ويشتمل على المباحث التالية:
- الأول: أهمية الِإيمان باليوم الآخر وأثر ذلك على سلوك الإنسان.
- الثاني: أسماء يوم القيامة.
- الثالث: حجِّية خبر الآحاد في العقائد.
- الرابع: إخبار النبي - ﷺ - عن الغيوب المستقبلة.
- الخامس: علم الساعة.
- السادس: قرب قيام الساعة.
[ ٢٥ ]
المبحث الأوّل: أهميَّة الإِيمان باليوم الآخر وأثره على سلوك الإِنسان
الإِيمان باليوم الآخر ركنٌ من أركان الإِيمان، وعقيدةٌ من عقائد الإسلام الأساسية، فإن قضية البعث في الدَّار الآخرة هي الّتي يقوم عليها بناء العقيدة بعد قضية وحدانية الله تعالى.
والإِيمان بما في اليوم الآخر وعلاماته من الإِيمان بالغيب الّذي لا يدركه العقل، ولا سبيل لمعرفته؛ إِلَّا بالنص عن طريق الوحي.
ولأهمِّية هذا اليوم العظيم؛ نجد أن الله تعالى كثيرًا ما يربط الإِيمان به بالإِيمان باليوم الآخر؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]، وكقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (٢)﴾ [الطّلاق: ٢] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
وقلَّ أن تمرَّ على صفحة من القرآن؛ إِلَّا وتجد فيها حديثًا عن اليوم الآخر، وما فيه من ثواب وعقاب.
والحياة في التصوُّر الإِسلامي ليست هي الحياة الدُّنيا القصيرة المحدودة، وليست هي عمر الإِنسان القصير المحدود.
[ ٢٧ ]
إن الحياة في التصوُّر الإِسلامي تمتدُّ طولًا في الزّمان إلى أبد الآباد، وتمتدُّ في المكان إلى دار أخرى في جنَّة عرضها السماوات والأرض، أو نار تتَّسع لكثير من الأجيال الّتي عمَّرت وجه الأرض أحقابًا من السنين (^١):
قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ رُسُلِهِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ [ق: ٣٠].
إن الإِيمان بالله واليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب هو الموجِّه الحقيقي لسلوكِ الإِنسانِ سبيلَ الخير، وليس هناك أي قانون من قوانين البشر يستطيع أن يجعل سلوك الإِنسان سويًّا مستقيمًا كما يصنعه الإِيمان باليوم الآخر.
ولهذا؛ فإن هناك فرقًا كبيرًا وبونًا شاسعًا بين سلوك من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعلم أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الأعمال الصالحة زاد الآخرة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧]، وكما قال الصحابي الجليل عُمير بن الحمام (^٢):
_________________
(١) انظر: "اليوم الآخر في ظلال القرآن" (ص ٣ - ٤)، جمع وإعداد أحمد فائز، مطبعة خالد حسن الطرابيشي، الطبعة الأولى، (١٣٩٥هـ).
(٢) عمير بن الحمام بن الجموح بن زيد الأنصاري ﵁: استشهد يوم بدر، وهو الّذي رمى التّمرات عندما قال النّبيّ - ﷺ -: "قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض،، وقال: بخ بخ. فقال رسول الله - ﷺ -: "ما يحملك على قول: بخ بخ؟ ". قال: لا والله يا رسول الله إِلَّا رجاءة أن أكون من أهلها. قال: "فإنك من أهلها". فقال: لئن أنا =
[ ٢٨ ]
رَكْضًا إلى اللهِ بِغَيْرِ زَادِ إِلَّا التُّقَى وَعَمَلِ المَعَادِ
والصَّبْرِ في اللهِ عَلى الجِهادِ وكُلُّ زَادٍ عُرْضَةُ النَّفادِ
غَيْرَ التُّقَى والبِرِّ والرَّشَادِ (^١)
هناك فرقٌ بين سلوك مَنْ هذا حاله، وبين سلوك آخر لا يؤمن بالله، ولا باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، "فالمصدِّق بيوم الدين يعمل وهو ناظرٌ لميزان السَّماء لا لميزان الأرض، ولحساب الآخرة لا لحساب الدنيا" (^٢)، له سلوك فريدٌ في الحياة، نرى فيه الاستقامة، وسعة التصور، وقوة الإِيمان، والثبات في الشدائد، والصبر على المصائب؛ ابتغاء للأجر والثواب، فهو يعلم أن ما عند الله خيرٌ وأبقى.
روى الإمام مسلم عن صهيب ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "عجبًا لأمر المؤمّن! إن أمره كلَّه خير، وليس ذاك لأحدٍ إِلَّا للمؤمن، إن أصابته سرَّاء؛ شكَرَ؛ فكان خيرًا له، وان أصابتهُ ضرَّاء؛ صَبَرَ؛ فكان خيرًا له" (^٣).
_________________
(١) = حييت حتّى آكل تمراتي هذه؛ إنها لحياة طويلة. ثمّ رمى بها وقاتل حتّى قُتِل. انظر: "صحيح مسلم"، كتاب الأمارة، باب ثبوت الجنَّة للشهيد، (١٣/ ٤٥ - ٤٦ - مع شرح النووي)، و"تجريد أسماء الصّحابة" (١/ ٤٢٢) للإِمام الذهبي، ط. دار المعرفة- بيروت، و"فقه السيرة" (ص ٢٤٣ - ٢٤٤)، للشيخ محمّد الغزالي، تحقيق الشّيخ محمّد ناصر الدين الألباني، مطبعة حسان، الناشر دار الكتب الحديثة، الطبعة السابعة، (١٩٧٦ م).
(٢) "فقه السيرة" (ص ٢٤٤) للغزالي.
(٣) "اليوم الآخر في ظلال القرآن" (ص ٢٠).
(٤) "صحيح مسلم"، كتاب الزهد، باب في أحاديث متفرقة، (١٨/ ١٢٥ - مع شرح النووي).
[ ٢٩ ]
والمسلم لا يقتصر نفعه على البشرية، بل يمتدُّ إلى الحيوان؛ كما في القول المشهور عن عمر بن الخطَّاب ﵁: "لو عَثَرت بغلةٌ في العراق؛ لظننتُ أن الله سيسألني عنها: لِمَ لَمْ تُسَوِّ لها الطريق يا عمر" (^١).
هذا الشعور هو من آثار الإِيمان بالله واليوم الآخر، والإِحساس بثقل التَّبعة، وعظم الأمانة، الّتي تحملها الإِنسان وأشفقت منها السماوات والأرض والجبال، إذ يعلم أن كلّ كبيرة وصغيرة مسؤول عنها، ومحاسَب بها، ومجازى عليها، إن خيرًا؛ فخير، وان شرًّا؛ فشر:
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا (٣٠)﴾ [آل عمران:٣٠].
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف: ٤٩].
وأمّا الّذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء؛ فهو يحاول جاهدًا أن يحقِّق مآربه في الحياة الدُّنيا؛ لاهثًا وراء مُتَعها، متكالبًا على جمعها، منَّاعًا للخير أن يصل النَّاس عن طريقه، قد جعل الدُّنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، فهو يقيس الأمور بمنفعته الخاصة، لا يهمه غيره، ولا يلتفت إلى بني جنسه؛ إِلَّا في حدود ما يحقِّق النفع له في هذه
_________________
(١) رواه أبو نعيم بلفظ: "لو ماتت شاة على شط الفرات ضائعة؛ لظننت أن الله سائلي عنها يوم القيامة". "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (١/ ٥٣)، طبع دار الكتاب العربي.
[ ٣٠ ]
الحياة القصيرة المحدودة، يتحرَّك وحدوده هي حدود الأرض وحدود لهذا العمر، ومن ثَمَّ يتغير حسابه، وتختلف موازينه، وينتهي إلى نتائج خاطئة (^١)؛ لأنّه مستبعدٌ للبعث، ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ٥ - ٦].
هذا التصوُّر الجاهلي المحدود الضيِّق جعل أهل الجاهلية يسفكون الدماء، وينهبون الأموال، ويقطعون الطريق؛ لأنّهم لا يؤمنون بالبعث والجزاء؛ كما صوَّر الله حالهم بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ [الأنعام: ٢٩]، وكما قال قائلهم: "إنّما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع".
