المخالفات العقدية المترتبة على إحياء الآثار
وفيه تمهيد، وخمسة مباحث:
المبحث الأول:
مخالفة كلمة التوحيد.
المبحث الثاني:
المخالفة المتعلقة بالتبرك بالآثار.
المبحث الثالث:
المخالفة المتعلقة بالتوسل بالآثار.
المبحث الرابع:
أبرز صور المخالفات التعبّدية المترتبة على إحياء الآثار.
المبحث الخامس:
أسباب المخالفات العقدية والمفاسد المترتبة على إحياء الآثار.
[ ٤٧١ ]
تمهيد
المخالفات العقدية المترتبة على إحياء الآثار لا تخلو من أحد أمرين:
الأول: مخالفات متعلقة بإحياء الأثر نفسه سواء كان شجرًا أو حجرًا أو مقام شخص.
الثاني: مخالفات متعلقة بإحياء الزائر للآثار.
فالأمر الأول: المخالفات المتعلقة بالأثر نفسه؛ كإحيائه والاهتمام به: بالبناء عليه وزخرفته وتسريجه وغيرها من الأمور التي تؤدي إلى تعظيمه وتقديسه، لا شك في حرمتها كما تم بيان ذلك في موضعه وتتعلق به جملة من المخالفات.
وأما الأمر الثاني: المخالفات المتعلقة بإحياء الزائر للآثار، وهي متعلقة بمراده وقصده من الزيارة، وما يصدر عنه من أقوال وأفعال وسلوكيات عند تلك الآثار.
فأما ما يتعلق بمراده وقصده، فلا يخلو الأمر من حالين:
١ أن يكون قصد الزائر التعبد والتقرب إلى الله ﷻ، فهنا تتأكد المخالفة أكثر للآثار، إذ إن الأصل في مشروعية العبادة التوقيف، والمنع، حتى يثبت الدليل الصحيح على مشروعيتها (^١).
_________________
(١) يُنظر: جماع العلم، للشافعي (٣ - ٤)، وجامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (٢/ ٣٢)، إعلام الموقعين، لابن القيم (٣/ ١٠٧)، الموافقات، للشاطبي (٢/ ٥١٣)، الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٤/ ١٧٣)، فتاوى نور على الدرب، لابن باز (١/ ١٢٦)، (١٣/ ٣٧٩)، وللاستزادة في معرفة تفاصيل القاعدة وتحريراتها يُنظر: دراسة وتحقيق قاعدة الأصل في العبادات المنع، لمحمد الجيزاني (٧٩ - ٨٥).
[ ٤٧٢ ]
٢ أن يكون قصد الزائر التنزه والسياحة وقد تقدّم بيان حكم كل نوع من أنواع الآثار، والتفصيل فيه.
وأما ما يتعلق بما يصدر عن الزائر من أقوال وأفعال وسلوكيات، إذا كان قصده التعبد والتقرب إلى الله ﷻ، فكثير منها لا يخلو من أن تكون بدعًا أو شركيات تنافي أصل التوحيد أو كماله، كما سيتم بيان ذلك في المطالب التالية.
وكما أن الأصل في العبادة التوقيف والمنع حتى تثبت بدليل صحيح، فكذلك لا تقبل العبادة إلا بتحقق شرطين، هما (^١):
الإخلاص لله تعالى.
المتابعة للنبي ﷺ.
والمتابعة لا بد أن يتوفر فيها شرطان (^٢):
١ المتابعة في صورة العمل.
٢ المتابعة في القصد.
فينقسم الناس في هذه القاعدة على أربعة أقسام: (^٣)
١ الموحد السُّنِّي: المخلص لله ﷻ، المتابع لسُنَّة الرسول ﷺ.
٢ المبتدع: المخلص في أعماله، غير المتابع لسُنَّة الرسول ﷺ.
٣ المشرك: المتابع لسُنَّة الرسول ﷺ غير المخلص لله ﷻ.
٤ المبتدع المشرك: من لا إخلاص له، ولا متابعة.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا *﴾ [الكهف].
فلا يصل العبد إلى الله إلا بالله، وبموافقة خليله ﷺ في شرائعه، ومن
_________________
(١) يُنظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (٢/ ٤٢٢)، تجريد التوحيد المفيد، للمقريزي (٤٢)، الرسالة المفيدة، لمحمد بن عبد الوهاب (٤١).
(٢) معالم أصول الفقه عند أهل السُّنَّة (١٢٦)، ويُنظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ٢٨١).
(٣) يُنظر: تجريد التوحيد المفيد، للمقريزي (٤٢ - ٤٤).
[ ٤٧٣ ]
جعل الطريق إلى الوصول في غير الاقتداء، يضل من حيث إنه مهتد (^١).
فإذا تقررت هاتان القاعدتان (^٢) وعُمل بهما، سلم المرء من الوقوع في المخالفة، وعبد الله على بصيرة واتباع لسُنَّة نبيّنا محمد ﷺ (^٣)، فكل مخالفة شرعية هي في أصلها مخالفة لكلمة التوحيد.
وبما أن معظم المخالفات العقدية المتعلقة بإحياء الآثار قد تشترك فيها تلك الأحوال المتقدم ذكرها مخالفات متعلقة بالأثر نفسه أو متعلقة بالزائر، فسيكون الحديث عن أبرزها وأكثرها وقوعًا وانتشارًا وهي مخالفة كلمة التوحيد، والتي ينتج منها مخالفات أخرى تتعلق بعدة مسائل منها:
١ التبرك.
٢ التوسل.
٣ أعمال تعبدية أخرى.
وسأقتصر على ذكر المخالفات المتعلقة بالتبرك والتوسل، وسأفرد كل مسألة منهما في مبحث مستقل؛ نظرًا لكثرة وقوع العوام والبُسطاء فيها وتفشيها بينهم؛ لجهلهم بحقيقتها، أو لاشتباههما عليهم وقياسهما على مسائل أخرى، والخلط بين المشروع والممنوع منهما.
* * *
_________________
(١) مقولة أبو الحسن الوراق ﵀ الاعتصام، للشاطبي (١/ ١٢٤) بتصرف يسير.
(٢) أعني بذلك قاعدة: أن الأصل في العبادة التوقف، وقاعدة: شرطي قبول العبادة: الإخلاص والمتابعة.
(٣) يُنظر: التبرك بآثار النبي ﷺ، لفهد المقرن (١٣).
[ ٤٧٤ ]
المبحث الأول
مخالفة كلمة التوحيد
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول:
المراد بكلمة التوحيد وحكم مخالفتها.
المطلب الثاني:
سبب الانحراف عن كلمة التوحيد.
المطلب الثالث:
عواقب مخالفة كلمة التوحيد وثمار تحقيقها.
[ ٤٧٥ ]
المطلب الأول
المراد بكلمة التوحيد وحكم مخالفتها
كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، أصل الإسلام، ومعناها: لا معبود بحق إلا الله.
ومضمونها: أن لا يُعبد إلا الله وحده، والله هو الإله الذي تألهه القلوب عبادةً واستعانةً ومحبةً وتعظيمًا وخوفًا ورجاءً وإجلالًا وإكرامًا، فلا يُدعى، ولا يستعان، ولا يستغاث، ولا يُستعاذ إلا بالله، ولا يُتوكل إلا عليه، ولا يُخاف إلا منه، ولا يُرجى إلا هو وحده لا شريك له (^١).
قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا *﴾ [الكهف]، وقال ﷻ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا *﴾ [الجن].
فالمدلول الشرعي لكلمة التوحيد: هو اعتقاد أنه إله واحد لا شريك له، وإفراده ﷿ بالعبادة والتوجه إليه وحده بطلب المنافع ودفع المضار، ونفي الكفء والمثل عن ذاته تعالى وصفاته، فهو المتصف بصفات الكمال، ونفي الشريك له في الربوبية والإلهية، فكما أنه الخالق الرازق المحيي المميت وحده فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له (^٢).
فكل من دعا مخلوقًا، أو استغاث به، أو اعتقد فيه شيئًا من خصائص الإلهية، فهو مخالف لكلمة التوحيد، مُشرك بالله تعالى، وإن قال بلسانه لا إله
_________________
(١) يُنظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١/ ٣٦٥)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٣٧٠)، الجواب الكافي، لابن القيم (١/ ٤٥٧)، الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١/ ٢٩١).
(٢) يُنظر: توحيد الألوهية أساس الإسلام، لحامد الأحمدي (٢).
[ ٤٧٦ ]
إلا الله؛ لأن فعله واعتقاده يخالف مقتضيات كلمة التوحيد (^١)؛ لاقترافه أعظم الكبائر، وأول السبع الموبقات، وأظلم الظلم، وهو الشرك قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ *﴾ [لقمان]؛ لإعطائه المخلوق ما لا يستحقه؛ لأن العبادة حق لله وحده، ولا ند ولا شريك له ﷾ (^٢)، لقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
وتتمثل حقيقة كلمة التوحيد في إخلاص العبودية لله وحده لا شريك له، والبراءة من عبادة ما سواه، فترجع هذه الحقيقة إلى أمرين (^٣):
١ «لا إله»: نفي الألوهية كلها عن غير الله.
٢ «إلا الله»: إثبات الألوهية لله وحده لا شريك له.
ولا يتحقق معناها إلا بمعرفتها، والإقرار بها، وبالقيام بمقتضاها ظاهرًا وباطنًا، وتخليصها وتصفيتها من شوائب الشرك، والبدع والمعاصي، وذلك بكمال الإخلاص لله تعالى في الأقوال والأفعال والإرادات (^٤).
نخلص مما سبق إلى أن تحقيق كلمة التوحيد تعتمد مع فعل الفرائض على ترك ثلاثة أمور، وهي:
١ ترك الشرك بأنواعه.
٢ ترك البدع بأنواعها.
٣ ترك المعاصي بأنواعها.
فإذا اجتنب المسلم هذه الأمور، كان محققًا لكمال كلمة التوحيد (^٥).
_________________
(١) يُنظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١/ ٢٩٢)، المجموع المفيد في تفسير كلمة التوحيد (٣١).
(٢) يُنظر: الجواب الكافي، لابن القيم (١/ ٤٥٧)، بدع القبور (٣٦ - ٣٧).
(٣) يُنظر: معنى لا إله إلا الله، للزركشي (٨٣)، مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان، لمحمد بن عبد الوهاب (١/ ٣٧١)، تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، لسليمان بن عبد الله (٣٢).
(٤) يُنظر: القول السديد في شرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن السعدي (٢٨).
(٥) يُنظر: موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب (٢/ ٧٧٧ - ٧٧٨).
[ ٤٧٧ ]
وإن المخالف لكلمة التوحيد إما أن يقع في (^١):
١ الشرك الأكبر، المناقض لأصل التوحيد.
٢ الشرك الأصغر المنافي لكماله.
٣ البدع والمعاصي التي تكدّر التوحيد، وتمنع كماله، وتعوقه عن حصول آثاره.
فالأحكام المترتبة على مخالفة كلمة التوحيد، يختلف حكمها على حسب نوع المخالفة، فيكون حكم المخالفة إما: شركًا، أو بدعة، أو معصية (^٢).
* * *
_________________
(١) يُنظر: القول السديد في شرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن السعدي (٢٨).
(٢) يُنظر: الجامع الفريد في شروحات كتاب التوحيد، لكبار العلماء وأصحاب الفضيلة: عبد العزيز بن باز، محمد العثيمين، صالح الفوزان، صالح آل الشيخ وغيرهم (١/ ١٧٠ - ١٩٥).
[ ٤٧٨ ]
المطلب الثاني
سبب الانحراف عن كلمة التوحيد
تعددت أسباب الانحراف عن كلمة التوحيد، وتنوعت صور مخالفتها، واغترار الناس بإحياء الآثار وتعظيمها يُعدّ أحد صور مخالفتها.
وأما عن أبرز أسباب الانحراف فهي: عدم معرفة المراد الشرعي لكلمة التوحيد والخلل في فهم المعنى الصحيح لهذه الكلمة العظيمة؛ المؤدي إلى الخلط بين معنى توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، وجعلهما معنًى واحدًا.
وتفسير المعنى المراد ب «لا إله إلا الله» بأنه: لا خالق، ولا مدبّر، ولا رازق ولا محيي ولا مميت إلا الله وحده لا شريك له؛ تفسير ناقص.
فظنّ المخالفون لكلمة التوحيد أنهم بإثبات أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، قد حققوا مقتضى: لا إله إلا الله، وإن صرف شيئًا من العبادة لغير الله لا يخالف كلمة التوحيد بزعمهم، وهذا غير صحيح بل باطل غاية البطلان.
فالمشركون مقرون بتوحيد الربوبية، وهذا التوحيد مستقر في نفوس البشر، لا ينازع فيه أحد من الناس مسلمًا كان أم كافرًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ *﴾ [الزمر].
والقائلون بأن: لا خالق إلا الله، ولا مدبّر، ولا رازق ولا محيي ولا مميت إلا الله وحده لا شريك له، لا يكونوا مسلمين بهذا القول؛ لأن هذا القول مشترك فيه كافة الناس من اليهود والنصارى والمشركين.
إنما قررّ الله تعالى توحيد الربوبية؛ لإثباته وتأكيده، وللاستدلال به على
[ ٤٧٩ ]
وجوب توحيد الألوهية، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *﴾ [البقرة].
فالمقرون حقيقةً بتوحيد الربوبية يستلزم منهم الإقرار بتوحيد الألوهية، إذ إن توحيد الربوبية يستلزم أن لا يُعبد إلا الله، فكما أنه الخالق وحده فهو المستحق للعبادة وحده.
وكما أنهم مثبتون مؤمنون بأنه لا خالق ولا رازق إلا الله ﷾ فذلك يلزمهم بصرف العبادة له وحده لا شريك له.
فيزعم المخالفون لكلمة التوحيد أنهم معترفون بأن الله ﷻ وحده الخالق الرازق المحيي المميت المدبر …، وليس للآثار التي يتقربون إليها شيئًا من الخلق أو الرزق أو التدبير، ولكن يتقربون إلى المقبورين، والأصنام والأوثان وغيرها؛ بحجة أنها واسطة ووسيلة تشفع لهم عند الله ﷾ (^١)، فيصرفون أنواعًا من العبادات عند الآثار تقربًا إلى الله ﷾.
وهذا لا شك من أوجه الشرك بالله تعالى، الذي نفاه عن نفسه ﷻ في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ].
وبيان أوجه الشرك الحاصلة من الذين يدعون من دونه من المخلوقات، ما يلي (^٢):
١ لا يملكون مثقال ذرة من ملكه ﷻ.
٢ ليس لهم من شرك في السماوات ولا في الأرض.
٣ ليس أحد منهم معينًا ولا ظهيرًا لله ﷻ.
٤ لا يملكون الشفاعة، إذ إن الله هو مالكها، ولا يشفع إلا لمن أذن له ورضي عنه، ومن اتخذ شفيعًا من دون الله فهو مشرك.
_________________
(١) يُنظر: المعتقد الصحيح، لعبد السلام بن برجس آل عبد الكريم (١٢ - ١٥).
(٢) يُنظر: زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور، لابن تيمية (٦ - ٧).
[ ٤٨٠ ]
فنفى الله ﷾ بذلك عن نفسه جميع أوجه الشرك: الملك، والشركة، والمعاونة، والشفاعة التي لا تكون إلا من بعد إذنه ﷻ.
فيحتجون على عدم شركهم بالله، بأنهم لم يعبدوهم وإنما جعلوهم وسطاء، وشفعاء، ووسائل إلى الله تعالى، ولا يعتقدون نفعهم ولا ضرهم، وهذه هي حُجة المشركين.
فيقولون: إنّا لا نعتقد في طوافنا حول القبر أنه ينفع ويضر، أو مستقل في تحصيل المطالب، وإنما نريده وسيلة وواسطة (^١)، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وحكى الله ﷻ قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
فاعتقادهم أنهم لا يضرون ولا ينفعون لكن يرجون شفاعة الميت أو الصنم، أوقعهم في شرك الألوهية، ولو اعتقدوا أنهم ينفعون ويضرون، لصار هذا شركًا في الربوبية، فإذا عبدوهم واعتقدوا أنهم يضرون وينفعون وقعوا في شركين: شرك الربوبية، وشرك الألوهية، فهم بين شرك وشركين (^٢).
وهم في الحقيقة وقعوا في الشرك الأكبر، وانحرفوا عن أصل الدين وأساسه؛ لمخالفة كلمة التوحيد المتضمنة لمعنى توحيد الألوهية، والتي لأجلها بعث الله ﷻ الرسل، وأنزل الكتب، وفطر الله عليها جميع المخلوقات (^٣).
كما قال ابن قيّم الجوزية ﵀ في كلمة التوحيد: هي الكلمة التي قامت بها الأرض والسموات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست الملة، ونصبت القبلة، وجردت سيوف الجهاد، وهي محض حق الله على جميع العباد، وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار،
_________________
(١) يُنظر: مجموع ابن سعدي في العقيدة والمنهج (٦٤٢)، فتح الرب الحميد بشرح تجريد التوحيد، لعبد العزيز الراجحي (١٨٤).
(٢) يُنظر: فتح الرب الحميد بشرح تجريد التوحيد، لعبد العزيز الراجحي (١٨٤).
(٣) يُنظر: تفسير كلمة التوحيد، لصالح الفوزان (١٠٠).
