السابع: «السِّحْرُ؛ ومِنْه الصَّرفُ والعَطْف، فمَنْ فعلَه، أو رَضِيَ به؛ كَفَرَ، والدَّلِيلُ قولُه تعَالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾».
* السِّحرُ تحته مسائل:
تعريف السِّحر لغة واصطلاحا
١ - المسألة الأولى: تعريف السِّحر:
* السِّحرُ في اللغة: ما لَطُفَ، وخفِي سببُه (^١).
* أما في الاصطلاح (^٢):
الأول: عُقدٌ ورُقى، أي قراءاتٌ ورُقى وطلاسمُ، يتوصَّل بها السَّاحرُ إلى استخدامِ الشياطين فيما يريد به مِنْ ضررِ المسحورِ.
الثاني: أدويةٌ وعقاقيرٌ تُؤثرُ في بَدنِ المسْحورِ وعقلِه وإرادتِه؛ فتجده ينصرفُ ويميلُ، وهو ما يسمى ب «الصَّرفِ والعَطفِ».
هل للسِّحر حقيقة؟
٢ - المسألة الثانية: هل للسِّحرِ حقيقةٌ، أم أنه مجردُ تخييل؟
الرأي الأول: أنَّ للسِّحرِ حقيقةً (^٣)، وهو مذهبُ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ، ويدل
_________________
(١) قال في لسان العرب (٦/ ١٧٦): «وكلُّ ما لَطُفَ مَأخذُه، ودَقَّ؛ فهو سِحْرٌ». ا. هـ، وقال الخليل في العين (٣/ ١٣٥): «السِّحر: كلُّ ما كان من الشيطان فيه مَعُونة».
(٢) يُنظر: تفسير ابن كثير (١/ ٣٧١)، والمغني (١٢/ ٢٩٩).
(٣) قال الإمام القرطبي ﵀: «ذهب أهل السُّنة إلى أنَّ السحر ثابت وله حقيقة. وذهب عامة المعتزلة إلى أن السِّحر لا حقيقة له، وإنما هو تمويه وتخييل وإيهام». ا. هـ. (تفسير القرطبي ٢/ ٢٧٦). قلت: ومما يدل على أنَّ للسحر حقيقةً ما رواه الشيخان مِنْ حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً؛ لَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ، وَلَا سِحْرٌ»، [البخاري، (٥٧٦٩)، مسلم، (٢٠٤٧)]. ونقل هذا المذهب أنَّ للسِّحر حقيقة القرافي في (الفروق ٤/ ٢٥٤)، والنووي في (المجموع ١٩/ ٢٤٠)، وقال في (روضة الطالبين ٧/ ١٩٨): «والصحيح أنَّ له أي: السِّحر حقيقة، كما قدمناه، وبه قطع الجمهورُ، وعليه عامةُ العلماء، ويدل عليه الكتابُ والسُّنةُ الصحيحةُ المشهورة».
[ ٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لذلك أدلةٌ منها:
• قولُه تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]، فالاستعاذةُ مِنْ السِّحرِ تدل على أنَّ له حقيقة (^١).
• وأيضًا قولُه تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، والتعلُّم لا يكون إلا لشيءٍ له حقيقةٌ، والنبي ﷺ سُحِرَ؛ حتى إنه ليُخيَّل إليه أنَّه فَعلَ الشيءَ، وهو لم يفعله (^٢).
مذهب المعتزلة أن السِّحر مجرد تخييل
الرأي الثاني: أنَّ السِّحرَ ليس له حقيقةٌ، وإنما هو مجردُ تخييلٍ فقط، وهذا هو مَذهبُ المعتزلةِ (^٣) ومَن قال بقولِهم، واستدلوا بقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وبقولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وهو يدل على أنَّهم خيَّلوا لأعينِ الناظرين أمرًا لا حقيقةَ له.
القول الراجح
والصواب ما عليه أهل السُّنةِ والجماعةِ أنَّ السِّحرَ له حقيقةٌ وتأثيرٌ، وأنه يُمرِضُ، وربما يقتل، ومنه أيضا ما هو تخييلٌ فقط، فيُخيَّلُ للناظرِ أنه دَخل النارَ، أو ضربَ نفسَه بالسِّكينِ، ونحو ذلك، وبهذا تجتمع الأدلة.
