (٢/ ٢١٤)، والأعلام (٦/ ٢٩٨)].
(٨) انظر: معارج القبول (١/ ٧١). والحكمي هو: العلامة حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، فقيه أديب من علماء جيزان، نشأ بدويًا يرعى الغنم ثم قرأ القرآن، ولما بلغ السادسة عشرة بدأ بطلب العلم وهو يواصل رعي الغنم ثم تفرغ للدراسة =
[ ١٩٢ ]
ومحمد العثيمين (^١)، وغيرهم.
قال الخطابي -رحمه الله تعالى- عند حديث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا ..): "فيه إثبات هذه الأسماء المحصورة بهذا العدد، وليس فيه نفي ما عداها من الزيادة عليها، وإنما وقع التخصيص بالذكر لهذه الأسماء لأنها أشهر الأسماء وأبينها معاني وأظهرها.
وجملة قوله: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة) قضية واحدة لا قضيتان، ويكون تمام الفائدة في خبر "إن": في قوله: (من أحصاها دخل الجنة)، لا في قوله: (تسعة وتسعين اسمًا)، وإنما هو بمنزلة قولك: إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة، وكقولك: إن لعمرو مائة ثوب من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم، ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب، وإنما دلالته: أن الذي أعده زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم، وأن الذي أرصده عمرو من الثياب للخلع مائة ثوب" (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "والصواب الذي عليه جمهور العلماء أن قول النبي -ﷺ-: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة)، معناه: أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه دخل الجنة، ليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسمًا" (^٣).
_________________
(١) = فظهر فضله وذكاؤه، وكان من أبرز مشائخه الذين استفاد منهم: الشيخ عبد الله القرعاوي، عين مديرًا للمعهد العلمي بسامطه سنة (١٣٧٤ هـ)، واستمر إلى أن توفي بمكة سنة (١٣٧٧ هـ)، وله مؤلفات منها: معارج القبول، وأعلام السنة المنشورة. [انظر: الأعلام (٢/ ١٥٩)، ومعجم المؤلفين (١/ ٥١٩)].
(٢) انظر: القواعد المثلى (١٣ - ١٤).
(٣) شأن الدعاء (٢٣ - ٢٤).
(٤) درء التعارض (٣/ ٣٣٢)، وانظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٨١)، و(٢٢/ ٤٨٢).
[ ١٩٣ ]
وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد، فإن لله تعالى أسماءً وصفاتٍ استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل وأما قوله -ﷺ-: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة)، فالكلام جملة واحدة، وقوله: (من أحصاها دخل الجنة) صفة لا خبر مستقل، والمعنى: له أسماء متعددة من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة، وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها، وهذا كما تقول: لفلان مائة مملوك قد أعدهم للجهاد، فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم معدون لغير الجهاد، وهذا لا خلاف بين العلماء فيه" (^١).
أدلة هذا القول:
١ - حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ-: (ما أصاب أحد قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أَو أنزلته في كتابك، أو عَلَّمْتُه أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا) (^٢).
_________________
(١) بدائع الفوائد (١/ ١٣٨)، وانظر: شفاء العليل (٢/ ٢٧٨).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ٢٤٦) ح (٣٧١٢)، وابن حبان في صحيحه (٣/ ٢٥٣) ح (٩٧٢)، والطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٦٩) ح (١٠٣٥٢)، والحاكم في مستدركه (١/ ٦٩٠) ح (١٨٧٧)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه، فإنه مختلف في سماعه عن أبيه"، وتعقبه الذهبي بقوله: "وأبو سلمة لا يدرى من هو ولا رواية له في الكتب الستة"، وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٣٦)، وقال: "رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني، ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني، وقد وثقه ابن حبان". والحديث صححه ابن حبان والحاكم -كما تقدم- وابن القيم كما في شفاء العليل =
[ ١٩٤ ]
والشاهد من هذا الحديث قوله: (أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فإن فيه دليلًا على أن أسماء الله تعالى أكثر من تسعة وتسعين، وأن له أسماءً وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره.
قال الخطابي -رحمه الله تعالى-: "فهذا يدلك على أن لله أسماءً لم ينزلها في كتابه، حجبها عن خلقه، ولم يظهرها لهم" (^١).
وقال ابن القيم تعليقًا على هذا الحديث: "فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: قسم سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه.
وقسم أنزل به كتابه فتعرف به إلى عباده.
وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه" (^٢).
وقال الشوكاني عند هذا الحديث: "فيه دليل على أن لله ﷾ أسماءً غير التسعة والتسعين" (^٣).
٢ - حديث عائشة -﵂-: أن رسول الله -ﷺ- كان يقول في دعائه وهو ساجد: (اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، رواه مسلم (^٤).
_________________
(١) = (٢/ ٢٧١)، وبدائع الفوائد (١/ ١٣٨)، وكذا أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٥/ ٢٦٦)، والألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٣٣٦ - ٣٤١) ح (١٩٩)، ونفيا عنه ما ادُعي من جهالة أبي سلمة الجهني الوارد في سند الحديث، كما بيَّنا سلامته من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه، الذي أشار إليه الحاكم فيما تقدم، قال الألباني تعقيبًا على كلام الحاكم: "قلت: هو سالم منه، فقد ثبت سماعه منه بشهادة جماعة من الأئمة، منهم: سفيان الثوري وشريك القاضي وابن معين والبخاري وأبو حاتم".
(٢) شأن الدعاء (٢٥).
(٣) بدائع الفوائد (١/ ١٣٨)، وانظر: شفاء العليل (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨).
(٤) تحفة الذاكرين (١٩٦).
(٥) صحيح مسلم (٤/ ٤٤٩) ح (٤٨٦).
[ ١٩٥ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأخبر أنه -ﷺ- لا يحصي ثناءً عليه، ولو أحصى جميع أسمائه لأحصى صفاته كلها، فكان يحصي الثناء عليه، لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه" (^١).
٣ - حديث أبي هريرة في الشفاعة، وفيه: أن النبي -ﷺ- قال: (ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي)، متفق عليه (^٢).
ووجه الاستشهاد بهذا الحديث: أن حمد النبي -ﷺ- لربه وثناءه عليه إنما يكون بأسمائه وصفاته (^٣)، وقد اختص نبينا -ﷺ- في هذا المقام بقدر زائد على ما هو معلوم منها، بدليل قوله: (لم يفتحه على أحد قبلي)، وهذا يدل على أن أسماء الله تعالى غير محصورة بالتسعة والتسعين.
قال القرطبي: "وقد دلَّ على أن لله أسماءً أخر ما قدمناه من قوله -ﷺ-: (فأحمده بمحامد لا أقدر عليها، إلا أن يلهمنيها الله) " (^٤).
القول الثاني: أن أسماء الله تعالى محصورة بهذا العدد المذكور في الحديث -تسعة وتسعين- لا تتجاوزه، وهي المنصوص عليها في الكتاب والسنة.
وإلى هذا ذهب ابن حزم (^٥) رحمه الله تعالى، منكرًا أشد الإنكار على
_________________
(١) درء التعارض (٣/ ٣٣٢).
(٢) البخاري (٤/ ١٧٤٥) ح (٤٤٣٥)، ومسلم (٣/ ٦٦) ح (١٩٤).
(٣) انظر: بدائع الفوائد (١/ ١٣٨).
(٤) المفهم (٧/ ١٦) بتصرف يسير.
(٥) هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف القرطبي الظاهري، الإمام العلامة الحافظ الفقيه المجتهد، كان شافعيًا ثم انتقل إلى القول بالظاهر ونفي القياس، وكان صاحب ديانة وتورع وتزهد وتحر للصدق توفي ﵀ سنة (٤٥٦ هـ) له مصنفات عديدة منها: المحلى، والإحكام لأصول الأحكام، والفصل في الملل والأهواء والنحل، وغيرها. [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٢٨٤)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٤٦)، والسير (١٨/ ١٨٤)، والعبر (٢/ ٣٠٦)، وشذرات الذهب (٣/ ٢٩٩)].
[ ١٩٦ ]
من أجاز الزيادة على التسعة والتسعين، وإليك نص كلامه:
قال رحمه الله تعالى: "وإن له ﷿ تسعة وتسعين اسمًا مائة غير واحد، وهي أسماؤه الحسنى، من زاد شيئًا من عند نفسه فقد ألحد في أسمائه، وهي الأسماء المذكورة في القرآن والسنة وقد صح أنها تسعة وتسعون اسمًا فقط، ولا يحل لأحد أن يجيز أن يكون له اسمٌ زائد، لأنه ﵇ قال: (مائة غير واحد)، فلو جاز أن يكون له تعالى اسم زائد لكانت مائة اسم، ولو كان هذا لكان قوله ﵇: (مائة غير واحد) كذبًا، ومن أجاز هذا فهو كافر" (^١).
أدلة هذا القول:
عمدة هذا القول هو حديث التسعة والتسعين، خاصة قوله -ﷺ-: (مائة إلا واحدًا)، حيث فهم منه ابن حزم الظاهري -رحمه الله تعالى- أن أسماء الله تعالى محصورة بهذا العدد، فمن ادَّعى الزيادة عليها فقد كذّب هذا الحديث.
قال رحمه الله تعالى: "ولا يجوز أن يقال: إن لله تعالى أسماءً غيرها، لأنه قول على الله ﷿ بغير علم، ولقول رسول الله -ﷺ-: (مائة غير واحد)، فنفى ﵇ الزيادة في ذلك بنفيه الواحد المتمم للمائة، فلا يجوز إثباته البَتَّةَ، ولا إثبات زيادة على ذلك" (^٢).
وقال أيضًا: "قول رسول الله -ﷺ-: (مائة غير واحد) مانع من أن يكون له أكثر من ذلك، ولو جاز كان قوله ﵇ كذبًا، وهذا كفر ممن أجازه، وبالله التوفيق" (^٣).
* * *
_________________
(١) المحلى (١/ ٥٠)، وانظر: الفصل (١/ ٤٢٤)، والدرة فيما يجب اعتقاده (٢٤٢).
(٢) الدرة فيما يجب اعتقاده (٢٤٢ - ٢٤٣).
(٣) الفصل (١/ ٤٢٤).
[ ١٩٧ ]
المطلب الثالث: الترجيح
لا ريب أن القول الأول -وهو قول الجمهور (^١) - هو المتعين، فالحديث لا يفيد حصر أسماء الله تعالى في التسعة والتسعين، غاية ما فيه أن من أحصى هذا العدد فهو موعود بدخول الجنة، وليس فيه أنها لا تزيد على هذا العدد، فهو كقول القائل: عندي مائة مملوك أعددتهم للعتق، فإن هذا لا ينفي وجود مماليك سواهم غير معدين للعتق.
فالتقييد في الحديث بالعدد المذكور هو فى الموصوف بهذه الصفة، لا في أصل استحقاقه لذلك العدد، فإنه لم يقل: إن أسماء الله تسعة وتسعون (^٢).
وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فأمر أن يدعى بأسمائه الحسنى مطلقًا، ولم يقل: ليست أسماؤه الحسنى إلا تسعة وتسعين اسمًا (^٣).
وجاءت الأدلة الصحيحة بما يفيد زيادتها على هذا العدد، كما في أدلة القول الأول (^٤).
وأما القول الثاني، وهو القول: بأن أسماء الله تعالى محصورة بهذا العدد الوارد في الحديث، وأنها لا تزيد عليه البتة، فقول ضعيف شاذ، لم
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢)، ودرء التعارض (٣/ ٣٣٢)، وشفاء العليل (٢/ ٢٧٨).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٨١).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٦).
(٤) انظر: ص (١٩٤ - ١٩٦) من هذا البحث.
[ ١٩٨ ]
أجد من قال به -بعد البحث- غير ابن حزم (^١) رحمه الله تعالى، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية، إلى أنه قول ابن حزم وطائفة، لكنه لم يسم أحدًا (^٢).
وأما استدلاله بالتأكيد في قوله -ﷺ-: (مائة إلا واحدًا) على تعيُّن الحصر بهذا العدد، وعدم جواز الزيادة عليه، فباطل من وجوه:
الوجه الأول: أن الحصر المذكور، إنما هو باعتبار الوعد الحاصل لمن أحصاها، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون هناك اسم زائد عليها (^٣).
الوجه الثاني: أن قوله -ﷺ-: (مائة إلا واحدًا) مجرد تأكيد لقوله: (تسعة وتسعين) حتى يتقرر ذلك في نفس السامع، جمعًا بين جهتي الإجمال
_________________
(١) هناك من أطلق عددًا محددًا، ورقمًا معينًا لأسماء الله تعالى غير التسعة والتسعين، ومن ذلك:
(٢) أنها أربعة آلاف اسم: ألف لا يعلمه إلا الله، وألف لا يعلمه إلا الله والملائكة، وألف لا يعلمه إلا الله والملائكة والأنبياء، وأما الألف الرابع فإن المؤمنين يعلمونه، فثلاثمائة منه في التوراة، وثلاثمائة في الإنجيل، وثلاثمائة في الزبور، ومائة في القرآن، تسعة وتسعون منها ظاهرة، وواحد مكتوم، من أحصاها دخل الجنة، [انظر: لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات للرازي (١٠٢)، وفتح الباري (١١/ ٢٢٠)].
(٣) وقيل: إنها ألف اسم، وهذا منسوب لأبي الخطاب ابن دحية الكلبي، [انظر: زاد المعاد (١/ ٨٨)، وفتح الباري (١١/ ٢٢٠)].
(٤) وقيل: إنها مائة اسم، بعدد درجات الجنة، وبه جزم السهيلي، [انظر: الفتح (١١/ ٢٢١)]. وكل هذه أقوال ضعيفة باطلة، إذ ليس لها زمام ولا خطام، ولا مستند صحيح يعوَّل عليه، وإنما هي ضرب من التكلف المذموم، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٢٢٠): "وهذه دعوى تحتاج إلى دليل"، [وانظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى للدكتور محمد بن خليفة التميمي (٦٧ - ٦٨)].
(٥) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٨٢)، و(٢٢/ ٤٨٢).
(٦) انظر: فتح الباري (١١/ ٢٢١).
[ ١٩٩ ]
والتفصيل، أو دفعًا للتصحيف الخطي والسمعي، فقد تشتبه مثلًا: بسبعة وسبعين.
ثم إن قوله -ﷺ-: (مائة إلا واحدًا) لم يفد شيئًا زائدًا على قوله: (تسعة وتسعين) -سوى التأكيد- حتى يُفهم منه نفي الزيادة وإبطالها، كما زعم ابن حزم رحمه الله تعالى (^١).
الوجه الثالث: أن الأسماء الموجودة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين، وقد تتبعها بعض العلماء فأوصلها إلى ستة وأربعين ومائة، كابن العربي (^٢).
وبعضهم أوصلها إلى خمسة وخمسين ومائة، كابن الوزير (^٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإن قيل: لا تدعوا إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة، قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين" (^٤).
وقال ابن الوزير: "وقد ثبت أن أسماء الله تعالى أكثر من ذلك المروي بالضرورة والنص، أما الضرورة فإن في كتاب الله أكثر من ذلك وأما النص فحديث ابن مسعود -﵁-" (^٥)، وقد تقدم في المطلب الثاني.
إذا تبين هذا وهو أن أسماء الله تعالى غير محصورة بالعدد المذكور، بل تزيد عليه، فما معنى الاحصاء الوارد في الحديث؟ وهل يمكن معرفة هذه الأسماء التسعة والتسعين على وجه التعيين؟ .
والجواب عن هذا يمكن تقسيمه إلى مسألتين كما يلي:
_________________
(١) انظر: المفهم للقرطبي (٧/ ١٦)، وطرح التثريب للعراقي (٧/ ١٤٩)، وفتح الباري (١١/ ٢١٩).
(٢) انظر: أحكام القرآن (٢/ ٢٧٧).
(٣) انظر: إيثار الحق على الخلق (١٥٩).
(٤) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢).
(٥) إيثار الحق على الخلق (١٥٨).
[ ٢٠٠ ]
المسألة الأولي: في معنى الإحصاء الوارد في الحديث:
إحصاء أسماء الله تعالى الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي فقد أحصى جميع العلوم، لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها (^١).
ولذلك فقد رتب الله تعالى على إحصائها أفضل الثواب وأعظم الجزاء، كما في قوله -ﷺ-: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة)، متفق عليه.
وقد قيل في معنى الإحصاء الوارد في الحديث عدة أقوال، أشهرها أربعة (^٢)؛ وهي كالتالي:
القول الأول: أن المراد به العد، أي: أن يعدها حتى يستوفيها حفظًا فيدعو ربه بها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨].
وإلى هذا ذهب ابن الجوزي (^٣)، والشوكاني (^٤)، واستظهره الخطابي (^٥)، والنووي (^٦)، وذكر أنه قول الأكثرين (^٧).
ونسبه بعضهم للبخاري، لأنه قال بعد روايته للحديث: "أحصيناه: حفظناه" (^٨).
_________________
(١) انظر: بدائع الفوائد (١٣٥).
(٢) انظر: تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج (٢٢ - ٢٤)، وشأن الدعاء (٢٦ - ٢٩)، وغريب الحديث (١/ ٧٣٠ - ٧٣١)، وأعلام الحديث (٢/ ١٣٤٢ - ١٣٤٣) ثلاثتها للخطابي، وشرح السنة للبغوي (٥/ ٣١)، وشرح صحيح مسلم للنووي (١٧/ ٨)، وفتح الباري (١١/ ٢٥٢ - ٢٢٦).
(٣) انظر: فتح الباري (١١/ ٢٦).
(٤) انظر: تحفة الذاكرين (٥٣).
(٥) انظر: شأن الدعاء (٢٦).
(٦) انظر: شرح صحيح مسلم (١٧/ ٨).
(٧) انظر: الأذكار (١٥١).
(٨) صحيح البخاري (٦/ ٢٦٩١)، وانظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٧/ ٨)، وفتح =
[ ٢٠١ ]
ودليل هؤلاء أنه جاء في بعض طرق الحديث -كما عند مسلم-: (من حفظها) بدل (من أحصاها)، وعند البخاري: (لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة).
قال ابن الجوزي: "لما ثبت في بعض طرق الحديث (من حفظها) بدل (أحصاها) اخترنا أن المراد العدُّ، أي: من عدها ليستوفيها حفظًا" (^١).
لكن هذا القول تعقبه بعض العلماء مبينين أن الإحصاء ليس مجرد العد فقط.
قال الأصيلي (^٢): "ليس المراد بالإحصاء عدها فقط، لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العمل بها" (^٣).
وقال أبو نُعيم (^٤): "الإحصاء المذكور في الحديث ليس هو التعداد،
_________________
(١) = الباري (١١/ ٢٢٦) ففيهما نسبة هذا القول للبخاري -﵀-، لكن تعقب هذه النسبة الشيخ عبد الله الغنيمان فقال: "ربما فهم من صنيع البخاري أنه يرى أن إحصاءها هو حفظ ألفاظها، كما فهم ذلك الحافظ ابن حجر، وعندي فيه نظر، وذلك أن عادة البخاري التي سار عليها في كتابه هذا، أنه إذا جاء لفظ في الحديث، وفي القرآن لفظ يوافقه في اللفظ والاشتقاق، أنه يذكره وإن كان لا يوافقه في المعنى، وأمثلة ذلك كثيرة، فهو في قوله: "أحصيناه: حفظناه" يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ " [شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ٢٢٠ - ٢٢١)].
(٢) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (١١/ ٢٢٦).
(٣) هو أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي، نسبة إلى مدينة أصيلة في المغرب، من الأئمة الأعلام، وأحد شيوخ المالكية، له كتاب الدلائل على أمهات المسائل، في الفقه، توفي - ﵀- سنة (٣٩٢). [انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٧/ ١٣٥)، ومعجم البلدان (١/ ٢٥١)، والأعلام (٤/ ٦٣)].
(٤) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (١١/ ٢٢٦)، وانظر: (١٣/ ٣٧٨).
(٥) هو أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق، الإمام الحافظ المشهور، صاحب كتاب حلية الأولياء، من الأعلام المحدثين، وأكابر الحفاظ، له مصنفات كبيرة مشهورة، كدلائل النبوة، وتاريخ أصبهان، وفضائل الصحابة وغيرها، توفى ﵀ سنة ثلاثين وأربعمائة (٤٣٠). =
[ ٢٠٢ ]
وإنما هو العمل والتعقل بمعاني الأسماء والإيمان بها" (^١).
وقال الحافظ ابن حجر معقبًا على كلام ابن الجوزي: "فيه نظر، لأنه لا يلزم من مجيئه بلفظ: (حفظها) تعيُّن السرد عن ظهر قلب، بل يحتمل الحفظ المعنوي" (^٢).
القول الثاني: أن المراد بالإحصاء: الإطاقة كقوله سبحانه: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] أي: لن تطيقوه، ويكون معنى الحديث: من أطاقها وذلك بالمحافظة على حدودها، والقيام بحقها، والعمل بمقتضاها، فإذا قال: السميع البصير، علم أنه لا يخفى على الله خافية، وأنه بمرأى منه ومسمع، فيخافه في سره وعلنه، ويراقبه في كافة أحواله، وإذا قال: الرزاق، اعتقد أنه المتكفل برزقه يسوقه إليه في وقته، فيثق بوعده، ويعلم أنه لا رازق له غيره، وهكذا بقية الأسماء.
القول الثالث: أن المراد بالإحصاء: العقل والمعرفة، مأخوذ من الحصاة وهي العقل، قال طرفة (^٣):
وإن لسان المرء ما لم تكن له حصاة على عوراته لدليل (^٤)
_________________
(١) = [انظر: وفيات الأعيان (١/ ١١٠)، والسير (١٧/ ٤٥٣)، والعبر (٢/ ٢٦٢)، وشذرات الذهب (٣/ ٢٤٥)].
(٢) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (١١/ ٢٢٦).
(٣) الفتح (١١/ ٢٢٦).
(٤) هو أبو عمرو طرفة بن العبد بن سفيان البكري الوائلي، شاعر جاهلي، وأحد أصحاب المعلقات السبع المشهورة، كان أحدث الشعراء سنًا وأقلهم عمرًا، حيث قتل وهو ابن عشرين سنة، وقيل ست وعشرين، توفي في حدود سنة ستين قبل الهجرة. [انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة (١٠٣)، والأعلام (٣/ ٢٢٥)، وشرح المعلقات العشر (٦٧)].
(٥) ديوان طرفة بن العبد (٨١) من قصيدة له مطلعها: لِهندٍ بحزان الشريف طلول تلوح وأدنى عهدهن محيل
[ ٢٠٣ ]
والعرب تقول: فلان ذو حصاة، أي ذو عقل ومعرفة بالأمور.
ويكون معنى الحديث: من عرفها وعقل معانيها، مؤمنًا بها دخل الجنة.
قال الزجاج (^١): "ويجوز أن يكون معناه: من عقلها، وتدبر معانيها، من الحصاة التي هي العقل" (^٢).
القول الرابع: أن المراد بالإحصاء: أن يقرأ القرآن كاملًا حتى يختمه، فيكون بذلك قد استوفى هذه الأسماء كلها في أضعاف التلاوة، فكأنه قال: من حفظ القرآن وقرأه فقد استحق دخول الجنة، وإلى نحو من هذا ذهب أبو عبد الله الزبيري (^٣).
ويلاحظ على هذا القول أنه أغفل الأسماء الحسنى الواردة في الأحاديث النبوية، الزائدة على القرآن (^٤).
هذه هي أشهر الأقوال في معنى الإحصاء الوارد في الحديث، وكل
_________________
(١) هو الإمام النحوي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن السَّري الزجاج البغدادي، لزم المبرد وتعلم على يديه، له مصنفات حسان في الأدب، وكان من ندماء المعتضد، توفي -﵀- سنة (٣١١ هـ)، وقيل سنة (٣١٦ هـ) ببغداد، وله مؤلفات عديدة منها: معاني القرآن، والنوادر، والعروض، وتفسير أسماء الله الحسنى. [انظر: تاريخ بغداد (٦/ ٨٧)، ووفيات الأعيان (١/ ٧٤)، والسير (١٤/ ٣٦٠)، والعبر (١/ ٤٦١)].
(٢) تفسير أسماء الله الحسنى (٢٤).
(٣) هو مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام -﵄-، علامة إمام صدوق، من نبلاء الرجال وأفرادهم، وكان نسَّابة أخباريًا فصيحًا، تكلم عليه بعضهم لأجل وقفه في مسألة القرآن، توفي -﵀- سنة ست وثلاثين ومائتين (٢٣٦). [انظر: تاريخ بغداد (١٣/ ١١٣)، والسير (١١/ ٣٠)، والعبر (١/ ٣٣٢)، وتقريب التهذيب (٢/ ١٨٦)].
(٤) انظر: النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد الحمود النجدي (١/ ٥٥).
[ ٢٠٤ ]
واحد منها له ما يؤيده، سوى القول الرابع، ولذلك ضعفه النووي (^١) رحمه الله تعالى.
والذي يظهر-والله تعالى أعلم- أن الإحصاء يكون بمجموع الأقوال الثلاثة الأولى فيكون:
١ - بالعدِّ والحفظ.
٢ - والعقل والمعرفة.
٣ - والإطاقة، بالتفسير المتقدم.
ولا تنافي بينها، بل كل واحد منها مكمل للاخر، فيكون المعنى: من عدها وأحاط بها لفظًا وفهم معانيها ودعا الله بها وتعبده بمقتضاها دخل الجنة.
قال السعدي (^٢) ﵀، في معنى (أحصاها): "أي: من حفظها وفهم معانيها، واعتقدها، وتعبد الله بها، دخل الجنة" (^٣).
يؤيد ذلك أن هذه المعاني الثلاثة للإحصاء قد جاءت بها اللغة، كما تقدم (^٤)، فمن قال: بأحدها دون البقية فقد فسر الإحصاء ببعض معناه والله أعلم.
_________________
(١) انظر: شرح صحيح مسلم (١٧/ ٨).
(٢) هو العلامة الفقيه المفسر عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر آل سعدي ولد ونشأ في بلدة عنيزة من محافظات القصيم، واشتغل بالعلم حتى فاق الأقران، ولما تقدم به الطلب خرج عن مألوف بلده من الاهتمام بالفقه الحنبلي فقط إلى الاطلاع على كتب التفسير والحديث والتوحيد وكتب ابن تيمية وابن القيم وغيرهما، توفي ﵀ سنة (١٣٧٦ هـ) له مؤلفات عدة منها: تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن، والقواعد الحسان، والقول السديد في شرح كتاب التوحيد. [انظر: علماء نجد (٣/ ٢١٨)، والأعلام (٣/ ٣٤٠)].
(٣) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، مطبوع ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي (٣/ ١٠٨).
(٤) وانظر للاستزادة: تهذيب اللغة للأزهري (٥/ ١٠٧) مادة: (حصا)، ومعجم مقاييس اللغة (٢/ ٦٩) مادة (حصوى)، ولسان العرب (١٤/ ١٨٣ - ١٨٤) مادة (حصي).
[ ٢٠٥ ]
والقول: بهذا لا ينافي رواية: (من حفظها)؛ لأن الحفظ ليس مجرد عدها وسردها عن ظهر قلب، بل يتعدى ذلك ليشمل فهمها والعمل بمقتضاها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١٢]، فإن معناه: المؤدُّون فرائض الله، والقائمون على طاعته (^١).
قال ابن بطال (^٢) رحمه الله تعالى: "الإحصاء يقع بالقول ويقع بالعمل:
فالذي بالعمل: أن لله أسماءً يختص بها كالأحد والمتعال والقدير ونحوها، فيجب الإقرار بها والخضوع عندها، وله أسماء يستحب الاقتداء بها في معانيها، كالرحيم والكريم والعفو ونحوها، فيستحب للعبد أن يتحلى بمعانيها ليؤدي حق العمل بها، فبهذا يحصل الإحصاء العملي.
وأما الإحصاء القولي: فيحصل بجمعها وحفظها والسؤال بها، ولو شارك المؤمنَ غيرُه في العد والحفظ، فإن المؤمن يمتاز عنه بالإيمان والعمل بها" (^٣).
وقال ابن عطية (^٤): "معنى أحصاها: عدها وحفظها، وتضمن ذلك
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (جامع البيان) (٦/ ٤٨٦)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٦٠٩).
(٢) هو العلامة أبو الحسن علي بن خلف بن بطال القرطبي ثم البَلَنْسي، كان من أهل العلم والمعرفة والعناية بالحديث، توفي -﵀- سنة (٤٤٩ هـ) له من المصنفات: شرح صحيح البخاري، ينقل منه ابن حجر في الفتح كثيرًا، وقد طبع مؤخرًا في عشر مجلدات. [انظر: السير (١٨/ ٤٧)، والعبر (٢/ ٢٩٤)، وشذرات الذهب (٣/ ٢٨٣).
(٣) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (١٣/ ٣٧٨).
(٤) هو الإمام العلامة شيخ المفسرين أبو محمد عبد الحق بن الحافظ أبي بكر غالب بن عطية المحاربي الغرناطي، كان إمامًا في الفقه والتفسير وفي العربية ذكيًا فطنًا مدركًا، ولي قضاء المرية وتوفي -﵀- سنة (٥٤١ هـ)، وقيل سنة (٥٤٢ هـ) له مؤلفات أشهرها: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. [انظر: السير (١٩/ ٥٨٧)، ونفح الطيب للمقري التلمساني (١/ ٦٧٩)، وطبقات المفسرين للسيوطي (٥٠)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٥٩)، والأعلام (٣/ ٢٨٢)].
[ ٢٠٦ ]
الإيمان بها والتعظيم لها، والرغبة فيها والعبرة في معانيها" (^١).
وقال حافظ الحكمي: "والظاهر أن معنى حفظها وإحصائها، هو معرفتها والقيام بعبوديتها، كما أن القرآن لا ينفع حفظ ألفاظه من لا يعمل به، بل جاء في المُرَّاقِ من الدين أنهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم" (^٢).
وأختم هذه المسألة بما حرره العلّامة ابن القيم -﵀-، حيث بيَّن أن للإحصاء ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها.
المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها.
المرتبة الثالثة: دعاؤه بها كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وهو مرتبتان:
إحداهما: دعاء ثناء وعبادة.
والثاني: دعاء طلب ومسألة.
فلا يُثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكذلك لا يُسأل إلا بها (^٣).
المسألة الثانية: هل يمكن معرفة الأسماء الحسنى، التسعة والتسعين علي وجه التعيين؟
الصحيح أنه لم يرد في تعيينها حديث صحيح، وما ورد من تعيين لها في بعض الروايات، فهو مدرج فيها، ليس من كلام النبي -ﷺ-، وبذلك صرح جمع من أهل العلم كما سيأتي.
وبيان ذلك: أن حديث التعيين جاء من ثلاثة طرق (^٤):
_________________
(١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٧/ ٢١٣)، وانظر: الفتح (١١/ ٢٢٦).
(٢) معارج القبول (١/ ٧٧).
(٣) انظر: بدائع الفوائد (١/ ١٣٦).
(٤) انظر: فتح الباري (١١/ ٢١٥)، ومعتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى (٧٩ - ٩٨) للدكتور محمد بن خليفة التميمي.
[ ٢٠٧ ]
الطريق الأولى: أخرجها الترمذي وغيره (^١) من طريق الوليد بن مسلم، قال: أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إن لله تعالى تسعة وتسعين اسمًا مائة غير واحد من أحصاها دخل الجنة، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور).
وهذه الطريق هي أشهر الطرق وأجودها إسنادًا، ولذا كثر كلام أهل العلم عليها، بين مصحح ومضعف، وسأبين ذلك بعد إيراد بقية الطرق.
الطريق الثانية: وقد جاءت عند ابن ماجه (^٢) من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني، قال: حدثنا أبو المنذر زهير بن محمد التميمي، حدثنا موسى بن عقبة، حدثني عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة: أن رسول الله -ﷺ- قال: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا، إنه وتر يحب الوتر، من
_________________
(١) سنن الترمذي (تحفة ٩/ ٤٨٢) ح (٣٥٧٤)، وأخرجه أيضًا: ابن حبان في صحيحه (٣/ ٨٨) ح (٨٠٨)، والحاكم في مستدركه (١/ ٦٢) ح (٤١)، وابن منده في كتاب التوحيد (٢/ ٢٠٥) ح (٣٦٦)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٢٢) ح (٦)، وفي الاعتقاد (١٨)، والبغوي في شرح السنة (٥/ ٣٢) ح (١٢٥٧).
(٢) سنن ابن ماجه (٢/ ١٢٦٩) ح (٣٨٦١).
[ ٢٠٨ ]
حفظها دخل الجنة، وهي: الله الواحد الصمد الأول الآخر الظاهر الباطن الخالق البارئ المصور الملك الحق السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الرحمن الرحيم اللطيف الخبير السميع البصير العليم العظيم البار المتعال الجليل الجميل الحي القيوم القادر القاهر العلي الحكيم القريب المجيب الغني الوهاب الودود الشكور الماجد الواجد الوالي الراشد العفو الغفور الحليم الكريم التواب الرب المجيد الولي الشهيد المبين البرهان الرؤوف الرحيم المبدئ المعيد الباعث الوارث القوي الشديد الضار النافع الباقي الواقي الخافض الرافع القابض الباسط المعز المذل المقسط الرزاق ذو القوة المتين القائم الدائم الحافظ الوكيل الفاطر السامع المعطي المحيي المميت المانع الجامع الهادي الكافي الأبد العالم الصادق النور المنير التام القديم الوتر الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد).
قال زهير (^١): فبلغنا من غير واحد من أهل العلم أن أولها يفتح بقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى.
قال البوصيري (^٢): "إسناد طريق ابن ماجه ضعيف، لضعف
_________________
(١) هو الحافظ المحدث زهير بن محمد التميمي أبو المنذر المروزي الخرساني، سكن الشام ثم الحجاز، خرَّج له أرباب الكتب الستة، لكن رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضُعِّف بسببها، توفي سنة (١٦٢). [انظر: السير (٨/ ١٨٧)، والعبر (١/ ١٨٣)، وتقريب التهذيب (١/ ٣١٦)].
(٢) هو شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم البوصيري الكناني الشافعي، من حفاظ الحديث، سكن القاهرة ولازم العراقي على كبر فسمع منه الكثير، ولازم ابن حجر وكتب عنه بعض كتبه، له تصانيف حسنة منها: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، وزوائد سنن البيهقي الكبرى على الكتب الستة، توفي -﵀- سنة أربعين وثمانمائة (٨٤٠). [انظر: حسن المحاضرة (١/ ٣١٠)، وشذرات الذهب (٧/ ٢٣٣)، وذيل تذكرة الحفاظ (٣٧٩)، والأعلام (١/ ١٠٤)].
[ ٢٠٩ ]
عبد الملك بن محمد الصنعاني" (^١).
قلت: وعبد الملك هذا قال فيه ابن حبان: "لا يجوز الاحتجاج بروايته" (^٢).
وقال الذهبي: "ليس بحجة" (^٣).
وقال ابن حجر: "ليّن الحديث" (^٤).
فالحديث من هذا الطريق لا يصح.
ونص على ضعف هذه الطريق -أيضًا- شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥)، والألباني (^٦)، عليهما رحمة الله.
الطريق الثالثة: أخرجها الحاكم وغيره (^٧) من طريق عبد العزيز بن الحصين قال: حدثنا أيوب السختياني وهشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة: الله الرحمن الرحيم الإله الرب الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الحليم العليم السميع البصير الحي القيوم الواسع اللطيف الخبير الحنان المنان البديع الودود الغفور الشكور المجيد المبدئ المعيد النور الأول الآخر الظاهر الباطن الغفار الوهاب القادر الأحد الصمد الكافي الباقي الوكيل المجيد المغيث الدائم المتعال ذو الجلال والإكرام المولى النصير الحق المبين
_________________
(١) مصباح الزجاجة (٣/ ٢٠٨).
(٢) نقل ذلك عنه ابن حجر فى تهذيب التهذيب (٦/ ٣٦٨).
(٣) الكاشف (٢/ ١٨٨).
(٤) تقريب التهذيب (١/ ٦١٩).
(٥) انظر: مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢)، و(٨/ ٩٧).
(٦) انظر: ضعيف سنن ابن ماجه (٣١٤) ح (٧٧٦).
(٧) المستدرك (١/ ٦٣) ح (٤٢)، وأخرجه أيضًا: البيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٢) ح (١٠)، وفي الاعتقاد (١٩).
[ ٢١٠ ]
الباعث المجيب المحيي المميت الجميل الصادق الحفيظ الكبير القريب الرقيب الفتاح التواب القديم الوتر الفاطر الرزاق العلام العلي العظيم الغني المليك المقتدر الأكرم الرؤوف المدبر المالك القدير الهادي الشاكر الرفيع الشهيد الواحد ذو الطول ذو المعارج ذو الفضل الخلاق الكفيل الجليل الكريم).
قال الحاكم: وعبد العزيز بن الحصين بن الترجمان ثقة وإن لم يخرجاه.
فتعقبه الذهبي بقوله: بل ضعفوه.
قال البيهقي: "تفرد بهذه الرواية عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان، وهو ضعيف الحديث عند أهل النقل، ضعفه يحيى بن معين، ومحمد بن إسماعيل البخاري" (^١).
وقال فيه الإمام مسلم: "ذاهب الحديث" (^٢).
وقال النسائي: "متروك الحديث" (^٣).
وقال ابن حجر: "متفق على ضعفه" (^٤).
فالحديث من هذا الطريق -أيضًا- لا يصح.
هذه هي طرق الحديث -الذي ورد فيه تعيين الأسماء التسعة والتسعين- التي تم الوقوف عليها، وكلها ضعيفة لا تقوم بها حجة:
أما الطريق الثانية والثالثة فقد تقدم بيان ضعفهما.
_________________
(١) الأسماء والصفات (١/ ٣٣)، وانظر: الضعفاء الصغير للبخاري (٤٥٩) الترجمة (٢٢٥) مطبوع ضمن كتاب: المجموع في الضعفاء والمتروكين.
(٢) الكنى والأسماء (١/ ٤٠٠).
(٣) الضعفاء والمتروكون (١٥٧) الترجمة (٣٩١) مطبوع ضمن كتاب المجموع في الضعفاء والمتروكين.
(٤) التلخيص الحبير (٤/ ٣١٩)، وانظر للاستزادة من أقوال الحفاظ فيه: تاريخ بغداد (١٠/ ٤٣٨)، وميزان الاعتدال (٤/ ٣٦٢).
[ ٢١١ ]
وأما الطريق الأولى -طريق الوليد بن مسلم- فهي أشهر هذه الطرق وأهمها، ولذا كثر الكلام حولها، حيث ذهب إلى تصحيحها الحاكم (^١) وابن حبان (^٢) وأبو عبد الله القرطبي (^٣) وحسنها النووي (^٤)، ومال إلى تصحيحها الشوكاني (^٥).
والحق أن هذه الطريق ضعيفة أيضًا، والأسماء فيها مدرجة من بعض الرواة، وفيما يلي بيان أوجه ضعفها:
١ - الاضطراب في السند، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر (^٦) ﵀.
وكذا الاختلاف في المتن، حيث وقع الاختلاف بين روايات هذه الطريق، في سرد الأسماء، وذلك بالزيادة والنقص، والتقديم والتأخير.
فالرواية المشهورة عن الوليد بن مسلم، والتي عوَّل عليها غالب من شرح الأسماء الحسنى، وهي التي أخرجها الترمذي (^٧) قد خالفتها عدة روايات عن الوليد بن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد:
فجاء عند الطبراني: (القائم الدائم) بدل (القابض الباسط)،
_________________
(١) انظر: المستدرك (١/ ٦٢ - ٦٣).
(٢) انظر: صحيح ابن حبان (٣/ ٨٨).
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٣٢٥). والقرطبي هو: الإمام المفسر محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج الأنصاري الخزرجي القرطبي، كان إمامًا علمًا من الغواصين على معاني الحديث، حسن التصنيف جيد النقل، توفي -﵀- بمصر سنة (٦٧١ هـ) له مؤلفات عدة أشهرها التفسير المسمى: الجامع لأحكام القرآن، وكتاب التذكرة. [انظر: نفح الطيب (٢/ ٢١٠)، وشذرات الذهب (٥/ ٣٣٥)، والأعلام (٥/ ٣٢٢)].
(٤) انظر: الأذكار (١٥١).
(٥) انظر: تحفة الذاكرين (٥٤).
(٦) انظر: الفتح (١١/ ٢١٥).
(٧) تقدم ذكرها ص (٢٠٨).
[ ٢١٢ ]
و(الشديد) بدل (الرشيد)، و(الأعلى، المحيط، مالك يوم الدين) بدل (الودود، المجيد، الحكيم).
وجاء عند ابن حبان: (الرافع) بدل (المانع).
وجاء عند ابن خزيمة في صحيحه: (الحاكم) بدل (الحكيم)، و(القريب) بدل (الرقيب)، و(المولى) بدل (الوالي)، و(الأحد) بدل (المغني).
ووقع في رواية البيهقي وابن منده: (المغيث) بدل (المقيت).
ووقع في رواية الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد -كما عند أبي نعيم في جزئه (^١) - مخالفة لهذه الرواية في أربعة وعشرين اسمًا، مع مخالفتها لها في الترتيب:
فليس في رواية زهير: (الفتاح، القهار، الحكم، العدل، الحسيب، الجليل، المحصي، المقتدر، المقدم، المؤخر، البر، المنتقم، المغني، النافع، الصبور، البديع، القدوس، الغفار، الحفيظ، الكبير، الواسع، الماجد، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام).
وذكر بدلها: (الرب، الفرد، الكافي، الدائم، القاهر، المبين، الصادق، الجميل، البادئ، القديم، البارّ، الوفي، البرهان، الشديد، الواقي، القدير، الحافظ، العادل، المعطي، العالم، الأحد، الأبد، الوتر، ذو القوة) (^٢).
قال الحافظ ابن حجر مبينًا السبب في عدم إخراج البخاري ومسلم لهذه الرواية التي فيها سرد الأسماء: "وليست العلة عند الشيخين تفرد الوليد فقط، بل الاختلاف، والاضطراب، وتدليسه، واحتمال الإدراج" (^٣).
_________________
(١) انظر: جزء فيه طريق حديث (إن لله تسعة وتسعين اسمًا) لأبي نعيم الأصبهاني (١٠٧) ح (١٨).
(٢) انظر: فتح الباري (١١/ ٢١٦)، وأسماء الله الحسنى لابن حجر (٤٧).
(٣) الفتح (١١/ ٢١٥).
[ ٢١٣ ]
٢ - تدليس الوليد بن مسلم، وتدليسه من شر أنواع التدليس، وهو تدليس التسوية (^١).
قال الدارقطني: الوليد بن مسلم يروي عن الأوزاعي أحاديث هي عند الأوزاعي عن ضعفاء عن شيوخ أدركهم الأوزاعي، كنافع وعطاء والزهري، فيسقط أسماء الضعفاء مثل عبد الله بن عامر الأسلمي وإسماعيل بن مسلم، ويجعلها عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن عطاء والزهري (^٢).
وقال أبو مسهر (^٣): "الوليد مدلس، وربما دلس عن الكذابين" (^٤).
وقال ابن حجر: "الوليد بن مسلم ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية" (^٥).
وقال ابن الوزير: "الوليد مدلس مكثر من التدليس حتى عن الكذابين، ونعني تدليس التسوية، فلا ينفع قوله: حدثنا ولا سمعت، لأن معنى تدليس التسوية: أنه قد سمع من شيخه شعيب، ثم أسقط شيخَ شعيب الذي بينه وبين أبي الزناد، فيحتمل أن يكون في الإسناد ساقط ضعيف، بل كذاب، فكيف يُحسَّن الحديث مع هذا؟
_________________
(١) وهو نوع من أنواع تدليس الإسناد، وصورته: أن يروي الراوي حديثًا عن شيخ ثقة، وذلك الثقة يرويه عن ضعيف عن ثقة، ويكون الثقتان قد لقي أحدهما الآخر، فيأتي المدلس الذي سمع الحديث من الثقة الأول فيُسقط الضعيف الذي في السند، ويجعل الإسناد عن شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ محتمل، فيُسوِّي الإسناد كله ثقات. [انظر: فتح المغيث (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧)، وتدريب الراوي (١/ ٢٥٧)، وتيسير مصطلح الحديث للدكتور محمود الطحان (٨١)].
