السادس: «مَنِ استَهزأَ بشيءٍ مِنْ دِينِ الله، أوْ ثَوابِه، أوْ عِقَابِه؛ كَفَرَ، والدَّلِيلُ قولُه تعَالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾». (^١)
* قوله ﵀: «مَنِ استَهزأَ بشيءٍ …»:
الاستهزاء من الشيء: السخرية منه (^٢).
* قوله: «مِنْ دِينِ الله»: هذا يشملُ كلَّ دِين الله؛ لأنَّ المفردَ المضافَ يَعُمُّ فيشملُ الواجباتِ، والمستحباتِ، والمكروهاتِ، والمنهيات، فإذا استهزأ بالواجبات كالصلاةِ، أو المستحباتِ كسُنن الصلاة، أو المحرَّمات كتحريم الزنا أو الخمر، أو المكروهات ككراهةِ السفرِ منفردًا، أو كراهةِ أكل الثوم أو البصل، أو نحوه؛ فإنه «يَكفُر».
الاستهزاء بشيءٍ من ثوابِ الله أو عقابه، أو شيء مِنْ دِين الرَّسولِ ﷺ: (كُفرٌ مُخرجٌ مِنْ الملة)
* قوله: «أوْ ثَوابِه»: أي: استهزأ بشيء من ثواب الله ﷿، وما رُتب على ذلك من أجور، كثوابِ صلاةِ الجماعةِ، والصَّدقةِ، ونحوه.
* قوله: «أوْ عِقَابِه»: كعقاب شارب الخمر أو نحوه؛ فهذا «كفرٌ، مُخرِجٌ من الملة».
والدليلُ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
_________________
(١) قال العلامةُ الحجاوي ﵀ في الإقناع لطالب الانتفاع، (٤/ ٢٨٥ - ٢٨٦): «مَنْ استهزأ بالله، أو رُسلِه، أو أتى بقولٍ أو فِعلٍ صريحٍ في الاستهزاءِ بالدِّينِ، أو سخِرَ بوعدِ اللهِ، أو بوعيده، فهو كافر» ا. هـ. مختصرًا.
(٢) «الاستهزاء: هو السخرية، وهو حملُ الأقوالِ والأفعالِ على الهزلِ واللعبِ، لا على الجِدِّ والحقيقةِ …، فمَن تكلَّم بالأقوالِ التي جعل الشارعُ لها حقائقَ ومقاصدَ، مثل كلمةِ الإيمانِ …، وهو لا يريدُ بها حقائقَها المقوَّمَةَ لها، ولا مقاصدَها التي جُعِلَت هذه الألفاظُ محصلةً لها …، فهو مستهزئٌ بآياتِ الله» ا. هـ. مختصرًا من الفتاوى الكبرى (٦/ ٢٢ - ٢٣).
[ ٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سببُ نزول الاستهزاء
وجاء في تفسير ابن جرير (^١) وابن أبي حاتم (^٢) عن عبدِ الله بنِ عمر ﵄ في سبب نزولِ هذه الآية أنَّ رجلًا في غزوة تبوك قال: «ما رأينا مثل قُرَّآئنا هؤلاء (^٣)، أرغبَ بُطونًا، ولا أكذبَ ألسُنًا، ولا أجبنَ عند اللقاءِ»، فوصفوهم بالجبن والكذب وكثرة الأكل، فقال عوفُ بن مالكٍ ﵁: كذبتَ، ولكنك منافقٌ، لأخبرنَّ رسولَ الله ﷺ، فذهب عوفٌ إلى رسول الله ﷺ ليخبرَه، فوجد القرآنَ قد سبقَه، فجاء الرَّجلُ إلى رسولِ الله ﷺ، وقد ارتحلَ، وركبَ ناقتَه، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنما نخوضُ ونلعبُ ونتحدثُ حديثَ الرَّكْبِ، نقطعُ به الطريقَ، فيقول له رسولُ الله ﷺ: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]» (^٤).
الاستهزاء بالدين من صفات المنافقين
والاستهزاء بالدِّين من صفات المنافقين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٣]، فقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ يعني: يغمزُ بعضُهم بعضًا بالاستهزاء، وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ يتفكهون بالاستهزاءِ بهم.
حكم الاستهزاء بالدِّين وأهلِه
قال الشيخُ سليمانُ بن عبدِ الله ﵀: «أجمعَ العلماءُ على كُفْرِ مَنْ استهزأ باللهِ، أو كتابِه، أو برسولِه، أو بدينِه، ولو هازلًا، لم يقصد حقيقةَ الاستهزاءِ، إجماعًا» (^٥).