مسألة: هل يقلبُ السحرُ الأعيانَ؟
الجواب: إنه لا يقدِرُ السَّاحرُ على قَلْبِ الأعيانِ والحقائقِ، فإنَّ هذا لا يقْدِرُ
_________________
(١) قال في (المغني ١٢/ ١٩٩): «ولولا أن السحر له حقيقة لما أمرَ اللهُ تعالى بالاستعاذة منه»، يعني في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤].
(٢) رواه البخاري في كتاب الطب، باب السحر، رقم (٥٧٦٦)، ومسلم في كتاب السلام، باب السحر، رقم (٢١٨٩)، مِنْ حديث عائشة ﵂.
(٣) «ذهب المعتزلة إلى أنَّ السِّحر مجرد تخييل، وليس له حقيقة، ووافقهم على ذلك قليلٌ مِنْ أهل العلم، منهم: أبو جعفر الاستراباذي مِنْ الشافعية، وأبو جعفر الرازي مِنْ الحنفية، وابنُ حزم الظاهري» ا. هـ. مُختصرا مِنْ كتاب: عالم السِّحر والشعوذة، (ص: ٩٠).
[ ٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه إلا اللهُ ﷿، فلا يَقْدِر على قَلْبِ الحَجرِ ذهبًا، والترابِ حديدًا، ونحو ذلك؛ لأنَّ هذا مِنْ خصائصِ اللهِ ﷿، ولو كان ذلك ممكنًا، لكان السَّحرةُ أغنى الناسِ، وكانوا ملوك العالم.
حكم السحر
٣ - المسألة الثالثة: حكمُ السّاحرِ، هل يكفر، أم لا؟
للعلماء في هذا رأيان:
القول الأول: الساحر يكفر
* الرأي الأول: أنَّ الساحرَ يكفُر، وقال بهذا كثيرٌ مِنْ أهلِ العِلم، وهو الذي مشى عليه المؤلفُ ﵀، وهو قول الأئمة أبي حنيفة، ومالك، وأحمد ﵏، والدليلُ قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢]، فهذا يدل على أنَّ «السَّاحرَ يكْفرُ»؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ هؤلاء الشياطين لا يخدمون السَّحرةَ، إلا عن طريق الكُفرِ بالله ﷿، فهذا الجنيُّ لا يخدِمُ السَّاحرَ إلا إذا ذبحَ للجني، أو ذبحَ للقبرِ، أو إذا سبَّ اللهَ ﷿، أو سبَّ رسولَه ﷺ، أو استغاثَ بغير اللهِ ﷿، أو أهانَ القرآنَ الكريمَ، … الخ.
القول الثاني: فيه تفصيل
* الرأي الثاني: للإمامِ الشافعي (^١) ﵀، وفيه تفصيلٌ:
يقال للساحر: «صِفْ لنا سِحْرك»، فإنْ وصفَ ما يُوجِبُ الكفرَ، كَفَرَ، وإلا فَلا؛ لما وَرَدَ عن عائشة ﵂ أنها لم تقتل جارية لها سحرتها، رواه عبد الرزاق (^٢)، والبيهقي (^٣)، وابن حزم (^٤)، بسندٍ صحيحٍ (^٥)، فعدمُ قتلِها يدلُ على عدمِ كُفرِها، ولأنَّ الأصلَ بقاءُ الإسلامِ.
_________________
(١) يُنظر: الأم (٢/ ١٠٧)، وقرره النووي في شرح مسلم (١٤/ ١٧٦)، وروضة الطالبين (٧/ ١٩٨).
(٢) المصنف، رقم (١٨٧٤٩)، (١٨٧٥٠)، والإمام أحمد في المسند، رقم (٢٤١٢٦).
(٣) السنن الكبرى (٨/ ٢٣٧)، رقم (١٦٥٠٧).
(٤) رواه في المحلى (١١/ ٣٩٥) مِنْ طريق عبد الرزاق عن مالك به.
(٥) صحَّح إسنادَه الحافظُ ابنُ حجر ﵀ في التلخيص (٤/ ٧٧).
[ ٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قسما السحر
وعلى هذا فالسِّحرُ ينقسم إلى قسمين:
السحرُ بالاستعانة بالشياطين
• الأول: ما هو كُفرٌ: وهو ما كان بواسطة الشياطين (^١)، لأنَّ الساحرَ يتقرَّبُ للشياطين بما يريدون مِنْ الكفر غالبًا.
السحرُ بالأدوية والعقاقير
• الثاني: ما هو من كبائر الذنوب: وهو ما كان بواسطةِ العقاقيرِ والأدويةِ (^٢).