(٢) انظر: الضعفاء والمتروكون (٤١٥)، وتهذيب الكمال للمزي (٣١/ ٩٧).
(٣) هو عالم أهل الشام عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى الغساني الدمشقي، إمام فاضل ثقة فقيه، حديثه في الكتب الستة، وكان ممن امتحنه المأمون وسجنه في فتنة القول بخلق القرآن، وتوفي في السجن سنة ثمان عشرة ومائتين (٢١٨). [انظر: تاريخ بغداد (١١/ ٧٢)، والسير (١٠/ ٢٢٨)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٨٠)، وتقريب التهذيب (١/ ٥٥٢)، وشذرات الذهب (٢/ ٤٤)].
(٤) نقل ذلك عنه الذهبي في ميزان الاعتدال (٧/ ١٤٢).
(٥) تقريب التهذيب (٢/ ٢٨٩).
[ ٢١٤ ]
وقد رواه البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عيينة، عن أبي الزناد، بغير ذكر الأسماء.
ورواه البخاري والنسائي من حديث شعيب، بغير ذكرها.
ورواه البخاري عن أبي اليمان الحكم بن نافع، والنسائي عن علي بن عياش، كلاهما عن شعيب، بغير ذكر الأسماء" (^١).
قلت: ورُوي هذا الحديث عن الوليد بن مسلم، لكن من طريق أخرى، كما عند الدارمي في النقض على المريسي (^٢) بدون ذكر الأسماء (^٣).
٣ - الإدراج، حيث ذهب جمع من أهل العلم إلى أن سرد الأسماء ليس من كلام النبي -ﷺ-، وإنما هو مدرج في الحديث، أدرجه الوليد بن مسلم عن بعض شيوخه.
وقد جاء في بعض الروايات ما يؤكد ذلك، وإليك البيان:
١ - جاء عند أبي نعيم من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: (لله تسعة وتسعون اسمًا، مائة إلا واحد من أحصاها دخل الجنة).
قال زهير: "فبلغنا عن غير واحد من أهل العلم أن أولها: أن يفتتح بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شيء قدير " (^٤)، ثم سرد الأسماء.
فهذه الرواية تابع فيها الوليدُ بن مسلم، عبدَ الملك بن محمد -كما تقدم في الطريق الثانية- فكلاهما روى حديث سرد الأسماء عن زهير بن محمد، واتفقا في بقية السند، وبين الروايتين اختلافات كثيرة، أهمها هنا:
_________________
(١) العواصم والقواصم (٧/ ٢٠٢).
(٢) (١/ ١٨٠).
(٣) انظر: الفتح (١١/ ٢١٥).
(٤) جزء فيه طريق حديث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا) لأبي نعيم الأصبهاني (١٠٧) ح (١٨).
[ ٢١٥ ]
أن كلام زهير جاء في رواية عبد الملك متأخرًا عن سرد الأسماء، غير صريح في الإدراج، بخلاف رواية الوليد -كما هنا- فإن كلام زهير جاء متقدمًا على سرد الأسماء، وصريحًا في الإدراج كما ترى (^١).
٢ - ساق الدارمي هذا الحديث بسنده، عن هشام بن عمار الدمشقي عن الوليد بن مسلم، بدون ذكر الأسماء.
ثم قال الدارمي: "قال هشام: وحدثنا الوليد بن مسلم حدثنا سعيد بن عبد العزيز، مثل ذلك، وقال: كلها في القرآن: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم " (^٢)، ثم سرد الأسماء.
فهذه الرواية تشعر بأن سرد الأسماء من قول سعيد بن عبد العزيز، أدرجه الوليد بن مسلم في متن الحديث.
وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- فقال: "الحديث الذي في عدد الأسماء الحسنى ليس هو عند أهل المعرفة بالحديث من كلام النبي -ﷺ-، بل هذا ذكره الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز أو عن بعض شيوخه" (^٣).
وقال أيضًا: "وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن هاتين الروايتين -أي رواية الترمذي وابن ماجه- ليستا من كلام النبي -ﷺ-، وإنما كل منهما من كلام بعض السلف، فالوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين، كما جاء مفسرًا في بعض طرق حديثه، ولهذا اختلفت أعيانهما عنه، فروي عنه في إحدى الروايات من الأسماء بدل ما يذكر في الرواية الأخرى" (^٤).
وقال أيضًا: "إن التسعة والتسعين اسمًا لم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي -ﷺ-، وأشهر ما عند الناس فيها حديث الترمذي الذي رواه
_________________
(١) انظر: أسماء الله الحسنى لابن حجر (٤٦).
(٢) النقض على المريسي (١/ ١٨١ - ١٨٢).
(٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٩٦).
(٤) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٧٩).
[ ٢١٦ ]
الوليد بن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة، وحفاظ أهل الحديث يقولون: هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه من أهل الحديث" (^١).
وقد تتابعت أقوال أهل العلم في تقرير ذلك، وإليك بعض النقول عنهم:
قال البيهقي: "ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة" (^٢).
وقال البغوي (^٣): "يحتمل أن يكون ذكر هذه الأسامي من بعض الرواة" (^٤).
وقال ابن عطية: "في سرد الأسماء نظر، فإن بعضها ليس في القرآن ولا في الحديث الصحيح" (^٥).
وقال ابن العربي: "يحتمل أن يكون ذلك تفسير النبي -ﷺ-، ويحتمل أن يكون ذلك من غيره، وهو الظاهر عندي" (^٦).
وقال ابن حزم: "وجاءت أحاديث في إحصاء التسعة والتسعين اسمًا، مضطربة، لا يصح منها شيء أصلًا" (^٧).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢».
(٢) الأسماء والصفات (١/ ٣٣).
(٣) هو أبو محمد الحسين بن مسعود بن الفراء الشافعي، المحدث المفسر، صاحب التصانيف، وعالم أهل خراسان، كان بحرًا في العلوم زاهدًا قانعًا، توفي -﵀- سنة (٥١٦ هـ) له مؤلفات عديدة من أهمها وأشهرها: معالم التنزيل في التفسير، وشرح السنة. [انظر: وفيات الأعيان (٢/ ١١٥)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٢٥٧)، والعبر (٢/ ٤٠٦)، وشذرات الذهب (٤/ ٤٨)].
(٤) شرح السنة (٥/ ٣٥).
(٥) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (١١/ ٢١٥).
(٦) عارضة الأحوذي (٧/ ٣٣).
(٧) المحلى (٦/ ٢٨٢).
[ ٢١٧ ]
وقال الداودي (^١): "لم يثبت أن النبي -ﷺ- عيَّن الأسماء المذكورة" (^٢).
وقال ابن القيم: "والصحيح أنه -أي العد- ليس من كلام النبي -ﷺ-" (^٣).
وقال ابن كثير: "والذي عوَّل عليه جماعة من الحفاظ، أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه" (^٤).
وقال ابن حجر: "ورواية الوليد تشعر بأن التعيين مدرج" (^٥).
وقال أيضًا: "والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة" (^٦).
وقال الصنعاني (^٧): "اتفق الحفاظ من أئمة الحديث أن سردها إدراج من بعض الرواة" (^٨).
_________________
(١) هو الإمام العلامة القدوة أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن معاذ الداوودي البوشنجي شيخ خراسان علمًا وفضلًا وجلالة وسندًا وكان عابدًا محققًا درَّس وأفتى ووعظ، توفي -﵀- سنة (٤٦٧ هـ). [انظر: السير (١٨/ ٢٢٢)، والعبر (٢/ ٣٢٢)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٢٦)].
(٢) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (١١/ ٢١٧).
(٣) مدارج السالكين (٣/ ٤٣٣).
(٤) تفسير ابن كثير (٢/ ٤٢٥).
(٥) فتح الباري (١١/ ٢١٦)، وانظر: (١١/ ٢١٧).
(٦) بلوغ المرام (٢٨٤).
(٧) هو العلامة المجتهد محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الكحلاني ثم الصنعاني، المعروف بالأمير الصنعاني، من بيت الإمامة في اليمن فهو من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب -﵄-، برع في جميع العلوم وفاق الأقران، وتفرد برئاسة العلم في صنعاء، وأُصيب بمحن كثيرة من الجهلاء والعوام، توفي -﵀- سنة (١١٨٢ هـ)، وله مؤلفات كثيرة منها: سبل السلام شرح بلوغ المرام، وتطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد. [انظر: البدر الطالع (٢/ ١٣٣)، والأعلام (٦/ ٣٨)].
(٨) سبل السلام (٤/ ٢٠٨).
[ ٢١٨ ]
وأخيرًا قال ابن الوزير مشيرًا إلى ضعف هذا الحديث الذي فيه سرد الأسماء: "وحسبك أن البخاري ومسلمًا تركا تخريجه مع رواية أوله، واتفاقهما على ذلك يشعر بقوة العلة فيه" (^١).
وأما تصحيح الحاكم وابن حبان لهذا الحديث فليس بحجة، لأنهما قد عُرِفَا عند المحدثين بتساهلهما في التصحيح (^٢).
فإن قيل: إذا لم يصح عن النبي -ﷺ- تعيين لها، فهل هي معينة محددة، لكنها مبثوثة في أسمائه الكثيرة؟ أم أن المراد من الحديث، إحصاء تسعة وتسعين اسمًا من جملة أسمائه الكثيرة، أيًا كانت هذه الأسماء، المهم أن تكون من أسمائه، فمن أحصى هذا العدد استحق دخول الجنة؟
قيل: بل هي معينة محددة، كما هو ظاهر الحديث، ولعل النبي -ﷺ- لم يبينها لحكمة بالغة وهي: "أن يطلبها الناس ويتحروها في كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-" (^٣)، فيحصل لهم بذلك التعبد لله تعالى بجميع أسمائه، والله أعلم.
قال ابن العربي: "أُخفيت هذه الأسماء المتعددة في جملة الأسماء الكلية، لندعوه بجميعها، فنصيب العدد الموعود به فيها" (^٤).
الخلاصة:
١ - أن الأسماء الحسنى ليست محصورة بالعدد الوارد ذكره في الحديث، وأن معناه: أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه تعالى دخل الجنة، ليس معناه: أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسمًا.
_________________
(١) إيثار الحق (١٥٨).
(٢) انظر: مقدمة ابن الصلاح (٢٤ - ٢٥)، واختصار علوم الحديث لابن كثير (الباعث ٢٧).
(٣) مقتبس من كلام الشيخ محمد العثيمين -رحمه الله تعالى- في مجموع فتاويه (١/ ١٢٢).
(٤) أحكام القرآن (٢/ ٢٥٧)، وانظر: إيثار الحق (١٥٩)، وفتح الباري (١١/ ٢٢١).
[ ٢١٩ ]
٢ - أن معنى الإحصاء الوارد في الحديث: عدها، وحفظها بفهم معانيها ودعاء الله بها وتعبده بمقتضاها.
٣ - أنه لم يرد في تعيين الأسماء التسعة والتسعين حديث صحيح عن النبي -ﷺ-، وأن ما جاء في تعيينها إنما هو اجتهادات من بعض العلماء، والله أعلم.
* * *
[ ٢٢٠ ]
المبحث الرابع: (فإن الله لا يمل حتى تملوا)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٢٢١ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
- عن عائشة -﵂- قالت: كانت عندي امرأة من بني أسد، فدخل عليَّ رسول الله -ﷺ-، فقال: (من هذه؟) قلت: فلانة، لا تنام بالليل، تذكر من صلاتها، فقال: (مه، عليكم ما تطيقون من الأعمال، فإن الله لا يمل حتى تملوا)، متفق عليه (^١).
وفي رواية لمسلم: (خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا) (^٢).
- وعنها -﵂- قالت: لم يكن رسول الله -ﷺ- في الشهر من السنة أكثر صيامًا منه في شعبان، وكان يقول: (خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لن يمل حتى تملوا)، وكان يقول: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل)، متفق عليه (^٣).
- وعنها -﵂-: أن النبي -ﷺ- كان يحتجر حصيرًا بالليل فيصلي، ويبسطه
_________________
(١) البخاري في موضعين: في أبواب التهجد، باب: ما يكره من التشديد في العبادة (١/ ٣٨٦) ح (١١٠٠)، وفي كتاب الإيمان، باب: أحب الدين إلى الله أدومه (١/ ٢٤) ح (٤٣). ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: أمر من نعس في صلاته بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك (٦/ ٣٢١) ح (٧٨٥).
(٢) صحيح مسلم: الموضع السابق.
(٣) البخاري: كتاب الصوم، باب: صوم شعبان (٢/ ٦٩٥) ح (١٨٦٩)، ومسلم -واللفظ له-: كتاب الصيام، باب: صيام النبي -ﷺ- في غير رمضان (٨/ ٢٨٦) ح (٧٨٢).
[ ٢٢٢ ]
بالنهار فيجلس عليه، فجعل الناس يثوبون إلى النبي -ﷺ- فيصلون بصلاته حتى كثروا، فأقبل فقال: (يا أيها الناس، خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل)، متفق عليه (^١).
بيان وجه الإشكال
لما كان معنى الملل في اللغة: استثقال الشيء والإعراض عنه والضجر منه (^٢)، استشكل أهل العلم هذا الحديث، لأن الملل فيه مضاف إلى الله تعالى، فاختلفوا فيه على عدة أقوال، يأتي بيانها إن شاء الله تعالى في المطلب التالي.
* * *
_________________
(١) البخاري: كتاب اللباس، باب: الجلوس على الحصير ونحوه (٥/ ٢٢٠١) ح (٥٥٢٣). ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضيلة العمل الدائم (٦/ ٣١٧) ح (٧٨٢).
(٢) انظر: غريب الحديث للحربي (١/ ٣٣٨)، وتهذيب اللغة للأزهري (١٥/ ٢٥٢) مادة (مل)، ولسان العرب (١١/ ٦٢٨ - ٦٢٩) مادة (ملل)، وفتح الباري (١/ ١٠٢).
[ ٢٢٣ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
حاصل أقوال أهل العلم في هذه المسألة تؤول إلى مسلكين:
المسلك الأول: أن الملل صفة ثابتة لله تعالى بهذا الحديث: (لا يمل الله حتى تملوا)، وعلى هذا فهي بالنسبة لله تعالى صفة كمال، لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وهذا بخلاف ملل المخلوق، فإنه نقص ظاهر لأنه يدل على السآمة والضجر.
فشأن هذه الصفة، شأن سائر الصفات التي تثبت لله تعالى على وجه الكمال، وإن كانت في حق المخلوقين ليست كمالًا (^١)، كصفة الاستهزاء من المستهزئين، وخداع المخادعين، والمكر بالماكرين.
وقد نص على هذا القول: القاضي أبو يعلى والشيخ محمد بن إبراهيم (^٢)، عليهما رحمة الله، وهو ظاهر كلام إبراهيم الحربي (^٣) ﵀ حيث
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين (١/ ١٧٤).
(٢) هو العلامة الفقيه محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، مفتي الديار السعودية ورئيس قضاتها، ومرجع أمورها الدينية والإسلامية، وكان إلى جانب علمه وإمامته ذا ورع وزهد، ورجاحة عقل وحسن تصرف، له عدة رسائل وفتاوى جمعت في عدة مجلدات، توفي ﵀ سنة (١٣٨٦). [انظر: علماء نجد (١/ ٢٤٢)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٣٢)].
(٣) هو الإمام الحافظ العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير البغدادي الحربي، صاحب التصانيف، طلب العلم وهو حدث وتفقه على الإمام أحمد بن حنبل، وبرع في العلم والعمل، وكان إمامًا في جميع الفنون متقنًا محتسبًا عابدًا زاهدًا، نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة جدًا حسانًا جيادًا، توفي ﵀ ببغداد سنة (٢٨٥ هـ)، وله تصانيف منها: غريب الحديث. =
[ ٢٢٤ ]
قال: "قال أبو زيد: ملَّ يَمَلُّ ملالة، وأمللته إملالًا، فكأن المعنى لا يمل من ثواب أعمالكم حتى تملوا من العمل" (^١).
وقال أبو يعلى: "اعلم أنه غير ممتنع إطلاق وصفه تعالى بالملل، لا على معنى السآمة والاستثقال ونفور النفس عنه" (^٢).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: " (إن الله لا يمل حتى تملوا) من نصوص الصفات، وهذا على وجه يليق بالباري، لا نقص فيه، كنصوص الاستهزاء والخداع فيما يتبادر" (^٣).
المسلك الثاني: أن الحديث لا يدل على صفة الملل لله تعالى، لأن الملل معناه: استثقال الشيء وإعراض النفس عنه وضجرها منه.
قالوا: وهذا لا يجوز على الله بحال، ولا يدخل في صفاته بوجه، فهو سبحانه منزه عن النقائص والعيوب، والتي من جملتها السآمة والملل (^٤).
وإلى هذا ذهب ابن قتيبة والطحاوي وابن عبد البر وابن رجب (^٥)، عليهم رحمة الله.
_________________
(١) = [انظر: تاريخ بغداد (٦/ ٢٧)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٨٤)، والسير (١٣/ ٣٥٦)، والعبر (١/ ٤١٠)، وشذرات الذهب (٢/ ١٩٠)].
(٢) غريب الحديث (١/ ٣٣٨).
(٣) إبطال التأويلات (٢/ ٣٧٠)، وانظر: دفع شبه التشبيه لابن الجوزي (٢٢٠).
(٤) الفتاوى والرسائل (١/ ٢٠٩).
(٥) انظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (٣٢٤)، ومشكل الآثار للطحاوي (تحفة ١/ ٢١٦)، وأعلام الحديث للخطابي (١/ ١٧٣)، وفتح الباري لابن رجب (١/ ١٦٧).
(٦) هو عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي الشهير بابن رجب، قدم من بغداد مع والده إلى دمشق وهو صغير سنة أربع وأربعين وسبعمائة وأجازه ابن النقيب والنووي، أتقن فن الحديث وصار أعرف أهل عصره بالعلل، توفي ﵀ سنة (٧٩٥ هـ) له مؤلفات عدة منها: جامع العلوم والحكم، وفتح الباري في شرح صحيح البخاري، وصل فيه إلى الجنائز. =
[ ٢٢٥ ]
ولكنهم اختلفوا في الملل الوارد في الحديث على قولين، وذلك بعد اتفاقهم على نفي صفة الملل عن الله تعالى:
القول الأول: أن المعنى: لا يمل إذا مللتم، وإلى هذا ذهب ابن قتيبة والطحاوي (^١).
قال ابن قتيبة: "أراد: فإن الله لا يمل إذا مللتم، ومثال هذا، قولك في الكلام: هذا الفرس لا يفتر حتى تفتر الخيل.
لا تريد بذلك أنه يفتر إذا فترت، ولو كان هذا هو المراد، ما كان له فضل عليها، لأنه يفتر معها، فأية فضيلة له؟ وإنما تريد: أنه لا يفتر إذا فترت.
وكذلك تقول في الرجل البليغ في كلامه، والمِكْثَار الغزير: فلان لا ينقطع حتى تنقطع خصومه.
تريد أنه لا ينقطع إذا انقطعوا، ولو أردت أنه ينقطع إذا انقطعوا لم يكن له في هذا القول فضل على غيره، ولا وجبت له به مدحة، وجاء مثل هذا بعينه في الشعر المنسوب إلى ابن أخت تَأَبَّطَ شرًا، وقيل: إنه لخلف الأحمر:
صَلِيَت منِّي هذيل بِخِرْقٍ لا يَمل الشرَّ حتى يَملُّوا
لم يرد أنه يمل الشر إذا ملوه، ولو أراد ذلك ما كان فيه مدح له، لأنه بمنزلتهم، وإنما أراد: أنهم يملون الشر وهو لا يمله" (^٢).
القول الثاني: أن معنى الحديث: لا يترك الله الثواب والجزاء على العمل ما لم تملوه وتتركوه، فيكون المراد بالملل لازم الملل، لأن من ملَّ شيئًا تركه، فكنى عن الترك بالملل الذي هو سبب الترك.
_________________
(١) = [انظر: الدرر الكامنة (٢/ ١٣٢)، وشذرات الذهب (٦/ ٣٣٩)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٧٤)، والأعلام (٣/ ٢٩٥)].
(٢) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ٢١٦).
(٣) تأويل مختلف الحديث (٣٢٤) بتصرف يسير.
[ ٢٢٦ ]
وإلى هذا ذهب ابن عبد البر وابن رجب، عليهما رحمة الله، وهو قول أغلب أهل التأويل (^١).
قال ابن عبد البر: "معلوم أن الله ﷿ لا يمل، سواء ملَّ الناس أو لم يملوا، ولا يدخله ملال في شيء من الأشياء، جل وتعالى علوًا كبيرًا، وإنما جاء لفظ هذا الحديث على المعروف من لغة العرب، بأنهم كانوا إذا وضعوا لفظًا بإزاء لفظ وقبالته، جوابًا له وجزاءً، ذكروه بمثل لفظه، وإن كان مخالفًا له في معناه، ألا ترى إلى قوله ﷿: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
والجزاء لا يكون سيئة، والقصاص لا يكون اعتداءً، لأنه حق واجب
وكذلك قوله -ﷺ-: (إن الله لا يمل حتى تملوا) أي: إن من مل من عمل يعمله، قطع عنه جزاؤه، فأخرج لفظ قطع الجزاء بلفظ الملال، إذ كان بحذائه وجوابًا له" (^٢).
وقال ابن رجب تعليقًا على هذا الحديث: "الملل والسآمة للعمل يوجب قطعه وتركه، فإذا سئم العبد من العمل ومله، قطعه وتركه، فقطع الله عنه ثواب ذلك العمل، فإن العبد إنما يجازى بعمله، فمن ترك عمله انقطع عنه ثوابه وأجره إذا كان قطعه لغير عذر من مرض أو سفر أو هرم
وسُمِّي هذا المنع من الله مللًا وسآمة، مقابلة للعبد على ملله وسآمته،
_________________
(١) انظر: أعلام الحديث للخطابي (١/ ١٧٣)، ومشكل الحديث لابن فورك (٢٩٠)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٣١)، والمفهم للقرطبي (٢/ ٤١٣ - ٤١٤)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ٣١٧ - ٣١٨)، وإيضاح الدليل لابن جماعة (١٨٣)، ومنة المنعم لصفي الرحمن المباركفوري (١/ ٤٩٣).
(٢) التمهيد (١/ ١٩٥ - ١٩٦).
[ ٢٢٧ ]
كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] فسمى إهمالهم وتركهم نسيانًا، مقابلة لنسيانهم له، هذا أظهر ما قيل في هذا" (^١).
واستشهد هؤلاء بما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (اكْلُفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل) (^٢).
* * *
_________________
(١) فتح الباري (١/ ١٦٥ - ١٦٦).
(٢) أخرجه الطبري في تفسير سورة المزمل (١٢/ ٢٧٩) من طريقين عن عائشة -﵂-، وفي إسنادهما موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، قال فيه الإمام أحمد: لا تحل الرواية عنه، وقال ابن معين: لا يحتج بحديثه، وقال علي بن المديني: ضعيف الحديث، حدث بأحاديث مناكير، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال النسائي: ضعيف، وقال مرةً: ليس بثقة. [انظر: تهذيب التهذيب (١٠/ ٣١٨ - ٣٢٠)]. ولذا قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ١٠٢) بعد استشهاده به: "لكن في سنده موسى بن عبيدة، وهو ضعيف"، وانظر: تقريب التهذيب (٢/ ٢٢٦)، وأشار أيضًا إلى أن لفظة: (من الثواب) مدرجة من بعض الرواة، فقال في الفتح (٣/ ٣٧): "وفي بعض طرقه ما يدل على أن ذلك مدرج من قول بعض الرواة، والله أعلم"، ولعله يشير إلى الطريق الآخر فإنه جاء بلفظ: (يا أيها الناس إن الله لا يمل حتى تملوا -يعني: من الثواب- فاكلفوا من العمل ما تطيقون). وقد ذكر هذا الحديث أبو يعلى في إبطال التأويلات (٢/ ٣٦٩) عن أبي هريرة -﵁-، لكنه بدون إسناد.
[ ٢٢٨ ]
المطلب الثالث: الترجيح
القاعدة عند أهل السنة والجماعة في نصوص الكتاب والسنة -وخاصة نصوص الصفات- أنهم يجرونها على ظاهرها من دون تكييف ولا تمثيل، ويؤمنون بها على مراد الله تعالى، ومراد رسوله -ﷺ-.
قال الشافعي ﵀: "آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله -ﷺ-" (^١).
إذا علم هذا فإن الذي يترجح في هذه المسألة -والله تعالى أعلم بالصواب- هو إثبات صفة الملل لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، مع نفي توهم النقص في حقه تعالى، بأي وجه من الوجوه.
فشأن هذه الصفة شأن بقية الصفات التي تثبت لله تعالى على وجه الكمال، وإن كانت في حق المخلوقين ليست كمالًا، كالاستهزاء والمكر والخداع.
ويكون المعنى: إن الله تعالى لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل، كما نص عليه إمام من أئمة السلف وعالم من علماء اللغة، وهو إبراهيم الحربي، رحمه الله تعالى (^٢).
وهو الذي يدل عليه سياق الحديث، ولذلك أرشد ﵊ إلى عدم حمل النفس على ما يشق عليها من العبادة، حتى لا تمل
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٤)، وانظر: (٤/ ٢).
(٢) انظر: ص (٢٢٤ - ٢٢٥) من هذا البحث.
[ ٢٢٩ ]
منها، فقال: (مه، عليكم ما تطيقون من الأعمال ..)، و(مه) كلمة زجر (^١).
وقال أيضًا: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل)؛ لأن الديمومة على العمل تستدعي ديمومة الثواب.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "المراد بهذا الحديث: الاقتصاد في العمل، والأخذ بما يتمكن صاحبه من المداومة عليه" (^٢).
لكن لا يوصف الله تعالى بهذه الصفة على وجه الإطلاق، وإنما يوصف بها بالقيد المذكور في الحديث، فهو لا يمل إلا إذا ملوا، كما أنه لا يخدع إلا المخادعين، ولا يمكر إلا بالماكرين، ولا يستهزئ إلا بالمستهزئين، ولا يسخر إلا بالساخرين، فهذه الصفات لا يجوز أن يوصف الله تعالى بها على وجه الإطلاق.
قال ابن تيمية ﵀: "وهكذا وَصَفَ نفسَه بالمكر والكيد، كما وصف عبده بذلك، فقال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]، وقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق: ١٥، ١٦]، وليس المكر كالمكر، ولا الكيد كالكيد" (^٣).
وقال ابن القيم: "إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقًا فلا يقال: إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد" (^٤).
وقال ابن عثيمين: "المكر والكيد والمحال من صفات الله الفعلية، التي لا يوصف بها على سبيل الإطلاق، لأنها تكون مدحًا في حال، وذمًا في حال، فيوصف بها حين تكون مدحًا، ولا يوصف بها إذا لم تكن مدحًا والاستهزاء من هذا الباب، فلا يصح أن نخبر عن الله بأنه
_________________
(١) انظر: فتح الباري لابن رجب (١/ ١٦٤)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ١٠٢).
(٢) فتح الباري (١/ ١٦٥).
(٣) التدمرية (٢٦)، وانظر: مجموع الفتاوى (٧/ ١١١).
(٤) مختصر الصواعق (٢/ ٢٩١).
[ ٢٣٠ ]
مستهزيء على الإطلاق" (^١).
وقال ابن باز معقبًا على الحافظ ابن حجر عندما تأول الوعي المضاف إلى الله تعالى في قوله -ﷺ- لأسماءَ: (لا توعي فيوعي الله عليك)، متفق عليه (^٢).
قال: "هذا خطأ لا يليق من الشارح، والصواب إثبات وصف الله بذلك حقيقة، على الوجه اللائق به سبحانه، كسائر الصفات، وهو سبحانه يجازي العامل بمثل عمله، فمن مكر مكر به، ومن خادع خدعه، وهكذا من أوعى أوعى الله عليه، وهذا قول أهل السنة والجماعة، فالزمه تَفُزَ بالنجاة والسلامة، والله الموفق" (^٣).
- وأما ما ذهب إليه ابن قتيبة والطحاوي من أن معنى الحديث: إن الله لا يمل إذا مللتم، فغير وجيه، لأن (حتى) لا تأتي بمعنى (إذا)، وإنما تأتي على أربعة معانٍ هي:
١ - انتهاء الغاية، وهو الغالب.
٢ - والتعليل.
٣ - وبمعنى: (إلا) وهذا أقلها.
٤ - وتأتي عاطفة عند بعضهم، وهو قليل (^٤).
ثم إن (حتى) حرف، وتفسيرها بـ (إذا) يخرجها من الحرفية إلى الاسمية، لأن (إذا) ظرف (^٥) -والظروف أسماء- كما أنه يجعل لها محلًا
_________________
(١) شرح العقيدة الواسطية (٢/ ٣٣٦).
(٢) البخاري (٢/ ٥٢٠) ح (١٣٦٧)، و(٢/ ٩١٥) ح (٢٤٥٠، ٢٤٥١)، ومسلم (٧/ ١٢٣) ح (١٢٩).
(٣) فتح الباري (٣/ ٣٠٠) هامش (١).
(٤) انظر: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام (١٣٢، ١٣٥، ١٣٧)، وشرح جمل الزجاجي لابن عصفور (١/ ٥٤٠)، وإبطال التأويلات (٢/ ٣٧).
(٥) انظر: مغني اللبيب (١٠٢).
[ ٢٣١ ]
من الإعراب وهو النصب على الظرفية مثل (إذا)، وقد أجمع النحاة على أن الحروف لا محل لها من الإعراب (^١).
- وأما ما ذهب إليه ابن عبد البر وابن رجب عليهما رحمة الله، من تفسير الملل بلازمه وهو الترك، وذلك تنزيهًا لله تعالى عن معنى الملل، فهو خروج بالنص عن ظاهره المتبادر منه، علمًا أنه لا يلزم من إثبات هذه الصفة لله تعالى بالقيد المذكور، أن يكون الله تعالى متصفًا بالنقائص والعيوب، كيف وقد وصفه بذلك من هو أعظم الناس تنزيهًا لربه، وأعلمهم بمراده، وهو الرسول -ﷺ-.
كما لا يلزم من إثباتها نفي اللوازم الصحيحة لها، فإن لازم الحق حق، لكن لا ينبغي أن يكون إثبات اللازم طريقًا لنفي الأصل، وهو الصفة، فالصفة ثابتة، ولوازمها الصحيحة ثابتة.
ولعل الذي ألجأهم إلى هذا التأويل، هو ما فهموه من معنى الملل في حق المخلوقين، ومعلوم أن الخالق لا يماثله أحد من خلقه بشيء من صفاته، فللخالق صفات تليق به وللمخلوق صفات تليق به، والاتفاق في الأسماء لا يلزم منه الاتفاق في المسميات، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) انظر: التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل، لأبي حيان الأندلسي (١/ ٥٠).
[ ٢٣٢ ]
المبحث الخامس: (مرضت فلم تعدني)
وفيه مطلبان:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
[ ٢٣٣ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إن الله ﷿ يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي)، رواه مسلم (^١).
بيان وجه الإشكال
قد يستشكل بعض الناس -لأول وهلة- هذا الحديث، لأن فيه إضافة المرض والاستطعام والاستسقاء إلى الله تعالى، مع أنها صفات نقص لا يجوز أن يوصف الله تعالى بها، ولذا فقد يرون أنه يحتاج إلى تأويل (^٢)، والحق أنه لا يحتاج إلى تأويل لأنه قد جاء في آخره ما يفسره ويبينه.
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب البر والصلة، باب: فضل عيادة المريض (١٦/ ٣٦٢) ح (٢٥٦٩).
(٢) بل ذهب بعض أهل الكلام إلى أن هذا الحديث لا بد من تأويله، وحكى بعضهم عدم الخلاف في ذلك، لأنه لا يمكن حمله على ظاهره، زعموا [انظر: مشكل الحديث لابن فورك (١٦٠)، وأساس التقديس للرازي (٦٩ - ٧٠)، وإيضاح الدليل لابن جماعة (١٩٧ - ١٩٨)].
[ ٢٣٤ ]
وأيضًا فقد تعلق بهذا الحديث غلاة الصوفية (^١) محتجين به على مذهبهم الفاسد، وهو القول بالحلول أو الاتحاد (^٢)، حيث قال في الحديث:
_________________
(١) لفظ الصوفية لم يكن مشهورًا في القرون الثلاثة المفضلة وإنما اشتُهر التكلم به بعد ذلك، وقد اختُلف في أصل كلمة الصوفية واشتقاقها على أقوال كثيرة، رجح شيخ الإسلام ابن تيمية أنه نسبة إلى لبس الصوف. وقد كانت بداية التصوف عبارة عن الزهد في الدنيا والتنسك والعبادة وتفريغ القلب من الاشتغال بغير ذكر الله، ثم انحرف مفهوم التصوف شيئًا فشيئًا حتى انتهى إلى القول بعقائد باطلة كالحلول والاتحاد وترك الواجبات وفعل المحرمات وغير ذلك [انظر: تلبيس إبليس لابن الجوزي (٢٢٣)، وما بعدها، ومجموع الفتاوى (١١/ ٥)، وما بعدها].
(٢) الحلول والاتحاد يجمع بينهما: اعتقاد أن الرب هو العبد حقيقة، وهو أقسام: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من جعل الرب هو العبد حقيقة؛ فإما أن يقول بحلوله فيه؛ أو اتحاده به، وعلى التقديرين فإما أن يجعل ذلك مختصًا ببعض الخلق كالمسيح أو يجعله عامًا لجميع الخلق. فهذه أربعة أقسام: الأول: هو الحلول الخاص وهو قول النسطورية من النصارى ونحوهم ممن يقول: إن اللاهوت حل في الناسوت وتدرع به كحلول الماء في الإناء وهؤلاء حققوا كفر النصارى؛ بسبب مخالطتهم للمسلمين، وكان أولهم في زمن المأمون؛ وهذا قول من وافق هؤلاء النصارى من غالية هذه الأمة كغالية الرافضة الذين يقولون: إنه حل بعلي بن أبي طالب وأئمة أهل بيته، وغالية النساك الذين يقولون بالحلول في الأولياء ومن يعتقدون فيه الولاية أو في بعضهم: كالحلاج ويونس والحاكم ونحو هؤلاء. والثاني: هو الاتحاد الخاص وهو قول يعقوبية النصارى وهم أخبث قولًا، وهم السودان والقبط يقولون: إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا كاختلاط اللبن بالماء، وهو قول من وافق هؤلاء من غالية المنتسبين إلى الإسلام. والثالث: هو الحلول العام وهو القول الذي ذكره أئمة أهل السنة والحديث عن طائفة من الجهمية المتقدمين، وهو قول غالب متعبدة الجهمية؛ الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان؛ ويتمسكون بمتشابه من القرآن كقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِى السَّمَاوَاتِ وَفىِ الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾، والرد على هؤلاء كثير مشهور في كلام أئمة السنة وأهل المعرفة وعلماء الحديث. =
[ ٢٣٥ ]
(مرضت فلم تعدني)، (استطعمتك فلم تطعمني)، (استسقيتك فلم تسقني)، فأضاف المرض والاستطعام والاستسقاء إلى نفسه تعالى، مع أنه يريد مرض عبده واستطعامه واستسقاءه، قالوا: فهذا دليل على أن الرب هو العبد، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
ولا شك أن احتجاجهم هذا باطل، وهو يدل على انحراف في الفطرة، وفساد في العقل، وقصور في الفهم، لأن النص قد قرن به تفسيره، وبَيَّنَ المتكلم فيه مراده.
وقد أوضح أهل العلم معنى هذا الحديث، وأزالوا عنه ما قد يتوهم فيه من الإشكال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إذا تدبرت النصوص وجدتها قد بيَّنت المراد، وأزالت الشبهة فنفس ألفاظ الحديث، نصوص في أن الله نفسه لا يمرض، وإنما الذي مرض عبده المؤمن" (^١).
_________________
(١) = الرابع: الاتحاد العام وهو قول هؤلاء الملاحدة الذين يزعمون أنه عين وجود الكائنات وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من وجهين: من جهة أن أولئك قالوا: إن الرب يتحد بعبده الذي قربه واصطفاه بعد أن لم يكونا متحدين وهؤلاء يقولون: ما زال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره. والثاني: من جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح وهؤلاء جعلوا ذلك ساريًا في الكلاب والخنازير والأقذار والأوساخ، وإذا كان الله تعالى قد قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآية. فكيف بمن قال: إن الله هو الكفار والمنافقون والصبيان والمجانين والأنجاس والأنتان وكل شيء؟ وإذا كان الله قد رد قول اليهود والنصارى لمَّا قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، وقال لهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ الآية، فكيف بمن يزعم أن اليهود والنصارى هم أعيان وجود الرب الخالق ليسوا غيره ولا سواه؟ " [مجموع الفتاوى (٢/ ١٧١ - ١٧٣)، وانظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (٢٢٨)].
(٢) درء التعارض (٥/ ٢٣٥).
[ ٢٣٦ ]
وقال أيضًا: "الحديث خطاب مُفَسِّر مُبَيّن أن الرب ﷿ ليس هو العبد، ولا صفته صفته، ولا فعله فعله، أكثر ما فيه استعمال لفظ الجوع والمرض مقيدًا مبينًا للمراد، فلم يطلق الخطاب إطلاقًا، وأيضًا فقد علم المخاطب أن الرب تعالى لا يجوع ولا يمرض، فلم يكن فيه تلبيس لا من جهة السمع، ولا من جهة العقل، بل المتكلم بين فيه مراده، والمستمع له لم يشتبه عليه" (^١).
وسيأتي مزيد إيضاح لهذا في المطلب الثاني إن شاء الله تعالى.
* * *
_________________
(١) الاستغاثة في الرد على البكري (١/ ٢١٤ - ٢١٥)، وانظر: (٢/ ٥٩٤).
[ ٢٣٧ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
تناول أهل العلم هذا الحديث بالتوضيح والبيان، نافين عنه ما قد يُتَوَهم فيه من معاني فاسدة، ومؤكدين على أن المتكلم به قد بيَّن مراده، وأوضح فيه مقصوده، فأزال ما قد يُتَوَهم فيه من الإشكال، ودفع عنه ما قد يقع فيه من الاشتباه.
وإليك بعض أقوالهم في ذلك:
قال أبو يعلى رحمه الله تعالى: "اعلم أن هذا الخبر قد اقترن به تفسير من النبي -ﷺ- في بعضه، فوجب الرجوع إلى تفسيره، وذلك أن فسر قوله: مرضت واستطعمت واستسقيت، على أنه إشارة إلى مرض وليه واستسقائه واستطعامه، وأضاف ذلك إلى نفسه إكرامًا لوليه ورفعة لقدره، وهذه طريقة معتادة في الخطاب، يخبر السيد عن نفسه، ويريد عبده، إكرامًا له وتعظيمًا" (^١).
وقال ابن تيمية: "لا يجوز لعاقل أن يقول: إن دلالة هذا الحديث مخالفة لعقل ولا سمع، إلا من يظن أنه قد دل على جواز المرض والجوع على الخالق ﷾، ومن قال هذا فقد كذب على الحديث، ومن قال: إن هذا ظاهر الحديث أو مدلوله أو مفهومه فقد كذب، فإن الحديث قد فسره المتكلم به وبَيَّنَ مراده بيانًا زالت به كل شبهة، وبين فيه أن العبد هو الذي جاع وأكل ومرض وعاده العواد، وأن الله سبحانه لم يأكل ولم يُعد" (^٢).
_________________
(١) إبطال التأويلات (١/ ٢٢٤).
(٢) درء التعارض (١/ ١٥٠)، وانظر: (٥/ ٢٣٦)، والتدمرية (٧٣).
[ ٢٣٨ ]
وقال الشيخ محمد العثيمين -رحمه الله تعالى-: "السلف أخذوا بهذا الحديث، ولم يصرفوه عن ظاهره بتحريف يتخبطون فيه بأهوائهم، وإنما فسروه بما فسره به المتكلم به، فقوله تعالى: (مرضت، واستطعمتك، واستسقيتك) بينه الله تعالى بنفسه، حيث قال: (أما علمت أن عبدي فلانًا مرض، وأنه استطعمك عبدي فلان، واستسقاك عبدي فلان؟) وهو صريح في أن المراد به، مرض عبد من عباد الله، واستطعام عبد من عباد الله، واستسقاء عبد من عباد الله، والذي فسره بذلك هو المتكلم به، وهو أعلم بمراده، فإذا فسرنا المرض المضاف إلى الله والاستطعام المضاف إليه، والاستسقاء المضاف إليه، بمرض العبد واستطعامه واستسقاءه، لم يكن في ذلك صرف للكلام عن ظاهره، لأن ذلك تفسير المتكلم به، فهو كما لو تكلم بهذا المعنى ابتداءً" (^١).
وقد أضاف الله تعالى مرض عبده واستطعامه واستسقائه إلى نفسه، للترغيب والحث، كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] (^٢).
وذهب ابن تيمية -ومثله أبو يعلى كما تقدم- إلى أن هذه الإضافة إنما هي لكون العبد المذكور في الحديث، يراد به الولي الذي تتفق إرادته مع ما يريده الله تعالى، فلا يريد إلا ما يريده الله، ولا يحب إلا ما يحبه الله، ولا يبغض إلا ما يبغضه الله، ولا يأمر إلا بما يأمر به الله، ولا ينهى إلا عما ينهى عنه الله.
فهذا الجنس من الناس هم الذين يرضى الحق لرضاهم ويغضب لغضبهم، والكامل المطلق في هؤلاء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ولهذا قال تعالى فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]،
_________________
(١) القواعد المثلى (٧٦).
(٢) انظر: القواعد المثلى (٧٦).
[ ٢٣٩ ]
وقال: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوه﴾ [التوبة: ٦٢]، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] (^١).
وأما استدلال أهل الحلول والاتحاد بهذا الحديث على مذهبهم الفاسد، فلا شك أنه استدلال باطل، لا يقره شرع ولا عقل، بل إن هذا الحديث قد تضمن الرد عليهم، لأن الله تعالى يقول: (أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟)، ويقول: (أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟) (^٢).
فلو كان الله تعالى عين المريض والجائع لقال في الأولى: لوجدتني إياه، ولقال في الثانية: لوجدتني أكلته (^٣).
كما أن الحديث قد فرق وميَّز بين العابد والمعبود، والرب والمربوب، وهذا نقض صريح لعقيدة الحلول والاتحاد (^٤).
وقد اتفقت كلمة المسلمين قاطبةً -فضلًا عن علمائهم- على بطلان عقيدة الحلول والاتحاد، وأنها كفر صريح، يجب تنزيه الله تعالى عنها، فالرب رب، والعبد عبد، وليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٩٢، ٤٦٢)، و(٦/ ٢٨)، و(١١/ ٧٦)، والجواب الصحيح (٣/ ٣٩٣).
(٢) قال ابن القيم في مدارج السالكين (٣/ ٤٢٩): "تأمل قوله في الإطعام والإسقاء: (لوجدت ذلك عندي)، وقوله في العيادة: (لوجدتني عنده)، ولم يقل لوجدت ذلك عندي، إيذانًا بقربه من المريض، وأنه عنده لذله وخضوعه وانكسار قلبه، وافتقاره إلى ربه، فأوجب ذلك وجود الله عنده، هذا وهو فوق سمواته مستو على عرشه، بائن من خلقه، وهو عند عبده" [وانظر: مدارج السالكين (١/ ٣٢٤)، وشفاء العليل (٢/ ٢٢١)، ومجموع الفتاوى (٢/ ٣٩٢)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ٢٨٥ - ٢٩٩)].
(٣) انظر: الاستغاثة في الرد على البكري (١/ ٢١٤)، والجواب الصحيح (٣/ ٣٣٤)، ومجموع الفتاوى (٢/ ٤٦٢، ٣٩٢).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٩١)، و(١١/ ٧٦).
[ ٢٤٠ ]
مخلوقاته شيء من ذاته (^١).
وهذا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله -ﷺ- أظهر من أن يشار إليه أو ينص عليه.
