٤ - باب الإيمان بالقدر وقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
[متى كان تقدير مقادير الخلق؟]
٣٩ - وفي " صحيح مسلم " عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - ﵄- قال: قال رسول اللَّه ﷺ:
«إنّ اللَّه قدّر مقادير الخلائِقِ قبل أنْ يخلق السماوات والأرض بخمسين»
[ ٧٠ ]
«ألف سنةٍ قال: عرشه على الماء» ".
ــ
٣٩ - رواه مسلم كتاب القدر (٤ / ٢٠٤٤) (رقم: ٢٦٥٣) من طريق ابن وهب، أخبرني أبو هانئ الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد اللَّه بن عمرو به.
القدر بفتح الدال المهملة: قال الحافظ (١١ / ٤٧٧): قال الكرماني: المراد بالقدر حكم اللَّه. وقالوا- أي: العلماء-: القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله.
وقال أبو المظفر السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس والعقل؛ فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة ولم يبلغ شفاء العين ولا ما يطمئن به القلب؛ لأن القدر سر من أسرار اللَّه تعالى اختص العليم الخبير به وضرب دونه الأستار وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة، فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب اهـ.
وقال الحافظ: وأخرج الطبراني بسند حسن من حديث ابن مسعود رفعه: «إذا ذكر القدر فأمسكوا» (١) قال الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ﵀:
وأما الإيمان بالقدر فيتضمن الإيمان بأمور أربعة:
أولها: أن اللَّه سبحانه قد علم ما كان وما يكون وعلم أحوال عباده وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وغير ذلك من شؤونهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء ﷾، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقال ﷿: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾
وثانيها: كتابته سبحانه لكل ما قدره وقضاه، كما قال سبحانه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾
وثالثها: الإيمان بمشيئته النافذة؛ فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ وقال ﷿: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾
ورابعها: خلقه سبحانه لجميع الموجودات لا خالق غيره ولا رب سواه، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾
فالإيمان بالقدر يشمل هذه الأمور الأربعة عند أهل السنّة والجماعة خلافا لمن أنكر بعض ذلك من أهل البدع اهـ.
_________________
(١) وهو مخرج في "السلسلة الصحيحة" (رقم: ٣٤) .
[ ٧١ ]
[وجوب العمل وعدم التواكل]
٤٠ - وعن علي بن أبي طالب - ﵁- قال: «قال رسول اللَّه ﷺ:
" ما منكم من أحدٍ إلا وقد كتب مقعده من النّارِ ومقعده من الجَنَّةِ " قالوا: يا رسول اللَّه! أفلا نتكل على كتابِنا وندع العمل؟! قال:
" اعملوا فكلٌّ ميسّر لما خلِق له؛ أمّا من كان من أهل السّعادةِ فسييسّر لِعمل أهل السّعادة، وأمّا من كان من أهل الشَّقاوةِ، فسييسّر لِعمل أهل الشّقاوة ثمّ قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾» [الليل: ٦] متّفقٌ عليه.
_________________
(١) رواه البخاري كتاب الجنائز (٣ / ٢٢٥) (رقم: ١٣٦٢)، والتفسير (٨ / ٧٠٩) (رقم: ٤٩٤٨، ٤٩٤٩)، ومسلم كتاب القدر (٤ / ٢٠٣٩) (رقم: ٢٦٤٧) . قال البغوي (١ / ١٣٣): قال الخطابي: قولهم: " أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل ": مطالبة منهم بأمر يوجب تعطيل العبودية وذلك إن إخبار النبي ﷺ عن سابق الكتاب إِخبار غيب علم اللَّه ﷾ فيهم وهو حجة عليهم، فرام القوم أن يتخذوه حجة لأنفسهم في ترك العمل، فأعلمهم النبي ﷺ أن هاهنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر: باطن: هو العلة الموجبة في حكم الربوبية، وظاهر: هو السمة اللازمة في حق العبودية، وهي إمارة مخيلة غير مفيدة حقيقة العلم، ويشبه أن يكون- واللَّه أعلم- إنما عوملوا بهذه المعاملة وتعبدوا بهذا التعبد ليتعلق خوفهم بالباطن المغيب عنهم ورجاؤهم بالظاهر البادي لهم والخوف والرجاء مدرجتا العبودية ليستكملوا بذلك صفة الإيمان، ويبين لهم أن كلا ميسر لما خلق له، وأن عمله في العاجل دليل مصيره في الآجل، وتلا قوله ﷾: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ وهذه الأمور في حكم الظاهر، ومن وراء ذلك علم اللَّه ﷿ فيهم وهو الحكيم الخبير لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. واطلب نظيره في أمرين من الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب ومن الأجل المضروب في العمر مع المعالجة بالطب، فإنك تجد المغيّب فيهما علة موجبة والظاهر البادي سببا مخيلا، وقد اصطلح الناس خواصهم وعوامهم على أن الظاهر فيهما لا يترك بالباطن.