وتَمُرًّ القرون، ويأتي العجب، فيحدث من الإِنكار أكبر من لهذا، فنرى إنكارًا كليًّا لما وراء المادة المحسوسة؛ كما في الشيوعية الماركسية الملحدة، الّتي لا تؤمن بالله تعالى ولا باليوم الآخر، وتصف الحياة بأنّها (مادة) فقط! وليس وراء المادة المحسوسة شيء آخر؛ فإن زعيمهم (ماركس) الملحد يرى أنّه لا إلهٌ! والحياة مادَّة! ولذلك فهم كالحيوانات؛ لا يدركون معنى الحياة وما خُلِقوا له، بل هم ضائعون تائهون، إن تحقَّق لهم اجتماعٌ؛ ففي ظل الخوف من سطوة القانون.
وتجد هذا الصنف من النَّاس من أشد النَّاس حرصًا على الحياة؛ لأنّهم لا يؤمنون بالبعث بعد الموت؛ كما قال تعالى في وصف المشركين من اليهود وغيرهم: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ
_________________
(١) انظر: "اليوم الآخر في ظلال القرآن" (ص ٢٠).
[ ٣١ ]
أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [البقرة: ٩٦].
فالمشرك لا يرجو بعثًا بعد الموت، فهو يحبُّ طول الحياة، واليهوديُّ قد عرف ما له في الآخرة من الخزي، بما صنع بما عنده من العلم (^١)، فهذا الجنس وما شاكله هم شرُّ النَّاس، فتجده ينتشر بينهم: الجشع، والطمع، وقهر الشعوب، واستعبادهم، وسلب ثرواتهم؛ حرصًا منهم على التمتُّع بلذَّات الحياة الدُّنيا، ولهذا يظهر بينهم الانحلال الخُلُقي، والسلوك البهيمي.
وهم إذا رأوا الحياة الدُّنيا تربو متاعبها وآلامها على ما يأملون من لذات عاجلة؛ لم يكن لديهم أي مانع من الإِقدام على الموت، فهم لا يقدرون مسؤولية في حياة أخرى، فليس لديهم ما يمنع من إقدامهم على التخلُّص من هذه الحياة.
من أجل هذا اهتمَّ الإسلام وجاء التأكيد في القرآن على قضية الإِيمان باليوم الآخر، واثبات البعث والحساب والجزاء، فأنكر على الجاهلين استبعادهم له، وأمر نبيه أن يقسم على أنّه حقٌ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن: ٧]، وذكر من أحوال يوم القيامة، وما أعدَّه لعباده المتَّقين من ثواب، وما أعدَّه للعاصين من عقاب، ولفت نظر الجاحدين له إلى دلائل حقيَّتِه؛ استئصالًا للشَّكِّ مِن النفوس، وحتى يضع النَّاس نُصْبَ أعينهم هذا اليوم وما فيه من أهوالٍ
_________________
(١) انظر: "تفسير ابن كثير" (١/ ١٨٤)، تحقيق عبد العزيز غنيم ورميديه، مطبعة الشعب، القاهرة.
[ ٣٢ ]
تقشعرُّ لها الأبدان؛ ليستقيم سلوكهم في هذه الحياة؛ باتباع الدين الحقال في جاءهم به رسولهم - ﷺ -، وإليك بعض هذه الأدلَّة.
أ - النشأة الأولى:
قالَ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ (٥)﴾ [الحجِّ: ٥].
فمَن قدر على خلق الإِنسان في أطوار متعددة لا يعجز عن إعادته مرّة أخرى، بل إن الإِعادة أهون من البدء في حكم العقل، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩].
ب - المشاهد الكونية المحسوسة الدالة على إمكان البعث:
قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحجِّ: ٥ - ٧].
فإحياء الأرض الميِّتة بالمطر وظهور النبات فيها دليلٌ على قدرة الخالق جلَّ وعلا على إحيأء الموتى وقيام السّاعة.
ج - قدرة الله الباهرة المتجلِّية في خلق الأعظم:
قالَ تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ
[ ٣٣ ]
كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨١ - ٨٢].
فخالق السماوات والأرض على عظمهما قادرٌ على إعادة خلق الإِنسان الصغير؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر: ٥٧].
د - حكمته تعالى الظاهرة للعيان والمتجلية في هذه الكائنات لكل مَنْ أنعم النظر وجرَّد الفكر من التعصُّب والهوى:
والحكيم لا يترك النَّاس سدى، ولا يخلقهم عبثًا؛ لا يؤمَرون، ولا يُنْهَوْن، ولا يُجْزَوْن على أعمالهم:
قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩].
فمن البيَّن أن مَنْ أدار نظره في عجائب هذه المخلوقات، وتدبَّر ما فيها من نظام وإحكام، فكل شيء خُلِق بمقدار، وكلُّ شيء خُلِق لغاية وأمدٍ في تحقيق هذه الغاية بما يكفل وجودها وقيامها إن هو سار على النهج الّذي أراده الله له.
إن النظر في هذا الكون الرحب ليرينا - إلى جانب شمول علمه تعالى وعظم قدرته - بالغَ حكمته، فلا يترك النَّاس يعتدي قويُّهم على ضعيفهم دون أن يكون له رادعٌ، ولا يترك لهؤلاء الذين ينحرفون عن الجادَّة دون أن يكون لهم من العقاب فيما وراء هذه الحياة ما هم جَديرون به، ولا
[ ٣٤ ]
يترك هؤلاء الّذي كرَّسوا جهدهم ولم يدَّخروا وسعًا في العمل على مرضاة ربهم دون أن يجدوا من فضل الله وإنعامه عليهم في اليوم الآخر ما يعلمون معه أن ما ضحَّوْا به مِن متاع، وما تحمَّلوا مِن مشاقَّ في حياتِهم الدنيا، إنْ هو إِلَّا نزرٌ يسيرٌ بجانب ما يجدون من ثواب ونعيم في جنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
إن النَّاس لو تأمَّلوا سنن الله الكونيَّة وجليل حكمته تعالى، وعظيم عنايته بالإِنسان وتكريمه له؛ لدفعهم ذلك إلى الإِيمان باليوم الآخر، فحينئذ لا تطلُّ الأنانية بوجهها البغيض، ولا يكون تكالبٌ على الحياة الدُّنيا، بل التعاون على البرِّ والتَّقوى.
[ ٣٥ ]
المبحث الثّاني: أسماء يوم القيامة
ومن مظاهر الاهتمام باليوم الآخر - إلى جانب ذكر أشراطه - كثرةُ ذكره في القرآن بأسماء متنوعة (^١)، لكل منها دِلالته الخاصة، ومن هذه الأسماء:
١ - السّاعة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا (٥٩)﴾ [غافر:٥٩].
٢ - يوم البعث: قال تعالى: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ (٥٦)﴾ [الروم: ٥٦].
٣ - يوم الدين: قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤].
٤ - يوم الحسرة: قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ (٣٩)﴾ [مريم: ٣٩].
٥ - الدَّار الآخرة: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ
_________________
(١) ذكر أبن كثير ليوم القيامة أكثر من ثمانين أسمًا. انظر: "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، تحقيق د. طه زيني.
[ ٣٧ ]
كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤].
٦ - يوم التَّناد: قال تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢)﴾ [غافر: ٣٢].
٧ - دار القرار: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩)﴾ [غافر: ٣٩].
٨ - يوم الفَصْل: قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾ [الصافات: ٢١].
٩ - يوم الجَمْعِ: قال تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ (٧)﴾ [الشورى:٧].
١٠ - يوم الحِساب: قال تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣)﴾ [ص: ٥٣].
١١ - يوم الوعيد: قالَ تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)﴾ [ق: ٢٠].
١٢ - يوم الخُلود: قال تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)﴾ [ق: ٣٤].
١٣ - يوم الخُروج: قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾ [ق: ٤٢].
١٤ - الواقعة: قال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾ [الواقعة: ١].
