[رد الشرك]
١ - باب معرفة اللَّه ﷿ والإيمان به [رد الشرك]
١ / - عن أبي هريرة - ﵁- قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ: «قال اللَّه تعالى: أنا أغْنى الشركاءِ عن الشِّركِ، من عملَ عملا أشركَ فيه معِي غيري تَركْته وشركَه» .
رواه مسلم.
ــ
١ - رواه مسلم كتاب الزهد (٤ / ٢٢٨٩) (رقم ٢٩٨٥) .
الشرك باللَّه ينقسم إِلى قسمين:
شركٌ أكبر، وهو أعظم الذنوب؛ لأن اللَّه تعالى أخبر أنه لا يغفر إلا بالتربة منه؛ فمن هذا الشرك: دعاء غير اللَّه والاستغاثة بغير اللَّه والذبح لغير اللَّه والنذر لغير اللَّه.
والقسم الآخر من الشرك: الشرك الأصغر ومنه: الرياء، والحلف بغير اللَّه، وقول الرجل: ما شاء اللَّه وشئت، وقوله: ما لي إلا اللَّه وأنت، وأنا متوكل على اللَّه وعليك.
يقول الشيخ المصنِّف ﵀ في " كتاب القواعد الأربعة ":
اعلم أرشدك اللَّه لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد اللَّه وحده مخلصا له الدين كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فإذا عرفت أن اللَّه خلقك لعبادته فاعلم أَنَّ العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أَنَّ الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت كالحدث إذا دخل في الطهارة، فإذا عرفت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل وصار صاحبه من الخالدين في النَّار، عرفت أن أهم ما عليك معرفة ذلك لعل اللَّه أَنْ يخلصك من هذه الشبكة وهي الشرك باللَّه، الذي قال اللَّه تعالى فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
وذلك بمعرفة أربع قواعد ذكرها اللَّه تعالى في كتابه:
القاعدة الأولى: أَن تعلم أن الكفار الذين قاتلهم رسول اللَّه ﷺ مقِرون بأن اللَّه تعالى هو الخالق المدبِّر، وأن ذلك لم يدخلهم في الإسلام.
والدليل قول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾
القاعدة الثانية: أنهم يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إِليهم إِلا لطلب القربة والشفاعة.
فدليل القربة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾
ودليل الشفاعة قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾
والشفاعة شفاعتان: شفاعة منفية، وشفاعة مثبة:
فالشفاعة المنفية ما كانت تطلب من غير اللَّه فيما لا يقدر عليه إلا اللَّه.
والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
والشفاعة المثبة: هي التي تطلب من اللَّه، والشافع مكرمٌ بالشفاعة، والمشفوع له من رضي اللَّه قوله وعمله بعد الإذن، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾
القاعدة الثالثة: أن النبي ﷺ ظهر على أناسٍ متفرقين في عبادتهم؛ منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الشمس والقمر وقاتلهم رسول اللَّه ﷺ ولم يفرق بينهم.
والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾
ودليل الشمس والقمر قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فصلت: ٣٧] .
ودليل الملائكة قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾
ودليل الأنبياء قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾
ودليل الصالحين قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾
ودليل الأشجار والأحجار قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى - وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ وحديث أبي واقد الليثي - ﵁- قال: «خرجنا مع النبي ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرةٌ يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول اللَّه اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط»، الحديث (١) .
القاعدة الرابعة: أن مشركي زماننا أغلظ شركا من الأولين، لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم دائمٌ في الرخاء والشدة.
والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾
_________________
(١) رواه الترمذي (٢١٨٠)، وأَحمد (٥ / ٢١٨)، والطيالسي (١٣٤٦)، والحميديَ (٨٤٨)، وابن عاصم (٧٦)، وابن حبان (١٨٣٥) . وسنده صحيحٌ.
[ ٢٧ ]
[إن اللَّه لا ينام]
٢ - وعن أبي موسى - ﵁ - قال: «قام فينا رسول اللَّه ﷺ بخمس كلمات فقال:
"إنَّ اللَّه تعالى لا ينام ولا ينبَغِي له أنْ ينامَ، يخْفِض القِسطَ ويرفَعه، يرفع إليه عمَل الليلِ قبل عملِ النَّهارِ، وعمل النهارِ قبل عملِ اللَّيلِ، حِجابه النور، لو كشَفه لأَحرقتْ سبحات وجهِهِ ما انْتَهى إليهِ بصره من خَلْقِهِ» .
رواه مسلم.
_________________
(١) رواه مسلم كتاب الإيمان (١ / ١٦١) (رقم: ١٧٩) . قال البغوي: قوله ﷺ: «يخفض القسط ويرفعه» فيل: أراد به الميزان كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ أي: ذوات القسط وهو العدل، وسمّى الميزان قسطا لأن العدل في القسمة يقع به، وأراد أَنَّ اللَّه يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرفوعة إليه وبما يوزن من أرزاقهم النازلة من عنده. . . وقيل: أراد بالقسط الرزق الذي هو قسط كل مخلوقٍ يخفضه مرة فيقتره، ويرفعه مرة فيبسطه، يريد أنه مقدر الرزق وقاسمه كما قال تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ وقوله: سبحات وجهه، أي: نور وجهه. قال الخطابي: ومعنى الكلام أنَّه لم يطلع الخلق من جلال عظمته إلا على مقدار ما تطقه قلوبهم وتحتمله قواهم، ولو أطلعهم على كنه عظمته لانخلعت أفئدتهم وزهقت أنفسهم، ولو سلَّط نوره على الأرض والجبال لاحترقت وذابت كما قال في قصة موسى ﵇: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾
[ ٣٠ ]
[إثبات أَنَّ لله يمينا]
٣ - وعن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعا:
«يمين اللَّه ملأى (١) لا تغيضها (٢) نفقة، سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه، والقسط بيده الأخرى يرفع ويخفض ".»
أخرجاه.
ــ
٣ - رواه البخاري كتاب التفسير (٨ / ٣٥٢) (رقم ٤٦٨٤)، وفية زيادة، وكتاب التوحيد (١٣ / ٣٩٣) (رقم ٧٤١١)، ومسلم كتاب الزكاة (٢ / ٦٩٠) (رقم ٩٩٣) .
وكل من أخرج الحديث أخرجه بالياء إلا في " صحيح البخاري كتاب التفسير وفي " الشرح " ذكرها بالياء، وأما في كتاب التوحيد في الموضعين فقد ذكرها بالياء.
