[المبحث الأول تمهيد]
[حقيقة الصراع بين الدعوة وخصومها]
الفصل الثالث
أهم المزاعم والاتهامات التي أثارها الخصوم ضد الدعوة وإمامها
المبحث الأول
تمهيد حقيقة الصراع بين الدعوة وبين خصومها: إن خصوم هذه الدعوة الإصلاحية المباركة إنما كانوا دائمًا (في كل زمان، وكل مكان) وفي كل أمة هم خصوم الأنبياء والدعاة والمصلحين، وهم خصوم السنة وأهلها، وخصوم السلف الصالح، من أهل الأهواء، والبدع والافتراق والجهل والحسد، كما قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] [سورة الأنعام، آية: ١١٢]، وكذلك الحال مع ورثة الأنبياء وهم العلماء الدعاة المصلحون.
إن الصراع بين الدعوة وبين خصومها لم يكن في حقيقته صراعًا سياسيًا ولا ماديا، ولا صراعًا على المصالح الدنيوية أيا كان نوعها (وإن كانت هذه الأمور من أسبابه) .
إنما كان صراعًا عقديًا بالدرجة الأولى، ومظاهر الصراع السياسي وغيره جاءت تباعا؛ لأن الدعوة أعلنت نشر التوحيد والسنة، ومحاربة الشركيات والبدع السائدة وأعلنت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود، وتحقيق العدل ورفع الظلم، والعمل بشرع الله في أمور الحياة وسعت إلى نشر العلم، ومحاربة الجهل والدجل والسحر والفساد.
فقد انطلقت الدعوة من قاعدة ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] [سورة النحل، آية: ٣٦]، وهذا يتصادم مع عقائد أهل البدع والأهواء والافتراق، والمنتفعين من شيوع البدع والجهل والتخلف.
هذه هي الحقيقة ولا شك.
وكل رسائل الدعوة وكتبها وأعمالها وتعاملاتها تدور على هذا الأصل: العودة للإسلام والسنة، كما هي في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرة السلف الصالح، نقية صافية من شوائب الشركيات والبدع والأهواء والجهالات والطرق والفرق.
وهذا منبع الخلاف ومنشأ الصراع.
نعم، لقد واجهت هذه الدعوة المباركة إمامها وعلماؤها وقادتها ودولتها، وأتباعها وأنصارها ومؤيدوها حيثما كانوا - ولا تزال تواجه - أصنافًا من الخصوم، وأنواعًا من التحديات والمفتريات والدعايات المضادة والخصومات.
فهي - كأي دعوة وحركة إصلاحية جادة - قد اصطدمت بقوى وتحديات وعقبات كبرى ومكائد عظيمة، وخصوم أقوياء، وأعداء أشداء من ديانات وفرق ومذاهب، ودول
[ ١٤٨ ]
وجماعات، وعلماء ورؤساء وأمراء، بل وغوغاء وجهلة.
ومع ذلك كله كانت هذه الدعوة - حين قامت على الحق والعدل - تنتصر وتنتشر، فقد قاوم إمامها وعلماؤها وأتباعها وأمراؤها كل هذه التحديات، بقوة الإيمان واليقين والعلم والحلم، والصبر والثبات.
وإن الواقع ليشهد أن هذه الدعوة - رغم التحديات الكبيرة - كانت تظهر وتعلو وتؤتي ثمارها الطيبة حتى في فترات ضعف السلطة، بل وفي البلاد التي لا توجد فيها لها سلطان ولا قوة حين لا تملك إلا قوة الحجة، وما ذلك إلا لأنها تمثل الإسلام الحق الذي كتب الله له البقاء والظهور إلى قيام الساعة، ولأنها تملك عوامل البقاء والثبات ومقومات القوة والنصر، ولأنها تستمد القوة من نصرها لدين الله دين الحق والعدل، ومن وعد الله تعالى لكل من نصر هذا الدين كما قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] [سورة الحج، آية: ٤٠] .
ولأنها كانت تخاطب العقول السليمة والفطرة المستقيمة، والقلوب الواعية المتجردة من الهوى.
[عدم التكافؤ المادي بين الدعوة وخصومها]
عدم التكافؤ المادي بين الدعوة وبين خصومها إن انتصار الدعوة وانتشارها وقيام دولتها مهيبة شامخة مع عدم التكافؤ بين إمكاناتها وإمكانات خصومها دليل كافٍ على ما تحمله من الحق والعدل.
لقد تهيأ لخصوم الدعوة والمعارضين لها من الإمكانات والوسائل والقوى، والإغراءات والأسباب المادية، للهجوم على الدعوة ما لا تملك الدعوة منه إلا اليسير سوى القوة المعنوية، لا سيما في أول عهدها.
فكان الخصوم يستعدون دولة كبرى وهي الدولة التركية التي ساندت المناوئين للدعوة في أول الأمر ثم تحولت إلى خصم لدود للدعوة في نهاية المطاف، وأعلنت الخصومة المذهبية والعقدية والسياسية، والحرب العسكرية على الدعوة وأهلها؛ لأن الدولة التركية في آخر عهدها تبنت البدع ودانت بالتصوف والقبورية، وهذا التوجه لا شك أنه معاكس لمنهج الدعوة الإصلاحية التي تقوم على تصحيح العقيدة والعبادة وتحارب التصوف والقبورية.
[ ١٤٩ ]
وكذلك أمراء الحجاز وهم خصومٌ أَلِدَّاء للدعوة وأتباعها كانوا يملكون من الوسائل ما لا تملكه الدعوة في أول عهدها. وكانت دعايتهم المضادة للدعوة تنطلق من مكة التي يؤمها المسلمون من كل مكان.
ومن وراء أولئك وهؤلاء شيوخ الفرق والطرق وأتباعها، وأصحاب المطامع والشهوات والأهواء، وأعداء الإسلام من الكافرين والمنافقين، الذي يرهبونه، ويكيدون للدين وأهله، الذين قال الله فيهم وهو سبحانه العليم الخبير ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨] [سورة آل عمران، الآية: ١١٨] .
فالدولة التركية، وأمراء الأقاليم المجاورة وأصحاب الطرق والفرق، وأعداء الإسلام كانوا كلهم يملكون من القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية، ووسائل النشر والإعلام الشيء الكثير، في حين أن الدعوة ودولتها لا تملك من ذلك إلا القليل (كما أسلفت) .
فمن مكة (مثلا) في عهد الأشراف والأتراك كانت تنطلق الشائعات الكاذبة، والمفتريات شفاهًا وبالكتب والرسائل وغيرها ضد الدعوة، إلى كل مكان وبسرعة مذهلة، ثم كانت وسائل الإعلام تنشر هذه المفتريات وكأنها حقائق في كل بقاع الدنيا، وكون هذه الشائعات والمفتريات تصدُر من مكة والمدينة، ومن أشراف، وتؤيدها السلطة التركية، هذه الأمور كافية عند عامة المسلمين البسطاء؛ لأن تُصَدَّق دون مناقشة.
ووسائل الإعلام والنشر خارج العالم الإسلامي كثيرًا ما تعتمد ذلك دون تثبُّت ولا روَّية.
بل كان أمراء الحجاز وأمراء الأحساء ومن شاكلهم حريصين على كل ما يقضي على الدعوة ودولتها الفتية الناشئة في مهدها بما في ذلك استعمال القوة العسكرية، والحرب الإعلامية، واستثارة عواطف الجهلة والغوغاء، وأصحاب المطامع، والمحجوبين عن الحقائق من العلماء والمفكرين وغيرهم.
يقول الدكتور عبد الله الصالح العثيمين تحت عنوان: «موقف القوى المحيطة بنجد من الدولة السعودية الأولى»: «كان متوقعًا أن تهتم جهات متعددة بالتطورات
[ ١٥٠ ]
السريعة التي حدثت في نجد إثر ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقيام الدولة السعودية على أساسها، وكان أهم تلك الجهات أشراف مكة وزعماء بني خالد، وكان زعماء بني خالد أكثر التصاقًا بالأحداث الجارية في نجد؛ لأنهم أقرب جغرافيًا إلى مركز تلك الأحداث من أشراف مكة، ولأن نفوذهم في إقليم العارض الذي انطلق منه دعوة الشيخ محمد كان أقوى من نفوذ أولئك الأشراف؛ بل كان النفوذ الوحيد الموجود حينذاك» .
«لقد اتخذ أشراف مكة موقفًا عدائيًا من دعوة الشيخ محمد والدولة السعودية على حدٍّ سواء منذ البداية. فقد سجن أحد أولئك الأشراف الحجاج التابعين للدولة السعودية سنة (١١٦٢هـ) (١) .
وأصدر قاضي الشرع في تلك البلدة المقدسة فتوى بتكفير الشيخ محمد وأتباعه (٢) . ولذلك مُنِعوا من أداء الحج سنوات طويلة (٣) . وكم كانت فرحة الشيخ عظيمة عندما تلقى رسالة من الشريف أحمد بن سعيد عام (١١٨٥هـ)، طالبًا منه بعث عالم نجدي لشرح الدعوة التي نادى بها. وقد أرسل إليه الشيخ تلميذه عبد العزيز الحُصيِّن. وبعث معه رسالة تنبئ عبارتها بما كان يختلج في نفسه من مشاعر طيّبة تجاه ذلك الشريف، وما كان يملأ جوانحه من آمال في مناصرته لدعوة الحق. قال الشيخ:
«بسم الله الرحمن الرحيم. المعروض لديك، أدام الله فضل نِعَمه عليك، حضرة الشريف أحمد بن الشريف سعيد - أعزَّه الله في الدارين، وأعزَّ به دين جدِّه سيِّد الثقلين - أن الكتاب لما وصل إلى الخادم وتأمَّل ما فيه من الكلام الحسن رفع يديه بالدعاء إلى الله بتأييد الشريف لما كان قصده نصر الشريعة المحمدية ومن تبعها، وعداوة من خرج عنها. وهذا هو
_________________
(١) ابن بشر، ج١، ص (٣٧) (العثيمين) .
(٢) أحمد بن زيني دحلان، خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام، القاهرة، ١٣٠٥هـ، ص (٢٢٧ - ٢٢٨) (العثيمين) .
(٣) وهذا مما يعكس الفرية التي زعمها خصوم الدعوة باتهام الإمام محمد وأتباعه بالتكفير والقتال، فإن خصوم الدعوة هم الذين كفروا إمامها وأتباعه ومنعوهم من حقهم المشروع في أداء فريضة الحج ونشر الدعوة، بل وبدؤهم بالعدوان والقتال والتحريض.
[ ١٥١ ]
الواجب على ولاة الأمور فلا بدَّ من الإيمان به - أي بالنبي ﷺ - ولا بد من نصرته لا يكفي أحدهما عن الآخر. وأحقُّ الناس بذلك وأولاهم أهل البيت الذين بعثه الله منهم، وشرَّفهم على أهل الأرض. وأحقُّ أهل البيت بذلك من كان من ذريته ﷺ» (١) .
على أن هذه الرسالة اللطيفة لم تُجن منها الثمار المرجوَّة. ذلك أن الشريف أحمد نفسه لم يبق في الحكم أكثر من سنة (٢) . فتلاشى ما دار في ذهن الشيخ من أمل، واستمر منع أنصاره من أداء الحج. ومع مرور الأيام لم يكتف أشراف مكة بذلك المنع؛ بل بدءوا بمهاجمة الأراضي النجدية التابعة للدولة السعودية عام (١٢٠٥هـ م) (٣) . وكانت النتيجة أن انتصر السعوديون في نهاية المطاف على أولئك الأشراف حتى دخلت الحجاز تحت حكمهم (٤) .
ولم يكن موقف زعماء بني خالد من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والدولة السعودية أقلَّ عداوة من موقف أشراف مكة» (٥) .
إن الدعوة لم تكن تملك (في مراحلها الأولى) من وسائل الإغراء ما يملكه خصومها من المال والجاه والمنافع المادية، وبهارج الدنيا وزينتها ما يرغب الناس فيها، ويجذب النفعيين والغوغاء، وأصحاب المطامع إليها، لكنها بالمقابل كانت تملك الجاذبية الفطرية، جاذبية الإيمان والتوحيد، والحق والبرهان والعقل السليم، والدين القويم. وتلكم والله مقومات السعادة الحقيقية التي تنشدها البشرية، والتي من تذوقها تشبث بها، وبذل أغلى ما يملك فداءً لها.
وهذه الجاذبية الساحرة هي السر الذي جعل من تأثر بهذه الدعوة (بالإسلام الحق) يتميز بالقوة والثبات والتضحية في سبيل الله.
_________________
(١) ابن غنَّام، ج٢ ص (٨٠ - ٨١) (العثيمين) .
(٢) السباعي، ج٢، ص (٨٥) (العثيمين) .
(٣) دحلان، ص (٢٦١)؛ ابن غنَّام، ج٢، ص (١٤٤ - ١٥٠)؛ ابن بشر، ج١، ص (١٠٨ - ١٠٩) (العثيمين) .
(٤) لمعرفة تفصيلات الغزوات المتبادلة بين الطرفين يمكن الرجوع إلى عبد الله العثيمين، تاريخ المملكة. . .، ج١، ص (١٢٦ - ١٣٥) (العثيمين) .
(٥) العلاقات بين الدولة السعودية الأولى والكويت للدكتور/ عبد الله الصالح العثيمين، ص (٥٥ - ٥٧)، ط٢، ١٤١١هـ (مع الهوامش) .
[ ١٥٢ ]
ولعل هذا هو السبب في أن بعض المبتدئين والأعراب وقليلي الفقه يكون عندهم شيء من الاندفاع والحماس غير المنضبطين حين لا يلتزم صاحبه بالحكمة والفقه في الدين والرجوع إلى أهل الذكر والعلم والتجربة.
[حقيقة المفتريات والاتهامات ضد الدعوة]
حقيقة المفتريات والتهم ضد الدعوة: إن إحساس خصوم الدعوة بقوتها وسرعة تأثيرها، وعمق أثرها، واستجابة الناس لها، وما تملكه من الدليل والبرهان جعلهم يبادرون إلى مقاومتها والصد عنها بكل الوسائل. وكان أقوى سلاح رموها به استعداء الآخرين عليها من القريبين والبعيدين، واستباحة الكذب والبهتان والتلبيس في نشر الدعاية ضدها.
كما أن المفتريات التي أثيرت حول الدعوة وإمامها وعلمائها ودعاتها ودولتها وأتباعها لا تصمد أمام التمحيص والموضوعية والبحث العلمي المتجرد.
فهي تراكمات من الشائعات والأكاذيب والمفتريات والبهتان الذي لا يصبر عليه الموافق، ولا يقره المنصف، ولا يثبت أمام الدليل وينفيه الواقع فهو إما من الكذب والافتراء، والشتم واللمز.
- أو من اللوازم التي لا تلزم.
- أو من الحق الذي ألبس بالباطل.
- أو من زلات بعض المنتسبين للدعوة أو المنسوبين لها بغير حق.
- أو من الحكم على الضمائر والقلوب مما لا يعلمه إلا علاَّم الغيوب – ﷾ -.
وسأبين شيئًا من ذلك في البحث التالي:
[ ١٥٣ ]
[المبحث الثاني أبرز المفتريات والتهم التي رميت بها الدعوة إجمالًا]
[وصفهم بالوهابية]
المبحث الثاني
أبرز المفتريات والتهم التي رميت بها الدعوة وأتباعها إجمالًا (١) ١ - وصفهم بالوهابية: إن وصف خصوم الدعوة لها ولإمامها وأتباعها بالأوصاف المشينة والألقاب الشنيعة، وإلصاق التهم والمفتريات، والهمز واللمز والسّخرية منهم ومن أقوالهم وأعمالهم. كل ذلك من الظلم والباطل وهو راجع إلى اختلال الموازين، وخلل المناهج لدى المخالفين والناقدين، فأكثر ما ذموهم به، أو أطلقوه عليهم من الأوصاف إن لم يكن من الكذب والبهتان وهو الغالب فهو من التلبيس والتضليل أو المبالغات، أو الجهل بالحق وأدلته.
فقد عيّروهم بالوهابيين لإيهام الناس بأنهم جاءوا بمذهب جديد مبتدع.
[رميهم بالتجسيم]
٢ - رميهم بالتجسيم: ووصفوهم بأنهم (مجسمة) لأنهم يثبتون الصفات لله تعالى كما جاءت في نصوص القرآن والسنة وكما أثبتها السلف الصالح، وهذا هو الحق لكن المخالفين صوروه بصورة الباطل لهؤلاء الخصوم على منهج الجهمية في التعطيل والتأويل، الذين يسمون الإثبات تجسيما.
[بهتانهم بالتنقص من حق النبي ﷺ]
٣ - بهتانهم بتنقص النبي ﷺ وبغض الأولياء: وبهتوهم بتنقص النبي ﷺ وبغضه، أو بغض الأولياء حين أنكروا بدع الموالد وإطراء النبي ﷺ، وحين أزالوا بدع القبور، ونهوا عن دعاء غير الله تعالى والحلف بغير الله ونحو ذلك، مما هو في حقيقة الأمر تعظيم لقدر النبي ﷺ وامتثال لسنته، وتكريم للأولياء والصالحين.
[اتهامهم بالتشدد]
٤ - اتهامهم بالتشدد: ورموهم بالتزمت والتشدد حين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وأقاموا شعائر الدين؛ لأن أهل الأهواء لا يريدون أن تنكر عليهم منكراتهم وبدعهم أو يُصَدُّون عن شهواتهم.
_________________
(١) نوقشت بعض هذه المفتريات والمزاعم وغيرها في الفصل الثاني من هذا البحث. انظر: فهرس الموضوعات.
[ ١٥٦ ]
[اتهامهم بالتكفير والقتال]
٥ - اتهامهم بالتكفير واستحلال القتال: ولما ظلموهم وقاتلوهم؛ هبوا للدفاع عن أنفسهم ودينهم ودولتهم وحقوقهم، إلى أن صار لهم كيان وقامت لهم دولة تنشر السنة، وتحارب الشركيات والبدع، وتنصر المسلمين وتقيم العدل، وتحكم بالشرع، بعد ذلك، اتهمهم خصومهم بالقتال والتكفير والتشدد ونحو ذلك من الأوصاف التي هي إلى المدح والتزكية أقرب منها إلى الذم والتجريح؛ لأنهم حين قاتلوا ابتداء قاتلوا دفاعًا عن أنفسهم وعن دعوة الحق حتى صارت لهم دولة وكيان يحمون به حقوقهم ودينهم ومصالحهم.
وحين تمسكوا بالدين وأخذوا بالسنة فهذا أمر ممدوح وإن سماه خصومهم والجاهلون تشددًا. فالعبرة بالمضامين والحقائق لا بالألفاظ التي يتلاعب بها الشياطين.
[دعوى معارضة علماء المسلمين لهم]
٦ - دعوى معارضة علماء المسلمين وعقلائهم لها: ومما يثار على الدعوة من قبل خصومها والجاهلين بحقيقتها، أن بعض العلماء والصالحين، وبعض العقلاء الأقربين قد عارضوها، مع أن بعضهم كان قد وافق الإمام في أول دعوته، ثم عارضه أو تخلى عنه.
فأقول: أولًا ليس شرطًا في صحة الدعوة وسلامتها موافقة كل العلماء والأمراء والعقلاء والصالحين. فقد تصرفهم عنها الصوارف التي تعتري البشر، من الأهواء والحسد، والخوف، والشهوات، والشبهات، والتلبيس، والاجتهاد الخاطئ، وغيرها من الصوارف.
وثانيا: أن كثيرين من العلماء والصالحين والوجهاء والأمراء كانوا قد وافقوا الشيخ والإمام في أول دعوته، لكنها لما وصلت إلى مرحلة الصدع بالحق، ورفع الظلم والجهل والبدع والحزم والقوة، ولما رأوا الجد والتبعات التي تترتب على إعلان الحق والتصدي للباطل، تراجع بعضهم، وضعف آخرون، وتأثرت فئة ثالثة بالدعاية المضادة، واستجابت لضغوط الواقع، وإرجاف أهل الباطل، وسكت آخرون إيثارًا للعافية.
وظهرت ردود الأفعال قوية عنيفة فلم يستطع الثبات أمام عواصفها إلا أولو العزم والصبر - وهم قليل - وتلك سنة الله في خلقه.
[ ١٥٧ ]
[دعوى مخالفة أكثرية المسلمين وأنهم مذهب خامس]
٧ - دعوى مخالفتها لأكثرية المسلمين وأنها مذهب جديد (أو خامس): وإن من أكثر ما يثار على الدعوة ومنهجها وإمامها دعوى أنها تخالف الأكثرية من المسلمين وأنها مذهب جديد أو خامس. وهذه دعوى لا اعتبار لها في ميزان الشرع والعقل السليم والواقع كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] [سورة الأنعام، آية: ١١٦] .
وقد أخبر النبي ﷺ أن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا واحدة (١) . كما أن اعتبار الأغلبية في الدين خلاف السنن التي قامت عليها دعوة الأنبياء والمصلحين، فالعبرة بسلوك السبيل الحق، المتمثل بالقرآن والسنة ونهج السلف الصالح، والحق والعدل فحسب دون اعتبار لعدد السالكين أو الهالكين.
كما أن الناظر في واقع المسلمين في العصور المتأخرة لا يجد للأكثرية مذهبًا معينًا فقد تنازعتهم المذاهب والفرق والبدع والطرق والاتجاهات والشعارات والحزبيات، هذا مع ضرورة الاحتفاظ بقاعدة: «أن الحق ما وافق السنة والسلف الصالح وإن كنت وحدك» وأعني بذلك أنا لو افترضنا - جدلًا - أن المسلمين اجتمع أكثرهم على مذهب يخالف السنة، فلا عبرة بذلك شرعا.
وقد اعتمد إمام الدعوة مذهب الإمام أحمد بن حنبل رابع الأئمة الأربعة الذين ارتضتهم الأمة، ولم يأت بمذهب جديد كما زعموا.
[دعوى تحريم التبرك والتوسل والشفاعة مطلقا]
٨ - دعوى منع التبرك والتوسل والشفاعة مطلقا: لما نهى علماء الدعوة من التوسلات البدعية، والتبرك البدعي، وكذلك الشركيات والبدع التي يسميها أهل الأهواء شفاعة، رموهم بأنهم يحرمون التوسل والتبرك والشفاعة مطلقا. وهذا كذب وبهتان.
وقد بينت في موطن آخر من هذا البحث أن السلف الصالح أهل السنة والجماعة ومنهم أتباع هذه الدعوة يثبتون التبرك المشروع، والتوسل المشروع، والشفاعة الثابتة بمقتضى النصوص، ويدينون الله بذلك اعتقادًا وعملا. لكنهم يحاربون البدع والشركيات في ذلك كله.
_________________
(١) الحديث سبق تخريجه.
[ ١٥٨ ]
[المبحث الثالث لماذا هذه المفتريات والاتهامات]
[الحسد والخوف على السلطان والمصالح]
المبحث الثالث
* لماذا هذه المفتريات والتهم؟ عند التحقيق في دعاوى المناوئين وشائعات الخصوم، وغيرهم نجد أن الناس الذي ينقلون هذه الشائعات ويتداولونها ليس لديهم مستندًا علميًا على ما يشيعون أو يفترون، بل غالبًا إنما ينقل بعضهم عن بعض، ويتداولون المقولات، ويزيدون عليها، فحين تظهر فرية تطير بها الشياطين في الآفاق حتى تتشعب وتزداد إلى أن تصبح من الأساطير والملاحم الكبرى التي قد تصل إلى كتب ومصنفات مصدرها الخيالات والأوهام والشائعات واللوازم التي لا أصل لها. والله حسبنا ونعم الوكيل. ومن أهم أسباب ذلك:
١ - الحسد والخوف على السلطان والمصالح: ومما تجدر الإشارة إليه أن من أعظم ما استثار خصوم الدعوة سواء كانت خصومتهم مذهبية - وهو الغالب - وأعني بهم أهل الأهواء والبدع والافتراق - أو كانت خصومتهم دنيوية بسبب الحسد، أو الخوف على المصالح، أو من كانت خصومتهم سياسية، كل هؤلاء وغيرهم ممن عارضوا الدعوة ووقفوا ضدها، أو كرهوا ظهورها وانتشارها - إنما أزعجهم واستثارهم أن يكون للدعوة دولة وسلطان وإمارة وكيان سياسي، لا سيما وأن أول من احتضنها وهو الإمام محمد بن سعود وأحفاده كانت تتوفر فيهم صفات الزعامة والقيادة والسيادة، فكان ابن سعود يمتاز عن كثيرين ممن حوله بالدين والخلق والعدل والحنكة والحلم والصبر، وسداد الرأي، وسلامة المعتقد مما أكسبه السمعة الحسنة والذكر الطيب، وكثيرون من عقلاء الناس وساستهم يعرفون أن هذه هي مؤهلات التمكين والظهور بعد توفيق الله.
ولا شك أن هذه المؤهلات القيادية أثارت غيرة الزعامات المجاورة وغير المجاورة وحسدهم، وخوفهم على مراكزهم ومصالحهم، فكانوا في طليعة المناوئين للدعوة وإمامها وأميرها ودولتها.
وفي مقدمة هذا الصنف: المناوءون الأوائل الذين وقفوا ضد الحركة الإصلاحية وأثاروا العالم حول إمامها الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
فإنهم حين رأوا الحزم والجد من قبل الشيخ في نشر دعوة التوحيد وإزالة البدع والمنكرات وإقامة الحدود، شرعوا في استعداء الناس عليه ليس في نجد فحسب، بل قام
[ ١٦٠ ]
بعضهم بالمكاتبات والرسائل للعلماء والزعماء في سائر العالم الإسلامي، ولسلاطين الدولة العثمانية والأشراف.
وقام آخرون بالرحلات إلى مواطن البدع واستنهض همم أهلها، واستعداهم على الدعوة وإمامها وأتباعها.
ولعل من أكبر أسباب الدعاية المضادة للدعوة الإصلاحية السلفية، إزالتها للبدع الظاهرة والمنكرات المتفشية، فكلما وصلت إلى بلد أزالت القباب والمشاهد على القبور وهدمت الأضرحة التي يتجاوز بناؤها السنة وأزالت الأحجار والأشجار والمزارات البدعية، وأقامت الحدود، وقضت على المنكرات الظاهرة، وعلى كل مظاهر الدجل والسحر والشعوذة وأكل أموال الناس بالباطل وسائر المظالم.
وهذا مما لا شك فيه أنه سيثير حفيظة أهل الباطل والمنكر والبدع، ويوقع في نفوسهم الهلع، وتنقطع به منافعهم ومصالحهم، ومنافع كثير من المرتزقين بالبدع والمنكرات والدجل من زعماء وشيوخ وسدنة ومزورين وعاملين وغيرهم كثير من الخاصة والعامة.
وهذا من أكبر عوامل الإثارة ضد الدعوة وضد السنة إلى اليوم؛ لأنها تقضي على مظاهر الارتزاق بالشركيات والبدع والمنكرات وسائر أسباب الكسب الحرام، والجاه المشبوه، وتكشف ألاعيب الدجالين والمتاجرين بالدين.
[اختلاف المناهج والمشارب]
٢ - اختلاف المناهج والمشارب: ومما يحسن التنبيه له - وهو مهم جدا - في إعطاء التصور العلمي الحقيقي في مسألة النزاع بين الدعوة وخصومها وما يثيرونه حولها من شبهات ومزاعم وانتقادات.
ألا وهو اختلاف المناهج والمشارب، المتمثل بالاختلاف العقدي والمنهجي بين السنة وأهلها وبين البدعة وأهلها، فالإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وكل من نهج نهج السنة والجماعة وطريق السلف الصالح يقررون السنة وينصرونها، ويجانبون البدع ويحاربونها.
فالحق الذي يقولونه - وهو بيِّن - وأدلتهم من القرآن والسنة - وهي جليّة - غير معتمدة وغير مقبولة أصلًا عند أهل البدع؛ لأنهم تقوم مناهجهم ومصادرهم وأدلتهم واستدلالاتهم على غير منهج الحق، بل تقوم مصادرهم على التلفيق، ومناهجهم على التحريف، واستدلالاتهم على
[ ١٦١ ]
التلبيس واتباع المتشابه كما قال الله سبحانه عنهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] [سورة آل عمران، آية: ٧] . وعليه فلا نتوقع أن يكون الحق الذي يقول به أهل السنة عند أهل البدع مقبولا. ولا نتوقع أن يكون النهج الذي عليه أهل السنة عند أهل البدع مرضيا. إلا من وفقه الله للتجرد للحق، (فليس كل أهل البدع يتعمدون الباطل لكنهم قد يجهلون الحق) .
أو من كان عليه الأمر ملتبسًا وهو يريد الحق أصلا، فقد يرجع للحق إذا انكشف له الأمر.
أو من كان ضحية التضليل ودعاية السوء فتكشف له الحقيقة بعد البيان.
أو من كان محايدًا يميل إلى العدل والإنصاف فينظر في دعاوى الطرفين. حتى يتبين له وجه الحق.
إذًا فليس من شرط تحقيق الحق تسليم الخصم وإقراره به. ولكن معذرة إلى ربكم ولعلهم يرجعون.
[كشف العوار]
[دعوة إلى الإنصاف والموضوعية]
٣ - كشف العوار: مما لا شك فيه أنه بظهور الحق ينكشف الباطل، وبطلوع الشمس تنجلي ظلمات الليل، وبشيوع العلم يرتفع الجهل، وبإحياء السنن تموت البدع.
وهذا ما حصل فعلًا عندما قامت هذه الدعوة الإصلاحية المباركة، فقد كشفت عوار أهل البدع والأهواء والافتراق، وأظهرت جهلهم وزيفهم، حين قامت على الدليل - القرآن والسنة - واعتمدت منهج السلف الصالح، ونشرت العلم والسنة، وحاربت الشركيات والبدع والخرافة والجهل، ولذلك تداعوا عليها من كل مكان وأجلبوا عليها بخيلهم ورجلهم ولا يزالون، لكنها لا تزال ولن تزال - بحول الله وقوته - ظاهرة بالحق منصورة تحقيقًا لوعد الله تعالى وخبر رسوله ﷺ «لا تزال طائفة في أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (١) .
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ١٦٢ ]
* دعوة إلى الإنصاف والموضوعية: وإنا لندعو أولئك الذين يروجون هذه الاتهامات والدعاوى، والذين ينصرونها إلى التروي والإنصاف والموضوعية، ومن القواعد والأسس العلمية والموضوعية، والقواعد الجلية التي ندعو إليها كل من يريد أن يحاكم هذه الدعوة وأهلها أو يقومها ويسددها، أو ينظر في حقيقة مقالات خصومها فيها ودعاواهم حولها إلى:
١ - رد ما اختلف فيه خصوم الدعوة من المسلمين معها ومع أهلها إلى القاعدة المجمع عليها عند المسلمين وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] [سورة النساء، آية: ٥٩] أي إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وبالمنهج العلمي المعتبر عند مجتهدي الأمة، وهذا هو المنهج الذي سلكه إمام الدعوة وعلماؤها، فكانوا يعتمدون الدليل من القرآن والسنة وآثار سلف الأمة وأقوال علمائها كما سأبينه في مناقشة دعاوى الخصوم تفصيلا.
٢ - أن يكون الحكم عليها من خلال منهجها المعلن، قولًا وعملًا واعتقادا. من خلال منهج أئمتها وعلمائها ومؤلفاتهم ورسائلهم، وأقوالهم ومعاملاتهم التي عليها جملتهم.
٣ - أن لا يحكم عليها من أقوال خصومها دون تثبت؛ لأن الدعوة لها كيان وواقع ماثل للعيان في علمائها وأتباعها ودولتها ومجتمعها، وآثارها العلمية والعملية، مما يستدعى وجوب التثبت مما ينسبه إليها الآخرون من أقوال وأفعال ومواقف، فإن أكثره عند التحقيق لا يثبت، وما ثبت له وجه من الحق والعُذر.
٤ - يجب أن تكون النظرة في الحكم على الدعوة شاملة من جميع الزوايا والجوانب في الاعتقاد والقول والعمل والتعامل. لا من زاوية واحدة، ولا من تصرفات وأعمال ومواقف شاذة أو فردية، أو زلات عارضة، فإن العبرة بالأصول والمنهج، لا بالمفردات والجزئيات.
٥ - أن لا يحكم عليها بلوازم الأقوال والأفعال إلا حين تلتزمها، أو يثبت أن ذلك من منهجها بدليل قاطع.
٦ - يجب النظر في دفاعها عن الحق الذي تعلنه، فقد دافعت الدعوة عن مبادئها؛ إمامها ودولتها وعلماؤها وأتباعها ومؤيدوها، والمنصفون من العلماء وغيرهم، كلهم تصدوا للدفاع بالدليل والحجة والبرهان.
٧ - كما أن شهادات الآخرين لها بشتى أصنافهم - من المسلمين أو غيرهم - معتبرة وهي كثيرة
[ ١٦٣ ]
ومتنوعة من المسلمين وغير المسلمين، ومن مختلف الطوائف والشعوب، من علماء ومفكرين وأدباء وسياسيين ونحوهم.
٨ - ثم إنه ليس كل خلاف بين المتنازعين كأهل الدعوة وخصومهم - أو غيرهم - يكون معتبرًا ويعتد به شرعًا وعقلا. إنما العبرة بالموازين والقواعد الشرعية المستمدة من الأدلة الشرعية، (الوحي المعصوم)، وبالبراهين العقلية المتفق عليها عند العقلاء.
وهذا لا يمكن أن يكون عند المسلمين إلا بالرجوع إلى الكتاب وصحيح السنة على نهج السلف الصالح في التلقي والاستدلال، وفي العلم والعمل.
٩ - يجب على الناقد والناظر في حقيقة هذه الدعوة أن يضع بعين الاعتبار أنها واجهت في الأمة أمراضًا مزمنة، ومعضلات كبرى، وأدواء مستعصية تحتاج في إصلاحها إلى دعوة قوية، وهمم عالية، ومنهج شامل، وتغير جذري (هو تجديد السنة وإحياء ما أهمل منها، وحرب البدع ومظاهرها) .
إن الدعوة واجهت قوى بدعية كبرى استشرت في جسم الأمة كالتصوف، والرفض، والتجهم، والمقابرية، والفرق المفترفة، والفلسفات، والشعوبية، والقبلية، والتقاليد والأعراف الموضوعة، والأطماع والشهوات والشبهات، والإعراض عن الدين، فمن هنا كانت ردود الأفعال والتحديات والمفتريات كبيرة كذلك.
١٠ - كما ينبغي للباحث المنصف أن يضع في اعتباره كذلك، أن الدعوة تعرضت لمظالم كبرى. أولها الكذب والبهتان، والاستعداء الظالم، والإعلام المرجف، ثم المحاصرة الدينية والاقتصادية والسياسية من قبل الخصوم المجاورين والبعيدين. إلى أن وصل الحال إلى منع اتباعها من الحج ومنعهم بالقوة من إبلاغ الدعوة وإظهار شعائر الدين والتوحيد وقتل دعاتهم وحبسهم وطردهم، بل وصل الأمر إلى تجييش الجيوش لقتالهم في دارهم وبلادهم الأولى (نجد) .
١١ - أن أكثر ما رميت به الدعوة من خصومها والجاهلين بحقيقها من المفتريات، هي عند التحقيق العلمي المتجرد بريئة منه.
وحين نجد أنها بريئة منه؛ بالمقابل نجد أن هؤلاء الخصوم الذين بهتوها هم الواقعون بما افتروه على الدعوة، فهم كما يقال في المثل (رمتني بدائها وانسلت) .
فالتكفير والتشدد والقتال، وتنقص حق الرسول ﷺ وإهانة الأولياء، والنصب والرفض، والتجسيم، والعدوان والظلم، والكذب والبهتان، والاستعداء والتضليل،
[ ١٦٤ ]
وكل ذلك حاصل من أهل البدع والأهواء والافتراق من خصوم الدعوة - ضدها بمختلف طوائفهم وأصنافهم وأزمانهم.
١٢ - أن في منهج إمام الدعوة وسيرته العلمية والعملية، وما كتبه وعمله هو وأتباعه من العلماء والحكام والمؤيدين، والمنصفين، في الدعوة وأصولها وآثارها، وفي الدين - ما يبطل دعاوى الخصوم ويفنِّد شبهاتهم، ويكشف حقيقة مفترياتهم، وزيف دعاواهم.
ومما يؤكد هذه الحقيقة أن المتأمل لمفتريات الخصوم يجد أنها مع توافر كتب الدعوة ورسائلها لا تستند إلى دليل، ولا نقل موثق، ولا إسناد صحيح. وغاية ما عند الخصوم: قيل وقالوا، ويقال.
وبالمقابل نجد كل دعوى وافتراء وبهتان قيلت عن الدعوة وإمامها وأهلها - قد ردها الإمام نفسه، وعلماء الدعوة وأنصارها، والمنصفون من غيرهم.
وكتبهم ورسائلهم وحواراتهم ومواقفهم كلها مسطورة منشورة، وكذلك مؤلفات المنصفين والمحايدين ومقالاتهم كثيرة موفورة، وما قد يوجد من نقول الخصوم عن علماء الدعوة - وهو قليل - فلا يسلم من عوارض الخطأ والانحراف في الاستدلال من البتر، والتلبيس، والخلل في النقل أو في الحكم، أو النزاع فيما لا يوافق عليه المنازع، أو اتهام النيات، أو الإلزام بما لا يلزم. ونحو ذلك مما تنطوي عليه مناهج المخالفين من أهل الأهواء والبدع من الخلل والانحراف.
[وقفة تأمل ومراجعة]
وقفة تأمل ومراجعة: ومع ذلك فيجب أن نعترف أنه من الطبيعي أن تحدث من بعض المنتسبين للدعوة بعض الأخطاء والتجاوزات والزلات - كما ذكرت أكثر من مرة - التي لا تسلم منها أعمال البشر - وليس معصوم إلا النبي ﷺ (والكمال لله وحده سبحانه) لكن هذه الأخطاء ليست هي المنهج الذي تسير عليه الدعوة لأنها تنطلق في الإسلام نفسه، وتسير على السنة، والإسلام والسنة هما دين الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ومعلوم أن كل أمة، وكل مبدأ، وكل نظام إنما يكون الحكم له أو عليه من خلال أصوله وقواعده ومناهجه ونظمه وجملة الواقع الذي يعيشه أتباعه، لا بما يند عن ذلك من أقوال أو أفعال أو أحكام تخرج عن الأصل.
[ ١٦٥ ]
[المبحث الرابع نماذج من المفتريات والاتهامات]
[الأنموذج الأول والتعليق عليه]
المبحث الرابع
نماذج من المفتريات والاتهامات الأنموذج الأول وجوابه: ويمثل أخطر رسالة وأهمها في أول الدعوة في استعداء العالم الإسلامي على الدعوة وصاحبها وأتباعه.
وهي رسالة سليمان بن محمد بن سحيم وهي بمثابة البرقية العاجلة الموجهه إلى سائر العلماء في العالم الإسلامي:
«من الفقير إلى الله تعالى، سليمان بن محمد بن سحيم، إلى من يصل إليه من علماء المسلمين وخُدّام شريعة سيِّدِ ولَدِ آدم من الأولين والآخِرين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فالذي يحيط به علمُكم أنه قد خرج في قطرنا رجل مبتدعٌ جاهل، مُضِلٌّ ضال، من بضاعة العلم والتقوى عاطل (١)؛ جرت منه أمور فظيعة، وأحوال شنيعة، منها شيء شاع وذاع، وملأ الأسماع، وشيء لم يتعدّ أماكننا بعد (٢) . فأحببنا نشر ذلك لعلماء المسلمين وورثَة سيِّد المرسَلين ليصيدوا هذا المبتدِع صيْدَ أحرار الصُّقور لصغار بُغَاث الطيور، ويردُّوا بِدَعَهَ وضلالته، وجهله وهفواته (٣) .
والقصد من ذلك: القيام لله ورسوله، ونصرة الدين؛ جعلنا الله وإياكم من الذين يتعاونون على البر والتقوى.
فمن بدعه وضلالته: أنه عمد إلى شهداء أصحاب رسول الله ﷺ الكائنين في الجُبَيْلَة: زيد بن الخطاب وأصحابه، وهدم قبورهم وبعثرها، لأجل أنهم من حجارة ولا يقدرون أن يحفروا لهم، فطووا على أضرحتهم قدْرَ ذراع ليمنعوا الرائحة والسباع، والدافع لهم خالد، وأصحاب رسول الله ﷺ (٤) .
_________________
(١) لقد ثبت من سيرة الشيخ الإمام وأحواله أنه: متبع للسنة لا مبتدع. وأنه عالم لا جاهل، وأنه مهتد وداع للهدى لا ضال ولا مضل. وأنه صاحب علم وتقوى.
(٢) تأمل ألفاظ التهويل والتشنيع والاستعداء والتضليل وما ذاك إلا لأن الشيخ دعا للتوحيد وترك البدع وأقام الحدود ونهى عن المنكرات، وأفتى بالدليل على غير المألوف.
(٣) لاحظ أسلوب الاستعداء مرة أخرى.
(٤) الإمام إنما عمد إلى هدم القباب والأبنية على القبور، وما رفع منها أكثر مما جاءت السنة، امتثالًا لأمر النبي ﷺ بتسوية كل قبر مشرف (مرتفع) .
[ ١٦٨ ]
وعمد أيضًا إلى مسجد في ذلك وهدمه، وليس داعٍ شرعي في ذلك إلا اتباع الهوى (١) .
ومنها: أنه أحرق «دلائل الخيرات» لأجل قول صاحبها: سيدنا ومولانا وأحرق أيضًا «روض الرياحين» وقال: هذا روض الشياطين (٢) .