[ ٤٨١ ]
والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار، وهي المنشور الذي لا تدخل الجنة إلا به، والحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق بسببه، وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وبها ينقسم الناس إلى شقي وسعيد، ومقبول وطريد، وبها انفصلت دار الكفر من دار الإسلام، وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان، وهي العمود الحامل للفرض والسُّنَّة (^١)
* * *
_________________
(١) الجواب الكافي، لابن القيم (١/ ١٣٨).
[ ٤٨٢ ]
المطلب الثالث
عواقب مخالفة كلمة التوحيد وثمار تحقيقها
إن انتشار الشركيات والخرافات البدعية يلحقهما آثار سيئة، وعواقب وخيمة على الفرد والمجتمع، فمن الآثار والعواقب المترتبة على مخالفة كلمة التوحيد، ما يلي (^١):
١ تفرق شمل المسلمين وتمزقهم؛ المؤدي إلى ضعفهم، وهوانهم.
٢ القلق والاضطراب، والخوف الدائم الملازم لقلب المشرك؛ بسبب تعلقه بغير الله.
٣ عداوة المشرك لله ﷻ ولنفسه، وللمسلمين.
٤ الشركيات والبدع والخرافات تدعو إلى كل رذيلة، وتُبْعد عن كل فضيلة.
٥ حلول العقاب من الله ﷾ على المبتدع، وإبعاده عن حوض النبي ﷺ ومنعه من الشرب منه، والخلود الأبدي في النار لمن وقع في الشرك الأكبر.
٦ جلب المبتدع على نفسه اللعنة من الله ﷻ والملائكة ومن الناس أجمعين.
وفي المقابل عدم مخالفة كلمة التوحيد والقيام بها وبمقتضاها يجني المسلم منها ثمارًا عظيمة، وآثارًا حميدة.
ومن المعلوم أن التوحيد يرتكز على مصدرين، منهما يستقي المسلم عقيدته: الكتاب، والسُّنَّة، بفهم سلف الأمة، الذي بهما يحقق المسلم تفاصيل هذه الكلمة العظيمة.
وكذلك تتحقق سُنَّة نبيّنا محمد ﷺ بإحياء آثاره الحديثية المروية التي
_________________
(١) يُنظر: موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب (١/ ٥٠٤) وأيضًا (٤/ ١٦٤١ - ١٦٤٢).
[ ٤٨٣ ]
هي أحد ركني الشرع ومن الأساسات التي تنبني عليها العقيدة الصحيحة، وبها تتحقق كلمة التوحيد، فمن أبرز الثمار التي تحصل عند تحقيق هذه الكلمة العظيمة، ما يلي (^١):
١ الاعتصام بحبل الله، واجتماع الكلمة التي بها تتحقق القوة للمسلمين، والنصرة والتأييد على عدوهم، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
٢ توفر الأمن والأمان في المجتمع الواحد، والطمأنينة النفسية، والاستقرار الذهني؛ لأن العبد يعبد ربًّا واحدًا يعلم مراده، فيفعل ما يرضيه، ويعرف ما يسخطه فيتقيه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ *﴾ [الأنعام].
٣ السمو والرفعة في الدنيا والآخرة لأهل التوحيد، قال تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ *﴾ [الحج].
٤ حصول السيادة والاستخلاف في الأرض، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥].
٥ عصمة العرض والدم والمال؛ لقوله ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ» (^٢).
هذه لمحة يسيرة إلى بعض ثمار تحقيق هذه الكلمة العظيمة، وإلا فليس شيء من الأمور يجنى من خلاله الثمار الحميدة، والآثار الجليلة أعظم من كلمة التوحيد، فهي جماع خيري الدنيا والآخرة.
_________________
(١) يُنظر: موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب (٢/ ٢٥٤٤ - ٢٥٤٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة (٢/ ١٠٥/ ح ١٣٩٩)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله (١/ ٣٨/ ح ٢٠).
[ ٤٨٤ ]
المبحث الثاني
المخالفة المتعلقة بالتبرك بالآثار
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: المراد من التبرك بالآثار.
المطلب الثاني: أقسام التبرك بالآثار وأحكامه.
المطلب الثالث: أسباب الانحراف في التبرك بالآثار.
المطلب الرابع: عواقب التبرك بالآثار.
[ ٤٨٥ ]
المطلب الأول
المراد من التبرك بالآثار
التبرك لغة:
الباء والراء والكاف أصلٌ واحدٌ، وهو ثَباتُ الشيءِ، ثم يتفرع فروعًا يقاربُ بعضُها بعضًا (^١)، ومصدرها تبرّك يتبرّك، تبرّكًا؛ أي: طلب البركة، والتبرك بالشيء: طلب البركة بواسطته (^٢)، وزيادة الخير ونماؤه ودوامه (^٣).
شرعًا:
طلب البركة ورجاؤها من الله تعالى، والتماسها في ذات أو قول أو فعل أو زمن، أو مكان، بإذن الشارع، على كيفية مخصوصة، بوسائل مشروعة (^٤).
العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي:
العلاقة تكمن في أن البركة معناها العام هي زيادة ونماء في شيء يريده المتبرك في تبركه بما تبرك به، وهذه البركة قد تكون في ذوات، أو صفات، أو أمكنة، وهذا مقتضى ورودها اللغوي (^٥).
_________________
(١) مقاييس اللغة، لابن فارس [ط: دار الفكر] (١/ ٢٢٧).
(٢) يُنظر: تاج العروس، للزبيدي (٢٧/ ٥٧)، لسان العرب (١٠/ ٣٩٥ - ٣٤٠).
(٣) يُنظر: الصحاح، للجوهري (٤/ ١٥٧٥).
(٤) يُنظر: التبرك، لناصر الجديع (٣٩)، التبرك المشروع والتبرك الممنوع، لعلي العلياني (١١ - ٢٨)، موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب (٢/ ٥٦٨).
(٥) يُنظر: موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب (٢/ ٥٦٨ - ٥٦٩).
[ ٤٨٦ ]
حقيقة التبرك:
ثبوت الخير ودوامه، أو كثرة الخير وزيادته، أو اجتماعهما معًا (^١).
التبرك الممنوع بالآثار:
يقصد به التماس البركة والخير من غير مستند شرعي يدل على ثبوت البركة فيه، كأن يكون أثر حجر أو شجر، أو أي أثر ارتبط بذات شخص، أو ما انفصل منه، أو مكانًا مرّ به أو جلس، أو دُفن به (^٢)، ويستثنى من ذلك ذوات الأنبياء ﵈ فقط.
* * *
_________________
(١) موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب (٢/ ٥٦٩).
(٢) يُنظر: التبَرُّك المنحرِف، لأكرم عصبان (٤٦).
[ ٤٨٧ ]
المطلب الثاني
أقسام التبرك بالآثار وأحكامه
ينقسم التبرك إلى عدة أقسام من حيثيات مختلفة؛ فالتبرك من حيث نوعه ينقسم إلى قسمين:
١ - تبرك مشروع:
أن يلتمس المسلم البركة فيما أذن له الشرع بالتماس البركة فيه، وفي حدود المأذون فيه (^١)؛ كالتماس البركة في قراءة القرآن والشفاء في قراءته، وغيرها من الأمور التي ورد في الكتاب والسُّنَّة جواز التبرك بها (^٢).
وحين ورود الدليل من الكتاب والسُّنَّة على عبادة ما؛ فالأصل فيها مع الإخلاص موافقة الشرع في المتابعة والتأسي في القصد وفي صورة العمل (^٣).
إذ إن المتابعة في القصد أبلغ من المتابعة في صورة العمل كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^٤).
٢ - تبرك ممنوع:
أن يلتمس المسلم البركة فيما لم يأذن به الشرع بالتماس البركة فيه، أو يتجاوز الحد المأذون له به إلى ما لم يأذن به الشرع (^٥)؛ كالتماس
_________________
(١) حديث (اجعل لنا ذات أنواط) دراسة حديثية عقدية، لعبد الله الأحمدي (١٤٦).
(٢) يُنظر: موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب (٢/ ٥٧٢)، حديث (اجعل لنا ذات أنواط) دراسة حديثية عقدية (١٤٦).
(٣) معالم أصول الفقه عند أهل السُّنَّة، لمحمد الجيزاني (١٢٦).
(٤) يُنظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ٢٨١).
(٥) حديث (اجعل لنا ذات أنواط) دراسة حديثية عقدية (١٤٦).
[ ٤٨٨ ]
أ - شرك أكبر
ب - شرك أصغر
البركة في آثار مقامات الأنبياء، والصالحين، والأحجار والأشجار وغيرها من الآثار التي لم يرد في الكتاب والسُّنَّة جواز التبرك بها، أو يتجاوز الحد المأذون له به إلى ما لم يأذن به الشرع كالغلو ببعض الآثار، وكالتبرك في المساجد الثلاثة وخصوصًا المسجد الحرام، والتبرك بما يحويه من أماكن التعبّد كالكعبة (^١)، والحجر الأسود، والمقام وتجاوز المشروع عندها.
والتبرك المتعلق بإحياء الآثار، ليس هو التبرك المشروع، وإنما هو التبرك الممنوع؛ لذا سيُقتصر الحديث عليه.
ينقسم التبرك الممنوع من حيث حكمه إلى قسمين:
أ - شرك أكبر: وهو اعتقاد استقلال المخلوق بذاته في منح البركة، وهبتها (^٢)، فيطلبون البركة من آثار المخلوقات، ويعتقدون أنها تملك البركة وتهبها، أو يعتقدون بتبركهم أنها وسيلة تتوسط لهم عند الله.
فإذا طلب بركة الأثر، معتقدًا أنه بتمسحه به، أو تمرغه عليه، أو التصاقه به يتوسط له عند الله ويكون وسيلة تقربه لله فهذا قد اتخذ مع الله إلهًا آخر، وأشرك شركًا أكبر مخرجًا من الملة، وهو يماثل ما كان يعتقده أهل الجاهلية في الأشجار والأحجار التي يعبدونها، وفي القبور التي يتبركون بها؛ اعتقادًا منهم بأنها وسائل ووسائط، يعكفون ويتمسحون بها، فهذا الفعل راجع إلى اتخاذ الأنداد والشركاء مع الله ﷿، وقد قال ﷾: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] (^٣).
ب - شرك أصغر: وهو التماس المسلم البركة فيما لم يأذن به الشرع
_________________
(١) الكعبة مباركة من جهة: تعلق القلوب بها، وكثرة الخير الذي يكون لمن أرادها، وأتاها، وطاف بها، وتعبد لله عندها، وكذلك الحجر الأسود هو حجر مبارك، ولكن بركته لأجل العبادة، بحيث إن من استلمه تعبدًا مطيعًا للنبي ﷺ في استلامه له، وفي تقبيله، فإنها تناله بركة الاتباع. يُنظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد، لصالح آل الشيخ (١٢٤ - ١٢٥).
(٢) حديث (اجعل لنا ذات أنواط) دراسة حديثية عقدية، لعبد الله الأحمدي (١٤٧).
(٣) يُنظر: حاشية كتاب التوحيد، لابن قاسم (١/ ٤٠٨)، القول السديد في شرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن السعدي (٥٤)، التمهيد لشرح كتاب التوحيد، لصالح آل الشيخ (١٦٧ - ١٦٩).
[ ٤٨٩ ]
بالتماس البركة فيه، أو يتجاوز الحد المأذون له به إلى ما لم يأذن به الشرع، مع اعتقاده أن الله ﷻ هو من وضع البركة فيه (^١).
أي: أنه إذا كان يعتقد أن التبرك بالأثر سبب يحصل له البركة بدون اعتقاد أنها هي بعينها التي تهب البركة بل توصل وتقرب إلى الله فقد وقع في الشرك الأصغر، وفي التبرك البدعي كما سماه بعض العلماء (^٢).
فمن يطلب البركة من الله تعالى، ولكن بواسطة شيء لم يرد في الشرع جواز التبرك به، أو اعتقد أنه سبب في البركة، كأن يأخذ تراب قبر، فينثره عليه؛ لاعتقاده أن هذا التراب جعله الله مباركًا، من جهة السببية: فهذا شرك أصغر؛ لأنه اعتقد ما ليس سببًا مأذونًا به شرعًا: سببًا (^٣).
فحكم التبرك ودرجة الشرك تتحددان بحسب اعتقاد المتبرك.
ويمكن أيضًا تقسيم التبرك الممنوع من حيث جنس المتبرك به إلى ثلاثة أقسام، وهي (^٤):
١ التبرك بآثار مقامات الأنبياء ﵈.
٢ التبرك بآثار الصالحين، ومقاماتهم.
٣ التبرك بالأحجار والأشجار والأماكن ونحوها.
ومن صوره: التماس البركة من آثار مقامات الأنبياء أو ذوات الأولياء والصالحين وقبورهم، أو الأصنام والأوثان ومن الآثار بالعموم من شد الرحال إليها، والصلاة والدعاء والعكوف عندها، والتمسح بترابها، وجدرانها طلبًا للخير والبركة، والنماء.
_________________
(١) حديث (اجعل لنا ذات أنواط) دراسة حديثية عقدية، لعبد الله الأحمدي (١٤٧).
(٢) يُنظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد، لصالح آل الشيخ (١٦٧ - ١٦٩)، موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب (٢/ ٥٧٢).
(٣) يُنظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد، لصالح آل الشيخ (١٦٧ - ١٦٩).
(٤) يُنظر: موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب (٢/ ٥٧٣).
[ ٤٩٠ ]
ومن المعلوم أن البركة من الله ﷻ، ولا تُطلب إلا منه ﷾؛ لأنه لا يملكها أحد غيره ﷾؛ فيمنحها ويهبها من يشاء، ويمنعها عن من يشاء (^١).
قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *﴾ [الملك]، وقال ﷻ: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضَ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقال ﷾: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ *﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١].
فمن طلب البركة من غير الله، أو اعتقد في أثر أنه سبب للبركة، والله لم يجعله سببًا فقد وقع في الشرك؛ لأن البركة كلها من الله وحده، فهو مالكها وواهبها، فلا تطلب من غيره (^٢).
والتبرك بالآثار من غير مستند شرعي منهي عنه، إذ إن الشيء لا يكون سببًا في حصول البركة، إلا بدليل صحيح؛ لأن الأصل في ذلك التوقيف.
وكذلك طريقة التبرك بما ثبتت بركته شرعًا ينبغي أن تكون شرعية، وأن لا يبتدع في ذلك هيئات وطرائق لم يفعلها السلف، فيكون متابعًا في صورة العمل وقصده (^٣).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: المتابعة أن يُفعل مثل ما فعل ﷺ على الوجه الذي فعل، فإذا فعل فعلًا على وجه العبادة، شُرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصصناه بذلك (^٤).
الخلاصة: أنه لا يشرع التبرك بشيء من الآثار كالأحجار والأشجار،
_________________
(١) يُنظر: المرجع السابق (٢/ ٥٦٩).
(٢) لأجل ذلك لا يجوز أن يقول المسلم للمخلوق: باركت على الشيء، أو أبارك فعلكم، أو فيك البركة. يُنظر: موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب (٢/ ٥٦٩).
(٣) يُنظر: التبرك المشروع والتبرك الممنوع، لعلي العلياني (١١ - ٢٨)، موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب (٢/ ٥٧٣ - ٥٧٤).
(٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١/ ١٩٨).
[ ٤٩١ ]
والمشاهد والأماكن ونحوها (^١)؛ لأن التبرك عبادة، وصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله، هو تأليه مع الله ﷾ وإشراك به (^٢).
ودليل النهي عن ذلك حديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ وَكَانُوا أَسْلَمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ قَالَ: فَمَرَرْنَا بِشَجَرَةٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله اجعل لنا ذات أنواط كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، وَكَانَ لِلْكُفَّارِ سِدْرَةٌ يَعْكِفُونَ حَوْلَهَا وَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يَدْعُونَهَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ فَلَمَّا قُلْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ وَقُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ *﴾ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»» (^٣).
ولتوضيح أوجه تحريم التبرك بالآثار من خلال حديث أبي واقد الليثي ﵁؛ سأذكر ما يلي:
١ أن هذا الحديث أصل في تحريم التبرك بالآثار؛ لتغليظ النبي ﷺ على من طلب بأن يجعل لهم ذات أنواط، حيث إنه ﷺ كبّر، وشبّه فعلهم بفعل بني إسرائيل، ولم يعذرهم لكونهم حديثي عهد بالإسلام في قصدهم؛ استعظامًا للأمر الذي طلبوه (^٤).
٢ جاء النهي عن العكوف عند الأثر، والعكوف هو ملازمة الشيء والإقامة عليه بالمكان ولزومه على وجه التعظيم والقربة (^٥).
ومنه قوله: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ *﴾ [الأنبياء]، وجاء في الحديث: أنهم كانوا يعكفون عند شجرة: ذات أنواط تبركًا بها.
_________________
(١) يُنظر: القول السديد في شرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن السعدي (٥٤).
(٢) يُنظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد، لصالح الفوزان (٩٢).
(٣) سبق تخريجه راجع فضلًا (١٠٨).
(٤) يُنظر: القول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (١/ ٢٠٤، ٢٠٩).
(٥) يُنظر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، لسليمان بن عبد الله (١/ ٢٣٠)، التمهيد لشرح كتاب التوحيد، لصالح آل الشيخ (١٣٢).