١٥ - الحاقَّة: قال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا
[ ٣٨ ]
الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٣].
١٦ - الطَّامَّة الكبرى: قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾ [النازعات: ٣٤].
١٧ - الصَّاخَّة: قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣)﴾ [عبس: ٣٣].
١٨ - الآزفة: قال تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾ [النجم: ٥٧].
١٩ - القارعة: قال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ (^١) [القارعة: ١ - ٣].
* * * * *
_________________
(١) انظر: "العقائد الإِسلامية" (٢٦١ - ٢٦٤) لسيد سابق.
[ ٣٩ ]
المبحث الثّالث: حجِّيَّة خبر الآحاد في العقائد
لهذا المبحث صلة وثيقة بموضوع أشراط السّاعة، ذلك أن أكثر الأشراط جاء ذكرها في أحاديث آحاد (^١)، وقد ذهب بعض أهل الكلام (^٢)
_________________
(١) ينقسم الخبر باعتبار وصوله إلينا إلى متواتر وآحاد. أ - فالمتواتر: هوما رواه جمع عن جمع يستحيل في العادة توطؤهم على الكذب من أول السند إلى آخره. ب - الآحاد: هو ما سوى المتواتر. انظر: "تقريب النووي" (٢/ ١٧٦ - مع تدريب الراوي)، و"قواعد التحديث" (ص ١٤٦) للقاسمي، و"تيسير مصطلح الحديث" (ص ١٨ - ٢١) للدكتور محمود الطحان.
(٢) كالمعتزلة ومَن تابعهم من المتأخرين؛ كالشيخ محمّد عبده، ومحمود شلتوت، وأحمد شلبي، وعبدالكريم عثمان، وغيرهم. انظر: "الفرق بين الفرق" (ص ١٨٠) تحقيق محيي الدين عبدالحميد، و"فتح الباري" (١٣/ ٢٣٣)، وكتاب "قاضي القضاة عبدالجبار الهمذاني" (ص ٨٨ - ٩٠) للدكتور عبدالكريم عثمان، و"رسالة التّوحيد" (ص ٢٠٢) للشيخ محمّد عبده، تصحيح محمّد رشيد رضا. وانظر: "موقف المعتزلة من السنة النبوية" (ص ٩٢ - ٩٣) لأبي لبابة حسين، وكتاب "المسيحية: مقارنة الأديان" (ص ٤٤) للدكتور أحمد شلبي. وانظر: "الفتاوى" للشيخ محمود شلتوت- قال في (ص ٦٢): "وقد أجمع العلماء على أن أحاديث =
[ ٤١ ]
والأصوليين (^١) إلى أن خبر الآحاد لا تثبت به عقيدة، وإنّما تثبت بالدَّليل القطعي؛ آية أو حديثًا عن رسول الله - ﷺ -.
وهذا القولُ مردودٌ؛ فإن الحديث إذا ثبتت صحَّته برواية الثقات، ووصل إلينا بطريق صحيح؛ فإنّه يجب الإِيمان به، وتصديقه، سواء كان خبرًا متواترًا، أو آحادًا، وإنه يوجب العلم اليقيني، وهذا هو مذهب علماء سلفنا الصالح؛ انطلاقًا من أمر الله تعالى للمؤمنين بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢]:
قال ابن حجر ﵀: "قَدْ شاعَ فاشِيًا عملُ الصَّحابة والتَّابعين بخبر الواحد؛ مِن غير نكيرٍ، فاقتضى الاتَّفاق منهم على القَبول" (^٢).
وقالَ ابن أبي العز: "خبر الواحد إذا تلقَّته الأمة بالقبول، عملًا به، وتصديقًا له؛ يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمَّة، وهو أحد قسمي المتواتر، ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع" (^٣).
_________________
(١) = الآحاد لا تفيد عقيدة، ولا يصح الاعتماد عليها في شأن المغيَّبات"!! -. وأنظر كتابه "الإسلام عقيدة وشريعة" (ص ٥٣). وانظر كتاب "المسيح في: القرآن، التوراة، والإِنجيل" (ص ٥٣٩) لعبد الكريم الخطيب.
(٢) انظر: "شرح الكوكب المنير في أصول الفقه" (٢/ ٣٥٠ - ٣٥٢) للعلّامة محمّد بن أحمد بن عبد العزيز الحنبلي، تحقيق د. محمّد الزميلي، ود. نزيه حمَّاد.
(٣) "فتح الباري" (١٣/ ٢٣٤).
(٤) "شرح العقيدة الطحاوية"، لعلّي بن علي بن أبي العز الحنفي، (ص ٣٩٩ - ٤٠٠)، حققها جماعة من العلماء، وخرَج أحاديثها الشّيخ محمّد ناصر الدين الألباني، طبع =
[ ٤٢ ]
وسأل رجلٌ الإمام الشّافعيّ عن مسألة؟ فقال: "قضى فيها رسول الله - ﷺ - كذا وكذا". فقال رجلٌ للشافعي: ما تقول أنت؟ فقال: "سبحان الله! أتراني في بيعة؟! تراني على وسطي زنَّار؟! أقول لك: قضى رسول الله - ﷺ -، وأنت تقول: ما تقول أنت؟! " (^١).
وقال الشّافعيُّ أيضًا: "متى رويتُ عن رسول الله - ﷺ - حديثًا صحيحًا فلم آخذ به؛ فأُشْهِدُكُم أن عقلي قد ذهب" (^٢).
فلم يفرَّق بين خبر الواحد والخبر المتواتر، ولم يفرِّق بين ما كان إخبارًا بعقيدة وما كان إخبارًا بأمر عمليٍّ، وإنّما المدار كله على صحة الحديث.
وقال الإمام أحمد: "كلّ ما جاء عن النّبيّ - ﷺ - بإسناد جيِّد؛ أقررنا به، وإذا لم نقرَّ بما جاء به الرسول، ودفعناه، ورددناهُ؛ رددنا على الله أمره؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (٧)﴾ [الحشر: ٧] (^٣).
_________________
(١) = المكتب الإِسلامي، ط. الرّابعة، (١٣٩١ هـ)، بيروت.
(٢) "مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطِّلة" (٢/ ٣٥٠)، لابن القيم، اختصره الشّيخ محمّد بن الموصلّي، توزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإِفتاء بالرياض. وانظر: "الرسالة" للإِمام الشّافعيّ (ص ٤٠١)، تحقيق: أحمد شاكر، مطابع المختار الإِسلامية، المطبعة الثّانية، (١٣٩٩ هـ)، وأنظر: "شرح الطحاوية" (ص ٣٩٩) لابن أبي العز.
(٣) "مختصر الصواعق" (٢/ ٣٥٠).
(٤) "إتحاف الجماعة" (١/ ٤).
[ ٤٣ ]
فلم يشترط الإمام أحمد إِلَّا صحَّة الخبر.
وقال ابن تيمية: "السنة إذا ثبتت؛ فإن المسلمين كلهم متَّفقون على وجوب اتِّباعها" (^١).
وقال ابن القيم في ردَّه على من ينكر حجِّية خبر الواحد: "ومن هذا إخبار الصّحابة بعضهم بعضًا؛ فإنهم كانوا يجزمون بما يحدِّث به أحدُهم عن رسول الله - ﷺ -، ولم يقل أحدٌ منهم لمَن حدَّثه عن رسول الله - ﷺ -: خبرُك خبرُ واحدٍ لا يفيد العلم حتّى يتواتر
وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثًا عن رسول الله - ﷺ - في الصفات؛ تلقَّاه بالقبول، واعتقد تلك الصِّفَة به على القطع واليقين؛ كما اعتقد رؤية الرب، وتكليمه، ونداءه يوم القيامة لعباده بالصوت الّذي يسمعه البعيد كما يسمعه القريب، ونزوله إلى سماء الدنيا كلّ ليلة، وضحكه، وفرحه، وإمساك السماوات على إصبع من أصابع يده، وإثبات القدم له؛ مَنْ سمع هذه الأحاديث ممَّن حدَّث بها عن رسول الله - ﷺ -، أو عن صاحب اعتقد ثبوت مقتضاها بمجرَّد سماعها من العدل الصادق، ولم يَرْتَب فيها.