ومنها: أنه صحّ عنه أن يقول: لو أقدر على حجرة الرسول هدمتُها، ولو أقدر على البيت الشريف أخذت ميزابه، وجعلت بدله ميزاب خشب (٣) . أما سمع وجه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] .
ومنها: أنه ثبت أنه يقول: الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء. وتصديق ذلك أنه بعث إليَّ كتابا يقول فيه: أقرُّوا أنكم قبلي جُهَّال ضُلال (٤) .
ومن أعظمها: أنّ من لم يوافقه في كل ما قال ويشهد أن ذلك حقٌّ، يَقْطْع بكفره، ومن وافقه وصدّقه في كل ما قال - قال: أنت موحِّد، ولو كان فاسقًا محضا، أو ماكسًا (٥) .
_________________
(١) بل كان ذلك المسجد مسجد ضرار تقام فيه البدع وتمارس حوله المنكرات وأنواع الدجل والابتزاز لأموال المساكين، فلا يعقل أن إمام السنة في زمانه يعمد إلى هدم المسجد فهو إنما أزال البدع، وإن هدمه فلا يكون ذلك بدون سبب مشروع لأنه ليس بجاهل ولا ظالم ولا مبتدع. وقد هدم النبي ﷺ مسجد الضرار.
(٢) هذه الأمور كلها نفاها الشيخ بنفسه ولم تثبت عليه، وسيأتي تفنيدها إن شاء الله، فهي من جملة البهتان والأكاذيب.
(٣) هذه الأمور كلها نفاها الشيخ بنفسه ولم تثبت عليه، وسيأتي تفنيدها إن شاء الله، فهي من جملة البهتان والأكاذيب.
(٤) هذه الأمور كلها نفاها الشيخ بنفسه ولم تثبت عليه، وسيأتي تفنيدها إن شاء الله، فهي من جملة البهتان والأكاذيب.
(٥) هذه الأمور كلها نفاها الشيخ بنفسه ولم تثبت عليه، وسيأتي تفنيدها إن شاء الله، فهي من جملة البهتان والأكاذيب.
[ ١٦٩ ]
وبهذا ظهر أنه يدعو إلى توحيد نفسه لا إلى توحيد الله (١) .
ومنها: أنه بعث إلى بلداننا كتابًا مع بعض دُعاته بخطِّ يده، وحلف فيه بالله أن علمه هذا لم يعرفه مشايخه الذين ينتسب إلى أخذ العلم منهم - في زعمه، وإلا فليس له مشايخ - ولا عرفه أبوه، ولا أهل «العارض» . فيا عجبًا إذا لم يتعلمه من المشايخ ولا عرفه أبوه ولا أهل قُطْره، فمن أين علمه؟ وعن من أخذه؟ هل أوحى إليه؟ أو رآه مناما؟ أو أعلمه به الشيطان؟ وحلفه هذا أشرف عليه جميع أهل العارض (٢) .
ومنها: أنه يقطع بتكفير ابن الفارض وابن عربي (٣) .
ومنها: أنه قاطع بكفر سادةٍ عندنا من آل الرسول، لأجل أنهم يأخذون النذور، ومن لم يشهد بكفرهم فهو كافر عنده (٤) .
ومنها: أنه ثبت عنه لمّا قيل له: اختلافُ الأئمة رحمة؛ قال: اختلافهم نقمة (٥) .
ومنها: أنه يقطع بفساد الوقف، ويكذِّب المروي عن رسول الله ﷺ وأصحابه أنهم وقفوا (٦) .
ومنها: إبطال الجعالة على الحج (٧) .
ومنها: أنه ترك تمجيد السلطان في الخطبة، وقال: السلطان فاسق لا يجوز تمجيده (٨) .
ومنها: أنه قال: الصلاة على رسول الله ﷺ يوم الجمعة وليلتها هي بدعة وضلالة تَهْوِي بصاحبها إلى النار (٩) .
_________________
(١) هذه فرية صلعاء فإن أشهر ما دعا إليه الشيخ إخلاص التوحيد والعبادة لله وحده، وهذه قضيته الكبرى بإجماع الناس، وهي أبرز ما ينقم عليه خصومه من المدافعين عن الشركيات والبدع ووسائلها وأهلها، فكيف يقال إنه يدعو إلى توحيد نفسه.
(٢) هذا من التدليس والتلبيس فإن الشيخ لم يدَّع ذلك، إنما بين حال المقلدين، الذي أخذوا دينهم عن الأباء والأجداد دون بصيرة، وبعض العلماء الذين عارضوا دعوة التوحيد، وبعضهم لم يفهم أو لم يفقه معنى لا إله إلا الله فجعل دعاء غير الله ونحو ذلك من التوسل المشروع.
(٣) هذه الدعوى نفاها الشيخ بنفسه في رسائله.
(٤) هذا من الكذب فلم يثبت.
(٥) هذا أيضًا من الكذب.
(٦) ليس على إطلاقه، فالشيخ إنما أنكر بعض صور الوقف التي فيها ظلم وجنف.
(٧) لم يثبت ذلك عنه.
(٨) لم يثبت عنه ذلك. بل كان في رسائله يدعو للأمراء التابعين للسلطان كما فعل في رسالته لأشراف مكة.
(٩) الشيخ يرى ويعلن مشروعية الصلاة على النبي ﷺ وأنها من الحقوق الواجبة على كل مسلم لكنه ينكر ما يفعله أهل البدع من الأذكار والهيئات المبتدعة في ذلك.
[ ١٧٠ ]
ومنها: أنه يقول: الذي يأخذه القضاة قديمًا وحديثًا - إذا قضوا بالحق بين الخصمين، ولم يكن بيت مال لهم ولا نفقة - إن ذلك رشوة (١) . هذا القول بخلاف المنصوص عن جميع الأمَّة: أن الرشوة ما أُخِذ لإبطال حقٍّ أو لإحقاق باطل، وأن للقاضي أن يقول للخصمين: لا أقضي بينكما إلا بجُعْل.
ومنها: أنه يقطع بكفر الذي يذبح الذبيحة ويسمِّي عليها ويجعلها لله تعالى، ويدخل مع ذلك دفع شر الجن، ويقول: ذلك كفر واللحم حرام، فالذي ذكره العلماء في ذلك أنه مَنْهِيٌّ عنه فقط وذكره في حاشية «المنتهى» (٢) .
فبيِّنوا رحمكم الله للعوامِّ المساكين الذي لبَّس عليهم، وأبطل عليهم الاعتقاد الصحيح، فإن رأيتم أن ذلك صواب فبيِّنُوه لنا ونرجع إلى قوله (٣) «وإن رأيتموه خطأ فادعوه وازجروه (٤) وبينوا للناس خطأه، فقد افتتن بسببه ناس كثير من أهل قُطْرنا، فتداركوا - رحمكم الله - الأمر قبل أن يرسخ في النفوس، فإن الجواب متعيِّنٌ على من وقف عليه ممن له معرفة بحكم الله ورسوله؛ لأن ذلك إظهار للحق عند خفائه، وإدحاض للباطل» (٥) .
[جواب الإمام وابنه عبد الله على هذه المفتريات ونحوها]
جواب الإمام وابنه عبد الله على هذه المفتريات ونحوها: ومما يكشف حقيقة هذا الرجل «ابن سحيم» وأمثاله هذه الرسالة القيمة التي بعثها الشيخ الإمام إليه ناصحًا وعاتبًا وموبخًا له وكاشفًا لحاله وما كان عليه من التناقض والاضطراب والكيد للدعوة وإمامها.
ومما قال فيها: «فإن كان هذا قدر فهمك، فهذا من أفسد الأفهام، وإن كنت
_________________
(١) ليس هذا قول الشيخ فيما أعلم والمسألة خلافية أيضًا.
(٢) نعم ما ذكره عن الإمام حق وهو الصواب بمقتضى الأدلة وما كان عليه السلف الصالح وقد بين ذلك بالأدلة. كما سيأتي قريبًا.
(٣) هذا كلام حق لو أنه التزمه.
(٤) هذا استعداء وتحريض.
(٥) تاريخ نجد لابن غنام (٢ - ٩١) تحقيق ناصر الدين الأسد.
[ ١٧١ ]
تلبس به على الجهال، فلا أنت برابح» (١) .
ثم قال مشفقًا على أولئك الجهال الذي يلبس عليهم ابن سحيم: «يعتقدون أنكم علماء، ونداريكم نود أن الله يهديكم ويهديهم، وأنت إلى الآن أنت وأبوك، لا تفهمون شهادة أن لا إله إلا الله» .
«ونكشف لك هذا كشفًا بينًا، لعلك تتوب إلى الله، وتدخل في دين الإسلام، إن هداك الله» (٢) .
ثم قال: «وكشف ذلك بوجوه:
الوجه الأول: أنكم تقرون، أن الذي يأتيكم من عندنا هو الحق، وأنت تشهد به ليلًا ونهارا، وإن جحدت هذا، شهد عليك الرجال والنساء.
ثم [مع] هذه الشهادة «أن هذا دين الله» أنت وأبوك: مجتهدان، وتبهتون وترمون المؤمنين بالبهتان العظيم، وتصورون على الناس الأكاذيب الكبار، فكيف تشهد أن هذا دين الله، ثم تتبين (٣) في عداوة من تبعه؟!
الوجه الثاني: أنك تقول إني أعرف التوحيد، وتقر أن من جعل الصالحين وسائط، فهو كافر، والناس يشهدون عليك أنك تروح للمولد (٤) وتقرؤه لهم، وتحضرهم وهم ينخون (٥) ويندبون مشايخهم، ويطلبون منهم الغوث والمدد، وتأكل اللقم من الطعام المعد لذلك، فإذا كنت تقر: أن هذا كفر، فكيف تروح لهم، وتعاونهم عليه، وتحضر كفرهم؟! .
الوجه الثالث: أن تعليقهم التمائم، من الشرك (٦) بنص رسول الله ﷺ وقد ذكر
_________________
(١) الدرر السنية (١٠) .
(٢) الدرر السنية (١٠) .
(٣) أي تتصدى وتشتهر.
(٤) المولد بدعة.
(٥) أي يستنجدون ويَسْتغيثون.
(٦) يقصد ما جاء عن النبي ﷺ في قوله: «من تعلق تميمة فقد أشرك» . رواه الإمام أحمد (٤) من حديث عقبة بن عامر، ورواته ثقات. راجع: فتح المجيد ص (١٠٢) .
[ ١٧٢ ]
تعليق التمائم صاحب الإقناع، في أول الجنائز، وأنت تكتب الحجب، وتأخذ عليها شرطًا حتى أنك تكتب لامرأة حجابًا لعلها تحبل، وشرطت لك أحمرين، وطالبتها تريد الأحمرين، فكيف تقول: إني أعرف التوحيد؟ وأنت تفعل هذه الأفاعيل؟ وإن أنكرت، فالناس يشهدون عليك بهذا.
الوجه الرابع: أنك تكتب في حجبك طلاسم، وقد ذكر في الإقناع أنها من السحر، والسحر يكفر صاحبه، فكيف تفهم التوحيد، وأنت تكتب الطلاسم؟ وإن جحدت فهذا خط يدك موجود.
الوجه الخامس: أن الناس فيما مضى، عبدوا الطواغيت، عبادة ملأت الأرض، بهذا الذي تقر أنه من الشرك، ينخونهم ويندبونهم، ويجعلونها وسائط، وأنت وأبوك تقولان نعرف هذا، ولكن ما سألونا، فإذا كنتما تعرفانه، كيف يحل لكما أن تتركا الناس يكفرون؟ ما تنصحانهم ولو ما سألوكما.
الوجه السادس: أنّا لما أنكرنا عبادة غير الله، بالغتم في عداوة هذا الأمر وإنكاره، وزعمتم أنه مذهب خامس، وأنه باطل، وإن أنكرتم فالناس يشهدون عليكم بذلك، وأنتم مجاهرون به، فكيف تقولون هذا كفر، ولكن ما سألونا عنه؟ فإذا قام من يبين للناس التوحيد، قلتم إنه مغير الدين، وآت بمذهب خامس، فإذا كنت تعرف التوحيد، وتقر أن كلامي هذا حق، فكيف تجعله تغييرًا لدين الله؟ وتشكونا عند أهل الحرمين؟» (١) .
ثم أجاب الشيخ كذلك عن شبهات سليمان بن سحيم ومزاعمه في رسالة أخرى بعثها إلى عبد الله بن سحيم قال فيها:
«من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن سحيم وبعد: ألفينا مكتوبك وما ذكرت فيه من ذكرك وما بلغك، ولا يخفاك أن المسائل التي ذكرت أنها بلغتكم في كتاب من العارض جملتها أربع وعشرون مسألة بعضها حق وبعضها بهتان وكذب.
وقبل الكلام فيها لا بد من تقديم أصل: وذلك أن أهل العلم إذا اختلفوا، والجهّال إذا تنازعوا ومثلي ومثلكم إذا اختلفنا في مسألة هل الواجب اتباع أمر الله ورسوله وأهل العلم؟ أو
_________________
(١) الدرر السنية (١٠ - ٣٣) .
[ ١٧٣ ]
الواجب اتباع عادة الزمان التي أدركنا الناس عليها، ولو خالفت ما ذكره العلماء في جميع كتبهم، وإنما ذكرت هذا ولو كان واضحًا لأن بعض المسائل التي ذكرت أنا قلتها لكن هي موافقة لما ذكره العلماء في كتبهم، الحنابلة وغيرهم.
ولكن هي مخالفة لعادة الناس التي نشأوا عليها فأنكرها عليّ لأجل مخالفة العادة وإلا فقد رأوا تلك في كتبهم عيانا، وأقروا بها وشهدوا أن كلامي هو الحق لكن أصابهم ما أصاب الذين قال الله فيهم ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] [سورة البقرة، آية: ٨٩] .
وهذا هو ما نحن فيه بعينه، فإن الذي راسلكم هو عدو الله ابن سحيم، وقد بينت ذلك له فأقر به، وعندنا كتب يده في رسائل متعددة أن هذا هو الحق، وأقام على ذلك سنين، لكن أنكر آخر الأمر لأسباب أعظمها البغي أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده.
وذلك أن العامة قالوا له ولأمثاله إذا كان هذا هو الحق فلأي شيء لم تنهونا عن عبادة شمسان وأمثاله، فتعذروا: أنكم ما سألتمونا، قالوا: وإن لم نسألكم كيف نشرك بالله عندكم ولا تنصحونا، وظنوا أن يأتيهم في هذا غضاضة وأن فيه شرفًا لغيره، وأيضًا لما أنكرنا عليهم أكل السحت والرشا (١) إلى غير ذلك من الأمور، فقام يدجل عندكم وعند غيركم بالبهتان والله ناصر دينه ولو كره المشركون.
وأنت لا تستهون مخالفة العادة على العلماء فضلًا عن العوام، وأنا أضرب لك مثلًا بمسألة واحدة وهي مسألة الاستجمار ثلاثًا فصاعدًا غير عظم ولا روث، وهو كاف مع وجود الماء عند الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو إجماع الأمة لا خلاف في ذلك، ومع هذا لو يفعله أحد لصار هذا عند الناس أمرًا عظيمًا، ولنهوا عن الصلاة خلفه، وبدّعوه مع إقرارهم بذلك ولكن لأجل العادة.
إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها منها: ما هو من البهتان الظاهر وهي قوله:
إني مبطل كتب المذاهب.
وقوله: إني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء.
وقوله: إني أدعي الاجتهاد.
_________________
(١) يعني: الرشوة.
[ ١٧٤ ]
وقوله: إني خارج عن التقليد.
وقوله: إني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة.
وقوله: إني أكفر من توسل بالصالحين.
وقوله: إني أكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق.
وقوله إني أقول: لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزابًا من خشب.
وقوله: إني أنكر زيارة قبر النبي ﷺ.
وقوله: إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم.
وإني أُكَفِّر من يحلف بغير الله.
فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] [سورة النور، آية: ١٦] ولكن قبله من بهت النبي ﷺ أنه يسب عيسى ابن مريم ويسب الصالحين «تشابهت قلوبهم» وبهتوه بأنه يزعم أن الملائكة، وعيسى، وعزيرًا في النار فأنزل الله في ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] [سورة الأنبياء، آية: ١٠١] .
وأما المسائل الأخرى وهي أني أقول: لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله.
ومنها: أني أُعرِّف من يأتيني بمعناها.
ومنها: أني أقول الإله هو الذي فيه السر.
ومنه: تكفير الناذر إذا أراد به التقرب لغير الله وأخذ النذر كذلك.
ومنها: أن الذبح للجن كفر، والذبيحة حرام ولو سمى الله عليها إذا ذبحها للجن.
فهذه خمس مسائل كلها حق وأنا قائلها. ونبدأ بالكلام عليها لأنها أمّ المسائل وقبل ذلك أذكر معنى لا إله إلا الله فنقول: التوحيد نوعان توحيد الربوبية وهو: أن الله سبحانه متفرد بالخلق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم، وهذا حق لا بد منه؛ ليدخل الرجل في الإسلام؛ لأن أكثر الناس مقرون به قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] [سورة يونس، آية: ٣١] .
[ ١٧٥ ]
وأن الذي يدخل الرجل في الإسلام هو توحيد الألوهية، وهو: أن لا يعبد إلا الله لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلا، وذلك أن النبي ﷺ بعث وأهل الجاهلية يعبدون أشياء مع الله، فمنهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو الملائكة فنهاهم عن هذا، وأخبرهم أن الله أرسله ليوحد ولا يدعى أحد من دونه لا الملائكة ولا الأنبياء، فمن تبعه ووحد الله فهو الذي شهد أن لا إله إلا الله، ومن عصاه ودعا عيسى والملائكة واستنصرهم، والتجأ إليهم فهو الذي جحد لا إله إلا الله مع إقراره أنه لا يخلق ولا يزرق إلا الله.
وهذه جملة لها بسط طويل، لكن الحاصل أن هذا مجمع عليه بين العلماء، ولما جرى في هذه الأمة ما أخبر به نبيها ﷺ حيث قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» (١) وكان من قبلهم كما ذكر الله عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] [سورة التوبة، آية: ٣١]، فصار ناس من الضالين يدعون أناسًا من الصالحين في الشدة والرخاء مثل عبد القادر الجيلاني، وأحمد البدوي، وعدي بن مسافر، وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح، فأنكر عليهم أهل العلم غاية الإنكار، وزجروهم عن ذلك، وحذروهم غاية التحذير والإنذار من جميع المذاهب الأربعة في سائر الأقطار والأمصار فلم يحصل منهم انزجار بل استمروا على ذلك غاية الاستمرار.
وأما الصالحون الذين يكرهون ذلك فحاشاهم من ذلك، وبيّن أهل العلم أن أمثال هذا هو الشرك الأكبر، وأنت ذكرت في كتابك تقول: يا أخي ما لنا والله دليل إلا من كلام أهل العلم وأنا أقول: كلام أهل العلم رضى، وأنا أنقله لك وأنبهك عليه فتفكر فيه وقم لله ساعة ناظرًا ومناظرًا مع نفسك ومع غيرك، فإن عرفت أن الصواب معي، وأن دين الإسلام اليوم من أغرب الأشياء أعني دين الإسلام الصرف الذي لا يمزج بالشرك والبدع وأما الإسلام الذي ضده الكفر فلا شك أن أمة محمد ﷺ آخر الأمم وعليها تقوم الساعة.
فإن فهمت أن كلامي هو الحق فاعمل لنفسك، واعلم أن الأمر عظيم، والخطب
_________________
(١) رواه البخاري برقم (٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -. ولفظه عندهما «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع»، وأما لفظ «حذو القذة بالقذة» فقد أخرجه أحمد في المسند (٤) .
[ ١٧٦ ]
جسيم، فإن أشكل عليك شيء فسفرك إلى المغرب في طلبه غير كثير، واعتبر لنفسك حيث قلت لي فيما مضى: إن هذا هو الحق الذي لا شك فيه لكن لا نقدر على تغييره، وتكلمت بكلام حسن، فلما غربلك (١) الله بولد المويس ولبَّس عليك، وكتب لأهل الوشم يستهزئ بالتوحيد، ويزعم أنه بدعة، وأنه خرج من خراسان ويسب دين الله ورسوله لم تفطن لجهله وعظم ذنبه وظننت أن كلامي فيه من باب الانتصار للنفس، وكلامي هذا لا يغيرك فإن مرادي أن تفهم أن الخطب جسيم، وأن أكابر أهل العلم يتعلمون هذا ويغلطون فيه فضلًا عنا وعن أمثالنا فلعله إن أشكل عليك تواجهني.
هذا إن عرفت أنه حق وإن كنت إذا نقلت لك عبارات العلماء عرفت أني لم أفهم معناها وأن الذي نقلت لك كلامهم أخطئوا، وأنهم خالفهم أحد من أهل العلم فنبهني على الحق وأرجع إليه إن شاء الله تعالى» (٢) .
كما رد الشيخ عبد الله بن الإمام محمد على كثير من هذه المزاعم: قائلا: «وأما ما يكذب علينا: سترًا للحق، وتلبيسًا على الخلق.
بأنا نفسر القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا، من دون مراجعة شرح، ولا معول على شيء.
وأنا نضع من رتبة نبينا محمد ﷺ بقولنا: النبي رمة في قبره، وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مرغوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله، حتى أنزل عليه فاعلم أنه لا إله إلا الله، مع كون الآية مدنية.
وأنا لا نعتمد على أقوال العلماء.
ونتلف مؤلفات أهل المذاهب، لكون فيها الحق والباطل.
وأنا مجسمة.
وأنا نكفر الناس على الإطلاق أهل زماننا، ومن بعد الستمائة، إلا من هو على ما نحن عليه.
_________________
(١) أي: ابتلاك.
(٢) الرسائل الشخصية (٦٢ - ٦٦) .
[ ١٧٧ ]
ومن فروع ذلك: أنا لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرير عليه بأنه كان مشركا، وأن أبويه ماتا على الإشراك بالله.
وأنا ننهى عن الصلاة على النبي ﷺ. ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقا، وأن من دان بما نحن عليه، سقطت عنه جميع التبعات، حتى الديون.
وأنا لا نرى حقًا لأهل البيت - رضوان الله عليهم - وأنا نجبرهم على تزويج غير الكفء لهم.
وأنا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة، لتنكح شابا، إذا ترافعوا إلينا.
فلا وجه لذلك؛ فجميع هذه الخرافات، وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولا، كان جوابنا في كل مسألة من ذلك: سبحانك هذا بهتان عظيم؛ فمن روى عنا شيئًا من ذلك، أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى.
ومن شاهد حالنا، وحضر مجالسنا، وتحقق ما عندنا، علم قطعا: أن جميع ذلك وضعه، وافتراه علينا، أعداء الدين، وإخوان الشياطين، تنفيرًا للناس عن الإذعان، بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة، وترك أنواع الشرك، الذي نص الله عليه بأن الله لا يغفره ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] [سورة النساء، آية: ٤٨] فإنا نعتقد: أن من فعل أنواعًا من الكبائر، كقتل المسلم بغير حق، والزنا، والربا، وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك: أنه لا يخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام، ولا يخلد به في دار الانتقام، إذا مات موحدًا بجميع أنواع العبادة.
والذي نعتقده: أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره، حياة برزخية، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه، وتسن زيارته، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومن أنفق نفيس أوقاته، بالاشتغال بالصلاة عليه ﷺ الواردة عنه، فقد فاز بسعادة الدارين، وكفي همه وغمه، كما جاء في الحديث عنه» (١) .
_________________
(١) الدرر السنية (١، ٢٣٠) .
[ ١٧٨ ]
[الأنموذج الثاني والتعليق عليه]
الأنموذج الثاني: المفتريات التي ساقها صاحب (خلاصة الكلام) والتعليق عليه: وهي تمثل خلاصة الشبهات والتهم والمفتريات على الدعوة وإمامها من قبل خصوم الدعوة خارج نجد (١) .
يقول صاحب (خلاصة الكلام) في حوادث سنة (١٢٠٥هـ) وقد كتبها بعد وفاة الإمام محمد بن عبد الوهاب بقرن (٢) «وفي هذه السنة كان ابتداء الحرب والقتال بين مولانا الشريف غالب وطائفة الوهابية التابعين لمحمد بن عبد الوهاب في عقيدته التي كفَّر بها المسلمين» (٣) .
وينبغي قبل ذكر المحاربة والقتال ذكر ابتداء أمرهم وحقيقة حالهم فإن فتنتهم من أعظم الفتن التي ظهرت في الإسلام طاشت من بلاياها العقول وحار فيها أرباب العقول (٤) وكان ابتداء ظهور محمد بن عبد الوهاب سنة ألف ومائة وثلاث وأربعين واشتهر أمره بعد الخمسين، فأظهر العقيدة الزائغة (٥) بنجد وقُراها.
فقام بنصرته وإظهار عقيدته محمد بن سعود أمير الدرعية بلاد مسيلمة الكذاب (٦) فحمل أهلها على متابعة محمد بن عبد الوهاب فيما يقول فتابعه أهلها، وسيأتي ذكر شيء من
_________________
(١) كل المفتريات والمزاعم التي ذكرها المؤلف هنا عن الإمام محمد بن عبد الوهاب والدعوة وأتباعها تم تفنيدها وبيان زيفها من خلال هذا الكتاب سابقًا أو لاحقا، فليراجع فهرس الموضوعات للاطلاع على مواطن الرد تفصيلًا والتي غالبها من قبل الإمام نفسه وعلماء الدعوة والمنصفين والحمد لله.
(٢) خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام - لأحمد زيني دحلان ط١، ص (٢٢٧ - ٢٣٨) .
(٣) هذا من التلبيس والبهتان فإن الشيخ لم يكفر المسلمين، لكنه بيَّن ما قام الدليل على أنه كفر، وقد بيَّن الشيخ وعلماء الدعوة هذه المسألة بيانًا كافيًا. تفصيل ذلك في مسألة التكفير في المبحث التالي.
(٤) نعم عقول أهل الأهواء والبدع والافتراق، أما أهل السنة فقد فرحوا وسعدوا بها.
(٥) كيف توصف عقيدته بالزيغ وهي نفسها سنة النبي ﷺ وعقيدة السلف الصالح جملة وتفصيلًا. ونعوذ بالله من الزيغ.
(٦) لا يليق بمن ينتسب للعلم أن يعيِّر مسلمًا بذنب غيره، فمسيلمة كذاب دجال ولا يضر ذلك البلد التي خرج فيها هو وأتباعه وإلا فيقال مكة بلد أبي جهل والمدينة بلد ابن أبي سلول، واليمن بلد الأسود الكذاب. وعمان بلد لقيط الأزدي.
[ ١٧٩ ]
عقيدته التي حمل الناس عليها (١) وما زال يطيعه على هذا الأمر كثير من أحياء العرب حي بعد حي حتى قوي أمره فخافته البادية. وكان يقول لهم إنما أدعوكم إلى التوحيد، وترك الشرك بالله، فكانوا يمشون معه حيثما مشى، ويأتمرون له بما شاء حتى اتسع له الملك (٢) . وكانوا في مبدأ أمورهم قبل اتساع ملكهم وتطاير شرورهم راموا حج البيت الحرام وكان ذلك في دولة الشريف مسعود بن سعيد بن سعد بن زيد فأرسلوا يستأذنونه في الحج (٣) . وأرسلوا قبل ذلك ثلاثين من علمائهم ظنًا منهم أنهم يفسدون عقائد علماء الحرمين ويدخلون عليهم الكذب والمين (٤) وطلبوا الإذن في الحج ولو بمقرر يدفعونه (٥) .
وكان أهل الحرمين يسمعون (٦) بظهورهم في الشرق وفساد عقائدهم ولم يعرفوا حقيقة ذلك، فأمر مولانا الشريف مسعود أن يناظر علماء الحرمين العلماء الذين أرسلوا فناظروهم (٧) فوجدوهم ضحكة ومسخرة كحمر مستنفرة فرت من قسورة، ونظروا إلى
_________________
(١) لم يحمل الأمير محمد بن سعود والإمام محمد بن عبد الوهاب الناس على الدين والحق بالإكراه (لا إكراه في الدين) إنما حملوهم على العمل بشرع الله تعالى، وإقامة الدين في الحياة، من إقامة الفرائض والحدود والعدل كما أمر الله تعالى وكما فعل الرسول ﷺ وصحابته وسلف الأمة، وإلا لقيل بأن رسول الله ﷺ وصحابته والسلف الصالح حملوا الناس على الدين بالإكراه، حين قاتلوا العرب والفرس والروم، ليكون الدين لله.
(٢) وهذا حق، وفضل ومنقبة.
(٣) وهذا من حقوقهم كسائر المسلمين.
(٤) هذا من التلبيس وقلب الحقائق، كعادة أهل الأهواء، فإن الشيخ وأتباعه يدعون إلى إصلاح عقائد المسلمين، فكانت دعوتهم إلى توحيد الله تعالى بالعبادة وإلى السنة وترك الشركيات والبدع فكيف يسمي هذا إفسادًا وكذبًا ومينًا.
(٥) وهذا إقرار منه بفساد سادته وظلمهم وعدوانهم، وأنهم هم البادءون في إعلان العداوة لدعوة التوحيد وأهلها. وإلا لماذا يلجئون المسلمين إلى دفع مقررٍ (كالجزية) ليؤذن لهم في الحج؟! ومع ذلك لما يأذنوا لهم بحقهم المشروع وهو أداء ركن الإسلام، فأين عقول القوم وأشياعهم؟! .
(٦) فممن سمعوا؟ وماذا سمعوا؟ لقد سمعوا من خصم لدود، ولقد سمعوا - كما هو هنا - كلامًا أكثره من الكذب والبهتان والتلبيس والأوهام والأساطير التي لم تثبت عن التحقيق.
(٧) لم أجد لهذه المناظرة خبَرًا يبينها إلا مجرد إشارات عابرة ولا ندري من هؤلاء؟ ولعلهم من طلاب العلم، أو من الأعراب المتأثرين إن صحت الرواية.
[ ١٨٠ ]
عقائدهم فإذا هي مشتملة على كثير من المكفرات (١) فبعد أن أقاموا عليهم البرهان والدليل أمر الشريف مسعود قاضي الشرع أن يكتب حجة بكفرهم الظاهر ليعلم به الأول والآخر وأمر بسجن أولئك الملاحدة الأنذال (٢) ووضعهم في السلاسل والأغلال فسجن منهم جانبًا وفرَّ الباقون ووصلوا إلى الدرعية وأخبروا بما شاهدوا فعتى أمرهم واستكبر، ونأى عن هذا المقصد وتأخر حتى مضت دولة الشريف مسعود وأقيم بعده أخوه الشريف مساعد بن سعيد فأرسلوا في مدته يستأذنون في الحج فأبى وامتنع من الإذن لهم فضعفت عن الوصول مطامعهم فلما مضت دولة الشريف مساعد وتقلد الأمر أخوه الشريف أحمد بن سعيد أرسل أمير الدرعية جماعة من علمائه كما أرسل في المدة السابقة.
فلما اختبرهم علماء مكة وجدوهم لا يتدينون إلا بدين الزنادقة (٣) فأبى أن يقر لهم في حمى البيت الحرام قرار ولم يأذن لهم في الحج بعد أن ثبت عند العلماء أنهم كفار كما ثبت في دولة الشريف مسعود (٤) .
فلما أن ولي الشريف سرور أرسلوا أيضًا يستأذنونه في زيارة البيت المعمور فأجابهم: بأنكم إن أردتم الوصول آخذ منكم في كل سنة وعام صرمة مثل ما نأخذها من
_________________
(١) لم يذكر شيئًا من هذه المكفرات ولعلها هدم القباب ونبذ البدع والشركيات وفي كلامه هنا ما يدل على ذلك.
(٢) تأمل أخي القارئ وصف عالم مكة في زمانه لمخالفيه من المسلمين بـ (الملاحدة الأنذال) ثم هل هذه نتيجة سليمة لمن يناظرهم علماء الحرمين، أن تكون نتيجة المناظرة وختامها السجن والسلاسل والأغلال؟
(٣) من الذي اختبرهم؟ أما دينهم فهو مشهور معروف معلن في كتبهم وفتاواهم وأعمالهم وأقوالهم وواقعهم الذين يعيشونه في كيان ودولة ومجتمع إلى يومنا هذا، وهو دين الإسلام ومنهاج السنة، والعمل بشرع الله. أفيكون هذا دين الزنادقة؟!
(٤) لقد حكم بكفرهم، وأن منعهم من الحج لأنهم كفار. وهذا يقلب على أهل البدع سحرهم ودعواهم أن الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه يكفرون الناس وذلك ما لم يثبت إنما ثبت خلافه. انظر: تفصيل ذلك في مسألة التكفير في المبحث التالي. وبرهان ذلك أن الدولة السعودية حاملة لواء الدعوة حينما تمكنت من الحجاز في المرحلة الأولى والأخيرة وإلى الآن لم تمنع المسلمين حتى المخالفين للسنة من الحج والزيارة بل مكنتهم وسهلت لهم كل السبل ووفرت لهم الأمن لكنها قامت بواجبها شرعًا من إزالة مظاهر البدع والشركيات والمنكرات وكل ما لا يليق بالمقدسات. وهذا ما جعل بعض أهل البدع يمتنعون عن الحج ولم تمنعهم الدولة السعودية كما يزعمون.
[ ١٨١ ]
الأعاجم وآخذ منكم زيادة على ذلك مائة من الخيل الجياد فعظم عليهم تسليم هذا المقدار وأن يكونوا مثل العجم فامتنعوا من الحج في مدته (١) كلها فلما توفي وتولى سيدنا الشريف غالب أرسلوا أيضًا يستأذنون في الحج فمنعهم وتهددهم بالركوب عليهم وجعل ذلك القول، فعلًا فجهز عليهم جيشًا في سنة ألف ومائتين وخمسة (٢) واتصلت بينهم المحاربات والغزوات إلى أن انقضى تنفيذ مراد الله فيما أراد وسيأتي شرح تلك الغزوات والمحاربات بعد توضيح ما كانوا عليه من العقائد الزائغة التي كان تأسيسها من محمد بن عبد الوهاب (٣) .
وقد عاش من العمل سنين حتى كاد أن يعد من المنظرين فإن ولادته كانت سنة ألف ومائة وخمس عشرة، ووفاته سنة ألف ومائتين وسبعة وأرخ بعضهم وفاته بقوله: «بها هلاك الخبيث» (٤) فعمره اثنتان وتسعون سنة وخلف أولادًا أخبث (٥) منه قاموا بنشر دعوته بعده وأولاده هم عبد الله وحسن وحسين وعلي وكان عبد الله الأكبر فقام بالدعوة بعد أبيه، وخلف سليمان، وعبد الرحمن، وكان سليمان متعصبًا تعصبًا شديدًا في أمرهم قتله إبراهيم باشا سنة ثلاث وثلاثين، وعبد الرحمن قبض عليه وأرسله إلى مصر فعاش مدة ثم مات بمصر، وأما حسن بن محمد بن عبد الوهاب، فخلف عبد الرحمن وولي قضاء مكة في بعض السنين التي كانوا يحكمون فيها بمكة، وعُمِّر عبد الرحمن هذا حتى قارب المائة ومات قريبًا وخلَّف عبد اللطيف وأما حسين بن محمد بن عبد الوهاب فخلَّف أولادًا كثيرين وكذا علي بن محمد بن عبد الوهاب خلف
_________________
(١) وما تعليق الشيخ دحلان وأشياعه على ذلك، في أخذهم الجزية على أهل السنة!؟ .
(٢) ولماذا جهز لهم جيشًا لما استأذنوه في الحج وتهددهم؟ وهذا اعتراف بأنهم - خصوم الدعوة - هم البادءون بالقتال، كما سيأتي بيانه في مسألة القتال في المبحث التالي.
(٣) أخي القارئ أدعوك إلى النظر في عقائد الإمام ابن عبد الوهاب وأتباعه، ثم عقائد هذا المدعي وأشياعه أيهما الأحق بوصف الزيغ؟
(٤) لم يجد برهانًا علي هذا الوصف الشنيع إلا الطلاسم والدجل، والحمد لله الذي أعمى بصره وبصيرته عن الحقيقة وهي أن الإمام إنما توفي سنة ١٢٠٦ جزمًا وليس ١٢٠٧، ثم إن هذه المخارق الحسابية لا تثبت الحق ولا يرد بها الباطل، إنما طريق ذلك الكتاب والسنة ولما عجزوا عن رد الدليل الشرعي لجأوا إلى الطلاسم.
(٥) تأمل هذا التعبير فالله حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٨٢ ]
أولادًا كثيرين ولم يزل نسلهم باقيًا إلى الآن بالدرعية يسمونهم أولاد الشيخ.
وكان القائم بنصرة محمد بن عبد الوهاب ونشر عقيدته محمد بن سعود، ولما مات قام بعده بالأمر ولده عبد العزيز ثم ولده سعود.
وكان محمد بن عبد الوهاب في ابتداء أمره من طلبة العلم وكان يتردد على مكة والمدينة وأخذ عن كثير من علماء مكة والمدينة وممن أخذ عنه من علماء المدينة الشيخ محمد بن سليمان الكردي مؤلف حواشي شرح مختصر بافضل في مذهب الشافعي، وأخذ أيضًا عن الشيخ محمد حياة السندي من أكابر علماء الحنفية بالمدينة.
وكان الشيخان المذكوران وغيرهما من أشياخه الذين أخذ عنهم يتفرسون فيه الإلحاد والضلال ويقولون: سيضل هذا ويضل الله به من أبعده وأشقاه فكان الأمر كذلك، وما أخطأت فراستهم فيه (١) .
وكذا والده عبد الوهاب فإنه كان من العلماء الصالحين فكان يتفرس فيه الإلحاد ويذمه كثيرًا ويحذر الناس منه (٢) .
وكذا أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب فإنه أنكر عليه ما أحدثه من البدع والضلال والعقائد الزائغة وألف كتابًا في الرد عليه (٣) .
وكان في أول أمره مولعًا بمطالعة أخبار من ادعى النبوة كاذبًا كمسيلمة الكذاب وسجاح، والأسود العنسي، وطليحة الأسدي (٤) وأضرابهم فكان يضمر في نفسه دعوى النبوة ولو أمكنه إظهار هذه الدعوى لأظهرها (٥) .
_________________
(١) هذا كله من البهتان، بل الحاصل من شيوخه الإعجاب به والتنويه عن مواهبه ونجابته وصلاحه. وسيرته وحياته شاهده على هذا.
(٢) هذا كله من البهتان فكان أبوه يتفرس فيه النبوغ والنجابة، وكان شديد العناية به لذلك.
(٣) أخوه سليمان استقر أمره على نصر الدعوة ومؤازرة أخيه.
(٤) هذه فرية مكشوفة والواقع يكذبها.
(٥) وهذه أكبر من أختها فما الذي يدريه أو غيره ما يضمره الشيخ وهو أمر لا يعلمه إلا عَلاَّم الغيوب سبحانه.
[ ١٨٣ ]
وكان يسمى جماعته من أهل بلده الأنصار، ويسمى من اتبعه من الخارج المهاجرين (١) .
وإذا تبعه أحد وكان قد حج حجة الإسلام يقول له حج ثانيًا فإن حجتك الأولى فعلتها وأنت مشرك، فلا تقبل ولا تسقط عنك الفرض.
وإذا أراد أحد أن يدخل في دينه يقول له بعد الإتيان بالشهادتين: اشهد على نفسك أنك كنت كافرًا واشهد على والديك أنهما ماتا كافرين واشهد على فلان وفلان، ويسمى له جماعة من أكابر العلماء الماضين أنهم كانوا كفار، فإن شهدوا قبلهم وإلا أمر بقتلهم (٢) .
وكان يصرح بتكفير الأمة من منذ ستمائة سنة، وكان يكفر كل من لا يتبعه وإن كان من اتقى المتقين فيسميهم مشركين ويستحل دماءهم وأموالهم ويثبت الإيمان لمن اتبعه وإن كان من أفسق الفاسقين (٣) .
وكان ينتقص النبي ﷺ كثيرًا بعبارات مختلفة ويزعم أن قصده المحافظة على التوحيد فمنها أن يقول: إن طارش وهو في لغة أهل الشرق بمعنى الشخص المرسل من قوم إلى آخرين بمعنى أنه ﷺ حامل كتب مرسلة معه أي غاية أمره أنه كالطارش الذي يرسله الأمير أو غيره من أمر لأناس ليبلغهم إياه ثم ينصرف (٤) .
ومنها أنه كان يقول: نظرت في قصة الحديبية فوجدت بها كذا وكذا كذبه، إلى غير ذلك مما يشبه هذا حتى أن أتباعه كانوا يفعلون ذلك أيضا، ويقولون مثل قوله، بل يقولون أقبح مما يقوله، ويخبرونه بذلك فيظهر الرضا، وربما أنهم تكلموا بذلك بحضرته فيرضى به حتى أن
_________________
(١) لا أعرف هذا وإن حدث هذا تيمنًا بحال النبي ﷺ وصحابته فهو مما لا ينكر في نظري.
(٢) كل هذه المفتريات نفاها الشيخ الإمام عن نفسه. انظر: رسالته السابقة في رده على ابن سحيم وكذلك رسالة ابنه عبد الله السابقة وفي مواضع كثيرة من هذا المؤلف يراجع فهرس الموضوعات.
(٣) كل هذه المفتريات نفاها الشيخ الإمام عن نفسه. انظر: رسالته السابقة في رده على ابن سحيم وكذلك رسالة ابنه عبد الله السابقة وفي مواضع كثيرة من هذا المؤلف يراجع فهرس الموضوعات.
(٤) كل ما ذكره في هذه المفتريات في حق النبي ﷺ من البهتان، فقد بذل الإمام كل حياته في نصرة سنة الرسول ﷺ وإظهارها والدعوة إليها والذود عنها. وقد ناقشت هذه الفرية مستقلة وستأتي إن شاء الله.