[ ٤٩٢ ]
وفي رواية أخرى للحديث عن عمرو بن عوف ﵁ قال: كان يُناط بها السلاح فسميت ذات أنواط، وكانت تُعبد من دون الله
فيُجمع بينهما: أن العكوف عندها؛ رجاء بركتها مفضٍ إلى عبادتها (^١).
٣ انتفاء التوحيد؛ لأن التبرك بالشجر نوع من الشرك، واتخاذ الآلهة شرك واضح، فأخبر النبي ﷺ أن هذا الأمر الذي طلبوه منه، وهو اتخاذ شجرة للعكوف عندها، وتعليق الأسلحة بها تبركًا كالأمر الذي طلبه بنو إسرائيل من موسى ﵇ حيث قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، فتبين أن في كِلَا الطلبين منافاة للتوحيد (^٢).
٤ الوقوع في الشرك؛ لأن في تعليق الأسلحة على الشجرة تبركًا بها، والعكوف عندها، يُعدّ اتخاذها إلهًا مع الله مع أنهم لا يعبدونها، ولا يسألونها!
فما الظن بما حدث من عباد القبور من دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، والذبح، والنذر لهم، والطواف بقبورهم، وتقبيلها، وتقبيل أعتابها وجدرانها، والتمسح بها، والعكوف عندها، وجعل السدنة والحجاب لها؟!
وأي نسبة بين هذا، وبين تعليق الأسلحة على شجرة تبركًا؟! (^٣).
٥ النهي عن التشبه بأهل الجاهلية؛ لإنكار النبي ﷺ عليهم بقوله: «قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ»، فكل من جهل الحق، وعمِل عَمل الجاهلين، فهو من أهل الجاهلية (^٤).
٦ تحذير النبي ﷺ من تقليد الأمم السابقة وتتبع طريقتهم، كما أخبر النبي ﷺ في قوله: «لتركبن سنن من كان قبلكم»، وهذا تنبيه منه ﷺ إلى أن الأمة ستبتلى بما ابتلي به أهل الجاهلية، من عبادة القبور والأحجار، والتبرك بها، تحذيرًا منه ﷺ لأمته من الوقوع في الشرك (^٥).
_________________
(١) يُنظر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، لسليمان بن عبد الله (١/ ٢٣٠).
(٢) يُنظر: القول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (١/ ٢٠٥).
(٣) يُنظر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، لسليمان بن عبد الله (١/ ٢٣١).
(٤) يُنظر: القول المفيد على كتاب التوحيد، لابن عثيمين (١/ ٢٠٩).
(٥) يُنظر: شرح كتاب التوحيد، لابن باز (٤١٤).
[ ٤٩٣ ]
المطلب الثالث
أسباب الانحراف في التبرك بالآثار
الانحراف عن الحق في أي أمر من الأمور لا بد أن يكون له بواعث وأسباب أدّت إليه، فهناك أسباب عامة للانحرافات بشكل مجمل؛ كالأسباب التي سيأتي ذكرها في المبحث الخامس، وأسباب أخرى خاصة بالانحراف في أمر معين وهي المقصودة هنا.
وتعود أسباب الانحراف في مسألة التبرك إلى وجود اللَّبْسِ في المعنى، فيركّب المبطلون إجمالَ اللفظ ابتغاءَ تمريرِ معناه المنحرف، وتلبيسًا على الأمة التي تقبله بمعناه الصحيح، فيُثمر هذا اللبسُ كتمانَ الحق.
وقد جاء في القرآن التحذير من هذا المسلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ *﴾ [البقرة]، وقال ﷻ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ *﴾ [آل عمران].
فالتبَرُّك بالآثار يستغله أهل الضلال بالباطل ويلبسون ويدسّون شركهم في مضامينه، حيث احتوت على معنى شرعيّ وآخرَ بدْعيّ وثالث شرْكيّ.
فيطلقونها ويقصدون بها المعنى المنحرف، ويلبّسونها ثوب الأدلة للمعنى الشرعي الصحيح، فيقع الناس في أمر مَرِيج.
وهكذا دخل أهل الباطل على العامة، وساغت مفاهيمهم؛ إذ لو أظهروا قصدهم لنكِرَهم الناس؛ فإنه لا يرضى الوقوعَ في الشرك أحدٌ إلا من يشاء الله؛ فيعمدون إلى هذا المكر، فيظهرون الباطل في قالب الحق (^١).
وهذا من الخلطِ المتعمَّد بين التبرك الممنوع والمشروع، كقياس آثار
_________________
(١) يُنظر: التبَرُّك المنحرِف، لأكرم عصبان (٤٦).
[ ٤٩٤ ]
الصالحين بآثار النبي ﷺ في شرعية التبرك، وقياس التبرك بآثار النبي ﷺ الذاتية والمنفصلة بالتبرك بالأماكن واعتقاد تعدي البركة الذاتية للأمكنة قياسًا على بركة الآثار الذاتية المنفصلة عن جسد النبي ﷺ (^١).
وأما عن أبرز الأسباب التي أدت إلى الانحراف في مسألة التبرك بالآثار، ما يلي:
السبب الأول: قياس آثار الصالحين وذواتهم بذات النبي ﷺ وآثاره في شرعية التبرك:
إن بركة الذوات لا تكون إلا لمن وهبه الله إياها وهم: الأنبياء والمرسلون، وأما غيرهم من عباد الله الصالحين فبركتهم بركة عملٍ؛ أي: ناشئة عن علمهم وعملهم واتباعهم لا عن ذواتهم.
فأجساد الأنبياء ﵈ فيها بركة ذاتية يتعدى أثرها إلى غيرهم، وهذا مخصوص بهم، وبركة الصالحين بأعمالهم كما جاء في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ …» (^٢).
فكل مسلم فيه بركة راجعة إلى الإيمان واليقين الذي في قلبه، وإلى العلم والعمل، والتعظيم لله والإجلال له ﷻ والاتباع لرسوله ﷺ.
وأيضًا من بركات الصالحين: دعاؤهم الناس إلى الخير، ودعاؤهم لهم، ونفعهم الخلق بالإحسان إليهم بنيةٍ صالحة.
وكذلك من بركات أعمالهم ما يجلب الله من الخير بسببهم وما يدفعه من النقمة والعذاب العام ببركة صلاحهم وإصلاحهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ *﴾ [هود].
فبركة المسلم الصالح لا تنتقل من شخص لآخر، فيكون معنى التبرك بأهل الصلاح هو الاقتداء بهم في صلاحهم، والتبرك بأهل العلم هو الأخذ
_________________
(١) تقدّم تفنيد شبهة التبرك بآثار مقامات النبي ﷺ على الآثار المنفصلة عن جسده ﷺ راجع لطفًا (٤٥١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأطعمة، باب أكل الجمار (٧/ ٨٠/ ح ٥٤٤٤).
[ ٤٩٥ ]
من علمهم والاستفادة منه (^١).
وأما ما يعتقده بعض الناس من أن ذوات الصالحين مباركة، فيتمسح بهم، ويشرب سؤرهم، ويقبل أيديهم طلبًا للبركة ونحو ذلك، فهو ممنوع ومحرم شرعًا؛ لأسباب، منها (^٢):
أ عدم المقاربة فضلًا عن المساواة للنبي ﷺ في الفضل والبركة (^٣).
ب عدم ورود الدليل الشرعي على جواز التبرك بآثار غير النبي ﷺ، وهذا يؤكد اختصاص النبي ﷺ بالتبرك (^٤)، فإذا ثبتت خصوصية النبي ﷺ بالتبرك بآثاره؛ فإنها تقتضي أن حكم غيره ليس كحكمه وذلك إجماع (^٥).
ج أن الصحابة ﵃ أنفسهم لم يتبركوا بأحد من فضلائهم، في حياة النبي ﷺ أو بعد وفاته (^٦)، فكان إجماعًا منهم على تخصيص الرسول ﷺ دون ما سواه (^٧).
د وكذلك التابعون ساروا على نهج الصحابة ﵃ فلم يُنقل عنهم أنهم تبركوا بالصحابة ﵃، ولا فعله التابعون مع فضلائهم، وقادتهم في العلم والدين (^٨).
ولو كان مشروعًا لسارع إليه الصحابة والتابعون ﵃ ولسبقونا إليه، ولم
_________________
(١) يُنظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد (١٢٦ - ١٢٧)، هذه مفاهيمنا (٢٠٣ - ٢٠٨) كلاهما لصالح آل الشيخ.
(٢) يُنظر: الاعتصام، للشاطبي (١/ ٤٨٢)، الحكم الجديرة بالإذاعة، لابن رجب (٤٦)
(٣) تيسير العزيز الحميد، لسليمان بن عبد الله (١٥٠).
(٤) يُنظر: هذه مفاهيمنا، لصالح آل الشيخ (٢٠٩).
(٥) حكى الإجماع الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٢٨)، وحكى ابن الموقت الحنفي الاتفاق. يُنظر: التقرير والتحبير على تحرير الكمال بن الهمام (٢/ ٤٠٣)، ويُنظر: الاعتصام، للشاطبي (١/ ٤٨٢).
(٦) أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة (٤٢٥) بتصرف يسير، ويُنظر: فتح المجيد، لعبد الرحمن بن حسن (١٤٢)، التبرك، لناصر الجديع (٢٦٥)، المسائل العقدية المتعلقة بذات النبي ﷺ الشريفة، لفهد الجهني (٦٣٦ - ٦٣٩).
(٧) يُنظر: المراجع السابقة المذكورة آنفًا في حكاية الإجماع.
(٨) يُنظر: فتح المجيد، لعبد الرحمن بن حسن (١٤٢).
[ ٤٩٦ ]
يُجمعوا على تركه، فهم أحرص الناس على فعل الخير (^١).
ومما يؤيد ذلك قول الإمام الشاطبي ﵀: لم يترك النبي ﷺ بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق ﵁، فهو كان خليفته، ولم يفعل به شيء من ذلك، ولا عمر ﵁، وهو كان في الأمة بعده، ثم كذلك عثمان، ثم علي، ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة ﵃، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركًا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها؛ بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيها النبي ﷺ، فهو إذًا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء كلها (^٢).
وكما أكّد على ذلك الحافظ ابن رجب ﵀ بقوله: وكذلك التبرك بالآثار ولما كان يفعله الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم بعضًا، ولا يفعله التابعون مع الصحابة مع علو قدرهم (^٣).
هـ لا يجوز التبرك بآثار الصالحين، قياسًا على النبي ﷺ؛ وذلك سدًّا للذريعة المفضية إلى الشرك (^٤).
وقد علل الإمام الشاطبي ﵀ عدم جواز التبرك بالصالحين سدًّا للذريعة بقوله: لأن العامة لا تقتصر في ذلك على حد؛ بل تتجاوز فيه الحدود، وتبالغ بجهلها في التماس البركة، حتى يداخلها للمتبرك به تعظيم يخرج به عن الحد، فربما اعتقد في المتبرك به ما ليس فيه، وهذا التبرك هو أصل العبادة (^٥).
فالتبرك فتنة للمعظِّم، والمعظَّم، كما قال الحافظ ابن رجب ﵀ في سياق كلامه عن اختصاص النبي ﷺ بالتبرك به وعدم قياس الصالحين عليه قائلًا إن التبرك: فتنة للمعظِّم وللمعظَّم لما يُخشى عليه من الغلو المدخل في
_________________
(١) يُنظر: التبرك، لناصر الجديع (٢٦٥).
(٢) يُنظر: الاعتصام، للشاطبي (١/ ٤٨٢).
(٣) الحِكَم الجديرة بالإذاعة، لابن رجب (٤٦).
(٤) يُنظر: الاعتصام، للشاطبي (١/ ٤٨٣).
(٥) يُنظر: المرجع السابق.
[ ٤٩٧ ]
البدعة، وربما يترقى إلى نوع من الشرك (^١).
وعلى فرضية جواز التبرك بآثار الصالحين؛ تنزلًا مع المخالف نقول (^٢):
١ عدم تحقق الصلاح؛ فإنه لا يتحقق إلا بصلاح القلب، وهذا أمر لا يمكن الاطلاع عليه إلا بنص: كالصحابة ﵃ الذين أثنى الله ﷻ عليهم ورسوله ﷺ، أو أئمة التابعين وغيرهم من الذين تشهد لهم الأمة بالصلاح، وقد عُدم أولئك، أما غيرهم فغاية الأمر أن نظن أنهم صالحون فنرجو لهم ذلك.
٢ حتى لو ظننا صلاح شخص، فلا نأمن أن يُختم له بخاتمة سوء، والأعمال بالخواتيم، فلا يكون أهلًا للتبرك بآثاره على حد قولهم، وتنزلًا لمقالهم.
وبناء على ذلك لا يُقاس التبرك بآثار الصالحين على تبرك الصحابة ﵃ بآثار النبي ﷺ؛ لاختصاص النبي ﷺ بذلك، ولعدم مقاربة أحدٍ للنبي ﷺ فكيف بمساواته بالبركة والفضل! (^٣).
السبب الثاني: الخلط بين بركة الأماكن اللازمة غير المتعدّية وبين بركة الأنبياء الذاتية المتعدية، وعدم التمييز بينهما:
البركة الذاتية المتعدية للأنبياء سبق بيانها وإقرارها (^٤).
أما عن بركة الأماكن فقد جاء في القرآن الكريم أن الله ﷾ بارك في بعض الأراضي والأماكن، كما في قوله تعالى عن البيت الحرام: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ *﴾ [آل عمران].
وكما جاء عن المسجد الأقصى، في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١].
ومعنى كون الأرض مباركة: أن يكون فيها الخير الكثير اللازم الدائم لها
_________________
(١) يُنظر: الحكم الجديرة بالإذاعة، لابن رجب (٤٦).
(٢) يُنظر: تيسير العزيز الحميد، لسليمان بن عبد الله (١٥٠ - ١٥١).
(٣) يُنظر: المرجع السابق (١٥٠)، هذه مفاهيمنا، لصالح آل الشيخ (٢٠٩).
(٤) راجع فضلًا (٨٧ - ٨٨).
[ ٤٩٨ ]
ولأهلها في معايشهم، وأقواتهم، وحروثهم، وغروسهم؛ ليكون ذلك أشجع في ملازمتها والدعوة إليها (^١)، كما أشرت إلى ذلك سابقًا (^٢).
ولا يُفهم من هذه البركة أن يُتَمَسَّح بأرضها، أو بحيطانها؛ لأن بركتها لازمة، ولا تتعدى وتنتقل للذات، وإنما بركتها من جهة المعنى فقط.
فالكعبة مباركة من جهة: تعلق القلوب بها، وكثرة الخير الذي يكون لمن أرادها، وأتاها، وطاف بها، وتعبد لله عندها.
وكذلك الحجر الأسود هو حجر مبارك، ولكن بركته لأجل العبادة، بحيث إن من استلمه تعبدًا مطيعًا للنبي ﷺ في استلامه له، وفي تقبيله، فإنه تناله بركة الاتباع (^٣).
وكما تمت الإشارة أيضًا (^٤) إلى أن تقبيل الحجر الأسود عبادة محضة لله ﷾ امتثالًا للأمر (^٥)، وتأسيًا بالنبي ﷺ صورةً وقصدًا؛ لحصول بركة الثواب، خلافًا لمن يظنُّ أن به بركة حسية؛ فيقبّله ويستلمه، ثم يمسح على سائر بدنه تبركًا بذلك (^٦).
وقد قال أمير المؤمنين عمر ﵁ لما قبّل الحجر الأسود: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك (^٧) بمعنى: أنه لا يجلب لمن قبّله شيئًا من النفع، ولا يدفع عن أحد شيئًا من الضر، وإنما الحامل على التقبيل مجرد الاتِّساء، تعبدًا لله ﷻ، ولذلك قال ﵁: … ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك.
وبناءً على ذلك فإن الأمكنة لا تكون مباركة إلا بدوام الطاعة فيها، وهي
_________________
(١) جامع البيان (١٤/ ٤٤٨).
(٢) تقدّمت الإشارة بإيجاز إلى بركة المسجد الأقصى وفضائله، راجع لطفًا (١٨٢).
(٣) يُنظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد، لصالح آل الشيخ (١٢٤ - ١٢٥).
(٤) راجع فضلًا (١٧٧).
(٥) يُنظر: الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، لمحمد الأمين الهرري (١٤/ ٢١٥).
(٦) يُنظر: القول المفيد، لابن عثيمين (١/ ١٩٦).
(٧) سبق تخريجه راجع فضلًا (١٧٦).
[ ٤٩٩ ]
سبب إعطاء الله البركة، حتى المساجد فإنها مباركة، إلا أن بركتها لا تدوم مع زوال الطاعات عنها (^١).
فهذا معنى البركة التي جُعلت في الأمكنة أنها لا تنتقل للذات، وإنما هي بركة لازمة من جهة المعنى (^٢).
وأن التبرك بالآثار المكانية بالتمسح والتقبيل وسيلة إلى ما هو أعظم (^٣)، من الغلو والتعظيم والتقديس المفضي إلى الشرك وعبادة من دون الله ﷻ.
وقد حذّر العلماء والأئمة الحفاظ من تزيين الشيطان، واغترار الناس وافتتانهم بما يحصل من صلاحٍ أو خيرٍ للمتبرك به، فيرتكس مَنْ لا حظَّ له من الحق في عبادة غير الله باسم التبَرُّك (^٤).