قال ابن تيمية مبينًا أن التعبير بالشيء مع إرادة غيره، موجود في كلام الشارع، وكلام غيره، وأنه تعبير صحيح إذا ظهر المعنى وعرف المراد كما في هذا الحديث، قال: "ينبغي أن يُعْرَف هذا النوع من الكلام، فإنه تنحل به إشكالات كثيرة، فإن هذا موجود في كلام الله ورسله وكلام المخلوقين في عامة الطوائف، مع ظهور المعنى ومعرفة المتكلم والمخاطب أنه ليس المراد أن ذات أحدهما اتحدت بذات الآخر.
بل أبلغ من ذلك، يطلق لفظ الحلول والاتحاد ويراد به معنى صحيح، كما يقال: فلان وفلان بينهما اتحاد، إذا كانا متفقين فيما يحبان ويبغضان ويواليان ويعاديان، فلمّا اتحد مرادهما ومقصودهما صار يقال: هما متحدان وبينهما اتحاد، ولا يعني بذلك أن ذات هذا اتحدت بذات الآخر كاتحاد النار والحديد، والماء واللبن، أو النفس والبدن
وأيضًا فلفظ الحلول يراد به حلول ذات الشيء تارةً، وحلول معرفته ومحبته ومثاله العلمي تارةً" (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٧٤)، و(٢/ ٤٧٥ - ٤٧٥، ٤٧٧، ٤٨١).
(٢) الجواب الصحيح (٣/ ٣٤٣).
[ ٢٤١ ]
المبحث السادس: (ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله)
وفيه مطلبان:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
[ ٢٤٣ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
عن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: (ما أحد أصبر على أذىً سمعه، من الله، يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم)، متفق عليه (^١).
بيان وجه الإشكال
قال ابن القيم: "أشكل هذا الاسم -يعني: الصبور (^٢) - على كثير من
_________________
(١) البخاري في موضعين: في كتاب التوحيد، باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ (٦/ ٢٦٨٧) ح (٦٩٤٣)، وفي كتاب الأدب، باب: الصبر على الأذى (٥/ ٢٢٦٢) ح (٥٧٤٨). ومسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لا أحد أصبر على أذىً يسمعه من الله ﷿ (١٧/ ١٥١) ح (٢٨٠٤).
(٢) ذهب بعض أهل العلم -كابن منده والبيهقي وقوام السنة أبي القاسم الأصبهاني وابن القيم وابن حجر والسعدي وغيرهم عليهم رحمة الله- إلى تسمية الله تعالى بالصبور، ومُعوَّل أكثرهم على حديث سرد الأسماء، وهو حديث لا يصح، وقد تقدم بيان حاله في المبحث الثالث، فراجعه إن شئت، وقد يكون مُعوَّل بعضهم على الاشتقاق من اللفظ الوارد في الحديث. [انظر: على الترتيب: التوحيد (٢/ ١٤٢)، والأسماء والصفات (١/ ١٤٨)، والحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٨٩)، وعدة الصابرين (٤٢٠)، وفتح الباري (١٣/ ٣٦١)، والحق الواضح المبين، مطبوع ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي (٣/ ٢٤١)]. وأما صفة الصبر فهي ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله، كما هو مدلول هذا الحديث.
[ ٢٤٤ ]
العلماء، وقالوا: لم يأتِ في القرآن، فأعرضوا عن الاشتغال به صفحًا، ثم اشتغلوا بالكلام في صبر العبد وأقسامه، ولو أنهم أعطوا هذا الاسم حقه لعلموا أن الرب أحق به من جميع الخلق، كما هو أحق باسم العليم والرحيم والقدير والسميع والبصير والحي وسائر أسمائه الحسنى، من المخلوقين، وأن التفاوت الذي بين صبره سبحانه وصبرهم كالتفاوت الذي بين حياته وحياتهم، وعلمه وعلمهم، وسمعه وأسماعهم، وكذا سائر صفاته" (^١).
ولعل سبب استشكال إضافة الصبر إلى الله تعالى ما يصاحب الصبر من الألم والحزن والمشقة، إضافةً إلى أنه قد يكون ناتجًا عن ضعف وعجز وعدم قدرة، ومعلوم أن الله تعالى منزه عن ذلك كله، فلا يلحقه نقص بوجه من الوجوه، وعلى هذا فما معنى هذه الصفة -الصبر- بالنسبة لله تعالى؟ هذا ما سوف يتضح في المطلب التالي، إن شاء الله تعالى.
* * *
_________________
(١) عدة الصابرين (٤٢١) بتصرف يسير، وانظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان (١/ ١٠٠)، والحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٨٩).
[ ٢٤٥ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
لم يختلف أهل السنة والجماعة في إثبات هذه الصفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته.
قال ابن القيم: "أما الصبر فقد أطلقه عليه أعرف الخلق به، وأعظمهم تنزيهًا له بصيغة المبالغة" (^١)، ثم ذكر حديث أبي موسى المتقدم.
كما لم يختلفوا في معنى هذه الصفة المضافة إلى الله تعالى، على ما هو معلوم من معنى الصبر في اللغة والشرع، بعيدًا عن تأويلات المتكلمين، التي تخرج الكلام عن ظاهره، وتبعده عن مراد المتكلم به (^٢).
فمعنى صبر الله تعالى -كما يدل عليه آخر الحديث-: الذي لا يعاجل العصاة بالعقوبة (^٣)، بل يزيد على ذلك أن يحسن إليهم، فيعافيهم ويرزقهم.
قال ابن القيم في نونيته (الكافية الشافية):
وهو الصبور على أذى أعدائه شتموه بل نسبوه للبهتان
_________________
(١) عدة الصابرين (٤٢٠)، وانظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١١/ ١٦٠).
(٢) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٨٢)، والأسنى في شرح أسماء الله الحسنى للقرطبي (١/ ١٣٨).
(٣) انظر: الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٨٩)، وعدة الصابرين (٤٢٢ - ٤٢٣)، وتوضيح الكافية الشافية للسعدي، مطبوع ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي (٣/ ٣٨١ - ٣٨٢)، وبهذا المعنى قال بعض أهل التأويل، انظر: الأسماء والصفات للبيهقي (١/ ١٤٨)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (٨/ ٣٣٦)، والأسنى للقرطبي (١/ ١٣٨).
[ ٢٤٦ ]
قالوا له ولد وليس يعيدنا شتمًا وتكذيبًا من الإنسان
هذا وذاك بسمعه وبعلمه لو شاء عاجلهم بكل هوان
لكن يعافيهم ويرزقهم وهم يؤذونه بالشرك والكفران (^١)
وصبر الله تعالى لا يماثله شيء من الصبر، لأنه صبر من كامل القوة، عظيم القدرة والبطش، في مقابلة غاية الإساءة والأذية من الخلق، فهو يفارق صبر المخلوق من عدة وجوه، منها:
١ - أنه عن قوة كاملة، وقدرة تامة، بخلاف صبر المخلوق فإنه قد يكون عن ضعف وعجز.
٢ - أن الله تعالى لا يخاف بصبره فوت العقوبة، بينما العبد يخاف ذلك، ولهذا فإنه يستعجل العقوبة -أحيانًا- لخوف الفوت.
٣ - أن الله تعالى لا يلحقه بصبره ألم ولا حزن ولا نقص بوجه من الوجوه، بخلاف صبر المخلوق (^٢).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى متحدثًا عن صبر الله جلَّ وعلا: "مع أنه صبرٌ مع كمال علم وقدرة وعظمة وعزة، وهو صبر على أعظم مصبور عليه، فإن مقابلة أعظم العظماء وملك الملوك وأكرم الأكرمين، ومَن إحسانه فوق كل إحسان، بغاية القبح، وأعظم الفجور، وأفحش الفواحش، ونسبته إلى كل ما لا يليق به، والقدح في كماله وأسمائه وصفاته، والإلحاد في آياته، وتكذيب رسله ﵈ ومقابلتهم بالسب والشتم والأذى، وتحريق أوليائه وقتلهم وإهانتهم، أمر لا يصبر عليه إلا الصبور الذي لا أحد أصبر منه، ولا نسبة لصبر جميع الخلق من أولهم إلى آخرهم إلى صبره سبحانه" (^٣).
وقال السعدي ﵀: "هذا الصبر الذي ذكره الرسول -ﷺ- عن الله، لا
_________________
(١) الكافية الشافية، شرح ابن عيسى (٢/ ٢٢٨).
(٢) انظر: عدة الصابرين (٤٢٠)، والمجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي (٧/ ٢١).
(٣) عدة الصابرين (٤٢٢).
[ ٢٤٧ ]
مثيل له من الصبر، فهو صبر من كامل القوة، عظيم القدرة والبطش، في مقابلة غاية الإساءة والأذية من الخلق، الذين نواصيهم بيد الله، وليس لهم خروج عن قدرته، وأقواتهم وأرزاقهم وجميع ضروراتهم وحاجاتهم متعلقة بالله، ليس لشيء منها حصول إلا من جوده وخزائنه، ومع ذلك فهو يعافيهم ويرزقهم، ولا يقطع عنهم برَّه في جميع اللحظات، ومع ذلك يفتح لهم أبواب التوبة، ويسهل لهم طرقها، ويدعوهم إليها، ويخبرهم أنهم إن تابوا محا عنهم الخطايا العظيمة، وأدرَّ عليهم النعم الجسيمة، فسبحان الحليم الصبور" (^١).
وصبر الله تعالى قريب من معنى حلمه، بل ذهب بعضهم إلى أنهما بمعنىً واحد (^٢).
قال الزجاج: "أصل الصبر في الكلام الحبس، يقال: صبرته على كذا صبرًا، إذا حبسته، ومعنى الصبر والصبور في اسم الله تعالى، قريب من معنى الحليم" (^٣).
وقال ابن القيم: "لما كان اسم الحليم أدخل في الأوصاف، واسم الصبور في الأفعال، كان الحلم أصل الصبر، فوقع الاستغناء بذكره في القرآن عن اسم الصبور، والله أعلم" (^٤).
والفرق بين الصبر والحلم:
١ - أن الصبر ثمرة الحلم وموجبه، فعلى قدر حلم العبد يكون صبره، فالحلم في صفات الرب تعالى أوسع من الصبر.
_________________
(١) المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي (٧/ ٢١).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (١٢/ ١٢٢) مادة (صبر)، ومشكل الحديث لابن فورك (٥٠٩)، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ١٥٢).
(٣) تفسير أسماء الله الحسنى (٦٥)، وانظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ٧)، وإيثار الحق لابن الوزير (١٧٥)، وفتح الباري (١٣/ ٣٦١).
(٤) عدة الصابرين (٤٢٥).
[ ٢٤٨ ]
٢ - أن الحلم صفة ذاتية لله تعالى لا تزول، وأما صبره تعالى فمتعلق بكفر العباد وشركهم وأنواع معاصيهم، فإذا زال متعلقه كان كسائر الأفعال التي توجد لحكمة وتزول بزوالها (^١).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وإذا أردت معرفة صبر الرب تعالى وحلمه، والفرق بينهما، فتأمل قوله تعالي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
ففي الآية إشعار بأن السماوات والأرض تهم وتستأذن بالزوال، لعظم ما يأتي به العباد، فيمسكهما بحلمه ومغفرته، وذلك حبس عقوبته عنهم، وهو حقيقة صبره تعالى.
فالذي صدر عنه الإمساك هو صفة الحلم، والإمساك هو الصبر، وهو حبس العقوبة، ففرق بين حبس العقوبة، وبين ما صدر عنه حبسها، فتأمله" (^٢).
وأما أذية الله تعالى الواردة في الحديث، فقد جاء تفسيرها في آخره، وذلك بنسبة الولد له سبحانه، مع أنه الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، وقد بيَّن الله تعالى في كتابه عظم هذا القول وشناعته فقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩١]
ومثل هذا الحديث ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: (قال الله ﷿: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار) (^٣).
وجاء في البخاري من حديث ابن عباس -﵄-، أن النبي -ﷺ- قال: (قال الله: كذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي
_________________
(١) انظر: عدة الصابرين (٤٢٠ - ٤٢١).
(٢) عدة الصابرين (٤٢٢).
(٣) متفق عليه: البخاري (٤/ ١٨٢٥) ح (٤٥٤٩)، ومسلم (١٥/ ٥ - ٦) ح (٢٢٤٦).
[ ٢٤٩ ]
ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبةً أو ولدًا) (^١).
ولا يلزم من وقوع الأذية حصول الضرر، فالله تعالى يؤذيه ما يقال فيه من قبيح الكلام، وما يقابل به من سيء الأفعال، لكنه لا يتضرر بذلك، ولذا أثبت الله تعالى الأذى في كتابه، ونفى الضرر فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧]، وقال: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦].
وفي صحيح مسلم، عن أبي ذر -﵁-، عن النبي -ﷺ-، فيما روى عن الله ﵎، أنه قال: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا) (^٢).
قال ابن تيمية تعليقًا على الآية السابقة: "فبيَّن سبحانه أن الخلق لا يضرونه، لكن يؤذونه إذا سبوا مقلب الأمور" (^٣).
ومما يحسن التنبيه عليه أن حصول الأذية له سبحانه، إنما يقع بمشيئته وإرادته، حسب ما تقتضيه حكمته، فلا يقع في ملكه إلا ما يشاء، لا مُكْرِه له سبحانه.
قال ابن تيمية: "وكل الذين يؤذون الله ورسوله هو الذي مكنهم، وصبر على أذاهم بحكمته، فلم يفتقر إلى غيره، ولم يخرج شيء عن مشيئته، ولم يفعل أحد ما لا يريد" (^٤).
_________________
(١) صحيح البخاري (٤/ ١٦٢٩) ح (٤٢١٢).
(٢) مسلم (١٦/ ٣٦٨) ح (٢٥٧٧).
(٣) نقلًا عن تيسير العزيز الحميد (٦٠٧)، وانظر: القول المفيد للعثيمين (٢/ ٢٥٣، ٣٥٦).
(٤) مجموع الفتاوى (١١/ ٣٦٠ - ٣٦١).
[ ٢٥٠ ]
المبحث السابع: (ما ترددت عن شيء أنا فاعله. . .)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٢٥١ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته)، رواه البخاري (^١).
بيان وجه الإشكال
أن الحديث قد تضمن إضافة التردد إلى الله تعالى، والتردد معناه: التوقف في الأمر وعدم العزم عليه (^٢).
وغالبًا ما يكون ذلك بسبب عدم العلم بالعواقب المترتبة على فعل الأمر من عدمه.
وبناءً على هذا، فهل يجوز وصف الله تعالى بالتردد؟ وإذا جاز ذلك فما هو معناه في حقه تعالى، وقد علم يقينًا أنه يعلم عواقب الأمور كلها؟
قال ابن تيمية عن هذا الحديث: "هذا حديث شريف قد رواه البخاري
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب الرقاق، باب: التواضع (٥/ ٢٣٨٤) ح (٦١٣٧).
(٢) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي (٥٠٢)، وقطر الولي للشوكاني (٤٨٨)، ولسان العرب (٣/ ١٧٤) مادة (ردد)، والقاموس المحيط (١/ ٤٠٧) مادة (رده).
[ ٢٥٢ ]
من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد ردَّ هذا الكلام طائفة وقالوا: إن الله لا يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب" (^١).
وقال المعلمي: "هو من جملة الأحاديث التي تحتاج -ككثير من آيات القرآن- إلى تفسير" (^٢). وفي الحديث إشكال آخر وهو قوله: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ).
قال ابن حجر: "وقد استشكل، كيف يكون الباري جل وعلا سمع العبد وبصره، إلخ" (^٣)؟
وسيأتي بيان معناه في المطلب الثالث إن شاء الله تعالى.
* * *
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١١/ ١٢٩).
(٢) الأنوار الكاشفة (١٩٤)، وانظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي (٣/ ٥٢٥)، وقطر الولي على حديث الولي للشوكاني (٤٩٤).
(٣) فتح الباري (١١/ ٣٤٤).
[ ٢٥٣ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم فى هذا الإشكال
قبل الدخول في أقوال أهل العلم، لا بد من بيان حال هذا الحديث من حيث الصحة والضعف، لأنه مما انتقد على البخاري ﵀.
فالحديث صححه -بالإضافة إلى البخاري- ابن حبان (^١) والبغوي (^٢) وابن تيمية، والسيوطي والشوكاني.
قال ابن تيمية: "هذا أصح حديث يُروى في الأولياء" (^٣).
وألف الشوكاني كتابًا بعنوان: "قطر الولي في حديث الولي"، قال فيه عن هذا الحديث: "رواته قد جاوزوا القنطرة، وارتفع عنهم القيل والقال، وصاروا أكبر من أن يتكلم فيهم بكلام، أو يتناولهم طعن طاعن، أو توهين موهن" (^٤).
وألف السيوطي ﵀ رسالةً بعنوان: "القول الجلي في حديث الولي" (^٥)، ذكر فيها بعض طرق هذا الحديث، وحكم عليه بالصحه.
لكن هذا الحديث لم يُروَ عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد: محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني
_________________
(١) انظر: صحيح ابن حبان (٢/ ٥٨ - ٦٠).
(٢) انظر: شرح السنة (٥/ ٢٠).
(٣) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٧)، وانظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٧١)، و(١٨/ ١٢٩).
(٤) قطر الولي (٢٣٠).
(٥) وهي مطبوعة ضمن كتاب: الحاوي للفتاوى للسيوطي (١/ ٥٦٠ - ٥٦٤).
[ ٢٥٤ ]
شريك بن أبي عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة (^١).
ورواه عن محمد بن كرامة جماعة، منهم البخاري ﵀.
ولهذا انتقده بعض العلماء، وعدوه من غرائب الصحيح.
قال المزِّي (^٢): "رواه البخاري عن ابن كرامة وليس له عنه في الصحيح غيره، وهو من غرائب الصحيح، مما تفرد به شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، وتفرد به خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن شريك، والله أعلم" (^٣).
وقال الذهبي: "هذا حديث غريب جدًا، لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه في منكرات خالد بن مخلد، وذلك لغرابة لفظه، ولأنه مما ينفرد به شريك وليس بالحافظ، ولم يُروَ هذا المتن إلا بهذا الإسناد، ولا خَرَّجَه من عدا البخاري" (^٤).
لكن تعقبه ابن حجر فقال: "إطلاق أنه لم يُروَ إلا بهذا الإسناد مردود" (^٥).
_________________
(١) وأخرجه بهذا الإسناد -غير البخاري- ابن حبان في صحيحه (٢/ ٥٨) ح (٦٧٤٩٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٤٤٧) ح (١٠٢٩)، وفي الزهد (٢٦٩) ح (٦٩٦)، وفي السنن (٣/ ٣٤٦) ح (٦١٨٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٤)، والبغوي في شرح السنة (٥/ ٢٠)، وقال: هذا حديث صحيح.
(٢) هو الإمام جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الملك المزي الشافعي، طلب الحديث وبرع فيه وفي علومه حتى أقرَّ له الحفاظ من مشايخه وغيرهم بالتقدم والرياسة، وكان مع تبحره في علم الحديث ورجاله رأسًا في اللغة والتصريف، له مؤلفات منها: تهذيب الكمال، والأطراف، توفي ﵀ سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة (٧٤٢). [انظر: تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٩٨)، والعبر (٤/ ١٢٧)، والشذرات (٦/ ١٣٦)، والبدر الطالع (٢/ ٣٥٣)].
(٣) تهذيب الكمال (٢٦/ ٩١).
(٤) ميزان الاعتدال (٤٢٧).
(٥) فتح الباري (١١/ ٣٤١).
[ ٢٥٥ ]
وقال ابن رجب عن هذا الحديث: "هو من غرائب الصحيح، تفرد به ابن كرامة، عن خالد وقد روي هذا الحديث من وجوه أُخر، لا تخلو كلها من مقال" (^١).
وقال المعلمي: "هذا الخبر لم يُروَ عن أبي هريرة إلا بهذا السند الواحد ومثل هذا التفرد يريب في صحة الحديث، مع أن خالدًا له مناكير، وشريكًا فيه مقال، وقد جاء الحديث بأسانيد فيها ضعف" (^٢).
وقال الألباني: "هذا إسناد ضعيف، وهو من الأسانيد القليلة التي انتقدها العلماء على البخاري رحمه الله تعالى" (^٣).
والحاصل أن هذا الحديث قد وجهت له علتان:
العلة الأولى: أن في سنده خالد بن مخلد، وهو متكلم فيه. قال فيه الإمام أحمد: له مناكير.
وقال أبو داود: صدوق لكنه يتشيع.
وقال يحيى بن معين: لا بأس به.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.
وقال ابن سعد: منكر الحديث، مُفْرِط في التشيع.
وقال صالح جزره: ثقة إلا أنه كان متهمًا بالغلو في التشيع (^٤).
وقال الحافظ ابن حجر: "صدوق يتشيع" (^٥).
العلة الثانية: أن في إسناده شريك بن عبد الله، وهو أيضًا متكلم فيه.
قال ابن معين: لا بأس به.
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١).
(٢) الأنوار الكاشفة (١٩٣ - ١٩٤).
(٣) سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ١٨٤).
(٤) انظر: الكامل لابن عدي (٣/ ٩٠٤)، وميزان الاعتدال (٢/ ٤٢٥)، وتهذيب التهذيب (٣/ ١٠٦).
(٥) تقريب التهذيب (١/ ٢٦٣).
[ ٢٥٦ ]
وقال النسائي: ليس بالقوي.
وقال أبو داود: ثقة.
وقال يحيى بن سعيد: لو كان قدامي شريك لم أكتب عنه، وكان ﵀ لا يحدث عنه (^١).
وقال ابن حجر: "صدوق يخطيء" (^٢).
فهاتان العلتان جعلت النقاد يعدون هذا الحديث من غرائب الصحيح، ويرتابون في صحته، بل صرح بعضهم بضعف إسناده.
والجواب عما انتُقد به هذا الحديث يمكن تقسيمه إلى قسمين: مجمل ومفصل:
أما المجمل فيقال فيه: إن انتقاد هؤلاء الحفاظ، مقابل بتصحيح غيرهم، وقد تقدم أن الحديث صححه البخاري وابن حبان والبغوي وابن تيمية والسيوطي والشوكاني، عليهم رحمة الله.
وأما الجواب المفصل، فيكون بالإجابة عما قيل في خالد وشريك، وقد أجاب عما قيل فيهما الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
فقال -معلقًا على ما قيل في خالد-: "أما التشيع فقد قدمنا أنه إذا كان ثبت الأخذ والأداء لا يضره، لا سيما ولم يكن داعيةً إلى رأيه، وأما المناكير فقد تتبعها أبو أحمد بن عدي من حديثه وأوردها في كامله، وليس فيها شيء مما أخرجه له البخاري، بل لم أرَ له عنده من أفراده سوى حديث واحد، وهو حديث أبي هريرة: (من عادى لي وليًا) الحديث وروى له الباقون سوى أبي داود" (^٣).
_________________
(١) انظر: الكامل لابن عدي (٤/ ١٣٢١)، وميزان الاعتدال (٣/ ٣٧٢)، وتهذيب التهذيب (٤/ ٣٠٧).
(٢) تقريب التهذيب (١/ ٤١٨)، وانظر: فتح الباري (١١/ ٣٤١).
(٣) هدي الساري (٤٠٠).
[ ٢٥٧ ]
وقال -معلقًا على ما قيل في شريك-: "قلت: احتج به الجماعة، إلا أن في روايته عن أنس لحديث الإسراء مواضع شاذة" (^١).
ومع هذا فإن الحديث قد جاء من عدة طرق تعضده وتقويه وتشهد له -وإن كانت لا تخلو كلها من مقال- ولذا قال الحافظ ابن حجر: "لكن للحديث طرق أخرى يدل مجموعها على أن له أصلًا" (^٢).
وسوف أشير فيما يلي إلى الطرق التي ذكرت الحديث كاملًا، مع تخريجها، والحكم عليها، دون ذكر متونها، لأنها كلها جاءت بألفاظ مقاربة لحديث أبي هريرة -﵁-، وفي بعضها زيادة:
١ - حديث عائشة -﵂-، وقد جاء من طريقين:
أ- من طريق عبد الواحد بن ميمون، عن عروة، عنها (^٣).
ب- ومن طريق يعقوب بن مجاهد -أبي حزرة- عن عروة، عنها (^٤).
_________________
(١) هدي الساري (٤١٠).
(٢) فتح الباري (١١/ ٣٤١).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤٣/ ٢٦١) ح (٢٦١٩٣)، والبزار في مسنده (كشف ٤/ ٢٤٨) ح (٣٦٤٧)، والبيهقي في الزهد (٢٧٠) ح (٦٩٨، ٦٩٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٥)، وسنده ضعيف، لأن فيه عبد الواحد بن ميمون، قال عنه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٥٨): "منكر الحديث"، وقال النسائي في الضعفاء والمتروكون (١٥١): "ليس بثقة"، وذكره الدارقطني في الضعفاء والمتروكون (٣٣٩).
(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ١٣٩) ح (٩٣٥٢)، وقال: "لم يرو هذا الحديث عن عروة إلا أبو حزرة وعبد الواحد بن ميمون"، وأورده الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٦٩)، وقال: "رجال الطبراني في الأوسط رجال الصحيح، غير شيخه هارون بن كامل"، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٣١): "هذا إسناد جيد، ورجاله كلهم ثقات، مخرج لهم في الصحيح، سوى شيخ الطبراني، فإنه لا يحضرني الآن معرفة حاله"، وبنحوه قال الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ١٨٦)، وقال أيضًا (٤/ ١٨٧): "وجملة القول في حديث عائشة هذا، أنه لا بأس به في الشواهد من الطريق الأخرى -يقصد طريق الطبراني- إن لم يكن لذاته حسنًا".
[ ٢٥٨ ]
٢ - حديث أبي أمامة -﵁- (^١).
٣ - حديث أنس بن مالك -﵁- (^٢)
٤ - حديث ميمونة -﵂- (^٣).
٥ - حديث ابن عباس -﵁- (^٤).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٢٢١) ح (٧٨٨٠)، والبيهقي في الزهد (٢٧٣) ح (٧٠٢) كلاهما بدون قوله: (وما ترددت )، وسنده ضعيف جدًا، لأن فيه عثمان بن أبي العاتكه وعلي بن يزيد، وهما ضعيفان. قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٣٢): "عثمان وعلي بن يزيد ضعيفان، قال أبو حاتم الرازي في هذا الحديث: هو منكر جدًا"، وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٤٨): فيه علي بن يزيد، وهو ضعيف. وحكم الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٤٢) على سنده بالضعف.
(٢) أخرجه البغوي في شرح السنة (٥/ ٢١ - ٢٣) من طريقين عن صدقة بن عبد الله، عن هشام الكتاني، عن أنس، وعزاه ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٤٢) لأبي يعلى والبزار والطبراني، وسنده ضعيف، لضعف صدقة بن عبد الله، وكذا الراوي عن صدقة في كلا الطريقين ضعيف، وهما: عمر بن سعيد الدمشقي، وفي الطريق الآخر: الحسن بن يحيى الخشني، وهشام الكتاني الراوي عن أنس لا يعرف. قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٧٠): "رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمر بن سعيد أبو حفص الدمشقي وهو ضعيف"، وحكم ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٤٢) على سنده بالضعف، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ١٨٩): "إسناده ضعيف، مسلسل بالعلل"، وانظر: جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٣٣).
(٣) أخرجه أبو يعلى في مسنده (١٢٥٢٠) ح (٧٠٨٧)، وسنده ضعيف جدًا، لأن فيه يوسف بن خالد السمتي، قال فيه ابن معين: ضعيف، وقال أيضًا: كذاب خبيث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث، وقال ابن عدي: أجمع على كذبه أهل بلده. [انظر: الكامل لابن عدي (٧/ ٢٦١٦)، وتهذيب التهذيب (١١/ ٣٥٩)]. قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٧٠): "رواه أبو يعلى، وفيه يوسف بن خالد السمتي، وهو كذاب". وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ١٩٠): "هذا إسناد ضعيف جدًا".
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١١٣) ح (١٢٧١٩)، وضعفه ابن رجب في جامع =
[ ٢٥٩ ]
والخلاصة أن الحديث صحيح بشواهده إن شاء الله تعالى.
قال الألباني ﵀: "حديث عائشة وحديث أنس بطريقيه إذا ضُمَّا إلى إسناد حديث أبي هريرة، اعتضد الحديث بمجموعها، وارتقى إلى درجة الصحيح إن شاء الله تعالى" (^١).
إذا تبين هذا وأن الحديث بمجموع طرقه صالح للاحتجاج به، فهل التردد المضاف إلى الله تعالى فيه يكون صفة من صفاته أم ماذا؟
سلك أهل العلم في هذا مسلكين:
المسلك الأول: إجراء الحديث على ظاهره، والأخذ بمدلوله في إثبات التردد صفة لله تعالى، على ما يليق بجلاله وعظمته، مع القطع بكون تردده سبحانه ليس كتردد المخلوق، لأنه جلَّ وعلا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فليس مثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
وقد نص على هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢) والشيخ عبد العزيز بن باز، عليهما رحمة الله.
قال الشيخ ابن باز: "التردد وصف يليق بالله تعالى لا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه، وليس كترددنا، والتردد المنسوب لله لا يشابه تردد المخلوقين، بل هو تردد يليق به سبحانه، كسائر صفاته جل وعلا" (^٣).
المسلك الثاني: تأويل الحديث وصرفه عن ظاهره، وذلك بنفي صفة التردد عن الله تعالى، وإلى هذا ذهب الشوكاني ﵀، وهو مسلك عامة
_________________
(١) = العلوم والحكم (٢/ ٣٣٢)، وابن حجر في الفتح (١١/ ٣٤٢)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٧٠): "رواه الطبراني، وفيه جماعة لم أعرفهم"، وانظر: السلسلة الصحيحة (٤/ ١٨٨).
(٢) السلسلة الصحيحة (٤/ ١٩٠).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٢٩ - ١٣١)، و(١٠/ ٥٨).
(٤) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٩/ ٤١٧).
[ ٢٦٠ ]
أهل التأويل من شراح الحديث وغيرهم (^١).
قالوا: لأن التردد يكون ممن لا يعلم عواقب الأمور، وهذا محال على الله تعالى (^٢).
وقد ذكروا عدة تأويلات حملوا الحديث عليها، منها:
١، ٢ - ما ذهب إليه الخطابي وغيره حيث قال: "التردد في صفة الله ﷿ غير جائز، والبداء عليه في الأمور غير سائغ، وتأويله على وجهين:
أحدهما: أن العبد قد يشرف في أيام عمره على المهالك مرات ذوات عدد من داء يصيبه وآفة تنزل به، فيدعو الله فيشفيه منها، ويدفع مكروهها عنه، فيكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمرًا ثم يبدو له في ذلك وبتركه ويعرض عنه، ولا بد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله، فإنه قد كتب الفناء على خلقه، واستأثر بالبقاء لنفسه
والثاني: أن يكون معناه: ما ردَّدت رسلي في شيء أنا فاعله، ترديدي إياهم في نفس المؤمن، كما روي من قصة موسى وملك الموت صلوات الله عليهما، وما كان من لطمه عينه، وتردده إليه مرة بعد أُخرى (^٣)، وحقيقة المعنى في الوجهين معًا: عطف الله على العبد، ولطفه به، وشفقته عليه" (^٤).
٣ - وذهب بعضهم كابن الجوزي إلى احتمال أن يكون المعنى: أن
_________________
(١) انظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي (٣/ ٥٢٧)، وفتح الباري (١١/ ٣٤٥ - ٣٤٦).
(٢) انظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٥٢٥)، ومجموع الفتاوى (١٨/ ١٢٩).
(٣) الحديث متفق عليه: البخاري (١/ ٤٤٩) ح (١٢٧٤)، ومسلم (١٥/ ١٣٦) ح (٢٣٧٢)، وسيأتي الكلام عليه في الباب الثاني، إن شاء الله تعالى.
(٤) أعلام الحديث (٣/ ٢٢٥٩ - ٢٢٦٠) بتصرف يسير، وانظر: الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٤٨)، وشرح السنة للبغوي (٥/ ٢٠).
[ ٢٦١ ]
تركيب الولي يحتمل أن يعيش خمسين سنةً، وعمره الذي كتب له سبعون، فإذا بلغ الخمسين فمرض، دعا الله بالعافية، فيحييه عشرين أخرى، فعبر عن قدر التركيب، وعما انتهى إليه بحسب الأجل المكتوب، بالتردد (^١).
٤ - ما ذهب إليه الشوكاني وهو: أن "التردد كناية عن محبة الله لعبده المؤمن أن يأتي بسبب من الأسباب الموجبة لخلوصه من المرض الذي وقع فيه، حتى يطول به عمره، من دعاء أو صلة رحم أو صدقة، فإن فعل مد الله له في عمره بما يشاء، وتقتضيه حكمته، وإن لم يفعل حتى جاء أجله، وحضره الموت، مات بأجله الذي قد قضي عليه إذا لم يتسبب بسبب يترتب عليه الفسحة له في عمره، مع أنه وإن فعل ما يوجب التأخير، والخلوص من الأجل الأول، فهو لا بد له من الموت بعد انقضاء تلك المدة التي وهبها الله سبحانه له.
فكان هذا التردد معناه: انتظار ما يأتي به العبد مما يقتضي تأخير الأجل، أو لا يأتي فيموت بالأجل الأول"، قال: "وهذا معنى صحيح لا يرد عليه إشكال، ولا يمتنع في حقه سبحانه بحال، مع أنه سبحانه يعلم أن العبد سيفعل ذلك السبب، أو لا يفعله، لكنه لا يقع التنجيز لذلك المسبب إلا بحصول السبب الذي ربطه ﷿ به" (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: فتح الباري (١١/ ٣٤٦).
(٢) قطر الولي على حديث الولي (٥١٥).
[ ٢٦٢ ]
المطلب الثالث: الترجيح
لا ريب أن المسلك الأول هو المسلك الجاري على قواعد أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وذلك بحمل الحديث على ظاهره، وإثبات التردد صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته.
ومن أوَّل الحديث معتقدًا تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، فقد أساء الأدب مع رسول الله -ﷺ-، لأنه هو الذي وصفه بذلك، وهو أعلم الناس بربه، كما أنه ليس أحد أفصح لسانًا ولا أحسن بيانًا ولا أنصح للأمة منه، ﵊، فيجب أن يصان كلامه عن الظنون الباطلة والاعتقادات الفاسدة (^١).
فإذا كان تردد المخلوق معناه: "التوقف عن الجزم بأحد الطرفين" (^٢)، فإن هذا المعنى لا يدل عليه الحديث، لأن الحديث صريح في الجزم بأحد الطرفين، حيث قال: (وما ترددت في شيء أنا فاعله) أي: سأفعله ولا بد، لأنه تعالى قد قضى على عباده بالموت، فقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، يؤيد ذلك أنه قد جاء في بعض طرق الحديث، بعد قوله: (يكره الموت، وأكره مساءته) زيادة: (ولا بد له منه) (^٣).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٢٩).
(٢) قطر الولي (٤٨٨).
(٣) جاءت هذه الزيادة في طريق أنس -﵁-. وأشار الحافظ في الفتح (١١/ ٣٤٦) إلى أنها جاءت من طريق: "ابن مخلد عن ابن كرامة" يريد محمد بن مخلد -، [انظر: ترجمته في تهذيب الكمال (٢٦/ ٩٧)]- وهو في إسناد أنس -﵁-، كما في حلية الأولياء (٨/ ٣١٨)، وهو غير خالد بن مخلد الذي روى عنه ابن كرامة هذا =
[ ٢٦٣ ]
فتردد الله تعالى ليس منشأه عدم الجزم بأحد الطرفين، أو عدم العلم بعواقب الأمور، وإنما هو تردد مفسر في الحديث نفسه، حيث قال: (يكره الموت، وأكره مساءته) فهذا هو حقيقة تردده سبحانه، وهو كون الفعل مرادًا لله تعالى من وجه، ومكروهًا له من وجه، فهو يريد الموت لعبده، لأنه قد قضى به عليه، ولا بد له منه، ومع ذلك فهو يكرهه لأنه يكره ما يكرهه عبده، ولذلك قال: (وأنا أكره مساءته).
وهذا المعنى للتردد يحصل من المخلوق أيضًا، فالمريض مثلًا يريد الدواء الكريه لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة، المتمثلة في كونه كريهًا، سواء في طعمه أو رائحته أو غير ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الواحد منا يتردد تارةً لعدم العلم بالعواقب، وتارةً لما في الفعلين من المصالح والمفاسد فيريد الفعل لما فيه من المصلحة ويكرهه لما فيه من المفسدة لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يحب من وجه ويكره من وجه كما قيل:
الشيب كره وكره أن أفارقه فأعجب لشيء على البغضاء محبوب (^١)
وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب، وفي الصحيح: (حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره) (^٢)،
_________________
(١) = الحديث في البخاري، وعزا ابن تيمية الحديث بهذه الزيادة إلى البخاري في أكثر من موضع، [انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٧١، ٣٩٠، ٢٢٥)، و(١٧/ ١٣٤)] وكذا ابن القيم في الجواب الكافي (٣١٥) لكن هذه الزيادة ليست في رواية البخاري، فلعلهما أرادا أصل الحديث، والله أعلم.
(٢) هذا البيت لبشار بن برد، انظر: ديوانه (٤٤٠) لكن فيه اختلاف يسير عما ذكره ابن تيمية، فهو في ديوانه هكذا: الشيب كره وكره أن يفارقني أَعجِب بشيء على البغضاء مودود
(٣) متفق عليه، من حديث أبي هريرة: البخاري (٥/ ٢٣٧٥) ح (٦١٢٢)، ومسلم واللفظ له (١٧/ ١٧١) ح (٢٨٢٢).
[ ٢٦٤ ]
وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] الآية. ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث فإنه قال: (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوبًا للحق، محبًا له، يتقرب إليه أولًا بالفرائض وهو يحبها، ثم اجتهد في النوافل التي يحبها ويحب فاعلها، فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق، فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة، بحيث يحب ما يحبه محبوبه ويكره ما يكرهه محبوبه، والرب يكره أن يسوء عبده ومحبوبه، فلزم من هذا أن يكره الموت ليزداد من محاب محبوبه، والله ﷾ قد قضى بالموت، فكل ما قضى به فهو يريده ولا بد منه، فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت، فصار الموت مرادًا للحق من وجه، مكروهًا له من وجه، وهذا حقيقة التردد وهو: أن يكون الشيء الواحد مرادًا من وجه، مكروهًا من وجه، وإن كان لا بد من ترجح أحد الجانبين، كما ترجح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته
والمقصود هنا: التنبيه على أن الشيء المعين يكون محبوبًا من وجه، مكروهًا من وجه، وأن هذا حقيقة التردد، وكما أن هذا في الأفعال فهو في الأشخاص، والله أعلم" (^١).
وأما المسلك الثاني فيكفي في بيان بطلانه، أنه صرف للحديث عن ظاهره من غير قرينة توجب ذلك.
ثم إن ما بنوا عليه مذهبهم هذا وهو كون التردد بمعنى: التوقف عن
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٢٩ - ١٣٥)، وانظر: (١٠/ ٥٨)، وفتح الباري لابن رجب (٢/ ٣٥٦).
[ ٢٦٥ ]
الجزم بأحد الطرفين، لعدم العلم بالعاقبة، تقدم بيان أنه غير لازم من معناه، إذ قد يكون التردد لكون الشيء المعين مرادًا من وجه، ومكروهًا من وجه آخر، وهذا هو حقيقة تردده سبحانه -كما تقدم- فهو يريد الموت لكونه قضى به على الخلق كلهم، ويكرهه لكراهة عبده له، مع أنه سبحانه قد قطع بأحد الأمرين، وهو الموت، وهو سبحانه يعلم عاقبة كل منهما، فهو يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.
ومع بطلان هذا المسلك من أساسه، فإن ما ذكر فيه من تأويلات، بعيدة جدًا عن ظاهر الحديث، وقد تتبع بعضها الشوكاني ﵀ في كتابه (قطر الولي) وبيَّن بطلانها:
١ - أما التأويل الأول -وهو ما ذهب إليه الخطابي وغيره- وهو حمل التردد على معنى كون العبد يمرض حتى يشرف على الهلاك، فيدعو الله تعالى فيشفيه.
فقد قال عنه الشوكاني: "ما أبرد هذا التأويل وأسمجه وأقل فائدته، فإن صدور الشفاء من الله ﷿ لذلك الذي أصابه الداء فشفاه منه، ليس من التردد في شيء، بل هو أمر واحد وجزم لا تردد فيه قط.
وكذلك إنزال المرض به جزم لا تردد فيه، فهما قضاء بعد قضاء، وقدر بعد قدر، وإن كانا باعتبار شخص واحد، فهما مختلفان متغايران لم يتحدا ذاتًا ولا وقتًا ولا زمانًا، ولا صفةً، بل قضى الله على عبده بالمرض ثم شفاه منه.
فأي مدخل للتردد، أو لما يشابه التردد، أو لما يصح أن يُؤول به التردد في مثل هذا" (^١).
٢ - وأما التأويل الثاني للخطابي -أيضًا- وهو حمل التردد على ترديد الملائكة في قبض روح المؤمن، كما حصل في قصة موسى وملك الموت ﵇.
_________________
(١) قطر الولي (٤٨٩).
[ ٢٦٦ ]
فقد قال الشوكاني عنه: "جعل التردد الذي معناه: التوقف عن الجزم بأحد الطرفين بمعنى: الترديد الذي هو الرد مرةً بعد مرةً، وهما مختلفان مفهومًا وصدقًا، فحاصله: إخراج التردد عن معناه اللغوي إلى معنى لا يلاقيه ولا يلابسه بوجه من الوجوه، فليس هذا من التأويل في شيء" (^١).
٣ - وأما التأويل الثالث -وهو ما احتمله ابن الجوزي وغيره- وهو حمل التردد على معنى: أن يكون للمؤمن تركيب معين، يحتمل عمرًا معينًا -كخمسين سنةً مثلًا- هو أنقص من عمره وأجله المكتوب له -كأن يكون سبعين سنةً مثلًا- فإذا بلغ قدر هذا التركيب ومرض، دعا الله تعالى بالعافية، فشفاه وبلغه أجله المكتوب له.
فقد قال الشوكاني عنه: "هذا التأويل لم يأتِ بفائدة قط، فإن العمر الذي هو السبعون لا بد أن يبلغه العبد على اعتقاد هذا القائل، سواء كان التركيب محتملًا لذلك أم لا، وسواء مرض عند انتهاء عمره إلى خمسين أولم يمرض، وسواء دعا الله بالعافية أولم يدعُ، فإنه لا بد أن يبلغ السبعين، وغاية ما هناك أن الله رحمه ولطف به، فشفاه من مرضه الذي عرض له وهو في خمسين سنةً، فأي شيء هذا وما الجامع بينه وبين التردد المذكور في الحديث" (^٢).
٤ - وأما ما ذهب إليه الشوكاني من أن معنى التردد: انتظار ما يأتي به العبد، مما يقتضي تأخير أجله، من دعاءٍ أو صدقة أو صلة رحم، فإن أتى به فَسَح له في عمره، وأخر له في أجله، وإلا مات بأجله الأول.
فإنه غير وجيه لأن التردد الوارد في الحديث ليس فيه ما يشعر بالانتظار، بل فيه عزم وجزم بإرادة الموت للعبد، ولذلك قال: (ما ترددت في شيء أنا فاعله).
_________________
(١) قطر الولي (٤٩٠).
(٢) قطر الولي (٤٩٢).
[ ٢٦٧ ]
ثم إن السبب والمسبب مقدران مكتوبان معلومان لله تعالى، فهو يعلم هل سيأتي عبده بهذه الأسباب الموجبة لخلوصه من المرض، أو لا يأتي بها، وعليه فهو يعلم هل سيموت في مرضه هذا أم لا، فأي معنى وفائدة لهذا الانتظار؟ ! .
مسألة: في بيان معنى قوله في الحديث السابق: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها).
معنى هذا الحديث، الذي يدل عليه ظاهره: أن الله تعالى يسدد الولي في سمعه وبصره ويده ورجله، وتكون هذه الأعضاء مشغولة بالله تعالى، طاعةً وامتثالًا، فلا يصغي بسمعه ولا يرى ببصره إلا إلى ما يرضي الله تعالى، ويكون هو المقصود بهذه الأعضاء والقوى.