٤ - المسألة الرابعة: عقوبةُ السّاحرِ.
هل يُقتل الساحر، أم لا؟
نقول بأنَّ مسألةَ كُفر السَّاحرِ تختلف عن مسألةِ قتلِه، وللعلماء في عقوبةِ الساحرِ رأيان:
الرأي الأول: «يُقتل الساحر» وأدلته
• الرأي الأول: عند الإمامِ مالك، والإمامِ أحمد «أنه يُقتَل» (^٣)، ودليلُهم في ذلك:
ما ورد عن جندب ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» (^٤)،
_________________
(١) قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «السِّحر مِنْ أسباب الشِّرك؛ لأنَّه لا يُتوصل إليه إلا بعبادة الجن، والاستغاثة بهم، والتَّقرب إليهم بذبحٍ أو نذرٍ أو سجودٍ أو غير ذلك، فلهذا حَكَم العلماءُ على السَّحرة بأنهم كفَّار»، [فتاوى نور على الدرب (٣/ ٢٩٢)].
(٢) قال في الإقناع (٤/ ٣٠٠)، والشرح الكبير مع الإنصاف (٢٧/ ١٨٨): «فأما الذي يَسْحَر بأدويةٍ، وتدخينٍ، وسَقْي شيءٍ لا يضرُّ؛ فإنه لا يَكْفُر، ولا يُقتَل»، وزاد في الإنصاف: «هذا المذهب».
(٣) قال في المغني (١٢/ ٣٠٢)، والشرح الكبير (٢٧/ ١٨٥ - ١٨٦): «وحدُّ الساحرِ القتلُ، رُوِي ذلك عن عمر، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وحفصة، وجندب بن عبد الله …، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول أبي حنيفة، ومالك» ا. هـ. مختصرًا.
(٤) رواه الترمذي في كتاب الحدود، باب ما جاء في حد الساحر، رقم (١٤٦٠)، والحاكم في المستدرك رقم: (٨١٣٧)، والدارقطني في الحدود والديات، رقم (٣٢٥١)، وعبد الرزاق في باب حدِّ الساحر، رقم: (١٨٧٥٢). ومِن الأدلة على ذلك: ما رواه الطبراني في [الكبير (١٧٠٤)]، وعبد الرزاق في [المصنف (١٨٧٤٦)]، والبيهقي في [الكبرى (١٦٥٠١)]: أَنَّ سَاحِرًا كَانَ يَلْعَبُ عِنْدَ الْوَلِيدِ بن عُقْبَةَ ..؛ فَقَامَ جُنْدُبٌ إِلَى السَّيْفِ، فَأَخَذَهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣].
[ ٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لكنه ضعيف (^١).
* وكذلك حديث بَجَالَة ﵀ قال: جَاءنَا كِتابُ عمرَ ﵁ قبلَ موتِه بسنةٍ، «اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ»؛ فقتلْنا ثلاثَ سَوَاحِرَ (^٢)، وجاء عن حفصةَ زوجِ النَّبِيِّ ﷺ ﵂ أنَّها قتلَتْ جَارِيةً لها سحرتْها (^٣)، وهذا هو الصواب.
الرأي الثاني: «لا يُقتل الساحر»
• الرأي الثاني: أنه «لا يُقتَل (^٤)، إلا إذا عمِلَ عملًا يبلغُ به الكفرَ بسحْرِه».
والصواب: أنه «يقتل مطلقًا»، سواء كان سِحره كفرًا لاستعانته بالشياطين، أو كان سِحره من كبائرِ الذنوبِ، باستعمالِه الأدوية والعقاقير؛ وذلك لِعظم شرِه وفسادِه في الأرض.
_________________
(١) قال أبو عيسى الترمذي في السنن: «هذا الحديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يُضعَّف في الحديث، وإسماعيل بن مسلم العبدي»، وقال في [علل الترمذي الكبير، (ص: ٢٣٧)]: «سألتُ محمدًا يعني البخاري عن هذا الحديثِ، فقال: هذا لا شيء، وإنما رواه إسماعيلُ بن مسلم، وضعَّف إسماعيلَ بنَ مسلم المكيِّ جدًا»، وضعَّفه الشيخ الألباني، في [الضعيفة، (١٤٤٦)، وتعليقه على سنن الترمذي، (١٤٦٠)].
(٢) رواه أحمد: رقم (١٦٥٧)، وأبو داود في كتاب الخراج، باب أخذ الجزية من المجوس، رقم (٣٠٤٣)، وعبد الرزاق: رقم (١٨٧٤٦)، وابنُ أبي شيبة: رقم (٢٩٥٨٥)، والشافعي في [مسنده، رقم (٢٩٠)].