لا يغيضها: أي لا ينقصها، من غاض الماء إذا ذهب في الأرض.
سحاء: السح: الصب الدائم، أي: دائمة العطاء.
ويدل الحديث - مع إثباته صفة اليمين لله - على زيادة الغنى وكمال السعة والنهاية في الجود والبسط في العطاء.
_________________
(١) لفظ: " يمين " جاءت في رواية مسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد، أما لفظ البخاري فقال: يد اللَّه.
(٢) جاء في المخطوط تغيضها أي: بالتاء.
[ ٣١ ]
[علم اللَّه سبحانه]
٤ - وعن أبي ذرّ - ﵁- قال: «رأى رسول اللَّه ﷺ شاتَينْ ينْتَطِحانِ فقال: " أتدري فيم يَنْتَطِحَان يا أبا ذر؟ "، قلت: لا، قال: " لكِنِ اللَّه يدري وَسَيحكم بينهمَا» . رواه أحمد.
_________________
(١) رواه أحمد (٥ / ١٦٢): ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن سليمان عن منذر الثوري عن أشياخ لهم عن أبي ذر. ورواه عن ابن معاوية ثنا الأَعمش عن منذر بن يعلى عن أشياخ لهم عن أبي ذر، وفي إسناده مجهول. ورواه أحمد (٥ / ١٧٣) والبزار كما في " كشف الأستار " (٤ / ١٦٢) (رقم: ٣٤٥٠، ٣٤٥١) من طريق حماد بن سلمة أنا ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن عن ثروان عن الهزيل بن شرحبيل عن أبي ذر «أنَّ رسول اللَّه ﷺ كان جالسا وشاتان تقترنان فنطحت إحداهما الأخرى فأجهضتها، قال: فضحك رسول اللَّه ﷺ، فقيل له: ما يضحكك يا رسول اللَّه؟ قال: " عجبت لها، والذي نفسي بيده ليقادنّ لها يوم القيامة» . وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. وله شواهد انظرها في "مجمع الزوائد " (١٠ / ٣٥٢) منها ما رواه أحمد (٢ / ٢٣٥) من طريق ابن أبي عدي عن شعبة عن العلاء عن أبيه، ورواه (٢ / ٢٣٥، ٣٠١) من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن العلاء عن أبيه. عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لَتؤَدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء تنطحها» . قال الهيثمي (١٠ / ٣٥٢): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
[ ٣٢ ]
[إثبات السمع والبصر لله]
٥ - وعن أبي هريرةَ - ﵁- «أَنَّ رسول اللَّه ﷺ قرأ هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ويضع إبهامَيهِ على أذنيهِ والتي تلِيهَا على عينيه» .
رواه أبو داود وابن حبَّان وابن أبي حاتم.
_________________
(١) رواه أبو داود كتاب السنَّة (٤ / ٢٣٣) (رقم: ٤٧٢٨)، وابن خزيمة في " التوحيد " (١ / ٩٧) (رقم: ٤٦) وابن حبان (١ / ٤٩٨) (رقم: ٢٦٥)، والبيهقي في " الأسماء والصفات " (ص ١٧٩) والحاكم (١ / ٢٤) كلهم من طريق عبد اللَّه بن يزيد المقرئ حدثنا حرملة بن عمران عن أبي يونس مولى أبي هريرة - اسمه سليم بن جبير - عن أبي هريرة. قال الحاكم: صحيح ووافقه الذهبي. وَوَضْعِه ﷺ أصبعه على أذنيهِ وعينيهِ عند قراءته سميعا بصيرا، معناه إثبات صفة السمع والبصر للَّه ﷾ على ما يليق بجلال اللَّه وعظمته، فللَّه سمع وبصر ولكن ليس كسمعنا ولا بصرنا، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ قال ابن أبي العزّ في " شرح العقيدة الطحاوية " (١ / ٥٧): اتفق أهل السنة على أَنَّ اللَّه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ولكن لفظ التشبيه قد صار في كلام الناس لفظا مجملا يراد به المعنى الصحيح وهو ما نفاه عنه القرآن ودل عليه العقل من أَنَّ خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات ولا يماثله شيء من المخلوفات في شيء من صفاته. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد على الممثلة المشبهة. . ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد على النفاة المعطلة، فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوق فهو المشبه المبطل المذموم ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق فهو نظير النصارى في كفرهم اهـ. قال العلَّامة الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ﵀: " ومن الإيمان باللَّه أيضا الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في كتابه العزيز، والثابتة عن رسوله الأمين من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، بل يجب أن تمر كما جاءت بلا كيف مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظيمة التي هي أوصاف للَّه ﷿ يجب وصفه بها على الوجه اللائق به من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذه هي عقيدة أهل السنَّة والجماعة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ وأَتباعهم بإحسان، وهي التي نقلها الإمام أبو الحسن الأشعري ﵀ في كتابه " المقالات " عن أصحاب الحديث وأهل السنَّة ونقلها غيره من أهل العلم والإيمان. قال الأوزاعي ﵀: سئل الزهري ومكحول عن آيات الصفات فقالا: أَمرّوها كما جاءت. وقال الوليد بن مسلم ﵀: سئل مالك، والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان الثوري ﵏ عن الأخبار الواردة في الصفات فقالوا جميعا: أَمِروها كما جاءت بلا كيف. وقال الأوزاعي ﵀: كنا والتابعون متوافرون نقول: إِن اللَّه سبحانه على عرشه ونؤمن بما ورد في السنة من الصفات. ولما سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك رحمة اللَّه عليهما عن الاستواء قال: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن اللَّه الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين وعلينا التصديق ". ولما سئل الإمام مالك ﵀ عن ذلك قال: "الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة "، ثم قال للسائل: " ما أراك إلا رجل سوء! وأمر به فاخرج ". وروي هذا المعنى عن أم المؤمنين أم سلمة ﵂. وقال الإمام أبو عبد الرحمن عبد اللَّه بن المبارك رحمة اللَّه عليه: " نعرف ربَّنا سبحانه بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ". وكلام الأئمة في