[ ٧٢ ]
[أخذ اللَّه الميثاق علينا ونحن في ظهر آدم ﵇]
٤١ - وعن مسلم بن يسارٍ الجهني قال: «سئِل عمر بن الخطّاب - ﵁- عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فقال عمر - ﵁- سمعت رسول اللَّه ﷺ سئل عنها، فقال:
[ ٧٣ ]
" إنّ اللَّه خلق آدم ثمّ مسح ظهره بِيمينِهِ، فاستخرج منه ذرية فقال:
خلقْت هؤلاء للجنّةِ وبعمل أهل الجَنَّةِ يعملون، ثمّ مسح ظهره فاستخْرج منه ذرِّية فقال: خلقت. هؤلاء للنّار وبعمل أهلِ النّار يعملون " فقال رجلٌ: يا رسول اللَّه ففيم العمل؟
فقال: " إنّ اللَّه إذا خلق العبد للجنّةِ استعمله بعمل أهل الجَنَّةِ حتّى يموت على عمل من أعمال أهل الجَنَّةِ فيدخله به الجَنَّة، وإذا خلق العبد للنّارِ استعمله بعمل أهل النّار حتّى يموت على عمل من أعمال أهل النّار فيدخله النّار» .
رواه مالك والحاكم وقال: على شرط مسلم.
ورواه أبو داود من وجه آخر عن مسلم بن يسار عن نعيمِ بن ربيعة عن عمر.
_________________
(١) رواه مالك في "الموطأ" كتاب القدر (٢ / ٨٩٨ -٨٩٩)، ومن طريق مالك، أخرجه أبو داود كتاب السنّة (٤ / ٢٢٦) (رقم: ٤٧٠٣)، والترمذي في التفسير (٥ / ٢٤٨) (رقم: ٣٠٧٥)، والنسائي في " الكبرى " (٦ / ٢٤٧) (رقم: ١١١٩٠)، والآجري في " الشريعة " (ص ١٧٠)، وابن حبان (١٤ / ٣٧) (رقم: ٦١٦٦)، والبيهقي في " الأسماء والصفات " (ص ٣٢٥)، والبغوي في " شرح السنّة " (١ / ١٣٨) (رقم: ٧٧)، والحاكم في " المستدرك " (١ / ٢٧)، كلهم من طريق مالك عن زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد عن مسلم به. قال الترمذي: حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلا مجهولا. قال الحاكم: صحيح على شرطيهما. قال الذهبي: فيه إِرسال. وقال الحاكم (٢ / ٣٢٤ -٣٢٥): صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وقال الحاكم أيضا (٢ / ٥٤٤): صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. رواه أبو داود كتاب السنّة (٤ / ٢٢٦) (رقم: ٤٧٠٤) من طريق عمر بن جعثم حدثني زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة، قال: كنت عند عمر بن الخطاب بهذا الحديث، وحديث مالك أتم ونعيم مجهول. قال المنذري: ولكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي ﷺ من وجوه ثابتة كثيرة يطول ذكرها من حديث عمر بن الخطاب وغيره، أنّه سئل عن هذه الآية: أي: عن كيفية أخذ اللَّه ذرية بني آدم من ظهورهم المذكور في الآية. وإِذ أخذ: أي: أخرج. ثم مسح ظهره: أي ظهر آدم. ففيم العمل؟: أي: إذا كان كما ذكرت يا رسول اللَّه- من سبق القدر- ففي أيِّ شيء يفيد العمل، أو بأي شيء يتعلق العمل أو فلأي شيء أمرنا بالعمل؟! استعمله بعمل أهل الجَنَّة: أي: جعله عاملا به ووفقه للعمل به.
