- الفصل الأوّل: تعريف أشراط السّاعة.
- الفصل الثّاني: أقسام أشراط السّاعة.
- الفصل الثّالث: أشراط السّاعة الصغرى.
[ ٧١ ]
الفصل الأوّل: تعريف أشراط السّاعة
معنى الشرط:
الشَّرَط - بالتحريك -: هو العلّامة، جمعه أشراط، وأشراط الشيء: أوائله، ومنه: شُرَط السلطان، وهم نُخْبَة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده، ومنه: الاشتراط الّذي يشترطه النَّاس بعضهم على بعض، فالشرط علامةٌ على المشروط (^١).
معنى السّاعة في اللُّغة:
هي جزءٌ من أجزاء اللّيل والنهار، جمعها: ساعات وساع، واللّيل والنهار معًا أربع وعشرون ساعة.
معنى السّاعة في الاصلاح الشرعي:
والمراد بالساعة في الاصطلاح الشرعي: الوقت الّذي تقوم فيه القيامة، وسُمِّيت بذلك لسرعة الحساب فيها، أو لأنّها تفجأ النَّاس في
_________________
(١) انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" (٢/ ٤٦٠)، و"لسان العرب" (٧/ ٣٢٩ - ٣٣٠) لأبي الفضل ابن منظور، ط. دار الفكر ودار صادر، بيروت.
[ ٧٣ ]
ساعة، فيموت الخلق كلهم بصيحة واحدة (^١).
فأشراط السّاعة: هي علامات القيامة الّتي تسبقها وتدل على قربها. وقيل: هي ما تُنْكِرُه النَّاس من صغار أمورها قبل أن تقوم السّاعة. وقيل: هي أسبابها الّتي هي دون معظمها وقيامها (^٢).
والساعة تُطْلَق على ثلاثة معان:
أ - السّاعة الصغرى: وهي موت الإِنسان، فمَن مات، فقد قامت قيامته؛ لدخوله في عالم الآخرة.
ب - والساعة الوسطى: وهي موت أهل القرن الواحد، ويؤيِّد ذلك ما روته عائشة ﵂؛ قالت: كان الإعراب إذا قدموا على رسول الله - ﷺ -؛ سألوه عن السّاعة: متى السّاعة؟ فنظر إلى أحدث إنسان منهم، فقال: "إن يعش هذا لم يدركه الهرم؛ قامت عليكم ساعتكم" (^٣)؛ أي: موتهم، وأن المراد ساعة المخاطبين (^٤).
_________________
(١) انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٤٢٢)، و"لسان العرب" (٨/ ١٦٩)، و"ترتيب القاموس المحيط" (٢/ ٦٤٧) للأستاذ الطّاهر أحمد الزواوي، دار الكتب العلمية، (١٣٩٩ ه ـ).
(٢) انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٤٦٠)، و"لسان العرب" (٧/ ٣٢٩ - ٣٣٠).
(٣) "صحيح البحاري"، كتاب الرقاق، باب سكرات الموت، (١١/ ٣٦١ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب قرب السّاعة، (١٨/ ٩٠ - مع شرح النووي).
(٤) "فتح الباري" (١١/ ٣٦٣).
[ ٧٤ ]
ج - والساعة الكبرى: وهي بعث النَّاس من قبورهم للحساب والجزاء.
وإذا أطلقت السّاعة في القرآن؛ فالمراد بها القيامة الكبرى:
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ (٦٣)﴾ [الأحزاب: ٦٣]؛ أي: عن القيامة.
وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]؛ أي: اقتربت القيامة.
وقد ذكر الله تعالى القيامتين الصغرى والكبرى في القرآن الكريم، فتجده يذكر القيامتين في السورة الواحدة؛ كما في سورة الواقعة:
فإنّه ذكر في أولها القيامة الكبرى: فقال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ١ - ٧].
ثمّ في آخرها ذكر القيامة الصغرى، وهي الموت، فقال: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥].
وذكر القيامتين أيضًا في سورة القيامة، فقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة: ١]، وهذه القيامة الكبرى.
ثمّ ذكر الموت، فقال: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾ [القيامة: ٢٦]، وهو القيامة الصغرى.
[ ٧٥ ]
وغير ذلك كثير في سور القرآن الكريم، ممَّا يضيق المقام عن ذكره. والقيامة الكبرى هي الّتي نحن بصدد بيان أشراطها الّتي جاءت في الكتاب والسُّنَّة (^١).
* * * * *
_________________
(١) انظر: "مجموع الفتاوى" (٤/ ٢٦٣ - ٢٦٥) لشيخ الإسلام ابن تيمية، و"فتح الباري" (١١/ ٣٦٤)، و"تاج العروس من جواهر القاموس" (٥/ ٣٩٠).
[ ٧٦ ]
الفصل الثّاني: أقسام أشراط السّاعة
تنقسم أشراط السّاعة إلى قسمين:
١ - أشراط صغرى:
وهي الّتي تتقدَّم السّاعة بأزمان متطاولة، وتكون من نوع المعتاد؛ كقبض العلم، وظهور الجهل، وشرب الخّمْرِ، والتطاول في البنيان ونحوها، وقد يظهر بعضها مصاحبًا للأشراط الكبرى، أو بعدها.
٢ - أشراط كبرى:
وهي الأمور العظام الّتي تظهر قرب قيام السّاعة، وتكون غير معتادة الوقوع؛ كظهور الدجَّال، ونزول عيسى -﵇-، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشّمس من مغربها (^١).
_________________
(١) انظر: "التذكرة" للقرطبي، (ص ٦٢٤)، و"فتح الباري" (١٣/ ٤٨٥)، وكتاب "إكمال المعلم شرح صحيح مسلم" (١١/ ٧٠) لأبي عبدالله محمّد بن خليفة الأبي المالكي، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، وانظر مقدمة كتاب "التصريح بما تواتر في نزول المسيح" (ص ٩) للمحدث الشّيخ محمّد أنور شاه الكشميري الهندي، ترتيب تلميذه =
[ ٧٧ ]
وقسم بعض العلماء أشراط السّاعة من حيث ظهورها إلى ثلاث أقسام (^١):
١ - قسم ظهر وانقضى.
٢ - قسم ظهر ولا زال يتتابع ويكثر.
٣ - قسم لم يظهر إلى الآن.
فأمّا القسمان الأولان؛ فهما من أشراط السّاعة الصغرى، وأمّا القسم الثّالث؛ فيشترك فيه الأشراط الكبرى وبعض الأشراط الصغرى.
* * * * *
_________________
(١) = الشّيخ محمّد شفيع، وتحقيق وتعليق الشّيخ عبد الفتاح أبو غدة، طبع مطبعة الأصيل، حلب، نشر مكتبة المطبوعات الإِسلامية، جمعية التعليم الشرعي، (١٣٨٥ هـ).
(٢) انظر: "فتح الباري" (١٣/ ٨٣ - ٨٤)، و"الإِشاعة لأشراط السّاعة" (ص ٣) للبرزنجي، و"لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية" (٢/ ٦٦) للعلّامة محمّد بن أحمد السفاريني الحنبلي، تعليق الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبا بطين والشيخ سليمان بن سحمان من علماء نجد، من منشورات مؤسسة الخافقين ومكتبتها، دمشق، الطبعة الثّانية، (١٤٠٢ هـ).
[ ٧٨ ]
الفصل الثّالث: أشراط السّاعة الصغرى
أشراط السّاعة الصغرى الّتي ذكرها العلماء كثيرة جدًّا، وقد ذكرتُ هنا منها ما ثبت بالسُّنَّة أنّه من أشراط السّاعة الصغرى، وتركتُ ما لم يثبت - في حدود علمي القاصر-، وذلك بعد النظر في هذه الأحاديث، ومعرفة كلام العلماء عليها، من حيث الصِّحَّة والضعف، أو قد يكون هناك من الأشراط ما هو ثابتٌ، ولم أطلع على حديثٍ ثابتٍ فيه.
وقد سردتُ هذه الأشراط بدون ترتيب؛ لأنَّني لم أطَّلع على حديث أو أحاديث تنصُّ على ترتيبها، فذكرتُ أوَّلًا ما نصَّ العلماء علي أنّه ظهر وانتهى، ثمّ تحريتُ في ذكري لباقي الأشراط بتقديم ما تقتضي الحوادث تقديمه على غيره، فمثلًا، ظهور الفتن مقدَّم على قبض العلم؛ لأنّ الفتن ظهرت في عصر الصّحابة، وقدَّمت قتال الروم على فتح القسطنطينية؛ لأنّ الخبر جاء بذلك، وجعلتُ فتح القسطنطينية مقدَّمًا على قتال اليهود في زمن عيسى -﵇-؛ لأنّ فتحها قبل ظهور الدَّجَّال، ونزول عيسى ﵇ يكون بعد ظهور الدجَّال، وهكذا وبعض الأشراط يقتضي ذكره في الأخير؛ لأنّه لا يظهر إِلَّا بعد الأشراط الكبرى؛ مثل هدم الكعبة
[ ٧٩ ]
على يدي الحبشة، وظهور الريح الّتي تقبض أرواح المؤمنين.
ومما ينبغي أن يُعْلَمَ أَنَّ كثيرًا من أشراط الساعه قد ظهرت مباديها من عهد الصّحابة ﵃، وهي في ازدياد، ثمّ صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض، والذي يعقبه قيام السّاعة هو استحكام ذلك، فيكون مثلًا قبض العلم لا يقابله إِلَّا الجهل الصّرف، ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم؛ لأنّهم يكونون حينئذ مغمورين في أهل الجهل، وقس عليه غيره من أشراط السّاعة (^١).
وممَّا ينبغي التنبيه عليه أيضًا أن بعض النَّاس يفهم من كونِ الشيء من أشراط السّاعة أنّه محذورٌ وممنوعٌ، وهذه القاعدةُ غير مسلَّمة، فإنّه ليس كلُّ ما أخبر - ﷺ - بكونه من علامات السّاعة يكون محرَّمًا أو مذمومًا، فإن تطاوُلَ الرعاء في البنيان، وفشوَّ المال، وكون خمسين امرأة لهنَّ قيَمٌ واحد ليس بحرام بلا شك، وإنّما هذه علامات، والعلّامة لا يشترط فيها شيء من ذلك، بل تكون بالخير والشر، والمباح، والمحرَّم، والواجب، وغيره، والله أعلم (^٢).
والآن حان الشروع في ذكر أشراط السّاعة الصغرى، وهي كما يلي:
١ - بعثة النّبيّ - ﷺ -:
أخبر - ﷺ - أن بعثتَهُ دليلٌ على قرب قيام السّاعة، وأنّه نبيُّ السّاعة:
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (١٣/ ١٦). وسيأتي بيان ذلك مفصلًا في الكلام على قبض العلم وظهور الجهل.
(٢) "شرح النووي لمسلم" (١/ ١٥٩).
[ ٨٠ ]
ففي الحديث عن سهل ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين"، ويشير بإصبعيه فيمدّهُما (^١).
وعن أنس ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين". قال: وضمَّ السبابة والوسطى (^٢).
وعن قيس بن أبي حازم عن أبي جُبيرة مرفوعًا: "بُعِثْتُ في نسم (^٣) السّاعة" (^٤)
فأول أشراط السّاعة بعثة المصطفى - ﷺ -، فهو النبيُّ الأخير، فلا يليه نبىٌّ آخر، وإنّما تليه القيامة كما يلي السبابة والوسطى، وليسس بينهما إصبع
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب الرقاق، باب قول النّبيّ - ﷺ -: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، (١١/ ٣٤٧ - مع الفتح).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب قرب السّاعة، (١٨/ ٨٩ - ٩٠ - مع شرح النووي).
(٣) (نسم السّاعة): قال ابن الأثير: "هو من النسيم، أول هبوب الريح الضعيفة؛ أي: بُعِثْتُ في أول أشراط السّاعة، وضعف مجيئها. وقيل: هو جمع نسمة؛ أي: بعثت في ذوي أرواح خلقهم الله تعالى قبل اقتراب السّاعة؛ كأنّه قال: في آخر النشء في آدم". "النهاية في غريب الحديث" (٥/ ٤٩ - ٥٠).
(٤) رواه الدولابي في "الكنى" (١/ ٢٣)، وابن منده في "المعرفة" (٢/ ٢٣٤/ ٢). قال الألباني: "صحيح". والحديث رواه الحاكم في "الكنى" - كما في "الفتح الكبير"-، ولم يعزه لغيره. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٣/ ٨) (ح ٢٨٢٩)، و"سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٢/ ٤٦٨) (ح ٨٠٨).
[ ٨١ ]
أخرى، أو كما يفضل إحداهما الأخرى (^١)، ويدلُّ على ذلك رواية التّرمذيّ: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين - وأشار أبو داود بالسبابة والوسطى - فما فضل إحداهما على الأخرى" (^٢)، وفي رواية مسلم: "قال شعبةُ: وسمعتُ قتادة يقول في قصصه: كفضل إحداهما على الأخرى. فلا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة" (^٣).
قال القرطبي: "أولها النّبيّ - ﷺ -؛ لأنّه نبي آخر الزّمان، وقد بُعِثَ وليس بينه وبين القيامة نبىٌّ" (^٤).
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠].
٢ - موت النّبيّ - ﷺ -:
من أشراط السّاعة موتُ النّبيّ - ﷺ -، ففي الحديث عن عوف بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "اعدُدْ ستًّا بين يدي السّاعة: موتي " (^٥) الحديث.
_________________
(١) انظر: "التذكرة" (ص ٦٢٥ - ٦٢٦)، و"فتح الباري" (١١/ ٣٤٩)، و"تحفة الأحوذي شرح التّرمذيّ" (٦/ ٤٦٠).
(٢) "جامع التّرمذيّ"، باب ما جاء في قول النّبيّ - ﷺ -: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين"، (٦/ ٤٥٩ - ٤٦٠)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب: قرب السّاعة، (١٨/ ٨٩ - مع شرح النووي).
(٤) "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة" (ص ٦٢٦).
(٥) "صحيح البخاريّ"، كتاب الجزية والموادعة، باب ما يُحذر من الغدر، (٦/ ٢٧٧ - مع الفتح).
[ ٨٢ ]
فقد كان موت النّبيّ - ﷺ - من أعظم المصائب الّتي وقعت على المسلمين، فقد أظلمتِ الدُّنيا في عيون الصّحابة ﵃ عندما مات ﵊.
قال أنس بن مالك ﵁: "لما كان اليوم الّذي دخل فيه رسول الله - ﷺ - المدينة؛ أضاء منها كلّ شيء، فلما كان اليوم الّذي مات فيه؛ أظلمَ منها كلّ شيء، وما نفضنا عن رسول الله - ﷺ - الأيدي - وإنا لَفي دَفْنِه - حتّى أنكرنا قلوبَنا" (^١).
قال ابن حجر: "يريد أنّهم وجدوها تغيَّرت عمّا عهدوه في حياته من الألفة، والصفاء، والرقة؛ لفقدان مَا كان يمدُّهم به من التعليم والتأديب" (^٢).
فبموته - ﷺ - انقطع الوحي من السَّماء؛ كما في جواب أم أيمن لأبي بكر وعمر ﵃ عندما زاراها بعد موت النّبيّ - ﷺ -، فلم"نتهيا إليها؛ بكت، فقالا لها: "ما يُبكيكِ؟ ما عند الله خير لرسوله. فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أنَّ ما عند الله خيرٌ لرسوله - ﷺ -، ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السَّماء. فهيَّجَتْهُما على البكاء، فجعلا يبكيان
_________________
(١) "جامع التّرمذيّ"، أبواب المناقب، (١٠/ ٨٧ - ٨٨ - مع تحفة الأحوذي)، وقال التّرمذيّ: "هذا حديث صحيح غريب". وقال شعيب الأرناؤوط: "إسناده صحيح". انظر: "شرح السنة" للبغوي، (١٤/ ٥٠)، تحقيق شعيب الأرناؤوط. قال ابن حجر: "قال أبو سعيد فيما أخرجه البزار بسند جيد: ما نفضنا أيدينا من دفنه حتّى أنكرنا قلوبنا". "الفتح" (٨/ ١٤٩).
(٢) "فتح الباري" (٨/ ١٤٩).
[ ٨٣ ]
معها" (^١).
فقد مات ﵊ كما يموت النَّاس؛ لأنّ الله تعالى لم يكتب الخلود في هذه الحياة الدُّنيا لأحد من الخلق،. بل هي دار ممرٍّ لا دار مقرٍّ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤ - ٣٥].
إلى غير ذلك من الآيات الّتي تبيِّن أن الموت حقٌ، وأن كلّ نفس ذائقة الموت، حتّى ولو كان سيد الخلق وامام المتَّقين محمَّد - ﷺ -.
وكان موته كما قال القرطبي: "أول أمرٍ دَهَمَ الإِسلامَ ثمَّ بعده موتُ عمر، فبموت النّبيّ - ﷺ - انقطع الوحي، وماتت النبوَّة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب، وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير، وأول نقصانه. قال أبو بكر الصديق ﵁:
فَلَتَحْدُثَنَّ حَوَادِثٌ مِنْ بَعْدِهِ تُعْنَى بِهِنَّ جَوانِحٌ وصُدُورُ
وقالت صفيَّة بنت عبد المطَّلب ﵂:
لَعَمْرُكَ مَا أَبْكِي النَّبِىَّ لِفَقْدِهِ ولكِنَ مَا أَخْشَى مِنَ الهَرْجِ (^٢) آتِيا" (^٣)
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب فضائل الصّحابة ﵃، باب فضائل أم أيمن ﵂، (١٦/ ٩ - ١٠ - مع شرح النووي).
(٢) (الهَرْج): هو القتل؛ كما سيأتي.
(٣) "التذكرة" للقرطبي، (ص ٦٢٩ - ٦٣٠) بتصرُّف بسيط، وانظر: "الإذاعة" لصديق حسن، (ص ٦٧ - ٦٩).
[ ٨٤ ]
٣ - فتح بيت المقدس:
ومن أشراط السّاعة فتح بيت المقدس، فقد جاء في حديث عوف بن مالك ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ: "اعدُدْ ستًّا بين يدي السّاعة: (فذكر منها:) فتح بيت المقدس" (^١).
ففي عهد عمر بن الخطّاب ﵁ تَمَّ فتح بيت المقدس سنة ست عشرة من الهجرة؛ كما ذهب إلى ذلك أئمَّة السِّيَر، فقد ذهب عمر ﵁ بنفسه، وصالح أهلها، وفتحها، وطهَّرها من اليهود والنصارى، وبنى بها مسجدًا في قبلة بيت المقدس (^٢).
وروى الإمام أحمدُ من طريق عُبيد بن آدم؛ قال: "سمعتُ عمر بن الخطّاب يقول لكعب الأحبار (^٣): أين ترى أن أصلّي؟ فقال: إن أخذتَ عني؛ صلّيتَ خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك. فقال عمر: ضاهيت اليهوديَّة، لا، ولكن أصلّي حيث صلّى رسول الله - ﷺ -، فتقدَّم إلى القبلة، فصلَّى، ثمّ جاء، فبسطَ رداءَه، فكنس الكناسة في ردائه، وكنس النَّاس" (^٤).
_________________
(١) رواه البخاريّ، وتقدم تخربجه قريبًا.
(٢) انظر: "البداية والنهاية" (٧/ ٥٥ - ٥٧).
(٣) هو كعب بن ماتع الحميري، من أوعية العلم، ومن كبار علماء أهل الكتاب، أسلم في زمن أبي بكر الصديق، وقدم المدينة زمن عمر، ثمّ سكن الشّام، ومات في خلافة عثمان ﵁ وقد جاوز المئة، وكان كثير الرِّواية للإِسرائيليات، وقسمٌ كبيرٌ منها لا يصحُّ السند به إليه، وليس له في البخاريّ رواية، وفي مسلم رواية لأبي هريرة عنه. انظر: "تقريب التهذيب" (٢/ ١٣٥)، و"تهذيب التهذيب" (٨/ ٤٣٨ - ٤٤٠)، و"تذكرة الحفاظ" (١/ ٥٢).
(٤) "مسند الإمام أحمد" (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩) (ح ٢٦١)، تحقيق أحمد شاكر =
[ ٨٥ ]
٤ - طاعون عمواس (^١):
جاء في حديث عوف بن مالك السابق قوله - ﷺ -: "اعدُدْ ستًّا بين يدي السّاعة: (فذكر منها:) ثمّ مَوَتان (^٢) يأخذ فيكم كقُعاصِ (^٣) الغنم" (^٤).
قال ابن حجر: "يُقال: إن هذه الآية ظهرت في طاعون عمواس في خلافة عمر، وكان ذلك بعد فتح بيت المقدس" (^٥).
ففي سنة ثمان عشرة للهجرة على المشهور الّذي عليه الجمهور (^٦) وقع طاعون في كورة عمواس، ثمّ انتشر في أرض الشّام، فمات فيه خلق كثير من الصّحابة ﵃ ومن غيرهم؛ قيل: بلغ عدد مَنْ مات فيه خمسةٌ وعشرونَ ألفًا من المسلمين، ومات فيه من المشهورين: أبو عُبيدة عامر بن الجرَّاح، أمين هذه الأمة، ﵁ (^٧).
_________________
(١) = وقال: "إسناده حسن".
(٢) (عمواس): بلدة في فلسطين، على ستة أميال من الرملة، على طريق بيت المقدس. انظر: "معجم البلدان " (٤/ ١٥٧).
(٣) (مُوتان)؛ بضم الميم وسكون الواو: هو الموت الكثير الوقوع. انظر: "فتح الباري" (٦/ ٢٧٨).
(٤) (قعاص)؛ بالضم، ويقال فيه: عقاس؛ بضم العين المهملة، وتخفيف القاف، وآخره مهملة: داء يأخذ الدواب، فيسيل من أنوفها شيء، فتموت فجأة. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٤/ ٨٨)، و"فتح الباري" (٦/ ٢٧٨).
(٥) رواه البخاريّ، وتقدم تخريجه قريبًا.
(٦) "فتح الباري" (٦/ ٢٧٨).
(٧) انظر: "البداية والنهاية" (٧/ ٩٠).
(٨) انظر: "معجم البلدان" (٤/ ١٥٧ - ١٥٨)، و"البداية والنهاية" (٧/ ٩٤).
[ ٨٦ ]
٥ - استفاضة المال والاستغناء عن الصَّدقة:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقومُ السّاعة حتّى يكثر فيكم المال، فيفيض، حتّى يُهِمَّ رَبَّ المالِ مَنْ يقبله منه صدقة، ويُدعى إليه الرَّجل، فيقول: لا أرب لي فيه" (^١).
وعن أبي موسى ﵁ عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: "ليأتِيَنَّ على الناسِ زمانٌ يطوف الرَّجلُ فيه بالصدقة من الذهب، ثمّ لا يجد أحدًا يأخذها منه" (^٢).
وأخبر - ﷺ - أن الله تعالى سيعطي هذه الأمة، ويفتح عليها من كنوز الأرض، وأن ملك أمته سيبلغ مشارق الأرض ومغاربها، ففي الحديث عن ثوبان ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن الله زوى (^٣) لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أمَّتي سيبلغ ملكها ما زُوِيَ لي منها، وأُعطيتُ الكنزينِ الأحمر والأبيض" (^٤).
وقال - ﷺ -: "وإني قد أُعطيتُ مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، (١٣/ ٨١ - ٨٢ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الزَّكاة، باب كلّ نوع من المعروف صدقة، (٧/ ٩٧ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الزَّكاة، باب كلّ نوع من المعروف صدقة، (٧/ ٩٦ - مع شرح النووي).
(٣) (زوي): يقال: زويته أزويه زيًّا؛ أي: جمعته، والمعنى أن الله جمع له - ﷺ - الأرض، وقرَّبها حتّى رأى مشارقها ومغاربها. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٣٢٠ - ٣٢١).
(٤) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٣ - مع شرح النووي).
[ ٨٧ ]
الأرض" (^١).
وعن عدي بن حاتم ﵁؛ قال: بينما أنا عند النّبيّ - ﷺ -، إذ أتاه رجلٌ، فشكا إليه الفاقة، ثمّ أتاه آخر، فشكا إليه قطع السبيل، فقال: "يا عدي! هل رأيت الحيرة؟ ". قلتُ: لم أرها، وقد أُنبئتُ عنها. قال: "فإن طالت بك حياةٌ لَتَرَيَنَّ الظعينة ترتحل من الحيرة حتىَ تطوفَ بالكعبة لا تخاف أحدًا إِلَّا الله". قلتُ فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعَّار (^٢) طيىء الذين قد سعروا البلاد؟! "ولئن طالت بك حياةٌ لَتُفْتَحَنَ كنوزُ كسرى". قلتُ: كسرى بن هرمز؟! قال: "كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لترينَّ الرَّجل يُخْرِجُ ملءَ كفَّه من ذهب أوفضة؛ يطلب مَنْ يقبله منه؛ فلا يجد أحدًا يقبله منه ".
قال عدي: فرأيتُ الظعينة ترتحل من الحيرة حتّى تطوف بالكعبة، لا تخاف إِلَّا الله، وكنتُ فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النّبيّ أبو القاسم - ﷺ -، يخرج ملء كفه (^٣).
فقد تحقَّق كثيرٌ ممَّا أخبرنا به الصادق - ﷺ -، فكثُر المال في عهد الصّحابة ﵃ بسبب ما وقع من الفتوح، واقتسموا أموال الفرس
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفضائل، باب حوض نبيّنا - ﷺ - وصفته، (١٥/ ٥٧ - مع شرح النووي).
(٢) (دعار): مفرده داعر: وهو الخبيث المفسد، والمراد بهم هنا قطاع الطريق. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ١١٩).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، (٦/ ٦١٠ - ٦١١ - مع الفتح)، و"شرح السنة"، كتاب الفتن، باب ما يكون من كثرة المال والفتوح، (١٥/ ٣١ - ٣٣)، تحقيق شعيب الأرناؤوط.
[ ٨٨ ]
والروم، ثمّ فاض المال في عهد عمر بن عبد العزيز ﵀، فكان الرَّجل يَعْرِض المال للصدقة، فلا يجد مَنْ يقبله.
وسيكثر المال في آخر الزّمان، حتّى يعرض الرَّجل ماله، فيقول الّذي يعرضه عليه: لا أرب لي به.
وهذا - والله أعلم - إشارةٌ إلى ما سيقع في زمن المهدي وعيسى ﵇ (^١)؛ من كثرة الأموال، وإخراج الأرض لبركتها وكنوزها.
ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة". قال: "فيجيء القاتل، فيقول: في هذا قَتَلْتُ. ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعتُ رحمي. ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعتُ يدي. ثمّ يَدَعونه فلا يأخذون منه شيئًا" (^٢).
وذكر ابن حجر أنّه يحتمل أن يكون استغناء النَّاس عن المال وتركهم له وقت خروج النّار واشتغال النَّاس بأمر الحشر، فلا يلتفتُ أحدٌ حينئذ إلى المال، بل يقصد أن يتخفَّف ما استطاع.
وما ذكره ابن حجر من استغناء النَّاس عن المال لاشتغالهم بأمر الحشر لا يُنافي أن يكون لاستغنائهم سببٌ آخر، وهو كثرة المال؛ كما يحصل في زمن المهدي وعيسى -﵇-، وبذلك يكون الاستغناء يقع في زمنين - وإن تباعدا - بسببين مختلفين، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (١٣/ ٨٧ - ٨٨).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الزَّكاة، باب كلّ نوع من المعروف صدقة، (١٥/ ٩٨ - مع شرح النووي)، وانظر: "فتح الباري" (١٣/ ٨٨).
[ ٨٩ ]
٦ - ظُهور الفتن:
الفتن: جمع فتنة، وهي الابتلاء والامتحان والاختبار، ثمّ كثُرَ استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه، ثمّ أُطلِقت على كلّ مكروهٍ أو آيِلٍ إليه؛ كالإِثم، والكفر، والقتل، والتَّحريق، وغير ذلك من الأمور المكروهة (^١).
وقد أخبر النّبيّ - ﷺ - أن من أشراط السّاعة ظهور الفتن العظيمة الّتي يلتبس فيها الحق بالباطل، فتزلزل الإِيمان، حتّى يصبح الرَّجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، كلما ظهرت فتنةٌ؛ قال المؤمّن: هذه مُهْلِكَتي. ثمّ تنكشف، ويظهر غيرها، فيقول: هذه، هذه. ولا تزال الفتن تظهرُ في النَّاس إلى أن تقوم السّاعة.
ففي الحديث عن أبي موسى الأشعريِّ ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن بين يدي السّاعة فتنًا كقطع اللّيل المظلم، يصبح الرَّجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، القاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساير، فكسِّروا قسِّيكُم، وقطِّعوا أوتارَكُم، واضْرِبوا بسيوفِكُمُ الحِجارَةَ؛ فإن دُخِل على أحدِكُم؛ فليَكُنْ كخيرِ ابني آدم".
رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم في "المستدرك" (^٢).
_________________
(١) انظر: "لسان العرب" (١٣/ ٣١٧ - ٣٢١)، و"النهاية" (٣/ ٤١٠ - ٤١١)، و"فتح الباري" (١٣/ ٣).
(٢) "مسند الإمام أحمد" (٤/ ٤٠٨ - بهامشه منتخب كنز العمال)، و"سنن أبي =
[ ٩٠ ]
وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "بادِروا بالأعمال فتنًا كقطع اللّيل المظلم؛ يصبح الرَّجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يُمْسي مؤمنًا ويُصبحُ كافرًا، يبيع دينَه بعَرَضٍ مِن الدُّنيا" (^١).
وعن أم سلمة زوجِ النبيِّ - ﷺ - ﵂، قالت: استيقظ رسول الله - ﷺ - ليلةً فَزِعًا؛ يقول: "سبحان الله! ما أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أنزل الله من الفتن؟ مَنْ يوقظ صواحب الحجرات - يريد أزواجه - لكي يُصلّين؟ ربَّ كاسية في الدُّنيا عارية في الآخرة".
رواه البخاريّ (^٢).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: نادى منادي رسول الله - ﷺ -: الصّلاة جامعة. فاجتمعنا إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: "إنّه لم يكن نبيٌّ قبلي إِلَّا كان حقًّا عليه أن يدلُّ أمَّتَهُ على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرَّ ما يعلمه لهم، وإن أمَّتَكُم هذه جُعِل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاءٌ وأُمورٌ تُنْكِرونها، وتجيء الفتنة، فيرقَّق بعضها
_________________
(١) = داود" (١١/ ٣٣٧ - مع عون المعبود)، و"سنن ابن ماجه" (٢/ ١٣١٠)، و"مستدرك الحاكم" (٤/ ٤٤٠)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، وسكت عنه الذهبي. والحديث صححه الألباني. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٢/ ١٩٣) (ح٢٠٤٥).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن، (٢/ ١٣٣ - مع شرح النووي).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب لا يأتي زمان إِلَّا الّذي بعده شر منه، (١٣/ ٢٠ - مع شرح النووي).
[ ٩١ ]
بعضًا، وتجيء الفتنة، فيقول المؤمّن: هذه، هذه فمَن أحبَّ أن يُزَحْزح عن النّار ويدخل الجنَّة؛ فلتأته منيَّتُه، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر".
رواه مسلم (^١).
وأحاديث الفتن كثيرة جدًّا، فقد حذَّر النّبيّ - ﷺ - أمَّته من الفتن، وأمر بالتعوُّذ منها، وأخبر أن آخر هذه الأمة سيصيبها بلاءٌ وفِتَنٌ عظيمة، وليس هنالك عاصمٌ منها، إِلَّا الإِيمان بالله واليوم الآخر، ولزوم جماعة المسلمين، وهم أهل السنة - وإن قلُّوا -، والابتعاد عن الفتن، والتعوُّذ منها، فقد قال ﵊: "تعوَّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن".
رواه مسلم (^٢) عن زيد بن ثابت ﵁.
أ - ظهور الفتن من المشرق:
أكثر الفتن الّتي ظهرت في المسلمين كان منبعها من المشرق، من حيث يطلُعُ قرنُ الشيطان، وهذا مطابِقٌ لما أخبر به نبيُّ الرّحمة - ﷺ -.
فقد جاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ أنّه سمع رسول الله - ﷺ - وهو مستقبل المشرق يقول: "ألَّا إن الفتنةَ هاهُنا، ألَّا إن الفتنة ها هُنا، من جيث يطلُعُ قرنُ الشيطان" (^٣).
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الإِمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأوّل فالأول، (١٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميِّت عليه واثبات عذاب القبر والتعوذ منه، (١٧/ ٢٠٣ - مع شرح النووي).
(٣) (قرن الشيطان): قوة الشيطان وأتباعه، أو أن للشمس قرن على الحقيقة. =
[ ٩٢ ]
رواه الشيخان (^١).
وفي رواية لمسلم أنّه قال: "رأس الكفر من هاهُنا، من حيث يطلُعُ قرنُ الشيطان"؛ يعني: المشرق (^٢).
وعن ابن عبّاس ﵄؛ قال: دعا النبيُّ - ﷺ -: "اللَّهُمَّ بارِك لنا في صاعِنا ومُدِّنا، وبارك لنا في شامِنا ويمنِنا". فقال رجلٌ من القوم: يا نبي الله! وفي عراقنا. قال: "إن بها قَرن الشيطان، وتهيج الفتن، وإن الجفاء بالمشرق" (^٣).
قال ابن حجر: "وأول الفتن كان منبعها من قِبَلِ المشرق، فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين، وذلك ممّا يحبُّه الشيطان ويفرحُ به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة" (^٤).
فمن العراق ظهر الخوارج، والشيعة، والروافض، والباطنية،
_________________
(١) = وقيل: إن الشيطان يقرن رأسه بالشمس عند طلوعها ليقع سجود عبدتها له. انظر: "فتح الباري" (١٣/ ٤٦).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب قول النّبيّ - ﷺ -: "الفتنة من قبل المشرق"، (١٣/ ٤٥ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣١ - مع شرح نووي).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن، (١٨/ ٣١ - ٣٢ - مع شرح النووي).
(٤) رواه الطبراني، ورواته ثقات. "مختصر الترغيب والترهيب" (ص ٨٧) للحافظ ابن حجر، تحقيق عبد الله بن السَّيِّد أحمد بن حجاج، مطبعة التقدم، الناشر مكتبة السّلام، القاهرة، الطبعة الرّابعة، (١٤٠٢هـ).
(٥) "فتح الباري" (١٣/ ٤٧).
[ ٩٣ ]
والقَدَرية، والجهميَّة، والمعتزلة، وأكثر مقالات الكفر كان منشؤها من المشرق؛ من جهة الفرس المجوس؛ كالزردشتية (^١)، والمانويّة (^٢)، والمزدكية (^٣)، والهندوسية (^٤)، والبوذيَّة (^٥)، وأخيرًا وليس آخرًا: القاديانية (^٦)،
_________________
(١) (الزردشتية): هم أصحاب زردشت بنيورشب، وأبوه من أذربيجان، ومن عقيدتهم أن النور والظلمة أصلان متضادان، وهما مبدأ موجودات العالم، وزردشت يقول: إن الباري تعالى هو خالق النور والظلمة ومبدعهما، والزردشتية جماعة منظمة، ولها درجات ومراتب، وموطنهم فارس. أنظر: "الملل والنحل" (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧) للشهرستاني، وكتاب "وجاء دور المجوس" (ص ٢٤) للدكتور عبد الله الغريب.
(٢) (المانوية): هم أصحاب ماني بن فاتك المجوسي، وعقيدتهم أن العالم مخلوق من أصلّين قديمين هما النور والظلمة. انظر: "الملل والنحل" (١/ ٢٤٤).
(٣) (المزدكية): أصحاب مزدك بن بافداد، الّذي دعا إلى الإباحية واشتراك النَّاس في النِّساء والأموال، وليست الشيوعية الحديثة إِلَّا امتدادًا للمزدكية. انظر: "الملل والنحل" (١/ ٢٤٩)، وكتاب "وجاء دوو المجوس" (ص ٢٧ - ٢٩).
(٤) (الهندوسية): ديانة الجمهرة العظمى في الهند الآن، وقد جاء بها الأريون عندما فتحوا الهند، وليس لها مؤسس معيَّن، وهي مجموعة عقائد، ولهم آلهة كثيرة، ويقسمون النَّاس إلى أربع طبقات، أعلاها البراهمة، وأدناها المنبوذون، ولهم كتاب مقدس اسمه "الويدا"، وهو عبارة عن تاريخ للآربين، وهم طبقة البراهمة، وفيه مجموعة تعاليم. انظر: "مقارنة الأديان/ أديان الهند الكبرى" (٤/ ٤٩ - ٤٦) لأحمد شلبي.
(٥) (البوذية): مؤسس هذه النحلة اسمه (سيد هارتا)، ثمّ تسمى بـ (بوذا)، ودعوته تقوم على التقشف، والزهد، والرياضات، ويقول بالتناسخ - والتناسخ أساس أديان الهند -، وبوذا لا يؤمن بوجود إله. وقد امتزجت البوذية بالهندوسية، وذابت فيها، وأصبح بوذا من آلهة الهندوس. انظر: "مقارنة الأديان/ أديان الهند الكبرى" (٤/ ١٣٧ - ١٧٠).
(٦) (القاديانية): نسبة إلى مؤسسها الميرزا غلام أحمد القادياني، وكان ظهور هذه =
[ ٩٤ ]
والبهائية (^١) إلى غير ذلك من المذاهب الهدَّامة.
وأيضًا؛ فإن ظهور التتار في القرن السابع الهجري كان من المشرق، وقد حدث على أيديهم من الدَّمار والقتل والشرِّ العظيم ما هو مدوَّنٌ في كتب التاريخ.