هذا الباب كثير جدا لا يمكن نقله في هذا المقام، ومن أراد الوقوف على كثير من ذلك فليراجع ما كتبه علماء السنة في هذا الباب مثل كتاب " السنَّة " لعبد اللَّه ابن الأمام أحمد، وكتاب " التوحيد " للإمام الجليل محمد بن خزيمة، وكتاب " السنة " لأبي قاسم اللالكائي الطبري، وكتاب " السنَّة " لأبي بكر بن أبي عاصم، وجواب شيخ الإسلام ابن تيمية لأهل حماة، وهو جواب عظيم كثير الفائدة قد أوضح فيه ﵀ عقيدة أهل السنة ونقل فيه الكثير من كلامهم والأدلة الشرعية والعقلية على صحة ما قاله أهل السنة، وبطلان ما قاله خصومهم، وهكذا رسالته الموسومة بالتدمرية قد بسط فيها المقام وبين فيها عقيدة أهل السنة بأدلتها النقلية والعقلية والرد على المخالفين بما يظهر الحق ويدمغ الباطل لكل من نظر في ذلك من أهل العلم بقصد صالح ورغبة في معرفة الحق، وكل من خالف أهل السنة فيما اعتقدوا في باب الأسماء والصفات أنه يقع ولا بد في مخالفة الأدلة النقلية والعقلية مع التناقض الواضح في كل ما يثبته وينفيه. أما أهل السنة والجماعة فأثبتوا للَّه ﷾ ما أثبته لنفسه في كتابه الكريم أو أثبته له رسوله محمد ﷺ في سنته الصحيحة إثباتا بلا تمثيل ونزّهوه سبحانه عن مشابهته خلقه تنزيها بريئا من التعطيل ففازوا بالسلامة من التناقض وعملوا بالأدلة كلها. وهذه سنة اللَّه سبحانه فيمن تمسك بالحق الذي بعث به رسله وبذل وسعه في ذلك وأخلص لله في طلبه أَنَّ يوفقه للحق ويظهر حجته؛ كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ وقد ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره المشهور عند كلامه على قول اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ - الآية- كلاما حسنا في هذا الباب يحسن نقله هاهنا لعظم فائدته، قال ﵀ ما نصه: " للناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها وإِنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن اللَّه فإن اللَّه لا يشبهه شيء من خلقه وليس كمثله شيء وهو السميع البصير، بل الأمر كما قال الأئمة منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال: من شبه اللَّه بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف اللَّه به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف اللَّه نفسه به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال اللَّه ونفى عن اللَّه تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى ".
[ ٣٣ ]
[مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا اللَّه]
٦ - وعن ابن عمر - ﵄- أن رسول اللَّه ﷺ قال:
«مفاتِيح الغيبِ خمس لا يعلَمها إِلا اللَّه: لا يعلم ما في غدٍ إِلا اللَّه، ولا يعلم ما تَغِيض الأرحام إلا اللَّه، ولا يعلم متى يأتي المطر أَحد إلا اللَّه، ولا تدري نفس بأَيِّ أرضٍ تموت إلا اللَّه، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا اللَّه ﵎» .
رواه البخاريّ ومسلم.
_________________
(١) رواه البخاري كتاب الإستسقاء (٢ / ٥٢٤) (رقم: ١٠٣٩)، والتفسير (٨ / ٣٧٥) (رقم: ٤٦٩٧)، والتوحيد (١٣ / ٣٦١) (رقم: ٧٣٧٩)، ولم أجد الحديث من مسند ابن عمر عند مسلم، وقد أخرج مسلم (١ / ٣٩) (رقم: ٩) نحوه عن أبي هريرة. شرح الحديث: هذا الحديث الشريف رد على من يدَّعي علم الغيب من الكهنة والسحرة. قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (٨ / ٥١٤): قال الشيخ أبو محمد بن أبي جَمرَة: " عبَّر بالمفاتيح لتقريب الأمر على السامع لأن كل شيِء جعل بينك وبينه حجاب فقد غيّب عنك، والتوصل إِلى معرفته في العادة من الباب فإذا أغلق الباب احتيج إِلى المفتاح فإذا كان الشيء الذي لا يطلع على الغيب إلا بتوصيله لا يعرف موضعه فكيف يعرف المغيب" اهـ ملخصا. قال ابن كثير في تفسير سورة لقمان (٣ / ٤٥٥): " قال قتادة: أشياء استأثر اللَّه بهن فلم يطلع عليهن ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا. فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة في أي سنة أَو في أي شهر أو ليل أو نهار، فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث ليلا أو نهارا، ولا يعلم أحد ما في الأرحام ذكر أم أنثى أحمر أو أسود، وما هو؟ ولا تدري يا ابن آدم متى تموت لعلك الميت غدا لعلك المصاب غدا اهـ. قلت: أما من يدَّعي بأن هناك أجهزة تكشف عن الجنين في بطن أمه هل هو ذكر أم أنثى؟ فهذا لا يدخل في علم الغيب لأن التوصل إِلى ذلك كان بواسطة أجهزة فلو قال قائل: أنا أعلم ما في بطن الأم ثم شق بطنها فعلم ما فيه هل نقول: إِنه علم الغيب، ثم إِن هذه الأجهزة ليست دقيقة تماما، بل كثيرا ما تخطئ، فكم من حامل قيل لها: إن ما في بطنك ولد فإِذا هو أنثى!!
[ ٣٧ ]
[إثبات صفة الفرح لله]
٧ - وعن أنس بن مالك - ﵁- قال: قال رسول اللَّه ﷺ:
«لله أشد فرحا بتوبةِ عبدِهِ حينَ يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاةٍ فانفلتَتْ منه وعليها طعامه وشرابه فَأَيِسَ منها، فَأَتَى شجرة فاضطجع في ظلِّها وقد أَيسَ من راحلته، فبينما هو كذلك إِذْ هو بها قائِمةٌ عنده فأخذ بِخِطامِها فقال من شدِّةِ الفرح: اللَّهم أَنت عبدي وأَنا ربّكَ، أَخطأَ من شاة الفرح» .
أخرجاه.
_________________
(١) رواه البخاري كتاب الدعوات (١١ / ١٠٢) (رقم: ٦٣٠٩) ومسلم (٤ / ٢١٠٥) (رقم: ٢٧٤٧) . هذا الحديث يثبت صفة الفرح لله ﷾، مع الاعتقاد بأن اللَّه ﷾ منزه عن صفات المخلوقين. والتوبة في الشرع ترك الذنب لقبحه والندم على فعله والعزم على عدم العودة ورد المظلمة إن كانت أو طلب البراءة من صاحبها وهي أبلغ ضروب الاعتذار. قال الحافظ في "الفتح" (١١ / ١٠٨): قال عياض فيه: " إِن ما قاله الإنسان من مثل هذا في حال الدهشة وذهوله لا يؤاخذ به، وكذا حكايته عنه على طريق علمي وفائدة شرعية لا على الهزل والمحاكاة والعبث ".