[ ١٨٤ ]
بعض أتباعه كان يقول عصاي هذه خير من محمد لأنها ينتفع بها في قتل الحية ونحوها، ومحمد قد مات ولم يبق فيه نفع أصلا، وإنما هو طارش مضى (١) .
قال بعض العلماء: إن ذلك كفر في المذاهب الأربعة بل هو كفر عند جميع أهل الإسلام (٢) .
ومن ذلك أنه كان يكره الصلاة على النبي ﷺ ويتأذى بسماعها وينهى عن الإتيان بها ليلة الجمعة، وعن الجهر بها على المنابر ويؤذي من يفعل ذلك ويعاقبه أشد العقاب، حتى أنه قتل رجلًا أعمى كان مؤذنًا صالحًا ذا صوت حسن نهاه عن الصلاة عن النبي ﷺ في المنارة بعد الأذان فلم ينته وأتى بالصلاة على النبي ﷺ فأمر بقتله فقتل (٣) .
ثم قال: إن الربابة في بيت الخاطئة يعني الزانية أقل إثمًا ممن ينادي بالصلاة على النبي ﷺ في المنائر، ويلبس على أصحابه وأتباعه بأن ذلك كله محافظة على التوحيد فما أقطع قوله، وما أشنع فعله (٤) .
وأحرق دلائل الخيرات وغيرها من كتب الصلاة على النبي ﷺ ويتستر بقوله: إن ذلك بدعة وأنه يريد المحافظة على التوحيد (٥) .
وكان يمنع أتباعه من مطالعة كثير من كتب الفقه والتفسير والحديث وأحرق كثير منها (٦) .
وأذن لكل من تبعه أن يفسر القرآن بحسب فهمه حتى همج الهمج من أتباعه، فكان
_________________
(١) هذا من الكذب الظاهر.
(٢) نعم استنقاص النبي ﷺ كفر والإمام بريء من ذلك، وقد قامت الدعوة على تعظيم قدر النبي ﷺ والعمل بسنته ونشرها، وقد تم تفنيد هذه الفرية سابقًا ولاحقًا في أكثر من موضع في هذا المؤلَّف.
(٣) هذا من البهتان ولا يثبت منه شيء كما أسلفت.
(٤) هذه من البهتان والتلبيس وقد أجاب على هذه المفتريات في رسائله وفندها.
(٥) قد نفى الشيخ الإمام هذه الفرية. مع أن كتاب دلائل الخيرات من كتب البدع والتخليط، فيه الحق وكثير من الباطل. انظر: رسالته السابقة وغيرهما.
(٦) قد نفى الشيخ الإمام هذه الفرية، انظر: رسالته السابقة وغيرها.
[ ١٨٥ ]
كل واحد منهم يفعل ذلك ولو كان لا يحفظ شيئًا من القرآن حتى صار الذي لا يقرأ منهم يقول لمن يقرأ: اقرأ لي شيئًا من القرآن وأنا أفسره لك فإذا قرأ له شيئًا يفسره وأمرهم أن يعملوا بما فهموه منه، وجعل ذلك مقدمًا على كتب العلم ونصوص العلماء (١) .
وتمسك في تكفير الناس بآيات نزلت في المشركين فحملها على الموحدين وقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر - ﵄ - في وصف الخوارج أنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين (٢) وفي رواية أخرى عن ابن عمر عند غير البخاري أنه ﷺ قال: «أخوف ما أخاف على أمتي رجل متأول للقرآن يضعه في غير موضعه»، فهذا وما قبله صادق على ابن عبد الوهاب ومن تبعه (٣) ومما يدعيه محمد بن عبد الوهاب أنه أتى بدين جديد كما يظهر من أقواله وأفعاله وأحواله (٤) ولهذا لم يقبل من دين نبينا ﷺ إلا القرآن (٥) مع أنه إنما قبله ظاهرًا فقط لئلا يعلم الناس حقيقة أمره فينكشفوا عليه بدليل أنه هو وأتباعه إنما يئولونه بحسب ما يوافق أهواءهم لا بحسب ما فسره النبي ﷺ وأصحابه والسلف الصالح وأئمة التفسير فإنه لا يقول بذلك كما أنه لا يقول بما عدا
_________________
(١) هذا من البهتان، وإن فعل ذلك بعض الجاهلين فالإمام محمد بن عبد الوهاب لا يقر منه مثل هذا بل ينهى عنه.
(٢) رواه البخاري (١٢ فتح) معلقًا باب: قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، وقال الحافظ ابن حجر: «وصله الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار من طريق بكير بن الأشج، ثم قال وسنده صحيح» .
(٣) هذا من الكذب والبهتان فالشيخ وأتباعه بريئون من مذهب الخوارج وأصولهم هي أصول السلف الصالح أهل السنة والجماعة. انظر: تفاصيل ذلك في المبحث التالي والذي يليه.
(٤) بل أقواله وأفعاله وأحواله تؤكد أنه أحيا ما اندرس من سنن الهدى، وحارب البدع والمحدثات وسار على منهاج النبوة وسبيل السلف الصالح.
(٥) هذا من الكذب الصريح فإن الإمام يعمل بالقرآن والسنة ويدعو إلى ذلك وكتبه ورسائله شاهدة بذلك، والمؤلف هنا إما أنه لم يطلع عليها أو أنه يتعمد الكذب، وكل ذلك غير لائق بمن يدعي العلم بل غير لائق بمسلم ولا بعاقل يحترم نفسه.
[ ١٨٦ ]
القرآن من أحاديث النبي ﷺ وأقاويل الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين ولا بما استنبطه الأئمة من القرآن والحديث ولا يأخذ بالإجماع ولا القياس الصحيح (١) .
وكان يدعي الانتساب إلى مذهب الإمام أحمد - ﵁ - كذبًا وتسترًا وزورا، والإمام أحمد بريء منه، ولذلك انتدب كثير من علماء الحنابلة المعاصرين له للرد عليه، وألفوا في الرد عليه رسائل كثيرة حتى أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب ألف رسالة في الرد عليه وأعجب من ذلك أنه كان يكتب إلى عماله الذين هم من أجهل الجاهلين اجتهدوا بحسب فهمكم ونظركم، واحكموا بما ترونه مناسبًا لهذا الدين ولا تلتفتوا لهذه الكتب فإن فيها الحق والباطل (٢) .
وقتل كثيرًا من العلماء والصالحين وعوام المسلمين لكونهم لم يوافقوه على ما ابتدعه (٣) وكان يقسم الزكاة على ما يأمره به شيطانه وهواه (٤) .
وكان أصحابه لا ينتحلون مذهبًا من المذاهب بل يجتهدون كما كان يأمرهم ويتسترون ظاهرًا بمذهب الإمام أحمد - ﵁ - ويلبسون بذلك على العامة (٥) وكان ينهى عن الدعاء بعد الصلاة ويقول: إن ذلك بدعة وإنكم تطلبون أجرًا على الصلاة (٦) .
وأمر القائم بدينه عبد العزيز بن سعود أن يخاطب المشرق والمغرب برسالة يدعوهم إلى التوحيد وأنهم عنده مشركون شركًا أكبر يستبيح به الدم والمال (٧) فكان ضابط الحق عنده
_________________
(١) كل هذه مزاعم باطلة تردها أحوال الإمام وكتبه ورسائله وهي موجودة وشاهدة بخلاف ما افتراه المؤلف وقد بينت هذه المسألة في أكثر من موضع في هذا الكتاب.
(٢) هذا من الكذب على الشيخ الإمام وقد نفى هذه المفتريات كما أسلفت.
(٣) هذا كذلك من الكذب ولا يثبت بأي طريق من طرق الإثبات والواقع يشهد بخلافه.
(٤) بل كان يصرف الزكاة في مصارفها الشرعية.
(٥) هذه كذبة مكشوفة فالناس كلهم يسمونهم الحنابلة، واتباعهم للإمام أحمد في ما وافق الدليل معلوم ظاهر في أقوالهم وأعمالهم ومصنفاتهم وفتاواهم.
(٦) هذا تلبيس فالإمام كغيره من علماء السلف يقرون الدعاء المشروع بعد الصلاة وغيرها وينكرون الأذكار المبتدعة وهو ما ينهى عنه وأتباعه.
(٧) رسالة الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود موجودة مطبوعة ليس فيها ما ذكره هنا من إطلاق الشرك الأكبر على الأعيان ولا عامة أهل المشرق والمغرب لما يزعم المؤلف.
[ ١٨٧ ]
ما وافق هواه وإن خالف النصوص الشرعية وإجماع الأئمة، وضابط الباطل عنده ما لم يوافق هواه وإن كان على نص جلي أجمعت عليه الأمة (١) .
وكان يقول في كثير من أقوال الأئمة الأربعة ليست بشيء (٢) وتارة يتستر ويقول إن الأئمة على حق، ويقدح في أتباعهم من العلماء الذين ألفوا في المذاهب الأربعة وحرروها، يقول إنهم ضلوا وأضلوا (٣) .
وتارة يقول إن الشريعة واحدة فما لهؤلاء جعلوها مذاهب أربعة هذا كتاب الله وسنة رسوله لا نعمل إلا بهما، ولا نقتدي بقول مصري وشامي وهندي، يعني بذلك أكابر علماء الحنابلة وغيرهم ممن لهم تأليف في الرد عليه واحتجوا في الرد عليه بنصوص الإمام أحمد - ﵁ - (٤) .
وكان يخطب للجمعة في مسجد الدرعية ويقول في كل خطبة ومن توسل بالنبي فقد كفر (٥) وكان أخوه الشيخ سليمان ينكر عليه إنكارًا شديدًا في كل ما يفعله أو يأمر به، ولم يتبعه في شيء مما ابتدعه، وقال له أخوه سليمان يوما: كم أركان الإسلام يا محمد بن عبد الوهاب فقال: خمسة، فقال: بل أنت جعلتها ستة السادس من لم يتبعك فليس بمسلم هذا ركن سادس عندك للإسلام (٦) .
وقال رجل آخر يومًا لمحمد بن عبد الوهاب: كم يعتق الله كل ليلة في رمضان؟ فقال له: يعتق في كل ليلة مائة ألف وفي آخر ليلة يعتق مثل ما أعتق في الشهر كله، فقال له: لم
_________________
(١) علم الشيخ الإمام وعمله وكتبه ورسائله تشهد بأن ضابط الحق عنده: ما وافق الدين من القرآن والسنة وآثار السلف الصالح.
(٢) هذا كذب نفاه الإمام نفسه، انظر رسالته السابقة والنقول اللاحقة.
(٣) هذا كذب نفاه الإمام نفسه، انظر رسالته السابقة والنقول اللاحقة.
(٤) هذا كذب نفاه الإمام نفسه، انظر رسالته السابقة والنقول اللاحقة.
(٥) هلا أورد لنا خطبة واحدة تدل على زعمه، فإن خطب الشيخ يوجد منها الكثير مطبوعًا وليس فيها شيء من ذلك، ثم إن التوسل الشركي والبدعي ممنوع بمقتضى النصوص ومذهب السلف الصالح، وليس من عند الشيخ.
(٦) كان أخوه سليمان خالفه أول الأمر فلما استبان له الحق وافق الشيخ وأيَّده. وما ذكر مغالطات لا تلزم.
[ ١٨٨ ]
يبلغ من تبعك عشر عشر ما ذكرت فمن هؤلاء المسلمون الذين يعتقهم الله تعالى وقد حصرت المسلمين فيك وفيمن تبعك فبهت الذي كفر (١) .
ولما طال النزاع بينه وبين أخيه خاف أخوه أن يأمر بقتله فارتحل إلى المدينة وألف رسالة في الرد عليه وأرسلها له فلم ينته.
ثم قال ص (٢٣٢) من خلاصة الكلام وما بعدها:
«ومن قبائحه الشنيعة أنه منع الناس من زيارة قبر النبي ﷺ (٢) فبعد منعه خرج أناس من الأحساء وزاروا النبي ﷺ وبلغه خبرهم فلما رجعوا مروا عليه في الدرعية فأمر بحلق لحاهم ثم أركبهم مقلوبين من الدرعية إلى الأحساء (٣) .
وبلغه مرة أن جماعة من الذين لم يتابعوه من الآفاق البعيدة قصدوا الزيارة والحج وعبروا على الدرعية فسمعه بعضهم يقول لمن تبعه خلوا المشركين يسيرون طريق المدينة والمسلمين يعني جماعته يخلفون معنا (٤) .
والحاصل أنه لبَّس على الأغبياء ببعض الأشياء التي توهمهم بإقامة الدين، وذلك مثل أمره للبوادي بإقامة الصلاة والجماعة ومنعهم من النهب، ومن بعض الفواحش الظاهرة كالزنا واللواط، وكتأمين الطرق والدعوة إلى التوحيد، فصار الأغبياء الجاهلون يستحسنون حاله وحال أتباعه (٥) ويغفلون ويذهبون عن تكفيرهم الناس من منذ ستمائة سنة، وعن استباحتهم أموال الناس ودمائهم، وانتهاكهم حرمة النبي ﷺ بارتكابهم أنواع
_________________
(١) هذه حكاية لا تثبت ولو صحت لما دلت إلا على جهل قائلها؛ لأن الشيخ لا يحصر الإسلام والنجاة بأتباعه، بل باتباع الرسول ﷺ وذلك هو دينه وعقيدته، وأقواله تدل على ذلك.
(٢) الإمام كسائر أهل السنة يرون مشروعية زيارة قبر النبي ﷺ وسائر قبور المسلمين الزيارة الشرعية لكن لا يرى شد الرحال إليها عملًا بقول النبي ﷺ: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. .»، والمسألة خلافية والراجح فيها عدم الجواز لأن السلف ما كانوا يفعلونه.
(٣) هذه من الأخبار التي لا تصح.
(٤) هذه من الأخبار التي لا تصح.
(٥) وهذا اعتراف بالحق الذي كانت عليه الدعوة وإمامها، واتهام الناس الذين اتبعوا الحق بالغباوة لا يحتاج إلى تعليق.
[ ١٨٩ ]
التحقير له ولمن أحبه، وغير ذلك من قبائحهم التي ابتدعوها وكفروا الأمة بها» (١) .
ثم قال: «وقد أخبر النبي ﷺ عن هؤلاء الخوارج في أحاديث كثيرة فكانت تلك الأحاديث من أعلام نبوته ﷺ حيث كانت من الإخبار بالغيب» .
ثم قال: «وفي قوله ﷺ «سيماهم التحليق» تنصيص على هؤلاء القوم الخارجين من المشرق التابعين لمحمد بن عبد الوهاب فيما ابتدعه؛ لأنهم كان يأمرون من اتبعهم أن يحلق رأسه لا يتركونه يفارق مجلسهم إذا تبعهم حتى يحلقوا رأسه (٢) ولم يقع مثل ذلك قط من أحد من الفرق الضالة التي مضت قبلهم أن يلتزموا مثل ذلك فالحديث صريح فيهم وكان السيد عبد الرحمن الأهدل مفتي زبيد يقول لا يحتاج التأليف في الرد على ابن عبد الوهاب بل يكفي في الرد عليه قوله ﷺ: «سيماهم التحليق» فإنه لم يفعله أحد من المبتدعة، وكان محمد بن عبد الوهاب يأمر أيضًا بحلق رءوس النساء اللاتي يتبعنه فأقامت عليه الحجة مرة امرأة دخلت في دينه، وجددت إسلامها على زعمه، فأمر بحلق رأسها فقالت له: لم تأمر بحلق الرأس للرجال فلو أمرتهم بحلق اللحية لساغ لك أن تأمر بحلق رءوس النساء؛ لأن شعر الرأس للنساء بمنزلة اللحية للرجال فبهت الذي كفر، ولم يجد لها جوابًا لكنه إنما فعل ذلك ليصدق عليه وعلى من اتبعه قوله ﷺ: «سيماهم التحليق» فإن المتبادر منه حلق الرأس (٣) فقد صدق ﷺ فيما قال.
وقوله ﷺ حين أشار إلى المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان جاء في رواية قرنا الشيطان بصيغة التثنية قال بعض العلماء: المراد من قرني الشيطان مسيلمة الكذاب ومحمد بن عبد الوهاب (٤) .
_________________
(١) سبق بيان ذلك، وسيأتي تفصيله في المباحث التالية.
(٢) هذا من الكذب عليهم. انظر: المبحث السادس من هذا الفصل.
(٣) هذا كله من الكذب والبهتان عليهم. انظر: الهامش السابق.
(٤) من المعلوم أن المقصود بالمشرق وقرن الشيطان: العراق وكذا فسره أكثر أهل العلم. وتفسير أحد قرني الشيطان بأنه محمد بن عبد الوهاب هذا من مفردات المؤلف التي امتاز بها فهنيئًا لأتباعه وأشياعه هذا الفتح. وكيف يكون إمام من أئمة السنة وعلم من أعلام الإسلام وهو محمد بن عبد الوهاب قرن الشيطان؟!
[ ١٩٠ ]
وجاء في بعض الروايات وبها يعني نجد الداء العضال. قال بعض الشراح: وهو الهلاك وفي بعض التواريخ بعد ذكر قتال بني حنيفة قال ويخرج في آخر الزمان في بلد مسيلمة رجل يغير دين الإسلام (١) .
وذكر العلامة السيد علوي بن أحمد بن حسن بن القطب سيدي عبد الله بن علوي الحداد في كتابه الذي ألفه في الرد على ابن عبد الوهاب المسمى جلاء الظلام في الرد على النجدي الذي أضل العوام من جملة الأحاديث التي ذكرها في الكتاب المذكور حديثًا مرويًا عن العباس بن عبد المطلب - ﵁ - عن النبي ﷺ: «يخرج في ثاني عشر قرنًا في وادي بني حنيفة رجل كهيئة الثور لا يزال يلعق براطمه يكثر في زمانه الهرج والمرج. يستحلون أموال المسلمين ويتخذونها بينهم متجرا، ويستحلون دماء المسلمين ويتخذونها بينهم مفخرًا وهي فتنة يعتز فيها الأرذلون والسفل تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه» ولهذا الحديث شواهده تقوي معناه وإن لم يعرف من خرجه (٢) .
ثم قال السيد المذكور في الكتاب الذي مر ذكره وأصلح من ذلك أن هذا المغرور محمد بن عبد الوهاب من تميم فيحتمل أنه من عقب ذي الخويصرة التميمي (٣) الذي جاء فيه
_________________
(١) أولا: المقصود نجد العراق، وثانيا: معلوم أن خبر النبي ﷺ عن الفتنة من المشرق أو نجد لا يشمل كل الأحوال ولا كل الأزمان، والتاريخ والواقع يشهدان بذلك. وانظر: تفاصيل ذلك في المبحث السادس التالي. وثالثا: ليس هذا نصا في ذم الدعوة وإمامها وأتباعها بإطلاق. ورابعا: كيف يليق بمن يحترم نفسه ويحترم العلم ويحترم القراء أن يكون مصدره بعض التواريخ؟! ثم يذكر خبرًا عن أمر غيبي وهو: الرجل الذي يزعم أنه يغيِّر دين الإسلام، ولم يكمل الكذبة التي يرويها وهي أن هذا الرجل هو محمد بن عبد الوهاب الداعية المصلح الذي نصر دين الإسلام وغيَّر بتوفيق الله دين أولئك الجهلة والمبتدعة إلى العلم والسنة.
(٢) في هذا المقطع عجائب ونكات بديعة أولها: أن مرجع المؤلف هنا أحد أقطاب البدع وأكابر خصوم السنة وأهلها، وثانيها: أن هذا الحديث الموضوع المكذوب الذي ذكره تجتمع فيه كل علامات الوضع والكذب، فإن كانوا - الناقل والمنقول عنه - يجهلون ذلك فهذه مصيبة، وإن كانوا يعلمون أن هذا الحديث من جملة الكذب فالمصيبة أعظم، لكني أعلن عزائي لأهل البدع في شيوخهم وأسأل الله أن يعوضهم خيرًا منهم ممن يرشدونهم للحق ويسلكون بهم طريق السنة.
(٣) هذا من العبث بعقول الناس. وإذا كانوا لا يجدون من المطاعن في الشيخ الإمام إلا هذه الأوهام والتناوش من مكان بعيد فقد اعترفوا بإفلاسهم والحمد لله.
[ ١٩١ ]
حديث البخاري عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -» .
ثم قال: «قال السيد علوي الحداد لما وصلت الطائف لزيارة حبر الأمة عبد الله بن عباس - ﵄ - اجتمعت بالعلامة الشيخ طاهر سنبل الحنفي ابن العلامة الشيخ محمد سنبل الشافعي فأخبرني أنه ألف كتابًا في الرد على هذه الطائفة سيما الانتصار للأولياء الأبرار، وقال لي: لعل الله ينفع به من لم تدخل بدعة النجدي في قلبه وأما من دخلت في قلبه فلا يرجى فلاحه (١) لحديث البخاري يمرقرن من الدين ثم لا يعودون فيه. قال السيد علوي الحداد: وأما ما نقل عن العلامة الحفظي ساكن الحجاز أنه استصوب بعض أفعال النجدي من جمعه البدو على الصلاة وترك النهب، وإزالة بعض الفواحش الظاهرة كالزنا واللواط، ومن تأمينه الطرق ودعوته إلى التوحيد (٢) فهو غلط حيث حسن للناس فعله ولم يطلع على ما ذكرناه من منكراته وتكفير الأمة من ستمائة سنة. وإحراقه الكتب الكثيرة (٣) . وقتله لكثير من العلماء وخواص الناس وعوامهم واستباحته دماءهم وأموالهم (٤) وإظهار التجسيم للباري – ﷾ - (٥) .
وعقده الدروس لذلك، وتنقيصه للرسل عليهم الصلاة والسلام وللأولياء، ونبشه قبورهم، وأمر في الأحساء أن تجعل بعض قبور الأولياء محلًا لقضاء الحاجة (٦) .
ومنع الناس من قراءة دلائل الخيرات، ومن الرواتب، والأذكار ومن قراءة
_________________
(١) نعم إن من ذاق طعم الإيمان والعلم وحلاوة السنة فلا يتصور أن يعود إلى الجهل والبدعة. أما حديث البخاري فهو في الخوارج وليس في أتباع السلف الصالح.
(٢) الحمد لله الذي أنطقهم بالحق، ثم نكسوا على رءوسهم ووصفوا الحق بأنه غلط. أما ما سماه منكرات وتكفير الأمة فسبق البيان بأنه محض افتراء، وسيأتي مزيد بيان كذلك في المباحث التالية.
(٣) لم يذكر لنا واحدًا من هذه الكتب الكثيرة سوى دلائل الخيرات، وقد نفى الإمام ذلك كله كما أسلفت.
(٤) هذا لا يصح.
(٥) هذا من الكذب فإن الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه على منهج السلف في إثبات الصفات لله تعالى كما جاءت في القرآن والسنة من غير تمثيل ولا تعطيل. ولكن الجهمية والمعتزلة وأهل التأويل والتعطيل يسمون من أثبت الصفات كما جاءت بها النصوص مجسمًا ومشبهًا. وقد سلك المؤلف هنا سبيلهم.
(٦) هذه أكاذيب ومفتريات تردها الحقائق التي سبق ذكرها وسنذكرها لاحقًا كذلك.
[ ١٩٢ ]
مولد النبي ﷺ، ومن الصلاة على النبي ﷺ في المنائر بعد الأذان (١) وقتل من فعل ذلك (٢) وكان يعرِّض لبعض الغوغاء الطعام بدعوات النبوة ويُفهمهم ذلك من فحوى الكلام (٣) ومنع الدعاء بعد الصلاة (٤) .
وكان يقسم الزكاة على هواه (٥) وكان يعتقد أن الإسلام منحصر فيه وفيمن تبعه وأن الخلق كلهم مشركون (٦) .
وكان يصرح في مجالسه وخُطَبه بكفر المتوسل بالأنبياء والملائكة والأولياء (٧) بل يزعم أن من قال لأحد: مولانا أو سيدنا فهو كافر (٨) ويمنع من زيارة النبي ﷺ ويجعله كغيره من الأموات (٩) وينكر علم النحو واللغة والفقه والتدريس لهذه العلوم ويقول: إن ذلك كله بدعة (١٠) .
ثم قال السيد علوي الحداد: والحاصل أن المحقق عندنا من أقواله وأفعاله ما يُوجب خروجه عن القواعد الإسلامية لاستحلاله أمورًا مجمعًا على تحريمها معلومة من الدين بالضرورة بلا تأويل سائغ مع تنقيصه الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين وتنقيصهم تعمدًا كفر بالإجماع عند الأئمة الأربعة (١١) . اهـ.
_________________
(١) نعم الإمام فعل ذلك لأن هذه بدع، والواجب على العلماء والولاة وكل من يقدر على منع هذه المنكرات أن يفعل بالحكمة. وهذه مَنْقَبة للشيخ وليست مَسَبَّة.
(٢) أما قتل من فعل ذلك فهو كذب.
(٣) اتهام الإمام بدعوى النبوة فرية عظيمة سبق الكلام عنها في المبحث الخامس من الفصل الثاني.
(٤) سبق التعليق على هذه المفتريات في الهوامش السابقة.
(٥) سبق التعليق على هذه المفتريات في الهوامش السابقة.
(٦) سبق التعليق على هذه المفتريات في الهوامش السابقة
(٧) ليس على إطلاقه فإن الشيخ يقول كسائر السلف الصالح بكفر من دعا غير الله وصرف العبادة لغير الله، وإن سمى ذلك توسلًا. وكذلك ينكر التوسلات البدعية. أما التوسل المشروع فهو عبادة وقربة يدعو إليها الشيخ، ويؤمن بها كسائر السلف الصالح.
(٨) هذا من الكذب، وسبق التعليق عليه.
(٩) هذا من الكذب، وسبق التعليق عليه.
(١٠) هذا كذب فالإمام درس هذه العلوم وتمكن منها ودرَّسها ونشرها، وكان يأمر بتدريسها.
(١١) هذا من البهتان العظيم، فهلا ذكر لنا من أقوال الإمام وأفعاله شيئًا يُثبت هذه التُّهَم والمفتريات، بل الواقع والحاصل أن أقواله وأفعاله عكس ذلك تمامًا، وكذلك علماء الدعوة وأتباعها أهل السنة والجماعة بريئون مما افتراه عليهم المفترون.
[ ١٩٣ ]
ما زال كذلك يحبه قوم ويكرهه آخرون فآواه أهل الدرعية وظن بعض منهم أنه رسول لكافة البرية (١) فصنف لهم رسالة سماها "كشف الشبهات عن خالق الأرض والسماوات" كفَّر فيها جميع المسلمين وزعم أن الناس كفار منذ ستمائة سنة وحمل (٢) الآيات التي نزلت في الكفار من قريش على أتقياء الأمة (٣) وكان ممن تبعه وقبل منه كل ما يقول محمد بن سعود أمير الدرعية (٤) واتخذه وسيلة لاتساع الملك وانقياد الأعراب (٥) له فصار يدعوهم إلى الدين، وأثبت في قلوبهم أن جميع من هو تحت السبع الطباق مشرك على الإطلاق (٦) ومن قتل مشركًا فله الجنة، فتابعوه وصارت نفوسهم بهذا الاعتقاد مطمئنة.
وكان محمد بن سعود يتمثل ما يأمره به، فإذا أمره بقتل إنسان أو أخذ ماله سارع إلى ذلك، فكان محمد بن عبد الوهاب معهم كالنبي في أمته لا يتركون شيئًا مما يقوله ولا يفعلون شيئًا إلا بأمره، ويعظمونه غاية التعظيم ويُجِلّونه غاية التجليل» (٧) ثم ذكر صفة اتساع ملك الأمير محمد بن سعود، وكيف دانت له جزيرة العرب، ودخوله مكة بالصلح وخروجه منها سنة ١٢٢٧هـ.
_________________
(١) هذه فرية عجيبة.
(٢) هذا من الكذب، وفندها الإمام في رسائله كما في رسالته السابقة.
(٣) هلاَّ ذكر لنا واحدًا من هؤلاء الأتقياء الذي يزعم أن الإمام كفرهم؟ ويله ما أكذبه.
(٤) وهذا مما يحمد لكل من الإمامين حين تعاضدا وتعاهدا على نشر الدين والعدل والأمن، وإقامة السنة وإماتة البدع.
(٥) هذا من التلبيس فإن الغاية التي سعى إليها كل منهما أن تقوم للدين دولة تنشره وتحميه، واتساع الملك وانقياد الأعراب إذا كان في سبيل تحقيق غاية الدين، ونصر الحق، وجمع الشمل، ونشر الأمن فهو مطلب مشروع. وهذا ما كان عليه كل من الإمام محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود وأحفادهما.
(٦) هذا من الكذب.
(٧) هذا ثناء ووصف صائب لكنه يثير غيرة المخالفين أهلِ البدع، ولذلك لم يدع كاتبه عادته من اللمز بدعوى النبوة والقتل.
[ ١٩٤ ]
إلى أن قال: «وقد أرَّخ ذلك مفتي مكة عبد الملك القلعي لما سأله مولانا الشريف غالب هل أرختم خروجهم فقال: قطع دابر الخوارج (١)» (٢) .
[وقفة حول هذه المفتريات والاتهامات]
وقفة حول هذه المفتريات والاتهامات: ١ - هذه المفتريات التي ذكرها صاحب كتاب «خلاصة الكلام» تعد أنموذجًا لأكثر ما قاله خصوم الدعوة والجاهلون بحقيقتها من خارج نجد، فهو قد التقط ما قاله السابقون له في الدعوة وإمامها، ومن جاؤوا بعده أخذوا عنه الكثير كذلك.
٢ - أن ما ذكره من مفتريات حول الدعوة وإمامها وأميرها وأتباعها - غالبه من الكذب البيّن، وما قد يوجد فيه من معلومات صحيحة فهي محرَّفة ومصوَّرة بصورة الباطل، ومخرَّجة مخرج التلبيس والتهويل.
٣ - أن المؤلف جمع هذه الاتهامات من الشائعات وما قاله الخصوم قبله كابن سحيم وابن عفالق والرافضة وغيرهم من أهل البدع والمعروفين بالعداوة الصريحة للدعوة وإمامها وأتباعها ودولتها.
٤ - وعند إخضاع هذا المطاعن والمفتريات والاتهامات للنهج الشرعي والعلمي نجد أكثرها ساقطًا لما يلي:
أولًا: خلوها من الأسانيد أو نقل شهود العيان، وإن كان من الخصوم، وخلوها كذلك من التوثيق فلم ينقل عن كتاب معتمد أو رسالة أو خطبة أو مقالة أو نحو ذلك من المصادر الموثوقة.
ثانيًا: أن الكاتب نفسه لم يعش تلك الحقبة التي تحدث عنها ولم يرو عن ثقاة ولا غيرهم.
ثالثًا: خلوها من الأدلة والبراهين والأمثلة والشواهد مطلقًا.
رابعًا: أن الواقع يشهد بخلافها فسيرة الإمام والأمير محمد بن سعود وأحفادهما ليست على ما ذكر.
_________________
(١) هذه عودة إلى الدجل والشعوذة وأظنهم لم يجدوا من البراهين ما يدين الدعوة وإمامها فلجئوا إلى الحساب والطلاسم.
(٢) خلاصة الكلام (٢٢٧ - ٢٣٨) .
[ ١٩٥ ]
خامسًا: أن ما هو مسطور ومكتوب إلى الآن من كتب الإمام ورسائله وأقواله وأحواله، وكتب الدعوة، وسير رجالها وتاريخها وواقعها يرد كل التُّهَم والمفتريات التي ذكرها.
بل الإمام نفسه ردَّها وفنَّدها في كتبه ورسائله ورُدودهِ، وردها تلاميذه وأتباعه ومناصروه في كل مكان.
سادسًا: شهادة المنصفين - وما أكثرهم بحمد الله - بأن ما ذكره صاحب خلاصة الكلام وأمثاله عن الدعوة من البهتان والكذب، وأنه يخالف الحق والواقع، وأكتفي في هذا المقام بشهادة واحد منهم؛ لأن الموضوع سيُعرض تفصيلًا في فصول تالية إن شاء الله.
يقوم الشيخ محمد رشيد رضا في مقدمته لكتاب «صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان» للشيخ محمد بشير السهسواني الهندي.
«تصدى للطعن في الشيخ محمد بن الوهاب والرد عليه أفرادٌ من أهل الأمصار المختلفة، منهم رجل من أحد بيوت العلم في بغداد، قد عهدناه يفتخر بأنه من دعاة التعطيل والإلحاد (١) . وكان أشهر هؤلاء الطاعنين مفتي مكة المكرمة الشيخ أحمد زيني دحلان المتوفي سنة (١٣٠٤) ألَّف رسالة في ذلك تدور جميع مسائلها على قطبين اثنين: قطب الكذب والافتراء على الشيخ، وقطب الجهل بتخطئته فيما هو مصيب فيه» .
«وكانت توزع بمساعدة أمراء مكة ورجال الدولة على حجاج الآفاق فعم نشرها، وتناقل الناس مفترياته وبهاءته في كل قطر، وصدقها العوام وكثير من الخواص، كما اتخذ المبتدعة والحشوية والخرافيون رواياته ونقوله الموضوعة والواهية والمنكرة، وتحريفاته للراويات الصحيحة، حججًا يعتمدون عليها في الرد على دعاة السنة المصلحين» .
«ولكن الألسن والأقلام لا تزال تتناقل كل ما فيها من غير عزو إليها، ودأب البشر العناية بنقل ما يوافق أهواءهم، فكيف إذا وافقت هوى ملوكهم وحكامهم.
كنا نسمع في صغرنا أخبار الوهابية المستمدة من رسالة دحلان هذا ورسائل أمثاله فنصدقها بالتبع لمشايخنا وآبائنا» .
«وأنا لم أعلم بحقيقة هذه الطائفة إلا بعد الهجرة إلى مصر والاطلاع على تاريخ الجبرتي
_________________
(١) هو جميل الزهاوي.
[ ١٩٦ ]
وتاريخ الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى، فعلمت منهما أنهم هم الذين كانوا على هداية الإسلام دون مقاتليهم، وأكده الاجتماع بالمطلعين على التاريخ من أهلها ولا سيما تواريخ الإفرنج الذي بحثوا عن حقيقة الأمر فعلموها وصرحوا أن هؤلاء الناس أرادوا تجديد الإسلام وإعادته إلى ما كان عليه في الصدر الأول، وإذًا لتجددَ مجده، وعادت إليه قوته وحضارته، وأن الدولة العثمانية ما حاربتهم إلا خوفًا من تجديد ملك العرب، وإعادة الخلافة الإسلامية سيرتها الأولى» .
«ثم اطلعت على أكثر كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ورسائله وفتاويه وكتب أولاده وأحفاده ورسائلهم ورسائل غيرهم من علماء نجد في عهد هذه النهضة التجديدية فرأيت أنه لم يصل إليهم اعتراض ولا طعن فيهم إلا وأجابوا عنه، فما كان كذبًا عليهم قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] وما كان صحيحًا أو له أصل بينوا حقيقته وردوا عليه وقد طبعت أكثر كتبهم، وعرف الألوف من الناس أصل تلك المفتريات عنهم ومن المستبعد جدًّا أن يكون الشيخ أحمد دحلان لم يطلع على شيء من تلك الكتب والرسائل وهو في مركزه بمكة المكرمة على مقربة منهم، فإن كان قد اطلع عليها فلِمَ أصر على ما عزاه إليه من الكذب والبهتان - ولا سيما ما نفوه صريحًا وتبرءوا منه - فأي قيمة لنقله ولدينه وأمانته؟ وهل هو إلا ممن باعوا دينهم بدنياهم؟ .
وإذا فرضنا أن الشيخ أحمد دحلان لم ير شيئًا من تلك الكتب والرسائل، ولم يسمع بخبر عن تلك المناظرات والدلائل، وأن كل ما كتبه في رسالته قد سمعه من الناس وصدقه، أفلم يكن من الواجب عليه أن يتثبت فيه، ويبحث ويسأل عن كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ورسائله ويجعل رده عليها، ويقول في الأخبار اللسانية قال لنا فلان أو قيل عنه كذا، فإن صح فحكمه كذا؟ إن علماء السنة في الهند واليمن قد بلغهم كل ما قيل في هذا الرجل فبحثوا وتثبتوا وتبينوا كما أمر الله تعالى، فظهر لهم أن الطاعنين فيه مفترون لا أمانة لهم، وأثنى عليه فُحولهم في عصره وبعد عصره، وعدُّوه من أئمة المصلحين المجدِّدين للإسلام ومن فقهاء الحديث كما نراه في كتبهم» (١) .
_________________
(١) صيانة الإنسان (٧ - ١٠) مع اختصار يسير (المقدمة) .
[ ١٩٧ ]
[المبحث الخامس القضايا الكبرى التي أثيرت حول الدعوة ومناقشتها]
[أولا قضية التوحيد والسنة والشرك والبدعة وما يتفرع عنها وفيها]
[أنها القضية الكبرى]
المبحث الخامس
القضايا الكبرى التي أثيرت حول الدعوة ومناقشتها أولًا: قضية التوحيد والسنة والشرك والبدعة وما يتفرع عنها. لقد أثار خصوم الدعوة شبهات ومفتريات كثيرة حول الدعوة ورجالها ودولتها وأتباعها سائرها يدور حول رفض الخصوم لدعوة التوحيد والسنة، والإصلاح، وإصرارهم على ما هم عليه من البدع والجهالات والأوضاع الفاسدة لأسباب كثيرة، سبق الحديث عن بعضها أذكر هنا نماذج لأهم المسائل التي دار حولها الصراع.
فالقضية الكبرى: بين إمام الدعوة وأتباعه والدولة السعودية حاملة لواء الدعوة وبين خصومهم من أهل البدع والأهواء والضلال والافتراق - هي قضية التوحيد والشرك والسنة، والبدعة، والضلال والهدى، والحق والباطل، وهي قضيّة الأنبياء: إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وغيرهم مع خصومهم في كل زمان، وهي قضية العلماء المصلحين في كل أمة، وهي قضية أئمة الدين السلف الصالح أهل السنة والجماعة مع أعداء التوحيد والدين والسنة، وكانت دعوة نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ وسائر المرسلين تقوم على الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وحده والنهي عن الشرك وعن عبادة غير الله كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] [سورة النحل، آية (٣٦) .] وقال تعالى مخبرًا عن الأنبياء في دعوتهم لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٥٠] [سورة هود، آية (٥٠) .]، وقال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢٦] [سورة هود، آية (٢٦) .]، وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] [سورة النساء، آية (٣٦) .]، وقوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] [سورة الأنعام، آية (١٥٣) .] .
إنها قضية توحيد الله تعالى بالعبادة والطاعة ومحاربة الشرك والبدع والأهواء.
وقد أعلن الشيخ وأتباعه ودولتهم وكل المتمسكين بالسنة والجماعة هذه القضية بوضوح وبكل الوسائل المتاحة لهم ليس في جزيرة العرب فحسب، بل في كل العالم الإسلامي.
فأعلن الإمام وجوب تحرير العبادة لله تعالى وحده لا شريك له وتعظيمه سبحانه بأسمائه وصفاته، ونبذ كل مظاهر الشرك والبدع وذرائعهما، ومحاربة المحدثات في ذلك، وفي الدين كله.
[ ٢٠٠ ]
نعم لقد حارب الإمام ومعه كل أهل السنة بحزم وقوة كل الشركيات والبدع والمحدثات من البناء على القبور والمشاهد، وما يصاحب ذلك من الشركيات والتبرك البدعي وصرف أنواع العبادة لغير الله وسائر البدع الصوفية والقبورية، والدجل والشعوذة والسحر بمختلف أشكالها، وكل ذلك كان امتثالًا لأمر الله تعالى ووصية رسوله ﷺ.
وليس ذلك المنهج مذهبًا شخصيًّا ولا مسلكًا ينفردون به عن كوكبة الدعوة في تاريخ البشرية، بل هو امتداد لمنهج الأنبياء عمومًا ومنهج نبينا محمد ﷺ والسلف الصالح على الخصوص، إنه منهج الدين الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] [سورة آل عمران، آية (١٩)]، وقال ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] [سورة آل عمران، آية (٨٥) .]، وقوله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] [سورة يوسف، آية (١٠٨)] .
فكان الإمام محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود وسائر علماء الدعوة وأتباعها على بصيرة من أمرهم سائرين على منهاج النبوة معتمدين على الله ومتوكلين عليه دليلهم القرآن والسنة، وقدوتهم الرسول ﷺ وصحابته والسلف الصالح وأحوالهم وأقوالهم وكتبهم وسيرهم شاهدة بذلك بحمد الله.
وقد دافع الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة وسائر أهل السنة والجماعة في كل مكان عن هذه القضية، وبيَّنوا الحق بدليله من القرآن والسنة وآثار السلف الصالح وأقوال العلماء المعتَبرين عند عامة المسلمين، فأقاموا الحجة وبيَّنوا المحجة.
[جهود الإمام في بيان هذه الحقيقة ورد الاتهامات]
جهود الإمام في بيان هذه الحقيقة ورد المفتريات: ولنترك المجال للإمام نفسه يبين لنا حقيقة الخلاف بينه وبين خصوم السنة في هذه القضية الكبرى، ويشرح ذلك للشريف غالب حاكم الحجاز ولعلماء الأمة هناك سنة (١٢٠٤هـ) فيقول: «من محمد بن عبد الوهاب: إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام، نصر الله بهم دين سيد الأنام؛ عليه أفضل الصلاة والسلام، وتابعي الأئمة الأعلام.