كما أشار إلى ذلك الحافظ أبو شامة ﵀ بقوله: ما قد عَمَّ به الابتلاء، من تزيين الشيطان للعامّة تخليق الحيطان والعُمُد، وسرج مواضع مخصوصة من كل بلد، يحكي لهم حاكٍ أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن شُهِرَ بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك، ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي من بين عيون، وشجر، وحائط، وحجر (^٥).
وكما أرشد الإمام أبو بكر الطرطوشي ﵀ إلى قطع دابر كل أثر يعظمه الناس، في قوله: انظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها، ويرجون البُرْءَ والشفاء من قِبَلها، ويضربون بها المسامير والخِرَق؛ فهي ذات أنواط، فاقطعوها (^٦).
_________________
(١) يُنظر: دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية، لعبد الله الغصن (٣٦٨).
(٢) يُنظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد، لصالح آل الشيخ (١٢٤).
(٣) يُنظر: دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية، لعبد الله الغصن (٣٦٨).
(٤) يُنظر: التبَرُّك المنحرِف، لأكرم عصبان (٤٦).
(٥) الباعث على إنكار البدع والحوادث (٢٥ - ٢٦).
(٦) الحوادث والبدع (٣٨ - ٣٩).
[ ٥٠٠ ]
المطلب الرابع
عواقب التبرك بالآثار
التبرك بالآثار ممنوع شرعًا كما سبق بيانه، ويترتب عليه مفاسد عظيمة، وشرور وخيمة، وآثار سيئة خطيرة، فمن أبرز تلك العواقب ما يلي: (^١)
١ الوقوع في الشرك المنافي للتوحيد أو لكماله.
٢ الابتداع في الدين؛ لعدم ورود دليل من الكتاب والسُّنَّة، يدل على مشروعية التبرك بالآثار، ولم يكن من فعل السلف الصالح ﵃.
٣ الوقوع في الإفك، والكذب؛ للتغرير بالجهال، وإضلال الأجيال، وذلك من خلال:
أ الاستدلال على شرعية التبرك الممنوع بالأحاديث الضعيفة والموضوعة.
ب تحريف النصوص الشرعية، وتحميلها ما لا تحتمل
ج تحديد وتعيين موضع ومكان التبرك زورًا وبهتانًا.
د ادّعاء حصول البركة عند التمسح ببعض القبور، وإجابة الدعوات بها، كما يشيعه دجاجلة السدنة لعوام الناس (^٢).
ولا شك أن التجارب والأخبار ليست هي الوسيلة الصحيحة؛ لمعرفة مشروعية الأعمال الدينية؛ بل الوسيلة الوحيدة المقبولة لذلك الاحتكام للشرع
_________________
(١) يُنظر: التبرك، لناصر الجديع (٤٨٣ - ٤٩٤)، موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب (٢/ ٥٧٣).
(٢) قد يُصدّق العوام هذه الترهات ويذهب ويتوسل ويستغيث بالمقبور أو أي أثر ووثن، ويفتن بإجابة دعائه، وحصول طلبه، وتحقيق مراده بعد وقوعه في شدّة واستغاثته وتوسله بالولي، وهو لا شك استدراج وفتنة يختبر الله ﷾ بها عباده. يُنظر: التوسل، للألباني (٢٣).
[ ٥٠١ ]
المتمثل بالكتاب والسُّنَّة (^١).
٤ يؤدي إلى انتهاك المحرمات، ووقوع كثير من المفاسد، والمنكرات، كإحياء القبور واتخاذها مزارات، ومشاهد، وأعيادًا متكررة.
٥ إضاعة السنن، فما أحدث قوم بدعة، إلا رفع مثلها من السُّنَّة، وما اشتغلت القلوب بالبدع إلا وأعرضت عن السنن؛ لأن القلب لا يشتغل بكلا الضدين.
٦ سرعة انتشار البدع، وتفشيها؛ فالبدعة كالنار تبدأ شرارة ثم تكبر.
* * *
_________________
(١) يُنظر: التوسل، للألباني (٢٤). سبق الرد على من اعتمد على التجارب في تحديد صحة السبب راجع فضلًا (٤٢٤)، ولمعرفة سبب ترويج السدنة لكثير من الخزعبلات انتقل لطفًا (٥٤٣).
[ ٥٠٢ ]
المبحث الثالث
المخالفة المتعلقة بالتوسل بالآثار
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: المراد من التوسل بالآثار.
المطلب الثاني: أقسام التوسل وأحكامه.
المطلب الثالث: أسباب الانحراف في التوسل بالآثار.
المطلب الرابع: عواقب التوسل بالآثار.
[ ٥٠٣ ]
المطلب الأول
المراد من التوسل بالآثار
التوسل لغة:
الواو والسين واللام كلمتان متباينتان، إحدى معانيها: الرَّغْبة والطَّلَب (^١).
ويعرّف بالمعنى العام عند أهل اللغة بأنه: التوصل إلى المراد والسعي في تحقيقه (^٢).
التوسل شرعًا:
التقرب إلى الله بعبادته وطاعته، واتباع أنبيائه ورسله ﵈، فيُتوسل إلى الله بما شرعه من العبادات، وبما جاء به نبيّه محمدًا ﷺ (^٣)، وبكل عمل يحبه الله ويرضاه (^٤)، من الواجبات والمستحبات المشروعة (^٥)، حتى يتوصل إلى رضوان الله والجنة؛ بفعل ما أمر الله ﷻ وترك ما نهى عنه (^٦).
كما أمر بذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *﴾ [المائدة].
_________________
(١) يُنظر: مقاييس اللغة، لابن فارس [ط: دار الفكر] (٦/ ١١٠).
(٢) أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسُّنَّة، لنخبة من العلماء (٥٧).
(٣) يُنظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ١٩٩ - ٢٠١)، منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس، لعبد اللطيف آل الشيخ (٣٣٩)، موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب (٢/ ٨١٥).
(٤) يُنظر: التوصل إلى حقيقة التوسل، لمحمد نسيب الرفاعي (٢٠).
(٥) يُنظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (٨٤).
(٦) يُنظر: قاعدة في الوسيلة، لشيخ الإسلام ابن تيمية (٩)، أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسُّنَّة (٥٧). فائدة: أصل الوسيلة درجة من الجنة، ومنزلة خاصة لا تنبغي إلا لعبد واحد من عباد الله، نسأل الله أن تكون لنبيِّنا محمد ﷺ، كما وصانا ﷺ بالدعاء بعد الأذان قائلًا: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ. فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ». أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه (٢/ ٤/ ح ٣٨٤).
[ ٥٠٤ ]
العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي:
أن التوسل لغة لا يخرج عن معنى التقرّب، أو ما يؤول إليه، وهو كذلك في الشرعي، ولكنه مقيّد فيما يحبه الله ويرضاه (^١).
وقد جاء عن المتأخرين تعريفات مختلفة ومخالفة لمعنى التوسل الشرعي المذكور آنفًا، فما ذكرته هو معنى التوسل الشرعي الصحيح، وأما التوسل بالآثار فهو يدخل تحت معنى آخر بدعي وثالث شركي، وهما كالتالي:
١ الإقسام بالمتوسل به على الله ﷻ (^٢)، بسؤال الله ودعائه بجاه نبيّه، أو بحق عبده الصالح، أو ببركة الصالحين، وهذا هو المراد بالتوسل البدعي الذي جاء عن المتأخرين.
٢ التقرّب إلى الموتى، والتزلّف بهم إلى الله ﷻ (^٣)، بطلب الدعاء، والتضرع، والشفاعة للمتوسل إليه (^٤)، واتخاذه وسيلة؛ لإجابة الدعاء، والاستعانة والاستغاثة بهم، ودعائهم رغبة ورهبة، والذبح لهم والنذر، وتعظيمهم بما لم يشرع في حق مخلوق (^٥)، وهذا هو المراد بالتوسل الشركي الصادر من عبّاد القبور.
* * *
_________________
(١) موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب (٢/ ٨١٥).
(٢) يُنظر: قاعدة في الوسيلة، لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٠).
(٣) يُنظر: التوسل، لعلي أبو لوز (١٢).
(٤) يُنظر: قاعدة في الوسيلة، لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٠).
(٥) يُنظر: منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس، لعبد اللطيف آل الشيخ (١٢٣).
[ ٥٠٥ ]
١ - توسل مشروع
ب - التوسل بالإيمان والتوحيد
ج - التوسل بالأعمال الصالحة
المطلب الثاني
أقسام التوسل وأحكامه
قسّم العلماء التوسل من حيث حكمه إلى قسمين:
١ - توسل مشروع: وهو التقرب إلى الله تعالى بالإيمان والطاعات والأعمال الصالحات، وهو على أنواع: (^١)
أ - التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، مثاله: دعاء الهم والحزن (^٢).
ب - التوسل بالإيمان والتوحيد، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ *﴾ [آل عمران].
ج - التوسل بالأعمال الصالحة؛ كقصة أصحاب الغار الذين انحطت على فم غارهم صخرة من الجبل (^٣).
_________________
(١) يُنظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (٨٦ - ٨٧)، أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسُّنَّة، لنخبة من العلماء (٥٨ - ٦٣)، فتاوى نور على الدرب، لابن باز (١٢٣ - ١٢٥)، التوسل، للألباني (٢٩ - ٤٢)، موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب (٢/ ٨١٧ - ٨١٨).
(٢) قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ، إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حَزَنٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ …». أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الرقائق، ذكر الأمر لمن أصابه حزن أن يسأل الله ذهابه عنه وإبداله إياه فرحًا (٣/ ٢٥٣/ ح ٩٧٢)، والحاكم في مستدركه، كتاب الدعاء والتكبير والتهليل والتسبيح والذكر، دعاء يذهب الهم والحزن (١/ ٥٠٩/ ح ١٨٨٣)، حديث صحيح، يُنظر: التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير (٤/ ٣١٨)، تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي (٤/ ٢٦٠)، فتح الباري شرح صحيح البخاري (١١/ ٢١٨).
(٣) الحديث بطوله أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، حديث الغار (٤/ ١٧٢/ ح ٣٤٦٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب الرقاق، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأْعمال (٨/ ٨٩ - ٩٠ - ٩١/ ح ٢٧٤٣).
[ ٥٠٦ ]
د - التوسل بدعاء الصالحين الأحياء الحاضرين الذين ترجى إجابة دعائهم
٢ - توسل ممنوع
النوع الأول توسل بدعي
١ - التوسل إلى الله بما لم يشرعه من البدع والمحدثات
٢ - سؤال الله ﷾ والإقسام عليه ﷻ بالجاه وبالبركة وبالحرمة وبالحق
د - التوسل بدعاء الصالحين الأحياء الحاضرين الذين ترجى إجابة دعائهم، كتوسل الصحابة بطلب الدعاء من النبي ﷺ وشفاعته في حياته من باب قبول الله دعاءه وشفاعته؛ لكرامته عليه (^١)، وأيضًا كتوسل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بدعاء عم الرسول ﷺ العباس ﵁.
وهذا القسم لا يدخله ولا يتضمنه التوسل بالآثار، إذ التوسل بالآثار مندرج تحت القسم الثاني وهو التوسل الممنوع الآتي بيانه:
٢ - توسل ممنوع: وهو التقرب إلى الله بما لم يثبت شرعًا أنه وسيلة صحيحة، ولا دلّ عليه الكتاب ولا السُّنَّة النبوية الصحيحة، ويتفرع عنه بحسب حكمه نوعين (^٢):
النوع الأول توسل بدعي: وهو التقرب بوسيلة سكت عنها الشرع، مثاله:
١ - التوسل إلى الله بما لم يشرعه من البدع والمحدثات؛ كالتقرب إلى الله ﷻ بإحياء ليلة المولد، والإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وصلاة الرغائب في رجب، وأعياد الجاهلية (^٣)، وغيرها من آثار المواسم الزمانية المبتدعة، التي يعتقد أصحابها أنها أعمال صالحة وهي في الحقيقة محدثة، ولا دليل عليها.
٢ - سؤال الله ﷾ والإقسام عليه ﷻ بالجاه وبالبركة وبالحرمة وبالحق (^٤)؛ كقول القائل: اللَّهُمَّ إني أسألك بجاه نبيّك كذا وكذا، أو كقولهم: اللَّهُمَّ اغفر لي بحق فلان، أو بحرمته، أو بذاته، أو بآثاره (^٥)، أو ببركة آثار
_________________
(١) يُنظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ١٩٩، ٣٠٩).
(٢) يُنظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (٨٦ - ٨٧)، أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسُّنَّة، لنخبة من العلماء (٦٣ - ٦٩)، فتاوى نور على الدرب، لابن باز (١١٣ - ١١٧)، التوسل، للألباني (٤٢ - ٤٩)، فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١/ ١٧٩)، موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب (٢/ ٨١٨ - ٨١٩)
(٣) يُنظر: توطئة كتاب قاعدة في الوسيلة، لعلي الشبل (٢٢ - ٢٣).
(٤) يُنظر: فتاوى نور على الدرب، لابن باز (١/ ١١٥، ١٣٧).
(٥) كما جاء عن البوطي في توسله بالآثار، وردّ المحدّث الألباني على شبهته. يُنظر: التوسل، للألباني (١٣٧ - ١٤٥).
[ ٥٠٧ ]
النوع الثاني توسل شركي
المواسم الزمانية، كأن يقول: أتوسل إليك يا الله ببركة رمضان (^١)، وغيرها من الأسباب أو الوسائل التي لم يرد في الكتاب والسُّنَّة دليلٌ على مشروعيتها.
وهذا النوع من التوسل بدعي محرم عند جمهور أهل العلم، ووسيلة موصلة إلى الشرك (^٢)؛ لعدة اعتبارات، منها (^٣):
١ أنها عبادات وتوسلات بدعية مردودة، لم يشرعها الله ﷾ ولا رسوله ﷺ.
٢ الصحابة ﵃ أعلم الناس بشرع الله وبسُنَّة رسول الله ﷺ، وأصدقهم إيمانًا، وحبًّا، واتباعًا، فلو كان مشروعًا لسبقونا ﵃ إلى القيام به، لا سيما مع قيام الداعي إلى ذلك.
٣ أن جاه الصالح وذاته وآثاره عند الخالق ﷾، ليست كجاه المخلوق وذاته عند مخلوق مثله، حتى يتوصل بذلك لأَنْ يكون لجاه الصالح وذاته أثرٌ على الله ﷻ.
٤ أنه تحكّم على الله ﷻ وسوء أدب وقلة إيمان، وإلا فمن أين نعلم أن جاه فلان وذاته لها على الله حق وأثر، أو تستوجب عليه شيئًا، فليس للمخلوق على الله ﷻ حق إلا ما أوجبه هو ﷾ على نفسه، وليس من ذلك ذوات الصالحين أو جاههم وآثارهم.
٥ لا مناسبة بين منزلة المخلوق وجاهه، وبين طلب الدعاء بجاهه؛ إذ تصح المناسبة لو دعا صاحب ذلك الجاه نفسه ربه ومولاه.
النوع الثاني توسل شركي: وهو التقرب بوسيلة نهى عنها الشرع مثل أن يتقرب فيه المتوسِل إلى المُتوسل به بشيء من أنواع العبادة؛ كاتخاذ الآثار وسائط بين الخالق والمخلوقين، ومن صورها:
١ - التقرب إلى الآثار من الأصنام، والأوثان، والقبور، بطلب الحوائج منهم.
_________________
(١) شهر رمضان ليس عمل للعبد، وإنما هو شهر جعل الله فيه البركة، والصحيح أن يقول: اللَّهُمَّ إني أسألك بصيامي وبقيامي أن تغفر لي؛ أي: أن المسلم يتوسل بأعماله الطيبة في رمضان، ولا يتوسل بشهر رمضان. يُنظر: فتاوى نور على الدرب، لابن باز (٢/ ١٤٨).
(٢) يُنظر: فتاوى نور على الدرب، لابن باز (١٤٨).
(٣) يُنظر: توطئة المحقق: علي الشبل على كتاب قاعدة في الوسيلة، لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢١ - ٢٢).
[ ٥٠٨ ]
٢ - دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، والذبح والنذر لهم وغيرها من الأعمال الشركية، وما كان عليه أهل الجاهلية.
قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ *﴾ [الزمر]؛ أي: أنهم اتخذوهم وسيلة بدعائهم، وسؤالهم، وطلب الشفاعة منهم، وزعموا أنهم بهذا يكونون لهم وسيلة إلى مقاصدهم، وأن هذه المعبودات تشفع لهم عند الله ﷻ، وتقربهم إلى الله زلفى.
فأبطل الله دين المشركين، ووصفهم ﷻ بأنهم كَذَبة في قولهم؛ لزعمهم: أنها تقربهم إلى الله زلفى، وكفرة في فعلهم بدعائهم، والاستغاثة بهم، ونذرهم لهم، ونحو ذلك من الأعمال الشركية التي يقومون بها عند بعض الآثار اعتقادًا منهم أنها وسيلة توصلهم لمقاصدهم (^١).
قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ *﴾ [يونس].
ولا شك أن هذا التوسل الحاصل عند بعض الآثار واتخاذ الوسائط من الشرك الأكبر، المخرج من الملّة (^٢).
كما أثبت ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تعليقه على قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ *﴾ [آل عمران] بقوله: أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين (^٣).