وليس ظاهره أن الله تعالى يكون نفس الحدقة والشحمة والعصب والقدم، كما هو قول أهل الحلول (^١).
قال ابن تيمية: "الحديث حق كما أخبر النبي -ﷺ-، فإن ولي الله لكمال محبته لله، وطاعته لله، يبقى إدراكه لله وبالله، وعمله لله وبالله، فما يسمعه مما يحبه الحق أحبه، وما يسمعه مما يبغضه الحق أبغضه، وما يراه مما يحبه الحق أحبه، وما يراه مما يبغضه الحق أبغضه، ويبقى في سمعه وبصره من النور ما يميز به بين الحق والباطل، كما قال النبي -ﷺ- في الحديث المتفق على صحته: (اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا وخلفي نورًا، واجعل لي نورًا) (^٢) " (^٣).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٩١)، و(٢/ ٢٢٥، ٣٧٢)، و(١٧/ ١٣٤)، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٣/ ٣٣٥ - ٣٤٥).
(٢) البخاري (٥/ ٢٣٢٧) ح (٥٩٥٧)، ومسلم (٦/ ٢٩٠) ح (٧٦٣) من حديث ابن عباس -﵁-.
(٣) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٧٣)، وانظر للاستزادة مما قيل في معناه: الجواب الكافي =
[ ٢٦٨ ]
وقال الشيخ محمد العثيمين -رحمه الله تعالى-: معنى هذا الحديث "هو أن الله تعالى يسدد هذا الولي في سمعه وبصره وعمله، بحيث يكون إدراكه بسمعه وبصره، وعمله بيده ورجله كله لله تعالى إخلاصًا، وبالله تعالى استعانةً، وفي الله تعالى شرعًا واتباعًا، فيتم له كمال الإخلاص والاستعانة والمتابعة، وهذا غاية التوفيق، وهذا ما فسره به السلف، وهو تفسير مطابق لظاهر اللفظ، موافق لحقيقته، متعين بسياقه، وليس فيه تأويل ولا صرف للكلام عن ظاهره، ولله الحمد والمنة" (^١).
وقد احتج أهل الحلول والاتحاد بهذا الحديث على صحة ما ذهبوا إليه، فقالوا: إن هذا يوجب أن يكون عين الحق عين أعضائه.
ولكن حجتهم هذه داحضة، وقولهم الذي ذهبوا إليه باطل مردود، مناقض للعقل والشرع، ولذلك قال الشوكاني: "قول الاتحادية يقضي عقل كل عاقل ببطلانه، ولا يحتاج إلى نصب الحجة معهم" (^٢).
ومع هذا فإن الحديث حجة عليهم، مبطل لمذهبهم من عدة وجوه، منها:
١ - أنه قال: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) فأثبت ثلاثة: وليًا، وعدوًا يعادي وليه، وميَّز بين نفسه وبين وليه، وعدو وليه.
٢ - أنه قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه)، ففرق بين العبد المتقرب، والرب المتقرب إليه.
٣ - ومثله قوله: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).
٤ - وقال أيضًا: (ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه)، فجعل
_________________
(١) = لابن القيم (٣١٧ - ٣١)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ٣٤٥ - ٣٤٧)، وفتح الباري لابن حجر (١١/ ٣٤٤)، وقطر الولي (٤٢٨ - ٤٣٥).
(٢) القواعد المثلى (٦٩)، وانظر: شرحه لرياض الصالحين (١/ ٤٤٩)، و(٢/ ١٩٢)، والتعليقات على الأربعين النووية، له أيضًا (١١٨).
(٣) قطر الولي (٤٣٨).
[ ٢٦٩ ]
العبد سائلًا مستعيذًا، والرب مسؤلًا مستعاذًا به، وهذا يناقض الحلول والاتحاد (^١).
٥ - أنه قال: (وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته).
قال ابن تيمية: "هذا تصريح بأنه عبده، ليس الرب جزءًا منه، ولا صفةً له، وأنه يُقبض ويموت، ومعلوم أن الله حي لا يموت، فضلًا عن أن يكون بعضًا، أو صفة لمن يموت، فإنه لو كان ظاهره أن الله نفسه هو عين العبد وسمعه ويده ورجله، لكانت هذه الأعضاء تموت بموت الجملة" (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦)، ومجموع الفتاوى (٢/ ٣٧١)، والاستغاثة في الرد على البكري (١/ ٢١٦ - ٢٢٠) ثلاثتها لابن تيمية، وقطر الولي للشوكاني (٤٣٧ - ٤٣٨).
(٢) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ٣٠٠).
[ ٢٧٠ ]
المبحث الثامن: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٢٧١ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: (سبعة يظلهم الله تعالى في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه) متفق عليه (^١).
بيان وجه الإشكال
أن الظل جاء في الحديث مضافًا إلى الله تعالى، فهل يكون صفة من صفاته، أم ماذا؟ وإذا لم يكن صفة من صفاته فعلى ماذا يحمل؟
* * *
_________________
(١) البخاري في مواضع: في كتاب الجماعة والإمامة، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد (١/ ٢٣٤) ح (٦٢٩)، وفي كتاب الزكاة، باب: الصدقة باليمين (٢/ ٥١٧) ح (١٣٥٧)، وفي كتاب الرقاق مختصرًا، باب: البكاء من خشية الله (٥/ ٢٣٧٧) ح (٦١١٤)، وفي كتاب المحاربين، باب: فضل من ترك الفواحش (٦/ ٢٤٩٦) ح (٦٤٢١). ومسلم في كتاب الزكاة، باب: فضل إخفاء الصدقة (٧/ ١٢٦) ح (١٠٣١).
[ ٢٧٢ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في الظل المذكور في الحديث على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن المراد بالظل المضاف إلى الله تعالى في الحديث: ظل العرش، وإلى هذا ذهب الطحاوي (^١) وابن عبد البر في أحد قوليه (^٢)، وابن رجب (^٣)، والقرطبي (^٤)، وابن حجر (^٥)، وهو ظاهر صنيع ابن منده، والسيوطي، وحافظ الحكمي، عليهم رحمة الله.
أما ابن منده فإنه قال: "بيان آخر يدل على أن العرش ظل يستظل فيه من يشاء الله من عباده" ثم أورد تحت هذا العنوان حديث: (سبعة يظلهم الله في ظله) (^٦).
وأما السيوطي فقد ألف كتابًا بعنوان: (تمهيد الفرش في الخصال الموجبه لظل العرش)، ذكر فيه هذا الحديث وشيئًا من طرقه وشواهده.
وأما حافظ الحكمي، فإنه ذكر هذا الحديث باللفظ السابق في جملة النصوص الدالة على العرش وبيان صفته (^٧).
_________________
(١) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفه ٧/ ١٩٦).
(٢) انظر: التمهيد (١٧/ ٤٣١).
(٣) انظر: فتح الباري (٦/ ٥١).
(٤) انظر: المفهم (٥٤٢).
(٥) انظر: فتح الباري (٢/ ١٤٤).
(٦) انظر: التوحيد (٣/ ١٩٠ - ١٩١).
(٧) انظر: معارج القبول (١/ ١٠٧).
[ ٢٧٣ ]
واستدل هؤلاء بما يلي:
١ - أن الحديث جاء بلفظ (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه)، كما عند سعيد بن منصور من حديث سلمان (^١)، وحسَّن إسناده الحافظ ابن حجر (^٢)، والعيني (^٣)، والسيوطي (^٤).
وعند الطحاوي من حديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: (سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله) (^٥).
فقالوا: إن هذه الرواية مفسرة للرواية السابقة، والتي فيها إضافة الظل إلى الله تعالى (^٦).
٢ - أن الظل جاء مضافًا إلى العرش فى عدة أحاديث، غير هذا الحديث، ومن ذلك ما يلي:
أ- حديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: (من أنظر معسرًا أو وضع له، أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله) (^٧).
_________________
(١) ورواه عن سلمان موقوفًا: ابن أبي شيبة في كتابه العرش (٧٦) ح (٥٦)، وعبد الرزاق في مصنفه (١١/ ٢٠١) ح (٢٠٣٢٢)، وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٢٧)، وأورده الذهبي في العلو (٨٤) من طريق ابن أبي شيبة، وقال: "هذا موقوف ضعيف الإسناد".
(٢) انظر: فتح الباري (٢/ ١٤٤).
(٣) انظر: عمدة القاري (٥/ ١٧٧).
(٤) انظر: تمهيد الفرش (٣٥ - ٣٦).
(٥) شرح مشكل الآثار (١٥/ ٧٢)، وقال المحقق -شعيب الأرناؤوط- عن هذا الإسناد: إنه "على شرط البخاري"، ورواه أيضًا عن أبي هريرة بهذا اللفظ: البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٢٧)، والخطيب البغدادي في تاريخه (٩/ ٢٥٤)، وانظر: شرح السنة للبغوي (٢/ ٣٥٥).
(٦) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ٧/ ١٩٦)، وفتح الباري (٢/ ١٤٤).
(٧) أخرجه الترمذي (تحفة ٤/ ٥٣٤) ح (١٣٢١)، وقال: "حديث حسن صحيح، =
[ ٢٧٤ ]
وجاء هذا الحديث -أيضًا- عن أبي اليسر -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: (من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله تعالى في ظل عرشه) (^١).
كما جاء -أيضًا- عن أبي قتادة -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (من نفس عن غريمه أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة) (^٢).
ب- حديث معاذ بن جبل -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (المتحابون في الله على منابرَ من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله) (^٣).
القول الثاني: أن المراد بالظل المضاف إلى الله تعالى في الحديث: رحمته، وإلى هذا ذهب ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- في أحد قوليه، وذكره البغوي والبيهقي وغيرهما.
_________________
(١) = غريب من هذا الوجه"، والإمام أحمد (١٦/ ٢٨٩) ح (٨٦٩٦)، وقال أحمد شاكر: "إسناده صحيح"، والطبراني في المعجم الأوسط (١/ ٢٧٠) ح (٨٧٩)، وصححه الألباني كما في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٣٠) ح (١٠٥٢).
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ٤٥٩) ح (١٩١٥)، والطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ١٦٦) ح (٣٧٤)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ١١) ح (٢٢١١).
(٣) أخرجه الإمام أحمد (٣٧/ ٢٥١) ح (٢٢٥٥٩)، و(٣٧/ ٣٠٧) ح (٢٢٦٢٣)، وعبد بن حميد في المنتخب (١/ ٣٣٩) ح (٣٧٨)، والدارمي في سننه (٢/ ٣٤٠) ح (٢٥٨٩)، والبيهقي في الشعب (٢٠/ ٤٢٧) ح (١٠٧٤٦)، والبغوي في شرح السنة (٨/ ١٩٩)، وقال: "هذا حديث حسن"، وصححه الألباني، كما في صحيح الجامع الصغير (٢/ ١١١٩) ح (٦٣٧٦).
(٤) أخرجه الإمام أحمد (٣٦/ ٣٨٣) ح (٢٢٠٦٤)، و(٣٧/ ٤٤٤) ح (٢٢٧٨٢)، وابن حبان (٢/ ٣٣٨) ح (٥٧٧)، والحاكم في مستدركه (٤/ ١٨٧) ح (٧٣١٥)، وقال: "هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٨٧) ح (١٦٧)، و(٢٠/ ٨٨) ح (١٦٨)، وفي مسند الشاميين (١/ ٤٢٣) ح (٧٤٤).
[ ٢٧٥ ]
وأصحاب هذا القول، منهم من يفسر الرحمة بدخول الجنة كابن عبد البر حيث قال: "والظل في هذا الحديث يراد به: الرحمة، والله أعلم، ومن رحمة الله الجنة، قال الله عزَّ وحلَّ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، وقال: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة: ٣٠]، وقال: ﴿فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] " (^١).
ومنهم من يفسرها بالرعاية والكرامة والحماية، كما يقال: أسبل الأمير أو الوزير ظله على فلان، بمعنى الرعاية والحماية.
وممن فسرها بهذا: عيسى بن دينار (^٢)، والبيهقي (^٣)، والبغوي (^٤)، والقاضي عياض (^٥)، عليهم رحمة الله.
القول الثالث: أن المراد بالظل في الحديث: ظل يخلقه الله تعالى، لأنه في ذلك الوقت لا يوجد شيء يظل الخلائق من الشمس، فلا بناء ولا شجر ولا رمال ولا حجر، إلا ما يخلقه الله تعالى، فيظل به من شاء من عباده، وإلى هذا ذهب الشيخ محمد العثيمين ﵀، بل لم يجوز غير هذا المعنى للحديث.
قال ﵀: "معنى (يوم لا ظل إلا ظله) أو (يظلهم الله في ظله) يعني:
_________________
(١) التمهيد (٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣)، وانظر: (١٧/ ٤٣١ - ٤٣٢)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (٣/ ٥٦٢)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٦).
(٢) انظر: إكمال المعلم (٣/ ٥٦٢)، والمفهم (٦/ ٥٤٣)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٦)، وفتح الباري (٢/ ١٤٤)، وابن دينار هو: عيسى بن دينار بن واقد الغافقي القرطبي، فقيه الأندلس ومفتيها في عصره، ارتحل في طلب العلم ثم عاد، فكان مرجع الناس في الفتيا، وكان صالحًا ورعًا مجاب الدعوة، توفي ﵀ سنة اثنتي عشرة ومائتين (٢١٢). [انظر: السير (١٠/ ٤٣٩)، والعبر (١/ ٢٨٥)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٨)، والأعلام (٥/ ١٠٢)].
(٣) انظر: الأسماء والصفات (٢/ ٢٢٧).
(٤) انظر: شرح السنة (٢/ ٣٥٥).
(٥) انظر: إكمال المعلم (٣/ ٥٦٢).
[ ٢٧٦ ]
الظل الذي لا يقدر أحد عليه في ذلك الوقت، لأنه في ذلك الوقت لا يظل الخلائق من الشمس شيء، لا بناء ولا شجر ولا حجر، ولا غير ذلك، لكن الله ﷿ يخلق شيئًا يظلل به من شاء من عباده، يوم لا ظل إلا ظله، هذا هو معنى الحديث، ولا يجوز أن يكون له معنى سوى هذا" (^١).
وشدد -رحمه الله تعالى- النكير على من حمل الظل في الحديث على ظل الله تعالى نفسه، لأنه يلزم عليه أن يكون الله تعالى تحت الشمس.
قال ﵀: هذه "مسألةٌ ضل فيها كثير من الجهال، وهي قوله: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، حيث توهموا جهلًا منهم أن هذا هو ظل الله نفسه، وأن الله تعالى يظلهم من الشمس بذاته ﷿، وهذا فهم خاطئ منكر، يقوله بعض المتعالمين الذين يقولون: إن مذهب أهل السنة إجراء النصوص على ظاهرها، فيقال: أين الظاهر؟ ! وكيف يكون ظاهر الحديث أن الرب جل وعلا يظلهم من الشمس؟ ! فإن هذا يقتضي أن تكون الشمس فوق الله ﷿" (^٢).
وقال أيضًا: "المراد بالظل هنا: ظل يخلقه الله ﷿ يوم القيامة، يظلل فيه من شاء من عباده، وليس المراد ظل نفسه جل وعلا، لأن الله نور السموات والأرض، ولا يمكن أن يكون الله ظلًا من الشمس، فتكون الشمس فوقه، وهو بينها وبين الخلق، ومن فهم هذا الفهم فهو بليد أبلد من الحمار، لأنه لا يمكن أن يكون الله ﷿ تحت شيء من مخلوقاته، فهو العلي الأعلى، ثم هو نور السموات والأرض" (^٣).
وأما رواية (في ظل عرشه)، فقد قال الشيخ عنها: "فيها نظر، لأن المعروف أن العرش أكبر من السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم،
_________________
(١) شرح رياض الصالحين (٢/ ١٨٦)، وانظر: (٢/ ٢٤٤)، و(٢/ ٤٤٧).
(٢) شرح رياض الصالحين (٢/ ١٨٥).
(٣) المرجع السابق (٢/ ٢٤٣).
[ ٢٧٧ ]
والسموات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة، فكيف يكون العرش تحت الشمس يظل الناس؟ !
لو صح الحديث لقلنا: ربما يكون طرف العرش مثلًا، والله على كل شيء قدير.
لكن هذه اللفظة في صحتها نظر، والصواب أنه ظل يخلقه الله في ذلك اليوم، إما من الغمام أو غير ذلك، فالله أعلم به، لكنه ظل يستر الله به من شاء من عباده من حر الشمس" (^١).
* * *
_________________
(١) شرح رياض الصالحين (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤).
[ ٢٧٨ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الذي يظهر -والله تعالى أعلم بالصواب- أن المراد بالظل المضاف إلى الله تعالى في الحديث: ظل العرش -على ما جاء في القول الأول- فيكون من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، لا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ويدل على هذا عدة أمور منها:
١ - أنه جاء مفسرًا في بعض رواياته بذلك، ومخرج الحديث واحد، وإذا كان كذلك فلا بد من حمل إحدى الروايتين على الأخرى، ولا يجوز حمل رواية: (ظل العرش) على رواية: (ظل الله)؛ لأنه لا يمكن أن يطلق (ظل العرش) ويراد به (ظل الله)، لكن العكس ممكن؛ لأن الله تعالى هو خالق العرش -وكل ظل في القيامة فهو ظله على هذا المعنى- لا سيما وأنه قد ثبت في عدة أحاديث أن للعرش ظلًا يستظل به من شاء الله تعالى من عباده، كما في أدلة القول الأول.
ومما يؤيد هذا أن كثيرًا من الأحاديث التي فيها إضافة الظل إلى العرش، قد جاءت في بعض ألفاظها بإضافة الظل إلى الله تعالى، مما يدل على أن المراد بها شيء واحد، وهو ظل العرش كما تقدم.
فمثلًا: حديث أبي اليسر -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: (من أنظر معسرًا أو وضع عنه، أظله الله تعالى في ظل عرشه) (^١).
قد جاء عند مسلم وأحمدَ وغيرهما بلفظ: (من أنظر معسرًا أو وضع
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٢٧٥).
[ ٢٧٩ ]
عنه أظله الله في ظله) (^١).
٢ - أن هذا المعنى، وهو التعبير عن ظل العرش، بظل الله تعالى قد جاء مصرحًا به في سياق واحد، مما يجعله لا يقبل أي احتمال غيره، فعن العِرْبَاض بن سارية قال: قال رسول الله -ﷺ-: (قال الله ﷿: المتحابون بجلالي، في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلي) (^٢).
٣ - أن حمل قوله -ﷺ-: (سبعة يظلهم الله في ظله ) على ظل الله تعالى نفسه، ينافي الأحاديث الكثيرة التي جاءت بإثبات الظل للعرش، لأن الله تعالى نفى وجود ظل غير ظله في ذلك اليوم، علمًا أنني لم أجد -بعد بحثي المتواضع- من أثبت الظل صفة لله تعالى، بل ظاهر صنيع السلف عليهم رحمة الله، حمل الظل المضاف إلى الله تعالى، على ظل العرش، لمجيئه مفسرًا بذلك، والله أعلم.
وأما القول الثاني وهو: تأويل الظل بمعنى الرحمة، فهو إخراج للفظ عن ظاهره وحقيقته من غير قرينة توجب ذلك.
وتفسير بعضهم، الرحمة بدخول الجنة والاستظلال بظلها، لا يستقيم مع هذا الحديث، لأن دخول الجنة والاستظلال بظلها لا يختص بهؤلاء السبعة، وبالتالي فلن يكون لهم مزية على غيرهم، والحديث يدل على امتيازهم على غيرهم بهذا الاستظلال.
وأيضًا فإن تفسير الظل بالرحمة ترده الرواية الأخرى للحديث، وهي: (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه)؛ لأن المعنى سيكون: في رحمة عرشه؟ ! وهذا لا يقول به أحد.
_________________
(١) صحيح مسلم (١٨/ ٣٤٣) ح (٣٠٠٦)، والمسند (٢٤/ ٢٧٩) ح (١٥٥٢١).
(٢) أخرجه أحمد (٢٨/ ٣٨٩) ح (١٧١٥٨)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٥٨) ح (٦٤٤)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ٦٢٩) ح (٤٤٤٥)، وقال: "رواه أحمد بإسناد جيد"، والذهبي في العلو (٨٤)، وقال: "إسناده حسن"، والهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٧٩)، وقال: "رواه أحمد والطبراني، وإسنادهما جيد".
[ ٢٨٠ ]
كما لا يصح حمل الظل على معنى الحماية والكرامة والرعاية، لأن هذه تحصل في الدنيا أيضًا، والحديث قد جاء تقييده بيوم القيامة، كما في رواية للبخاري: (سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله) (^١).
قال ابن حجر ﵀: "إذا كان المراد: ظل العرش، استلزم ما ذكر من كونهم في كنف الله وكرامته من غير عكس، فهو أرجح، وبه جزم القرطبي.
ويؤيده أيضًا تقييد ذلك بيوم القيامة، كما صرح به ابن المبارك في روايته عن عبيد الله بن عمر، وهو عند المصنف في كتاب الحدود.
وبهذا يندفع قول من قال: المراد ظل طوبى أو ظل الجنة، لأن ظلهما إنما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنة، ثم إن ذلك مشترك لجميع من يدخلها، والسياق يدل على امتياز أصحاب الخصال المذكورة، فيرجح أن المراد ظل العرش" (^٢).
وأما القول الثالث، وهو أن المراد بالظل في الحديث: ظل يخلقه الله تعالى، فقول يفتقر إلى دليل يدل عليه، لأنه غيب، والغيب سبيله الوقوف عند حدود ما ورد.
وأما القول بأنه يلزم من حمل الظل على ظل الله تعالى، أن يكون الله تحت الشمس، فقول غريب جدًا، لأنه دخول في الكيفية، فلو لم ترد الرواية الأخرى: (في ظل عرشه)؛ لتعين حمل الحديث على ظاهره، دون الخوض في كيفية ذلك، والله أعلم.
وكذا القول: بأن رواية: (في ظل عرشه) يلزم منها أن يكون العرش تحت الشمس، مع أنه أكبر منها، كل ذلك دخول في الكيفية، ومذهب أهل السنة والجماعة -كما هو معلوم- تفويض الكيفية وعدم الخوض فيها، علمًا
_________________
(١) صحيح البخاري (٦/ ٢٤٩٦) ح (٦٤٢١).
(٢) فتح الباري (٢/ ١٤٤).
[ ٢٨١ ]
أن هذا اللازم ليس بلازم في الحقيقة، وذلك أنه يمكن أن يكون للعرش ظل وهو فوق الشمس، ويكون ذلك دليلًا على عظم خلقه، وقد أشار الشيخ ابن عثيمين ﵀ إلى نحو من هذا حينما قال: "لو صح الحديث، لقلنا: ربما يكون طرف العرش مثلًا، والله على كل شيء قدير" (^١).
ثم إنه قد ثبت أن للعرش ظلًا في عدة أحاديث غير هذا (^٢)، فلو أمكن رد هذه الرواية، لما أمكن رد تلك الأحاديث الأخرى، والتي جاءت بإثبات الظل للعرش.
قال الذهبي رحمه الله تعالى: "وقد بلغ في ظل العرش أحاديث تبلغ التواتر" (^٣).
* * *
_________________
(١) شرح رياض الصالحين (٢/ ٢٤٤).
(٢) انظر: ص (٢٧٤ - ٢٧٥) من هذا البحث.
(٣) العلو (٨٤).
[ ٢٨٢ ]
المبحث التاسع: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر. . .)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٢٨٣ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (قال الله ﷿: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)، متفق عليه (^١).
وفي رواية: أن رسول الله -ﷺ- قال: (لا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر) (^٢).
بيان وجه الإشكال
الدهر في اللغة: الزمان، وقد نص بعض أهل اللغة على أنهما بمعنى واحد (^٣)، ومعلوم أن الدهر بهذا المعنى ليس هو الله تعالى.
قال ابن تيمية: "أجمع المسلمون -وهو مما علم بالعقل الصريح- أن الله ﷾ ليس هو الدهر الذي هو الزمان، أو ما يجري مجرى الزمان" (^٤).
_________________
(١) البخاري في مواضع: في كتاب التفسير، باب: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (٤/ ١٨٢٥) ح (٤٥٤٩)، وفي كتاب الأدب، باب: (لا تسبوا الدهر) (٥/ ٢٢٨٦) ح (٥٨٢٧)، وفي كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٦/ ٢٧٢٢) ح (٧٠٥٣). ومسلم: كتاب الأدب، باب: النهي عن سب الدهر (١٥/ ٥) ح (٢٢٤٦).
(٢) البخاري: كتاب الأدب، باب: (لا تسبوا الدهر) (٥/ ٢٢٨٦) ح (٥٨٢٨)، ومسلم واللفظ له: الموضع السابق.
(٣) انظر: تهذيب اللغة (٦/ ١٠٩ - ١١٠)، والصحاح للجوهري (٢/ ٦٦١)، ولسان العرب (٤/ ٢٩٣) كلها مادة: (دهر).
(٤) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٩٤).
[ ٢٨٤ ]
فلما كان الأمر كذلك اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث، لأن الله تعالى قال فيه: (وأنا الدهر)، والرسول -ﷺ- قال كما في الرواية الأخرى للحديث: (فإن الله هو الدهر).
* * *
[ ٢٨٥ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الحديث جاء لرد ما كان عليه أهل الجاهلية من نسبة المصائب التي تصيبهم، والكوارث التي تحل بهم إلى الدهر، فيقولون مثلًا: أصابتنا قوارع الدهر، وأبادنا الدهر، وأتى علينا الدهر، وهكذا
فينسبون كل ما يجري عليهم بقضاء الله وقدره، من موت أو سقم أو هرم أو فقر إلى الدهر، ثم يذمونه ويسبونه لأجل ذلك، فيقولون مثلًا: قبح الله الدهر الذي شتت شملنا، ولعن الله الزمان الذي جرى فيه كذا وكذا، وقد كثر ذلك في أشعارهم، ومن أمثلته:
قول المساور بن هند (^١):
بليت وعلمي في البلاد مكانه وأفنى شبابي الدهر وهو جديد (^٢)
وقول أبي ذؤيب الهذلي (^٣):
_________________
(١) هو مساور بن هند بن قيس بن زهير العبسي، شاعر مُعَمَّر، قيل: إنه ولد في حرب داحس والغبراء قبل الإسلام بخمسين سنةً، وعاش إلى أيام الحجاج، وهو من المتقدمين في الإسلام، توفي نحو سنة (٧٥). [انظر: الشعر والشعراء (٢١٦)، والإصابة لابن حجر (٦/ ٢٢٧)، والأعلام (٧/ ٢١٤)].
(٢) انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة (٢١٦)، والتمهيد لابن عبد البر (١٨/ ١٥٦).
(٣) هو خويلد بن خالد بن محرِّث أبو ذؤيب الهذلي، شاعر فحل مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وعامة ما قاله من الشعر في الإسلام، عاش إلى زمن عثمان، وشارك في الغزو والفتوح، وتوفي بأفريقية سنة (٢٧). [انظر: الشعر والشعراء (٤٣٥)، والإصابة (٢/ ٣٥٨)، والأعلام (٢/ ٣٢٥)].
[ ٢٨٦ ]
أمن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع (^١)
وقول الأعشى (^٢):
فاستأثر الدهر الغداة بهم والدهر يرميني ولا أرمي
يا دهر قد أكثرت فجعتنا بسراتنا ووقرت في العظم
وسلبتنا ما ليس تُعقبنا يا دهر ما أنصفت في الحكم (^٣)
ومعنى الحديث على هذا: لا تسبوا الدهر إذا أصابتكم المصائب، ولا تنسبوها إليه، فإن الله ﷿ هو الذي أصابكم بذلك، لا الدهر فإذا سببتم الفاعل وقع السب على الله ﷿، إذ هو الفاعل لها لا الدهر.
ويكون معنى قوله -ﷺ-: (وأنا الدهر): ما فسره بقوله: (بيدي الأمر أقلب الليل والنهار).
وهكذا قوله: (فإن الله هو الدهر) أي: مدبر الدهر ومصرفه.
وعلى هذا، لا يكون الدهر اسمًا من أسماء الله تعالى.
وإلى هذا القول ذهب جمهور أهل العلم، كالشافعي (^٤) وأبي عبيد،
_________________
(١) انظر: شرح أشعار الهذليين للسكري (١/ ٤)، وساقه ابن قتيبة بسنده إلى أبي ذؤيب، في تأويل مختلف الحديث (٢٠٨).
(٢) هو ميمون بن قيس بن جندل من بني قيس بن ثعلبة الوائلي، من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية، وأحد أصحاب المعلقات، كان كثير الوفود إلى الملوك من العرب والفرس، وكان من المعمَّرين أدرك الإسلام ولم يسلم، قيل: إن مولده ووفاته في منفوحة قرب مدينة الرياض، وكانت وفاته سنة سبع من الهجرة (٧). [انظر: الشعر والشعراء (١٥٤)، وشرح المعلقات العشر (٣٧٣)، والأعلام (٧/ ٣٤١)].
(٣) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ١٤٦)، ومعجم مقاييس اللغة (٢/ ٣٠٦)، وأحال محققه على ملحقات ديوان الأعشى (٢٥٨)].
(٤) انظر: تهذيب اللغة للأزهري (٦/ ١٠٩)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (٧/ ١٨٣)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ٦)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٢٣١)، وتيسير العزيز الحميد (٦٠٨).
[ ٢٨٧ ]
وابن جرير الطبري (^١)، وابن قتيبة (^٢)، وإبراهيم الحربي (^٣)، والخطابي، وأبي يعلى (^٤)، وابن عبد البر (^٥)، وقوام السنة الأصبهاني، والقرطبي (^٦) والنووي (^٧)، وابن تيمية (^٨)، وابن كثير (^٩)، وابن حجر (^١٠)، وسليمان بن عبد الله (^١١)، وابن عثيمين (^١٢)، عليهم رحمة الله.
_________________
(١) انظر: جامع البيان (١١/ ٢٦٣)، والطبري هو: الإمام العلم الفرد الحافظ أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري، كان إمامًا في فنون كثيرة منها التفسير والحديث والفقه والتاريخ، وكان من الأئمة المجتهدين لم يقلد أحدًا، وكان ثقة في نقله، ولذلك يُعدُّ كتابه التاريخ أصح التواريخ وأثبتها، توفي ﵀ ببغداد سنة (٣١٠ هـ)، وله عدة مصنفات منها: تفسيره المشهور، وكذلك تاريخه المشهور، وتهذيب الآثار. [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ١٥٩)، ووفيات الأعيان (٤/ ٤٣)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٧١٠)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٦٠)].
(٢) انظر: تأويل مختلف الحديث (٢٠٧ - ٢٠٨).
(٣) انظر: إبطال التأويلات (٢/ ٣٧٥ - ٣٧٦)، وبيان تلبيس الجهمية (١/ ١٢٦).
(٤) انظر: إبطال التأويلات (٢/ ٣٧٥).
(٥) انظر: التمهيد (١٨/ ١٥٥، ١٥٧).
(٦) انظر: المفهم (٥/ ٥٤٧ - ٥٤٨).
(٧) انظر: شرح النووي على مسلم (١٥/ ٥).
(٨) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٤٩١).
(٩) انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣١).
(١٠) انظر: الفتح (١٠/ ٥٦٥).
(١١) انظر: تيسير العزيز الحميد (٦٠٨ - ٦١١). وسليمان هو: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ، محدث فقيه، وشى به بعض المنافقين إلى إبراهيم باشا عند دخوله الدرعية واستيلائة عليها، فأحضره وأظهر بين يديه آلات اللهو والمنكر إغاظة له ثم قتله، وكان ذلك سنة ألف ومائتين وثلاث وعشرين (١٢٢٣)، له مؤلفات من أهمها وأشهرها: تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد. [انظر: الأعلام للزركلي (٣/ ١٢٩)، وعلماء نجد للبسام (٢/ ٣٤١)].
(١٢) انظر: القواعد المثلى (٩ - ١٠)، والقول المفيد (٢/ ٣٥٧، ٣٥٩).
[ ٢٨٨ ]
قال أبو عبيد: "تأويله عندي -والله أعلم- أن العرب كان شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم، من موت أو هرم أو تلف مال، أو غير ذلك، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وأتى عليهم الدهر، فيجعلونه الذي يفعل ذلك، فيذمونه فقال النبي -ﷺ-: (لا تسبوا الدهر)، على تأويل: لا تسبوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء، ويصيبكم بهذه المصائب، فإنكم إذا سببتم فاعلها فإنما يقع السب على الله تعالى، لأنه ﷿ هو الفاعل لها، لا الدهر، فهذا وجه الحديث إن شاء الله، لا أعرف له وجهًا غيره" (^١).
وقال الخطابي: "قوله: (أنا الدهر) معناه: أنا صاحب الدهر ومدبر الأمور التي تنسبونها إلى الدهر، فإذا سب ابن آدم الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور، عاد سبُّه إليَّ، لأني فاعلها، وإنما الدهر زمان ووقت جعلته ظرفًا لمواقع الأمور، وكان من عادة أهل الجاهلية إذا أصابهم شدة من الزمان، أو مكروه من الأمر، أضافوه إلى الدهر، وسبوه، فقالوا: بؤسًا للدهر، وتبًا للدهر، ونحو ذلك من القول فأعلم الله ﵎ أن الدهر محدث، يقلبه بين ليل ونهار، لا فعل له من خير أو شر، لكنه ظرف للحوادث ومحل لوقوعها، وأن الأمور كلها بيد الله تعالى، ومن قِبله يكون حدوثها، وهو محدثها ومنشئها سبحانه لا شريك له" (^٢).
وقال قوام السنة الأصبهاني: "ومما جاء في الحديث مما لا يؤمن وقوع الغلط فيه قوله -ﷺ-: (فإن الله هو الدهر)، لا يجوز أن يتوهم متوهم أن الدهر من أسماء الله تعالى، وإنما معنى هذا الكلام: أن أهل الجاهلية كان من عادتهم إذا أصاب الواحد منهم مكروه أن يضيفه إلى الدهر، فيسبون الدهر على أنه الفاعل لذلك، ولا يرونه صادرًا من فعل الله، وكائنًا بقضائه، فأعلمهم أن جميع ذلك من فعل الله تعالى، وأن مصدرها من قبله، وأنكم
_________________
(١) غريب الحديث (٢/ ١٤٦ - ١٤٧).
(٢) أعلام الحديث (٣/ ١٩٠٤).
[ ٢٨٩ ]
متى سببتم فاعلها كان مرجع السب إلى الله ﷾" (^١).
القول الثاني: قول من يروي حديث: (وأنا الدهر) بنصب الدهر على الظرفية، فيكون المعنى: أنا الدهرَ كله بيدي الأمر أقلب الليل والنهار، وإلى هذا ذهب أبو بكر بن داود الظاهري (^٢) وغيره.
قال الخطابي: "كان أبو بكر يرويه (وأنا الدهرَ) مفتوحة الراء، منصوبًا على الظرف، أي: أنا طول الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار، وكان يقول: لو كان مضمومًا لانقلب الدهر اسمًا من أسماء الله جلَّ وعز وعلا" (^٣).
وقال ابن عبد البر: "فمن أهل العلم من يروي هذا الخبر بنصب الدهر على الظرف، يقول: أنا الدهر كله بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" (^٤).
القول الثالث: أن الدهر من أسماء الله تعالى، ومعناه: القديم الأزلي، وإلى هذا ذهب نعيم بن حماد، وطائفة من أهل الحديث والصوفية (^٥)، وهو قول ابن حزم رحمه الله تعالى (^٦).
وعمدتهم هذا الحديث.
_________________
(١) الحجه في بيان المحجة (١٧٨ - ١٧٩).
(٢) هو محمد بن داود بن علي أبو بكر الظاهري، أحد من يضرب به المثل بذكائه، وكان له بصر تام بالحديث، وبأقوال الصحابة، وكان يجتهد ولا يقلد أحدًا، وقد تصدر للفتيا بعد والده، له كتاب الزهرة، في الأدب والشعر، توفي سنة سبع وتسعين ومائتين (٢٩٧). [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ٩٠)، والسير (١٣/ ١٠٩)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٢٦)].
(٣) شأن الدعاء (١٠٨)، وانظر: معالم السنن (٤/ ١٤٧).
(٤) التمهيد (١٨/ ١٥٤)، وانظر: إكمال المعلم (٧/ ١٨٣)، والمفهم (٥/ ٥٤٨)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ٦)، وفتح الباري (٨/ ٥٧٥).
(٥) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٤٩٤)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم الخامس، تحقيق د/ سليمان الغفيص (١/ ٢٨٥).
(٦) انظر: المحلى (٦/ ٢٨٢).
[ ٢٩٠ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الذي يترجح -والله تعالى أعلم بالصواب- أن معنى: (وأنا الدهر)، و(فإن الله هو الدهر) أي: مدبر الدهر ومصرفه ومقلبه -على ما جاء في القول الأول- لأنه فسره بذلك في نفس الحديث، فقال: (بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)، وليس المراد به كون الدهر اسمًا من أسماء الله تعالى، وإنما خرج الحديث مخرج الرد على أهل الجاهلية في نسبة ما يصيبهم من مصائب وغيرها إلى الدهر، وعلى هذا القول جمهور العلماء كما تقدم.
قال ابن كثير: "قال الشافعي وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله -ﷺ-: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر): كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى، فكأنهم إنما سبوا الله ﷿، لأنه فاعل تلك في الحقيقة، فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار، لأن الله تعالى هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال، وهذا أحسن ما قيل في تفسيره وهو المراد، والله أعلم، وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذًا من هذا الحديث" (^١).
ومما يدل علي صحة هذا القول ما يلي:
١ - أنه جاء مفسرًا بذلك في نفس الحديث كما تقدم.
قال ابن تيمية: "قوله في الحديث: (بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣١).
[ ٢٩١ ]
يبين أنه ليس المراد به أنه الزمان، فإنه قد أخبر أنه يقلب الليل والنهار، والزمان هو الليل والنهار، فدل نفس الحديث على أنه هو يقلب الزمان ويصرفه" (^١).
وقال ابن عثيمين: "فهو سبحانه خالق الدهر وما فيه، وقد بيَّن أنه يقلب الليل والنهار، وهما الدهر، ولا يمكن أن يكون المقلِّب (بكسر اللام) هو المقلَّب (بفتحها)، وبهذا تبين أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مرادًا به الله تعالى" (^٢).
٢ - أن الأصل في أسماء الله تعالى أن تكون حسنى، أي بالغةً في الحسن غايته، فلا بد أن تشتمل على وصف ومعنى هو أحسن ما يكون من الأوصاف والمعاني، والدهر اسم جامد، لا يتضمن معنى يُلحقه بالأسماء الحسنى، ولا يحمل المعنى الذي يوصف بأنه أحسن، وحينئذٍ فليس من أسماء الله تعالى، وإنما هو اسم للوقت والزمن (^٣).
٣ - أن الله تعالى قد أخبر عن المشركين، وما كانوا عليه من نسبة أفعاله وأقداره إلى الدهر، فقال: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ [الجاثية: ٢٤].
قال ابن جرير الطبري: "ذُكر أن هذه الآية نزلت من أجل أن أهل الشرك كانوا يقولون: الذي يهلكنا ويفنينا الدهر والزمان، ثم يسبون ما يفنيهم ويهلكهم، وهم يرون أنهم يسبون بذلك الدهر والزمان، فقال الله ﷿: أنا الذي أفنيكم وأهلككم، لا الدهر والزمان، ولا علم لكم بذلك" (^٤).
ثم أورد بسنده حديث أبي هريرة، أن النبي -ﷺ- قال: (كان أهل
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٩١).
(٢) القواعد المثلى (١٠).
(٣) انظر: القواعد المثلى (٩)، والقول المفيد (٢/ ٣٥٨) كلاهما للشيخ محمد العثيمين رحمه الله تعالى.
(٤) جامع البيان (١١/ ٢٦٣)، وانظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣٠).
[ ٢٩٢ ]
الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، قال: فيسبون الدهر، فقال الله ﵎: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار) (^١).
والمشركون الذين يضيفون المصائب والنوائب إلى الدهر على قسمين:
أحدهما: الذين لا يؤمنون بالله تعالى، ولا يعرفون إلا الدهر، الذي هو مرُّ الزمان واختلاف الليل والنهار، اللذَين هما محل الحوادث، وظرف لمساقط الأقدار، فينسبون المكاره إليه على أنها من فعله، ولا يرون أن له مدبرًا ومصرِّفًا، وهؤلاء هم الدهرية (^٢) الذين حكى الله عنهم في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾.
والقسم الثاني: يعرفون الله تعالى، ويعتقدون أنه هو المدبر للأمور وحده لا شريك له، لكنهم يضيفون ما يجري عليهم من المصائب والحوادث إلى الدهر، من باب إضافة الشيء إلى محله، لا أنه عندهم فاعل لذلك (^٣).
وقد وقع في هذا بعض شعراء المسلمين:
_________________
(١) جامع البيان (١١/ ٢٦٤)، وأورد هذا الحديث أبو يعلى في إبطال التأويلات (٢/ ٣٧٣)، وحكم المحقق على إسناده بالصحه.
(٢) "الدهرية: هم الذين ينفون الربوبية، ويحيلون الأمر والنهي والرسالة من الله تعالى، ويقولون: هذا مستحيل في العقول، ويجعلون الطينة قديمةً، أي: أن العالم قديم، وينكرون الثواب والعقاب، ولا يفرقون بين الحلال والحرام، وينفون أن يكون في العالم دليل يدل على صانع ومصنوع، وخالق ومخلوق ويضيفون النوازل بهم إلى الدهر فيسبونه" [البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان للسكسكي (٨٨)، وانظر: الفصل لابن حزم (١/ ١٩)، والملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٢٣٥)].
(٣) انظر: غريب الحديث للخطابي (١/ ٤٨٩)، والمفهم (٥/ ٥٤٧ - ٥٤٧ - ٨)، وتيسير العزيز الحميد (٦٠٩).
[ ٢٩٣ ]
كقول سابق البربري (^١):
المرء يجمع والزمان يفرق ويظل يرقع والخطوب تمزق (^٢)
وقول أبي العتاهية (^٣):
دهر يؤمننا الخطوب وقد نرى في كل ناحية لهن شباكا
يا دهر قد أعظمت عبرتنا بمن دارت عليه من القرون رحاكا (^٤)
وقوله أيضًا:
لكم فجع الدهر من والد وكم أثكل الدهر من والِدَة
وكم ترك الدهر من سيد ينوء على قدم واحدة (^٥)
قال ابن عبد البر: "وجرى ذلك على الألسنة في الإسلام، وهم لا يريدون ذلك، ألا ترى أن المسلمين الخيار الفضلاء قد استعملوا ذلك في أشعارهم، على دينهم وإيمانهم، جريًا في ذلك على عادتهم، وعلمًا
_________________
(١) هو سابق بن عبد الله البربري، شاعر زاهد، له كلام في الحكمة والرقائق، وهو من موالي بني أمية، والبربري لقب له ولم يكن من البربر، وكان يفد على عمر بن عبد العزيز فيستنشده عمر فينشده من مواعظه، توفي سنة مائة (١٠٠). [انظر: تهذيب تاريخ دمشق (٦/ ٤٠)، وتاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين (٢/ ٣/ ٤١/ ٤٢)، والأعلام (٣/ ٦٩)].
(٢) انظر: التمهيد لابن عبد البر (١٨/ ١٥٨)، وفي تاريخ بغداد (٩/ ٣٠٥)، ووفيات الأعيان (٢/ ٤٠٥) أنه لصالح بن عبد القدوس في مطلع قصيدة له.
(٣) هو أبو إسحاق إسماعيل بن قاسم بن سويد بن كيسان العنزي مولاهم الكوفي، الشاعر المشهور، كان يقول في الغزل والمديح والهجاء، ثم تنسك وعدل عن ذلك إلى الشعر في الزهد والحكمة والوعظ، فأحسن وأجاد، وسار شعره واشتهر وانتشر لجودته وحسنه وعدم تقعُّره، توفي ببغداد سنة (٢١١)، وقيل غير ذلك. [انظر: تاريخ بغداد (٦/ ٢٤٩)، ووفيات الأعيان (١/ ٢٢٢)، والسير (١٠/ ١٩٥)، والعبر (١/ ٢٨٢)].
(٤) ديوان أبي العتاهية (٣٠٦).