[ ٣٨ ]
[إثبات صفة اليد لله ﷾]
٨ - وعن أبي موسى - ﵁- أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال:
«إن اللَّه يَبسط يده باللَّيلِ ليتوبَ مسيء النهار ويبسط يده بالنَّهارِ ليتوبَ مسيء اللَّيلِ حتى تَطْلعَ الشَّمس من مَغرِبها» .
رواه مسلم.
_________________
(١) رواه مسلم كتاب التوبة (٤ / ٢١١٣) (رقم: ٢٧٥٩) . يثبت هذا الحديث صِفةَ اليد لله ﷾، وهذه اليد ليست كيدنا بل يد تليق بجلال اللَّه ﷾ دون تشبيه، ولا تمثيل ولا تعطيل. ويثبت- أَيضا- أن التوبة لا يختص قبولها بوقت معين إلا ما حدده الرسول ﷺ قبل الغرغرة وقبل طلوع الشمس من مغربها.
[ ٣٩ ]
[إثبات صفة الرحمة لله ﷾]
٩ - ولهما عن عمر - ﵁- قال: «قدِمَ على رسول اللَّه ﷺ بِسَبيِ هوازِنَ؛ فإذا امرأة من السبيِ تسعى إذْ وجدت صبيا في السَّبي فأخذته فأَلزقته بِبطنِها فأرضعته، فقال النبي ﷺ:
" أَترَونَ هذه المرأَةَ طارِحة ولدها في النَّارِ؟! " قلنا: لا واللَّه! فقال: " لَلَّه أَرحم بعبادِهِ من هذهِ بولدِها» .
_________________
(١) رواه البخاري كتاب الأدب (١٠ / ٤٢٦) (رقم: ٥٩٩٩) ومسلم كتاب التوبة (٤ / ٢١٠٩) (رقم: ٢٧٥٤) . قال الحافظ في "الفتح" (١١ / ٤٣٠): " وعرف من سياقه أنها كانت فقدت صبيا وتضرّرت باجتماع اللبن في ثديها فكانت إذا وجدت صبيا أرضعته ليخف عنها فلما وجدت صبيها بعينه أخذته فالتزمته. . . ". وفي الحديث إشارة إِلى أنه ينبغي للمرء أن يجعل تعلّقه في جميع أموره باللَّه وحده وأن كل من فرض أن فيه رحمة ما حتى يقصد لأجلها فاللَّه ﷾ أرحم منه فليقصد العاقل لحاجته من هو أشد له رحمة.
[ ٤٠ ]
[سعة رحمة اللَّه ﷿]
١٠ - وعن أبي هريرة - ﵁- قال: قال رسول اللَّه ﷺ:
«لما خلق اللَّه الخلْقَ كتبَ في كتابٍ فهو عندَه فوق العرش: إِن رحمتي غَلبَتْ غضبي» .
رواه البخاري.
_________________
(١) رواه البخاري كتاب بدء الخلق (٦ / ٢٨٧) (رقم: ٣١٩٤) وكتاب التوحيد (١٣ / ٤٠٤) (رقم: ٧٤٢٢)، (١٣ / ٤٤٠) (رقم: ٧٤٥٣)، ومسلم كتاب التوبة (٤ / ٢١٠٧) (رقم: ٢٧٥١) . قال أَبو سليمان الخطابي: أَراد بالكتاب أحد شيئين: إما القضاء الذي قضاه وأوجبه كقوله ﷾: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ أي: قضى اللَّه، ويكون معنى قوله: " فهو عنده فوق العرش " أي: فعلم ذلك عند اللَّه فوق العرش لا ينساه ولا ينسخه ولا يبدله كقوله ﷾: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ وإِما أن يكون أراد بالكتاب اللوح المحفوظ الذي فيه ذكر الخلق وبيان أمورهم وذكر آجالهم وأرزاقهم والأقضية النافذة فيهم ومآل عواقب أمورهم. قلت: ويثبت هذا الحديث العرش، وأنه سبحانه فوق العَرش على السماء، ويثبت صفة الرحمة والغضب لله ﷾.
[ ٤١ ]
[جعل اللَّه الرحمة في مائة جزء]
١١ - ولهما عنه أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال:
«جعل اللَّه الرَّحمةَ مائةَ جزءٍ، فأَمسك عندَه تسعة وتسعينَ جزءا وأَنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزءِ تتراحَم الخلائِق حتى تَرفَع الدَّابَّة حافِرها عن ولدها خَشْيةَ أَنْ تصيبَه» .
_________________
(١) رواه البخاري كتاب الأدب (١٠ / ٤٣١) (رقم: ٦٠٠٠)، ومسلم كتاب التوبة (٤ / ٢١٠٨) (رقم: ٢٧٥٢.) . قال الحافظ (١٠ / ٤٣١): قال القرطبي: مقتضى هذا الحديث أن اللَّه علم أن أنواع النعم التي ينعم بها على خلقه مائة نوع فأنعم عليهم في هذه الدنيا بنوع واحدٍ انتظمت به مصالحهم وحصلت به مرافقهم فإذا كان يوم القيامة كمل لعباده المؤمنين ما بقي فبلغت مائة، وكلها للمؤمنين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فإن رحيما من أبنية المبالغة التي لا شيء فوقها ويفهم من هذا أن الكفار لا يبقى لهم حظ من الرحمة لا من جنس رحمات الدنيا ولا من غيرها إذا كمل كل ما كان في علم اللَّه من الرحمات للمؤمنين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾
(٢) ولمسلمٍ معناه من حديث سلمان، وفيه: «كل رحمةٍ طِباق ما بين السَّماءِ والأَرض» وفيه «فإذا كان يوم القيامةِ كمَّلَهَا بهذِهِ الرَّحمَةِ» .
(٣) رواه مسلم (٤ / ٢١٠٩) (رقم: ٢٧٥٣) .
[ ٤٢ ]
[تعجيل حسنات الكافر في الدنيا]
١٣ - وعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه ﷺ:
«إِنَّ الكافِرَ إذا عمِلَ حسنة أطعِمَ بها طعمَة في الدنيا، وأمَّا المؤْمِن فإِنَّ اللَّهَ يَدَّخِر له حسناتِهِ في الآخرة ويعقِبه رزقا في الدنيا على طاعتِهِ»
رواه مسلم.