[ ٧٤ ]
٤٢ - وقال إسحاق بن راهويه: حدّثنا بقية بن الوليدِ، قال: أخبرني الزبيدي محمد بن الوليد عن راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن أبي قتادة عن أبيه عن هشام بن حكيم بن حزام «أنّ رجلا قال: يا رسول اللَّه أتبتدأ الأعمال أم قد قضِي القضاء؟ فقال:
" إنّ اللَّه لماّ أخرج ذرِّيّة آدم من ظهرهِ أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفّيهِ، فقال: هؤلاءِ للجنّةِ وهؤلاءِ للنارِ، فأهل الجَنَّة ميسّرون لعمل أهل الجَنَّةِ وأهل النّار ميسّرون لعمل أهل النّار» .
_________________
(١) صحيح. رواه البخاري في " تاريخه الكبير " (٨ / ١٩١ -١٩٢) .
[ ٧٥ ]
[كتابة العمل والأجل والرزق وشقي أو سعيد ونحن في بطون أمهاتنا]
٤٣ - وعن عبد اللَّه بن مسعود - ﵁- قال: حدثنا رسول اللَّه ﷺ وهو الصادق المصدوق:
«إنّ أحدكم يجمع خلْقه في بطنِ أمِّه أربعين يوما نطفة، ثمّ يكون علقة مثل ذلك، ثمّ يكون مضغة مثل ذلك، ثمّ يبعث اللَّه إليه ملكا بأربع كلمات: فيكتب عمله وأجله ورِزقه وشقِي أو سعيد، ثمّ ينفخ فيه الروح، فوالّذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجَنَّة حتّى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النّار فيدخلها؛ وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النّار حتّى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجَنَّة فيدخلها»
متّفق عليه.
ــ
٤٣ - رواه البخاري كتاب بدء الخلق (٦ / ٣٠٣) (رقم: ٣٢٠٨)، والأنبياء (٦ / ٣٦٣) (رقم: ٣٣٣٢)، والقدر (١١ / ٤٧٧) (رقم: ٦٥٩٤)، والتوحيد (١٣ / ٤٤٠) (رقم: ٧٤٥٤)، ومسلم كتاب القدر (٤ / ٢٠٣٦) (رقم: ٢٦٤٣) .
قال الحافظ في " الفتح " (١١ / ٤٧٩):
المراد بالنطفة المني وأصله الماء الصافي القليل، والأصل في ذلك إن ماء الرجل إذا لاقى ماء المرأة بالجماع وأراد اللَّه أن يخلق من ذلك جنينا هيأ أسباب ذلك.
قال ابن الأثير في " النهاية ": يجوز أن يريد بالجمع مكث النطفة في الرحم، أي: تمكث النطفة أربعين يوما تخمّر فيه حتى تتهيأ للتصوير ثم تخلّق بعد ذلك.
ثم يكون علقة: يكون هنا بمعنى يصير، ومعناه أنها تكون بتلك الصفة مدة الأربعين ثم تنقلب إِلى الصفة التي تليها.
العلقة: الدم الجامد الغليظ سمّي بذلك للرطوبة التي فيه وتعلّقه بما مر به.
المضغة: قطعة اللحم سميت بذلك لأنها قدر ما يمضغ الماضغ.
والمراد من كتابة الرزق تقديره قليلا أو كثيرا وصفته حلالا أو حراما، وبالأجل: هل هو طويل أو قصير؟ وبالعمل صالح أو فاسد.
ومعنى شقي أم سعيد: أن الملك يكتب إِحدى الكلمتين كأن يكتب مثلا أجل هذا الجنين كذا ورزقه كذا وعمله كذا وهو شقي باعتبار ما يختم له وسعيد باعتبار ما يختم له كما دلّ عليه الخبر.