(٥) المرجع السابق (١٥١).
[ ٢٩٤ ]
بالمراد، وأن ذلك مفهوم معلوم، لا يشكل على ذي لُبٍّ" (^١).
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان: "أكثرُ هؤلاء من الشعراء والأدباء لا يقصدون نسبة القبائح إلى الله تعالى، من الجَور والظلم، وإنما ساروا في ذلك على سبيل المتابعة لأهل الجاهلية والتقليد، بدون تبصر لذلك، والله أعلم" (^٢).
ولا يعني هذا جواز ما وقع فيه هؤلاء الشعراء من سب الدهر ونسبة المقادير إليه.
قال سليمان بن عبد الله: "والحديث صريح في النهي عن سب الدهر مطلقًا، سواء اعتقد أنه فاعل أو لم يعتقد ذلك، كما يقع كثيرًا ممن يعتقد الإسلام" (^٣).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: "سب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم، فهذا جائز، مثل أن يقول: تعبنا من شدة حر هذا اليوم، أو برده وما أشبه ذلك، لأن الأعمال بالنيات، واللفظ صالح لمجرد الخبر، ومنه قول لوط ﵇: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧].
الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن يعتقد بسبه الدهر، أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر، فهذا شرك أكبر، لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا
الثالث: أن يسب الدهر لا لاعتقاد أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه، لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده، فهذا محرم،
_________________
(١) التمهيد (١٨/ ١٥٧ - ١٥٨)، وانظر: طرح التثريب (٨/ ١٥٦).
(٢) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ٩٨).
(٣) تيسير العزيز الحميد (٦٠٩).
[ ٢٩٥ ]
لأن سبه في الحقيقة يعود إلى سب الله ﷿، وليس بشرك لأنه لم يسب الله تعالى مباشرة" (^١).
وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى المفاسد المترتبة على سب الدهر فقال: "في هذا ثلاث مفاسد عظيمة:
إحداها: سبه من ليس بأهل أن يسب، فإن الدهر خَلْقٌ مسخر من خلق الله، منقاد لأمره مذلل لتسخيره، فسابه أولى بالذم والسب منه.
الثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع، وأنه مع ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحق العطاء، ورفع من لا يستحق الرفعة، وحرم من لا يستحق الحرمان، وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة، وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدًا، وكثير من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه.
الثالثة: أن السبَّ منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال، التي لو اتبع الحق فيها أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، وإذا وقعت أهواؤهم حمدوا الدهر وأثنوا عليه.
وفي حقيقة الأمر، فرَبُّ الدهر تعالى هو المعطي المانع، الخافض الرافع، المعز المذل، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبتهم للدهر مسبة لله ﷿، ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، عن النبي قال: (قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر)، فساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما، إما سبه لله، أو الشرك به، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب من فعله فقد سب الله" (^٢).
_________________
(١) القول المفيد (٢/ ٣٥١) بتصرف يسير.
(٢) زاد المعاد (٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥).
[ ٢٩٦ ]
وأما القول الثاني: وهو رواية حديث: (وأنا الدهر) بنصب الدهر على الظرفية، لأن رواية الرفع يلزم منها أن يكون الدهر اسمًا من أسماء الله تعالى، فيرده أن الحديث جاء بلفظ: (فإن الله هو الدهر)، وهذا يوافق رواية الرفع في قوله: (وأنا الدهر).
ثم إن رواية الرفع لا يلزم منها أن يكون الدهر اسمًا لله تعالى، وقد تقدم توجيه الحديث وبيان معناه.
قال القرطبي مبيِّنًا خطأ هذا القول، الذي قال به أبو بكر الظاهري: "الذي حمله على ذلك خوف أن يقال: إن الدهر من أسماء الله تعالى، وهذا عدول عما صح إلى ما لم يصح مخافة ما لا يصح، فإن الرواية الصحيحة عند أهل التحقيق بالضم، ولم يَروِ الفتح من يعتمد عليه، ولا يلزم من ثبوت الضم أن يكون الدهر من أسماء الله تعالى، لأن أسماء الله تعالى لا بد من التوقيف عليها، أو استعمالها استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار، فيُخبر به، وينادى به، كما اتفق في سائر أسماء الله تعالى، كالغفور والشكور والعليم والحليم، وغير ذلك من أسمائه، فإنك تجدها في الشريعة وفي لسان أهلها، تارةً يخبر بها، وأخرى يخبر عنها، وأخرى يدعى وينادى بها، ولم يوجد للدهر شيء من ذلك، فلا يكون اسمًا من أسمائه تعالى" (^١).
وأما القول الثالث: وهو القول: بأن الدهر اسم من أسماء الله تعالى، فقول بعيد جدًا، وإلا لكان قول الذين قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ صوابًا، لأنهم يكونون حينئذٍ قد نسبوا ذلك إلى الله سبحانه، ولكن لما كان الأمر ليس كذلك، عابهم الله وذمهم فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾. فهذه الآية تدل دلالةً واضحة على خطأ من سمى الله تعالى بهذا الاسم.
_________________
(١) المفهم (٥/ ٥٤٨)، وانظر: فتح الباري (٨/ ٥٧٥).
[ ٢٩٧ ]
قال سليمان بن عبد الله، بعد كلام له في هذه المسألة: "فقد تبين بهذا خطأ ابن حزم في عده الدهر من أسماء الله الحسنى، وهذا غلط فاحش، ولو كان كذلك لكان الذين قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ مصيبين" (^١).
وأما المعنى الذي ذكروه للدهر وهو: القديم الأزلي، فقد قال ابن تيمية: "هذا المعنى صحيح، لأن الله سبحانه هو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء، فهذا المعنى صحيح، إنما النزاع في كونه يسمى دهرًا بكل حال" (^٢).
وقد أشار عدد من أهل العلم إلى عدم جواز تسمية الله تعالى بهذا الاسم، وإلى تخطئة ابن حزم رحمه الله تعالى في عده (الدهر) من أسماء الله تعالى، وممن أشار إلى ذلك: الخطابي (^٣)، وأبو يعلى (^٤)، وقوام السنة الأصبهاني (^٥)، والقاضي عياض (^٦)، والقرطبي (^٧)، وابن كثير (^٨)، وابن عثيمين (^٩).
وأما أذية الله تعالى الواردة في الحديث فقد تقدم الكلام عليها في المبحث السادس (^١٠).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (٦١١).
(٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٩٤).
(٣) انظر: شأن الدعاء (١٠٧).
(٤) انظر: إبطال التأويلات (٢/ ٣٧٥).
(٥) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ١٧٨)، وقد تقدم نقل كلامه.
(٦) انظر: إكمال المعلم (٧/ ١٨٤).
(٧) انظر: المفهم (٥/ ٥٤٨ - ٥٤٩)، وقد تقدم نقل كلامه.
(٨) انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣١)، وقد تقدم نقل كلامه.
(٩) انظر: القواعد المثلى (٩ - ١٠).
(١٠) انظر: ص (٢٤٩ - ٢٥٠).
[ ٢٩٨ ]
المبحث العاشر: (الرحم شجنة من الرحمن)
وفيه مطلبان:
* المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
[ ٢٩٩ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ-، قال: (الرحم شِجْنة (^١) من الرحمن، فقال الله: من وصلكِ وصلته، ومن قطعكِ قطعته)، رواه البخاري (^٢).
وعن عائشة -﵂-، زوج النبي -ﷺ-، عن النبي -ﷺ-، قال: (الرحم شجنة، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته)، رواه البخاري (^٣).
وعنها -﵂-، قالت: قال رسول الله -ﷺ-: (الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله)، رواه مسلم (^٤).
وعن أبي هريرة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ-، قال: (خلق الله الخلق فلما فرغ منه، قامت الرحم، فقال: مَهْ، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذلك لك) ثم قال أبو هريرة: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا
_________________
(١) قال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٤١٨): " (شجنة) بكسر المعجمة وسكون الجيم، بعدها نون، وجاء بضم أوله وفتحه، رواية ولغة" [وانظر: غريب الحديث لأبي عبيد (١/ ٢٠٩)، وتهذيب اللغة (١٠/ ٢٨٦)، ولسان العرب (١٣/ ٢٣٣) كلاهما مادة (شجن)، والنهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٤٧)].
(٢) صحيح البخاري: كتاب الأدب، باب: من وصل وصله الله (٥/ ٢٢٣٢) ح (٥٦٤٢).
(٣) صحيح البخاري: الموضع السابق، ح (٥٦٤٣).
(٤) صحيح مسلم: كتاب البر والصلة، باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (١٦/ ٣٤٨) ح (٢٥٥٥).
[ ٣٠٠ ]
فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد: ٢٢]، متفق عليه (^١).
وفي لفظ للبخاري: (خلق الله الخلق فلما فرغ منه، قامت الرحم، فأخذت بحَقْوِ الرحمن) (^٢).
بيان وجه الإشكال
قد يستشكل بعض الناس قوله -ﷺ-: (الرحم شجنة من الرحمن)؛ لأنه من المعلوم أن الرحم ليست جزءًا من الرحمن ولا بعضًا منه، ولا صفةً من صفاته، وإذا كانت كذلك فما معنى كونها شجنة من الرحمن؟
وأمر آخر قد يستشكل وهو: قوله -ﷺ-: (فقامت الرحم، فأخذت بحقو الرحمن)، حيث أضاف الحقو إلى الرحمن، والحقو في اللغة هو: معقد الإزار من الجنب، ويقال للإزار: حقوًا، لأنه يشد على الحقو (^٣).
قال ابن فارس: "الحاء والقاف والحرف المعتل، أصل واحد، وهو بعض أعضاء البدن، فالحقو: الخصر ومشد الإزار" (^٤).
وعلى هذا، فهل يثبت الحقو صفة لله تعالى، كما هو ظاهر الحديث؟
_________________
(١) البخاري في مواضع: في كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالي: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٦/ ٢٧٢٥) ح (٧٠٦٣)، وفي كتاب التفسير، باب: ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (٤/ ١٨٢٨) ح (٤٥٥٢)، وفي كتاب الأدب، باب: من وصل وصله الله (٥/ ٢٢٣٢) ح (٥٦٤١)، ومسلم: كتاب البر والصله، باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (١٦/ ٣٤٧) ح (٢٥٥٤).
(٢) صحيح البخاري: كتاب التفسير، باب: ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (٤/ ١٨٢٨) ح (٤٥٥٢).
(٣) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (١/ ٦٤)، وتهذيب اللغة (٥/ ٨١) مادة: (حقي)، والصحاح للجوهري (٦/ ٢٣١٧) مادة: (حقا)، وتفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي (٣٨٩، ٤٧٢، ٥٧٤)، والنهاية في غريب الحديث (١/ ٤١٧)، ولسان العرب (١٤/ ١٨٩) مادة: (حقا).
(٤) معجم مقاييس اللغة (٢/ ٨٨) مادة: (حقو).
[ ٣٠١ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
أما الأمر الأول: وهو قوله ﵊: (الرحم شجنة من الرحمن).
فالشجنة في اللغة: أصلها: عروق الشجر المشتبكة.
والشواجن: الأودية الكثيرة الشجر.
ومنه قولهم: (الحديث ذو شجون) أي: ذو فنون وشعب وتشبث بعضه ببعض.
قال ابن فارس: "الشين والجيم والنون أصل واحد يدل على اتصال الشيء والتفافه، من ذلك الشِّجنة، وهي الشجر الملتف، ويقال: بيني وبينه شِجنة رحم، يريد اتصالها والتفافها والشواجن: أودية غامضة كثيرة الشجر، وسميت به لتشاجن الشجر" (^١).
وقال الجوهري (^٢): "الشِّجنة والشُّجنة: عروق الشجر المشتبكة، ويقال: بيني وبينه شِجنة رحم وشُجنة رحم، أي: قرابة مشتبكة" (^٣).
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (٣/ ٢٤٨) مادة: (شجن).
(٢) هو أبو نصر إسماعيل بن حمَّاد التركي، صاحب الصحاح، كان إمامًا في اللغة والأدب، ماهرًا في الخط، كثير الأسفار والتغرب، توفي -﵀- سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة (٣٩٣)، وقيل غير ذلك. [انظر: معجم الأدباء لياقوت الحموي (٦/ ١٥١)، والسير (١٧/ ٨٠)، ولسان الميزان لابن حجر (١/ ٥١٨)، وشذرات الذهب (٣/ ١٤٢)].
(٣) الصحاح (٥/ ٢٧٢٤) مادة: (شجن).
[ ٣٠٢ ]
وفي اللسان: "الشِّجن والشِّجنة والشُّجنة والشَّجنة: الغصن المشتبك" (^١).
ومعنى حديث: (الرحم شجنة) أي: قرابة مشتبكة كاشتباك العروق (^٢).
قال ابن تيمية، في معنى (الرحم شجنة من الرحمن): "يعني: لها تعلق تقرب من الرحمن" (^٣).
يؤيد ذلك قوله -ﷺ-، كما في حديث عبد الرحمن بن عوف -﵁-: (قال الله ﵎: أنا الله وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته) (^٤).
قال الإسماعيلي: "معنى الحديث: أن الرحم اشتق اسمها من اسم الرحمن، فلها به علقة، وليس معناه: أنها من ذات الله، تعالى الله عن ذلك" (^٥).
فتَوَهُم أنها جزء من ذات الله تعالى، أو بعض منه (^٦)، توهم باطل، لأن الرحم مخلوقة، وقد جاء التصريح بذلك كما في الحديث المتقدم، وإذا كانت مخلوقة فكيف يتوهم أنها صفة لله تعالى، ومعلوم أن صفاته غير مخلوقة؟
_________________
(١) لسان العرب (١٣/ ٢٣٣) مادة: (شجن).
(٢) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (١/ ٢٠٩)، وتهذيب اللغة (١٠/ ٢٨٦)، والصحاح للجوهري (٥/ ٢١٤٣) كلاهما مادة: (شجن)، وإبطال التأويلات (٢/ ٤٢٧)، وشرح السنة للبغوي (١٣/ ٢٣)، والنهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٤٧).
(٣) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ٢٥٠).
(٤) أخرجه أبو داود (عون ٥/ ٧٧) ح (١٦٩١)، والترمذي واللفظ له (تحفة ٦/ ٣٣) ح (١٩٧٢)، وقال عنه: "حديث صحيح"، وأحمد (٣/ ١٣٨) ح (١٦٨٠)، وقال أحمد شاكر: "إسناده صحيح"، وصححه الألباني، كما في صحيح سنن أبي داود (١/ ٣١٨)، وصحيح سنن الترمذي (٢/ ١٧٧).
(٥) نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (١٠/ ٤١٨)، وانظر: الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٢٢٤)، وعون الباري لصديق حسن خان (٤/ ٢٩٨).
(٦) انظر: تأويل الأحاديث الموهمة للتشبيه للسيوطي (١٤٥ - ١٤٦).
[ ٣٠٣ ]
فـ (من) في الحديث لابتداء الغاية، وليست للتبعيض، فالرحم من الله: خلقًا وإيجادًا، لا صفة ونعتًا.
وهذا الحديث نظير قوله تعالى في شأن المسيح -﵇-: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] أي: من الأرواح التي خلقها الله (^١).
وهكذا قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] (^٢).
قال ابن كثير: " ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ أي: من خلقه ومن عنده، وليست (من) للتبعيض كما تقوله النصارى -عليهم لعائن الله المتتابعة- بل هي لابتداء الغاية كما في الآية الأخرى وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] " (^٣).
وقال ابن عثيمين رحمه الله تعالى، في معنى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾: " (من) للابتداء، وليست للتبعيض، فهي كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ فلا يمكن أن نقول: إن الشمس والقمر والأنهار جزء من الله، وهذا لم يقل به أحد، فقوله: ﴿مِنْهُ﴾ أي: روح صادرة من الله -﷿-، وليست جزءًا من الله كما تزعم النصارى" (^٤).
وأما الأمر الآخر وهو: قوله -ﷺ-: (قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن).
فإن مذهب السلف -كما قد مرَّ كثيرًا- هو إجراء نصوص الصفات
_________________
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي (١/ ٢٢٥).
(٢) انظر: دفع إيهام التشبيه عن أحاديث الصفات للسمهري (٢٤٣).
(٣) تفسير ابن كثير (١/ ٨٩٩)، وانظر: فتح الباري (٦/ ٤٧٥)، وفتح المجيد (٧٣).
(٤) القول المفيد (١/ ٧٠).
[ ٣٠٤ ]
على ظاهرها، على المعنى اللائق بالله جل وعلا، مع نفي المماثلة، أو توهم النقص في حقه سبحانه.
وهذا الحديث منها، فهو دليل على ثبوت صفة الحقو لله تعالى، على ما يليق بجلاله وعظمته، "ويجب ألَّا نستوحش من إطلاق هذا اللفظ، وقد ورد به السمع، كما لا نستوحش من إطلاق ذلك في غيره من الصفات" (^١).
وقد نص على الأخذ بظاهر هذا الحديث جمع من أهل العلم، كالإمام أحمد، وأبي عبد الله بن حامد (^٢)، وأبي يعلى، وأبي موسى المديني، وابن تيمية، وصديق حسن خان (^٣).
قال الإمام أحمد: "يُمْضَى الحديث كما جاء" (^٤).
وقال ابن حامد: "ومما يجب التصديق به أن لله حقوًا".
_________________
(١) مقتبس من كلام أبي يعلى -وهو يتحدث عن صفة الضحك- في إبطال التأويلات (١/ ٢١٨) بتصرف يسير.
(٢) هو الحسن بن حامد بن علي بن مروان أبو عبد الله البغدادي، إمام الحنابلة في زمانه ومدرسهم ومفتيهم، وكان معظمًا مقدمًا عند الدولة والعامة، تفقه على أبي بكر عبد العزيز، وكان قانعًا عفيفًا ينسخ بيده ويقتات من أجرته فسمي لأجل ذلك ابن حامد الوراق، وكان كثير الحج توفي -﵀- سنة (٤٠٣ هـ)، وله العديد من المصنفات منها: الجامع في المذهب، وشرح الخرقي، وتهذيب الأجوبة. [انظر: تاريخ بغداد (٧/ ٣١٣)، والعبر (٢/ ٢٠٤)، وشذرات الذهب (٣/ ١٦٦)، ومختصر طبقات الحنابلة لابن شطي (٣٢)].
(٣) هو محمد صديق خان بن حسن بن علي الحسيني القنوجي، له عناية بالحديث، من رجال النهضة الإسلامية المجددين، ولد ونشأ في قنوج بالهند، وتعلم في دلهي، فاز بثروة وافرة، وتزوج بملكة بهويال، توفي -﵀- سنة (١٣٠٧)، وله مصنفات عديدة باللغة العربية والفارسية وغيرهما، ومن هذه المصنفات باللغة العربية: كتاب عون الباري في شرح مختصر صحيح البخاري، وكتاب الروضة في شرح الدرر للشوكاني. [انظر: الأعلام (٦/ ١٦٧)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٣٥٨)].
(٤) انظر: إبطال التأويلات (٢/ ٤٢١) (١/ ٢٠٨)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ٢٤٧ - ٢٤٩).
[ ٣٠٥ ]
وقال: "وكذلك في الرحم تأخذ بحقو الرحمن صفة ذاته، لا يدرى ما التكييف فيها، ولا ماذا صفتها".
وقال أيضًا: "فأما الحديث في الرحم والحقو، فحديث صحيح، ذكره البخاري، وقد سُئل إمامنا (^١) عنه فأثبته وقال: يمضى الحديث كما جاء" (^٢).
وقال أبو يعلى: "اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، وأن الحقو والحجزة (^٣) صفة ذات" (^٤).
وقال أبو موسى المديني -عن حديث الحجزة، بعد أن ذكر تأويلين لها-: "وإجراؤه على ظاهره أولى" (^٥).
وقال ابن تيمية: "هذا الحديث في الجملة من أحاديث الصفات، التي نص الأئمة على أنه يُمَرُّ كما جاء، وردوا على من نفى موجبه" (^٦).
وذكر صديق حسن خان (الحقو) في جملة من الصفات، ثم قال: "فكل هذه الصفات، تساق مساقًا واحدًا، ويجب الإيمان بها على أنها
_________________
(١) يقصد الإمام أحمد -﵀-.
(٢) هذه النقول عن ابن حامد ذكرها ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ٢٥١، ٢٤٥ - ٢٥٢)، وانظر: إبطال التأويلات (٢/ ٤٢١).
(٣) الحجزة: موضع شد الإزار، فهي بمعنى: الحقو. [انظر: المجموع المغيث لأبي موسى المديني (١/ ٤٠٤)، والنهاية فى غريب الحديث (١/ ٣٤٤)، ولسان العرب (٥/ ٣٣٢) مادة: (حجز)] وقد جاء فى إثباتها حديث ابن عباس -﵁-، أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (إن الرحم شجنة، آخذة بحجزة الرحمن، يصل من وصلها ويقطع من قطعها) رواه أحمد (٤/ ٣٤٤/) ح (٢٩٥٦)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٣٧) ح (٥٣٨)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٣٢٧) ح (١٠٨٠٦)، وقال أحمد شاكر في تعليقه على المسند: "إسناده صحيح"، وحكم الألباني على إسناده بالحسن، كما في السلسلة الصحيحة (٤/ ١٣٢) ح (١٦٠٢).
(٤) إبطال التأويلات (٢/ ٤٢٠).
(٥) المجموع المغيث (١/ ٤٠٥).
(٦) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ٢٦٠).
[ ٣٠٦ ]
صفات حقيقية، لا تشبه صفات المخلوقين، ولا يمثل ولا يعطل ولا يرد ولا يجحد، ولا يُؤول بتأويل يخالف ظاهره" (^١).
وبهذه النقول عن هؤلاء العلماء يُعلم خطأ الإمام الخطابي -﵀- حينما أوَّل هذه الصفة وقال: "لا أعلم أحدًا من العلماء حمل الحقو على ظاهر مقتضى الاسم له في موضع اللغة، وإنما معناه: اللياذ والاعتصام" (^٢).
ولذا قال ابن تيمية معقبًا على كلامه: "هذا الذي ذكره الخطابي، ذكره بمبلغ علمه، حيث لم يبلغه في حديث (الرحم) عن أحد من العلماء أنه جعله من أحاديث الصفات، التي تمر كما جاءت، والخطابي له مرتبة في العلم معروفة، ومرتبة أئمة الدين المتبوعين، فوق طبقة الخطابي ونحوه" (^٣).
وأما التأويل الذي ذهب إليه الخطابي، وهو حمل الحديث على معنى اللياذ والاعتصام بالله تعالى (^٤)، فهو معنى صحيح، لكن ليس فيه ما ينافي إثبات هذه الصفة لله تعالى على ما يليق بجلاله.
قال أبو يعلى: "قولهم: إن معناه: أنها مستجيرة معتصمة بالله، فلا يمنع من هذا، لكن صفة الاستجارة والاعتصام، على ما ورد به الخبر، من الأخذ بحقو الرحمن جل اسمه" (^٥).
* * *
_________________
(١) قطف الثمر (٦٥ - ٦٨).
(٢) نقل ذلك عنه ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ٢٦٥)، وعزاه إلى كتابه: شعار الدين، وهو كتاب مفقود.
(٣) المرجع السابق (١/ ٢٧٤).
(٤) وإليه ذهب عامة أهل التأويل من أهل الكلام وغيرهم. [انظر: مشكل الحديث لابن فورك (٣٢٢)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٢٢٣)، وأساس التقديس للرازي (٧٠)، والأسنى للقرطبي (٢/ ١١٨)، وإيضاح الدليل لابن جماعة (١٨٥)، وأقاويل الثقات لمرعى بن يوسف (١٨٣ - ١٨٤)].
(٥) إبطال التأويلات (٢/ ٤٢٦).
[ ٣٠٧ ]
المبحث الحادي عشر: (فإذا مت فأحرقوني ثم اسحقوني)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٣٠٩ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (كان رجل يُسْرِف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذرُّوني في الريح، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا، فلما مات فُعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خَشْيَتُك، فغفر له)، وقال غيره: (مخافتك يا رب)، متفق عليه (^١).
وعن أبي سعيد -﵁- عن النبي -صلي الله عليه وسلم-: (أن رجلًا كان قبلكم رغسه (^٢) الله مالًا، فقال لبنيه لما حضر: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني لم أعمل خيرًا قط، فإذا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في يوم عاصف، ففعلوا، فجمعه الله -﷿- فقال: ما حملك؟ قال: مخافتك، فتلقاه برحمته)، متفق عليه (^٣).
_________________
(١) البخاري في موضعين: في كتاب الأنبياء، باب: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ (٣/ ١٢٨٣) ح (٣٢٩٣)، وفي كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٦/ ٢٧٢٥) ح (٧٠٦٧)، ومسلم: كتاب التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى (١٧/ ٧٨) ح (٢٧٥٦).
(٢) أي: أعطاه الله مالًا ناميًا، والرغس: السعة في النعمة والبركة والنماء، يقال: رجل مرغوس، إذا كان في ماله نماء وبركة. [انظر: أعلام الحديث (٣/ ١٥٧٣)، والنهاية في غريب الحديث (٢/ ٢٣٨)، وفتح الباري (٦/ ٥٢١)].
(٣) البخاري في مواضع: في كتاب الأنبياء، باب: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ (٣/ ١٢٨٢) ح (٣٢٩١)، وفي كتاب الرقاق، باب: الخوف من الله، =
[ ٣١٠ ]
وعن حذيفة -﵁- أنه سمع النبي -صلي الله عليه وسلم- يقول: (إن رجلًا حضره الموت، لما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا مت فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا، ثم أوروا نارًا، حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فخذوها فاطحنوها، فذروني في اليم في يوم حار أو راح (^١)، فجمعه الله فقال: لم فعلت؟ قال: خشيتك، فغفر له)، قال عقبة: وأنا سمعته يقول (^٢).
وفي لفظ آخر عن حذيفة عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (كان رجل ممن كان قبلكم يسيء الظن بعمله، فقال لأهله: إذا أنا مت فخذوني فذرُّوني في البحر في يوم صائف، ففعلوا به، فجمعه الله ثم قال: ما حملك على الذي صنعت؟ قال: ما حملني إلا مخافتك، فغفر له) (^٣).
بيان وجه الإشكال
هذا الحديث متواتر (^٤) عن النبي -صلي الله عليه وسلم-، رواه أصحاب الصحاح والمسانيد عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم، وقد استشكله العلماء، لأن ظاهره أن هذا الرجل شاك في قدرة الله تعالى على إعادته بعد حرقه وسحقه، والشك في صفة من صفات الله تعالى، أو البعث والمعاد كفر
_________________
(١) = (٥/ ٢٣٧٨) ح (٦١١٦)، وفي كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٦/ ٢٧٢٦) ح (٧٠٦٩). ومسلم في كتاب التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى (١٧/ ٨٠) ح (٢٧٥٧).
(٢) أي: يومًا ذا ريح، يقال: يوم راحٌ، أي: ذو ريح. [انظر: أعلام الحديث (٣/ ١٥٦٥)، والنهاية في غريب الحديث (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، وفتح الباري (٦/ ٥٢٢)].
(٣) أخرجه البخاري في مواضع: في كتاب الأنبياء، باب: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ (٣/ ١٢٨٣) ح (٣٢٩٢)، وباب: ما ذكر عن بني إسرائيل (٣/ ١٢٧٢) ح (٣٢٦٦).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب: الخوف من الله (٥/ ٢٣٧٧) ح (٦١١٥).
(٥) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٩١)، وإيثار الحق (٣٩٤)، والعواصم (٤/ ١٧٥) كلاهما لابن الوزير.
[ ٣١١ ]
بإجماع أهل العلم، وقد غفر الله لهذا الرجل، وقد قضى أنه لا يغفر لكافر، ولهذا اختلف أهل العلم في معناه كما سيأتي.
قال الخطابي: "قد يُسأل عن هذا فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحيائه وإنشاره؟ " (^١).
وقال أبو يعلى: "اعلم أن هذا الخبر وإن لم يرجع شيء من لفظه إلى ما هو صفة من صفات الله (^٢)، فإن لفظه مشكل، وكان القائل له رجلًا موحدًا مغفورًا له، فوجب أن يوقف على معناه ليزول الإشكال" (^٣).
* * *
_________________
(١) أعلام الحديث (٣/ ١٥٦٥)، وانظر: فتح الباري (٦/ ٥٢٢).
(٢) هذا رأي مرجوح مخالف لظاهر الحديث، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
(٣) إبطال التأويلات (٢/ ٤١٧)، وانظر: شرح مشكل الآثار للطحاوي (تحفة ١/ ٧٣)، وكشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ١٥٦)، وطرح التثريب (٣/ ٢٦٧).
[ ٣١٢ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في هذا الحديث على عدة أقوال، أشهرها:
القول الأول: أن هذا الرجل قد شك في قدرة الله تعالى على جمعه بعد تحريقه وطحنه وتفرق أجزائه، كما شك في إحيائه وبعثه بعد ذلك، لكنه كان جاهلًا، ومن جهل صفة من صفات الله تعالى وآمن بسائر صفاته وعرفها لم يكن بجهله بعض صفات الله تعالى كافرًا، إنما الكافر من عاند الحق لا من جهله (^١).
وإلى هذا ذهب ابن قتيبة والخطابي وابن حزم (^٢)، وابن عبد البر (^٣)، وابن تيمية وابن القيم (^٤)، وعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (^٥)،
_________________
(١) انظر: التمهيد لابن عبد البر (١٨/ ٤٢)، وكشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ١٥٦).
(٢) انظر: الفصل (٢/ ٢٧١ - ٢٧٢).
(٣) انظر: التمهيد (١٨/ ٤٦).
(٤) انظر: مدارج السالكين (٣/ ٣٦٧).
(٥) انظر: مجوعة الرسائل والمسائل النجدية (١/ ٢٤٨)، وعبد الله هو: ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، من فقهاء الحنابلة، ولد ونشأ بالدرعية، وتفقه على أبيه وغيره، وبرع في التفسير والعقائد وعلوم العربية، ولما توفي والده خلفه في أعماله الكبيرة، ومهامه الجليلة، فكان مرجع العامة والخاصة في وقته، له مؤلفات ورسائل وفتاوى، منها ما هو مبثوث في الدرر السنية، توفي -﵀- سنة (١٢٤٤) في مصر حيث اعتقله إبراهيم باشا بعد استيلائه على الدرعية، وأرسله إليها. [انظر: عنوان المجد (١/ ١٨٨)، وعلماء نجد (١/ ١٦٩)، والأعلام (٤/ ١٣١)، والسحب الوابلة (٢/ ٢٥٦) مما استدركه المحقق].
[ ٣١٣ ]
والدهلوي (^١)، وقال ابن عبد البر: "وهذا قول المتقدمين من العلماء، ومن سلك سبيلهم من المتأخرين" (^٢).
قال ابن قتيبه: "هذا رجل مؤمن بالله، مقر به، خائف له، إلا أنه جهل صفة من صفاته، فظن أنه إذا أحرق وذري الريح أنه يفوت الله تعالى، فغفر الله تعالى له بمعرفته تأنيبه، وبمخافته من عذابه جهلَه بهذه الصفة من صفاته، وقد يغلط في صفات الله تعالى قوم من المسلمين، ولا يحكم عليهم بالنار، بل ترجأ أمورهم إلى من هو أعلم بهم وبنياتهم" (^٣).
وقال الخطابي عن هذا الرجل: "إنه ليس بمنكر للبعث، إنما رجل جاهل، ظن أنه إذا فُعل به هذا الصنيع تُرك فلم ينشر ولم يعذب، ألا تراه يقول: (فجمعه فقال: لِمَ فعلت ذلك؟ فقال: من خشيتك)، فقد تبين أنه رجل مؤمن بالله، فعل ما فعل من خشية الله إذا بعثه، إلا أنه جهل، فحسب أن هذه الحيلة تنجيه مما يخافه" (^٤).
وقال ابن تيمية: "هذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذُري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك" (^٥).
وقال أيضًا: "هذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل
_________________
(١) انظر: حجة الله البالغة (١/ ١١٧). والدهلوي هو: أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي الدهلوي الهندي أبو عبد العزيز، الملقب: شاه ولي الله، فقيه محدِّث من أهل دلهي بالهند، أحيا الله به وبأولاده وتلامذتهم العناية بالحديث والسنة بالهند، له مؤلفات كثيرة بالعربية والفارسية، منها: حجة الله البالغة، والإرشاد إلى مهمات الإسناد، وشرح تراجم البخاري، توفي -﵀- سنة (١١٧٦)، وقيل غير ذلك. [انظر: الأعلام (١/ ١٤٩)، ومعجم المؤلفين (٤/ ٧٦)].
(٢) التمهيد (١٨/ ٤٢).
(٣) تأويل مختلف الحديث (١١٢).
(٤) أعلام الحديث (٣/ ١٥٦٥).
(٥) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٣١).
[ ٣١٤ ]
ذلك، أو شك، وأنه لا يبعثه، وكل من هذين الاعتقادين كفر، يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه، ووعده ووعيده، فخاف من عقابه فغفر الله له بخشيته" (^١).
واستدل هؤلاء على أن هذا الرجل كان شاكًا في القدرة والمعاد بظاهر روايات الحديث (^٢).
القول الثاني: أن قوله (لئن قدر علي ربي) بمعنى: ضيَّق، فهو من التقدير الذي هو التضييق، وليس من القدرة التي هي صفة من صفات الله تعالى.
وإلى هذا ذهب الطحاوي (^٣)، وابن جماعة (^٤)، وغيرهما (^٥)، وجوَّزه ابن عبد البر (^٦).
واستشهدوا بعدة آيات من كتاب الله تعالى، كقوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]، وقوله: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦]،
_________________
(١) الاستقامة (١/ ١٦٤ - ١٦٥)، وانظر: الصفدية (١/ ٢٣٣)، والاستغاثة في الرد على البكري (١/ ٣٨٣)، ومجموع الفتاوى (٧/ ٦١٩)، و(١١/ ٤٠٩)، و(٢٣/ ٣٤٧).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٠٩)، وشرح كتاب التوحيد للغنيمان (٢/ ٣٩٢ - ٣٩٣).
(٣) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ١٥٩ - ١٦٤).
(٤) انظر: إيضاح الدليل (٢٠٠). وابن جماعة هو: بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي الشافعي الأشعري، مهر في الفقه والتفسير، وتولى القضاء في مصر والشام، وعمي في آخر عمره فصُرِف عن القضاء، له مؤلفات منها: تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم، ومختصر في السيرة النبوية، توفي -﵀- سنة (٧٣٣). [انظر: العبر (٤/ ٩٦)، والدرر الكامنة (٣/ ٢٨٠ - ٢٨١)، وحسن المحاضرة (١/ ٣٥٧)، وشذرات الذهب (٦/ ١٠٥)، والأعلام (٥/ ٢٩٧)].
(٥) انظر: كشف مشكل الصحيحين لابن الجوزي (٣/ ١٥٧)، والمفهم للقرطبي (٧/ ٧٧)، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ٧٦)، وطرح التثريب (٢/ ٢٦٧).
(٦) انظر: التمهيد (١٨/ ٤٢ - ٤٣).
[ ٣١٥ ]
وقوله عن يونس ﵊: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
فقالوا: إن المعنى في هذه الآيات كلها صائر إلى التضييق، وعليه يحمل معنى هذا الحديث (^١).
قال ابن جماعة: "قوله: (لئن قدر الله علي) ليس هو من القدرة، بل هو من التقدير الذي هو التضييق، ومنه قوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يضيق.
فمعناه: لئن ضيق الله عليَّ عفوه.، ومنه قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: نضيق، لأن النبي لا يجهل صفة من صفات الله تعالى، وهي قدرة الله تعالى عليه" (^٢).
القول الثالث: أن معنى قوله: (لئن قدر علي ربي) أي: قدَّر، من القدر الذي هو القضاء، وليس من باب القدرة في شيء.
ويكون المعنى على هذا: "لئن كان قد سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه ليعذبني الله على إجرامي وذنوبي عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين" (^٣).
وإلى هذا ذهب أبو يعلى وغيره (^٤) وجوَّزه ابن عبد البر (^٥).
واستشهدوا بقوله تعالى في قصة يونس: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فقالوا: إن معنى الآية: فظن أن لن نقَّدر عليه من العقوبة ما قَدَرنا، فقوله في الآية: ﴿نَقْدِرَ﴾ راجع إلى معنى التقدير لا إلى معنى القدرة.
_________________
(١) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ١٥٩).
(٢) إيضاح الدليل (٢٠٠).
(٣) التمهيد (١٨/ ٤٣).
(٤) انظر: مشكل الحديث لابن فورك (٣١٩ - ٣٢٠)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٩٣)، وكشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ١٥٧)، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ٧٥ - ٧٦)، وإيضاح الدليل لابن جماعة (٢٠٠)، وطرح التثريب (٢/ ٢٦٧).
(٥) انظر: التمهيد (١٨/ ٤٢ - ٤٣).
[ ٣١٦ ]
قال أبو يعلى: "وأما قوله: (لئن قدر علي ربي ليعذبني) فلا يمكن حمله على القدرة، لأن من توهم ذلك لم يكن مؤمنًا بالله -﷿- ولا عارفًا به، وإنما ذلك على معنى قوله تعالى في قصة يونس: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾، وذلك يرجع إلى معنى التقدير، لا إلى معنى القدرة، لأنه لا يصح أن يخفى على نبي معصوم ذلك
فعلى هذا يحمل قوله: (لئن قدر علي ربي ليعذبني) أي: إن كان قدر: أي حكم علي بالعقوبة فإنه يعاقبني دائمًا" (^١).
القول الرابع: أن هذا الرجل غلب عليه الخوف والجزع، فقال هذا الكلام وهو لا يدري ما يقول، فهو كالرجل الذي قال: (أللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) (^٢)، والله لا يؤاخذ إلا بما عقد عليه القلب، لا بما سها أو غلط به اللسان.
اختار هذا القول القرطبي (^٣) وابن حجر وغيرهما (^٤).
قال ابن حجر: "وأظهر الأقوال: أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه، حتى ذهب بعقله لما يقول، ولم يقله قاصدًا لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه" (^٥).
القول الخامس: أن هذا الرجل قد كفر بمقالته هذه، لكنه في زمن شرعهم فيه جواز العفو عن الكافر، وهذا بخلاف شريعتنا فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، ففي شريعتنا أن من مات كافرًا فإنه لا يغفر له (^٦).
_________________
(١) إبطال التأويلات (٢/ ٤١٨).
(٢) أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك -﵁- (١٧/ ٦٩) ح (٢٧٤٧).
(٣) انظر: المفهم (٧/ ٧٧، ٧٩).
(٤) انظر: كشف المشكل (٣/ ١٥٧)، والمفهم (٧/ ٧٦ - ٧٧)، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ٧٦)، وطرح التثريب (٢/ ٢٦٧).
(٥) فتح الباري (٦/ ٥٢٣).
(٦) انظر: كشف المشكل (٣/ ١٥٧)، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ٧٧)، وطرح التثريب (٢/ ٢٦٨).
[ ٣١٧ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم بالصواب- هو القول الأول، وهو أن هذا الرجل كان جاهلًا بقدرة الله تعالى عليه بعد حرقه وطحنه وتفرق أجزائه، فأوصى أن يفعل به ذلك، ظنًا منه أنه سيعجز الله تعالى بهذه الحيلة، وذلك لا يوجب كفره ولا خروجه من الإيمان، ولذلك غفر الله له لجهله وخشيته وخوفه.
ولا يعني هذا أنه كان جاهلًا بصفة القدرة مطلقًا -جملة وتفصيلًا- فهذا بعيد لدلالة الشرع والعقل عليها، فهو مؤمن بمطلق القدرة، لكنه جاهل بقدرة الله المطلقة، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه ما شاء كان، وأنه على كل شيء قدير، إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، ولذا لم يقل مثلًا: إذا مت فادفنوني، لأنه يعلم أن الله قادر عليه حينئذ.
ومثل هذا يقال في البعث، فهو لم ينكر البعث مطلقًا، وإنما شك في قدرة الله على بعثه وهو على هذه الحال، ولذا لم يترك أولاده بدون وصية، لأنه يعلم أن مصيره حينئذٍ إلى البعث والحساب، فهرب من هذا بهذه الوصية، خشية من الله تعالى.
والحاصل أن هذا الرجل عنده إيمان مجمل بقدرة الله تعالى، لكنه شك في بعض متعلقاتها لجهله بها، ومن أطلق القول بجهله -من أهل العلم- فهذا مراده، والله تعالى أعلم.
قال ابن تيمية: "هذا الرجل كان قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة ابن آدم بعد ما أحرق وذري، وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك.
[ ٣١٨ ]
وهذان أصلان عظيمان:
أحدهما: متعلق بالله تعالى، وهو "الإيمان بأنه على كل شيء قدير.
والثاني: متعلق باليوم الآخر، وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت، ويجزيه على أعماله، ومع هذا فلما كان مؤمنًا بالله في الجملة، ومؤمنًا باليوم الآخر في الجملة، وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت، وقد عمل عملًا صالحًا -وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه- غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح" (^١).
وقال ابن الوزير: "وأما جهله بقدرة الله على ما ظنه محالًا فلا يكون كفرًا، إلا لو علم أن الأنبياء جاءوا بذلك، وأنه ممكن مقدور، ثم كذبهم أو أحدًا منهم" (^٢).
وقال الدهلوي: "هذا الرجل استيقن بأن الله متصف بالقدرة التامة، لكن القدرة إنما هي في الممكنات، لا في الممتنعات، وكان يظن أن جمع الرماد المتفرق، نصفه في البر ونصفه في البحر ممتنع، فلم يجعل ذلك نقصًا، فأخذ بقدر ما عنده من العلم، ولم يعد كافرًا" (^٣).
ومما يدل على هذا القول:
١ - ظاهر الحديث، فنصه وسياقه ومقصوده ودلالة ألفاظه، كلها تشهد لهذا المعنى، وهذا بيِّنٌ ظاهر.
٢ - أن الحديث جاء في بعض طرقه -كما عند الإمام أحمد وغيره- أن هذا الرجل قال لبنيه: (ثم اذروني في البحر في يوم ريح لعلي أُضل الله) (^٤)، فقوله: (لعلي أُضل الله) يؤكد جهالة هذا الرجل، ومعنى هذه
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٩١).
(٢) إيثار الحق (٣٩٤).
(٣) حجة الله البالغة (١/ ١١٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣٣/ ٢١٦) ح (٣٠٠١٢)، و(٣٣/ ٢٢٧) ح (٢٠٠٢٤) من طريقين عن حماد بن سلمة عن أبي قزعة الباهلي عن حكيم بن =
[ ٣١٩ ]
اللفظة: لعلي أفوته وأضيعه فيخفى عليه مكاني، يقال: ضل الشيء إذا فات وذهب، ومنه قول الله -﷿-: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥٢]، أي: لا يفوته (^١).
٣ - قال ابن حزم مستدلًا على عدم كفر هذا الرجل لجهله، وعدم قيام الحجة عليه: "وبرهان ضروري لا خلاف فيه، وهو أن الأمة مجمعة كلها بلا خلاف من أحد منهم، وهو أن كل من بدل آية من القرآن عامدًا، وهو يدري أنها في المصاحف بخلاف ذلك، أو أسقط كلمة عمدًا كذلك، أو زاد فيها كلمة عامدًا، فإنه كافر بإجماع الأمة كلها، ثم إن المرء يخطئ في التلاوة، فيزيد كلمة وينقص أخرى، ويبدل كلامه، جاهلًا مقدرًا أنه مصيب، ويكابر في ذلك ويناظر قبل أن يتبين له الحق، ولا يكون بذلك عند أحد من الأمة كافرًا ولا فاسقًا ولا آثمًا، فَإذا وقف على المصاحف، أو أخبره بذلك من القراء من تقوم الحجة بخبره، فإن تمادى على خطئه فهو عند الأمة كلها كافر بذلك لا محالة، وهذا هو الحكم الجاري في جميع الديانة" (^٢).