(٣) رواه مالك في [الموطأ، باب ما جاء في الغيلة والسحر، رقم (١٥٦٢)]، ورواه البيهقي في [الكبرى: (١٦٤٩٩)]، وصحَّحه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في (كتاب التوحيد باب ما جاء في السحر) بقوله: «وصحَّ عن حفصة …».
(٤) ويُستدلُ لهذا بما رُوي عن عائشة ﵂ أن مدبَّرة لها سحرتها استعجالًا لعتقها؛ فباعتها عائشة، ولم تقتلها. واحتج مَنْ قال: بأنه إنْ كان سحرُه لم يبلغ به الكُفرَ لا يُقتَل بحديثِ ابن مسعودِ المتفق عليه «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: …» الحديث. قال الشيخ الشنقيطي ﵀: «والأظهر عندي أن الساحر الذي لم يبلغ به سحرُه الكفرَ، ولم يقتل به إنسانا، أنه لا يُقتَل؛ لدلالة النصوصِ القطعيةِ، والإجماعِ على عصمةِ دماء المسلمين عامة، إلا بدليلٍ واضح، وقتْلُ الساحرِ، الذي لم يكفر بسحرِه، لم يثبت فيه شيءٌ عن النبي ﷺ، والتجرؤ على دمِ مسلمِ، مِنْ غيرِ دليلٍ صحيحٍ من كتاب أو سُنةٍ مرفوعةٍ، غيرُ ظاهرٍ عندي، والعلم عند الله تعالى، مع أنَّ القولَ بقتلِه مطلقًا قويٌّ جدً؛ الفعلِ الصحابةِ له مِنْ غيرِ نكيرٍ». ا. هـ من (أضواء البيان ٤/ ٥٧٦).
[ ٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أقسام إتيان السحرة، وحكم كل منها
٥ - المسألة الخامسة: حكمُ إتيان السَّحرة والكهنة.
إتيانُ السَّحرةِ ينقسم إلى خمسةِ أقسام:
١ - سؤالُهم وتصديقُهم في الغيب المطلق
* القسم الأول: أنْ يأتي هؤلاء السَّحرة، ويسألَهم، ويصدقَهم في الغيب المطلق، فإذا صدَّقهم في الغيبِ المطلقِ، فهذا «كفرٌ، مُخرِجٌ مِنْ الملة»؛ لأنَّه صرفَ شيئًا مِنْ خصائصِ الربوبيةِ لغير الله ﷿، والغيب المطلق لا يعلمه إلا الله جلَّ وعلا.
ويدل لذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، وقولُه تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩].
٢ - سؤالُهم وتصديقُهم في الغيب النسبي، واعتقاد أنهم يستقلون بذلك
* القسم الثاني: أنْ يسألَهم ويصدقَهم في الغيبِ النسبي يعني الغيبَ بالنسبة لمكانٍ أو بالنسبة لزمانٍ، وهو يعتقد أنَّهم يستقِلُّون بذلك، وأنَّ الشياطين لا تخبرهم. ومثال ذلك أنْ يسألَهم عن الضالة، أو يسألَهم عن الضائع، أو يسألَهم عن مكان السِّحر، أو يسألَهم عن المرضِ، أوعن سببه، ونحو ذلك، فهذا غيبٌ نسبيٌّ محصور، وليس غيبًا مطلقًا.
فإذا اعتقد أنهم يستقلون بذلك، وأنَّ الشياطين لا تخبرهم؛ فهذا «شركٌ أكبر»؛ لماذا؟! لأنه صرَفَ شيئًا مِنْ خصائص الخالقِ جلَّ وعلا للمخلوق، كما أنَّ الغيبَ سواء كان مطلقًا أو نسبيًا مِنْ خصائص اللهِ ﷿.
٣ - سؤالُهم وتصديقُهم في الغيب النسبي، واعتقاد أنَّ الشياطين تخبرهم
* القسم الثالث: أنَّ يأتيَهم ويسألَهم ويصدقَهم في الغيبِ النسبيِ، مع اعتقاد أنَّ الشياطين تخبرهم، بمعنى أنْ يأتي السَّاحرَ، فيخبرَه عن وقوع شيءٍ في مكانِ كذا، أو زمان كذا، وهو يعتقدُ أن الشيطانَ أخبرَ الساحرَ بهذا،.