وفي الحديث حث على القناعة والزجر الشديد عن الحرص لأن الرزق إذ كان قد سبق تقديره لم يغْنِ التغني في طلبه وإنما شرع الاكتساب لأنه من جملة الأسباب التي اقتضتها الحكمة في دار الدنيا.
وفيه أن الأعمال سبب دخول الجَنَّة أو النَّار ولا يعارض ذلك حديث «لن يدخل أحدكم الجَنَّة بعمله» (١) لأنه لولا رحمة اللَّه لعبده لما أدخله الجَنَّة، لأن العمل بمجرّده ولو تناهى لا يوجب بمجرده دخول الجَنَّة ولا أن يكون عِوضا لها لأنه ولو وقع على الوجه الذي يحبه اللَّه لا يقاوم نعمة اللَّه بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة، فتبقى سائر نعمه مقتضية لشكرها وهو لم يوفِّها حق شكرها، فلو عذبه على هذه الحالة لعذبه وهو غير ظالم، وإذا رحمه في هذه الحالة كانت رحمته خيرا من عمله، وفيه أن من كتب شقيا لا يعلم حاله في الدنيا، وكذا عكسه، ولكن ربما يعلم بطريق العلامة المثبتة للظن الغالب، فنعم، ويقوى ذلك في حق من اشتهر له لسان صدق بالخير والصلاح.
وفيه الحثّ على الاستعاذة باللَّه من سوء الخاتمة.
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم.
[ ٧٦ ]
[دخول الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم]
٤٤ - وعن حذيفة بن أسيد - ﵁- يبلغ به النبي ﷺ قال:
«يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا رب أشقي أو سعيدٌ؟ فيكتبان، فيقول: يا رب أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، تم تطْوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص» .
رواه مسلم.
_________________
(١) رواه مسلم كتاب القدر (٤ / ٢٠٣٧) (رقم: ٢٦٤٤)، ورواه مسلم (٤ / ٢٠٣٨) من طريق عكرمة بن خالد وكلثوم عن أبي الطفيل عن حذيفة نحوه. قال الحافظ في " الفتح " (١١ / ٤٨٢): يدخل الملك: اللام للعهد والمراد به عهد مخصوص؛ وهو جنس الملائكة الموكّلين بالأرحام كما ثبت في رواية حذيفة بن أَسِيدٍ: أن ملكا موكلا بالرحم.
[ ٧٨ ]
[إن اللَّه خلق للجنة أهلا وهم في أصلاب أبنائهم وخلق للنار أهلا وهم في أصلاب آبائهم]
٤٥ - وفي "صحيح مسلم " عن عائشة - ﵂- قالت:
دعي رسول اللَّه ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت طوبى له، عصفورٌ من عصافير الجَنَّة لم يعمل سوء ولم يدركه، فقال:
«أو غير ذلك يا عائشة! إنّ اللَّه خلق للجنةِ أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» .
ــ
٤٥ - رواه مسلم كتاب القدر (٤ / ٢٠٥٠) (رقم: ٢٦٦٢) .
قال النووي (١٦ / ٢٠٧):
أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجَنَّة؛ لأنه ليس مكلفا، وتوقّف فيه بعض من لا يعتدّ به لحديث عائشة هذا.
وأجاب العلماء بأنه لعله نهاها عن المسارعة إِلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع كما أنكر على سعد بن أبي وقاص في قوله أعطه إني لأراه مؤمنا، قال أو مسلما. . . الحديث (١) .
ويحتمل أنه ﷺ قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجَنَّة فلما علم قال ذلك في قوله ﷺ: «ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله اللَّه الجَنَّة بفضل رحمته إياهم» (٢) وغير ذلك من الأحاديث، واللَّه أْعلم.
أما أطفال المشركين ففيهم ثلاثة مذاهب، قال الأكثرون: هم في النَّار تبعا لآبائهم، وتوقفت طائفة منهم، والثالث- وهو الصحيح- الذي ذهب إليه المحققون أنهم من أهل الجَنَّة ويستدل له بأشياء، منها حديث إبراهيم ﵇ «حين رآه النبي ﷺ في الجَنَّة ومن حوله أولاد الناس، قال: يا رسول اللَّه وأولاد المشركين؟، قال: " وأولاد المشركين»، رواه البخاري في " صحيحه ".