وإلى اليوم لا يزال المشرق منبعًا للفتن والشرور والبدع والخرافات والإِلحاد، فالشيوعية الملحدة مركزها روسيا والصين الشيوعية، وهما في المشرق، وسيكون ظهور الدجَّال ويأجوج ومأجوج من جهة المشرق، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
ولا بدَّ لي هنا من أن أنبَّه على أن بعض الفتن هو من أشراط السّاعة
_________________
(١) = النحلة في أواخر القرن التّاسع عشر الميلادي في الهند، في إقليم (بنجاب) بباكستان، وادَّعى النبوة، وأنّه المسيح الموعود، وساعده الإِنكليز في نشر دعوته، ومن أباطيله نسخ الجهاد، وفرض طاعة الحكومة البريطانية، وأن نزول عيسى من نسج النصارى، ومَن قال: إن عيسى ما مات؛ فقد أشرك، وكان هلاكه سنة (١٩٠٨ م). انظر: "القادياني ومعتقداته" للشيخ منظور أحمد الباكستاني، و"القاديانية ثورة على النبوة والإسلام"، و"القادياني والقاديانية دراسة وتحليل"؛ كلاهما لأبي الحسن الندوي.
(٢) (البهائية): مؤسس هذه النحلة رجل من فارس، اسمه الميرزا علي محمّد الشيرازي، الّذي لقَّب نفسه بـ (الباب)، وقد سجنته حكومة فارس، ثمّ قتلته، وخلفه أحد أتباعه، وهو بهاء الله ميرزا حسين علي، ومن عقائده نسخ القرآن، وهدم الكعبة، وإبطال الحجِّ، وادَّعى النبوة، وله كتاب سماه "الكتاب الأقدس". وقد تطوَّر مذهب البهائبين حتّى ادَّعوا أن البهاء إله، فقد كان نقش (إكليشة) نشراتهم: "بهاء يا إلهي". انظر: كتاب "دراسات عن البهائية والبابية"، مجموعة رسائل لجماعة من الكتاب المسلمين، طبع المكتب الإِسلامي، ط. الثّانية، (١٣٩٧ هـ)، دمشق.
[ ٩٥ ]
الّتي نصَّ عليها رسول الله - ﷺ -؛ كموقعة صفين، وظهور الخوارج، وسأتكلم بإيجاز عن بعض الفتن العظيمة الّتي كانت سببًا في تفريق المسلمين، وظهور الشرَّ العظيم.
ب - مقتل عثمان بن عفان ﵁:
لقد كان ظهور الفتن في عهد الصّحابة ﵃ بعد مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁؛ فإنّه كان بابًا مغلقًا دون الفتن، فلما قُتِلَ ﵁، ظهرت الفتن العظيمة، وظهر دُعاتُها ممَّن لم يتمكَّن الإِيمان من قلبه، وممَّن كان من المنافقين الذين يُظْهِرون للناس الخير، ويُبْطِنون الشر والكيد لهذا الدين.
ففي "الصحيحين" عن حُذيفة ﵁ أن عمر بن الخطّاب ﵁؛ قال: أيكم يحفظ قول رسول الله - ﷺ - في الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ كما قال. قال: هاتِ؛ إنك لجريء. قال رسول الله - ﷺ -: "فتنةُ الرَّجل في أهله وماله وجاره تكفِّرها الصّلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". قال: ليست هذه، ولكن الّتي تموجُ كموجِ البحر. قال: يا أمير المؤمنين! لا بأس عليك منها، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا. قال: يُفتح الباب أو يُكْسر؟ قال: لا، بل يُكْسَر. قال: ذلك أحرى أن لا يغلق. قلنا: عُلِمَ الباب؟ قال: نعم؛ كما أن دون غَدٍ اللَّيلة، إنِّي حدثتُه حديثًا ليس بالأغاليط. فهبنا أن نسأله، وأمرنا مسروقًا، فسأله، فقال: مَنْ الباب؟ قال: عمر (^١).
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، (٦/ ٦٠٣ - ٦٠٤ =
[ ٩٦ ]
وكان ما أخبر به الصادق المصدوق - ﷺ -، فقد قُتِلَ عمر، وكُسِرَ الباب، وظهرتِ الفتن، ووقع البلاء، فكان أول فتنة ظهرت هي قتل الخليفة الراشد ذي النورين عثمان بن عفَّان على يد طائفة من دُعاة الشر، الذين تألَّبوا عليه من العراق ومصر، ودخَلُوا المدينة، وقتلوه وهو في داره ﵁ (^١).
وقد ذكر النّبيّ - ﷺ - لعثمان ﵁ أنّه سيصيبه بلاءٌ، ولهذا صبر ونهى الصّحابة عن قتال الخارجين عليه؛ كي لا يُراقَ دَمٌ مِن أجله ﵁ (^٢).
ففي الحديت عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: خرج النّبيّ - ﷺ - إلى حائطٍ مِن حوائطِ المدينة (فذكر الحديث إلى أن قال: (فجاء عثمان، فقلت: كما أنت، حتّى أستأذن لك. فقال النّبيّ - ﷺ -: "ائذن له، وبشِّره بالجنة معها بلاءٌ يُصيبُهُ" (^٣).
"وخصَّ النبيُّ - ﷺ - عثمان بذكر البلاء مع أن عمر قتل أيضًا؛ لكون عمر لم يمْتَحَنْ بمثلِ ما امْتُحِنَ به عثمان؛ من تسلُّط القوم الذين أرادوا منه أن ينخلع من الإِمامة بسبب ما نسبوه إليه من الجور والظلم؛ بعد إقناعه
_________________
(١) = مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٦ - ١٧ - مع شرح النووي).
(٢) انظر تفصيل ذلك في "البداية والنهاية" (٧/ ١٧٠ - ١٩١).
(٣) انظر: "العواصم من القواصم" (ص ١٣٢ - ١٣٧)، تحقيق وتعليق محب الدين الخطيب.
(٤) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب الفتنة الّتي تموج كموج البحر، (١٣/ ٤٨ - مع الفتح).
[ ٩٧ ]
لهم، وردِّه عليهم" (^١).
وبمقتل عثمان ﵁ انقسم المسلمون، ووقع القتال بين الصّحابة، وانتشرت الفتن والأهواء، وكَثُر الاختلاف، وتشعَّبت الآراء، ودارت المعارك الطاحنة في عهد الصّحابة ﵃، وكان النّبيّ - ﷺ - يعلم ما سيقع من الفتن في زمنهم؛ فإنّه أشرف على أطم (^٢) من آطام المدينة، فقال: "هل ترونَ ما أرى؟ قالوا: لا. قال: فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكُم كوقع القطر" (^٣).
قال النووي: "والتشبيه بمواقع القطر في الكثرة والعموم؛ أي: أنّها كثير، تعمُّ النَّاس، لا تختصُّ بها طائفةٌ، وهذا إشارةٌ إلى الحروب الجارية بينهم؛ كوقعة الجمل، وصفِّين، والحرَّة، ومقتل عثمان والحسين ﵄ وغير ذلك، وفيه معجزة ظاهرة له - ﷺ - " (^٤).
ج - موقعة الجمل:
ومن الفتن الّتي وقعت بعد قتل عثمان ﵁ ما وقع في معركة الجمل المشهورة بين علي ﵁ وعائشة وطلحة والزُّبير ﵃؛ فإنّه لما قُتِل عثمان؛ أتى النَّاس عليًّا وهو في المدينة، فقالوا له:
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (١٣/ ٥١).
(٢) (أُطم)؛ بالضم: بناء مرتفع، وجمعه: آطام، وهي الأبنية المرتفعة؛ كالحصون. انظر: "النهاية" (١/ ٥٤) لابن الأثير.
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٧ - مع شرح النووي).
(٤) "شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٨).
[ ٩٨ ]
ابْسُطْ يَدَكَ نُبايِعْكَ. فقالَ: حتّى يتشاوَرَ النَّاس. فقال بعضهم: لئن رجع النَّاس إلى أمصارِهم بقتل عثمان، ولم يقم بعده قائمٌ؛ لم يؤمَن الاختلاف وفساد الأمة. فألحُّوا على عليٍّ ﵁ في قبول البيعة، فبايعوه، وكان ممَّن بايعه طلحة والزُّبير ﵄، ثمّ ذهبا إلى مكَّة للعمرة، فلقيتهم عائشة ﵂، وبعد حديثٍ جرى بينهم في مقتل عثمان توجَّهوا إلى البصرة، وطلبوا من عليٍّ أن يسلِّم لهم قتلة عثمان (^١)، فلم يجبهم؛ لأنّه كان ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه، فإذا ثبت على أحدٍ بعينِه أنَّه ممَّن قتل عثمان؛ اقتصَّ منه، فاختلفوا بسبب ذلك، وخشي مَنْ نُسِب إليهم القتل - وهم الخارجون على عثمان - أن يصطلحوا على قتلهم، فأنشبوا الحرب بين الطائفتين (^٢).
وقد أخبر النبيُّ - ﷺ - أنّه سيكونُ بينه وبين عائشة أمرٌ، ففي الحديث عن أبي رافع أن رسول الله - ﷺ - قال لعلّيِّ بن أبي طالب: "إنّه سيكون بينَكَ وبينَ عائشة أمرٌ". قال: أنا يا رسول الله! قال: "نعم". قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله. قال: "لا؛ ولكِن إذا كان ذلك؛ فاردُدْها إلى مأمَنِها" (^٣).
_________________
(١) يرى أبو بكر بن العربي في كتابه "العواصم من القواصم" أن خروجهم إلى البصرة إنّما كان للصلح بين المسلمين، وقال:، هذا هو الصّحيح، لا شيء سواه، وبذلك وردت صحاح الأخبار". انظر: "العواصم" (ص ١٥١).
(٢) انظر تفصيل ذلك في "فتح الباري" (١٣/ ٥٤ - ٥٩).
(٣) "مسند الإمام أحمد" (٦/ ٣٩٣ - بهامشه منتخب كنز العمال). والحديث حسن. انظر: "فتح الباري" (١٣/ ٥٥). =
[ ٩٩ ]
ومما يدلُّ على أن عائشة وطلحة والزبير لم يخرجوا للقتال، وإنّما للصُّلح بين المسلمين ما رواه الحاكم من طريق قيس بن أبي حازم؛ قال: لما بلغت عائشة ﵂ بعض ديار بني عامر؛ نبحت عليها الكلاب، فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: الحوأب (^١). قالت: ما أظنُّني إِلَّا راجعة. فقال لها الزبير: لا بعدُ، تقدَّمي، فيراك النَّاس، فيصلح الله ذات بينِهم. فقالت: ما أظنُّني إِلَّا راجعة؛ سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "كيفَ بإحداكُنَّ إذا نبحَتْها كلاب الحوأب" (^٢).
وفي رواية للبزار عن ابن عبّاس أن رسول الله - ﷺ - قال لنسائه: "أيتكنَّ صاحبة الجمل الأدبب (^٣)، تخرجُ حتّى تنبحها كلاب الحوأب،
_________________
(١) = قال الهيثمي: "رواه أحمد، والبزار، والطبراني، ورجاله ثقات". "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٣٤).
(٢) (الحوأب): موضع قريب من البصرة، وهو من مياه العرب في الجاهلية، ويقع على طريق القادم من مكّة إلى البصرة، وسمي ب (الحوأب) نسبة لأبي بكر بن كلاب الحوأب، أو نسبة للحوأب بنت كلب بن وبرة القضاعية. انظر: "معجم البلدان" (٢/ ٣١٤)، وحاشية محب الدين الخطيب على "العواصم من القواصم" (ص ١٤٨).
(٣) "مستدرك الحاكم" (٣/ ١٢٠). قال ابن حجر: "سنده على شرط الصّحيح". انظر: "فتح الباري" (١٣/ ٥٥). وقال الهيثمي: "رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجال أحمد رجال الصّحيح". "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٣٤). والحديث في "مسند الإمام أحمد" (٦/ ٥٢ - بهامشه منتخب كنز العمال).
(٤) (الأدبب)؛ أي: الأدب، وهو كثير وبر الوجه. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٩٦).
[ ١٠٠ ]
يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة، وتَنْجو من بعد ما كادت" (^١).
قال ابن تيمية: "إن عائشة لم تخرج للقتال، وإنّما خرجت بقصد الإِصلاح بين المسلمين، وظنَّت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثمّ تبيَّن لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرتْ خُروجها؛ تبكي حتّى تَبُلَّ خِمارَها، وهكذا عامَّة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة والزبير وعليٌّ ﵃ أجمعين.
ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصدٌ في القتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم؛ فإنّه لما تراسل عليٌّ وطلحة والزبير، وقصدوا الاتفاق على المصلحة، وأنّهم إذا تمكَّنوا؛ طلبوا قتلة عثمان أهل الفتنة، وكان علىٌّ غير راضٍ بقتل عثمان، ولا معينًا عليه؛ كما كان يحلف، فيقول: والله ما قتلتُ عثمان ولا مالأتُ على قتله. وهو الصادق البار في يمينه، فخشي
_________________
(١) "فتح الباري" (١٣/ ٥٥). وقال ابن حجر: "رجاله ثقات". وقد أنكر الإمام أبو بكر بن العربي حديث (الحوأب) في كتابه "العواصم من القواصم" (ص ١٦١)، وتابعه في ذلك الشّيخ محب الدين الخطيب في تعليقه على "العواصم"، وذكر أن هذا الحديث ليس له موضع في دواوين الإسلام المعتبرة. ولكن الحديث صحيح؛ صححه الهيثمي، وابن حجر؛ كما سبق، فقد قال الحافظ في "فتح الباري" (١٣/ ٥٥) في كلامه على حديث الحوأب: "وأخرج هذا أحمد، وأبو يعلى، والبزار، وصححه ابن حبّان، والحاكم، وسنده على شرط الصّحيح". وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة"، ورد على مَنْ طعن في صحة هذا الحديث، وبيَّن من أخرجه من الأئمَّة. انظر: "السلسلة" (م ١/ جـ ٤ - جـ ٥/ ٢٢٣ - ٢٣٣) (حديث رقم ٤٧٥).
[ ١٠١ ]
القتلة أن يتَّفِقَ عليٌّ معهم على إمساك القتلة، فحملوا على عسكر طلحة والزبير، فظنَّ طلحةُ والزُّبير أن عليًّا حمل عليهم، فحملوا دفعًا عن أنفسهم، فظنَّ عليٌّ أنّهم حملوا عليه، فحمل دفعًا عن نفسه، فوقعت الفتنة بغير اختيارهم، وعائشة راكبةٌ؛ لا قاتلت، ولا أمرت بالقتال، وهكذا ذكره غير واحدٍ من أهل المعرفة بالأخبار" (^١).
د- موقعة صفِّين:
ومن الفتن الّتي وقعت بين الصّحابة ﵃ غير حرب الجمل ما أشار إليه النّبيّ - ﷺ - بقوله: "لا تقوم السّاعة حتّى تقتتلَ فئتانِ عظيمتان، يكون بينهما مقتلةٌ عظيمةٌ، دعواهما واحدة".
رواه البخاريّ ومسلم (^٢).
فالفئتان هما طائفة عليٍّ ومَن معه، وطائفة معاوية ومَن معه، على ما ذكر الحافظ ابن حجر في "الفتح" (^٣).
أخرج البزَّار بسند جيِّد عن زيد بن وَهْب؛ قال: كنا عند حذيفة، فقال: كيف أنتم وقد خرج أهل دينكم يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف؟ قالوا: فما تأمرنا؟ قال: انظروا الفرقة الّتي تدعو إلى أمر علي؛ فالزموها؛ فإنها على الحق (^٤).
_________________
(١) "منهاج السنة" (٢/ ١٨٥).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب (بدون)، (١٣/ ٨ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، ١٨/ ١٢ - ١٣ - مع شرح النووي).
(٣) (١٣/ ٨٥).
(٤) "فتح الباري" (١٣/ ٨٥).
[ ١٠٢ ]
وقد وقعت الحرب بين الطائفتين في الموقعة المشهور بـ (صفِّين) (^١) في ذي الحجة سنة ست وثلاثين من الهجرة، وكان بين الفريقين أكثر من سبعين زحفًا، قُتِل فيها نحو سبعين ألفًا من الفريقين (^٢).
وما حصل من قتال بين عليٍّ ومُعاوية لم يكن يريده واحدٌ منهما، بل كان في الجيشين من أهل الأهواء متغلَّبون يحرِّضون على القتال، الأمر الّذي أدَّى إلى نُشوب تلك المعارك الطاحنة، وخروج الأمر من يد عليٍّ ومُعاوية ﵄.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأكثر الذين كانوا يختارون القتال من الطائفتين لم يكونوا يطيعون لا عليًّا ولا مُعاوية، وكان علىٌّ ومُعاوية ﵄ أطلب لكف الدماء من أكثر المقتتلين، لكن غُلبا فيما وقع، والفتنة إذا ثارت؛ عجز الحكماء عن إطفاء نارها.
وكان في العسكرين مثل الأشتر النخعي (^٣)، وهاشم بن عتبة
_________________
(١) (صفين): موضع على شاطىء الفرات من الجانب الغربي، بقرب الرقة، آخر تخوم العراق وأول أرض الشّام. انظر: "معجم البلدان" (٣/ ٤١٤)، وتعليق الشّيخ محب الدين الخطيب على "العواصم" (ص ١٦٢).
(٢) انظر: "فتح الباري" (١٣/ ٨٦)، و"معجم البلدان" (٣/ ٤١٤ - ٤١٥).
(٣) هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة النخعي الكوفي المعروف بالأشتر، أدرك الجاهلية، وروى عن عمر وعلي، وكان من أصحاب علي ﵁، شهد معه الجمل وصفين ومشاهده كلها، وقيل: إنّه شهد اليرموك، وكان رئيس قومه، وكان ممَّن يسعى في الفتنة والتأليب على عثمان، ولَاّه على مصر، وتوفي وهو في طريقه إليها سنة (٣٧ هـ).=
[ ١٠٣ ]
المرقال (^١) وعبد الرّحمن بن خالد بن الوليد (^٢) وأبي الأعور السلمي (^٣) ونحوهم من المحرِّضين على القتال، قومٌ ينتصرون لعثمان غاية الانتصار، وقوم ينفرون عنه، وقوم ينتصرون لعلّيٍّ، وقوم ينفرون عنه، ثمّ قتال أصحاب معاوية لم يكن لخصوص معاوية، بل كان لأسباب أخرى.
وقتال الفتنة مثل قتال الجاهلية، لا تنضبط مقاصد أهله واعتقاداتهم؛ كما قال الزّهريُّ: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله - ﷺ - متوافرون، فأجمعوا أن كلّ دمٍ أو مال أو فرج أُصيب بتأويل القرآن؛ فإنّه هدرٌ، أنزلوهم
_________________
(١) = انظر ترجمته في: "تهذيب التهذيب" (١٠/ ١١ - ١٢)، و"الأعلام" (٥/ ٢٥٩).
(٢) هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص الزّهريُّ: يُعرف بـ (المرقال)، كان من أمراء علي يوم صفين، ولد في حياة النّبيّ - ﷺ -، قيل: إنّه من الصّحابة، وقُتِل يوم صفين، وكان موصوفًا بالشجاعة انظر ترجمته في: "سير أعلام النُّبَلاء" (٣/ ٤٨٦)، و"شذرات الذهب" (١/ ٤٦)، و"الأعلام" (٨/ ٦٦).
(٣) عبد الرّحمن بن خالد بن الوليد، كان أحد الأجواد، وكان حامل لواء معاوية يوم صفين، توفي سنة (٤٦ هـ) ﵀. انظر: "شذرات الذهب" (١/ ٥٥).
(٤) هو عمرو بن سفيان بن عبد شمس بن سعد الذكواني السلمي، مشهور بكنيته. نقل ابن حجر عن عبّاس الدوري أن يحيى بن معين قال: "أبو الأعور السلمي، رجل من أصحاب النّبيّ - ﷺ -، وكان مع معاوية". وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: "إن أبا الأعور أدرك الجاهلية ولا صحبة له، وقد غزا قبرص سنة ست وعشرين، وكانت له مواقف بصفين مع معاوية". انظر: "الإِصابة" (٢/ ٥٤٠ - ٥٤١)، وحاشية "المنتقى من منهاج الاعتدال" (ص ٢٦٤) للإِمام الذهبي تحقيق وتعليق الشّيخ محب الدين الخطيب.
[ ١٠٤ ]
منزلة الجاهلية" (^١).
هـ - ظهور الخوارج:
ومن الفتن الّتي وقعت ظهور الخوارج على عليٍّ ﵁، وكان بداية ظهورهم بعد انتهاء معركة (صفين)، واتفاق أهل العراق والشام على التحكيم بين الطائفتين، وفي أثناء رجوع عليٍّ ﵁ إلى الكوفة فارقه الخوارج - وقد كانوا في جيشه -، ونزلوا مكانًا يُقال له (حَروراء) (^٢)، ويبلغ عددهم ثمانية آلاف، وقيل: ستة عشر ألفًا، فأرسل عليٌّ إليهم ابن عبّاس ﵁، فناظرهم، ورجع معه بعضهم، ودخلوا في طاعة عليٍّ.
وأشاع الخوارج أن عليًّا تاب من الحكومة، ولذلك رجع بعضهم إلى طاعته، فخطبهم عليٌّ ﵁ في مسجد الكوفة، فتنادوا من جوانب المسجد: لا حكم إِلَّا لله. وقالوا: أشركتَ وحكَّمتَ الرجال ولم تحكِّم كتاب الله.
فقال لهم عليٌّ: لكم علينا ثلاث: أن لا نمنَعَكُم من المساجد، ولا من رزقكم في الفيء، ولا نبدؤكم بقتال ما لم تُحْدِثوا فسادًا.
ثمّ إنهم تجمَّعوا وقتلوا مَنْ اجتاز بهم من المسلمين ومرَّ بهم عبد الله
_________________
(١) "منهاج السنة" لابن تيمية (٢/ ٢٢٤).
(٢) (حروراء): قرية على ميلين من الكوفة، وإليها نُسبت الخوارج، فيقال: حرورية. انظر: "معجم البلدان" (٢/ ٢٤٥).
[ ١٠٥ ]
بن خبَّاب بن الأرت (^١) ومعه زوجته، فقتلوه، وبقروا بطن زوجته عن ولدها، فلما علم بذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وسألهم مَنْ قتله؟ فقالوا: كلُّنا قتله. فتجهَّز علىٌّ للقتال، والتقى بهم في الموقعة المشهورة بـ (النهروان) (^٢)، فهزمهم شرَّ هزيمة، ولم ينجُ منهم إِلَّا القليل.
وقد أخبر النّبيّ - ﷺ - بخروج هذه الطائفة في هذه الأمة، فقد تواترت الأحاديث بذلك، ذكر منها الحافظ ابن كثير أكثر من ثلاثين حديثًا وردت في الصحاح والسنن والمسانيد (^٣):
منها ما رواه أبو سعيد الخُدري ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق".
رواه مسلم (^٤).
_________________
(١) عبد الله بن خباب بن الأرت التميمي، صحابي جليل، ولد في زمن النّبيّ - ﷺ -، فسماه عبد الله، وكان هو وعبد الله بن الزبير أول مَنْ ولد في الإسلام، قتله الخوارج سنة (٣٧ هـ). انظر: "الإصابة في تمييز الصّحابة" (٢/ ٣٠٢)، و"البداية والنهاية" (٧/ ٢٨٨)، و"تجريد أسماء الصّحابة" (١/ ٣٠٧).
(٢) (النهروان): هي ثلاثة نهروانات، وهي بلاد واسعة قريبة من بغداد بالعراق، وأصلها وادي جرار، بدايته من أذربيجان، ويسقي قرى كثيرة ثمّ يصب باقيه في دجلة أسفل المدائن، ويقال له بالفارسية: جوروان، فعرب الإسلام، فقيل: نهروان؛ بفتح النون. انظر: "معجم البلدان" (٥/ ٣٢٤ - ٣٢٥).
(٣) انظر: "البداية والنهاية" (٧/ ٢٩٠ - ٣٠٧).
(٤) "صحيح مسلم"، كتاب الزَّكاة، باب إعطاء المؤلَّفة ومَن يخاف على إيمانه، (٧/ ١٦٨ - مع شرح النووي).
[ ١٠٦ ]
وعنه ﵁ أنّه لما سُئل عن الحرورية؟ قال: لا أدري ما الحرورية؟ سمعتُ النّبيّ - ﷺ - يقول: "يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها - قومٌ تحقِرون صلاتَكم مع صلاتِهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم، يمرُقون من الدين مروق السهم من الرمِيَّةِ" (^١).
رواه البخاريّ.
وقد أمر النّبيّ - ﷺ - بقتال الخوارج، وبيَّن أن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم، ولهذا دليلٌ على فساد هذه الطائفة، وبعدها عن الإسلام، وضررها العظيم على الأمة؛ بما تُثيره من فتن وقلاقل.
ففي "الصحيحين" عن عليٍّ ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "سيخرجُ قومٌ في آخر الزَّمان، أحداثُ الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرَّيَّة، لا يجاوز إيمانُهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّةِ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا لمَن قتلهم يوم القيامة" (^٢).
قال الإمام البخاريّ: "كان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آياتٍ نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين" (^٣).
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، (١٢/ ٢٨٣ - مع الفتح).
(٢) "صحيح البخاريّ" (١٢/ ٢٨٣ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الزَّكاة، باب التحريض على قتل الخوارج، (٧/ ١٦٩ - مع شرح النووي).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب استتابة المرتدين، باب قتل الخوارج، (١٢/ ٢٨٢ - مع الفتح). وقال ابن حجرت "سنده صحيح". "فتح الباري" (١٢/ ٢٨٦).
[ ١٠٧ ]
وقال الحافظ ابن حجر: "عظم البلاء بهم، وتوسَّعوا في معتقدهم الفاسد، فأبطلوا رجم المحصن، وقطعوا يد السارق من الإِبط، وأوجبوا الصّلاة على الحائض في حال حيضِها، وكفَّروا مَنْ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادرًا، وإن لم يكن قادرًا؛ فقد ارتكب كبيرة، وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر، وكفُّوا عن أموال أهل الذمَّةِ وعن التعرُّض لهم مطلقًا، وفتكوا فيمن يُنْسَب إلى الإسلام بالقتل والسبي والنهب" (^١).
ولا يزال الخوارج يَظْهرون حتّى يدرك آخرهم الدجَّال، ففي الحديث عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ -؛ قال: "ينشأ نشءٌ يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيَهُم، كلما خرج قرنٌ؛ قُطِعَ". قال ابن عمر: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "كلما خرج قرنٌ قُطع (أكثر من عشرين مرّة) حتّى يخرج في عراضهم الدجَّال" (^٢).
و- موقعة الحرَّة (^٣):
ثمّ تتابع وقوع الفتن بعد ذلك، ومن هذه الفتن موقعة الحرَّة المشهورة في عهد يزيد بن معاوية، والتي استُبيحَت فيها مدينة رسول الله ﷺ، وقُتِل
_________________
(١) "فتح الباري" (١٢/ ٢٨٥).
(٢) "سنن ابن ماجه"، المقدِّمة، باب ذكر الخوارج، (١/ ٦١) (ح ١٧٤)، والحديث حسن. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٦/ ٣٦٢) (ح ٨٠٢٧) للألباني.
(٣) (الحرَّة): هي الحرة الشرقية، إحدى حرَّتي المدينة، وفيها كانت المعركة بين أهل المدينة وجيش يزيد بن معاوية سنة (٦٣ هـ)، وسببها أن أهل المدينة خلعوا يزيد،=
[ ١٠٨ ]
فيها كثيرٌ من الصّحابة ﵃.
قال سعيد بن المسيَّب: "ثارت الفتنة الأولى، فلم يبق ممَّن شهد بدرًا أحدٌ، ثمّ كانت الثّانية، فلم يبق ممَّن شهد الحديبية أحدٌ".
قال: "وأظن لو كانت الثّالثة؛ لم ترتفع وفي النَّاس طباخ" (^١).
قال البغوي: "أراد بالفتنة الأولى مقتل عثمان، وبالثّانية: الحرة" (^٢).
ز- فتنة القول بخلق القرآن:
ثمّ ظهر بعد ذلك في عهد العباسيِّين فتنة القول بخلق القرآن، وقد تزعم هذه المقالة الخليفة العباسي المأمون، وناصَرَها، وتَبِعَ في ذلك الجهميَّة والمعتزلة الذين روَّجوها عنده، حتّى امتُحِنَ بسببها علماء الإسلام، ووقع على المسلمين بذلك بلاءٌ عظيمٌ، فقد شغلتهم ردحًا طويلًا من الزَّمن، وأدخل بسببها في عقيدة المسلمين ما ليس منها.
هذا؛ والفتن الّتي وقعت كثيرة لا حصر لها، ولا تزال الفتن تظهر وتتابع وتزداد.
وبسبب هذه الفتن وغيرها من الفتن افترق المسلمون إلى فرقٍ
_________________
(١) = فأرسل إليهم جيشًا بقيادة مسلم بن عقبة المري، فاستباح المدينة، وقتل نحو سبع مئة من الصّحابة والمهاجرين والأنصار ومن غيرهم عشرة آلاف، فسماه السلف: مسرف. وقد أخذه الله وهو في طريقه إلى مكّة متوجهًا من المدينة. انظر: "البداية والنهاية" (٨/ ٢١٧ - ٢٢٤)، و"معجم البلدان" (٢/ ٢٤٩).
(٢) (طباخ)؛ أي: خير ونفع؛ يقال: فلان لا طباخ له؛ أي: لا عقل له. انظر: "شرح السنة" للبغوي (١٤/ ٣٩٦)، تحقيق شعيب الأرناؤوط.
(٣) "شرح السنة" (١٤/ ٣٩٥).
[ ١٠٩ ]
كثيرةٍ، كلّ فرقةٍ تدعو إلى نفسها، وتدَّعي أنّها على الحق، وأن غيرَها على الباطل.
وقد أخبر الهادي البشيرُ ﵊ بافتراق هذه الأمة كما افترقت الأمم قبلها.
ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "افترقتِ اليهود على إحدى أو اثنتينِ وسبعين فرقةً، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتينِ وسبعين فرقة، وتفترق أمَّتي على ثلاث وسبعين فرقة":
رواه أصحاب "السنن"؛ إِلَّا النسائي (^١).
وعن أبي عامر عبد الله بن لحي؛ قال: حَجَجْنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكَّة؛ قام حين صلَّى صلاة الظهر، فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: "إن أهل الكتابين افترقوا في دينِهم على اثنتين وسبعين ملَّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملَّةً - يعني: الأهواء -؛ كلها في النّار إِلَّا واحدة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمَّتي أقوامٌ تَجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، لا يبقى منه عرقٌ ولا مِفْصَلٌ إِلَّا دخله". والله يا معشر العرب! لئن لم تقوموا بما جاء به نبيُّكم - ﷺ -؛ لَغَيْرُكُم
_________________
(١) "التّرمذيّ" (٧/ ٣٩٧ - ٣٩٨ - مع تحفة الأحوذي)، وقال: "حديث حسن صحيح"، و"سنن أبي داود" (١٢/ ٣٤٠ - مع عون المعبود)، و"سنن ابن ماجه" (٢/ ١٣٢١) تحقيق محمّد فؤاد عبد الياقي. والحديث صحيح. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (١/ ٣٥٨) (ح ١٠٩٤)، و"سلسلة الأحاديث الصحيحه" (م ١/ ج٣/ ١٢) (ح ٢٠٣).
[ ١١٠ ]
من النَّاس أحرى أن لا يقوم به (^١).
ح - اتِّباع سنن الأمم الماضية:
ومن الفتن العظيمة اتِّباع سنن اليهود والنصارى وتقليدهم، فقد قلَّد بعض المسلمين الكفَّار، وتشبَّهوا بهم، وتخلَّقوا بأخلاقهم، وأُعجبوا بهم، وهذا مصداق ما أخبر به النبيُّ - ﷺ -، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: "لا تقوم السّاعة حتّى تأخذ أمَّتي بأخذ القرون قبلها شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ". فقيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ فقال: "ومَن النَّاس إِلَّا أولئك".
رواه البخاريّ (^٢).
وفي رواية عن أبي سعيد: قُلْنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: "فمَن؟! ".
رواه البخاريّ ومسلمٌ (^٣).
_________________
(١) "مسند أحمد" (٤/ ١٠٢ - بهامشه منتخب كنز العمال)، و"سنن أبي داود" (١٢/ ٣٤١ - ٣٤٢ - مع عون المعبود)، و"مستدرك الحاكم" (٤/ ١٠٢)، وقال الحاكم بعد سياقه لهذا الحديث وحديث أبى هريرة: "هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث". والحديث صحَّحه الألباني، وذكر طرقه في "سلسلة الأحاديث الصحيحة"، وردَّ على من طعن فيه. انظر: "السلسلة" (م ٢/ جـ ٣/ ١٤ - ٢٣) (ح ٢٠٤).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، باب: قول النّبيّ - ﷺ -: "لتتبعنَ سنن مَنْ كان قبلكم" (١٣/ ٣٠٠ - مع الفتح).
(٣) "صحيح البخاريّ"، (١٣/ ٣٠٠ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب العلم، باب الألد الخصم، (١٦/ ٢١٩ - ٢٢٠ - مع شرح النوَوي).
[ ١١١ ]
قال ابن بطَّال (^١): "أعْلَمَ - ﷺ - أن أمَّته ستَتَّبِع المُحدثات من الأمور والبدع والأهواء؛ كما وقع للأمم قبلَهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شرٌّ، والساعة لا تقوم إِلَّا على شرار النَّاس، وأن الدين إنّما يبقى قائمًا عند خاصَّةٍ مِن النَّاس" (^٢).
وقال ابن حجر: "وقد وقع معظم ما أنذر به - ﷺ -، وسيقع بقيَّة ذلك" (^٣).
وفي هذا الزمن كثر في المسلمين مَنْ يتشبَّه بالكفارة من شرقبين وغرببين، فتشبَّه رجالنا برجالهم، ونساؤنا بنسائهم، وافتتنوا بهم، حتّى أدى الأمر ببعض النَّاس أن خرجوا عن الإسلام، واعتقدوا أنّه لا يتمُّ لهم تقدُّم وحضارة إِلَّا بنبذ كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، ومَن عرف الإسلام الصّحيح؛ عرف ما وصل إليه المسلمون في القرون الأخيرة، من بُعْدٍ عن تعاليم الإسلام، وانحرافٍ عن عقيدته، فلم يبقَ عندَ بعضهم من الإسلام إِلَّا اسمه، فقد حكموا قوانين الكفار، وابتعدوا عن شريعة الله، وليس هناك أبلغ ممّا وصف به النّبيّ - ﷺ - المسلمين في اتِّباعهم ومحاكاتهم للكفار، فقال: "شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ، حتّى لو دَخَلوا جًحْرَ ضبٍّ
_________________
(١) هو أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطَّال القرطبي، روى عن أبي المطرِّف القنازعي، ويونس بن عبد الله القاضي، وله شرح على "صحيح البخاريّ"، توفي في صفر سنة (٤٤٩ هـ)، ﵀. انظر ترجمته في: "شذرات الذهب" (٣/ ٢٨٣)، و"الأعلام" (٤/ ٢٨٥) للزركلي.
(٢) و(^٣) "فتح الباري" (١٣/ ٣٠١ - مع الفتح).
[ ١١٢ ]
تَبعْتُموهُم" (^١).
قال النووي: "والمراد بالشبر والذراع وجحر الضب التمثيل بشدَّة الموافقة لهم، والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله - ﷺ -، فقد وقع ما أخبر به - ﷺ -" (^٢).
هذا؛ والفتن ليس لها حصرٌ، ففتنة النِّساء، وفتنة المال، وحب الشهوات، وحب السلطان والسيادة والزعامة؛ كلها فتنٌ ربما تهلك الإِنسان، وتعصف به إلى مهاوي الرَّدى، نسأل الله العافية والسلامة.
٧ - ظهور مدَّعي النبوَّة:
ومن العلّامات الّتي ظهرت: خروج الكذَّابين الذين يدَّعون النيوَّة، وهم قريبٌ من ثلاثين كذَّابًا، وقد خرج بعضُهم في الزمن النبويَّ وفي عهد الصّحابة، ولا يزالون يظهرون.
وليس التحديد في الأحاديث مرادًا به كلّ من ادَّعى النبوَّة مطلقًا؛ فإنهم كثيرٌ لا يُحْصَوْنَ، وإنّما المراد مَنْ قامت له شوكة، وكَثُر أتباعه، واشتُهِرَ بين النَّاس (^٣).
ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - قال: "لا تقوم السّاعة حتّى يبعث دجَّالون كذَّابون قريبٌ من ثلاثين؛ كلهم يزعم أنّه رسول الله" (^٤).
_________________
(١) مر تخريجه في الصفحة الّتي قبل هذه.
(٢) "شرح النووي لمسلم" (١٦/ ٢١٩ - ٢٢٠).
(٣) انظر: "فتح الباري" (٦/ ٦١٧).
(٤) "صحيح البخاريّ"، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، (٦/ ٦١٦ - مع =
[ ١١٣ ]
وعن ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقوم السّاعة حتّى تلحق قبائل من أمَّتي بالمشركين، وحتى يعبدوا الأوثان، وإنه سيكون في أمَّتي ثلاثون كذَّابون، كلهم يزعم أنّه نبيٌّ، وأنا خاتم النبيِّين، لا نبيَّ بعدي" (^١).
والأحاديث في ظهور هؤلاء الدَّجاجلة كثيرة، وفي بعضها وقع أنّهم ثلاثون بالجزم؛ كما في حديث ثوبان، وفي بعضها أنّهم قريبٌ من الثلاثين؛ كما في حديث "الصحيحين"، ولعلّ رواية ثوبان على طريقة جبر الكسر (^٢).
وممَّن ظهر من هؤلاء الثلاثين مسيلمة الكذَّاب، فادَّعى النبوَّة في آخر زمن النّبيّ - ﷺ -، وكاتَبَهُ رسول الله - ﷺ -، وسماه مسيلمة الكذاب، وقد كثر أتباعه، وعَظُم شرُه على المسلمين، حتّى قضى عليه الصّحابة في عهد أبي بكر الصدِّيق ﵁، في معركة اليمامة المشهورة.