_________________
(١) يُنظر: فتاوى نور على الدرب، لابن باز (١/ ١١٣).
(٢) يُنظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ١٢٤).
(٣) المرجع السابق.
[ ٥٠٩ ]
المطلب الثالث
أسباب الانحراف في التوسل بالآثار
التوسل من المسائل التي حصل فيها خلط ولبس، واضطراب في أفهام الناس؛ بسبب ما يتعرض له لفظ التوسل ومعناه من إجمال واشتباه، واشتراك (^١).
وهذا ناتج عن قلة العلم بالكتاب والسُّنَّة، وفهم سلف الأمة، ولغة العرب، وأيضًا قد يكون ناتجًا عن اتباع الهوى؛ لتحقيق أهداف شخصية من قِبل بعض دعاة الضلالة.
فمن أبرز أسباب الانحراف في مسألة التوسل الخلط بينه وبين غيره من المسائل؛ الناتج عن القياس الباطل، وذلك على النحو التالي:
١ قياس التوسل على التبرك المشروع.
٢ قياس التوسل على الاستغاثة.
٣ قياس التوسل على الشفاعة المشروعة.
أولًا: قياس التوسل على التبرك المشروع:
ذهب المخالفون لأهل السُّنَّة، إلى أن التوسل والتبرك معناهما واحد، وهو التماس الخير والبركة، عن طريق التوسل بالأثر ورجاء الحصول على الخير الدنيوي والأخروي (^٢)، ولا شك أن مذهبهم باطل؛ لقياسهم التوسل على التبرك بالآثار المنفصلة عن جسد النبي ﷺ، ويمكن إجماله في الآتي (^٣):
_________________
(١) يُنظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (٨٤).
(٢) يُنظر: موسوعة العلامة الألباني في العقيدة (٣/ ٩٠٦).
(٣) يُنظر: التوسل، للألباني (١٤١ - ١٤٢) وكذلك المرجع السابق (٣/ ٧٢٩، ٩٠٧).
[ ٥١٠ ]
١ وجود جملة من الفروق والاختلافات والتي منها:
أ أن التبرك بالآثار المحسوسة يرجى بها شيئًا من الخير الدنيوي فحسب، بخلاف التوسل الذي يرجى به الخير الدنيوي والأخروي.
ب التبرك يستلزم حضور الشيء المتبرك به، أما التوسل لا يستلزم حضور المتوسل به.
ج أن التبرك هو التماس الخير العاجل، بخلاف التوسل الذي هو مصاحب للدعاء ولا يستعمل إلا معه (^١).
وعليه يتبين الفرق بين التوسل والتبرك فلا يصح قياسهما.
٢ على افتراض أنهما سواء، ولا فرق بينهما، فلا يشرع التوسل، إذ إن للتبرك صورًا ليست جائزة مطلقا، وله أحكامه الخاصة التي سبق بيانها.
ثانيًا: قياس التوسل على الاستغاثة:
يتوسل بعض الناس إلى الأصنام والأوثان والمقبورين والأشجار وغيرها من الآثار؛ بحجة أن التوسل يشبه الاستغاثة الجائزة، ولا شك في خلطهم وفساد رأيهم، فمن أبرز الأمور التي تبين بطلان قياسهم، ما يلي (^٢):
١ وجود جملة من الفروق بين التوسل والاستغاثة والاختلافات التي تبين بطلان القياس بينهما، منها:
أ المُتَوسّل به لا يُدعى ولا يُطلب منه ولا يُسأل، وإنما يُطلب به،
_________________
(١) بيان ذلك: أنه يشرع للمسلم أن يتوسل في دعائه باسم من أسماء الله الحسنى، ويطلب بها تحقيق ما شاء من قضاء حاجة دنيوية كدعاء الشفاء من المرض، أو أخروية كدعاء دخول الجنة، فيقول مثلًا: اللَّهُمَّ إني أسألك وأتوسل إليك بأنك أنت الله الأحد، الصمد، أن تشفيني أو تدخلني الجنة …، بينما لا يجوز لهذا المسلم أن يفعل ذلك حينما يتبرك بأثر من آثاره ﷺ، فهو لا يستطيع ولا يجوز له أن يقول مثلًا: اللَّهُمَّ إني أسألك وأتوسل إليك بثوب نبيك أو شعره أو … أن تغفر لي وترحمني …، ومن يفعل ذلك فإنه يعرّض نفسه من غير ريب ليشك الناس في عقله وفهمه فضلًا عن عقيدته ودينه. يُنظر: موسوعة العلامة الألباني في العقيدة (٣/ ٧٢٩).
(٢) يُنظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٠١ - ١٠٧)، منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس، لعبد اللطيف آل الشيخ (١٢٠)، موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب (٢/ ٨٢٢ - ٨٢٣).
[ ٥١١ ]
وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به، هذه هي صورة التوسل.
وأما الاستغاثة فهي طلب من المستغاث، لا به؛ أي: جعل المستغاث به هو فاعل المطلوب، مثلًا: لا يقال: استغثت إليك يا فلان بفلان أن تفعل لي كذا، وإنما صورة الاستغاثة: اغثني يا فلان بكذا.
ب أن من سأل بالنبي ﷺ لا يكون مخاطبًا له ولا مستغيثًا به؛ لأن قول السائل: أتوسل إليك يا إلهي بفلان، إنما هو خطاب لله ﷻ لا لذلك المتوسل به، بخلاف المستغاث به، فإنه مخاطب مسؤول مباشرة، فإن كان المطلوب لا يقدر عليه إلا الله وجب أن يكون المدعو هو الله وحده، ولم يجز صرف ذلك لغيره ﷾.
ج أن لفظ الاستغاثة في الكتاب والسُّنَّة وكلام العرب إنما هو مستعمل في معنى الطلب من المستغاث به مباشرة، لا بمعنى أن يكون المستغاث به وسيلة.
فقول القائل: أستغيث به بقصد: أتوسل بجاهه، هذا كلام لم ينطق به أحد من الأمم، ولا يوجد في لغة العرب لا حقيقةً ولا مجازًا.
د أن التوسل بسؤال الله بآثار المخلوقين أو حقهم بدعة منكرة، والاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك أكبر.
وعليه يتبين الفرق بين التوسل والاستغاثة فلا يصح قياسهما.
٢ على افتراض أنهما سواء، ولا فرق بينهما، فلا يشرع التوسل؛ لأن الاستغاثة بالغائب، أو غير القادر شرك.
ثالثًا: قياس التوسل على الشفاعة المشروعة:
يتوسل بعض الناس إلى الأصنام والأوثان والمقبورين والأشجار وغيرها من الآثار؛ بحجة أن التوسل يشبه الشفاعة المشروعة، ولا شك في فساد قياسهم، وخلطهم بينهما.
ومما يبين فساد قياسهم وبطلانه أن الشفاعة بالنبي ﷺ تنقسم إلى قسمين:
١ - حال حياته ﷺ.
[ ٥١٢ ]
١ - طلب الشفاعة من النبي ﷺ حال حياته
٢ - بعد موته ﷺ.
ويمكن تفصيل ذلك في الآتي (^١):
١ - طلب الشفاعة من النبي ﷺ حال حياته، جائز بالنص والإجماع، وقد وقع في حياته ﷺ أنه إذا جاء السائل أو طُلبت إليه حاجة، قال: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ ما شَاءَ» (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأجمع أهل العلم على أن الصحابة ﵃ كانوا يستشفعون به في حياتهم ويتوسلون به في حضرته (^٣).
وهذه انتهت بموته ﷺ ولذا لا يصح الاستدلال بهذا على جواز التوسل به بعد موته ﷺ.
٢ - طلب الشفاعة من النبي ﷺ بعد موته، في فترتين:
الفترة الأولى: يوم القيامة.
الفترة الثانية: دار البرزخ.
وهذا التفصيل يتميز به الحق من الباطل والسُّنَّة من البدعة، وبيانه فيما يلي:
١ طلب الشفاعة من الرسول ﷺ يوم القيامة: ثابت في النصوص الشرعية أن الناس يطلبونها منه ﷺ كما في حديث الشفاعة الطويل، وفيه قوله ﷺ: «… فَيَأْتُونِي فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، وَغَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ …» (^٤).
واستشفاع الناس بالنبي ﷺ في هذا المقام يوم القيامة حكمه كحكم
_________________
(١) يُنظر: موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب (٢/ ٨٢١ - ٨٢٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها (٢/ ١١٣/ ح ١٤٣٢)، ومسلم في صحيحه كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام (٨/ ٣٧/ ح ٢٦٢٧)، واللفظ للبخاري.
(٣) يُنظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ٣١٤)، وكذلك تلخيص كتاب الاستغاثة (١/ ٣٨٩).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب ذرية من حملنا مع نوح … (٦/ ٨٤/ ح ٤٧١٢)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٢٧/ ح ١٩٤).
[ ٥١٣ ]
استشفاعهم وتوسلهم به في حال حياته، فإنهم يطلبون منه يوم القيامة أن يشفع لهم إلى الله تعالى كما كانوا في الدنيا يطلبون منه أن يدعو لهم في الاستسقاء وغيره.
٢ إن كان طلب الشفاعة بعد موته ﷺ؛ أي: في حال الحياة البرزخية فهذا لا يجوز بل هو من البدع المحدثة، والعقائد المنكرة، ولا دليل عليه، لا من كتاب ولا سُنّة ولا فعل الصحابة والتابعين من سلف الأمة وأئمتها ﵃، وعليه لا يصح الاستدلال بهذا على جواز التوسل؛ إذ كلا الأمرين لا يجوز ولا دليل عليهما.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض كلامه عن التوسلات التي تحصل عند القبر، وفيمن أطلق لفظ التوسل على الشفاعة: العامة الذين يستعملون لفظ الشفاعة في معنى التوسل، فيقول أحدهم: اللَّهُمَّ إنا نستشفع إليك بفلان وفلان؛ أي: نتوسل به. ويقولون لمن توسل في دعائه بنبي أو غيره قد تشفع به من غير أن يكون المستشفع به شفع له ولا دعا له؛ بل وقد يكون غائبًا لم يسمع كلامه ولا شفع له وهذا ليس هو لغة النبي ﷺ وأصحابه وعلماء الأمة؛ بل ولا هو لغة العرب فإن الاستشفاع طلب الشفاعة. والشافع هو الذي يشفع السائل فيطلب له ما يطلب من المسؤول المدعو المشفوع إليه.
وأما الاستشفاع بمن لم يشفع للسائل ولا طلب له حاجة بل وقد لا يعلم بسؤاله فليس هذا استشفاعًا لا في اللغة ولا في كلام من يدري ما يقول: نعم هذا سؤال به ودعاؤه ليس هو استشفاعًا به. ولكن هؤلاء لما غيروا اللغة كما غيروا الشريعة وسموا هذا استشفاعًا؛ أي: سؤالًا بالشافع صاروا يقولون استشفع به فيشفعك؛ أي: يجيب سؤالك به وهذا مما يبين أن هذه الحكاية وضعها جاهل بالشرع واللغة (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ٢٤٢). فائدة عن الفرق بين التوسل والوسيلة والمتوسِّل: يقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: الفرق بين التوسل، والوسيلة، والمتوسِّل هو أن: التوسل: دعاء المسلم، والوسيلة: الإيمان والتقوى والأسماء الحسنى والأعمال الصالحة. والمتوسِّل المسلم، فالتوسل دعاؤه، والوسيلة ما دعا به. اه .. فتاوى نور على الدرب (١/ ١٣٠).
[ ٥١٤ ]
وعليه؛ فلا يصح الاستدلال بهذا على جواز التوسل، للفرق بين الحالين، فطلب الشفاعة منه يوم القيامة يكون فيه حاضرًا قادرًا، بينما التوسل به في الدنيا بعد موته فغير حاضر ولا قادر.
والخلاصة: أنه لا يصح الاستدلال بالشفاعة به ﷺ في:
١ حياته على جواز التوسل به؛ إذ إنها انتهت بموته ﷺ.
٢ يوم القيامة على جواز التوسل به، للفرق بين الحالين، فطلب الشفاعة منه يوم القيامة يكون به حاضرًا قادرًا، بينما التوسل به في الدنيا بعد موته فغير حاضر ولا قادر.
٣ حال البرزخ على جواز التوسل به؛ إذ كلا الأمرين لا يجوز ولا دليل عليه.
فالأصل أن التوسل يكون بالإيمان والدعاء، والعمل الصالح لا بالذات والآثار، وأن التوسل المتعلق بالنبي ﷺ لم يثبت منه إلا دعاؤه ﷺ وأما التوسل بآثاره أو جاهه فلم يثبت منه شيء ألبتة، لا في كتاب ولا سُنَّة (^١).
* * *
_________________
(١) يُنظر: التوسل، للألباني (١٤٣).
[ ٥١٥ ]
١ - التوسل البدعي وسيلة للوقوع في الشرك الأكبر
٢ - الوقوع في البدع المنكرة، وذلك بإدخال صور من التوسل الممنوع ضمن التوسل المشروع
المطلب الرابع
عواقب التوسل بالآثار
تقدّم بيان أن التوسل بالآثار ممنوع شرعًا، ويترتب على فاعله آثار وخيمة، وعواقب وبيلة، فمن أبرز تلك الآثار والعواقب ما يلي (^١):
١ - التوسل البدعي وسيلة للوقوع في الشرك الأكبر، وهذا مشاهد ومعلوم من عبّاد القبور والعاكفين على الآثار، إذ إنهم لما ادّعو جواز التوسل بآثار الأنبياء، والصالحين، والعظماء، والإقسام بهم على الله، أدّى بهم ذلك إلى جواز دعائهم، والاستغاثة بهم في الملمات، وغيرها من العبادات التي لا تصرف إلا لله وحده لا شريك له، بدعوى اقتصارهم على التوسل المشروع على حد زعمهم.
٢ - الوقوع في البدع المنكرة، وذلك بإدخال صور من التوسل الممنوع ضمن التوسل المشروع مثل: السؤال بجاه المخلوق أو بآثاره، فإن هذا من البدع التي لم ترد إلا عن المخالفين لأهل السُّنَّة، وهذا يؤدي إلى سخط الله ﷻ، وغضبه، وأليم عقابه نسأل الله السلامة والعافية.
* * *
_________________
(١) يُنظر: موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب (٢/ ٨٢٣).
[ ٥١٦ ]
المبحث الرابع
أبرز صور المخالفات التعبدية المترتبة على إحياء الآثار
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: أبرز صور المخالفات التعبدية في الآثار النبوية.
المطلب الثاني: أبرز صور المخالفات التعبدية في الآثار الدينية.
المطلب الثالث: أبرز صور المخالفات التعبدية في آثار الأمم الهالكة والآثار الوثنية والجاهلية.
المطلب الرابع: أبرز صور المخالفات التعبدية في آثار القبور والمشاهد.
[ ٥١٧ ]
المبحث الرابع
أبرز صور المخالفات التعبدية المترتبة على إحياء الآثار
الأقوال والأعمال والاعتقادات التعبدية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالشرع، بحيث إن المسلم لا يقوم بأي نوع من أنواع العبادة إلا بدليل من الكتاب أو السُّنَّة الصحيحة.
فإذا قام المسلم بعبادةٍ من غير مستند ولا دليل شرعي فإن ذلك العمل مخالفٌ للسنة ويدخل في حكم البدعة، ولا يقتصر الخطأ في ذلك العمل على عدم صحته، وعدم قبوله بل يترتب عليه الوزر والإثم.
فتحدث عند بعض الآثار أنواعٌ من العبادات: القولية، أو الفعلية، أو القلبية، وقد تصدر كلها في آن واحد، بمختلف صور التعبد والتقرب إلى الله، سواء كانت عبادات لم يرد دليل على ثبوتها، أو أنها ثابتٌ أصلها بالدليل الشرعي لكن حصل فيها تغيير وغلو وتبديل أخرجتها عن هيئتها الشرعية الثابتة بالنص الشرعي.
وعليه؛ فإن كثيرًا من الأعمال التي تفعل عند تلك الآثار، ويراد بها التقرب إلى الله تُعدّ أعمالًا بدعية؛ بل قد تصل إلى الشركيات.
وبسط هذا المبحث يبين جملة من تلك العبادات والسلوكيات الصادرة عن العبد تجاه الآثار، والتي سيتم عرضها في المطالب التالية:
المطلب الأول: أبرز صور المخالفات التعبدية في الآثار النبوية.
المطلب الثاني: أبرز صور المخالفات التعبدية في الآثار الدينية.
المطلب الثالث: أبرز صور المخالفات التعبدية في آثار الأمم الهالكة والآثار الوثنية والجاهلية.
المطلب الرابع: أبرز صور المخالفات التعبدية في آثار القبور والمشاهد.
[ ٥١٨ ]
المطلب الأول
أبرز صور المخالفات التعبدية في الآثار النبوية
بسط هذا المطلب في المسائل التالية:
المسألة الأولى: أبرز صور المخالفات التعبدية في الآثار الحديثية المروية.
المسألة الثانية: أبرز صور المخالفات التعبدية في الآثار المنفصلة عن جسد النبي ﷺ.
المسألة الثالثة: أبرز صور المخالفات التعبدية في آثار مقامات النبي ﷺ المكانية.
المسألة الأولى: أبرز صور المخالفات التعبدية في الآثار الحديثية المروية:
كتابة بعض الآثار الحديثة المروية من الأذكار والأدعية المباحة على ورق أو جلد ونحوهما، أو جعلها في تمائم (^١) وحروز وحجب يُتبرك بها ويُعتقد أنها تدفع العين والشر، وتجلب الخير والبركة من خلال تعليقها.