وهذا ما عليه أكثرُ المسلمين ممن يذهبون إلى السَّحرة والكهنة، ويسألونهم عن المريضِ، وسببِ المرض، وعن مكان السِّحرِ، ونحو ذلك.
[ ٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهم يسألونهم عن غيبٍ نسبي، ويعتقدون أنَّ هؤلاء السحرةِ يستعينون بالشياطين، وأنهم لا يستقلون بذلك، فهذا «شركٌ أصغر»، وفيه عقوبتان، كما دلَّت السُّنةُ المُطهَّرة:
العقوبة الأولى: أنه شرك أصغر؛ لقولِه ﷺ: «فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ» (^١)، يعني: الكفرَ الأصغرَ.
العقوبة الثانية: أنَّ صلاتَه لا تُقبلُ مدةَ أربعين يومًا؛ لقولِه ﷺ: «لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (^٢)، بمعنى أنه لا يُثابُ عليها، لكنها مُسقطةٌ للطلبِ، ومُبرئةٌ للذمة.
٤ - إتيانُ السحرة فقط، لا يسألهم ولا يصدقهم
* القسم الرابع: أن يأتي السحرةَ والكهنةَ إتيانًا مجردًا فقط بدون سؤال، مجرد أنْ يأتَيهم، أو أنْ يسألَهم، ولا يصدقُهم، فهذا «مُحرَّم، ولا يجوز»، ويدل لذلك حديث معاوية بن الحكم السُّلَمي ﵁ في صحيح مسلم، قال: قلت: يا رسول الله، إِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قال: «فَلَا تَأْتِهِمْ» (^٣)؛ فهذا «محرمٌ» (^٤)، سدًا للذرائع،
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٩٥٣٦)، والحاكم في المستدرك (١٥)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرطهما»، وأصحاب السنن إلا النسائي: أبو داود (٣٩٠٤)، والترمذي: (١٣٥)، وابن ماجه (٦٣٩) وصحَّحه الشيخُ الألباني، كلهم مِنْ حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: «مَنْ أَتَى حَائِضًا، أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ».
(٢) رواه أحمد: (١٦٦٣٨)، ولفظُه: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا»، بدل «لَيلةً»، ومسلم في كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان، برقم (٢٢٣٠)، ولفظه: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَىْءٍ، …» الحديثَ، كلاهما من حديث أم المؤمنين صفية ﵂ عن بعض أزواج النبي ﷺ.
(٣) رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلا ة، رقم: (٥٣٧).
(٤) قال الإمامُ النووي ﵀ تعليقًا على هذا الحديث: «إنما نُهِي عن اتيانِ الكُهان؛ لأنهم يتكلمون في مُغيَّباتٍ، قد يُصادِف بعضَها الأصابة، فيُخافُ الفتنةُ على الإنسانِ بسبب ذلك؛ لأنهم يُلبِّسون على النَّاس كثيرًا مِنْ أمرِ الشرائعِ، وقد تظاهرت الأحاديثُ الصحيحةُ بالنهي عن إتيانِ الكُهان وتصديقِهم فيما يقولون». ا. هـ من [شرح مسلم (٥/ ٢٢».
[ ٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولِما فيه مِنْ تكثيرِ سوادهم، ومِن تشجعيهم على مثل هذا العمل.
حكم الاتصال بقنوات ومواقع السحر والشعوذة
وبهذا نعرف خطورةَ ما يوجد اليوم في القنوات الفضائية، ومواقع الشبكة العالمية، مِنْ قنواتِ ومواقعِ الشعوذة والدَّجل، وعليه فلا يجوز الاتصالُ على هؤلاء، ولا الجلوسُ إليهم، ولا الاستماعُ لهم، بِغَض النظر عن سؤالِهم، وتصديقِهم، لأنَّ هذا كلُّه «مُحرَّمٌ، ولا يجوز».
٥ - إتيانُ السحرة للإنكار عليهم، وبيانِ كذبِهم
* القسم الخامس: أنْ يأتيهم لأجل امتحانِهم، والإنكارِ عليهم، وتبين كذبِهم ودجلِهم، وكشفِ زيْفِهم، فهذا «مشروعٌ»، ولا بأس به، وهو داخلٌ في الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكر، وقد أتى النبيُّ ﷺ ابنَ صيادٍ (^١)، وسألَه، وأنكرَ عليه، مع عِلمِه بأنَّ ابنَ صيَّاد (^٢) دجَّالٌ مِنْ الدجاجلة.
