الرابع: «مَنِ اعتقَدَ أنَّ غَيرَ هَدْي النَّبي ﷺ أكْملُ مِنْ هَديِه، أوْ أنَّ حُكمَ غيرِه أحْسنُ مِنْ حُكمِه، كَالذينَ يُفضِّلونَ حُكْمَ الطَّاغُوتِ على حُكْمِه؛ فهو كَافِرٌ» (^١).
* قوله: «مَنِ اعتقَدَ أنَّ غَيرَ هَدْي النَّبي ﷺ أكْملُ مِنْ هَديِه، …»:
الهدي: هو الطريقة والسيرة (^٢)، فيدخل في ذلك جميعُ الدِّين الذي بلَّغه ﷺ عن الله جلَّ وعلا، ومِن ذلك الأحكامُ، فالهدي أعمُّ، والحُكْم أخصُّ، فهديُه ﷺ أكملُ الهدي؛ لأنه وحيٌ مِنْ الله تعالى.
والدليلُ على أنَّه مِنْ الوحي: قولُه تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩]، وقولُه سبحانه: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١ - ٢].
وقال رسولُ الله ﷺ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ» (^٣)، وقال ﷺ: «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» (^٤)، والنبيُّ ﷺ لما رأى في يدِ عمر ﵁ شيئًا مِنْ التوراةِ، غضِب (^٥).
_________________
(١) ذكر العلامةُ الحجاوي ﵀ هذا الناقضَ في كتاب الإقناع (٤/ ٢٨٨) حيث قال: «مَنْ اعتقد أنَّ غيرَ هدي النبي ﷺ أكملُ مِنْ هديِه؛ فهو كافر».
(٢) ينظر: القاموس المحيط، (ص: ١٣٤٥)، وقال في لسان العرب، (١٥/ ٥٧): «إنّ أحسنَ الهدْيِ هَدْيُ محمد: أي أحسنَ الطريق، والهِداية، والطريقة، والنحو، والهيئة».
(٣) رواه مسلم في كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، برقم (٨٦٧)، من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٤) رواه أحمد في المسند، رقم (٢١٠٧)، من حديث ابن عباس ﵄، وعلَّقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم في كتاب الإيمان، باب الدِّين يسر.
(٥) رواه أحمد في المسند، رقم (١٥١٩٥)، وحسَّنه الألباني في الإرواء (٦/ ٣٤)، رقم (١٥٨٩).
[ ٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
معنى هذا النَّاقض
ومعنى هذا الناقض: أنْ يعتقدَ أنَّ هدْيَ غيرِ النبي ﷺ فيما يتعلق بالعبادات، أو فيما يتعلق بالمعاملات، أو فيما يتعلق بالأنكحة، أو الحدودِ، أو القصاص، أحسنُ مِنْ هدْي النبي ﷺ، أو يعتقدَ بأنه مساوٍ لهدْي النبي ﷺ، فهذا: «كفرٌ، مُخرِجٌ مِنْ الملة».
قسما الاعتقاد في هدي النبي ﷺ
* والاعتقاد في هدي النبي ﷺ ينقسم إلى قسمين:
١ - هدْي النبي ﷺ أكمل وأحسن من هدي غيره
• القسم الأول: أنْ يعتقدَ أنَّ هديَ النبي ﷺ هو أكملُ الهدي وأحسنُه، وهذا هو الواجبُ، الذي يجب على المسلمِ أنْ يعتقدَه.
٢ - الاعتقاد بأن هدْي غير النبي ﷺ أكمل وأفضل، أو مساو لهديه ﷺ أو مثله
• القسم الثاني: أنْ يعتقد أنَّ هدْي غيرِ النبي ﷺ أكملُ، وأحسنُ، وأفضلُ مِنْ هدْي النبي ﷺ، أو مساوٍ له أو مثلُه، سواء كان ذلك في العبادات أو المعاملات أو في الأخلاق أو السلوكيات، أو اللباس، أو الحدود، أو القصاص .. الخ، نقول بأنَّ هذا «كفرٌ أكبر، مُخرج من الملة»؛ لأنه مُكذِّبٌ للقرآن والسُّنة، وإجماعِ المسلمين.
قال اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩]، ﴿أَقْوَمُ﴾: أفْعلُ تفضيل، واللهُ تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، فلا أحدَ أحسنُ حكمًا مِنْ الله ﷿، أو مما جاءت به شريعةُ الإسلام، ففي صحيح مسلم قولُه ﷺ: «فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ» (^١).