_________________
(١) التمائم: جمع تميمة وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم فأبطلها الإسلام. يُنظر: النهاية في غريب الأثر، لابن الأثير (١/ ١٩٧). تنبيه: بعض الناس يقول: إنما أعلق هذه الأشكال التي تشبه التمائم للزينة، ولا أستحضر هذه المعاني المحظورة، فنقول: إن علق التمائم لدفع الضر، واعتقد أنها سبب لذلك: فيكون قد أشرك الشرك الأصغر، وإن علقها للزينة فهو محرم؛ لأجل مشابهته من يشرك الشرك الأصغر، فدار الأمر إذًا على النهي عن التمائم كلها، سواء اعتقد فيها أو لم يعتقد؛ لأن حاله إن اعتقد أنها سبب: فهو شرك أصغر، وإن لم يعتقد: فيكون قد شابه أولئك المشركين، وقد قال ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم». التمهيد لشرح كتاب التوحيد، لصالح آل الشيخ (١/ ١٤٢).
[ ٥١٩ ]
وقد قال رسول الله ﷺ: «مَنْ عَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ» (^١)، وقال ﷺ: «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ» (^٢)، فالنبي ﷺ جعلها شركًا؛ لأنهم أرادوا بها دفع الأذى والمقادير المكتوبة عليهم من غير الله الذي هو دافعه (^٣)، وقيل: «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ عَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ» (^٤).
هذه صورة من صور المخالفات التعبدية المحرمة المنتشرة، فإذا منعت هذه الصورة التي هي: كتابة الآثار المروية الشرعية وتعليقها؛ لأجل دفع الضر، فمن باب أولى تحريم ما يكون من أدعية شركية، وطلاسم سحرية.
المسألة الثانية: أبرز صور المخالفات التعبدية في الآثار المنفصلة عن جسد النبي ﷺ وما أُلحق بها:
١ التوسل بما يُزعم أنه من الآثار المنفصلة عن جسد النبي ﷺ وما أُلحق بها (^٥).
٢ إظهار الذل والخضوع، والتقديس والتمسح بها وتقبيلها، والاستغاثة بها (^٦)؛ اعتقادًا منهم بأنها تجلب النفع وتدفع الضر، وأن فيها النجاة من
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير، مسند من يعرف بالكنى، أبو معبد الجهني (٢٢/ ٣٨٥/ ح ٩٦٠)، والحاكم في مستدركه، كتاب الطب، من تعلق شيئًا وكل إليه (٤/ ٢١٦/ ح ٧٥٩٨)، والترمذي في جامعه، أبواب الطب عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في كراهية التعليق (٣/ ٥٨٥/ ح ٢٠٧٢)، حسنه الألباني في غاية المرام (١٨١/ ح ٢٩٧).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، مسند الشاميين ﵃، حديث عقبة بن عامر الجهني عن النبي ﷺ (٧/ ٣٨٨٠/ ح ١٧٦٩٤)، والحاكم في مستدركه، كتاب الطب، أمسك النبي عن بيعة رجل في عضده تميمة (٤/ ٢١٩/ ح ٧٦٠٨)، صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٨٨٩/ ح ٤٩٢).
(٣) يُنظر: النهاية في غريب الأثر، لابن الأثير (١/ ١٩٨).
(٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الرقى والتمائم، ذكر الزجر عن تعليق التمائم التي فيها الشرك بالله ﷻ (١٣/ ٤٥٠/ ح ٦٠٨٦)، والحاكم في مستدركه، كتاب الطب، إذا رأى أحدكم من نفسه أو أخيه ما يحب فليبرك (٤/ ٢١٦/ ح ٧٥٩٦)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٣/ ٤٢٧/ ح ١٢٦٦).
(٥) كما جاء عن البوطي في توسله بالآثار، حيث ردّ العلامة المحدّث ناصر الدين الألباني ﵀ على شبهته. يُنظر: التوسل، للألباني (١٣٧ - ١٤٥).
(٦) يُنظر: أسرار الآثار النبوية، لأبي الفضل الحسيني الصوفي (٧٣ - ٧٥)، سلوة الأنفاس، للكتاني (٣٩١ - ٣٩٢).
[ ٥٢٠ ]
المهالك، والشفاء من الأوجاع والأمراض، والحرز من الشيطان، والنفع للمضطر، والأمان من البغاة، وطلب البركة، وغير ذلك، مع أن تلك الآثار لم تثبت بسند صحيح (^١).
المسألة الثالثة: أبرز صور المخالفات التعبدية في آثار مقامات النبي ﷺ المكانية:
١ شد الرحال أو إنشاء السير للمقام بالزيارة معتقدًا فضل المكان وبركته.
٢ قصد الصلاة في مواضع مقامات النبي ﷺ، وقراءة القرآن عندها.
٣ صعود جبل النور وجبل ثور، ودخول غار حراء وغيرها من الجبال والغيران المرتبطة بمقامات النبي ﷺ؛ اعتقادًا منهم ببركة المكان وأن له فضيلة، فيدعون الله عنده، ويتمسحون ويتبركون ويستغيثون به.
٤ ربط الخرق وعقد الخيوط ونحوها، وتعليقهما على الأشجار والأحجار وغيرها من الآثار تبركًا بها، أو اعتقادًا بأنها تجلب النفع، وتدفع الضر، وتحقق الحاجات.
٥ بناء المساجد والقباب على المواضع التي يُعتقد أنها من مقامات النبي ﷺ، كأن يكون مرّ بها أو مكث أو صلى عندها عرضًا (^٢).
* * *
_________________
(١) يُنظر: سلوة الأنفاس، للكتاني (٣٩٢).
(٢) يُنظر: تاريخ مكة، لأبي البقاء المكي (١٨٤ - ١٩٠).
[ ٥٢١ ]
المطلب الثاني
أبرز صور المخالفات التعبدية في الآثار الدينية
بسط هذا المطلب في المسألتين التاليتين:
المسألة الأولى: أبرز صور المخالفات التعبدية في آثار المواسم الزمانية.
المسألة الثانية: أبرز صور المخالفات التعبدية في آثار المساجد وأماكن التعبد.
المسألة الأولى: أبرز صور المخالفات التعبدية في آثار المواسم الزمانية:
١ التوسل إلى الله بإحياء ليلة المولد، والإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وصلاة الرغائب في رجب، وأعياد الجاهلية (^١)، وغيرها من آثار المواسم الزمانية المبتدعة.
٢ إحياء ذكرى مولد النبي ﷺ وموالد آل البيت: كمولد عليّ بن أبي طالب، وفاطمة، والحسن، والحسين ﵃ والاحتفال بهم.
واشتمال تلك الاحتفالات على البدع والشرك؛ كالاستغاثة والنداء وطلب المدد، وإنشاد القصائد الشركية المغالية في وصفه وإطرائه (^٢).
٣ إحياء ليلة أوّل رجب، وليلة نصفه، وكذلك ليلة السابع والعشرين
_________________
(١) يُنظر: توطئة كتاب قاعدة في الوسيلة، لعلي الشبل (٢٢ - ٢٣).
(٢) يُنظر: المورد في عمل المولد، لأبي حفص تاج الدين الفاكهاني (٥ - ١٤)، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (٢/ ٤٣٦)، إنكار الاحتفال بالمولد النبوي، لمحمد بن إبراهيم آل الشيخ (١٥ - ٥٤)، الرد القوي على الرفاعي والمجهول وعلوي وبيان أخطائهم في المولد النبوي، لحمود التويجري (٦٥ - ٧٢)، الاحتفال بالمولد بين الاتباع والابتداع، لمحمد بن شقير (٩١٩)، التحذير من البدع، لابن باز (١١).
[ ٥٢٢ ]
من رجب التي يعتقدون بأنها ليلة الإسراء والمعراج، وإحياء أغلب أيامه ولياليه بالصيام والقيام والاعتكاف، وأداء العمرة فيه، والزيارة والعتيرة الرجبية (^١).
٤ إحياء أوّل ليلة من شعبان، وكذلك ليلة النصف منه بالصلاة.
٥ إحياء ليلة رمضان وسماط رمضان، وليلة الختم (^٢)، والاحتفال بليلة النصف من رمضان بما يسمى ويشتهر باسم: القرقيعان الذي يقومون به بتوزيع الحلوى والمال على الأطفال (^٣).
٦ التوسل إلى الله ببركة رمضان (^٤).
٧ إحياء يوم عاشوراء بإظهار الفرح أو الترح (^٥).
٨ إحياء الأيام التي جرت فيها حادثة متعلقة بالسيرة النبوية كالهجرة النبوية، أو انتصارات المسلمين في الغزوات.
٩ إحياء الذكرى الأربعينية للموتى، وخاصة العلماء والعظماء، وبعضهم لا يلتزم بمرور أربعين يومًا بل بعد موته بسنة أو أكثر؛ لتجديد الأحزان، والإعلان عن ذلك بإقامة مأتم، والاجتماع على ختم القرآن، وإهداء ثوابه للميت (^٦).
_________________
(١) تقدّم التعريف بالعتيرة الرجبية؛ لمعرفة معناها راجع لطفًا (١٥٩)، ويُنظر: البدع الحولية (٢٢٠ - ٢٦٧).
(٢) حيث ذكر المقريزي كثيرًا من الأعياد التي يحيها الناس مثل: إحياء عيد الغدير، ويوم النيروز، ويوم الغطاس، ويوم الميلاد، وموسم كسوة الشتاء، وكسوة الصيف، وموسم فتح الخليج، وخميس العدس. يُنظر: المواعظ والاعتبار (٢/ ٤٣٦).
(٣) يُنظر: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، المجموعة الثانية (٢/ ٢٥٩).
(٤) شهر رمضان ليس عمل للعبد، وإنما هو شهر جعل الله فيه البركة، والصحيح أن يقول: اللَّهُمَّ إني أسألك بصيامي وبقيامي أن تغفر لي؛ أي: أن المسلم يتوسل بأعماله الطيبة في رمضان، ولا يتوسل بشهر رمضان. يُنظر: فتاوى نور على الدرب، لابن باز (٢/ ١٤٨).
(٥) النواصب يحيون عاشوراء بالفرح والسرور، واتخاذه موسمًا كمواسم الأعياد والأفراح، وفي المقابل الرافضة يحيونه بإقامة المآتم؛ لإظهار الأحزان والأتراح، كلاهم انحرفوا عن السُّنَّة، وجانبوا الصواب، وضلوا عن الصراط. يُنظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٥/ ٣١٠).
(٦) يُنظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، المجموعة الأولى (٩/ ١٥٤).
[ ٥٢٣ ]
وغيرها من احتفالات المواسم الزمانية الكثيرة المحدثة التي ليس لها أصل، ولم يخصصها الشرع بمزية أو فضيلة؛ بل هي مخالفة للشرع، ومن البدع المنهي عنها.
المسألة الثانية: أبرز صور المخالفات التعبدية في آثار المساجد وأماكن التعبد:
١ التمسح بجدار الكعبة وإلصاق الوجه واليدين في غير الملتزم، والتبرك بما يسمى ب: العروة الوثقى (^١)، وسرة الدنيا (^٢)، وبثوب الكعبة وأستارها، وأخذ قطعة من قماشه الذي كُسيت به، والاحتفاظ بها، والتبرك بالماء الذي تغسل به الكعبة، أو المطر النازل من ميزاب الرحمة من الكعبة، ومسح حلقات أبواب المسجد الحرام، والجدران؛ للاستشفاء، وطلب البركة (^٣).
٢ تقبيل جوانب الكعبة والركنين الشاميين ومقام إبراهيم والتمسح بهم (^٤).
٣ الاعتقاد بأن استلام الركن اليماني والحجر الأسود للتبرك لا للتعبد (^٥).
_________________
(١) هو موضع عال من جدار البيت المقابل لباب البيت تزعم العامة أن من ناله بيده فقد استمسك بالعروة الوثقى! يُنظر: مناسك الحج والعمرة، للألباني (٥٢).
(٢) يقول ابن الحاج ﵀ في كتابه المدخل (٤/ ٢٤٣): سَمَّوهُ: «سرة الدنيا»، يكشف أحدهم عن سرّته ويتبطح بها على ذلك الموضع حتى يكون واضعًا سرته على سرة الدنيا، فمن لم يكشف عن سرته ويضعها عليه وإلا وقع في زيارته الخلل على زعمهم، وهو مسمار يقع في وسط البيت. اه. وقد أشار الشيخ بكر أبو زيد ﵀: إلى أنه لما وقع منذ قرون الافتتان بالمسمار المسمى ب: «سرة الدنيا» أُزيل ولله الحمد من ذلك الوقت. يُنظر: جبل إلال بعرفات تحقيقات تاريخية شرعية (٧٧).
(٣) يُنظر: مناسك الحج والعمرة، للألباني (٥٢)، وحجة النبي ﷺ كما رواها عنه جابر ﵁، للألباني (١١٦)، والسنن والمبتدعات، لمحمد الشقيري (١٧١) والبدع والمحدثات، وما لا أصل له (٣٩٦ - ٣٩٨).
(٤) يُنظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٥٢٤).
(٥) يُنظر: القول المفيد، لابن عثيمين (١/ ١٩٦).
[ ٥٢٤ ]
٤ قصد الطواف تحت المطر بزعم أن من فعل ذلك غفر له ما سلف من ذنبه (^١).
٥ الخروج على القهقرى من المسجد الحرام بعد طواف الوداع، أو بعد السلام على رسول الله ﷺ من المسجد النبوي؛ يرجع على قفاه، يزعم أنه يتحاشى بذلك تولية الكعبة أو قبر الرسول ﷺ ظهره، وهذا الفعل ليس من البر والإحسان، وليس من الأدب والتعظيم بل من البدعة والغلو (^٢).
٦ الدعاء الجماعي في الطواف والسعي، ورفع الصوت فيهما (^٣)؛ لما في ذلك من التشويش على المصلين والذاكرين (^٤).
٧ تخصيص أدعية لم يخصصها الشرع؛ كتحديد دعاء عند المقام أو في الطواف عند ميزاب الكعبة أو في كل شوط من أشواط السعي، وغيرها من المواضع (^٥).
٨ التمسح بالحجرة النبوية، والتبرك بالمصحف والمنبر والجدران (^٦).
٩ الطواف حول قبة الصخرة في بيت المقدس، وهي بدعة قديمة منكرة ذكرها عدد من العلماء المتقدمين وما زالت موجودة إلى وقتنا الحاضر (^٧).
_________________
(١) يُنظر: حجة النبي ﷺ كما رواها عنه جابر ﵁، للألباني (١١٦).
(٢) يُنظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٢/ ٤٧).
(٣) يُنظر: فقه العبادات، لابن عثيمين (٣٥٦)، فتاوى الشيخ صالح بن فوزان الفوزان (٢/ ٣٠)، نقلًا من كتاب البدع والمحدثات، وما لا أصل له (٣٩٨ - ٣٩٩).
(٤) يُنظر: المباحث العقدية المتعلقة بالمدينة النبوية، لألطاف الرحمن بن ثناء الله (٤٤٨ - ٤٤٩).
(٥) يُنظر: مناسك الحج والعمرة، للألباني (٥٢)، وفتاوى الشيخ صالح بن فوزان الفوزان (٢/ ٣٠) نقلًا من البدع والمحدثات، وما لا أصل له (٣٩٦ - ٣٩٨).
(٦) يُنظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٥٢٤)، المدخل، لابن الحاج (١/ ٣٠٨).
(٧) يقول أ. د. حسام الدين بن عفانة المدرس حاليًّا في جامعة القدس: بدعة الطواف بالصخرة بدعة قديمة ذكرها عدد من العلماء المتقدمين وما زالت موجودة إلى وقتنا الحاضر وقد شاهدت بأم عيني عندما كنت طالبًا في المدرسة الثانوية الشرعية مجموعة من النسوة يطفن بمسجد الصخرة وكان ذلك في شهر رمضان وفي يوم جمعة. يُنظر: قواعد وأسس في السُّنَّة والبدعة (٢١٠).
[ ٥٢٥ ]
١٠ كتابة الأدعية البدعية والتوسلات الشركية على حوائط المساجد وغيرها من أماكن التعبد، كما هو الحاصل على حائط المبكى في القدس يكتبون على الورق حاجاتهم ويدخلونها في شقوق الحائط.
* * *
[ ٥٢٦ ]
المطلب الثالث
أبرز صور المخالفات التعبدية في آثار الأمم الهالكة والآثار الوثنية والجاهلية
في هذا المطلب قد تُفعل العبادات عند آثار الأمم الهالكة والآثار الوثنية والجاهلية على وجه التعبد أو قد تؤول إليه بعد مدة، وكذلك قد لا تكون صور التعبّد فيها واضحة لكونها متعلقة بأعمال القلوب من: الحب والتعظيم والولاء وعدم البراءة من الشرك وأهله وغيرها من العبادات القلبية، وما إن تتمكن من القلب إلا وتظهر على الجوارح صور التعبد المخالفة للشرع.
وبسط هذا المطلب في المسألتين التاليتين:
المسألة الأولى: أبرز صور المخالفات التعبدية في آثار الأمم الهالكة.
المسألة الثانية: أبرز صور المخالفات التعبدية في الآثار الوثنية والجاهلية.