[ ٢٠١ ]
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ وبعد: جرى علينا من الفتنة، ما بلغكم، وبلغ غيركم، وسببه: هدم بناء في أرضنا على قبور الصالحين (١)؛ ومع هذا نهيناهم عن دعوة الصالحين، وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله، فلما أظهرنا هذه المسألة، مع ما ذكرنا من هدم البناء على القبور، كبر على العامة، وعاضدهم بعض من يدعي العلم؛ لأسباب ما تخفى على مثلكم، أعظمها اتباع الهوى، مع أسباب أخر.
فأشاعوا عنا: أنا نَسُبّ الصالحين، وأنَّا على غير جادة العلماء، ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب، وذكروا عنا أشياء يستحي العاقل من ذكرها، وأنا أخبركم بما نحن عليه، بسبب أن مثلكم ما يروج عليه الكذب؛ ليتبين لكم الأمر، وتعلموا الحقيقة.
فنحن - ولله الحمد - متبِعون لا مبتدِعون، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وتعلمون - أعزكم الله - أن المُطاع في كثير من البلدان، لو يتبين بالعمل بهاتين المسألتين، أنها تكبر عند العامة، الذين درجوا هم وآباؤهم على ضد ذلك، وأنتم تعلمون - أعزكم الله - أن في ولاية أحمد بن سعيد، وصل إليكم الشيخ عبد العزيز بن عبد الله، وأشرفتم على ما عندنا، بعدما أحضروا كتب الحنابلة، التي عندنا عمدة، وكالتحفة، والنهاية عند الشافعية، فلما طلب منا الشريف غالب - أعزه الله ونصره - امتثلنا أمره، وأجبنا طلبه، وهو إرسال رجل من أهل العقل والعلم، ليبحث مع علماء بيت الله الحرام» .
وقال مخاطبًا عامة علماء المسلمين: «محمد بن عبد الوهاب: إلى من يصل إليه من علماء الإسلام، آنس الله بهم غربة الدين، وأحيا بهم سنة إمام المرسلين، ورسول رب العالمين، سلام عليكم معشر الإخوان، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد:
فإنه قد جرى عندنا فتنة عظيمة، بسبب أشياء نهيت عنها بعض العوام،
_________________
(١) وذلك استجابة لأمر النبي ﷺ بذلك كما صح عن علي - ﵁ - أن النبي (بعثه: «ألا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته» . أخرجه أحمد في المسند برقم (٧١)، ومسلم برقم (٩٦٩) وغيرهما، كما صح عنه أنه نهى عن البناء على القبور.
[ ٢٠٢ ]
من العادات التي نشؤوا عليها، وأخذها الصغير عن الكبير؛ مثل: عبادة غير الله، وتوابع ذلك، من تعظيم المشاهد، وبناء القباب على القبور، وعبادتها، واتخاذها مساجد، وغير ذلك، مما بينه الله ورسوله غاية البيان، وأقام الحجة، وقطع المعذرة؛ ولكن الأمر كما قال ﷺ: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ» (١) (٢) .
فلما عظم [على] العوام: قطع عادتهم؛ وساعدهم على إنكار دين الله: بعض من يدعي العلم، وهو من أبعد الناس عنه - إذ العالم من يخشى الله - فأرضى الناس بسخط الله؛ وفتح للعوام باب الشرك بالله، وزين لهم، وصدهم عن إخلاص الدين لله؛ وأوهمهم: أنه من تنقيص الأنبياء والصالحين؛ وهذا بعينه هو الذي جرى على رسول الله ﷺ لما ذكر أن عيسى - ﵇ -: عبد، مربوب، ليس له من الأمر شيء؛ قالت النصارى: إنه سب المسيح وأمه؛ وهكذا قالت الرافضة: لمن عرف حقوق أصحاب رسول الله وأحبهم، ولم يَغْلُ فيهم، رموْه: ببغض أهل بيت رسول الله ﷺ.
وهكذا هؤلاء، لما ذكرت لهم، ما ذكره الله ورسوله، وما ذكره أهل العلم، من جميع الطوائف، من الأمر بإخلاص الدين لله، والنهي عن مشابهة أهل الكتاب من قبلنا، في اتخاذ الأحبار، والرهبان، أربابًا من دون الله؛ قالوا لنا: تنقصتم الأنبياء، والصالحين، والأولياء؛ والله تعالى ناصر لدينه، ولو كره المشركون.
[وقال مبينًا أن مستنده كلام العلماء من كل الطوائف]: وها أنا أذكر مستندي في ذلك، من كلام أهل العلم، من جميع الطوائف، فرحم الله من تدبرها بعين البصيرة، ثم نصر الله، ورسوله، وكتابه، ودينه، ولم تأخذه في ذلك لومة لائم.
[كلام الحنابلة]: فأما كلام الحنابلة، فقال الشيخ: تقي الدين، - ﵀ - لما ذكر حديث الخوارج: فإذا كان في زمن النبي ﷺ، وخلفائه ممن قد انتسب إلى الإسلام، من مرق منه، مع
_________________
(١) رواه مسلم برقم (٢٣٢)، والترمذي (٢٦٢٩)، وابن ماجه (٣٩٨٦، ٣٩٧٨، ٣٩٨٨) .
(٢) الدرر السنية (٢) .
[ ٢٠٣ ]
عبادته العظيمة، فيعلم: أن المنتسب إلى الإسلام، والسنة، قد يمرق أيضًا؛ وذلك بأمور، منها: الغلو، الذي ذمَّه الله تعالى؛ كالغلو في بعض المشائخ، كالشيخ عدي؛ بل الغلو في علي بن أبي طالب؛ بل الغلو في المسيح، ونحوه.
فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله، بأن يقول: يا سيدي فلان: أغثني؛ أو أجرني؛ أو أنت حسبي؛ أو أنا في حسبك؛ فكل هذا شرك، وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل؛ فإن الله أرسل الرسل ليُعْبَد وحده، لا يُجعل معه إله آخر، والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، مثل الملائكة، أو المسيح، أو العزير، أو الصالحين، أو غيرهم، لم يكونوا يعتقدون: أنها تخلق وترزق؛ وإنما كانوا يدعونهم، يقولون: «هؤلاء شفعاؤنا عند الله» فبعث الله الرسل: تنهى أن يدعى أحد من دون الله، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة، انتهى.
وقال في: الإقناع، في أول باب حكم المرتد: إن من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم، فهو: كافر إجماعًا.
[كلام الحنفية]: وأما كلام الحنفية، فقال الشيخ: قاسم، في شرح: درر البحار؛ النذر: الذي يقع من أكثر العوام، بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء، قائلًا: يا سيدي، إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي: فلك من الذهب، أو الطعام، أو الشمع، كذا، وكذا، باطل إجماعًا، لوجوه؛ منها: أن النذر للمخلوق، لا يجوز؛ ومنها: أنه ظن الميت يتصرف في الأمر، واعتقاد هذا: كفر؛ إلى أن قال: وقد ابتلي الناس بذلك، ولا سيما في مولد الشيخ أحمد البدوي.
وقال الإمام: البزازي، في فتاويه: إذا رأى رقص صوفية، زماننا هذا، في المساجد مختلطًا بهم جهّال العوام، الذين لا يعرفون القرآن، والحلال والحرام؛ بل لا يعرفون الإسلام، والإيمان، لهم نهيق، يشبه نهيق الحمير، يقول: هؤلاء لا محالة اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، فويل للقضاة، والحكام، حيث لا يغيرون هذا، مع قدرتهم.
[كلام الشافعية]: وأما: كلام الشافعية، فقال الإمام مُحدِّث الشام: أبو شامة، في كتاب: الباعث على إنكار البدع والحوادث - وهو في زمن الشارح، وابن حمدان - لكن نبين من هذا: ما وقع فيه جماعة من جهال العوام، النابذين لشريعة الإسلام، وهو ما يفعله الطوائف، من
[ ٢٠٤ ]
المنتسبين إلى الفقر، الذي حقيقته الافتقار من الإيمان، من مواخات النساء الأجانب، واعتقادهم في مشائخ لهم.
وأطال - ﵀ - الكلام، إلى أن قال: وبهذه الطرق، وأمثالها: كان مبادئ ظهور الكفر، من عبادة الأصنام، وغيرها؛ ومن هذا: ما قد عم الابتلاء به، من تزيين الشيطان للعامة، تخليق الحيطان، والعمد، وسرج مواضع مخصوصة، في كل بلد، يحكي لهم حاكٍ أنه رأى في منامه بها: أحدًا ممن شهر بالصلاح ثم يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم، بالنذر لها، وهي ما بين عيون، شجر، وحائط؛ وفي مدينة: دمشق، صانها الله من ذلك، مواضع متعددة.
ثم ذكر - ﵀ - الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ لما قاله له بعض من معه: «اجعل لنا ذات أنواط قال: «الله أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده، كما قال قوم موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة» (١) انتهى كلامه - ﵀ -.
وقال في: اقتضاء الصراط المستقيم: إذا كان هذا كلامه ﷺ في مجرد قصد شجرة، لتعليق الأسلحة، والعكوف عندها، فكيف بما هو أعظم منها: الشرك بعينه، بالقبور ونحوها.
[كلام المالكية]: وأما: كلام المالكية، فقال أبو بكر الطرطوشي، في كتاب: الحوادث والبدع، لما ذكر حديث الشجرة، ذات أنواط؛ فانظروا رحمكم الله: أينما وجدتم، سدرة، أو شجرة، يقصدها الناس، ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء، والشفاء لمرضاهم، من قِبَلِها؛ فهي: ذات أنواط، فاقطعوها؛ وذكر حديث العرباض بن سارية الصحيح، وفيه قوله ﷺ: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (٢) .
قال في البخاري، عن أبي الدرداء أنه قال: والله ما أعرف من أمر محمد شيئًا، إلا
_________________
(١) جزء من حديث أبي واقد الليثي رواه الترمذي (٢١٨١) وصححه.
(٢) جزء من حديث العرباض بن سارية - ﵁ - رواه أبو داود (٧)، والترمذي (٢ - ١١٣) وغيرهما، وصححه غير واحد منهم الترمذي، والبزار، والحاكم. راجع: إرواء الغليل (٨)، وصحيح الجامع (٣٣١٢) .
[ ٢٠٥ ]
أنهم يصلون جميعًا. وروى مالك: في الموطأ، عن بعض الصحابة، أنه قال: ما أعرف شيئًا مما أدركت عليه الناس، إلا النداء بالصلاة. قال الزهري: دخلت على أنس، بدمشق، وهو يبكي. . . فقال: ما أعرف شيئًا مما أدركت، إلا هذه الصلاة؛ وهذه الصلاة، قد: ضُيِّعت. قال الطرطوشي - ﵀ - فانظروا رحمكم الله: إذا كان في ذلك الزمن، طمس الحق، وظهر الباطل، حتى ما يعرف من الأمر القديم إلا القبلة؛ فما ظنك بزمانك هذا؟! والله المستعان.
وليعلم الواقف: على هذا الكلام من أهل العلم - أعزهم الله - أن الكلام في مسألتين؛ الأولى: أن الله سبحانه بعث محمدًا ﷺ لإخلاصه الدين لله، لا يُجعل معه أحد، في العبادة، والتأله، لا ملك، ولا نبي، ولا قبر، ولا حجر، ولا شجر، ولا غير ذلك؛ وأن من عظّم الصالحين بالشرك بالله، فهو: يشبه النصارى؛ وعيسى -﵇-: بريء منهم.
والثانية: وجوب اتباع سنّة رسول الله ﷺ وترك البدع، وإن اشتهرت بين أكثر العوام، وليعلم: أن العوام محتاجون إلى كلام أهل العلم، من تحقيق هذه المسائل، ونقل كلام العلماء؛ فرحم الله من نصر الله، ورسوله، ودينه، ولم تأخذه في الله لومة لائم؛ والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم» (١) .
وقد أجمل الإمام ذلك كله بقوله: «والحاصل: أن كل ما ذكر عنا من الأشياء غير دعوة إلى التوحيد، والنهي عن الشرك، فكله من البهتان» (٢) .
وهذا بيان وافٍ وردّ كافٍ على المفتريات والشبهات التي أُثيرت على الدعوة وإمامها.
وقال في خطاب عام أرسله إلى عامة المسلمين كذلك: «من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه من المسلمين: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: أخبركم أني - ولله الحمد - عقيدتي، وديني الذي أدين الله به، مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين؛ مثل الأئمة الأربعة، وأتباعهم، إلى يوم القيامة.
_________________
(١) الدرر السنية (٢ - ٥٤) .
(٢) الدرر السنية (١) .
[ ٢٠٦ ]
لكني بينت للناس: إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأنبياء والأموات، من الصالحين، وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يُعبد الله به، من الذبح، والنذر، والتوكل، والسجود، وغير ذلك مما هو حق الله، الذي لا يشركه فيه ملك مقرب، ولا نبي مرسل؛ وهو الذي دعت إليه الرسل، من أولهم إلى آخرهم؛ وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة.
وأنا صاحب منصب في قريتي، مسموع الكلمة، فأنكر هذا بعض الرؤساء؛ لكونه خالف عادة نشؤوا عليها؛ وأيضًا: ألزمت من تحت يدي، بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وغير ذلك من فرائض الله؛ ونهيتهم عن الربا، وشرب المسكر، وأنواع من المنكرات، فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه؛ لكونه مستحسنًا عند العوام، فجعلوا قدحهم، وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد، وما نهيتهم عنه من الشرك، ولبَّسوا على العوام: أن هذا خلاف ما عليه الناس، وكبرت الفتنة جدًّا، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان، ورجله» .
إلى أن قال: «فلما جرى في هذه الأمة، ما أخبر به نبيها ﷺ حيث قال: «لتتبعن سنن من كان من قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» (١) وكان من قبلهم، كما ذكر الله عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] [سورة التوبة، آية: ٣١]، وصار ناس من الضالين: يدعون أناسًا من الصالحين، في الشدة والرخاء؛ مثل: عبد القادر الجيلاني، وأحمد البدوي، وعدي بن مسافر، وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح، صاح عليهم: أهل العلم، من جميع الطوائف؛ أعني: على الداعي؛ وأما الصالحون، الذين يكرهون ذلك فحاشاهم.
وبيَّن أهل العلم: أن هذا هو الشرك الأكبر، عبادة الأصنام» .
إلى أن قال: «فبعث الله محمدًا ﷺ يجدد لهم دين إبراهيم، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد: محض حق الله تعالى، لا يصلح منه شيء لا لملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلًا عن غيرهما؛ وإلا فهؤلاء المشركون: يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يخلق، ولا يرزق إلا هو؛ ولا يحيي، ولا يميت إلا هو؛ ولا يدبر الأمر إلا هو؛ وأن
_________________
(١) رواه البخاري برقم (٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -. ولفظه عندهما «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع»، وأما لفظ «حذو القذة بالقذة» فقد أخرجه أحمد في المسند (٤) .
[ ٢٠٧ ]
جميع السماوات السبع، ومن فيهن، والأراضين السبع، ومن فيهن، كلهم عبيده، وتحت تصرفه وقهره.
فإذا أردت الدليل: على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يشهدون بهذا، فاقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] [سورة يونس، آية: ٣١]، وغير ذلك: من الآيات الدالات على تحقق أنهم يقولون بهذا كله، وأنه لم يدخلهم في التوحيد، الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ.
وعرفت: أن التوحيد الذي جحدوه، هو توحيد العبادة، الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد، كما كانوا يدعون الله – ﷾ - ليلًا ونهارًا، خوفًا وطمعًا، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم، وقربهم من الله ﷿، ليشفعوا لهم، ويدعو رجلًا صالحًا، مثل اللات، أو نبيًّا مثل عيسى.
وعرفت: أن رسول الله قاتلهم، على ذلك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [سورة الجن، آية: ١٨]، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤] [سورة الرعد آية: ١٤] .
وعرفت: أن رسول الله ﷺ قاتلهم؛ ليكون الدين كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادة كلها لله؛ وعرفت: أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة، والأنبياء، والأولياء: يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله تعالى بهم، هو: الذي أحل دماءهم، وأموالهم، عرفت حينئذ التوحيد، الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون» .
ثم قال: «فإذا عرفت ذلك، وعرفت: أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة، وعلم وحجج، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٨٦] [سورة الأعراف، آية: ٨٦] .
[ ٢٠٨ ]
فالواجب عليك: أن تعلم من دين الله، ما يصير لك سلاحًا، تقاتل به هؤلاء الشياطين، الذين قال إمامهم، ومقدمهم لربك ﷿: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ - ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧] [سورة الأعراف، الآيات: ١٦ - ١٧] .
ثم قال: «والحاصل: أن كل ما ذكر عنا من الأشياء، غير دعوة الناس إلى التوحيد، والنهي عن الشرك، فكله من البهتان.
ومن أعجب ما جرى من الرؤساء المخالفين: أني لما بيّنت لهم كلام الله وما ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] [سورة الإسراء، آية: ٥٧]، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] [سورة يونس، آية: ١٨]، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [سورة الزمر، آية: ٣]، وما ذكر الله من إقرار الكفار في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [يونس: ٣١] [سورة يونس، آية: ٣١] وغير ذلك.
قالوا: القرآن لا يجوز العمل به لنا، ولأمثالنا، ولا بكلام الرسول؛ ولا بكلام المتقدمين؛ ولا نطيع إلاّ ما ذكره المتأخرون.
قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي، بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، كل أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم، الذين يعتمدون عليهم فلما أبوا ذلك، نقلت كلام العلماء من كل مذهب لأهله، وذكرت كل ما قالوا، بعدما صرحت الدعوة عند القبور، والنذر لها، فعرفوا ذلك، وتحققوه فلم يزدهم إلا نفورًا» .
إلى أن قال: «فرحم الله: من أدى الواجب عليه، وتاب إلى الله، وأقر على نفسه؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له؛ ونسأل الله أن يهدينا وإياكم لما يحبه ويرضاه» (١) .
وقال مُفَنِّدًا لما نسبه إليه الخصُوم من المفتريات، وذلك في رسالته لابن صباح:
_________________
(١) الدرر السنية (١ - ٧٤) .
[ ٢٠٩ ]
«فلما رأوني: آمر الناس بما أمرهم به نبيهم ﷺ أن لا يعبدوا إلا الله، وأن من دعا عبد القادر، فهو كافر؛ وعبد القادر منه بريء، وكذلك من نخا (١) الصالحين، أو الأنبياء أو ندبهم أو سجد لهم، أو نذر لهم أو قصدهم بشيء من أنواع العبادة التي هي حق الله على العبيد، وكل إنسان يعرف أمر الله ورسوله لا ينكر هذا الأمر، بل يقر به، ويعرفه» (٢) .
وقال في رسالته إلى ابن السويدي، عالم من أهل العراق حين سأله عما يقول الناس فيه، فأجابه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب، إلى الأخ في الله: عبد الرحمن بن عبد الله.
سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فقد وصل إليّ كتابك، وسُرَّ الخاطر، جعلك الله من أئمة المتقين، ومن الدعاة إلى دين سيد المرسلين؛ وأخبرك أني - ولله الحمد - متبع، لست بمبتدع عقيدتي وديني الذي أدين الله به، هو مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة، وأتباعهم إلى يوم القيامة.
ولكنني بيّنت للناس: إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء، والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يعبد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل وهو الذي دعت إليه الرسل، من أولهم إلى آخره؛ وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة» (٣) .
ثم قال: «وأيضًا: ألزمْتُ مَنْ تحت يدي، بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وغير ذلك من فرائض الله، ونهيتهم عن الربا وشرب المسكر، وأنواع المنكرات، فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا، وعيبه؛ لكونه مستحسنًا عند العوام؛ فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد، وأنهى عنه من الشرك ولبَّسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس، ونسبوا إلينا أنواع المفتريات فكبرت الفتنة وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله.
_________________
(١) نخاهم: استغاث بهم واستنجد.
(٢) الدرر السنية (١)
(٣) الدرر السنية (١) .
[ ٢١٠ ]
فمنها: إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه فضلًا عن أن يفتريه. ومنها: ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني، وأني أزعم أن أنكحتهم غير صحيحة فيا عجبًا كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟! وهل يقول هذا مسلم، إني أبرأ إلى الله من هذا القول، الذي ما يصدر إلا عن مختل العقل، فاقد الإدراك فقاتل الله أهل الأغراض الباطلة. وكذلك قولهم: إني أقول: لو أقدر على هدم قبة النبي ﷺ لهدمتها.
وأما دلائل الخيرات، وما قيل عني: أني حرقتها، فله سبب، وذلك أني أشرت على مَنْ قَبِلَ نصيحتي من إخواني أن لا يصير في قلبه أجلّ من كتاب الله؛ ولا يظن أن القراءة فيه أفضل من قراءة القرآن، وأما: إحراقها والنهي عن الصلاة على النبي ﷺ بأي لفظ كان، فنسبة هذا إليّ من الزور والبهتان.
والحاصل: أن ما ذُكر عني من الأسباب، غير دعوة الناس إلى التوحيد، والنهي عن الشرك، فكله من البهتان؛ وهذا لو خفي على غيركم، فلا يخفى على حضرتكم، ولو أن رجلا من أهل بلدكم ولو كان أحب الخلق إلى الناس قام يُلزم الناس الإخلاص، ويمنعهم من دعوة أهل القبور، وله أعداء وحُسَّاد أشد منه رياسة وأكثر اتباعًا وقاموا يرمونه بمثل هذه الأكاذيب، ويوهمون الناس أن هذا تنقص بالصالحين وأن دعوتهم من إجلالهم واحترامهم لعلمتم كيف يجري عليه» (١) .
وقال في رسالة بعثها إلى أهل المغرب، بعد أن تحدث عن وقوع الافتراق في الأمة: «إذا عُرف هذا، فمعلوم: ما قد عمت به البلوى، من حوادث الأمور، التي أعظمها الإشراك بالله، والتوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على الأعداء، وقضاء الحاجات وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها إلاّ ربّ الأرض والسماوات؛ وكذلك التقرب إليهم بالنذور، وذبح القربان، والاستغاثة بهم في كشف الشدائد، وجلب الفوائد إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله.
_________________
(١) الدرر السنية (١ - ٨٣) .
[ ٢١١ ]
وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله: كصرف جميعها؛ لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٢ - ٣] [سورة الزمر، الآيات: ٢ - ٣] فأخبر سبحانه: أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصًا لوجهه؛ وأخبر: أن المشركين يدعون الملائكة، والأنبياء والصالحين، ليقربوهم إلى الله زلفى ويشفعوا لهم عنده، وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفار؛ فكذبهم في هذه الدعوى، وكفَّرهم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] [سورة الزمر، آية: ٣] وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] [سورة يونس، آية: ١٨]، فأخبر: أن من جعل بينه وبين الله وسائط، يسألهم الشفاعة، فقد عبدهم وأشرك بهم وذلك: أنَّ الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾ [الزمر: ٤٤] [سورة الزمر، آية: ٤٤] .
فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [سورة البقرة، آية: ٢٥٥] وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] [سورة طه، آية: ١٠٩] وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [سورة الأنبياء، آية: ٢٨] وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ - وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣] [سورة سبأ، آية: ٢٢ - ٢٣] فالشفاعة: حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [سورة الجن، آية: ١٨]، وقال: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] [سورة يونس، آية: ١٠٦] فإذا كان الرسول ﷺ وهو سيد الشفعاء، وصاحب المقام المحمود، وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذن الله، لا يشفع ابتداء بل «يأتي فيخر ساجدًا فيحمده بمحامد يعلمه إياها، ثم يقال: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، ثم يحد له حدًّا فيدخلهم الجنة» فكيف بغيره من الأنبياء، والأولياء؟!
[ ٢١٢ ]
وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين، بل قد أجمع عليه السلف الصالح، من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، وغيرهم ممن سلك سبيلهم ودرج على منهجهم.
وأما: ما صدر من سؤال الأنبياء، والأولياء الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها والسُّرُج، والصلاة عندها واتخاذها أعيادًا، وجعل السدنة والنذور لها، فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها النبي ﷺ وحذَّر منها، كما في الحديث عنه ﷺ أنه قال: «لا تقوم الساعة، حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان» (١) .
وهو ﷺ حمى جناب التوحيد، أعظم حماية وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، فنهى أن يُجصص القبر، وأن يُبنى عليه كما ثبت في صحيح مسلم، من حديث جابر (٢) وثبت فيه أيضًا: أنه بعث علي بن أبي طالب - ﵁ - وأمره أن لا يدع قبرًا مشرفًا إلا سواه، ولا تمثالًا إلا طمسه (٣)؛ ولهذا قال غير واحد من العلماء: يجب هدم القبب المبنية على القبور؛ لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ.
فهذا: هو الذي أوجب الاختلاف، بيننا وبين الناس، حتى آل بهم الأمر، إلى أن كفَّرونا، وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا حتى نصرنا الله عليهم، وظفرنا بهم وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه، بعدما نقيم عليهم الحجة، من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح، من الأئمة ممتثلين لقوله –﷾-: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ﴾ [الأنفال: ٣٩] [سورة الأنفال، آية: ٣٩] فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان، قاتلناه بالسيف والسنان، كما قال تعالى:
_________________
(١) رواه مسلم (٢٨٨٩)، وابن ماجه (٣٩٥٢)، والبرقاني في صحيحه واللفظ له عند ابن ماجه: «وستعبد قبائل من أمتي الأوثان» من حديث ثوبان - ﵁ -) .
(٢) رواه مسلم (٢٢٤٥) .
(٣) أخرجه أحمد في المسند برقم (٧١)، ومسلم برقم (٩٦٩) وغيرهما، كما صح عنه أنه نهى عن البناء على القبور.
[ ٢١٣ ]
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] [سورة الحديد، آية: ٢٥] .
وندعو الناس: إلى إقام الصلاة في الجماعات، على الوجه المشروع، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام، ونأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] [سورة الحج، آية: ٤١] .
فهذا: هو الذي نعتقد وندين الله به، فمن عمل بذلك فهو أخونا المسلم له ما لنا وعليه ما علينا.
ونعتقد أيضًا: أن أمة محمد ﷺ المتبعين لسنته، لا تجتمع على ضلالة وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك وصلى الله على محمد» (١) .
وقال في رسالة له:
«من محمد بن عبد الوهاب، إلى الشيخ فاضل آل مزيد، زاده الله من الإيمان، وأعاذه من نزغات الشيطان.
أما بعد: فالسبب في المكاتبة: أن راشد بن عربان، ذكر لنا عنك كلامًا حسنًا، سر الخاطر، وذكر عنك: أنك طالب مني المكاتبة، بسبب ما يجيئك من كلام العدوان (٢) من الكذب، والبهتان؛ وهذا هو الواجب من مثلك أنه لا يقبل كلامًا إلا إذا تحققه.
وأنا أذكر لك: أمرين قبل أن أذكر لك صفة الدين.
الأول: أني أذكر لمن خالفني، أن الواجب على الناس اتباع ما وصى به النبي ﷺ أمته، وأقول لهم: الكتب عندكم، انظروا فيها ولا تأخذوا من كلامي شيئًا، لكن إذا عرفتم كلام رسول الله ﷺ الذي في كتبكم، فاتبعوه ولو خالفه أكثر الناس.
_________________
(١) الدرر السنية (١ -٨٨) .
(٢) أي: الأعداء.
[ ٢١٤ ]
والأمر الثاني: أن هذا الأمر الذي أنكروا علي وأبغضوني وعادوني من أجله إذا سألوا عنه كل عالم في الشام واليمن، أو غيرهم يقول: هذا هو الحق وهو دين الله ورسوله؛ ولكن ما أقدر أظهره في مكاني لأجل أن الدولة (١) ما يرضون، وابن عبد الوهاب أظهره؛ لأن الحاكم في بلده ما أنكره بل لما عرف الحق اتبعه، هذا كلام العلماء وأظنه وصلك كلامهم.
فأنت: تفكر في الأمر الأول وهو قولي: لا تطيعوني ولا تطيعوا إلا أمر رسول الله ﷺ الذي في كتبكم، وتفكر في الأمر الثاني: أن كل عاقل مقر به لكن ما يقدر يظهره، فقدم لنفسك ما ينجيك عند الله، واعلم أنه ما ينجيك إلا اتباع رسول الله ﷺ والدنيا زائلة، والجنة والنار ما ينبغي للعاقل أن ينساهما.
وصورة الأمر الصحيح، أني أقول: ما يُدعى إلا الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى في كتابه: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [سورة الجن، آية: ١٨]، وقال في حق النبي ﷺ: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] [سورة الجن، آية: ٢١] فهذا كلام الله والذي ذكره لنا رسول الله ﷺ ووصانا به، ونهى الناس لا يدعونه فلما ذكرت لهم: أن هذه المقامات التي في الشام والحرمين وغيرها أنها على خلاف أمر الله ورسوله وأن دعوة الصالحين، والتعلق عليهم، هو الشرك بالله الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] [سورة المائدة، آية: ٧٢] فلما أظهرت هذا: أنكروه وكبر عليهم؛ وقالوا: أجعلتنا مشركين؟ وهذا ليس إشراكًا، هذا كلامهم وهذا كلامي، أسنده عن الله ورسوله وهذا هو الذي بيني وبينكم، فإن ذكر شيء غير هذا فهو كذب وبهتان، والذي يصدق كلامي هذا أن العالم ما يقدر يظهره حتى من علماء الشام من يقول: هذا هو الحق ولكن لا يظهره إلا من يحارب الدولة؛ وأنت -ولله الحمد- ما تخاف إلاّ الله، نسأل الله أن يهدينا وإياكم إلى دين الله ورسوله، والله أعلم» (٢) .
_________________
(١) يعني الدولة العثمانية حيث مالت في آخر عهدها إلى التصوف وبدع القبور وبناء المساجد والقباب عليها، وبناء المشاهد ونحوها.
(٢) الدرر السنية (١ - ٩١) .
[ ٢١٥ ]
وللشيخ في بيان هذه القضية العادلة الشريفة والدفاع عنها كلام كثير؛ إذ تدور عليها سائر أعماله وأقواله وأحواله ومؤلفاته وأبرزها كتاب (التوحيد) الشهير، و(كشف الشبهات) و(الأصول الثلاثة) و(مسائل الجاهلية) وغيرها كثير.
ومن الرسائل التي بعثها خطابًا عامًا للمسلمين كذلك: «من محمد بن عبد الوهاب: إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فاعلموا رحمكم الله، أن الله بعث محمدًا ﷺ إلى الناس بشيرًا ونذيرًا، مبشرًا لمن اتبعه بالجنة، ومنذرًا لمن لا يتبعه عن النار، وقد علمتم إقرار كل من له معرفة أن التوحيد الذي بينا للناس هو الذي أرسل الله به رسله، حتى إن كل مطوَّع معاند (١) يشهد بذلك وأن الذي عليه غالب الناس من الاعتقادات في الصالحين، (٢) وفي غيرهم هو الشرك الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] [سورة المائدة، آية: ٧٢] فإذا تحققتم هذا وعرفتم أنهم يقولون: لو يتركون أهل العارض التكفير والقتال كانوا على دين الله ورسوله، ونحن ما جئناكم في التكفير، والقتال لكن ننصحكم بهذا الذي قطعتم أنه دين الله ورسوله أن تعلموه وتعملوا به إن كنتم من أتباع محمد باطنًا وظاهرًا» . (٣) .
وفي رسالة للإمام محمد والإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود إلى أحد علماء اليمن بعد الافتتاحية قال:
«من عبد العزيز بن محمد بن سعود، ومحمد بن عبد الوهاب: إلى الأخ في الله: أحمد بن محمد العديلي البكبلي (٤) سلمه الله من جميع الآفات،
_________________
(١) أي: كل متدين ولو كان خصمًا معاندًا.
(٢) يعني: تقديسهم، واعتقاد أنهم ينفعون أو يضرون من دون الله وفيما لا يقدر عليه إلا الله، ومنه اعتقاد أنهم لهم تصرف في الكون وأنهم يعلمون الغيب ونحو ذلك من المعتقدات الفاسدة.
(٣) الدرر السنية (١، ٩٣)
(٤) قال المهمِّش: لعله: البهكلي: المترجَمُ في نيل الوطر، ص (٢٠٧) ج المتوفى سنة (١٢٢٧هـ) وقلت: بل لعله البكيلي من قبيلة بكيل في اليمن.
[ ٢١٦ ]
واستعمله بالباقيات الصالحات، وحفظه من جميع البليات، وضاعف له الحسنات، ومحا عنه السيئات، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أما بعد:
لفانا (١) كتابكم، وسُر الخاطر بما ذكرتم فيه، من سؤالكم، وما بلغنا على البعد، من أخباركم، وسؤالكم عما نحن عليه، وما دعونا الناس إليه، فأردنا أن نكشف عنكم الشبهة بالتفصيل، ونوضح لكم القول الراجح بالدليل، ونسأل الله - ﵁ - أن يسلك بنا وبكم أحسن منهج وسبيل.
أما: ما نحن عليه من الدين؟ فعلى دين الإسلام، الذي قال الله فيه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] [سورة آل عمران، آية: ٨٥] .
وأما: ما دعونا الناس إليه؟ فندعوهم إلى التوحيد، الذي قال الله فيه خطابًا لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] [سورة يوسف، آية: ١٠٨] وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [سورة الجن، آية: ١٨] .
وأما: ما نهينا الناس عنه؟ فنهيناهم عن الشرك، الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] [سورة المائدة، آية: ٧٢] وقوله تعالى لنبيه ﷺ على سبيل التغليظ، وإلا فهو منزه، هو وإخوانه من الشرك: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ - بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦] [سورة الزمر، آية: ٦٥ - ٦٦] وغير ذلك من الآيات.
ونقاتلهم عليه، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] [سورة الأنفال، آية: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] [سورة التوبة، آية: ٥]
_________________
(١) أي: وافانا ووصل إلينا.
[ ٢١٧ ]
وقوله ﷺ: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ﷿» (١) (٢) .
إلى أن قال: «وما جئنا بشيء يخالف النقل، ولا ينكره العقل؛ ولكنهم يقولون ما لا يفعلون، ونحن نقول ونفعل: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] [سورة الصف، آية: ٣] نقاتل: عُبَّاد الأوثان، كما قاتلهم ﷺ ونقاتلهم على ترك الصلاة، وعلى منع الزكاة، كما قاتل مانعها، صديق هذه الأمة أبو بكر الصديق - ﵁ -؛ ولكن ما هو إلا كما قال ورقة بن نوفل: ما أتى أحد بمثل ما أتيت به، إلا عودي، وأوذي، وأخرج، وما قل وكفى، خير مما كثر وألهى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» (٣) .
وقال في رسالته لأحد علماء المدينة:
«وإن سألت عن سبب الاختلاف، الذي هو بيننا وبين الناس؟ فما اختلفنا في شيء من شرائع الإسلام، من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج، وغير ذلك ولا في شيء من المحرمات الشيء الذي عندنا زين، هو عند الناس زين؛ والذي عندهم شين هو عندنا شين، إلا أنا نعمل بالزين، ونغصب الذي يدنا عليه، وننهى عن الشين، ونؤدب الناس عليه.
والذي قلب الناس علينا: الذي قلبهم على سيد ولد آدم ﷺ وقلبهم على الرسل من قبله: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ [المؤمنون: ٤٤] [سورة المؤمنون، آية: ٤٤] ومثل ما قاله ورقة للنبي ﷺ: «والله ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي» (٤)؛ فرأس الأمر عندنا، وأساسه: إخلاص الدين لله نقول: ما يُدعى إلا الله، ولا يُنذر إلا لله، ولا يُذبح القربان إلا
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة رقم (١٣٩٩)،، ومسلم، كتاب الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، رقم (٣٢)، وغيرهما من حديث أبي هريرة - ﵁ -) .
(٢) الدرر السنية (١ -٩٦) .
(٣) الدرر السنية (١ -٩٩) .
(٤) جزء من حديث رواه البخاري رقم (٣)، (٣٣٩٢) وغيرها. ومسلم رقم (١٦٠) من حديث أم المؤمنين عائشة - ﵂ -.
[ ٢١٨ ]
لله، ولا يخاف خوف الله إلا من الله، فمن جعل من هذا شيئًا لغير الله فنقول: هذا الشرك بالله، الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] [سورة النساء، آية: ٤٨] والكفار الذين قاتلهم النبي ﷺ واستحل دماءهم: يقرون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، النافع الضار، المدبر لجميع الأمور، واقرأ قوله سبحانه لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [يونس: ٣١] [سورة يونس، آية: ٣١] قُلْ مَنْ ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨ - ٨٩] [سورة المؤمنون، آية: ٨٨ - ٨٩] وأخبر الله عن الكفار: أنهم يخلصون لله الدين أوقات الشدائد، واذكر قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] [سورة العنكبوت، آية: ٦٥] والآية الأخرى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢] [سورة لقمان، آية: ٣٢] وبين الله غاية الكفار، ومطلبهم أنهم يطلبون الشفع (١) واقرأ أول سورة الزمر، تراه سبحانه بيَّن دين الإسلام، وبين دين الكفار ومطلبهم، الآيات في هذا من القرآن: ما تحصى ولا تعد» (٢) .
ثم ذكر جملة من الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ.
[سير أتباعه على هذا المنهاج]
[وسار أتباعه على هذا المنهاج في بيان حقيقة الدعوة والدفاع عنها]: ومن ذلك قول الشيخ عبد الله بن الإمام محمد: «وهذا الدين الذي ندعو إليه، قد ظهر أمره وشاع وذاع، وملأ الأسماع، من مدة طويلة، وأكثر الناس بدّعونا، وخرّجونا، وعادونا عنده، وقاتلونا، واستحلوا دماءنا وأموالنا، ولم يكن لنا ذنب سوى تجريد التوحيد، والنهي عن دعوة غير الله والاستغاثة بغيره، وما أحدث من البدع والمنكرات، حتى غلبوا وقُهِروا، فعند ذلك أذعنوا وأقروا بعد الإنكار» (٣) .
_________________
(١) كذا في المطبوعة وهي بمعنى: الشفاعة.
(٢) الدرر السنية (١، ٦٠) .
(٣) الدرر السنية (١) .
[ ٢١٩ ]
وقال الشيخ: حمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن أحد أحفاد الإمام بعد الافتتاحية:
«من محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، إلى من يراه من أهل القرى، ورؤساء القبائل، من أهل اليمن، وعسير، وتهامة، وشهران، وبني شهر، وقحطان، وغامد، وزهران، وكافة أهل الحجاز، وغيرهم هدانا الله وإياهم لدين الإسلام، وجعلنا وإياهم من أتباع سيد الأنام، آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . . ثم قال: «وصار بعض الناس: يسمع بنا معاشر الوهابية (١) ولا يعرف حقيقة ما نحن عليه، وينسب إلينا، ويضيف إلى ديننا السفاسف، والأباطيل، تنفيرًا للناس عن قبول هذا الدين، وصدًّا لهم عن توحيد رب العالمين، فأوجب لنا: تسويد هذه العجالة، بيانًا لما نعتقده وندين الله به وندعو إليه ونجاهد الناس عليه.
فاعلموا - أن حقيقة ما نحن عليه، وما ندعو إليه ونجاهد على التزامه، والعمل به - أنَّا ندعو إلى دين الإسلام، والتزام أركانه، وأحكامه، الذي أصله وأساسه: شهادة أن لا إله إلا الله، والأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وهذه العبادة مبنية على أصلين: كمال الحب لله، مع كمال الخضوع، والذل له والعبادة لها أنواع كثيرة؛ فمن أنواعها: الدعاء وهو من أجلّ أنواع العبادة، وسماه عبادة، في عدة مواضع من كتابه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] [سورة غافر، آية: ٦٠] . ونظائر هذا في القرآن كثير؛ وفي الحديث: «الدعاء مخ العبادة» (٢) .
فنقول: لا يُدعى إلا الله، ولا يُستغاث في الشدائد، وجلب الفوائد إلا به، ولا يذبح
_________________
(١) لم يكن من عادة علماء الدعوة، وأتباعها الإقرار بإطلاق (الوهابية) على هذه الدعوة السلفية؛ لأنها كانت من الخصوم على سبيل اللمز والسب ولعل الشيخ هنا ذكرها على سبيل التنزل، ولشهرة هذا الاصطلاح حتى صار يطلق من المؤيد والمعارض.
(٢) رواه الترمذي (٣٣٧١) عن أنس - ﵁ - بهذا اللفظ، وفيه الوليد بن مسلم وهو مدلس وقد عنعن وفيه أيضًا ابن لهيعة، وكان قد اختلط وضُعِّف. قال الترمذي: «حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة»، ولكن قد ثبت الحديث بلفظ «الدعاء هو العبادة» رواه الترمذي (٣٣٧٠)، وأحمد (٢)، وابن ماجه (٣٨٢٩)، وابن حبان (١)، والحاكم (١) وصححه، والبخاري في الأدب المفرد (٧١٢) من حديث النعمان بن بشير، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٣٤٠١) .
[ ٢٢٠ ]
القربان إلا له، ولا يُنذر إلا له، ولا يخاف خوف السر إلا منه وحده، ولا يُتوكل إلا عليه ولا يستعان ولا يستعاذ إلا به، وليس لأحد من الخلق شيء من ذلك لا الملائكة ولا الأنبياء ولا الأولياء، ولا الصالحين ولا غيرهم فلله حق، لا يكون لغيره، وحقه تعالى: إفراده بجميع أنواع العبادة، فلا تأله القلوب محبة وإجلالًا وتعظيمًا وخوفًا ورجاء، إلا الله فهذه هي الحكمة الشرعية الدينية والأمر المقصود في إيجاد البرية» .
وبعد أن شرح هذا المبدأ، واستدل له من القرآن والسنة قال: «ومن كان له معرفة بما بعث الله به رسوله، علم: أن ما يفعل عند القبور، من دعاء أصحابها والاستغاثة بهم، والعكوف عند ضرائحهم والسجود لهم، والنذر لهم أعظم وأكبر من فعل الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وأقبح وأشنع من قول الذين قالوا اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط.