حتّى إنهم ربَّما تثبتوا في بعض أحاديث الأحكام ولم يطلب احد منهم الاستظهار في رواية أحاديث الصفات ألبتة، بل كانوا أعظم مبادرةً إلى قبولها، وتصديقها، والجزم بمقتضاها، وإثبات الصفات بها؛ مِن المخبر لهم بها عن رسول الله - ﷺ -، ومَن له أدنى إلمامٌ بالسُّنَّة والتفات إليها؛ يعلم
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (١٩/ ٨٥) لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع عبدالرّحمن بن قاسم العاصمي النجدي، تصوير المطبعة الأولى، (١٣٩٨ هـ)، مطابع الدَّار العربيّة، بيروت.
[ ٤٤ ]
ذلك، ولولا وضوح الأمر في ذلك؛ لذكرنا أكثر من مئة موضع.
فهذا الذيَ اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله - ﷺ - خرقوا به إجماع الصّحابة المعلوم بالضرورة، وإجماع التابعين، وإجماع أئمة الإسلام، ووافقوا به المعتزلة، والجهمية، والرافضة، والخوارج، الذين انتهكوا هذه الحرمة، وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء.
وإلا؛ فلا يُعْرَف لهم سلفٌ من الأئمة بذلك، بل صرَّح الأئمَّة بخلاف قولهم؛ ممَّن نصّ على أن خبر الواحد يفيد العلم- مالك، والشّافعيّ، وأصحاب أبي حنيفة، وداود بن علي، وأصحابه؛ كأبي محمّد بن حزم" (^١).
وأمّا ما عَرَض للمنكرين لحجَيَّة خبر الواحد من شبهة (^٢)، وهي أن خبر الآحاد يفيد الظن، ويعنون به الظنَّ الراجح لجواز خطإ الواحد، أو غفلته، أو نسيانه، والظن الراجح يجب العمل به في الأحكام اتِّفاقًا، ولا يجوز الأخذ به عندهم في المسائل الاعتقادية.
ويستدلُّون على ذلك ببعض الآيات الّتي تنهى عن اتِّباع الظنِّ؛ كَقوله تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ [النجم: ٢٨].
فالجواب عن هذه الشبهة أن احتجاجهم بهذه الآية وأمثالها مردودٌ؛
_________________
(١) "مختصر الصواعق" (٢/ ٣٦١ - ٣٦٢).
(٢) انظر: رسالة "وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين" (ص ٦ - ٧) للشيخ محمّد ناصر الدين الألباني، طبع دار العلم، بنها، مصر.
[ ٤٥ ]
لأنّ الظنَّ هنا ليس هو الظن الغالب الّذي عنوه، وإنّما هو الشك والكذب والخرص والتخمين؛ فقد جاء في "النهاية" و"اللسان" وغيرهما من كتب اللُّغة: "الظنُّ: الشكُّ يعرض لك في شيء، فتحقَّقهُ، وتحكم به" (^١).
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ (٢٨)﴾ [النجم: ٢٨]؛ أي: ليس لهم علمٌ صحيح يصدِّق ما قالوه، بل هو كذبٌ وزورٌ وافتراءٌ وكفرٌ شنيعٌ، ﴿لْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ [النجم:٢٨]؛ أي: لا يُجدي شيئًا، وَلا يقوم أبدًا مقام الحق. وقد ثبت في الصّحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: (إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث) (^٢) " (^٣).
فالشك والكذب هو الظنُّ الّذي ذمَّه الله تعالى، ونعاه على المشركين، ويؤيَّد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ [الأنعام: ١١٦]، فوصفهم بالظنَ والخرص الّذي هو مجرَّد الحزر والتَّخمين، وإذا كان الخرص والتَّخمين هو الظن؛ فإنّه لا يجوز الأخذ به في الأحكام (^٤)؛ لأنّ الأحكام لا تُبنى على الشك والتخمين.
وأمّا ما قيل من احتمال غفلة الراوي ونسيانه؛ فهو مدفوعٌ بما يُشترط في خبر الواحد؛ من كون كلّ من الرواة ثقةً ضابطًا، فمع صحة الحديث
_________________
(١) انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" (٣/ ١٦٢ - ١٦٣).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب البرّ والصلة والآداب، باب تحريم الظن والتجسس، (١٦/ ١١٨ - مع شرح النووي).
(٣) "تفسير ابن كثير" (٧/ ٤٣٤).
(٤) أنظر: "العقيدة في الله" (ص ٤٨ - ٤٩) لعمر سليمان الأشقر، طبع دار النفائس بيروت، نشر مكتبة الفلاح الكويت، الطبعة الثّانية، ١٩٧٩ م.
[ ٤٦ ]
لا مجال لتوهُّم خطإ الراوي، ومع ما جرت به العادة من أن الثقة الضابط لا يغفل ولا يكذب لا مجال لردِّ خبره لمجرَّد احتمال عقليٍّ تنفيه العادة.
* الأدلَّة على قبول خبر الواحد:
وإذ تبيَّنَ زيف ما بُنِيَ عليه عدم الأخذ بخبر الواحد في العقائد؛ فالأدلَّة الّتي توجِب الأخذ به كثيرةٌ، جاءت في الكتاب والسُّنَّة، ومنها:
أمّا الأدلَّة من الكتاب، فهي كثيرة، أذكر منها:
١ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢].
فهذه الآية تحثُّ المؤمنين على التفقه في الدين، والطائفة تُطلق على الواحد فما فوق.
قال الإمام البخاريّ: "ويسمَّى الرَّجل طائفة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا (٩)﴾ [الحجرات: ٩]، فلو اقتتل رجلان؛ دخلا في معنى الآية" (^١).
فإذا كان الرَّجل يُؤخذ بما يخبر به من أمور دينية؛ كان هذا دليلًا على أن خبره حجةٌ، والتفقه في الدين يشمل العقائد والأحكام، بل إن التفَقُّه في العقيدة أهم من التفقُّه في الأحكام (^٢).
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، (١٣/ ٢٣١ - مع الفتح).
(٢) انظر: "العقيدة في الله" (ص ٥١).
[ ٤٧ ]
٢ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (٦)﴾ [الحجرات: ٦]، وفي قراءة: (فتثبَّتُوا)؛ من التثبُّت (^١).
ولهذا يدلُّ على الجزم والقطع بقبول خبر الواحد الثقة، وأنّه لا يحتاج إلى التثبُّت، لعدم دخوله في الفاسق، ولو كان خبره لا يفيد العلم؛ لأمر بالتثبُّت مطلقًا حتّى يحصل العلم (^٢).
٣ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (٥٩)﴾ [النِّساء: ٥٩].
قال ابن القيم: "وأجمع المسلمون أن الردَّ إلى الرسول هو الرجوع إليه في حياته، والرجوع إلى سنته بعد مماته، واتَّفقوا على أن فرضَ هذا الردِّ لم يسقط بموته، فإن كان متواتر أخباره وآحادها لا تفيد علمًا ولا يقينًا؛ لم يكن للردِّ إليه وجهٌ" (^٣).
وأمّا الأدلَّة من السنة؛ فهي كثيرة جدًّا، أقتصر على بعضٍ منها:
١ - كان النبيُّ - ﷺ - يبعث رسله إلى الملوك واحدًا بعد واحدٍ، وكذلك أمراءه على البلدان، فيرجع النَّاس إليهم في جميع الأحكام العمليَّة والاعتقاديَّة، فبعث أبا عُبيدة عامر بن الجرَّاح ﵁ إلى أهل
_________________
(١) انظر: "تفسير الشوكاني" (٥/ ٦٠).
(٢) "وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة" (ص ٧) لمحدث الشّام محمّد ناصر الدين الألبانى.
(٣) "مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطَّلة" (٢/ ٣٥٢)، للإِمام ابن القيم.
[ ٤٨ ]
نجران (^١)، وبعث معاذ بن جبل ﵁ إلى أهل اليمن (^٢)، وبعث دِحْيَة الكلبي ﵁ بكتاب إلى عظيم بُصرى (^٣) وغيرهم من الصّحابة ﵃.