مسألة في قبول توبة الساحر
٦ - المسألة السادسة: هل تُقبَلُ توبةُ السَّاحِر؟
على قولين (^٣) لأهل العلم:
القول الأول: «أنَّ توبةَ السَّاحرِ غيرُ مقبولةٍ»، وهو المشهور مِنْ مذهبِ الإمامِ
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الجهاد، باب كيف يعرض الإسلام على الصبي، رقم (٣٠٥٥)، ومسلم في كتاب الفتن، باب ذكر ابن صياد، رقم (٢٩٣٠)، كلاهما من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) قال الحافظُ ابنُ حجر ﵀: «قال القرطبي: كان ابن صياد على طريقةِ الكهنةِ، يخبرُ بالخبرِ، فيصحُّ تارةً، ويفسدُ أخرى، فشاع ذلك، ولم ينزِلْ في شأنِه وحيٌ، فأراد النبيُّ ﷺ سلوكَ طريقةٍ يختبرُ حالَه بها، أي: فهو السببُ في انطلاقِ النبيِّ ﷺ إليه». ا. هـ من (فتح الباري ٦/ ٢٠٨). وقال الإمامُ النووي ﵀: «قال الخطابى: وأما امتحانُ النبيِّ ﷺ بما خبَّأه له مِنْ آيةِ الدخان، فلأنَّه كان يبْلغُه ما يدَّعيه مِنْ الكهانةِ، ويتعاطاه مِنْ الكلام في الغيب؛ فامتحنَه، ليعلمَ حقيقةَ حالِه، ويُظهِر إبطالَ حالِه للصحابة، وأنه كاهنٌ ساحرٌ، يأتيه الشيطان فيُلقى على لسانِه ما يُلقيه الشياطينُ إلى الكهنة، فامتحنَه باضمارِ قولِ الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]» ا. هـ. من (شرح مسلم ١٨/ ٤٨).
(٣) قال الموفَّق ﵀: «هاتان الروايتان في ثبوت حكم التوبة في الدنيا من سقوط القتل ونحوه، فأما فيما بينه وبين الله تعالى وسقوط عقوبة الدار الآخرة عنه فيصِح». ا. هـ. (المغني ١٢/ ٣٠٣).
[ ٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القول الأول: توبة الساحر غيرُ مقبولة
أحمد (^١)، وعلى هذا لو ادَّعى التوبةَ والرجوعَ إلى الله ﷿، فتوبتُه غيرُ مقبولة، وحينئذٍ يُعامَلُ على الظاهر، وتُقامُ عليه العقوبةُ فيُقتَلُ، وأما الباطنُ، فهذا بينه وبينَ اللهِ تعالى، فإن كان صادقًا في توبتِه، فلعلَّ اللهَ أنْ يعفو عنه، وإنْ كان كاذبًا، فأمرُه ظاهرٌ.
واستدلوا على ذلك بأنَّ ادِّعاءَ التوبةِ مِنْ السَّاحر غيرُ ظاهرٍ؛ لأنَّ هذا أمرٌ خفيٌ لا يكاد يُعلَم، فكونه يدَّعي التوبةَ ربما يكون كاذِبًا في ذلك (^٢)، وتَعامُلُه بالسِّحرِ يدل على سوء باطنته، وفسادِ عقيدته.
القول الثاني: توبة الساحر مقبولة
القولُ الثاني: «أنَّ توبةَ السَّاحرِ مقبولةٌ»، وهو الروايةُ الثانيةُ في مذهبِ الإمام أحمد ﵀، وذهب إليه بعضُ أهلُ العلم بأنَّ توبتَه مقبولة؛ لعموم أدلة التوبة من الكتاب والسُّنة، منها:
أدلة القول الثاني من الكتاب والسُّنة
• قولُ اللهِ ﷿: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
وقولُه ﷾: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
• وقولُه جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقولُه سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
• ومن الأحاديث الواردة في ذلك، قولُه ﷺ: «إِنَّ اللهَ ﷿ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِاءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِاءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ
_________________
(١) ينظر: (المقنع ٢٧/ ١٣٣)، و(المغني ١٢/ ٣٠٣).
(٢) «لأنَّ السِّحر معنىً في قلبه، لا يزول بالتوبة، فيُشبه مَنْ لم يتب»، ذكره في (المغني ١٢/ ٣٠٣).
[ ٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِنْ مَغْرِبِهَا» (^١).