قال بعض العلماء المحققين، - ﵀ - تعالى: فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة، لتعليق الأسلحة والعكوف عليها اتخاذ إله، مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها فما الظن بالعكوف حول القبر، والدعاء به، ودعائه والدعاء عنده؟ فأي نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر، لو كان أهل الشرك والبدع يعلمون؟ انتهى.
ولقد حمى النبي ﷺ جناب التوحيد، وسد الذرائع، التي تُفضي إلى الشرك والتنديد، فقال فيما صح عنه ﷺ: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) ونهى عن إيقاد السرج عليها، فقال ﷺ: «لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد، والسرج» (٢) ونهى: أن تُتخذ عيدًا، ونهى عن البناء عليها، وأمر بتسويتها بالأرض، كما روى مسلم في صحيحه، عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي - ﵁ - ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ أن لا تدع
_________________
(١) رواه مالك: كتاب الصلاة، باب الصلاة (٢٦١) .
(٢) رواه الترمذي (٣٢٠)، وأحمد (٢٠٣٠، ٢٦٠٣، ٢٩٨٦، ٣١١٨)، وأبو داود (٣٢٣٦)، والنسائي (٢٤٠٥) . والحديث صححه الألباني بدون لفظة «السرج» راجع: أحكام الجنائز.
[ ٢٢١ ]
تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته (١) ونهى: عن تجصيص القبور، وعن الكتابة عليها.
فنحن: ننكر الغلو في أهل القبور، والإطراء، والتعظيم؛ ونهدم البنايات، التي على قبور الأموات؛ لما فيها من الغلو، والتعظيم الذي هو أعظم وسائل الشرك بالله، وهذه الأمور التي أوجبت عبادتها من دون الله: ابتدعها أناس، أرادوا بها التعظيم، وإظهار تشريفهم، فجاء من بعدهم، فعبدوهم من دون الله، وقصدوا منهم كشف المُلِمات، وسألوهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات؛ واعتقدوا هذا الشرك الوخيم، قربة ودينًا يدينون به، واشتد نكيرهم على من أنكر ذلك، وحذروا عنه، ورموه بالزور والبهتان؛ والله ناصر دينه في كل زمان، ومكان لكنه يمتحن حزبه، بحربه منذ كانت الفئتان» (٢) .
[الشفاعة والتوسُل والتبرك ودعوى منعها]
دعوى منعهم الشفاعة والتوسل والتبرك مطلقا: التوسل والتبرك والشفاعة من الأمور الكبيرة التي أثارها الخصوم من أهل البدع والأهواء والافتراق على أهل السنة والجماعة منذ زمن بعيد؛ ثم لما ظهر الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، ودعا إلى السنة وأنكر البدع، وكان أشهرها وأظهرها إنكار التوسلات البدعية والتبرك البدعي والغلو في باب الشفاعة.
وهذه الأمور أغلب مسائلها تتفرع عن القضية الكبرى التي سبق الحديث عنها وهي قضية: التوحيد وما ينقضه وما ينافيه.
وقد أشاع خصوم السنة -من أهل البدع - حول هذه المسائل شبهات كثيرة وافتروا على أهل السنة عمومًا، وعلى الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه على الخصوص مفتريات ومزاعم كبيرة.
فزعموا أنهم يمنعون التوسل والتبرك والشفاعة مطلقًا.
وأنهم بناء على ذلك ينتقصون الرسول ﷺ وربما قالوا: يبغضونه؛ وأنهم بناء على ذلك يبغضون الأنبياء والصالحين ويكرهون الأولياء! .
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند برقم (٧١)، ومسلم برقم (٩٦٩) وغيرهما، كما صح عنه أنه نهى عن البناء على القبور.
(٢) الدرر السنية (١ - ٥٧١) .
[ ٢٢٢ ]
والحق: أن أهل السنة ومنهم الإمام محمد وأتباعه - يثبتون كلَّ ما جاء في الأدلة من القرآن وصحيح السنة من ذلك وينفون ما عداه؛ لأن هذا من الأمور التوقيفية التي لا يمكن للناس أن يشرعوا فيها شيئًا. ومن شرع إثباتًا أو نفيًا فقد ابتدع، وأحدث في الدين ما ليس منه، وعمله مردود بقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) وقوله ﷺ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) وهذه نصوص قطعية محكمة.
يعتقد أهل السنَّة والجماعة (ومنهم أتباع هذه الدعوة المباركة) أن الشفاعة نوعان: مثبتة وهي ما جاءت بها النصوص وتوافرت بها الشروط التي ذكر الله تعالى في كتابه كالشفاعة العظمى والمقام المحمود للنبي ﷺ وشفاعته لأهل الكبائر من أمته، وشفاعته لعمه أبي طالب أن يخفف عنه من عذاب النار، ونحو ذلك مما ثبت بدليل وما لم يثبت بدليل، فهو الشفاعة المنفية وهو النوع الثاني.
وقد أفاض الإمام محمد بن عبد الوهاب في هذه المسألة وكذلك علماء الدعوة وسائر أهل السنة وبينوها بأدلتها غاية البيان بالأدلة وكشفوا شبهات أهل البدع بما فيه الكفاية لمن كان قصده الحق.
يقول الإمام منكرًا التوسلات والشفاعات الشركية والبدعية في رسالته لابن صباح: بسم الله الرحمن الرحيم الذي يعلم من وقف عليه من الإخوان، المتبعين محمد ﷺ أن ابن صباح: سألني عما ينسب إليّ؟ فطلب مني: أن أكتب الجواب؛ فكتبته:
الحمد لله رب العالمين؛ أما بعد:
فما ذكره المشركون: على أني أنهى عن الصلاة على النبي، أو أني أقول: لو أن لي أمرًا، هدمت قبة النبي ﷺ أو أني أتكلم في الصالحين، أو أنهي عن محبتهم، فكل هذا كذب وبهتان، افتراه عليَّ الشياطين، الذين يريدون أن يأكلوا أموال الناس بالباطل، مثل أولاد شمسان، وأولاد إدريس، الذين يأمرون الناس ينذرون
_________________
(١) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (٤٤٩٢) من حديث أم المؤمنين عائشة - ﵂ -.
(٢) رواه مسلم (٤٤٩٣)، وأبو داود (٤٦٠٦) واللفظ لمسلم.
[ ٢٢٣ ]
لهم، وينخونهم، ويندبونهم، وكذلك فقراء الشيطان، الذين ينتسبون إلى الشيخ عبد القادر -﵀- وهو منهم بريء، كبراءة علي بن أبي طالب من الرافضة.
فلما رأوني: آمر الناس بما أمرهم به نبيهم ﷺ أن لا يعبدوا إلا الله، وأن من دعا عبد القادر، فهو كافر؛ وعبد القادر منه بريء، وكذلك من نخا الصالحين، أو الأنبياء أو ندبهم أو سجد لهم أو نذر لهم، أو قصدهم بشيء من أنواع العبادة، التي هي حق الله على العبيد، وكل إنسان، يعرف أمر الله ورسوله: لا ينكر هذا الأمر، بل يُقِرُّ به، ويعرفه.
وأما الذي ينكره، فهو بين أمرين، إن قال: إن دعوة الصالحين واستغاثتهم والنذر لهم وصيرورة الإنسان فقيرًا لهم، أمر حسن؛ ولو ذكر الله ورسوله: إنه كفر؛ فهو مُصِرّ بتكذيب الله ورسوله، ولا خفاء في كفره فليس لنا معه كلام.
وإنما كلامنا: مع رجل يؤمن بالله واليوم الآخر، ويحب ما أحب الله ورسوله، ويبغض ما أبغض الله ورسوله، لكنه جاهل، قد لبست عليه الشياطين دينه؛ ويظن: أن الاعتقاد في الصالحين حق؛ ولو يدري أنه كفر، يُدْخل صاحبه في النار ما فعله؛ ونحن: نبين لهذا ما يوضح له الأمر، فنقول: الذي يجب على المسلم أن يتبع أمر الله ورسوله، ويسأل عنه والله سبحانه: أنزل القرآن وذكر فيه ما يحبه، ويبغضه، وبيّن لنا فيه ديننا، وأكمل؛ وكذلك محمد ﷺ أفضل الأنبياء، فليس على وجه الأرض أحد أحب إلى أصحابه منه؛ وهم يحبونه على أنفسهم، وأولادهم، ويعرفون قدره، ويعرفون أيضًا: الشرك والإيمان.
فإن كان أحد من المسلمين في زمن النبي ﷺ قد دعاه، أو نذر له أو ندبه (١) أو أحد من أصحابه جاء عند قبره بعد موته يسأله، أو يندبه، أو يدخل عليه للالتجاء له عند القبر، فاعرف: أن هذا أمر صحيح حسن، ولا تطعني، ولا غيري.
وإن كان إذا سألت وجدت أنه: ﷺ تبرأ ممن اعتقد (٢) في الأنبياء، والصالحين وقتلهم وسباهم وأولادهم، وأخذ أموالهم وحكم بكفرهم، فاعرف: أن النبي ﷺ لا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا بالحق؛ والواجب على كل مؤمن اتباعه فيما جاء به.
_________________
(١) أي: استغاث به.
(٢) الإمام كثيرًا ما يسمى تقديس الصالحين، وعبادتهم من دون الله ﷿ (اعتقاد فيهم) .
[ ٢٢٤ ]
وبالجملة فالذي أنكره: الاعتقاد في غير الله، مما لا يجوز لغيره؛ فإن كنت قلته من عندي، فارم به؛ أو من كتاب لقيته، ليس عليه عمل، فارم به كذلك؛ أو نقلته عن أهل مذهبي، فارم به، وإن كنت قلته عن أمر الله ورسوله، وعما أجمع عليه العلماء في كل مذهب، فلا ينبغي لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرض عنه؛ لأجل أهل زمانه، أو أهل بلده، وأنّ أكثر الناس في زمانه أعرضوا عنه.
واعلم أن الأدلة على هذا، من كلام الله وكلام رسوله كثيرة، لكن: أنا أمثل لك بدليل واحد، ينبهك على غيره، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] [سورة الإسراء، آية: ٥٦، ٥٧] ذكر المفسرون في تفسيرها: أن جماعة كانوا يعتقدون في عيسى - ﵇ - وعزير؛ فقال تعالى: هؤلاء عبيدي، كما أنتم عبيدي، ويرجون رحمتي، كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي، كما تخافون عذابي.
فيا عباد الله: تَفَكَّرُوا في كلام ربّكم، ﵎، إذا كان ذكر عن الكفار، الذين قاتلهم رسول الله ﷺ: أن دينهم الذي كفرهم به، هو الاعتقاد في الصالحين؛ وإلا فالكفار يخافون الله، ويرجونه، ويحجون، ويتصدقون، ولكنهم كفروا بالاعتقاد في الصالحين؛ وهم يقولون: إنما اعتقدنا فيهم، ليقربونا إلى الله زلفى، يشفعوا لنا، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [سورة الزمر، آية: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا﴾ [يونس: ١٨] [سورة يونس، آية: ١٨] .
فيا عباد الله: إذا كان الله ذكر في كتابه، أن دين الكفار، هو الاعتقاد في الصالحين؛ وذكر أنهم اعتقدوا فيهم ودعوهم وندبوهم؛ لأجل أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، هل بعد هذا البيان، بيان؟ فإذا كان من اعتقد في عيسى ابن مريم، مع أنه نبي من الأنبياء، وندبه ونخاه (١) فقد كفر؛ فكيف بمن يعتقدون في الشياطين، كالكلب: أبي حديدة،
_________________
(١) نخاه، أي: استغاث به واستنجد.
[ ٢٢٥ ]
وعثمان، الذي في الوادي، والكلاب الأخر في الخرج، وغيرهم في سائر البلدان، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله؟!» .
ثم قال موجهًا النصيحة لكل مسلم مستمسك بالحق:
«أنت يا من هداه الله، لا تظن أن هؤلاء يحبون الصالحين، بل هؤلاء أعداء الصالحين؛ وأنت والله الذي تحب الصالحين؛ لأن من أحب قومًا أطاعهم، فمن أحب الصالحين وأطاعهم لم يعتقد إلا في الله، وأما من عصاهم ودعاهم يزعم أنه يحبهم فهو مثل النصارى، الذي يدعون عيسى، ويزعمون محبته وهو بريء منهم» .
ثم ذكر الذين يدعون علي بن أبي طالب، وهو بريء منهم.
وقال: «ونختم هذا الكتاب بكلمة واحدة، وهي أن أقول: يا عباد الله، لا تطيعوني، ولا تفكروا (١)؛ واسألوا أهل العلم من كل مذهب، عما قال الله ورسوله؛ وأنا أنصحكم: لا تظنوا أن الاعتقاد في الصالحين، مثل الزنا، والسرقة، بل هو عبادة للأصنام، من فعله كفر، وتبرأ منه رسول الله ﷺ، يا عباد الله تفكروا، وتذكروا؛ والسلام» (٢) .
وقال: «ومن أعجب ما جرى من الرؤساء المخالفين أني لما بيّنت لهم كلام الله، وما ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] [سورة الإسراء، آية: ٥٧] وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا﴾ [يونس: ١٨] [سورة يونس، آية: ١٨] وقوله ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [سورة الزمر، آية: ٣] وما ذكر الله من إقرار الكفار في قوله ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [يونس: ٣١] [سورة يونس، آية: ٣١] وغير ذلك.
قالوا: القرآن لا يجوز العمل به لنا، ولأمثالنا، ولا بكلام الرسول ﷺ؛ ولا بكلام المتقدمين، ولا نطيع إلا ما ذكره المتأخرون.
قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي، بكلام المتأخرين من الحنفية والمالكي، والشافعي،
_________________
(١) أي لا يتفرد أحدكم باجتهاد من نفسه والله أعلم.
(٢) الدرر السنية (١ - ٧٨) .
[ ٢٢٦ ]
والحنبلي، كل أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم، الذين يعتمدون عليهم، فلما أبوا ذلك، نقلت كلام العلماء من كل مذهب لأهله، وذكرت كل ما قالوا، بعدما صرحت الدعوة عند القبور، والنذر لها، فعرفوا ذلك، وتحققوه، فلم يزدهم إلاّ نفورًا» (١) .
وقد فصَّل الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب هذه المسألة فقال مجيبًا:
«عمن كان يستغيث بالمخلوق عند الشدائد بالنداء والدعاء ويستغيث ويتوسل ويتوجه بنبيه أو بالصالحين فقد قال النبي ﷺ في أدعية الصباح «أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض وبكل حق هو لك وبحق السائلين عليك أن تقيلني في هذه الغداة» (٢) مع الحديث الآخر: «أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﷺ، وقال له ادع الله أن يعافيني قال: «إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك» قال: ادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضي لي اللهم فشفعه في» (٣) . فهذان الحديثان مصرحان بالتوسل والتوجه والدعاء والتشفع والنداء، وما حكم من فعل ذلك وهو غير قاصد للشرك ولا معاند للإسلام؟ فالفرق ظاهر بينه وبين من قصد الشرك والعناد بعد معرفة التوحيد» .
قال: فنقول: «الجواب: وبالله التوفيق أما سؤال الميت والغائب نبيًّا كان أو غيره تفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، والاستغاثة به في الأمور المهمات فهو من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين لم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين، وهذا مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام، فإنه لم يكن أحد منهم إذا نزلت به تِرَة أو عرضت له حاجة أو نزلت به كربة وشدة يقول لميت يا
_________________
(١) الدرر السنية (١، ٧٣) .
(٢) رواه الطبراني قال الهيثمي في المجمع (١٠) وفيه فضَّال بن جبير وهو ضعيف مجمع على ضعفه.
(٣) رواه الترمذي (٣٥٧٨)، وابن ماجه (١٣٧٨٥)، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو الخطمي، وحسنه الألباني في التوسل.
[ ٢٢٧ ]
سيدي فلان حسبك أو اقض حاجتي أو أنا مستشفع بك إلى ربي؛ كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين. ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته ولا بغيره من الأنبياء لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها ولا كانوا يقصدون قبورهم للدعاء والصلاة عندها. ولهذا ثبت في الصحيح «أن الناس لما قحطوا في زمان عمر بن الخطاب - ﵁ - استسقى بالعباس وتوسل بدعائه، وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك إذا أجدبنا بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فيسقون» (١) وكذلك معاوية - ﵁ - لما استسقى بأهل الشام توسل بيزيد بن الأسود الجرشي (٢) . فهذا الذي ذكره عمر - ﵁ - توسُّل منهم بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته؛ ولهذا توسل بعده بدعاء العباس، وتوسل معاوية بدعاء يزيد بن الأسود. وهذا الذي ذكره الفقهاء في كتاب الاستسقاء، وقالوا: يُستحب أن يستسقى بالصالحين وإذا كانوا من أقارب رسول الله ﷺ فهو أفضل.
وهذه الأمور المبتدعة عند القبور أنواع: أبعدها عن الشرع من يسأل الميت حاجته كما يفعله كثير من الناس وهؤلاء من جنس عُبَّاد الأصنام، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] [سورة الإسراء، الآيات: ٥٦، ٥٧] الآية. قالت طائفة من السلف كان أقوام يدعون الملائكة والمسيح وعزيرًا فقال الله لهم هؤلاء عبيدي كما أنتم عبيدي يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي، فكل من دعا نبيًا أو وليًا أو صالحًا وجعل فيه نوعًا من الإلهية فقد تناولته هذه الآية؛ فإنها عامة في كل من دعا من دون الله مدعوا، وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة ويرجو رحمته
_________________
(١) رواه البخاري (٢)، كتاب الاستسقاء، باب: سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، وفي الفضائل (٧)، وابن سعد (٤ -٢٩)، والبيهقي (٣) .
(٢) أخرجه أبو زرعة الدمشقي في تاريخ دمشق (١)، وسنده صحيح، كما قال الحافظ في التلخيص (١٥١)، وقال «ورواه أبو القاسم اللالكائي في السنة في "كرامات الأولياء" منه»، وكذلك صححه في الإصابة (١٠) . راجع: إرواء الغليل (٣ - ١٤٠) .
[ ٢٢٨ ]
ويخاف عذابه، فكل من دعا ميتًا أو غائبًا من الأنبياء أو الصالحين سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرهما فقد فعل الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه.
ومعلوم أن هؤلاء كلهم يجعلونهم وسائط فيما يقدره الله بأفعالهم، ومع هذا فقد نهى عن دعائهم وبيَّن أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله لا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع كتغيير صفته أو قدره.
ولهذا قال: (ولا تحويلا) فذكر نكرة تعم أنواع التحويل فكل من دعا ميتًا أو غائبًا من الأنبياء والصالحين أو دعا الملائكة أو الجن فقد دعا من لا يُغيث ولا يملك كشف ضره ولا تحويله، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] [سورة الجن، آية: ٦] وقد نص الأئمة كأحمد وغيره على أن لا يجوز الاستغاثة بمخلوق. وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق، قالوا: لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه استعاذ بكلمات الله وأمر بذلك، فدل على أن كلمات الله غير مخلوقة، وأنها صفة من صفاته؛ لأن الاستغاثة بالمخلوق لا تجوز.
والمقصود أن يعلم السائل وفقه الله تعالى أن الاستغاثة بالمخلوق في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله من كشف الكربات وإغاثة اللهفات وإجابة الدعوات من الشرك الذي لا يغفره الله وهو من الغلو الذي ذمه الله في كتابه حيث قال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] [سورة النساء، آية: ١٧١]، وقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] [سورة المائدة، آية ٧٧] .
والغلو في الصالحين هو من فعل المشركين كما حكاه – ﷾ - عن قوم نوح في قوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ﴾ [نوح: ٢٣] [سورة نوح، آية: ٢٣] الآية. قال ابن عباس - ﵁ - «هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما ماتوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كان يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تُعْبَد حتى إذا هلك أولئك ونُسِيَ العلم عُبِدَتْ» (١) .
_________________
(١) رواه البخاري (٤٩٢٠) .
[ ٢٢٩ ]
فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من العبادة، مثل أن يقول يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل» .
إلى أن قال: «ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يُشرع بناء المساجد على القبور ولا الصلاة عندها؛ وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان تعظيم القبور. ولهذا اتفق العلماء على أن من سلم على النبي ﷺ عند قبره لا يتمسح بحجرته ولا يُقَبِّلها؛ لأن ذلك إنما يكون لأركان بيت الله فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق، كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملًا إلا به ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] [سورة النساء، آية: ٤٨] .
وقال: «النوع الثاني: من الأمور المبتدعة عند القبور أن يسأل الله تعالى به وهذا يفعله كثير من المتأخرين وهو من البدع المحدثة في الإسلام، ولكن بعض العلماء يرخص فيه وبعضهم ينهى عنه ويكرهه وليس هذا مثل النوع الذي قبله فإنه لا يصل إلى الشرك الأكبر عند من كرهه، ولا يسمى هذا استغاثة بالرسول ﷺ وإنما هو سؤال به، والفرق بينه وبين الذي قبله فرق عظيم أبعد مما بين المشرق والمغرب» .
وقال: «والتوسل إلى الله في الدعاء بغير نبينا ﷺ لا نعلم أحدًا من السلف فعله ولا روي فيه أثر، وقد قال أبوالحسين القدوري الحنفي في شرح الكرخي: قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك أو بحق خلقك. وهو قول أبي يوسف قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشك هو الله فلا أكره هذا (١) وأكره بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت والمشعر الحرام بهذا الحق يكره قالوا جميعًا. انتهى.
وكذلك قال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام الفقيه الشافعي في فتاويه المشهورة عنه: أنه لا يجوز التوسل إلى الله تعالى بخلقه إلا بالنبي ﷺ إن صح الحديث فيه يعني حديث
_________________
(١) وقد صحَّ الحديث في ذلك وتقدم تخريجه.
[ ٢٣٠ ]
الأعمى الذي رواه الترمذي (١) وغيره.
والمسألة بخلقه لا تجوز؛ لأنه لا حق للخلق على الخالق فلا يجوز أن يسأل ما ليس بمستحق، ولكن معقد العز من عرشك هل هو سؤال بمخلوق أو بالخالق؟ فيه نزاع بينهم فلذلك تنازعوا فيه، وأبو يوسف بلغه الأثر فيه أسألك بمعقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم وجدك الأعلى وكلماتك التامة فجوزه لذلك (٢) والله أعلم.
(وأما الجواب) عن الحديثين المذكورين فمن وجوه» (٣) ثم ذكرها فلتراجع.
[هدم القباب والأبنية على القبور والمشاهد والمزارات ودعوى بغض الأولياء]
هدم القباب والأبنية على القبور والمشاهد والمزارات ودعوى بغض الأنبياء والأولياء: إن ما ادعاه الخصوم بأن الدعوة إذا تمكنت في بلد قامت بهدم القباب والأبنية على القبور والمشاهد والآثار فهذا حق، وهو عين الصواب، ويجب أن تمدح به ولا تذم، لكن الخصوم صوروا ذلك بصورة الباطل، ولبَّسوا على العامة دينهم وروَّجوا هذه الأخبار، وما يزاد عليها من مزاعم وحكايات في معرض التشنيع والاعتراض على هذه الأعمال. والتلبيس على الناس بأن إزالة هذه البدع تعني بغض الأولياء والصالحين وإهانتهم.
مع أن الدعوة السلفية حين قامت بذلك كانت تفعله امتثالًا لأمر رسول الله ﷺ وإنكارًا لهذه البدع والمنكرات والمظاهر الشركية بمقتضى الأدلة الشرعية والتي منها حديث علي - ﵁ - الذي أخرجه الإمام أحمد في السنة ومسلم في صحيحه وغيرهما: «عن أبي الهياج الأسدي قال: قال علي - ﵁ -: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ: أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته» (٤) .
وكان من أساليب الخصوم وإمعانهم في تهييج عواطف عامة المسلمين وجهالهم
_________________
(١) وقد صحَّ الحديث في ذلك، رواه الترمذي (٣٥٧٨)، وابن ماجه (١٣٧٨٥)، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو الخطمي، وحسنه الألباني في التوسل.
(٢) والأثر رواه الطبراني وقال الهيثمي في المجمع (١٠) إسناده حسن.
(٣) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (١، ٧٨) .
(٤) سبق تخريجه.
[ ٢٣١ ]
ضد الدعوة أن زعموا أن أهلها يهينون الأولياء والأموات، ولا يعظمونهم.
وهذا تلبيس فإن كان القصد بتعظيم الأولياء والأموات واحترامهم كما جاء به السنة؛ من زيارتهم والسلام عليهم والدعاء لهم، واحترام قبورهم وعدم إهانتها، ونحو ذلك فهذا ما يدين به أهل السنة ويعملون به، ومنهم الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه.
أما إن قصد بذلك تقديسهم ورفعهم إلى مقام الألوهية والربوبية، وصرف شيء من العبادة لهم، أو اتخاذ البدع والمحدثات حول قبورهم من البناء عليها وإسراجها وتجصيصها، والتبرك بها، واتخاذها مساجد وقبابا ومشاهد، فهذا ونحوه إهانة للأولياء والمؤمنين، ومشاقة لرسول الله ﷺ.
يقول الشيخ سليمان بن الإمام محمد في ذلك: «وأما تعظيم القبور بمعنى احترامها، فإن كانت للمسلمين فواجب لا يجوز بول ولا تغوط ولا جلوس ووطء عليها لما في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» (١) وفيه أيضًا أن النبي ﷺ رأى رجلًا قد اتكأ على قبر فقال: «لا تؤذوا صاحب القبر» (٢) وفيه أيضًا عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر مسلم» (٣) .
وأما تعظيمها بمعنى عبادتها فهو أكبر الكبائر عند الخاص والعام، وأصل فتنة عُبَّاد الأصنام كما قاله السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين الذين في قلوبهم وقار لله فيغضبون لأجله ويغارون على توحيده ويقبحون الشرك وأهله ويجاهدون أعداء الله من
_________________
(١) رواه مسلم (٢٢٥٠)، وأبو داود (٣٢٢٩)، والترمذي (١٠٥٠)، والنسائي (٢٠٢٩) .
(٢) هذا الحديث ليس في صحيح مسلم بل رواه الطبراني في الكبير من حديث عمارة بن حزم قال أتى رسول الله ﷺ جالسًا على قبر، فقال: «يا صاحب القبر! انزل من على القبر لا تؤذ صاحب القبر ولا يؤذك» وفي سنده ابن لهيعة وفيه كلام، وقد وُثِّقَ كذا قال في المجمع (٣)،
(٣) الذي في صحيح مسلم (٢٢٤٨) بدون قوله "مسلم" في آخر الحديث، وأبو داود (٣٢٢٨)، والنسائي (٢٠٤٦)، وابن ماجه (١٥٦٦)، لكن روى ابن ماجه (١٥٦٧) عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن أمشي على جمرة أو سيف أو أخصف نعلي برجلي أحب إليّ من أن أمشي على قبر مسلم وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق» .
[ ٢٣٢ ]
أجله، ولكن من خالفهم فما الحيلة. ما لجرح بميت إيلام. ولا لمن خالف هؤلاء احترام. وإن منشأ هذه الفتنة في الإسلام الفتنة في القبور حتى آل الأمر فيها إلى أن عُبِدَ أربابها من دون الله، وعُبدت قبورهم واتُّخِذَتْ أوثانًا وبُنيت عليها الهياكل فصارت تُدعى وتُرجى وتُخشى» (١) .
وقال بعد أن ساق جملة من الأحاديث الموضوعة التي يتعلق بها المبتدعة:
«وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقضة لدين الإسلام وضعها المشركون وراجت على المدعين من الجهال والضلال الذي هم عن الحق معرضون، والله بعث رسوله يقتل من حسّن ظنه بالأحجار، وجنَّب أمته الفتنة بالقبور، كما جاءت به الآثار واستفاضت عنه في ذلك الأخبار بنقل أهل الصحيح ونقد أهل التصحيح» .
ثم ساق الأحاديث الصحيحة الصريحة في الرد على أصحاب بدع القبور والمشاهد والمزارات فقال: «فروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢) وفي رواية لمسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣) . وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي - ﵁ - قال سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (٤) وعن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: «لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة كانت على وجهه فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر أمته ما صنعوا» متفق عليه (٥) قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها- قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه:
_________________
(١) التوضيح عن توحيد الخلاق ص (٢٠٨) .
(٢) البخاري رقم (٤٣٧) ومسلم برقم (١١٨٥) .
(٣) مسلم برقم (٥٢٩) .
(٤) مسلم برقم (٥٣٢) من حديث جندب بن عبد الله البجلي.
(٥) البخاري برقم (٤٣٥)، ومسلم برقم (١١٨٧) .
[ ٢٣٣ ]
«لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا» متفق عليه (١) وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد» (٢) وعن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» رواه الإمام أحمد وأهل السنن (٣) .
وهذا حال من سجد لله عند قبر، فكيف بمن يسجد للقبر نفسه» .
ثم قال: «ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور وما أمر به ونهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادًا للآخر مناقضًا له بحيث لا يجتمعان أبدًا.
فنهى رسول الله ﷺ عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها.
ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها القبب والمساجد ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله.
ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقادها بالقناديل والسرج فيها.
_________________
(١) البخاري برقم (١)، ومسلم برقم (١١٨٤) .
(٢) المسند برقم (١)، وابن أبي شيبة (٣)، وابن خزيمة (٧٨٩)، وابن حبان (٣٤٠) .
(٣) أخرجه أبو داود (٣٢٣٦)، والنسائي (١)، والترمذي (٢) طبع شاكر، وابن أبي شيبة (٤)، والحاكم (١)، والبيهقي (٤)، والطيالسي (١)، وأحمد (١، ٢٨٧، ٣٢٤، ٣٣٧) من طريق أبي صالح عن ابن عباس قال: وقال الترمذي: حديث حسن، وأبو صالح هذا مولى أم هانئ بنت أبي طالب واسمه باذان ويقال باذام. هذا وقد صح الحديث بلفظ: «لعن الله زوارات القبور» . فقد رواه الترمذي (١)، وابن ماجه (١٥٧٦) (٤)، وأحمد (٢) من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي حسن صحيح. والحديث رواه البيهقي (٤) من حديث أبي هريرة وبلفظ «أن رسول الله لعن زوارات القبور» . وله شاهد من حديث حسان عند ابن ماجه (١٥٧٤)، والحاكم (١)، وأحمد (٣) بلفظ البيهقي.
[ ٢٣٤ ]
ونهى عن اتخاذها أعيادًا، وهؤلاء يتخذونها مناسك وأعيادًا يجتمعون لها كاجتماعها للعيد أو أكثر.
ونهى عن العَقْر والذبح لها، وهؤلاء يعقرون عليها وينذرون لها ويدعونها.
وأمر بتسويتها كما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي واسمه حيان بن حصين قال: «قال لي علي بن أبي طالب - ﵁ - ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا أدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته» (١) وفي صحيحه أيضًا عن ثمامة بن شفي الهمداني قال «كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها» (٢) وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين فيرفعونها من الأرض كالبيت ويعقدون عليها القباب ويضعون عليها التوابيت ويكسونها كما يُكسى بيت الله الحرام.
ويفعلون عندها الموالد العظام ويجعلون لها السوائب من بهيمة الأنعام.
ويكثر لديها رفع الأصوات والضجيج واختلاط الرجال بالنساء كالحجيج.
ومن ذلك ما يفعله عباد الشيطان عند قبر أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث خارج مكة، وخديجة في المُعَلَّى كل سنة ثلاثة أيام مولد يحصل فيه من الضجيج وارتفاع الأصوات والدعاء بالاستغاثات واختلاط النساء مع الرجال في تلك الساحات.
وكذلك عند قبر عبد الرحمن المحجوب بالدفوف ذوات الصنوج والطبول والبيارق والنحائر داعين مستغيثين به راجينه بذلك ليكون عليهم ناظرًا ولهم حافظًا؛ لأنه المحب المحبوب.
وهكذا عند قبر أبي طالب، وهم يعلمون ظاهر حاله، وما هو عليه قبل الممات فالحكم لعلام الغيوب.
ولو تعلق مظلوم بأستار الكعبة جذبوه من تحتها وفعلوا به ما أرادوا، ولو دخل ظالم بسرقة أو قتل أو نهب مال على قبر أحد هذين الرجلين اللذين الله أعلم بهما من خلقه
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) رواه مسلم (٢٢٤٢)، والنسائي (٢٠٣٢) .
[ ٢٣٥ ]
وهم فقراء إليه لم يقدموا ليأخذوه منه، ولم يقدموا حدود الله عليه، بل عندهم من فعل ذلك فقد تعدى وظلم ومآله إلى الندم، ومن نهى عن فعل ما تقدم وأمر بما أرسل الله به الرسل إلى سائر الأمم والعمل بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية التي هي نص على توحيده خرّجوه وبدّعوه وكفّروه ونسبوه إلينا وإن كان لا يعرفنا.
وما ذنبنا إلا أن أمرنا بما أمر الله به رسله، ونهينا عما نهى الله ورسوله، فبسبب ذلك عادونا وجلبوا بخيلهم ورجالهم ومدافعهم علينا، وعن حج بيت الله الحرام الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] [سورة الحج، آية: ٢٥] صدونا ومنعونا، وهدي النبي ﷺ صار شعارنا واتباع سنته علمًا علينا.
فهم بذلك يعابوننا ويوبخوننا ويسبوننا ويجاهدوننا وما ذاك منهم علينا إلا اتباع الأهواء وعموم البلوى والطعن في الدين والعناد في اليقين. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] [سورة الجاثية، آية: ٢٣]، وهم يفعلون المنكرات ويجعلونها قربات ونتيجتها صدقات زيادة على الشرك الأكبر في تلك المعتقدات.
وذلك كله موجود في حرم الله وغيره من الساحات.
وهل هذا كله إلا لفقد الإسلام وجهله والاستهانة به عند هؤلاء الخاص منهم والعام، حيث جعلوا المنكر دينًا ونتيجة حسنة يقينًا.
ولكن مصيبة فقد الدين تهوِّن ما هو فعل الظالمين المعاندين.
ونهى عن الكتابة عليها كما روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبر وأن يُقْعَد عليه وأن يبنى عليه» (١) وروى أبو داود في سننه عن جابر -﵁- «أن رسول الله ﷺ: «نهى أن تجصص القبور وأن يكتب
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ٢٣٦ ]
عليها» قال الترمذي حديث حسن صحيح (١) .
وهؤلاء يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن والأشعار ويعلقون عليها بيض النعام وقناديل الفضة والرخام، فهؤلاء المعظمون للقبور المتخذونها أعيادًا، الموقدون عليها السرج الذين يبنون عليها المساجد والقباب، مناقضون لما أمر به رسول الله ﷺ، محادُّون لما جاء به، وأعظم ذلك اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها، وهو من الكبائر.
ومن يزعم أنا نُكَفِّر بمجردها فهو كاذب جائر، إنما نُكَفِّر بالشرك الذي لا يُغْفَر، وهو دعاؤها ورجاؤها والاستغاثة بها وذبح القربان والنذر لها لتدفع سوءًا أو تجلب خيرًا، أو تكون واسطة في ذلك.
نعم نحن نهدم القباب التي على القبور، ونأمر بهدمها كما هدم النبي ﷺ قبة اللات في الطائف، وأمر علي - ﵁- بهدمها وخفض القبور المشرفة مطلقًا وتسويتها، وقد أمر به وفعله الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون.
قال الشافعي في الأم ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى على القبور (٢) . ويؤيد الهدم قوله: «ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته»، وحديث جابر المتقدم ذكره الذي في صحيح مسلم؛ ولأنها أسست على معصية لنهيه، فبناءٌ أُسِّس على معصيته ومخالفته بناء غير محترم، وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعا، وأولى من هدم مسجد الضرار المأمور بهدمه شرعًا؛ إذ المفسدة هنا أعظم حماية للتوحيد.
وأما هذه الكبائر فقد صرح الفقهاء من أصحاب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم من الصحابة والتابعين على تحريمها، وأنها بدعة نهى رسول الله ﷺ عنها، قال أبو محمد المقدسي: لو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله؛ ولأن فيه تضييعًا للمال في غير فائدة، وإفراطًا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام، هذا وبيوت الله ظلمات لا يوقد فيها نور، بل يرون أن الفضل عليها في ذلك القبور، وقد آل الأمر بهؤلاء المعتقدين تعظيم القبور تعظيم عبادة للاحترام في الصدور إلى أن شرعوا لها حجًّا ووضعوا له وقتًا
_________________
(١) رواه أبوداود (٣٢٢٠٥) (٣٢٢٦)، والترمذي (١٠٥٢) وزاد «أن توطأ» .
(٢) انظر: كتاب الأم (١) .
[ ٢٣٧ ]
وجعلوه أضعاف حج بيت الله الحرام سبعًا.
هذا قبر ابن علي الذي في مرباط في بلاد اليمن قد شاع عند الخاص منهم والعام أن زيارته والتبتل إليه في رجب تعدل سبع حجات (١) .
وكذا الزيلعي الذي في اللحية قد شاع عندهم وذاع أن من مات فيها ودفن حوله في تلك البلاد أنه في لحيته ليس عليه حساب ولا عذاب.
وكذا قبر العيدروس الذي في عدن.
وكذا قبر الشاذلي في المخا؛ فإن أهل البر والبحر ليس لهم لهجة في الشدة والرخاء إلا بذكره زاعمين أنهم في أمانه وتحت نظره، وأنه يُغيث من دعاه في الشدة نائيًا كان، أو قريبًا في البر أو في البحر.
حتى صنَّف بعض غلاتهم في ذلك كتابًا سماه «مناسك حج مشاهد الأبرار لمن عني إليهم من المقيمين والزوّار»، وصنف بعضهم كتابًا سماه «روضة الأبرار في دعوة الأولياء الأخيار عند الشدائد المدلهمة الغزار»، ولا يخفى أن هذا بعينه مفارق دين الإسلام والدخول في عبادة الأصنام.
ومن نظر منصفًا بإخلاص إلى هذا التباين العظيم في هؤلاء المعتقدين من الناس عن الدين القويم والصراط المستقيم ماز وفرّق بين ما شرعه رسول الله ﷺ وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور والاعتقاد وجاهد عليه وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه واعتقدوا فيه ودعوه ودعوا إليه، وحينئذ يحق أنَّا إنما ندعو إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، ألا إلى الله تصير الأمور، ويحقق تلك المفاسد الناشئة من خبث العقائد التي يعجز العادّون عن حصرها، وتشمئز قلوب العارفين لذكرها.
فمنها: تعظيمها الموقع في الافتتان بها من العكوف عليها والمجاورة عندها وتعليق الستور، والألواح وبيض النعام وقناديل الفضة والرخام عليها، وسدنتها وعبادها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند البيت والمسجد الحرام، ويرون أن سدانتها أفضل من خدمة المساجد، والويل عندهم لِقَيِّمِهَا ليلة يطفأ القنديل المعلق عليها.
_________________
(١) وهذا من الكذب والافتراء على الله وعلى رسوله.
[ ٢٣٨ ]
ومنها: بذل النذور لها ولسدنتها لجلب الخير، ودفع الشرور.
ومنها: اعتقاد المشركين فيها أن بها يُكشف البلاء، ويُنصر على الأعداء، وينزل غيث السماء، وتُفرج الكروب، وتُقضى الحوائج، ويُنصر المظلوم، ويُجار الخائف، ويأمن الحوادث، إلى غير ذلك من الشرك الأكبر الذي يُفعل عندها.
ومنها: الدخول في اللعنة، لعنة الله ورسوله باتخاذ المساجد عليها وإيقاد السُّرُج والقناديل فيها ووقفه عليها.
ومنها: اجتماع الرجال مع النساء واختلاطهم وضجيجهم ودعاؤهم إياهم.
ومنها: جعل المنكرات قربات.
ومنها: إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم، فإنهم يؤذيهم ما يُفعل عند قبورهم ويكرهونه غاية الكراهة، كما أن المسيح يكره ما تفعله النصارى عند قبره إذا وجد في الأرض، وما يعتقدونه في قلوبهم من الإفراط والتفريط في الحب، وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء والمشايخ يؤذيهم ما يفعله المعتقدون أشباه النصارى وأشكالهم عند قبورهم، ويوم القيامة يتبرءون منهم كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ - قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٧ - ١٨] [سورة الفرقان، آية: ١٧، ١٨] قال الله للمشركين ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: ١٩] [سورة الفرقان، آية: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ - قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١] [سورة سبأ، آية: ٤٠، ٤١] .
ومنها: مشابهة اليهود والنصارى في اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها.
ومنها: محادة الله ورسوله ومناقضة ما شرعه فيها.
ومنها: التعب والنصب بالبناء والتشييد ووضع الأبواب ونقشها والجدران والاعتقاد، والتعظيم مع الوزر الكثير والإثم العظيم.
ومنها: إن هذا الاعتقاد يؤول إلى حبط العمل والخسران.
ومنها: إماتة السنن وإحياء البدع.
[ ٢٣٩ ]
ومنها: جعل البدعة واجبًا وسنة، والواجب والمسنون بدعة وإثمًا، وهم في ذلك لا يعون ولا يتذكرون، بل لمن خالفهم فيه ونهاهم عنه يبدّعون ويخرّجون ويكفّرون.
ومنها: تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله، فإن عباد القبور يقصدونها مع التعظيم والاحترام والخشوع ورقة القلب والعكوف بالهمة والعزم على الموتى بما لا يفعلون في المساجد ربع عشره ويحصل لهم فيها نظيره ولا قريب من مثيله.