المسألة الأولى: أبرز صور المخالفات التعبدية في آثار الأمم الهالكة:
شد الرحال لزيارة آثار الأمم الهالكة وتعظيم أبنيتهم وتمجيدها؛ المؤدي إلى تقديسها، ومن ثم عبادتها!
ولا نستبعد ذلك أو نعتقد استحالته، فقد عبد أهل الجاهلية حجري: إساف ونائلة (^١)، مع أن الناس كانوا قبل ذلك يرونهم رؤية اعتبار واتعاظ؛ لعقوبة الله لهما بالمسخ بسبب فعلهم المخزي، ومع ذلك عبدوهم.
_________________
(١) تقدّم عرض قصتهما المخزية في حاشية صفحة (٢٧١).
[ ٥٢٧ ]
المسألة الثانية: أبرز صور المخالفات التعبدية في الآثار الوثنية والجاهلية:
١ استنهاض التاريخ الجاهلي؛ لاكتشاف الانتماء الجاهلي، والتحايل في إحياء الآثار الوثنية والجاهلية باسم إحياء آثار الحضارات التاريخية القديمة، والدعوى إلى محبتها والولاء لها، والمناداة بالاعتزاز والفخر وتعظيمها في النفوس.
٢ تقديم القرابين والهدايا للأصنام والأوثان قبل دخول المكان الذي يكون فيه الصنم، ومن صوره الحديثة عند ذهاب السائحين لبعض متاحف أو معابد الدول الكافرة، أنهم يطلبون من الزائر شراء هدايا ولو بسيطة تباع عند البوابات ويضعونها في موضع مخصص عند دخولهم للمكان، وهي عبارة عن هدايا للصنم الوثني، المنصوب في المتحف أو المعرض.
٣ الانحناء عند الدخول إلى بعض الآثار الوثنية من خلال اجتياز ممرات ضيقة وقصيرة السقف؛ لإجبار الزائر على الانحناء قبل الدخول، كما هو الحاصل عند الدخول لبعض الأهرامات.
وغيرها من صور التعبّد القلبية، أو القولية، أو الفعلية المخالفة لأصل التوحيد أو كماله.
* * *
[ ٥٢٨ ]
المطلب الرابع
أبرز صور المخالفات التعبدية في آثار القبور والمشاهد
وبسط هذا المطلب في المسألتين التاليتين:
المسألة الأولى: أبرز صور المخالفات التعبدية في القبر نفسه.
المسألة الثانية: أبرز صور المخالفات التعبدية التي تصدر من الزائر.
المسألة الأولى: أبرز صور المخالفات التعبدية في أثر القبر والمشهد:
١ تعظيم القبور والمشاهد والمزارات، وتنشيطها، ودعمها ماديًّا ومعنويًّا (^١).
٢ إبراز قبور الأولياء والصالحين ورفعها، واتخاذها مساجد ومشاهد، ومزارات (^٢).
٣ تشييد القباب على أضرحة العظماء والبناء عليها، ووضع الشواهد، وتجصيصها والكتابة عليها، وإيقاد السرج والمصابيح (^٣).
٤ إحياء آثار القبور المدروسة، والسعي إلى إبرازها والاهتمام بها.
٥ الدعوة إلى زيارة الأضرحة البدعية والمشاهد الشركية من خلال حث دعاة الضلالة إلى ذلك؛ بحجة تعظيم الأولياء، والقيام بحقهم (^٤).
_________________
(١) يُنظر: التصوف في تهامة اليمن، لعبد الله المصلح (٣).
(٢) يُنظر: تناقض أهل الأهواء والبدع، لعفاف مختار (١/ ١٢٤).
(٣) يُنظر: تعظيم الآثار والمشاهد (١١٩).
(٤) يُنظر: التصوف في تهامة اليمن، لعبد الله المصلح (٣، ٢٦).
[ ٥٢٩ ]
المسألة الثانية: أبرز صور المخالفات التعبدية التي تصدر من الزائر للقبور:
١ - تعلّق القلب بالقبور والمشاهد وتعظيمها، والتوسل بالمقبورين، والتبرك بتراب قبورهم، والتمسح به، وتقبيل موضع دفنهم طلبًا للبركة.
٢ - شد الرحال إلى المشاهد، والقيام بالمناسك البدعية (^١)، كما هو مُشاهد فيما يُزعم أنه قبر نبي الله هود ﵇.
٣ - تحريّ الدعاء عند القبور والمشاهد باستقبالها، والاعتقاد بأنها موضع لإجابة الدعاء، وكذلك قصد الصلاة وقراءة القرآن، والذبح لها أو إليها.
٤ - تقديم القربان والنذور والهدايا لأصحاب القبور؛ اعتقادًا منهم أنه يصل للأموات كما يصل للأحياء (^٢).
٥ - الاستغاثة بالأموات ودعائهم؛ لتفريج الكربات، وغفران الزلات، والنصر على الأعداء، ودفع المصائب (^٣).
٦ - الطواف حول القبور والبكاء والابتهالات وسؤال الحاجات، والتمسح بسياجها، وأستارها. وتعليق الكتابات والسلاسل ونحوها على ما يحيط بالقبر.
٧ - تحديد زيارة القبور: في ليلة النصف من شعبان، وفي أول يوم العيد، وفي الثامن من شوال، وبعد صلاة الجمعة، وغيرها من المواسم المحدثة التي ما أنزل الله بها من سلطان.
هذه بعض صور المخالفات التعبدية ذكرتها على سبيل القصر لا الحصر وإلا فالعبادات التي تصرف لغير الله عند القبور والمشاهد كثيرة، حتى تجاوز الحال بهم إلى أن صارت أوثانًا تعبد من دون الله ﷻ من خلال اتخاذ القبور
_________________
(١) يُنظر: كتاب الحج إلى زيارة المشاهد، للمفيد المرتضى محمد بن النعمان الرافضي، نقلًا من: منهاج السُّنَّة النبوية، لابن تيمية (١/ ٤٧٦).
(٢) يُنظر: تعظيم الآثار والمشاهد (٨٨).
(٣) يُنظر: شفاء الصدور في زيارة المشاهد والقبور، لمرعي الكرمي (١١٠).
[ ٥٣٠ ]
والمشاهد مساجد يصلون إليها، ويعظمونها، ولا شك أن ذلك من الشرك الأكبر (^١).
وليُعلم أن المخالفات ليست على درجة واحدة في الحكم بل هي على درجات فبعضها شرك أكبر، وكفر صريح، وبعضها دون ذلك ولكن يجب أن يُعلم أن أي بدعة في الدين ولو صغرت فهي محرمة شرعًا، وليس في البدع ما هو مكروه كما يتوهم بعضهم (^٢).
والدليل على ذلك: قول الرسول الله ﷺ: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» (^٣).
ولذلك أمر البدعة خطير جدًّا لا يزال أكثر الناس في غفلة عنها، ولا يحرص على معرفة ذلك إلا طائفة من أهل العلم المتمسكين بالكتاب والسُّنَّة.
فصور الأعمال التعبدية المذكورة آنفا مخالفة للسُّنَّة: لم يفعلها رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه ﵃، ورسول الله ﷺ وصحابته الكرام أشد تعظيمًا للدين وأحرص الناس عليه فلو كان خيرًا لسبقونا إليه (^٤).
وما أجمل وأنفع وصية الإمام البربهاري ﵀ في التحذير من البدع، وبيان خطورتها، حيث قال ﵀: واحذر صغار المحدثات من الأمور؛ فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيرًا، وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة، كان أولها صغيرًا يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع الخروج منها، فعظمت وصارت دينًا يدان به فخالف الصراط المستقيم، فخرج من الإسلام.
_________________
(١) يُنظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر (٥/ ٤٥).
(٢) يُنظر: مناسك الحج والعمرة، للألباني (٤٥).
(٣) أخرجه الحاكم في مستدركه، كتاب العلم، كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (١/ ٩٧/ ح ٣٣٢)، الحديث صحيح. يُنظر: التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير: (٤/ ٣٤٩) المستدرك على الصحيحين: (١/ ٩٧/ ح ٣٣٢)، فتح الباري شرح صحيح البخاري: (١٣/ ٢٦٦).
(٤) يُنظر: البلد الحرام فضائل وأحكام (٩٣).
[ ٥٣١ ]
فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة فلا تعجلن، ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر هل تكلم به أصحاب رسول الله ﷺ فإن وجدت فيه أثرًا عنهم فتمسك به، ولا تجاوزه لشيء، ولا تختر عليه شيئًا فتسقط في النار.
واعلم أن الخروج من الطريق على وجهين:
أما أحدهما: فرجل زل عن الطريق، وهو لا يريد إلا الخير، فلا يُقتدى بزلته، فإنه هالك.
وآخر: عاند الحق وخالف من كان قبله من المتقين، فهو ضال مضل، شيطان مريد في هذه الأمة، حقيق على من يعرفه أن يحذر الناس منه، ويبين لهم قصته؛ لئلا يقع أحد في بدعته فيهلك.
واعلم رحمك الله أنه لا يتم إسلام عبد حتى يكون متبعًا مصدقًا مسلمًا، فمن زعم أنه بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفوناه أصحاب محمد ﷺ فقد كذَّبهم، وكفى به فرقة وطعنًا عليهم، وهو مبتدع ضال مضل، محدث في الإسلام ما ليس منه (^١).
ورحم الله الإمام مالك ﵀ حيث قال: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا (^٢).
وصلى الله وسلم على نبيِّنا وحبيبنا القائل: «مَا تَرَكْتُ شَيْئًا يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُكُمْ عَنِ النَّارِ إِلاَّ قَدْ بَيَّنْتُهُ لَكُمْ» (^٣).
_________________
(١) شرح السُّنَّة، للبربهاري (٢٤).
(٢) هذه مقولة شهيرة، وكلمة عظيمة للإمام مالك بن أنس ﵀ وافقه عليها أهل العلم قاطبة. يُنظر: المبسوط، للقاضي إسماعيل الجهضمي المالكي (ت: ٢٨٢ هـ)، نقلًا من كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ، للقاضي عياض (٢/ ٨٨)، اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٣٦٧)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ٢٣١)، الصارم المنكي في الرد على السبكي، لابن عبد الهادي (١/ ٥٩).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب الجامع، باب القدر (١١/ ١٢٦/ ح ٢٠١٠٠)، صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٧/ ٦٧/ ح ٢٨٦٦).
[ ٥٣٢ ]
المبحث الخامس
أسباب المخالفات العقدية والمفاسد المترتبة على إحياء الآثار
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أسباب المخالفات العقدية المترتبة على إحياء الآثار.
المطلب الثاني: المفاسد المترتبة على إحياء الآثار.
[ ٥٣٣ ]
المبحث الخامس
أسباب المخالفات العقدية والمفاسد المترتبة على إحياء الآثار
نشأت فتنة إحياء الآثار من قوم نوح ﵇ ثم انتشرت في جميع الأمم البائدة؛ كعاد وثمود، ومدين وغيرهم، ثم فلاسفة اليونان؛ فاليهود والنصارى، حتى وصلت العرب في الجاهلية.
ومن طريق هؤلاء الأمم تسلل الافتتان بالآثار بالعموم، وأشدّها انتشارًا إحياء آثار القبور تسربت إلى الفرق والطوائف، ومن هؤلاء جميعًا اجتاحت عبادة القبور صفوف المسلمين فافتتن بها مشايخ الطرق البدعية فضلًا عن بُسطاء الناس وعوامهم (^١).
وأول من أظهر هذا الداء في الإسلام وابتلي به: الرافضة؛ حيث إنهم أصل هذا البلاء، وعنهم انتشر في الصوفية بطرقها (^٢).
فهذه الفتنة عمت العباد وطمت أرجاء البلاد إلا من شاء الله أن يبقى على التوحيد (^٣).
وبسط هذا المبحث في المطلبين التاليين:
المطلب الأول: أسباب المخالفات العقدية المترتبة على إحياء الآثار.
المطلب الثاني: المفاسد المترتبة على إحياء الآثار.
_________________
(١) يُنظر: جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية (٤٢٣، ٤٤٥).
(٢) يُنظر: نشأة بدع الصوفية، لفهد الفهيد (٣٦)، موقف ابن القيم من التصوف، لعبد الرؤوف خيري (١٨١).
(٣) يُنظر: جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية (٤٢٣، ٤٤٥).
[ ٥٣٤ ]
المطلب الأول
أسباب المخالفات العقدية المترتبة على إحياء الآثار
فطر الله ﷾ البشر على التوحيد، وهو الأصل الذي كان الناس عليه، لكن لما حصل الانحراف عن هذا الأصل، والوقوع في البدع والشركيات، التي منها إحياء الآثار، ترتب على ذلك جملة من الانحرافات والمخالفات، والتي من أسبابها، ما يلي (^١):
١ - الجهل بحقيقة ما بعث الله به رسله ﵈ من تحقيق التوحيد، وقطع الشرك ووسائله، والجهل بأحكام الدين، ومقاصد الشريعة، وقواعد اللغة العربية وأساليبها، فلا يرى الجهلة بأسًا من مُضاهاة المشركين.
والجهل بشكل عام أصل كل المخالفات وأساسها، وغيره من الأسباب فرع عنه.
٢ - اتباع الهوى، والاعتماد على الآراء، وهذا أصل الزيغ والضلال، فما وافق أهواءهم أخذوه، وما خالفها تركوه، فمتبع الهوى يثبت الأدلة الشرعية التي تحقق غرضه، ويقرر الحكم بناء على هواه، وهو قلب لقضية التشريع، وإفساد لغرض الشارع من نصب الأدلة، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠].
ويتمسكون بالشبهات في تسويغ انحرافاتهم، وما يتشبثون به إلا كبيت
_________________
(١) يُنظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٢/ ٣٦١ - ٣٦٢)، إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٣٨٧ - ٣٩٢)، يُنظر: الاعتصام، للشاطبي (٢/ ٦٩٠)، مجموع فتاوى ابن باز (٣/ ٣٣٦)، فتاوى نور على الدرب، لابن باز (١٨/ ٤٣١)، عقيدة التوحيد، لصالح الفوزان (٢٢٢ - ٢٢٥)، بدع القبور، لصالح العصيمي (٣٧ - ٨٩)، نور السُّنَّة وظلمات البدعة، لسعيد بن وهف القحطاني (٣١)، والبدع الحولية (٧١)، التبَرُّك المنحرِف، لأكرم عصبان (٤٦).
[ ٥٣٥ ]
العنكبوت في الضعف والوهن، كما قيل عن ضعف الحجج التي يتمسك بها المخالف:
حجج تهافت كالزجاج تخالها
حقًّا وكل كاسر مكسور (^١)
٣ - الأحاديث الموضوعة والمختلقة على الرسول ﷺ، التي تناقض الشرع، والاعتماد عليها، والاحتجاج بها.
٤ - تبنِّي دعاة الضلالة كثيرًا من البدع والخرافات وترويجها على العوام والبُسطاء، كما قال عنهم رسول الله ﷺ بأنهم: «دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا …» (^٢).
وليّهم لأعناق النصوص، وتشرّب قلوبهم الشبهات، وإشباع الشَّهْوات الخفية التي تحصل عندما يحضّون على البدع من الجاهِ والمال (^٣).
٥ - الاعتماد في الأحكام الشرعية على القصص والحكايات الخرافية والمنامات الشيطانية.
٦ - التهاون بالمخالفات، والتقاعس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسكوت العلماء؛ لأن العامة إذا رأوا سكوت العالم على أمر حسبوا أن ذلك الأمر مما جاء به الشرع، ولا يخالفه، فكلما سكت عالم سُنّة، لمع في المقابل داعي بدعة؛ ولهذا تكثر البدع في البلاد التي يقل بها العلماء.
٧ - تحوّل البدع إلى عادة يصعب تركها بسبب التقليد الأعمى.
٨ - الغلو بالعقل، وإنزاله المنزلة التي لا يستحقها، حيث جُعل هو المشرع، والمُقدّم على الشرع.
٩ - تأويل الكتاب والسُّنَّة تأويلًا باطلًا، سواء بسوء فهم، أو خبث
_________________
(١) من نظم الخطابي يُنظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٢٨).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة (٩/ ٥١/ ح ٧٠٨٤)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن (٦/ ٢٠/ ح ١٨٤٧).
(٣) للوصول إلى بعض الأمثلة التي تدل على ذلك انتقل فضلًا (٥٤٣).
[ ٥٣٦ ]
طوية، فترك تفسير أقوال السلف الصالح لنصوص الكتاب والسُّنَّة أحد أسباب الوقوع في المخالفات.
١٠ - الغلو في الصالحين، وهو من أعظم الأسباب التي أدت إلى الوقوع في المخالفات العقدية، فعندما أحيوا آثار قبور الصالحين عظموهم وغلوا فيهم، وقد جاء النهي الصريح في الكتاب والسُّنَّة عن الغلو وخطره.
١١ - التعصب للآراء والأشخاص، بنبذ الحق، وترك الدليل؛ احتجاجًا بما كان عليه الآباء والمشايخ والأجداد كما قال تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠].
١٢ - التشبه بالكفار وتقليدهم في غالب أمورهم، كما أخبر بذلك الرسول ﷺ بقوله: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ» (^١).
هذه أبرز الأسباب التي أدت إلى الوقوع في كثير من المخالفات العقدية والانحرافات والتي على رأسها إحياء الآثار.