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم.
(٢) رواه أحمد بسند حسن؛ كما في " صحيح الجامع " (٥٧٧٢) .
[ ٧٩ ]
[كل شيء بقدر]
٤٦ - وعن ابن عمر - ﵄- قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «كلّ شيء بقدرٍ حتى العجز والكيس» .
رواه مسلم.
_________________
(١) رواه مالك في " الموطأ " كتاب القدر (٢ / ٨٩٩) ومن طريقه رواه مسلم القدر (٤ / ٢٠٤٥) (رقم: ٢٦٥٥)، والبخاري في " خلق أفعال العباد " (٢٥) . العجز: عدم القدرة، وقيل: ترك ما يجب فعله والتسويف به وتأخيره عن وقته، ويحتمل العجز عن الطاعات. والكيس: ضد العجز وهو النشاط والحذق بالأمور، ومعناه أن العاجز قد قدر عجزه والكيس قد قدر كيسه.
[ ٨٠ ]
[معنى قول اللَّه تنزّل الملائكة والروح فيها]
٤٧ - وعن قتادة - ﵁- في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ قال: "يقْضى فيها ما يكون في السّنة إلى مثلها ".
رواه عبد الرزاق وابن جرير.
وقد روي معنى ذلك عن ابن عباس - ﵄- والحسن وأبي عبد الرحمن السلمي وسعيد بن جبيرٍ ومقاتِل.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في " تفسيره " (٣ / ٣٨٦) وابن جرير (١٥ / ٢٦٠) . وانظر (الدر المنثور " (٨ / ٥٦٨ - ٥٦٩) .
[ ٨١ ]
[اللوح المحفوظ من درة بيضاء]
٤٨ - وعن ابن عباس - ﵄- قال: إن اللَّه خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء، دفّتاه من ياقوتةٍ حمراء، قلمه نور، وكتابه نورٌ، عرضه ما بين السّماء والأرض، ينظر فيه كلّ يومٍ ثلاثمائةٍ وستين نظرة، ففي كلِّ نظرةٍ منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء، فذلك قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾
رواه عبد الرزاق وابن المنذر والطبراني والحاكم.
قال ابن القيم - رحمه اللَّه تعالى- لما ذكر هذه الأحاديث وما في معناها، قال (١) .
" فهذا تقدير يومِي، والذي قبله تقدير حولي، والذي قبله تقدير عمرِي عند تعلقِ النفس به، والذي قبله كذلك عند أول تخليقِهِ وكونِهِ مضغة،
_________________
(١) "شفاء العليل" (١ / ٦١-٧٤) .
[ ٨٢ ]
والذي قبله تقدير سابق على وجوده لكن بعد خلق السماوات والأرض، والذي قبله تقدير سابق على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكلّ واحدٍ من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السّابقِ.
وفي ذلك دليلٌ على كمال علم الرّبِّ وقدرتِه وحِكمتِهِ، وزيادة تعرِيفِهِ الملائِكة وعباده المؤمنين بنفسه وأسمائه.
ثم قال:
فاتفقت هذه الأحاديث ونظائرها على أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال عليه، بل يوجب الجدّ والاجتهاد.
ولهذا لما سمع بعض الصّحابة ذلك قال: ما كنت بأشد اجتهادا منِّي الآن.
وقال أبو عثمان النّهدي لسلمان: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحا منِّي بآخره.
وذلك لأنه إِذا كان قد سبق له من اللَّه سابقة وهيّأه ويسره للوصول إليها كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من اللَّه أعظم من فرحه بالأسباب التي تأتي بعدها.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق وابن المنذر والحاكم والطبراني (١٢ / ٧٢) (رقم: ١٢٥١١) من طريق زياد بن عبد اللَّه عن ليث عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس مرفوعا. وقال الهيثمي (٣ / ٢٢١): وفيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة ولكنه مدلس وبقية رجاله ثقات.