وظهر كذلك الأسود العَنَسي في اليمن، وادَّعى النبوَّة، فقتله الصّحابة قبل موت النّبيّ - ﷺ -.
_________________
(١) = الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٤٥ - ٤٦ - مع شرح النووي).
(٢) "سنن أبي دواد" (١١/ ٣٢٤ - مع عون المعبود)، و"التّرمذيّ" (٦/ ٤٦٦ - مع تحفة الأحوذي)، وقال: "هذا حديث صحيح". وقال الألباني: "صحيح". انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٦/ ١٧٤) (ح ٧٢٩٥).
(٣) انظر: "فتح الباري" (١٣/ ٨٧).
[ ١١٤ ]
وظهرت سَجاح، وادَّعت النبوة، وتزوَّجها مسيلمة، ثمّ لما قُتِل؛ رجعت إلى الإسلام.
وتنبأ أيضًا طليحة بن خويلد الأسدي، ثمّ تاب ورجع إلى الإسلام، وحسن إسلامه.
ثمّ ظهر المختار بن أبي عُبيد الثقفي، وأظهر محبَّة أهل البيت، والمطالبة بدم الحسين، وكَثُر أتباعه، فتغلَّب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، ثمّ أغواه الشيطان، فادَّعى النبوَّة ونزول جبريل عليه (^١).
والذي يقَّوي أنّه من الدَّجالين ما رواه أبو داود بعد سياقه لحديث أبي هريرة الّذي في "الصحيحين" في ذكر الكذابين: "عن إبراهيم النخعي أنّه قال لعُبيدة السلماني (^٢): أترى هذا منهم- يعني: المختار-؟ قال: فقال عُبيدة: أمّا إنّه من الرؤوس" (^٣).
ومنهم الحارث الكذَّاب، خرج في خلافة عبد الملك بن مروان، فقُتِل. وخرج في خلافة بني العباس جماعةٌ (^٤).
وظهر في العصر الحديث ميرزا أحمد القادياني بالهند، وادَّعى
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (٦/ ٦١٧).
(٢) عبيدة السلماني المرادي الكوفي الفقيه المفتي، أسلم في حياة النّبيّ - ﷺ -، ولقي عليًّا وابن مسعود. قال فيه الشّعبيّ: "كان يوازي شريحًا في القضاء". انظر: ترجمته في "شذرات الذهب" (١/ ٧٨ - ٧٩).
(٣) "سنن أبي داود" (١١/ ٤٨٦ - مع عون المعبود).
(٤) "فتح الباري" (٦/ ٦١٧).
[ ١١٥ ]
النبوة، وأنّه المسيح المنتظر، وأن عيسى ليس بحيٍّ في السَّماء إلى غير ذلك من الادعاءات الباطلة، وصار له أتباعٌ وأنصارٌ، وانبرى له كثيرٌ من العلماء، فردُّوا عليه، وبيَّنوا أنّه أحد الدَّجالين.
ولا يزال خروج هؤلاء الكذابين واحدًا بعد الآخر، حتي يظهرآخرهم الأعور الدجَّال، فقد روى الإمام أحمد عن سَمُرة بن جُنْدَب ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال في خطبته يوم كسفت الشّمس على عهده: "وإنه - والله- لا تقوم السّاعة حتّى يخرج ثلاثون كذَّابًا، آخرهم الأعور الكذَّاب" (^١).
ومن هؤلاء الكذَّابين أربع نسوة، فقد روى الإمام أحمد عن حذيفة ﵁ أن نبي الله - ﷺ - قال: "في أمتي كذابون ودجَّالون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيِّين، لا نبيَّ بعدي" (^٢).
٨ - انتشار الأمن:
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تَقومُ الساعةُ حتّى يسيرَ الراكِبُ بينَ العراقِ ومكَّةَ، لا يخافُ إِلَّا ضَلالَ الطَّريق" (^٣).
_________________
(١) "مسند أحمد" (٥/ ١٦ - بهامشه منتخب كنز العمال).
(٢) "مسند أحمد" (٥/ ٣٩٦)، وهو صحيح. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٤/ ٩٧) (ح ٤١٣٤). وقال الهيثمي: "رواه أحمد، والطبراني في " الكبير" و"الأوسط"، والبزار، ورجال البزار رجال الصّحيح،. "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٣٢).
(٣) "مسند أحمد" (٢/ ٣٧٠ - ٣٧١ - بهامشه منتخب الكنز). قال الهيثمي: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصّحيح" "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٣١).
[ ١١٦ ]
وهذا قد وقع في زمن الصّحابة ﵃، وذلك حينما عمَّ الإِسلامُ والعدلُ البلادَ الّتي فتحها المسلمون.
ويؤِّيدُهُ ما تقدَّم في حديث عديٍّ ﵁ حين قال له النبيُّ - ﷺ -: "يا عَدِيُّ! هل رأيت الحيرة؟ ". قلتُ: لم أرها، وقد أُنْبِئْتُ عنها. قال: "فإن طالتْ بك حياةٌ لَتَرَيَنَّ الظعينة ترتحل من الحيرة حتّى تطوف بالكعبة؛ لا تخاف إِلَّا الله " (^١).
وسيكون ذلك في زمن المهدي وعيسى -﵇- حينما يعمُّ العدلُ مكان الجور والظلم.
٩ - ظُهورُ نارِ الحجازِ:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقومُ الساعةُ حتّى تخرجَ نارٌ من أرض الحجازة تُضيءُ أعناقَ الإِبلِ ببصرى (^٢) " (^٣).
وقد ظهرت هذه النّار في منتصف القرن السابع الهجري في عام أربع وخمسين وست مئة، وكانت نارًا عظيمة، أفاض العلماء ممَّن عاصر ظهورها ومَن بعدَهم في وصفها.
_________________
(١) تقدّم تخريجه.
(٢) (بصرى)؛ بضم الباء، آخرها ألف مقصورة: مدينة معروفة بالشام، ويقال لها: حوران، وبينها وبين دمشق ثلاث مراحل. انظر: "معجم البلدان" (١/ ٤٤١)، و"شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٣٠)، و"فتح الباري" (١٣/ ٨٠).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتق، باب خروج النّار، (١٣/ ٧٨ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٠ - مع شرح النووي).
[ ١١٧ ]
قال النووي: "خرجتْ في زماننا نارٌ بالمدينة سنة أربع وخمسين وست مئة، وكانت نارًا عظيمة جدًّا، من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، وتواتَرَ العلم بها عند جميع الشّام وسائر البلدان، وأخبرني مَنْ حضرها من أهل المدينة" (^١).
ونقل ابن كثير أن غير واحدٍ من الإعراب ممَّن كان بحاضرة بصرى شاهدوا أعناقَ الإِبل في ضوء هذه النّار الّتي ظهرت من أرض الحجاز (^٢).
وذكر القرطبي ظهورَ هذه النّار، وأفاض في وصفها في كتابه "التذكرة" (^٣)، فذكر أنّها رُئِيت من مكّة ومن جبال بصرى.
وقال ابن حجر: "والذي ظهر لي أن النّار المذكورة هي الّتي ظهرتْ بنواحي المدينة؛ كما فهمه القرطبي وغيرُه" (^٤).
وهذه النّار ليست هي النّار الّتي تخرُجُ في آخر الزّمان، تحشُرُ النَّاس إلى محشَرِهم (^٥)؛ كما سيأتي في الكلام عليها في الأشراط الكبرى.
١٠ - قِتالُ التُّركِ (^٦):
روى مسلمٌ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا
_________________
(١) "شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٢٨).
(٢) انظر: "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٤) تحقيق د. طه زيني، وانظر: "البداية والنهاية" (١٣/ ١٨٧ - ١٩٣).
(٣) انظر: "التذكرة" (ص ٦٣٦).
(٤) "فتح الباري" (١٣/ ٧٩).
(٥) انظر: "شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٢٨)، و"الإِذاعة" (ص ٨٥).
(٦) الترك: للعلّماء عدة أقوال في أصلهم، منها:
[ ١١٨ ]
تقومُ الساعةُ حتّى يُقاتِلَ المسلمونَ التُركَ، قومًا وجوهُهُم كالمَجانِّ (^١) المُطْرَقَة (^٢)، يلبسون الشعر، ويمشون في الشعر" (^٣).
وللبخاري عن أبي هريرة عن النّبيّ - ﷺ - قال: "لا تقوم السّاعة حتّى
_________________
(١) = أ - أنّهم من نسل يافث بن نوح، الّذي من نسله يأجوج ومأجوج، فهم بنو عمهم. ب - أنّهم من بني قنطوراء، اسم جارية كانت لإِبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه، ولدت له أولادًا جاء من نسلهم الترك والصين. ج - وقيل: إنهم من نسل تبع. د - وقيل: من نسل أفريدون بن سام بن نوح. وبلادهم يقال لها: تركستان، وهي ما بين مشارق خراسان إلى مغارب الصين وشمال الهند إلى أقصى المعمور. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٤/ ١١٣)، و"ترتيب القاموس المحيط" (٣/ ٧٠٠)، و"معالم السنن" (٦/ ٦٨)، و"معجم البلدان" (٢/ ٢٣)، و"النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٥٣) تحقيق د. طه زيني، و"فتح الباري" (٦/ ١٠٤ و٦٠٨)، و"الإِشاعة" (ص ٣٥)، و" الإِذاعة" (ص ٨٢).
(٢) (المَجان): جمع مِجَن، وهو الترس، والميم زائدة؛ لأنّه من الجُنَّة، وهي السترة. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٤/ ٣٠١).
(٣) (المَجان المُطْرقة): هي الّتي عُلِيَت بطارق، وهي الجلد الّذي يغشاه، ومنه طارق النعل: إذا صيَّرها طاقًا فوق طاق، وركَّب بعضها فوق بعض، فشبَّه وجوههم في عرضها ونتوء وجناتها بالترس قد أُلبست الأطرقة. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٣/ ١٢٢)، و"شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٣٦ - ٣٧).
(٤) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٧ - مع شرح النووي).
[ ١١٩ ]
تقاتِلوا قومًا نعالِهُم الشعر، وحتى تقاتِلوا الترك صغار الأعين، حمر الوجوه. ذُلْفَ الأنوف (^١)، كأن وجوههم المَجانَّ المطْرَقَة" (^٢).
وعن عمرو بن تغلب؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "مِن أشراط السّاعة أن تقاتِلوا قومًا عِراض الوجوه، كأن وجوهَهُم المَجانُّ المطْرَقة" (^٣).
وقد قاتل المسلمون الترك من عصر الصّحابة ﵃، وذلك في أول خلافة بني أمية، في عهد معاوية ﵁.
روى أبو يعلى عن معاوية بن خُديج؛ قال: كنتُ عند معاوية بن أبي سفيان حين جاءه كتابٌ من عامله يخبره أنّه وقع بالتُّرك وهزمهم، وكثرة من قتل منهم، وكثرة من غنم، فغضب معاوية من ذلك، ثمّ أمر أن يكتب إليه: قد فهمتُ ممّا قلتَ ما قتلتَ وغنمتَ، فلا أعلمنَّ ماعدتَ لشيءٍ من ذلك ولا قاتلتَهُم حتّى يأتيك أمري. قلتُ: لم يا أمير المؤمنين؟ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول:
"لتظهَرَنَّ التُّركُ على العربِ حتّى تُلْحِقَها بمَنابِتِ الشِّيحِ (^٤)
_________________
(١) (ذلف الأنوف): الذلف بالتحريك: قصر الأنف وانبطاحه، وقيل: ارتفاع طرفه مع صغر أرنبته. و(الذلف): بسكون اللام، جمع أذلف؛ كأحمر وحمر. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ١٦٥).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، (٦/ ٦٠٤ - مع الفتح).
(٣) "مسند أحمد" (٥/ ٧٠ - بهامشه منتخب الكنز) واللفظ له، و"صحيح البخاريّ"، كتاب الجهاد، باب قتال الترك، (٦/ ١٠٤ - مع الفتح).
(٤) (الشيح): بالكسر، ثمّ السكون، وحاء مهملة: نبتٌ له رائحة عطرة، وهي الّتي =
[ ١٢٠ ]
والقَيْصومِ" (^١)، فأنا أكرهُ قتالَهم لذلك (^٢).
وعن عبد الله بن بُريدة عن أبيه ﵁؛ قال: كنتُ جالسًا عند النّبيّ - ﷺ -، فسمعنا النّبيّ - ﷺ - يقول: "إن أمَّتي يسوقُها قومٌ عِراض الأوجه، صِغارُ الأعيُن، كأن وجوههم الحجف (^٣) (ثلاث مرات)، حتّى يُلْحِقوهم بجزيرة العرب، أمّا السابقة الأولى؛ فينجو مَنْ هَرَبَ منهم، وأمّا الثّانية؛ فيهلك بعضٌ وينجو بعضٌ، وأمّا الثّالثة؛ فيَصْطَلِمون (^٤) كلُّهم مَنْ بقي منهم". قالوا: يا نبي الله! مَنْ هُم؟ قال: "هم التُّرك". قال: "أمّا والذي نفسي بيده؛ لَيَرْبِطُنَّ خيولَهُم إلى سواري مساجد المسلمين".
قال: وكان بُريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة ومتاع السَّفر والأسقية بعد ذلك للهرب؛ ممّا سمع من النّبيّ - ﷺ - من البلاء من أمراء الترك (^٥).
_________________
(١) = تدعى الطرقية الوخشيرك. وإذات الشيح): بالحزن، من ديار بني يربوع. و(ذو الشيح): موضع باليمامة، وموضع بالخزيرة. انظر: "معجم البلدان" (٣/ ٣٧٩).
(٢) (القيصوم): نبات طيب الريح يكون بالبادية، واحدته قيصومة، وهي ماء تناوح الشيحة بينهما عقبة شرقي فيد (بليدة في نصف الطريق بين مكّة والكوفة، عبر بها الحاج، وهي قريبة من أجا وسلمى جبلي طيىء). انظر: "معجم البلدان" (٤/ ٢٨٢ و٤٢٢).
(٣) "فتح الباري" (٦/ ٦٠٩). قال الهيثمي: "رواه أبو يعلى، وفيه مَنْ لم أعرفهم". "مجمع الزوائد" (٧/ ٣١٢).
(٤) (الحجف): قال ابن الأثير: "الحجفة: الترس". "النهاية في غريب الحديث" (١/ ٣٤٥).
(٥) (يصطلمون): الاصطلام: افتعال من الصلم، وهو القطع؛ أي: يحصدون. انظر: "النهاية في غريب الحديث"، (٣/ ٤٩)، و"عون المعبود" (١١/ ٤١٣).
(٦) "مسند أحمد" (٥/ ٣٤٨ - ٣٤٩ - بهامشه منتخب الكنز). =
[ ١٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال أبو الخطّاب عمر بن دحية: "هذا سند صحيح". "التذكرة" للقرطبي، (ص ٥٩٣). قال الهيثمي: "رواه أبو داود باختصار، رواه أحمد والبزار باختصار، ورجاله رجال الصّحيح". "مجمع الزوائد" (٧/ ٣١١). ولكن رواية أبي داود تختلف عن رواية الإمام أحمدة فإن ظاهر رواية أبي داود تدل على أن المسلمين هم الذين يسوقون الترك ثلاث مرات حتّى يلحقوهم بجزيرة العرب، ففيها: "يقاتلكم قوم صغار الأعين"؛ يعني: الترك؛ قال: "تسوقونهم ثلاث مرات حتّى تُلْحِقوهم بجزيرة العرب الحديث". "سنن أبي داود"، كتاب الملاحم، باب قتال الترك، (١١/ ٤١٢ - ٤١٣ - مع عون المعبود). قال صاحب "عون المعبود": "وعندي أن الصواب هي رواية أحمد، أمّا رواية أبي داود؛ فالظاهر أنّه قد وقع الوهم فيه من بعض الرواة. ويؤيَّده ما في رواية أحمد من أنّه كان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة ومتاع السَّفر والأسقية بعد ذلك؛ للهرب ممّا سمع من النّبيّ - ﷺ - من البلاء من أمراء الترك. ويؤيِّده أيضًا أنّه وقع الشك لبعض رواة أبي داود، ولذا قال في آخر الحديث: "أو كما قال". ويؤَيده أيضًا أنّه وقعت الحوادث على نحو ما ورد في رواية أحمد،. "عون المعبود" (١١/ ٤١٤). ثمّ نقل عن القرطبي ما ذكره في خروج الترك، وأنّهآخرجوا ثلاث مرات على المسلمين، وكان خروجهم الأخير: تدميرهم بغداد، وقتلهم للخليفة والعلّماء والأمراء والفضلاء والعباد، وأنّهم أوغلوا في البلاد حتّى ملكوا الشّام مدة يسيرة، ودخل رعبهم الديار المصرية، إلى أن تصدَّى لهم الملك المظفَّر الملقب بـ (قطز) في معركة (عين جالوت)، فكان له النصر والظفر عليهم كما كان النصر لطالوت، وتفرَّقت جموعهم، وكفى الله المسلمين شرورهم. =
[ ١٢٢ ]
وكان مشهورًا في زمن الصّحابة ﵃ حديث: "اتركوا الترك ما تركوكم" (^١).
_________________
(١) = انظر: "التذكرة للقرطبي" (ص ٥٩٢ - ٥٩٥)، و"عون المعبود" (١١/ ٤١٥ - ٤١٦).
(٢) "سنن أبي داود"، كتاب الملاحم، باب في النّهي عن تهييج الترك والحبشة، (١١/ ٤٠٩ - مع عون المعبود). وقال ابن حجر: "رواه الطبراني من حديث معاوية". "فتح الباري" (٦/ ٦٠٩). وقال العجلوني: "قال الزرقاني: حسن. وقال في الأصل: رواه أبو داود عن رجل من الصّحابة عن النّبيّ - ﷺ - رواه النسائي وكذا الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" عن ابن مسعود رفعه بلفظ: "اتركوا الترك ما تركوكم". قال: "أول من يسلب أمتي ملكهم وما خولهم الله بنو قنطوراء". ورواه الطبراني عن معاوية بن أبي سفيان مرفوعًا بطرق يشهد بعضها لبعض". انظر: "كشف الخفا ومزيل الإِلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة النَّاس" (١/ ٣٨) للعجلوني، تعليق أحمد القلاش، طبع مؤسسة الرسالة، بيروت. وقال الألباني في هذا الحديث: إنّه "موضوع". انظر: "ضعيف الجامع الصغير" (١/ ٨١) (ح ١٠٥). وقال السخاوي بعد ذكر مَنْ رواه: "ولا يسوغ معها الحكم عليه بالوضع، وقد جمع الحافظ ضياء الدين المقدسي جزءًا في خروج الترك سمعناه". "المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة" (ص ١٦ - ١٧)، صحَّحه وعلَّق حواشيه عبد الله محمّد الصديق، وقدم له عبد الوهاب عبد اللطيف، طبع دار الأدب العربي للطباعة، نشر مكتبة الخانجي بمصر، عام (١٣٧٥ هـ). وقال الهيثمي: "رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، وفيه عثمان بن يحيى القرقساني، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصّحيح". "مجمع الزوائد" (٧/ ٣١٢). فهذا الحديث أقل ما يقال فيه: إنّه حسن. لا سيما أن الحافظ ابن حجر ذكر أنّه كان مشهورًا في زمن الصّحابة ﵃، ولم يذكر فيه قدحًا، فدل على أنّه ثابتٌ عنده.
[ ١٢٣ ]
قال ابن حجر: "كان ما بينهم وبين المسلمين مسدودًا إلى أن فُتح ذلك شيئًا بعد شيءٍ، وكَثُرَ السبي منهم، وتنافس الملوك فيهم؛ لما يتَّصفون به من الشدة والبأس، حتّى كان أكثر عسكر المعتصم منهم، ثمّ غلب الأتراك على الملك، فقتلوا ابنَه المتوكل، ثمّ أولاده واحدًا بعد واحد، إلى أن خالط المملكة الديلم، ثمّ كان الملوك السَّامانية من التُّرك أيضًا، فملكوا بلاد العجم، ثمّ غلب على تلك الممالك آل سبكتكين، ثمّ آل سلجوق، وامتدت مملكتهم إلى العراق والشام والروم، ثمّ كان بقايا أتباعهم بالشام - وهم آل زنكي -، وأتباع هؤلاء - وهم بيت أيوب -، واستكثر هؤلاء أيضًا من الترك، فغلبوهم على المملكة بالديار المصرية والشامية والحجازية.
وخرج على آل سلجوق في المئة الخامسة الغزُّ، فخربو"لبلاد، وفتكوا في العباد.
ثمّ جاءت الطامة الكبرى بالططر (التتار)، فكان خروج جنكز خان بعد الست مئة، فأُسعِرَت بهم الدُّنيا نارًا، خصوصًا المشرق بأسره، حتّى لم يبق بلدٌ منه حتّى دخله شرُّهُم، ثمّ كان خرابُ بغداد وقتل الخليفة
_________________
(١) = وقد وجدتُ أن الألباني قد استشهد بحديث: "دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم"، وقال في سنده: "هذا إسناد لا بأس به في الشواهد، رجاله كلهم ثقات. غير أبي سكينة هذا؛ قال الحافظ في "التقريب": "قيل: اسمه علم، مختلف في صحبته". قلت (أي: الألباني): إذا لم تثبت صحبته؛ فهو تابعيٌّ مستور، روى عنه ثلاثة، فالحديث شاهد حسن". انظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (م ٢/ ٤١٦/ ح٧٧٢). ولعلّ الألباني يريد بقوله: "موضوع"؛ أي: الزيادة الّتي في نهاية الحديث، وهي قوله: "أول من يسلب أمتي ملكهم وما خولهم الله بنو قنطوراء"، وسيأتي أن الحافظ ابن حجر استشهد بها، فهي ثابتة عنده، والله أعلم.
[ ١٢٤ ]
المستعصم آخر خلفائهم على أيديهم في سنة ستٍّ وخمسين وست مئة، ثمّ لم تزل بقاياهم يُخْرِبون إلى أن كان آخرهم (اللنك)، ومعناه: الأعرج، واسمه (تَمُر)؛ بفتح المثناة، وضم الميم، وربما أُشْبِعت، فطرق الديار الشامية، وعاش فيها، وحرق دمشق حتّى صارت على عروشها، ودخل الروم والهند وما بين ذلك، وطالت مدَّته إلى أن أخذه الله، وتفرق بنوه في البلاد.
وظهر بجميع ما أوردته مصداق قوله - ﷺ -: "إن بني قنطوراء أول من سلب أمَّتي ملكهم" وكأنّه يريد بقوله: "أمَّتي" أمة النسب، لا أمة الدّعوة؛ يعني: العرب، والله أعلم" (^١).
وعلى هذا يكون التتار الذين ظهروا في القرن السابع الهجري هم من الترك؛ فإن الصفات الّتي جاءت في وصف الترك تنطبق على التَّتار (المغول)، وقد كان ظهورهم في زمن الإمام النووي ﵀ (^٢)، فقال فيهم: "قد وجد قتال هؤلاء الترك بجميع صفاتهم الّتي ذكرها - ﷺ -: صغار الأعين، حمر الوجوه، ذُلُفُ الأنف، عراض الوجوه، كأن وجوههم المَجانُّ المُطْرَقَة، ينتعلون الشعر، فوُجِدوا بهذه الصفات كلها في زماننا، وقاتلهم المسلمون مرَّات، وقتالهم الآن" (^٣).
_________________
(١) "فتح الباري" (٦/ ٦٠٩ - ٦١٠).
(٢) كانت ولادة الإمام النووي سنة (٦٣١ هـ)، ووفاته سنة (٦٧٦ هـ)، وهي الفترة الّتي ظهر فيها التَّتار، وقضوا على الخلافة العباسية. انظر: "تذكرة الحفاظ" (٤/ ١٤٧١ - ١٤٧٣).
(٣) "شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٣٧ - ٣٨).
[ ١٢٥ ]
وقد دخل كثيرٌ من التُّرك في الإسلام، ووقع على أيديهم خيرٌ كثيرٌ للإِسلام والمسلمين، وكوَّنوا دولة إسلامية قويَّة، عزَّ بها الإِسلام، وحصل في عهدهم كثيرٌ من الفتوحات العظيمة، ومنها: فتح القسطنطينية عاصمة الروم، وهو تهيئة للفتح العظيم آخر الزّمان قبل ظهور الدجَّال؛ كما سيأتي، ودخل الإسلام إلى أوروبا وكثيرٍ مِن البلدان في الشرق والغرب.
ولهذا مِصداق لما قاله المصطفى - ﷺ - كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ بعد ذكره - ﷺ - لقتال التُّرك؛ قال: "وتَجِدونَ مِن خيرِ النَّاس أشدَّهم كراهيةً لهذا الأمر، حتّى يقع فيه، والناس معادِنُ، خيارُهُم في الجاهلية خيارُهم في الإسلام" (¬١).
١١ - قِتال العَجَم (^٢):
عن أبي هريرة ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال: "لا تقومُ السّاعة حتّى تُقاتِلوا خُوزًا (^٣) وكِرمان (^٤) مِن الأعاجم؛ حُمْرُ الوجوه، فُطْسُ الأنوف، صغار
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، (٦/ ٦٠٤ - مع الفتح).
(٢) (العجم): خلاف العرب، مفرده عجميٌّ؛ كعربي جمعه عرب. انظر: "لسان العرب" (١٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦).
(٣) (خوز): بضم أوله، وتسكين ثانيه، وآخره زاي. بلاد خوزستان؛ يقال لها: الخوز، وهي من بلاد الأهواز من عراق العجم، وقيل: الخوز، صنف من الأعاجم. انظر: "معجم البلدان" (٢/ ٤٠٤)، و"فتح الباري" (٦/ ٦٠٧).
(٤) (كرمان): بالفتح، ثمّ السكون، وآخره نون، وربما كُسرت الكاف، والفتح أشهر، وهي بلاد واسعة مشهورة ذات قرى ومدن، يحدها من الغرب بلاد فارس، ومن الشمال خراسان، وجنوبها بحر فارس.
[ ١٢٦ ]
الأعين؛ كأن وجوهَهُم المِجانُّ المُطْرَقة، نعالِهُم الشَّعر" (^١).
مضى في الكلام على قتال الترك ذكر صفاتهم الّتي جاء ذكرها في أحاديث قتالهم، وذكر هنا في هذا الحديث قتال خوز وكرمان، وهما ليسا من بلاد الترك، بل من بلاد العجم، ومع هذا جاء وصفهم كوصف الترك.
قال ابن حجر: "يُمْكِن أن يُجاب بأن هذا الحديث غير حديث قتال الترك، ويجتمع منهما الإِنذار بخروج الطائفتين" (^٢).
قلت: ويؤِّيد هذا ما رواه سمرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يوشك أن يملأ الله ﷿ أيديكم من العجم، ثمّ يكونون أسدًا لا يفرُّون، فيقتلون مقاتلتَكُم، ويأكلون فيئكم" (^٣).
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يوشِكُ أن يكثُرَ فيكم من العجم أسدّ لا يفُّرون، فيقتلون مقاتِلَتَكُم، ويأكلون فيئكم" (^٤).
_________________
(١) = قال ياقوت: "وأهلها أهل سنة وجماعة، وخير وصلاح، وذلك بعد فتح المسلمين لها". انظر: "معجم البلدان" (٤/ ٤٥٤).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، (٦/ ٦٠٤ - مع الفتح).
(٣) "فتح الباري" (٦/ ٦٠٧).
(٤) "مسند أحمد" (٥/ ١١ - بهامشه منتخب الكنز). قال الهيثمي: "رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجال أحمد رجال الصّحيح". "مجمع الزوائد" (٧/ ٣١٠).
(٥) رواه الطبراني، ورجاله رجال الصّحيح. "مجمع الزوائد" (٧/ ٣١١).
[ ١٢٧ ]
وعلى هذا فقتالُ العجم من أشراط السّاعة.
١٢ - ضِياعُ الأمانَة (^١):
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا ضُيِّعَتِ الأمانة؛ فانتظر السّاعة". قال: كيف إضاعَتُها يا رسول الله؟ قال: "إذا أُسْنِد الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر السّاعة" (^٢).
وبيَّن النّبيّ ﷺ كيف تُرْفَعُ الأمانة من القلوب، وأنّه لا يبقى منها في القلب إِلَّا أثرها.
روى حُذيفة ﵁؛ قال: حدَّثنا رسول الله _صلّى الله عليه وسلم- حديثين، رأيتُ إحداهما، وأنا أنتظر الآخر، حدَّثنا أن الأمانة نزلت في جذر (^٣) قُلوب
_________________
(١) (الأمانة): ضد الخيانة، وقد جاء ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب:٧٢]. وللعلّماء عدة أقوال في معناها، وهي ترجع إلى قسمين: أ - التّوحيد: فإنّه أمانة عند العبد وخفي في القلب. ب - العمل: ويدخل في جميع أنواع الشّريعة، وكلها أمانة عند العبد. فالأمانة هي التكليف، وقبول الأوامر، وأجتناب النواهي. انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (٣/ ١٥٨٨ - ١٥٨٩) تحقيق علي محمّد البجاوي، و"شرح النووي لمسلم" (٢/ ١٦٨)، و"تفسير ابن كثير" (٦/ ٤٧٧)، و"فتح الباري" (١١/ ٣٣٣).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، (١١/ ٣٣٣ - مع الفتح).
(٣) (جذر): الجذر: الأصل من كلّ شيء. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (١/ ٢٥٠).
[ ١٢٨ ]
الرجال، ثمّ علموا من القرآن، ثمّ علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها؛ قال: "ينام الرَّجل النومة، فتُقْبَضُ الأمانة من قلبه، فيظلُّ أثرها مثل أثر الوكتِ (^١)، ثمّ ينام النومة فتُقْبَضُ، فيبقى أثرها مثل المجل (^٢)؛ كجمرٍ دحرجته على رجلك، فنفط (^٣)، فتراه منتبرًا (^٤)، وليس فيه شيءٌ، فيصبح النَّاس يتبايعون، فلا يكاد أحدُهُم يؤدِّي الأمانة، فيقال: إن في بني فلانٍ رجلًا أمينًا، ويقال للرجل: ما أعقَلَهُ! وما أظرفَهُ! وما أجلَدَه! وما في قلبه مثقالُ حبَّة خردلٍ من إيمان، ولقد أتى عليَّ زمانٌ وما أبالي أيَّكُم بايعتُ، لئن كان مسلمًا؛ ردَّه الإسلام، وإن كان نصرانيًّا؛ ردَّه عليَّ ساعيه، فأمّا اليوم؛ فما كنتُ أُبايِعُ إِلَّا فلانًا وفلانًا" (^٥).
_________________
(١) (الوكت): جمع وكتة، وهي الأثر في الشيء كالنقطة من غير لونه، ومنه قيل للبسر إذا وقعت فيه نقطة من الأرطاب: قد وكت. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٥/ ٢١٨).
(٢) (المجل): هو ما يكون في الكف من أثر العمل بالأشياء الصلبة الخشنة، كهيئة البثر. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٤/ ٣٠٠)، و"صحيح البخاريّ"، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، (١١/ ٣٣٣ - مع الفتح).
(٣) (نفط): بفتح النون وكسر الفاء؛ يقال: نفطت يده؛ أي: قرحت من العمل، والنفطة: بثرة تخرج في اليد من العمل ملأى ماء. انظر: "لسان العرب" (٧/ ٤١٦ - ٤١٧).
(٤) (منتبرًا): المنتبر كلّ مرتفع، ومنه اشتق المنبر، يقال: انتبر الجرح إذا ورم وامتلأ ماء. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٥/ ٧ - ٨)، و"فتح الباري" (١٣/ ٣٩).
(٥) "صحيح البخاريّ"، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، (١١/ ٣٣٣ - مع الفتح)، وكتاب الفتن، باب إذا بقي في حثالة من النَّاس، (١٣/ ٣٨ - مع الفتح).
[ ١٢٩ ]
ففي هذا الحديث بيانُ أن الأمانة ستَرفع من القلوب، حتّى يصير الرَّجل خائنًا بعد أن كان أمينًا، وهذا إنّما يقعُ لمَن ذهبتْ خشيتُه لله، وضعُفَ إيمانُه، وخالَطَ أهلَ الخيانَةِ، فيصيرُ خائنًا؛ لأنّ القرين يقتدي بقرينه.
ومن مظاهر تضييع الأمانة إسناد أمور النَّاس من إمارة وخلافة وقضاء ووظائف على اختلافها إلى غير أهلها القادرين على تسييرها والمحافظة عليها؛ لأنّ في ذلك تضييعًا لحقوق النَّاس، واستخفافًا بمصالحهم، وإيغارًا لصدورهم، وإثارة للفتن بينهم (^١).
فإذا ضَيَّع مَنْ يتولَّى أمر النَّاس الأمانة - والناس تَبَعٌ لمَن يتولَّى أمرَهُم -؛ كانوا مثله في تضييع الأمانة، فصلاح حالَ الولاة صلاح لحال الرعية، وفساده فساد لهم.
ثمّ إن إسناد الأمر إلى غير أهله دليلٌ واضحٌ على عدم اكتراث النَّاس بدينهم، حتّى إنهم لَيولون أمرهم مَنْ لا يهتمُّ بدينه، وهذا إنّما يكون عند غلبة الجهل، ورفع العلم، ولهذا ذكر البخاريّ ﵀ حديث أبي هريرة الماضي في كتاب العلم؛ إشارة إلى هذا.
قال ابن حجر: "ومناسبةُ هذا المتن لكتاب العلم أن إسناد الأمر إلى غير أهله إنّما يكون عند غَلَبَةِ الجهل، ورفع العلم، وذلك من جملة الأشراط" (^٢).
_________________
(١) انظر: "قبسات من هدي الرسول الأعظم - ﷺ - / في العقائد" (ص ٦٦) لعلّي الشربجي، الطبعة الأولى، (١٣٩٨ هـ)، ط. دار القلم، دمشق.
(٢) "فتح الباري" (١/ ١٤٣).
[ ١٣٠ ]
وقد أخبر - ﷺ - أنّه ستكون هناك سنين خدَّاعة؛ تنعكس فيها الأمور؛ يُكَذَّب فيها الصادق، ويُصَدَّق فيها الكاذب، ويخوَّن الأمين، ويؤتمن الخائن؛ كما سيأتي الحديث عنه في أن من أشراط السّاعة ارتفاع الأسافل.
١٣ - قبض العلم وظهور الجهل:
ومن أشراطها قبض العلم وفشوُّ الجهل، ففي "الصحيحين" عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من أشراط السّاعة أن يُرْفَعَ العلم، ويَثْبُتَ الجهلُ" (^١).
وروى البخاريّ عن شقيق؛ قال: كنتُ مع عبد اللهِ وأبي موسى، فقالا: قال النّبيّ - ﷺ -: "إن بين يدي السّاعة لأيَّامًا يُنزَلُ فيها الجهلُ، ويُرْفَعُ العلم" (^٢).
وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "يتقارَبُ الزَّمانُ، ويُقْبَضُ العلم، وتَظْهَرُ الفِتَنُ، ويُلقى الشُّحُّ، ويَكْثر الهَرْجِ" (^٣).
قال ابن بطَّال: "وجميع ما تضمَّنَهُ هذا الحديث من الأشراط قد
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل، (١/ ١٧٨ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزّمان، (١٦/ ٢٢٢ - مع شرح نووي).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب ظهور الفتن، (١٣/ ١٣ - مع الفتح).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب العلم، باب رفع العلم، (١٦/ ٢٢٢ - ٢٢٣ - مع شرح نووي).
[ ١٣١ ]
رأيناها عيانًا، فقد نقص العلم، وظهر الجهل، وأُلْقِي الشحُّ في القلوب، وعمَّت الفتن، وكَثُرَ القتل" (^١).
وعقب على ذلك الحافظ ابن حجر بقوله: "الّذي يظهر أن الّذي شاهده كان منه الكثير، مع وجود مقابله، والمراد من الحديث استحكام ذلك، حتّى لا يبقى ممّا يقابله إِلَّا النادر، وإليه الإِشارة بالتعبير بقبض العلم، فلا يبقى إِلَّا الجهل الصّرف، ولا يمنع من ذلك وجودُ طائفة من أهل العلم؛ لأنّهم يكونون حينئذ مغمورين في أولئك" (^٢).
وقبض العلم يكون بقبض العلماء، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "إن اللهَ لا يقبِضُ العلّمَ انتزاعًا ينتزِعُه من العباد، ولكنْ يقبضُ العلم بقبض العلماء، حتّى إذا لم يبقَ عالمًا؛ اتَّخذ النَّاس رؤوسًا جُهَّالًا، فسُئِلوا؟ فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأَضلُّوا" (^٣).
قال النوويُّ: "هذا الحديث يُبَيِّنُ أن المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة المطلَقة ليس هو محوُه من صُدور حفَّاظه، ولكن معناه: أن يموتَ حملتُه، ويتَّخِذَ النَّاس جُهَّالًا يحكُمونَ بجهالاتهم، فيضلُّون
_________________
(١) "فتح الباري" (١٣/ ١٦).
(٢) "فتح الباري" (١٣/ ١٦).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم، (١/ ١٩٤ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن، (١٦/ ٢٢٣ - ٢٢٤ - مع شرح النووي).
[ ١٣٢ ]
ويُضِلُّون" (^١).
والمراد بالعلّم هنا علم الكتاب والسُّنَّة، وهو العلم الموروث عن الأنبياء ﵈؛ فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، وبذهابهم يذهب العلم، وتموت السنن، وتظهر البدع، ويعمُّ الجهل.
وأمّا علم الدُّنيا؛ فإنّه في زيادة، وليس هو المُرادُ في الأحاديث؛ بدليل قوله - ﷺ -: "فسُئِلوا، فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا"، والضلال إنّما يكون عند الجهل بالدين، والعلّماء الحقيقيون هم الذين يعملون بعلمهم، ويوجِّهون الأمة، ويدلُّونها على طريق الحق والهدى؛ فإن العلم بدون عملٍ لا فائدة فيه، بل يكون وبالًا على صاحبه، وقد جاء في روايةٍ للبُخاري: "وينقص العمل" (^٢).