٢ - وروى البخاريُّ عن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: "بيَّنَّا النَّاس بقُباء في صلاة الصُّبح، إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله - ﷺ - قد أُنْزِلَ عليه اللَّيلة قرآن، وقد أُمِرَ أن يستقبل الكعبة؛ فاستَقْبلوها، وكانت وجوههم إلى الشّام، فاستداروا إلى الكعبة" (^٤).
ولا يُقال: إن هذا في حكم عمليٍّ؛ لأنّ العمل بهذا الحكم مبنيٌّ على اعتقاد صحة الخبر.
٣ - وعن عمر ﵁؛ قال: "وكان رجلٌ من الأنصار إذا غاب عن رسول الله - ﷺ - وشهِدْتُهُ؛ أتيتُه بما يكون من رسول الله - ﷺ -، وإذا غِبْتُ عن رسول الله - ﷺ - وشهد؛ أتاني بما يكون من رسول الله - ﷺ - " (^٥).
_________________
(١) انظر: "صحيح البخاريّ"، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، (١٣/ ٢٣٢ - مع الفتح).
(٢) انظر: "صحيح البخاريّ"، كتاب الزَّكاة، باب وجوب الزَّكاة، (٣/ ٢٦١ - مع الفتح).
(٣) انظر: "صحيح البخاريّ"، كتاب أخبار الآحاد، باب ما كان يبعث النّبيّ - ﷺ - من الأمراء والرسل واحدًا بعد واحد، (١٣/ ٢٤١ - مع الفتح)، رواه البخاريّ معلَّقًا.
(٤) "صحيح البخاريّ"، كتاب أخبار اللآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، (١٣/ ٢٣٢ - مع الفتح).
(٥) "صحيح البخاريّ"، كتاب أخبار اللآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، (١٣/ ٢٣٢ - مع الفتح).
[ ٤٩ ]
فهذا واقع الصّحابة ﵃ يرينا أن الواحد منهم كان يكتفي بخبر الواحد في أُمور دينه؛ سواء ما كان منها اعتقاديًّا، أو عمليًّا.
٤ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "نضَّرَ اللهُ امرءًا سَمِعَ منَّا حديثًا، فحفظهُ حتَّى يُبَلِّغَهُ، فربَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع" (^١).
وهذا أيضًا لا يقتصر على أحاديث الأعمال دون غيرها، بل هو عامٌّ متناولٌ لأحاديث الأعمال والأحكام الاعتقادية، فلو لم يكن الإِيمان بما يثبت عنه - ﷺ - من عقائد بأخبار الآحاد واجبًا؛ لما كان لهذا الأمر من النّبيّ - ﷺ - بتبليغ حديثه مطلقًا معنى، بل لبيَّنَ الرسول - ﷺ - أن ذلك مقصورٌ على أحاديث الأعمال دون غيرها.
هذا؛ والقول بأن أحاديث اللآحاد لا تثبت بها عقيدة قولٌ مبتَدَعٌ محدَثٌ لا أصلَ له في الدين، ولم يقلْ به واحدٌ من السَّلف الصالح رضوان الله تعالى عليهِم، ولم يُنْقَلْ عن أحدٍ منهم، بل ولا خطَرَ لهُم على بالٍ، ولو وُجِدَ دليلٌ قطعيٌّ يدلُّ على أن أحاديث اللآحاد لا تثبُتُ بها عقيدةٌ؛ لعلّمه الصّحابة، وصرَّحوا به، وكذلك مَنْ بعدَهم من السَّلَف الصالح.
ثمّ إن هذا القول المبتَدَعَ يتضمَّن عقيدةً تستلزمُ ردَّ مئات الأحاديث
_________________
(١) "مسند أحمد" (٦/ ٩٦) (ح ٤١٥٧)، تحقيق وشرح أحمد شاكر. وقد رواه الإمام أحمد بإسنادين صحيحين. وانظر: كتاب "دراسة حديث (نضَر الله امرءًا سمع مقالتي) رواية ودراية" (ص ٣٣ - وما بعدها) للشيخ عبدالمحسن بن محمّد العباد، طبع مطابع الرشيد بالمدينة المنوَّرة، الطبعة الأولى، (١٤٠١ هـ).
[ ٥٠ ]
الصَّحيحة الثابتة عن النّبيّ - ﷺ - (^١).
فالذين لا يأخذون بخبر الواحد في العقيدة يلزمهم أن يردُّوا كثيرًا من العقائد الّتي ثبتت بأحاديث اللآحاد، ومنها:
١ - أفضلية نبيِّنا محمَّدٍ على جميع الأنبياء والمرسلين.
٢ - شفاعتُه العظمى في المحشر.
٣ - شفاعته - ﷺ - لأهل الكبائر من أمَّته.
٤ - معجزاته كلها ما عدا القرآن.
٥ - كيفيَّة بدء الخلق، وصفة الملائكة والجن، وصفة الجنَّة والنار؛ ممّا لم يذكر في القرآن الكريم.
٦ - سؤال منكَر ونكير في القبر.
٧ - ضغطة القبر للميِّت.
٨ - الصراط، والحوض، والميزان ذو الكفتين.
٩ - الإِيمان بأن الله تعالى كتب على كلّ إنسان سعادته أو شقاوته، ورزقه وأجله وهو في بطن أمه.
١٠ - خصوصياته - ﷺ - الّتي جمعها السيوطيّ في كتاب "الخصائص الكبرى"، مثل دخوله في حياته الجنَّة، ورؤيته لأهلها، وما أُعِدَّ للمتَّقين فيها، وإسلام قرينه من الجن.
_________________
(١) انظر: رسالة "وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة" (ص ٥ - ٦)، وكتاب "العقيدة في الله" (ص ٥٣) لعمر الأشقر.
[ ٥١ ]
١١ - القطع بأن العشرة المبشَّرين بالجنة من أهل الجنَّة.
١٢ - عدم تخليد أهل الكبائر في النّار.
١٣ - الإِيمان بكل ما صحَّ في الحديث في صفة القيامة والحشر والنشر ممَّا لم يردّ في القرآن الكريم.
١٤ - الإِيمان بمجموع أشراط السّاعة؛ كخروج المهدي، ونزول عيسى -﵇-، وخروج الدجَّال، وخروج النّار، وطلوع الشّمس من مغربها، والدَّابة، وغير ذلك.
ثمّ إنّه ليست أدلَّة جميع هذه العقائد الّتي قالوا هي ثابتة بخبر الآحاد، ليست أدلَّتها أحاديث آحاد، بل منها ما دليله أحاديث متواترة، ولكن قلة علم هؤلاء المنكرين لحجَّيَّة خبر الآحاد؛ جعلهم يردُّون كلّ هذه العقائد، وغيرها من العقائد، الّتي جاءت بها الأحاديث الصحيحة (^١).
* * * * *
_________________
(١) انظر: رسالة "وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة" (ص ٣٦ - ٣٩)، وكتاب "العقيدة في الله" (ص ٥٤ - ٥٥) لعمر الأشقر.
[ ٥٢ ]
المبحث الرّابع: إخبار النّبيّ عن الغُيوب المستقبلة
لقد أخبر النّبيّ - ﷺ - بما يكون إلى قيام السّاعة، وذلك ممّا أطلعه الله عليه من الغُيوب المستقْبَلَة، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًّا، حتّى بلغت حد التواتر المعنوي (^١).
فمنها ما رواه حذيفة ﵁؛ قال: "لقد خطبنا النّبيّ - ﷺ - خطبة ما ترك فيها شيئًا إلى قيام السّاعة إِلَّا ذكره؛ علمه مَنْ علمه، وجهله مَنْ جهله، إن كنتُ لأرى الشيءَ قد نسيتُه، فأعرفُهُ كما يعرِفُ الرَّجلُ الرجلَ إذا غاب عنه فرآه فعرفه" (^٢).