_________________
(١) رواه مسلم كتاب صفات المنافقين (٤ / ٢١٦٢) (رقم: ٢٨٠٨) من طريق سليمان التيمي عن قتادة عن أنس به. قال النووي في " شرح صحيح مسلم " (١٧ / ١٥٠): أجمع العلماء على أن الكافر الذي مات على كفر لا ثواب له في الآخرة ولا يجازى فيها بشيء من عمله في الدنيا متقربا إِلى اللَّه تعالى. وصرح في هذا الحديث بأنه يطعم في الدنيا بما عمله من الحسنات، أي: بما فعله متقربا به إلى اللَّه تعالى، فيما لا تفتقر صحته إلى النية كصلة الرحم والصدق والعتق والضيافة وتسهيل الخيرات ونحوها، وأمَّا المؤمن فيدخر له حسناته وثواب أعماله إلى الآخرة ويجزى بها مع ذلك أيضا في الدنيا ولا مانع من جزائه بها في الدنيا والآخرة، وقد جاء الشرع به فيجب اعتقاده. وأمَّا إذا فعل الكافر مثل هذه الحسنات ثم أسلم فإنه يثاب عليها في الآخرة على المذهب الصحيح ".
[ ٤٣ ]
[إثبات صفة الرضى لله ﷾]
١٤ - وله عنه مرفوعا:
«إِن اللَّه ليرضى عن العبدِ يأْكل الأَكْلَةَ فيحمَده عليها، ويشرب الشَّربةَ فيحمَده عليها» .
_________________
(١) رواه مسلم كتاب الذكر والدعاء (٤ / ٢٠٩٥) (رقم: ٢٧٣٤) . وفي هذا الحديث يثبت الرسول ﷺ لرَبه ﷾ صفة الرضى، وأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة لله ﷾ من غير تكييف ولا تمثيل على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فنثبت صفة الفرح، فرحا يليق بجلال وجه اللَّه ﷿ وعظيم سلطانه. وانظر " مجموع الفتاوى " للإمام ابن تيميّة (٥ / ٢٦) .
[ ٤٤ ]
[عظمة اللَّه ﷾]
١٥ - وعن أبي ذرّ - ﵁- قال: قال رسول اللَّه ﷺ:
«أطَّتِ السَّماء وحقَّ لها أن تئطَّ ما فيها موضِع أَربَعِ أَصابع إلَّا وفيه مَلك ساجد للهِ تعالى، واللَّهِ لو تعلمونَ ما أَعلم لضحِكْتم قليلا وَلَبكيتم كثيرا وما تلذَّذْتم بالنِّساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدَاتِ تجأَرونَ إلى اللَّه تعالى» .
رواه التِّرمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
قوله: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولَبكَيتم كثيرا»؛ في
[ ٤٥ ]
" الصَّحيحَين " (١) . من حديث أَنس.
ــ
١٥ - رواه الترمذي كتاب الزهد (٤ / ٤٨١) (رقم: ٢٣١٢)، وابن ماجه كتاب الزهد (٢ / ١٤٠٢) (رقم: ٤١٩٠)، وأحمد (٥ / ١٧٣) والطحاوي في " مشكل الآثار " (٢ / ٤٤)، وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب " العظمة " (٤ / ٩٨٢) (رقم: ٥٠٧)، والحاكم في " المستدرك" (٢ / ٥١٠)، وأبو نعيم في " دلائل النبوة" (ص: ٣٧٩)، والبيهقي في " شعب الإيمان" (١ / ٤٨٤) (رقم: ٧٨٣، ٧٨٤) كلهم من طريق إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن مورق عن أبي ذر به.
وعند بعضهم زيادة.
قال الترمذي: حسن غريب.
وفال الحاكم: صحيح الإسناد.
وقال البوصيريَ: قلت: في إسناده إبراهيم بن مهاجر صدوق لين الحفظ.
وقد توبع: فرواه أبو نعيم في " الحلية " (٦ / ٢٦٩) من طريق زائدة بن أبي الرقاد ثنا زياد النميري عن أنس به مختصرا.
وزائدة منكر الحديث وزياد النميري ضعيف.
أطَّت السماء: الأطيط هو صوت الأقناب، وأطيط الإبل: صوتها وحنينها، أي: خرج لها صوت لكثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت.
لخرجتم: أي: من منازلكم.
الصعدات: أي: الطرق، وقيل: فناء باب الدار وممر الناس بين يديه، وقيل: المراد بالصعدات البراري والصحاري.
تجأرون إلى اللَّه: أي: تتضرعون إليه بالدعاء ليدفع عنكم البلاء.
لو تعلمون ما أعلم: أي: من عقاب اللَّه للعصاة وشدة المناقشة يوم الحساب لبكيتم كثيرا، أي: من خشية اللَّه ترجيحا للخوف على الرجاء وخوفا من سوء الخاتمة.
_________________
(١) رواه البخاري كتاب التفسير (٨ / ٢٨٠) (رقم: ٤٦٢١)، وكتاب الرقاق (١١ / ٣١٩) (رقم: ٦٤٨٦)، ومسلم كتاب الفضائل (٤ / ١٨٣٢) (رقم: ٢٣٥٩) . قال الحافظ في " الفتح " (١١ / ٣١٩): " والمراد بالعلم هنا ما يتعلق بعظمة اللَّه وانتقامه ممن يعصيه والأهوال التي تقع عند النزع والموت وفي القبر ويوم القيامة ومناسبة كثرة البكاء وقلة الضحك في هذا المقام واضحة والمراد به التخويف. . . وعن الحسن البصري قال: من علم أن الموت مورده والقيامة موعده والوقوف بين يدي اللَّه مشهده فحقه أن يطول في الدنيا حزنه. قال الكرماني: في هذا الحديث من صناعة البديع مقابلة الضحك بالبكاء والقلة بالكثرة ومطابقة كل منهما.
[ ٤٦ ]
[حرمة التألي على اللَّه]
١٦ - ولمسلمٍ عن جنْدب - ﵁- مرفوعا:
«قالَ رجل: واللَّهِ لا يَغفِر اللَّه لفلانٌ، فقال اللَّه ﷿: من ذا الَّذي يَتَأَلَّى علي أَنْ لا أَغفرَ لفلانٍ؟ إِني قد غفرت له وأَحبطت عملكَ» .