_________________
(١) تفسير الطبري (١١/ ٥٤٣ - ٥٤٥).
(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٢٩).
(٣) يعنون: النبيَّ ﷺ وأصحابَه.
(٤) قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ﵀ في (مجموع الفتاوى ٧/ ٢٧٣): «دلَّ على أنَّهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرًا، بل ظنوا أنَّ ذلك ليس بكفرٍ، فبيَّن أنَّ الاستهزاءَ باللهِ وآياتِه ورسولِه كُفرٌ، يَكفرُ به صاحبُه بعد إيمانه».
(٥) تيسير العزيز الحميد (٢/ ١٢٢٦).
[ ٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الشيخُ السعديُّ ﵀: «الاستهزاءُ باللهِ ورسولِه كفرٌ، مُخرِج عَنْ الدِّين (^١)؛ لأنَّ أصلَ الدِّين مبنيٌ على تعظيمِ اللهِ، وتعظيمِ دينِه ورُسلِه، والاستهزاءُ بشيءٍ مِنْ ذلك منافٍ لهذا الأصلٍ، ومناقضٌ له أشدَّ المناقضةِ (^٢)» (^٣).
وبهذا نعرفُ خطرَ ما يحصلُ في الصحفِ مِنْ الاستهزاءِ ببعضِ شعائرِ الإسلامِ، فتجد بعضَ الكُتّاب والرَّسَّامين يستهزئُ باللحيةِ، أو الثوبِ القصيرِ، أو الحجابِ، فهذا «كُفرٌ، ورِدَّةٌ عن دِينِ الإسلامِ».
نوعا الاستهزاء
وقد ذكر العلماءُ ﵏ أنَّ الاستهزاءَ ينقسم إلى قسمين:
استهزاء صريح
• الأول: استهزاءٌ صريحٌ: مثل ما تقدَّم مِنْ حديث ابن عمر ﵄ «ما رأينا مثل قُرَّآئنا هؤلاء، أرغبَ بُطونًا، ولا أكذبَ ألسُنًا، ولا أجبنَ عند اللقاءِ».
استهزاء غير صريح
• الثاني: استهزاءٌ غيرُ صريح: وهذا كثيرٌ جدًا مثل: أن يشيرَ بيده، أو يغمزَ بعينه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾، أو بالكتاباتِ، أو بالرسومِ، فكلُّ ما دلَّ على الاستهزاءِ فهو «كفرٌ ورِدَّة»، نسأل الله العافية.
قسما الاستهزاء بالعلماء
* مسألة: ينقسم الاستهزاءُ بالعلماء والصالحين إلى قسمين:
استهزاء بأشخاصهم «مُحرَّمٌ»
١ - الاستهزاء بأشخاصهم كمن يستهزئ بأوصافهم الخلقية أو الخُلقية، وهذا «محرَّمٌ»؛ لقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].
_________________
(١) قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى (٧/ ٥٥٧): «ومَن استهزأ باللهِ، وآياتِه، ورسولِه، فهو كافرٌ، باطنًا، وظاهرًا».
(٢) قال الشيخُ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀: «وهل يجتمعُ الايمانُ باللهِ، وكتابِه، ورسولِه، والاستهزاءُ بذلك في قلبٍ؟!»، تيسير العزيز الحميد (٢/ ١٢٢٦).
(٣) تيسير الكريم الرحمن (٢/ ٦٦٥).
[ ٧٠ ]
استهزاء بهم لكونهم علماء «كُفرٌ»
٢ - الاستهزاءُ بالعلماء لكونهم علماء، ومِن أجْلِ ما هُمْ عليه مِنْ العلمِ الشرعي، فهذا «كُفْرٌ»؛ لأنه استهزاءٌ بدِينِ اللهِ تعالى، وكذا الاستهزاءُ بأهلِ الصلاح مِنْ أجْلِ استقامتهم على الدِّين، واتِّباعِهم للسُّنةِ، فالاستهزاءُ ها هنا متوجه إلى الدِّين والسُّنةِ.
واجب المسلم تجاه مَنْ يستهزئون بدين الله، وحُكم مَنْ يُجالسهم، ويرضى بصنيعهم
* مسألة: يجبُ على المسلمِ أنْ ينكرَ بشدةٍ على المستهزئينَ بدِين اللهِ، وما جاء به الرسولُ ﷺ، وأن لا يُجالسُهم؛ لئلا يكونَ منهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠].
فمَن سمعَ آياتِ الله يُكفَرُ بها، ويُستهْزَئُ بها، وهو جالسٌ معهم، مع رِضاه بالجلوس معهم، «فهو مثلُهم في الإثْمِ والكُفرِ».
* * *
[ ٧١ ]