ومنها: أن ذلك تضمن عمارة القبب والمشاهد وتنويرها وتعطيل المساجد من بيوت الله وعدم توقيرها، ودين الله الذي بعث به رسله وأنزل كتبه بضد ذلك كله.
ومنها: أن الذي شرعه الرسول ﷺ عند زيارة القبور إنما هو تذكار الآخرة والإحسان إلى المزور بالدعاء له والترحم عليه والاستغفار له وسؤاله العافية للزائر وله، فيكون الزائر محسنًا إلى الميت وإلى نفسه حتى لو كان نبيًا أو وليًّا، فالدعاء له مطلوب وهو إليه محبوب، وقد أمرنا ﷺ أن نسأل الله له الوسيلة والفضيلة وأن يبعثه المقام المحمود الذي وعده وذلك له محقق ولكن تنويهًا بذكره ورفعًا لقدره وليعود ثواب الدعاء إلى الداعي، والكامل يقبل الكمال، فقلب هؤلاء المشركون الأمر وعكسوا الدين، وكانوا من الفريقين المغضوب عليهم والضالين بقصدهم زيارة الشرك الأموات يدعونهم ويدعون بهم. . .» (١) .
ولذلك لما وصلت جيوش الدعوة إلى كربلاء هدمت القبة المبتدعة والمشهد على قبر الحسين، وهي من أكبر الفتن المضلِّة التي تعمل تحت ستار حب سبط رسول الله ﷺ ورضي عن الحسين وهو منها براء. وقد حدثت هذه القبة بعد القرون الفاضلة، أحدثها أهل البدع، فكان هدمها نصرًا للإسلام والسنة وتكريمًا لرسول الله ﷺ وآله، وتكريم لسبط رسول الله ﷺ الذي تؤذيه القبة والمشهد وما يقع حولها من البدع والشركيات والمنكرات.
يقول الدكتور محمد بن سليمان الخضيري:
«وللحقيقة نقول: إن الدولة السعودية قامت بهدم القبة الموضوعة على قبر الحسين؛ لأن ذلك يتنافى مع العقيدة الإسلامية أولًا، وبالتالي فهو يتنافى مع مبادئ الدعوة الإصلاحية السلفية. وقد سبق أن بيّنا مراسلات حكّام الدولة السعودية مع ولاة العراق في النهي عن أمثال هذه البدع،
_________________
(١) التوضيح عن توحيد الخلاق ص (٢١٤ - ٢٢٠) .
[ ٢٤٠ ]
ولم تتجه الدولة السعودية إلى إنكار هذه البدع إلا بعد أن طهّرت نجد أولًا والحجاز ثانيًا من هذه البدع المتمثلة في القباب والأشجار وغيرها مما يتبرك بها الناس تقربًا إلى الله. ومن هنا نرى أن تهويل ما وقع في كربلاء لا يعدو كونه أسلوبًا من أساليب الدولة العثمانية في تنفير الناس من الدعوة الإصلاحية السلفية» (١) .
[ثانيا مسألة التكفير والتشدد والقتال وما يلحق بها]
[حقائق لا بد من ذكرها]
ثانيًا: مسألة التكفير والتشدد والقتال وما يلحق بها. حقائق لا بد من ذكرها:
مسألة التكفير والتشدد والقتال من أهم وأخطر المسائل التي أثارها خصوم الدعوة من أهل البدع والأهواء والافتراق عليها، بل وبعض المحايدين وبعض المؤيدين البعيدين عن الساحة الداخلية للدعوة أو الذين لم تتهيأ لهم الفرصة الكافية للتعرف على حقيقة الدعوة منهجًا وواقعًا، أثاروا دعوى أن الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه يكفرون المسلمين ويستحلون قتالهم، وقد تفرع عن هذه الدعوى القول بأنهم خوارج ومتشددون ونحو ذلك.
والحق أن المتأمل لحال الدعوة يجد الحقائق التالية: ١ - أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة وحكامها آل سعود الملتزمين بمنهج الدعوة كانوا على مذهب السلف في عدم استحلال دم المسلم وقتاله إلا بدليل شرعي، ولم يُعرف من منهجهم الخروج عن هذا الأصل في الجملة إلا حالات نادرة ليست على المنهج المتبع لديهم، وكانوا يصرحون بهذا الأصل الشرعي العظيم في كتبهم وخطبهم ويلتزمونه في منهجهم كما بينا وسنبين بعد.
٢ - أن خصومهم هم البادئون بالقتال بإعلان الحرب المسلحة وغير المسلحة على الدعوة ودولتها وأتباعها بل أعلنت قوى الشر استعمال القوة والقتال للشيخ وأتباعه قبل وصوله الدرعية، وقبل أن يكون لهم كيان حيث هدده سليمان بن محمد الحيدي في الأحساء (من بني خالد) وأنذر عثمان بن معمر - أمير العيينة - إن لم يتخذ موقفًا حازمًا
_________________
(١) الدولة السعودية الأولى والدولة العثمانية ص (٣٥٢، ٣٥٣) .
[ ٢٤١ ]
ضد الشيخ الإمام وكذلك فعل ابن شامس العنزي (١) .
ثم لما استقرت الدعوة في الدرعية بدأها بالحرب دهام بن دوَّاس أمير الرياض آنذاك.
٣ - أن الخصوم كانوا كثيرًا ما يغدرون بأتباع الدعوة من الدعاة القضاة والعلماء وطلاب العلم والمعلمين الذين كان يبعثهم الشيخ محمد والولاة والمشايخ - المؤيدين للدعوة - للقرى والبادية والأقاليم لتعليم الناس دينهم وإجراء الأحكام الشرعية بينهم، بل كثيرًا ما يعلنون العصيان على الحاكم الإمام محمد بن سعود، وينقضون البيعة والعهد، ويخرجون على الجماعة والإمام، وهذا ما يحرمه الإسلام، ويأمر بتأديب من يفعله.
٤ - وكان حكام الحجاز غالبًا يعلنون العداء لدعوة التوحيد وأتباعها وكانت عداوتهم متنوعة عقديةً وسياسية وإعلامية ثم عسكرية، وأحيانًا يقتلون بعض العلماء والدعاة بل والرسل الذين يبعثهم أهل الدعوة إليهم.
٥ - وكانوا يمنعونهم من حقوقهم المشروعة كإبلاغ الدعوة، وكأداء فريضة الحج، فقد منعوهم منه سنين طويلة ثم أذنوا فيه سنة (١١٩٧هـ)، ثم الشريف غالب منعهم من الحج مرة أخرى منذ سنة (١٢٠٣هـ) وما بعدها ثم غزا معتديًا، فقد بدأ الشريف غالب وغيره من حكام الحجاز الحرب على الدعوة وأتباعها قبل أن يبدؤوهم.
وأعلن الحرب المسلحة ضدهم، وقد اعترف خصوم الدعوة بذلك وذكره مؤرخوهم معتزين به (٢) .
وعلى هذا فإنه عند التحقيق العلمي المتجرد يثبت قطعًا أن ما يقال عن الإمام وعلماء الدعوة وحكامها (آل سعود) وأتباعها حول التكفير واستحلال قتال المسلمين ودمائهم كلها مما لا يصح أو مما قد يكون له وجه شرعي معتبر قام عليه الدليل الشرعي، ذلك أن تكفير من يستحق التكفير شرعًا وسب من يستحق السب شرعًا ليس من التكفير والسب المذموم ولا القسوة، بل مما هو مطلوب شرعًا في الدين الإسلامي بشروطه وضوابطه التي يعرفها الراسخون في العلم.
_________________
(١) انظر: حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لخزعل ص (١٤٢) .
(٢) انظر: خلاصة الكلام لدحلان (٢٢٨ - ٢٢٩) .
[ ٢٤٢ ]
إذن فقد ثبت أنهم لم يبدءوا القتال ولم يقاتلوا ابتداء إنما بدأ القتالَ خصومُهم.
ثم إنه من الطبيعي أن اختيار منهج القوة والحزم والقتال عند الضرورة هو الحل الأمثل في كثير من الأحوال ومنها الحال التي وصلت إليها الدعوة مع خصومها.
ونظرًا لقوة الباطل والهوى وتمكنه من قلوب كثير من الناس وحياتهم لم تقبل نفوسهم الحق ولم تذعن لأهله.
كما أن الناظر لحال كثيرين من الذين أقاموا الدنيا ولم يُقعدوها تشنيعًا على الدعوة وأتباعها في شبهة التكفير يجد العجب من تحيُّزهم ضد السنة وأهلها في هذه المسألة (وغيرها) وإغفالهم لأهل البدع الخُلَّص الذين يكفِّرون خيار الأمة؛ فيكفِّرون صحابة رسول الله ﷺ وأزواجه أمهات المؤمنين، ويكفِّرون السلف الصالح.
بل إن أكثر مزاعم التكفير والتشدد التي ألصقت بالدعوة وإمامها حدثت من أولئك الذين يكفّرون خيار الأمة ويستنقصونهم، ومن أشياعهم الذين يشاركونهم في بدع المقابرية والقباب والمشاهد والمزارات البدعية، والطرق الصوفية والموالد والأذكار المحدثة، ومن المعلوم لدى كل باحث ومحقق: أن أصل هذه البدع ومنشأها كان من مكفِّرة الصحابة والسلف الصالح، فأين العدل والإنصاف والتحقيق الذي يدَّعونه؟، وأين الغيرة على الحق والدين وعلى الأولياء والصالحين التي يزعمونها؟ وهم يهينون الصالحين ببدعهم. وأين النُّصح للمسلمين الذي يتظاهرون به؟! وهم يروجون البدع وينصرونها.
[مسألة التشدد وحقيقتها]
وكذلك مسألة التشدد:
فالتشدد الذي يدعي بعضهم أنه من سمات الدعوة وأهلها ليس تشددًا مذمومًا حسب المعايير الشرعية والعلمية. بل هو إن وقع أحيانًا فهو نوع من الحزم والصلابة في الحق وهو ما تقتضيه البيئة والظروف، والحاجة والمصلحة في عهدهم، فهو المناسب للبيئة البدوية والقروية التي يعيشها المجتمع النجدي، وما عليه العرب في سجيتهم التي تتسم بالصراحة والصرامة والإباء، فالحزم هنا هو الحل المناسب والأمثل أمام تمرد الأعراب والجهال والسفهاء، وتجاه قوة الشر، والخصوم، وأمام قوة الباطل وأهله وتمكنهم، والإسلام كما أنه دين الحق والرحمة واليسر فهو كذلك لا يلغي مبدأ الحزم والصرامة في تثبيت الحق ورد
[ ٢٤٣ ]
الباطل، فالوضع المتردي من كل الجوانب اقتضى هذا المنهج الحازم أحيانًا لا سيما في جزيرة العرب التي هي درع الإسلام ولما تتميز به من خصائص دينية وبيئية وقبلية.
وكذلك دعوى إلزام الناس بمذهبهم دعوى زائفة، فلم يعرف عن الإمام وأتباعه ولا عن أحد من حكام هذه الدعوة المباركة أنه قال للناس كونوا حنابلة أو شافعية أو غير ذلك؛ لكنهم عملوا ما هو مشروع من تحكيم شرع الله وإظهار شعائر الدين، وإقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحدود.
والجدير بالذكر أن كثيرين من أهل الأهواء والبدع والجهلة بأحكام الشرع يصفون أحكام الشرع من التكفير والتفسيق وتطبيق الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة شعائر الدين وفرائضه - تشددًا وقسوة وعنفًا، والأمر ليس كذلك.
وأما ما يوجد من تجاوزات واجتهادات خاطئة في التعجل في الحكم على الناس بالكفر فليست من المنهج كما أسلفت ثم كثيرًا مما قيل عن الدعوة وأتباعها ومما اتهموه به من التكفير إنما هو من اللوازم، ليس قولهم الصريح، - ولازم المذهب ليس بلازم - كما هو مقرر في القاعدة الأصولية كما لا ننسى أن كثيرًا من الناقدين والخصوم يعدون الأصول المشروعة التي عملها الإمام وأتباعه كالحزم والقوة عند مقتضاها وكإقامة الحدود وإلزام الناس بالفرائض ونشر العلم الشرعي الضروري إلزامًا غير مشروع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الحسبة): من التشدد والتكفير، وهي في الحقيقة متطلبات الدين ومسلماته التي لا يمكن أن يحيد عنها المسلم التقي المتمسك بدينه، فإن الأعمال التي نفر منها أهل الأهواء، والجاهلون والمعرضون عن الدين والتي نفذها إمام الدعوة بموجب الشرع «مثل رجم الزانية وهدم القباب والأبنية على القبور» ونحو ذلك من الأعمال المشروعة أثارت في نفوس أهل الفسق والفجور وأهل البدع الرعب، والخوف على شهواتهم ومصالحهم، فأجلبوا على الدعوة وإمامها وحكامها بخيلهم ورجلهم وزعموا أن هذه الأعمال الشرعية من التشدد والعنف.
وليس الأمر كذلك بل هو مما أوجبه الشرع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة حدود الله لمصالح العباد.
كما أنه من المقرر شرعًا أن قتال المخالفين أسلوب من أساليب الجهاد يلجأ إليه بشروطه عند استنفاذ الوسائل الأخرى.
[ ٢٤٤ ]
وقد ذكرنا قبلُ أنه قد يحدث من بعض الأعراب وصغار طلاب العلم والجهلة من الأتباع تكفير أو تشدُّد أو قتال غير مشروع لكنه غير محسوب على المنهج، وكان إمام الدعوة وعلماؤها وحكامها يتبرءون من هذه التصرفات ويؤدبون من يفعلها.
- ونجد أنه في حين أن الشيخ وأتباعه لا يكفرون إلا بدليل -وهو المذهب الحق مذهب السلف- نجد خصومهم أهل الأهواء والبدع يكفرونهم بلا بينات! ولا يتورعون عن إطلاق الكفر والخروج والعبارات الشنيعة على إمام الدعوة وأتباعها كما فعل صاحب (خلاصة الكلام) حين أطلق عليهم وصف (الكفار والخوارج) (١) .
كما في وصفهم بأنهم: «ضحكة ومسخرة كحمر مستنفرة فرت من قسورة» و«تطاير شررهم» وأنهم «يفسدون عقائد علماء الحرمين ويدخلون عليهم الكذب والمين» ووصفهم بـ «الملاحدة الأنذال» وأنهم «لا يدينون إلا بدين الزنادقة» ووصف الإمام محمد بن عبد الوهاب بـ «الخبيث» و«خلف أولادًا أخبث منه» وأن مشايخه «يتفرسون فيه الإلحاد والضلال» وأن «والده كان يتفرس فيه الإلحاد» وأنه «يضمر في نفسه دعوى النبوة» وبأنه «المغرور» واتهام الإمام وأتباعه بأنهم «خوارج» وأنه «من عَقِب ذي الخويصرة» وقالوا عنه «هذا الخارجي» .
وأن عقيدتهم «مشتملة على كثير من المكفرات» وسماها أحدهم «العقيدة الزائفة» و«إفساد عقائدهم»، وأن «فتنتهم من أعظم الفتن» (٢) .
ونحو ذلك مما كان يُشَنِّع به الخصوم على الدعوة وإمامها وأهلها مما هم منه أبرياء في حين أن أكثر هؤلاء الخصوم كانوا يحمون الشركيات والبدع ويدافعون عنها ويقاتلون على ذلك.
والخلاصة:
أنه قد تعرضتْ الدعوة وأهلها ودولتها - الدولة السعودية في جميع مراحلها - لمظالم كبرى من خصومها استوجبت ضرورة الدفاع وحماية الحدود والحقوق والأموال والأنفس والأعراض.
_________________
(١) انظر هذه العبارات وأمثالها في خلاصة الكلام ص (٢٢٧ - ٢٣٧) .
(٢) انظر هذه العبارات وأمثالها في خلاصة الكلام ص (٢٢٧ - ٢٣٧) .
[ ٢٤٥ ]
أما دعاوى إكراه الناس على شعائر الدين فهي راجعة إلى أن بعض الناس لا يريدون الأمر والنهي مطلقًا؛ لأن قلوبهم المريضة تميل للشهوات والبدع.
[بطلان دعوى أن الدعوة الوهابية مصدر العنف]
بطلان دعوى أن الدعوة (الوهابية) مصدر العنف (١) ودعوى أن هذه الدعوة السلفية ويسمونها (الوهابية) مصدر العنف والتكفير والتشدد وأن الحركات المتشددة امتداد لها كل ذلك من البهتان، فهي تقوم على المنهج السلفي المعتدل وتنبذ العنف وتحاربه، وها هو منهجها الشرعي العلمي والرسمي إلى الآن، ومنهج علمائها المعتبرين معلن واضح، لكن الدعوة ابتُليت أحيانًا ببعض الأعراب والمتعجلين والغوغاء والمتحمسين من المنتسبين لطلاب العلم الذين قد يسيئون؛ لأن الدعوة فطرية سهلة واضحة فتؤثر عاطفيًا على بعض المبتدئين ونحوهم وإذا لم تضبط بالعقل والفقه والعلم الشرعي قد تفهم خطأ كسائر المذاهب والمبادئ.
وافتيات بعض منسوبي الدعوة عليها وأخطاؤهم في فهمها وتطبيقها قد يتذرع به الخصوم حينما لا يرجعون إلى المنهج العلمي الذي يقوم على التثبت والإنصاف.
فالمنهج الذي تقوم عليه الدعوة ودولتها يقوم على الوسطية والعدل والاعتدال، ولا يرضى الظلم والعدوان والتشدد في الدين.
[وقفة مع شبهة]
وقفة مع شبهة: إن من أكثر ما يتذرع به الخصوم في أن الإمام وأتباعه يطلقون على خصومهم عبارات (المشركين والكفار) ونحوها من العبارات القاسية في نظر البعض.
وهذه الشبهة لها جواب بيِّن أُوجزه بما يلي: ١ - أن إطلاق عبارة المشركين والكفار على الخصوم إنما كانوا يقولونها في وصف رؤوس الخصوم والمعاندين وجيوشهم المقاتلة؛ لأنهم كانوا يحملون راية رفض دعوة التوحيد والدفاع عن الشركيات والبدع بعد إقامة الحجة عليهم.
_________________
(١) سبق الحديث عن هذا الموضوع في الفصل الأول.
[ ٢٤٦ ]
ومن قاتل معهم من العوام والغوغاء لا اعتبار له في الحكم أصلًا؛ فالحكم على الراية التي تقاتل في سبيل البدع والشركيات وتصد عن دين الله.
٢ - أن الذين استعملوا هذه العبارات من المؤرخين كابن غنام وابن بشر وبعض الشعراء، والمناصرين للدعوة، كانت تغلب عليهم روح الحماس والعاطفة والأسلوب الإعلامي أكثر من التأصيل الشرعي. فليس كل ما أطلقوه من الأحكام والأوصاف يعبّر عن المنهج أو يعتد به ولذلك نجد الإمام نفسه والعلماء لا يطلقون هذه الأحكام (الشرك والكفر) على الخصوم إلا نادرًا وعلى زعماء البدع الشركية والكفرية، والمدافعين عن الشركيات الذي قامت عليهم الحجة.
٣ - أن إمام الدعوة وعلماءها حين يتكلمون عن عموم المسلمين من المخالفين من عوام أهل البدع، يبرءون إلى الله من تكفيرهم، ومن وصفهم بالمشركين، ومن استحلال دمائهم، وقد سقت في هذا البحث الكثير مما يثبت هذا المبدأ.
أما من كان من المعاندين والمقاتلين ومن كان في صفوفهم فحكمه حكمهم من حيث التعامل في الظاهر، والله أعلم بالسرائر.
٤ - أن أغلب هذه الأوصاف والأحكام كانت عامة لا تنصرف للأعيان.
٥ - ثم لا ننسى أن ما رمى به خصوم الدعوة إمامها وأتباعها من الأوصاف والمطاعن أكثر وأشد وأبعد عن الحق والشرع والدليل؛ من وصفهم بأنهم كفار وملاحدة وزنادقة وخوارج وأنذال (١) .
ولم أر من القادحين أو العاتبين والشانئين على الدعوة التفاتًا إلى الموازنة والعدل. والله حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) سبق ذكر شيء من ذلك قريبًا.
[ ٢٤٧ ]
[موقف الإمام وأتباعه من دعوى التكفير وقتال المسلمين]
موقف الإمام وأتباعه من دعوى التكفير وقتال المسلمين: ذكرتُ أن من أعظم المفتريات والشبهات التي أثيرت حول الإمام ودعوته وأتباعه ودولة التوحيد (الدولة السعودية) وأخطرها ما يتعلق بالتكفير والقتال (وهي في الأهمية والخطورة تلي قضية التوحيد) .
والحق أن الإمام وعلماء الدعوة وأتباعهم أولوا هذه المزاعم ما تستحقها من الأهمية مستقلة أو من خلال حديثهم عن التوحيد وما ينافيه وهو الشرك، وما ينقصه من البدع والمحدثات؛ لأن ذلك مظنة التكفير.
وقد بسطت هذه الأمور في بواعث قيام الدعوة ومواضع أخرى كثيرة من هذا البحث.
ولا شك أن هذا المنهج - وهو منهج الأنبياء والسلف الصالح - صادم بقوة الواقع الذي يعيشه كثيرون لا سيما أصحاب بدع القبور والقباب والمشاهد والمزارات، والطرق الصوفية والسماعات البدعية وغيرهم من أصناف المبتدعة، ومن في حكمهم من أصحاب المصالح والفئات التي تعيش على هذا الواقع الأليم وهي فئات كثيرة ومصالح كبيرة: سياسية واقتصادية واجتماعية وغيرها.
وكان الدفاع والمقاومة بالحق من حماة الدعوة وأتباعها من القوة والضخامة بقدر هذا الهجوم العنيف والظالم.
ولا شك أن الكلام في تصحيح العقائد وتحقيق المصالح العظمى - وإن كان بالحق والدليل - يثير ردود أفعال سريعة وقوية وطائشة.
وهذا قد استوجب من كل من الطرفين الحكم على الآخر، فكان القتال من خصوم الدعوة وكان الدفاع من حملتها وأتباعها، والقتال لا يدفع إلا بالقتال، والبادئ هو الظالم.
وفي قضية التكفير والقتال اشتباه ولبس كبير، ولذلك استغلها الخصوم ضد الدعوة ولا يزالون.
وهذا اللبس والاشتباه جعل بعض المؤيدين للدعوة البعيدين عن ساحتها قد يتحفظون أو يأخذون على الدعوة وأهلها أنهم متشددون.
[ ٢٤٨ ]
كما فعل محمد صديق خان حين اتهمهم بإراقة الدماء. والعجيب أنه ذكر أن مصدره في هذه المعلومة كتب العلماء المسيحيين (١) ! كما تأثر بهذه الشبهات كل من الشوكاني، ومحمد بن ناصر الحازمي - وذلك على سبيل الاستدراك - في معرض ثناء كل منهما على الدعوة وإمامها (٢) .
والمتتبع لمواقف الناس تجاه الدعوة وإمامها يجد أن هذه المسألة ظاهرة ومتميزة؛ أعني: أن كثيرين من الذين يوافقون الإمام وأتباعه على أهمية بيان التوحيد والدعوة إليه، وكشف الشرك ومظاهره والتحذير من البدع، وسد الذرائع المفضية إلى هذه الشركيات والبدع. كثيرون من الذين وافقوه على هذه الأصول العظيمة خالفوه في قضيتي: التكفير والقتال (٣) . فمن الذي مع الحق والدليل؟ لما احتدم الخلاف بين الدعوة وخصومها في هذه القضية الخطيرة، كان الدليل والبرهان والحجة الشرعية الواضحة وكلام السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة الأربعة مع أئمة الدعوة، ولم يكن عند خصومهم أهل البدع والأهواء إلا التأويلات والهوى والظنون والقيل والقال واتباع ما تشابه من الأدلة، والأحاديث الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات والحكايات والمنامات. كما قال الله عنهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] [سورة آل عمران، آية: ٧] .
وكُتب الفريقين ورسائلهم ومناظرتهم وردودهم منشورة ومشهورة وعلى من يطلب الحق النظر في حجج هؤلاء وحجج هؤلاء وليحكم بالعدل.
فما يقال عن الإمام وعلماء الدعوة وأتباعها حول التكفير واستحلال قتال المسلمين ودمائهم ونحو ذلك من الاتهامات، كلها مما لا يصح، أو مما له وجه شرعي معتبر قام عليه الدليل الشرعي.
أما تكفير من يستحق التكفير وسب من يستحق السب شرعًا فليس من التكفير والقسوة، بل هو مشروع عند مقتضاه، وكثيرون من أهل الأهواء والبدع والجهلة بأحكام
_________________
(١) انظر: دعاوى المناوئين (١٥٨ - ١٦٠) .
(٢) انظر: دعاوى المناوئين (١٥٨- ١٦٠) .
(٣) انظر: دعاوى المناوئين (١٥٨ - ١٦٠) .
[ ٢٤٩ ]
الشرع يصفون أحكام الشرع من التكفير والتفسيق والحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة شعائر الدين وفرائضه: تشددًا وقسوة، وهذا جهل بأحكام الشرع أو تلبيس وتضليل.
وكذلك يمكن القول بأنهم كفّروا بالدليل؛ لكنهم لم يكفروا عموم المسلمين، ولا أكثرهم كما يزعم الخصوم لكنهم كفروا من قام الدليل على كفرهم. ووصفوا الأقوال والأفعال والعقائد الكفرية، أما تكفير الأعيان فهو نادر جدًّا فلم يخرجوا فيه عن نهج النصوص ونهج السلف الصالح من التورع عن تكفير الأعيان، والكف عن ذلك وعدم إطلاق التكفير إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، ولذلك كان تكفير الأعيان عندهم قليلًا، بل نادرًا كما أسلفت.
[التزام الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه لقواعد التكفير المعتبرة]
التزام الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه لقواعد التكفير المعتبرة عند علماء الأمة: ومما ينفي شبهة التكفير عن الإمام محمد بن عبد الوهاب أنه بيَّن القواعد والشروط والموانع في التكفير بما يؤكد أنه على أصول أهل السنة والجماعة ومنهاج السلف الصالح، ومن ذلك.
أولًا: أنه كثير النصح للمسلمين حريص على هدايتهم، والدعاء لهم، والتماس المعاذير لهم (١) .
ثانيًا: لا يكفر بالذنوب:
استفاض تأكيده على البراءة من التكفير بالذنوب - كما تفعل الخوارج - كقوله: «ولا أكفر أحدًا من المسلمين بذنب ولا أخرجه من دائرة الإسلام» (٢) .
وقوله في رده على بعض الذين يتهمونه وأتباعه بتكفير المسلمين: «وقولكم إنا نكفر المسلمين. . .، فإنا لم نكفر المسلمين، بل ما كفرنا إلا المشركين» (٣) .
_________________
(١) انظر: نماذج من أقواله في استهلال رسائله السابقة واللاحقة وفي أثنائها.
(٢) الدرر السنية (١ «) .
(٣) مؤلفات الشيخ، القسم الخامس (١٨٩) .
[ ٢٥٠ ]
وقال في رسالته إلى عالم العراق ابن السويدي في سياق ذكر ما أشيع عن الشيخ من البهتان: «ومنها ما ذكرتم: أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، ويا عجبًا كيف يدخل هذا في عقل عاقل. . .» (١) .
ثالثًا: لا يكفر بالعموم:
فقد ثبت نفيه المتكرر وما يتهم به وأتباعه من أنهم يكفرون المسلمين بالعموم وأنهم يكفرون كل من خالفهم، وكل من لم يدخل في مذهبهم! ونحو ذلك من المزاعم.
قال: «وأما القول: أنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين، ونقول سبحانك هذا بهتان عظيم» (٢) .
رابعًا: معاملة الناس على ظواهرهم:
وكان يعامل الناس على ظواهرهم ويكل سرائرهم إلى الله، قال في أهل البدع: «وأحكم عليهم بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله تعالى» (٣) .
خامسًا: لا يحكم على أحد بالكفر بمجرد الموالاة.
سادسًا: لا يحكم على أحد بمجرد الظن.
سابعًا: يعذر الجاهل بجهله.
ثامنًا: لا يكون التكفير عنده إلا بعد إقامة الحجة والبرهان.
قال مقررًا هذه القواعد: «وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله ﷺ» (٤) .
تاسعًا: لم يكن الإمام وعلماء الدعوة - التزامًا لمنهج السلف الصالح - يطلقون أحكام التكفير
_________________
(١) الدرر السنية (١) .
(٢) الدرر السنية (١ ) .
(٣) الدرر السنية (١) .
(٤) مؤلفات الشيخ القسم الخامس (٢٥) .
[ ٢٥١ ]
إلا ببينات وبعد التثبت ومعرفة الحال.
وعلى سبيل المثال كان الشيخ الإمام وأتباعه أحيانًا يطلقون على بعض خصومهم الكفر أو الشرك؛ لأنه تثبت لديهم أن هؤلاء الخصوم واقعون في ذلك فعلًا، وقد قامت عليهم الحجة وبانت لهم الدلائل من خلال ما أقامه الشيخ الإمام وتلاميذه وأشهروه في ذلك.
وكانت البوادي والأعراب في نجد وما حولها - وهم كثيرون آنذاك - لا يكادون يفقهون في دين الله شيئًا، ولا يقيم أكثرهم شعائر الإسلام، وكثيرون منهم لا يؤمنون بالبعث ولا يعرفون ذلك، وقد بين الشيخ الإمام هذه المسألة غاية البيان (١) .
كما كانت مظاهر الشرك والبدع ظاهرة عند البادية والحاضرة من خلال ما يمارسه الكثيرون حول الأضرحة والقباب والمشاهد، والأشجار والأحجار، والأشخاص والآثار ونحو ذلك.
وكانت النزعة الصوفية الغالية لها وجود بينهم (وإن كان فيما يظهر ليس بالكثير)، كمذهب ابن عربي وابن الفارض (٢) .
ولم تكن بقية جزيرة العرب، في الحجاز واليمن بأسعد حظًّا من نجد وبواديها بل كان كثيرون منهم يمارسون البدع والشركيات عن عمد وإصرار.
ومع ذلك كله كان الإمام وأتباعه لا يكفرون الأعيان ولا يكفرون العموم إلا بعد التثبت والبيان.
وقد كفانا الشيخ الإمام وعلماء الدعوة مهمة الدفاع عن الحق، ورد المفتريات من الخصوم، وكشف بهتانهم.
فقال الإمام في إحدى رسائله بعدما ذكر أن عقيدته هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وأنه لا يكفر المسلمين: «ولا أكفر أحدًا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه عن دائرة الإسلام» (٣) .
_________________
(١) انظر: ابن غنام (١، ١٤٤) .
(٢) انظر: ابن غنام (١، ١٤٧) .
(٣) الدرر السنية (١») .
[ ٢٥٢ ]
ثم قال في الرسالة نفسها مبينًا أن بعض ما قيل عنه صحيح وهو الحق بالدليل: «وأما المسائل الأخرى، وهي: أني أقول لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله، وأني أُعَرِّف من يأتيني بمعناها، وأني أُكَفِّر الناذر إذا أراد بنذره التقرب لغير الله، وأخذ النذر لأجل ذلك، وأن الذبح لغير الله كفر، والذبيحة حرام؛ فهذه المسائل حق، وأنا قائل بها؛ ولي عليها دلائل من كلام الله وكلام رسوله، ومن أقوال العلماء المتبعين، كالأئمة الأربعة؛ وإذا سهَّل الله تعالى: بسطت الجواب عليها في رسالة مستقلة، إن شاء الله تعالى» (١) .
ثم قال طالبًا من الذين ترد إليهم تلك الشبهات والأقاويل والمفتريات عنه وعن دعوته: «ثم اعلموا وتدبروا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦]» [سورة الحجرات، آية: ٦] (٢) .
وأرسل أحد علماء اليمن (٣) الرسالة التالية، يسأله فيها عن حقيقة من يُشاع عنه من المفتريات جاء فيها: «أما بعد: بلغني على ألسن الناس عنك، ممن أصدق علمه وما لا أصدق، والناس اقتسموا فيكم بين قادح ومادح فالذي سرني عنك: الإقامة على الشريعة في آخر هذا الزمان، وفي غربة الإسلام، أنك تدعو به وتقوم أركانه، فوالله الذي لا إله غيره مع ما نحن فيه عند قومنا، ما نقدر على ما تقدر عليه، من بيان الحق، والإعلان بالدعوة.
وأما قول من لا أصدق: أنك تكفر بالعموم، ولا تبغي الصالحين، ولا تعمل بكتب المتأخرين، فأنت: أخبِرْنِي، واصدقني بما أنت عليه، وما تدعو الناس إليه، ليستقر عندنا خبرك ومحبتك؟» (٤) .
_________________
(١) الدرر السنية (١، ٣٥) .
(٢) الدرر السنية (١، ٣٥) .
(٣) هو: إسماعيل الجراعي.
(٤) الدرر السنية (١) .
[ ٢٥٣ ]
فكان جوابه: «أما بعد: فما تسأل عنه، فنحمد الله الذي لا إله غيره، ولا رب لنا سواه، فلنا أسوة، وهم: الرسل، عليهم الصلاة والسلام أجمعين، وأما ما جرى لهم مع قومهم، وما جرى لقومهم معهم، فهم قدوة وأسوة لمن اتبعهم.
فما تسأل عنه، من الاستقامة على الإسلام؟ فالفضل لله، وقال رسول الله ﷺ: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ» (١) .
وأما القول: أنا نُكَفِّر بالعموم؟ فذلك من بهتان الأعداء، الذين يصدون به عن هذا الدين؛ ونقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] [سورة النور، آية: ١٦] .
وأما الصالحون؟ فهم على صلاحهم - ﵁ - ولكن نقول: ليس لهم شيء من الدعوة، قال الله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [سورة الجن، آية: ١٨] .
وأما المتأخرون ﵏، فكتبهم عندنا، فنعمل بما وافق النص منها، وما لا يوافق النص، لا نعمل به» (٢) .
وسئل الإمام: محمد بن عبد الوهاب، عما يقاتل عليه وعما يكفر الرجل به؟ فأجاب: «وأركان الإسلام الخمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة؛ فالأربعة: إذا أقر بها، وتركها تهاونًا، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها؛ والعلماء: اختلفوا في كفر التارك لها كسلًا من غير جحود؛ ولا نكفر إلاّ ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو: الشهادتان.
وأيضًا: نكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر» (٣) .
ثم ذكر أنواع الذي يكفرون بمقتضى الدليل من نصوص الشرع إلى أن قال: «وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) الدرر السنية (١ ) .
(٣) الدرر السنية (١) .
[ ٢٥٤ ]
إظهار دينه، وإنا نكفر من لم يكفر، ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله.
وإذا كنا: لا نكفر من عبد الصنم، الذي على [قبر] عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله؟! إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر ويقاتل ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]» [سورة النور، آية: ١٦] (١) .
وقال فيما يُنسب إليه من التكفير، مبينًا أنه لا يُكَفِّر إلا بمقتضى الدليل: «وأما التكفير: فأنا أكفِّر من عرف دليل الرسول ﷺ، ثم بعدما عرف، سبَّه ونهى الناس عنه، وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره، وأكثر الأمة - ولله الحمد - ليسوا كذلك.
وأما القتال: فلم نقاتل أحدًا إلاّ دون النفس، والحرمة؛ فإنا نقاتل على سبيل المقابلة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] [سورة الشورى، آية: ٤٠] وكذلك من جاهر بسبِّ دين الرسول، بعدما عرفه، والسلام» (٢) .
وهو هنا نفى الكفر عن أكثر الأمة بصريح العبارة، وهذا يُبطل دعوى الخصوم أنه يكفر المسلمين أو أكثرهم.
وقال الإمام في رده لمزاعم بعضهم: «وكذلك تمويهه على الطغام: بأن ابن عبد الوهاب، يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر، ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نُشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا، بأن من عمل بالتوحيد، وتبرأ من الشرك وأهله، فهو المسلم في أي زمان، وأي مكان.
وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته، بعدما نبين له الحجة، على بطلان الشرك، وكذلك نكفر من حسَّنه للناس، أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه، دون هذه المشاهد، التي يُشرك بالله عندها، وقاتل من أنكرها، وسعى في إزالتها، والله
_________________
(١) الدرر السنية (١ - ١٠٤) .
(٢) الدرر السنية (١) .
[ ٢٥٥ ]
المستعان، والسلام» (١) .
وفي رده على فرية الخصوم في زعمهم بأن الشيخ وأتباعه يكفِّرون بالذنوب كما يفعل الخوارج قال: «والمسألة الأخرى: يذكر لنا من أعداء الإسلام، من يذكر أنا نكفر بالذنوب، مثل التتن، وشرب الخمر، والزنا أو غير ذلك من كبائر الذنوب؛ فنبرأ إلى الله من هذه المقالة، بل الذي نحن نقول: الذنوب فيها الحدود، ومعلقة بالمشيئة، إن شاء الله عفا، وإن شاء عذب عليها.
وأما الذي نكفر به: فالشرك بالله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] [سورة النساء، آية: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ - بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦] [سورة الزمر، آية: ٦٥ - ٦٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] [سورة المائدة، آية: ٧٢] .
ونكفر أيضًا: المستهزئين بالدين، مثل ما قال الله في الصحابي، الذي غزا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ - لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] [سورة التوبة، آية: ٦ ٥ - ٦٦] وغيرهم مثل ما حكى الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] وفي الآية الأخرى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠] [سورة النساء، آية: ١٤٠]» (٢) .
وقال كذلك في رسالة له إلى عامة المسلمين:
«بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الوهاب: إلى من يصل إليه من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
_________________
(١) الدرر السنية (١٠) .
(٢) الدرر السنية (١٠، ١٣٠) .
[ ٢٥٦ ]
وبعد: ما ذكر لكم عني: أني أكفر بالعموم، فهذا من بهتان الأعداء، وكذلك قولهم: إني أقول من تبع دين الله ورسوله، وهو ساكن في بلده، أنه ما يكفيه حتى يجيء عندي، فهذا أيضًا من البهتان، إنما المراد اتباع دين الله ورسوله، في أي أرض كانت.
ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله، ثم عاداه وصد الناس عنه؛ وكذلك من عبد الأوثان، بعدما عرف أنها دين المشركين، وزيَّنه للناس، فهذا الذي أكفره وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء، إلا رجل معاند، أو جاهل، والله أعلم والسلام» .
وسئل أبناء الشيخ وحمد بن ناصر بن معمر: هل تعتقدون كفر أهل الأرض على الإطلاق؟ أم لا؟ فأجابوا: «الذي نعتقده دينًا، ونرضاه لإخواننا مذهبًا، أن من أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وقامت عليه الحجة، فإنه يكفر بذلك، ولو ادَّعى الإسلام، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء» (١) .
وقال الإمام -أيضًا-: في رده على (خصم الدعوة): سليمان بن سحيم، مبينًا أنه لا يكفِّر إلا حسب الأدلة الشرعية، وآثار السلف الصالح: «وأما المسألة الثالثة، وهي من أكبر تلبيسك الذي تُلبِّس به على العوام: «أن أهل العلم قالوا: لا يجوز تكفير المسلم بالذنب» وهذا حق، ولكن ليس هذا ما نحن فيه، وذلك أن الخوارج يكفِّرون من زنى، أو من سرق، أو سفك الدم، بل كل كبيرة إذا فعلها المسلم كفر. وأما أهل السنة فمذهبهم أن المسلم لا يكفر إلا بالشرك؛ ونحن ما كفّرنا الطواغيت وأتباعهم إلا بالشرك» (٢) .
ويقول الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب: «ونحن نقول فيمن مات: تلك أمة قد خلت؛ ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجة، وقامت عليه الحجة، وأصر مستكبرًا معاندًا، كغالب من نقاتلهم اليوم، يصرون على ذلك
_________________
(١) الدرر السنية (١٠) .
(٢) تاريخ نجد لابن غنام (٢، ١٣٠) .
[ ٢٥٧ ]
الإشراك، ويمتنعون من فعل الواجبات، ويتظاهرون بأفعال الكبائر المحرمات، وغير الغالب إنما نقاتله لمناصرته من هذه حاله، ورضاه به ولتكثير سواد من ذكر، والتأليب معه فله حينئذ حكمه في قتاله، ونعتذر عمن مضى: بأنهم مخطئون معذورون؛ لعدم عصمتهم من الخطأ والإجماع في ذلك ممنوع قطعًا» (١) .
إلى أن قال: «ونحن كذلك: لا نقول بكفر من صحت ديانته، وشهر صلاحه، وعلم ورعه وزهده، وحسنت سيرته، وبلغ من نصحه الأمة، ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة، والتآليف فيها وإن كان مخطئًا في هذه المسألة أو غيرها، كابن حجر الهيتمي، فإنا نعرف كلامه في الدر المنظم، ولا ننكر سعة علمه ولهذا نعتني بكتبه كشرح الأربعين، والزواجر وغيرها، ونعتمد على نقله إذا نقل؛ لأنه من جملة علماء المسلمين.
هذا ما نحن عليه، مخاطبين من له عقل وعلم، وهو متصف بالإنصاف، خال عن الميل إلى التعصب والاعتساف، ينظر إلى ما يقال، لا إلى من قال» (٢) .
وقال الإمام سعود بن عبد العزيز في رسالته إلى سليمان باشا والي العراق: «فنقول: نحن بحمد الله، لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، وإنما نكفر لهم، بما نص الله ورسوله، وأجمع عليه علماء الأمة المحمدية، الذين هم لسان صدق في الأمة: أنه كفر كالشرك في عبادة الله غيره، من دعاء ونذر، وذبح وكبغض الدين وأهله، والاستهزاء به، وأما الذنوب كالزنا والسرقة وقتل النفس، وشرب الخمر والظلم، ونحو ذلك فلا نكفر من فعله، إذا كان مؤمنًا بالله ورسوله إلا من فعله مستحلًا له فما كان من ذلك فيه حد شرعي أقمناه على من فعله وإلا عزرنا الفاعل بما يردعه، وأمثاله عن ارتكاب المحرمات.