_________________
(١) رواه مسلم كتاب البر والصلة (٤ / ٢٠٢٣) (رقم: ٢٦٢١) . يتألى: يحلف، والأَلية اليمين. قال النووي في " شرح مسلم " (١٦ / ١٧٤): " وفيه دلالة لمذهب أهل السنَّة في غفران الذنوب بلا توبة إذا شاء اللَّه غفرانها، واحتجت المعتزلة به في إِحباط الأعمال بالمعاصي الكبائر، ومذهب أهل السنَّة أنها لا تحبط إلا بالكفرِ، ويتأول حبوط عمل هذا على أنه أسقطت حسناته في مقابلة سيئاته، وسمي إحباطا مجازا، ويحتمل أنه جرىَ منه أمر آخر أوجب الكفر، ويحتمل أن هذا كان في شرع من قبلنا وكان هذا حكمهم" اهـ.
[ ٤٧ ]
[المؤمن بين الرجاء والخوف]
١٧ - وله عن أبي هريرةَ - ﵁- مرفوعا:
«لو يعلم المؤمِن ما عند اللَّهِ من العقوبة ما طَمِعَ بجنَّتِهِ أَحد، وَلو يعلم الكافر ما عند اللَّهِ من الرحمَةِ ما قَنِطَ من جنَّتِهِ أَحد» .
_________________
(١) رواه مسلم كتاب التوبة (٤ / ٢١٠٩) (رقم: ٢٧٥٥) . ورواه البخاري كتاب الرقاق (١١ / ٣٠١) (رقم: ٦٤٦٩) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة بمعناه وفيه زيادة. قال الحافظ في " الفتح " (١١ / ٣٠٣): " قيل: المراد إن الكافر لو يعلم سعة الرحمة لغطى على ما يعلمه من عظم العذاب فيحصل له الرجاء، أو المراد أن متعلق علمه بسعة الرحمة مع عدم التفاته إِلى مقابلها يطمعه في الرحمة، فمن علم أن من صفات اللَّه تعالى الرحمة لمن أراد أن يرحمه والانتقام ممّن أراد أن ينتقم منه: لا يأمن انتقامه من يرجو رحمته ولا ييأس من رحمته من يخاف انتقامه، وذلك باعث على مجانبة السيئة ولو كانت صغيرة وملازمة الطاعة ولو كانت قليلة، وقيل: في الجملة الثانية نوع إشكال فإن الجنَّة لم تخلق للكافر ولا طمع له فيها فغير مستبعد أن يطمع في الجَنَّة من لا يعتقد كفر نفسه فَيشكل ترتب الجراب على ما قبله. وأجيب: بأن هذه الكلمة سيقت لترغيب المؤمن في سعة رحمة اللَّه التي لو علمها الكافر الذي كتب علية أنه يختم عليه أنه لا حظ له في الرحمة لتطاول إليها ولم ييأس منها إما بإيمانه المشروط وإِمّا لقطع نظره عن الشرط مع تيقنه بأنه على الباطل واستمراره عليه عنادا، فإذا كان هذا حال الكافر فكيف لا يطمع فيها المؤمن الذي هداه اللَّه للإيمان!؟ " اهـ.
[ ٤٨ ]
[قرب الجَنَّة والنَّار من الإنسان]
١٨ - وللبخاريِّ عن ابن مسعود - رضي اللَّه عنة- قال: قال رسول اللَّه ﷺ:
«الجنَّة أَقرب إلى أَحدِكم من شِراكِ نعلِهِ، والنَّار مِثل ذلك» .
ــ
١٨ - رواه البخاري كتاب الرقاق (١١ / ٣٢١) (رقم: ٦٤٨٨) .
الشِراك: هو السير الذي يدخل فيه إصبع الرجْل ويطلق على كل سير وقي به القدم.
قال الحافظ في " الفتح " (١١ / ٣٢١):
قال ابن بطال: " فيه أن الطاعة موصلة إِلى الجنَّة وأن المعصية مقربة إلى النَّار، وأن الطاعة والمعصية قد تكون من أيسر الأشياء، وجاء في الحديث: «إِن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان اللَّه لا يلقي لها بالا، يرفعه اللَّه بها درجات، وإِن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط اللَّه لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنَّم» (١) .
وقال أيضا:
فينبغي للمرء أن لا يزهد في قليل الخير أن يأتيه ولا في قليل من الشر أن يجتنبه؛ فإنه لا يعلم الحسنة التي يرحمه اللَّه بها ولا السيئة التي يسخط عليه بها.
قال ابن الجوزي:
معنى الحديث أَنَّ تحصيل الجَنَّة سهل بتصحيح القصد وفعل الطاعة، والنَّار كذلك بمرافقة الهوى وفعل المعصية.
_________________
(١) أَخرجه البخاري (١١ / ٣٠٨) عن أَبي هريرة.
[ ٤٩ ]
[رحمة اللَّه لمن في قلبه رحمة]
١٩ - وعن أبي هريرة - ﵁- مرفوعا:
«إِنَّ امرأة بغيّا رأَت كلبا في يومٍ حار يطِيف ببئرٍ قد أَدلَعَ لِسانَه من العطشِ فنزعت له موقَهَا فَسقَتْه فغفِر لها به» .
_________________
(١) رواه البخاري كتاب أحاديث الأَنبياء (٦ / ٥١١) (رقم: ٣٤٦٧)، ومسلم كتاب السلام (٤ / ١٧٦١) (رقم: ٢٢٤٥) واللفظ له. المواق: الخف. في الحديث الحثّ على الإحسان إِلى الناس لأنه إذا حصلت المغفرة بسبب سقي الكلب فسقي المسلم أعظم أجرا. واستدل به على جواز صدقة التطوع للمشركين وينبغي أن يكون محله إذا لم يوجد هناك مسلم فالمسلم أحق وكذا إذا دار الأمر بين البهيمة والآدمي المحترم واستويا في الحاجة فالآدمي أحق، واللَّه أعلم.
[ ٥٠ ]
[تحريم قتل الهرة]
٢٠ - وقال: «دخلت النَّارَ امرأة في هرةٍ حبستها؛ لا هي أَطعمتها، ولا هي أَرسلتها تأْكل من خَشَاشِ الأَرضِ» .
قال الزّهري (١) لِئلا يتكل أَحد ولا ييأس أَحد.
أخرجاه.
ــ
٢٠ - رواه البخاري كتاب الخلق (٦ / ٣٥٦) (رقم: ٣٣١٨)، ومسلم كتاب السلام (٤ / ١٧٦٠) (رقم: ٢٢٤٢) .
خَشاش الأرض: بفتح الخاء ويجوز ضمها وكسرها، المراد: هوام الأرض وحشراتها من فأرة ونحوها.