• وقال ﷺ: «إِنَّ اللهَ ﷿ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ، مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» (^٢)، والأدلةُ على ذلك كثيرة (^٣).
والأقرب في هذه المسألة أنْ يُقال: أنَّ «توبةَ السَّاحر مقبولةٌ»، لكن بشرط أنْ تقومَ القرائن على صدقِ توبتِه، وصلاحِ عقيدِته، وتحسُّن باطنتِه، فإذا قامت القرائنُ على ذلك، نقول: بأنَّ «توبتَه مقبولة».
مسألة: حلُّ السِّحر
٧ - المسألة السابعة: حلُّ السِّحرِ عن المسحور (^٤).
ينقسمُ حَلُّ السِّحرِ عن المسحور إلى قسمين:
* الأول: حَلُّ السِّحرِ بالقرآنِ، والأدعيةِ، والقراءاتِ المباحةِ، فهذا «جائزٌ، ولا بأسَ به»؛ لعمومات الأدلةِ الدَّالةِ على الرقيةِ، كقولِه ﷺ: «لَا بَأْسَ بِالرُّقَى، مَا لَمْ
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب، وإن تكررت الذنوب والتوبة، برقم (٢٧٥٩)، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. ومن الأحاديث الواردة في قبول التوبة عموما مهما تعاظم ذنب صاحبه: حديثُ الرجل الذي قتل تسعةً وتسعين نفسًا، [البخاري: (٣٤٧٠)، مسلم: (٢٧٦٦)].
(٢) رواه الترمذي في كتاب الدعوات، باب إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، رقم (٣٥٣٧)، وقال: «حديث حسن غريب»، وابن ماجه في كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، رقم (٤٢٥٣)، وحسَّنه الشيخ الألباني.
(٣) قلت: ومِن أدلةِ قبولِ توبةِ السَّاحرِ ما جاءَ في قصةِ سحرةِ فرعون، وتوبتِهم لما رأوا الآيات التي جاء بها موسى ﵇، فخروا سُجدًا، وقالوا: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٣]، قال ابنُ عباس ﵄: «كَانُوا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ سَحَرَةً، وَفَى آخِرِ النَّهَارِ شُهَدَاءَ»، [تفسير الطبري (١٠/ ٣٦٤)]. قال الإمام البيهقي ﵀: «وكفاك بسحرةِ فرعونَ وقصتِهم فى كتابِ اللهِ ﷿ في قبولِ توبةِ السَّاحر» ا. هـ. من (السنن الكبرى ٨/ ٢٣٥).
(٤) ويسمى ذلك ب «النُّشرة»، قال العلَّامةُ ابنُ القيم ﵀: «والنُّشرةُ حَلُّ السِّحرِ عن المسْحورِ، وهي نوعان: حَلُّ سِحرٍ بسِحرٍ مثلِه، وهو الذي مِنْ عملِ الشيطانِ، فإنَّ السِّحرَ مِنْ عملِه، فيتقربُ اليه النَّاشِرُ والمنتَشِرُ بما يُحِبُّ، فيُبطِلُ عملَه عن المسحورِ. والثاني: النُّشرةُ بالرُّقيةِ والتعوذاتِ والدَّعواتِ والأدويةِ المباحةِ، فهذا جائز، بل مستحب». ا. هـ من (إعلام الموقعين ٦/ ٥٥٨).
[ ٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حلُّ السِّحر بالقرآن والأدعية والأذكار المباحة
تَكُنْ شِرْكًا» (^١)، وقولِه ﷺ: «لَا رُقْيَةَ إلَّا مِنْ عَيْنٍ، أَوْ حُمَةٍ» (^٢)، وقولِه ﷺ لابنِ عَابِسٍ الجُهنِي ﵁: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَفْضَلِ مَا تَعَوَّذَ بِهِ الْمُتَعَوِّذُونَ؟» قُلْتُ: بَلَى يا رَسولَ اللهِ ﷺ، قال: «﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾» (^٣)، وكالمأثورِ عنه ﷺ في رُقيةِ المريضِ: «رَبَّنَا اللهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، …» (^٤).