قال الإمام مؤرِّخ الإسلام الذهبي بعد ذكره لطائفة من العلماء: "وما أوتوا من العلم إِلَّا قليلًا، وأمّا اليوم؛ فما بقي من العلوم القليلة إِلَّا القليل، في أناس قليل، ما أقل مَنْ يعمل منهم بذلك القليل، فحسبنا الله ونعم الوكيل" (^٣).
وإذا كان هذا في عصر الذهبيِّ؛ فما بالُكَ بزماننا هذا؟ فإنّه كلما بَعُدَ الزَّمان من عهد النبوَّةِ؛ قلَّ العلم، وكَثُر الجهل؛ فإن الصّحابة ﵃ كانوا أعلم هذه الأمة، ثمّ التابعين، ثمّ تابعيهم، وهم خير
_________________
(١) "شرح النووي لمسلم" (١٦/ ٢٢٣ - ٢٢٤).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل، (١٠/ ٤٥٦ - مع الفتح).
(٣) "تذكرة الحفاظ" (٣/ ١٠٣١).
[ ١٣٣ ]
القرون، كما قال - ﷺ -: "خير النَّاس قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم" (^١).
ولا يزال العلم ينقص، والجهل يكثر، حتّى لا يعرف النَّاس فرائض الإسلام، فقد روى حُذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يَدْرُس الإسلام كما يدرُسُ وَشْيُ الثّوب، حتّى لا يُدْرَى ما صيامٌ، ولا صلاةِّ، ولا نُسُكٌ، ولا صدقةٌ؟ ويُسرى علىَ كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائفُ مِن النَّاس: الشّيخ الكبير، والعجوزُ؛ يقولون: أدرَكْنا آباءَنا على هذه الكلمةِ؛ يقولون: (لا إله إِلَّا الله)، فنحن نقولُها". فقال له صلةُ (^٢): ما تُغْني عنهم (لا إله إِلَّا الله) وهم لا يَدْرون ما صلاةٌ، ولا صيامٌ، ولا نُسُكٌ، ولا صدقةٌ؟ فأعرض عنه حُذيفة، ثمّ ردَّدها عليه ثلاثًا، كلُّ ذلك يُعْرِضُ عنه حُذيفة، ثمّ أقبل عليه في الثّالثة، فقال: يا صلة! تُنْجيهم مِن النّار ثلاثًا (^٣).
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب فضائل الصّحابة، باب فضل الصّحابة ﵃ ثمّ الذين يلونهم، (١٦/ ٨٦ - مع شرح النووي).
(٢) هو أبو العلّا، أو أبو بكر؛ صلة بن زفر العبسي الكوفي، تابعي كبير، ثقة جليل، روى عن عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وابن مسعود وعلي وابن عبّاس، توفي في حدود السبعين ﵀. انظر ترجمته في: "تهذيب التهذيب" (٤/ ٤٣٧)، و"تقريب التهذيب" (١/ ٣٧٠).
(٣) "سنن ابن ماجه"، كتاب الفتن، باب ذهاب القران والعلّم، (٢/ ١٣٤٤ - ١٣٤٥)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٤٧٣)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. =
[ ١٣٤ ]
وقال عبدُ الله بن مسعود ﵁: "لَيُنْزَعَنَّ القُرآن من بين أظهُرِكُم؛ يُسرى عليه ليلًا، فيذهب من أجواف الرجال، فلا يبقى في الأرض منه شيءٌ" (^١).
قال ابن تيمية: "يُسرى به في آخر الزَّمان من المصاحف والصُّدور، فلا يبقى في الصُّدور منه كلمة، ولا في المصاحف منه حرفٌ" (^٢).
وأعظم من هذا أن لا يُذْكَرَ أسمُ الله تعالى في الأرض؛ كما في الحديث عن أنس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تَقوم السّاعة حتّى لا يُقال في الأرض: الله، الله" (^٣).
قال ابن كثير: "في معنى هذا الحديث قولان:
أحدهما: أن معناه أن أحدًا لا يُنكر منكَرًا، ولا يزجر أحدًا إذا رآه قد تعاطى منكرًا، وعبَّر عن ذلك بقوله؛ "حتّى لا يقال: الله، الله"؛ كما تقدَّم في حديث عبد الله بن عمر: "فيبقى فيها عجاجةٌ؛ لا يعرفون معروفًا، ولا
_________________
(١) = وقال ابن حجر: "أخرجه ابن ماجه بسند قوي". "فتح الباري" (١٣/ ١٦). وقال الألباني: "صحيح". انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٦/ ٣٣٩) (ح ٧٩٣٣).
(٢) رواه الطبراني، ورجاله رجال الصّحيح، غير شدَّاد بن معقل، وهو ثقة. "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٢٩ - ٣٣٠). وقال ابن حجر: "سنده صحيح، ولكنه موقوف". "فتح الباري" (١٣/ ١٦). قلت: مثله لا يقال بالرأي، فحكمه حكم المرفوع.
(٣) "مجموع فتاوى ابن تيمية" (٣/ ١٩٨ - ١٩٩).
(٤) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب ذهاب الإِيمان آخر الزّمان، (٢/ ١٧٨ - مع شرح النووي).
[ ١٣٥ ]
يُنْكِرون منكرًا" (^١).
والقول الثّاني: حتّى لا يُذْكَرَ الله في الأرض، ولا يُعْرَفَ اسمُه فيها، وذلك عند فساد الزَّمان، ودَمار نوع الإِنسان، وكثرة الكفر والفسوق والعصيان" (^٢).
١٤ - كثرة الشُّرَط وأعوانُ الظَّلَمة:
روى الإمام أحمد عن أبي أُمامة ﵁ أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "يكونُ في هذه الأمَّة في آخر الزّمان رجالٌ - أو قال: يخرج رجالٌ من هذه الأمة في آخر الزّمان- معهُم سِياطٌ؛ كأنّها أذنابُ البقر، يغدون في سخط الله، ويروحون في غضبه" (^٣).
وفي رواية للطبراني في "الكبير": "سيكون في آخر الزّمان شرطةٌ يغدون في غضب الله، ويروحون في سَخَطِ الله، فإياك أن تكونَ مِن بطانَتِهم" (^٤).
_________________
(١) "مسند أحمد" (١١/ ١٨١ - ١٨٢ - شرح أحمد شاكر)، وقال: "إسناده صحيح". و"مستدرك الحاكم" (٤/ ٤٣٥)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، إن كان الحسن سمعه من عبد الله بن عمرو"، ووافقه الذهبي.
(٢) " النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٨٦) تحقيق د. طه زيني.
(٣) "مسند الإمام أحمد" (٥/ ٢٥٠ - بهامشه منتخب الكنز)، وهو صحيح؛ كما في الحديث الّذي بعده.
(٤) "إتحاف الجماعة" (١/ ٥٠٧ - ٥٠٨) والحديث صحيح. انظر: "صحيح الجامع" (٣/ ٣١٧) (ح ٣٥٦٠). =
[ ١٣٦ ]
وقد جاء الوعيدُ بالنار لهذا الصنف من النَّاس الذين يتسلَّطون على المسلمين، ويعذَّبونهم بغير حق.
روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "صِنفانِ مِن أهل النّار لم أرهما: قومٌ معهُم سياطٌ كأذنابِ البقر يضربون بها النَّاس " (^١).
قال النووي ﵀: "وهذالحديث من معجزات النبوَّة، فقد وقع ما أخبر به - ﷺ -، فأمّا أصحاب السياط؛ فهم غِلمان والي الشرطة" (^٢).
وقال - ﷺ - لأبي هريرة ﵁: "إن طالَتْ بك مدَّةٌ، أوشكتَ أن ترى قومًا يغدون في سَخَطِ الله، ويَروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر" (^٣).
وعن ابن عبّاس ﵄؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يكون عليكُم أُمراء هم شرٌّ مِن المجوس" (^٤).
_________________
(١) = وقال الهيثمي: "رواه أحمد والطبراني في "الأوسط" و"الكبير" ورجال أحمد ثقات". "مجمع الزوائد" (٥/ ٢٣٤).
(٢) "صحيح مسلم"، باب جهنم أعاذنا الله منها، (١٧/ ١٩٠ - مع شرح النووي).
(٣) "شرح النووي لمسلم" (١٧/ ١٩٠).
(٤) "صحيح مسلم"، باب جهنم أعاذنا الله منها، (١٧/ ١٩٠ - مع شرح النووي).
(٥) "رواه الطبراني في " الصغير"، و"الأوسط"، ورجاله رجال الصّحيح، خلا مؤمل بن إهاب، وهو ثقة". "مجمع الزوائد" (٥/ ٢٣٥).
[ ١٣٧ ]
١٥ - انتشار الزِّنا:
ومن العلّامات الّتي ظهَرَتْ فُشُوُّ الزِّنا وكثرته بين النَّاس، فقد أخبر النَّبىُّ - ﷺ - بأن ذلك من أشراط السّاعة.
ثبت في "الصحيحين" عن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن من أشراط السّاعة (فذكر منها:) ويظهر الزِّنا" (^١).
وعن أبي هُريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "سيأتي على النَّاس سنواتٌ خذَاعاتٌ (فذكر الحديث، وفيه:) وتشيع فيها الفاحشة" (^٢).
وأعظم من ذلك استحلال الزِّنا، فقد ثبت في "الصّحيح" عن أبي مالك الأشعري أنّه سمع النّبيّ - ﷺ - يقول: "ليكونَنَّ في أمتي أقوامٌ يستحلُّون الحِرَ والحَرير" (^٣).
وفي آخر الزّمان بعد ذهاب المؤمنين يبقى شرار النَّاس؛ يتهارجون (^٤)
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل، (١/ ١٧٨ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزّمان، (١٦/ ٢٢١ - مع شرح النووي).
(٢) "مستدرك الحاكم" (٤/ ٥١٢)، وقال: "هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرَّجاه"، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني. انظر: "صحيح الجامع" (٣/ ٢١٢) (ح ٣٥٤٤)، ولم يذكر فيه: "وتشيع فيها الفاحشة".
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب الأشربة، باب ما جاء فيمن يستحل الخّمْرِ ويسميه بغير اسمه، (١٠/ ٥١ - مع الفتح).
(٤) (يتهارجون): أصل الهَرْج: الكثرة في الشيء والاتساع، والمراد به هنا: =
[ ١٣٨ ]
تهارُجَ الحُمُرِ؛ كما جاء في حديث النواس ﵁: "ويبقى شرارُ النَّاس، يتهارجون فيها تهارُجَ الحُمُرِ، فعليهم تقوم السّاعة" (^١).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ - ﷺقال: "والذي نفسي بيده؛ لا تفنى هذه الأمة حتّى يقومَ الرَّجل إلي المرأة، فيفترشها في الطريق، فيكون خيارُهم يومئذٍ مَنْ يقول: لو واريتَها وراء هذا الحائط! " (^٢).
قال القرطبي (^٣) في كتابه "المُفْهِم" على حديث أنس السابق: "في هذا الحديث عَلَمٌ مِن أعلام النبوَّة، إذ أخبر عن أمور ستقع، فوقعت، خصوصًا في هذه الأزمان" (^٤).
وإذا كان هذا في زمان القرطبي، فهو في زماننا هذا أكثر ظهورًا؛
_________________
(١) = الجماع وكثرة النِّكاح. والمعنى: أن يجامع الرجال النِّساء بحضرة النَّاس كما يفعل الحمير. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٥/ ٢٥٧)، و"شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٧٠).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٧٠ - مع شرح النووي).
(٣) رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصّحيح". "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٣١).
(٤) هو أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري القرطبي، من فقهاء المالكية، ومن رجال الحديث، وهو شيخ القرطبي المفسر أبي عبد الله محمّد بن أحمد الأنصاري، صاحب كتاب "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة"، وأبو العباس هذا يُعرف بابن المزين، ومن كتبه "المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم"، و"مختصر صحيح البخاريّ"، توفي بالإِسكندرية سنة (٦٥٦ هـ)، ﵀. انظر: "البداية والنهاية" (١٣/ ٢١٣)، و"الأعلام" (١/ ١٨٦) للزركلي.
(٥) "فتح الباري" (١/ ١٧٩).
[ ١٣٩ ]
لعظم غلبة الجهل، وانتشار الفساد بين النَّاس.
١٦ - انتشار الرِّبَا:
ومنها ظُهور الرِّبَا، وانتشاره بين النَّاس، وعدم المبالاة بأكل الحرام، ففي الحديث عن ابن مسعود ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: "بين يدي السّاعة يظهر الرِّبا" (^١).
وفي "الصّحيح" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "ليأتِيَنَّ على النَّاس زمانٌ لا يُبالي المرء بما أخذ المال، أمِن حلالٍ أم من حرامٍ" (^٢).
وهذه الأحاديث تنطبق على كثيرٍ من المسلمين في هذا الزمن، فتجدهم لا يتحرَّوْنَ الحلال في المكاسب، بل يجمعون المال من الحلال والحرام، وأغلب ذلك بدخول الرِّبا في معاملات النَّاس، فقد انتشرت المصارف المتعاملة بالرِّبَا، ووقع كثير من النَّاس في هذا البلاء العظيم.
ومن فقه الإمام البخاريّ ﵀ أنّه أورد حديث أبي هريرة السابق في باب قول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠]؛ ليُبَيَّن أن أكل الأضعاف المضاعفة من الرِّبَا يكون بالتوسُّع فيه عند عدم مبالاة النَّاس بطرق جمع المال، وعدم التمييز
_________________
(١) رواه الطبراني كما في "الترغيب والترهيب" للمنذري (٣/ ٩)، وقال: "رواته رواة الصّحيح".
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب البيوع، باب قول الله -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠] (٤/ ٣١٣ - مع الفتح)، و"سنن النسائي" (٧/ ٢٤٣)، في كتاب البيوع، باب اجتناب الشبهات في الكسب.
[ ١٤٠ ]
بين الحلال والحرام.
١٧ - ظُهو ر المعازف (^١) واستحلالها:
عن سهل بن سعد أن رسول الله - ﷺ - قال: "سيكون في آخر الزّمان خسفٌ، وقذفٌ، ومسخٌ". قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؛ قال: "إذا ظهرَتِ المعازف والقَيْناتُ" (^٢).
وهذه العلّامة قد وقع شيءٌ كبيرٌ منها في العصور السابقة، وهي الآن أكثر ظُهورًا، فقد ظهرت المعازف في هذا الزّمان، وانتشرت انتشارًا عظيمًا، وكَثُر المغنون والمغنيات، وهُم المشار إليهم في هذا الحديث بـ (القينات).
وأعظم من ذلك استحلالُ كثير من النَّاس للمعازف، وقد جاء الوعيد لمن فعل ذلك بالمسخ والقذف والخسف؛ كما في الحديث السابق، ولما ثبت في "صحيح البخاريّ" ﵀؛ قال: قال هشام بن عمار: حدّثنا
_________________
(١) (المعازف): هي آلات الملاهي؛ كالعود، والطنبور، والدف، وكل لعب عزف. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٣/ ٢٣٠).
(٢) روى ابن ماجه في "سننه، طرفًا من أوله (٢/ ١٣٥٠)، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي. وقال الهيثمي: "رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن أبي الزِّناد، وفيه ضعف، وبقية رجال إحدى الطريقين رجال الصّحيح،. "مجمع الزوائد" (٨/ ١٠). وقال الألباني: "صحيح". انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٣/ ٢١٦) (ح ٣٥٥٩).
[ ١٤١ ]
صدقة بن خالد (ثمّ ساق السند إلى أبي مالك الأشعري ﵁ أنّه سمع النّبيّ - ﷺ - يقول): "ليكوننَّ من أُمَّتي أقوامٌ يستحلُّون الحِرَ والحريرَ والخمرَ والمعازفَ، ولينزلنَّ أقوامٌ إلى جنب عَلَمٍ يروح عليهم بسارحةٍ لهم، يأتيهم- يعني: الفقير- لحاجةٍ، فيقولوا: ارجع إلينا غدًا، فيُبَيِّتُهُم الله، ويضع العَلَم، ويمسخُ آخرين قردةً وخنازير إلى يوم القيامة" (^١).
وقد زعم ابن حزم (^٢) أن هذا الحديث منقطعٌ لم يتَّصل ما بين البُخاري وصدقة بن خالد (^٣)، ورد عليه العلّاَّمة ابن القيم، وبيَّن أن ما قاله ابن حزم باطلٌ من ستَّة وجوه (^٤):
١ - أن البخاريّ قد لقي هشام بن عمَّار، وسمع منه، فإذا روى عنه معنعنًا؛ حُمِلَ على الاتصال اتفاقًا؛ لحصول المعاصرة والسماع، فإذا قال: "قال هشامٌ"؛ لم يكن فرقٌ بينَه وبين قوله: "عن هشامٍ" أصلًا.
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب الأشربة، باب ما جاء فيمن يستحل الخّمْرِ ويسميه بغير اسمه، (١٠/ ٥١ - مع الفتح).
(٢) هو العلّامة الحافظ أبو محمّد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي، من أئمة الظاهرية، وكان من أشد النَّاس تأويلًا في باب الأصول وآيات الصفات وأحاديثها، وله مصنفات كثيرة في المذاهب والملل والنحل والفقه وأصوله وفي السير والأخبار، توفي سنة (٤٥٦ هـ) ﵀. انظر ترجمته في: "البداية والنهاية" (١٢/ ٩١ - ٩٢) لابن كثير، و"شذرات الذهب في أخبار مَنْ ذهب" (٣/ ٢٢٩ - ٣٠٠).
(٣) انظر: "المحلى" لابن حزم (٩/ ٥٩) بتحقيق أحمد شاكر، منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت.
(٤) انظر: "تهذيب السنن" (٥/ ٢٧٠ - ٢٧٢).
[ ١٤٢ ]
٢ - أن الثقات الأثبات قد رووه عن هشامٍ موصولًا؛ قال الإِسماعيلي في "صحيحه": "أخبرني الحسن: حدّثنا هشامُ بن عمَّار"؛ بإسناده ومتنه.
٣ - أنّه قد صحَّ من غير حديث هشام، فرواه الإِسماعيلي وعثمان بن أبي شيبة بسندين آخرين إلى أبي مالك الأشعري ﵁.
٤ - أن البخاريّ لو لم يلقَ هشامًا ولم يسمع منه؛ فإدخاله هذا الحديث في "صحيحه"، وجزمه به؛ يدلُّ على أنّه ثابتٌ عنده عن هشام، ولم يذكر الواسطة بينه وبين هشام، إمّا لشهرتهم، وإما لكثرتهم، فهو معروفٌ مشهورٌ عن هشام.
٥ - أن البخاريّ إذا قال في "صحيحه": "قال فلانٌ"؛ فالمرادُ أن الحديث صحيحٌ عنده.
٦ - أن البخاريّ ذكر هذا الحديث محتجًّا به، مُدخِلًا له في "صحيحه" أصلًا لا استشهادًا.
فالحديث صحيحٌ بلا ريب.
وقال ابن الصَّلاح (^١): "ولا التفات إلى أبي محمّد بن حزم الظاهري الحافظ في ردَّه ما أخرجه البخاريّ من حديث أبي عامرٍ أو أبي مالكٍ: (فذكره) ".
_________________
(١) هو الإمام المحدث الحافظ أبو عمرو عثمان بن عبد الرّحمن الشهرزوري، المعروف بابن الصلاح، كان دينًا زاهدًا، ورعًا ناسكًا، على طريق السلف الصالح، وله مصنفات كثيرة في علوم الحديث والفقه، وتولى التدريس في دار الحديث بدمشق، توفي ﵀ سنة (٦٤٣ هـ). انظر: "البداية والنهاية" (١٣/ ١٦٨)، و"شذرات الذهب" (٥/ ٢٢١ - ٢٢٢).
[ ١٤٣ ]
ثمّ قال: "والحديث صحيحٌ، معروف الاتصال؛ بشرط الصّحيح، والبخاري ﵀ قد يفعلُ مثل ذلك؛ لكون ذلك الحديث معروفًا من جهة الثقات عن ذلك الشخص الّذي علَّقه عنه، وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضعٍ آخر من كتابه مُسْنَدًا متَّصلًا، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب الّتي لا يصحبها خللُ الانقطاع، والله أعلم" (^١).
وإنّما أطلتُ الكلام على هذا الحديث؛ لأنّ بعض النَّاس يتشبَّثُ برأي ابن حزم، ويحتجُّ س به على إباحة المعازف، وقد تبيَّن أن الأحاديث الواردة في النّهي عنها صحيحة، وأن الأمة مهدَّدة بالعقوبات إذا ظهرت الملاهي، وارتُكِبَت المعاصي.
١٨ - كثرة شرب الخّمْرِ واستحلالها:
ظهر في هذه الأمة شرب الخّمْرِ، وتسميتها بغير اسمها، والأدهى من ذلك استحلال بعض النَّاس لها، وهذا من أمارات السّاعة، فقد روى الإمام مسلمٌ عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "من أشراط السّاعة: (وذكر منها) ويُشْرَبُ الخّمْرِ" (^٢).
ومضى ذكر بعض الأحاديث في الكلام على المعازف، وفيها أنّه سيكونُ من هذه الأمة من يستحلُّ شُربَ الخّمْرِ.
ومنها ما رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن عبادة بن الصامت؛ قال:
_________________
(١) "مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث" (ص ٣٢)، طبع دار الكتب العلمية، عام (١٣٩٨ هـ)، وانظر: "فتح الباري" (١٠/ ٥٢).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزّمان، (١٦/ ٢٢١ - مع شرح النووي).
[ ١٤٤ ]
قال رسول الله - ﷺ -: "لتَسْتَحِلَّنَّ طائفةٌ مِن أُمَّتي الخمرَ باسمٍ يسمُّونها إياه" (^١).
فقد أُطلق على الخّمْرِ أسماء كثيرة، حتّى سميت بـ (المشروبات الروحية)!! ونحو ذلك.
والأحاديث في بيان أن هذه الأمة سيفشو فيها شرب الخّمْرِ، وأن فيهم من يستحلُّها ويغيِّر اسمها كثيرة.
وفسَّر ابن العربي استحلال الخّمْرِ بتفسيرين:
الأوّل: اعتقاد حِلِّ شُرْبها.
الثّاني: أن يكون المراد بذلك الاسترسال في شُربها؛ كالاسترسال في الحلال.
وذكر أنّه سمع ورأى مَنْ يفعل ذلك (^٢)، وهو في زمننا هذا أكثر، فقد فُتِنَ بعض النَّاس بشربها.
وأعظم من ذلك بيعها جهارًا، وشربها علانيةً في بعض البلدان الإِسلامية، وانتشار المخدرات انتشارًا عظيمًا لم يسبق له مثيلٌ؛ ممّا يُنْذِرُ
_________________
(١) "مسند أحمد" (٥/ ٣١٨ - بهامشه منتخب كنز العمال)، و"سنن ابن ماجه" (٢/ ١١٢٣). وقال ابن حجر في "الفتح" (١٠/ ٥١): "سنده جيد". والحديث صححه الألباني. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٥/ ١٣ - ١٤) (ح ٤٩٤٥).
(٢) انظر: "فتح الباري" (١٠/ ٥١).
[ ١٤٥ ]
بخطرٍ عظيمٍ، وفساد كبير، والأمر لله من قبلُ ومن بعد.
١٩ - زخرفة المساجد والتَّباهي بها:
ومنها زخرفة المساجد، ونقشها، والتفاخر بها، فقد روى الإمام أحمد عن أنس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم السّاعة حتّى يَتباهى النَّاس في المساجد" (^١).
وفي رواية للنسائي وابن خُزيمة عنه ﵁ أن النبيَّ - ﷺ - قال: "من أشراط السّاعة أن يتباهى النَّاس في المساجد" (^٢).
قال البخاريّ: "قال أنسٌ: يتباهَوْن بها، ثمّ لا يعمرونها إِلَّا قليلًا، فالتباهي بها: العناية بزخرفتها. قال ابن عبّاس: لَتُزَخْرِفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى" (^٣).
وقد نهى عمر بن الخطّاب ﵁ عن زخرفة المساجد؛ لأنّ ذلك يَشْغَلُ النَّاس عن صلاتِهم، وقال عندما أمر بتجديد المسجد النبوي: "أكِنَّ النَّاسَ مِن المطر، وإيَّاك أن تُحَمِّرَ أو تُصَفَّرَ. فتفْتِنَ النَّاس" (^٤).
_________________
(١) "مسند أحمد" (٣/ ١٣٤ - بهامشه منتخب كنز العمال). قال الألباني: "صحيح". انظر: "صحيح الجامع" (٦/ ١٧٤) (ح ٧٢٩٨).
(٢) "سنن النسائي" (٢/ ٣٢ - بشرح السيوطيّ). قال الألباني: "صحيح". انظر: "صحيح الجامع" (٥/ ٢١٣) (ح ٥٧٧١). و"صحيح ابن خزيمة" (٢/ ٢٨٢) (ح ١٣٢٢ - ١٣٢٣)، تحقيق د. محمّد مصطفى الأعظمي، وقال: "إسناده صحيح".
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب الصّلاة، باب بنيان المسجد، (١/ ٥٣٩ - مع الفتح).
(٤) انظر: "صحيح البخاريّ" (١/ ٥٣٩ - مع الفتح).
[ ١٤٦ ]
ورحم الله عمر؛ فإن النَّاس لم يأخذوا بوصيَّته، ولم يقتصروا على التحمير والتصفير، بل تعدَّوا ذلك إلى نقش المساجد كما يُنْقَشُ الثّوب، وتباهى الملوك والخلفاء في بناء المساجد، وتزويقها، حتّى أتوا في ذلك بالعجب، ولا زالت هذه المساجد قائمةٌ حتّى الآن؛ كما في الشّام ومصر وبلاد المغرب والأندلس وغيرها، وحتى الآن لا يزال المسلمون يتباهَوْن في زخرفة المساجد.
ولا شكَّ أن زخرفة المساجد علامة على التَّرف والتبذير، وعمارتها إنّما تكون بالطاعة والذكر فيها، ويكفي النَّاس ما يُكِنُّهُم مِن الحرِّ والقرِّ والمطر.
وقد جاء الوعيد بالدَّمار إذا زُخْرِفَتِ المساجد، وحُلِّيتِ المصاحف، فقد روى الحكيم التّرمذيّ عن أبي الدرداء ﵁ قال: "إذا زَوَّقْتُم مساجدكم، وحلَّيتُم مصاحفَكُم؛ فالدَّمار عليكم" (^١).
_________________
(١) "صحيح الجامع الصغير" (١/ ٢٢٠) (ح ٥٩٩)، وقال الألباني: "إسناده حسن". وذكر في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (م ٣/ ٣٣٧) (ح ١٣٥١) أنّه رواه الحكيم التّرمذيّ في كتاب "الأكياس والمغترين" (ص ٧٨ - مخطوطة الظاهرية) عن أبي الدرداء مرفوعًا. والحديث رواه ابن المبارك بتقديم وتأخير في كتاب "الزهد" (ص ٢٧٥) (ح ٧٩٧) بتحقيق حبيب الرّحمن الأعظمي. وذكر الألباني إسناد ابن المبارك في "السلسلة"، وقال: "هذا إسناد رجاله ثقات رجال مسلم، ولكن لا أدري إذا كان بكر بن سوادة (رواية عن أبي الدرداء) سمع من أبي الدرداء أم لا؟ ".=
[ ١٤٧ ]
قال المُناوي (^١): "فزخرفة المساجد وتحلية المصاحف منهيٌّ عنها؛ لأنّ ذلك يشغَلُ القلب، ويلهي عن الخشوع والتدبُّر والحضور مع الله تعالى، والذي عليه الشّافعيَّة أن تزويق المسجد - ولو الكعبة - بذهب أو فضَّة: حرامٌ مطلقًا، وبغيرهما مكروهٌ" (¬٢).
٢٠ - التَّطاول في البُنيان:
هذا من العلّامات الّتي ظهرت قريبًا من عصر النبوَّة، وانتشرت بعد ذلك، حتّى تباهى النَّاس في العمران، وزخرفة البيوت، وذلك أن الدنيا بُسِطَت على المسلمين، وكَثُرَت الأموال في أيديهم بعد الفتوحات، وامتدَّ بهم الزّمان حتّى رَكَن كثيرٌ منهم إلى الدُّنيا، ودبَّ إليهم داءُ الأمم قبلهم، وهو التَّنافس في جمع الأموال وصرفها في غير ما ينبغي أن تُصْرَف فيه شرعًا، حتّى إن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفقر بُسِطَت لهم الدُّنيا، كغيرهم من النَّاس، وأخذوا في بناء الأبنية ذوات الطَّوابق المتعدِّدة، وتنافسوا في ذلك.
وكل هذا قد وقع كما أخبر الصادق المصدوق - ﷺ -، ففي
_________________
(١) = وذكره البغوي في "شرح السنة" (٢/ ٣٥٠)، ونسبه لأبي الدرداء. وقد عزاه السيوطيّ في "الجامع الصغير" (ص ٢٧) إلى الحكيم عن أبي الدرداء، ورمز له بالضعف، وكذلك المناوي ضعَّفه في "فيض القدير" (١/ ٣٦٧) (ح ٦٥٨).
(٢) هو زين الدين محمّد بن عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي المناوي، له ثمانون مصنَّفًا، غالبها في الحديث والتراجم والسير، توفي بالقاهرة سنة (١٠٣١ هـ) ﵀. انظر: "الأعلام" (٦/ ٢٠٤).
(٣) "فيض القدير" (١/ ٣٦٧).
[ ١٤٨ ]
"الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال لجبريل عندما سأله عن وقت قيام السّاعة: "ولكن سأحدِّثُكَ عن أشراطها (فذكر منها:) وإذا تطاول رِعاءُ البهائم (^١) في البُنيان؛ فذاك من أشراطها" (^٢).
وفي رواية لمسلم: "وأن ترى الحُفاة العُراة العالة رِعاء الشاءِ يتطاولون في البُنيان" (^٣).
وجاء في رواية للإِمام أحمد عن ابن عبّاس؛ قال: يا رسول الله! ومَن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: "العرب" (^٤).
وروى البخاريّ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال:
_________________
(١) (البَهْم)؛ بفتح الباء وإسكان الهاء: جمع بهمة، وهي صغار الضأن والمعز، الذكر والأنثى، وقيل: أولاد الضأن خاصّة. انظر: "النهاية" لابن الأثير (١/ ١٦٨)، و"شرح النووي لمسلم" (١/ ١٦٣).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الإِيمان، باب سؤال جبريل النّبيّ - ﷺ - عن الإِيمان والإِسلام والإِحسان وعلم السّاعة، (١/ ١١٤ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب بيان الإِيمان والإِسلام والإِحسان، (١/ ١٦١ - ١٦٤).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب بيان الايمان والإسلام والإحسان، (١/ ١٥٨ - مع شرح النووي).
(٤) "مسند أحمد" (٤/ ٣٣٢ - ٣٣٤) (ح ٢٩٢٦)، شرح أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح". وقال الهيثمي: "رواه أحمد والبزار بنحوه وفي إسناد أحمد شهر بن حوشب". "مجمع الزوائد" (١/ ٣٨ - ٣٩). وقال الألباني: "هذا إسناد لا بأس به في الشواهد". انظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٣/ ٣٣٢) (ح ١٣٤٥).
[ ١٤٩ ]
"لا تقوم السّاعة حتّى يتطاول النَّاس في البنيان" (^١).
قال الحاففط ابن حجر: "ومعنى التطاول في البنيان أن كلًا مِمَّن كان يبني بيتًا يُريد أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر، ويحتمل أن يكون المراد المباهاة به في الزينة والزَّخرفة، أو أعمُّ من ذلك، وقد وُجِدَ الكثير من ذلك، وهو في ازدياد" (^٢).
وقد ظهر هذا جليًّا في هذا العصر، فتطاول النَّاس في البنيان، وتفاخروا في طولها وعرضها وزخرفتها، بل وصل بهم الأمر إلى أن بَنَوا ما يشبه ناطحات السحاب المشهورة في (أمريكا) وغيرها من بلدان العالم.
٢١ - ولادة الأمةِ لربَّتِها (^٣):
جاء في حديث جبريل الطويل قوله للنبي - ﷺ -: "وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدتِ الأمة ربَّتَها" (^٤).
متَّفق عليه.
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب (بدون)، (١٣/ ٨١ - ٨٢ - مع الفتح).
(٢) "فتح الباري" (١٣/ ٨٨).
(٣) "ربتها"، وفي رواية: "ربها". قال ابن الأثير: "الرب يطلق في اللُّغة على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيم، والمنعم، ولا يطلق غير مضاف إِلَّا على الله تعالى، وإذا أطلق على غيره، أضيف، فيقال: رب كذا". "النهاية" (٢/ ١٧٩).
(٤) "صحيح البخاريّ"، كتاب الإِيمان، باب سؤال جبريل، (١/ ١١٤ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب بيان الإِيمان والإِسلام والإِحسان، (١/ ١٥٨ - مع شرح النووي).
[ ١٥٠ ]
وفي رواية لمسلم: "إذا ولدتِ الأمة ربَّها" (^١).
وقد اختلف العلماء في معنى هذه العلّامة على عدة أقوال، ذكر الحافظ ابن حجر منها أربعه أقوال:
١ - قال الخطَّابي: "معناه اتِّساع الإِسلام، واستيلاء أهله على بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية، وأستولدها؛ كان الولد منها بمنزلة ربَّها؛ لأنّه ولد سيدها" (^٢).
وذكر النووي أن لهذا القول قول الأكثرين من العلماء (^٣).
قال ابن حجر: "لكن في كونه المراد نظر (^٤)؛ لأنّ استيلاد الإِماء كان موجودًا حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم واتِّخاذهم سراري وقع أكثره في صدر الإِسلام، وسياق الكلام يقتضي الإِشارة إلى وقوع ما لم يقع ممّا سيقع قرب قيام السّاعة" (^٥).
٢ - أن تبيع السادة أمَّهات أولادهم، ويكثر ذلك، فيتداول الملاك المستولَدَة حتّى يشتريها أولادُها ولا يشعر بذلك.
٣ - أن تلد الأمة حرًّا من غير سيِّدها بوطء شبهة، أو رقيقًا بنكاح أو
_________________
(١) "صحيح مسلم"، الكتاب والباب السابقان، (١/ ١٦٣ - مع شرح النووي).
(٢) "معالم السنن على مختصر سنن أبي داود" (٧/ ٦٧)، وهذا النص في "فتح الباري" (١/ ١٢٢).
(٣) "شرح النووي لمسلم" (١/ ١٥٨).
(٤) واستبعد هذا القول أيضًا الحافظ ابن كثير. انظر: "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٧٧ - ١٧٨).
(٥) "فتح الباري" (١/ ١٢٢).
[ ١٥١ ]
زنا، ثمّ تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا، وتدور في الأيدي، حتّى يشتريها ابنها أو ابنتها، ولهذا من نمط القول الّذي قبله.
٤ - أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السَّيِّد أمَّته؛ من الإِهانة بالسب، والضرب، والاستخدام، فأطلق عليه ربها مجازًا، أو المراد بالرب: المرِّبي حقيقة.
ثمّ قال ابن حجر: "وهذا أوجه الأوجه عندي؛ لعمومه، ولأن المقام يدلُّ على أن المراد حالة تكون- مع كونها تدلُّ على فساد الأحوال - مستغرَبة، ومحصَّلهُ الإِشارة إلى أن السّاعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور، بحيث يصير المربى مربيًا، والسافل عاليًا، وهو مناسب لقوله في العلّامة الأخرى: أن تفسير الحفاة ملوك الأرض" (^١).
٥ - وهناك قولٌ خامسٌ للحافظ ابن كثير ﵀، وهو: "أن الإِماء تكون في آخر الزّمان هنَّ المشار إليهنَّ بالحشمة، فتكون الأمة تحت الرَّجل الكبير دون غيرها من الحرائر، ولهذا قرن ذلك بقوله: "وأن ترى الحفاة العراة العالة يتطاولون في البنيان" (¬٢).
٢٢ - كَثرةُ القَتْل:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم السّاعة حتّى يكثر الهَرْجُ". قالوا: وما الهَرْجُ يا رسول الله؟ قال: "القتلُ، القتلُ".
_________________
(١) "فتح الباري" (١/ ١٢٢ - ١٢٣) باختصار.
(٢) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٧٧)، تحقيق د. طه زيني.
[ ١٥٢ ]
رواه مسلمٌ (^١).
وفي رواية للبخاري عن عبد الله بن مسعود: "بين يدي السّاعة أيَّامُ الهَرْجِ؛ يَزول فيها العلم، ويظهر فيها الجَهْل". قال أبو موسى: والهرج: القتل؛ بلسان الحبشة (^٢).
وعن أبي موسى ﵁ عن النّبيّ كما قال: "إن بين يدي السّاعة الهَرْجُ". قالوا: وما الهرج؟ قال: "القتل". قالوا: أكثر ممّا نقتل؛ إنا نقتل في العام الواحد أكثر من سبعين ألفًا. قال: "إنّه ليس بقتلكم المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضًا". قالوا: ومعنا عقولُنا يومئذ. قال: إنّه لَيُنْزَع عقول أكثر أهل ذلك الزّمان، ويخلف له هباء من النَّاس؛ يحسب أكثرهم أنّه على شيء، وليسوا على شيء" (^٣).
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده، لا تذهبُ الدُّنيا حتّى يأتي على النَّاس يومٌ لا يَدْري القاتلُ فيمَ قَتَلَ، ولا المقتولُ فيم قُتِلَ؟ ". فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: "الهَرْجُ،
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٣ - مع شرح النووىِ).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب ظهور الفتن، (١٣/ ١٤ - مع الفتح).
(٣) "مسند الإِمام أحمد" (٤/ ٤١٤ - بهامشه منتخب كنزل العمال)، و"سنن ابن ماجه"، كتاب الفتن، باب التثبت في الفتنة، (٢/ ١٣٠٩) (ح ٣٩٥٩)، و"شرح السنة"، باب أشراط السّاعة، (١٥/ ٢٨ - ٢٩) (ح ٤٢٣٤). والحديث صحيح. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٢/ ١٩٣) (ح ٢٠٤٣).
