[الفصل الأول الإيمان بالملائكة]
[المبحث الأول تعريف الملائكة وأصل خلقتهم وصفاتهم وبعض خصائصهم]
الباب الثاني: بقية أركان الإيمان وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول: الإيمان بالملائكة
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الملائكة وأصل خلقتهم وصفاتهم وبعض خصائصهم.
المبحث الثاني: منزلة الإيمان بهم وكيفيته وأدلة ذلك.
المبحث الثالث: وظائفهم.
[ ٩٧ ]
المبحث الأول
تعريف الملائكة وأصل خلقتهم، وصفاتهم، وخصائصهم تعريفهم: الملائكة: جمع مَلَك. أخذ من (الأَلُوكِ) وهي: الرسالة.
وهم: خلق من مخلوقات الله، لهم أجسام نورانية لطيفة قادرة على التشكل والتمثل والتصور بالصور الكريمة، ولهم قوى عظيمة، وقدرة كبيرة على التنقل، وهم خلق كثير لا يعلم عددهم إلا الله، قد اختارهم الله واصطفاهم لعبادته والقيام بأمره، فلا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
أصل خلقهم: والمادة التي خلق الله منها الملائكة هي " النور ". فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «خلقت الملائكة من نور. وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» (١) . والمارج هو: اللهب المختلط بسواد النار.
صفاتهم: قد تضمن الكتاب والسنة الكثير من النصوص المبينة صفات الملائكة وحقائقها فمن ذلك:
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٢٩٩٦) .
[ ٩٩ ]
أنهم موصوفون بالقوة والشدة. كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٦] (التحريم: ٦) . وقال تعالى في وصف جبريل ﵇ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥] (النجم: ٥) . وقال في وصفه أيضا ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] (التكوير: ٢٠) .
وهم موصوفون بعظم الأجسام والخلق. ففي صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ وقد سألت النبي ﷺ عن معنى قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] (التكوير: ٢٣) فقال: «إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض» (١) .
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته، وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم» (٢) قال الحافظ ابن كثير: إسناده جيد.
وروى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة عام» (٣) قال الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح.
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١٧٧) .
(٢) مسند الإمام أحمد: (١ / ٣٩٥)، (٦ / ٢٩٤) .
(٣) سنن أبي داود: (٥ / ٩٦)، برقم (٤٧٢٧) .
[ ١٠٠ ]
ومن صفاتهم أنهم يتفاوتون في الخلق والمقدار فهم ليسوا على درجة واحدة، فمنهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له ستمائة جناح. قال تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: ١] (فاطر: ١) .
ومن صفاتهم الحسن والجمال فهم على درجة عالية من ذلك. قال تعالى في حق جبريل ﵇ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى - ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم: ٥ - ٦] (النجم: ٥، ٦) قال ابن عباس ﵄ (ذو مرة: ذو منظر حسن) وقال قتادة: (ذو خلق طويل حسن) .
وقال تعالى مخبرا عن النسوة عند رؤيتهن ليوسف ﵇: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] (يوسف: ٣١) وإنما قلن ذلك لما هو مقرر عند الناس من وصف الملائكة بالجمال الباهر.
ومن صفاتهم التي وصفهم الله بها أنهم كرام أبرار. قال تعالى ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ - كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥ - ١٦] (عبس: ١٥، ١٦) . وقال ﷿ ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ - كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١] (الانفطار: ١٠، ١١) .
ومن صفاتهم الحياء لقول النبي ﷺ في حق عثمان ﵁: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة» (١) .
ومن صفاتهم أيضا العلم. قال تعالى في خطابه للملائكة
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٢٤٠١) .
[ ١٠١ ]
﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] (البقرة: ٣٠) فأثبت الله ﷿ للملائكة علمًا وأثبت لنفسه علمًا لا يعلمونه. وقال تعالى في حق جبريل ﵇ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥] (النجم: ٥) قال الطبري: (علم محمدًا ﷺ هذا القرآن جبريل ﵇) أ. هـ، وهذا متضمن وصف جبريل بالعلم والتعليم.
إلى غير ذلك مما ثبت في الكتاب والسنة من صفاتهم العظيمة وأخلاقهم الكريمة الدالة على علو شأنهم وسمو منازلهم ﵈.
خصائصهم: للملائكة ﵈ خصائص وصفات قد اختصهم الله تعالى بها، وامتازوا بها عن الجن والإنس وسائر المخلوقات. فمنها:
أن مساكنهم في السماء وإنما يهبطون إلى الأرض تنفيذًا لأمر الله في الخلق وما أسند إليهم من تصريف شؤونهم. قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢] (النحل: ٢) وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٧٥] (الزمر: ٧٥) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» (١) . والنصوص في هذا كثيرة جدًّا يصعب حصرها هنا.
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٥٥٥) وصحيح مسلم برقم (٦٣٢) .
[ ١٠٢ ]
ومن خصائصهم أنهم لا يوصفون بالأنوثة، قال تعالى منكرا على الكفار ذلك: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] (الزخرف: ١٩) . وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢٧] (النجم: ٢٧) .
ومن خصائصهم أنهم لا يعصون الله في شيء، ولا تصدر منهم الذنوب، بل طبعهم الله على طاعته، والقيام بأمره: كما قال تعالى في وصفهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] (التحريم: ٦) . وقال أيضا ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] (الأنبياء: ٢٧) .
ومن خصائصهم أيضا أنهم لا يفترون عن العبادة ولا يسأمون. قال تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ - يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠] (الأنبياء: ١٩، ٢٠) . وقال في آية أخرى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] (فصلت: ٣٨) .
فهذه بعض خصائص الملائكة التي اختصهم الله بها دون الثقلين من الإنس والجن. وبالجملة فالملائكة جنس آخر، يتميزون في أصل خلقتهم وتكوينهم عن الإنس والجن. كما أن لكل من الإنس والجن خصائصهما التي يتميز بها أحد الجنسين عن الآخر والله أعلم.
[ ١٠٣ ]
[المبحث الثاني منزلة الإيمان بالملائكة وكيفيته وأدلة ذلك]
المبحث الثاني
منزلة الإيمان بالملائكة وكيفيته وأدلة ذلك منزلة الإيمان بهم: الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان في الدين الإسلامي، لا يتحقق الإيمان إلا به. وقد نص الله على ذلك في كتابه. وأخبر عنه النبي ﷺ في سنته.
قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (البقرة: ٢٨٥) فأخبر أن الإيمان بالملائكة مع بقية أركان الإيمان مما أنزله على رسوله وأوجبه عليه وعلى أمته وأنهم امتثلوا ذلك.
وقال تعالى في آية أخرى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] (البقرة: ١٧٧) . فجعل الإيمان بهذه الخصال دليل البرِّ- والبرُّ اسم جامع للخير- وذلك أن هذه الأشياء المذكورة هي أصول الأعمال الصالحة، وأركان الإيمان التي تتفرع منها سائر شعبه.
كما أخبر الله ﷿ في مقابل هذا أن من كفر بهذه الأركان فقد كفر بالله: فقال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] (النساء: ١٣٦) فأطلق الكفر على من أنكر هذه الأركان،
[ ١٠٥ ]
ووصفه بالبعد في الضلال. فدل ذلك أن الإيمان بالملائكة ركن عظيم من أركان الإيمان وأن تركه مخرج من الملة.
وقد دلت السنة كذلك على هذا. وهو ما جاء موضحًا في حديث جبريل المشهور الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: «بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. قال: فعجبنا له، يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربَّتها. وأن ترى الْحُفاة العُراة، العَالة، رِعاءَ الشاء، يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق فلبثت مليًّا ثم قال لي: يا عمر! أتدري من السائل؟ قلتَ: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم» (١) .
فهذا حديث عظيم اشتمل على أصول الدين ومراتبه كلها وهو منهج
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٨) .
[ ١٠٦ ]
فريد في تعليم هذا الدين جاء على طريقة الحوار بين الرسول الملكي، أفضل الملائكة وهو جبريل ﵇ وبين الرسول الإنسي أفضل البشر، وهو محمد ﷺ، فينبغي للمسلمين أن يعنوا بهذا الحديث العظيم وأن يستمدوا منهجهم في التعلم والتعليم منه كما كان على ذلك السلف رضوان الله عليهم. وقد تضمن الحديث ذكر الملائكة وأن الإيمان بهم ركن من أركان الإيمان وهو المقصود هنا. . والله أعلم.
كيفية الإيمان بالملائكة: الإيمان بالملائكة يتضمن عدة أمور لا بد للعبد من تحقيقها حتى يتحقق له الإيمان بالملائكة وهي:
١ - الإقرار بوجودهم والتصديق بهم كما دلت على ذلك النصوص المتقدمة من أن الإيمان بهم ركن من أركان الإيمان فلا يتحقق الإيمان إلا بذلك.
٢ - الإيمان بأنهم خلق كثير جدًّا لا يعلم عددهم إلا الله تعالى كما دلت على ذلك النصوص. قال تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] (المدثر: ٣١) .
أي لا يعلم جنود ربك وهم الملائكة إلا هو وذلك لكثرتهم. قال بذلك بعض السلف.
وجاء في حديث الإسراء الطويل الذي أخرجه الشيخان من حديث مالك بن صعصعة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (. . . «ثم رفع لي البيت المعمور، فقلت: يا جبريل! ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور. يدخله كل يوم سبعون ألف
[ ١٠٧ ]
ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم» (١) .
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» (٢) . فدل الحديثان على كثرة الملائكة، فإذا كان البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه وإنما يأتي غيرهم، وجهنم يأتي بها يوم القيامة هذا العدد من الملائكة، فكيف بغيرهم من الملائكة الموكلين بأعمال أخرى ممن لا يعلم عددهم إلا خالقهم ﵎.
٣ - الإقرار لهم بمقاماتهم العظيمة عند ربهم وكرمهم عليه وشرفهم عنده كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧] (الأنبياء: ٢٦، ٢٧) . وقال جل وعلا ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ - كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥ - ١٦] (عبس: ١٥، ١٦) . فوصفهم بأنهم مكرمون منه سبحانه. وقال تعالى في حقهم ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] (فصلت: ٣٨) فوصفهم بأنهم عنده وهذا تشريف لهم، مع مقام التعبد له بلا سآمة. كما أنه تعالى أقسم بهم في غير موطن من كتابه وهذا لشرفهم عنده. فقال: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا - فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا - فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ١ - ٣] (الصافات: ١-٣) . وقال ﷿: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا - فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٤ - ٥] (المرسلات: ٤، ٥) . وشواهد صور إكرام الملائكة وتنوع أساليبها وتعدد سياقاتها من كتاب الله كثيرة لا تخفى على متدبر مما يحتم تقرير هذا في الشرع والله أعلم.
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٣٢٠٧)، ومسلم برقم (١٦٤)، واللفظ لمسلم.
(٢) صحيح مسلم برقم (٢٨٤٢) .
[ ١٠٨ ]
٤ - اعتقاد تفاضلهم وعدم تساويهم في الفضل والمنزلة عند الله على ما دلت على ذلك النصوص: قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] (الحج: ٧٥) . وقال ﷿: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] (النساء: ١٧٢) فأخبر أن منهم مصطفين بالرسالة ومقربين، فدل على فضلهم على غيرهم. وأفضل الملائكة: المقربون مع حملة العرش. وأفضل المقربين الملائكة الثلاثة الوارد ذكرهم في دعاء النبي ﷺ الذي كان يفتتح به صلاة الليل فيقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة» . .) (١) .
وأفضل الثلاثة جبريل ﵇ وهو الموكل بالوحي، فشرفه بشرف وظيفته. وقد ذكره الله في كتابه بما لم يذكر غيره من الملائكة، وسماه بأشَرف الأسماء، ووصفه بأحسن الصفات. فمن أسمائه الروح: قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] (الشعراء: ١٩٣) . وقال ﷿: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤] (القدر: ٤) . وقد ورد هذا الاسم مضافًا إلى الله تعالى إضافة تشريف. قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] (مريم: ١٧) . وورد مضافًا إلى القدس، قال تعالى ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢] (النحل: ١٠٢) والقدس هو الله على الصحيح من أقوال المفسرين. ومما جاء في وصفه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ - مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١] (التكوير: ١٩- ٢١) . وقال تعالى ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥]
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في المسند: ٦ / ١٥٦، والنسائي في السنن: ٣ / ١٧٣، برقم (١٦٢٥)، ونحوهما مسلم في الصحيح، برقم (٧٧٠)، وابن ماجه، برقم (١٣٥٧) .
[ ١٠٩ ]
﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم: ٦] (النجم: ٥، ٦) فوصفه الله تعالى بأنه رسول وأنه كريم عنده، وأنه ذو قوة ومكانة عند ربه سبحانه، وأنه مطاع في السماوات، وأنه أمين على الوحي وأنه ذو مرة (أي مظهر حسن) .
٥ - موالاتهم والحذر من عداوتهم لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] (التوبة: ٧١) فدخل الملائكة في هذه الآية لأنهم مؤمنون قائمون بطاعة ربهم كما أخبر الله عنهم ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] (التحريم: ٦) . وأخبر جل وعلا عن موالاة الملائكة لرسوله وللمؤمنين فقال: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] (التحريمَ: ٤) وقال ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣] (الأحزاب: ٤٣) . وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت: ٣٠] (فصلتَ: ٣٠) . فوجبت موالاة الملائكة على المؤمنين لموالاتهم لهم ونصرهم وتأييدهم واستغفارهم لهم. وقد حذر الله تعالى من عداوة الملائكة فقال: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] (البقرة: ٩٨) . فأخبر أن عداوة الملائكة موجبة لعداوة الله وسخطه، وذلك لأنهم إنما يصدرون عن أمره وحكمه، فمن عاداهم فقد عادى ربه.
٦ - الاعتقاد بأن الملائكة خلق من خلق الله لا شأن لهم في الخلق والتدبير وتصريف الأمور، بل هم جند من جنود الله يعملون بأمر الله، والله تعالى هو الذي بيده الأمر كله لا شريك له في ذلك. كما أنه لا يجوز صرف شيء من أنواع العبادة لهم، بل يجب إخلاص العبادة لخالقهم وخالق الخلق أجمعين، الذي لا شريك له في ربوبيته وألوهيته ولا مثيل له في أسمائه
[ ١١٠ ]
وصفاته. وقد بين الله تعالى ذلك فقال عز من قائل: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] (آل عمران: ٨٠) . وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ - وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩] (الأنبياء: ٢٦-٢٩) . فأخبر سبحانه أنه لم يأمر بعبادتهم وكيف يأمر بعبادتهم وهي كفر بالله العظيم ثم أبطل تعالى دعوى من زعم أن الملائكة بنات الله ونزه نفسه عن ذلك، وبين أنهم عباد مكرمون بكرامته لهم عاملون بأمره مشفقون من خشيته وأنهم لا يملكون الشفاعة لأحد إلا من ﵁ من أهل التوحيد. ثم ختم السياق ببيان جزاء من ادعى الألوهية منهم وأن جزاءه جهنم، فظهر من ذلك أهم عباد مربوبون لا حول لهم ولا قوة إلا بربهم وخالقهم.
٧ - الإيمان المفصل بمن جاء التصريح بذكرهم من الملائكة على وجه الخصوص في الكتاب والسنة: كجبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ومالك، وهاروت وماروت، ورضوان، ومنكر ونكير، وغيرهم ممن جاءت النصوص بتسميتهم. وكذلك من جاءت النصوص بالإخبار عنه بالوصف: كرقيب وعتيد، أو بذكر وظيفته: كملك الموت وملك الجبال، أو من جاءت النصوص بذكر وظائفهم في الجملة: كحملة العرش، والكرام الكاتبين والموكلين بحفظ الخلق، والموكلين بحفظ الأجنة والأرحام، وطواف البيت المعمور، والملائكة السياحين، إلى آخر من أخبر الله ورسوله ﷺ عنهم.
[ ١١١ ]
فيجب الإيمان بذلك إيمانا مفصلا على نحو ما جاء في النصوص من أسمائهم وصفاتهم، ووظائفهم، وأخبارهم، والتصديق بكل ذلك مما سيأتي بيانه في المبحث القادم إن شاء الله تعالى.
فهذه جملة ما يجب اعتقاده في حق الملائكة الكرام مما دلت عليه النصوص الشرعية والله تعالى أعلم.
[ ١١٢ ]
[المبحث الثالث وظائف الملائكة]
المبحث الثالث: وظائف الملائكة الملائكة جند من جنود الله تعالى، أسند الله إليهم كثيرًا من الأعمال الجليلة، والوظائف الكبيرة، وأعطاهم القدرة على تأديتها على أكمل وجه. وهم بحسب ما هيأهم الله تعالى له ووكلهم به على أقسام:
فمنهم الموكل بالوحي من الله تعالى إلى رسله عليهم الصلاة والسلام وهو جبريل ﵇، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] (الشعراء: ١٩٣- ١٩٥) وقد تقدم أنه أفضل الملائكة وأكرمهم على الله، وقد وصفه الله بالقوة والأمانة على تأدية مهمته.
ولم يره النبي ﷺ في صورته التي خُلق عليها إلا مرتين، وبقية الأوقات يأتيه في صورة رجل. رآه مرة بالأفق من ناحية المشرق وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] (التكوير: ٢٣) . ورآه مرة ثانية ليلة الإسراء في السماء وهذا ما أخبر الله عنه بقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى - عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى - عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥] (النجم: ١٣- ١٥) .
وفي صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ عن تفسير الآيتين المتقدمتين فقال: «إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين. رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عِظَمُ خَلْقِه ما
[ ١١٣ ]
بين السماء إلى الأرض» (١) .
ومنهم الموكل بالقطر والنبات وهو ميكائيل ﵇ وقد ورد ذكره في القرآن. قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] (البقرةَ: ٩٨) وهو ذو مكانه عالية، ومنزلة رفيعة عند ربه، ولذا خصه الله هنا بالذكر مع جبريل، وعطفهما على الملائكة، مع أنهما من جنسهم لشرفهما، من قبيل عطف الخاص على العام. وكذا ورد ذكره في السنة على ما تقدم في دعاء النبي ﷺ في صلاة الليل أنه يقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل» . .) (٢) . ولذا قال العلماء إن هؤلاء الثلاثة المذكورين هم أفضل الملائكة.
ومنهم الموكل بالصُّور وهو إسرافيل ﵇ وهو ثالث الملائكة المفضلين المتقدم ذكرهم. وهو أحد حملة العرش. والصور: قرن عظيم ينفخ فيه. روى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: ما الصور؟ فقال: قرن ينفخ فيه» (٣) ورواه أيضا الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. (٤) .
وأخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه ينظر متى يؤمر، قال المسلمون: يا رسول الله فما نقول؟ قال:
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١٧٧) .
(٢) رواه الإمام أحمد في المسند: ٦ / ١٥٦، والنسائي في السنن: ٣ / ٢١٣، برقم (١٦٢٥)، ونحوهما مسلم في الصحيح برقم (٧٧٠)، وابن ماجه برقم (١٣٥٧) .
(٣) المسند: ٢ / ١٦٢، ١٩٢.
(٤) المستدرك: ٢ / ٥٠٦، ٤ / ٥٨٩، واللفظ للحاكم.
[ ١١٤ ]
قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا» (١) قال الترمذي حديث حسن. وصححه غيره من أهل العلم.
وينفخ إسرافيل في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] (النمل: ٨٧) . وهذه هي نفخة الفزع وقد دل على النفختين الأخريين قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] (الزمر: ٦٨) .
ومنهم الموكل بقبض الأرواح وهو ملك الموت قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] (السجدة: ١١) .
ولملك الموت أعوان من الملائكة، يأتون العبد بحسب عمله، وإن كان محسنًا ففي أحسن هيئة، وإن كان مسيئًا ففي أشنع هيئة.
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] (الأنعام: ٦١) .
ومنهم الموكل بالجبال وهو ملك الجبال، وقد ورد ذكره في حديث خروج النبي ﷺ إلى أهل الطائف في بداية البعثة ودعوته إياهم وعدم استجابتهم له وفيه يقول النبي ﷺ: «فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك
_________________
(١) المسند: ٣ / ٧، وسنن الترمذي ٤ / ٦٢٠، برقم (٢٤٣١)، ٥ / ٣٧٢- ٣٧٣، برقم (٣٢٤٣) .
[ ١١٥ ]
الجبال. فسلم عليّ ثم قال: يا محمد. فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال النبي ﷺ بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» (١) . والأخشبان: هما جبلا مكةَ: أبو قبيس والذي يقابله.
ومنهم الملك الموكل بالرحم على ما دل عليه حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله ﷿ وكَّل ملكًا يقول: يا ربِّ! نطفة. يا ربِّ! علقة. يا ربِّ مضغة. فإذا أراد أن يقضي خلقه، قال: أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أمه» (٢) .
ومنهم حملة العرش قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] (غافر: ٧) .
وقال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] (الحاقة: ١٧) . قال بعض العلماء: الذين حول العرش هم الملائكة (الكروبيون) وهم مع حملة العرش أشرف الملائكة (٣) .
ومنهم خزنة الجنة. قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] (الزمر: ٧٣) . وقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] (الرعد: ٢٣) .
_________________
(١) صحيح البخاري، برقم (٣٢٣١)، ومسلم برقم (١٧٩٥) .