* قوله ﵀: «أوْ أنَّ حُكمَ غيرِه أحْسنُ مِنْ حُكمِه، …»:
حُكم التحاكم إلى غير شرع الله، وسُنة نبيه ﷺ
أي: إذا اعتقدَ أنَّ التحاكمَ إلى غيرِ ما جاء في كتابِ الله ﷿، وغيرِ سُنة النبي ﷺ، أحسنُ مِنْ حُكمِ النبي ﷺ، حتى وإنْ لم يعملْ، «كَفَر»، والدليلُ قولُه تعالى:
_________________
(١) تقدَّم تخريجه (ص: ٥٧).
[ ٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]، إلى أن قال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، فالآية اشتملت على ثلاثةِ أمورٍ حتى يؤمنوا:
١ - أنْ يكونَ المرجعُ في التحاكمِ «الكتابُ والسُّنةُ».
٢ - أن لا يجدوا في أنفسِهم بغضًا أو كراهيةً لما قضى به النبيُّ ﷺ.
٣ - أن يُسلِّموا تسليمًا كاملًا لحُكمِ النبيِّ ﷺ.
أقسام التحاكم إلى غير شرع الله، وسُنة نبيه ﷺ
وبهذا نعرف خطرَ تحكيمِ القوانينِ الوضعيةِ الموجودةِ اليومَ في بعض البلدان الإسلامية.
والذين يُحكِّمون القوانينَ، وينبذون أحكامَ الشرعِ، أمرُهم لا يخلو مما يلي:
١ - جحود حُكم الله تعالى: «كُفرٌ»
١ - أن يجحد الحاكمُ حكمَ اللهِ ﷾، ومعنى الجحود أن يُكذِّبَ ويُنكرَ أنَّ هذا حُكمُ اللهِ ﷿، وهذا «كفرٌ» بالاتفاق، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣].
٢ - استحلال الحُكم بغير ما أنزل الله: «كُفرٌ»
٢ - أن يُجوِّزَ الحاكمُ الحكمَ بغير ما أنزل اللهُ ﷾، أو أنْ يعتقد أنَّ التحاكم إلى غير القرآن والسُّنة جائزٌ ولا بأس به، فهذا هو الاستحلالُ، وهو «كفرٌ» بالاتفاق، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧]، فالنسيءُ (^١)
_________________
(١) قال العلامةُ السعدي ﵀: النسيء: هو ما كان أهلُ الجاهلية يستعملونه في الأشهر الحرم، وكان مِنْ جملة بدَعِهم الباطلة، أنهم لما رأوا احتياجَهم للقتالِ في بعض أوقات الأشهر الحرم، رأوا بآرائهم الفاسدة أن يحافظوا على عِدةِ الأشهر الحُرمِ، التي حرَّم اللهُ القتالَ فيها، وأنْ يؤخِّروا بعضَ الأشهرِ الحُرم، أو يُقدِّموه، ويجعلوا مكانَه مِنْ أشهر الحِلِّ ما أرادوا، فإذا جعلوه مكانه، أحلُّوا القتالَ فيه، وجعلوا الشهَر الحلالَ حرامًا، فهذا كما أخبر اللّه عنهم أنه زيادةٌ في كفرِهم وضلالِهم؛ لما فيه مِنْ المحاذير، منها: أنهم قلبوا الدِّين، فجعلوا الحلالَ حرامًا، والحرامَ حلالًا. ا. هـ (تيسير الكريم الرحمن ٢/ ٦٥١ - ٦٥٢).
[ ٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تحليلُ ما حرَّم اللهُ، فمن أحلَّ ما حرَّم اللهُ، وهو عالمٌ بأن الله حرَّمَه، فهو «كَافرٌ» بذلك الفعل.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، فاللَّه حَكَمَ على أنَّ مَنْ أطاعَ أولياءَ الشيطان في تحليلِ ما حرَّم اللهُ، أنه «مُشركٌ»، وأكدَ ذلك ب «إنَّ» المؤكِّدة.