[ ١٥٣ ]
القاتل والمقتول في النّار" (^١).
وما أخبر به - ﷺ - في هذه الأحاديث قد وقع بعضٌ منه، فحدث القتال بين المسلمين في عهد الصّحابة ﵃ بعد مقتل عثمان ﵁، ثمّ صارت الحروب تكثر في بعض الأماكن دون بعض، وفي بعض الأزمان دون بعض، ودون أن تعرف أسباب أكثر تلك الحروب.
وإنَّ ما حصل في القرون الأخيرة من الحروب المدمِّرة بين الأمم، والتي ذهب ضحيَّتها الألوف، وانتشرت الفتن بين النَّاس بسبب ذلك، حتّى صار الواحد يقتل الآخر، ولا يعرف الباعث له على ذلك.
وكذلك، فإن انتشار الأسلحة الفتَّاكة الّتي تدمِّر الشعوب والأمم له دورٌ كبيرٌ في كثرة القتل، حتّى صار الإِنسان لا قيمة له؛ يُذْبَحُ كما تُذْبَحُ الشاة، وذلك بسبب الانحلال، وطيش العقول، فعند وقوع الفتن يقتل القاتل، ولا يدري لماذا قُتِل، وفيم قُتِل، بل إننا نرى بعض النَّاس يقتل غيره لأسباب تافهة، وذلك عند اضطراب النَّاس، ويصدق على ذلك قوله - ﷺ -: "إنّه لينزع عقول أكثر أهل ذلك الزّمان"، نسأل الله العافية، ونعوذ به من الفتن؛ ماظهرمنها وما بطن.
وقد جاء أن لهذه الأمة أمة مرحومةٌ، ليس عليها عذابٌ في الآخرة، وأن الله تعالى جعل عذابها في الدُّنيا الفتن والزلازل والقتل، ففي الحديث عن صدقة بن المثنَّى: حدّثنا رباح بن الحارث عن أبي بُردة؛ قال: بيَّنَّا أنا
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٥ - مع شرح النووي).
[ ١٥٤ ]
واقفٌ في السوق في إمارة زياد إذ ضربتُ بإحدى يدي على الأخرى تعجُّبًا، فقال رجل من الأنصار قد كانت لوالده صحبة مع رسول الله - ﷺ -: ممّا تعجبُ يا أبا بُردة؟ قلتُ: أعجب من قومٍ دينُهم واحدٌ، ونبيُهم واحدٌ، ودعوتُهم واحدٌ؛، وحجُّهم واحدٌ، وغزوهم واحدٌ؛ يستحلُّ بعضهم قتل بعض. قال: فلا تعجب! فإني سمعتُ والدي أخبرني أنّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "إن أُمَّتي أمة مرحومة، ليس عليها في الآخرة حساب ولا عذابٌ، إنّما عذابها في القتل والزلازل والفتن" (^١).
وفي رواية عن أبي موسى: "إن أُمَّتي أمة مرحومة، ليس عليها في الآخرة عذابٌ، إنّما عذابُها في الدُّنيا: القتل، والبلابل، والزلازل" (¬٢).
٢٣ - تقارُب الزَّمان:
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقومُ السّاعة حتّى يتقارب الزّمان" (^٣).
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقومُ السّاعة حتّى يتقاربَ الزّمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون
_________________
(١) "مستدرك الحاكم" (٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤)، وقال: "صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. والحديث صحيح. انظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (م ٢/ ٦٨٤ - ٦٨٦).
(٢) "مسند الإِمام أحمد" (٤/ ٤١٠ - بهامشه منتخب الكنز". والحديث صحيح. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٢/ ١٠٤) (ح ١٧٣٤)، و"سلسلة الأحاديث الصحيحة" (م ٢/ ٦٨٤) (ح ٩٥٩).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، (١٣/ ٨١ - ٨٢ - مع الفتح).
[ ١٥٥ ]
الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون السّاعة كاحتراق السَّعَفة" (^١).
وللعلّماء أقوالٌ في المراد بتقارب الزّمان؛ منها:
١ - أن المراد بذلك قلة البركة في الزّمان (^٢).
قال ابن حجر: "قد وُجِدَ في زماننا هذا، فإننا نجد من سرعة مرِّ الأيَّام ما لم نكن نجده في العصر الّذي قبل عصرِنا هذا" (^٣).
٢ - أن المراد بذلك هو ما يكون في زمان المهدي وعيسى ﵇؛ من استلذاذ النَّاس للعيش، وتوفُّر الأمن، وغلبة العدل، وذلك أن الناسَ يستقصرون أيّام الرخاء وان طالت، وتطول عليهم مدَّة الشدَّة وإن قَصُرَت (^٤).
_________________
(١) "مسند أحمد" (٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨ - بهامشه منتخب الكنز"، ورواه التّرمذيّ عن أنس. انظر: "جامع التّرمذيّ"، أبواب الزهد، باب ما جاء في تقارب الزمن وقصر الأمل، (٦/ ٦٢٤ - ٦٢٥ - مع تحفة الأحوذي). قال ابن كثير: "إسناده على شرط مسلم". "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٨١)، تحقيق د. طه زيني. قال الهيثمي: "رجاله رجال الصّحيح". "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٣١). وقال الألباني: "صحيح". انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٦/ ١٧٥) (ح ٧٢٩٩).
(٢) انظر: "معالم السنن" (٦/ ١٤١ - ١٤٢ - بهامش مختصر سنن أبي داود للمنذري)، و"جامع الأصول" لابن الأثير (١٠/ ٤٠٩)، و"فتح الباري" (١٣/ ١٦).
(٣) "فتح الباري" (١٣/ ١٦).
(٤) انظر"فتح الباري" (١٣/ ١٦).
[ ١٥٦ ]
٣ - أن المراد تقارُب أحوال أهله في قلة الدين، حتّى لا يكون منهم مَنْ يأمر بمعروفٍ، وينهى عن منكرٍ؛ لغلبة الفسق، وظهور أهله، وذلك عند ترك طلب العلم خاصّة، والرضى بالجهل، وذلك لأنّ النَّاس لا يتساوون في العلم، فدرجات العلم تتفاوت؛ كما قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (^١) [يوسف: ٧٦]، وإنّما يتساوون إذا كانوا جُهّالًا.
٤ - أن المراد تقارب أهل الزّمان بسبب توفُّر وسائل الاتصالات والمراكب الأرضية والجوية السريعة الّتي قَرّبَتِ البعيد (^٢).
٥ - أن المراد بلل لك هو قصر الزّمان، وسرعتُه سرعة حقيقية، وذلك في آخر الزّمان.
ولهذا لم يقع إلى الآن، ويؤيد ذلك ما جاء أن أيّام الدجال تطول حتّى يكون اليوم كالسنة، وكالشهر، وكالجمعة في الطول، فكما أن الأيَّام تطول؛ فإنها تَقْصر (^٣)، وذلك لاختلال نظام العالم، وقُرب زوال الدُّنيا.
قال ابن أبي جمرة (^٤): "يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزّمان:
_________________
(١) أنظر: "مختصر سنن أبي داود" للمحذري (٦/ ١٤٢).
(٢) انظر: "إتحاف الجماعة" (١/ ٤٩٧)، و"العقائد الإِسلامية" (ص ٢٤٧) لسيد سابق.
(٣) انظر: "مختصر سنن أبي داود" (٦/ ١٤٢)، و"جامع الأصول" (١٠/ ٤٠٩)، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط.
(٤) هو العلّامة أبو محمّد عبد الله بن سعد بن سعيد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي المالكي، كان عالمًا بالحديث، وله عدة مصنَّفات؛ منها: "جمع النهاية" اختصر به "صحيح البخاريّ"، وله "المرائي الحسان" في الحديث والرؤيا. =
[ ١٥٧ ]
قصره؛ على ما وقع في حديث: "لا تقوم السّاعة حتّى تكون السنة كالشهر"، وعلى لهذاة فالقصر يحتمل أن يكون حسيًّا ويحتمل أن يكون معنويًّا:
أمّا الحسي؛ فلم يظهر بعدُ، ولعلّه من الأمور الّتي تكون قُرب قيام السّاعة
وأمّا المعنوي؛ فله مدة منذ ظهر؛ يعرف ذلك أهل العلم الديني ومَن له فطنة من أهل السبب الدُّنيوي؛ فإنهم يجدون أنفسهم لا يقدر أحدهم أن يبلغ من العمل قدر ما كانوا يعملونه قبل ذلك، ويشكون ذلك، ولا يدرون العلَّة فيه، ولعلّ ذلك بسبب ما وقع من ضعف الإِيمان؛ لظهور الأمور المخالفة للشرع من عدة أوجه، وأشدّ ذلك الأقوات، ففيها من الحرام المحض ومن الشُّبه ما لا يخفى، حتّى إن كثيرًا من النَّاس لا يتوقَّف في شيء، ومهما قدر على تحصيل شيء؛ هجم عليه ولا يبالي.
والواقع أن البركة في الزّمان وفي الرزق وفي النبت إنّما تكون من طريق قوة الإِيمان، واتِّباع الأمر، واجتناب النّهي، والشّاهد لدل لك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] (^١).
_________________
(١) = قال فيه ابن كثير: "الإِمام، العالم، الناسك كان قوالًا بالحق، أمارًا بالمعروف، ونهاء عن المنكر" اهـ. توفي بمصر سنة (٦٩٥ هـ) ﵀. أنظر ترجمته في: "البداية والنهاية" (١٣/ ٣٤٦)، و"الأعلام" (٤/ ٨٩).
(٢) "فتح الباري" (١٣/ ١٧).
[ ١٥٨ ]
٢٤ - تقارُب الأسواق:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم السّاعة حتّى تظهَرَ الفتنُ، ويكثُرَ الكذب، وتتقارب الأسواق" (^١).
قال الشّيخ حمود التويجري (^٢): "وأمّا تقارب الأسواق؛ فقد جاء تفسيره في حديث ضعيف بأنّه كسادُها، وقفَة أرباحها، والظاهر- والله أعلم- أن ذلك إشارة إلى ما وقع في زماننا من تقارُب أهل الأرض؛ بسبب المراكب الجوية والأرضية والآلات الكهربائية الّتي تنقل الأصوات؛ كالإِذاعات والتلفونات الهوائية الّتي صارت أسواق الأرض متقارِبة بسببها، فلا يكون تغيير في الأسعار في قطر من الأقطار إِلَّا ويعلم به التجَّار - أو غالبهم - في جميع أرجاء الأرض، فيزيدون في السعر إن زاد، وينقصون إن نقص، ويذهب التاجر في السيارات إلى أسواق المدائن الّتي تبعد عنه مسيرة أيّام، فيقضي حاجته منها، ثمّ يرجِع في يوم أو بعض يوم، ويذهب في الطائرات إلى أسواق المدائن الّتي تبعد عنه مسيرة شهر فأكثر، فيقضي حاجته منها، ويرجع في يوم أو بعض يوم.
_________________
(١) "مسند أحمد" (٢/ ٥١٩ - بهامشه منتخب الكنز). قال الهيثمي: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصّحيح؛ غير سعيد بن سمعان، وهو ثقة". "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٢٧).
(٢) هو العلّامة الشّيخ حمود بن عبد الله التويجري النجدي، من العلماء المعاصرين، ومقامه الان في مدينة الرياض، وله عدة مصنفات؛ منها: "إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط السّاعة"، يقع في مجلَّدين، وله رسائل صغيرة وردود؛ مثل: "الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور"، و"التنبيهات على رسالة الألباني في الصّلاة"، و"فصل الخطّاب في الرَّدِّ على أبي تراب"، وغيرها.
[ ١٥٩ ]
فقد تقاربت الأسواق من ثلاثة أوجه:
الأوّل: سرعة العلم بما يكون فيها من زيادة السعر ونقصانه.
الثّاني: سرعة السير من سوق إلى سوق، ولو كانت مسافة الطريق بعيدة جدًّا.
الثالث: مقارَبة بعضها بعضًا في الأسعار، واقتداء بعض أهلها ببعض في الزيادة والنقصان، والله أعلم" (^١).
٢٥ - ظهور الشرك في هذه الأمة:
هذا من العلّامات الّتي ظهرت، وهي في ازدياد، فقد وقع الشرك في هذه الأمة، ولحقت قبائل منها بالمشركين، وعبدوا الأوثان، وبنوا المشاهد على القبور، وعبدوها من دون الله، وقصدوها للتبرُّك والتَقبيل والتعظيم، وقدَّموا لها النُّذور، وأقاموا لها الأعياد، وكثيرٌ منها بمنزلة اللات والعزَّى ومناة أو أعظم شركًا.
روى أبو داود والترمذي عيب ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا وُضِعَ السيف في أُمَتي، لم يُرْفَع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم السّاعة حتّى تلحق قبائل من أُمَّتي بالمشركين، وحتى تعبدَ قبائلُ من أمتي الأوثان" (^٢).
_________________
(١) "إتحاف الجماعة" (١/ ٤٩٨ - ٤٩٩).
(٢) "سنن أبي دأود" (١١/ ٣٢٢ - ٣٢٤ - مع عون المعبود)، و"جامع التّرمذيّ" (٦/ ٤٦٦). وقال الترمذفى: "هذا حديث صحيح". وصححه الألباني في "صحيح الجاء الصغير" (٦/ ١٧٤) (ح ٧٢٩٥).
[ ١٦٠ ]
وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقومُ السّاعة حتّى تضطرِبَ ألياتُ (^١) نساء دَوْس حول ذي الخَلَصة" (^٢).
_________________
(١) (أليات): جمع الألية، والمراد بها هي هنا أعجازهن؛ أي أن أعجازهن تضطرب في أطرافهن كما كن يفعلن في الجاهلية. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (١/ ٦٤).
(٢) (الخَلَصة)، بفتح الخاء المعجمة واللام بعدها مهملة، وهذا هو الأشهر في ضبطها، والخلصة نبات له حب أحمر؛ كخرز العقيق. و(ذو الخلصة): أسم للبيت الّذي كان فيه الصنم. وقيل: أسم البيت: الخلصة، واسم الصنم: ذو الخلصة. و(ذو الخلصة): اسم لصنمين كلّ منهما يدعى ذا الخلصة، أحدهما لدوس، والثّاني لخثعم وغيرهم من العرب. فأمّا صنم دوس؛ فهو المراد في هذا الحديث، ولا يزال مكان لهذا الصنم معروفًا إلى الان في بلاد زهران (جنوب الطائف)، في مكان يقال له: (ثروق) من بلاد دوس، ويقع ذو الخلصة قريبًا من قرية تسمى (رمس) بفتح الرأء والميم، ووإن ذو الخلصة يقع فوق تل صخري مرتفع يحده من الشرق شعب ذى الخلصة ومن الغرب تهامة، ولا يزال على هذا التل بعض الصخور الكبيرة المستعملة في البناء، وهي تدل على أنّه كان يوجد في ذلك المكان بناء قوي. أنظر: "فتح الباري" (٨/ ٧١)، و"كتاب في سراة غامد وزهران" (٣٣٦ - ٣٤٠) لحمد الجاسر. وأمّا صنم خثعم، فيسمى أيضًا ذا الخلصة، وهو بيت بنته قبيلتان من العرب هما: خثعم وبجيلة يضاهئون به الكعبة، وقد أرسل النّبيّ - ﷺ - جرير بن عبد الله البجلي في مئة وخمسين فارسًا، فهدمو، وأحرقوه. وقصة هدمه رواها الإِمام البخاريّ في "صحيحه" (٨/ ٧٠ - ٧١ - مع الفتح)، في =
[ ١٦١ ]
و(ذو الخلصة): طاغية دَوْس الّتي كانوا يعبدون في الجاهليَّة (^١).
وقد وقع ما أخبر به النبيُّ - ﷺ - في هذا الحديث، فإن قبيلة دوسٍ وما حولها من العرب قد افتتنوا بذي الخَلَصة عندما عاد الجهل إلى تلك البلاد، فأعادوا سيرتها الأولى، وعبدوها من دون الله، حتّى قام الشّيخ محمّد بن عبد الوهاب ﵀ بالدعوة إلى التّوحيد، وجدَّد ما اندرس من الدين، وعاد الإِسلام إلى جزيرة العرب، فقام الإِمام عبد العزيز بن محمّد بن سعود ﵀، وبعث جماعة من الدُّعاة إلى ذي الخَلَصة، فخربوها، وهدَّموا بعض بنائها، ولما انتهى حكم آل سعود على الحجاز في تلك الفترة، عاد الجهال إلى عبادتها مرّة أخرى، ثمّ لما استولى الملك عبد العزيز بن عبد الرّحمن آل سعود ﵀ على الحجاز؛ أمر عامله عليها، فأرسل جماعةً من جيشه، فهدموها، وأزالوا أثرها، ولله الحمد والمنة (^٢).
ولا يزال هناك صورٌ من الشرك في بعض البلدان، وصدق الرسول - ﷺ -
_________________
(١) = كتاب المغازي، باب غزوة ذي الخلصة. وصنم خثعم يقع في تبالة بين مكّة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكّة، وقد بنى في مكانه مسجد جامع لبلدة يقال لها العبلات من أرض خثعم. انظر: "معجم البلدان" (٤/ ٨٠)، و"كتاب في سراة غامد وزهران" (ص ٣٤٣ - ٣٤٤)، منشورات دار اليمامة، الرياض، عام (١٣٩١ هـ).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب تغير الزّمان حتّى تعبد الأوثان، (١٣/ ٧٦ - مع الفتح) (ح ٧١١٦)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٢ - ٣٣ - بشرح النووي).
(٣) انظر: "إتحاف الجماعة" (١/ ٥٢٢ - ٥٣٣)، و"سراة غامد وزهران" (ص ٣٤٧ - ٣٤٩).
[ ١٦٢ ]
إذ يقول: "لا يذهَبُ اللّيلُ والنهار حتّى تُعْبَدَ اللاتُ والعُزَّى". فقالت عائشة: يا رسول الله! إن كنتُ لأظنُّ حين أنزلَ الله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (^١) أن ذلك تامًّا، قال: "إنّه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثمّ يبعث الله ريحًا طيِّبة، فتُوفي كلَّ مَنْ في قلبه مثقال حبة خردلٍ من إيمانٍ، فيبقى مَنْ لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم" (^٢).
ومظاهر الشركِ كثيرةٌ، فليست محصورةً في عبادة الأحجار والأشجار والقبور، بل تتعدَّى ذلك إلى اتِّخاذ الطواغيت أندادًا مع الله تعالى، يَشْرَعون للناس من عند أنفسهم، ويلزمون النَّاس بالتحاكم إلى شريعتهم، وترك شريعة الله، فينصبون أنفسهم آلهة مع الله تعالى وتقدَّسَ؛ كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]؛ أي: جعلوا علماءهم وعبادهم آلهة يشرعون لهم؛ فإنهم اتَّبعوهم فيما حلَّلوا وحرَّموا (^٣).
وإذا كان لهذا في التَّحليل والتَّحريم؛ فكيف بمن نبذوا الإِسلام وراءهم ظِهْريًّا، واعتنقوا المذاهب الإِلحادية؛ من علمانية، وشيوعية، واشتراكية، وقوميَّة، ثمّ يزعمون أنّهم مسلمون.
* * * * *
_________________
(١) الصف:٩.
(٢) "صحيح مسلم بشرح النووي"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٣ - مع شرح النووي).
(٣) انظر: "تفسير ابن كثير" (٤/ ٧٧).
[ ١٦٣ ]
٢٦ - ظهور الفحش (^١) وقطيعة الرّحم وسوء الجوار:
روى الإِمام أحمد والحاكم عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقومُ السّاعة حتّى يظهَرَ الفحشُ، والتفاحُشُ، وقطيعةُ الرّحم، وسوء المجاوَرَة" (^٢).
وروى الطبرانيُّ في "الأوسط" عن أنس؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من أشراط السّاعة الفحشُ والتفحُّش وقطيعة الرّحم" (^٣).
وللإِمام أحمد عن ابن مسعود ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: "إن بين يدي السّاعة قطع الأرحام" (^٤).
وقد وقع ما أخبر به النّبيّ - ﷺ -، فانتشر الفحش بين كثير من النَّاس؛ غير مبالين بالتحدُّث بما يرتكبون من معاصي، وما يترتَّب عليه من عقاب
_________________
(١) (الفحش): قال ابن الأثير: "هو كلّ ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي، وكثيرًا ما ترد الفاحشة بمعنى الزِّنا، وكل خصلة قبيحة فهي فاحشة في الأقوال والأفعال". "النهاية" (٣/ ٤١٥).
(٢) "مسند أحمد" (١٠/ ٢٦ - ٣١ - شرح أحمد شاكر)، وقال: "إسناده صحيح"، وذكر رواية الحاكم، وأطال الكلام عليها. وانظر: "مستدرك الحاكم" (١/ ٧٥ - ٧٦)، وقد رواه بثلاثة أسانيد، وقال: "هذا حديث صحيح، فقد اتفق الشيخان على الاحتجاج بجميع رواته؛ غير أبي سبرة الهذلي، وهو تابعي كبير مبين، ذكره في المسانيد والتواريخ غير مطعون فيه"، وذكر له شاهدًا، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
(٣) "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٨٤)، وقال الهيثمي: "رجاله ثقات"، وفي بعضهم خلف، والأحاديث المذكورة تشهد له.
(٤) "مسند أحمد" (٥/ ٣٣٣ - شرح أحمد شاكر)، وقال: "إسناده صحيح".
[ ١٦٤ ]
شديد، وقطعت الأرحام، فالقريب لا يصل قريبه، بل حصل بينهم التقاطع والتَّدابر، فتمر الشهور والسنون وهم في بلد واحد، فلا يتزاورون، ولا يتواصلون، وهذا لا شكَّ أنّه من ضعف الإِيمان، فإن الرسول - ﷺ - حثَّ على صلة الرّحم، وحذَّر من قطيعتها.
وقال: "إن الله خَلَقَ الخلق، حتّى إذا فرغ منهم؛ قامت الرّحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟ قال: نعم؛ أمّا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذاك لك".
ثمّ قال رسول الله - ﷺ -: "اقرؤوا إن شئتُم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (^١) [محمّد: ٢٢ - ٢٤]
وقال ﵊: "لا يدخلُ الجنَّة قاطع رحم" (^٢).
وأمّا سوء الجوارة فحدِّث عنه ولا حرج، فكم من جارٍ لا يعرف نجاره، ولا يتفقَّد أحواله؛ ليمدَّ يد العون إليه إن احتاج! بل ولا يَكُفُّ شرَّه عنه.
وقد نهى النّبيّ - ﷺ - عن أذى الجار، فقال: "مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يؤذي جارَه" (^٣).
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب البرّ والصلة والآداب، باب صلة الرّحم وتحريم قطيعتها، (١٦/ ١١٢ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم" (١٦/ ١١٤ - مع شرح النووي).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف، (٢/ ٢٠ - مع شرح النووي).
[ ١٦٥ ]
وأمر بالإِحسان إلى الجار، فقال: "مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليُحْسِن إلى جاره" (^١).
وقال ﵊: "ما زال جبريلُ يوصيني بالجار حتّى ظننتُ أنّه سيورِّثه" (¬٢)
٢٧ - تشبُّب المشيخة:
عن ابن عبّاس رضي الله عنهماة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يكون قومٌ يخضِبون في آخر الزّمان بالسواد؛ كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنَّة" (^٣).
_________________
(١) الحاشية السابقة نفسها.
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب البرّ والصلة والآداب، باب: الوصيَّة بالجار والإِحسان إليه، (١٦/ ١٧٦ - مع شرح النووي).
(٣) "مسند الإِمام أحمد" (٤/ ١٥٦) (ح ٢٤٧)، تحقيق وشرح أحمد شاكر، وقال: "صحيح". و"سنن أبي داود"، كتاب الترجل، باب ما جاء في خضاب السواد، (١١/ ٢٦٦ - مع عون المعبود). قال ابن حجر: "إسناده قوي، إِلَّا أنّه اختلف في رفعه ووقفه، وعلى تقدير ترجيح وقفه؛ فمثله لا يقال بالرأي، فحكمه الرفع". "فتح الباري" (٦/ ٤٩٩). وقال الألباني: "أخرجه أبو داود، والنسائي، وأحمد، والضياء في "المختارة"، وغيرهم ممّا لا مجال لذكرهم بإسناد صحيح على شرط الشيخين". انظر: "غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام"، (ص ٨٤)، ط. المكتب الإِسلامي، ط. الأولى، (١٤٠٠ هـ). وهذا الحديث أورده ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٥٥)، وذكر أن المتَّهم =
[ ١٦٦ ]
ما جاء في لمذا الحديث واقعٌ في هذا الزمن؛ فإنّه انتشر بين الرجال صبغُ لحاهم ورؤوسهم بالسواد.
والذي يظهر لي- والله أعلم- أن قوله - ﷺ -: "كحواصل الحمام" تشبيهٌ لحال بعض المسلمين في هذا العصر، فتجدهم يصنعون بلحاهم كهيئة حواصل الحمام، يحلقون عوارضهم، ويدعون ما على أذقانهم من الشعر، ثمّ يصبغونه بالسواد، فيغدو كحواصل الحمام.
قال ابن الجوزي (^١): "يحتمل أن يكون المعنى لا يريحون رائحة الجنَّة؛ لفعلٍ يصدُرُ منهم، أو اعتقاد، لا لعلَّة الخضاب، ويكون الخضاب سيماهُم؛ كما قال في الخوارج سيماهم التحليق، وإن كان
_________________
(١) = فيه عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو متروك. ورد عليه أبن حجر، فقال: "أخطأ في ذلك؛ فإن الحديث من رواية عبد الكريم الجزري الثقة المخرَّج له في (الصّحيح) ". ثمّ ذكر من أخرج الحديث. انظر: "القول المسدَّد" (ص ٤٨ - ٤٩١) لابن حجر. وقد تبع ابن الجوزي في ذلك العلّامةُ الشوكاني، فقال في كتاب "الفوائد المجموعة": "قال القزويني: موضوع"- "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" (ص ٥١٠) (ح ١٤٢٠) بتحقيق عبد الرّحمن بن يحيى المعلمي، الطبعة الثّانية، ١٣٩٢ هـ، بيروت.
(٢) هو العلّامة أبو الفرج عبد الرّحمن بن علي الجوزي القرشي البغدادي الحنبلي، صاحب المصنفات الكبار، الّتي تبلغ نحو ثلاث مئة مصنف في الحديث والوعظ والتفسير والتاريخ وغيرها، توفي ﵀ سنة (٥٩٧ هـ). انظر: "البداية والنهاية" (١٣/ ٢٨ - ٣٠)، ومقدمة كتابه "الموضوعات" (١/ ٢١ - ٢٦) لعبد الرّحمن محمّد عثمان، الناشر محمّد عبد المحسن، ط. الأولى، (١٣٨٦ هـ).
[ ١٦٧ ]
تَحليق الشعر ليس بحرام" (^١).
قلتُ: قد نهى النّبيّ - ﷺ - عن صبغ شعر الرّأس واللحية بالسواد، ففي "الصّحيح" عن جابر بن عبد الله ﵁؛ قال: أُتَيَ بأبىِ قُحافة يوم فتح مكّة ورأسه ولحيته كالثغامة (^٢) بياضًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "غيِّروا هذا بشيءٍ، واجتنبوا السواد" (^٣).
_________________
(١) " الموضوعات" (٣/ ٥٥) لابن الجوزي. قال ابن الجوزي: "اعلم أنّه قد خضب جماعة من الصحالة والتابعين؛ منهم: الحسن، والحسين، وسعد بن أبي وقّاص، وخلق كثير من التابعين، وإنّما كرهه قومٌ لما فيه من التدليس، فأمّا أن يرقى إلى درجة التّحريم إذا لم يدلِّس، فيجب فيه هذا الوعيد؛ فلم يقل به أحد". "الموضوعات" (٣/ ٥٥). وقال النووي: "يحرم خضابه بالسواد على الأصح، وقيل: يكره كراهية تنزيه، والمختار التّحريم؛ لقوله - ﷺ -: واجتنبوا السواد". "شرح مسلم" (١٤/ ٨٠). وأمّا ما أخرجه ابن أبي عاصم في "كتاب الخضاب" عن الزهريّ؛ قال: "كنا نخضب بالسواد إذا كان الوجه جديدًا، فلما نغض الوجه والأسنان؛ تركناه" "فتح الباري" (١٠/ ٣٥٤ - ٣٥٥). قال الألباني: "الظّاهر أن الزهريّ لم يكن عنده حديث بالتحريم أصلًا، فكان يأخذ الأمر بذوقه، وعلى كلّ حال؛ فلا حجة في فعل أحد أو قوله بعد رسول الله - ﷺ -، والحديث المتقدم حجة على الزهريّ وغيره". "غاية المرام" (ص ٨٤).
(٢) (الثغامة)؛ بضم المثلثة، وتخفيف المعجمة، نبات شديد البياض، زهره وثمره، وقيل: هي شجرة تبيض كأنّها الثلج. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (١/ ٢١٤)، و"فتح الباري" (١٠/ ٣٥٥).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب اللباس والزينة، باب استحباب خضاب الثيب بصفرة أو حمرة وتحريمه بالسواد، (١٤/ ٧٩ - مع شرح النووي).
[ ١٦٨ ]
٢٨ - كثرة الشُّحِّ (^١):
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: "من أشراط السّاعة أن يظهر الشحُّ" (^٢).
وعنه ﵁ عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: "يتقارب الزّمان، وينقص العمل، ويلقى الشحُّ" (^٣).
وعن معاوية - ﵁ -؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "يزداد الأمر إِلَّا شدَّة، ولا يزداد النَّاس إِلَّا شحًّا" (^٤).
والشحُّ خُلُقٌ مذمومٌ، نهى عنه الإسلام، وبيَّن أنَّ مَنْ وُقِيَ شحَّ نفسه؛ فقد فاز وأفلح؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩ والتغابن:١٦].
وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "اتَّقوا الظُّلم، فإن الظُّلم ظُلُماتٌ يوم القيامة، واتَّقوا الشُّحَّ؛ فإن الشحَّ أهلك مَنْ
_________________
(١) (الشح): أشد البخل، وهو أبلغ في المنع من البخل. وقيل: هو البخل مع الحرص. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٤٨٨).
(٢) رواه الطبراني في "الأوسط". انظر: "فتح الباري" (١٣/ ١٥). قال الهيثمي: "رجاله رجال الصّحيح، غير محمّد بن الحارث بن سفيان، وهو ثقة". "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٢٧).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب ظهور الفتن، (١٣/ ١٣ - مع الفتح).
(٤) رواه الطبراني، ورجاله رجال الصّحيح. "مجمع الزوائد" (٨/ ١٤).
[ ١٦٩ ]
كان قبلَكُم؛ حملهم على أن سفكوا دماءَهُم، واستحلُّوا محارِمَهُم" (^١).
قال القإضي عياضٌ: "يحتمل أن هذا الهلاك هو الهلاك الّذي أخبر عنهم به في الدُّنيا؛ بأنّهم سفكوا دماءهم، ويحتمل أنّه هلاك الآخرة، وهذا الثّاني أظهر، ويحتمل أنّه أهلكهم في الدُّنيا والآخرة" (¬٢).
٢٩ - كثرة التجارة:
ومنها كثرةُ التجارة، وفشوُّها بين النَّاس، حتّى تشارك النِّساء فيها الرجال.
روى الإِمام أحمد والحاكم عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: "بين يدي السّاعة تسليمُ الخاصَّة، وفشوُّ التجارة، حتّى تشارِك المرأة زوجها في التجارة" (^٣).
وروى النسائي عن عمرو بن تغلب؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن من أشراط السّاعة أن يفشو المال ويكثر، وتفشو التجارة" (^٤).
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب البرّ والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، (١٦/ ١٣٤ - مع شرح النووي).
(٢) "شرح النووي لمسلم" (١٦/ ١٣٤).
(٣) "مسند أحمد" (٥/ ٣٣٣ - بشرح أحمد شاكر)، وقال: "إسناده صحيح"، و"مستدرك الحاكم" (٤/ ٤٤٥ - ٤٤٦).
(٤) "سنن النسائي" (٧/ ٢٤٤ - بشرح السيوطيّ). والحديث من رواية الحسن عن عمرو بن تغلب، والحسن مدلَّس، وقد عنعن هنا، ولكنه صرَّح بالتحديث عن عمرو بن تغلب في رواية الإِمام أحمد. انظر: "المسند" (٥/ ٦٩ - بهامشه منتخب الكنز)، وانظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" للألباني (م ٢/ ٢٥١ - ٢٥٢).
[ ١٧٠ ]
وقد وقع لهذا، فكثُرَتِ التجارة، وشاركت فيها النِّساء، وافتتن النَّاس بجمع المال، وتنافسوا فيه.
وقد أخبر النّبيّ - ﷺ - أنّه لا يخشى على لهذه الأمة الفقر، وإنّما يخشى عليها أن تُبْسَطَ عليهم الدُّنيا، فيقع بينهم التَّنافس، ففي الحديث أنّه قال ﵊: "والله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكنِّي أخشى عليكم أن تُبْسَطَ الدُّنيا عليكم كما بُسِطَت على مَنْ كان قبلَكُم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلكُكُم كما أهلكَتْهُم" (^١).
متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: "وتلهيكم كما ألهتهم" (^٢).
وقال - ﷺ -: "إذا فُتِحَت عليكم فارس والروم؛ أيُّ قومٍ أنتم؟ ". قال عبد الرّحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله. قال رسول الله - ﷺ -: "أو غير ذلك: تتنافسون، ثمّ تتحاسدون، ثمّ تتدابرون، ثمّ تتباغضون" أو نحو ذلك (^٣).
فالمنافسة على الدُّنيا تجرُّ إلى ضعف الدين، وهلاك الأمة، وتفرُّق كلمتها؛ كما وقع فيما مضى، وكما هو واقعٌ الآن.
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب الجزية والموادعة، باب الجزية والموادعة مع أهل الذِّمَّة وانحرب، (٦/ ٢٥٧ - ٢٥٨ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الزهد، (١٨/ ٩٥ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الزهد، (١٨/ ٩٦ - مع شرح النووي).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب الزهد، (١٨/ ٩٦ - مع شرح النووي).
[ ١٧١ ]
٣٠ - كثرةُ الزَّلازل:
عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقومُ السّاعة حتّى تكثرَ الزلازل" (^١).
وعن سلمة بن نفيل السكوني؛ قال: كنا جُلوسًا عند رسول الله - ﷺ - (فذكر الحديث، وفيه): "وبين يدي السّاعة مَوتانٌ شديد، وبعده سنوات الزَّلازل" (^٢).
قال ابن حجر: "قد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثيرٌ من الزلازل، ولكنَّ الّذي يظهر أن المراد بكثرتها شمولها ودوامها" (^٣).
ويؤيد ذلك ما روي عن عبد الله بن حوالة ﵁؛ قال: وضع رسول الله - ﷺ - يدي على رأسي - أو على هامتي -، فقال: "يا ابن حوالة! إذا رأيتَ الخلافة قد نزلت الأرض المقدَّسة، فقد دنت الزلازل والبلايا والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى النَّاس من يدي هذه من رأسك" (^٤).
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، (١٣/ ٨١ - ٨٢ - مع الفتح).
(٢) "مسند الإِمام أحمد" (٤/ ١٠٤ - بهامشه منتخب كنز العمال). قال الهيثمي: "رواه أحمد والطبراني والبزار وأبو يعلى، ورجاله ثقات". "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٠٦).
(٣) "فتح الباري" (١٣/ ٨٧).
(٤) "مسند أحمد" (٥/ ٢٨٨ - بهامشه منتخب الكنز)، و"سنن أبي داود"، كتاب الجهاد، باب في الرَّجل يغزو يلتمس الأجر والغنيمة (٧/ ٢٠٩ - ٢١٠ - مع عون المعبود)، و"مستدرك الحاكم" (٤٥/ ٤٢٥)، وقال: "هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرَّجاه"، =
[ ١٧٢ ]
٣١ - ظهور الخسف والمسخ والقذف:
عن عائشة ﵂: قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "يكون في آخر هذه الأمة خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ". قالت: قلتُ: يا رسول الله! أنّهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: "نعم؛ إذا ظَهَرَ الخَبَثُ" (^١).
وعن ابن مسعودٍ ﵁ عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: "بين يدي السّاعة مسخٌ وخسفٌ وقذفٌ" (^٢).
وقد جاء الخبر أن الزِّنادقة والاقدرِيَّةَ يقع عليهم المسخ والقذف.
روى الإِمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "إنّه سيكون في أُمَّتي مسخٌ وقذفٌ، وهو في الزندقية والقدرية" (^٣).
وفي رواية المترمذي: "في هذه الأمة - أو في أمَّتي - خسفٌ أو مسخٌ
_________________
(١) = ووافقه الذهبي. وصححه الألباني. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٦/ ٢٦٣) (ح ٧٧١٥).
(٢) "سنن التّرمذيّ"، كتاب الفتن، باب ما جاء في الخسف، (٦/ ٤١٨). قال الألباني: "صحيح". انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٦/ ٣٥٨) (ح ٨٠١٢).
(٣) "سنن ابن ماجه"، كتاب الفتن، باب الخسوف، (٢/ ١٣٤٩). والحديث صحيح. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٣/ ١٣) (ح ٢٨٥٣).
(٤) "مسند أحمد" (٩/ ٧٣ - ٧٤) (ح ٦٢٠٨)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح".
[ ١٧٣ ]
أو قذف في أهل القدر" (١).
وعن عبد الرّحمن بن صحار العبدي عن أبيه؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقومُ السّاعة حتّى يُخْسَفَ بقبائل، فيقال: مَنْ بقي من بني فلان؟ ". قال: فعرفتُ حين قال: "قبائل" أنّها العرب؛ لأنّ المعجم تُنْسَب إلى قُراها (^٢).