(٢) صحيح البخاري برقم (٣١٨)، ومسلم برقم (٢٦٤٦) .
(٣) تفسير ابن كثير (٧ / ١٢٠) .
[ ١١٦ ]
ومنهم خزنة النار عياذا بالله منها وهم الزبانية ورؤساؤهم تسعة عشر. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] (غافر: ٤٩) . وقال تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ - سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧ - ١٨] (العلق: ١٧، ١٨) . وقال تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ - وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣٠ - ٣١] (المدثر: ٣٠، ٣١) .
وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] (الزخرف: ٧٧) . وقد جاء في السنة ذكر مالك وأنه خازن النار ورؤية النبي ﷺ له، ففي صحيح البخاري من حديث سَمُرَة بن جُنْدُب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «رأيت الليلة رجلين أتياني فقالا: الذي يوقد النار مالك خازن النار، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل» (١) .
ومنهم زوار البيت المعمور: يدخل في كل يوم منهم البيت المعمور سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه على ما ثبت من حديث مالك بن صعصعة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (. . . «ثم رفع لي البيت المعمور، فقلت: يا جبريل! ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور. يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم» (٢) .
ومنهم ملائكة سياحون يتبعون مجالس الذكر فقد روىَ الشيخان من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا هلموا إلى
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٣٢٣٦) .
(٢) صحيح البخاري برقم (٣٢٠٧)، ومسلم برقم (١٦٤) واللفظ لمسلم.
[ ١١٧ ]
حاجتكم قال فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا» . . .) (١) قال العلماء: وهؤلاء الملائكة زائدون عن الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق.
وقد ثبت أيضًا أنهم يبلغون النبي ﷺ من أمته السلام لما روى أحمد والنسائي بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود قال، قال رسول الله ﷺ: «إن لله ﷿ ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام» (٢) .
ومنهم الكرام الكاتبون وعملهم كتابة أعمال الخلق وإحصاؤها عليهم. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ - كِرَامًا كَاتِبِينَ - يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢] (الانفطار: ١٠- ١٢) وقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ - مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] (ق: ١٧، ١٨) قال مجاهد في تفسير الآية: ملك عن يمينه وآخر عن يساره فأما الذي عن يمينه فيكتب الخير، وأما الذي عن شماله فيكتب الشر.
ومنهم الموكلون بفتنة القبر وسؤال العباد في قبورهم وهما مُنْكَر ونَكِير. وقد دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة. أخرج الشيخان من حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان، فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد ﷺ فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة فيراهما جميعًا» (٣) .
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٦٤٠٨)، ومسلم برقم (٢٦٨٩) واللفظ للبخاري.
(٢) المسند: ١ / ٤٥٢، وسنن الترمذي: ٣ / ٤٣، برقم (١٢٨٢)، واللفظ لأحمد.
(٣) صحيح البخاري برقم (١٣٧٤)، ومسلم برقم (٢٨٧٠)، واللفظ للبخاري.
[ ١١٨ ]
وأخرج الترمذي وابن حبان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قبر الميت أو قال أحدكم- أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل» . . .) (١) الحديث. قال الترمذي حديث حسن.
فهؤلاء هم أشهر من جاءت النصوص بذكر وظائفهم وأسمائهم من الملائكة ممن يتعين على العبد الإيمان بهم والتصديق بمدلولات النصوص في حقهم والله تعالى أعلم.
ثمرات الإيمان بالملائكة: وللإيمان بالملائكة ثمراته العظيمة على المؤمن فمن ذلك:
١ - العلم بعظمة خالقهم ﷿ وكمال قدرته وسلطانه.
٢ - شكر الله تعالى على لطفه وعنايته بعباده حيث وكل بهم من هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم وكتابة أعمالهم وغير ذلك مما تتحقق به مصالحهم في الدنيا والآخرة.
٣ - محبة الملائكة على ما هداهم الله إليه من تحقيق عبادة الله على الوجه الأكمل ونصرتهم للمؤمنين واستغفارهم لهم.
_________________
(١) سنن الترمذي: ٣ / ٣٨٥، برقم (١٠٧٣)، والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان: ٧ / ٣٨٦، برقم (٣١١٧)، واللفظ للترمذي.
[ ١١٩ ]
[الفصل الثاني الإيمان بالكتب المنزلة]
[تمهيد في تعريف الوحي لغة وشرعا وبيان أنواعه]
الفصل الثاني: الإيمان بالكتب المنزلة وفيه تمهيد وأربعة مباحث:
التمهيد في تعريف الوحي لغة وشرعا وبيان أنواعه.
المبحث الأول: حكم الإيمان بالكتب وأدلته.
المبحث الثاني: كيفية الإيمان بالكتب.
المبحث الثالث: بيان أن التوراة والإنجيل وبعض الكتب الأخرى دخلها التحريف وسلامة القرآن من ذلك.
المبحث الرابع: الإيمان بالقرآن وخصائصه.
[ ١٢١ ]
تمهيد في تعريف الوحي لغة وشرعا وبيان أنواعه التعريف اللغوي: الوحي في اللغة: هو الإعلام السريع الخفي.
ويطلق الوحي على: الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام. وكل ما ألقيته على غيرك حتى علمه فهو وحي كيف كان وهو لا يختص بالأنبياء ولا بكونه من عند الله تعالى.
والوحي بمعناه اللغوي يتناول:
١ - الإلهام الفطري للإنسان كالوحي لأم موسى. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] (القصص: ٧) .
٢ - الإلهام الغريزي للحيوان كالوحي إلى النحل. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨] (النحل: ٦٨) .
٣ - الإشارة السريعة على سبيل الرمز والإيحاء، كإيحاء زكريا لقومه. قال تعالى ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] (مريم: ١١) .
٤ - وسوسة الشيطان وتزيين الشر في نفوس أوليائه. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] (الأنعام: ١٢١) .
٥ - ما يلقيه الله تعالى إلى ملائكته من أمر ليفعلوه. قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] (الأنفال: ١٢) .
[ ١٢٣ ]
التعريف الشرعي: هو " إعلام الله أنبياءه بما يريد أن يبلغه إليهم من شرع أو كتاب بواسطة أو غير واسطة ".
أنواع الوحي: لتلقي الوحي من الله تعالى طرق بينها الله تعالى بقوله في سورة الشورى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١] (الشورى: ٥١) . فأخبر الله تعالى أن تكليمه ووحيه للبشر يقع على ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: الوحي المجرد وهو ما يقذفه الله في قلب الموحى إليه مما أراد بحيث لا يشك فيه أنه من الله. ودليله قوله تعالى: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] (الشورى: ٥١) . ومثال ذلك ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن روح القدس نفث في روعي لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي وابن ماجه في سننه وغيرهم (١) . وألحق بعض أهل العلم بهذا القسم رؤى الأنبياء في المنام كرؤيا إبراهيم ﵇ على ما أخبر الله عنه في قوله: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] (الصافات: ١٠٢) . وكرؤى النبي ﷺ في بداية البعثة على ما روى
_________________
(١) موارد الظمآن (١٠٨٤، ١٠٨٥)، والمستدرك (٢ / ٤)، وسنن ابن ماجه (٢١٤٤)، وابن أبي الدنيا في القناعة، والبيهقي في شعب الإيمان (المغني عن حمل الأسفار: ٤١٩، ٨٩٥) والبغوي ج١٤ / ٣٠٤ برقم (٤١١٢) .
[ ١٢٤ ]
الشيخان من حديث عائشة ﵂ قالت: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح» (١) .
المرتبة الثانية: التكليم من وراء حجاب بلا واسطة كما ثبت ذلك لبعض الرسل والأنبياء كتكليم الله تعالى لموسى على ما أخبر الله به في أكثر من موضع من كتابه. قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] (النساء: ١٦٤) . وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] (الأعراف: ١٤٣) . وكتكليم الله لآدم. قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] (البقَرة: ٣٧) . وكتكليم الله تعالى لنبينا محمد ﷺ ليلة الإسراء على ما هو ثابت في السنة. ودليل هذه المرتبة من الآية قوله تعالى: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] (الشورى: ٥١) .
المرتبة الثالثة: الوحي بواسطة الملك. ودليله قوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١] (الشورى: ٥١) . وهذا كنزول جبريل ﵇ بالوحي من الله على الأنبياء والرسل.
والقرآن كله نزل بهذه الطريقة تكلم الله به، وسمعه جبريل ﵇ من الله ﷿، وبلغه جبريل لمحمد ﷺ. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤] (الشعراء: ١٩٢- ١٩٤) . وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] (النحل: ١٠٢) .
ولجبريل ﵇ في تبليغه الوحي لنبينا ﷺ ثلاثة أحوال:
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٣)، وبنحوه في صحيح مسلم برقم (١٦٠) .
[ ١٢٥ ]
١ - أن يراه الرسول ﷺ على صورته التي خلق عليها ولم يحصل هذا إلا مرتين كما تقدم تقريره في الفصل السابق (١) .
٢ - أن يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس فيذهب عنه وقد وعى الرسول ﷺ ما قال.
٣ - أن يتمثل له جبريل في صورة رجل ويخاطبه بالوحي كما مر في حديث جبريل السابق في سؤاله النبي ﷺ عن مراتب الدين (٢) .
وقد أخبر النبي ﷺ عن الحالتين الأخيرتين في إجابته للحارث بن هشام لما سأل رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: (أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال. وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» (٣) متفق عليه. ومعنى فصم: أي أقلع وانكشف.
_________________
(١) انظر ص١١٣.
(٢) انظر ص١٠٦.
(٣) صحيح البخاري برقم (٢)، ومسلم برقم (٢٣٣٣) .
[ ١٢٦ ]
[المبحث الأول حكم الإيمان بالكتب وأدلته]
المبحث الأول: حكم الإيمان بالكتب وأدلته تعريف الكتب: الكتب جمع كتاب. والكتاب مصدر كتب يكتب كتابا، ثم سمي به المكتوب والكتاب في الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب فيها كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء: ١٥٣] (النساء: ١٥٣) يعني صحيفة مكتوباَ فيها.
والمراد بالكتب هنا: الكتب والصحف التي حوت كلام الله تعالى الذيَ أوحاه إلى رسله ﵈. سواء ما ألقاه مكتوبا كالتوراة، أو أنزله عن طريق الملك مشافهة فكتب بعد ذلك كسائر الكتب.
حكم الإيمان بالكتب: الإيمان بكتب الله التي أنزل على رسله كلها ركن عظيم من أركان الإيمان وأصل كبير من أصول الدين، لا يتحقق الإيمان إلا به. وقد دل على ذلك الكتاب والسنة.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] (النساء: ١٣٦) . فأمر الله عباده المؤمنين في الآية بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه. فأمرهم بالإيمان بالله ورسوله وهو محمد ﷺ
[ ١٢٧ ]
والكتاب الذي أنزل على رسوله وهو القرآن، والكتاب الذي أنزل من قبل وهو جميع الكتب المتقدمة: كالتوراة، والإنجيل، والزبور، ثم بين في ختام الآية أن من كفر بشيء من أركان الإيمان فقد ضل ضلالا بعيدا وخرج عن قصد السبيل ومن أركان الإيمان المذكورة الإيمان بكتب الله.
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] (البقرة: ١٧٧) . فأخبر ﷿ أن حقيقة البر: هو الإيمان بما ذكر من أركان الإيمان، والعمل بخصال البر الواردة في الآية بعد هذا. وذكر من أركان الإيمان: " الإيمان بالكتاب " قال ابن كثير: هو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء. حتى ختمت بأشرفها، وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب (١) .
ولتقرير الإيمان بالكتب كلها أمر الله عباده المؤمنين أن يخاطبوا أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] (البقرة: ١٣٦) . فتضمنت الآية إيمان المؤمنين بما أنزل الله عليهم بواسطة رسوله ﷺ، وما أنزل على أعيان الرسل المذكورين في الآية، وما أنزل على بقية الأنبياء في الجملة وأنهم لا يفرقون بين الرسل في الإيمان ببعضهم دون بعض فانتظم ذلك الإيمان بجميع الرسل وكل ما أنزل الله عليهم من الكتب.
_________________
(١) تفسير ابن كثير ١ / ٢٩٧.
[ ١٢٨ ]
والآيات في تقرير هذا من كتاب الله كثيرة.
وأما السنة فقد دلت كذلك على وجوب الإيمان بالكتب. وأن الإيمان بها ركن من أركان الإيمان، دل على ذلك حديث جبريل، وسؤاله النبي ﷺ أركان الإيمان، فذكر النبي ﷺ في إجابته: الإيمان بالكتب مع بقية أركان الإيمان. وقد تقدم الحديث بنصه في الفصل السابق فأغنى عن إعادته هنا (١) .
فتقرر بهذا وجوب الإيمان بالكتب والتصديق بها جميعها، واعتقاد أنها كلها من الله تعالى أنزلها على رسله بالحق والهدى والنور والضياء، وأن من كذب بها أو جحد شيئا منها فهو كافر بالله خارج من الدين.
ثمرات الإيمان بالكتب: وللإيمان بالكتب آثاره العظيمة على المؤمن فمن ذلك:
١ - شكر الله تعالى على لطفه بخلقه وعنايته بهم حيث أنزل إليهم الكتب المتضمنة إرشادهم لما فيه خيرهم وصلاحهم في الدنيا والآخرة.
٢ - ظهور حكمة الله تعالى حيث شرع في هذه الكتب لكل أمة ما يناسبها، وكان خاتم الكتب القرآن العظيم مناسبا لجميع الخلق في كل عصر ومصر إلى قيام الساعة.
٣ - إثبات صفة الكلام لله تعالى وأن كلامه لا يشبه كلام المخلوقين، وعجز المخلوقين عن الإتيان بمثل كلامه.
_________________
(١) انظر ص١٠٦.
[ ١٢٩ ]
[المبحث الثاني كيفية الإيمان بالكتب]
المبحث الثاني: كيفية الإيمان بالكتب الإيمان بكتب الله يشتمل على عدة جوانب دلت النصوص على وجوب اعتقادها وتقريرها لتحقيق هذا الركن العظيم من أركان الإيمان. وهي:
١ - التصديق الجازم بأنها كلها منزلة من الله ﷿، وأنها كلام الله تعالى لا كلام غيره، وأن الله تكلم بها حقيقة كما شاء وعلى الوجه الذي أراد سبحانه. قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ - نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ - مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ٢ - ٤] (آل عمران: ٢- ٤) .
فأخبر الله ﷿ أنه أنزل هذه الكتب المذكورة وهي: التوراة، والإنجيل، والقرآن من عنده وهذا يدل على أنه هو المتكلم بها وأنها منه بدأت لا من غيره، ولذا توعد في نهاية السياق من كفر بآيات الله بالعذاب الشديد.
وقال مخبرًا عن التوراة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] (المائدة: ٤٤) فبين أنه تعالى هو الذي أنزل التوراة وأن ما فيها من الهدى والنور منه سبحانه. وقال تعالى في سياق آخر مبينًا أن التوراة من كلامه وذلك في معرض إخباره عن اليهود ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة: ٧٥] (البقرة: ٧٥) فكلام الله الذي سمعوه ثم حرفوه هو التوراة. قاله السُّدِّي وابن زيد وجمع من المفسرين.
[ ١٣١ ]
وقال تعالى في الإنجيل ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧] (المائًدة: ٤٧) أي من الأوامر والنواهي التي هي من كلام الله.
وقال في القرآن الكريم: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] (هود: ١) . وقال تعالى مخاطبًا رسوله ﷺ ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] (النمل: ٦) . وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢] (النحل: ١٠٢) . وقال تعالى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] (التوبة: ٦) . وإنما أمروا أن يسمعوا القرآن الذي أنزله على رسوله ﷺ فهو كلام الله على الحقيقة.
٢ - الإيمان بأنها دعت كلها إلى عبادة الله وحده وقد جاءت بالخير والهدى والنور والضياء. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٩] (آل عمران: ٧٩) . فبين الله أنه ما ينبغي لأحد من البشر، آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة، أن يأمر الناس أن يتخذوه إلها من دون الله. وذلك أن كتب الله إنما جاءت بإخلاص العبادة لله وحده.
وقال تعالى مبينًا أن كتبه جاءت بالحق والهدى ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ - مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٣ - ٤] (آل عمران: ٣، ٤) . وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٢١٣] (البقرة: ٢١٣) . وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] (المائًدة: ٤٤) . وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦] (المائدة: ٤٦) . وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] (البقرة: ١٨٥) .
[ ١٣٢ ]
إلى غير ذلك من الآيات المتضمنة أن كتب الله تعالى قد جاءت بالهدى والنور من الله تعالى.
٣ - الإيمان بأن كتب الله يصدق بعضها بعضًا فلا تناقض بينها ولا تعارض كما قال تعالى في القرآن ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] (المائدة: ٤٨) . وقال في الإنجيل: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [المائدة: ٤٦] (المائدة: ٤٦) . فيجب الإيمان بهذا واعتقاد سلامة كتب الله من كل تناقض أو تعارض، وهذا من أعظم خصائص كتب الله عن كتب الخلق وكلام الله عن كلام الخلق فإن كتب المخلوقين عرضة للنقص والخلل والتعارض كما قال تعالى في وصف القرآن ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] (النساء: ٨٢) .
٤ - الإيمان بما سمى الله ﷿ من كتبه على وجه الخصوص، والتصديق بها، وبإخبار الله ورسوله عنها. وهذه الكتب هي:
أ) التوراة: وهي كتاب الله الذي آتاه موسى ﵇. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص: ٤٣] (القصص: ٤٣) . وفي حديث الشفاعة الطويل الذي أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا: (. . . «فيأتون إبراهيم فيقول: لست هُنَاكم ويذكر خطيئته التي أصابها ولكن ائتوا موسى عبدًا آتاه الله التوراة
[ ١٣٣ ]
وكلمه تكليما» (١) وقد ألقى الله التوراة على موسى مكتوبة في الألواح وفي ذلك يقول سبحانه ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] (الأعراف: ١٤٥) . قال ابن عباس (يريد ألواح التوراة) . وفي حديث احتجاج آدم وموسى من رواية أبي هريرة ﵁ عن النبي: (. . . «قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده» أخرجاه في الصحيحين من طرق كثيرة (٢) . والتوراة هي أعظم كتب بني إسرائيل وفيها تفصيل شريعتهم وأحكامهم التي أنزلها الله على موسى وقد كان على العمل بها أنبياء بني إسرائيل الذين جاءوا من بعد موسى كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤] (المائدة: ٤٤) . وقد أخبر الله في كتابه عن تحريف اليهود للتوراة وتبديلها على ما سيأتي بسط هذا في المبحث القادم إن شاء الله.
ب) الإنجيل: وهو كتاب الله الذي أنزله على عيسى ابن مريم ﵉. قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦] (المائدة: ٤٦) .
وقد أنزل الله الإنجيل مصدقا للتوراة وموافقا لها كما تقدم في الآية السابقة.
قال بعض العلماء (٣) لم يخالف الإنجيل التوراة إلا في قليل من الأحكام مما
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٧٤١٠)، ومسلم برقم (١٩٣) .
(٢) صحيح البخاري برقم (٦٦١٤)، ومسلم برقم (٢٦٥٢)، وفي إحداها: " وكتب لك التوراة بيده ".
(٣) تفسير ابن كثير (٢ / ٣٦) .
[ ١٣٤ ]
كانوا يختلفون فيه كما أخبر الله عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] (آل عمران: ٥٠) .
وقد أخبر الله تعالى في كتابه الكريم أن التوراة والإنجيل نصا على البشارة بنبينا محمد ﷺ. قال تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (الأعراف: ١٥٧) .
وقد لحق الإنجيل من التحريف ما لحق التوراة، كما سيأتي بيانه في المبحث القادم بحول الله.
ج) الزبور: وهو كتاب الله الذي أنزله على داود ﵇. قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] (السماء: ١٦٣) . قال قتادة في تفسير الآية: " كنا نحدث أنه دعاء علمه الله داود وتحميد وتمجيد لله ﷿ ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود ".
د) صحف إبراهيم وموسى: وقد جاء ذكرها في موضعين من كتاب الله، الأول في سورة النجم في قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى - وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى - أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى - وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٩] (النجم: ٣٦-٣٩) . والثاني في سورة الأعلى، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى - وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى - بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى - إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى - صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٩] (الأعلى: ١٤- ١٩) . فأخبر الله ﷿ عن بعض ما جاء في هذه الصحف من وحيه الذي أنزله على رسوليه إبراهيم وموسى ﵉. والعلم عند الله.
[ ١٣٥ ]
هـ) القرآن العظيم: وهو كتاب الله الذي أنزله على نبينا محمد ﷺ مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه، وهو آخر كتب الله نزولا وأشرفها وأكملها، والناسخ لما قبله من الكتب وقد كانت دعوته لعامة الثقلين من الإنس والجن. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] (المائدة: ٤٨) ومهيمنًا: أي شهيدًا على ما قبله من الكتب وحاكما عليها. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] (الأنعام: ١٩) . وقال ﷿: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] (الفرقان: ١) . وللقرآن أسماء كثيرة أشهرها: القرآن، والفرقان، والكتاب، والتنزيل، والذكر.