قال الحافظ في " الفتح " (٦ / ٣٥٧): وظاهر الحديث أن المرأة عذبت بسبب قتل هذه الهرة بالحبس.
قال عياض: يحتمل أن تكون المرأة كافرة فعذبت بالنَّار حقيقة أو بالحساب لأن " من نوقش الحساب عذِّبَ" (٢) . ثم يحتمل أن تكون المرأة كافرة فعذبت بكفرها وزيدت عذابا.
ومعنى قول الزهري أنه لما ذكر الحديث الأول خاف أن سامعه يتكل على ما فيه من سعة الرحمة وعظم الرجاء فضم إليه حديث الهرة الذي فيه من التخويف ضد ذلك ليجتمع الخوف والرجاء.
_________________
(١) قول الزهري ذكره مسلم.
(٢) وقد صحَّ ذلك عن النّبي ﷺ؛ رواه البخاري (١ / ١٧٦)، ومسلم (٢٨٧٦) عن عائشة.
[ ٥١ ]
[إثبات صفة التعجب لله ﷾]
٢١ - وعنه مرفوعا:
«عَجِبَ ربّنا من قومٍ يقادونَ» (١) «إِلى الجنَّةِ بالسلاسلِ» . رواه أَحمد والبخاري.
ــ
٢١ - رواه البخاري كتاب الجهاد (٦ / ١٤٥) (رقم: ٣٠١٠)، وأَحمد (٢ / ٤٥٧) .
قال الحافظ في " الفتح " (٦ / ١٤٥):
قال ابن الجوزي: معناه أَنهم أسروا وقيدوا فلمّا عرفوا صحة الإسلام دخلوا طوعا فدخلوا الجنَّة، فكان الإكراه على الأسر والتقييد هو السبب الأول، وكأنه أطلق على الإكراه التسلسل ولما كان هو السبب في دخول الجنَّة أَقام المسبب مكان السبب.
_________________
(١) يقادون: لفظ أَبي داود، ولفظ البخاري: يدخلون الجنَّة، أمَّا أَحمد فلفظه: يجاء بهم.
[ ٥٢ ]
[صبر اللَّه ﷾ على الذين يدعون له ولدا]
٢٢ - وعن أبي موسى الأشعري - ﵁- قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «وما أَحد أَصبرَ على أذى يسمَعه من اللَّه؛ يدعونَ له الولدَ ثم يعافِيهم ويرزقهم» .
رواه البخاري.
_________________
(١) رواه البخاري كتاب الأدب (١٠ / ٥١١) (رقم: ٦٠٩٩)، وكتاب التوحيد (١٣ / ٣٦٠) (رقم: ٧٣٧٨): ومسلم كتاب التوبة (٤ / ٢١٦٠) (رقم: ٢٨٠٤) . هذا الحديث فيه إثبات صفة الصبر لله ﷾. قال الحافظ في " فتح الباري" (١٣ / ٣٦١): أصبر: أفعل تفضيل من الصبر، ومن أسمائه الحسنى ﷾ الصبور، ومعناه الذي لا يعاجل العصاة بالعقوبة. . . وفي الحديث إشارة إِلى القدرة على الإحسان إليهم مع إساءتهم بخلاف طبع البشر فإنه لا يقدر على الإحسان إلى المسيء إلا من جهة تكلفه ذلك شرعا، وسبب ذلك أن يحمله على المسارعة إِلى المكافأة بالعقوبة واللَّه سبحانه قادر على ذلك حالا ومآلا لا يعجزه شيء ولا يفوته اهـ بتصرف يسير.
[ ٥٣ ]
[إثبات صفة الحب لله]
٢٣ - وله عن أبي هريرة - ﵁- قال: قال رسول اللَّه ﷺ:
«إن اللَّه ﵎ إذا أَحب عبدا نادى: يا جبريل! إنّ اللَّهَ يحِبّ فلانا فأَحبه، فيحِبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماءِ: إِن اللَّه يحِب فلانا فأَحِبوه، فيحِبه أَهل السماء ويوضع له القَبول في الأَرض» .
ــ
٢٣ - رواه البخاري كتاب التوحيد (١٣ / ٤٦١) (رقم: ٧٤٨٥) .
في هذا الحديث إثبات صفة الحب لله ﷾ وصفة الكلام له سبحانه، والمراد بالقبول في هذا الحديث: قبول القلوب له بالمحبة والميل إليه والرضا عنه.
ويؤخذ منه أن محبة قلوب الناس علامة محبة اللَّه، ويؤيد حديث " أنتم شهداء اللَّه في الأرض " (١) .
_________________
(١) أَخرجه البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٩٤٩) عن أَنس.
[ ٥٤ ]
[إثبات رؤية اللَّه ﷾ يوم القيامة للمؤمنين]
٢٤ - وعن جرير بن عبد اللَّهِ البجلي - ﵁- قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إِذ نظر إِلى القمرِ ليلة البدرِ قال:
«إِنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤْيتهِ، فإِن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمسِ وقبل غروبها فافعلوا»، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾
رواه الجماعة.
_________________
(١) رواه البخاري كتاب مواقيت الصلاة (٢ / ٣٣) (رقم: ٥٥٤)، وكتاب التفسير (٨ / ٥٩٧) (رقم: ٤٨٥١)، وكتاب التوحيد (١٣ / ٤١٩) (رقم: ٧٤٣٤) ٧٤٣٥)، ومسلم كتاب المساجد (١ / ٤٣٩) (رقم: ٦٣٢) . هذا الحديث يثبت رؤية اللَّه ﷾ للمؤمنين يوم القيامة، وهي أعظم نعمة تعطى لأهل الجَنَّة؛ فقد أخرج مسلم (١ / ١٦٣) (رقم: ١٨١) وغيره عن صهيب - ﵁- أن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجَنَّة الجَنَّة، قال: يقول اللَّه ﵎: تريدون شيئا أزيدكم؟! فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجَنَّة وتنجّنا من النَّار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿» .
[ ٥٥ ]
[انتقام اللَّه لمن عادى له وليا]
٢٥ - وعن أبي هريرة - ﵁- أن رسول اللَّه ﷺ قال:
«إِن اللَّه ﵎ قال: من عادى لي وليّا فقد آذنْته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إلي من أداءِ ما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافِلِ حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطِش بها ورجله التي يمشي بها، ولئِنْ سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن قبضِ نفسِ عبدي المؤمن؛ يكره الموت وأكره مَسَاءَتَهُ ولا بد له منه» .
رواه البخاري.