وقال ﵁: "أخبرني رسول الله - ﷺ - بما هو كائن إلى أن
_________________
(١) "الشفا بتعريف أحوال المصطفى" (١/ ٦٥٠) للقاضي عياض، تحقيق محمّد أمين قره علي وزملائه، طبع الوكالة العامة للنشر والتوزيع، مؤسسة علوم القرآن، مكتبة الفارابي، دمشق.
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب القدر، باب وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، (١١/ ٤٩٤ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٥ - مع شرح النووي).
[ ٥٣ ]
تقوم السّاعة، فما منه شيءٌ إِلَّا قد سألته، إِلَّا أنّه لم أسأله: ما يُخْرِج أهلَ المدينة من المدينة؟ " (^١).
ولم يكن ذلك خاصًّا بحذيفة ﵁، بل لقد خطب النّبيّ - ﷺ - يومًا كاملًا؛ ليبَّين للصحابة ﵃ ما كان وما سيكون إلى قيام السّاعة
فقد روى أبو زيد عمرو بن أخطب الأنصاري ﵁؛ قال: "صلّى بنا رسول الله - ﷺ - الفجر، وصعد المنبر، فخطَبَنا حتّى حضرتِ الظهر، فنزل، فصلّى، ثمّ صعد المنبر، فخطبنا حتّى حضرت العصر، ثمّ نزل، فصلّى، ثمّ صعد، فخطبنا حتّى غربت الشّمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمُنا أحفظُنا".
رواه مسلم (^٢).
وقال حذيفة بن اليمان ﵁: "واللهِ إنني لأعلم النَّاس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين السّاعة، وما بي إِلَّا أن يكون رسول - ﷺ - أسرَّ إليَّ في ذلك شيئًا لم يُحَدِّثْهُ غيري، ولكن رسول الله - ﷺ - قال وهو يحدَّث مجلسًا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله - ﷺ - وهو يعدُّ الفتن: (منهنَّ ثلاثٌ لا يَكَدْنَ يذَرْنَ شيئًا، ومنهنَّ فتنٌ كرياح الصيف؛ منها صغار، ومنهاكبارٌ) ".
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٦ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٦ - مع شرح النووي).
[ ٥٤ ]
قال حذيفة: "فذهب أولئك الرهط كلهم غيري" (^١).
فهذه أدلَّة صحيحة على أن النبيَّ - ﷺ - قد أخبر أمَّته بكل ما هو كائنٌ إلى قيام السّاعة ممَّا يخصُّهم.
ولا شك أن أشراط السّاعة قد نالت من الإِخبار بالغيب النصيب الأوفر، ولهذا جاءت أحاديث أشراط السّاعة كثيرةً جدًّا، ورُوِيَت بألفاظ مختلفة؛ لكثرة مَنْ نقلها من الصّحابة ﵃.
* * * * *
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٦ - مع شرح النووي).
[ ٥٥ ]
المبحث الخامس: علم السّاعة
علم السّاعة غيبٌ لا يعلَمُه إِلَّا الله تعالى؛ كما دلَّت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبويَّة؛ فإنَّ علم السّاعة ممّا استأثر الله به، فلم يُطْلع عليه مَلكًا مقرَّبًا ولا نبيًّا مرسلًا (^١)، فلا يعلم أحدٌ متى تقوم السّاعة؛ إِلَّا الله تعالى.
وكان النّبيّ - ﷺ - يكثِر من ذكر السّاعة وأهوالها، فكان النَّاس يسألونه عن وقت قيام السّاعة، فكان يخبرهم أن ذلك غيبٌ لا يعلمه إِلَّا الله، وكانت الآيات القرآنية تتنزَّل مبيَّنةً أن علم السّاعة ممّا اختصّ الله تعالى به نفسه.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
_________________
(١) ذهب البرزنجي في الإِشاعة إلى أن النّبيّ - ﷺ - علم وقت السّاعة، ونهى عن الإِخبار بها، وهذا غلطٌ فاحشٌ منه. انظر: "الإِشاعة لأشراط السّاعة" (ص ٣).
[ ٥٧ ]
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف: ١٨٧].
فالله تعالى يأمر نبيه محمدًا - ﷺ - أن يخبر النَّاس أن علم السّاعة عند الله وحده، فهو الّذي يعلم جَلِيَّةَ أمرها، ومتى يكون قيامها؛ لا يعلم ذلك أحدٌ من أهل السماوات والأرض:
كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب: ٦٣].
وكما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤].
فمنتهى علم السّاعة إلى الله وحده.
ولهذا لما سأل جبريل -﵇- رسول الله - ﷺ - عن وقت السّاعة - كما في حديث جبريل الطويل-؛ قال النّبيّ - ﷺ -: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" (^١).
فجبريل لا يعلم متى تقوم السّاعة، وكذلك محمَّدٌ - ﷺ -
وأيضًا؛ فإن عيسى -﵇- لا يعلم متى تقوم السّاعة، مع أنّه ينزل قرب قيامها، وهو من علامات السّاعة الكبرى؛ كما سيأتي.
روى الإمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم؛ عن عبدالله بن مسعود ﵁ عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: "لقيتُ ليلة أُسْري بي إبراهيم وموسى وعيسى".
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب الإِيمان، باب سؤال جبريل النّبيّ - ﷺ - عن الايمان والإسلام والإحسان وعلم السّاعة وبيان النّبيّ - ﷺ - له، (١/ ١١٤ - مع الفتح).
[ ٥٨ ]
قال: "فتذاكروا أمر السّاعة، فردُّوا أمرَهم إلى إبراهيم، فقال: لا علمَ لي بها. فردُّوا الأمر إلى موسى، فقال: لا علم لي بها. فردُّوا الأمر إلى عيسى، فقال: أمّا وَجْبَتُها؛ فلا يعلمها أحدٌ إِلَّا الله ذلك، وفيما عَهِدَ إليَّ ربي أن الدَّجَّال خارجٌ. قال: ومعي قضيبان، فإذا رآني؛ ذاب كما يذوب الرصاص. قال: فيهلكه الله" (^١).
فهؤلاء أولو العزم من الرسل لا يعلمون متى تقوم السّاعة.
وروى الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقول قبلَ أن يموتَ بشهر: "تسألوني عن السّاعة؟ وإنّما علمها عند الله، وأقسِمُ بالله ما على الأرض من نفسٍ منفوسةٍ تأتي عليها مئة سنة" (^٢).
فهذا الحديث ينفي احتمال أن يكون عَلِمَها النّبيّ - ﷺ - بعد سؤال جبريل عنها.
قال ابن كثير: "فهذا النبيُّ الأميُّ، سيِّد الرّسل، وخاتمهم، صلوات
_________________
(١) "مسند أحمد" (٥/ ١٨٩) (ح ٣٥٥٦)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح". و"سنن ابن ماجه" (٢/ ١٣٦٥)، تحقيق محمّد فؤاد عبدالباقي، وقال البوصيري في "الزوائد": "هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات". و"مستدرك الحاكم" (٤/ ٤٨٨ - ٤٨٩)، وقال: "هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرِّجاه"، ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في كتابه "ضعيف الجامع الصغير" (٥/ ٢٠ - ٢١) (ح ٤٧١٢).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب فضائل الصّحابة ﵃، باب بيان معنى قوله - ﷺ -: "على رأس مئة سنة لا يبقى نفس منفوسة"، (١٦/ ٩٠ - ٩١ - مع شرح النووي).
[ ٥٩ ]
الله عليه وسلامه، نبي الرّحمة، ونبي التوبة، ونبي الملحمة، والعاقب، والمقفِّي، والحاشر، الّذي تحشر النَّاس على قدميه، مع قوله فيما ثبت عنه في "الصّحيح" من حديث أنس وسهل بن سعد ﵄: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين" (^١)، وقرن بين إصبعيه السبابة والتي تليها، ومع هذا كله قد أمره الله تعالى أن يَرُدَّ علم وقت السّاعة إليه إذا سُئِلَ عنها، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف: ١٨٧] " (^٢).
ومن زعم أن النّبيّ - ﷺ - يعلم متى تقوم السّاعة، فهو جاهلٌ، لأنّ الآيات القرآنية والأحاديث النبويَّه السابقة ترد عليه.