فيجب الإيمان بهذه الكتب على ما جاءت به النصوص، من ذكر أسمائها، ومن أنزلت فيهم، وكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ عنها، وما قُصَّ علينا من أخبار أهلها.
٥ - الاعتقاد الجازم بنسخ جميع الكتب والصحف التي أنزلها الله على رسله، بالقرآن الكريم، وأنه لا يسع أحدًا من الإنس أو الجن، لا من أصحاب الكتب السابقة، ولا من غيرهم، أن يعبدوا الله بعد نزول القرآن بغير ما جاء فيه أو يتحاكموا إلى غيره. والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] (الفرقان: ١) . وقال ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦] (المائدة: ١٥، ١٦) .
[ ١٣٦ ]
وقال تعالى آمرا نبيه ﷺ أن يحكم بين أهل الكتاب بالقرآن ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] (المائدة: ٤٨) . وقال أيضا ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] (المائدة: ٤٩) .
ومن السنة حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي ﷺ فغضب وقال: «أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا، والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيا، ما وسعه إلا أن يتبعني» رواه أحمد والبزار والبيهقي (١) وغيرهم وهو حديث حسن بمجموع طرقه. ومعنى متهوكون: متحيرون.
فهذا ما يجب اعتقاده في كتب الله على سبيل الإجمال وسيأتي تفصيل ما يجب اعتقاده في القرآن على وجه الخصوص في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) مسند الإمام أحمد: ٣ / ٣٨٧، وكشف الأستار: ١٣٤، وشعب الإيمان للبيهقي: (١٧٧) .
[ ١٣٧ ]
[المبحث الثالث التوراة والإنجيل دخلها التحريف وسلامة القرآن من ذلك]
المبحث الثالث
بيان أن التوراة والإنجيل وبعض الكتب الأخرى
المنزلة دخلها التحريف وسلامة القرآن من ذلك تحريف أهل الكتاب لكلام الله: أخبر الله ﷿ في القرآن الكريم عن تحريف أهل الكتاب لكتب الله المنزلة عليهم وتغييرها وتبديلها.
قال تعالى في حق اليهود: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] (البقرة: ٧٥) . وقال ﷿: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] (النساء: ٤٦) .
وقال تعالى مخبرا عن النصارى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ - يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٤ - ١٥] (المائدة: ١٤، ١٥) .
فدلت الآيات على تحريف اليهود والنصارى كتب الله المنزلة عليهم.
وقد كان هذا التحريف بالزيادة تارة وبالنقص تارة أخرى.
فدليل الزيادة قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] (البقرة: ٧٩) .
[ ١٣٩ ]
ودليل النقص قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ١٥] (المائدة: ١٥) . وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١] (الأنعام: ٩١) .
تحريف التوراة والإنجيل وأدلة ذلك: هذا ما جاء في تحريف أهل الكتاب لكلام الله وكتبه في الجملة. وأما التوراة والإنجيل خاصة فقد دلت الأدلة مما تقدم وغيرها على وقوع التحريف فيهما.
فمن أدلة تحريف التوراة قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] (الأنعام: ٩١) . وجاء في تفسير الآية: (أي تجعلون الكتاب الذي جاء به موسى في قراطيس تضعونه فيها ليتم لكم ما تريدونه من التحريف والتبديل وكتم صفة النبي ﷺ المذكورة فيه) .
وقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة: ٧٥] (البقرة: ٧٥) قال السدي في تفسير الآية: (هي التوراة حرفوها) . وقال ابن زيد: (التوراة التي أنزلها عليهم يحرفونها يجعلون الحلال فيها حراما والحرام فيها حلالا والحق فيها باطلا والباطل فيها حقا) .
ودليل تحريف الإنجيل قوله تعالى:
[ ١٤٠ ]
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ - يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٤ - ١٥] (المائدة: ١٤-١٥) . قال بعض أئمة التفسير في تفسير الآية الأخيرة: (أي يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه وافتروا على اللهّ فيه ويسكت عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه (١) .
فدلت هذه الآيات على وقوع التحريف والتبديل في التوراة والإنجيل. ولهذا اتفق علماء المسلمين على أن التوراة والإنجيل قد دخلهما التحريف والتغيير.
سلامة القرآن من التحريف وحفظ الله له وأدلة ذلك: أما القرآن العظيم فهو سليم مما طرأ على الكتب السابقة من التحريف والتبديل وهو محفوظ من كل ذلك بحفظ الله له وصيانته إياه كما أخبر الله عن ذلك بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (الحجر: ٩) . قال الطبري في تفسير الآية: " قال وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه (٢) ". كما أخبر الله في آيات أخرى عن تمام إحكامه للقرآن وتفصيله وتنزيهه من كل باطل فقال عز من قائل: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] (فصلت: ٤٢) .
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٣ / ٦٣.
(٢) تفسير ابن جرير ١٤ / ٧.
[ ١٤١ ]
وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] (هود: ١) . وقال ﷿: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ - إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧] (القيامة: ١٦، ١٧) .
فدلت هذه الآيات على كمال حفظ الله للقرآن لفظا ومعنى بدءا بنزوله إلى أن يأذن الله برفعه إليه سليما من كل تغيير أو تبديل. إذ تكفل بتعليمه لنبيه ﷺ، ثم جمعه في صدره وبيانه له وتفسيره في سنته المطهرة، ثم ما هيأ الله له بعد ذلك من عدول الرجال الذين حفظوه في الصدور والسطور، عبر الأجيال والقرون، فبقي سليما منزها من كل باطل، يقرؤه الصغار والكبار، على مختلف الأعصار والأمصار، غضا طريا كما أنزل من الله على رسوله ﷺ.
وقد نبه العلماء في هذا المقام إلى سر لطيف ونكتة بديعة تتعلق بجواز التحريف على التوراة وعدم جوازه على القرآن على ما روى أبو عمرو الداني عن أبي الحسن المنتاب قال: (كنت يوما عند القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق فقيل له: لم جاز التبديل على أهل التوراة ولم يجز على أهل القرآن؟ فقال القاضي: قال الله ﷿ في أهل التوراة ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤] (المائدة: ٤٤) فوكل الحفظ إليهم فجاز التبديل عليهم. وقال في القرآن ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (الحجر: ٩) فلم يجز التبديل عليهم. قال: فمضيت إلى أبي عبد الله المحاملي فذكرت له الحكاية فقال: " ما سمعت كلاما أحسن من هذا ".
[ ١٤٢ ]
[المبحث الرابع الإيمان بالقرآن وخصائصه]
المبحث الرابع: الإيمان بالقرآن وخصائصه تعريف القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي والفرق بينهما: القرآن الكريم: هو كلام الله منه بدا بلا كيفية قولا، وأنزله على رسوله وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله حقيقة، سمعه جبريل ﵇ من الله ﷿، ونزل به على خاتم رسله محمد ﷺ بلفظه ومعناه المنقول بالتواتر المفيد للقطع واليقين المكتوب في المصاحف المحفوظ من التغيير والتبديل (١) .
والحديث القدسي: هو ما رواه النبي ﷺ عن ربه باللفظ والمعنى ونقل إلينا آحادا أو متواترا ولم يبلغ تواتر القرآن (٢) .
ومثاله حديث أبي ذر الغفاري عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿ أنه قال: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» (٣) .
والحديث النبوي: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف (٤) .
والفرق بين القرآن والحديث القدسي والنبوي: أن القرآن متعبد
_________________
(١) الطحاوية ١ / ١٧٢. مباحث في علوم القرآن لمناع القطان، ص٢١، وقواعد التحديث لجمال الدين القاسمي ص٦٥.
(٢) انظر قواعد التحديث لجمال الدين القاسمي ص٦٥.
(٣) رواه مسلم برقم (٢٥٧٧) .
(٤) مصطلح الحديث لابن عثيمين ص٧، وقواعد التحديث للقاسمي ص٦١-٦٢.
[ ١٤٣ ]
بتلاوته معجز في نظمه متحدى به، يحرم مسه لمحدث، وتلاوته لنحو جنب، وروايته بالمعنى، وتتعين قراءته في الصلاة، ويؤجر قارئه بكل حرف منه حسنة والحسنة بعشر حسنات. بخلاف الحديث القدسي والحديث النبوي فإنما ليسا كذلك.
والفرق بين الحديث القدس والنبوي: أن الحديث القدسي من كلام الله بلفظه ومعناه بخلاف الحديث النبوي فهو من كلام النبي ﷺ لفظًا ومعنى، وأن الحديث القدسي أفضل من الحديث النبوي وذلك لفضل كلام الله على كلام المخلوقين (١) .
خصائص الإيمان بالقرآن: الإيمان بكتب الله ركن عظيم من أركان الإيمان على ما تقدم تقريره، ولما كان القرآن العظيم هو الكتاب الناسخ للكتب السابقة والمهيمن عليها والمتعبد به لعامة الثقلين بعد بعثة نبينا محمد ﷺ ونزول هذا الكتاب عليه، اختص الإيمان به بخصائص ومميزات لا بد من تحقيقها للإيمان به بالإضافة إلى ما تم تقريره من مسائل في تحقيق الإيمان بالكتب إجمالا. وهذه الخصائص هي:
ا- اعتقاد عموم دعوته وشمول الشريعة التي جاء بها لعموم الثقلين من الجن والإنس لا يسع أحدًا منهم إلا الإيمان به ولا أن يعبدوا الله إلا بما شرع فيه. قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] (الفرقان: ١) . وقال تعالى مخبرًا على لسان نبيه ﷺ: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] (الأنعام: ١٩) . وقال تعالى إخبارًا عن الجن: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١]
_________________
(١) انظر قواعد التحديث للقاسمي ص٦٥- ٦٦.
[ ١٤٤ ]
﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ٢] (الجن: ١، ٢) .
٢ - اعتقاد نسخه لجميع الكتب السابقة فلا يجوز لأهل الكتاب ولا لغيرهم أن يعبدوا الله بعد نزول القرآن بغيره، فلا دين إلا ما جاء به، ولا عبادة إلا ما شرع الله فيه، ولا حلال إلا ما أحل فيه، ولا حرام إلا ما حرم فيه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] (آل عمران: ٨٥) . وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] (النساء: ١٠٥) . وقد تقدم في حديث جابر بن عبد الله نهي النبي ﷺ أصحابه عن قراءة كتب أهل الكتاب وقوله: (. . . «والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني» (١) .
٣ - سماحة الشريعة التي جاء بها القرآن ويسرها، بخلاف الشرائع في الكتب السابقة. فقد كانت مشتملة على كثير من الآصار، والأغلال التي فرضت على أصحابها. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (الأعراف: ١٥٧) .
٤ - أن القرآن هو الكتاب الوحيد من بين الكتب الإلهية الذي تكفل الله بحفظ لفظه ومعناه من أن يتطرق إليه التحريف اللفظي أو المعنوي. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (الحجر: ٩) . وقال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] (فصلت: ٤٢) . وقال ﷿ مبينًا تكفله بتفسيره وتوضيحه على ما أراد
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في المسند: ٣ / ٣٨٧، وغيره.
[ ١٤٥ ]
وشرع: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ - فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ - ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٧ - ١٩] (القيامة: ١٧-١٩) . قال ابن كثير في تفسير الآية الأخيرة: " أي بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا ". وقد هيأ الله تعالى لحفظ كتابه من العلماء الجهابذة من قاموا بذلك خير قيام، من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا، فحفظوا لفظه وفهموا معناه، واستقاموا على العمل به، ولم يَدَعوا مجالا من مجالات خدمة القرآن وحفظه إلا وألفوا فيه المؤلفات المطولة، فمنهم من ألف في تفسيره، ومنهم من ألف في رسمه وقراءاته، ومنهم من ألف في محكمه ومتشابهه، ومنهم من ألف في مكيه ومدنيه، ومنهم من ألف في استنباط الأحكام منه، ومنهم من ألف في ناسخه ومنسوخه، ومنهم من ألف في أسباب نزوله، ومنهم من ألف في أمثاله، ومنهم من ألف في إعجازه، ومنهم من ألف في غريبه، ومنهم من ألف في إعرابه، إلى غير ذلك من المجالات التي تجسد من خلالها حفظ الله لكتابه بما هيأ له هؤلاء العلماء من خدمة كتابه وعلومه حتى بقي محفوظًا يقرأ ويفسر غضًّا طريًّا كما أنزل.
٥ - أن القرآن الكريم مشتمل على وجوه كثيرة من الإعجاز شارك فيها غيره من الكتب المنزلة، وهو في الجملة المعجزة العظمى وحجة الله البالغة الباقية التي أيد بها نبيه ﷺ وأتباعه إلى قيام الساعة، على ما روى الشيخان من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (١) . ومن صور إعجاز القرآن حسن تأليفه وفصاحته وبلاغته وقد وقع التحدي للإنس والجن على أن يأتوا
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٤٩٨١)، ومسلم برقم (١٥٢) .
[ ١٤٦ ]
بمثله أو ببعضه على مراتب ثلاث: فقد تحداهم الله على أن يأتوا بمثله فعجزوا وما استطاعوا. قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ - فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤] (الطور: ٣٣، ٣٤) . وقال ﷿ مقررًا عجزهم عن ذلك ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] (الإسراء: ٨٨) . ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله فما قدروا. قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] (هود: ١٣) . ثم تحداهم مرة ثالثة بأن يأتوا بسورة منه فما استطاعوا. قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] (يونس: ٣٨) . فثبت بهذا إعجاز القرآن على أبلغ وآكده، لما عجز الخلق عن معارضته بأدنى مراتب التحدي، وهو الإتيان بسورة من مثله، وأقصر سورة في القرآن ثلاث آيات.
٦ - أن الله تعالى بين في القرآن كل شيء مما يحتاج له الناس في أمر دينهم، ودنياهم، ومعاشهم، ومعادهم. قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] (النحل: ٨٩) . وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] (الأنعام: ٣٨) . قال ابن مسعود ﵁: " أنزل في هذا القرآن كل علم، وكل شيء قد بين لنا في القرآن ".
٧ - أن الله تعالى يسر القرآن للمتذكر والمتدبر وهذا من أعظم خصائصه. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] (القمر: ١٧) . وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] (ص: ٢٩) . قال مجاهد في تفسير الآية الأولى: " يعني هونَّا قراءته ". وقال
[ ١٤٧ ]
السدي: " يسرنا تلاوته على الألسن ". وقال ابن عباس: " لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله " (١) . وقد ذكر الطبري وغيره من أئمة التفسير أن تيسير القرآن يشمل تيسير اللفظ للتلاوة وتيسير المعاني للتفكر والتدبر والاتعاظ (٢) وهو كذلك كما هو ملاحظ ومشاهد.
٨ - أن القرآن تضمن خلاصة تعاليم الكتب السابقة وأصول شرائع الرسل. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] (المائدة: ٤٨) . وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] (الشورى: ١٣) .
٩ - أن القرآن مشتمل على أخبار الرسل والأمم الماضية وتفصيل ذلك بشكل لم يسبق إليه كتاب قبله. قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] (هود: ١٢٠) . وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] (هود: ١٠٠) . وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩] (طه: ٩٩) .
١٠ - أن القرآن هو آخر كتب الله نزولا وخاتمها والشاهد عليها. قال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ - مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٣ - ٤] (آل عمران: ٣، ٤) . وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] (المائدة: ٤٨) .
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٨ / ٤٥٣.
(٢) تفسير ابن جرير ٢٧ / ٩٦.
[ ١٤٨ ]
فهذه بعض خصائص القرآن الكريم على سائر الكتب الأخرى مما لا يتحقق الإيمان به إلا باعتقادها وتحقيقها علمًا وعملًا. والله تعالى أعلم.
[ ١٤٩ ]
[الفصل الثالث الإيمان بالرسل]
[المبحث الأول حكم الإيمان بالرسل وأدلته]
الفصل الثالث: الإيمان بالرسل ويحتوي على أحد عشر مبحثًا:
المبحث الأول: حكم الإيمان بالرسل وأدلته.
المبحث الثاني: تعريف النبي والرسول والفرق بينهما.
المبحث الثالث: كيفية الإيمان بالرسل.
المبحث الرابع: ما يجب علينا نحو الرسل.
المبحث الخامس: أولو العزم من الرسل.
المبحث السادس: خصائص نبينا محمد ﷺ وحقوقه على أمته مع بيان أن رؤية النبي ﷺ في المنام حق.
المبحث السابع: ختم الرسالة وبيان أنه لا نبي بعده.
المبحث الثامن: الإسراء بالرسول ﷺ حقيقته وأدلته.
المبحث التاسع: القول الحق في حياة الأنبياء ﵈.
المبحث العاشر: معجزات الأنبياء والفرق بينها وبين كرامات الأولياء.
المبحث الحادي عشر: الولي والولاية في الإسلام.
[ ١٥١ ]
المبحث الأول: حكم الإيمان بالرسل وأدلته الإيمان برسل الله تعالى واجب من واجبات هذا الدين وركن عظيم من أركان الإيمان. وقد دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] (البقرة: ٢٨٥) . فذكر الله تعالى الإيمان بالرسل في جملة ما آمن به الرسول والمؤمنون، من أركان الإيمان. وبين أنهم في إيمانهم بالرسل لا يفرقون بينهم فيؤمنوا ببعضهم دون بعض، بل يصدقون بهم جميعًا.
وقد بين الله في كتابه حكم من ترك الإيمان بالرسل. فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا - أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١] (النساء: ١٥٠، ١٥١) . فأطلق الكفر على من كذب بالرسل أو فرق بينهم بالإيمان ببعضهم والكفر ببعضهم. ثم قرر أن هؤلاء هم الكافرون حقًّا أي الذين تحقق كفرهم وتقرر صراحة.
كما بين الله في مقابل ذلك في السياق نفسه ما عليه أهل الإيمان من ذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٢] (النساء: ١٥٢) . فوصفهم بالإيمان بالله ورسله كلهم من غير تفريق بين الرسل في الإيمان ببعضهم دون
[ ١٥٣ ]
بعض وإنما يعتقدون أنهم مرسلون من الله تعالى.
وأما السنة فدلت كذلك على ما دل عليه الكتاب من أن الإيمان بالرسل ركن من أركان الإيمان وقد دَلّ على ذلك حديث جبريل المتقدم بنصه في مبحث " الإيمان بالملائكة " وفيه أن النبي ﷺ أجاب لما سأله جبريل ﵇ عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر» . . .) (١) الحديث. فذكر الإيمان بالرسل مع بقية أركان الإيمان الأخرى الواجب على المسلم تحقيقها واعتقادها.
وفي دعاء النبي ﷺ في التهجد عند قيام الليل أنه كان يقول: «اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق» . . .) (٢) .
فشهادة النبي ﷺ أن النبيين حق ضمن ما ذكر من أصول الإيمان العظيمة كالإيمان بالله وبوجود الجنة والنار وقيام الساعة وتقديمه ذلك بين يدي دعائه وقيامه دليل على أهمية الإيمان بالرسل والأنبياء ومكانته في الدين.
فتقرر وجوب الإيمان بالرسل وأنه من أعظم دعائم هذا الدين ومن أكبر خصال الإيمان وأن من كذب بالرسل أو بأحد منهم فإنه كافر بالله العظيم كفرًا صريحًا بجحده هذا الركن العظيم من أركان الإيمان.
_________________
(١) تقدم ص١١٣.
(٢) صحيح البخاري برقم (٧٤٩٩) .
[ ١٥٤ ]
ثمرات الإيمان بالرسل: إذا تحقق الإيمان بالرسل ترك آثاره الطيبة وثماره اليانعة على المؤمن فمن ذلك:
١ - العلم برحمة الله تعالى وعنايته بخلقه حيث أرسل إليهم أولئك الرسل الكرام للهداية والإرشاد.
٢ - شكر الله على هذه النعمة الكبرى.
٣ - محبة الرسل وتوقيرهم والثناء عليهم بما يليق بهم لأنهم رسل الله تعالى وخلاصة عبيده، ولما قاموا به من تبليغ رسالة الله لخلقه وكمال نصحهم لأقوامهم وصبرهم على أذاهم.
[ ١٥٥ ]
[المبحث الثاني تعريف النبي والرسول والفرق بينهما]
المبحث الثاني: تعريف النبي والرسول والفرق بينهما النبي في اللغة: مشتق من النبأ وهو الخبر ذو الفائدة العظيمة. قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ - عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١ - ٢] (النبأ: ١، ٢) . وسمي النبي نبيًّا لأنه مُخبرٌ من الله، ويُخْبِرُ عن الله فهو مُخبَر ومُخبِر.
وقيل النبي مشتق من النباوة: وهي الشيء المرتفع.
وسمي النبي نبيًّا على هذا المعنى: لرفعة محله على سائر الناس. قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] (مريم: ٥٧) .
والرسول في اللغة: مشتق من الإرسال وهو التوجيه. قال تعالى مخبرًا عن ملكة سبأ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥] (النمل: ٣٥) .
وقد اختلف العلماء في تعريف كل من النبي والرسول في الشرع على أقوال أرجحها:
أن النبي: هو من أوحى الله إليه بما يفعله ويأمر به المؤمنين.
والرسول: هو من أوحى الله إليه وأرسله إلى من خالف أمر الله ليبلغ رسالة الله.
والفرق بينهما: أن النبي هو من نبأه الله بأمره ونهيه ليخاطب المؤمنين ويأمرهم بذلك ولا يخاطب الكفار ولا يرسل إليهم.