ومن المهم التنبيه إلى أنه لا مجال لمقاومة أي مخالفة وانحراف إلا بالعلم والعلماء، فإذا فُقد العلم والعلماء، أُتيحت الفرصة للبدع والشركيات بالظهور ولأهل الضلال بالانتشار (^٢).
* * *
_________________
(١) سبق تخريجه راجع فضلًا (١٥٥).
(٢) يُنظر: عقيدة التوحيد، لصالح الفوزان (٢٢٤).
[ ٥٣٧ ]
المطلب الثاني
المفاسد المترتبة على إحياء الآثار
لم يكن الشارع الحكيم ليحظر شيئًا جزافًا بلا حكمة تقتضي التحريم، فإذا تأملنا إحياء الآثار الوثنية والجاهلية وخصوصًا إحياء آثار القبور وتعظيمها ببناء المشاهد والمساجد والقباب، ورفع الأستار عليها وإيقاد السرج، وجعل السدنة لها والصناديق؛ لاستقبال النذور، والتمكين من الطواف حولها، والعكوف، والصلاة عندها ولها، وغيرها من المحظورات التي جاء الدليل بمنعها، نجد أنه يتخللها عواقب خطيرة، وآثارٌ وخيمة، ومفاسد يصعب حصرها.
وهذا أمر مطرد في كل ما نهى الشرع عنه، فإذا تقرر هذا، علمنا أن الخطورة أعظم عندما يتعلق الأمر باقتراف محظور شرعي يخص العقيدة؛ كالمخالفات الحاصلة عند الآثار، والتي نحن بصدد الحديث عنها وعن المفاسد المترتبة على إحيائها.
بسط هذا المطلب في مسألتين:
المسألة الأولى: المفاسد المترتبة على إحياء الآثار بالعموم.
المسألة الثانية: المفاسد المترتبة على إحياء آثار القبور والمشاهد.
المسألة الأولى: المفاسد المترتبة على إحياء الآثار بالعموم:
من أهم المفاسد المترتبة على إحياء الآثار (^١):
١ عودة المظاهر الشركية من خلال إظهار الأصنام والأوثان وإبرازها في الأماكن العامة، وذلك مفضٍ إلى الشرك الذي هو أعظم الذنوب،
_________________
(١) يُنظر: إغاثة اللهفان (١/ ٣٥٧ - ٣٦٠)، علم الآثار وبيان المنهج الإسلامي، لعمر العمر (١٠٣٤ - ١٠٣٨).
[ ٥٣٨ ]
وأظلم الظلم (^١).
صور الشرك وأنواعه كثيرة، غالب الناس لا يدركها، والذي يقف عند تلك الآثار سواء كانت حقيقة أو مزعومة بلا حجة، يرى كيف يتمسح الجهلة بترابها، وما فيها من أشجار أو أحجار، ويصلي عندها ويدعو من نسبت إليه ظنًّا منهم أن ذلك قربة إلى الله سبحانه ولحصول الشفاعة، وكشف الكربة؛ لأن النفوس ضعيفة ومجبولة على التعلق بما تظن أنه يفيدها (^٢).
٢ زعزعة الولاء والبراء لدى المسلمين، وذلك حاصل من خلال تعظيم الحضارات الجاهلية الوثنية من فرعونية وبابلية وفينيقية، وتقديمها على الإسلام، فلا تكون في قلوب المسلمين معزّة للإسلام بقدر ما لذلك التاريخ الجاهلي وأمجاده المزعومة.
٣ إماتة للسنن، وإحياء للبدع.
٤ إساءة لسمعة الدين الإسلامي عند من لا علم له بتعاليمه الصحيحة ومنهجه القويم (^٣).
٥ تفشي القومية والعنصرية بين المسلمين، إذ إن أبرز القيم الإسلامية والأخلاقية عدم وجود العنصرية والتمييز بين المسلمين، وإحياء الآثار يزعزع هذه القيم ويجتثها.
٦ الوقوع في أنواع من الكذب:
النوع الأول من الكذب: الكذب على الرسول ﷺ: ولا شك أن هذا
_________________
(١) قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ *﴾ [لقمان]: ووجه كونه عظيمًا، أنه لا أفظع وأبشع ممن سوى المخلوق من تراب، بمالك الرقاب، وسوى الذي لا يملك من الأمر شيئًا، بمن له الأمر كله، وسوى الناقص الفقير من جميع الوجوه، بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه، وسوى من لم ينعم بمثقال ذرة من النعم بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم، ودنياهم وأخراهم، وقلوبهم، وأبدانهم، إلا منه، ولا يصرف السوء إلا هو، فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟!. يُنظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (٦٤٨).
(٢) يُنظر: مجموع فتاوى ابن باز (٣/ ٣٣٦).
(٣) يُنظر: تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي، لمحمد لوح (٢/ ٨٣).
[ ٥٣٩ ]
النوع من أشد أنواع الكذب، ويتنوع الكذب على رسول الله ﷺ، على النحو التالي:
أ الكذب في أقواله للاستدلال على شرعية زيارة أماكن الآثار وهذا هو الكثير، وقد يكون الكذب في نسبة آثاره ﷺ، ومن نماذج الكذب على الرسول ﷺ في أقواله ما يأتي:
١ الأحاديث الموضوعة في فضل زيارة قبره ﷺ.
٢ الأحاديث المكذوبة في فضل الصخرة بالقدس.
ب الكذب على الرسول ﷺ في نسبة آثاره المنفصلة عنه وما أُلحق بها:
وما ينسب إليه ﷺ كذبًا وزورًا من آثار حسية كشعراته وبردته، وعمامته ﷺ، وكذلك دعوى بقاء غسل وضوء النبي ﷺ، ووجود أثر موطئ قدم النبي ﷺ على بعض الأحجار كما تقدم بيان زيفها (^١).
النوع الثاني من الكذب: التقوّل على السلف من الصحابة ﵃ والتابعين ومن كان على نهجهم ممن جاء بعدهم من الصالحين، وهو من ثلاث نواحي:
١ الكذب عليهم قد يكون في الأقوال، مثل ما ينسب إليهم من الروايات المكذوبة في ذكر فضائل بعض الأماكن.
٢ الكذب عليهم في الأفعال فيما يحصل من الخير والبركة عند بعض قبورهم.
٣ الكذب في تعيين موضع الأثر، ويكثر هذا النوع في تعيين مواضع قبور بعض الصحابة وغيرهم من الصالحين، وكذلك المساجد والموالد وغيرها من الآثار، ودعوى بركة بعض المواضع دون مستند شرعي.
المسألة الثانية: المفاسد المترتبة على إحياء آثار القبور والمشاهد (^٢):
١ تفضيلها على أحب البقاع إلى الله ﷾، فإن بعض الآثار تُقصد
_________________
(١) راجع فضلًا (١٠٠).
(٢) يُنظر: إغاثة اللهفان، لابن القيم (١/ ٣٥٧ - ٣٦٠).
[ ٥٤٠ ]
تعظيمًا واحترامًا، وخشوعًا، وهذا التعظيم يُوقع في الافتتان بها؛ المقتضي عمارة المشاهد وخراب المساجد.
كما أن بعض الزائرين يرى أن زيارة المشاهد يماثل الحج إلى بيت الله الحرام، وبعضهم يُفضّل زيارة المشهد على الحج، وزعم غلاة المبتدعة أن زيارة الضريح أفضل من سبعين حجة في بيت الله الحرام! (^١).
٢ اتخاذها عيدًا، بالاجتماع إليها، وتكرار زيارتها في مواسم محدثة (^٢).
٣ إيذاء أصحابها، بما يُفعل لهم عند القبور (^٣)، مع تصريح المقبور بتحريم وكراهة ذلك، كما هو الحاصل لقبر الإمامين: أبي حنيفة في بغداد (^٤)، والشافعي في مصر ﵁ (^٥).
٤ مشابهة عبّاد الأصنام بما يفعلونه للقبور من ناحيتين:
أ اتخاذهم ذرائع الشرك: كتزيين القبر ببناء المساجد والقباب وغيرها من الأبنية، المطلية بالذهب والفضة، والمكسوة بالرخام والستور، وإيقاد السرج والقناديل، واتخاذ السدنة، وصناديق النذور، وتمكين الطواف حولها، وغيرها.
ب فعلهم للشرك الصريح: كالطواف حول القبر، والعكوف عنده، والنذر له، والتمسح والتقبيل، والتبرك به، والاستغاثة، والدعاء، والصلاة، وغيرها من العبادات.
٥ انتشار المشاهد في العالم الإسلامي؛ نتيجة تساهل كثير من المنتسبين للعلم في أمر المشاهد، حتى أصبحت وكأنها من معالم الدين
_________________
(١) يُنظر: غربة الإسلام، لحمود التويجري (٢/ ٨٥٧).
(٢) يُنظر: اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٤٠)، وزاد المعاد، لابن القيم [ط: ٢٧] (١/ ٤٠٧).
(٣) يُنظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (١/ ٧٦).
(٤) عليه قبة عظيمة ومشهدًا فاخرًا ببغداد. كما قال الحافظ الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء (٦/ ٤٠٣).
(٥) يُنظر: بدع القبور (١٧٣).
[ ٥٤١ ]
الإسلامي (^١)؛ كمشهد تاج محل في الهند، والذي يعتبر أشهر المزارات السياحية حول العالم، وما هو إلا ضريح ضخم، بناه أحد الرؤساء المسلمين القدامى إحياءً لذكرى زوجته التي توفيت (^٢).
ومن أعظم الفتن في الأمصار مشهد أحمد البدوي (^٣) بمصر، ومشهد علي ﵁، ومشهد الحسين ﵁، ومشهد عبد القادر الجيلاني (^٤) بالعراق.
فهذه المشاهد المُحدثة ينتابها الزوار والحجاج من جميع الأقطار طلبًا للغوث والمدد (^٥).
وغالبًا يحدد موضع قبر النبي أو الولي بناءً على الرؤى والمنامات، ويؤلفون له قصة من وهم الخيال، ويكون المشهد مبنيًّا على ألواح الخشب، أو جثث الحيوانات، يتناقلونها بخبر لا يُعرف قائله، أو نمّام لا تعرف حقيقته (^٦).
_________________
(١) يُنظر: تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي، لمحمد لوح (٢/ ٧٩).
(٢) بناه الإمبراطور شاه جيهان عام (١٦٣١ م)، إحياءً لذكرى زوجته التي توفيت وهي تلد ابنها. يُنظر: دليل السائح الفقهي، لفهد باهمام (٢٣٣).
(٣) أحمد بن علي بن إبراهيم البدوي، فاسي الأصل، حفظ القرآن، واشتغل بالعلم مدة على مذهب الإمام الشافعي. فلما اجتالته الشياطين ومسته في حال يسميها المتصوفة حادث الوله: ترك ذلك كله، وانسلخ منه. وصار فاسدًا لا يصلي، ذا أحوال شيطانية، ومخاريق إبليسية، وإذا لبس ثوبًا أو عمامة لم يخلعها لغسل ولا لغيره حتى تذوب قذرًا! فلا صلاة تحمله على غسل، ولا وضوء، ولا مروءة نفس. وقد ناصحه بعض أهل العلم من معاصريه في تركه للصلاة: فلم يستجب ولم يصل. رحل به أبوه إلى مكة، ثم سافر هو إلى العراق، ثم زار مصر، ودخل طنطا، وبقي فيها حتى هلك. يُنظر: مجانبة أهل الثبور المصلين في المشاهد وعند القبور، لفيصل الراجحي (٣١١).
(٤) عبد القادر بن أبي صالح بن عبد الله البغدادي الحنبلي الجيلي أو الجيلاني، فقيه صالح زاهد، إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، عظّمه قومه بعد موته وغلوا فيه، حتى أصبح قبره في بغداد وثن يعبد من دون الله، وأخطأ من قال بأنه مؤسس الطريقة القادرية، وإنما تأسيس الطريقة القادرية نتج عن اتباعه الذين قدسوه وتجاوزوا الحد في رفعه فوق منزلته، توفي سنة (٥٦٣ هـ)، يُنظر: ذيل طبقات الحنابلة، لابن رجب (٢/ ١٨٧ - ٢١٤)، طبقات الأولياء، لابن الملقن (٢٤٦).
(٥) يُنظر: غربة الإسلام، لحمود التويجري (٢/ ٨٥٨).
(٦) يُنظر: موسوعة العلامة الألباني في العقيدة (٢/ ٤٩٩).
[ ٥٤٢ ]
ثم يترتب على ذلك اتخاذه مسجدًا فيصير وثنًا يعبد من دون الله تعالى؛ شركًا مبنيًا على إفك (^١).
والله ﷻ يقرن في كتابه بين الشرك والكذب، كما يقرن بين الصدق والإخلاص، قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج] (^٢).
٦ شد الرحال والحج إليها، حتى آل الأمر بأصحابها، إلى تصنيف كتاب: «مناسك حج المشاهد»؛ ترغيبًا وحثًّا على زيارتها، والحج إليها، واتخاذها أوثانًا تُعبد من دون الله، وهذا تشبيه منهم للمشاهد ببيت الله الحرام، ولا يخفى أن هذا محادة لله ورسوله، ومفارقة لدين الإسلام ودخول في دين الأصنام والأوثان (^٣).
٧ الاعتماد على الكذب، والدجل في إشاعة الحكايات الباطلة، والقصص الخرافية؛ في حصول المراد عند القبور والمشاهد، من إجابة الدعوات، وتفريج الكربات، وجلب الخيرات، ودفع المكروهات، من قِبل دجاجلة السدنة وما يروجه دعاة الضلالة دعاة الطرق المبتدعة، لعوام الناس؛ لكسب الأموال بالحرام.
كما اعترف أحد مشايخ الطرق الصوفية في مصر، بأن الإعانات المقدمة له من الدولة، عبارة عن ١٠% من إجمالي صناديق النذور بالمساجد، على مستوى جمهورية مصر العربية؛ فلذلك يحرصون على تذكير الناس بالموالد، وتشجيعهم على الذهاب للأضرحة والمشاهد؛ توسلًا وتبركًا (^٤).
وكذلك صرّح سادن مسجد علي ﵁ بالعراق بقوله: أنا الآن أقوم بعمل السادن …، وأتقاضى عنها مرتبًا كبيرًا من الدولة، وبالذات من وزارة
_________________
(١) يُنظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧٩).
(٢) يُنظر: موسوعة العلامة الألباني في العقيدة (٢/ ٤٩٩).
(٣) يُنظر: غربة الإسلام (٢/ ٨٥٧)، الرد على شبهات المستغيثين بغير الله، لعبد السلام بن برجس (٥/ ٦٦).
(٤) يُنظر: بدع القبور (٩١).
[ ٥٤٣ ]
الأوقاف، وقد تولت أسرتنا سدانة مسجد الإمام علي منذ (١٧٠ سنة)، بمرسوم ملكي في ذلك الوقت، أما عن قطع الذهب والفضة والدنانير التي يضعها الزائرون في المقصورة، فإنها كانت إلى عهد قريب تعطى للسادن وحده، بالرغم من وجود عاملين بالمسجد يقومون على رعايته، وبالرغم من أن السادن يتقاضى مرتبًا شهريًّا من الدولة، ولذلك رأت الدولة تمشيًا مع العدالة الاجتماعية ألا ينفرد إنسان بهذا الدخل الذي يبلغ كل شهر حوالي خمسين ألف دينار، فقررت توزيعه على عدة جهات (^١).
٨ تعلّق قلب العبد الحي القادر بالمقبور الميت العاجز، وذلك من خلال الاعتقاد بأن دعاء المقبورين يكشف البلاء، وينصر على الأعداء، ويستنزل غيث السماء، ويفرج الكرب، ويقضى الحوائج، وينصر المظلوم، ويجار الخائف، إلى غير ذلك من الخزعبلات التي يروجها السدنة والدعاة.
وهذا من أكبر المخاطر المترتبة على إحياء القبور وقصدها بالدعاء والاستغاثة، ليتعلق قلبه بالمقبور الميت العاجز، لما يسمع من حكايات وهمية، ومواقف خرافية.
وكما أوردت سابقًا الرد الوافي من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية على دعوى إجابة الدعاء عند القبر وحصول المطلوب وبطلانها، فليُراجع في موضعه (^٢).
هذه أبرز المفاسد المترتبة على إحياء الآثار، والتي يجب على المسلم أن يحذر ويحذّر من الوقوع فيها، ويتجنب الوسائل الموصلة إليها.
_________________
(١) يُنظر: اللواء الإسلامي، العدد (٦٦) السنة الثانية، بتاريخ ١٥/ رجب/ ١٤٠٣ هـ ٢٨ أبريل ١٩٨٣ م. وقد وضح مقدار دخل السادن صاحب كتاب بدع القبور ما يضعه الزائرون في المقصورة قائلًا: في تلك الآونة كان الدينار العراقي يعادل: (١٢) ريال سعودي تقريبًا، فمبلغ الدخل الذي يبلغ كل شهر حوالي خمسين ألف دينار؛ أي: ما يساوي (٦٠٠) ألف ريال سعودي، فيكون الدخل السنوي من هذا الصنم سبعة ملايين ومئتي ألف ريال سعودي!! وهذا المبلغ يقنع ضعاف النفوس ليبيعوا من أجله دينهم. يُنظر: بدع القبور (٩٢).
(٢) راجع فضلًا (٤٢٤).
[ ٥٤٤ ]