٣ - تسوية حُكم غير الله بحكمه جل وعلا: «كُفرٌ»
٣ - أنْ يُسوِّي الحاكمُ حكمَ غيرِ اللهِ بحكمِ اللهِ ﷻ، كأن يعتقدَ أنَّ التحاكمَ إلى غيرِ القرآن والسُّنةِ مِنْ هذه القوانين الوضعية مساوٍ للتحاكمِ لما جاء في القرآنِ والسُّنةِ، فهذا «كُفرٌ، مُخرِجٌ عن الملة»، قال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].
٤ - تفضيل حُكم غير الله على حكمه جل وعلا: «كُفرٌ»
٤ - أن يفضلَ حكمَ غيرِ اللهِ على حكمِ اللهِ، أو أنْ يعتقد أنَّ التحاكمَ إلى غير القرآن والسُّنة أفضلُ وأصلحُ للناس، وأنَّ الناسَ لا يُصلِحُهم في هذا الزمن إلا ما يتعلق بتلك القوانين البشرية الوضعية، فهذا «كُفرٌ، مُخرِجٌ عن الملة»، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وهذه الآيات الكريمة دالة على تفرُّدِ الرَّبِ تعالى وتقدَّس بالكمال، وتنْزيهه عن مماثلةِ المخلوقين في الذاتِ والصفاتِ والأفعالِ، والحُكمِ بين الناس فيما يتنازعون فيه.
[ ٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٥ - الحُكم بغير ما أنزل الله تعالى شهوة وهوى
٥ - أن يحكم بغير ما أنزل اللهُ ﷿ هوىً وشهوةً، مع اعتقادِ وجوبِ الحُكمِ بما أنزل اللهُ ﷾، وأنَّ غيرَه لا يساويه ولا يفضُله، وهذا على قسمين:
• الأول: أن يكون ذلك في أفرادِ المسائل، فهذا «ليس كفرًا» بالاتفاق.
• الثاني: أن يكون ذلك عامًا، بأن يضع قوانينَ لنفسِه، أو يتبنى قوانينَ وُضِعت قبلَه، ففيه قولان لأهل العلم:
القول الأول وأدلته
* القول الأول: أنه «كفرٌ، مخرجٌ مِنْ الملة» (^١)، واستدلوا بأدلةٍ منها:
• قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
• وقولُه تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
• وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١].
• وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦].
• وقولُه تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].
• وقولُ ابنِ عباس ﵄ في تفسير قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، قال: «هِيَ بِهِ كُفْرٌ» (^٢).
القول الثاني وأدلته
* القول الثاني: أنه «فسقٌ، وليس كفرًا»، واستدلوا ب:
• ما رواه عبدُ الله بنُ الزبير ﵄ أنَّ رجلًا مِنْ الأنصار خاصمَ الزبيرَ ﵁ عند رسولِ الله ﷺ في شراجِ الحرةَ …، وفيه أنَّ الأنصاريَّ غضِبَ، وقال للنبيِّ ﷺ:
_________________
(١) ينظر: رسالة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ [(تحكيم القوانين) في الدرر السنية (١٦/ ٢١٥)]، وتعليل القول بأنَّه «كفرٌ، مخرجٌ مِنْ الملة»؛ لاعتقادِه جوازِ ما عُلِمَ بالنصوصِ الصحيحةِ الصريحةِ القاطعةِ تحريمُه.
(٢) تفسير الطبري (٨/ ٤٦٥).
[ ٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ»، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللهِ … الحديثَ.
فقال الزبيرُ: وَاللهِ، إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِى ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] (^١).
وجه الدلالة: أنَّ الأنصاريَّ لم يرضَ بحُكمِ رسولِ اللهِ ﷺ، ووَجدَ في نفسِه حرجًا، ولم يكفر بذلك.
• ما رواه الشيخان مِنْ حديثِ أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اتَّقِ اللهَ، قَالَ: «وَيْلَكَ، أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ؟»، ثمَّ وَلَّى الرَّجُلُ، قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: «لَا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي»، … الحديثَ (^٢).
وجه الدلالة: أنَّ هذا الرجلَ اعترضَ على حُكمِ رسولِ اللهِ ﷺ، ولم يرضَ به، ويُسلِّم، ووجد في نفسِه حرجًا، ولم يُكفِّره الرسولُ ﷺ، وامتنعَ عن قتلِه خشيةَ أن يكونَ مُصليًا، ولو كان واقعًا في أمرٍ كُفريٍّ، لم تنفعْه صلاتُه؛ لأنَّ الشركَ والكفرَ الأكبرَ يُحبطانِ الأعمالَ.