[ ١٥٧ ]
وأما الرسول فهو من أرسل إلى الكفار والمؤمنين ليبلغهم رسالة الله ويدعوهم إلى عبادته.
وليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة فقد كان يوسف على ملة إبراهيم، وداود وسليمان كانا على شريعة التوراة وكلهم رسل. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤] (غافر: ٣٤) . وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا - وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٤] (النساء: ١٦٣، ١٦٤) .
وقد يطلق على النبي أنه رسول كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] (الحج: ٥٢) فذكر الله ﷿ أنه يرسل النبي والرسول. وبيان ذلك أن الله تعالى إذا أمر النبي بدعوة المؤمنين إلى أمر فهو مرسل من الله إليهم لكن هذا الإرسال مقيد. وأما الإرسال المطلق فهو بإرسال الرسل إلى عامة الخلق من الكفار والمؤمنين.
[ ١٥٨ ]
[المبحث الثالث كيفية الإيمان بالرسل]
المبحث الثالث: كيفية الإيمان بالرسل الإيمان بالرسل هو اعتقاد ما أخبر الله به عنهم في كتابه وأخبر به النبي ﷺ في سنته إجمالا وتفصيلا.
فالإيمان المجمل: هو التصديق الجازم بأن الله تعالى بعث في كل أمة رسولا يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له والكفر بما يعبد من دون الله. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (النحل: ٣٦) . وبأنهم جميعهم صادقون، بارون، راشدون، كرام بررة، أتقياء أمناء، هداة مهتدون. قال تعالى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] (يس: ٥٢) . وقال تعالى بعد أن ذكر طائفة كبيرة من الأنبياء والرسل: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٨٧ - ٨٨] (الأنعام: ٨٧، ٨٨) .
وبأنهم كلهم كانوا على الحق المبين، والهدى المستبين جاءوا بالبينات من ربهم إلى أقوامهم. قال تعالى حكاية عن أهل الجنة: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣] (الأعراف: ٤٣) . وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] (الحديد: ٢٥) .
وبأن أصل دعوتهم واحدة وهي الدعوة إلى توحيد الله وأما شرائعهم
[ ١٥٩ ]
فمختلفة. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (الأنبياء: ٢٥) . وقال ﷿: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] (المائدة: ٤٨) .
وبأنهم قد بلغوا جميع ما أرسلوا به البلاغ المبين، فقامت بذلك الحجة على الخلق. قال تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] (الجن: ٢٨) . وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] (النساء: ١٦٥) .
ويجب الإيمان بأن الرسل بشر مخلوقون، ليس لهم من خصائص الربوبية شيء. وإنما هم عباد أكرمهم الله بالرسالة. قال تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] (إبراهيم: ١١) . وقال تعالى عن نوح: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [هود: ٣١] (هود: ٣١) . وقال ﷿ آمرًا نبينا محمدًا ﷺ أن يقول لقومه: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] (الأنعام: ٥٠) .
ومما يجب اعتقاده أيضًا في حق الرسل أنهم منصورون مؤيدون من الله، وأن العاقبة لهم ولأتباعهم. قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] (غافر: ٥١) . كما يجب اعتقاد تفاضل الرسل على ما أخبر ﷿ في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] (البقرة: ٢٥٣) .
فيجب الإيمان بكل هذا وبكل ما جاء في الكتاب والسنة عن الرسل على وجه العموم إيمانًا مجملًا.
[ ١٦٠ ]
وأما الإيمان المفصل: فيكون بالإيمان بمن سمى الله تعالى في كتابه والنبي ﷺ في سنته منهم، إيمانًا مفصلًا على نحو ما جاءت به النصوص من ذكر أسمائهم وأخبارهم وفضائلهم وخصائصهم.
والمذكورون في القرآن من الأنبياء والرسل خمسة وعشرون. ورد ذكر ثمانية عشر منهم في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ - وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ - وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ - وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٨٦] (الأنعام: ٨٣-٨٦) . وورد ذكر الباقين في مواضع أخرى من القرآن. قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] (الأعراف: ٦٥) .
وقال: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] (الأًعراف: ٧٣) . وقال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] (الأعراف: ٨٥) . وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] (آل عمران: ٣٣) . وقال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥] (الأنبياء: ٨٥) . وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] (الفتح: ٢٩) . فيجب الإيمان بهؤلاء الأنبياء والمرسلين إيمانًا مفصلًا، والإقرار لكل واحد منهم بالنبوة أو الرسالة على ما أخبر الله ورسوله ﷺ عنهم.
كما يجب اعتقاد صحة ما جاءت به النصوص من ذكر فضائلهم وخصائصهم وأخبارهم، كاتخاذ الله إبراهيمَ ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم
[ ١٦١ ]
خليلين لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] (النساء: ١٢٥) . ولقول النبي ﷺ: «إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا» أخرجه مسلم (١) . وكتكليم الله تعالى لموسى لقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] (النساء: ١٦٤) . وكذلك تسخير الجبال والطير لداود يسبحن بتسبيحه، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] (الأنبياء: ٧٩) . وإلانة الحديد لداود كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠] (سبأ: ١٠) . وتسخير الرياح لسليمان تسير بأمره، وتسخير الجن له يعملون بين يديه ما يشاء، قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [سبأ: ١٢] (سبأ: ١٢) . وتعليم سليمان منطق الطير، قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦] (النمل: ١٦) .
كما يجب الإيمان على وجه التفصيل بما قص الله ﷿ في كتابه من أخبار الرسل مع أقوامهم، وما جرى بينهم من الخصومة، ونصر الله لرسله وأتباعهم. كقصة موسى مع فرعون، وإبراهيم مع قومه، وقصص نوح وهود وصالح وشعيب ولوط مع أقوامهم. وما قص الله علينا في شأن يوسف مع إخوته وأهل مصر، وقصة يونس مع قومه، إلى آخر ما جاء في كتاب الله من أخبار الأنبياء والرسل، وكذلك ما جاء في السنة فيجب الإيمان به إيمانًا مفصلًا بحسب ما جاءت به النصوص.
وبذلك يتحقق الإيمان بالرسل بقسميه المجمل والمفصل. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٥٣٢) .
[ ١٦٢ ]
[المبحث الرابع ما يجب علينا نحو الرسل]
المبحث الرابع: ما يجب علينا نحو الرسل يجب على الأمة تجاه الرسل حقوق عظيمة بحسب ما أنزلهم الله من المنازل الرفيعة في الدين، وما رفعهم الله إليه من الدرجات السامية الجليلة عنده، وما شرفهم به من المهمات النبيلة وما اصطفاهم به من تبليغ وحيه وشرعه لعامة خلقه. ومن هذه الحقوق:
١ - تصديقهم جميعًا فيما جاءوا به، وأنهم مرسلون من ربهم، مبلغون عن الله ما أمرهم الله بتبليغه لمن أرسلوا إليهم وعدم التفريق بينهم في ذلك. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] (النساء: ٦٤) . وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢] (المائًدة: ٩٢) . وقال ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا - أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١] (النساء: ١٥٠، ١٥١) . فيجب تصديق الرسل فيما جاءوا به من الرسالات وهذا مقتضى الإيمان بهم.
ومما يجب معرفته أنه لا يجوز لأحد من الثقلين متابعة أحدٍ من الرسل السابقين بعد مبعث محمد ﷺ المبعوث للناس كافة، إذْ أن شريعته جاءت ناسخة لجميع شرائع الأنبياء قبله فلا دين إلا ما بعثه الله به ولا متابعة إلا لهذا النبي الكريم. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] (آل عمران: ٨٥) .
[ ١٦٣ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨] (سبأ: ٢٨) . وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] (الأعراف: ١٥٨) .
٢ - موالاتهم جميعًا ومحبتهم والحذر من بغضهم وعداوتهم.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] (المائدة: ٥٦) . وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] (التوبة: ٧١) . فتضمنت الآية وصف المؤمنين بموالاة بعضهم لبعض فدخل في ذلك رسل الله الذين هم أكمل المؤمنين إيمانًا وعليه فإن موالاتهم ومحبتهم في قلوب المؤمنين هي أعظم من موالاة غيرهم من الخلق لعلو مكانتهم في الدين ورفعة درجاتهم في الإيمان. ولذا حذر الله من معاداة رسله وعطفها في الذكر على معاداة الله وملائكته وقرن بينهما في العقوبة والجزاء. فقال عز من قائل: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] (البقرة: ٩٨) .
٣ - اعتقاد فضلهم على غيرهم من الناس، وأنه لا يبلغ منزلتهم أحد من الخلق مهما بلغ من الصلاح والتقوى إذ الرسالة اصطفاء من الله يختص الله بها من يشاء من خلقه ولا تنال بالاجتهاد والعمل. قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] (الحج: ٧٥) . وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] (الأنعام: ٨٣) . إلى أن قال بعد ذكر طائفة كبيرة من الأنبياء والمرسلين: ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦] (الأنعام: ٨٦) . وقد تقدم نقل هذا السياق في
[ ١٦٤ ]
المبحث الأول من هذا الفصل.
كما دلت السنة أيضًا على أن منزلة الرسل لا يبلغها أحد من الخلق لما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» (١) وفي رواية للبخاري: «من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب» (٢) . قال بعض شراح الحديث: " إنه ﷺ قال هذا زجرًا أن يتخيل أحد من الجاهلين شيئًا من حط مرتبة يونس ﷺ من أجل ما في القرآن العزيز من قصته ". وبيّن العلماء: " أن ما جرى ليونس ﷺ لم يحطه من النبوة مثقال ذرة وخص يونس بالذكر لما ذكر الله من قصته في القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ - فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨] (الأنبياء: ٨٧، ٨٨) . وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] الآيات (الصافات: ١٣٩-١٤٨) ".
٤ - اعتقاد تفاضلهم فيما بينهم وأنهم ليسوا في درجة واحدة بل فضل الله بعضهم على بعض. قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] (البقَرة: ٢٥٣) . قال الطبري في تفسير الآية: " يقول تعالى ذكره: هؤلاء رسلي فضلت بعضهم على بعض، فكلمت بعضهم كموسى ﷺ ورفعت بعضهم درجات على بعض بالكرامة ورفعة المنزلة ". فإنزال كل واحد منهم منزلته في الفضل والرفعة بحسب دلالات النصوص من جملة حقوقهم على الأمة.
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٣٤١٦)، ومسلم برقم (٢٣٧٦)، واللفظ للبخاري.
(٢) صحيح البخاري برقم (٤٦٠٤) .
[ ١٦٥ ]
٥ - الصلاة والسلام عليهم فقد أمر الله الناس بذلك وأخبر الله بإبقائه الثناء الحسن على رسله وتسليم الأمم عليهم من بعدهم. قال تعالى عن نوح: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ - سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٨ - ٧٩] (الصافات: ٧٨، ٧٩) . وقال عن إبراهيم: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ - سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١٠٩] (الصافات: ١٠٨، ١٠٩) . وقال عن موسى وهارون: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ - سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات: ١١٩ - ١٢٠] (الصافات: ١١٩، ١٢٠) .
وقال تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] (الصافات: ١٨١) . قال ابن كثير: " قوله تعالى ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] (الصافات: ٧٩) مفسرًا لما أبقى عليه من الذكر الجميل والثناء الحسن أنه يسلم عليه جميع الطوائف ". وقد نقل الإمام النووي إجماع العلماء على جواز الصلاة على سائر الأنبياء واستحبابها. قال: " أجمعوا على الصلاة على نبينا محمد ﷺ. وكذلك أجمع من يعتد به على جوازها على سائر الأنبياء والملائكة استقلالا وأما غير الأنبياء فالجمهور على أنه لا يصلى عليهم ابتداء ".
فهذه طائفة مما يجب للرسل من حقوق على هذه الأمة مما دلت عليه النصوص وقرره أهل العلم. والله تعالى أعلم.
[ ١٦٦ ]
[المبحث الخامس أولو العزم من الرسل]
المبحث الخامس: أولو العزم من الرسل أولو العزم من الرسل هم: ذوو الحزم والصبر. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (الأحقاف: ٣٥) .
وقد اختلف العلماء فيهم. فقيل المراد بأولي العزم هم جميع الرسل. و" من " في قوله ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] لبيان الجنس لا للتبعيض. قال ابن زيد: " كل الرسل. كانوا أولي عزم لم يبعث الله نبيًّا إلا كان ذا عزم وحزم ورأي وكمال عقل ".
وقيل هم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم. قال ابن عباس: " أولو العزم من الرسل النبي ﵌ ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ". وبهذا القول قال مجاهد وعطاء الخراساني، وعليه كثير من متأخري أهل العلم.
وقد ذكر الله هؤلاء الخمسة مجتمعين في موطنين من كتابه وبه استدل لهذا القول. الأول في سورة الأحزاب. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧] (الأحزاب: ٧) . والثاني في سورة الشورى.
قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] (الشورى: ١٣) . قال بعض المفسرين: " ووجه تخصيصهم بالذكر الإعلام بأن لهم مزيد شرف وفضل لكونهم من أصحاب الشرائع المشهورة ومن أولي العزم من الرسل ".
[ ١٦٧ ]
وهؤلاء الخمسة هم أفضل الرسل وخيار بني آدم. فعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (خيار ولد آدم خمسة نوح وإبراهيم وعيسى وموسى ومحمد ﷺ وخيرهم محمد ﷺ وصلى الله وسلم عليهم أجمعين) (١) .
وأفضلهم محمد ﷺ على ما أخرج البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع» (٢) .
_________________
(١) أخرجه البزار انظر كشف الأستار (٣ / ١١٤)، والهيثمي في المجمع (٨ / ٢٥٥) وقال: " رجاله رجال الصحيح "، والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، المستدرك للحاكم: ٢ / ٥٤٦.
(٢) أخرجه مسلم برقم (٢٢٧٨)، وأبو داود: ٥ / ٣٨، برقم (٤٦٧٣) .
[ ١٦٨ ]
[المبحث السادس خصائص نبينا محمد ﷺ وحقوقه على أمته]
[أولا خصائصه ﷺ]
المبحث السادس
خصائص نبينا محمد ﷺ وحقوقه على أمته
مع بيان أن رؤية النبي ﷺ في المنام حق أولا: خصائصه ﷺ: لقد خص الله ﵎ نبينا محمدًا ﷺ بكثير من الخصائص والمناقب التي فضله بها على غيره من المرسلين وميزه عن سائر العالمين. ومن هذه الخصائص:
١ - عموم رسالته لكافة الثقلين من الجن والإنس فلا يسع أحدًا منهم إلا اتباعه والإيمان برسالته. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] (سبأ: ٢٨) . وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] (الفرقان: ١) . قال ابن عباس ﵄: " العالمين: الجن والإنس ". وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» (١) . وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٥٢٣) .
[ ١٦٩ ]
أصحاب النار» (١) .
٢ - أنه خاتم الأنبياء والمرسلين كما دلت على ذلك النصوص. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (الأحزاب: ٤٠) . وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «(إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» (٢) . ولهذه النصوص أجمعت الأمة سلفًا وخلفًا على هذه العقيدة كما أجمعت على تكفير من ادعى النبوة بعده ﷺ ووجوب قتل مدعيها إن أصر على ذلك. قال الألوسي: " وكونه ﷺ خاتم النبيين مما نطق به الكتاب، وصدعت به السنة، وأجمعت عليه الأمة، فيكفر مدعي خلافه ويقتل إن أصر ".
٣ - أن الله أيده بأعظم معجزة وأظهر آية وهو القرآن العظيم، كلام الله المحفوظ من التغيير والتبديل، الباقي في الأمة إلى أن يأذن الله برفعه إليه. قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] (الإسراء: ٨٨) . وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] (العنكبوت: ٥١) . وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ النبي ﷺ أنه قال: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (١٥٣) .
(٢) صحيح البخاري برقم (٣٥٣٥)، ومسلم برقم (٢٢٨٦)، واللفظ للبخاري.
[ ١٧٠ ]
عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (١) .
٤ - أن أمته خير الأمم وأكثر أهل الجنة. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (آل عمران: ١١٠) . وعن معاوية بن حيدة القشيري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول في قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال: «إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله» (٢) . وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: «كنا مع النبي ﷺ في قبة فقال: (أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة) . قلنا: نعم. قال: (أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة) . قلنا نعم. قال: (أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة) . قلنا: نعم. قال: (والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر)» (٣) .
٥ - أنه سيد ولد آدم يوم القيامة. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع» (٤) .
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٤٩٨١)، ومسلم برقم (١٥٢) .
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٤ / ٤٤٧، والترمذي وقال حديث حسن، والترمذي: ٥ / ٢٢٦، برقم (٣٠٠١)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) صحيح البخاري برقم (٦٥٢٨)، ومسلم برقم (٢٢١) .
(٤) أخرجه مسلم برقم (٢٢٧٨) . وتقدم صفحة ١٠٩.
[ ١٧١ ]
٦ - أنه صاحب الشفاعة العظمى وذلك عندما يشفع لأهل الموقف في أن يقضي بينهم ربهم بعد أن يتدافعها أفضل الرسل وهي المقام المحمود المذكور في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] (الإسراء: ٧٩) . وقد فسر المقام المحمود بالشفاعة جمع من الصحابة والتابعين منهم حذيفة وسلمان وأنس وأبو هريرة وابن مسعود وجابر بن عبد الله وابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم. وقال قتادة: " كان أهل العلم يرون المقام المحمود هو شفاعته يوم القيامة ". وقد دلت السنة كذلك على شفاعته ﷺ في أهل الموقف كما جاء ذلك في حديث الشفاعة الطويل الذي أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ ذكر اعتذار آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى عن قبول الشفاعة وكلهم يقول: (لست هناك) إلى أن قال: «فيأتونني فأنطلق، فأستأذن على ربي فيؤذن لي عليه، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع فأحمد ربي بمحامد علمنيها ثم أشفع» . .) (١) الحديث.
٧ - أنه صاحب لواء الحمد وهو لواء حقيقي يختص بحمله يوم القيامة، ويكون الناس تبعا له وتحت رايته واختص به لأنه حمد الله بمحامد لم يحمده بها غيره. ذكر هذا بعض أهل العلم. وقد دلت السنة على اختصاصه بهذه الفضيلة العظيمة. فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٣٣٤٠)، ومسلم برقم (١٩٣) .
[ ١٧٢ ]
آدم فمن سواه، إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر» (١) .
٨ - أنه صاحب الوسيلة، وهي درجة عالية في الجنة، لا تكون إلا لعبد واحد، وهي أعلى درجات الجنة. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى عليه الله بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (٢) .
إلى غير ذلك من خصائصه ومناقبه ﷺ، الدالة على علو درجته عند ربه، وسمو مكانته في الدنيا والآخرة، وهي كثيرة جدا.
[ثانيا حقوق النبي ﷺ على أمته]
ثانيا: حقوق النبي ﷺ على أمته: حقوق النبي ﷺ على أمته كثيرة وقد تقدم ذكر بعضها فيما يجب على الأمة من حقوق عامة تجاه الرسل قاطبة. وفيما يلي عرض لبعض حقوقه الخاصة على أمته، وهي: ١- الإيمان المفصل بنبوته ورسالته واعتقاد نسخ رسالته لجميع الرسالات السابقة. ومقتضى ذلك: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما
_________________
(١) أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، سنن الترمذي ٥ / ٥٨٧، برقم (٣٦١٥)، وبنحوه الإمام أحمد في المسند: ٣ / ٢.
(٢) رواه مسلم برقم (٣٨٤) .
[ ١٧٣ ]
نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. وقد دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨] (التغابن: ٨) . وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] (الأعراف: ١٥٨) . وقال ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (الحشر: ٧) . وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (١) .
٢ - وجوب الإيمان بأن الرسول ﷺ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، فما من خير إلا ودل الأمة عليه ورغبها فيه، وما من شر إلا ونهى الأمة عنه وحذرها منه. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (المائدة: ٣) . وعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: (. . «وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء» (٢) . وقد شهد للنبي بالبلاغ أصحابه في أكبر مجمع لهم يوم أن خطبهم في حجة الوداع خطبته البليغة فبين لهم ما أوجب الله عليهم وما حرم عليهم وأوصاهم بكتاب الله إلى أن قال لهم: «وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون» . قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٢٥)، ومسلم برقم (٢٢) .
(٢) سنن ابن ماجه (المقدمة): ١ / ٤، برقم (٥) .
[ ١٧٤ ]
بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: «اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات» (١) . وقال أبو ذر ﵁: (لقد تركنا محمد ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علما) (٢) . والآثار في هذا كثيرة عن السلف ﵏.
٣ - محبته ﷺ وتقديم محبته على النفس وسائر الخلق. والمحبة وإن كانت واجبة لعموم الأنبياء والرسل إلا أن لنبينا ﷺ مزيد اختصاص بها ولذا وجب أن تكون محبته مقدمة على محبة الناس كلهم من الأبناء والآباء وسائر الأقارب بل مقدمة على محبة المرء لنفسه. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] (التوبة: ٢٤) . فقرن الله محبة رسوله ﷺ بمحبته ﷿ وتوعد من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله - توعدهم بقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (٣) . وعن عمر ﵁ أنه قال للنبي ﷺ: يا رسول الله أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي ﷺ: «لا
_________________
(١) أخرجه مسلم من حديث جابر عبد الله في حجة النبي ﷺ، برقم (١٢١٨) .