٤ - جعل شيخ الإسلام ابن تيمية نظير هذا الحديث ما رواه مسلم في
_________________
(١) = معاوية، وحكم المحقق على إسناده بالحسن، وأخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٤٢٦) ح (١٠٧٣)، وفي الأوسط (٦/ ٢٧٥) ح (٦٤٠٢)، لكن بدون لفظة: (لعلي أُضل الله). وأخرجه الإمام أحمد (٣٣/ ٢٣٩) ح (٢٠٠٣٩)، و(٣٣/ ٢٤٣) ح (٢٠٤٤) من طريق بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده، وكذا الدارمي (٢/ ٣٣٠) لكن ليس فيه: (لعلي أضل الله)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ١٦٥) ح (١٣٥)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٤٢٣) ح (١٠٢٦)، و(١٠٢٧)، و(١٠٢٨)، و(١٠٢٩)، وأبو يعلى في إبطال التأويلات (٢/ ٤١٥).
(٢) انظر: أعلام الحديث (٣/ ١٥٦٥)، والمجموع المغيث (٢/ ٣٣٢)، والنهاية في غريب الحديث (٣/ ٩٨)، وجامع البيان للطبري (٨/ ٤٢٣)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٢٤٩).
(٣) الفصل (٢/ ٢٧٢).
[ ٣٢٠ ]
صحيحه عن عائشة -﵂-، قالت: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله -صلي الله عليه وسلم-؟ قلنا: بلى، قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي -صلي الله عليه وسلم- فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، واضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويدًا، وانتعل رويدًا، وفتح الباب رويدًا، فخرج ثم أجافه رويدًا، فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري، ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت، فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل، فقال: (ما لك يا عائش حشيا رابية؟) قالت: قلت: لا شيء، قال: (لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير)، قالت: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته، قال: (فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟)، قلت: نعم، فلهدني في صدري لهدة أوجعتني، ثم قال: (أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟) قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، نعم، قال: (فإن جبريل -﵇- أتاني حين رأيت فناداني، فأخفاه منك، فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك، وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم) قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: (قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنَّا إن شاء الله بكم للاحقون) (^١).
قال ابن تيمية تعليقًا على هذا الحديث: "فهذه عائشة أم المؤمنين: سألت النبي -صلي الله عليه وسلم-، هل يعلم الله كل ما يكتم الناس؟ فقال لها النبي -صلي الله عليه وسلم-: نعم (^٢)، وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن قبل معرفتها
_________________
(١) صحيح مسلم (٧/ ٤٥) ح (٩٧٤).
(٢) هكذا ذكر ابن تيمية الحديث، بجعله صريحًا في كون القائل: (نعم) هو الرسول -صلي الله عليه وسلم-، وقد عزاه إلى مسلم، واللفظ الذي في مسلم غير صريح بذلك بل =
[ ٣٢١ ]
بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة، وإن كان الإقرار بذلك بعد قيام الحجة من أصول الإيمان، وإنكار علمه بكل شيء كإنكار قدرته على كل شيء، هذا مع أنها كانت ممن يستحق اللوم على الذنب، ولهذا لهزها النبي -صلي الله عليه وسلم- وقال: (أتخافين أن يحيف الله عليك ورسوله)، وهذا الأصل مبسوط في غير هذا الموضع، فقد تبين أن هذا القول كفر ولكن تكفير قائله لا يحكم به حتى يكون قد بلغه من العلم ما تقوم به عليه الحجة التي يكفر تاركها" (^١).
وأما قول الرجل: (فإني لم أعمل خيرًا قط)، وعند مسلم من حديث أبي هريرة -﵁-: (لم يعمل حسنة قط)، فإنه وإن كان ظاهره أنه لم يكن موحدًا، لأن التوحيد أعظم الخير، لكن ليس هذا مراده، وإنما مراده أنه كان مسرفًا على نفسه بالمعاصي، مقصرًا في طاعة الله تعالى، يدل على
_________________
(١) = هو محتمل، كما أوردته، ولذا ذهب النووي إلى أن القائل: (نعم) هو عائشة -﵂-، فقال في شرحه على مسلم (٧/ ٤٩): "قوله: (قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله نعم) هكذا هو في الأصول، وهو صحيح، وكأنها لما قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، صدقت نفسها فقالت: نعم". ولكن جاء هذا اللفظ - (نعم) - صريحًا من قول النبي -صلي الله عليه وسلم- عند النسائي (٢/ ٤٦٦) ح (٢١٧٥)، و(٨/ ١٥٨ - ١٥٩) ح (٨٨٦١، ٨٨٦٢)، والإمام أحمد (٤٣/ ٤٣) ح (٢٥٨٥٥)، وهذا يعضد ما ذهب إليه ابن تيمية -﵀-.
(٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٤١١ - ٤١٣). وجعل بعضهم قول الحواريين لعيسى -﵇-: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ من هذا الباب، فهم شاكون في قدرة الله، لأنهم قالوا بعد ذلك: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [انظر: تفسير الطبري (١٣٠ - ١٣١)، ومجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٦)]. وَرُدَّ هذا بأن الحواريين لم يكونوا شاكين في أن الله يستطيع ذلك، وإنما أرادوا بقولهم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ أي: هل يفعل، وهذا معروف مألوف في كلام العرب، كما يقول الرجل للرجل: هل تقدر أن تفعل كذا؟ أي: هل تفعله؟ والله أعلم [انظر: تفسير الطبري (٥/ ١٢٩ - ١٣٠)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٣٧٤)، وتفسير السعدي (٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤)].
[ ٣٢٢ ]
ذلك أنه جاء في إحدى روايات الحديث: (كان رجل يسرف على نفسه ).
وجاء عند الإمام أحمد ما يرفع هذا الإشكال، حيث جاء الحديث -من طريق عبد الله بن مسعود- بلفظ: (أن رجلًا لم يعمل من الخير شيئًا قط إلا التوحيد، فلما حضرته الوفاة ) (^١).
قال ابن عبد البر: "وهذه اللفظة إن صحت رفعت الإشكال في إيمان هذا الرجل، وإن لم تصح من جهة النقل فهي صحيحة من جهة المعنى، والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها، لأنه محال غير جائز أن يغفر للذين يموتون وهم كفار، لأن الله -﷿- قد أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به، لمن مات كافرًا، وهذا ما لا مدفع له، ولا خلاف فيه بين أهل القبلة"، ثم قال عن رواية: (لم أعمل خيرًا قط): "هذا سائغ في لسان العرب، جائز في لغتها: أن يؤتى بلفظ الكل، والمراد البعض" (^٢).
والحديث بلفظه الذي بين أيدينا يدل على إسلام الرجل وتدينه من وجهين (^٣):
أحدهما: إخباره أنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالى، والكافر لا يخشى الله تعالى.
قال ابن عبد البر: "الدليل على أن الرجل كان مؤمنًا: قوله حين قيل له: لِمَ فعلت هذا؟ فقال: من خشيتك يا رب، والخشية لا تكون إلا لمؤمن مصدق، بل ما تكاد تكون إلا لمؤمن عالم، كما قال الله -﷿-: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] " (^٤).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد موقوفًا على ابن مسعود (٥/ ٢٩٦) ح (٣٧٨٥)، وحسن إسناده الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٩٤)، وقال أحمد شاكر: "إسناده صحيح".
(٢) التمهيد (١٨/ ٤٠).
(٣) انظر: طرح التثريب (٣/ ٢٦٧)، والمفهم (٧/ ٧٤)، وشرح كتاب التوحيد للغنيمان (٢/ ٣٩١ - ٣٩٢).
(٤) التمهيد (١٨/ ٤٠).
[ ٣٢٣ ]
والثاني: إخباره ﵊ بأن الله قد غفر له، والكافر لا يغفر له.
وهذا الحديث أيضًا يدل على أصلين عظيمين، بمعرفتهما يزول الإشكال، وهما:
الأصل الأول: العذر بالجهل، فمن جهل صفة من صفات الله تعالى، ومثله يمكن أن يجهلها، فأنكرها أو شك فيها، فإنه لا يحكم بكفره لمجرد ذلك حتى تقام عليه الحجة.
قال الشافعي: "لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه أمته، لا يسع أحدًا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها، لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله ﵌ القول بها، فيما روى عنه العدول، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالروية والقلب، ولا نكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها" (^١).
وقال ابن قتيبة: "وقد يغلط في صفات الله تعالى قوم من المسلمين، ولا يحكم عليهم بالنار، بل ترجأ أمورهم إلى من هو أعلم بهم وبنياتهم" (^٢).
وقال ابن عبد البر: "وأما جهل هذا الرجل المذكور في هذا الحديث بصفة من صفات الله في علمه وقدره، فليس ذلك بمخرجه من الإيمان، ألا ترى أن عمر بن الخطاب، وعمران بن حصين، وجماعة من الصحابة، سألوا رسول الله -صلي الله عليه وسلم- عن القدر، ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم
_________________
(١) اجتماع الجيوش الإسلامية (١٦٥)، وانظر: فتح الباري (١٣/ ٤٠٧)، وأورد أوله، الذهبي في العلو (١٦٦)، وذكره بتمامه الألباني في مختصر العلو (١٧٧).
(٢) تأويل مختلف الحديث (١١٢).
[ ٣٢٤ ]
جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين، أو يكونوا في حين سؤالهم عنه غير مؤمنين" (^١).
وقال ابن تيمية: "وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما يبعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة، فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول وقد دل على هذا الأصل ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال " (^٢)، فذكر حديث الرجل الذي أوصى أولاده بإحراقه.
وقال أيضًا: "الصواب أن الجهل ببعض أسماء الله وصفاته لا يكون صاحبه كافرًا، إذا كان مقرًا بما جاء به الرسول -صلي الله عليه وسلم-، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يقتضي كفره إذا لم يعلمه، كحديث الذي أمر أهله بتحريقه ثم تذريته" (^٣).
وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: "إذا فعل الإنسان الذي يؤمن بالله ورسوله ما يكون فعله كفرًا أو قوله كفرًا أو اعتقاده كفرًا، جهلًا منه بما بعث الله به رسوله -ﷺ-، فهذا لا يكون عندنا كافرًا، ولا نحكم عليه بالكفر حتى تقوم الحجة الرسالية التي يكفر من خالفها، فإذا قامت عليه الحجة، وبين له ما جاء به الرسول -صلي الله عليه وسلم-، وأصر على فعل ذلك بعد قيام الحجة، فهذا هو الذي يكفر، وذلك لأن الكفر إنما يكون بمخالفة كتاب الله
_________________
(١) التمهيد (١٨/ ٤٦).
(٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٠٧ - ٤٠٨).
(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٣٨)، وانظر: (٣/ ٢٣١)، و(١٢/ ٤٩٣)، و(٣٥/ ١٦٥ - ١٦٦)، وبغية المرتاد (٣١١)، وإيثار الحق لابن الوزير (٣٩٣)، وما بعدها.
[ ٣٢٥ ]
وسنة رسوله، وهذا مجمع عليه بين العلماء في الجملة" (^١).
وأما الأصل الثاني: فهو التفريق بين التكفير المطلق والتكفير المعين، فالشك في قدرة الله تعالى أو المعاد كفر لا ريب فيه، لكن لا يوجه إلى شخص معين حتى تقام عليه الحجة، فتتوفر فيه الشروط وتنتفي عنه الموانع، فهذا الرجل مع شكه في القدرة والمعاد لم يحكم بكفره، لوجود ما يمنع من ذلك، وهو الجهل.
قال ابن تيمية: "التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق، لا يستلزم تكفير الشخص المعيَّن حتى تقوم عليه الحجة التي تُكفِّر تاركها" (^٢).
وقال أيضًا: "التكفير حق لله، فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله، وأيضًا: فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل من جهل شيئًا من الدين يُكفر" (^٣)، ثم استشهد -﵀- بحديث الرجل الذي أوصى بتحريقه.
وقال أيضًا: "ليس لأحد أن يُكَفِّر أحدًا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتُبَيَّن له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة" (^٤).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "الواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين:
١ - دلالة الكتاب والسنة على أن هذا مكفر لئلا يفتري على الله الكذب.
٢ - انطباق الحكم على الشخص المعين، بحيث تتم شروط التكفير في حقه وتنتفي عنه الموانع" (^٥).
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (١/ ٢٤٨).
(٢) الاستقامة (١/ ١٦٤).
(٣) الاستغاثة في الرد على البكري (١/ ٣٨١).
(٤) مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٠١)، وانظر: (٣/ ٢٢٩)، و(١٢/ ٤٨٧ - ٤٨٨)، و(٣٥/ ١٦٥)، وبغية المرتاد (٣١١)، والمستدرك على مجموع الفتاوى (١/ ١٣٩).
(٥) مجموع فتاوى ابن عثيمين (٢/ ١٣٤).
[ ٣٢٦ ]
مناقشة الأقوال المرجوحة:
الحق أن ما ذكر من الأقوال الأخرى في توجيه الحديث -غير القول الأول- بعيدة عن مقصوده، ولا يدل عليها ظاهره، وبيان ذلك كما يلي:
أما القول الثاني والثالث وهما: حمل قوله: (لئن قدر علي ربي) على معنى: التضييق، أو القضاء والقدر، فمردود من عدة وجوه:
الأول: أن تقدير الكلام على المعنى الأول: (لئن ضيق علي ربي ليعذبني) وهذا لا يستقيم، لأن التضييق نوع من العذاب، فيرجع تقدير الكلام: (لئن عذبني ليعذبني) فيتحد الشرط والجزاء، وهذا خطأ ظاهر (^١).
وتقدير الكلام على المعنى الثاني: (لئن قضى علي ربي بالعذاب ليعذبني)، وهذا لا فائدة فيه، لأنه قد مضى وتقرر عليه ما ينفعه وما يضره، فهو تحصيل حاصل (^٢).
الوجه الثاني: أنه لو كان المراد: التقدير أو التضييق، لم يكن ما فعله مانعًا من ذلك في ظنه، وعلى هذا يكون أمره لأهله بإحراقه ثم ذره لا معنى له.
الوجه الثالث: أن قوله: (فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني) جاء مقترنًا بحرف الفاء، عقب قوله: (إذا أنا مت فأحرقوني) مما يدل على أنه سبب له، وأنه فعل ذلك لئلا يقدر الله عليه، وهذا بيِّن لمن تأمله، بخلاف معنى التضييق أو التقدير، ولو كان مقرًا بقدرة الله عليه إذا فعل ذلك، كقدرته عليه إذا لم يفعل، لم يكن في ذلك فائدة له (^٣).
قال ابن حزم: "قال بعض من حرَّف الكلم عن مواضعه إن معنى: لئن قدر الله علي، إنما هو: لئن ضيق الله علي، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦].
_________________
(١) انظر: الفصل لابن حزم (٢/ ٢٧٢)، ومجموع الفتاوى (١١/ ٤١٠)، ومشكلات الأحاديث النبوية (١٤٣).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤١١).
(٣) انظر: المرجع السابق (١١/ ٤١٠ - ٤١١)، وبغية المرتاد (٣١٠).
[ ٣٢٧ ]
قال أبو محمد: وهذا تأويل باطل لا يمكن، لأنه كان يكون معناه حينئذ: لئن ضيق الله علي ليضيقن علي، وأيضًا فلو كان هذا لما كان لأمره بأن يحرق ويذرَّ رماده معنى، ولا شك في أنه إنما أمر بذلك ليفلت من عذاب الله تعالى" (^١).
وأما القول الرابع: وهو أن هذا الرجل قد غلب عليه الخوف والجزع، فكان لا يعقل ما يقول، وأخطأ من شدة الخوف كما أخطأ صاحب الناقة من شدة الفرح، فقول ضعيف من وجهين (^٢):
الأول: أنه لو كان غير مدرك ولا عاقل لما يقول، لفهم أولاده ذلك، ولما نفذوا هذه الوصية.
والثاني: أن تشبيه حال هذا الرجل بحال صاحب الناقة الذي أخطأ من شدة الفرح، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، تشبيه بعيد، لأن صاحب الناقة إنما سبق لسانه بالخطأ لشدة الفرح، واللسان يسبق في مثل هذه الأحوال، وأما الآخر فإنه أمر أهله بأوامر مرتبة تدل على اعتقاده أن ذلك ينجيه، فهو يعي ما يقول.
وأما القول الخامس: وهو أن هذا الرجل قد كفر بمقالته هذه، لكنه على شريعة فيها جواز المغفرة للكافر، فقول لا يلتفت إليه، لأنه لا خلاف بين أهل القبلة في عدم المغفرة لمن مات كافرًا (^٣)، ثم من أين لنا العلم أن هذا كان في شريعتهم، إلا محض التخرص والتوهم؟ ! ولهذا قال الحافظ ابن حجر: "وأبعد الأقوال: قول من قال: إنه كان في شرعهم جواز المغفرة للكافر" (^٤).
_________________
(١) الفصل (٢/ ٢٧٢).
(٢) انظر: نواقض الإيمان الاعتقادية للدكتور محمد الوهيبي (١/ ٢٣٠)، وسعة رحمة رب العالمين، إعداد الغباشي (٣٨ - ٣٩).
(٣) انظر: التمهيد (١٨/ ٤٠).
(٤) فتح الباري (٦/ ٥٢٣)، وانظر: مشكلات الأحاديث النبوية (١٤٢).
[ ٣٢٨ ]
الفصل الثانى: الأحاديث المتوهم إشكالها في القدر
وفيه ثلاثة مباحث:
* المبحث الأول: (حج آدم موسى).
* المبحث الثاني: (خلق الله التربة يوم السبت).
* المبحث الثالث: (لن يُدخل أحدَكم عملُه الجنة).
[ ٣٢٩ ]
المبحث الأول: (حج آدم موسى)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٣٣١ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
روى البخاري ومسلم عليهما رحمة الله حديث المُحَاجَّة بين آدم وموسى -﵇- من عدة طرق عن أبي هريرة -﵁-، وكلها بألفاظ متقاربة تدل على معنى واحد، ما عدا طريق واحد فقد جاء مخالفًا في معناه للطرق الأخرى، وإليك البيان:
أ- أما اللفظ الأول، والذي جاءت به جميع الطرق ماعدا واحدًا منها، فهو: أن موسى -﵇- لام آدم -﵇- على الإخراج من الجنة، فاحتج عليه آدم بأن ذلك مقدر عليه قبل أن يخلق بأربعين سنةً، وإليك طرقه وألفاظه:
١ - طريق حميد بن عبد الرحمن، ولفظه: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (احتج آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، ثم تلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق)، فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (فحجَّ آدم موسى) مرتين (^١).
٢ - طريق محمد بن سيرين، ولفظه: عن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: (التقى آدم وموسى (^٢)، فقال موسى لآدم: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من
_________________
(١) متفق عليه: البخاري في موضعين: في كتاب الأنبياء، باب: وفاة موسى وذكره بعد (٣/ ١٢٥١) ح (٣٢٢٨)، وفي كتاب التوحيد، باب: قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٦/ ٢٧٣٠) ح (٧٠٧٧). ومسلم: كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى -﵇- (١٦/ ٤٤١) ح (٢٦٥٢).
(٢) اختلف أهل العلم في وقت هذه المحاجة وهذا الالتقاء بين آدم وموسى -﵇-، فذكروا فيها عدة أقوال، منها:
[ ٣٣٢ ]
الجنة، قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فوجدتها كتب علي قبل أن يخلقني؟ قال: نعم، فحج آدم موسى) (^١).
٣ - طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، ولفظه: عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (حاجَّ موسى آدم فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم، قال: قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني، أو قدره علي
_________________
(١) = - أن ذلك كان في زمان موسى -﵇-، حيث أحيا الله آدم معجزة له فكلمه. - وقيل: بل كشف الله لموسى -﵇- عن قبر آدم -﵇- فكلمه. - وقيل: إن ذلك لم يقع بعد، وإنما يقع في الآخرة، وأخبر عنه النبي -صلي الله عليه وسلم- بلفظ الماضي لتحقق وقوعه. [انظر: التمهيد (١٨/ ١٦)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين (٣/ ٣٨٢)، والمفهم (٦/ ٦٦٥)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٣٩)، وفتح الباري (١١/ ٥٠٦)، وطرح التثريب (٨/ ٢٤٧)] وكلها اجتهادات لا دليل عليها، إذ لم يرد في أي من طرق هذا الحديث تحديد وقتها ولا مكانها ولا كيفيتها، وعلى هذا فالواجب الوقوف عند حدود ما ورد، والله أعلم. قال ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٦): "ذلك عندي لا يحتمل تكييفًا، وإنما فيه التسليم، لأنا لم نؤتَ من جنس هذا العلم إلا قليلًا". وقال ابن الجوزي في كشف المشكل (٣/ ٣٨٢ - ٣٨٣): "فإن قال قائل: كيف اجتمعا ومتى اجتمعا؟ فالجواب: أنه يجب الإيمان بكل ما نخبر به عن الصادق المصدوق وإن لم نطلع على كيفيته وليس هذا بأول خبر يجب علينا الإيمان به وإن جهلنا معناه ومتى ضاقت الحيل في كشف المشكلات للإحساس لم يبقَ إلا فرض التسليم" قلت: المعنى واضح غير مجهول، وإنما المجهول الكيفية، وهذا مراد ابن الجوزي في قوله: "وإن جهلنا معناه" أي: كيفيته كما قد صرح به في أول هذا النقل، والله أعلم.
(٢) متفق عليه: البخاري: كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ (٤/ ١٧٦٤) ح (٤٤٥٩)، ومسلم: كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى -﵇- (١٦/ ٤٤٢) ح (٢٦٥٢).
[ ٣٣٣ ]
قبل أن يخلقني) قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (فحج آدم موسى) (^١).
٤ - طريق طاووس، ولفظه: عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (احتج آدم وموسى فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا (^٢) وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده: أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنةً (^٣)؟ فحج آدم موسى،
_________________
(١) متفق عليه: البخاري: كتاب التفسير، باب: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ (٤/ ١٧٦٤) ح (٤٤٦١)، ومسلم: كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى -﵇- (١٦/ ٤٤١) ح (٢٦٥٢).
(٢) أي: كنت سببًا في حرماننا. انظر: الفتح (١١/ ٥٠٨).
(٣) اختلف أهل العلم في وقت هذه الكتابة، لأنه قد ثبت في صحيح مسلم (١٦/ ٤٤٢) ح (٢٦٥٣) أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء). - فذهب ابن الجوزي إلى أن المعلومات كلها قد أحاط بها علم الله القديم قبل وجود المخلوقات كلها، ولكن كتابتها وقعت في أوقات متفاوتة، فيجوز أن تكون قصة آدم بخصوصها كتبت قبل خلفه بأربعين سنة، ويجوز أن تكون هذه المدة -الأربعون سنةً- هي مدة لبثه طينًا إلى أن نفخت فيه الروح، فإنه قد رُوي أن ما بين تصويره ونفخ الروح فيه كان مدة أربعين سنة، ولا يخالف ذلك كتابة المقادير عمومًا قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. [انظر: كشف المشكل (٣/ ٣٨٣)، وفتح الباري (١١/ ٥٠٨)]. وقال ابن القيم في شفاء العليل (١/ ٤٦): "هذا التقدير بعد التقدير الأول السابق بخلق السموات بخمسين ألف سنة"، يعني: وهو داخل في التقدير الأول لم يخرج عنه. [انظر: شفاء العليل (١/ ٧٣)]. - وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالأربعين سنة، ما بين قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إلى نفخ الروح في آدم. [انظر: فتح الباري (١١/ ٥٠٨)، ومعالم السنن للخطابي (٤/ ٢٩٧)]. - وقال المازري: الأشبه أنه أراد بقوله: (قبل أن يخلقني بأربعين سنة) أي: كتبه في التوراة، ألا تراه يقول في بعض طرقه: (فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عامًا، قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾؟ قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت عملًا كتبه الله علي أن أعمله =
[ ٣٣٤ ]
فحج آدم موسى) ثلاثًا (^١).
٥ - طريق همام بن منبه، أخرجه مسلم وقال: بمعنى حديثهم (^٢) أي: بمعنى الأحاديث السابقة.
٦ - طريق عبد الرحمن بن الأعرج، ولفظه: أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: (تحاج آدم وموسى، فحج آدم موسى، فقال: له موسى: أنت آدم الذي أغويت (^٣) الناس وأخرجتهم من الجنة، فقال آدم: أنت الذي أعطاه الله
_________________
(١) = قبل أن يخلقني بأربعين سنة). [انظر: المعلم (٣/ ١٧٨)، وفتح الباري (١١/ ٥٠٩)] وإلى هذا ذهب ابن مفلح -﵀- حيث قال في الآداب الشرعيه (١/ ٢٧٧): "هذه الكتابة في التوراة، كصريح هذه الرواية، لأن علم الله -﷿- وما قدره وأراده قديم". - وقيل غير ذلك. [انظر: شرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٤٠ - ٤٤١)، وفتح الباري (١١/ ٥٠٨ - ٥٠٩)]. والذي تدل عليه روايات الحديث: - أن التوراة كتبت قبل خلق آدم بأربعين سنة، وفيها ذكر معصية آدم. - أن المعصية كتبت قبل خلق آدم بأربعين سنة، وعليه تكون هذه الكتابة كتابة ثانية. - إذ أنها داخلة في كتابة المقادير قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كما في الحديث المتقدم -فهي من جنس كتابة الملَك ما يتعلق بالجنين، من عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، كما في حديث ابن مسعود -﵁-، أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملَكًا فيؤمر بأربع كلمات، وُيقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم يُنفخ فيه الروح). متفق عليه: البخاري (٣/ ١١٧٤) ح (٣٠٣٦)، ومسلم (١٦/ ٤٢٩) ح (٢٦٤٣).
(٢) متفق عليه: البخاري: كتاب القدر، باب: تحاج آدم وموسى عند الله (٦/ ٢٤٣٩) ح (٦٢٤٠). ومسلم: كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى -﵇- (١٦/ ٤٣٩) ح (٢٦٥٢).
(٣) صحيح مسلم: كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى -﵈- (١٦/ ٤٤٢) ح (٢٦٥٢).
(٤) أي: "كنت سببًا لغواية من غوى منهم، وهو سبب بعيد، إذ لو لم يقع الأكل من الشجرة، لم يقع الإخراج من الجنة، ولو لم يقع الإخراج، ما تسلط عليهم =
[ ٣٣٥ ]
علم كل شيء واصطفاه على الناس برسالته؟ قال: نعم، قال: فتلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق) (^١).
ب- وأما اللفظ الثاني: ففيه أن موسى -﵇- لام آدم -﵇-، على الإهباط إلى الأرض، فاحتج عليه آدم بأن معصيته مكتوبة عليه قبل أن يخلق بأربعين سنة.
وهذا اللفظ تفرد به مسلم عن يزيد بن هرمز وعبد الرحمن بن الأعرج -علمًا أنه قد جاء عن ابن الأعرج ما يوافق اللفظ الأول، كما تقدم- ونص هذا اللفظ كما عند مسلم: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (احتج آدم وموسى -﵈- عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض، فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيًا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عامًا، قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؟ قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت عملًا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنةً)، قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (فحج آدم موسى) (^٢).
_________________
(١) = الشهوات والشيطان المسبب عنهما الإغواء، والغي ضد الرشد وهو الانهماك في غير الطاعة" فتح الباري (١١/ ٥٠٧).
(٢) متفق عليه: البخاري تعليقًا: كتاب القدر، باب: تحاج آدم وموسى عند الله (٦/ ٢٤٣٩) ح (٦٢٤٠). ومسلم -واللفظ له-: كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى -﵇- (١٦/ ٤٤٠) ح (٢٦٥٢).
(٣) صحيح مسلم: كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى -﵈- (١٦/ ٤٤٠) ح (٢٦٥٢). - وجاء هذا اللفظ من هذه الطريق عند عبد الله بن وهب في كتاب القدر (٥٣، ٥٤) ح (١، ٢). - وجاء هذا اللفظ أيضًا من طريق همام بن منبه كما عند الإمام أحمد في مسنده =
[ ٣٣٦ ]
بيان وجه الإشكال
أشكل هذا الحديث على كثير من الناس، حيث إن ظاهره قد يوهم أن المحاجة بين آدم وموسى -﵈- كانت متوجهة إلى المعصية (^١)، ولما كانت الحجة لآدم -﵇- فقد يفهم البعض -بناءً على هذا الوهم- جواز الاحتجاج بالقدر على فعل المعصية، ولذا فقد تباينت الآراء في توجيه هذا الحديث، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قال ابن تيمية عن هذا الحديث: "لما توهم من توهم أن ظاهره: أن المذنب يحتج بالقدر على من لامه على الذنب، اضطربوا فيه: فكذَّب به طائفة من القدرية (^٢)
_________________
(١) = (١٦/ ٥٦) ح (٨١٤٣)، وحكم عليه أحمد شاكر بالصحة. - وجاء أيضًا من طريق أبي صالح، كما عند الترمذي (تحفه ٦/ ٣٣٦) ح (٢٢١٧)، وحكم الألباني عليه بالصحة، كما في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٢٢٣) ح (١٧٣٣)، وكذا عند ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٦٤)، وقال الألباني: "إسناده صحيح". - وجاء أيضًا من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، كما عند الفريابي في كتاب القدر (٩٣، ٩٤) ح (١١٣، ١١٤)، وابن منده في الرد على الجهمية (٧١)، وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٧، ١٢). - وجاء أيضًا من طريق حميد بن عبد الرحمن، كما عند اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٦٤٢).
(٢) انظر: الروض الباسم لابن الوزير (٢/ ٤٦٥).
(٣) القدرية: تنقسم القدرية النفاة إلى فرقتين:
(٤) القدرية الأولى أو الغلاة: وهم الذين ينكرون سبق علم الله بالأشياء قبل وجودها، ويزعمون أن الله لم يقدر الأمور أزلًا ولم يتقدم علمه بها وإنما يأتنفها علمًا حال وقوعها.
(٥) الفرقة الثانية: وهم الذين يقرون بتقدم علم الله تعالى لأفعال العباد قبل وقوعها، لكنهم خالفوا السلف في زعمهم أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله تعالى ولا مقدورة له، وأن العباد هم الموجدون والخالقون لأعمالهم وأفعالهم على جهة الاستقلال، وهذا المذهب هو الغالب عليهم الآن. وأول من أظهر بدعة القدر -كما يرجحه كثير من المحققين- معبد الجهني، ثم =
[ ٣٣٧ ]
كالجبائي (^١)، وتأوله طائفة من أهل السنة تأويلات ضعيفة، قصدًا لتصحيح الحديث، ومقصودهم صحيح، لكن طريقهم في رد قول القدرية وتفسير الحديث ضعيفة" (^٢).
وقال ابن كثير: "احتج به قوم من الجبرية (^٣)، وهو ظاهر لهم بادئ الرأي" (^٤).
_________________
(١) = بعد ذلك ظهرت المعتزلة فتبنت هذه البدعة ونشرتها، وإن كانت لم تأخذ هذه البدعة بكاملها لأنها آمنت بعلم الله المتقدم وكتابته السابقة. [انظر: مسلم بشرح النووي (١/ ٢٦٩، ٢٥٩)، والفرق بين الفرق (٢٥)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٤٢٩، ٤٥٠)، ولوامع الأنوار (١/ ٣٠٠ - ٣٠١)].
(٢) هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب البصري، شيخ المعتزلة وكبيرهم، وأبو شيخ المعتزلة أبي هاشم، له في مذهب الاعتزال مقالات مشهورة، وقد أخذ عنه أبو الحسن الأشعري علم الكلام، ثم خالفه ونابذه وتسنن، وللجبائي مصنفات عديدة في الاعتزال منها: الأصول، والتعديل والتجويز، والأسماء والصفات، توفي بالبصرة سنة (٣٠٣). [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ٩٧)، والسير (١٤/ ١٨٣)، والعبر (١/ ٤٤٥)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٤١)].
(٣) درء التعارض (٨/ ٤١٨).
(٤) الجبرية: سُموا بذلك نسبة إلى الجبر، وهو نفي الفعل حقيقة عن العبد، وإضافته إلى الرب، فالجبرية تعتقد أن الفاعل حقيقة هو الله تعالى، والناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على سبيل المجاز، كما يقال: تحركت الشجرة، ودارت الرحى، وزالت الشمس، دون أن يكون لها مشيئة أو اختيار، وهكذا الخلق، فإن الله تعالى هو الذي جبرهم على الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، فهم كالريشة في مهب الريح، مجبورون على أفعالهم، لا قدرة لهم ولا اختيار، والذي يمثل هذا المذهب غلاة المرجئة كالجهمية ومن نحا نحوهم من الصوفية وغيرهم، وهم أصناف: فمنهم الجبرية الخالصة، وهم الذين لا يثبتون للعبد فعلًا ولا قدرة على الفعل أصلًا، ومنهم الجبرية الذين يثبتون للعبد قدرة غير مؤثرة أصلًا [انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٨)، والملل والنحل (١/ ٨٥)، والفرق بين الفرق (١٩٤، ٢٩٧ - ٢٩٨)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي (١٠٣)، والبرهان للسكسكي (٤٢ - ٤٣)].
(٥) البداية والنهاية (١/ ٧٨)، وانظر ما نقله ابن حجر عن ابن عبد البر في: فتح الباري (١١/ ٥٠٩).
[ ٣٣٨ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
للناس مع هذا الحديث موقفان:
الموقف الأول: من فهم منه جواز الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، وهؤلاء هم القدرية من المعتزلة (^١) ومن نحا نحوهم، وكذا الجبرية من الجهمية ومن وافقهم، وقد نتج عن هذا الفهم رأيان فاسدان:
أحدهما: ردُّه وإنكاره وتكذيبه كما فعل أبو علي الجبائي وغيره من المعتزلة القدرية ومن وافقهم، قالوا: لو صح هذا الحديث لبطلت نبوات الأنبياء، فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، وارتفع الذم والعقاب عمن عصى الله تعالى (^٢).
_________________
(١) المعتزلة: فرقة من الفرق الضالة، من رؤوسها ومؤسسيها واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، تعتقد نفي صفات الله تعالى الأزلية وعدم إثباتها، وأن صاحب الكبيرة في الدنيا في منزلة بين المنزلتين وفي الآخرة خالد مخلد في النار، وفي باب القدر تعتقد مذهب القدرية النفاة، أي أن الله غير خالق لأفعال العباد وأن العباد هم الخالقون لها على جهة الاستقلال. قيل في سبب تسميتهم بالمعتزلة: إن واصل بن عطاء كان من منتابي مجلس الحسن البصري، فلما قال بالمنزلة بين المنزلتين علم بذلك الحسن البصري فطرده عن مجلسه، فاعتزل عند سارية من سواري المسجد وانضم إليه قرينه في الضلالة عمرو بن عبيد، فقال الناس يومئذ فيهما: إنهما قد اعتزلا قول الأمة، وسمي أتباعهما من يومئذ: معتزلة. [انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢٩٨، ٢٣٥)، والفرق بين الفرق (١١٢ - ١١٦)، والإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد للجويني (٧٩)، والملل والنحل (١/ ٤٣ - ٤٦)].
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٤)، ودرء التعارض (٨/ ٤١٨)، ومنهاج السنة =
[ ٣٣٩ ]
والثاني: قبوله والاحتجاج به على فعل المعاصي، فكلما عملوا معصية احتجوا بالقدر، فجعلوا هذا الحديث عمدة لهم في سقوط الملام عن المخالفين لأمر الله تعالى ورسوله -ﷺ-، وإلى هذا ذهبت الجبرية ومن نحا نحوهم من الصوفية وغيرهم (^١).
وأما الموقف الثاني: فهو القطع بعدم جواز الاحتجاج به على فعل المعاصي، وإلى هذا ذهب علماء أهل السنة والجماعة، ولكنهم اختلفوا في تفسير هذا الحديث -بعد قبوله والإيمان به- على عدة أقوال، منها:
القول الأول: أن موسى -﵇- لام آدم -﵇- على المصيبة التي حصلت له وذريته، وهي الإخراج من الجنة والنزول إلى الأرض دار الابتلاء والمحنة، وذلك بسبب فعله وخطيئته، ولذا قال: (أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم)، وذكر الذنب تنبيهًا على سبب المصيبة والمحنة التي نالت الذرية، فاحتج عليه آدم بالقدر على المصيبة، والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب، أي: أتلومني على مصيبة قدرت عليَّ وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة؟ .
وإلى هذا ذهب ابن تيمية، وابن القيم (^٢)، وابن كثير (^٣)، وابن أبي العز (^٤)، وابن رجب، وابن عثيمين (^٥)، وغيرهم، عليهم رحمة الله.
_________________
(١) = (٣/ ٧٩)، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٩٨)، وشفاء العليل (١/ ٤٦)، والبداية والنهاية (١/ ٧٨)، وشرح العقيدة الطحاوية (١٣٦)، وفتح الباري (١١/ ٥١٠).
(٢) انظر: منهاج السنة (٣/ ٥٨)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٥)، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٩٨)، وشفاء العليل (١/ ٤٩ - ٥٠)، والبداية والنهاية (١/ ٧٨).
(٣) انظر: شفاء العليل (١/ ٥٦).
(٤) انظر: البداية والنهاية (١/ ٧٨ - ٧٩).
(٥) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (١٣٥ - ١٣٦).
(٦) انظر: تقريب التدمرية (١٠١ - ١٠٢).
[ ٣٤٠ ]
قال ابن تيمية: "فآدم -﵇- إنما حج موسى لأن موسى لامه على ما فعل لأجل ما حصل لهم من المصيبة، بسبب أكله من الشجرة، لم يكن لومه له لأجل حق الله في الذنب، فإن آدم كان قد تاب من الذنب كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢٢]، وموسى -ومن هو دون موسى- -﵇- يعلم أنه بعد التوبة والمغفرة لا يبقى ملام على الذنب، وآدم أعلم بالله من أن يحتج بالقدر على الذنب، وموسى -﵇- أعلم بالله تعالى من أن يقبل هذه الحجة، فإن هذه لو كانت حجة على الذنب لكانت حجة لإبليس عدو آدم، وحجة لفرعون عدو موسى، وحجة لكل كافر وفاجر، وبطل أمر الله ونهيه، بل إنما كان القدر حجة لآدم على موسى لأنه لام غيره لأجل المصيبة التي حصلت له بفعل ذلك، وتلك المصيبة كانت مكتوبة عليه، وقد قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] " (^١).
وقال ابن رجب: "لما التقى آدم وموسى -﵈-، عاتب موسى آدم على إخراجه نفسه وذريته من الجنة، فاحتج آدم بالقدر السابق، والاحتجاج بالقدر على المصائب حسن، كما قال -ﷺ-: (إن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل) (^٢) " (^٣).
القول الثاني: أن موسى -﵇- لام آدم -﵇- على المعصية لكونها سبب المصيبة، لا لكونها معصية، فاحتج آدم بالقدر على المعصية لكونه قد تاب
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٠٨)، وانظر: (٨/ ١٧٨، ٣١٩)، ودرء التعارض (٨/ ٤١٩)، واقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٥٧ - ٨٥٨)، والتدمرية (٢٣٠ - ٢٣١)، ومنهاج السنة (٣/ ٧٨، ٨٠ - ٨١)، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٩٨ - ٩٩).
(٢) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (١٦/ ٤٥٥) ح (٢٦٦٤).
(٣) لطائف المعارف (٦٢).
[ ٣٤١ ]
منها، والاحتجاج بالقدر على المعصية بعد وقوعها والتوبة منها وترك معاودتها لا محذور فيه.
وهذا القول جواب آخر لابن القيم على هذا الحديث، وكذا الشيخ ابن عثيمين (^١)، وبه قال ابن الوزير وعزاه لأهل السنة (^٢).
قال ابن القيم: "وقد يتوجه جواب آخر، وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ويضر في موضع، فينفع إذا احتُج به بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته، كما فعل آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع، لأنه لا يدفع بالقدر أمرًا ولا نهيًا، ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة، يوضحه أن آدم قال لموسى: (أتلومني على أن عملت عملًا كان مكتوبًا علي قبل أن أخلق؟) فإذا أذنب الرجل ذنبًا ثم تاب منه توبة وزال أمره حتى كأن لم يكن، فأنَّبه مؤنب عليه ولامه، حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك، ويقول: هذا أمر كان قد قدر علي قبل أن أخلق، فإنه لم يدفع بالقدر حقًا، ولا ذكره حجة على باطل، ولا محذور في الاحتجاج به.
وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل، بأن يرتكب فعلًا محرمًا أو يترك واجبًا فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيُبطل بالاحتجاج به حقًا ويرتكب باطلًا، كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، فاحتجوا به مصوِّبين لما هم عليه، وأنهم لم يندموا على فعله، ولم يعزموا على تركه، ولم يقروا بفساده، فهذا ضد احتجاج من تبيَّن له خطأ نفسه وندم وعزم كل العزم على أن لا يعود، فإذا لامه لائم بعد ذلك قال: كان ما كان بقدر الله.
_________________
(١) انظر: تقريب التدمرية (١٠٢ - ١٠٣)، ومجموع فتاوى ابن عثيمين (٢/ ١٠٧).
(٢) انظر: الروض الباسم (٢/ ٤٦٥).
[ ٣٤٢ ]
ونكتة المسألة: أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعًا فالاحتجاج بالقدر باطل" (^١).
القول الثالث: أن ذلك مخصوص بآدم -﵇-، وكانت له الحجة لأن موسى -﵇- لامه على المعصية والخطيئة بعد أن تاب منها، فحسن من آدم -﵇- أن يحتج بالقدر على فعل المعصية، لأنه قد تيب عليه منها، كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، وإلى هذا القول ذهب ابن عبد البر وغيره (^٢).
قال -﵀-: "وأما قوله: (أفتلومني على أمر قد قدر علي؟)، فهذا -عندي- مخصوص به آدم، لأن ذلك إنما كان منه ومن موسى -﵇- بعد أن تيب على آدم، وبعد أن تلقى من ربه كلمات تاب بها عليه، فحسن منه أن يقول ذلك لموسى، لأنه قد كان تيب عليه من ذلك الذنب، وهذا غير جائز أن يقوله اليوم أحد إذا أتى ما نهاه الله عنه، ويحتج بمثل هذا، فيقول: أتلومني على أن قتلت أو زنيت أو سرقت، وذلك قد سبق في علم الله وقدره علي قبل أن أخلق؟ هذا ما لا يسوغ لأحد أن يقوله" (^٣).
والفرق بين هذا القول والذي قبله، أن هذا القول يجعل لوم موسى لآدم -﵇-، على المعصية لذات المعصية، بينما القول السابق يجعل لوم موسى لآدم -﵇-، على المعصية من أجل أنها سبب المصيبة، لا من أجل كونها معصية (^٤).
القول الرابع: أن الحجة توجهت لآدم لأن موسى -﵇- لامه في غير
_________________
(١) شفاء العليل (١/ ٥٦ - ٥٧)، وانظر: تقريب التدمرية (١٠٢ - ١٠٣).
(٢) انظر: المفهم للقرطبي (٦/ ٦٦٨)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٤٤١ - ٤٤٢)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٥)، ودرء التعارض (٨/ ٤١٨)، وشفاء العليل (١/ ٤٩)، والبداية والنهاية (١/ ٧٨)، وفتح الباري (١١/ ٥١٠).
(٣) التمهيد (١٨/ ١٥).
(٤) انظر: شفاء العليل (١/ ٤٩).
[ ٣٤٣ ]
دار التكليف -بعد أن مات آدم- ولو لامه في دار التكليف لكانت الحجة لموسى، لأن الأحكام حينئذٍ جارية عليه (^١).
القول الخامس: أن آدم حج موسى لأن الذنب كان في شريعة، واللوم في شريعة أخرى (^٢).
القول السادس: أن آدم أب وموسى ابن، وليس للابن أن يلوم أباه، ولذا حجه آدم كما يحج الرجل ابنه (^٣).
* * *
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٥)، ودرء التعارض (٨/ ٤١٨)، ومنهاج السنة (٣/ ٧٩)، وشفاء العليل (١/ ٤٩)، والبداية والنهاية (١/ ٧٨)، والفتح (١١/ ٥١١).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٥)، ودرء التعارض (٨/ ٤١٨)، ومنهاج السنة (٣/ ٨٠)، وشفاء العليل (١/ ٤٩)، والبداية والنهاية (١/ ٧٨)، والفتح (١١/ ٥١١).