_________________
(١) رواه البخاري كتاب الرقاق (١١ / ٣٤٠) (رقم: ٦٥٠٢) . قال الحافظ في " الفتح " (١١ / ٣٤٢): المراد بولي اللَّه: العالم باللَّه المواظب على طاعته المخلص في عبادته. آذنته: أي: أعلمته، والإيذان الإعلام. قال الفاكهاني: في هذا تهديد شديد لأن من حاربه اللَّه أهلكه، وإذا ثبت هذا في جانب المعاداة ثبت في جانب الموالاة، فمن والى أولياء اللَّه؛ أكرمه اللَّه. . . ويستفاد من الحديث أن أداء الفرائض أحب الأعمال إِلى اللَّه، قال الطوفي: الأمر بالفرائض جازم ويقع بتركها المعاقبة بخلاف النفل في الأمرين، وإن اشترك مع الفرائض في تحصيل الثواب فكانت الفرائض أكمل، فلهذا كانت أحب إلى اللَّه وأشد تقريبا، وأيضا فالفرض كالأصل والأسّ، والنفل كالفرع والبناء، وفي الإتيان بالفرائض على الوجه المأمور به امتثال الأمر واحترام الآمر وتعظيمه بالانقياد إليه وإظهار عظمة الربوبية وذلّ العبودية، فكان التقرب بذلك أعظم العمل، والذي يؤدي الفرض قد يفعله خوفا من العقوبة، ومؤدي النفل لا يفعله إلا إيثارا للخدمة فيجازى بالمحبة التي هي غاية مطلوب من تقرب بخدمته اهـ. قال الحافظ: قال ابن هبيرة: يؤخذ من قوله: " ما تقرب. . إِلخ "، أن النافلة لا تقدم على الفريضة لأن النافلة إنما سميت نافلة لأنها تأتي زائدة على الفريضة فما لم تؤد الفريضة لا تحصل النافلة، ومن أدى الفرض ثم زاد عليه النفل وأدام ذلك تحقّقت منه إرادة التقرب.
[ ٥٦ ]
[نزول اللَّه ﷾]
٢٦ - وعنه أن رسول اللَّه ﷺ قال:
«ينزِل ربنا ﵎ كل ليلةٍ إِلى سماءِ الدنيا حين يبقى ثلث الليلِ الآخِر يقول: من يدعوني فأستجِيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفِرني فأغفر له» .
متفق عليه.
_________________
(١) رواه البخاري كتاب التهجد (٣ / ٢٩) (رقم: ١١٤٥)، وكتاب الدعوات (١١ / ١٢٨) (رقم: ٦٣٢١)، وكتاب التوحيد (١٣ / ٤٦٤) (رقم: ٧٤٩٤)، ومسلم كتاب صلاة المسافرين (١ / ٥٢١) (رقم: ٧٥٨) . ونزول اللَّه ﷾ ثابت وهو نزول يليق بجلاله وعظمة سلطانه، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل. وللإمام ابن تيمية ﵀ كتاب مطول، شرح فيه صفة النزول البينة، بالأدلّة الشرعيّة والحجج، فليراجع.
[ ٥٧ ]
[وصف الجنان والنظر إلى اللَّه ﷾]
٢٧ - وعن أبي موسى الأشعري - ﵁- قال: قال رسول اللَّه ﷺ:
«جنتانِ من ذهب آنيتهما وما فيهِما، وجنتانِ من فضةٍ آنيتهما وما فيهِما، وما بين القومِ وبين أن ينظروا إلى ربِّهم إِلا رداء الكبرياءِ على وجهِهٍ في جنةِ عدن» .
رواه البخاري.
ــ
٢٧ - رواه البخاري كتاب التفسير (٨ / ٦٢٣) (رقم: ٤٨٧٨، ٤٨٨٠) والتوحيد (١٣ / ٤٢٣) (رقم: ٧٤٤٤) .
ورواه مسلم كتاب الإيمان (١ / ١٦٣) (رقم: ١٨٠) .
قال الحافظ في " الفتح " (١٣ / ٤٣٢):
وقوله: جنتان، إشارة إِلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ وتفسير له، وهو خبر مبتدأ محذوف أي: هما جنتان وآنيتهما مبتدأ ومن فضة خبر. . . وظاهر الأول أن الجنتين من ذهب لا فضة فيهما وبالعكس، ويعارضه حديث أبي هريرة: قلنا: حدّثنا عن الجَنَّة ما بناؤها؟، قال: لبنة من ذهب ولبنة من فضة، الحديث أخرجه أحمد والترمذي وصححه ابن حبان (١) .
ويجمع بأن الأول صفة ما في كل جنة من آنية وغيرها، والثاني صفة حوائط الجنان كلها، ويؤيده أنه وقع عند البيهقي في "البعث" (٢) من حديث أبي سعيد: «أن اللَّه أحاط حائط الجَنَّة لبنة من ذهب ولبنة من فضة» .
وقال الحافظ عن رداء الكبرياء بعد ذكر أقوال العلماء:
وحاصله أن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية فكأن في الكلام حذفا تقديره بعد قوله إلا رداء الكبرياء فإنه يمن عليهم برفعه فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه، فكأنّ المراد أن المؤمنين إذا تبوءوا مقاعدهم من الجَنَّة لولا ما عندهم من هيبة ذي الجلال لما حال بينهم وبين الرؤية حائل، فإذا أراد إكرامهم حفّهم برأفته وتفضل عليهم بتقويتهم على النظر إليه سبحانه.
_________________
(١) رواه أحمد (٢ / ٣٠٤-، ٣٠٥ و٤٤٥)، والترمذي (٢٥٢٦)، وابن حبان (٢٣٨٧)، والطيالسي (٢٥٨٣)، والدارمي (٢ / ٣٣٣) بسندٍ ضعيف. لكن للحديث شواهد تقويه، فانظر "صفة الجَنَّة" (١٠٠) و(١٣٦) للإمام أبي نعيم الأصبهاني.
(٢) (برقم: ٢٦١) . ورواه أبو نعيم في "الحلية" (٦ / ٢٠٤)، والبزار في " مسنده" (٤ / ١٨٩- زوائده)، وأبو الشيخ- كما في "حادي الأرواح" (ص: ٩٥)، وابن أبي الدنيا كما في "البداية والنهاية " (٢ / ٣٨٤) . وسنده جيد؛ فإن رواية وهيب بن خالد عن الجريري قبل الاختلاط؛ كما في "الكواكب النيرات" (ص: ١٧٤) .
[ ٥٨ ]