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٥ / ١٥٣.
(٣) صحيح البخاري برقم (١٥)، ومسلم برقم (٤٤) .
[ ١٧٥ ]
والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك» . فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي ﷺ: «الآن يا عمر» (١) .
٤ - تعظيم النبي ﷺ وتوقيره وإجلاله. فإن هذا من حقوق النبي ﷺ التي أوجبها الله في كتابه. قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] (الفتح: ٩) . وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (الأعراف: ١٥٧) . قال ابن عباس: " تعزروه: تجلوه. وتوقروه: تعظموه ". وقال قتادة: " تعزروه: تنصروه. وتوقروه: أمر الله بتسويده ". وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] (الحجرات: ١) . وقال ﷿: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] (النور: ٦٣) . قال مجاهد: " أمرهم أن يدعوه يا رسول الله في لين وتواضع ولا يقولوا يا محمد في تجهم ". وقد ضرب أصحاب النبي ﷺ أروع الأمثال في تعظيم النبي ﷺ. قال أسامة بن شريك: " أتيت النبي ﷺ وأصحابه حوله كأنما على رؤوسهم الطير ". وتعظيم النبي ﷺ واجب بعد موته كتعظيمه في حياته. قال القاضي عياض: " واعلم أن حرمة النبي ﷺ بعد موته، وتوقيره وتعظيمه، لازم كما كان حال حياته، وذلك عند ذكره ﷺ، وذكر حديثه وسنته، وسماع اسمه وسيرته، ومعاملة آله وعترته، وتعظيم أهل بيته وصحابته ".
_________________
(١) رواه البخاري من حديث عبد الله بن هشام برقم (٦٦٣٢) .
[ ١٧٦ ]
٥ - والصلاة والتسليم على النبي ﷺ والإكثار من ذلك كما أمر الله بذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] (الأحزاب: ٥٦) . قال المبرد: " أصل الصلاة: الترحم. فهي من الله رحمة. ومن الملائكة رقة واستدعاء للرحمة من الله ". وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا» (١) . وعن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «البخيل الذي من ذكرت عنده فلم يصل علي» (٢) . والصلاة والسلام وإن كانت مشروعة في حق الأنبياء كلهم كما تقدم فهي متأكدة في حق نبينا ﷺ ومن أعظم حقوقه على أمته وهي واجبة عليهم ولذا ذكرناها هنا من جملة حقوقه الخاصة على أمته. وقد صرح العلماء بوجوب الصلاة على النبي ﷺ ونقل بعضهم الإجماع على ذلك. قال القاضي عياض: " اعلم أن الصلاة على النبي ﷺ فرض على الجملة، غير محدد بوقت لأمر الله تعالى بالصلاة عليه، وحمله الأئمة والعلماء على الوجوب وأجمعوا عليه ".
٦ - الإقرار له بما ثبت في حقه من المناقب الجليلة والخصائص السامية والدرجات العالية الرفيعة على ما تقدم بيان بعضها في أول هذا المبحث وغير ذلك مما دلت عليه النصوص. والتصديق بكل ذلك والثناء عليه به ونشره في الناس، وتعليمه للصغار وتنشئتهم على محبته وتعظيمه ومعرفة قدره الجليل عند ربه ﷿.
_________________
(١) رواه مسلم برقم (٣٨٤) .
(٢) رواه الترمذي ٥ / ٥٥١ رقم (٣٥٤٦) وقال حديث حسن صحيح وأحمد في المسند: ١ / ٢٠١.
[ ١٧٧ ]
٧ - تجنب الغلو فيه والحذر من ذلك فإن في ذلك أعظم الأذية له ﷺ. قال تعالى آمرًا نبيه ﷺ أن يخاطب الأمة بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] (الكهف: ١١٠) . وبقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] (الأنعام: ٥٠) .
فأمر اللهّ نبيه ﷺ أن يقرر للأمة أنه مرسل من الله ليس له من مقام الربوبية شيء وليس هو بمَلَك إنما يتبع أمر ربه ووحيه. كما حذر النبي ﷺ أمته من الغلو فيه والتجاوز في إطرائه ومدحه. ففي صحيح البخاري من حديث عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» (١) . والإطراء: هو المدح بالباطل ومجاوزة الحد في المدح ذكره ابن الأثير. وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فراجعه في بعض الكلام فقال: ما شاء الله وشئت! فقال رسول الله ﷺ: «أجعلتني لله ندًّا بل ما شاء الله وحده» (٢) . فحذر النبي ﷺ من الغلو فيه وإنزاله فوق منزلته، مما يختص به الرب ﷿. وفي هذا تنبيه إلى غير ما ذكر من أنواع الغلو فإن الغلو في النبي ﷺ محرم بشتى صوره وأشكاله.
ومن صور الغلو في النبي ﷺ التي تصل إلى حدّ الشرك، التوجه له بالدعاء فيقول القائل: يا رسول الله افعل لي كذا وكذا. فإن هذا دعاء والدعاء عبادة
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٣٤٤٥)، وبنحوه الإمام أحمد في المسند: ١ / ٢٣.
(٢) رواه الإمام أحمد في المسند: ١ / ٢١٤، وبنحوه ابن ماجه في السنن برقم (٢١١٧) .
[ ١٧٨ ]
لا يصح صرفها لغير الله. ومن صور الغلو فيه ﷺ الذبح له أو النذر له أو الطواف بقبره أو استقبال قبره بصلاة أو عبادة فكل هذا محرم لأنه عبادة وقد نهى الله عن صرف شيء من أنواع العبادة لأحد من المخلوقين فقال ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] (الأنعام: ١٦٢، ١٦٣) .
٨ - ومن حقوق النبي ﷺ محبة أصحابه وأهل بيته وأزواجه وموالاتهم جميعًا والحذر من تنقصهم أو سبهم أو الطعن فيهم بشيء فإن الله قد أوجب على هذه الأمة موالاة أصحاب نبيه وندب من جاء بعدهم إلى الاستغفار لهم وسؤال الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم. فقال بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] (الحشر: ١٠) . وقال تعالى في حق قرابة رسوله ﷺ وأهل بيته: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] (الشورى: ٢٣) . جاء في تفسير الآية: " قل لمن اتبعك من المؤمنين لا أسألكم على ما جئتكم به أجرًا إلا أن تودوا قرابتي ". وأخرج مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ قام خطيبًا في الناس فقال: «أما بعد ألا أيها الناس. فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب فيه الهدى والنور. فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» . فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في
[ ١٧٩ ]
أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» (١) . فأمر النبي ﷺ بالإحسان إلى أهل بيته وأن يعرف لهم قدرهم وحقهم، لقربهم منه وشرفهم. كما أوصى النبي ﷺ بأصحابه خيرًا ونهى عن سبّهم وتنقصهم فعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٢) أخرجه الشيخان. وقد كان من أعظم أصول أهل السنة التي اجتمعت عليه كلمتهم محبة أصحاب رسول الله ﷺ وقرابته وأزواجه وما كانوا يعدون الطعن فيهم إلا علامة الزيغ والضلال. قال أبو زرعة: " إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق ". وقال الإمام أحمد: " إذا رأيت رجلًا يذكر أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ (أي بسوء) فاتهمه على الإسلام ".
فهذه بعض حقوق النبي ﷺ على أمته على سبيل الإيجاز والاختصار والله تعالى الهادي لنا ولإخواننا على تأديتها والعمل بها.
[ثالثًا بيان أن رؤية النبي ﷺ في المنام حق]
ثالثًا: بيان أن رؤية النبي ﷺ في المنام حق: دلت السنة على إمكانية رؤية النبي ﷺ في المنام وأن من رآه في المنام فقد رآه.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «من رآني في المنام فقد رآني. فإن
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٢٤٠٨) .
(٢) صحيح البخاري برقم (٣٦٧٣)، ومسلم برقم (٢٥٤١)، واللفظ للبخاري.
[ ١٨٠ ]
الشيطان لا يتمثل بي» (١) أخرجه مسلم. وفي لفظ آخر أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي» (٢) قال البخاري قال ابن سيرين: " إذا رآه في صورته ". وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: «من رآني في النوم فقد رآني فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي» (٣) رواه مسلم.
فدلت الأحاديث على صحة رؤية النبي ﷺ في المنام وأن من رآه فرؤياه صحيحة لأن الشيطان لا يتصور في صورة رسول الله ﷺ على أنه ينبغي أن يتنبه إلى أن الرؤية الصحيحة لرسول الله ﷺ هو أن يُرى على صورته الحقيقية المعروفة من صفاته، وإلا فلا تكون الرؤية صحيحة ولذا قال ابن سيرين: " إذا رآه في صورته " كما تقدم النقل عنه من صحيح البخاري. ولذا أورد البخاري قول ابن سيرين بعد ذكر الحديث على سبيل التفسير لمعنى الرؤية في الحديث. ويشهد لهذا ما أخرجه الحاكم من طريق عاصم بن كليب: حدثني أبي قال: قلت لابن عباس رأيت النبي ﷺ في المنام. قال: صفه لي. قال: ذكرت الحسن بن علي فشبهته به. قال: إنه كان يشبهه (٤) . قال ابن حجر سنده جيد.
وعن أيوب قال: " كان محمد - يعني ابن سيرين - إذا قص عليه رجل
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٢٢٦٦) .
(٢) صحيح البخاري برقم (٦٩٩٣)، ومسلم برقم (٢٢٦٦) .
(٣) مسلم برقم (٢٢٦٨) .
(٤) المستدرك: ٤ / ٣٩٣، وصححه ووافقه الذهبي.
[ ١٨١ ]
أنه رأى النبي ﷺ قال: صف لي الذي رأيته. فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره " نقله ابن حجر في الفتح وقال: سنده صحيح.
وأما قول النبي ﷺ: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة»، فللعلماء في تفسير الرؤية في اليقظة أقوال أشهرها ثلاثة:
الأول: أنها على التشبيه والتمثيل وقد دل على هذا ما جاء في رواية مسلم من حديث أبي هريرة وفيها: «فكأنما رآني في اليقظة» .
الثاني: أنها خاصة بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه.
الثالث: أنها تكون يوم القيامة. فيكون لمن رآه في المنام مزيد خصوصية على من لم يره في المنام. هذا والله تعالى أعلم.
[ ١٨٢ ]
[المبحث السابع ختم الرسالة وبيان أنه لا نبي بعده]
المبحث السابع
ختم الرسالة وبيان أنه لا نبي بعده تقدم الحديث عن هذه المسألة مع ذكر الأدلة عليها عند الحديث عن خصائص النبي ﷺ وأنه خاتم النبيين والحديث عن ختم الرسالة هنا هو من جانب آخر وهو أثر هذه العقيدة على دين المسلمين وثمرة تقريرها عليهم. فمن ثمار هذه العقيدة:
١ - استقرار التشريع وكمال الدين لدى الأمة وأثر ذلك الكبير في حياة الأمة ولذا امتن الله على هذه الأمة بذلك في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (المائدة: ٣) .
وقد كان نزول هذه الآية على النبي ﷺ في حجة الوداع قبل وفاته بأشهر بعد أن أكمل الله له التشريع. ولذا كان اليهود يغبطون المسلمين على هذه الآية على ما أخرج الشيخان أن رجلا من اليهود جاء إلى عمر ﵁ فقال: (آية في كتابكم تقرؤوها لو نزلت علينا معشر يهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا) . قال وأي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] (١) . وقد أبرز النبي ﷺ الحقيقة في صورة محسوسة وذلك بتشبيهه الرسالات قبله بقصر أكمل وأحسن بناؤه إلا موضع لبنة، فكانت بعثته موضع تلك اللبنة ختم بها البناء، وفي هذا تقرير ظاهر إلى أنه لم يبق مجال للزيادة في هذا الدين خاصة ولا الرسالات عامة كما أنه لا يمكن الزيادة في ذلك القصر بعد أن اكتمل بناؤه. وقد تقدم الحديث بنصه في المبحث السابق ضمن الحديث عن خصائص
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٤٥)، ومسلم برقم (٣٠١٧) .
[ ١٨٣ ]
النبي صلى الله علي وسلم فليراجع في موضعه (١) .
٢ - ثقة الأمة بعدم نسخ هذا الدين وشريعة محمد ﷺ ببعثه نبيا آخر " ومعنى ختم النبوة بنبوته ﵊ أنه لا تبتدأ نبوة ولا تشرع شريعة بعد نبوته وشرعته، وأما نزول عيسى ﵇ وكونه متصفا بنبوته السابقة فلا ينافي ذلك، على أن عيسى ﵇ إذا نزل إنما يتعبد بشريعة نبينا ﷺ دون شريعته المتقدمة لأنها منسوخة فلا يتعبد إلا بهذه الشريعة أصولا وفروعا ".
٣ - القطع بتكذيب كل مدع للنبوة بعده ﵊ دون نظر أو تأمل، وهذا من أبرز ثمرات الإيمان بعقيدة ختم النبوة التي تحصل بها العصمة للأمة من اتباع من ادعى النبوة من الدجالين الكذابين، ولهذا كان التنبيه على هذا الأمر العظيم هو من أعظم مقاصد النبي ﷺ في تقريره اعتقاد ختم النبوة به وذلك بإخباره عن خروج كذابين ثلاثين في هذه الأمة كلهم يدعي النبوة ثم تقريره أنه لا نبي بعده تحذيرا للأمة من تصديقهم واتباعهم. كما جاء هذا في حديث ثوبان ﷺ في الفتن مرفوعا للنبي ﷺ وفيه: (. . . «وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» (٢) .
٤ - ظهور فضل الأمراء والعلماء من هذه الأمة حيث جعل سياسة الأمة في الدين والدنيا لهم بخلاف بني إسرائيل فإنهم كانت تسوسهم الأنبياء. فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «(كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء تكثر) . قالوا: فما
_________________
(١) انظر ص١٧٠.
(٢) سنن الترمذي ٤ / ٤٩٩ وقال حديث حسن صحيح، وبنحوه أبو داود عن أبي هريرة سنن أبي داود ٤ / ٣٢٩ برقم (٤٣٣٣- ٤٣٣٤) .
[ ١٨٤ ]
تأمرنا؟ قال: (فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم)» (١) . فكان مقام الخلفاء في الأمة مقام الأنبياء في بني إسرائيل في سياسة الناس وقيادتهم. وفي حديث آخر عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (٢) . وواقع الأمة يشهد بهذا فلا يزال أمر الدين والدنيا محفوظا بالخلفاء والأمراء والعلماء الذين يسوسون الناس بالشرع، ولا يزال الله تعالى يجدد لهذه الأمة ما اندرس من معالم دينها على مر العصور والدهور بالأئمة المجددين الذين ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فدين الله بهم قائم غضا طريا على تطاول عهد البعثة وتقادم زمن الرسالة. وذلك فضل الله على هذه الأمة عامة ومن شرفه بهذا المقام خاصة.
وعلى كل حال فعقيدة ختم النبوة وآثارها في الدين من أبرز خصائُص هذه الأمة التي أكسبتها قوة الإيمان بدينها وصدق اليقين به ورسوخ القدم في الثبات عليه، إلى أن يأتي أمر الله.
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٣٤٥٥)، وصحيح مسلم برقم (١٨٤٢)، واللفظ له.
(٢) رواه أبو داود ٤ / ٣١٣ برقم (٤٢٩١)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، المستدرك ٤ / ٥٢٢.
[ ١٨٥ ]
[المبحث الثامن الإسراء بالرسول ﷺ حقيقته وأدلته]
المبحث الثامن
الإسراء بالرسول ﷺ حقيقته وأدلته تعريف الإسراء لغة وشرعا: الإسراء في اللغة: من السرى وهو: سير الليل أو عامته. وقيل: سير الليل كله.
ويقال: سريت، وأسريت. ومنه قول حسان:
أسرت إليك ولم تكن تسري
والإسراء إذا أطلق في الشرع يراد به: الإسراء برسول الله ﷺ من المسجد الحرام بمكة إلى بيت المقدس بإيليا ورجوعه من ليلته.
حقيقة الإسراء وأدلته: والإسراء آية عظيمة أيد الله بها النبي ﷺ قبل الهجرة حيث أسري به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى راكبا على البراق بصحبة جبريل ﵇ حتى وصل بيت المقدس، فربط البراق بحلقة باب المسجد، ثم دخل المسجد وصلى فيه بالأنبياء إماما، ثم جاءه جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاختار اللبن على الخمر فقال له جبريل: هديت للفطرة. وقد دل على الإسراء الكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] (الإسراء: ١) .
[ ١٨٧ ]
ومن السنة حديث أنس بن مالك الذي أخرجه مسلم في صحيحه من طريق ثابت البناني عن النبي ﷺ قال: «أتيت بالبراق " وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه " قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس. قال: فربطته بالحلقة التي يربط به الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن. فقال جبريل ﷺ: اخترت الفطرة» (١) . ثم ذكر بقية الحديث وعروجه إلى السماء. وقد دل على الإسراء برسول الله ﷺ عدة أحاديث منها ما جاء في الصحيحين ومنها ما جاء في السنن وغيرها وقد رواه عن رسول الله ﷺ، جمع من الصحابة نحو الثلاثين رجلا ثم تناقلها عنهم مالا يحصي عدهم إلا الله من رواة السنة وأئمة الدين.
وقد اتفقت كلمة علماء المسلمين سلفا وخلفا وانعقد إجماعهم على صحة الإسراء برسول الله ﷺ وأنه حق. نقل الإجماع على ذلك القاضي عياض في (الشفاء) والسفاريني في (لوامع الأنوار) . والإسراء كان بروح النبي ﷺ وجسده، يقظة لا مناما. فهذا هو الذي دلت عليه النصوص الصحيحة وعليه عامة الصحابة وأئمة أهل السنة والمحققين من أهل العلم.
قال ابن أبي العز الحنفي: (وكان من حديث الإسراء: أنه أسري بجسده في اليقظة على الصحيح من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. .) . وقال القاضي عياض مقررا أن هذا هو الذي عليه عامة أهل العلم من الصحابة
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١٦٢) .
[ ١٨٨ ]
فمن بعدهم: (وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه إسراء بالجسد وفي اليقظة، وهذا هو الحق، وهو قول ابن عباس وجابر، وأنس، وحذيفة، وعمر، وأبي هريرة، ومالك بن صعصعة، وأبي حبة البدري، وابن مسعود، والضحاك، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن المسيب، وابن شهاب، وابن زيد، والحسن، وإبراهيم، ومسروق، ومجاهد، وعكرمة، وابن جريج، وهو دليل قول عائشة، وهو قول الطبري وابن حنبل وجماعة عظيمة من المسلمين، وقول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين) .
وقال أحد المحققين الأفذاذ في نقده لقول من زعم أن الإسراء مرتان: (والصواب الذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة. ويا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارا كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا ثم يقول: (أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي) ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها عشرا عشرا) .
المعراج وحقيقته: الحديث عن المعراج هو قرين الحديث عن الإسراء في النصوص وكلام أهل العلم ولذا كان من المناسب التعريف به تتميما للفائدة.
والمعراج: مفعال من العروج. أي الآلة التي يعرج فيها، أي يصعد. وهو منزلة السلم لكن لا نعلم كيفيته. والمقصود بالمعراج عند الإطلاق في الشرع: هو صعود النبي ﷺ بصحبة جبريل ﵇ من بيت المقدس
[ ١٨٩ ]
إلى السماء الدنيا ثم باقي السماوات إلى السماء السابعة ورؤية الأنبياء في السماوات على منازلهم وتسليمه عليهم وترحيبهم به، ثم صعوده إلى سدرة المنتهى، ورؤيته جبريل عندها على الصورة التي خلقه الله عليها، ثم فرض الله عليه الصلوات الخمس تلك الليلة وتكليم الله له بذلك ثم نزوله إلى الأرض. وكان المعراج ليلة الإسراء على الصحيح.
وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على المعراج. أما الكتاب فقد جاء فيه ذكر بعض الآيات العظيمة التي حصلت للنبي ﷺ ليلة المعراج كقوله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى - وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى - عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى - عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى - إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى - مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى - لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٢ - ١٨] (النجم: ١٢-١٨) . فذكر الله تعالى في هذا السياق الآيات العظيمة التي أكرم بها رسوله ﷺ ليلة المعراج كرؤيته جبريل ﵇ عند سدرة المنتهى، ورؤيته سدرة المنتهى وقد غشاها ما غشاها من أمر الله. قال ابن عباس ومسروق " غشيها فراش من ذهب ".
وقد جاء في السنة خبر المعراج مفصلا في أكثر من حديث منها حديث أنس المتقدم في قصة الإسراء والذي سبق نقل ما يتعلق بالإسراء منه ثم قال النبي ﷺ: «ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل. فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير» . (ثم ذكر عروجه إلى السماوات وملاقاته الأنبياء إلى أن قال): «ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة، إذا ثمارها كالقلال. قال: فلما غشيها من الله ما
[ ١٩٠ ]
غشيها تغيرت. فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها. فأوحى الله إلي ما أوحى. ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى ﷺ. فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي. فقلت: يا رب خفف على أمتي. فحط عني خمسا. فرجعت إلى موسى. فقلت: حط عني خمسا. قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى ﵇ حتى قال: يا محمد. إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة» . .) (١) الحديث. أخرجه مسلم وقد جاء خبر المعراج بألفاظ متقاربة من حديث مالك بن صعصعة وأبي ذر وابن عباس في الصحيحين وغيرهما.