(٣) انظر: المفهم (٦/ ٦٦٧)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٥)، ودرء التعارض (٨/ ٤١٨)، ومنهاج السنة (٣/ ٨٠)، وشفاء العليل (١/ ٤٨)، والبداية والنهاية (١/ ٧٨)، وفتح الباري (١١/ ٥١١).
[ ٣٤٤ ]
المطلب الثالث: الترجيح
أما الموقف الأول فلا ريب في بطلانه، لأنه مبني على فهم فاسد، وهو كون الحديث يدل على جواز الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، مع أن الإجماع منعقد على عدم جواز ذلك.
قال ابن تيمية: "ليس لأحد أن يحتج بالقدر على فعل الذنب باتفاق المسلمين، وسائر أهل الملل، وسائر العقلاء، فإن هذا لو كان مقبولًا لأمكن كل أحد أن يفعل ما يخطر له، من قتل النفوس وأخذ الأموال وسائر أنواع الفساد في الأرض، ويحتج بالقدر فالاحتجاج بالقدر معلوم الفساد في بداية العقول" (^١).
وبناءً على هذا، فإن كلَّ ما نتج عن هذا الفهم من آراء، فهي باطلة مردودة، وقد تقدم أن هذا الفهم قد نتج عنه رأيان متناقضان:
أحدهما: ما ذهبت إليه القدرية من رد الحديث وتكذيبه، وقد ذهبوا هذا المذهب لأنه يخالف أصلهم الذي أصلوه، وهو نفي القدر السابق، "وكل من أصل أصلًا لم يؤصله الله ورسوله قاده قسرًا إلى رد السنة وتحريفها عن مواضعها، فلذلك لم يؤصل حزب الله ورسوله أصلًا غير ما جاء به الرسول، فهو أصلهم الذي عليه يعولون، وجنتهم التي إليها يرجعون" (^٢).
قال ابن عبد البر: "هذا الحديث من أوضح ما روي عن النبي -صلي الله عليه وسلم- في
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٧٩).
(٢) مقتبس من كلام ابن القيم في شفاء العليل (١/ ٤٨).
[ ٣٤٥ ]
إثبات القدر، ودفع قول القدرية، وبالله التوفيق والعصمة" (^١).
وتكذيب القدرية لهذا الحديث مردود، لأنه ثابت في الصحيحين وغيرهما من عدة طرق.
قال ابن منده بعدما ساق عددًا من طرق هذا الحديث: "هذه أحاديث صحاح ثابتة لا مدفع لها، ولهذا الحديث طرق عن أبي هريرة" (^٢).
وقال ابن عبد البر: "هذا حديث صحيح ثابت من جهة الإسناد، لا يختلفون في ثبوته، رواه عن أبي هريرة جماعة من التابعين، وروي من وجوه عن النبي -صلي الله عليه وسلم-، من رواية الثقات الأئمة الأثبات" (^٣).
وقال ابن القيم: "هذا حديث صحيح متفق على صحته، لم تزل الأمة تتلقاه بالقبول من عهد نبيها قرنًا بعد قرن، وتقابله بالتصديق والتسليم، ورواه أهل الحديث في كتبهم وشهدوا به على رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أنه قاله، وحكموا بصحته" (^٤).
وقال ابن حجر عن هذا الحديث: "وقع لنا من طريق عشرة عن أبي هريرة" (^٥).
وأما الرأي الثاني: وهو ما ذهبت إليه الجبرية من تسويغ الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، والاعتماد في ذلك على هذا الحديث، فهو باطل من عدة وجوه:
١ - أن الإجماع منعقد على بطلان الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي.
قال ابن تيمية: "الاحتجاج بالقدر حجة باطلة داحضة باتفاق كل ذي
_________________
(١) التمهيد (١٨/ ١٧).
(٢) الرد على الجهمية (٧١ - ٧٢).
(٣) التمهيد (١٨/ ١٢).
(٤) شفاء العليل (١/ ٤٦).
(٥) فتح الباري (١١/ ٥٠٦)، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير (١/ ٧٧).
[ ٣٤٦ ]
عقل ودين من جميع العالمين" (^١).
٢ - أن الأمة قد أجمعت على جواز لوم العاصي ما لم يتب. قال ابن عبد البر: "وقد اجتمعت الأمة: أن من أتى ما يستحق الذم عليه فلا بأس بذمه، ولا حرج في لومه، ومن أتى ما يحمد له فلا بأس بمدحه عليه" (^٢).
٣ - أن الله تعالى قال: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾، فأبطل الله حجتهم هذه بقوله: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وهكذا في آيات أُخر لم يحكِ الله تعالى الاحتجاج في القدر إلا عن المشركين أعداء الرسل، وشيخهم في ذلك وإمامهم عدوه الأحقر إبليس، حيث احتج عليه بقضائه فقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] (^٣).
٤ - أن الله تعالى قال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، ولو كان الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي سائغًا لما كان هناك حاجة إلى إرسال الرسل، لأنهم إنما أرسلوا لأجل إقامة الحجة على الناس (^٤).
٥ - أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أمر الصحابة بالعمل، ونهاهم عن تركه اتكالًا على ما سبق به الكتاب، ففي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة)، قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال:
_________________
(١) منهاج السنة (٣/ ٥٥).
(٢) التمهيد (١٨/ ١٥).
(٣) انظر: منهاج السنة (٣/ ٥٩، ٥٦ - ٦٠)، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٩٦)، وشفاء العليل (١/ ٥٠ - ٥١)، وتقريب التدمرية (٩٩).
(٤) انطر: تقريب التدمرية (١٠٠)، ولمعة الاعتقاد بشرح الشيخ محمد العثيمين (٩٤).
[ ٣٤٧ ]
(اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠]) (^١).
٦ - "أن هذا المسلك لو صح لبطلت الديانات جملة، وكان القدر حجة لكل مشرك وكافر وظالم، ولم يبقَ للحدود معنى، ولا يلام جانٍ على جنايته ولا ظالم على ظلمه، ولا يُنكر منكر أبدًا" (^٢).
٧ - أن القدر سر مكتوم، لا يعلمه أحد من الخلق إلا بعد وقوعه، فكيف يصح للعاصي أن يحتج به على معصيته، وهو قد فعلها مختارًا، لا يشعر أن أحدًا أكرهه عليها، ولا يعلم أنها مقدرة عليه؟ ! ولماذا لم يقدر أن الله تعالى لم يكتبها عليه فينتهي عنها ويجتنبها؟ ! (^٣).
٨ - أنه لو ساغ الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي لساغ أن يحتج به إبليس ومن اتبعه من الجن والإنس، ويحتج به قوم نوح وعاد وثمود، وسائر أهل الكفر والفسوق والعصيان، ولم يعاقب أحد، وهذا مما يُعلم فساده بالاضطرار شرعًا وعقلًا (^٤).
٩ - أن الاحتجاج بالقدر مخاصمة لله تعالى، واحتجاج من العبد على الرب، وحمل لذنبه على الأقدار، وهذا جهل بالله تعالى وحكمته في شرعه (^٥).
١٠ - أن نفس المحتج بالقدر لو اعتدى عليه معتدٍ، أو جنى عليه
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٤/ ١٨٩١) ح (٤٦٦٦)، ومسلم (١٦/ ٤٣٤) ح (٢٦٤٧).
(٢) شفاء العليل (١/ ٥٠).
(٣) انظر: تقريب التدمرية (١٠٠).
(٤) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٥٨)، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٩٧).
(٥) انظر: مدارج السالكين (١/ ٢٠٤).
[ ٣٤٨ ]
جانٍ، ثم احتج عليه بالقدر، فإنه لا يقبل منه هذه الحجة، وهذا تناقض يدل على فساد هذا القول، وأن المحتج بالقدر متبع لهواه، لأن القدر إن كان حجة للعاصي فهو أيضًا حجة للجاني، وإلا فليس حجة لهذا ولا لهذا، وهذا هو الصواب (^١).
قال ابن تيمية: "شر الخلق من يحتج بالقدر لنفسه ولا يراه حجة لغيره، يستند إليه في الذنوب والمعائب، ولا يطمئن إليه في المصائب، كما قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به، وبإزاء هؤلاء خير الخلق الذين يصبرون على المصائب ويستغفرون من المعائب، كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢، ٢٣]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، قال بعض السلف (^٢): هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم
وقد ذكر الله تعالى عن آدم -﵇- أنه لما فعل ما فعل قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وعن إبليس أنه قال: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩]، فمن تاب أشبه أباه آدم ومن أصرَّ واحتج بالقدر أشبه إبليس" (^٣).
_________________
(١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٥٨)، ومنهاج السنة (٣/ ٥٥ - ٥٧)، ومجموع الفتاوى (٨/ ١٧٩)، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٩٧)، وشفاء العليل (١/ ٥٥).
(٢) هو علقمة بن قيس. [انظر: جامع البيان (١٢/ ١١٦)، ومجموع الفتاوى (٨/ ١٧٨)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٥٨٧)].
(٣) مجموع الفتاوى (٨/ ١٠٧).
[ ٣٤٩ ]
وقال ابن القيم عن هذا المسلك للجبرية: "هذا المسلك أبطل مسلك سلك في هذا الحديث، وهو شر من مسلك القدرية في رده، وهم إنما ردوه إبطالًا لهذا القول وردًا على قائليه، وأصابوا في ردهم عليهم وإبطال قولهم، وأخطأوا في رد حديث رسول الله -صلي الله عليه وسلم-" (^١).
إذا تبيَّن هذا، وهو أن الحديث لا يجوز رده أو تكذيبه، كما لا يجوز الاحتجاج به على فعل المعاصي، فإن الذي يتعين المصير إليه هو أن القدر يُؤمَن به ولا يحتج به، فالعبد مأمور أن يرجع إليه عند المصائب، ويستغفر الله عند الذنوب والمعائب، كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥]، "وقد أرشد النبي -صلي الله عليه وسلم- إلى الاحتجاج بالقدر في الموضع الذي ينفع العبد الاحتجاج به -وذلك عند المصيبة- فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان) (^٢) " (^٣).
قال ابن قدامة: "ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن، ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل، قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] " (^٤).
وأما بخصوص هذا الحديث، فإنه محتمل لأحد أمرين لا ثالث لهما:
الأول: أن لوم موسى لآدم -﵈- كِان لأجل المصيبة التي حلت به
_________________
(١) شفاء العليل (١/ ٤٩).
(٢) صحيح مسلم (١٦/ ٤٥٥) ح (٢٦٦٤).
(٣) شفاء العليل (١/ ٥٨) بتصرف يسير.
(٤) لمعة الاعتقاد بشرح العثيمين (٩٣).
[ ٣٥٠ ]
وبذريته، وهي الإخراج من الجنة والإهباط إلى الأرض، وروايات الحديث في الصحيحين -كما تقدم- تشهد لهذا المعنى وتدل عليه، ففيها: (أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة)، وفيها: (أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة)، وفيها: (أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة)، وفيها: (أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض)، فهذه الروايات والألفاظ كلها تنطق بأن موسى ﵇ إنما لام آدم ﵇ على المصيبة التي وقعت بعد ذنبه، لا على ذنبه.
وذكرُ موسى ﵇ للمعصية، كما في بعض الطرق (^١) للتنبيه على سبب المصيبة.
فاحتج آدم ﵇ بالقدر على المصيبة، كما هو ظاهر أكثر الروايات، فإنه قال: (أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني)؟ وهذا هو الذي ذهب إليه ابن تيمية وغيره، كما في القول الأول.
قال ابن أبي العز: "فإن قيل: فما تقولون في احتجاج آدم على موسى ﵇ بالقدر؟ قيل: نتلقاه بالقبول والسمع والطاعة، لصحته عن رسول الله -ﷺ-، ولا نتلقاه بالرد والتكذيب لراويه، كما فعلت القدرية، ولا بالتأويلات الباردة، بل الصحيح أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وهو كان أعلم بربه وذنبه، بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر، فإنه باطل، وموسى ﵇ كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم ﵇ على ذنب قد تاب منه، وتاب الله عليه، واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة، لا على الخطيئة، فإن القدر يحتج به عند المصائب، لا عند المعائب" (^٢).
_________________
(١) انظر: المسند (١٥/ ٤٧) ح (٩٠٩٥)، و(١٦/ ٥٤) ح (٩٩٨٩)، والقدر للفريابي (٩٣) ح (١١٢)، والشريعة للآجري (٢/ ٧٧٦)، والرد على الجهمية لابن منده (٧٠).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (١٣٥ - ١٣٦).
[ ٣٥١ ]
والثاني: أن لوم موسى لآدم ﵇، كان على المعصية لكونها سبب المصيبة، لا لكونها معصية -على ما جاء في القول الثاني- فإنه يمتنع غاية الامتناع أن يلومه موسى ﵇ لأجل حق الله تعالى في المعصية، لأن آدم ﵇ قد تاب منها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، فلا يجوز لومه.
قال ابن تيمية: "لا يجوز لوم التائب باتفاق الناس" (^١).
فاحتج آدم بالقدر على المعصية لأنه قد تاب منها، وهذا هو ظاهر رواية مسلم، فإنه قال لموسى: (فهل وجدت فيها -أي في التوراة-: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾؟ قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت عملًا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة).
وعلى هذا يكون الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة منها والإنابة لا محذور فيه، وقد أشار إلى هذا ابن القيم رحمه الله تعالى، مستشهدًا بهذه الرواية، كما تقدم (^٢).
قال الشيخ ابن عثيمين: "الاحتجاج بالقدر على المصائب جائز، وكذلك الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة جائز، وأما الاحتجاج بالقدر على المعصية تبريرًا لموقف الإنسان واستمرارًا فيها فغير جائز" (^٣).
والحاصل أن آدم ﵇ لا سبيل إلى لومه شرعًا لأجل التوبة، ولا قدرًا لأجل القضاء والقدر (^٤).
مناقشة الأقوال المرجوحة:
وأما الأقوال الأخرى في توجيه الحديث فإنها وإن كان مقصود أصحابها صحيحًا، وهو أن الحديث لا يؤخذ منه جواز الاحتجاج بالقدر
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٧٩).
(٢) انظر: ص (٣٤٢ - ٣٤٣) من هذا البحث.
(٣) مجموع فتاوى ابن عثيمين (٢/ ١٠٧).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٠٩، ٣٢١).
[ ٣٥٢ ]
على المعاصي، إلا أنهم فهموا من الحديث أن اللوم من موسى ولاحتجاج بالقدر من آدم كلاهما متوجه إلى الذنب، ولذا أوَّلوا الحديث تأويلات ضعيفة لا يدل عليها معناه، وإليك بيان ذلك:
أما القول الثالث (^١): وهو أن الحجة توجهت لآدم لأن موسى لامه على المعصية بعد أن تاب منها، والتائب من الذنب لا يجوز لومه، فقد رده ابن تيمية وغيره، لأن موسى ﵇ أجل قدرًا من أن يلوم أحدًا على ذنب قد تاب منه، وغفر الله له (^٢).
وذكر ابن القيم أن هذا القول وإن كان أقرب إلا أنه لا يصح لثلاثة أوجه:
"أحدها: أن آدم لم يذكر ذلك الوجه، ولا جعله حجة لموسى، ولم يقل: أتلومني على ذنب قد تبت منه.
الثاني: أن موسى أعرف بالله سبحانه وبأمره ودينه من أن يلوم على ذنب قد أخبره سبحانه أنه قد تاب على فاعله، واجتباه بعده وهداه، فإن هذا لا يجوز لآحاد المؤمنين أن يفعله، فضلًا عن كليم الرحمن.
الثالث: أن هذا يستلزم إلغاء ما علق به النبي -ﷺ- وجه الحجة، واعتبار ما ألغاه، فلا يلتفت إليه" (^٣).
وأما القول الرابع: وهو أن الحجة كانت لآدم لأن موسى لامه في غير دار التكليف، فمردود من وجهين:
"أحدهما: أن آدم لم يقل له: لمتني في غير دار التكليف، وإنما قال: (أتلومني على أمر قدر عليَّ قبل أن أخلق)، فلم يتعرض للدار وإنما احتج في القدر السابق.
_________________
(١) تقدم أن القول الأول والثاني هما اللذان يتعيَّن حمل الحديث عليهما.
(٢) انظر: درء التعارض (٨/ ٤١٩)، ومجموع الفتاوى (٨/ ١٠٨، ١٧٨، ٣٠٥، ٣٢١، ٤٥٤).
(٣) شفاء العليل (١/ ٤٩).
[ ٣٥٣ ]
الثاني: أن الله سبحانه يلوم الملومين من عباده في غير دار التكليف، فيلومهم بعد الموت، ويلومهم يوم القيامة" (^١).
وأما القول الخامس: وهو أن آدم حج موسى ﵇، لأن الذنب واللوم كانا في شريعتين مختلفتين، فدعوى لا دليل عليها، ومن أين يعلم أنه كان في شريعة آدم أن المخالف يحتج بسابق القدر، وفي شريعة موسى أنه لا يحتج، أو أنه يتوجه له اللوم على المخالف (^٢).
ثم إن اختلاف الشريعتين لا تأثير له في هذه الحجة بوجه، فهذه الأمة تلوم الأمم المخالفة لرسلها المتقدمة عليها، وإن كان لم تجمعهم شريعة واحدة، ويقبل الله شهادتهم عليهم وإن كانوا من غير أهل شريعتهم (^٣).
وأما القول السادس: وهو أن آدم حج موسى لكونه أباه، فبعيد عن معنى الحديث، ولا محصل فيه البتة، لأن حجة الله يجب المصير إليها مع الأب كانت أو الابن أو العبد أو السيد، ولو حج الرجل أباه بحق وجب المصير إلى الحجة (^٤).
* * *
_________________
(١) شفاء العليل (١/ ٤٩).
(٢) انظر: فتح الباري (١١/ ٥١١).
(٣) انظر: شفاء العليل (١/ ٤٩)، ودرء التعارض (٨/ ٤١٨)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٥).
(٤) انظر: شفاء العليل (١/ ٤٩)، وفتح الباري (١١/ ٥١١)، ودرء التعارض (٨/ ٤١٨)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٣٠٥).
[ ٣٥٤ ]
المبحث الثاني: (خلق الله التربة يوم السبت)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
.
[ ٣٥٥ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
عن أبي هريرة -﵁-، قال: أخذ رسول الله -ﷺ- بيدي فقال: (خلق الله ﷿ التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل)، رواه مسلم (^١).
بيان وجه الإشكال
قال المعلمي: "استنكر بعض أهل الحديث هذا الخبر، ويمكن تفصيل سبب الاستنكار بأوجه:
الأول: أنه لم يذكر خلق السماء، وجعل خلق الأرض في ستة أيام.
الثاني: أنه جعل الخلق في سبعة أيام، والقرآن يبين أن خلق السموات والأرض كان في ستة أيام، أربعة منها للأرض ويومان للسماء.
الثالث: أنه مخالف للآثار القائلة: إن أول الستة يوم الأحد، وهو الذي تدل عليه أسماء الأيام: الأحد، الاثنين، الثلاثاء، الأربعاء، الخميس" (^٢).
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: ابتداء الخلق وخلق آدم ﵇ (١٧/ ١٣٩) ح (٢٧٨٩).
(٢) الأنوار الكاشفة (١٨٨).
[ ٣٥٦ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في هذا الحديث على قولين:
القول الأول: أن هذا الحديث معلول سندًا ومتنًا، فلا يعتمد عليه، وإلى هذا ذهب البخاري وعلي بن المديني ويحيى بن معين (^١)، وعبد الرحمن بن مهدي (^٢) والبيهقي (^٣) وابن تيمية، وابن القيم وابن كثير وابن عثيمين (^٤) وغيرهم، عليهم رحمة الله.
أما إعلاله من جهة السند: فقد رواه مسلم من طريق سريج بن يونس وهارون بن عبد الله قالا: حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة فذكر الحديث.
وقد أُعل هذا السند من ثلاثة وجوه:
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح (٢/ ٤٤٣)، والتوسل والوسيلة (١٠٠)، ومجموع الفتاوى (١/ ٢٥٦)، و(١٨/ ١٨) كلها لابن تيمية.
(٢) انظر: الجواب الصحيح (٢/ ٤٤٣ - ٤٤٤)، وابن مهدي هو: عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن أبو سعيد العنبري مولاهم البصري، الإمام الناقد المجود سيد الحفاظ، برع في معرفة الأثر وطرق الروايات وأحوال الشيوخ، توفي ﵀ سنة ثمان وتسعين ومائة (١٩٨). [انظر: تاريخ بغداد (١٠/ ٢٣٩)، والسير (٩/ ١٩٢)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٢٩)، وتقريب التهذيب (١/ ٥٩٢)، وشذرات الذهب (١/ ٣٥٥)].
(٣) انظر: الأسماء والصفات (٢/ ٢٥٦)، ومجموع الفتاوى (١٧/ ٢٣٦)، و(١٨/ ١٨)، والبداية والنهاية (١/ ١٤).
(٤) انظر: شرح رياض الصالحين (٤/ ٥٢٢).
[ ٣٥٧ ]
الأول: أن هذا الحديث من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار (^١) موقوفًا عليه.
قال البخاري: "روى إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد الأنصاري عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: (خلق الله التربة يوم السبت)، وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب، وهو أصح" (^٢).
وقال ابن القيم عن هذا الحديث: "وقع فيه الغلط في رفعه، وإنما هو من قول كعب الأحبار، كذلك قال إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري، في تاريخه الكبير، وقاله غيره من علماء المسلمين أيضًا، وهو كما قالوا" (^٣).
الثاني: أن إسماعيل بن أمية قد أخذ هذا الحديث -كما يرى ابن المديني- من إبراهيم بن أبي يحيى، وإبراهيم بن أبي يحيى هذا ضعيف لا يحتج به، بل هو عند أهل الحديث متروك متهم بالكذب (^٤).
قال علي بن المديني -مُعِلًّا إسناد هذا الحديث-: "ما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا من إبراهيم بن أبي يحيى" (^٥).
وقد جاء هذا الحديث من طريق إبراهيم بن أبي يحيى، كما أشار إلى
_________________
(١) هو كعب بن ماتع الحميري من أهل اليمن كان من أوعية العلم ومن كبار علماء أهل الكتاب، أسلم في زمن أبي بكر وقدم من اليمن في دولة عمر، فأخذ عن الصحابة وغيرهم، وله رواية في صحيح مسلم، وكان يحدث الصحابة عن الكتب الإسرائيلية توفي سنة (٣٤ هـ). [انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٥٢)، والسير (٣/ ٤٨٩)، والعبر (١/ ٢٦)، وتقريب التهذيب (٢/ ٤٣)].
(٢) التاريخ الكبير (١/ ٤١٣) في ترجمة أيوب بن خالد.
(٣) المنار المنيف (٧٢)، وانظر: بدائع الفوائد (١/ ٧١).
(٤) انظر: الضعفاء الصغير للبخاري (٤٠٨)، والضعفاء والمتروكين للنسائي (٤٢)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ٤٠٥ - ٤٥٤)، وتقريب التهذيب (١/ ٦٥).
(٥) الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦).
[ ٣٥٨ ]
ذلك البيهقي، فقال معقبًا على كلام ابن المديني: "قلت: وقد تابعه على ذلك موسى بن عبيدة الربذي عن أيوب بن خالد، إلا أن موسى بن عبيدة ضعيف، وروي عن بكر بن الشرود عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان بن سليم عن أيوب بن خالد، وإسناده ضعيف" (^١).
الثالث: أن في سنده: أيوب بن خالد، وهو ضعيف.
قال الأزدي (^٢): "أيوب بن خالد ليس حديثه بذاك، تكلم فيه أهل العلم بالحديث، وكان يحيى بن سعيد ونظراؤه لا يكتبون حديثه" (^٣).
وقال ابن حجر: "فيه لين" (^٤).
هذه هي العلل الموجهة إلى سند هذا الحديث، وقد أوجبت القدح فيه، وعدم الاعتماد عليه عند أصحاب هذا القول.
قال ابن تيمية: "وأما الحديث الذي رواه مسلم في قوله: (خلق الله التربة يوم السبت)، فهو حديث معلول، قدح فيه أئمة الحديث، كالبخاري وغيره، قال البخاري: الصحيح أنه موقوف على كعب، وقد ذكر تعليله البيهقي أيضًا، وبينوا أنه غلط ليس مما رواه أبو هريرة عن النبي -ﷺ-، وهو مما أنكر الحذاق على مسلم إخراجه إياه" (^٥).
وقال أيضًا: "هذا الحديث قد بين أئمة الحديث، كيحيى بن معين
_________________
(١) الأسماء والصفات (٢/ ٢٥٦).
(٢) هو الحافظ البارع أبو الفتح محمد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن بريدة الأزدي الموصلي، صاحب كتاب الضعفاء، أُخذ عليه فيه أنه ضعَّف جماعة بلا دليل، وقد تكلم فيه بعض النقاد وقالوا: في حديثه مناكير، توفي ﵀ سنة (٣٧٤). [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٢٤٠)، والسير (١٦/ ٣٤٧)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ٩٦٧)، وشذرات الذهب (٢/ ٨٤)].
(٣) تهذيب التهذيب (١/ ٣٦٥).
(٤) تقريب التهذيب (١/ ١١٧)، وانظر: الأنوار الكاشفة للمعلمي (١٨٩).
(٥) مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٣٥ - ٢٣٦).
[ ٣٥٩ ]
وعبد الرحمن بن مهدي والبخاري، وغيرهم، أنه غلط، وأنه ليس في كلام النبي -ﷺ-، بل صرح البخاري في تاريخه الكبير أنه من كلام كعب الأحبار" (^١).
وقال ابن كثير: "تكلم في هذا الحديث علي بن المديني والبخاري والبيهقي وغيرهم من الحفاظ فكان هذا الحديث مما تلقاه أبو هريرة عن كعب عن صُحُفِهِ، فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعًا إلى النبي -ﷺ-" (^٢).
وأما إعلاله من جهة المتن، فمن عدة وجوه (^٣):
الأول: أنه جعل استيعاب الخلق في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن، حيث أخبر الله تعالى فيه أن خلق السموات والأرض وما بينهما كان في ستة أيام، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤].
الثاني: أنه لم يذكر خلق السموات.
الثالث: أنه جعل خلق الأرض وما فيها في ستة أيام، وهذا خلاف القرآن، ففيه أن الأرض خلقت في أربعة أيام، ثم خلقت السماء في يومين، قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا
_________________
(١) الجواب الصحيح (٢/ ٤٤٣ - ٤٤٤)، وانظر: مجموع الفتاوى (١/ ٢٥٦)، و(١٨/ ٧٣، ١٨) بغية المرتاد (٣٠٦).
(٢) البداية والنهاية (١/ ١٤ - ١٥)، وانظر: التفسير (١/ ١٠٦)، و(٢/ ٣٥٢).
(٣) انظر: بغية المرتاد (٣٠٦ - ٣٠٧)، والجواب الصحيح (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥)، والتوسل والوسيلة (١٠٠)، ومجموع الفتاوى (١/ ٢٥٧)، و(١٧/ ٢٣٥ - ٢٣٧)، و(١٨/ ١٨) كلها لابن تيمية، وبدائع الفوائد (١/ ٧١)، والمنار المنيف (٧٢) كلاهما لابن القيم، والبداية والنهاية (١/ ١٥)، وتفسير القرآن العظيم (٣٥٣) كلاهما لابن كثير، وفيض القدير للمناوي (٣/ ٤٤٨)، والجواهر المضيَّة في طبقات الحنفية للقرشي (٤/ ٥٦٨)، والأنوار الكاشفة للمعلمي (١٨٨ - ١٨٩).
[ ٣٦٠ ]
طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ٩ - ١٢].
الرابع: أنه مخالف للآثار القائلة: إن أول الستة، يوم الأحد، فقد روي ذلك عن ابن عباس (^١) وكعب الأحبار (^٢) وعبد الله بن سلام (^٣) ومجاهد (^٤) والضحاك (^٥) والسدي (^٦) وغيرهم (^٧)، وروي مرفوعًا إلى
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٨٨، ٩٠)، وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٤/ ١٣٦١، ١٣٦٢، ١٣٦٤، ١٣٦٥)، وابن منده في التوحيد (١/ ١٨٦).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٥)، وفي التاريخ (١/ ٤٣).
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٢٣٢)، وابن منده في التوحيد (١/ ١٨٣، ١٨٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٥٠)، وحكم المحقق عليه بالصحة، وأبو الشيخ في العظمة (٤/ ١٣٦٦)، وقال المحقق: "إسناده صحيح"، وانظر: (٤/ ١٣٦٨).
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره (٥/ ٥١٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٤٢)، وصحح المحقق إسناده. ومجاهد هو: الإمام شيخ القراء والمفسرين مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي، مولى السائب بن أبي السائب، عرض القرآن على ابن عباس -﵄- ثلاثين مرة، فعنه أخذ القرآن، وعنه أيضًا أخذ التفسير والفقه، روى عن عدد من الصحابة كأبي هريرة وعائشة وابن عمر -﵃-، اختلف في سنة وفاته على أقوال، أشهرها أنه توفي سنة (١٠٣ هـ). [انظر: السير (٤/ ٤٤٩)، والعبر (١/ ٩٤)، وتقريب التهذيب (٢/ ١٥٩)، وشذرات الذهب (١/ ١٢٥)].
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ٥).
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٨٨)، والسدي هو: الإمام المفسر إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة أبو محمد الحجازي ثم الكوفي الأعور السدي، أحد موالي قريش، حدَّث عن أنس بن مالك وابن عباس -﵃-، وقد ليَّنه بعض النقاد، وقال فيه ابن حجر: صدوق يهم، توفي ﵀ سنة (١٢٧). [انظر: السير (٥/ ٢٦٤)، والعبر (١/ ١٢٧)، وتقريب التهذيب (١/ ٩٧)].
(٧) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٣٦)، والبداية والنهاية (١/ ١٣).
[ ٣٦١ ]
النبي -ﷺ- (^١)، ونقل الطبري وغيره الإجماع على هذا (^٢)، وهو الذي تدل عليه أسماء الأيام: الأحد، الإثنين، الثلاثاء، الأربعاء، الخميس.
قال ابن تيمية: "ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأن آخر ما خلقه هو آدم، وكان خلقه يوم جمعة، وهذا الحديث المختلف فيه يقتضي أن خلق ذلك في الأيام السبعة، وقد روي إسناد أصح من هذا أن أول الخلق كان يوم الأحد" (^٣).
وقال أيضًا: "لما ثبت بهذه الأحاديث التي في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها، أن آدم خلق يوم الجمعة، وثبت أنه آخر المخلوقات بلا نزاع، علم أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد، لأن القرآن قد أخبر أن الخلق كان في ستة أيام، وبهذا النقل المتواتر، مع شهادة ما عند أهل الكتاب على ذلك، وموافقة الأسماء وغير ذلك، علم ضعف الحديث المعارض لذلك، مع أنه في نفسه متعارض فهو قد بين ما يوافق سائر الأحاديث من أن آدم خلق يوم الجمعة، وأنه خلق آخر الخلق، ومعلوم بنصوص القرآن أن الخلق كان في ستة أيام، وذلك يدل على ما وقع فيه من الوهم بذكر الخلق يوم السبت" (^٤).
وقال ابن القيم عن يوم السبت: "لم يكن يومًا من أيام تخليق العالم، بل ابتداء أيام التخليق الأحد، وخاتمتها الجمعة، هذا أصح القولين، وعليه يدل القرآن، وإجماع الأمة على أن أيام تخليق العالم ستة، فلو كان أولها السبت لكان سبعة" (^٥).
وقال ابن كثير عن هذا الحديث: "في متنه غرابة شديدة، فمن ذلك
_________________
(١) انظر: العظمة لأبي الشيخ (٤/ ١٣٦٢، ١٣٧١، ١٣٧٢، ١٣٧٤).
(٢) انظر: تاريخ الأمم والملوك (١/ ٤٥).
(٣) التوسل والوسيلة (١٠٠)، وانظر: مجموع الفتاوى (١/ ٢٥٧).
(٤) بغية المرتاد (٣٠٦ - ٣٠٧) بتصرف يسير.
(٥) بدائع الفوائد (١/ ٧١)، وانظر: المنار المنيف (٧٢).
[ ٣٦٢ ]
أنه ليس فيه ذكر خلق السموات، وفيه ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن، لأن الأرض خلقت في أربعة أيام، ثم خلقت السموات في يومين من دخان" (^١).
وقال أيضًا: "هذا الحديث من غرائب الصحيح" (^٢).
القول الثاني: أن الحديث صحيح لا مطعن في إسناده البتة، وعلى رأس القائلين بهذا الإمام مسلم، عليه رحمة الله، وصححه أيضًا ابن حبان (^٣)، وابن الأنباري (^٤)، وابن الجوزي (^٥)، وأحمد شاكر (^٦)، وانتصر لتصحيحه والرد على الطاعنين في صحته كل من المعلمي والألباني، عليهما رحمة الله، فأجابا عن العلل الموجهة إلى سند هذا الحديث بما يلي (^٧):
_________________
(١) البداية والنهاية (١/ ١٥).
(٢) تفسير القرآن العظيم (١/ ١٠٦).
(٣) انظر: صحيح ابن حبان (١٤/ ٣٠) ح (٦١٦١).
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٨)، وابن الأنباري هو: الشيخ المُعَمَّر مسند بغداد أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد بن الهيثم الأنباري، تفرد بالرواية عن جماعة، وتوفي سنة ستين وثلاثمائة (٣٦٠). [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ١٤٨)، والسير (١٦/ ٦٣)، والعبر (٢/ ١٠٦)، وشذرات الذهب (٣/ ٣١)].
(٥) انظر: تفسيره زاد المسير (٧/ ٢٤٣)، ومجموع الفتاوى (١٧/ ٢٣٦)، و(١٨/ ١٨).
(٦) انظر: تعليقه على المسند (١٦/ ١٤٦)، وأحمد شاكر هو: أحمد بن محمد بن شاكر بن عبد القادر الحسيني محدث مفسر فقيه أديب، ولد بالقاهرة ودرس بالسودان ثم بمعهد الإسكندرية، وكان لوالده أثر كبير في حياته العلمية، وبعد ذلك التحق بالأزهر وتخرج منه فعين مدرسًا ثم قاضيًا ثم عضوًا بالمحكمة العليا، وله جهود في خدمة السنة النبوية، توفي سنة (١٣٧٧ هـ) له العديد من المؤلفات منها: تحقيق مسند الإمام أحمد بن حنبل، ولم يكمله، وكتاب الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير. [انظر: الأعلام (١/ ٢٥٣)، ومعجم المؤلفين (١/ ٢٨٤)].
(٧) وللشيخ عبد القادر السندي مقالة -في حلقتين- عن هذا الحديث في مجلة الجامعة الإسلامية، عدد (٤٩)، و(٥٠) بعنوان: "إزالة الشبهة عن حديث التربة" توجه فيها لتصحيحه.
[ ٣٦٣ ]
أما إعلال البخاري لهذا الحديث بقوله: "وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب، وهو أصح"، فقد قال عنه المعلمي: "مؤدى صنيعه أنه يحدس أن أيوب أخطأ، وهذا الحدس مبني على ثلاثة أمور:
الأول: استنكار الخبر لما مر.
الثاني: أن أيوب ليس بالقوي، وهو مقل، لم يخرج له مسلم إلا هذا الحديث، لما يعلم من الجمع بين رجال الصحيحين، وتكلم فيه الأزدي، ولم ينقل توثيقه عن أحد من الأئمة، إلا أن ابن حبان ذكره في ثقاته، وشرط ابن حبان في التوثيق فيه تسامح معروف.
الثالث: الرواية التي أشار إليها بقوله: "وقال بعضهم"، وليته ذكر سندها ومتنها، فقد تكون ضعيفة في نفسها، وإنما قويت عنده للأمرين الآخرين، ويدل على ضعفها أن المحفوظ عن كعب وعبد الله بن سلام ووهب بن منبه (^١) ومن يأخذ عنهم: أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد، وهو قول أهل الكتاب المذكور في كتبهم، وعليه بنوا قولهم في السبت وهذا يدفع أن يكون ما في الحديث من قول كعب" (^٢).
وأما إعلال ابن المديني للحديث بأنه يرى أن إسماعيل بن أمية قد رواه عن إبرهيم بن أبي يحيى، وهو متروك متهم بالكذب، فقد أجاب عنه المعلمي أيضًا فقال: "يرد على هذا أن إسماعيل بن أمية ثقة عندهم غير
_________________
(١) هو وهب بن منبه بن كامل بن سيج أبو عبد الله الصنعاني اليماني، عالم أهل اليمن، كان ثقة واسع العلم، عنده من علم أهل الكتاب شيء كثير، صاحب قصص وأخبار، روى عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر وابن عباس -﵃-، توفي ﵀ سنة (١١٤ هـ). [انظر: وفيات الأعيان (٥/ ٢٨)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٠٠)، والسير (٤/ ٥٤٤)، وتقريب التهذيب (٢/ ٢٩٣)، وشذرات الذهب (١/ ١٥٠)].
(٢) الأنوار الكاشفة (١٨٩ - ١٩٠) بتصرف يسير، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٤٤٩).
[ ٣٦٤ ]
مدلس، فلهذا -والله أعلم- لم يرتضِ البخاري قول شيخه ابن المديني، وأعل الخبر بأمر آخر" (^١).
وقال الألباني: "هذه دعوى عارية من الدليل، إلا مجرد الرأي، وبمثله لا ترد رواية إسماعيل بن أمية، فإنه ثقة ثبت، كما قال الحافظ في التقريب (^٢) " (^٣).
وأما إعلال الحديث بأيوب بن خالد لأن فيه لينًا فقد قال عنه الألباني: "ليس بشيء، فإنه لم يضعفه أحد سوى الأزدي، وهو نفسه لين عند المحدثين، فتنبه" (^٤).
وقال المعلمي: "وأيوب لا بأس به، وصنيع ابن المديني يدل على قوَّته عنده، وقد أخرج له مسلم في صحيحه كما علمت، وإن لم يكن حده أن يحتج به في الصحيح" (^٥).
وأما العلل الموجهة إلى متن هذا الحديث فقد أجاب عنها المعلمي كما سيأتي، أما إجابات غيره من المصححين لهذا الحديث فتكاد تنحصر في الإجابة على علة واحدة -العلة الأولى- وهي مخالفة هذا الحديث للقرآن من حيث إن الحديث يفيد أن الخلق تم في سبعة أيام، والقرآن صريح بأنه في ستة أيام، وهذه الأجوبة تعتبر هي توجيهات أصحاب هذا القول لهذا الحديث، والمتأمل لها يجد أن أغلبها تجعل ابتداء الخلق يوم السبت، وانتهاءه يوم الخميس، فهذه ستة أيام، وهي التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وأما خلق آدم فجعلوه غير داخل في الأيام الستة، قالوا: وبهذا يندفع الإشكال، وتنتفي مخالفة هذا الحديث للقرآن.
_________________
(١) الأنوار الكاشفة (١٨٩).
(٢) انظر: تقريب التهذيب (١/ ٩١).
(٣) سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٤٤٩).
(٤) سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٤٥٠).
(٥) الأنوار الكاشفة (١٩٠).
[ ٣٦٥ ]
قال ابن إسحاق (^١) -فيما روى الطبري عنه-: "نقول: نحن المسلمون فيما انتهى إلينا من رسول الله -ﷺ-: ابتدأ الله الخلق يوم السبت" (^٢).
وقال السهيلي (^٣) -معلقًا على حديث التربة-: "فبين أن أول الأيام التي خلق الله فيها الخلق: السبت، وآخر الأيام الستة إذًا الخميس، وكذلك قال ابن إسحاق فيما ذكر عنه الطبري" (^٤). واختلف أصحاب هذا القول في وجه عدم دخول اليوم الذي خلق فيه آدم ﵇ في الأيام الستة على عدة أقوال:
١ - فذهب ابن هبيرة (^٥) إلى أنه مستقل عن خلق الأرض، ليس منها،
_________________
(١) هو محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر القرشي المطلبي مولاهم، المدني، إمام حافظ أخباري، علامة في السير والمغازي، وله فيها كتاب السيرة النبوية، توفي سنة إحدى وخمسين ومائة (١٥١) على الصحيح. [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٠٣)، والسير (٧/ ٣٣)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٧٢)، وتقريب التهذيب (٢/ ٥٤)].
(٢) تاريخ الأمم والملوك (١/ ٤٤)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٣٧).
(٣) هو العلامة عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي السهيلي الأندلسي، النحوي الحافظ العلم صاحب التصانيف، كان مالكيًا ضريرًا، برع في العربية واللغات والأخبار وتصدر للإفادة وكان مشهورًا بالصلاح والورع والقناعة بالكفاف توفي ﵀ سنة (٥٨١ هـ) له مصنفات منها: الروض الأنف، في شرح السيرة النبوية لابن هشام، ونتائج الفكر. [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ١١٩)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٤٨)، وشذرات الذهب (٤/ ٢٧١)، والأعلام (٣/ ٣١٣)].
(٤) الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية (٢/ ١٩٧).
(٥) هو الإمام العالم والوزير العادل أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد بن الحسن الشيباني الدوري العراقي الحنبلي، صاحب التصانيف، كان سلفيًا أثريًا دينًا خيرًا عاقلًا وقورًا متواضعًا، جزل الرأي، بارًا بالعلماء، مكبًا مع أعباء الوزارة على العلم وتدوينه، ومن مؤلفاته: الإفصاح عن معاني الصحاح، شرح فيه صحيحي البخاري ومسلم، توفي -﵀- مسمومًا سنة ستين وخمسمائة (٥٦٠). [انظر: وفيات الأعيان (٥/ ١٩١)، والسير (٢/ ٤٢٦)، والعبر (٣/ ٣٤)، وشذرات الذهب (٤/ ١٩١)].
[ ٣٦٦ ]
فلا يكون يومه معدودًا في الأيام الستة، قال ﵀: "لما كملت هذه الأشياء في ستة أيام، كما قال ﷿، واستتب أمر الدار، مستدعية بلسان حالها قدوم الساكن حين تهيئة الأسباب، والفراغ من الرزق والمركب والرياش، وتبين ما يكره وما يطلب، كان خلق ساكن الدار، أبي البشر في يوم الجمعة عند آخر النهار" (^١).
٢ - وذهب ابن الجوزي إلى أن أصول الأشياء هي التي خلقت في ستة أيام، وآدم ليس أصلًا وإنما هو كالفرع من بعضها، وبناءً عليه، فلا يلزم أن يكون يوم خلقه في جملة الأيام الستة.
قال ﵀: "فإن قيل: فالقرآن يدل على أن خلق الأشياء في ستة أيام، وهذا الحديث يدل على أنها في سبعة؟ ! فالجواب: أن السموات والأرض وما بينهما خلق في ستة أيام، وخُلق آدم من الأرض، والأصول خلقت في ستة، وآدم كالفرع من بعضها" (^٢).
٣ - وذهب المعلمي إلى القول: بأن خالقية الله تعالى لم تتوقف بعد الأيام الستة، لأن الله تعالى ما زال ولا يزال خالقًا، فخلقُ آدم كان بعدها، وليس في القرآن ما يدل على أن خلق آدم كان في الأيام الستة حتى يُقال: إنها صارت -بهذا الحديث- سبعة.
قال ﵀: "ليس في هذا الحديث أنه خلق في اليوم السابع غير آدم، وليس في القرآن ما يدل أنَّ خلق آدم كان في الأيام الستة، ولا في القرآن ولا السنة ولا المعقول أن خالقية الله ﷿ وقفت بعد الأيام الستة، بل هذا معلوم البطلان، وفي آيات خلق آدم في سورة البقرة، وبعض الآثار ما يؤخذ منه أنه قد كان في الأرض عمَّار قبل آدم، عاشوا فيها دهرًا، فهذا يساعد القول: بأن خلق آدم متأخر بمدة عن خلق السموات والأرض، فتدبر
_________________
(١) الإفصاح عن معاني الصحاح (٨/ ١٥٠ - ١٥١).
(٢) كشف المشكل (٣/ ٥٨٠).
[ ٣٦٧ ]
الآيات والحديث على ضوء هذا البيان، يتضح لك إن شاء الله أن دعوى مخالفة هذا الحديث لظاهر القرآن قد اندفعت ولله الحمد" (^١).