قال ابن القيم: "وقد جاهر بالكذب بعض مَنْ يدَّعي في زماننا العلم، وهو يتشبَّع بما لم يعطَ، أن رسول الله - ﷺ - كان يعلم متى تقوم السّاعة. قيل له: فقد قال في حديث جبريل: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"! فحرفه عن موضعه، وقال: معناه: أنا وأنت نعلمها.
وهذا من أعظم الجهل، وأقبح التحريف، والنبيُّ - ﷺ - أعلم بالله من أن يقول لمن كان يظنُّه أعرابيًّا: أنا وأنت نعلم السّاعة؛ إِلَّا أن يقول هذا الجاهل: إنّه كان يعرف أنّه جبريل، ورسول الله - ﷺ - هو الصادق في قوله: "والذي نفسي بيده؛ ما جاءني في سورة إِلَّا عرفته؛ غير هذه الصورة" (^٣)،
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب الرقاق، باب قول النّبيّ - ﷺ -: "بُعِثت أنا والساعة كهاتين"، (١١/ ٣٤٧ - مع الفتح).
(٢) "تفسير ابن كثير" (٣/ ٥٢٦).
(٣) "مسند أحمد" (١/ ٣١٤ - ٣١٥) (ح ٣٧٤)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح"، ولفظ أحمد: "ما أتاني في صورة إِلَّا عرفته؛ غير هذه الصورة".
[ ٦٠ ]
وفي اللّفظ الآخر: "ما شُبِّه عليَّ غير هذه المرة"، وفي اللّفظ الآخر: "ردُّوا عليَّ الأعرابي، فذهبوا فالتمسوا، فلم يجدوا شيئًا".
وإنّما علم النّبيّ - ﷺ - أنّه جبريل بعد مدة؛ كما قال عمر: فلبثتُ مليًّا، ثمّ قال النّبيّ - ﷺ -: "يا عمر! أتدري مَنْ السائل؟ " (^١)، والمحرِّف يقول: علم وقت السؤال أنّه جبريل، ولم يخبر الصّحابة بذلك إِلَّا بعد مدَّة!
ثمّ قوله في الحديث: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" يعمُّ كلَّ سائل ومسؤولٍ، فكلُّ سائلٍ ومسؤولٍ عن هذه السّاعة شأنُهُما كذلك" (^٢).
وأيضًا؛ لا معنى لذكر أشراطها وإخبار السائل بها ما دام يعلمها، ولا سيما أنّه لم يسأل عن أشراطها.
وأعجب من هذا ما جاء في كلام السيوطيّ في "الحاوي" بعد أن ذكر الجواب عن السؤال عن الحديث المشتهر على ألسنة النَّاس: أن النّبيّ - ﷺ -
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، إمارات السّاعة، (١/ ١٥٩ - مع شرح النووي). قال ابن حجر: "وأمّا ما وقع في رواية النسائي من طريق أبي فروة في آخر الحديث: "وإنه لجبريل، نزل في سورة دِحْيَة الكلبي"، فإن قوله: "نزل في سورة دِحية الكلبي" وَهَم؛ لأنّ دِحية معروف عندهم، وقد قال عمر: "ما يعرفه منا أحد"، وقد أخرجه محمّد بن نصر المروزي في كتاب "الإِيمان" له من الوجه الّذي أخرجه منه النسائي، فقال في آخره: "فإنّه جبريل، جاء يعلِّمكم دينكم، فحسب؛ فهذه الرِّواية هي المحفوظة؛ لموافقتها باقي الروايات في. "فتح الباري" (١/ ١٢٥).
(٢) "المنار المنيف" (ص ٨١ - ٨٢)، تحقيق الشّيخ عبدالفتاح أبو غدة، وانظر تعليق الشّيخ على كلام ابن القيم، وانظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (٤/ ٣٤١ - ٣٤٢).
[ ٦١ ]
لا يمكث في قبره ألف سنة؟
قال: "وأنا أُجيب بأنّه باطل، لا أصل له".
وذكر أنّه ألَّف في ذلك مؤلَّفًا سمَّاه "الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف"؛ قال فيه:
أوَّلًا: الّذي دلَّت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد عن ألف سنة، ولا تبلغ الزيادة عليها خمس مئة سنة؛ لأنّه ورد من طرق أن مدَّة الدُّنيا سبعة آلاف سنة، وأن النّبيّ - ﷺ - بُعِثَ في أواخر الألف السّادسة (^١).
ثمّ ذكر حساباتٍ خَلَص منها إلى أنّه لا يمكن أن تكون المدة ألفًا وخمس مئة أصلًا، ثمّ ذكر الأحاديث والآثار الّتي اعتمد عليها في ذلك:
ومنها ما رواه الطبراني في "الكبير" عن الضَّحَّاك بن زمل الجهني؛ قال: رأيتُ رؤيا، فقصصتُها على رسول الله - ﷺ -، فذكر الحديث، وفيه: إذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات، وأنت في أعلاها درجة. فقال - ﷺ -: "أمّا المنبر الّذي رأيتَ فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة. فالدنيا سبعة آلاف سنة، وأنا في آخرها ألفًا" (^٢).
وذكر أنّه أخرجه البيهقي في "الدلائل"، وأن السُّهيلي ذكر أن الحديث ضعيف (^٣) الإِسناد، ولكنه رُوِيَ موقوفًا على ابن عبّاس رضي الله
_________________
(١) " الحاوي للفتاوي" (٢/ ٨٦)، للسيوطي، ط. الثّانية (١٣٩٥ هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.
(٢) "الحاوي للفتاوي" (٢/ ٨٨).
(٣) حديث: "الدنيا سبعة آلاف سنة، وأنا في آخرها ألفًا"؛ قال الألباني: "موضوع". أنظر: "ضعيف الجامع الصغير" (٣/ ١٦٠) (ح ٣٠١٣).
[ ٦٢ ]
عنهما من طرق صحاح، وأن الطّبريّ (^١) صحَّح هذا الأصل، وعضده بآثار.
ثمّ بيَّن السيوطيّ أن معنى قوله ﷺ: "وأنا في آخرها ألفًا"؛ أي: معظم الملة في الألف السابعة؛ ليطابق ما سيأتي أنّه بُعِثَ في أواخر الألف السّادسة، ولو كان بُعِثَ في أول الألف السابعة؛ كانت الأشراط الكبرى كالدجَّال ونزول عيسى -﵇- وطلوع الشّمس من مغربها؛ وجدت قبل اليوم بأكثر من مئة سنة، لتقوم السّاعة عند تمام الألف، ولم يوجد شيء من ذلك، فدلَّ على أن الباقي من الألف السابعة أكثر من ثلاث مئة سنة (^٢).
هذا هو ملخص كلام السيوطيّ ﵀، وهو مصادمٌ لصريح القرآن، وللأحاديث الصحيحة؛ من أن مدَّة الدُّنيا لا يعلمها أحدٌ إِلَّا الله تعالى، فإنَّنا لو عرفنا مدَّة الدُّنيا، لَعَلِمنا متى تقوم السّاعة، وقد علمتَ فيما سبق من الآيات القرآنية والأحاديث النبويَّة أن السّاعة لا يعلم وقت قيامها إِلَّا الله تعالى.
وأيضًا؛ فإن الواقع يردُّ ذلك؛ فإننا في بداية القرن الخامس عشر الهجري، ولم يخرج الدجَّال، ولم ينزل عيسى -﵇-، فإن السيوطيّ ذكر أنّه ورد أن الدَّجَّال يخرج على رأس مئة، وينزل عيسى -﵇-، فيقتله، ثمّ يمكث في الأرض أربعين سنة، وأن النَّاس يمكثون بعد طلوع الشّمس من مغربها مئة وعشرين سنة، وأن بين النفختين أربعين سنة، فهذه
_________________
(١) انظر: "تاريخ الأمم والملوك" لأبي جعفر الطّبريّ، (١/ ٥ - ١٠)، ط. دار الفكر، بيروت.
(٢) "الحاوي" (٢/ ٨٨).