تنبيه: الإسراء والمعراج من الآيات العظيمة التي أكرم الله بها نبيه ﷺ والواجب على المسلم اعتقاد صحتهما وأنهما منقبتان عظيمتان اختص الله بهما نبينا ﷺ من بين الرسل ولا يشرع للمسلم الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج كما لا تشرع لهما صلاة خاصة كما يفعله بعض عوام المسلمين، بل كل ذلك بدع منكرة لم يشرعها النبي ﷺ ولم يفعلها أحد من السلف ولم يقل بها أحد ممن يقتدي به في العلم.
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١٦٢) .
[ ١٩١ ]
وقد بين العلماء من أهل السنة أن صلاة ليلة سبع وعشرين من شهر رجب وأمثالها: (من البدع التي أحدثت في دين الله، وأنه عمل غير مشروع باتفاق أئمة الإسلام ولا ينشئ مثل هذا إلا جاهل مبتدع) . وقد قال ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) أي مردود عليه.
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٢٦٩٧) .
[ ١٩٢ ]
[المبحث التاسع القول في حياة الأنبياء ﵈]
المبحث التاسع
القول في حياة الأنبياء ﵈ دلت الأدلة على موت الأنبياء إلا ما وردت النصوص باستثنائه كعيسى ﵇ فإنه لم يمت بعد وإنما رفع إلى الله تعالى حيا على ما سيأتي بيانه.
فمن الأدلة على موت الأنبياء قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٣٣] (البقرة: ١٣٣) . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤] (غافر: ٣٤) . وقال تعالى عن سليمان ﵇: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ [سبأ: ١٤] (سبأ: ١٤) . وقال تعالى مخاطبا نبيه محمدا ﷺ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (الزمر: ٣٠) . قال بعض المفسرين نعيت للنبي ﷺ نفسه ونعيت إليهم أنفسهم ففي الآية الإعلام للصحابة بأنه يموت. وقال تعالى مخبرا عن موت كل نفس مخلوقة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] (آل عمران: ١٨٥) .
فدلت هذه الآيات على موت الأنبياء وأنهم يموتون كما يموت بقية البشر إلا ما أخبر به الله ﷿ عن عيسى ﵇ من رفعه إليه كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] (آل عمران: ٥٥) . فدلت الآية على رفع الله تعالى لعيسى بجسده وروحه إلى السماء وأنه لم يمت، وأما الوفاة المذكورة في الآية في
[ ١٩٣ ]
قوله تعالى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] فقد جاء في تفسير الآية أن: " توفيه هو رفعه إليه "، وإلى ذلك ذهب ابن جرير الطبري. وأكثر المفسرين على أن الوفاة المذكورة هي النوم، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] (الزمر: ٤٢) .
فتقرر بهذا أن عيسى حي الآن في السماء لم يمت، وقد أخبر الله عن موته قبل قيام الساعة. قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] (النساء: ١٥٩) . والموت المذكور هنا هو موت عيسى ﵇ في آخر الزمان بعد أن ينزل من السماء فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة في نزول عيسى في آخر الزمان وقد جاءت تلك الأحاديث في الصحيحين وغيرهما.
وممن قيل إنه لم يمت من الأنبياء إدريس ﵇، فقد ذكر بعض أهل العلم أنه لم يمت وإنما رفعه الله كما رفع عيسى ﵇ واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا - وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٦ - ٥٧] (مريم: ٥٦، ٥٧) . فعن مجاهد قال: إدريس رفع فلم يمت كما رفع عيسى. وعن ابن عباس قال: رفع إلى السماء فمات بها. وقال آخرون: رفع إلى السماء الرابعة والعلم في ذلك عند الله تعالى. وإنما القصد حصول الخلاف بين أهل العلم في موت إدريس من عدمه، هذا مع القطع بأنه إن لم يمت فلا بد أن يموت لعموم قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]
وأما ما عدا عيسى وإدريس ﵉ من الرسل فلم يقل أحد من أهل العلم المعتد بقولهم في الأمة بحياة أحد منهم لما تقدم من النصوص وللواقع المشاهد من موتهم. لكن جاء في بعض النصوص ما أشكَل فهمه
[ ١٩٤ ]
على البعض في هذا الباب مثل ما جاء عن النبي ﷺ في أحاديث المعراج من رؤيته لبعض الرسل في السماء وتكليمه لهم على ما جاء في حديث أنس الذي أخرجه الشيخان وفيه: «ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه. . قال: قد بعث إليه، ففتح لنا. فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل ﵇ فقيل: من أنت؟ قال جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه. قال: قد بعث إليه، ففتح لنا. فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما. فرحبا بي ودعوا لي بخير» (١) إلى آخر الحديث وقد ذكر فيه رؤيا يوسف في السماء الثالثة وإذا هو أعطي شطر الحسن ورؤياه إدريس في السماء الرابعة وهارون في السماء الخامسة وموسى في السماء السادسة ورؤيته إبراهيم في السماء السابعة مسندا ظهره إلى البيت المعمور وأنهم كلهم رحبوا به ودعوا له بخير.
ومثل ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم طوالا كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلا مربوعا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس» . . .) (٢) الحديث.
ففهم بعض الناس من هذه النصوص ومن غيرها مما يماثلها عدم موت الأنبياء فاستدلوا بها على ما اعتقدوه من حياة الأنبياء. والحق أن الأنبياء
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٣٥٧٠)، ومسلم برقم (١٦٢) .
(٢) صحيح البخاري برقم (٣٢٣٩)، ومسلم برقم (١٦٥) .
[ ١٩٥ ]
ماتوا إلا ما وردت به النصوص في حق عيسى ﵇ وما اختلف فيه من أمر إدريس ﵇. وأما من عداهما فقد دلت النصوص على موتهم قطعا ولا شك في ذلك. وقد سبق نقل الأدلة عليه. وأما ما جاء في الأحاديث من إخبار الرسول ﷺ عن رؤية الرسل ليلة المعراج وما جاء في معناه من النصوص الأخرى فحق ولا تعارض بين النصوص في ذلك. وذلك أن الذي رآه الرسول ﷺ هي أرواح الرسل مصورة في صور أبدانهم، وأما أجسادهم فهي في الأرض إلا من جاءت النصوص برفعهم، وهذا هو الذي عليه الأئمة المحققون من أهل السنة.
قال أحد الأئمة الراسخين في تحقيق هذه المسألة: (وأما رؤيته غيره من الأنبياء ليلة المعراج في السماء لما رأى آدم في السماء الدنيا، ورأى يحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في الثالثة وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، أو بالعكس، فهذا رأي أرواحهم مصورة في صور أبدانهم. قد قال بعض الناس: لعله رأى نفس الأجساد المدفونة في القبور، وهذا ليس بشيء. لكن عيسى صعد إلى السماء بروحه وجسده، وكذلك قيل في إدريس. وأما إبراهيم وموسى، وغيرهما فهم مدفونون في الأرض) .
وعلى أنه ينبغي أن يقرر هنا أن الله تعالى كما أكرم رسله برفع أرواحهم إلى السماء فهي تنعم على ما شاء الله فإنه حفظ أجسادهم في الأرض، وحرم على الأرض أن تأكل أجسادهم على ما ثبت ذلك من حديث أوس بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي» . فقالوا: يا
[ ١٩٦ ]
رسول الله. وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ قال: يقول: بليت. قال: «إن الله ﷿ حرم على الأرض أجساد الأنبياء» (١) .
وبهذا يتبين الحق في هذه المسألة المهمة وما يجب على المسلم اعتقاده فيها والله تعالى أعلم.
_________________
(١) رواه أحمد في المسند: ٤ / ٨ وأبو داود في السنن ١ / ٤٤٣ برقم (١٠٤٧) والدارمي في السنن ١ / ٣٠٧ برقم (١٥٨٠)، وقال الإمام النووي إسناده صحيح.
[ ١٩٧ ]
[المبحث العاشر معجزات الأنبياء والفرق بينها وبين كرامات الأولياء]
المبحث العاشر
معجزات الأنبياء والفرق بينها وبين كرامات الأولياء التعريف بالمعجزة: المعجزة: مأخوذة من العجز. وهو عدم القدرة.
جاء في القاموس: ومعجزة النبي ﷺ ما أعجز به الخصم عند التحدي والهاء للمبالغة.
والمعجزة في الاصطلاح: أمر خارق للعادة يجري على أيديَ الأنبياء للدلالة على صدقهم مع سلامة المعارضة.
فقولنا: خارق للعادة: أخرج ما ليس بخارق للعادة مثل ما يصدر من الأنبياء من الأفعال والأحوال الطبيعية فهي ليست بمعجزات. وقولنا: يجري على أيدي الأنبياء: أخرج الأمور الخارقة التي تجري على أيدي الأولياء فهي ليست بمعجزات وإنما هي كرامات، لمتابعتهم للأنبياء ويخرج من باب أولى ما يأتي به السحرة والكهان من الشعبذة فهذه لا تصدر إلا من شرار الخلق. وقولنا للدلالة على صدقهم مع سلامة المعارضة: أخرج ما يدعيه المتنبئون الكذابون من الأمور الخارقة وكذلك السحرة فإنها لا تسلم من المعارضة بل يعارضها أمثالهم من السحرة لأنها من قبيل السحر والشعبذة.
أمثلة لبعض معجزات الأنبياء: ومعجزات الأنبياء كثيرة:
فمن معجزات صالح ﵇ أن قومه طلبوا منه أن يخرج لهم من
[ ١٩٩ ]
صخرة عينوها له ناقة ثم حددوا صفات الناقة فدعا ربه بذلك فأمر الله تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة على الوجه الذي طلبوا (١) . يقول الله تعالى في ذلك: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣] (الأعراف: ٧٣) .
ومن معجزات إبراهيم ﵇ جعل الله النار التي أشعلها قومه لتعذيبه وإهلاكه ثم ألقوه فيها بردا وسلاما عليه. قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ - قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ - وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٧٠] (الأنبياء: ٦٨- ٧٠) .
ومن معجزات موسى ﵇ العصا التي كانت تتحول إلى حية عظيمة إذا ألقاها إلى الأرض. قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى - قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى - قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى - فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى - قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه: ١٧ - ٢١] (طه: ١٧- ٢١) . ومن معجزات موسى أيضا أنه كان يدخل يده في درع قميصه ثم يخرجها فإذا هي بيضاء تتلألأ كالقمر من غير سوء. قال تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٢٢] (طه: ٢٢) .
ومن معجزات عيسى ﵇ أنه يصنع من الطين ما يشبه الطيور ثم
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣ / ٤٣٦) .
[ ٢٠٠ ]
ينفخ فيها فتكون طيورا بإذن الله، ويمسح الأكمه -وهو الأعمى- والأبرص فيبرآن بإذن الله، وينادي الموتى في قبورهم فيجيبون بإذن الله. قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠] (المائدة: ١١٠) .
ومن معجزات نبينا ﷺ القرآن العظيم وهو أعظم معجزات الرسل على الإطلاق. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] (البقرة: ٢٣) . وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] (الإسراء: ٨٨) . ومن معجزاته ﷺ انشقاق القمر عندما سأل أهل مكة النبي ﷺ آية فانشق القمر شقين فرآه أهل مكة ورآه غيرهم. قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ - وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢] (القمر: ١، ٢) . ومن معجزاته ﵊ الإسراء والمعراج. قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] (الإسراء: ١) .
ومعجزات الرسل كثيرة خصوصا معجزات نبينا محمد ﷺ فإن الله أيده بكثير من الآيات والبراهين التي لم تجتمع لنبي قبله وما سقته هنا إنما هو للتمثيل فقط.
[ ٢٠١ ]
التعريف بالكرامة: الكرامة: أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا هو مقدمة لها تظهر على يد عبد ظاهر الصلاح مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح.
فقولنا: أمر خارق للعادة: أخرج ما كان على وفق العادة من أعمال.
وغير مقرون بدعوى النبوة: أخرج معجزات الأنبياء.
ولا هو مقدمة لها: أخرج الإرهاص وهو كل خارق تقَدم النبوة.
ويظهر على يد عبد ظاهر الصلاح. .: أخرج ما يجري على أيدي السحرة والكهان فهو سحر وشعبذة.
وكرامات الأولياء كثيرة منها ما ثبت في حق بعض الصالحين من الأمم الماضية. ومن ذلك ما أخبر الله به عن مريم ﵍. قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٧] (آل عمران: ٣٧) .
ومنها: ما أخبر الله به عن أهل الكهف على ما قص الله ذلك في كتابه.
ومن كرامات الأولياء من هذه الأمة ما ثبت في حق أسيد بن حضير ﵁ أنه كان يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال السرج وهي الملائكة نزلت لقراءته. وكانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين ﵁. وكان سلمان وأبو الدرداء ﵄ يأكلان في صحفة فسبحت الصحفة أو سبح ما فيها. وخبيب بن عدي ﵁ كان أسيرا عند المشركَين بمكة شرفها الله تعالى وكان يؤتى بعنب يأكله وليس بمكة عنبة.
[ ٢٠٢ ]
ومر العلاء الحضرمي ﵁ بجيشه فوق البحر على خيولهم فما ابتلت سروج خيولهم. ووقع أبو مسلم الخولاني ﵀ في أسر الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع. قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه يصلي فيها وقد صارت بردا وسلاما، وغير ذلك كثير مما هو منقول في كتب السير والتاريخ.
الفرق بين المعجزة والكرامة: الفرق بين المعجزة والكرامة: أن المعجزة تكون مقرونة بدعوى النبوة. بخلاف الكرامة فإن صاحبها لا يدعي النبوة وإنما حصلت له الكرامة باتباعَ النبي والاستقامة على شرعه. فالمعجزة للنبي والكرامة للولي. وجماعهما الأمر الخارق للعادة.
وذهب بعض الأئمة من العلماء: إلى أن كرامات الأولياء في الحقيقة تدخل في معجزات الأنبياء لأن الكرامات إنما حصلت للولي باتباع الرسول، فكل كرامة لولي هي من معجزات رسوله الذي يعبد الله بشرعه.
ومن هذا يتبين أن إطلاق المعجزة على خوارق الأنبياء والكرامة على خوارق الأولياء معنيان اصطلاحيان ليسا موجودين في الكتاب والسنة وإنما اصطلح عليهما العلماء فيما بعد وإن كانا في مدلولهما يرجعان إلى ما تقرر في النصوص من الحق.
[ ٢٠٣ ]
حكم الإيمان بالمعجزات والكرامات: الإيمان بمعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء أصل من أصول الإيمان دلت عليه نصوص الكتاب والسنة والواقع المشاهد فيجب على المسلم اعتقاد صحة ذلك وأنه حق. وإلا فالتكذيب بذلك أو إنكار شيء منه رد للنصوص ومصادمة للواقع وانحراف كبير عما كان عليه أئمة الدين وعلماء المسلمين في هذا الباب. والله تعالى أعلم.
[ ٢٠٤ ]
[المبحث الحادي عشر الولي والولاية في الإسلام]
المبحث الحادي عشر
الولي والولاية في الإسلام تعريف الولي والولاية: الولاية: ضد العداوة. وأصل الولاية: المحبة والقَرب. وأصل العداوة: البغض والبعد.
والولاية في الاصطلاح: هي القرب من الله بطاعته.
والولي في الشرع: هو من اجتمع فيه وصفان: الإيمان والتقوى. قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣] (يونس: ٦٢، ٦٣) .
تفاضل الأولياء: وإذا كان أولياء الله هم المؤمنون المتقون فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تعالى فمن كان أكمل إيمانا وتقوى كان أكمل ولاية لله. فالناس يتفاضلون في ولاية الله بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى.
وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائه هم المرسلون منهم، وأفضل المرسلين أولو العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ وأفضل أولي العزم محمد ﷺ - على ما تقدم ذلك في موضعه - ثم إبراهيم ﵇. ثم اختلف الناس في المفاضلة بين الثلاثة الباقين.
[ ٢٠٥ ]
أقسام أولياء الله: وأولياء الله على قسمين:
القسم الأول: سابقون مقربون.
القسم الثاني: أصحاب يمين مقتصدون.
وقد ذكرهم الله تعالى في عدة مواضع من كتابه. قال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ - لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ - خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ - إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا - وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا - فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا - وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً - فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ - وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ - وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ - أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ - فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١ - ١٢] (الواقعة: ١- ١٢) .
فذكر ثلاثة أصناف. صنفا في النار وهم أصحاب الشمال وصنفين في الجنة وهما: أصحاب يمين وسابقون مقربون. وقد ذكرهما أيضا في آخر هذه السورة وهي سورة الواقعة فقال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ - فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ - وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ - فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩١] (الواقعة: ٨٨- ٩١) . وقد ذكر النبي ﷺ عمل القسمين في حديث الأولياء المشهور وهو حديث قدسي يرويه النبي ﷺ عن ربه وقد أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذيَ يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها
[ ٢٠٦ ]
ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه» (١) . فالأبرار أصحاب اليمين هم المتقربون إليه تعالى بالفرائض، يفعلون ما أوجب الله عليهم ويتركون ما حرم الله عليهم، ولا يكلفون أنفسهم بالمندوبات ولا الكف عن فضول المباحات. وأما السابقون المقربون فتقربوا إليه تعالى بالنوافل بعد الفرائض ففعلوا الواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات فلما تقربوا إلى الله بجميع ما يقدرون عليه من محبوباتهم أحبهم الرب حبا تاما وعصمهم من الذنوب واستجاب دعاءهم كما قال تعالى: «ولا يزال عبديَ يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» . .) إلى آخر ما ذكر في الحديث.
لا يختص أولياء الله بلباس ولا هيئة: وأولياء الله لا يتميزون عن غيرهم من الناس في الظاهر بلباس ولا بهيئة على ما هو مقرر عند أهل العلم والتحقيق من أهل السنة.
قال بعض الأئمة المصنفين في الأولياء: (وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان مباحا، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ضفره إذا كان مباحا. كما قيل كم من صديق في قباء، وكم من زنديق في عباء، بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد ﷺ إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور، فيوجدون في أهل القرآن، وأهل العلم، يوجدون في أهل الجهاد والسيف، ويوجدون في التجارة والصناع والزراع) .
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٦٥٠٢) .
[ ٢٠٧ ]
بطلان ما قد يعتقد فيهم من الغلو: وأولياء الله ليسوا معصومين ولا يعلمون الغيب وليس لهم قدرة على التصرف في الخلق والرزق ولا يدعون الناس إلى تعظيمهم أو صرف شيء من الأموال والعطايا لهم ومن فعل ذلك فليس بولي لله بل كذاب أفاك ولي للشيطان. والله تعالى أعلم.
[ ٢٠٨ ]
[الفصل الرابع الإيمان باليوم الآخر]
[المبحث الأول أشراط الساعة وأنواعها]
الفصل الرابع: الإيمان باليوم الآخر وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: أشراط الساعة وأنواعها.
المبحث الثاني: نعيم القبر وعذابه. وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الإيمان بنعيم القبر وعذابه وأدلة ذلك.
المطلب الثاني: وقوعه على الروح والجسد معا.
المطلب الثالث: الإيمان بالملكين منكر ونكير.
المبحث الثالث: الإيمان بالبعث. وفيه مطالب:
المطلب الأول: معنى البعث وحقيقته.
المطلب الثاني: أدلة البعث من الكتاب والسنة والنظر.
المطلب الثالث: الحوض صفته وأدلته.
المطلب الرابع: الميزان صفته وأدلته.
المطلب الخامس: الشفاعة تعريفها وأنواعها وأدلتها.
المطلب السادس: الصراط صفته وأدلته.
المطلب السابع: الجنة والنار صفتهما وكيفية الإيمان بهما وأدلة ذلك.
[ ٢٠٩ ]
المبحث الأول: أشراط الساعة وأنواعها تعريف أشراط الساعة: الأشراط: جمع شرط وهو: العلامة. وقيل أشراط الشيء: أوائله.
جاء في لسان العرب: والاشتقاقان متقاربان لأن علامة الشيء أوله.
والساعة: جزء من أجزاء الزمن، ويعبر به عن القيامة. قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥] (الزخرف: ٨٥) . والساعة من أشهر أسماء يوم القيامة في النصوص الشرعية وكلام الناس، وسمي ذلك اليوم بالساعة: لأنه يأتي بغتة فيفاجأ الناس في ساعة.
وأشراط الساعة: علاماتها وأماراتها التي تقع قبل قيامها. قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] (محمد: ١٨) .
أقسام أشراط الساعة: أشراط الساعة وأماراتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الأمارات البعيدة: وهي التي ظهرت وانقضت.
منها بعثة الرسول ﷺ على ما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين. وضم السبابة والوسطى» (١) .
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٦٥٠٤)، وصحيح مسلم برقم (٢٩٥١) .
[ ٢١١ ]
ومنها انشقاق القمر على ما أخبر الله في كتابه، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] (القمر: ١) .