وقد: جرت المعاصي والكبائر، في زمن رسول الله ﷺ وأصحابه، ولم يكفروا بها، وهذا مما رد به أهل السنة والجماعة، على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، وعلى المعتزلة الذين يحكمون بتخليده في النار، وإن لم يسموه كافرًا، ويقولون: ننزله منزلة بين المنزلتين، فلا نسميه كافرًا ولا مؤمنًا، بل فاسقًا وينكرون شفاعة رسول الله ﷺ يوم القيامة، ويقولون: لا يخرج من النار أحد دخلها بشفاعة ولا غيرها.
_________________
(١) الدرر السنية (١، ٢٣٥) .
(٢) الدرر السنية (١) .
[ ٢٥٨ ]
ونحن: بحمد الله برآء من هذين المذهبين، مذهب الخوارج والمعتزلة، ونثبت شفاعة رسول الله ﷺ وغيره من الأنبياء والصالحين، ولكنها: لا تكون إلا لأهل التوحيد خاصة، ولا تكون إلا بإذن الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [سورة الأنبياء، آية: ٢٨] وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [سورة البقرة، آية: ٢٥٥]» (١) .
وللشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن كلام مفصَّل يرد تهمة التكفير عن إمام الدعوة وأتباعها، في رسالته لبعض المتشددين ينكر عليهم هذا المسلك الخطير (التكفير) ويتبرأ من هذا المنهج: قال: «وقد رأيت: سنة أربع وستين (٢) رجلين من أشباهكم، المارقين بالأحساء قد اعتزلا الجمعة، والجماعة وكفَّرا مَن في تلك البلاد من المسلمين، وحجتهم من جنس حجتكم يقولون: أهل الأحساء يجالسون ابن فيروز، ويخالطونه هو وأمثاله ممن لم يكفر بالطاغوت ولم يصرح بتكفير جده، الذي رد دعوة الشيخ محمد ولم يقبلها وعاداها.
قالا: ومن لم يصرح بكفره فهو كافر بالله، لم يكفر بالطاغوت ومن جالسه فهو مثله؛ ورتبوا على هاتين المقدمتين الكاذبتين الضالتين ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام حتى تركوا رد السلام، فرفع إلي أمرهم، فأحضرتهم وتهددتهم وأغلظت لهم القول؛ فزعموا أولًا: أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأن رسائله عندهم فكشفت شبهتهم وأدحضت ضلالتهم بما حضرني في المجلس.
وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب، وأنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله، من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسوله، أو بشيء منها، بعد قيام الحجة، وبلوغها المعتبر، كتكفير من عبَد الصالحين، ودعاهم مع الله، وجعلهم أندادًا له، فيما يستحقه على خلقه، من العبادات والإلهية، وهذا مجمع عليه أهل العلم والإيمان، وكل طائفة من أهل المذاهب المقلدة، يفردون هذه المسألة بباب عظيم، يذكرون
_________________
(١) الدرر السنية (١ - ٣٠٨) .
(٢) يقصد سنة (١٢٦٤هـ) .
[ ٢٥٩ ]
فيه حكمها وما يوجب الردة ويقتضيها وينصون على الشرك، وقد أفرد ابن حجر، هذه المسألة بكتاب سماه: الإعلام بقواطع الإسلام» (١) .
وقال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف: «فإن الشيخ محمدًا - ﵀ - لم يكفر الناس ابتداء، إلا بعد قيام الحجة والدعوة؛ لأنهم إذ ذاك في زمن فترة، وعدم علم بآثار الرسالة؛ ولذلك قال: لجهلهم وعدم من ينبههم، فأما إذا قامت الحجة فلا مانع من تكفيرهم وإن لم يفهموها» (٢) .
[دعوى إتلاف الكتب]
رد دعوى إتلاف الكتب: وفي دفع تهمة إتلاف الكتب التي ليست على مذهبهم، قال الشيخ عبد الله بن الإمام محمد: «ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات أصلًا، إلاّ ما اشتمل على ما يُوقع الناس في الشرك، كروض الرياحين أو يحصل بسببه خلل في العقائد، كعلم المنطق (٣) فإنه قد حرمه جمع من العلماء على أنا لا نفحص عن مثل ذلك، وكالدلائل، إلاّ إن تظاهر به صاحبه معاندًا، أتلف عليه وما اتفق لبعض البدو في إتلاف بعض كتب أهل الطائف، إنما صدر منه لجهله، وقد زجر هو وغيره عن مثل ذلك» (٤) .
[رد دعوى أنهم يكفرون بالذنوب كشرب الدخان]
رد دعوى أنهم يكفرون بالذنوب كشرب الدخان: زعم بعض الخصوم وغيرهم أن علماء الدعوة وأتباعها يكفرون بالذنوب والمعاصي كشرب الدخان، والمسكرات وسماع الأغاني، وقد أجاب الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب عن هذه الفرية قائلًا:
_________________
(١) الدرر السنية (٣، ٢١) .
(٢) الدرر السنية (١٠، ٤٣٥) .
(٣) علم المنطق المتعلق بالإلهيات والغيبيات ما هو إلا تخرُّصات وخيالات وأوهام ورجم بالغيب، وهذا هو المذموم عند السلف، أما المنطق العلمي الاستقرائي الذي يقوم على الحقائق الرياضية والعلمية التجريبية فليس هو المذموم هنا.
(٤) الدرر السنية (١) .
[ ٢٦٠ ]
«وأما البحث عن التنباك، وقولكم: بلغنا أنكم أفتيتم فيه، بأنه من المسكرات اعتمدنا على قولكم فعارض بعض الراحلين من عندكم، فقالوا: من شربه بعدما تاب منه، فقد ارتد وحل دمه وماله.
فالجواب: أن من نسب إلينا القول بهذا، فقد كذب وافترى، بل من قال هذا القول استحق التعزير البليغ الذي يردعه وأمثاله، فإن هذا مُخالف للكتاب والسنة، بل لو تاب منه، ثم عاد إلى شربه لم يحكم بكفره وردته، ولو أصر على ذلك، إذا لم يستحله، والتكفير بالذنوب مذهب الخوارج، الذين مرقوا من الإسلام، واستحلوا دماء المسلمين بالذنوب والمعاصي» (١) .
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: «وهم يقولون بما يذهب إليه السلف الصالح وعامة أهل السنة والجماعة من أن الكفر أنواع وشعب، كما أن الإيمان شعب، وأنه ليس كل كفر يُخرج عن الملة، وأن بعض الذنوب والمعاصي التي تُوصف بأنها كفر، تعني كفرًا دون كفر كما جاءت بذلك السنة، وقد فصَّل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن (أحد أحفاد الإمام محمد بن عبد الوهاب) هذه الأحكام حين بيَّن أن الإيمان شعب، وقال: «وكذلك الكفر: أيضًا ذو أصل وشعب فكما أن شعب الإيمان: إيمان، فشعب الكفر: كفر، والمعاصي كلها من شعب الكفر كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان؛ ولا يسوى بينهما في الأسماء والأحكام؛ وفرق بين من ترك الصلاة، أو الزكاة أو الصيام أو أشرك بالله، أو استهان بالمصحف؛ وبين من يسرق ويزني أو يشرب أو ينهب، أو صدر منه نوع موالاة كما جرى لحاطب؛ فمن سوَّى بين شعب الإيمان في الأسماء والأحكام، أو سوى بين شعب الكفر في ذلك، فهو مخالف للكتاب والسنة، خارج عن سبيل سلف الأمة، داخل في عموم: أهل البدع، والأهواء» (٢) .
إلى أن قال: «الأصل الرابع: أن الكفر نوعان، كفر عمل؛ وكفر جحود وعناد، وهو: أن يكفر بما علم، أن الرسول ﷺ جاء به من عند الله، جحودًا وعنادًا من أسماء الرب،
_________________
(١) الدرر السنية (١٠ ٥ - ٢٧٧) .
(٢) الدرر السنية (١، ٤٧٩) .
[ ٢٦١ ]
وصفاته، وأفعاله، وأحكامه التي أصلها: توحيده وعبادته وحده لا شريك له، وهذا: مضاد للإيمان من كل وجه. وأما: كفر العمل، فمنه ما يضاد الإيمان، كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي ﷺ، وسبه وأما: الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة، فهذا كفر عمل لا كفر اعتقاد وكذلك قوله ﷺ: «لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض» (١) وقوله: «من أتى كاهنًا، فصدقه أو امرأة في دبرها، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ» (٢) فهذا: من الكفر العملي؛ وليس كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي ﷺ وسَبّه، وإن كان الكل يطلق عليه الكفر.
وقد سمى الله سبحانه: من عمل ببعض كتابه، وترك العمل ببعضه، مؤمنًا بما عمل به، وكافرًا بما ترك العمل به، قال تعالى: ﴿تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] إلى قوله ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] [سورة البقرة، آية: ٨٤ - ٨٥] فأخبر تعالى: أنهم أقروا بميثاقه، الذي أمرهم به والتزموه، وهذا يدل على تصديقهم به، وأخبر: أنهم عصوا أمره، وقتل فريق منهم فريقًا آخرين، وأخرجوهم من ديارهم، وهذا: كفر بما أخذ عليهم، ثم أخبر أنهم يفدون من أُسر من ذلك الفريق، وهذا إيمان منهم بما أُخذ عليهم في الكتاب، وكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوه منه.
فالإيمان العملي: يضاده الكفر العملي؛ والإيمان الاعتقادي: يضاده الكفر الاعتقادي؛ وفي الحديث الصحيح: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (٣) ففرق بين سبابه، وقتاله، وجعل أحدهما فسوقًا، لا يكفر به، والآخر كفرًا، ومعلوم: أنه إنما أراد الكفر العملي، لا الاعتقادي، وهذا الكفر: لا يُخرجه من الدائرة الإسلامية، والملة الكلية، كما لم يخرج الزاني، والسارق، والشارب من الملة، وإن زال عنه اسم الإيمان.
_________________
(١) رواه البخاري (١٧٤٢) (٧٠٧٧) (٧٠٧٨)، ومسلم (٢٢٣) من حديث ابن عمر - ﵄ -.
(٢) رواه أبو داود (٣٩٠٤)، والترمذي (١٣٥)، وابن ماجه (٦٣٩)، وأحمد (٢، ٤٧٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -) .
(٣) رواه البخاري (٤٨، ٦٠٤٤، ٧٠٧٦)، ومسلم (٢٢١) من حديث ابن مسعود - ﵁ -) .
[ ٢٦٢ ]
وهذا: التفصيل قول الصحابة، الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله، وبالإسلام والكفر، ولوازمهما فلا تُتَلقى هذه المسائل إلا عنهم؛ والمتأخرون: لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين؛ فريق أخرجوا من الملة بالكبائر، وقضوا على أصحابها بالخلود في النار؛ وفريق: جعلوهم مؤمنين، كاملي الإيمان؛ فأولئك غلوا وهؤلاء جفوا، وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى، والقول الوسط، الذي هو في المذاهب، كالإسلام في الملل، فها هنا كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم؛ فعن ابن عباس - ﵁ - في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] [سورة المائدة، آية: ٤٤] قال: ليس هو الكفر الذي تذهبون إليه، رواه عنه سفيان، وعبد الرزاق؛ وفي رواية أخرى: كفر لا ينقل عن الملة؛ وعن عطاء كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق» (١) .
ثم قال: «الأصل الخامس: أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد، أن يسمى مؤمنًا، ولا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر، أن يسمى كافرًا، وإن كان ما قام به كفر، كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم، أو من أجزاء الطب، أو من أجزاء الفقه، أن يسمى عالمًا، أو طبيبًا، أو فقيهًا، وأما الشعبة نفسها فيطلق عليها اسم الكفر، كما في الحديث: «اثنان في أمتي هما بهم كفر، الطعن في النسب، والنياحة على الميت» (٢) وحديث: «من حلف بغير الله فقد كفر» (٣) ولكنه لا يستحق اسم الكفر على الإطلاق.
فمن عرف هذا: عرف فقه السلف، وعمق علومهم، وقلة تكلفهم، قال ابن مسعود: من كان متأسيًا، فليتأس بأصحاب رسول الله ﷺ فإنهم أبرّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا؛ قوم: اختارهم الله لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم حقهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم؛ وقد كاد الشيطان بني آدم، بمكيدتين، عظيمتين، لا يبالي بأيهما ظفر؛ أحدهما: الغلو ومجاوزة الحد، والإفراط. والثاني: هو الإعراض، والترك والتفريط» (٤) .
_________________
(١) الدرر السنية (١ - ٤٨٢) .
(٢) رواه مسلم (٢٢٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -) .
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) الدرر السنية (١، ٤٨٥) .
[ ٢٦٣ ]
[رد دعوى أنهم يكفرون من لم يوافقهم]
دعوى أنهم يرون أن من لم يدخل في دائرتهم فهو كافر، وأن داره دار حرب. وقد أجابوا على هذه الفرية، وأعلنوا براءتهم من هذه المقولة، فقد سئل أبناء الإمام: محمد بن عبد الوهاب، من لم تشمله دائرة إمامتكم، ويتسم بسمة دولتكم، هل داره دار كفر وحرب على العموم؟ فأجابوا: «الذي نعتقده وندين الله به، أن من دان بالإسلام، وأطاع ربه فيما أمر، وانتهى عما نهى عنه وزجر، فهو المسلم حرام المال والدم، كما دل على ذلك الكتاب والسنّة وإجماع الأمة، ولم نكفر أحدًا دان بدين الإسلام؛ لكونه لم يدخل في دائرتنا، ولم يتسم بسمة دولتنا، بل لا نكفر إلا من كفر الله ورسوله، ومن زعم أنا نكفر الناس بالعموم، أو نوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه ببلده، فقد كذب وافترى» (١) .
وهم كذلك لا يحكمون على بلاد غيرهم من المسلمين بأنها دار كفر كما يزعم خصومهم:
فقد أجاب الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، - ﵀ -: البلدة التي فيها شيء من مشاهد الشرك، والشرك فيها ظاهر، مع كونهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، مع عدم القيام بحقيقتها، ويؤذنون، ويصلون الجمعة والجماعة، مع التقصير في ذلك، هل تُسمى دار كفر، أو دار إسلام؟ قال: «فهذه المسألة: يؤخذ جوابها مما ذكره الفقهاء، في بلدة كل أهلها يهود، أو نصارى، أنهم إذا بذلوا الجزية، صارت بلادهم بلاد إسلام؛ وتسمى دار إسلام، فإذا كان أهل بلدة نصارى، يقولون في المسيح أنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، أنهم إذا بذلوا الجزية سُميت بلادهم بلاد إسلام، فبالأولى فيما أرى: أن البلاد التي سألتم عنها، وذكرتم حال أهلها، أولى بهذا الاسم، ومع هذا يُقاتلون لإزالة مشاهد الشرك، والإقرار بالتوحيد والعمل به.
بل لو أن طائفة امتنعت من شريعة من شرائع الإسلام، قوتلوا وإن لم يكونوا كفارًا ولا مشركين، ودارهم دار إسلام؛ قال الشيخ تقي الدين: أجمع العلماء على أن كل طائفة
_________________
(١) الدرر السنية (٩) .
[ ٢٦٤ ]
امتنعت من شريعة، من شرائع الإسلام الظاهرة، تقاتل حتى يكون الدين كله لله، كالمحاربين وأولى؛ انتهى؛ وما ذكرناه عن العلماء؛ من أنهم يسمون البلدة التي أهلها يهود، أو نصارى، دار إسلام، يذكرون ذلك في باب اللقيط وغيره» (١) .
[رد دعوى التشدد]
رد دعوى التشدد: وفي مسألة التشدد فإنهم كما أسلفت ليسوا كذلك لكنهم كانوا يلتزمون أحكام الإسلام، ويسيرون مع الدليل الشرعي في ذلك، وقد يسمي المتساهلون ذلك تشددًا.
يقول الأستاذ حافظ وهبة في ذلك: «والنجديون يحرصون أشد الحرص على تنفيذ أحكام الشريعة في تحريم لبس الحرير للرجال وتحليهم بالذهب، كما يحرمون التدخين، ويجلدون المدخن أربعين جلدة. ومما لا شك فيه: أن حكومتهم الأولى كانت أصرم في هذا من الحكومة الحالية.
ولقد كانت مسألة الدخان من المسائل التي دار البحث فيها بين الحكومة المصرية والحكومة السعودية سنة ١٩٢٦م، ومال مفتي مصر فيها إلى الكراهة، كما أنه أورد رأي فريق من العلماء ممن يرى التحريم.
لقد روى بَالْجَرِيف في رحلته إلى نجد سنة ١٨٦٢م أنه سمع من بعض النجديين: أنهم يرون أن شرب الدخان أشد لديهم من الخمر والزنا وبعض المحرمات المنصوص عليها، ولا شك أن هذه الرواية قد سمعها من جاهل. فقد سمعت شيئًا قريبًا من هذا من بعض النجديين المقيمين بالكويت، ولكنهم لم يكونوا من العلماء. ولا يعبرون على رأي علماء نجد الذين يعدون مثل هذا القول جرأة على الدين.
إن علماء نجد - وإن أجمعوا على تحريم الدخان (٢) - فلم أسمع أحدًا منهم يقول مثل هذا
_________________
(١) الدرر السنية (٩، ٢٥٥) .
(٢) لم يعد الجزم بتحريم الدخان خاصًّا بعلماء نجد لا سيما بعد ما ثبت ضرره البالغ حتى تكاد تتفق جميع الأمم المسلمة وغير المسلمة على تحريمه ومنعه.
[ ٢٦٥ ]
القول، كما أني لم أقف على شيء مثل هذا فيما كتبه متقدموهم أو متأخروهم.
وعلماء نجد يحرمون التصوير ويكرهون الموسيقى، ولا يقبلون أي تأويل في ذلك» .
وقال: تحت عنوان: (ما يُنسب إلى النجديين وهم أبرياء منه) .
«لا شك أن الحرب النجدية المصرية في القرن الماضي وما أعقب ذلك من خلاف بين آل سعود والأتراك قد صحبه كثير من الدعايات السيئة ضد النجديين. وكثير من الأشياء التي نسبت إليهم مكذوبة.
١ - لقد نُسب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب والآخذين بدعوته كراهية النبي ﷺ، والحطّ من شأنه وشأن سائر الأنبياء والأولياء الصالحين.
لقد نُسب هذا إلى الإمام ابن تيمية وإلى تلاميذه، كما لا يزال يُنسب إلى كثير من العقلاء والمصلحين في الهند وغيرها حتى ممن ليست لهم أي صلة بنجد وأهلها.
إن منشأ هذه النسبة: هو أن النجديين استنادًا إلى حديث «لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (١) يرون أن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يعملها أحد من الصحابة أو التابعين. ولم يأمر بها النبي ﷺ، وقد سبق ابن تيمية وابن عبد الوهاب طوائف كثيرة من العلماء المتقدمين بهذا الرأي.
٢ - إن النجديين يمنعون استقبال قبر الرسول ﷺ عند الدعاء، كما يمنعون السجود عند قبره وقبر غيره، ويمنعون التمسح والتمرغ عند القبر، كما يمنعون كل ما من شأنه الاستغاثة أو الطلب مما شاع عمله عند قبر النبي ﷺ وقبور الصالحين في مصر وبغداد والهند وكثير من الأمصار.
٣ - هدم القباب والأبنية المقامة على القبور وإبطالهم لسائر الأوقاف التي رصدت على القبور والأضرحة.
٤ - إنكارهم على البوصيري قوله في البردة:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
وقوله:
ومن علومك علم اللوح والقلم
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ٢٦٦ ]
وقوله:
إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم
فإن هذا القول مجازفة وغلو، وفيه مخالفة صريحة لنصوص القرآن والأحاديث الصحيحة؛ وهم - فوق هذا - يعتقدون أن من اعتقد هذا على ظاهره فهو مشرك كافر.
فاتهمهم خصومهم بكراهية النبي. ونسبوا إليهم أقوالًا هم أبرياء منها، نسبوا إليهم القول بأن العصا خير من النبي، إلى غير ذلك من التُّهَم الباطلة. ولقد سمعت في نجد أن حكاية نجد الشمالية أثناء خصومتهم مع آل سعود كانوا يكتبون إلى الأتراك أن آل سعود اتخذوا راية شعارها: لا إله إلا الله مَحَدّ رسول (بحذف ميم محمد) أي لا أحد رسول الله، وهذا كله تنفير للأتراك من خصومهم، وهم يعلمون حق العلم أن هذا كذب.
ولقد حضر إلى مكة أثناء الحرب الحجازية النجدية في سنة ١٩٢٥م بعض أفاضل السنغاليين وَتِطْوَان، وكانوا أثناء حديثهم يبكون لشدة تأثرهم؛ لقد أخبرونا أنهم سمعوا في الإسكندرية أشياء كثيرة تنسب إلى النجديين، لم يجدوا لها أثرًا في الحجاز، لقد سمعوا من بعض الناس: أن الوهابيين هدموا الكعبة؛ لأنها حجر، وسمعوا أنهم في الأذان يقولون: «أشهد أن لا إله إلا الله» فقط ولا يقولون: «أشهد أن محمدًا رسول الله» .
إن النجديين أحرص الناس على محبة الرسول ﷺ، ولكنهم يكرهون الغلو، ويقاومون البدع مهما كان نوعها، ومهما كان الدافع لها، ويقولون: إن المحبة للرسول ﷺ هي الاهتداء بهدى الرسول ﷺ وأتباعه، أما الابتداع وتعطيل الشريعة وتقديم الأهواء فهو كراهة لا محبة. وفي القرآن الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] [سورة آل عمران، آية: ٣١] .
ومما ينسب إلى أهل نجد: تكفيرهم من عداهم؛ وهو بلا شك تزوير من خصومهم، وإن وقعت بعض أشياء من بعض جفاة الأعراب والجهال فليس من الإنصاف أن ينسب ذلك إلى أهل نجد.
أما الشيخ ابن عبد الوهاب وتلاميذه: فإنهم لا يكفرون من صحت ديانته، واشتهر صلاحه، وحسنت سيرته، وإن أخطأ في بعض المسائل. ولكنهم يكفرون من بلغته دعوة الحق ووضحت له الحجة وقامت عليه وأصر مستكبرًا، هذا في الأفراد» (١) .
_________________
(١) جزيرة العرب في القرن العشرين لحافظ وهبة (٣١٢ - ٣١٤) .
[ ٢٦٧ ]
[مسألة القتال]
مسألة القتال لما استقر الإمام في الدرعية ١١٥٧هـ تقريبًا شرع في توسيع نطاق وسائل الدعوة، وزاد من إرسال الرسائل والمكاتبات، والنشاط العلمي فراسل العلماء والقضاة وطلاب العلم وأئمة المساجد وشيوخ القبائل (١) وأمراء البلدان، وكان يدعوهم إلى أمرين أولهما: مبادئ الدعوة التي تمثل الرجوع إلى الدين الحق بتحقيق التوحيد، وإقامة الفرائض، والسنن وأحكام الشرع في كل شؤون الحياة، ونبذ الشركيات والبدع وترك المنكرات.
وثانيهما: الدعوة إلى الجماعة ونبذ الفُرْقَة، والانضمام إلى الكيان الجديد في الدرعية وقد استجابت غالب البلدان المجاورة طواعية مثل العمارية وعرقة ومنفوحة والعيينة وحريملاء. فأعلنت ولاءها لدعوة التوحيد وإمارتها في الجملة مع ما شاب ذلك من الاضطراب والتذبذب؛ لأن كثيرين من أهل الرئاسة والجاه وأصحاب المصالح (٢) . المستفيدين من الفرقة والشتات وشيوع البدع عَزَّ عليهم أن يفقدوا مصالحهم التي ستنتهي بتوحيد البلاد وتطهيرها من مظاهر الفرقة والبدع.
وبذلك أصبحت الدرعية بمثابة العاصمة للدولة الناشئة.
وكان الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب آنذاك يطمح إلى أن تتحد نجد كلها على دعوة التوحيد، وأن تكون تحت راية واحدة وإمارة واحدة، وتكون على ما أمر الله به من الجماعة ونبذ الفرقة وظهور الدين.
فقد صرح الشيخ الإمام بهذا الهدف السامي بقوله لابن معمَّر حين قدم إليه بالعيينة: «إني لأرجو إن أنت قمت بنصر لا إله إلا الله أن يُظهرك الله وتملك نجدًا وأعرابها» (٣) . فكان يؤمل أن تكون نجد مملكة واحدة.
_________________
(١) انظر عنوان المجد (١، ١٦) .
(٢) انظر: الإمام محمد بن سعود للدكتور عبد الرحمن العريني (٩٠، ٩١) .
(٣) عنوان المجد لابن بشر (١) . وانظر: الإمام محمد بن سعود للدكتور عبد الرحمن العريني (٩٠، ٩١) .
[ ٢٦٨ ]
ولذا فإن موقف الدعوة من القتال تدرج حسب المراحل الطبيعية والموقف الشرعي في نمو الدعوة ودولتها.
ففي أول الدعوة لم تَشْرَع في القتال، ولم تستحله أصلًا؛ لأنها لم تتمكن، ولم يكن لها سلطان ومن ثم لم يكن لها مبرر شرعي يجيز لها أن تستعمل القوة.
فلما اشتهرت الدعوة، وشرع الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وأنصاره بالصدع بالحق، ظهرت ردود الأفعال من الخصوم والمخالفين والمعارضين قوية وعنيفة، وصارت تعتدي وتستعدي الدول والحكام والأمراء وشيوخ القبائل والرؤساء وسائر الناس كذلك.
فنتج عن هذه الجهود المضادة أنواع من العنف ضد الدعوة ومؤيديها بشتى أصنافه من الطرد والحبس والقتل، وقبله التشهير والبهتان.
وفي الوقت نفسه تجذرت الأصول الشرعية لإمارة محمد بن سعود حامل لواء الدعوة، وكثر أنصاره وقويت شوكته، وبايعته كثير من الأقاليم المجاورة، وبدأت مواجهة خصوم الدعوة، من قِبَل جيرانها أمثال (دهام بن دوَّاس) وغيره.
ومن هنا نشأت بالضرورة شرعية القتال للدفاع عن النفس والكيان فصارت إمارة آل سعود (الأمير محمد بن سعود) بتوجيه من الإمام محمد بن عبد الوهاب هي القوة المدافعة عن الدعوة وبلادها، مما جعل مركزها السياسي والعسكري والاقتصادي يتنامى ويتقوى بسرعة مذهلة. وتكون ذات كيان معتبر في المنطقة وما حولها.
وأتاحت لها هذه الظروف بتوفيق الله تعالى، أن تكون دولة ذات رسالة وحاملة لواء التوحيد والسنة، وهذا مما سوغ لها أن تقوم بواجب الجهاد لنشر الدين، ونصرة الحق وأهله، وبعد توافر الشروط الشرعية للجهاد: من الدولة والإمارة والبيعة والأنصار والجيوش، والمركز السياسي والاجتماعي، وعليه فإن الدعوة ودولتها لم تبدأ القتال ولم تتجاوز موقف الدفاع إلا حينما تقوَّت، واشتد ساعدها في حلبة الصراع، وصارت لها إمامة شرعية وبيعة وكيان.
فإن الخصوم من رؤساء بعض الأقاليم المجاورة، وأمراء الأحساء، وأمراء نجران قد بدءوا بالهجوم المسلح على الدرعية.
[ ٢٦٩ ]
وكذلك أمراء مكة وقد أعلنوا موقفهم العدائي للدعوة وإمامتها ودولتها وأتباعها في وقت مبكر، ومنعوهم من أبسط حقوقهم وهو الحج.
قال محمود فهمي باشا المهندس المصري في الجزء الأول من تاريخه (البحر الزاخر) في سياق الكلام على الدعوة وأهلها التي سماها: الوهابية.
«ومن بعد مدة استمرت في محاربات شديدة، ووقائع عتيدة، دخل جميع بلاد العرب في العقائد الوهابية، أي العقائد الإصلاحية للديانة الإسلامية، وصارت نجد أيضًا في حالة سياسية مدنية جديدة، وبدل أن كانت جهاتها منقسمة إلى عدة عشائر، وشعوب صغيرة منفصلة عن بعضها ومستمرة في حروب وكروب بين بعضها صارت مقر دولة قوية، وسلطنة سياسية، مثال سلطنة الخلفاء القدماء ولرئيس هذه الدولة السلطة في الأعمال الدينية، والدنيوية» .
«ومع ما كان عليه الوهابيون من الحروب والمبارزات في بلاد العرب لم يعتدوا على حقوق الحكومتين المجاورتين لهم، وهما حكومة بغداد والحجاز، وكانت قوافل الحجاج تمر من وسط أراضيهم من غير أن يحصل لأي قافلة ضرر أو انزعاج، وكانوا في أحوال أخوية ودية مع الشريف سرور شريف مكة، وفي سنة (١٧٨١) بعد الميلاد استحصلوا على رخصة منه في أداء حجهم وطوافهم بالكعبة، فتولد من زيادة قوتهم، ونفوذ شوكتهم اشتعال نار الحسد في قلب الشريف غالب، وفي ظرف بضع سنين من تقلده الحكومة وتوظفه شريف مكة بعد الشريف سرور أعلن حربًا على الوهابية وكانت طرائق هذا الحرب مثل طرائق حرب البدو متقطعًا بهدنات صغيرة قصيرة المدة؛ ولما انتظمت مخابرات الشريف غالب مع الدولة التركية العثمانية لم يهمل أدنى طريقة يمكنه إجراؤها في تمكين الدولة العثمانية من دخول عساكرها في بلاد العرب لأجل الوقوع بالوهابيين إلا وأجراها، وأثبت (١) أنهم من الملحدين الكافرين، وأن معاملتهم مع قوافل الحجاج التركية من أقبح الأعمال الفاسدة المضرة بالدين» اهـ.
«ثم قد أعقب هذا الافتراء والإفساد أن أمرت الدولة العثمانية حكومة بغداد قتال الوهابيين ففعلت فلما اشتغل الوهابيون بقتال الدولة، ودخلوا العراق زحف الشريف غالب على نجد، واستولى على قرية فيها فكان هذا هو السبب لزحف الوهابيين على الحجاز وفتحه» (٢) .
_________________
(١) هو يزعم ذلك لكنه لا يستطيع إثباته.
(٢) عن كتاب: الوهابيون والحجاز لمحمد رشيد رضا (٥٨، ٥٩) .
[ ٢٧٠ ]
وبهذا نعرف أن أمراء مكة هم الظالمون وهم البادءون بالعدوان، فقد منعوا هؤلاء المسلمين من الحج، ولما طال منعهم وحرمانهم من الحج، وهو ركن الإسلام، ثم لما أعلن الأشراف وأعوانهم الحرب والقتال، وغزوهم في مقر دارهم كان مما ليس منه بد من الدفاع أولا لصد العدوان، ثم الاستمرار في قتال المعتدين وكف شرهم، وتأمين سبيل الحج وإبلاغ دعوة التوحيد والسنة، وتخليص المسلمين من أوضار البدع والمحدثات والمظالم التي شاعت في بلاد الحرمين، فكان ما لا بد منه وهو الاستيلاء على مكة.
فدخلتها جحافل الدعوة وفي مقدمهم الإمام الصالح سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود سلمًا وبدون قتال، فأقام شعائر الدين على السنة، وهدم القباب والمشاهد وكل مظاهر البدع.
وجمع المسلمين على إمام واحد، وكانوا يصلون متفرقين أتباع كل مذهب مع إمامهم. وأزال المنكرات الظاهرة.
وشرع في نشر العلم وتفقيه الناس في دينهم، في العقيدة والأحكام، «أما ما أشاعه خصوم الدعوة من أن جيوش الأمير سعود لما دخلوا مكة سالت الدماء أنهارًا فهو محض افتراء.
وهنا أصل شرعي عملت عليه الدعوة لما تمكنت وصار لها كيان ودولة وهو قتال المخالفين إذا وقفوا ضد الحق والدين والسنة والعدل والأمن وانحازوا مع الباطل والشر والبدع والظلم والفوضى والفتنة، فإن قتال المخالفين في هذه الحال نوع من الجهاد ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] [سورة الأنفال، آية: ٣٩] .
ومعلوم أن الدعوة ودولتها لم تقاتل إلا حين كان لها إمام وبيعة وكيان معتبر شرعًا وعرفًا.
وهنا أمور كذلك لا بد من كشفها بهذا الصدد ومنها: ١ - أن خصوم الدعوة كانوا يحمون البدع والشركيات ويدافعون عنها ويقاتلون في سبيل ذلك، إما أصالة، أو تقليدًا، أو جهلًا، أو نحو ذلك. وقد يكون بينهم المستضعفون والمسخرون الذين لا حول لهم ولا قوة. فأمرهم إلى الله لكن هؤلاء كلهم في الظاهر وقفوا أمام دعوة الحق.
٢ - أن الدعوة وأهلها ودولتها كانت تحمل مبادئ الدين الحق، ويحق لها أن تدعو إليه وتدافع عنه وتحميه، وأن تدافع عن وجودها وكيانها، وأن تعمل بكل الوسائل المشروعة في ذلك بما فيه القتال عند الضرورة.
٣ - أضف إلى ذلك أن الدعوة وأتباعها ودولتها تعرضت لمظالم كبرى من خصومها
[ ٢٧١ ]
استهدفت الدين والنفس والمال والحقوق الضرورية، فكان لا بد أن تدافع عن حقوقها المشروعة وتحمي كيانها وحدودها ولو أدى ذلك إلى القتال.
٤ - وكان الإمام وعلماء الدعوة، ودعاتها يبدءون دعوتهم بأساليب النصح والإرشاد واللين والتدرج، وبالخطاب والتعليم والمراسلة والكتاب، والمحاورة، والمجادلة بالتي هي أحسن. إلى أن يصل الأمر إلى الحاجة إلى الحزم والقوة، والقتال حين يكون هو الحل الذي لا محيص عنه. لا سيما مع قوة الباطل وعدوانه وتحكمه في نفوس الكثيرين.
والخلاصة:
أن الدعوة لمَّا صار لها كيان وقامت لها دولة مهيبة وجيوش صارت تحارب، وتعاهد وتسالم بمقتضى شرع الله تعالى والعهود المرعية، ومكَّنهم الله ﷿ تحقيقًا لوعده عن نصر دينه، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] [سورة الحج، آية: ٤٠] .
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وبهذا نقول بأن هذه الدولة حين نصرت الدين وحملت لواء السنة والدعوة، فهي أمكن دولة على الأرض، وأحق أن تسالم وتحارب وتدافع عن الحق بشرع الله ولا تزال ولن تزال كذلك بحول الله وقوته ما دامت على هذا العهد.
هذا وليس بينهم وبين من قاتلوهم معاهدات ولا مواثيق تمنع من القتال في سبيل الله.
كما أنه في تلك الفترة لم تظهر المنظمات الدولية والمواثيق الأمنية التي التزمتها الدول.
ولما ظهرت المعاهدات والمنظمات الدولية الحديثة كانت المملكة العربية السعودية من أكثر الدول التزامًا للعهود والمواثيق والاتفاقيات المشروعة التي كانت هي طرفًا فيها، وحتى الآن وكل منصف يشهد لها بذلك.
ولما كثرت الإشكالات والتساؤلات من الخصوم، وبعض المؤيدين والمحايدين البعيدين عن ساحة الصراع والقتال بين الدعوة وخصومها، حول قتال الممتنعين عن أداء شعائر الدين وأركان الإسلام كالصلاة والزكاة، وقتال الممتنعين عن ترك الشركيات والبدع، وإزالة مظاهرها من القباب والمشاهد والمزارات ونحوها حين حصل هذا: أجاب علماء الدعوة وقادتها وأمراؤها عن شبهات القوم بأدلة القرآن والسنة وعمل السلف الصالح من الصحابة والأئمة الأربعة وغيرهم الموجبة لقتال تارك الصلاة، بل وصرح
[ ٢٧٢ ]
الفقهاء بقتال تارك الوضوء وقتال أهل البلد إذا تركوا الأذان أو صلاة العيدين، أو منعوا الزكاة، وذكروا كلام الأئمة المعتبرين في ذلك من المالكية والشافعية والحنابلة، وغيرهم (١) .
يقول الإمام محمد عبد الوهاب موضحًا هذه المسألة: «وأما القتال: فلم نقاتل أحدًا إلاّ دون النفس، والحرمة؛ فإنا نقاتل على سبيل المقابلة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] [سورة الشورى، آية: ٤٠] وكذلك: من جاهر بسبِّ دين الرسول، بعدما عرفه، والسلام» (٢) .
إضافة إلى ما ذكره الإمام وأتباعه في نفي هذه الشبهة فإن الشيخ صرح أن من الكبائر قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، حيث قال: «باب تعظيم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق» (٣) .
وقد أثار عليهم خصومهم وبعض الجهلة أنهم يستحلون الغارات والقتال والأموال بدعوى أنها غنائم، وهذا من التلبيس، فإن الغنائم قد أحلها الله ورسوله بالقتال المشروع. وقد أجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن هذه الشبهة بقوله: «من المعلوم عند الموافق والمخالف، أن أئمة المسلمين، الذين أقام الله بهم هذا الدين، بعدما اشتدت غربته من بين الظلمة والمفسدين، أن الله بفضله ورحمته، أقامهم بالحق المبين، فدعوا إلى التوحيد، وأنكروا كل شرك وشك وتنديد، ونشروا أعلام الجهاد، حتى أدخل الله بدعوتهم، كل حاضر من قومهم وباد.
فأخذوا تلك الأموال من أهل البغي والفساد، بسيف الحق والجهاد، فهو - بحمد الله - من طيب الحلال بلا تردد ولا إشكال، فقد أحل الله لرسوله ﷺ، ولأمته الغنائم؛ وقد غنم الصحابة - ﵁ -: أموال من ارتد من العرب، أو شك في الحق واضطرب.
وكل ما لا يؤيد بالدليل، فلا التفات إليه، ولا تعويل، على أن الكثير من تلك الأموال، التي أخذت على هذا الوجه الحلال، وصارت من جملة بيت المال، قد تركت في
_________________
(١) الدرر السنية (١٠ - ٣٣٥) .
(٢) الدرر السنية (١) .
(٣) كتاب الكبائر للإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٧٧) .
[ ٢٧٣ ]
أيدي الغاصبين لها، حين تبدلت الحال؛ فلما قام هؤلاء الولاة، واجتمع عليهم الناس في هذه الأوقات، لم يبق في أيديهم من أموال الفيء إلا القليل؛ لتغلب أناس عليهم من ظلمة ذلك الجيل» (١) .
ومن المفتريات التي أشاعها خصومهم دعوى أنهم يتعمدون قتل من لا يجوز قتلهم من الشيوخ والنساء والصبيان ونحوهم.
وقد أجاب على ذلك الشيخ: عبد الله بن الإمام: «وأما قولكم: إنه يحكى لنا أنكم تقتلون، ذا الشيبة، والمرأة، والصغير، ورسول الله ﷺ أمر أن لا يقتل من المشركين لا شيبة عاجز، ولا امرأة، ولا قاصر لم يُنبت. فنقول: هذا كذب وزور، وبهتان علينا فلا نأمر بقتل الشيخ الكبير من المشركين، ولا المرأة ولا الصغير الذي لم يُنبت، فإن كان أحد من جهال المسلمين البعيد عنا فعل شيئًا من ذلك، فهو مخطئ مخالف لشرع الله ورسوله، ونحن نبرأ إلى الله من ذلك» (٢) .
كان الشيخ الإمام يعلم، وكان يدور في خلده آنذاك أن الدعوة إلى توحيد الله تعالى نشر الدين والعلم والعمل بشرع الله، ومحاربة البدع والشركيات والجهل، ومحاربة الفساد والظلم والشتات، كل ذلك من الأمور الكبار التي - ولا شك - ستثير أعداء، وأنها سيكون لها كيان وقوة، ويظهر ذلك جليًا من قول له لابن معمر في العيينة «إن هذا الذي أنا قمت به ودعوت إليه كلمة لا إله إلا الله، وأركان الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أنت تمسكتَ به ونصرته، فإن الله سبحانه يُظهرك على أعدائك، فلا يزعجك سليمان ولا يفزعك فإني أرجو أن ترى من الظهور والتمكين والغلبة ما ستملك بلاده (يعني والي الأحساء) وما وراءها وما دونها» (٣) .
وقوله لمحمد بن سعود عند قدومه إليه بالدرعية: «فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منها» (٤) (يعني الضرائب) .
_________________
(١) الدرر السنية (١١، ٣٢٥) .
(٢) الدرر السنية (٩) .
(٣) عنوان المجد لابن بشر (١) .
(٤) المصدر السابق (١) .
[ ٢٧٤ ]
[المبحث السادس قضايا أخرى]
[دعوى أنهم خوارج وأن سيماهم التحليق]
المبحث السادس
قضايا أخرى مناقشة دعوى أنهم خوارج وأن سيماهم التحليق: ومن أعظم المفتريات التي أشاعها خصوم الدعوة والجاهلون بأصولها ومنهجها وواقعها - اتهام إمامها وأتباعها وولاتها بأنهم خوارج.
وألصقوا فيهم ما ورد من صفات الخوارج ونحوها، كالتكفير بالذنوب، واستحلال الدماء، والتحليق، وأنهم قرن الشيطان، وأتباع مسيلمة وقد ناوؤا هذه الدعوة ودولتها بهذه الدعاية، فأوهموا كثيرًا من المسلمين والجنود التي تقاتل في صفوفهم بأنهم يقاتلون الخوارج الذين أمر الرسول ﷺ بقتالهم.