• ما روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، حِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ، فَطَفِقَ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ الْمِئَةَ مِنَ الإِبِلِ، فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، يُعْطِي قُرَيْشًا
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، رقم (٤٥٨٥)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب وجوب اتباعه ﷺ، رقم (٢٣٥٧).
(٢) رواه البخاري في كتاب المغازي، باب بعْثِ علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع، رقم (٤٣٥١)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، رقم (١٠٦٤).
[ ٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَيَدَعُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، … الحديثَ (^١).
قوله ﵀: «كَالذينَ يُفضِّلونَ حُكْمَ الطَّاغُوتِ على حُكْمِه، …»:
تعريف الطاغوت
الطَّاغوت: مشتق مِنْ الطغيان، وهو مجاوزة الحد (^٢).
وعرَّفه الإمامُ ابنُ القيم ﵀: بأنه «كلُّ ما تجاوز به العبدُ حدَّه، مِنْ معبودٍ، أو متبوعٍ، أو مطاعٍ» (^٣).
ومُرادُه ﵀ مَنْ كان راضيًا بذلك (^٤)، أو يقال: هو طاغوتٌ باعتبارِ عابدِه، وتابعِه، ومُطيعِه؛ لأنه تجاوزَ به حدَّه، حيث نزَّلَه فوق منزلتِه التي جعلَها اللهُ له، فتكون عبادتُه لهذا المعبودِ، واتباعُه لمتبوعِه، وطاعتُه لِمُطاعِه، طغيانًا؛ لمجاوزتِه الحدَّ بذلك، فالمتبوعُ مثلُ السَّحرةِ، وعلماء السوء، والمعبودُ مثلُ الأصنامِ، والمطاعُ مثلُ الأمراءِ الخارجين عن طاعة اللهِ ﷿. فإذا اتخذهم أربابًا، يُحِلُّ ما حرَّمَ اللهُ مِنْ أجلِ تحليلِهم له، ويُحرِّمُ ما أحلَّ اللهُ مِنْ أجلِ تحريمِهم له، فهؤلاء طواغيتٌ، والفاعلُ تابعٌ
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم …، رقم (٣١٤٧)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، رقم (١٠٥٩).
(٢) قال في لسان العرب (٨/ ١٦٠): «الطُّغيان والطُّغوان لغة فيه، وطَغَى يَطْغى طَغْيًا، ويَطْغُو طُغْيانًا، جاوَزَ القَدْرَ، وارتفع، وغَلا في الكُفْرِ» ا. هـ. والطاغوتُ: ما عُبِدَ من دون الله ﷿، وكلُّ رأْسٍ في الضلالِ طاغوتٌ، وقيل: الطاغوتُ الأَصْنامُ، وقيل: الشيطانُ، وقيل: الكَهَنةُ، وقيل: مَرَدةُ أَهل الكتاب، [لسان العرب (٨/ ٢١٠ - ٢١١)].
(٣) إعلام الموقعين (٢/ ٩٢).
(٤) قولُ: «مَنْ كان راضيًا بذلك»: قيدٌ مهمٌ؛ لأنَّ هناك مَنْ عُبِدَ مِنْ دون الله تعالى وتقدَّس بغير رضائه، مع عدم محبتِه لذلك، بل ثبتَ تبرؤه من هذا الشرك، ومِن هؤلاء المتبوعين، ومن هؤلاء: عيسى ﵊، فقد عبدَه طوائفُ من النَّصارى، وغالَوْا فيه، حتى صيَّروه إلها، أو ابنَ الإله، أو شريكًا للإله، وهو ﷺ يتبرأ من ذلك كلِّه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧].
[ ٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للطاغوتِ (^١).
* * *
_________________
(١) قال شيخُ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: «والطَّواغيتُ كثيرونَ، ورؤوسُهم خمسةٌ: إِبْلِيسُ لعنهُ اللهُ، ومَن عُبِدَ وهوَ راضٍ، ومَن دعا النَّاسَ إلى عبادةِ نفسِه، ومَن ادَّعى شيئًا مِنْ عِلْمِ الغيبِ، ومَن حَكَمَ بغيرِ ما أنزلَ اللهُ». ا. هـ. ينظر: الأصول الثلاثة، ضمن مجموع مؤلفاته (١/ ١٩٥)، والدرر السنية (١/ ١٣٦).
[ ٦٤ ]