ومنها خروج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى على ما أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى» (١) . وقد خرجت هذه النار على ما أخبر النبي ﷺ في مستهل جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة وكان خروجها من شرقي المدينة النبوية وسالت بسببها أودية من نار وارتاع الناس منها ورأى ضوءها أهل الشام ورأى أهل بصرى - وهي إحدى قرى دمشق-، أعناق الإبل في ضوئها كما أخبر النبي ﷺ.
القسم الثاني: الأمارات المتوسطة: وهي التي ظهرت ولم تنقض بل تتزايد وتكثر وهي كثيرة جدا.
منها أن تلد الأمة ربتها (٢) وتطاول الحفاة العراة رعاء الشاء في البنيان على ما جاء في حديث جبريل المشهور الذي أخرجه مسلم وقد تقدم في الفصل الأول من هذا الباب وفيه: «قال فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» (٣) .
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٧١١٨)، وصحيح مسلم برقم (٢٩٠٢) .
(٢) أن تلد الأمة ربتها، الأمة المرأة المملوكة، وولدها من سيدها بمنزلة سيدها، لأن مال الإنسان صائر لولده.
(٣) صحيح مسلم برقم (٨) .
[ ٢١٢ ]
ومنها خروج دجالين ثلاثين يدعون النبوة كما جاء في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريبا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله» (١) . وفي سنن أبي داود والترمذي من حديث ثوبان عن النبي ﷺ: «وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» (٢) .
ومنها انحسار الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه على ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة تسعون ويقول كل رجل منهم لعلي أكون أنا الذي أنجو» (٣) وهذه العلامة لم تقع بعد.
القسم الثالث: العلامات الكبرى: وهي التي تعقبها الساعة إذا ظهرت. وهي عشر علامات ولم يظهر منها شيء. روى مسلم في صحيحه من حديث حذيفة بن أسيد قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة. قال: إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: فذكر الدخان والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من
_________________
(١) رواه البخاري برقم (٣٦٠٩) .
(٢) سنن أبي داود برقم (٤٢٥٢)، وسنن الترمذي برقم (٢٢١٩، وقال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح ".
(٣) رواه مسلم في الصحيح برقم (٢٨٩٤)، وبنحوه البخاري برقم (٧١١٩) وأحمد في المسند ٢ / ٢٦١.
[ ٢١٣ ]
اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» (١) . وجاء في بعض الأحاديث الأخرى ذكر المهدي، وهدم الكعبة، ورفع القرآن من الأرض على ما سيأتي ذكر الأحاديث في ذلك.
والذي عليه أكثر المحققين من أهل العلم أن العلامات العشر العظمى هي هذه الثلاث وما ذكر في حديث حذيفة بن أسيد سوى الخسوف فإنها وإن كانت من علامات الساعة بلا شك كما هو نص الحديث إلا أنها تقع قبل العشر العظمى، وهي مقدمة لها، ويشهد لهذا ما جاء في رواية أخرى من حديث حذيفة بن أسيد وقد خرجها مسلم أيضا وفيها تقديم الخسوف في الذكر على غيرها من العلامات حيث قال ﷺ: «إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف في جزيرة العرب والدخان والدجال» . .) (٢) ثم ذكر بقية العلامات. قال القرطبي: (فأول الآيات على ما في هذه الرواية الخسوفات الثلاثة وقد وقع بعضها في زمن النبي ﷺ ذكره ابن وهب. . .) . وفيما يلي عرض لهذه العلامات العشر مفصلة بأدلتها:
العلامة الأولى: خروج المهدي: وهو رجل من أهل البيت من ولد الحسن بن علي ﵄ يخرج وقد ملئت الأرض جورا وظلما فيملؤها قسطا وعدلا يوافق اسمه اسم النبي ﷺ واسم أبيه اسم أب النبي ﷺ على ما روى أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٢٩٠١) .
(٢) صحيح مسلم برقم (٢٩٠١) .
[ ٢١٤ ]
يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما» (١) .
العلامة الثانية: ظهور المسيح الدجال: وهو رجل من بني آدم يخرج في آخر الزمان فيفتن به كثير من الخلق، يجري الله على يديه بعض الأعمال الخارقة، ويدعي الربوبية ولا يروج باطله على المؤمن ويدخل الأمصار كلها إلا مكة والمدينة، ومعه نار وجنة فناره جنة وجنته نار. وقد دلت الأحاديث الصحيحة على خروجه، منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي أخرجه مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: «يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه» . . .) (٢) الحديث. وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال: «إني أنذركموه وما من نبي إلا قد أنذره قومه لقد أنذره نوح قومه ولكن سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور» (٣) .
العلامة الثالثة: نزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء إلى الأرض حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقضي على الدجال كما دلت على ذلك النصوص من الكتاب والسنة. أما الكتاب فيقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] (الزخرف: ٦١)، وقد استدل بهذه الآية على
_________________
(١) سنن أبي داود ٤ / ٣٠٦ برقم (٤٢٨٢)، واللفظ له، وسنن الترمذي ٤ / ٥٠٥ برقم (٢٢٣٠)، وقال الترمذي حديث حسن صحيح.
(٢) صحيح مسلم برقم (٢٩٤٠) .
(٣) صحيح البخاري برقم (٣٠٥٧)، وصحيح مسلم برقم (١٦٩)، واللفظ للبخاري.
[ ٢١٥ ]
نزول عيسى كثير من المفسرين وينقل هذا عن ابن عباس على ما أخرج أحمد في مسنده عن ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية قال: «هو خروج عيسى ابن مريم ﵇ قبل يوم القيامة» (١) . كما دلت على نزول عيسى ﵇ الأحاديث الصحيحة: ففيِ الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها» (٢) .
العلامة الرابعة: خروج يأجوج ومأجوج: وهم خلق كثير لا يدين لأحد بقتالهم قيل إنهم من ولد يافث من ولد نوح ﵇ وقد دل على خروجهم الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ - وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧] (الأنبياء: ٩٦، ٩٧) . وأخرج الشيخان عن زينب بنت جحش ﵂ أن رسول الله ﷺ دخل عليها يوما فزعا يقول: «لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه " وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها» . . ") (٣) الحديث.
العلامة الخامسة: هدم الكعبة وسلب حليها على يد ذي السويقتين من الحبشة كما صحت بذلك السنة. فقد أخرج الشيِخان من حديث أبي
_________________
(١) المسند: ١ / ٣١٨.
(٢) صحيح البخاري برقم (٢٢٢٢)، وصحيح مسلم برقم (١٥٥)، واللفظ لمسلم.
(٣) صحيح البخاري برقم (٣٣٤٦)، وصحيح مسلم برقم (٢٨٨٠) .
[ ٢١٦ ]
هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» (١) . وروى الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، ويسلبها حليها ويجردها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه أصيلع أفيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله» (٢) .
العلامة السادسة: الدخان: وهو انبعاث دخان عظيم من السماء يغشى الناس ويعمهم، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ - يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١] (الدخان: ١٠، ١١) . ومن السنة حديث حذيفة بن أسيد المتقدم عن النبي ﷺ أنه قال: «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة» (٣) الحديث.
العلامة السابعة: رفع القرآن من الأرض إلى السماء فلا يبقى منه آية في سطر ولا صدر إلا رفعت. وقد دلت على ذلك السنة فقد أخرج ابن ماجه والحاكم من حديث حذيفة عن النبي ﷺ أنه قال: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك، وليسرى على كتاب الله ﷿ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية» . . .) (٤) .
العلامة الثامنة: طلوع الشمس من مغربها. وقد دلت على هذه الآية
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (١٥٩١)، وصحيح مسلم برقم (٢٩٠٩) .
(٢) المسند: ٢ / ٢٢٠.
(٣) صحيح مسلم برقم (٢٩٠١) .
(٤) سنن ابن ماجه ٢ / ١٣٤٤، برقم (٤٠٤٩)، والمستدرك للحاكم ٤ / ٤٧٣ وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
[ ٢١٧ ]
النصوص من الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] (الأنعام: ١٥٨) . فقد ذهب جمع من المفسرين إلى أن بعض آيات ربك، هي طلوع الشمس من مغربها. قال الطبري بعد ذكره أقوال المفسرين في الآية: (وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال ذلك حين تطلع الشمس من مغربها) (١) وروى الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون فذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا» (٢) .
العلامة التاسعة: خروج الدابة: وهي مخلوق عظيم قيل إن طولها ستون ذراعًا ذات قوائم ووبر، وقيل هي مختلفة الخلقة تشبه عدة من الحيوانات وقد دل الكتاب والسنة على خروجها قبل قيام الساعة. قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] (النمل: ٨٢) . وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللهّ ﷺ: (ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض) (٣) . وأخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم ثم يغمرون فيكم حتى يشتري
_________________
(١) تفسير ابن جرير ج٨ / ٩٧.
(٢) صحيح البخاري برقم (٤٦٣٦)، وصحيح مسلم برقم (١٥٧) .
(٣) صحيح مسلم برقم (١٥٨) .
[ ٢١٨ ]
الرجل البعير فيقول ممن اشتريته فيقول: من أحد المخطمين» (١) وقد صحح سند الحديث الهيثمي وغيره من المحدثين.
العلامة العاشرة: خروج نار عظيمة تخرج من عدن تحشر الناس إلى محشرهم وهي آخر العلامات العظام. وقد دلت على هذه العلامة السنة كما جاء في حديث حذيفة بن أسيد المتقدم والذي أخرجه مسلم وفيه: «وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» (٢) . وفي رواية من حديث حذيفة «ونار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس» .
فهذه الأمارات أعظم أشراط الساعة التي تقع قبل قيامها فإذا انقضت قامت الساعة بإذن الله تعالى وقد ورد أن هذه الأمارات متتابعة كتتابع الخرز في النظام فإذا ظهرت إحداها تبعتها الأخرى. روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خروج الآيات بعضها على إثر بعض، يتتابعن كما تتابع الخرز في النظام» (٣) .
_________________
(١) المسند: ٥ / ٢٦٨.
(٢) صحيح مسلم برقم (٢٩٠١) .
(٣) المعجم الوسيط: ٥ / ١٤٨، برقم (٤٢٨٣) .
[ ٢١٩ ]
[المبحث الثاني نعيم القبر وعذابه]
[المطلب الأول الإيمان بنعيم القبر وعذابه وأدلة ذلك]
المبحث الثاني: نعيم القبر وعذابه وبحث هذا الموضوع يتم من خلال ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الإيمان بنعيم القبر وعذابه وأدلة ذلك: الإيمان بنعيم القبر لأهل الطاعة وبعذاب القبر لمن كان مستحقا له من أهل المعصية والفجور من أصول الإيمان التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة.
فمن أدلة الكتاب على نعيم القبر قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] (إبراهيم: ٢٧)، فدلت الآية على تثبيت الله تعالى للمؤمنين عند السؤال في القبر وما يتبع ذلك من النعيم. أخرج البخاري من حديث البراء بن عازب ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أقعد المؤمن في قبره أتي ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]» (١) . ودليل عذاب القبر من القرآن قول الله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ - النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦] (غافر: ٤٥، ٤٦)، قال القرطبي: (الجمهور على أن
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (١٣٦٩) .
[ ٢٢١ ]
هذا العرض يكون في البرزخ وهو حجة في تثبيت عذاب القبر) . وقال الحافظ ابن كثير: (وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور) (١) .
كما دل على عذاب القبر من القرآن أيضا قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] (التوبة: ١٠١)، فقد استدل بها كثير من السلف على عذاب القبر، فعن مجاهد أنه قال في تفسير الآية: (بالجوع وعذاب القبر، قال: " ثم يردون إلى عذاب عظيم " يوم القيامة) . وعن قتادة قال: (عذاب الدنيا وعذاب القبر ثم يردون إلى عذاب عظيم)، وقد استدل بهذه الآية والتي قبلها على عذاب القبر الإمام البخاري في ترجمته للأحاديث في عذاب القبر (٢) .
وأما ما جاء في السنة من الأدلة على نعيم القبر وعذابه فكثير جدا من ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» (٣) . وفي صحيح مسلم من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر» (٤) . والأدلة على هذا كثيرة من الكتاب والسنة وقد ذكرت ما يستدل به في إثبات عذاب القبر ونعيمه، والله أعلم.
_________________
(١) تفسير ابن كثير ح٧ / ١٣٦.
(٢) صحيح البخاري باب ما جاء في عذاب القبر، فتح الباري (٣ / ٢٣١) .
(٣) صحيح البخاري برقم (١٣٧٩)، وصحيح مسلم برقم (٢٨٦٦) .
(٤) صحيح مسلم برقم (٢٨٦٨) .
[ ٢٢٢ ]
[المطلب الثاني وقوع نعيم القبر وعذابه على الروح والجسد معا]
المطلب الثاني: وقوع نعيم القبر وعذابه على الروح والجسد معا: نعيم القبر وعذابه يكون للروح والبدن جميعا، فتنعم الروح أو تعذب متصلة بالبدن فيكون النعيم والعذاب عليهما جميعا كما أنه قد تنعم الروح أو تعذب أحيانا منفصلة عن البدن، فيكون النعيم أو العذاب للروح منفردا عن البدن. وقد دلت على هذا النصوص وعليه اتفق أهل السنة والجماعة، خلافا لمن زعم أن عذاب القبر ونعيمه يكون للروح فقط على كل حال ولا يتعلق بالبدن.
فمن الأدلة على ذلك حديث أنس بن مالك الذي أخرجه البخاري أن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل (لمحمد ﷺ) فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال له انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا. وأما المنافق والكافر فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين» (١) .
وفي حديث البراء بن عازب الطويل الذي أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وغيرهم مرفوعا للنبي ﷺ قال بعد أن ذكر خروج الروح وصعود روح المؤمن إلى السماء: «فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (١٣٣٨) .
[ ٢٢٣ ]
فيجلسانه فيقولان له من ربك» (١) الحديث، وقد صحح هذا الحديث الحاكم وغيره.
فدل الحديثان على وقوع النعيم أو العذاب في القبر على الروح والجسد جميعا ففي قول النبي ﷺ: «إن العبد إذا وضع في القبر» دلالة ظاهرة على هذا إذ لفظ (العبد) مسمى للروح والجسد جميعا، وكذلك تصريحه بإعادة الروح إلى الجسد عند السؤال كما في حديث البراء بن عازب هذا مع ما جاء في الحديثين من الألفاظ التي هي من صفات الجسد كقوله: «يسمع قرع نعالهم» (فيقعدانه)، «ويضرب بمطارق من حديد» «فيصيح صيحة»، فإن هذا كله يفيد أن ما يحصل في القبر من النعيم أو العذاب متعلق بالروح والجسد جميعهما.
هذا مع أنه قد جاء في بعض النصوص ما يفيد أن النعيم أو العذاب قد يقع على الروح منفردة في بعض الأحوال على ما جاء في حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لما أصيب إخوانكم يعني يوم أحد - جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش» (٢) .
فتلخص من هذا أن النعيم والعذاب يقع على الروح والجسد جميعا في القبر وقد تنفرد الروح بهذا أحيانا. قال بعض الأئمة المحققين في السنة في تقرير هذه المسألة: (والعذاب والنعيم على النفس والبدن جميعا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن
_________________
(١) مسند الإمام أحمد ٤ / ٢٨٧، وسنن أبي داود ٥ / ٧٥ برقم (٤٧٥٣)، والمستدرك: ١ / ٣٧- ٣٨.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ١ / ٢٦٦، والحاكم في المستدرك ٢ / ٨٨، ٢٩٧، وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٢٢٤ ]
والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعتين كما يكون للروح منفردة عن البدن) .
[المطلب الثالث الإيمان بالملكين منكر ونكير]
المطلب الثالث: الإيمان بالملكين منكر ونكير: تقدم في مبحث الملائكة ذكر منكر ونكير وأنهما الملكان الموكلان بسؤال الميت في قبره في معرض الحديث عن وظائف الملائكة. والقصد هنا تقرير الإيمان بهما إيمانا مفصلا وما يحصل منهما من فتنة المقبورين إذ تقرير هذا هنا فرع عن الإيمان بنعيم القبر وعذابه في الجملة.
وقد دلت الأحاديث الصحيحة على وصف هذين الملكين وسؤالهما أهل القبور بعد الدفن كما جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي وابن حبان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قبر الميت أو قال أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير، فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل، فيقول: ما كان يقول هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا ثم يفسح له في قبره سبعون ذرعا في سبعين. . وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثله لا أدري: فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» (١) . وقد دل على سؤال الملكين أيضا حديث أنس المتقدم في المطلب السابق.
_________________
(١) سنن الترمذي ٣ / ٣٨٣، برقم (١٠٧١)، وقال حديث حسن غريب والإحسان في تقرير ب صحيح ابن حبان: ٧ / ٣٨٦، برقم (٣١١٧) .
[ ٢٢٥ ]
فيجب الإيمان بما دلت عليه الأحاديث من اسم الملكين ووصفهما وسؤالهما المقبورين وكيفية ذلك وما يجيب به المؤمن وما يجيب به المنافق وما يعقب ذلك من النعيم أو العذاب على التفصيل الذي جاءت به الأحاديث.
وقد اختلف العلماء هل السؤال في القبر خاص بهذه الأمة كما ذهب لذلك البعض أم أنه عام في كل الأمم كما هو قول فريق آخر من أهل العلم، والذي يظهر من النصوص عدم اختصاص هذه الأمة به بل هو عام في كل الأمم وعلى هذا أكثر المحققين من أهل العلم والله تعالى أعلم.
[ ٢٢٦ ]
[المبحث الثالث الإيمان بالبعث]
[المطلب الأول معنى البعث وحقيقته]
المبحث الثالث: الإيمان بالبعث الإيمان بالبعث من أعظم أصول الإيمان في هذا الدين وهو مشتمل على جوانب متعددة مما دلت عليه النصوص في هذا الباب، وسيكون بحثه هنا من خلال عدة مطالب تجلي حقيقته وتبرز أهمية الإيمان به وما يجب على المؤمن أن يؤمن به من أحواله وأحداثه:
المطلب الأول: معنى البعث وحقيقته: البعث في كلام العرب يأتي على وجهين:
أحدهما: الإرسال، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى﴾ [الأعراف: ١٠٣] (الأعراف: ١٠٣)، أي: أرسلنا.
والثاني: الإثارة والتحريك، تقول بعثت البعير فانبعث أي أثرته فثار، ومنه بعث الموتى وذلك بإحيائهم وإخراجهم من قبورهم. قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] الآية (البقرة: ٥٦)، أي: أحييناكم.
والبعث في الشرع: هو إحياء الله للموتى وإخراجهم من قبورهم.
وحقيقة البعث: أن الله تعالى يجمع أجساد المقبورين التي تحللت ويعيدها بقدرته كما كانت ثم يعيد الأرواح إليها ويسوقهم إلى محشرهم لفصل القضاء. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ - قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩] (يس: ٧٨، ٧٩) .
[ ٢٢٧ ]
وعن حذيفة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن رجلًا حضره الموت لما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا مت فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا ثم أوروا نارًا حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فخذوها فاطحنوها فذروني في اليم في يوم حار أو راح فجمعه الله فقال: لم فعلت؟ قال: خشيتك، فغفر له» (١) .
فدلت الآية والأحاديث على أن الله تعالى يعيد الأجساد نفسها ويجمع رفاتها المتحلل حتى تعود كما كانت فيعيد إليها أرواحها فسبحان من لا يعجزه شيء وهو على كل شيء قدير.
وقد جاء في السنة بيان كيفية البعث وأن الله ينزل إلى الأرض ماءً فينبت به أهل القبور كما ينبت العشب وقد دل على ذلك حديث أبي هريرة الذي أخرجه الشيخان «أن رسول الله ﷺ قال: (ما بين النفختين أربعون) قال: أربعون يومًا. قال: أبَيْت، قال: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت، قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قال: (ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا، وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة» (٢) . فقد دل هذا الحديث على كيفية البعث وأن أهل القبور يبقون في قبورهم أربعين بين النفختين وهما نفخة الإماتة ونفخة البعث ولم يجزم الراوي بتحديد الأربعين ما هي وهل المراد أربعون يومًا أو شهرًا أو سنة على أنه جاء في بعض الروايات أنها أربعون سنة. ثم إذا أراد الله بعث الخلائق أنزل مطرًا من السماء. جاء في
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٣٤٧٩) .
(٢) صحيح البخاري برقم (٤٩٣٥)، وصحيح مسلم برقم (٢٩٥٥) .
[ ٢٢٨ ]
بعض الروايات أنه مثل مني الرجال فينبت أهل القبور من ذلك الماء كما ينبت العشب بعد أن فتت أجسادهم إلا عجب الذنب وهذا بخلاف الأنبياء فإن أجسادهم لا تبلى كما تقدم تقريره فتبين بهذا حقيقة البعث ووقته وكيفيته والله أعلم.
[المطلب الثاني أدلة البعث من الكتاب والسنة والنظر]
المطلب الثاني: أدلة البعث من الكتاب والسنة والنظر: دَلّ الكتابُ والسنة على بعث الله تعالى للأموات وجاء تقريره في مواطن كثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦] (البقرة: ٥٦)، وقوله ﷿: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨] (لقمان: ٢٨)، وقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] (التغابن: ٧) .