وعن محمّد بن إبراهيم التَّيمي؛ قال: سمعتُ بقيره امرأة القعقاع بن أبي حدرد تقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - على المنبر وهو يقول: "إذا سمعتُم بجيشي قدخُسِفَ به قريبًا؛ فقد أظلَّتِ السّاعة" (^٣).
والخسف قد وُجِد في مواضع في الشرق والغرب (^٤) قبل عصرنا هذا، ووقع فى هذا الزمن كثيرٌ من الخُسوفات في أماكن متفرِّقة من الأرض، وهي نذيرٌ بين يدي عذابٍ شديد، وتخويفٌ من الله لعباده، وعقوبةٌ لأهل البدع والمعاصي؛ كي يعتبر النَّاس، ويرجِعوا إلى ربِّهم، ويعلموا أن السّاعة قد
_________________
(١) و(١) التّرمذيّ، أبواب القدر، (٦/ ٣٦٧ - ٣٦٨). الحديث صحيح. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٤/ ١٠٣) (ح ٤١٥٠).
(٢) "مسند أحمد" (٤/ ٤٨٣ - بهامشه منتخمب الكنز). قال الهيثمي: "رواه أحمد والطبراني وأبو يعلى والبزار، ورجاله ثقات". "مجمع الزوائد" (٨/ ٩).
(٣) "مسند أحمد" (٦/ ٣٧٨ - ٣٧٩ - بهامشه منتخب الكنز). والحديث حسن الإِسناده انظر: "صحيح الجامع الصغير" (١/ ٢٢٨) (ح ٦٣١)، و"سلسلة الأحاديث الصحيحة" (م ٣/ ٣٤٠) (ح ١٣٥٥).
(٤) انظر: "التذكرة" (ص ٦٥٤)، و"فتح الباري" (١٣/ ٨٤)، و"الإِشاعة" (ص ٤٩ - ٥٢)، و"عون المعبود" (١١/ ٤٢٩).
[ ١٧٤ ]
أزفت، وأنّه لا ملجأ من الله إِلَّا إليه.
وقد جاء الوعيد للعُصاة من أهل المعازف وشاربي الخمور بالخسف والمسخ والقذف.
روى التّرمذيّ عن عمران بن حُصَيْن ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "في هذه الأمة خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ". فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله! ومتى ذلك؟ قال: "إذا ظهَرَتِ القِيانُ والمعازف، وشرِبت الخمور" (^١).
وروى ابن ماجه عن أبي مالكٍ الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ليشربنَّ ناسٌ مِن أُمَّتي الخّمْرِ يسمُّونها بغير اسمها، يُعْزَفُ على رؤوسهم بالمعازف، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير" (^٢).
والمسخ يكون حقيقيًّا، ويكون معنويًّا:
فقد فسَّر الحافظ ابن كثير ﵀ (المسخ) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئينَ﴾ [البقرة: ٦٥] بأنّه مسخٌ حقيقيٌّ، وليس مسخًا معنويًّا فقط، ولهذا القول هو الراجح، وهو ما ذهب إليه ابن عبّاس وغيره من أئمة التفسير.
_________________
(١) "جامع التّرمذيّ"، أبواب الفتن، (٦/ ٤٥٨) (ح ٤٥٨). والحديث صحيح. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٤/ ١٠٣) (ح ٤١١٩).
(٢) "سنن ابن ماجه"، كتاب الفتن، باب العقوبات، (٢/ ١٣٣٣) (ح ٤٠٢٠). والحديث صحيح. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٥/ ١٠٥) (ح ٥٣٣٠).
[ ١٧٥ ]
وذهب مجاهدٌ وأبو العالية وقتادة إلى أن المسخ كان معنويًّا، وأنّه كان لقلوبهم، ولم يُمْسَخوا قردةً (^١).
ونقل ابن حجر عن ابن العربي القولين، ورجَّح الأوّل (^٢).
ورجَّح رشيد رضا في "تفسيره" (^٣) القولَ الثّاني، وهو أنّه كان مسخًا في أخلاقهم.
واستبعد ابن كثير ما روي عن مجاهد، وقال: "إنّه قولٌ غريبٌ، خلف الظّاهر من السياق فأنّهذا المقام وغيره" (^٤).
ثمّ قال - بعد سياقه لطائفة من كلام العلماء -: "الغرض من لهذا السياق عن لهؤلاء الأئمة بيان خلف ما ذهب إليه مجاهد﵀- من أنَّ مسخَهُم إنّما كان معنويًّا لا صوريًّا، بل الصّحيح أنّه معنويٌّ صوريٌّ، والله أعلم" (^٥).
وإذا كان المسخ يحتمل أن يكون معنويًّا؛ فإن كثيرًا من المستحلِّين للمعاصي قد مُسِخَتْ قلوبُهم، فأصبحوا لا يفرِّقون بين الحلال والحرام، ولا بين المعروف والمنكر: مثلهم في ذلك كمثل القردة والخنازير، نسأل الله العافية والسلامة، وسيقع ما أخبر به - ﷺ - من المسخ، سواء أكان معنويًّا أو صوريًّا.
_________________
(١) أنظر: "تفسير ابن كثير" (١/ ١٥٠ - ١٥٣).
(٢) انظر: "فتح الباري" (١٠/ ٥٦).
(٣) أنظر: "تفسير المنار" (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤).
(٤) "تفسير ابن كثير" (١/ ١٥١).
(٥) "تفسير ابن كثير" (١/ ١٥٣).
[ ١٧٦ ]
٣٢ - ذهاب الصالحين:
ومن أشراطها: ذهاب الصالحين، وقلة الأخيار، وكثرة الأشرار، حتّى لا يبقى إِلَّا شرار النَّاس، وهم الذين تقوم عليهم السّاعة.
ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -:"لا تقوم السّاعة حتّى يأخذ الله شريطتَه (^١) من أهل الأرض، فيبقى فيها عجاجة (^٢)؛ لا يعرفون معروفًا، ولا يُنْكِرون منكرًا" (^٣).
أي: يأخذ الله أهل الخير والدين، ويبقى غوغاء النَّاس وأراذلهم ومن لا خير فيهم، وهذا عند قبض العلم واتِّخاذ النَّاس رؤوسًا جُهّالًا يُفتون بغير علم.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: "يأتي على النَّاس زمانٌ يُغَرْبَلون فيه غربلةً، يبقى منهم حُثالة (^٤) قد مَرِجت (^٥)
_________________
(١) (شريطته)؛ أي: أهل الخير والدين، والأشراط من الأضداد، يقع على الأشراف والأراذل. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٤٦٠).
(٢) (عجاجة): العجاج: الغوغاء، والأراذل، ومَن لا خير فيه. "النهاية في غريب الحديث" (٣/ ١٨٤).
(٣) "مسند أحمد" (١١/ ١٨١ - ١٨٢) شرح أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح". و"مستدرك الحاكم" (٤/ ٤٣٥)؛ قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن كان الحسن سمعه من عبد الله بن عمرو"، ووافقه الذهبي.
(٤) (الحثالة): الرديء من كلّ شيء، ومنه حثالة الشعير والأرز والتّمر وكل ذي قشر. "النهاية" (١/ ٣٣٩).
(٥) (مرجت)؛ أي: اختلطت. "النهاية" (٤/ ٣١٤).
[ ١٧٧ ]
عهودهم وأماناتهم، واختلفوا، فكانوا هكذا (وشبك بين أصابعه) " (^١).
وذهاب الصالحين يكون عند كثرة المعاصي، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرة فإن الصالحين إذا رأوا المنكر ولم يغيِّروه وكَثُر الفساد؛ عَمَّهُم العذاب مع غيرهم إذا نزل؛ كما جاء في الحديث لما قيل للنبي - ﷺ -: أنّهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم؛ إذا كَثُرَ الخَبَثُ".
رواه البخاريّ (^٢).
٣٣ - ارتفاع الأسافل:
ومن أشراطها ارتقاع أسافل النَّاس عن خيارهم، واستئثارهم بالأمور دونهم، فيكون أمر النَّاس بيد سفهائهم وأراذلهم ومَن لا خير فيهم، وهذا من انعكاس الحقائق، وتغيُّر الأحوال، وهذا أمرٌ مشاهَدٌ في هذا الزمن، فترى أن كثيرًا من رؤوس النَّاس وأهل العقد والحل هم أقلُّ النَّاس صلاحًا وعلمًا، مع أن الواجب أن يكون أهل الدين والتقى هم المقدَّمون على غيرهم في تولِّي أمور النَّاس؛ لأنّ أفضل النَّاس وأكرمهم هم أهل الدين والتقوى؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
ولذلك لم يكن النّبيّ - ﷺ - يولي الولايات وأمور النَّاس إِلَّا مَنْ هم
_________________
(١) "مسند أحمد" (١٢/ ١٢ - شرح أحمد شاكر)، وقال: "إسناده صحيح". و"مستدرك الحاكم" (٤/ ٤٣٥)، وقال: "لهذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب قول النّبيّ - ﷺ -: "ويل للعرب من شر قد اقترب" (١٣/ ١١ - مع الفتح).
[ ١٧٨ ]
أصلح النَّاس وأعلمهم، وكذلك خلفاؤه من بعده، والأمثلة على ذلك كثيرةٌ؛ منها ما رواه البخاريّ عن حُذيفة ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال لأهل نجران: "لأبعَثَنَّ إليكم رجلًا أمينًا حَقَّ أمين"، فاستشرف لها أصحاب النّبيّ - ﷺ -، فبعث أبا عبيدة" (^١).
وهذه بعض الأحاديث الدالَّة على ارتفاع أسافل النَّاس، وأن ذلك من أمارات السّاعة:
فمنها ما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁؛ قال رسول الله - ﷺ -: "إنها ستأتي على النَّاس سنون خدَّاعة؛ يُصَدَّق فيها الكاذب، ويُكَذَّب فيها الصادق، ويؤتَمَنُ فيها الخائن، ويُخَوَّن فيها الأمينُ، وينطِقُ فيها الرُّوَيْبِضَة". قيل: وما الرُّوَيْبِضَة (^٢)؟ قال: "السفيه يتكلَّم في أمر العامَّة" (^٣).
وفي حديث جبريل الطويل قوله: "ولكنْ سأحَدِّثُكَ عن أشراطها
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصادق، (١٣/ ٢٣٢ - مع الفتح).
(٢) (الرويبضة): جاء تفسيره في متن الحديث، وأنّه السفيه، والرويبضة تصغير الرابضة، وهو العاجز الّذي ربض عن معالي الأمور، وقعد عن طلبها، والتافه الخسيس الحقير. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ١٨٥).
(٣) "سنن الإمام أحمد" (١٥/ ٣٧ - ٣٨ - شرح وتعليق أحمد شاكر)، وقال: "إسناده حسن، ومتنه صحيح". وقال ابن كثير: "لهذا إسناد جيد، ولم يخرجوه من هذا الوجه". "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٨١) تحقيق د. طه زيني.
[ ١٧٩ ]
وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس النَّاس؛ فذاك من أشراطها" (^١).
وعن عمر بن الخطَّاب ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مِن أشراط السّاعة: أن يغلب على الدنيا لُكع ابن لكع، فخيرُ النَّاس يومئذ مؤمن بين كريمين" (^٢).
وفي "الصّحيح": "إذا أُسْنِد الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر السّاعة" (^٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "من أشراط السّاعة: أن يعلو التُّحوتُ الوعول"، أكذل لك يا عبد الله بن مسعود سمعتَه من حِبي؟ قال: نعم؛ ورب الكعبة. قلنا: وما التُّحوت؟ قال: فسول الرجال، وأهل البيوت الغامضة يُرْفَعون فوق صالحيهم. والوعول: أهل البيوت الصالحة (^٤).
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب بيان الإِيمان والإِسلام والإِحسان، (١/ ١٦٣ - مع شرح النووي).
(٢) قال الهيثمي: "رواه الطبراني في "الأوسط" بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات". "مجمع الزوائد"، (٧/ ٣٢٥).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، (١١/ ٣٣٢ - مع الفتح).
(٤) "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٢٧). قال الهيثمي: "حديث أبي هريرة وحده في الصّحيح بعضه، ورجاله رجال الصّحيح؛ غير محمّد بن الحارث بن سفيان، وهو ثقة". وذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١٣/ ١٥) من رواية الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة.
[ ١٨٠ ]
"لا تذهبُ الدُّنيا حتّى تفسير للكع (^١) ابن لكع" (^٢).
أي: حتّى يصير نعيمُها وملاذُها والوجاهة فيها له (^٣).
وفي رواية للإِمام أحمد عن حُذيفة بن اليمان ﵁ أن النّبيّ
- ﷺ - قال: "لأ تقوم السّاعة حتّى يكون أسعدُ النَّاس بالدنيا لكع ابن لكع" (^٤).
وفي "الصحيحين" عن حذيفة ﵁ فيما رواه عن النّبيّ - ﷺ - في قبض الأمانة: "حتّى يُقال للرجل: ما أجلده! ما أظرفه! ما أعقله! وما
_________________
(١) (لكع): اللكع عند العرب: العبد، ثمّ استعمل في الحمق والذم، وهو اللئيم، وقد يطلق على الصغير، فإن أطلق على الكبيرة أُريد به صغير العلم والعقل. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٤/ ٢٦٨).
(٢) "مسند الإمام أحمد" (١٦/ ٢٨٤ - شرح وتعليق أحمد شاكر)، وقال: "أخرجه السيوطيّ في "الجامع الصغير"، ورمز له بأنّه حديث حسن". "الجامع الصغير" (٢/ ٢٠٠ - بهامشه كنوز الحقائق للمناوي). وقال الهيثمي: "رجال أحمد رجال الصّحيح؛ غير كامل بن العلّاء، وهو ثقة". "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٢٠). وقال ابن كثير: "إسناده جيد قوي". "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٨١)، تحقيق د. طه زيني. وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير" (٦/ ١٤٢) (ح ٧١٤٩).
(٣) انظر: "فيض القدير شرح الجامع الصغير" (٥/ ٣٩٤) لعبد الرؤوف المناوي.
(٤) "مسند الإمام أحمد" (٥/ ٣٨٩ - بهامشه منتخب كنز العمال)، ورمز له السيوطيّ في نا الجامع الصغير" بالصحة (٢/ ٢٠٢ - بهامشه كنوز الحقائق للمناوي). وقال الألباني: "صحيح". انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٦/ ١٧٧) (ح ٧٣٠٨).
[ ١٨١ ]
في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان" (^١).
وهذا هو الواقع بين المسلمين في هذا العصر؛ يقولون للرجل: ما أعقله! ما أحسن خلقه! ويصفونه بأبلغ الأوصاف الحسنة، وهو من أفسق النَّاس، وأقلِّهم دينًا وأمانة، وقد يكون عدوًّا للمسلمين، ويعمل على هدم الإسلام، فلا حول ولا قوة إِلَّا بالله العلّي العظيم.
٣٤ - أن تكون التحيَّة للمعرفة:
ومن أشراطها أن الرَّجل لا يلقي السّلام إِلَّا على مَنْ يعرفه، ففي الحديث عن ابن مسعود؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن من أشراط السّاعة أن يسلَّم الرَّجل على الرَّجل، لا يسلَّم عليه إِلَّا للمعرفة".
رواه أحمد (^٢).
وفي رواية له: "إن بين يدي السّاعة تسليمَ الخاصة" (^٣).
ولهذا أمرٌ مشاهَدٌ في هذا الزمن، فكثيرٌ من النَّاس لا يسلِّمون إِلَّا على مَنْ يعرِفون، وهذا خلف السنة؛ فإن النّبيّ - ﷺ - حثَّ على إفشاء
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، (١١/ ٣٣٣ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب رفع الأمانة والإِيمان من بعض القلوب، (٢/ ١٦٧ - ١٧٠ - مع شرط النووي).
(٢) "مسند أحمد" (٥/ ٣٢٦)، قال أحمد شاكر: "إسناده صحيح".
(٣) "مسند أحمد" (٥/ ٣٣٣)، قال أحمد شاكر: "إسناده صحيح". وقال الألباني: "هذا إسناد صحيح على شرط مسلم". انظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٢/ ٢٥١) (ح ٦٤٧).
[ ١٨٢ ]
السّلام على مَنْ عرفتَ ومَن لم تعرف، وأن ذلك سبب في انتشار المحبَّة بين المسلمين الّتي هي سبب للإِيمان الّذي به يكون دخول الجنَّة؛ كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تَدْخُلوا الجَنَّة حَتَّى تؤمِنُوا، ولا تُؤمنوا حتّى تحابُّوا، أولا أدلُّكُم على شيءٍ إذا فعلتموهُ تحاببتُم؟ أفشوا السّلام بينَكم".
رواه مسلم (^١).
٣٥ - التماسُ العلم عند الأصاغر:
روى الإمام عبد الله بن المبارك بسنده عن أبي أُميَّة الجُمَحِي ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال؛ "إن من أشراط السّاعة ثلاثًا: إحداهُنَّ: أن يُلْتَمَسَ العلم عند الأصاغر " (^٢).
وسُئِل الإمام عبد الله بن المبارك عن الأصاغر؟ فقال: "الذين يقولون برأيهم، فأمّا صغيرٌ يروي عنه كبيرٌ، فليس بصغير".
وقال في ذلك أيضًا: "أتاهم العلم من قبل أصاغرهم؛ يعني: أهل
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب بيان أنّه لا يدخل الجنَّة إِلَّا المؤمنون، (٢/ ٣٥ - مع شرط النووي).
(٢) كتاب "الزهد" لابن المبارك (ص ٢٠ - ٢١) (ح ٦١)، تحقيق: حبيب الرّحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية. قال الألباني: "صحيح". انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٢/ ٢٤٣) (ح ٢٢٠٣). واستشهد به الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١/ ١٤٣).
[ ١٨٣ ]
البدع" (^١).
وعن ابن مسعود ﵁؛ قال: "لا يزالُ النَّاس بخيرٍ ما أتاهم العلم من أصحاب محمَّدٍ - ﷺ - ومن أكابرهم، فإذا أتاهُم العلم من قِبَل أصاغرهم، وتفرَّقت أهواؤهُم؛ هلكوا" (^٢).
٣٦ - ظُهور الكاسيات العاريات:
ومنها خروجُ النِّساء عن الآداب الشرعية، وذلك بلبس الثِّياب الّتي لا تستر عوراتهن، وإظهارهن لزينتهن وشعورهن وما يجب ستره من أبدانهن، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "سيكون في آخر أمَّتي رجالٌ يركبون على سروج (^٣) كأشباه الرحال (^٤)؛ ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهُم كاسياتٌ
_________________
(١) حاشية كتاب "الزهد" (ص ٣١)، تحقيق وتعليق الشّيخ حبيب الرّحمن الأعظمي.
(٢) كتاب "الزهد" لابن المبارك، (ص ٢٨١) (ح ٨١٥). قال التويجري: "رواه الطبراني في" الكبير" و"الأوسط"، وعبد الرزّاق في "مصنفه" بنحوه وإسناده صحيح على شرط مسلم". "إتحاف الجماعة" (١/ ٢٤٢)، وانظر: "المصنِّف" (١١/ ٣٤٦) (ح ٢٠٤٤٦)، تحقيق حبيب الرّحمن الأعظمي.
(٣) (سروج): جمع سرج، وهو رحل الدَّابَّة. انظر: "لسان العرب" (٢/ ٢٩٧).
(٤) (الرحال): جمع رحل، وهو مركب للبعير والناقة، والرحالة أكبر من السرج، وتغشى بالجلود، وتكون للخيل والنجائب من الإِبل، ويقال لمنزل الإِنسان ومسكنه: رحل. وجاء في "مسند الإمام أحمد" (١٢/ ٣٦ - بتحقيق شاكر) بلفظ: "كأشباه الرجال" بالجيم المعجمة.
[ ١٨٤ ]
عاريات على رؤوسهم كأسنمة البخت العجاف (^١)، العنوهُنَّ؛ فإنَّهُنَّ ملعونات، لو كانت وراءكم أمَّة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم" (^٢).
رواه الإمام أحمد.
وفي رواية للحاكم (^٣): "سيكون في آخر هذه الأمة رجالٌ يركبون على
_________________
(١) = ويظهر لي- والله أعلم- أن فيه تحريفًا غاب عن المحقق، ولذلك فإنّه عندما أراد شرح معنى هذا اللّفظ؛ قال: "مشكل المعنى قليلًا، فتشبيه الرجال بالرجال فيه بعد، وهو توجيه متكلَّف" اهـ. وإذا كانت اللفظة (كأشباه الرحال)؛ بالحاء المهملة، فإنّه يزول الإِشكال، ويكون المراد تشبيه السروج بالرحال، وهي هاهنا الدور والمنازل، ولعلّ هذا إشارة إلى المراكب الوثيرة الموجودة في السيارات فأنّهذا العصر؛ فإنها قد صارت في هذه الأزمان مراكب لعموم النَّاس من رجال ونساء، يركبونها إلى المساجد وغيرها. والله اعلم. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٢٠٩)، و"لسان العرب" (١١/ ٢٧٤ - ٢٧٥)، و"إتحاف الجماعة" (١/ ٤٥١ - ٤٥٢)
(٢) (البُخْت): لفظة معرَّبة، والمراد بها الإِبل الخراسانية، تمتاز بطول الأعناق. انظر: "لسان العرب" (٢/ ٩ - ١٠)، و"النهاية" لابن الأثير (١/ ١٠١). و(العجاف): جمع عجفاء، وهي الهزيلة من الإِبل وغيرها. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٣/ ١٨٦).
(٣) "مسند الإمام أحمد" (١٢/ ٣٦) (ح ٧٠٨٣)، تحقيق: أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح".
(٤) "مستدرك الحاكم" (٤/ ٤٣٦)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". وقال الذهبي: "عبد الله (يعني: القتباني)، كان كان قد احتجّ به مسلم فقد ضعفه أبو داود والنسائي". =
[ ١٨٥ ]
المياثر (^١)، حتّى يأتوا أبوإب مساجدهم، نساؤهم كاسياتٌ عارياتٌ".
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "صنفان من أهل النّار لم أرهما: قومٌ معهم سياطٌ كأذناب البقر؛ يضربون بها النَّاس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مميلاتٌ مائلاتٌ (^٢) رؤوسهُنَّ كأسنمة البخت المائلة (^٣)، لا يدخُلْنَ الجنَّة، ولا يَجِدْنَ ريحها، وإن ريحها ليوجد
_________________
(١) = وقال أبو حاتم: "هو قريبٌ من ابن لهيعة". قلت: الأحاديث الأخرى تشهد له وتقويه.
(٢) (المياثر): جمع ميثرة - بكسر الميم -: وهي الثّوب الّذي تجلَّل به الثِّياب، فيعلم، مأخوذ من: وثر وثارة فهو وثير، أي: وطيء بين. وتطلق المياثر على مراكب المعجم الّتي تُعمل من حرير أو ديباج، والمراد بها السروج العظام. أنظر: "النهاية في غريب الحديث" (٥/ ١٥٠ - ١٥١)، و"لسان العرب" (٥/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، و"ترتيب القاموس" (٤/ ٥٧٢).
(٣) (مميلات مائلات) في معناها أربعة أوجه: أ - مائلات: زائغات عن طاعة الله تعالى وما يلزمهن من حفظ الفروج وغيرها. ومميلات: يعلِّمن غيرهن مثل فعلهن. ب - مائلات؛ أي: متبخترات في مشيتهن، مميلات أكتافهن. ج - مائلات: يمتشطن المشطة الميلاء، وهي مشطة البغايا، معروفة لهن. ومميلات: يمشطن غيرهن تلك المشطة. د - مائلات إلى الرجال، مميلات لهم بما يبدين من زينتهن وغيرها. انظر: "شرح النووي لمسلم" (١٧/ ١٩١).
(٤) (رؤوسهن كأسنمة البخت)، أي: يعظمن رؤوسهن، وذلك بجمع شعرهن، ولفه فؤق رؤوسهن، حتّى يميل إلى ناحية من جوانب الرّأس كما تمايل أسنمة الإِبل. انظر: "شرح النووي لمسلم" (١٧/ ١٩١).
[ ١٨٦ ]
من مسيرة كذا وكذا" (^١).
وعن أبي هرءة ﵁؛ قال: "من أشراط السّاعة: أن تظهر ثيابٌ تلبسها نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ" (^٢).
وهذه الأحاديث من معجزات النبوَّة، فقد وقع (^٣) ما أخبر به النّبيّ - ﷺ - قبل عصرنا لهذا، وهو في زمننا لهذا أكثر ظهورًا.
وقد سمَّى النبيُّ - ﷺ - لهذا الصنف من النِّساء ب (الكاسيات العاريات)؛ لأنّهن يلبسين الثِّياب، ومع هذا فهُنَّ (عاريات)، لأنّ ثيابهُنَّ لا تؤدَّي وظيفة الستر؛ لرقَّتها وشفافيتها؛ كأكثر ملابس النِّساء في هذا العصر (^٤).
وقيل: إن معنى (الكاسيات العاريات)، أي: كاسية جسدها، ولكنها تشدُّ خمارها، وتضيِّق ثيابها، حتّى تظهر تفاصيل جسمها، فتبرز صدرها وعجيزتها، أو تكشف بعض جسدها، فتعاقب على ذلك في الآخرة (^٥).
وقد جمع النّبيّ - ﷺ - في وصف لهؤلاء النسوة بأنّهن: "كاسيات
_________________
(١) "صحيح مسلم"، باب جهنم أعاذنا الله منها، (١٧/ ١٩٠ - بشرح النووي).
(٢) قال الهيثمي: "في الصّحيح بعضه، ورجاله رجال الصّحيح، غير محمّد بن الحارث بن سفيان، وهو ثقة". "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٢٧).
(٣) "شرح النووي لمسلم" (١٧/ ١٩٠).
(٤) "الحلال والحرام في الإسلام" (ص ٨٣)، د. يوسف القرضاوي، ط. الثّانية عشرة (١٣٩٨ هـ)، طبع المكتب الإِسلامي، بيروت ودمشق.
(٥) انظر: "شرح النووي لمسلم" (١٧/ ١٩٠).
[ ١٨٧ ]
عاريات " وأيضًا: "مائلات مميلات، رؤوسهنَّ كأسنمة البخت المائلة"، وهذا إخبار عن شيء مشاهد فأنّهذا العصرة كأنّه - ﷺ - ينظر إلى عصرنا لهذا، ويصفه لنا، فقد أصبح في عصرنا لهذا أماكن لتصفيف شعور النِّساء وتجميلها وتنويع أشكالها في محلَاّت تسمى (كوافير)، يشرف عليها غالبًا رجالٌ يتقاضَوْنَ أغلى الأجور، وليس ذلك فحسب، فكثيرٌ من النِّساء لا يكتفين بما وهبهن الله من شعر طبيعي، فيلجأن إلى شراء شعر صناعيٍّ، تصله المرأة بشعرها؛ ليبدو أكثر نعومة ولمعانًا وجمالًا؛ لتجذب إليها الرجال (^١).
٣٧ - صدق رؤيا المؤمّن:
ومنها صدق رؤيا المؤمّن في آخر الزّمان، وكلما كان المرء صادقًا في إيمانه، كانت رؤياه صادقة، ففي "الصحيحين" (^٢) عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا اقتربَ الزَّمانُ؛ لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزءٌ من خمس وأربعين جزءًا من النبوة".
هذا لفظ مسلم.
ولفظ البخاريّ: "لم تأكد رؤيا المؤمّن تكذب وما كان من النبوَّة فإنّه لا يكذب".
_________________
(١) انظر: "الحلال والحرام في الإسلام" (ص ٨٤).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب التعبير، باب القيد في المنام، (١٢/ ٤٠٤ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الرؤيا، (١٥/ ٢٠ - مع شرح النووي).
[ ١٨٨ ]
قال ابن أبي جمرة: "معنى كون رؤيا المؤمّن في آخر الزّمان لا تكاد تكذب: أنّها تقع غالبًا على الوجه الّذي لا يحتاج إلى تعبير، فلا يدخلها الكذب؛ بخلاف ما قبل؛ فإنها قد يخفى تأويلها، فيعبرها العابر، فلا تقع كما قال، فيصدق دخول الكذب فيها بهذا الاعتبار".
قال: "والحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزّمان أن المؤمّن في ذلك الوقت يكون غريبًا؛ كما في الحديث: "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا" (^١)، أخرجه مسلم، فيقل أنيس المؤمّن ومعينُه في ذلك الوقت، فيُكْرَمُ بالرؤيا الصالحة" (^٢).
وقد اختلف العلماء في تحديد الزمن الّذي يقع فيه صدق رؤيا المؤمّن على أقوال (^٣):
الأوّل: أن ذلك يقع إذا اقتربت السّاعة، وقُبِض أكثر العلم، ودرست معالم الشّريعة؛ بسبب الفتن وكثرة القتال، وأصبح النَّاس على مثل الفترة، فهم محتاجون إلى مجدِّد ومذكِّر لما دَرَس من الدين، كما كانت الأمم تذكِّر بالأنبجاء، لكن لما كان نبينا - ﷺ - آخر الأنبجاء، وتعذَّرت النبوة في هذه الأمة؛ فإنهم يعوَّضون بالمرائي الصادقة، الّتي هي جزءٌ من النبوة الآتية بالتبشير والإِنذار، ويؤيِّد لهذا القول حديث أبي هريرة: "يتقارب الزّمان، ويُقْبَض
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، (٢/ ١٧٦ - مع شرح النووي).
(٢) "فتح الباري" (١٢/ ٤٠٦).
(٣) انظر: "فتح الباري" (١٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧).
[ ١٨٩ ]
العلم" (^١).
ورجَّح ابن حجر هذا القول.
الثّاني: أن ذلك يقع عند قلَّة عدد المؤمنين، وغَلَبة الكفر والجهل والفسق على الموجودين، فيؤنَس المؤمّن، ويُعان بالرؤيا الصادقة؛ إكرامًا له وتسلية.
وهذا القول قريبٌ من قول ابن أبي جمرة السابق، وعلى هذين القودين لا يختصُّ صدق رؤيا المؤمّن بزمان معيَّن، بل كدما قرب فراغ الدنيا، وأخذ أمر الدين في الاضمحلال؛ تكون رؤيا المؤمّن الصادق صادقة.
الثّالث: أن ذلك خاصٌّ بزمان عيسى بن مريم -﵇-، لأنّ أهل زمنه أحسن لهذه الأمة حالًا بعد الصدر الأوّل، وأصدقهم أقوالًا، فكانت رؤياهم لا تُكَذَّب. والله أعلم.
٣٨ - كثرة الكتابة وانتشارها:
جاء في حديث ابن مسعودرضي الله عنه عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: "إن بين يدي السّاعة ظهور القلم" (^٢).
والمراد بظهور القلم - والله أعلم - ظهور الكتابة (^٣) وانتشارها.
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب العلم، باب رفع العلم، (١٦/ ٢٢٢ - مع شرح النووي).
(٢) "مسند أحمد" (٥/ ٣٣٣ - ٣٣٤) (ح ٣٨٧٠)، شيرح أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح".
(٣) انظر: "شرح مسند أحمد" (٥/ ٣٣٤) لأحمد شاكر.
[ ١٩٠ ]
ووقع في رواية الطيالسي والنسائي عن عمرو بن تغلب؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "إن من أشراط السّاعة أن يكثر التجار، ويظهر العلم" (^١).
ومعناه - والله أعلم - ظهور وسائل العلم، وهي كتبه.
وقد ظهرت في هذا الزمن ظهورًا باهرًا، وانتشرت في جميع أرجاء الأرض، بسبب توفر آلات الطابعة والتصوير الّتي سهَّلت انتشارها، ومع هذا؛ فقد ظهر الجهلُ في النَّاس، وقلَّ فيهم العلم النافع، وهو علم الكتاب والسُّنَّة، والعمل بهما، ولم تُغْنِ عنهم كثرة الكتب شيئًا (^٢).
٣٩ - التهاون بالسنن الّتي رغَّب فيها الإسلام:
ومنها التهاون بشعائر الله تعالى؛ كما جاء في الحديث عن ابن مسعود ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - وهو يقول: "إن من أشراط السّاعة أن يمرَّ الرَّجل بالمسجد، لا يصلّي فيه ركعتين" (^٣).
_________________
(١) "منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي" (٢/ ١١٢) (ح ٢٧٦٣)، ترتيب الساعاتي، و"سنن النسائي"، كتاب البيوع، باب التجارة، (٧/ ٢٤٤). قال التويجري على رواية النسائي: "إسناد صحيح على شرط الشيخين". "إتحاف الجماعة" (١/ ٤٢٨)
(٢) انظر: "إتحاف الجماعة" (١/ ٤٢٨).
(٣) "صحيح ابن خزيمة"، باب كراهية المرور في المساجد من غير أن تصلّي فيها، والبيان أنّه من أشراط السّاعة، (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، تحقيق د. محمّد مصطفى الأعظمي، طبع المكتب الإِسلامي، ط. الأولى (١٣٩١ هـ). وعلَّق عليه الألباني، فقال: "إسناده ضعيف، ولكن له أو لغالبه طرق أخرى". =
[ ١٩١ ]
وفي رواية: "أن يجتاز الرَّجل بالمسجد، فلا يصلّي فيه" (^١).
وعن ابن مسعود أيضًا، قال: "إن من أشراط السّاعة أن تُتَّخَذَ المساجد طرقًا" (^٢).
وعن أنس ﵁ يرفعه إلى النّبيّ - ﷺ -؛ قال: "إن من أمارات السّاعة أن تُتَّخَذَ المساجد طرقًا" (٢).
وهذا أمرٌ لا يجوز؛ فإن تعظيم المساجد من تعظيم شعائر الله (^٣) تعالى، وإن ذلك علامة الإِيمان والتقوى؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحجِّ: ٣٢].
وقال - ﷺ -: "إذا دخل أحدُكم المسجد؛ فلا يجلس حتّى يركع ركعتين" (^٤).
_________________
(١) = وذكر في "السلسلة الصحيحة" أن له طريقًا أخرى عن ابن مسعود يتقوى بها. انظر (م ٢/ ٢٥٣) (ح ٦٤٩).
(٢) رواه البزار، وصحَّح الهيثمي هذه الرِّواية في "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٢٩).
(٣) "منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي"، باب ما جاء في الفتن الّتي تكون بين يدقي السّاعة (٢/ ٢١٢)، ترتيب الساعاتي، و"مستدرك الحاكم" (٤/ ٤٤٦)، وقال: "هذا حديث صحيح الإِسناد"، وقال الذهبي: "موقوف".
(٤) (شعائر الله): واحدها شعيرة، وهي كلّ شيء جُعِلَ علمًا من أعلام طاعته تعالى. انظر: "تفسير غريب القرآن" (ص٣٢) لابن قتيبة، بتحقيق السَّيِّد أحمد صقر، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، (١٣٩٨ هـ).
(٥) "صحيح مسلم "، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب أستحباب تحية المسجد بركعتين، وكراهة الجلوس قبل صلاتهما، وأنّها مشروعة في جميع الأوقات، (٥/ ٢٢٥ - ٢٢٦ - مع شرح النووي).
[ ١٩٢ ]
ومن أعظم البلايا أن صارت المساجد أماكن للسياحة والفرجة للكفار بعدما كانت محلًّا للذكر والعبادة، وقد حدث لهذا في هذا العصر؛ كما في بعض البلاد الإِسلامية، والبلاد الّتي تحت أيدي الكفار، فلا حول ولا قوة إِلَّا بالله العلّي العظيم.
٤٠ - انتفاخُ الأهلَّة:
عن عبد الله بن مسعودرضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من اقتراب السّاعة انتفاخُ الأهلَّة" (^١).
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من اقتراب السّاعة انتفاخ الأهلَّة، وأن يُرى الهلال (^٢) لليلةٍ، فيقال:
_________________
(١) رواه الطبراني في "الكبير". قال الهيثمي: "فيه عبد الرّحمن بن يوسف، ذكر له في الميزان هذا الحديث، وقال: إنّه مجهول". "مجمع الزوائد" (٣/ ١٤٦). وانظر: "ميزان الاعتدال" (٢/ ٦٠٠) للذهبي. وقال الألباني: "صحيح". تم ذكر من أخرجه من الأئمة، وهم: العقيلي في "الضعفاء"، وابن عدي في "الكامل"، والطبراني في "الأوسط" و"الصغير". ورواه عن أبي هريرة: الطبراني في "الأوسط"، والضياء المقدسي. ورواه عن أنس: البخاريّ في "التاريخ". ورواه عن طلحة بن أبي حدرد وأبي عمرو الداني الشعبيُّ والحسن مرسلًا. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٥/ ٢١٣ - ٢١٤) (ح ٥٧٧٤).
(٢) في "صحيح الجامع الصغير" (٥/ ٢١٤): "أن يرى الهلال قبلًا لليلة"؛ أي: يرى ساعة يطلع، وقبلًا؛ أي معاينة. انظر: "التذكرة" (ص ٦٤٨) للقرطبي.
[ ١٩٣ ]
لليلتين" (^١).
وعن أنس بن مالك ﵁ يرفعه إلى النّبيّ - ﷺ -؛ قال: "إن من أمارات السّاعة أن يُرى الهلال لليلة، فيقال: لليلتين" (^٢).
فقد جاء في هاتين الروايتين تفسيرُ انتفاخ الأهلَّة بأن ذلك عبارةٌ عن كبر الهلال حين طلوعه عما هو معتادٌ في أول الشهر، فيرى وهو ابن ليلة؛ كأنّه ابن ليلتين. والله أعلم.
٤١ - كثرة الكذب وعلإم التثبُّت في نقل الأخبار:
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: "سيكون في آخر أمَّتي أناس يحدِّثونَكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكُم، فإياكم وإياهم" (^٣).
وفي رواية: "يكون في آخر الزّمان دجَّالون كذَّابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكُم، فإياكم وإياهم، لا يضلُّونكم ولا
_________________
(١) رواه الطبراني في "الصغير". قال الهيثمي: "وفيه عبد الرّحمن بن الأزرق الأنطالي، ولم أجد من ترجمه". "مجمع الزوائد" (٣/ ١٤٦).