[ ٦٣ ]
مئتا سنة لا بد منها (^١)، فعلى كلامه لو خرج الدَّجَّال الآن؛ لا بد من مئتي سنة، فيكون قيام السّاعة بعد ألف وست مئة سنة.
وبهذا يتبين بطلان كلّ حديث ورد في تحديد مدَّة الدُّنيا.
وقد ذكر ابن القيم في كتابه "المنار المنيف" أمورًا كلِّيَّة يُعْرَف بها كون الحديث موضوعًا، فقال: "منها مخالفة الحديث صريح القرآن؛ كحديث مقدار الدنيا، وأنّها سبعة آلاف سنة، ونحن في الألف السابعة، وهذا من أبين الكذب؛ لأنّه لوكان صحيحًا؛ لكان كلّ أحدٍ عالمًا أنّه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا مئتان وأحد وخمسون سنة" (^٢).
فإن ابن القيم عاش في القرن الثّامن الهجري، فقال هذا الكلام، وقد مرَّ على كلامه هذا أكثر من ست مئة واثنين وخمسين سنة، ولم تنقض الدنيا.
وقال ابن كثير: "والذي في كتب الإِسرائيليين وأهل الكتاب من تحديد ما سلف بألوف ومئتين من السنين، قد نصَّ غير واحد من العلماء على تخطئتِهم فيه، وتغليطهم، وهم جَديرون بذلك، حقيقون به، وقد ورد في حديث: "الدنيا جمعة من جمع الآخرة"، ولا يصح إسناده أيضًا، وكذا كلّ حديث ورد فيه تحديد لوقت يوم القيامة على التعيين لا يثبت إسناده" (^٣).
_________________
(١) "الحاوي" (٢/ ٨٧).
(٢) "المنار المنيف" (ص ٨٠)، تحقيق الشّيخ عبدالفتاح أبو غدة، وانظر: "مجموع الفتاوى" (٤/ ٣٤٢)، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
(٣) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٥)، تحقيق د. طه زيني.
[ ٦٤ ]
وكما أنّه لا يَعْلَمُ أحدٌ متى تقوم السّاعة؛ فكذلك لا يعلم أحدٌ متى تظهر أشراط السّاعة، وما ورد أنّه في سنة كذا يكون كذا، وفي سنة كذا يحصل كذا؛ فهو ليس بصحيح؛ فإن التاريخ لم يوضع في عهد النّبيّ - ﷺ -، وإنّما وضعه عمر بن الخطّاب ﵁؛ اجتهادًا منه، وجعل بدايته هجرة النّبيّ - ﷺ - إلى المدينة.
قال القرطبي: "إن ما أخبر به النّبيّ - ﷺ - من الفتن والكوائن أن ذلك يكون، وتعبين الزّمان في ذلك من سنة كذا، يحتاج إلى طريق صحيح يقطع العذر، وإنّما ذلك كوقت قيام السّاعة، فلا يعلم أحدٌ أي سنة هي، ولا أي شهر، أمّا أنّها تكون في يوم الجمعة في آخر ساعة منه، وهي السّاعة الّتي خلق الله فيها آدم -﵇-، ولكن أي جمعة؛ لا يعلم تعبين ذلك اليوم إِلَّا الله وحده لا شريك له، وكذلك ما يكون من الأشراط تعيين الزّمان لها لا يُعْلَم، والله أعلم" (^١).
* * * * *
_________________
(١) "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة" (ص ٦٢٨)، لشمس الدين أبي عبدالله محمّد بن أحمد القرطبي، نشر المكتبة السلفية، المدينة المنورة.
[ ٦٥ ]
المبحث السّادس: قُرْب قِيام السَّاعة
تدلُّ الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث الصحيحة على قرب السّاعة ودنوِّها؛ فإن ظهور أكثر أشراط السّاعة دليلٌ على قُربها وعلى أننا في آخر أيّام الدُّنيا:
قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء: ١].
وقال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب: ٦٣].
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧].
وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١].
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالَّة على قرب نهاية هذا العالم الدنيوي، والانتقال إلى دار أخرى، ينالُ فيها كلّ عاملٍ عملَه، إن خيرًا؛ فخير، وإن شرًّا؛ فشرّ.
قال - ﷺ -: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين"، ويشير بأصبعيه،
[ ٦٧ ]
فيمدهما" (^١).
وقال - ﷺ -: "بُعِثْتُ في نسم السّاعة" (^٢).
وقال ﵊: "إنّما أجلكم - في أجل مَنْ خلا من الأمم - ما بين صلاة العصر ومغرب الشّمس" (^٣).
وعن ابن عمر ﵄؛ قال: كنا جُلوسًا عند النّبيّ - ﷺ -، والشمس على قعيقعان (^٤) بعد العصر، فقال: "ما أعماركم في أعمار مَنْ
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب الرقاق، باب قول النّبيّ - ﷺ -: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، عن سهل ﵁، (١١/ ٣٤٧ - مع الفتح).
(٢) قال الألباني: "رواه الدولابي في "الكنى" (١/ ٢٣)، وابن منده في "المعرفة" (٢/ ٢٣٤/ ٢)؛ عن أبي حازم عن أبي جبيرة مرفوعًا. وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، وفي صحبة أبي جبيرة خلاف، ورجَّح الحافظ في "التقريب، أن له صحبة". "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٢/ ٤٦٧) (ح ٨٠٨). وانظر: "تهذيب التهذيب" (١٢/ ٥٢ - ٥٣/ الكنى)، مطبعة مجلس دائرة المعارف في الهند، الطبعة الأولى، (١٣٢٧ هـ)، و"تقريب التهذيب" (٢/ ٤٠٥)، تحقيق عبدالوهاب عبداللطيف، طبع دار المعرفة، الطبعة الثّانية، (١٣٩٥ هـ).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذُكِر عن بني إسرائيل، (٦/ ٤٩٥ - مع الفتح).
(٤) (قعيقعان)؛ بضم القاف الأولى، وكسر الثّانية، بلفظ التصغير: جبل بمكة في جنوبها بنحو اثني عشر ميلًا، وسمي قعيقعان؛ لأنّ جُرهمًا لما تحاربوا كثرت قعقعة السلاح هناك. ويظهر أن كلام النّبيّ - ﷺ - هذا كان في حجة الوداع أو في غزوة فتح مكّة، وكان ابن عمر شهدهما مع الصّحابة. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٤/ ٨٨)، و"شرح مسند أحمد" (٨/ ١٧٦) لأحمد شاكر.
[ ٦٨ ]
مضى إِلَّا كما بقي من النهار وفيما مضى منه" (^١).
وهذا يدلُّ على أن "ما بقي بالنسبة إلى ما مضى شيءٌ يسير، لكن لا يعلم مقدار ما مضى إِلَّا الله تعالى، ولم يجىء فيه تحديدٌ يصحُّ سنده عن المعصوم حتّى يصارَ إليه، ويُعْلَم نسبة ما بقي بالنسبة إليه، ولكنه قليلٌ جدَّا بالنسبة إلى الماضي" (^٢).
وليس هناك أبلغ من قوله - ﷺ - في تقريب السّاعة: "بُعِثْتُ أنا والساعة جميعًا، إن كادت لتسبقني" (^٣).
فهذا إشارة إلى شدَّة قُربها من بعثته - ﷺ -، حتّى خشي سبقها له لعظم القرب.
* * * * *
_________________
(١) "مسند أحمد" (٨/ ١٧٦) (ح ٥٩٦٦)، شرح أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح". وقال ابن كثير: "هذا إسناد حسن لا بأس به". "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٩٤). وقال ابن حجر: "حسن". "فتح الباري" (١١/ ٣٥٠).
(٢) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٩٥)، تحقيق د. طه زيني.
(٣) "مسند أحمد" (٥/ ٣٤٨ - بهامشه منتخب الكنز) و"تاريخ الأمم والملوك" (١/ ٨) للطبراني. قال ابن حجر: "أخرجه أحمد، والطّبريّ، وسنده حسن". "فتح الباري" (١١/ ٣٤٨).
[ ٦٩ ]