ومن السنة حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تفضلوا بين أنبياء الله فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله قال: ثم ينفخ فيه مرة أخرى فأكون أول من بعث أو في أول من بعث فإذا موسى آخذ بالعرش» . .) (١) . وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الصحيحين: «فأكون أول من تنشق عنه الأرض» (٢) . فدل الحديثان على بعث الله تعالى للأموات يوم القيامة من
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٣٤١٤)، وصحيح مسلم برقم (٢٣٧٣)، وغيرهما.
(٢) صحيح البخاري برقم (٢٤١٢)، وصحيح مسلم برقم (٢٢٧٨) .
[ ٢٢٩ ]
قبورهم إلى أرض المحشر وفيهما فضيلة للنبي ﷺ لكونه أول من يبعث.
كما دل النظر الصحيح على تقرير البعث وذلك أن البعث هو إعادة للخلق ومعلوم لكل عاقل أن الإعادة للشيء أهون من إنشائه وابتدائه ولهذا قال الله تعالى في كتابه مقررًا للبعث ووقوعه بإبداء خلق الإنسان ونشأته الأولى وبأن القادر على الابتداء قادر على الإعادة من باب أولى، فقال المعترض على البعث كما حكى الله عنه: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] (يس: ٧٨)، قال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] (يس: ٧٩)، وقال تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] (الروم: ٢٧) . فهذا دليل شرعي عقلي من كتاب الله للرد على كل معاند مكذب بالبعث، وهو دليل لا يستطيع رده.
[المطلب الثالث الحشر]
المطلب الثالث: الحشر: دلت النصوص على حشر العباد بعد بعثهم إلى أرض المحشر حفاة عراة غرلا قال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] (الكهف: ٤٧)، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] (إبراهيم: ٤٨) .
وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرْلا (١» قلت: يا رسول الله! النساء والرجال جميعًا، ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال ﷺ: (يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر
_________________
(١) غرلا: غير مختونين.
[ ٢٣٠ ]
بعضهم إلى بعض» (١) .
وهذا الحشر عام لجميع الخلائق. وقد دلت النصوص أن هناك حشرا آخر إما في الجنة وإما في النار فيحشر المؤمنون إلى الجنة وفدا والوفد هم القائمون الركبان. قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] (مريم: ٨٥) .
أخرج الطبري عن علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] قال: (أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقا ولكنهم يؤتون بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، وأزمتها الزبرجد فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة) (٢) . وأما الكفار فإنهم يحشرون إلى النار على وجوههم عميا وبكما وصما. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤] (الفرقان: ٣٤) . قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] (الإسراء: ٩٧) .
[المطلب الرابع الحوض صفته وأدلته]
المطلب الرابع: الحوض، صفته وأدلته: الحوض مورد عظيم أعطاه الله لنبينا محمد ﷺ في المحشر يرده هو وأمته. جاء وصفه في النصوص أنه أشد بياضا من اللبن، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب ريحا من المسك، وهو في غاية الاتساع، عرضه وطوله سواء، كل زاوية من زواياه مسيرة شهر، يمد ماؤه من الجنة، فيه ميزابان
_________________
(١) متفق عليه: صحيح البخاري برقم (٦٥٢٧)، وصحيح مسلم برقم (٢٨٥٩) .
(٢) تفسير الطبري (٨ / ٣٨٠) .
[ ٢٣١ ]
يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب والآخر من فضة، وآنيته كعدد نجوم السماء.
وقد دل على ثبوت الحوض وأنه حق كثير من الأحاديث الصحيحة ذكر بعض المحققين أنها تبلغ حد التواتر ورواها عن النبي ﷺ بضعة وثلاثون صحابيًّا. منها حديث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «إن قدر حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء من اليمن وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء» (١) . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء من يشرب منها فلا يظمأ أبدًا» (٢) .
والحوض يكون في أرض المحشر ويمد ماؤه من الكوثر وهو نهر آخر أعطاه الله لنبينا ﷺ في الجنة قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] (الكوثر: ١) . وقد اختلف أهل العلم في الميزان والحوض أيهما يكون قبل الآخر فقيل الميزان قبل، وقيل: الحوض. والصحيح أن الحوض قبل. قال القرطبي: والمعنى يقتضيه فإن الناس يخرجون عطاشا من قبورهم.
[المطلب الخامس الميزان صفته وأدلته]
المطلب الخامس: الميزان صفته وأدلته: مما يجب الإيمان به في أحداث اليوم الآخر: الميزان. وهو ميزان حقيقي له لسان وكفتان، توزن فيه أعمال العباد فيرجح بمثقال ذرة من خير أو شر، وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على ثبوت الميزان.
_________________
(١) متفق عليه، صحيح البخاري برقم (٦٥٨٠)، وصحيح مسلم برقم (٢٣٠٣) .
(٢) متفق عليه، صحيح البخاري برقم (٦٥٧٩)، وصحيح مسلم برقم (٢٢٩٢) .
[ ٢٣٢ ]
قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] الآية (الأنبياء: ٤٧)، وقال ﷿: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ - فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ - وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ - فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ٩] (القَارعة: ٦-٩) . وأخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» (١) . وروى الإمام أحمد والحاكم وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ «أنه تسلق أراكة وكان دقيق الساقين فجعلت الريح تكفؤه (أي تحركه) فضحك القوم فقال رسول الله ﷺ: (مم تضحكون؟) قالوا: يا نبي الله من دقة ساقيه. فقال: (والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد)» (٢) صححه الحاكم ووافقه الذهبي.
والذي يوزن في الميزان ثلاثة، وقد دلت على ذلك النصوص:
١ - الأعمال، فقد ثبت أنها تجسم وتوزن في الميزان ودل عليه حديث أبي هريرة السابق: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن. . .) الحديث.
٢ - صحف الأعمال، وقد دل على ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تَسعة وتسعين سجلا كل سجل مثل مد البصر ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل، فيقول:
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٧٥٦٣)، وصحيح مسلم برقم (٢٦٩٤) .
(٢) مسند الإمام أحمد ١ / ٤٢٠- ٤٢١، والمستدرك ٣ / ٣١٧.
[ ٢٣٣ ]
لا يا رب. فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فيقول: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم» (١) .
٣ - العامل نفسه، وقد دل على وزنه قوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] (الكهف: ١٠٥)، وكذلك حديث عبد الله بن مسعود السابق وأن ساقيه في الميزان أثقل من أحد.
[المطلب السادس الشفاعة تعريفها وأنواعها وأدلتها]
المطلب السادس: الشفاعة، تعريفها وأنواعها وأدلتها: الشفاعة في اللغة: الوسيلة والطلب. وفي العرف: سؤال الخير للغير.
والشفاعة عند اللهّ: سؤال الله التجاوز عن الذنوب والآثام للغير.
وحقيقتها أن الله تعالى بلطفه وكرمه يأذن يوم القيامة لبعض الصالحين من خلقه من الملائكة والمرسلين والمؤمنين أن يشفعوا عنده في بعض أصحاب الذنوب من أهل التوحيد إظهارًا لكرامة الشافعين عنده ورحمة بالمشفوع فيهم.
ولا تصح الشفاعة عند الله تعالى إلا بشرطين:
أحدهما: إذن الله تعالى للشافع أن يشفع، وقد دل على هذا الشرط قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (البقَرة: ٢٥٥) . وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] (سبأ: ٢٣) .
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٢ / ٢١٣ وقوله (بسم الله) أي مع اسم الله، والترمذي في السنن ٥ / ٢٤-٢٥، برقم (٢٦٣٩) والحاكم في المستدرك ١ / ٦، ٥٢٩ وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٢٣٤ ]
الثاني: رضا الله عن المشفوع له أن يشفع فيه، وقد دل على هذا الشرط قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] (الأنبياء: ٢٨) . وقد دلت النصوص أن الله لا يرضى أن يشفع إلا في أهل التوحيد لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا» (١) . وقال تعالى في الكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] (المدثر: ٤٨) .
وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات الشفاعة عند الله يوم القيامة. أما الكتاب فقد تقدم ذكر بعضها، وأما من السنة فالأحاديث في إثبات الشفاعة كثيرة منها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (. . «فيقول الله ﵎ شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط» (٢) .
والأحاديث في إثبات الشفاعة كثيرة جدًّا وقد صرح الأئمة المحققون بتواترها واشتهارها في كتب الصحاح والمسانيد. ففي الصحيحين: «يُخرج من النار من كان في قلبه حبة من خردل من إيمان» (٣) .
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١٩٩) .
(٢) رواه الإمام أحمد في المسند ٣ / ٩٤، وعبد الرزاق في المصنف ١١ / ٤١٠ برقم (٢٠٨٥٧) .
(٣) صحيح البخاري برقم (٧٤٣٩)، في حديث طويل، وصحيح مسلم برقم (١٨٤) .
[ ٢٣٥ ]
أقسام الشفاعة: والشفاعة تنقسم من حيث القبول والرد إلى قسمين: مردودة وهي ما فقدت أحد شروط الشفاعة السابقة، ومقبولة وهي ما تحققت فيها شروط الشفاعة. وقد ثبت لنبينا محمد ﷺ منها ثمانية أنواع، وهي:
١ - الشفاعة العظمى وهي شفاعته ﷺ في أهل الموقف أن يقضي الله بينهم وهي المقام المحمود وهذه الشفاعة مما اختص بها نبينا ﷺ على غيره من الرسل صلوات الله عليهم أجمعين.
٢ - شفاعته ﷺ في قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم أن يدخلوا الجنة.
٣ - شفاعته في أقوام استحقوا النار أن لا يدخلوها.
٤ - شفاعته ﷺ رفع درجات أهل الجنة في الجنة.
٥ - شفاعته ﷺ في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب.
٦ - شفاعته ﷺ في تخفيف العذاب عمن كان يستحقه كشفاعته في عمه أبي طالب.
٧ - شفاعته ﷺ في أهل الجنة أن يؤذن لهم بدخول الجنة.
٨ - شفاعته ﷺ في أهل الكبائر من أمته ممن دخل النار أن يخرج منها.
وقد دلت النصوص الصحيحة على هذه الأنواع كلها وهي مبسوطة في مواضعها من كتب السنة والاعتقاد. وهذه الأنواع منها ما هو خاص بالنبي ﷺ كالشفاعة العظمى وشفاعته في عمه أبي طالب وشفاعته في أهل الجنة أن يدخلوها ومنها ما يشاركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين كالشفاعة في أهل الكبائر وغيرها من الأنواع الأخرى على اختلاف بين أهل العلم في
[ ٢٣٦ ]
اختصاصه ببعضها من عدمه، والله تعالى أعلم.
[المطلب السابع الصراط صفته وأدلته]
المطلب السابع: الصراط، صفته وأدلته: الصراط في اللغة: الطريق الواضح.
وفي الشرع: جسر ممدود على متن جهنم يرده الأولون والآخرون وهو طريق أهل المحشر لدخول الجنة. وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات الصراط.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا - ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢] (مريم: ٧١، ٧٢) ذهب أكثر المفسرين أن المقصود بورود النار هنا: المرور على الصراط وهو منقول عن ابن عباس وابن مسعود وكعب الأحبار وغيرهم.
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وهو حديث طويل في الرؤية والشفاعة وفيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: (. . «ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم قلنا يا رسول الله وما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان، المؤمن عليها كالطرف وكالبرق، وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم وناج مخدوش ومكدوس في نار جهنم يمر آخرهم يسحب سحبا» (١) .
وقد جاء وصف الصراط في نصوص كثيرة وملخص ما جاء فيها أنه أدق من الشعر وأحد من السيف دحض مزلة لا تثبت عليه قدم إلا من ثبته الله وأنه ينصب في ظلمة فيعطى الناس أنوارا على قدر إيمانهم ويمرون فوقه على قدر
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٧٤٣٩)، وصحيح مسلم برقم (١٨٣)، واللفظ للبخاري.
[ ٢٣٧ ]
إيمانهم على ما جاء في الحديث السابق.
[المطلب الثامن الجنة والنار صفتهما وكيفية الإيمان بهما وأدلة ذلك]
المطلب الثامن: الجنة والنار، صفتهما وكيفية الإيمان بهما وأدلة ذلك: مما يجب اعتقاده والإيمان به الجنة والنار.
والجنة هي دار الثواب لمن أطاع الله وموضعها في السماء السابعة عند سدرة المنتهى. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى - عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى - عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥] (النجم: ١٣-١٥)، والجنة مائة درجة بين كل درجة والأخرى كما بين السماء والأرض كما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض» (١) . وأعلى الجنة الفردوس الأعلى وفوقه العرش ومنه تتفجر أنهار الجنة كما جاء في حديث أبي هريرة السابق عن النبي ﷺ قال: «فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» . وللجنة ثمانية أبواب كما جاء في حديث سهل بن سعد ﵁ في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: «في الجنة ثمانية أبواب فيها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون» (٢) وقد أعد الله لأهل الجنة فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وأما النار فهي دار العقاب الأبدي للكافرين والمشركين والمنافقين النفاق الاعتقادي، ولمن شاء الله من عصاة الموحدين بقدر ذنوبهم ثم مآلهم إلى
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٢٧٩٠) .
(٢) صحيح البخاري برقم (٣٢٥٧) .
[ ٢٣٨ ]
الجنة. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (النساء: ٤٨) وموضعها في الأرض السابعة كذا نقل عن ابن عباس ﵄. وللنار دركات بعضها أسفل من بعض، قال عبد الرحمن بن أسلم: (درجات الجنة تذهب علوا ودرجات النار تذهب سفولا، وأسفل الدركات هي دار المنافقين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] الآية (النساء: ١٤٥)، وللنار سبعة أبواب، قال تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤] (الحجرِ: ٤٤)، ونار الدنيا جزء من سبعين جزءا من نار جهنم على ما جاء في حديث أبي هريرة الذيَ أخرجه الشيخان عن النبي ﷺ قال: «ناركم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» (١) .
والإيمان بالجنة والنار يتحقق بثلاثة أمور: الأول: الاعتقاد الجازم بأنهما حق وأن الجنة دار المتقين والنار دار الكافرين والمنافقين. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا - وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٦ - ٥٧] (النساء: ٥٦، ٥٧) .
الثاني: اعتقاد وجودهما الآن. قال تعالى في الجنة. ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] (آل عمران: ١٣٣)، وقال تعالى في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] (البقرة: ٢٤)، وجاء في الصحيحين من حديث عمران بن حصين عن النبي ﷺ أنه قال: «اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء» (٢) .
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٣٢٦٥)، وصحيح مسلم برقم (٨٧١) .
(٢) صحيح البخاري برقم (٣٢٤١)، وصحيح مسلم برقم (٢٧٣٨) مختصرا بمعناه، واللفظ للبخاري.
[ ٢٣٩ ]
الثالث: اعتقاد دوامهما وبقائهما وأنهما لا تفنيان ولا يفنى من فيهما. قال تعالى في الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٨٩] (النساء: ١٣)، وقال تعالى عن النار: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] (الجن: ٢٣) . والمقصود من المعصية هنا الكفر، لتأكيد الخلود في النار بالتأبيد، قال القرطبي قوله (أبدا) دليل على أن العصيان هنا هو الشرك (١) . وروى الشيخان من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «يدخل الله أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت كل خالد فيما هو فيه» (٢) .
ثمرات الإيمان باليوم الآخر: وللإيمان باليوم الآخر ثمرات عظيمة في حياة المؤمن من أهمها:
١ - الحرص على طاعة الله رغبة في ثواب ذلك اليوم والبعد عن معصيته خوفا من عقاب ذلك اليوم.
٢ - تسلية المؤمن عما يفوته من نعيم الدنيا ومتاعها بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها.
٣ - استشعار كمال عدل الله تعالى حيث يجازي كلا بعمله مع رحمته بعباده.
_________________
(١) القرطبي ١٩ / ٢٧، وفتح القدير ٥ / ٣٠٧.
(٢) صحيح البخاري برقم (٦٥٤٤)، وصحيح مسلم برقم (٢٨٥٠)، واللفظ لمسلم.
[ ٢٤٠ ]
[الفصل الخامس الإيمان بالقضاء والقدر ويشتمل على مبحثين]
[المبحث الأول تعريف القضاء والقدر وأدلة ثبوتهما مع بيان الفرق بينهما]
الفصل الخامس
الإيمان بالقضاء والقدر، ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: تعريف القضاء والقدر، وأدلة ثبوتهما مع بيان الفرق بينهما.
المبحث الثاني: مراتب القدر.
[ ٢٤١ ]
المبحث الأول
تعريف القضاء والقدر، وأدلة ثبوتهما
مع بيان الفرق بينهما تعريف القضاء والقدر: القضاء لغة: الحكم والفصل.
وشرعا: هو ما قضى به الله ﷾ في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير.
والقدر: مصدر قدرت الشيء أقدره إذا أحطت بمقداره.
والقدر في الشرع: هو ما قدره الله تعالى في الأزل، أن يكون في خلقه بناء على علمه السابق بذلك.
الفرق بين القضاء والقدر: ذكر العلماء في التفريق بين القضاء والقدر. أن القدر: هو تقدير لشيء قبل قضائه. والقضاء هو الفراغ من الشيء. ومن الشواهد التي ذكرها أبو حاتم للتفريق بين القضاء والقدر أن القدر منزلة تقدير الخياط للثوب فهو قبل أن يفصله يقدره فيزيد وينقص فإذا فصله فقد قضاه وفرغ منه وفاته التقدير. وعلى هذا يكون القدر سابقا للقضاء. قال ابن الأثير: (فالقضاء
[ ٢٤٣ ]
والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس وهو القدر، والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه) .
والقضاء والقدر إذا اجتمعا في الذكر افترقا في المعنى فأصبح لكل منهما معنى يخصه، وإذا افترقا في الذكر دخل أحدهما في معنى الآخر. ذكر ذلك بعض أهل العلم.
الأدلة على إثبات القدر: الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على إثباته وتقريره.
فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] (القمر: ٤٩)، وقوله تعالى ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] (الأحزاب: ٣٨)، وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] (الفرقان: ٢) .
وأما السنة فقد دلت كذلك على إثبات القدر في أحاديث كثيرة منها حديث جبريل وسؤاله للنبي ﷺ عن أركان الإيمان فذكر منها: «الإيمان بالقدر خيره وشره» وقدم تقدم الحديث بنصه في مبحث الملائكة. وروى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وقال: وكان عرشه على الماء» (١) .
والإيمان بالقدر محل إجماع الأمة من الصحابة ومن بعدهم. أخرج مسلم في صحيحه عن طاوس أنه قال: (أدركت ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٢٦٥٣) .
[ ٢٤٤ ]
يقولون كل شيء بقدر) . قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز» (١) والكيس: ضد العجز وهو النشاط والحذق بالأمور. قال الإمام النووي: (تظاهرت الأدلة القطعية من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله ﷾) .
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٢٦٥٥) .
[ ٢٤٥ ]
[المبحث الثاني مراتب القدر]
المبحث الثاني: مراتب القدر للقدر أربع مراتب دلت عليها النصوص وقررها أهل العلم. وهي:
المرتبة الأولى: علم الله بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات وإحاطته بذلك علمًا فعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] (الطلاق: ١٢) .
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ قال: «سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» (١) .
المرتبة الثانية: كتابة الله تعالى لكل شيء مما هو كائن إلى قيام الساعة. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] (الحج: ٧٠) . وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] (يس: ١٢) . ومن السنة حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المتقدم في كتابة الله مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
المرتبة الثالثة: المشيئة فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] (يس: ٨٢) . وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] (التكوير: ٢٩) . وأخرج
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (١٣٨٤)، وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٩) .
[ ٢٤٧ ]
الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت! اللهم ارحمني إن شئت! ليعزم في الدعاء فإن الله صانع ما شاء لا مكره له» (١) .
المرتبة الرابعة: خلق الله تعالى للأشياء وإيجادها وقدرته الكاملة على ذلك فهو سبحانه خالق لكل عامل وعمله وكل متحرك وحركته وكل ساكن وسكونه. قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] (الزمر: ٦٢) . وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] (الصافات: ٩٦) . وروى البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين عن النبي ﷺ:. «كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض» (٢) .
فيجب الإيمان بهذه المراتب الأربع لتحقيق الإيمان بالقدر ومن أنكر شيئًا منها لم يحقق الإيمان بالقدر. والله تعالى أعلم.
ثمرات الإيمان بالقدر: لتحقيق الإيمان بالقدر أثره البالغ وثمراته النافعة في حياة المؤمن فمن ذلك:
١ - الاعتماد على الله تعالى عند فعل الأسباب لأنه مقدر الأسباب والمسببات.
٢ - راحة النفس وطمأنينة القلب إذا أدرك العبد أن كل شيء بقضاء الله وقدره.
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٦٣٣٩)، وصحيح مسلم برقم (٢٦٧٩)، واللفظ لمسلم.
(٢) صحيح البخاري برقم (٣١٩١) .
[ ٢٤٨ ]
٣ - طرد الإعجاب بالنفس عند حصول المراد لأن حصول ذلك نعمة من الله بما قدره من أسباب ذلك الخير والنجاح فيشكر الله ويدع الإعجاب.
٤ - طرد القلق والضجر عند فوات المراد أو حصول المكروه لأن ذلك بقضاء الله وقدره فيصبر على ذلك ويحتسب.
[ ٢٤٩ ]