حلُّ السِّحر بسحر مثله، وحكمه
* الثاني: حَلُّ السِّحرِ عن المسحورِ بسحرٍ مثلِه، وهذا اختلف فيه السَّلفُ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: جواز النشرة، وأدلته
• القول الأول: أنه «جَائزٌ»، علَّقَه الإمامُ البخاريُّ ﵀ في صحيحِه جازمًا عن قتادة أنه قال: «قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ، أَوْ يُؤَخَّذُ عَنِ امْرَأَتِهِ، أَيُحَلُّ عَنْهُ، أَوْ يُنَشَّرُ؟ قال: لَاَ بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلَاحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ، فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ» (^٥)، حملَ بعضُ العلماءِ كلامَ سعيدٍ على النُّشرةِ المباحةِ بالأدعيةِ والقراءاتِ.
واستدلوا بما ورَدَ عن عائشةَ ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ لما سَحرَه لبيدُ بنُ الأعصمِ اليهودي: «فَهَلاَّ تَنَشَّرْتَ؟»، أخرجه البخاري (^٦).
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الطب، باب لا بأس بالرقى، ما لم يكن فيه شرك، رقم (٢٢٠٠) من حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁.
(٢) رواه البخاري في كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو، رقم (٥٧٠٥)، موقوفًا من حديث عمران بن الحصين ﵄، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، رقم (٢٢٠) موقوفًا من حديث بريدة بن حصيب الأسلمي ﵁، ورواه أبو داود في كتاب الطب، باب ما جاء فى الرقى، رقم (٣٨٨٤)، والترمذي في كتاب الطب، باب ما جاء في الرخصة في ذلك، رقم (٥٥٧)، وغيرهما مرفوعًا مِنْ حديثه ﵁ عن النبي ﷺ.
(٣) رواه أحمد: (١٥٤٤٨)، والنسائي في أول كتاب الاستعاذة، رقم (٥٤٣٢)، وصحَّحه الشيخُ الألباني.
(٤) رواه أبو داود في كتاب الطب، باب كيف الرقى، رقم (٣٣٦٧)، من حديث أبي الدرداء ﵁، وحسَّنه شيخُ الإسلام ابنُ تيمية في (العقيدة الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى ٣/ ١٣٩)، وضعَّفه الشيخُ الألباني.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب هل يستَخرِجُ السِّحرَ؟
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب هل يستخرج السحر؟ رقم (٥٧٦٥).
[ ٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأنَّ المنهيَّ عنه هو الضَّارُّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢].
القول الثاني: عدم جواز النشرة، وأدلته
• القول الثاني: أنه «لا يجوز مطلقًا»، وقال به الحسنُ البصري، وسليمانُ بنُ عبد الله صاحب «تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد» (^١)، وقال الشيخُ محمد بن إبراهيم ﵀: «أفيُعمَلُ الكفرُ لكي تحيا بذلك نفوسٌ مريضةٌ؟» (^٢).
واستدلوا بالعمومات: مثل حديث «مَنْ أَتَى عَرَّافًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (^٣)، وكذلك حديث «مَنْ أَتَى كَاهِنًا، أَوْ عَرَّافًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» (^٤)، ولحديث جابر ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «النَّشْرَة مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ» (^٥) رواه أحمد وغيره.
وكذلك استدلوا بالعمومات الدَّالة على النهي عن التداوي بالمحرَّمات.
• القول الثالث: أنَّ هذا «جائز عند الضرورة»، وقال به عطاء واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقال اللهُ ﷿ عن الكفرِ ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، فإذا كان هذا في الكُفر، فغيرُه كذلك.
تعريف الصرف والعطف
* قولُه ﵀: «ومِنْه الصَّرفُ والعَطْف».
الصَّرفُ: صَرْفُ الرَّجلِ عما يهواه؛ كصرفِه مثلًا عن محبةِ زوجتِه إلى بُغضِها.
_________________
(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد (٢/ ٨٤٨ - ٨٤٩).
(٢) ينظر: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (١/ ١٦٥).
(٣) تقدم تخرجه.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) رواه عبد الرزاق: (١٩٧٦٢)، ومن طريقه أحمد في مسنده: (١٤١٣٥)، ومِن طريقِه أبو داود في كتاب الطب، باب في النشرة، رقم (٣٨٦٨)، وصحَّحه الألباني.
[ ٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: هو إيقاعُ البُّغضِ بين المتحابين، سواءً كانا زوجينِ أو غيرِ زوجينِ بحيث ينصرفُ أحدهما عن الآخر.
العَطْف: عَطفُ الرَّجلِ عما لا يهواه إلى محبتِه والتعلُّقِ به.
وقيل: إيقاعُ المحبةِ بين المتباعدين، سواءً كانا زوجين أو غير زوجين، بحيث ينعطفُ أحدهما على الآخر.
* * *
[ ٨٤ ]