٤ - أما الألباني فقد جعل هذه الأيام المذكورة في الحديث غير الأيام الستة المذكورة في القرآن، واستدل على ذلك بحديث أبي هريرة عند النسائي أن النبي -ﷺ- قال: (يا أبا هريرة: إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الإثنين، والشر يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة، في آخر ساعة من النهار بعد العصر، خلقه من أديم الأرض بأحمرها وأسودها، وطيبها وخبيثها، من أجل ذلك جعل الله من آدم الطيب والخبيث) (^٢).
قال الألباني تعليقًا على حديث التربة: "الأيام السبعة في الحديث هي غير الأيام الستة في القرآن، فالحديث يتحدث عن شيء من التفصيل الذي أجراه الله على الأرض، فهو يزيد على القرآن، ولا يخالفه، وكان هذا الجمع قبل أن أقف على حديث الأخضر -يعني: الحديث المتقدم- فإذا هو صريح فيما كنت ذهبت إليه من الجمع، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات" (^٣).
_________________
(١) الأنوار الكاشفة (١٩٠).
(٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، في كتاب التفسير، كما في تحفة الأشراف (١٠/ ١٣٣) ح (١٣٥٥٧) من طريق الأخضر بن عجلان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ، وأورده الذهبي في العلو (٩٤)، وعزاه للنسائي، وقال: "الأخضر وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولينه الأزدي، وحديثه في السنن الأربعة، وهذا الحديث غريب من أفراده"، وأورده أيضًا ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ١٤)، وقال: "اختلف فيه على ابن جريج"، وقال المعلمي في الأنوار الكاشفة (١٩٢): "في صحة هذه الرواية عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح نظر"، وقال الألباني في مختصر العلو (١١٢) عن هذا الحديث: "جيد الإسناد".
(٣) مختصر العلو (١١٢)، وانظر: تعليقه على مشكاة المصابيح (٣/ ١٥٩٨) تنبيه: =
[ ٣٦٨ ]
هذه هي توجيهات أصحاب هذا القول لهذا الحديث، وهي كما أسلفت تنحصر في الإجابة عن العلة الأولى من علل المتن، وحاصلها: أن اليوم الذي خلق فيه آدم غير داخل في الأيام الستة، وأما الألباني فقد جعل الأيام السبعة كلها غير الأيام الستة المذكورة في القرآن.
وأما بقية العلل فقد أجاب عنها المعلمي:
فقال عن العلة الثانية، وهي عدم ذكر خلق السموات: "الحديث وإن لم ينص على خلق السماء، فقد أشار إليه بذكره في اليوم الخامس: النور، وفي السادس: الدواب، وحياة الدواب محتاجة إلى الحرارة، والنور والحرارة مصدرهما الأجرام السماوية".
وأما العلة الثالثة: وهي أن الحديث يدل على أن خلق الأرض كان في ستة أيام، وصريح القرآن يدل على أن خلقها كان في أربعة أيام، فقد أجاب عنها بقوله: "الذي فيه -يعني: الحديث- أن خلق الأرض نفسها كان في أربعة أيام كما في القرآن، والقرآن إذ ذكر خلق الأرض في أربعة أيام، لم يذكر ما يدل أن من جملة ذلك خلق النور والدواب، وإذ ذكر خلق السماء في يومين لم يذكر ما يدل أنه في أثناء ذلك لم يحدث في الأرض شيئًا، والمعقول أنه بعد تمام خلقها أخذت في التطور بما أودعه الله تعالى فيها، والله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن" (^١).
وأما العلة الرابعة: وهي مخالفة الحديث للآثار القائلة: بأن ابتداء الخلق كان يوم الأحد، فقد قال عنها المعلمي: "ما كان منها مرفوعًا فهو أضعف من هذا الحديث بكثير، وأما غير المرفوع فعامته من قول عبد الله بن سلام وكعب ووهب، ومن يأخذ من الإسرائيليات" (^٢).
_________________
(١) = ما ذهب إليه الألباني يدل على أنه لا يجعل ابتداءًا لخلق يوم السبت، كما هو رأي الآخرين، والله أعلم.
(٢) الأنوار الكاشفة (١٩٠).
(٣) الأنوار الكاشفة (١٩١).
[ ٣٦٩ ]
وأما دلالة أسماء الأيام على أن أول الأيام الستة هو يوم الأحد فقد قال عنها السهيلي: "ليس في تسمية هذه الأيام: (^١) والإثنين إلى الخميس ما يشد قول من قال: إن أول الأسبوع الأحد، وسابعها السبت كما قال أهل الكتاب، لأنها تسمية طارئة، وإنما كانت أسماؤها في اللغة القديمة: شيار وأول وأهون وجبار ودبار ومؤنس والعروبة، وأسماؤها بالسريانية قبل هذا: أبو جاد هوز حطي إلى آخرها، ولو كان الله تعالى ذكرها في القرآن بهذه الأسماء المشتقة من العدد، لقلنا: هي تسمية صادقة على المسمَّى بها، ولكنه لم يذكر منها إلا الجمعة والسبت، وليسا من المشتقة من العدد، ولم يسمِها رسول الله -ﷺ- بالأحد والاثنين إلى سائرها إلا حاكيًا للغة قومه لا مبتدئًا لتسميتها، ولعل قومه أن يكونوا أخذوا معاني هذه الأسماء من أهل الكتاب المجاورين لهم، فألقوا عليها هذه الأسماء اتباعًا لهم" (^٢).
* * *
_________________
(١) السياق هنا يقتضي وجود كلمة ساقطة، ولعلها: (الأحد)، والله أعلم.
(٢) الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية (٢/ ١٩٨)، وانظر: الأنوار الكاشفة للمعلمي (١٩١).
[ ٣٧٠ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الحق أن مثار الإشكال في هذا الحديث هو المتن، لمخالفة ظاهره صريح القرآن، وهو الذي دعا بعض أهل العلم إلى التفتيش في سنده لمعرفة مصدر الوهم فيه، فمنهم من جعل مصدره كون إسماعيل بن أمية رواه عن إبراهيم بن أبي يحيى، وهو ضعيف متهم بالكذب، ومنهم من جعل مصدره أيوب بن خالد، حيث إنه قد ضُعِّفَ من قبل بعض العلماء، ومنهم من جعل مصدره وَهْمُ بعض الرواة، حيث رفعه إلى النبي -ﷺ-، بينما هو موقوف على كعب، من رواية أبي هريرة عنه.
ولذا قال المعلمي: "مدار الشك في هذا الحديث على الاستنكار" (^١) أي: ما في متنه من نكارة، لمخالفته صريح القرآن.
وقد تقدم الكلام على سند هذا الحديث، وبيان الأقوال فيه، بما يغني عن إعادته، والأقوال فيه تكاد تكون متكافئة، إلا أن المضعفين له أكثر عددًا وأعلم بالعلل من المصححين له.
أما متنه فإن الذي يظهر -والله تعالى أعلم بالصواب- أنه مخالف لصريح القرآن، مخالفة واضحة، لا يمكن معها القول: بصحة الحديث، لأن القرآن متواتر مقطوع بصحته، بخلاف هذا الحديث، وهذا يرجح جانب المعلين لسنده.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "هذا الحديث رواه مسلم ﵀، وقد أنكره العلماء عليه، فهو حديث ليس بصحيح، ولا يصح عن النبي -ﷺ-،
_________________
(١) الأنوار الكاشفة (١٩٠).
[ ٣٧١ ]
لأنه يخالف القرآن الكريم، وكل ما خالف القرآن الكريم فهو باطل، لأن الذين رووا: نقلة بشر، يخطئون ويصيبون، والقرآن ليس فيه خطأ، كله صواب منقول بالتواتر، فما خالفه من أي حديث كان فإنه يحكم بأنه غير صحيح، وإن رواه من رواه" (^١).
وتحرير القول وبيانه، في مخالفة هذا الحديث لصريح القرآن كما يلي:
- أن هذا الحديث جعل ابتداء الخلق يوم السبت، وانتهاءه يوم الجمعة، فتكون مدة الخلق على هذا سبعة أيام، وهذا خلاف ما دل عليه القرآن، وانعقد عليه الإجماع من أن خلق السموات والأرض وما بينهما، كان في ستة أيام، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤].
قال ابن تيمية: "النصوص والآثار المتواترة عن النبي -ﷺ-، وأصحابه والتابعين متطابقة على ما دل عليه القرآن من أن خلق السموات والأرض في ستة أيام وهذا أيضًا متفق عليه بين أهل الملل كاليهود والنصارى، وهو مذكور في التوراة وغيرها كما ذكر في القرآن" (^٢).
- وفي هذا الحديث أيضًا أن ابتداء الخلق كان يوم السبت، والذي تدل عليه الأدلة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه -ﷺ-، أن ابتداء الخلق يوم الأحد، وبيان ذلك: أنه لا نزاع في كون آدم ﵇ خلق يوم الجمعة (^٣)، وأنه آخر المخلوقات (^٤)، وهو صريح هذا الحديث، ففيه: (وخلق آدم ﵇ بعد
_________________
(١) شرح رياض الصالحين (٤/ ٥٢٢).
(٢) بغية المرتاد (٣٠٣)، وانظر: (٣٠٧)، ومجموع الفتاوى (١٨/ ١٨).
(٣) أخرج مسلم في صحيحه (٦/ ٣٩٠) ح (٨٥٤) من حديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها).
(٤) انظر: بغية المرتاد (٣٠٦)، وتاريخ الأمم والملوك للطبري (١/ ٤٦).
[ ٣٧٢ ]
العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل).
فإذا كان آدم آخر الخلق، وكان خلقه يوم الجمعة، وكان خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وكان خلق آدم ﵇ داخلًا في هذه الأيام الستة، علم يقينًا أن ابتداء الخلق يوم الأحد لا السبت، وهذا ظاهر.
قال ابن جرير الطبري: "لا خلاف بين جميع أهل العلم أن اليومين اللذين ذكرهما الله ﵎ في قوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] داخلان في الأيام الستة التي ذكرهن قبل ذلك، فمعلوم إذا كان الله ﷿ إنما خلق السموات والأرضين وما فيهن في ستة أيام، وكانت الأخبار مع ذلك متظاهرة عن رسول الله -ﷺ- بأن آخر ما خلق الله من خلقه آدم، وأن خلقه إياه كان في يوم الجمعة: أن يوم الجمعة الذي فرغ فيه من خلق خلقه، داخل في الأيام الستة التي أخبر الله تعالى ذكره أنه خلق خلقه فيهن، لأن ذلك لو لم يكن داخلًا في الأيام الستة، كان إنما خلق خلقه في سبعة أيام لا في ستة، وذلك خلاف ما جاء به التنزيل، فتبين إذًا إذ كان الأمر كالذي وصفنا في ذلك: أن أول الأيام التي ابتدأ الله فيها خلق السموات والأرض وما فيهن من خلقه، يوم الأحد، إذ كان الآخر يوم الجمعة، وذلك ستة أيام كما قال ربنا ﷻ" (^١).
وقال ابن تيمية: "ثبت بالتواتر أن خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وثبت أن آخر الخلق كان يوم الجمعة، فيلزم أن يكون أول الخلق يوم الأحد، وهكذا هو عند أهل الكتاب، وعلى ذلك تدل أسماء الأيام، وهذا هو المنقول الثابت في أحاديثَ وآثار أخر، ولو كان أول الخلق يوم السبت وآخره يوم الجمعة، لكان قد خلق في الأيام السبعة، وهو
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (١/ ٤٦).
[ ٣٧٣ ]
خلاف ما أخبر به القرآن" (^١).
وعلى هذا القول، وهو أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد: جمهور العلماء من الصحابة والتابعين (^٢) وغالب أهل التفسير، كالطبري والسمعاني (^٣)، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير، والشوكاني، وصديق بن حسن القنوجي، والسعدي (^٤).
بل نقل الطبري والقرشي (^٥) الإجماع على ذلك:
قال الطبري: "وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: اليوم الذي ابتدأ الله -تعالى ذكره- فيه خلق السموات والأرض: يوم
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٨ - ١٩)، وانظر: (١٧/ ٢٣٥)، وبغية المرتاد (٣٠٦).
(٢) انظر: بغية المرتاد (٢٩٩)، والبداية والنهاية (١/ ١٣)، وص (٣٦١) من هذا البحث.
(٣) هو الإمام العلامة أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد التميمي السمعاني المروزي، مفتي خراسان وشيخ الشافعية، كان حنفيًا ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، وكان فقيهًا زاهدًا ورعًا، وكان شوكًا في أعين المخالفين، وحجة لأهل السنة، له مؤلفات منها: تفسيره المشهور، والانتصار، والقواطع في أصول الفقه، توفي ﵀ سنة تسع وثمانين وأربعمائة (٤٨٩). [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ١٨٢)، والسير (١٩/ ١١٤)، والعبر (٢/ ٣٦١)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٩٣)].
(٤) انظر على الترتيب: جامع البيان للطبري (٥/ ٥١٣)، وتفسير القرآن العظيم لأبي المظفر السمعاني (٥/ ٣٨)، ومعالم التنزيل للبغوي (٤/ ١٠٨)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٥/ ٣٤٥، ٣٤٢)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٣٥٢)، وفتح القدير للشوكاني (٢/ ٢١١)، وفتح البيان في مقاصد القرآن لصديق بن حسن القنوجي (٦/ ١٥٠ - ١٥١)، وتيسير الكريم الرحمن للسعدي (٦/ ٥٦٢).
(٥) هو محيي الدين عبد القادر بن محمد بن محمد بن نصر الله بن سالم بن أبي الوفاء الحنفي القرشي، برع في الفقه، ودرَّس وأفاد وصنَّف، وشرح معاني الآثار للطحاوي، وله أيضًا: الجواهر المضيَّة في طبقات الحنفية، توفي ﵀ سنة خمس وسبعين وسبعمائة (٧٧٥). [انظر: الدرر الكامنة (٢/ ٣٩٢)، وشذرات الذهب (٦/ ٢٣٨)، والأعلام (٤/ ٤٢)].
[ ٣٧٤ ]
الأحد، لإجماع السلف من أهل العلم على ذلك" (^١).
وقال القرشي: "اتفقت الناس على أن يوم السبت لم يقع فيه خلق، وأن ابتداء الخلق يوم الأحد" (^٢).
- وأيضًا فهذا الحديث مخالف للقرآن في جعله مدة خلق الأرض وما فيها ستة أيام، ولم يذكر فيها خلق السموات، والقرآن صريح في أن مدة خلق الأرض وما فيها أربعة أيام، وتمام الستة كان فيها خلق السموات، أي: في اليوم الخامس والسادس، قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ٩ - ١٢].
قوله: ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾، قال الطبري: "وذلك يوم الأحد ويوم الإثنين، وبذلك جاءت الأخبار عن رسول الله -ﷺ-، وقالته العلماء" (^٣).
وقوله: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في تتمة أربعة أيام، قال البغوي: "يريد: خلقَ ما في الأرض، وقدر الأقوات في يومين: يوم الثلاثاء والأربعاء، فهما مع الأحد والإثنين أربعة أيام، رد الآخر على الأول في الذكر، كما تقول: تزوجت أمس امرأة، واليوم ثنتين، وإحداهما هي التي تزوجتها بالأمس" (^٤).
وقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾، قال الطبري: "ففرغ من خلقهن سبع سموات في يومين، وذلك يوم الخميس والجمعة" (^٥).
قال القرطبي بعدما فسر هذه الآيات بما تقدم: "على هذا أهل
_________________
(١) تاريخ الأمم والملوك (١/ ٤٥).
(٢) الجواهر المضيَّة في طبقات الحنفيه (٤/ ٥٦٨).
(٣) جامع البيان (١١/ ٨٧).
(٤) معالم التنزيل (٤/ ١٠٨).
(٥) جامع البيان (١١/ ٩٢).
[ ٣٧٥ ]
التفسير، إلا ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة " (^١)، ثم ذكر حديث التربة.
وقال الشنقيطي (^٢) بعدما ذكر هذا التفسير: "وهذا التفسير الذي ذكرنا في الآية لا يصح غيره بحال، لأن الله تعالى صرح في آيات متعددة من كتابه بأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام فلو لم يفسر قوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ بأن معناه: في تتمة أربعة أيام، لكان المعنى أنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ثمانية أيام" (^٣).
الخلاصة:
مما تقدم يظهر جليًا مخالفة هذا الحديث لصريح القرآن من عدة وجوه:
الأول: أن القرآن صريح في أن خلق السموات والأرض وما بينهما، كان في ستة أيام، وهذا الحديث - (خلق الله التربة يوم السبت) - يتضمن استيعاب الخلق في سبعة أيام.
الثاني: أن الذي دل عليه القرآن مع السنة، وبه قال جمهور أهل العلم: أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد، وهذا الحديث يجعل ابتداء الخلق يوم السبت.
الثالث: أن القرآن أخبر أن خلق الأرض وما فيها كان في أربعة أيام، وهذا الحديث جعل خلق الأرض وما فيها في ستة أيام.
_________________
(١) الجامع لآحكام القرآن (١٥/ ٣٤٥).
(٢) هو العلامة محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي، من علماء شنقيط، ولد وتعلم بها، وحج سنة (١٣٦٧ هـ)، واستقر مدرسًا في المدينة النبوية ثم الرياض وأخيرًا في الجامعة الإسلامية بالمدينة، وكان عالمًا في جميع الفنون مبرّزًا في اللغة والتفسير، توفي ﵀ بمكة سنة (١٣٩٣ هـ)، وله عدة مؤلفات من أشهرها: أضواء البيان في تفسير القرآن. [انظر: الأعلام (٦/ ٤٥)، وعلماء نجد (٦/ ٣٧١)].
(٣) أضواء البيان (٧/ ١١٧).
[ ٣٧٦ ]
الرابع: أن القرآن جعل خلق السموات داخلًا في الأيام الستة، بينما هذا الحديث لم يذكر خلق السموات.
فهذه الوجوه -وهي علل المتن التي تقدم ذكرها في القول الأول- تجعل الحديث مطعونًا في صحته، لا سيما وقد أعله من جهة سنده جمع من أهل العلم، وفيهم الحفاظ والنقاد، وأئمة الجرح والتعديل، وأهل المعرفة بالعلل والأسانيد، كعلي بن المديني والبخاري ويحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي والبيهقي وابن تيمية وابن القيم وابن كثير.
وأما محاولة أصحاب القول الثاني توجيه الحديث ودفع مخالفته للقرآن -وذلك بالإجابة على علل المتن- فغير مجدية، لأن أجوبتهم عن علل المتن، ليست في القوة ما يجعلها تنهض لدفع إشكال الحديث، وإزالة ما فيه من مخالفة لكتاب الله تعالى، خاصةً ما أجابوا به على عدم ذكر خلق السموات فيه.
قال القرطبي: "وتحقيق هذا أنه لم يذكر في هذا الحديث نصًا على خلق السموات، مع أنه ذكر فيه أيام الأسبوع كلها، وذكر ما خلق الله تعالى فيها، فلو خلق السموات في يوم زائد على أيام الأسبوع، لكان خلق السموات والأرض في ثمانية أيام، وذلك خلاف المنصوص عليه في القرآن، ولا صائر إليه.
وقد رُوي هذا الحديث في غير كتاب مسلم بروايات مختلفة مضطربة فلا يعتمد على ما تضمنته من ترتيب المخلوقات في تلك الأيام، والذي يعتمد عليه في ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] الآيات، فلينظر فيها من أراد تحقيق ذلك" (^١).
ومما يحسن التنبيه عليه أن أصحاب القولين -المصححين للحديث
_________________
(١) المفهم (٣٤٣).
[ ٣٧٧ ]
والمضعفين له- متفقون على تنزيل الأيام الستة المذكورة في القرآن على الأيام الواردة في حديث التربة، ما عدا الألباني ﵀، حيث ذهب -كما تقدم- إلى أن الأيام الواردة في الحديث غير الأيام الستة المذكورة في القرآن، وقوله هذا يرده ويشكل عليه أن الحديث ورد فيه خلق الجبال والأشجار، فإذا جعلنا ما ورد في الحديث غير ما ورد في القرآن، لزم من ذلك إخراج خلق الجبال والشجر من الأيام الستة المذكورة في القرآن، وهذا مخالف لصريح القرآن، حيث جعل خلق الجبال والأقوات -وهي الشجر وكل ما يقتات الناس (^١) - داخلًا في الأيام الستة، قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾.
* * *
_________________
(١) انظر: جامع البيان (١١/ ٨٩ - ٩٠)، وتفسير القرآن للسمعاني (٥/ ٨٣)، وزاد المسير (٧/ ٢٤٤)، والجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٣٤٢ - ٣٤٣)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٤/ ١٤١)، وفتح القدير (٤/ ٥٠٧)، وأضواء البيان (٧/ ١١٨).
[ ٣٧٨ ]
المبحث الثالث: (لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه)
وفيه ثلاثة مطالب:
* المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال.
* المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال.
* المطلب الثالث: الترجيح.
[ ٣٧٩ ]
المطلب الأول: سياق الحديث المتوهم إشكاله وبيان وجه الإشكال
عن عائشة -﵁-: عن النبي -ﷺ- قال: (سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني (^١) الله بمغفرة ورحمة) متفق عليه (^٢).
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله)، قالوا: يا رسول الله ولا أنت؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)، متفق عليه (^٣).
وعن جابر -﵁- قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: (لا يُدخِل أحدًا منكم عملُه الجنةَ ولا يجيره من النار، ولا أنا إلا برحمة من الله)، رواه مسلم (^٤).
_________________
(١) أي: يلبسني ويغشيني ويسترني، مأخوذ من غمد السيف، وهو غلافه، لأنك إذا أغمدته فقد ألبسته إياه وغشيته به. [انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٣/ ١٦٥ - ١٦٦)، وتهذيب اللغة (٨/ ٩٤ - ٩٥) مادة: (غمد)، والنهاية في غريب الحديث (٣/ ٣٨٣)].
(٢) البخاري في موضعين: في كتاب الرقاق، باب: القصد والمداومة على العمل (٥/ ٢٣٧٣) ح (٦١٠٢)، و(٦٠٩٩). ومسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله (١٧/ ١٦٧) ح (٢٨١٨).
(٣) البخاري في موضعين: في كتاب الرقاق، باب: القصد والمداومة على العمل (٥/ ٢٣٧٣) ح (٦٠٩٨)، وفي كتاب المرضى، باب: نهي تمني المريض الموت (٥/ ٢١٤٦) ح (٥٣٤٩)، ومسلم واللفظ له: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله (١٧/ ١٦٤) ح (٢٨١٦).
(٤) صحيح مسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله (١٧/ ١٦٧) ح (٢٨١٧).
[ ٣٨٠ ]
بيان وجه الإشكال
أن هذه الأحاديث -والتي بلغت مبلغ التواتر (^١) - تنص على عدم دخول الجنة بالأعمال (لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه)، والقرآن ينص على دخول الجنة بالأعمال كما في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، وقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، فكيف نجمع بين هذه الآيات والأحاديث؟ هذا ما سوف يتضح في المطالب التالية.
* * *
_________________
(١) انظر: العواصم والقواصم لابن الوزير (٧/ ٢٩٠).
[ ٣٨١ ]
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
للناس مع هذه الأحاديث ثلاثة مواقف:
الموقف الأول: الجمع بينها وبين الآيات التي تنص على أن دخول الجنة يكون بالأعمال، وذلك بالعمل بها جميعًا، حيث قالوا: إنه لا تنافي بينها، لأن توارد النفي -الذي في الحديث- والإثبات -الذي في الآية- ليس على محل واحد، وعلى هذا القول أهل السنة والجماعة ومن وافقهم، ولكنهم اختلفوا في كيفية الجمع على أقوال، أشهرها:
القول الأول: أن المنفي في الحديث: (لن ينجو أحد منكم بعمله) هو كون العمل عوضًا وثمنًا كافيًا للنجاة ودخول الجنة، إذ لا بد من عفو الله وفضله ورحمته، فالذي نفاه النبي -ﷺ-: باء المقابلة والعوض، وكون دخول الجنة بمجرد الأعمال.
وأما المثبت في الآية: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] فهو: باء السببية، أي: بسسب أعمالكم، فالأعمال سبب لدخول الجنة.
وإلى هذا القول ذهب جمع من أهل العلم كالنووي (^١)، وابن تيمية (^٢)، وابن القيم، وابن كثير (^٣)، وابن أبي العز (^٤)، والعراقي (^٥)، وابن
_________________
(١) انظر: شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٦٦).
(٢) انظر: الفرقان (٩٦)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٧٠).
(٣) انظر: تفسير ابن كثير (٢/ ٣٤٥)، و(٤/ ٢٠٤).
(٤) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (٦٤٢ - ٦٤٣، ٦٦٢ - ٦٦٣).
(٥) انظر: طرح التثريب (٨/ ٢٤١). والعراقي هو: الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم المهراني المولد، العراقي الأصل =
[ ٣٨٢ ]
الوزير (^١)، والمقريزي (^٢)، وغيرهم (^٣).
قال ابن القيم: "الباء المقتضية للدخول غير الباء التي نُفي معها الدخول، فالمقتضية هي باء السببية، الدالة على أن الأعمال سبب للدخول، مقتضية له كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها، والباء التي نُفي بها الدخول هي باء المعاوضة والمقابلة التي في نحو قولهم: اشتريت هذا بهذا.
فأخبر النبي -ﷺ- أن دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد، وأنه لولا تغمد الله سبحانه لعبده برحمته لما أدخله الجنة، فليس عمل العبد -وإن تناهى- موجبًا بمجرده لدخول الجنة، ولا عوضًا لها، فإن أعماله وإن وقعت منه على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، فهي لا تقاوم نعمة الله التي أنعم بها عليه في دار الدنيا، ولا تعادلها، بل لو حاسَبَه لوقعت أعماله كلها في مقابلة اليسير من نعمه، وتبقى بقية النعم مقتضيةً لشكرها، فلو عذبه في
_________________
(١) = الكردي الشافعي، رحل مع أبيه وهو صغير إلى مصر فتعلم ونبغ فيها، وكان عالمًا بالنحو واللغة والغريب والقراءات والفقه وأصوله، غير أنه غلب عليه الحديث فاشتهر به، توفي ﵀ بالقاهرة سنة (٨٠٦ هـ) له مؤلفات عدة منها: المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، وطرح التثريب في شرح التقريب. [انظر: شذرات الذهب (٧/ ٥٥)، والبدر الطالع (١/ ٣٥٤)، والأعلام (٣/ ٣٤٤)].
(٢) انظر: العواصم والقواصم (٧/ ٢٩٩).
(٣) انظر: تجريد التوحيد (١٠٨ - ١٠٩)، والمقريزي هو: أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد أبو العباس المقريزي، البعلبكي الأصل، المصري المولد والوفاة، الحنفي ثم الشافعي، تفقه وبرع، ونظر في عدة فنون، وأُولع بالتاريخ فجمع منه شيئًا كثيرًا، له مصنفات عديدة منها: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ويعرف بخطط المقريزي، وله أيضًا تجريد التوحيد المفيد، توفي ﵀ سنة خمس وأربعين وثمانمائة (٨٤٥). [انظر: الضوء اللامع (٢/ ٢١)، وشذرات الذهب (٧/ ٢٥٤)، والبدر الطالع (١/ ٧٩)، والأعلام (١/ ١٧٧)].
(٤) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٣/ ٤٦٥).
[ ٣٨٣ ]
هذه الحالة لعذبه وهو غير ظالم له، ولو رحمه لكانت رحمته خيرًا له من عمله" (^١).
القول الثاني: أن أصل دخول الجنة لا يكون إلا برحمة الله، وعلى هذا يحمل الحديث، وأما التفاوت في المنازل والدرجات في الجنة فيكون بالأعمال، وعلى هذا تحمل الآية.
وإلى هذا ذهب ابن بطال وغيره (^٢).
قال ابن بطال: "فإن قال قائل: فإن قوله ﵇: (لن يدخل أحدكم عمله الجنة) يعارض قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]، قيل: ليس كما توهمت، ومعنى الحديث غير معنى الآية، أخبر النبي -ﷺ- في الحديث أنه لا يستحق أحد دخول الجنة بعمله، وإنما يدخلها العباد برحمة الله، وأخبر الله تعالى فى الآية أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، ومعلوم أن درجات العباد فيها متباينة على قدر تباين أعمالهم، فمعنى الآية في ارتفاع الدرجات وانخفاضها والنعيم فيها، ومعنى الحديث في الدخول في الجنة والخلود فيها، فلا تعارض بين شيء من ذلك.
فإن قيل: فقد قال تعالى في سورة النحل: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، فأخبر أن دخول الجنة بالأعمال أيضًا، فالجواب: أن قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ كلام مجمل يبينه الحديث، وتقديره: ادخلوا منازل الجنة وبيوتها بما كنتم تعملون، فالآية مفتقرة إلى بيان لحديث" (^٣).
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (١/ ١٢٠)، وانظر: (٢/ ٥١٤، ٥٥٠)، وحادي الأرواح (١٢٤).
(٢) انظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ١١٠)، ومفتاح دار السعادة (١/ ١١٩)، وحادي الأرواح (١٢٤)، والعواصم والقواصم لابن الوزير (٧/ ٢٩٦)، وفتح الباري (١١/ ٢٩٧، ٢٩٦).
(٣) شرح صحيح البخاري (١٠/ ١٨٠).
[ ٣٨٤ ]
القول الثالث: أن التوفيق للعمل من رحمة الله تعالى، فلولا رحمته لما صلح عمل ولا حصلت طاعة، وعلى هذا فدخول الجنة بالأعمال لا يكون إلا مع رحمة الله تعالى، فالحديث مفسر للآية، وإلى هذا ذهب القاضي عياض وغيره (^١).
قال ﵀: "لا تعارض بين هذا وبين قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وشبهه من الآيات، لأن الحديث يفسر ما أجمل ها هنا، وأن معنى ذلك: مع رحمة الله وبرحمة الله، إذ من رحمة الله توفيقه للعمل، وهدايته للطاعات، وأنه لم يستحقها بعمله، إذ الكل بفضل من الله تعالى" (^٢).
القول الرابع: ما ذهب إليه ابن حجر ﵀ حيث قال: "ويظهر لي في الجمع بين الآية والحديث جواب آخر، وهو أن يحمل الحديث على أن العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولًا، وإذا كان كذلك فأمر القبول (^٣) إلى الله تعالى، وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه، وعلى هذا، فمعنى قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: تعملونه من العمل المقبول، ولا يضر بعد هذا أن تكون الباء للمصاحبة أو للإلصاق أو المقابلة، ولا يلزم من ذلك أن تكون سببية" (^٤).
الموقف الثاني: ما ذهبت إليه القدرية، وهو: أن الجنة عوض عن العمل وثمن له، فالعبادات شرعت أثمانًا لما يناله العباد من الثواب والنعيم، وذلك بمنزلة استيفاء الأجير أجره، وعلى هذا فدخول الجنة راجع إلى محض الأعمال، واستدلوا بما تقدم من الآيات وما في معناها كقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]،
_________________
(١) انظر: شرح صحيح البخاري (١٠/ ١٨١)، وكشف المشكل (٣/ ١١٠)، والعواصم والقواصم (٧/ ٢٩٣)، وفتح الباري (١١/ ٢٩٦).
(٢) إكمال المعلم (٨/ ٣٥٣).
(٣) في الأصل (القول)، ولعل الصواب ما أثبته، بدلالة السياق، والله أعلم.
(٤) فتح الباري (١١/ ٢٩٦).
[ ٣٨٥ ]
وقوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]، فقالوا: إن الله تعالى -في هذه الآيات- جعل الجنة عوضًا عن الأعمال (^١).
الموقف الثالث: ما ذهبت إليه الجبرية من أن الأعمال ليس لها ارتباط بالجزاء البتة، وأنها ليست سببًا في دخول الجنة، فدخولها راجع إلى محض المشيئة (^٢).
واستدلوا بما تقدم من الأحاديث التي فيها نفي دخول الجنة بالأعمال (^٣).
* * *
_________________
(١) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٥٠٢، ٥١٤ - ٥١٥)، و(٣/ ٣٣)، وشرح العقيدة الطحاوية (٦٤٢)، وتجريد التوحيد (١٠٦ - ١٠٧)، وفتح الباري (١١/ ٢٩٦).
(٢) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٥٠٢، ٥١٤)، و(٣/ ٣٤)، وشرح العقيدة الطحاوية (٦٤١)، وتجريد التوحيد (١٠٧)، وفتح الباري (١١/ ٢٩٦).
(٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (٦٤١)، والحياة الآخرة للدكتور غالب العواجي (٢/ ١٠٦٩).
[ ٣٨٦ ]
المطلب الثالث: الترجيح
الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن مجرد الأعمال غير كاف في دخول الجنة، إذ لا بد من رحمة الله تعالى، فبدونها لا تجب الجنة لأحد، كما تقدم في الأحاديث، حيث قال -ﷺ-: (لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة).
وقد جاء القرآن مصدقًا لمعنى هذه الأحاديث، كما في قوله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
وقال تعالى بعد ذكر الجنة: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)﴾ [الدخان: ٥٦، ٥٧].
وقال جل وعلا: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٧].
وليس في كتاب الله أن العمل يُدخل الجنة، وإنما فيه أن الله هو يدخل الجنة به في بعض الآيات، وفي بعضها بالعمل وبتكفير الله تعالى للسيئات، وهي زيادة يجب اعتبارها.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التغابن: ٩].
وقال تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ
[ ٣٨٧ ]
بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾ [الزمر: ٣٥]، وهذا كثير في كتاب الله تعالى، ولا دليل على أن التكفير واجب بالعمل، بل الأدلة ناهضة بخلافه، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، وقوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] (^١).
قال الإمام البربهاري (^٢): "اعلم أنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، ولا يعذب الله أحدًا إلا بقدر ذنوبه، ولو عذب أهل السموات والأرض، برهم وفاجرهم، عذبهم غير ظالم لهم" (^٣).
وقال الإمام الصابوني (^٤) في معرض بيان عقيدة أهل السنة والجماعة: "ويعتقدون ويشهدون أن أحدًا لا تجب له الجنة -وإن كان عمله حسنًا وطريقه مرضيًا- إلا أن يتفضل الله عليه، فيوجبها له بمنه وفضله، إذ عمل الخير الذي عمله لم يتيسر له إلا بتيسير الله عز اسمه، فلو لم ييسره له، ولو لم يهدِه لم يهتد له أبدًا، قال الله ﷿: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١] " (^٥).
_________________
(١) انظر: العواصم والقواصم (٧/ ٢٩٢).
(٢) هو شيخ الحنابلة في وقته، القدوة الإمام أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري، كان فقيهًا بالحق، داعية إلى الأثر، لا يخاف في الله لومة لائم، له مصنف مشهور في الاعتقاد، اسمه: شرح السنة، توفي ﵀ تسع وعشرين وثلاثمائة (٣٢٩). [انظر: طبقات الحنابلة (٣/ ٣٦)، والسير (١٥/ ٩٠)، والعبر (٢/ ٣٣)، وشذرات الذهب (٢/ ٣١٩)].
(٣) شرح السنة (٣٥).
(٤) هو إسماعيل بن عبد الرحمن النيسابوري الشافعي الواعظ المفسر المصنف، أحد الأعلام وشيخ خراسان في زمانه جلس للوعظ وهو ابن عشر سنين، وكان إمامًا حافظًا عمدة مقدمًا في الوعظ والأدب وكان سيف السنة وأفعى أهل البدعة توفي ﵀ سنة (٤٤٩ هـ). [انظر: السير (١٨/ ٤٠)، والعبر (٢/ ٢٩٤)، وشذرات الذهب (٤/ ٢٨٢)].
(٥) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (٢٩٤ - ٢٩٥).
[ ٣٨٨ ]
كما أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الأعمال الصالحة أسباب موصلة إلى ثواب الله تعالى وجنته، لكن ذلك لا يتحقق إلا بتوفر الشروط -والتي من أعظمها رحمة الله- وانتفاء الموانع.
قال ابن تيمية: "مجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب، فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لا بد من ريح مُرْبِيَةٍ بإذن الله ولا بد من صرف الانتفاء عنه، فلا بد من تمام الشروط وزوال الموانع وكل ذلك بقضاء الله وقدره وكذلك أمر الآخرة، ليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة، بل هو سبب ولهذا قال النبي -ﷺ-: (إنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) " (^١).
وقال المقريزي: "الأعمال أسباب موصلة إلى الثواب، والأعمال الصالحات من توفيق الله وفضله، وليست قدْرًا لجزائه وثوابه، بل غايتها إذا وقعت على أكمل الوجوه: أن تكون شكرًا على أحد الأجزاء القليلة من نعمه سبحانه، فلو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم" (^٢).
وأما ما قيل في الجمع بين حديث: (لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة) وما في معناه، وآية: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وما في معناها، فأحسنها القول الأول، وهو: أن المنفي في الحديث كون الأعمال بمجردها توجب دخول الجنة، وأما المثبت في الآية فهو كون الأعمال سبب في دخول الجنة، والفرق بين الأمرين ظاهر، وقد جمع النبي -ﷺ- بينهما في قوله: (سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه)،
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٧٠) بتصرف يسير.
(٢) تجريد التوحيد (١٠٨).
[ ٣٨٩ ]
قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة)، متفق عليه.
قال ابن الوزير: "اعلم أن أهل السنة لا ينكرون أن الجنة تُدَخلُ بعمل كما ورد في القرآن، وإنما ينكرون ما ليس في القرآن من كونها تُستَحقُ على الله بالعمل استحقاق المبيعات بأثمانها، بحيث إنه لا فضل للبائع على المشتري.
فمرجع النزاع في أن الباء في قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، هل هي باء المعاوضة للشيء بمقدار ثمنه، مثل الثوب بالدرهم، أو هي باء السببية، كقولك: أكرمني الملِكُ بسابق معرفة، أو بكلمة طيبة سمعها مني، أو نحو ذلك؟
والقرآن إنما نص على العمل، لا على أن الباء فيه للثمن المساوي، ولو قال أهل السنة: بعدم العمل، لجوَّزوا الجنة للمشركين فاعرف هذه النكتة" (^١).
وأما الأقوال الأخرى في الجمع فإنها عند التأمل نجد أنها تؤول إلى هذا القول، كما أن هذا القول لا يخالف ما جاء في بقية الأقوال بل يوافقها، فالأقوال كلها لا تخالف في كون الأعمال أسبابًا موصلة إلى رضوان الله والجنة، وأن تفاوت العباد في المنازل والدرجات في الجنة يكون بحسب الأعمال، كما أن التوفيق للأعمال الصالحة والهداية لها، ومن ثَم دخول الجنة، والتفاوت في منازلها، كل ذلك برحمة الله تعالى وفضله، وأن مجرد الأعمال -بقطع النظر عن رحمة الله تعالى- لا توجب دخول الجنة، إذ ليست الجنة عوضًا عن الأعمال وثمن لها.
وإليك كلام النووي، حيث اشتمل على مجمل هذه الأقوال، قال رحمه الله تعالى: "أما قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿وَتِلْكَ
_________________
(١) العواصم والقواصم (٧/ ٢٩٩).
[ ٣٩٠ ]
الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾، ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يُدخل بها الجنة، فلا يعارض هذه الأحاديث، بل معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها، وقبولها، برحمة الله تعالى وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الأحاديث، ويصح أنه دخل بالأعمال، أي: بسببها، وهي من الرحمة، والله أعلم" (^١).
وأما الموقف الثاني، وهو ما ذهبت إليه القدرية من أن الجنة عوض عن العمل وثمن له، فهو باطل ظاهر البطلان، والأحاديث المتقدمة في نفي دخول الجنة بمجرد الأعمال ترد عليهم. وقد بيَّن الله تعالى في عدة آيات من كتابه أن الأنبياء وهم الأنبياء إنما يدخلون الجنة برحمة الله، فإذا كان الأنبياء كذلك فكيف بغيرهم (^٢).
قال الله تعالى حكاية عن آدم وحواء ﵈: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
وقال ﷿ حكاية عن نوح: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧].
وحكى عن إبراهيم قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧].
وأما الموقف الثالث، وهو ما ذهبت إليه الجبرية، حيث أنكرت كون الأعمال سببًا في دخول الجنة، فهو باطل أيضًا، والآيات الدالة على أن دخول الجنة يكون بالأعمال ترد عليهم، وإذا كان "من عذبه الله من المشركين، فقد عذبه بعمله، فكذلك من أثابه الله من الموحدين، فقد أثابه وأدخله الجنة بعمله" (^٣).
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٦٦).
(٢) انظر: العواصم والقواصم (٧/ ٢٩٥ - ٢٩٦).
(٣) العواصم (٧/ ٢٩٩).
[ ٣٩١ ]
ونلاحظ أن كل واحد من الفريقين -القدرية والجبرية- قد تمسك بنوع من النصوص، وأغفل النوع الآخر، والحق الذي لا مرية فيه، هو القول: بمدلول النصوص كلها، وعدم طرح شيء منها، لأنها كلها حق وصدق -والحق لا يتعارض بل يصدق بعضه بعضًا- فيحمل كل نوع من النصوص على وجه لا يخالف النوع الآخر، وهو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، كما تقدم.
قال ابن تيمية: "وفي هذا الموضع ضل طائفتان من الناس:
فريق آمنوا بالقدر، وظنوا أن ذلك كافٍ في حصول المقصود فأعرضوا عن الأسباب الشرعية والأعمال الصالحة، وهؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن يكفروا بكتب الله ورسله ودينه.
وفريق أخذوا يطلبون الجزاء من الله كما يطلبه الأجير من المستأجر متكلين على حولهم وقوتهم وعملهم، وكما يطلبه المماليك، وهؤلاء جهال ضلال فإن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به حاجة إليه، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلًا به، ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم، وهو سبحانه كما قال: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) (^١)، فالملِكُ إذا أمر مملوكيه بأمر، أمرهم لحاجته إليهم، وهم فعلوه بقوتهم التي لم يخلقها لهم، فيطالبون بجزاء ذلك، والله تعالى غني عن العالمين، فإن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم، وإن أساؤوا فلها، لهم ما كسبوا وعليهم ما اكتسبوا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦] " (^٢).
وقال ابن القيم ردًا على الجبرية والقدرية، بعد بيانه للقول الراجح في هذه المسألة:
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٦/ ٣٦٨) ح (٢٥٧٧).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٧٣).
[ ٣٩٢ ]
"ولا يصح في النصوص والعقول إلا ما ذكرناه من التفصيل، وبه يتبين أن الحق مع الوسط بين الفِرَق في جميع المسائل، لا يُستثنى من ذلك شيء، فما اختلفت الفِرَق إلا كان الحق مع الوسط، وكلٌّ من الطائفتين معه حق وباطل، فأصاب الجبرية في نفي المعاوضة، وأخطأوا في نفي السببية، وأصاب القدرية في إثبات السببية، وأخطأوا في إثبات المعاوضة، فإذا ضممت أحد نفيَي الجبرية إلى أحد إثباتَي القدرية، ونفيت باطلهما كنت أسعد بالحق منهما" (^١).
وقال المقريزي: "وتأمل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]، مع قوله -ﷺ-: (لن يدخل أحدٌ منكم الجنة بعمله) تجد الآية تدل على أن الجنان بالأعمال، والحديث ينفي دخول الجنة بالأعمال، ولا تنافي بينهما، لأن توارد النفي والإثبات ليس على محل واحد، فالمنفي باء الثمنية، واستحقاق الجنة بمجرد الأعمال، ردًا على القدرية المجوسية، التي زعمت أن التفضل بالثواب ابتداءً متضمن لتكدير المنة.
والباء المثبتة التي وردت في القرآن هي باء السببية، ردًا على القدرية الجبرية، الذين يقولون: لا ارتباط بين الأعمال وجزائها، ولا هي أسباب لها، وإنما غايتها أن تكون أَمَارة.
والسنة النبوية: هي أن عموم مشيئة الله وقدرته لا تنافي ربط الأسباب بالمسببات، وارتباطها بها.
وكل طائفة من أهل الباطل تركت نوعًا من الحق، فإنها ارتكبت لأجله نوعًا من الباطل، بل أنواعًا، فهدى الله أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه" (^٢).
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (٢/ ٥١٥).
(٢) تجريد التوحيد (١٠٨ - ١٠٩).
[ ٣٩٣ ]