(٢) قال الهيثمّي: "رواه الطبراني في "الصغير"، و"الأوسط" عن شيخه الهيثم بن خالد المصيصي، وهو ضعيف". "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٢٥). وقال الألباني: "رواه الطبراني في "الأوسط"، والضياء المقدسي، وهو حسن". انظر: "صحيح الجامع" (٥/ ٢١٤) (ح ٥٧٧٥).
(٣) "صحيح مسلم"، المقدِّمة، باب النّهي عن الرِّواية عن الضعفاء، (١/ ٧٨ - مع شرط النووي).
[ ١٩٤ ]
يفتنونكم" (^١).
وروى مسلمٌ عن عامر بن عبدة؛ قال: قال عبد الله (^٢): "إن الشيطان ليتمثَّلُ في سورة الرَّجل، فيأتي القوم، فيحدِّثُهم بالحديث من الكذب، فيتفرَّقون، فقول الرَّجل منهم: سمعتُ رجلًا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه يحدِّثُ" (^٣).
وعند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: "إن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان، يوشك أن تخرُجَ، فتقرأ على النَّاس قرآنًا" (^٤).
قال النووي: "معناه: تقرأ شيئًا ليس بقرآن، وتقول إنّه قران؛ لتغرَّ به عوامَّ النَّاس، فلا يغترُّون" (^٥).
وما أكثر الأحاديث الغريبة في هذا الزّمان، فقد أصبح بعض النَّاس لا يتورع عن كثرة الكذب ونقل الأقوال بدون تثبُّت من صحَّتها، وفي هذا إضلالٌ للناس، وفتنةٌ لهُم، ولهذا حذَّر النّبيّ - ﷺ - من تصديقهم، وقد جعل
_________________
(١) "المرجع السابق" (١/ ٧٨ - ٧٩ - نووي).
(٢) هو عبد الله بن مسعود ﵁، والراوي عنه عامر بن عبده البجلي الكوفي، أبو إياس، تابعي، ثقة، وقد أشار ابن حجر إلى هذه الرِّواية في كتابه "تهذيب التهذيب" (٥/ ٧٨ - ٧٩)، وذكر أنّها من رواية عامر بن عبدة عن عبد الله بن مسعود.
(٣) "صحيح مسلم"، المقدِّمة، (١/ ٧٩ - مع شرح النووي).
(٤) "صحيح مسلم"، المقدِّمة، باب النّهي عن الرِّواية عن الضعفاء، (١/ ٧٩ - ٨٠ - مع شرط النووي).
(٥) "شرح النووي لمسلم" (١/ ٨٠).
[ ١٩٥ ]
علماء الحديث هذه الأحاديث أصلًا في وجوب التثبُّت من نقل الأحاديث عن رسول الله - ﷺ -، وتصحيص الرواة؛ لمعرفة الثقة من غيره.
وبسبب كثرة كذب النَّاس في هذا الزّمان؛ صار الإِنسان لا يميِّز بين الأخبار، فلا يعرف صحيحها من سقيمها.
٤٢ - كثرة شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق:
جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قوله - ﷺ -: "إن بين يدي السّاعة: شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق" (^١).
وشهادة الزُّور هي الكذب متعمِّدًا في الشَّهادة، فكما أن شهادة الزُّور سببٌ لإِبطال الحق، فكالك كتمان الشّهادة سببٌ لإِبطال الحق.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وعن أبي بكرة ﵁ قال: كنا عند رسول الله - ﷺ -، فقالِ: "ألَّا أنبِّئُكُم بأكبر الكبائر (ثلاثًا)؟ الإِشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور - أو قول الزور -، وكان متكئًا فجلس، فما زال يكرِّرها حتّى قلنا: ليته سكت" (^٢).
_________________
(١) "مسند الإمام أحمد" (٥/ ٣٣٣)، شرح أحمد شاكر، وقد تقدّم تخريجه، وأنّه صحيح. انظر: "تفسير ابن كثير" (٦/ ١٤٠)، و"فتح الباري" (٥/ ٢٦٢).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، (٥/ ٢٦١ - مع الفتح)، و"صحجح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب الكبائر وأكبرها، (٢/ ٨١ - ٨٢ - مع شرط النووي).
[ ١٩٦ ]
وما أكثر شهادة الزور وكتمان شهادة الحق في هذا الزمن!
ولعظم خطرها قرنها النّبيّ - ﷺ - بالشرك وعقوق الوالدين؛ فإن شهادة الزُور سبب للظُّلم والجور وضياع حقوق النَّاس في الأموال والأعراض، وظهورها دليلٌ على ضعف الإِيمان، وعدم الخوف من الرّحمن.
٤٣ - كثرةُ النِّساء وقلَّة الرجال:
عن أنس ﵁ قال: لأحدِّثَنَّكُمْ حديثًا لا يحدِّثُكُمْ أحدٌ بعدي، سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "مِن أشراط السّاعة أن يقلَّ العلم، ويظهر الجهلى، ويظهر الزِّنا، وتَكْثُرَ النِّساءُ، ويقلَّ الرجال، حتّى يكون لخمسين امرأة القيِّمُ الواحدُ" (^١).
قيل: إن سبب ذلك كثرةُ الفتن، فيكثر القتل في الرجال؛ لأنّهم أهل الحرب دون النِّساء (^٢).
وقيل: إن سبب ذلك كثرة الفتوح، فتكثر السبايا، فيتخذ الرَّجل عدة موطوءات.
قال الحافظ ابن حجر: "فيه نظرٌ؛ لأنّه صرَّح بالقلَّة في حديث أبي
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل، (١/ ١٧٨ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزّمان، (١٦/ ٢٢١ - مع شرط النووي)، و"جامع التّرمذيّ"، باب ما جاء في أشراط السّاعة، (٦/ ٤٤٨) (ح ٢٣٠١).
(٢) انظر "التذكرة" (ص ٦٣٩)، و"شرح النووي لمسلم" (٧/ ٩٦ - ٩٧)، و"فتح الباري" (١/ ١٧٩).
[ ١٩٧ ]
موسى فقال: "من قلَّة الرجال وكثرة النِّساء" (^١)، والظاهر أنّها علامةٌ محضةٌ لا لسبب آخر، بل يقدَّر الله في آخر الزّمان أن يقلَّ مَنْ يولَدُ مِن الذُّكور، ويَكْثُرَ مَنْ يولد من الإِناث، وكون كثرة النِّساء من العلّامات مناسبة لظهور الجهل ورفع العلم" (^٢).
قلت: ولا يمنعُ أن يكون ذلك بما ذكره الحافظ ابن حجر، وبغيره من الأسباب الّتي ينشأ عنها قلَّة الرجال وكثرة النِّساء؛ كوقوع الفتن الّتي تكون سببًا في القتال، فقد جاء في رواية الإمام مسلم ما يدلُّ على أن كثرة النِّساء وقلَّة الرجال يكون بسبب ذهاب الرجال وبقاء النِّساء، والذي يُذْهِب الرجال غالبًا يكون كثرة القتال، ولفظ مسلم هو قوله - ﷺ -: "ويذهب الرجال، وتبقى النِّساء، حتّى يكون لخمسين امرأة قيِّمٌ واحدٌ" (^٣).
وليس المراد هنا حقيقة العدد (خمسين)، فقد جاء في حديث أبي موسى ﵁: "ويُرى الرَّجل يتبعه أربعون امرأة يَلُذْن به" (^٤)، فيكون ذلك مجازًا عن الكثرة (^٥)، والله أعلم.
٤٤ - كثرة موت الفجأة:
_________________
(١) " صحيح مسلم"، كتاب الزَّكاة، باب كلّ نوع من المعروف صدقة، (٧/ ٩٦ - مع شرح النووي).
(٢) "فتح الباري" (١/ ١٧٩).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن، (١٦/ ٢٢١ - مع شرح النووي).
(٤) "صحيح مسلم" (٧/ ٩٦ - مع شرح النووي).
(٥) أنظر: "فتح الباري" (١/ ١٧٩).
[ ١٩٨ ]
عن أنس بن مالك ﵁ يرفعه إلى النّبيّ - ﷺ -؛ قال: "إن من أمارات السّاعة أن يظهر موتُ الفجأة" (^١).
وهذا أمرٌ مشاهَدٌ في هذا الزمن، حيت أكثر في النَّاس موتُ الفجأة، فترى الرَّجل صحيحًا معانى، ثمّ يموت فجأة، وهذا ما يسميه النَّاس في الوقت الحاضرب (السكتة القلبيَّة)، فعلى العاقل أن يتنبَّهَ لنفسه، ويرجِعَ ويتوبَ إلى الله تعالى قبل مفاجأة الموت.
وكان الإمام البخاريّ ﵀ يقول:
"اغْتَنِمْ فِي الفَرَاغِ فَضْلَ رُكُوعٍ فَعَسى أن يَكُونَ مَوْتُكَ بَغْتَهْ
كَمْ صَحِيحٍ رَأَيْتُ مِنْ غَيْر سُقْمٍ ذَهَبَتْ نَفْسُهُ الصَّحِيحَةُ فَلْتَهْ"
قال ابن حجر: "وكان من العجائب أنّه هو وقع له - أي: البخاريّ - ذلك أو قريبًا منه" (^٢).
_________________
(١) قال الهيثمي: "رواه الطبراني في "الصغير"، و"الأوسط"، عن شيخه الهيثم بن خالد المصيصي، وهو ضعيف". "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٢٥). وقال الألباني: "حسن"، وذكر من أخرجه، وهم: الطبراني في "الأوسط"، والضياء المقدسي. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٥/ ٢١٤) (ح ٥٧٧٥).
(٢) "هدي الساري مقدمة فتح الباري" (ص ٤٨١) للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، قام بإخراجه وتصحيحه محب الدين الخطيب، أشرف على طبعه قصي محب الدين الخطيب، نشر وتوزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإِفتاء، الرياض.
[ ١٩٩ ]
٤٥ - وقوع التناكر بين النَّاس:
عن حُذيفة ﵁، قال: سُئل رسول الله - ﷺ - عن السّاعة؟ فقال: "علمها عند ربي، لا يجلِّيها لوقتِها إِلًّا هُو، ولكن أخبرُكُم بمشاريطها، وما يكون بين يديها، إن بين يديها فتنة وهَرْجًا". قالوا: يا رسول الله! الفتنةُ قد عرفناها، فالهرج ما هو؟ قال: "بلسان الحبشة: القتل. ويُلْقَى بين النَّاس التَّناكر، فلا يكاد أحدٌ أن يعرف أحدًا" (^١).
فوقوع التناكر عند كثرة الفتن والمحن وكثرة القتال بين النَّاس، وحينما تستولي المادة على النَّاس، ويعمل كلّ منهم لحظوظ نفسه؛ غير مكترث بمصالح الآخرين، ولا بحقوقهم، فتنتشر الأنانية البغيضة، ويحيى الإِنسان في نطاق أهوائه وشهواته، فلا تكون هناك قيمٌ أخلاقيَّة يعرِف بعض النَّاس بها بعضًا، ولا يكون هناك من الأخوَّة الإِيمانية ما يجعلهم يلتقون على الحبِّ في الله، والتعاون على البرّ والتقوى.
روى الطبراني عن محمّد بن سوقة؛ قال: "أتيتُ نُعيم بن أبي هند، فأخرج إليَّ صحيفة، فإذا فيها: من أبي عُبيدة بن الجرّاح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطّاب: سلام عليك (فذكر الكتاب، وفيه:) وإنا كنا نتحدث أن أمر هذه الأمة في آخر زمأنّها سيرجِعُ إلى أن يكونوا إخوان العلّانيّة أعداء السرية (ثمّ ذكر جواب عمر ﵁ لهما، وفيه:) وكتبتما تحذِّراني أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها إلى أن يكونوا
_________________
(١) "مسند الإمام أحمد" (٥/ ٣٨٩ - بهامشه منتخب كنز العمال). قال الهيثمي: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصّحيح". "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٠٩)
[ ٢٠٠ ]
إخوان العلانيّة، أعداء السَّريرة، ولستم بأولئك، وليس هذا بزمان ذلك، وذلك زمانٌ تظهَرُ فيه الرغبة والرهبة، تكون رغبة بعض النَّاس إلى بعض لصلاح دنياهم" (^١).
٤٦ - عود أرض العرب مروجًا وأنّهارًا:
ومنها أن تعود أرض العرب مروجًا وأنّهارًا، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم السّاعة حتّى تعود أرض العرب مروجًا (^٢) وأنّهارًا" (^٣).
وفي هذا الحديث دِلالة على أن أرض العرب كانت مروجًا وأنّهارًا، وأنّها ستعود كما كانت مروجًا وأنّهارًا.
_________________
(١) قال التويجري: "رواه الطبراني. قال الهيثمي: ورجاله ثقات إلى هذه الصحيفة". "إتحاف الجماعة" (١/ ٥٠٤) وبحثتُ عنه في "مجمع الزوائد" في مظانه فلم أعثر على هذا النص، ووجدت حديثًا عن معاذ بن جبل؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يكون في آخر الزّمان أقوامٌ إخوانُ العلانيّة أعداء السريرة". قال: يا رسول الله! كيف يكون ذلك؟ قال: "برغبة بعضهم إلى بعض، وبرهبة بعضهم من بعض". قال الهيثمي: "رواه البزار، والطبراني في "الأوسط"، وفيه أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف". "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٨٦).
(٢) (المروج): جمع مرج، وهو الفضاء الواسع، ويقال للأرض ذات الكلأ: مرج. ومنه قولهم: مرج الدَّابة يمرجها: إذا أرسلها ترعى في المرج. انظر: "لسان العرب" (٢/ ٣٦٤).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب الزَّكاة، باب كلّ نوع من المعروف صدقة، (٧/ ٩٧ - مع شرح النووي).
[ ٢٠١ ]
قال النووي في معنى عود أرض العرب مروجًا وأنّهارًا: "معناه - والله أعلم - أنّهم يتركونها ويُعْرِضون عنها، فتبقى مهملة، لا تُزْرَعُ، ولا تُسْقى من مياهها، وذلك لقلَّة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب السّاعة، وقلَّة الآمال، وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به" (^١).
والذي يظهر لي أن ما ذهب إليه النووي - ﵀ - في شرحه لهذا الحديث فيه نظر؛ فإن أرض العرب أرضٌ قاحلةٌ شحيحة المياه، قليلة النبات،. غالب مياهها من الآبار والأمطار، فإذا تُرِكَت واشتغل عنها أهلها؛ مات زرعها، ولم تَعُد مروجًا وأنّهارًا".
وظاهر الحديث يدلُّ على أن بلاد العرب ستكثر فيها المياه، حتّى تكون أنّهارًا، فتنبت بها النباتات، فتكون مروجًا وحدائق وغابات.
والذي يؤيِّد لهذا أنّه ظهر في لهذا العصر عيونٌ كثيرةٌ تفجَّرت كالأنّهار، وقامت عليها زراعاتٌ كثيرةٌ، وسيكون ما أخبر به الصادق - ﷺ - فقد روى معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال في غزوة تبوك: "إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتّى يُضْحي النهار، فمَن جاءها منكم؛ فلا يمسَّ من مائها شيئًا حتّى آتي". فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك (^٢) تبضُّ (^٣) بشيء من ماء؛ قال: فسألهما رسول
_________________
(١) "شرح النووي لمسلم" (٧/ ٩٧).
(٢) (الشرأك): بكسر الشين، هو سير النعل. انظر: "لسان العرب" (١٠/ ٤٥١).
(٣) (تبض)؛ بفتح التاء وكسر الموحدة بعدها ضاد معجمة مشدَّدة؛ أي: تسيل بماء قليل. أنظر: "شرح النووي لمسلم" (١٥/ ٤١)، و"لسان العرب" (٧/ ١١٧).
[ ٢٠٢ ]
الله - ﷺ -: "هل مسستما من مائها شيئًا؟ ". قالا: نعم. فسبَّهما رسول الله - ﷺ -، وقال لهما ما شاء الله أن يقول. قال: ثمّ غَرَفوا بأيديهم من العين قليلًا قليلًا، حتّى اجتمع في شيءٍ. قال: ثمّ غسل رسول الله - ﷺ - فيه يديه ووجهه، ثمّ أعاده فيها، فجرت العين بماء منهمر، أو قال غزير حتّى استقى النَّاس، ثمّ قال رسول الله - ﷺ -: "يوشِكُ يا معاذ إن طالت بك حياةٌ أن ترى ما هاهُنا قد مُلِئ جِنانًا" (^١).
٤٧ - كثرة المطر وقلَّة النبات:
عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقوم السّاعة حتّى تُمْطِرَ السَّماء مطرًا لا تُكِنُّ منها بيوت المدر (^٢) ولا تُكِنُّ منها إِلَّا بيوت الشعر" (^٣).
وعن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقوم السّاعة حتّى يُمْطَرَ النَّاس مطرًا عامًّا، ولا تُنْبِتُ الأرض شيئًا" (^٤).
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفضائل، باب معجزات النّبيّ - ﷺ -، (١٥/ ٤٠ - ٤١ - مع شرح النووي).
(٢) (المَدَر): هو الطين المتماسك اليابس. وأهل المدر: أهل القرى والأمصار. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٤/ ٣٠٩).
(٣) "مسند أحمد" (١٣/ ٢٩١) (ح ٧٥٥٤)، شرح أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح". وهو في "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٣١)؛ قال الهيثمي: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصّحيح". وانظر: "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٧٤)، تحقيق د. طه زيني.
(٤) "مسند أحمد" (٣/ ١٤٠ - بهامشه منتخب الكنز).
[ ٢٠٣ ]
فإذا كان المطر سببًا في إنبات الأرض؛ فإن لله تعالى أن يوجِدَ ما يمنَعُ لهذا السبب من ترتُّب المسبَّب عليه، والله تعالى خالق الأسباب ومسبَّباتها، لا يعجزه شيء.
وفي الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "ليست السَّنةُ بأن لا تُمْطَروا، ولكنَّ السَّنةَ أن تُمْطَروا وتُمْطَروا ولا تُنْبتُ الأرض شيئًا" (^١).
٤٨ - حسر الفرات (^٢) عن جبلٍ من ذهبٍ:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقومُ السّاعة حتّى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل النَّاس عليه، فيقتل من كلّ مئة تسعة وتسعون، ويقول كلّ رجلٍ منهم: لعلّي أكون أنا الّذي أنجو" (^٣).
_________________
(١) = ذكره الهيثمي، وقال: "رواه أحمد، والبزار، وأبو يعلى ورجال الجميع ثقات". "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٣٠). وقال ابن كثير: "إسناده جيد، ولم يخرجو من لهذا الوجه". "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٨٠)، تحقيق د. طه زيني.
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٠ - مع شرح النووي).
(٣) (الفرات): بضم الفاء، بعده راء مهملة مخففة، وآخره تاء مثناة من فوق، ويقال: إنّه معرَّب. والفرات في كلام العرب: الماء العذب. والفرات: نهر عظيم مخرجه فيما زعموا من أرض أرمينية، ثمّ يدخل بلاد الروم إلى ملطية، ويصب فيها أنّهار صغار، ثمّ يمر بالرقة، ثمّ يصير أنّهارًا تسقي زروع السواد بالعراق، ويلتقي بدجلة قرب واسط، ثمّ يصبان في خليج العرب (بحر الهند سابقًا). انظر: "معجم البلدان" (٤/ ٢٤١ - ٢٤٢).
(٤) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب خروج النّار، (١٣/ ٧٨ - مع الفتح)، وصحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٨ - مع شرح النووي).
[ ٢٠٤ ]
وليس المقصود بهذا الجبل من ذهب (النفط/ البترول الأسود)؛ كما يرى ذلك أبو عبية في تعليقه على "النهاية/ الفتن والملاحم" لابن كثير (^١)، وذلك من وجوه:
١ - أن النص جاء فيه: "جبل من ذهب"، والبترول ليس بذهب على الحقيقة؛ فإن الذهب هو المعدن المعروف.
٢ - أن النّبيّ - ﷺ - أخبر أن ماء النهر ينحسر عن جبل من ذهب، فيراه النَّاس، والنفط أو (البترول) يستخرج من باطن الأرض بالآلات من مسافات بعيدة.
٣ - أن النّبيّ - ﷺ - خصَّ الفرات بهذا دون غيره من البحار والأنّهار، والنفط نراه يُستخرج من البحار كما يستخرج من الأرض، وفي أماكن كثيرة متعدِّدة.
٤ - أن النّبيّ - ﷺ - أخبر أن النَّاس سيقتتلون عند هذا الكنز، ولم يحصل أنّهم اقتتلوا عند خروج النفط من الفرات أو غيره، بل إن النّبيّ - ﷺ - نهى مَنْ حضر لهذا الكنز أن يأخذ منه شيئًا؛ كما في الرِّواية الأخرى عن أُبي بن كعب ﵁؛ قال: لا يزال النَّاس مختلفةٌ أعناقُهُم في طلب الدنيا إنِّي سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "يوشِك الفراتُ أن يُحْسَرَ عَن جبلٍ مِن ذهبٍ، فمَن حَضَرَهُ؛ فلا يأخُذْ منهُ شيئًا" (^٢)، ومَن حمله على
_________________
(١) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ٢٠٨)، تحقيق محمّد فهيم أبو عبية.
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٩ - مع شرح النووي).
[ ٢٠٥ ]
النفط؛ فإنّه يلزمه على قوله هذا النّهي عن الأخذ من النفط، ولم يقل به أحدٌ (^١).
وقد رجَّح الحافظ ابن حجر أن سبب المنع من الأخذ من هذا الذهب لما ينشأ عن أخذه من الفتنة والقتال عليه (^٢).
٤٩ - كلام السِّباع والجمادات للإِنس:
ومن أشراط السّاعة كلام السِّباع للإِنس، وكلام الجمادات للإِنسان، وإخبارها بما حدث في غيابه، وتكلُّم بعض أجزاء الإِنسان؛ كالفخذ يخبر الرَّجل بما أحدث أهله بعده.
فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁؛ قال: جاء ذئبٌ إلى راعي الغنم، فأخذ منها شاةً، فطلبه الراعي حتّى انتزعها منه. قال: فصعد الذئبُ على تلٍّ، فأقعى (^٣) واستذفر (^٤)، فقال: عمدتَ إلى رزق رزقنيهِ الله ﷿ انتزعته مني. فقال الرَّجل: تالله إن رأيتُ كاليوم ذئبًا يتكلَّم! قال الذئب: أعجبُ من هذا رجلٌ في النَّخلات بين الحَرَّتين
_________________
(١) انظر: "إتحاف الجماعة" (١/ ٤٨٩ - ٤٩٠).
(٢) انظر: "فتح الباري" (١٣/ ٨١).
(٣) (أقعى)؛ الإِقعاء: تقول أقعى الكلب إذا جلس على استه. انظر: "ترتيب القاموس" (٣/ ٦٦٣).
(٤) (استذفر): أصلها استثفر، فقلبت الثاء المثلثة ذالًا معجمة. تقول: استثفر الكلب: إذا أدخل ذنبه بين فخذيه حتّى يلزق ببطنه. انظر: "ترتيب القاموس" (١/ ٤١٠)، و"شرح مسند أحمد" (١٥/ ٢٠٣) لأحمد شاكر.
[ ٢٠٦ ]
يخبركم بما مضى وبما هو كائن بعدكم - وكان الرَّجل يهوديًّا -، فجاء الرَّجل إلى النّبيّ - ﷺ -، وأخبره، فصدَّقه النّبيّ - ﷺ -، ثمّ قال النّبيّ - ﷺ -: "إنها أمارةٌ من أمارات بين يدي السّاعة، قد أوشك الرَّجل أن يخرج فلا يرجع حتّى تُحَدِّثَه نعلاه وسوطُه ما أحدث أهله بعدَه". رواه الإِمام أحمد (^١).
وفي رواية له عن أبي سعيد الخدري (فذكر القصة إلى أن قال: قال رسول الله - ﷺ -): "صدق والذي نفسي بيده، لا تقوم السّاعة حتّى يكلِّمَ السباعُ الإِنس، ويكلِّمُ إلرجُلَ عَذَبَةُ سوطه، وشِراكُ نعله، ويخبره فخِذُهُ بما أحدث أهلُه بعده" (^٢).
٥٠ - تمنِّي الموتِ من شدَّة البلاء:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم السّاعة حتّى يمرَّ الرَّجل بقبر الرَّجل، فيقول: يا ليتني مكانه" (^٣).
_________________
(١) "مسند أحمد" (١٥/ ٢٠٢ - ٢٠٣) (ح ٨٠٤٩)، تحقيق وشرح أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح".
(٢) "مسند أحمد" (٣/ ٨٣ - ٨٤ - بهامشه منتخب كنز العمال). وقال الألباني: "هذا سنذ صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير القاسم لهذا (أحد رواة الحديث)، وهو ثقة اتفاقًا، وأخرج له مسلم في المقدِّمة". انظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (م ١/ ٣١) (ح ١٢٢). ورواه التّرمذيّ في أبواب الفتن، باب ما جاء في كلام السِّباع، (٦/ ٤٠٩)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إِلَّا من حديث القاسم بن الفضل، والقاسم بن الفضل ثقة مأمون عند أهل الحايث، وثقه يحيى بن سعيد وعبد الرّحمن بن مهدي".
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، (١٣/ ٨١ - ٨٢ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٤ - مع شرح النووي).
[ ٢٠٧ ]
وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده؛ لا تذهبُ الدنيا حتّى يمرَّ الرَّجل على القبر، فيتمرَّغَ عليه، ويقولَ: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدَّين، إِلَّا البلاء" (^١).
وتمنَي الموت يكون عند كثرة الفتن، وتغيُّر الأحوال، وتبديل رسوم الشّريعة، وهذا إن لم يكن وقع؛ فهو واقعٌ لا محالة.
قال ابن مسعود ﵁: "سيأتي عليكم زمانٌ لو وَجَدَ أحدُكُم الموت يُباع لاشتراه، وكما قيل:
وهذا العَيْشُ مَا لَا خَيْرَ فيهِ أَلا مَوْتٌ يُباعُ فأَشْتَريهِ" (^٢)
قال الحافظ العراقي (^٣): "ولا يلزم كونه في كلّ بلد، ولا كلّ زمن، ولا في جميع النَّاس، بل يصدق اتِّفاقه للبعض في بعض الأقطار في بعض الأزمان، وفي تعليق تمنِّيه بالمرور إشعار بشدَّة ما نزل بالناس من فساد الحال حالتئذ، إذ المرء قد يتمنَّى الموت من غير استحضار لهيئته، فإذا
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٤ - مع شرح النووي).
(٢) "فيض القدير" (٦/ ٤١٨).
(٣) هو زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرّحمن العراقي الكردي الشّافعيّ، ولد في سنة خمس وعشرين وسبع مئة، وكان من الحفاظ، رحل إلى دمشق وحلب والحجاز والإِسكندرية، وأخذ عن العلماء الكبار، وله مصنَّفات كثيرة في الحديث، منها: "المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإِحياء من الأخبار"، و"تقريب الأسانيد"، وشرحه "طرح التثريب"، توفي زين الدين سنة ست وثمان مئة للهجرة ﵀. انظر ترجمته في: "شذرات الذهب" (٧/ ٥٥ - ٥٦)، ومقدمة كتاب "طرح التثريب" (١/ ٢ - ٩) للشيخ محمود حسن ربيع.
[ ٢٠٨ ]
شاهد الموتى، ورأى القبور؛ نشز بطبعه، ونفر بسجيَّتِهِ من تمنِّيه، فلقوّة الشدة لم يصرفه عنه ما شاهده من وحشة القبور، ولا يناقض هذا النّهي عن تمني الموت؛ لأنّ مقتضى هذا الحديث الإِخبار عما يكون، وليس فيه تعرُّض لحكم شرعيٍّ" (^١).
وأخبر النّبيّ - ﷺ - أنّه سيأتي على النَّاس شدَّةٌ وعناءٌ، حتّى يتمَنَّوْنَ الدَّجَّال، ففي الحديث عن حُذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يأتي على النَّاس زمانٌ يتمَنوْنَ فيه الدَّجَّال". قلت: يا رسول الله! بأبي وأُمي مم ذاك؟ قال: "ممَّا يلقون من العناء والعناء" (^٢).
٥١ - كثرة الروم (^٣) وقتالهم للمسلمين:
قال المستورد القرشي عند عمرو بن بن العاص ﵄: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "تقوم السّاعة والروم أكثر النَّاس". فقال له عمرو: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله - ﷺ - (^٤).
وجاء في حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁ ث قال: قال رسول الله - ﷺ -: "اعدُدْ ستًّا بين يدي السّاعة (فذكر منها:) ثمّ هدنة
_________________
(١) "فيض القدير" (٦/ ٤١٨)، وانظر: "فتح الباري" (١٣/ ٧٥ - ٧٦).
(٢) رواه الطبراني في "الأوسط"، والبزار بنحو، ورجالهما ثقات. انظر: "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٨٤ - ٢٨٥).
(٣) (الروم): من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵉. انظر: "النهاية/ الفتن والملاحم" (ص ٥٨)، تحقيق د. طه ريني.
(٤) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٢ - مع شرح النووي).
[ ٢٠٩ ]
تكون بينكم وبين بني الأصفر (^١)، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية (^٢)، تحت كلّ غاية اثنا عشر ألفًا" (^٣).
وعن جابر بن سمرة عن نافع بن عُتبة؛ قال: كنا مع رسوك الله - ﷺ - فحفظتُ منه أربع كلمات أعدُّهن في يدي؛ قال: "تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثمّ فارس فيفتحها الله، ثمّ تغزون الروم فيفتحها الله، ثمّ تغزون الدَّجَّال فيفتحه الله".
قال: فقال نافع: "يا جابر! لا نرى الدَّجَّال يخرج حتّى تفتح الروم" (^٤).
وقد جاء وصفٌ للقتال الّذي يقع بين المسلمين والروم، ففي الحديث عن يسير بن جابرة قال: هاجت ريحّ حمراء بالكوفة، فجاء رجلٌ ليس له هجيري (^٥) إِلَّا: يا عبد الله بن مسعود! جاءت السّاعة. قال: فقعد - وكان متَّكئًا -، فقال: إن السّاعة لا تقوم حتّى لا يُقْسَم ميراث، ولا يُفْرَحَ
_________________
(١) بنو الأصفر: هم الروم. انظر: "فتح الباري" (٦/ ٦٧٨).
(٢) إلخاية)، أي: راية. وسميت بذلك لأنّها غاية المتبع إذا وقفت وقف. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٣/ ٤٠٤)، و"فتح الباري" (٦/ ٦٧٨).
(٣) رواه البخاريّ، وقد سبق تخريجه (ص ٦٠).
(٤) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٦ - مع شرح النووى).
(٥) (هجيرى)؛ بكسر الهاء والجيم المشدودة مقصورة الألف؛ أي: دأبه وشأنّه وعادته وديدنه ذلك. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٥/ ٢٤٦)، و"شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٢٤).
[ ٢١٠ ]
بغنيمة. ثمّ قال بيده لهكذا، ونحاها نحو الشّام، فقال: عدوٌّ يجمعون لأهل الإِسلام، ويجمع لهم أهل الإِسلام. قلت: الروم تعني؟ قال: نعم، وتكون عند ذاكم القتال ردَّة شديدة، فيشترط المسلمون شرطة (^١) للموت لا ترجع إِلَّا غالبة، فيقتتلون حتّى يحجز بينهم اللّيل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كلّ غير غالب، وتفنى الشرطة، ثمّ يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إِلَّا غالبة، فيقتتلون، حتّى يحجز بينهم اللّيل، فيفيء هؤلاء ولهؤلاء كلّ غير غالب، ثمّ تفنى الشرطة، ثمّ يشترط المسلمون شرطة للموت لاترجع إِلَّا غالبة، فيقتتلون حتّى يمسوا، فيفيء لهؤلاء وهؤلاء كلٌّ غير غالب، وتفنى الشرطة، فإذا كان يوم الرّابع؛ نَهَدَ (^٢) إليهم بقيَّة أهل الإِسلام، فيجعل الله الدبرة (^٣) عليهم، فيقتتلون مقتلة؛ إمّا قال: لا يُرى مثلها، وإما قال: لم يُر مثلها، حتّى إن الطائر ليس بجنباتهم، فما يخلفهم حتّى يخر ميتًا، فيتعادُّ بنو الأب كانوا مئة، فلا يجدونه بقي منهم إِلَّا الرَّجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح، أو أي ميراث يقاسم؟ فبينما هم كذلك؛ إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ: إن الدَّجَّال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم، ويُقبلون، فيبعثون عشرة فوارس طليعة.
_________________
(١) (الشرطة)، بضم الشين، وهي أول طائفة من الجيش تشهد الوقعة. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٤٦٠)، و"شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٢٤).
(٢) (نهد)؛ بفتح النون والهاء، أي: نهض وتقدم. "شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٢٤).
(٣) (الدبرة): بفتح الدال والباء؛ أي: جعل الله الهزيمة عليهم. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٩٨) لابن الأثير.
[ ٢١١ ]
قال رسول الله - ﷺ -: "إنِّي لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ، أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ" (^١).
وهذا القتال يقع في الشّام في آخر الزّمان، قبل ظهور الدجال، كما دلَّت على ذلك الأحاديث، ويكون انتصار المسلمين على الروم تهيئة لفتح القسطنطينية، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم السّاعة حتّى ينزل الروم بالأعماق (^٢) أو بدابق (^٣)، فيخرج إليهم جيشٌ من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافُّوا؛ قالت الروم: خلوا بيننا وبين الّذي سبوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا والله لا نخلِّي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويُقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، وبفتح الثلث لا يفتنون أبدًا، فيفتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشّام؛ خرج، فبينما هم يعدون
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٤ - ٢٥ - مع شرح النووي).
(٢) (الأعماق): قال ياقوت الحموي: "هي كورة قرب دابق، بين حلب وأنطاكية، وهما في الشّام". "معجم البلدان" (١/ ٢٢٢).
(٣) (دابق): بكسر الباء وروي بفتحها وآخره قاف: قرية قرب حلب، من أعمال عزاز، بينها وبين حلب أربعة فراسخ. "معجم البلدان" (٢/ ٤١٦).
[ ٢١٢ ]
للقتال، يسوُّون الصفوف، إذ أُقيمت الصّلاة، فينزل عيسى بن مريم - ﷺ - (^١).
وعن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن فسطاط (^٢) المسلمين يوم الملحمة في أرضٍ بالغوطة (^٣)، في مدينة يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشّام" (^٤).
قال ابن المنير (^٥): "أمّا قصة الروم؛ فلم تجتمع إلى الآن، ولا بلغنا أنّهم غزوا في البرّ في لهذا العدد، فهي من الأمور الّتي لم تقع بعد، وفيه بشارة ونذارة، وذلك أنّه دلَّ على أن العاقبة للمؤمنين، مع كثرة ذلك
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢١ - ٢٢ - مع شرح النووي).
(٢) (الفسطاط): بضم الفاء وكسرها: المدينة الّتي فيها مجتمع النَّاس، وكل مدينة فسطاط. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٣/ ٤٤٥).
(٣) (الغوطة)؛ بضم الغين ثمّ واو ساكنة وطاء مهملة: من الغائط، وهو المطمئن من الأرض، وهي موضع بالشام تحيط بها جبال عالية وبها أنّهار وأشجار متصلة، وفيها تقع مدينة دمشق. انظر: "معجم البلدان" (٤/ ٢١٩).
(٤) "سنن أبي داود"، كتاب الملاحم، باب في المعقل من الملاحم، (١١/ ٤٠٦ - مع عون المعبود". والحديث صحيح. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٢/ ٢١٨) (ح ٢١١٢).
(٥) هو الحافظ زين الدين عبد اللطيف بن تقي الدين محمّد بن منير الحلبي ثمّ المصري، توفي سنة (٨٠٤ هـ) ﵀. انظر: "شذرات الذهب" (٧/ ٤٤).
[ ٢١٣ ]
الجيش، وفيه بشارة إلى أن عدد جيوش المسلمين سيكون أضعاف ما هو عليه" (^١).
٥٢ - فتح القسطنطينية (^٢):
ومنها فتح مدينة القسطنطينية - قبل خروج الدجَّال - على يدي المسلمين، والذي تدلُّ عليه الأحاديث أن لهذا الفتح يكون بعد قتال الروم في الملحمة الكبرى، وانتصار المسلمين عليهم، فعندئذ يتوجَّهون إلى مدينة القسطنطينية، فيفتحها الله للمسلمين بدون قتال، وسلاحهم التكبير والتهليل.
ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال: "سمعتُم بمدينة جانبٌ منها في البرّ وجانبٌ منها في البحر؟ ". قالوا: نعم يا رسول الله. قال:. "لا تقوم السّاعة حتّى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا، فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم؛ قالوا: لا إله إِلَّا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها- قال ثور (^٣) (أحد رواة
_________________
(١) "فتح الباري" (٦/ ٢٧٨).
(٢) مدينة الروم، ويقال لها قسطنطينية، وهي معروفة الآن بـ (اسطنبول) أو (استنبول)، من مدن تركيا، وكانت تعرف قديمًا باسم (بيزنطة)، ثمّ لما ملك قسطنطين الأكبر ملك الروم بنى عليها سورًا، وسماها قسطنطينية، وجعلها عاصمة ملكه، ولها خليج من جهة البحر يطيف بها من وجهين ممّا يلي الشرق والشمال، وجانباها الغربي والجنوبي في البرّ. انظر: "معجم البلدان" (٤/ ٣٤٧ - ٣٤٨) لياقوت الحموي.
(٣) هو ثور بن زيد الديلي مولاهم المدني، الثقة، توفي سنة (١٣٥ هـ) ﵀. انظر: "صحيح مسلم" (١٨/ ٤٣ - نووي)، و"تهذيب التهذيب" (٢/ ٣١ - ٣٢).