[ ٨٣ ]
[الإيمان بالقدر يوجد طعم الإيمان]
٤٩ - وعن الوليد بن عبادة قال: «دخلت على أبي وهو مريضٌ أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي، فقال: أجلسوني؛ فلمّا أجلسوه، قال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان ولن تبلغ حقيقة العلم باللَّه ﵎ حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قلت: يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أنّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول:
" أوّل ما خلق اللَّه القلم قال: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة. . . " يا بني إن مِتّ ولست على ذلك دخلت النّار.»
رواه أحمد.
_________________
(١) صحيح- رواه أحمد في " المسند " (٥ / ٣١٧)، وابن أبي عاصم في " السنّة " (١ / ٤٨) (رقم: ١٠٣) من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن الوليد بن عبادة عن أبيه مختصرا. وروى ابن أبي عاصم (١ / ٥١) (رقم: ١١١) أوله من طريق سليمان بن حبيب المحاربي عن الوليد بن عبادة عن أبيه. ورواه الترمذي كتاب القدر (٤ / ٣٩٨) (رقم: ٢١٥٥) من طريق يحيى بن موسى حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا عبد الواحد بن سليم عن عطاء عن الوليد به وفيه قصة، ورواه - أيضا- الترمذي كتاب التفسير (٥ / ٣٩٤) (رقم: ٣٣١٩) وابن أبي عاصم في " السنة " (١ / ٤٩) (رقم: ١٠٥) من طريق أبو داود الطيالسي حدثنا عبد الواحد بن سليم عن عطاء بن أبي رباح حدثني الوليد عن أبيه به مختصرا، وقال الترمذي: حسن غريب. ورواه أبو داود كتاب السنة (٥ / ٣١٧) من طريق إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي حفصة قال عبادة لابنه. . . . ورواه ابن أبي عاصم (١ / ٤٨) (رقم: ١٠٤) من طريق عبد اللَّه بن السائب عن عطاء عن الوليد. ورواه أحمد (٥ / ٣١٧)، وابن أبي عاصم (١ / ٥٠) (رقم: ١٠٧) من طريق معاوية بن صالح حدثنا أيوب أبو زيد الحمصي عن عبادة بن الوليد بن عبادة. ورواه الآجري (١٧٨) من طريق الزهري عن محمد بن عبادة عن أبيه. وللحديث شواهد من حديث ابن عباس وابن عمر، انظر " السنة " لابن أبي عاصم (١ / ٤٩ - ٥١) .
[ ٨٤ ]
[الأمر بالتداوي وأخذ الأسباب]
٥٠ - وعن أبي خِزامة عن أبيه﵁- قال: «قلت: يا رسول اللَّه! أرأيت رقى نسترقِيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقِيها هل ترد من قدر اللَّه شيئا؟ قال:
" هي من قدر اللَّه» .
رواه أحمد والتِّرمذيّ وحسّنه.
_________________
(١) صحيح- رواه أحمد (٣ / ٤٢١)، والترمذي كتاب الطب (٤ / ٣٤٩،) (رقم: ٢٠٦٥)، وكتاب القدر (٤ / ٣٩٥) (رقم: ٢١٤٨)، وابن ماجه كتاب الطب (٢ / ١١٣٧) (رقم: ٣٤٣٧) كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي خزامة به. ورواه أحمد (٣ / ٤٢١) من طريق محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري به. ورواه أحمد (٣ / ٤٢١) من طريق عمرو عن ابن شهاب به. فال الترمذي: حسن صحيح. جاء في "مسند أحمد " ورواية في الترمذي وابن ماجه: ابن أبي خزامة عن أبيه.
[ ٨٥ ]
[المؤمن القوي خير وأحب إلى اللَّه من المؤمن الضعيف]
٥١ - وعن أبي هريرة - ﵁- قال: قال رسول اللَّه ﷺ:
«المؤمن القوي خير وأحب إلى اللَّه من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن باللَّه ولا تعجزن، فإنْ أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا! ولكن قل: قدر اللَّه وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان» .
رواه مسلم.
_________________
(١) رواه مسلم كتاب القدر (٤ / ٢٠٥٢) (رقم: ٢٦٦٤) .
[ ٨٦ ]