[ ٢١٤ ]
الحديث): لا أعلمه إِلَّا قال:- الّذي في البحر، ثمّ يقولوا الثّانية: لا إله إِلَّا الله والله أكبر؛ فيسقط جانبها الآخر، ثمّ يقولوا: لا إله إِلَّا الله والله أكبرة فيفرج لهم، فيدخلوها، فيغنموا، فبينما هم يقتسمون الغنائم، إذ جاءهم الصريخ، فقال: إن الدَّجَّال قد خرج، فيتركون كلّ شيء ويرجعون" (^١).
وقد أشكل قوله في هذا الحديث: "يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق"، والروم من بني إسحاق؛ لأنّهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵉ (^٢)، فكيف يكون فتح القسطنطينية على أيديهم؟!
قال القاضي عياض: "كذا هو في جميع أصول"صحيح مسلم": من بني إسحاق".
ثمّ قال: "قال بعضهم: المعروف المحفوظ: "من بني إسماعيل"، وهو الّذي يدلُّ عليه الحديث وسياقه؛ لأنّه إنّما أراد العرب" (^٣).
وذهب الحافظ ابن كثير إلى أن هذا الحديث "يدلُّ على أن الروم يسلِمون في آخر الزّمان، ولعلَّ فتح القسطنطينية يكون على أيدي طائفة منهم؛ كما نطق به الحديث المتقدَّم؛ أنّه يغزوها سبعون ألفًا من بني
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٤٣ - ٤٤ - مع شرح النووي).
(٢) انظز: "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ٥٨)، تحقيق د. طه زيني.
(٣) "شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٤٣ - ٤٤).
[ ٢١٥ ]
إسحاق".
واستشهد على ذلك بأنّهم مدحوا في حديث المستورد القرشي، فقد قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "تقوم السّاعة والروم أكثر النَّاس". فقال له عمرو بن العاص: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعتُ من رسول الله - ﷺ -. قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالًا أربع: إنهم لأحلم النَّاس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأَوشَكَهُم كرَّة بعد فرَّة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة، وأمنعهم من ظلم الملوك (^١).
قلتُ: ويدلُّ أيضًا على أن الروم يسلمون في آخر الزّمان حديث أبي هريرة السابق في قتال الروم، وفيه أن الروم يقولون للمسلمين: "خلُّوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلِّي بينكم وبين إخواننا" (^٢)، فالروم يطلبون من المسلمين أن يتركوهم يقاتلون من سُبي منهم؛ لأنّهم أسلموا، فيرفض المسلمون ذلك، ويبيِّنون للروم أن من أسلم منهم فهو من إخواننا، لا نسلمه لأحد، وكون غالب جيش المسلمين ممَّن سبي من الكفار ليس بمستغرب.
قال النووي: "وهذا موجودٌ في زماننا، بل معظم عساكر الإِسلام في بلاِد الشّام ومصر سُبوا ثمّ هم اليوم بحمد الله يَسبُون الكفار، وقد سَبَوهم في زماننا مرارًا كثيرة، يسبون في المرة الواحدة من الكفار ألوفًا، ولله الحمد
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٢ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم" (١٨/ ٢١ - مع شرح النووي).
[ ٢١٦ ]
على إظهار الإِسلام وإعزازه" (^١).
ويؤِّيد كون هذا الجيش الّذي يفتح القسطنطينية من بني إسحاق أن جيش الروم يبلغ عددهم قريبًا من ألف ألف، فيقتل بعضهم، ويسلم بعضهم، ويكون مَنْ أسلم مع جيش المسلمين الّذي يفتح القسطنطينية، والله أعلم.
وفتح القسطنطينية بدون قتال لم يقع إلى الآن، وقد روى التّرمذيّ عن أنس بن مالك أنّه قال: "فتح القسطنطينية مع قيام السّاعة".
ثمّ قال التّرمذيّ: "قال محمود - أي: ابن غيلان شيخ التّرمذيّ -: لهذا حديثٌ غريبٌ، والقسطنطينية هي مدينة الروم، تُفتَح عند خروج الدَّجَّال، والقسطنطينية قد فُتِحت في زمان بعض أصحاب النّبيّ - ﷺ -" (^٢).
والصّحيح أن القسطنطينية لم تفْتَح في عصر الصّحابة؛ فإن معاوية ﵁ بعث إليها ابنه يزيد في جيش فيهم أبو أيوب الأنصاري، ولم يتمَّ لهم فتحُها، ثمّ حاصرها مسلمةُ بن عبد الملك، ولم تُفْتَح أيضًا، ولكنَّه صالح أهلها على بناء مسجد بها (^٣).
وفتح الترك أيضًا للقسطنطينية كان بقتال، ثمّ هي الآن تحت أيدي الكفار، وستفتح فتحًا أخيرًا كما أخبر بذلك الصادق المصدوق - ﷺ -.
قال أحمد شاكر: "فتح القسطنطينية المبشَّر به في الحديث سيكون
_________________
(١) "شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٢١).
(٢) "جامع التّرمذيّ"، باب ما جاء في علامات خروج الدجال، (٦/ ٤٩٨).
(٣) انظر: "النهاية في الفتن والملاحم" (١/ ٦٢)، تحقيق د. طه زيني.
[ ٢١٧ ]
في مستقبل قريبٍ أو بعيدٍ يعلمه الله -﷿-، وهو الفتح الصّحيح لها حين يعود المسلمون إلى دينهم الّذي أعرضوا عنه، وأمّا فتح الترك الّذي كان قبل عصرنا هذا؛ فإنّه كان تمهيدًا للفتح الأعظم، ثمّ هي قد خرجت بعد ذلك من أيدي المسلمين، منذ أعلنت حكومتهم هناك أنّها حكومة غير إسلامية وغير دينية، وعاهدت الكفار أعداء الإِسلام، وحكمت أمتها بأحكام القوانين الوثنية الكافرة، وسيعود الفتح الإِسلامي لها إن شاء الله كما بشَّر به رسول الله - ﷺ -" (^١).
٥٣ - خروج القحطاني:
في آخر الزّمان يخرج رجلٌ من قحطان، تدين له النَّاس بالطاعة، وتجتمع عليه، وذلك عند تغيُّر الزّمان، ولهذا ذكره الإِمام البخاريّ في باب تغير الزّمان.
روى الإِمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم السّاعة حتّى يخرج رجلٌ من قحطان يسوق النَّاس بعصاه" (^٢).
قال القرطبي. "قوله: "يسوق النَّاس بعصاه" كنايةٌ عن استقامة
_________________
(١) حاشية "عمدة التفسير عن ابن كثير" (٢/ ٢٥٦)، اختصار وتحقيق الشّيخ أحمد شاكر.
(٢) "مسند أحمد" (١٨/ ١٠٣) (ح ٩٣٩٥)، شرح احمد شاكر، أتمه وأكمله د. الحسيني عبد المجيد هاشم. و"صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب تغير الزّمان حتّى تُعْبَد الأوثان، (١٣/ ٧٦ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم" كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٦ - مع شرح النووي).
[ ٢١٨ ]
النَّاس، وانعقادهم إليه، واتفاقهم عليه، ولم يُرِد نفس العصا، وإنّما ضرب بها مثلًا لطاعتهم له، واستيلائه عليهم؛ إِلَّا أن في ذكرها دليلًا على خشونته عليهم، وعنفه بهم" (^١).
قلت: نعم؛ سوقه النَّاس بعصاه كنايةٌ عن طاعة النَّاس له، ورضوخهم لأمره؛ إِلَّا أن ما أشار إليه القرطبي من خشونته عليهم ليس بالنسبة للجميع؛ كما يظهر من كلامه، بل إنّما يقسو على أهل المعصية منهم، فهو رجلٌ صالحٌ، يحكم بالعدل، ويؤيد ذلك ما نقله ابن حجر عن نُعيم بن حماد (^٢) أنّه روى من وجه قوي عن عبد الله بن عمرو أنّه ذكر الخلفاء، ثمّ قال: "ورجلٌ من قحطان".
وأيضًا ما أخرجه بسند جيِّد عن ابن عبّاس أنّه قال فيه: "ورجلٌ من قحطان، كلهم صالح" (^٣).
_________________
(١) "التذكرة" (ص ٦٣٥).
(٢) نعيم بن حماد الخزاعي، من الحفاظ الكبار، روى عنه البخاريّ مقرونًا، وروى له مسلم في المقدِّمة، وأصحاب السنن إِلَّا النسائي، وثقه الإِمام أحمد، ويحيى بن معين، والعجلي، وقال أبو حاتم: "صدوق"، وضعفه النسائي، وقال الذهبي: "أحد الأئمة الأعلام على لين في حديثه"، وقال ابن حجر: "صدوق يخطىء كثيرا"، ونقل الذهبي عن نعيم أنّه قال: "كنت جهميًّا، فلذلك عرفت كلامهم فلما طلبت الحديث علمتُ أن مآلهم إلى التعطيل"، توفي سنة (٢٢٨ هـ) ﵀. انظر: "تذكرة الحفاظ" (٢/ ٤١٨ - ٤٢٠)، و"ميزان الاعتدال" (٤/ ٢٦٧ - ٢٧٠)، و"تهذيب التهذيب" (١٠/ ٤٥٨ - ٤٦٣)، و"تقريب التهذيب" (٢/ ٣٠٥)، و"هدي الساري مقدمة فتح الباري" (ص ٤٤٧)، و"خلاصة تذهيب تهذيب الكمال" (ص ٤٠٣).
(٣) "فتح الباري" (٦/ ٥٣٥).
[ ٢١٩ ]
ولما حدَّث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ بأنّه سيكون ملك من قحطان؛ غضب معاوية ﵁، فقام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: أمّا بعد؛ فإنّه بلغني أن رجالًا منكم يتحدَّثون بأحاديث ليست في كتاب الله، ولا تُؤثَرُ عن رسول الله - ﷺ -، فأولئك جهالكم، فإياكم والأماني الّتي تُضِلُّ أهلها؛ فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن لهذا الأمر في قريش، لا يعاديهِم أحدٌ؛ إِلَّا كبَّه الله على وجهه؛ ما أقاموا الدين". رواه البخاريّ (^١).
وإنّما أنكر معاوية خشية أن يظنَّ أحدٌ أن الخلافة تجوز في غير قريش، مع أن معاوية ﵁ لم ينكر خروج القحطاني؛ فإن في حديث معاوية قوله: "ما أقاموا الدين"، فإذا لم يُقيموا الدين؛ خرج الأمر من أيديهم، وقد حصل هذا؛ فإن النَّاس لم يزالوا في طاعة قريش إلى أن ضعف تمسُّكُهم بالدين، فضعف أمرهم، وتلاشى، وانتقل الملك إلى غيرهم (^٢).
ولهذا القحطاني ليس هو الجهجاه (^٣)؛ فإن القحطاني من الأحرار؛ لأنّه نسبه إلى قحطان الّذي تنتهي أنساب أهل اليمن من حمير وكندة وهمدان وغيرهم إليه (^٤)، وأمّا الجهجاه؛ فهو من الموالي.
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب المناقب، باب مناقب قريش، (٦/ ٥٣٢ - ٥٣٣).
(٢) انظر: "فتح الباري" (١٣/ ١١٥).
(٣) خلافًا للقرطبي، فإنّه قال في "التذكرة" (ص ٦٣٦): "ولعلّ هذا الرَّجل القحطاني هو الرَّجل الّذي يقال له الجهجاه".
(٤) انظر: "فتح الباري" (٦/ ٥٤٥ و١٣/ ٧٨).
[ ٢٢٠ ]
ويؤِّيد ذلك ما رواه الإِمام أحمد عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يذهب اللّيل والنهار حتّى يملك رجلٌ من الموالي؛ يقال له: جهجاه" (^١).
٥٤ - قتال اليهود:
ومنها قتال المسلمين لليهود في آخر الزّمان، وذلك أن اليهود يكونون من جند الدَّجَّال، فيقاتلهم المسلمون الذين هم جند عيسى -﵇-، حتّى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهوديّ ورائي، تعال فاقتله.
وقد قاتَل المسلمون اليهودَ من زمن النّبيّ - ﷺ -، وانتصروا عليهم، وأجلوهُم من جزيرة العرب؛ أمتثالًا لقول النّبيّ - ﷺ -:"الأخْرِجَنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتّى لا أدع إِلَّا مسلمًا" (^٢).
ولكن لهذا القتال ليس هو القتال الّذي هو من أشرأط السّاعة، وجاءت به الأحاديث الصحيحة؛ فإن النّبيّ - ﷺ - أخبر أن المسلمين سيقاتلونهم إذا خرج الدَّجَّال، ونزل عيسى -﵇-.
روى الإِمام أحمد عن سَمُرة بن جُنْدَب ﵁ حديثًا طويلًا في خطبة النّبيّ - ﷺ - يوم كسفت الشّمس (وفيه أنّه ذكر الدَّجَّال، قال):
_________________
(١) "مسند أحمد" (١٦/ ١٥٦) (ح ٨٣٤٦)، شرح وتعليق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح، والحديث في صحيح مسلم" (١٨/ ٣٦) بدون لفظة: "من الموالي".
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الجهاد والسير، باب إجلاء اليهود من الحجاز، (١٢/ ٩٢ - مع شرح النووي).
[ ٢٢١ ]
"وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس، فيزلزلون زلزالًا شديدًا، ثمّ يهلكه الله ﵎ وجنوده حتّى أن جذم الحائط - أو قال: أصل الحائط، وقال حسن الأشيب (^١): وأصل الشجرة - لينادي - أو قال: يقول - يا مؤمن! - أو قال: يا مسلم- لهذا يهوديٌّ - أو قال: هذا كافرٌ - تعال فاقتله".
قال: "ولن يكون ذلك كذلك حتّى تروا أمورًا يتفاقم شأنها في أنفسكم، وتسألون بينكم: هل كان نبيُّكم ذكر لكم منها ذكرًا؟ " (^٢).
وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله - ﷺ -؛ قال: "لا تقوم السّاعة حتّى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتّى يختبىء اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهوديٌّ خلفي، فتعال، فاقتله؛ إِلَّا الغرقد (^٣)؛ فإنّه من شجر اليهود" (^٤).
وهذا لفظ مسلم.
_________________
(١) هو أبو علي الحسن بن موسى الأشيب البغدادي الثقة، قاضي طبرستان والموصل وحمص، روى عنه الإِمام أحمد، وتوفي سنة ثمان أو تسع أو عشر ومئتين ﵀. انظر: "تهذيب التهذيب" (٢/ ٣٢٣).
(٢) "مسند الإِمام أحمد" (٥/ ١٦ - بهامشه منتخب كنزل العمال). قال ابن حجر: "إسناده حسن". "فتح الباري" (٦/ ٦١٠).
(٣) (الغرقد)؛ قال النووي: "نوع من شجر الشوك، معروف ببلاد المقدس، وهناك يكون قتل الدجال واليهود". "شرح مسلم" (١٨/ ٤٥).
(٤) "صحيح البخاريّ"، كتاب الجهاد، باب قتال اليهود، (٦/ ١٠٣ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة (١٨/ ٤٤ - ٤٥ - مع شرح النووي).
[ ٢٢٢ ]
والذي يظهر من سياق الأحاديث أن كلام الحجر والشجر ونحوه حقيقة، وذلك لأنّ حدوث تكلُّم الجمادات ثابتٌ في غير أحاديث قتال اليهود، وقد سبق أن أفردتُ لهذا مبحثًا خاصًّا به؛ لأنّه من علامات السّاعة.
وإذا كانت الجمادات تتكلَّم في ذلك الوقت؛ فلا داعي لحمل كلام الشجر والحجر على المجاز؛ كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء (^١)؛ فإنّه ليس هناك دليلِّ يوجِبُ حمل اللّفظ على خلاف حقيقته، ونطق الجماد قد ورد في آياتٍ من القرآن:
منها قوله تعالى: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١].
وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراءِ: ٤٤].
وجاء في الحديث عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: خطبنا رسول الله - ﷺ -، فكان أكثر خطبته عن الدجَّال، وحذَّرَناه، فذكر خروجه، ثمّ نزول عيسى -﵇- لقتله، وفيه: "قال عيسى -﵇-: افتحوا الباب، فيُفْتَحُ، ووراءه الدجَّال، معه سبعون ألف يهوديٍّ؛ كلهم ذو سيف محلًّى وساجٍ (^٢)، فإذا نظر إليه الدجَّال، ذاب كما يذوب الملح في الماء،
_________________
(١) انظر: "هداية الباري إلى ترتيب صحيح البخاريّ" (١/ ٣١٧)، و"العقائد الإِسلامية" لسيد سابق، (ص ٥٤)، واختار ابن حجر أن نطق الجمادات من شجر وحجر حقيقة. انظر: "فتح الباري" (٦/ ٦١٠).
(٢) (الساج). حر الطيلسات الضخم الغليظ، وقيل: الطيلسان المقور، وقيل: =
[ ٢٢٣ ]
وينطلق هاربًا، ويقول عيسى -﵇-: إن لي فيك ضربةً لن تسبِقَني بها، فيذكره عند باب اللدِّ الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيءٌ ممَّا خَلَق الله يتوارى به يهوديٌّ إِلَّا أنطق الله ذلك الشيء؛ لا حجر، ولا شجر، ولا حائط، ولا دابَّة؛ إِلَّا الغرقدة؛ فإنها من شجرهم لا تنطق" (^١).
فالحديث فيه التصريح بنطق الجمادات.
وأيضًا؛ فإن استثناء شجر الغرقد من الجمادات بكونها لا تخبر عن اليهود؛ لأنّها من شجرهم، يدلُّ على أنّه نطقٌ حقيقيٌّ، ولو كان المراد بنطق الجمادات المجاز؛ لما كان لهذا الاستثناء معنى.
ولو حملنا كلام الجمادات على المجاز؛ لم يكن ذلك بالأمر الخارق في قتال اليهود في آخر الزّمان، وكانت هزيمتهم أمام المسلمين كهزيمة غيرهم من الكفار الذين قاتلهم المسلمون وظهروا عليهم، ولم يردّ في قتالهم مثل ما ورد في قتال اليهود من الدلالة على المختبىء (^٢) بنطق الجمادات، فإذا لاحظنا أن الحديث في أمر مستغرب يكون آخر الزّمان هو من علامات السّاعة؛ دلَّ ذلك على أن النُّطق في قتال اليهود حقيقيٌّ، وليس
_________________
(١) = الطيلسان الأخضر. انظر: "لسان العرب" (٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣).
(٢) "سنن ابن ماجه" (٢/ ١٣٥٩ - ١٣٦٣) (ح٤٠٧٧). قال ابن حجر: "أخرجه ابن ماجه مطولًا، وأصله عند أبي داود، ونحوه في حديث سمرة عند أحمد بإسناد حسن، وأخرجه أبن منده في كتاب الإِيمان من حديث حذيفة بإسناد صحيح". "فتح الباري" (٦/ ٦١٠).
(٣) انظر: "إتحاف الجماعة" (١/ ٣٣٧ - ٣٣٨)
[ ٢٢٤ ]
مجازًا عن انكشافهم أمام المسلمين، وعدم قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم؛ كما قيل، والله أعلم.
٥٥ - نفي المدينة لشرارها ثمّ خرابها آخر الزّمان:
حثَّ النّبيّ - ﷺ - على سكنى المدينة، ورغَّب في ذلك، وأخبر أنّه لا يخرج أحدٌ منها رغبةً عنها إِلَّا أخلف الله فيها مَنْ هو خيرٌ منه.
وأخبر أن من علامات السّاعة نفي المدينة لخبثها، وهم شرار النَّاس؛ كما ينفي الكير خبث الحديد.
روى الإِمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "يأتي على النَّاس زمانٌ يدعو الرَّجل ابن عمه وقريبه هلمَّ إلى الرخاء، هلمَّ إلى الرخاء، والمدينة خيرٌ لهم لو كانو يعلمون، والذي نفسي بيده؛ لا يخرج منهم أحدٌ رغبةً عنها؛ إِلَّا أخلف الله فيها خيرًا منه، ألَّا إن المدينة كالكير يخرج الخبيث، لا تقوم السّاعة حتّى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد" (^١).
وقد حمل القاضي عياضٌ نفي المدينة لخبثها على زمن النّبيّ - ﷺ -؛ لأنّه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام في المدينة إِلَّا مَنْ كان ثابت الإِيمان، وأمّا المنافقون وجهَلَة الإعراب؛ فلا يصبرون على شدَّة المدينة ولأوائها، ولا يحتسبون من الأجر في ذلك.
وحمله النووي على زمن الدَّجَّال، واستبعد ما اختاره القاضي
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الحجِّ، باب المدينة تنفي خبثها وتسمى طابة وطيبة، (٩/ ١٥٣ - مع شرح النووي).
[ ٢٢٥ ]
عياض، وذكر أنّه يحتمل أن يكون ذلك في أزمان متفرِّقة (^١).
وذكر الحافظ ابن حجر أنّه يحتمل أن يكون المراد كلًّا من الزمنين:
زمن النّبيّ - ﷺ -؛ بدليل قصة الأعرابي؛ كما في البخاريّ عن جابر ﵁: جاء أعرابيٌّ إلى النّبيّ - ﷺ -، فبايعه على الإِسلام، فجاء من الغد محمومًا، فقال: أقِلْني. فأبى؛ ثلاث مرار. فقال: "المدينة كالكير، تنفي خَبَثَها، وينصح طيبُها" (^٢).
والزمن الثّاني زمن الدجَّال؛ كما في حديث أنس بن مالك ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - أنّه ذكر الدَّجَّال، ثمّ قال: "ثمّ ترجف المدينة بأهلها ثلاث رَجَفات، فيُخْرِجُ الله إليه كلّ كافر ومنافق".
رواه البخاريّ (^٣).
وأمّا ما بين ذلك من الأزمان؛ فلا؛ فإن كثيرًا من فضلاء الصّحابة قد خرجوا بعد النّبيّ - ﷺ - من المدينة؛ كمعاذ بن جبل، وأبي عبيدة، وابن مسعود، وطائفة، ثمّ خرج عليٌّ، وطلحة، والزُّبير، وعمار، وغيرهم، وهم من أطيب الخلق، فدلَّ على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس، ووقت دون وقت؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى
_________________
(١) انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (٩/ ١٥٤).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب فضائل المدينة، باب المدينة تنفي الخبث، (٤/ ٩٦ - مع الفتح).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب فضائل المدينة، باب لا يدخل الدجال المدينة، (٤/ ٩٥ - مع الفتح).
[ ٢٢٦ ]
النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]، والمنافق خبيث بلا شك (^١).
وأمّا خروج النَّاس بالكلية من المدينة؛ فذلك في آخر الزّمان، قرب قيام السّاعة، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "تتركُونَ المدينة على خيرِ ما كانت، لا يغشاها إِلَّا العوافي - يريد عوافي السِّباع والطير - وآخر مَنْ يُحْشَر راعيان من مُزينة، يُريدان المدينة، ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشًا، حتّى إذا بلغا ثنيَّة الوداع؛ خرَّا على وجوههما" (^٢).
رواه البخاريّ.
وروى الإِمام مالكٌ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لتترُكُنَّ المدينة على أحسن ما كانت، حتّى يدخل الكلب أو الذئب، فيغذى (^٣) على بعض سواري المسجد، أو على المنبر". فقالوا: يا رسول الله! فلِمَن تكون الثمار ذلك الزّمان؟ قال: "للعوافي: الطير والسباع" (^٤).
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (٤/ ٨٨).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب فضائل المدينة، باب مَنْ رغب عن المدينة، (٥/ ٨٩ - ٩٠ - مع الفتح).
(٣) (يغذى)؛ أي: يبول عليها. يقال: غذي ببوله إذا ألقاه دفعة دفعة. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٣/ ٣٤٧).
(٤) "الموطَّأ" (٢/ ٨٨٨) للإِمام مالك، تصحيح وتخريج محمّد فؤاد عبد الباقي، ط. عيسى البابي الحلبي، دار إحياء الكتب العربيّة. والحديث استشهد به الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٤/ ٩٠)، وقال: "رواه جماعة من الثقات خارج الموطَّأ".
[ ٢٢٧ ]
قال ابن كثير: "والمقصود أن المدينة تكون باقيةً عامرةً أيّام الدجَّال، ثمّ تكون كذلك في زمان عيسى بن مريم رسول الله ﵊، حتّى تكون وفاته بها، ودفنه بها، ثمّ تخرب بعد ذلك" (^١).
ثمّ ذكر حديث جابر ﵁؛ قال: أخبرني عمر بن الخطّاب؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "ليسيرنَّ الراكِبُ بجَنَبات المدينة، ثمّ ليقولنَّ: لقد كان في هذا حاضرٌ من المسلمين كثيرٌ".
رواه الإِمام أحمد (^٢).
وقال الحافظ ابن حجر: "روى عمر بن شبَّة بإسناد صحيح عن عوف بن مالك؛ قال: دخل رسول الله - ﷺ - المسجد، ثمّ نظر إلينا، فقال: (أمّا واللهِ لَيَدَعَنَّها أهلُها مذلَّلة أربعين عامًا للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع) ".
ثمّ قال ابن حجر: "ولهذا لم يقطع قطعًا" (^٣).
فدلَّ هذا على أن خروج النَّاس من المدينة بالكلِّيَّة يكون في آخر الزّمان، بعد خروج الدَّجَّال، ونزول عيسى بن مريم -﵇-، ويحتمل أن يكون ذلك عند خروج النّار الّتي تَحْشرُ النَّاس، وهي آخر أشراط السّاعة، وأول العلّامات الدالَّة على قيام السّاعة، فليس بعدها إِلَّا السّاعة.
_________________
(١) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٥٨)، تحقيق د. طه الزيني.
(٢) "مسند الإِمام أحمد" (١/ ١٢٤) (ح ١٢٤) شرح وتعليق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح".
(٣) "فتح البارىِ" (٤/ ٩٠).
[ ٢٢٨ ]
ويؤِّيد ذلك كون آخر مَنْ يُحْشَر يكون منها؛ كما في حديث أبي هريرة ﵁: "وآخر مَنْ يُحْشَر راعيان من مزينة، يريدان المدينة، يَنْعِقان بغنمهما، فيجدأنّها وحشا" (^١)؛ أي: خالية من النَّاس، أو أن الوحوش قد سكنتها، والله أعلم.
٥٦ - بعث الريح الطِّيبة لقبض أرواح المؤمنين:
ومنها هبوب الريح الطيبة لقبض أرواح المؤمنين، فلا يبقى على ظهر الأرض مَنْ يقول: الله، الله. ويبقى شرار النَّاس، وعليهم تقوم السّاعة.
وقل! جاء في صفة هم هذه الريح أنّها أبين من الحرير، ولعلّ ذلك من إكرام الله لعباده المؤمنين في ذلك الزّمان المليء بالفتن والشرور.
جاء في حديث النوَّاس بن سمعان الطويل في قصة الدَّجَّال ونزول عيسى -﵇- وخروج يأجوج ومأجوج: "إذ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كلّ مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار النَّاس؛ يتهارجون فيها تهارُجَ الحُمُر، فعليهم تقوم السّاعة" (^٢).
وروى مسلمٌ عن عبيد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يخرج الدَّجَّال (فذكر الحديث، وفيه:) فيبعث الله عيسى بن مريم كأنّه عروة بن مسعود، فيطلبه، فيُهْلِكُهُ، ثمّ يمكث النَّاس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثمّ يرسل الله ريحًا باردة مِن قِبَل الشّام،
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب فضائل المدينة، باب من رغب عن المدينة، (٤/ ٨٩ - ٩٠ - مع الفتح).
(٢) "صحيح مسلم"، بال ذكر الدجال، (١٨/ ٧٠ - مع شرح النووي).
[ ٢٢٩ ]
فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرَّة من خير أو إيمان إِلَّا قبضته، حتّى لو أن أحدَكُم دخل في كبدِ جبل لدَخَلَتْهُ عليه حتّى تقبضه" (^١).
فقد دلَّت الأحاديث أن ظهور هذه الريح يكون بعد نزول عيسى ﵇، وقتله الدَّجَّال، وهلاك يأجوج ومأجوج.
وأيضًا، فإن ظهورها يكون بعد طلوع الشّمس من مغربها، وبعد ظهور الدَّابَّة، وسائر الآيات العظام (^٢).
وعلى هذا؛ فظهورها قريبٌ جدًّا من قيام السّاعة.
ولا يتعارض أحاديث ظهور لهذه الريح مع حديث: "لا تزال طائفة من أمَّتي؛ يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة" (^٣)، وفي رواية: "ظاهرين على الحق، لا يضرُّهم مَنْ خذلهم، حتّى يأتي أمر الله وهم كذلك" (^٤)؛فإن المعنى أنّهم لا يزالون على الحق حتّى تقبضهم هذه الريح اللَّيِّنَة قرب القيامة، ويكون المراد بـ (أمر الله) هو هبوب تلك الريح (^٥).
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٧٥ - ٧٦ - مع شرح النووي).
(٢) انظر: "فيض القدير" (٦/ ٤١٧).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا، (٢/ ١٩٣ - مع شرح النووي).
(٤) "صحيح مسلم"، كتاب الإِمارة، باب قوله - ﷺ -: "لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرين"، (١٣/ ٦٥ - مع شرح النووي).
(٥) انظر: "شرح النووي لمسلم" (٢/ ١٣٢)، و"فتح الباري" (١٣/ ١٩ و٨٥).
[ ٢٣٠ ]
وجاء في حديث عبد ألله بن عمرو أن ظهور هذه الريح يكون من الشّام كما سبق.
وجاء في حديث آخر عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الله يبعث ريحًا من اليمن، أبين من الحرير، فلا تدعُ أحدًا في قلبه مثقال ذرَّةٍ من إيمانٍ؛ إِلَّا قبضته" (^١).
ويُجاب عن هذا بوجهين:
١ - يحتمل أنّهما ريحان: شامية، ويمانية.
٢ - ويحتمل أن مبدأها من أحد الإِقليمين، ثمّ تصل الآخر، وتنتشر عنده.
والله أعلم (^٢).
٥٧ - استحلال البيت الحرام، وهدم الكعبة:
لا يستحلُّ البيتَ الحرام إِلَّا أهلُه، وأهلُه هم المسلمون (^٣)، فإذا استحلُّوه؛ فإنّه يصيبهم الهلاك، ثمّ يخرج رجلٌ من أهل الحبشة؛ يقال له: ذو السويقتين، فيُخْرِبُ الكعبة، وينقضُها حجرًا حجرًا، ويسلبها حليتها، ويجرِّدها من كسوتها، وذلك في آخر الزّمان، حين لا يبقى في الأرض أحدٌ
_________________
(١) "صحيح مسلم"، باب في الريح الّتي تكون قرب القيامة، (٢/ ١٣٢ - مع شرح النووي).
(٢) "شرح النووي لمسلم" (٢/ ١٣٢)، وانظر "أشراط السّاعة وأسرارها" (ص ٨٨ - ٨٩) للشيخ محمّد سلامة جبر، طبع مطبعة التقدم، عام (١٤٠١ ه)، القاهرة.
(٣) انظر: "فتح الباري" (٣/ ٤٦٢).
[ ٢٣١ ]
يقول: الله، الله، ولذلك لا يُعَمَّرُ البيتُ بعد هدمه أبدًا؛ كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة.
روى الإِمام أحمد بسنده عن سعيد بن سمعان؛ قال: سمعتُ أبا هريرة يخبر أبا قَتادة أن رسول الله - ﷺ - قال: "يبايَع لرجل ما بين الركن والمقام، ولن يستحلَّ البيتَ إِلَّا أهله، فإذا استحلُّوه؛ فلا يُسأل عن هلكة العرب، ثمّ تأتي الحبشة، فيخربونه خرابًا لا يعمَّرُ بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزه" (^١).
وعن عبد الله بن عمر؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "يُخْرِبُ الكعبَةَ ذو السويقتين (^٢) من الحبشة، ويسلبها حليتها، ويجرِّدها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه: أُصيلع (^٣)، أُفيدع (^٤)، يضرب عليها بمسحاته
_________________
(١) "مسند الإِمام أحمد" (١٥/ ٣٥)، شرح وتعليق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح". وقال ابن كثير: "لهذا إسناد جيد قوي". انظر: "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٥٦)، تحقيق د. طه زيني. وقال الألباني: "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجل الصحيحين؛ غير سعيد بن سمعان، وهو ثقة". انظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (م ٢/ ١٢٠) (ح ٥٧٩).
(٢) (السويقتين): السويقة: تصغير الساق، وهي مؤنثة، فلذلك ظهرت التاء في تصغيرها، وإنّما صغر الساق؛ لأنّ الغالب على سوق الحبشة الدقة والحموشة. "النهاية في غريب الحديث والأثر" (٢/ ٤٢٣).
(٣) (أصيلع): تصغير أصلع، وهو الّذي انحسر الشعر عن رأسه. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٣/ ٤٧).
(٤) (أفيدع): تصغير أفدع، والفدع بالتحريك زيغ بين القدم وبين عظم الساق، =
[ ٢٣٢ ]
ومعوله".
رواه أحمد (^١).
وروى الإِمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يُخْربُ الكعبة ذو السويقتين من الحبشة" (^٢).
وروى الإِمام أحمدَ والبخاري أيضًا عن ابن عبّاس ﵄ عن النّبيّ - ﷺ - قال: "كأني أنظر إليه: أسود، أفحج (^٣)، ينقضمها حجرًا حجرًا (يعني: الكعبة) " (^٤).
وروى الإِمام أحمد عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول
_________________
(١) = وكذلك يكون في اليد، وهو أن تزول المفاصل عن أماكنها. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٣/ ٤٢٠).
(٢) "مسند أحمد" (١٢/ ١٤ - ١٥) (ح ٧٠٥٣)، شرح وتعليق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح".
(٣) "مسند أحمد" (١٨/ ١٠٣) (ح ٩٣٩٤)، شرح وتعليق أحمد شاكر، أكمله د. الحسيني عبد المجيد هاشم، و"صحيح البخاريّ"، كتاب الحجِّ، باب هدم الكعبة، (٣/ ٤٦٠ - مع شرح الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٥ - مع شرح النووي).
(٤) (أفحج): في "القاموس": "فحج في مشيته؛ أي: تدانى صدور قدميه، وتباعد عقباه". وقال ابن الأثير: "الفحج: تباعد ما بين الفخذين". انظر: "ترتيب القاموس" (٣/ ٤٥١)، و"النهاية" (٣/ ٤١٥).
(٥) "مسند الإِمام أحمد" (٣/ ٣١٥ - ٣١٦) (ح ٢٠١٠) شرح أحمد شاكر، و"صحيح البخاريّ"، كتاب الحجِّ، باب هدم الكعبة، (٣/ ٤٦٠ - مع شرح النووي).
[ ٢٣٣ ]
الله - ﷺ -: "في آخر الزّمان يظهر ذو السويقتين على الكعبة - قال: حسبتُ أنّه قال:- فيهدمها" (^١).
فإن قيل: إن هذه الأحاديث تُخالف قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]، والله تعالى قد حبس عن مكّة الفيل، ولم يمكِّن أصحابه من تخريب الكعبة، ولم تكن إذ ذاك قبلة، فكيف يسلِّط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين؟!
قيل جوابًا عن ذلك: "إن خراب الكعبة يقع في آخر الزّمان، قرب قيام السّاعة، حين لا يبقى في الأرض أحدٌ يقول: الله، الله، ولهذا جاء في رواية الإِمام أحمد السابقة عن سعيد بن سمعان قوله - ﷺ -: "لا يعمر بعده أبدًا"، فهو حرمٌ آمنٌ؛ ما لم يستحلَّه أهله.
وليس في الآية ما يدلُّ على استمرار الأمن المذكور فيها.
وقد حدث القتال في مكّة مراتٍ عديدة، وأعظم ذلك ما وقع من القرامطة (^٢) في القرن الرّابع الهجري، حيث قتلوا المسلمين في المطاف،
_________________
(١) "مسند الإِمام أحمد" (١٥/ ٢٢٧) (٨٠٨٠)، شرح أحمد شاكر، قال: "إسناده صحيح".
(٢) (القرامطة): طائفة من الباطنية تنتسب لرجل اسمه حمدان قرمط، من أهل الكوفة، ولهذه الطائفة الخبيثة في تاريخها الطويل المخزي أعمال شنيعة، ومن أعظمها ما وقع منهم سنة (٣١٧ هـ)، حيث هاجموا الحجاج يوم التروية، واستباحوا أموالهم ودماءهم، فقتلوا في رحاب مكّة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة من الحجاج خلقًا كثيرًا، وهدموا قبة زمزم، وقلعوا باب الكعبة، ونزعوا كسوتها، وقلعوا الحجر الأسود، ونقلوه إلى بلادهم، ومكث عندهم اثنتان وعشرون سنة. =
[ ٢٣٤ ]
وقلعوا الحجر الأسود، وحملوه إلى بلادهم، ثمّ أعادوه بعد مدة طويلة، ومع ذلك لم يكن ما حدث معارِضًا للآية الكريمة؛ لأنّ ذلك إنّما وقع بأيدي المسلمين والمنتسبين إليهم، فهو مطابقٌ لما جاء في رواية الإِمام أحمد من أنّه لا يستحلُّ البيت الحرام إِلَّا أهله، فوقع ذلك كما أخبر النّبيّ - ﷺ -، وسيقع ذلك آخر الزّمان؛ لا يُعَمَّرُ مرّة أخرى، حين لا يبقى على ظهر الأرض مسلم" (^١).
* * * * *
_________________
(١) = انظر: "فضائح الباطنية" للغزالي (ص ١٢ - ١٣) تحقيق عبد الرّحمن بدوي، و"البداية والنهاية" (١١/ ١٦٠ - ١٦١)، ورسالة "القرامطة وآراؤهم الاعتقادية" (ص ٢٢٢ - ٢٢٣) لسليمان السلومي، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير بإشراف الشجخ محمّد الغزالي، عام (١٤٠٠ هـ).
(٢) انظر: "فتح الباري) (٣/ ٤٦١ - ٤٦٢).
[ ٢٣٥ ]