وهذه الدعوى من إحدى الكُبَر والبهتان العظيم.
فإن الناظر لحقيقة الدعوة في عقيدتها ومنهجها وأحكامها ومعاملاتها وما كتبه علماؤها من المصنفات والرسائل والمحاورات والردود، وما كتبه عنها المنصفون والمحايدون من المسلمين وغير المسلمين يجد الحقيقة بينة جلية في أن الدعوة - إمامها وعلماءها ودولتها وأتباعها بريئون من مذهب الخوارج براءة الذئب من دم يوسف.
فإن من يعيرهم الآخرون (بالوهابية) إنما هم - كما أسلفت - يمثلون أهل السنة والجماعة السلف الصالح، فهم على سنة الرسول ﷺ وسبيل المؤمنين من الصحابة والتابعين وأئمة الدين من الأئمة الأربعة، ومن كان على منهاجهم من العلماء المعتبرين.
فمصادرهم: القرآن وما صح عن رسول الله ﷺ.
وقدوتهم: الرسول ﷺ وصحابته - ﵁ - والسلف الصالح.
وغايتهم: تحقيق التوحيد ومستلزماته، ونفي الشرك وذرائعه، وإقامة فرائض الدين ونشر الفضائل ومكارم الأخلاق.
وشعارهم: الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقبل أن أسوق نبذة من أقوالهم ومواقفهم من بدع الخوارج، أعرض للقارئ مقارنة موجزة بين منهجهم ومناهج الخوارج فمن ذلك: - أن الخوارج (ناصبة) يطعنون في علي - ﵁ - ولا يَعْتَدُّون بإمامته، وقد خرجوا عليه وعلى جماعة المسلمين. وأهل السنة ومنهم أتباع هذه الدعوة يترضون عن علي - ﵁ - ويرونه رابع الخلفاء الراشدين، ولا يرون الخروج عليه ولا على غيره من أئمة المسلمين.
[ ٢٧٦ ]
- والخوارج يطعنون في كثير من الصحابة كعثمان وعلي ومعاوية وأبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، وطلحة والزبير - ﵁ - وغيرهم من خيار الصحابة، وأهل السنة ومنهم أتباع هذه الدعوة يوالون كل الصحابة ويترضون عنهم.
- والخوارج يكفرون أهل الكبائر ويستحلون دماءهم، ويعتقدون خلودهم في النار إذا ماتوا على كبائرهم. وأهل السنة على خلاف ذلك ومنهم أتباع هذه الدعوة.
- والخوارج ينكرون الشفاعة والرؤية الثابتة بالنصوص القطعية، وأهل السنة ومنهم أتباع هذه الدعوة على خلاف ذلك.
- والخوارج سيماهم التحليق، وليس هذا من شعارات أتباع الدعوة ولا من سماتهم، وقد تبرءوا من هذا الشعار كما أسلفت.
وهنا أسوق شيئًا من أقوالهم ومواقفهم من مذهب الخوارج وردهم على من اتهمهم به:
لما سئل أبناء الإمام، محمد بن عبد الوهاب، وحمد بن ناصر بن معمر، هل عندكم: أنه ما يلبث موحد في النار، أم لا؟ (أي كما تزعم الخوارج والمعتزلة):
فأجابوا: «الذي نعتقده دينًا، ونرضاه لإخواننا المسلمين، مذهبًا، أن الله ﵎ لا يخلد أحدًا فيها من أهل التوحيد، كما تظاهرت عليه الأدلة، من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال الشيخ تقي الدين أبو العباس ابن تيمية - ﵀ -: تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ «بأنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه من الإيمان ما يزن شعيرة» (١) وفي لفظ «ذرة» ولكنها جاءت مقيدة بالقيود الثقال، كقوله: «من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه» (٢) وفي رواية «صادقًا من قلبه» انتهى.
وهذا: هو مذهب أهل السنة والجماعة، من أصحاب رسول الله ﷺ ومن اتبعهم بإحسان، من سلف الأمة وأئمتها، ولا يخالف في ذلك إلا الخوارج، والمعتزلة القائلون بتخليد أهل
_________________
(١) رواه البخاري (٣٣٤٠) (٣٣٦١) (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤) .
(٢) رواه البخاري (٩٩، ٦٥٧٠) .
[ ٢٧٧ ]
الكبائر في النار. والجواب: عن الآيات التي احتجوا بها: تحتاج إلى بسط طويل» (١) .
فالقول بتخليد أهل الكبائر في النار من الأصول المميزة للخوارج وتتفق عليها فرقهم. وردُّ أهل السنة - ومنهم الإمام محمد وأتباعه - على الخوارج في هذه المسألة وغيرها مشهور مستفيض. وبذلك كانوا ينفون تهمة أنهم خوارج.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن الإمام محمد بن عبد الوهاب: «وأما أهل هذه الدعوة الإسلامية (٢) التي أظهرها الله بنجد، وانتشرت واعترف بصحتها كثير من العلماء والعقلاء، وأدحض الله حجة من نازعهم بالشهادة، فهم بحمد الله أبعد الناس عن مشابهة الخوارج وغيرهم من أهل البدع، ودينهم هو الحق، يدعون إلى ما بعث الله به رسله، من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وينهون عن دعوة الأموات والغائبين، وطلب الشفاعة منهم» .
وقال: «ولم يكفروا أحدًا من الصحابة - ﵁ - بل أحبوهم ووالوهم، وأعرضوا عما شجر بينهم، وعلموا أن لهم حسنات عظيمة، يمحو الله بها السيئات، وتضاعف بها الحسنات» (٣) .
وهم يحذِّرون من الخوارج ومن بدعهم ويعلنون مخالفتهم كما جاء في رسالة الإمام فيصل بن تركي إلى راشد بن عيسى في البحرين كتبها الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن قال: «وأما أهل البدع، فمنهم: الخوارج، الذين خرجوا على أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب - ﵁ - وقاتلوه؛ واستباحوا دماء المسلمين، وأموالهم متأولين في ذلك، وأشهر أقوالهم: تكفيرهم بما دون الشرك من الذنوب، فهم: يكفرون أهل الكبائر، والمذنبين من هذه الأمة؛ وقد قاتلهم: علي بن أبي طالب - ﵁ - ومن معه من أصحاب رسول الله ﷺ.
وصحت فيهم الأحاديث» (٤) .
_________________
(١) الدرر السنية (١) .
(٢) هي دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب.
(٣) الدرر السنية (١١ - ٥٣٧) .
(٤) الدرر السنية (١) .
[ ٢٧٨ ]
وقد أنكر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن على بعض الغلاة المنتسبين للدعوة فقال: «وقد بلغنا: عنكم، نحو من هذا، وخضتم في مسائل من هذا الباب، كالكلام في الموالاة والمعادة، والمصالحة والمكاتبة، وبذل الأموال والهدايا، ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله، والضلالات، والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي ونحوهم من الجفاة، لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب، ومَن رزق الفهم عن الله، وأوتي الحكمة وفصل الخطاب» (١) .
قال: «وأما: التكفير بهذه الأمور، التي ظننتموها، من مكفرات أهل الإسلام فهذا: مذهب، الحرورية، المارقين الخارجين على علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين، ومن معه من الصحابة» (٢) .
أما فرية أن سيماهم التحليق كما هي سمة الخوارج: فقد أشاع خصوم الدعوة أن أتباعها يتعبدون بحلق شعر الرأس وأنهم يجعلون ذلك سمة لهم، وأنهم بذلك يكونون من الخوارج الذين أخبر النبي ﷺ أن سيماهم التحليق (٣) وهذا من البهتان، فإن أقوالهم وفتاويهم، وحالهم تكذِّب هذا البهتان أما ما ينسب لبعض الجهلة والأعراب في ذلك من التشدد والقتال على هذا، فإن ذلك من الخطأ الذي لا يُقَرّ بل كانوا يؤدبون عليه.
قال الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب رادًّا لهذه الفرية: «وأما البحث عن حلق شعر الرأس، وأن بعض البوادي الذين دخلوا في ديننا، قاتلوا من لم يحلق رأسه، وقتلوا بسبب الحلق خاصة، وأن من لم يحلق رأسه صار مرتدًّا؟
فالجواب:
أن هذا كذب وافتراء علينا، ولا يفعل هذا من يؤمن بالله واليوم الآخر، فإن الكفر والردة لا تكون إلا بإنكار ما علم بالضرورة من دين الإسلام، وأنواع الكفر والردة من الأقوال والأفعال، معلومة عند أهل العلم، وليس عدم الحلق منها، بل ولم نقل: إن الحلق مسنون، فضلًا عن أن يكون واجبًا عن أن يكون تركه ردة عن الإسلام.
_________________
(١) الدرر السنية (١، ٤٦٩) .
(٢) الدرر السنية (١، ٤٦٩) .
(٣) رواه مسلم (٢٤٧٢) من حديث سهل بن حنيف.
[ ٢٧٩ ]
والذي وردت السنة بالنهي عنه، هو القزع، وهو: حلق بعض الرأس، وترك بعضه، وهذا هو الذي نُهينا عنه ونؤدب فاعله، ولكن الجُهال القادمون إليكم لا يميزون أنواع الكفر والردة، وكثير منهم غرضه نهب الأموال، ونحن لم نأمر أحدًا من الأمراء بقتال من لم يحلق رأسه.
بل نأمرهم بقتال من أشرك بالله، وأبى عن توحيد الله، والتزام شرائع الإسلام وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، فإذا فعلوا خلاف ذلك وبلغنا ذلك من فعلهم لم نُقِرهم على ذلك، بل نبرأ إلى الله من فعلهم، ونؤدبهم على قدر جرائمهم، بحول الله وقوته» (١) .
ويقول عبد الكريم بن فخر الدين: «وأما ما ورد في الخوارج سيماهم التحليق، فلا ينطبق على ما ادعاه فإن ترك الشعر واللّمة سنة عند محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، فإن كان صحيحًا يحمل أمره ذلك، فيمن كان جديد الإسلام كما قال رسول الله ﷺ: «ألق عنك شعر الكفر» (٢»» (٣) .
ويقول الشوكاني لما بلغته بعض المفتريات والشائعات عن الإمام عبد العزيز بن سعود وعن الإمام محمد بن عبد الوهاب: «وبعض الناس يزعم أنه يعتقد اعتقاد الخوارج، وما أظن ذلك صحيحًا، فإن صاحب نجد وجميع أتباعه يعملون بما تعلموه من محمد بن عبد الوهاب» (٤) .
وخلاصة القول أن السلف الصالح أهل السنة والجماعة، ومنهم الإمام وأتباعه لا يتعبدون بالتحليق ولا يجعلون شعارًا لهم، ولا يُلزمون -على جهة التعبد- أحدًا بذلك.
أما ما قد يحدث من أن بعضهم يرغب التحليق عادة، أو يأمر غيره به أحيانًا من غير إلزام، ومن غير براء ممن لم يفعل، أو يحلقه ويأمر بحلقه على جهة النظافة، والتخفف من مشقة صيانة الشعر وتعهده بالدهن والغسل والفرق ونحو ذلك، فهذا مما لا نزاع فيه، وليس مما يُثَرَّب فيه على أحد.
_________________
(١) الدرر السنية (١٠ ٥ - ٢٧٦) .
(٢) الحق المبين في الرد على اللهابية المبتدعين، ص (٤٤)، عن دعاوى المناوئين (١٩٠) .
(٣) رواه أبوداود (١)، وأحمد (٣) من حديث عثيم بن كليب عن أبيه عن جده، وحسنَّه الألباني لشواهده في الإرواء (١)، وصحيح أبي داود رقم (٣٨٣) .
(٤) البدر الطالع (٥٢٦) .
[ ٢٨٠ ]
[دعوى أن منشأ الدعوة نجد هي قرن الشيطان]
دعوى أن منشأ الدعوة قرن الشيطان:
مما أثاره خصوم الدعوة من أهل الأهواء والبدع والافتراق دعوى أن نجد هي قرن الشيطان استنادًا للحديث الذي ورد فيه أن نجد والمشرق قرن الشيطان.
مع أن العلماء من الصحابة والتابعين وأئمة السلف وغيرهم من أهل اللغة والمعاجم ذكروا أن المقصود بالمشرق ونجد في الحديث هي نجد العراق.
وبيَّنوا كذلك أن الذم ليس لكل من سكن نجدًا والمشرق.
كما لا يلزم من ذم مكان الذم المطلق في كل الأحوال والأزمنة.
والعراق نفسه وهو الذي ورد فيه الذم، لا يعني ذلك أنه لا خير فيه مطلقًا، ولا أن أهله مذمومون، وأن ما خرج منه من العلم والصلاح والخير مردود، إنما تخرج منه الفتن أكثر من غير، من قِبَل أهل الأهواء والفساد لا أهل الصلاح فكثيرون من أهل العراق هم من أئمة الإسلام وقادته، وعلمائه وخرج منه خير كثير للإسلام والمسلمين في دينهم ودنياهم.
وخرجت من العراق دعوات إصلاحية كبرى ودعاة مهتدون كالإمام أبي حنيفة والإمام أحمد.
فهل نَرُدّ مذهب كل من هذين الإمامين وأمثالهما لمجرد أنها صدرت من موطن الفتن وقرن الشيطان.
فخبر النبي ﷺ هذا وأمثاله لا يتضمن رد الحق الذي يأتي من جهة ما ورد شيء من أحوالها.
وكذلك نجد وسط شبه الجزيرة - لو فرضنا جدلًا أنها مَعْنية بالحديث - فلا يعني ذلك أنها لا يصدر عنها ولا عن أهلها خير ولا صلاح، وأنها لا تنصر التوحيد والسنة، فمكة والمدينة وهما أفضل البقاع لم تسلم من ظهور الشركيات والبدع، حول القباب والأضرحة والمزارات والمشاهد التي أزالتها الدولة السعودية المباركة، فهل يجوز أن يكون مناط الذم لنجد ظهور التوحيد والسنة فيها؟ وهل يكون مناط المدح لمكة والمدينة - آنذاك - ظهور البدع والمنكرات فيها؟ لا يقول ذلك عاقل فضلًا عن المؤمن.
وهذا كله على سبيل التنزُّل في الحوار.
ونرجع إلى تقرير أن نجد المقصودة في أحاديث النبي ﷺ تلك هي نجد العراق، وهي المقصودة بالمشرق بالنسبة للمدينة النبوية.
[ ٢٨١ ]
وقد بيّن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن أن المراد بالمشرق ونجد الذي ورد ذمه في الحديث هو العراق فقال: «إن المراد بالمشرق ونجد في هذا الحديث وأمثاله هو العراق؛ لأنه يحاذي المدينة من جهة الشرق، يوضحه أن في بعض طرق هذا الحديث: «وأشار إلى العراق» قال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة، كان نجده بادية الشام ونواحيها فهي مشرق أهل المدينة، وأصل نجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور فإنه ما انخفض منها، وقال الداودي: إن نجدًا من ناحية العراق، ذكر هذا الحافظ ابن حجر، ويشهد له ما في مسلم عن ابن عمر قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أن الفتنة تجيء من هاهنا، وأومئ بيده إلى المشرق» (١) فظهر أن هذا الحديث خاص لأهل العراق؛ لأن النبي ﷺ فسَّر المراد بالإشارة الحسية وقد جاء صريحًا في «المعجم الكبير» (٢) . للطبراني النص على أنها العراق. وقول ابن عمر وأهل اللغة وشهادة الحال كل هذا يعين المراد. . .» (٣) .
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن كذلك مبينًا أن الذم لا يلزم أن يقع على المحل إنما على الحال: «الذم إنما يقع في الحقيقة على الحال لا على المحل، والأحاديث التي وردت في ذم نجد كقوله ﷺ: «اللهم بارك لنا في يمننا. اللهم بارك لنا في شامنا» قالوا وفي نجدنا
_________________
(١) رواه مسلم (٧٢٩٧) .
(٢) رقم (١٣٤٢٢) بلفظ "عراقنا" بدلًا من "نجدنا"، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣) رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات
(٣) منهاج التأسيس والتقديس في الرد على ابن جرجيس، ص (٦٢)، قال الدكتور عبد العزيز العبد اللطيف في ذلك: «ولا يعني ذلك ذم علماء العراق. . . لما ورد من أحاديث في شأن بلادهم، يقول الشيخ عبد اللطيف في مصباح الظلام، ص (٢٣٦): «ولا يقول مسلم بذم علماء العراق لما ورد فيها، وأكابر أهل الحديث وفقهاء الأمة أهل الجرح والتعديل أكثرهم من أهل العراق» . وانظر: رسالة أكمل البيان في شرح حديث نجد قرن الشيطان، ص (٤٣)، ودعاوى المناوئين (١٨٦) .
[ ٢٨٢ ]
قال: «هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان» (١) . . . قيل أنه أراد نجد العراق؛ لأن في بعض ألفاظه: ذكر المشرق، والعراق شرقي المدينة، والواقع يشهد له، لا نجد الحجاز، ذكره العلماء في شرح هذا الحديث، فقد جرى على العراق من الملاحم والفتن، ما لم يجر في نجد الحجاز، يعرف ذلك من له اطلاع على السير والتاريخ، كخروج الخوارج بها، وكمقتل الحسين، وفتنة ابن الأشعث، وفتنة المختار وقد ادعى النبوة، وقتال بني أمية لمصعب وقتله، وما جرى في ولاية الحجاج بن يوسف من القتال، وسفك الدماء وغير ذلك مما يطول عده.
وعلى كل حال فالذم إنما يكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، بحسب حال الساكن؛ لأن الذم إنما يكون للحال دون المحل، وإن كانت الأماكن تتفاضل. وقد تقع المداولة فيها، فإن الله يداول بين خلقه، حتى في البقاع، فمحل المعصية في زمن قد يكون محل طاعة في زمن آخر، وبالعكس» (٢) .
ويرد الشيخ عبد اللطيف كذلك على من طعن في نجد اليمامة؛ لأنها - على حد زعمه - بلد نجدة الحروري والقرمطي، فيقول: «كون نجدة الحروري والقرمطي من هذه البلاد، كلام كذب وزور على عادته، فإن نجدة ابتلي ببدعته ومروقه بالعراق، وبما استقر وهي وطنه، وأيضًا فقد ثبت أنه تاب لما ناظره ابن عباس، والقرمطي بلاده القطيف والخط، وليس من حدود اليمامة، بل ولا من حدود نجد. ثم لو فُرض أنه من نجد، ومن اليمامة ومن بلدة الشيخ أيّ ضرر في ذلك؟ وهل عاب الله ورسوله أحدًا من المسلمين أو غيرهم ببلده ووطنه، وكونه فارسيًّا أو زنجيًا أو مصريًّا من بلاد فرعون، ومحل كفره وسلطته؟ وعكرمة بن أبي جهل من أفاضل الصحابة، وأبوه فرعون هذه الأمة» (٣) .
وقال الشيخ السهسواني في كتاب «صيانة الإنسان» عند ذكره الروايات في شأن نجد قرن الشيطان، وساق أقوال العلماء في ذلك، ومرادهم بنجد هاهنا، ثم قال:
_________________
(١) رواه البخاري (٧٠٩٤)، والترمذي (٣٩٥٣)، وابن حبان (٧٣٠١)، وأحمد (٥٩٨٧)، واللفظ له.
(٢) مجموعة الرسائل والمسائل (٤) .
(٣) مصباح الظلام ص (٢٩٥) .
[ ٢٨٣ ]
«ولا يخفى عليك أن لفظًا من ألفاظ هذا الحديث، لا يقتضي أن كل من يولد في المشرق يكون مصداقًا لهذا الحديث حتى يثبت ما ادعاه المؤلف» .
ثم قال: «ومجرد وقوع الفتنة لا يستلزم ذم كل من يسكنه، بدليل ما رواه الشيخان عن أسامة بن زيد قال: أشرف النبي ﷺ على أطم من آطام المدينة، فقال: ««هل ترون ما أرى؟» قالوا: لا قال: «فإني لأرى الفتن تقع من خلال بيتكم كوقع المطر»» (١) (٢) .
وذكر المؤلف أحاديث أخرى، ثم قال: «وهذه الأحاديث وغيرها مما ورد في هذا الباب دالة على وقوع الفتن في المدينة النبوية، فلو كان وقوع الفتن في موضع مستلزمًا لذم ساكنيه لزم ذم سكان المدينة كلهم أجمعين، وهذا لا يقول به أحد، على أن مكة والمدينة كانتا في زمن موضع الشرك والكفر، وأي فتنة أكبر منهما؟ بل وما من بلدٍ أو قريةٍ إلا وقد كانت في زمن أو ستصير في زمان موضع الفتنة، فكيف يجترئ مؤمن على ذم جميع مسلمي الدنيا؟ وإنما مناط ذم شخص معين كونه مصدرًا للفتن من الكفر والشرك والبدع» .
ثم ذكر السهسواني الروايات التي تثبت أن العراق هو المراد في أحاديث الفتن في نجد، وأنه المشرق بالنسبة للمدينة المنورة (٣) .
ويقول محمود شكري الآلوسي عن بلده العراق- والتي هي في الحقيقة نجد قرن الشيطان -: «ولا بدع فبلاد العراق معدن كل محنة وبليّة، ولم يزل أهل الإسلام منها في رزية بعد رزيّة، فأهل الحروراء وما جرى منهم على الإسلام لا يخفى، وفتنة الجهمية الذين أخرجهم كثير من السلف من الإسلام إنما خرجت ونبغت بالعراق، والمعتزلة وما قالوه
_________________
(١) رواه البخاري رقم (١٨٧٨) كتاب فضائل المدينة: باب آطام المدينة، ومسلم رقم (٧٢٤٥) كتاب الفتن وأشراط الساعة: باب نزول الفتن كمواقع القطر.
(٢) صيانة الإنسان، ص (٤٩١) .
(٣) المرجع السابق، ص (٤٩٢) .
[ ٢٨٤ ]
للحسن البصري وتواترت النقل به. . . إنما نبغوا وظهروا بالبصرة، ثم الرافضة والشيعة وما حصل فيهم من الغلو في أهل البيت، والقول الشنيع في الإمام وسائر الأئمة ومسبّة أكابر الصحابة. . .، كل هذا معروف مستفيض» (١) .
ويرد الشيخ ابن سحمان على من وصف أهل نجد بأنهم من ذرية مسيلمة الكذّاب، وبين أن العراق هي موطن الفتن؛ لأنها مشرق المدينة وليست اليمامة، يقول: «وآباء أصحاب رسول الله ﷺ وأسلافهم كانوا على جاهلية، وشرك، وعبادة للأصنام والأحجار وغيرها. ولا يتوجه عيب أحد منهم بأسلافه وقد يُخرج الله من أصلاب المشركين، والكفّار من هو من خواص أوليائه وأصفيائه. . .» (٢) .
ويقول: «وقد كان بلد الشيخ اليمامة، ولم تكن اليمامة مشرق المدينة، بل مشرق المدينة العراق ونواحيه، فاليمامة ليست مشرق المدينة، ولا هي وسط المشرق بين المدينة والعراق، بل اليمامة شرق مكة المشرفة. . .» (٣) .
ويوضح الشيخ حمود التويجري في كتابه «إيضاح المحجة»: «أن الروايات الواردة في طلوع قرن الشيطان في المشرق كلها عن عبد الله بن عمر - ﵄ - وقد صرح في بعضها أن المراد بالمشرق أرض العراق فبطل بذلك كل ما يتعلق به الملاحدة على أهل الجزيرة العربية» (٤) .
ويقول الشيخ ناصر الدين الألباني في تعليقه على حديث «اللهم بارك لنا في شامنا. . .» بعد أن ساق طرقه ومروياته: «فيستفاد من مجموع طرق الحديث أن المراد من نجد في رواية البخاري ليس هو الإقليم المعروف اليوم بهذا الاسم، وإنما هو العراق، وبذلك فسّره الإمام الخطابي والحافظ ابن حجر العسقلاني وتجد كلامهما في ذلك في شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري
_________________
(١) غاية الأماني في الرد على النبهاني (٢) باختصار. عن دعاوى المناوئين (١٨٩) .
(٢) الأسنة الحداد في الرد على علوي الحداد (٨٧) .
(٣) المرجع السابق (٩٧)، وانظر: دعاوى المناوئين (١٨٩) .
(٤) إيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة (١٣٢) باختصار، وانظر: دعاوى المناوئين (١٩١) .
[ ٢٨٥ ]
للحافظ، وقد تحقق ما أنبأ به - ﵇ - فإن كثيرًا من الفتن الكبرى كان مصدرها العراق كالقتال بين سيدنا علي ومعاوية، وبين علي والخوارج، وبين علي وعائشة وغيرها مما هو مذكور في كتب التاريخ. فالحديث من معجزاته وأعلام نبوته ﷺ» (١) .
[لمزهم أنهم من بلاد مسيلمة الكذاب]
لمزهم في أنهم من بلاد مسيلمة الكذاب: وفي لمزهم للإمام وأتباعه من أهل نجد بأنها (ديار مسيلمة) يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن: «وقد أفنى الله كل من حضر مسيلمة في القرن الأول ولم يبق بنجد من يصدق مسيلمة الكذاب، بل من كان في أواخر عهد الصحابة - ﵁ - ومن بعدهم بنجد يُكَفِّرون مسيلمة ويكذِّبُونه فلم يبق بنجد من فتنة مسيلمة لا عين ولا أثر. فلو ذُمَّ نجدٌ بمسيلمة بعد زواله وزوال من يصده لذُم اليمن بخروج الأسود العنسي ودعواه النبوة.
وما ضر المدينة سكنى اليهود فيها، وقد صارت مُهَاجر رسول الله ﷺ وأصحابه، ومعقل الإسلام، وما ذمت مكة بتكذيب أهلها الرسول ﷺ وشدة عداوتهم له، بل هي أحب أرض الله إليه، فإذا كان الأمر كذلك فأرض اليمامة لم تَعْص الله وإنما ضرت المعصية ساكنيها، [آنذاك] بتصديقهم كذابهم، وما طالت مدتهم على ذلك الكفر بحمد الله، فطهَّر الله تلك البلاد منهم، ومن سلم منهم من القتل دخل في الإسلام، فصارت بلادهم بلاد إسلام، بُنيت فيها المساجد، وأقيمت فيها الشرائع، وعُبد الله فيها في عهد الصحابة - ﵁ - وبعدهم، ونفَر كثيرٌ منهم مع خالد بن الوليد لقتال العجم، فقاتلوا مع المسلمين، فنال تلك البلاد من الفضل ما نال غيرها من بلاد أهل الإسلام، على أنها تفضل على كثير من البلاد بالحديث الذي رواه البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال وهو بمكة لأصحابه «أُريت دار هجرتكم» فوصفها ثم قال: «فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو يثرب» (٢) ورؤيا النبي ﷺ وحي حق، وكفى بهذا فضلًا لليمامة وشرفًا لها على غيرها، فإن ذهاب وهله ﷺ في
_________________
(١) الإمام محمد بن عبد الوهاب لمحمود الاستانبولي (٩٠) .
(٢) رواه البخاري رقم (٧٠٣٥) كتاب التعبير: باب إذا رأى بقرًا تنحر من حديث أبي موسى - ﵁ -) .
[ ٢٨٦ ]
رؤياه إليها لا بد أن يكون له أثر في الخير يظهر» (١) .
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ردًّا على من عيَّر الشيخ بأنه من ديار مسيلمة الكذاب: «ولا يعيب شيخنا بدار مسيلمة إلا من عاب أئمة الهدى ومصابيح الدجى بما سبق في بلادهم من الشرك والكفر المبين، وطرد هذا القول جرأة على النبيين وأكابر المؤمنين، وهذا المعترض كعنز السوء يبحث عن حتفه بظلفه ولا يدري» (٢) .
ثم لا ننسى أنه ما في بلد من بلاد المسلمين إلا وخرج فيها متنبئ كذاب، ففي اليمن خرج الأسود العنسي، وفي عمان خرج لقيط الأزدي، وفي شرق جزيرة العرب خرجت سجاح، وفي شمالها ووسطها خرج طليحة الأسدي.
وفي الهند خرج الميرزا غلام أحمد القادياني، وفي فارس خرج البهاء، وفي خراسان سيخرج الدجال الأكبر. . . وهكذا بقية البلاد الإسلامية فهل يُذم المسلمون وتذم ديارهم مطلقًا بهذا؟!
[فرية منع الحج ونهْب خزائن الحجرة النبوية وانتهاك حرمة المقدسات]
فرية منع الحج ونهب خزائن الحجرة النَّبوية وانتهاك حرمة المقدسات: لما تمكنت الدولة السعودية الأولى من دخول مكة زعم خصوم الدعوة أنها منعت الحج، والحق أن الحج لم يُمنع إنما مُنعت ممارسة المنكرات والبدع كالمحمل ومُنعت البدع والمحدثات الأخرى في الدين كالمزارات والمشاهد والقباب، وأكثر الحجاج جُهَّال أو أهل بدع قد يتعلقون بها، ولما مُنعت هذه البدع من قِبَل الدولة السعودية أكثر من مرة قالوا: مُنِعَ الحجّ؛ لأنها عندهم هي الحج فلا رغبة عندهم لقصد الحج بدون تلكم البدع التي نشأوا عليها، وغُذي هذا الشعور لديهم من قبل علماء السوء والكبراء المنتفعين من هذه الأوضاع البدعية.
والحق: أن الدولة السعودية كلما تمكنت في الحرمين يسرت طرق الحج، وأشاعت الأمن، ووفرت المؤن للحجاج ورفعت المظالم وأسقطت الضرائب، وما أشيع خلاف ذلك فهو من المفتريات والدعايات المغرضة التي لا أصل لها أو من التجاوزات القليلة التي ربما حدثت من مغرضين أو جهلة ونحوهم ممن ليسوا على النهج الذي سلكته الدعوة ودولتها (الدولة السعودية) في منهجها القائم على الشرع والسنة.
_________________
(١) مجموعة الرسائل (٤) .
(٢) مصباح الظلام (٢٣٧) .
[ ٢٨٧ ]
لقد أشاع خصوم الدعوة أن الوهابيين يمنعون الحجاج من دخول الديار المقدسة وأداء شعائر الحج والعمرة.
وكان لهذه الدعاية المضادة والإشاعات الكاذبة أثره في نفوس المسلمين البعيدين عن رؤية الحقيقة مما جعل كثيرين من الحجاج في أكثر البلاد الإسلامية يُحجمون عن الحج والذهاب إلى مكة والمدينة.
ولكن عندما ندرس هذه القضية بموضوعية، ونتفحص الملابسات العقدية والسياسية والتاريخية وغيرها نتوصل إلى الحقائق التالية:
١ - أن الدولة السعودية حين حكمت الحجاز في أدوارها الثلاثة وحتى الآن لم تمنع الناس من الحج ولم تضيق عليهم، بل العكس هو الصحيح، فقد قامت بجد وحزم بتأمين السبل وتخفيف المظالم والضرائب التي تُثقل كاهل أهل الحجاز، ووفرت المؤن والخدمات للحجاج بشكل لم يسبق له مثيل في العصور المتأخرة.
٢ - أنه في تلك الأثناء التي انقطع فيها بعض الحجاج عن الحج بسبب الدعاية المغرضة، حج آخرون جماعات (كالمغاربة) وأفرادًا من سائر البلاد الإسلامية وشهدوا بأنهم لم يحصل لهم من المضايقات أو ما يمنع من إقدام الناس على الحج، بل العكس فقد رأوا استتباب الأمن وظهور السنة، واحترام مشاعر الحج وشعائره، ورفع الضرائب. وبهذه الأمور تنقطع مصالح المنتفعين من ظهور البدع ومن سوء الأحوال، وهم الذين أشاعوا أن الدولة السعودية منعت الحج.
٣ - أن الذين أوقفوا مسيرات الحج هم رؤوس القوم وشيوخ البدع، والساسة وقادة قوافل الحج الذين لهم مصالح في استمرار البدع والمظالم والضرائب المصاحبة للحجيج غالبًا.
وأعرض شهادة مؤرخ محايد بهذا الصدد وهو الجبرتي؛ إذ قال: «وفي هذه الأيام (١) أيضًا وصلت الأخبار من الديار الحجازية بمسالمة الشريف غالب للوهابيين؛ وذلك لشدة ما حصل لهم من المضايقة الشديدة وقطع الجالب عنهم من كل ناحية حتى وصل ثمن الأردب المصري من الأرز خمسمائة ريال والأردب البر ثلثمائة
_________________
(١) أو سنة (١٢٢١هـ) الجبرتي (٣) .
[ ٢٨٨ ]
وعشرة، وقس على ذلك السمن والعسل وغير ذلك، فلم يسع الشريف إلا مسالمتهم، والدخول في طاعتهم، وسلوك طريقتهم، وأخذ العهد على دعاتهم وكبيرهم بداخل الكعبة، وأمر بمنع المنكرات والتجاهر بها، وشرب الأراجيل بالتنباك في المسعى وبين الصفا والمروة، وبالملازمة على الصلوات في الجماعة، ودفع الزكاة، وترك لبس الحرير والمقصبات، وإبطال المكوس والمظالم، وكانوا خرجوا عن الحدود في ذلك حتى إن الميت يأخذون عليه خمسة فرانسة وعشرة بحسب حاله، وإن لم يدفع أهله القدر الذي يتقرر عليه فلا يقدرون على رفعه ودفنه، ولا يتقرب إليه الغاسل ليغسله حتى يأتيه الإذن، وغير ذلك من البدع والمكوس والمظالم التي أحدثوها على المبيعات والمشتروات على البائع والمشتري، ومصادرات الناس في أموالهم ودورهم.
فيكون الشخص من سائر الناس جالسا بداره فما يشعر على حين غفلة منه إلا والأعوان يأمرونه بإخلاء الدار وخروجه منها، ويقولون: إن سيد الجميع محتاج إليها، فإما أن يخرج منها جملة وتصير من أملاك الشريف، وإما أن يصالح عليها بمقدار ثمنها أو أقل أو أكثر فعاهده (١) على ترك ذلك كله، واتباع ما أمر الله تعالى به في كتابه العزيز من إخلاص التوحيد لله وحده، واتباع سنة الرسول ﵊، وما كان عليه الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون إلى آخر القرن الثالث، وترك ما حدث في الناس من الالتجاء لغير الله من المخلوقين الأحياء والأموات في الشدائد والمهمات، وما أحدثوه من بناء القباب على القبور والتصاوير والزخارف، وتقبيل الأعتاب والخضوع والتذلل والمناداة والطواف، والنذور والذبح والقربان وعمل الأعياد والمواسم لها، واجتماع أصناف الخلائق، واختلاط النساء بالرجال، وباقي الأشياء التي فيها شركة المخلوقين مع الخالق في توحيد الألوهية التي بعثت الرسل إلى مقاتلة من خالفها ليكون الدين كله لله.
فعاهده على منع ذلك كله، وعلى هدم القباب المبنية على القبور والأضرحة؛ لأنها من الأمور المحدثة التي لم تكن في عهده بعد المناظرة مع علماء تلك الناحية، وإقامة الحجة عليهم بالأدلة القطعية التي لا تقبل التأويل من الكتاب والسنة وإذعانهم لذلك، فعند ذلك
_________________
(١) يقصد أن الشريف غالبا عاهد الإمام سعود بن عبد العزيز.
[ ٢٨٩ ]
أمنت السبل، وسلكت الطرق بين مكة والمدينة، وبين مكة وجدة والطائف، وانحلت الأسعار، وكثر وجود المطعومات، وما يجلبه عربان الشرق إلى الحرمين من الغلال والأغنام والأسمان والأعسال، حتى بيع الأردب من الحنطة بأربع ريالات، واستمر الشريف غالب يأخذ العشور من التجار، وإذا نوقش في ذلك يقول: هؤلاء مشركون، وأنا آخذ من المشركين، لا من الموحدين (١) " (٢) .
إذن فالمشكلة في أن أكثر أهل البدع لا يستغنون في حجهم وعمرتهم وزيارتهم للديار المقدسة عن ممارسة البدع، من زيارة القباب والقبور والمشاهد والآثار والأشجار والأحجار التي يقدسونها، ويتبركون بها بزعمهم.
٤ - فالدعوة والدولة السعودية عملت بوصية النبي ﷺ بإزالة كل آثار البدع من هذه القباب والمشاهد والمزارات، وحلق الصوفية وسماعاتها، وإزالة مظاهر الفرقة من تعدد الجماعات في المسجد الحرام وغيره.
وأهل البدع لا يرون للحج معنى ولا قيمة بدون هذه البدع، فلما علموا أنهم سيمنعون منها وأن مشاهدها أزيلت عدلوا عن الحج، وقد شهد المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي أيضا - وهو محايد - كما ذكرت بهذه الحقيقة، وعبر عنها بوضوح قائلا:
" وفيه (٣) ورد الخبر بأن ركب الحاج الشامي رجع من منزلة هدية ولم يحج في هذا العام؛ وذلك أنه لما وصل إلى المنزلة المذكورة أرسل الوهابي إلى عبد الله باشا أمير الحاج يقول إنه لا تأت إلا على الشرط الذي شرطناه عليك في العام الماضي، وهو أن يأتي بدون المحمل، وما يصحبهم من الطبل والزمر والأسلحة، وكل ما كان مخالفا للشرع، فلما سمعوا ذلك رجعوا من غير حج، ولم يتركوا مناكيرهم " (٤) .
_________________
(١) هذه سخرية ولمز للدعوة من الشريف غالب، وقد خذله الله.
(٢) عجائب الآثار للجبرتي (٣) .
(٣) يعني أول سنة (١٢٢٢ هـ) .
(٤) عجائب الآثار للجبرتي (٣) .
[ ٢٩٠ ]
٥ - وعلى هذا فإن الإمام سعودا لم يمنع أحدا من المسلمين من الحج، إنما منع إهانة البلاد المقدسة بالبدع والمنكرات التي تصحب المحمل وقوافل الحج، إذن فالمشكلة تكمن في أن أكثر المسلمين المتعلقين بالبدع لا يستغنون في حجهم وعمرتهم وزيارتهم للديار المقدسة عن ممارسة البدع، من زيارة القباب والقبور والمشاهد والآثار والأشجار والأحجار التي يقدسونها ويتبركون بها بزعمهم، كما أسلفت.
٦ - كما أن الدولة السعودية لما مكنها الله تعالى من حكم إمارة مكة منعت بدعة المحمل، وما يصاحبها من بدع ومنكرات لا تليق، وتتنافى مع تعظيم شعائر الله والمشاعر المقدسة، وأهل البدع أصروا على اصطحاب المحمل وهم قادمون من عدد من البلاد الإسلامية المجاورة وغير المجاورة أو لا يحجون، فانقطع كثير منهم عن الحج لهذا السبب.
وقد ذكر الجبرتي مرة أخرى - وهو مؤرخ محايد - ذلك، وبين أن ابن سعود لم يمنع الحج لكنه منع البدع، قال في حوادث سنة (١٢٢٣ هـ): " ومنها انقطاع الحج الشامي والمصري معتلين بمنع الوهابي (١) الناس عن الحج، والحال ليس كذلك، فإنه لم يمنع أحدا يأتي الحج على الطريق المشروعة، وإنما يمنع من يأتي بخلاف ذلك من البدع التي لا يجيزها الشرع مثل المحمل والطبل والزمر وحمل الأسلحة، وقد وصل طائفة من حجاج المغاربة وحجوا ورجعوا في هذا العام وما قبله، ولم يتعرض لهم أحد بشيء " (٢) .
يقول الدكتور عجيل النشمي:
" والحق الذي ينبغي أن يكشف أن الأمير سعودا لم يمنع أحدا من حج بيت الله الحرام، وكل ما حدث من ذلك إنما هي ملابسات اقتضتها الظروف السياسية والعسكرية، وكان لها ما يبررها فعلا، ولنثبت ذلك بتتبع هذا المنع كما أوردته ثقات المصادر "، ثم ذكر ذلك وقال:
" ويلاحظ هنا أنه منذ أن دخل سعود مكة في حجته الرابعة عام (١٢٢٢ هـ) لم يحج
_________________
(١) يقصد الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد.
(٢) عجائب الآثار للجبرتي (٣) .
[ ٢٩١ ]
أحد من عواصم البلاد الإسلامية الكبيرة من إستانبول أو الشام أو مصر أو العراق، والتعبير بأنه لم يحج أحد يشير إلى أنه لم ترسل تلك الدولة حملات الحج الرسمية المعتادة، وظل هذا الإحجام عن أداء فريضة الحج حتى (١٢٢٦ هـ) وهي السنة التي جهزت فيها دولة الخلافة محمد علي باشا لحرب الحركة الوهابية، وهذا يعني أن خمس سنوات مرت دون أن يحج أحد من تلك الأقطار.
وليس هناك ما يشير إلى أن الأمير سعودا هو الذي حظر على تلك العواصم من أن تحج، بل إن السبل في أيامه كانت أكثر أمنا من أي وقت مضى، وليس شرط الأمان الذي كان يأخذه أهالي المغرب كما ذكرنا شرطا أو بندا على الحج يمنع تلك الأقطار من الحج، فإن الذي يحتاجه - على ما نرجح - هم الحجاج الشراذم أو الجماعات الصغيرة، فإعطاؤه الأمان حينئذ زيادة في تمكينها من أداء الحج والعودة سالمة عبر تلك المسافات الشاسعة التي كان مرورها فيه قبل ذلك يحمل المخاطر الجسام، فالأمان والحال هذه ميزة لا قيد.
بل إن الأمير سعودا نفسه تعرض لهذه القضية لحساسيتها - وهذا من بعد نظره - فذكرها في رسالته إلى السلطان سليم، وبين أنه سيمنع الحاج القادم من الشام أو مصر إذا كان مصطحبا مظاهر الإخلال بمشاعر الحج وحرمتها، من اصطحاب الطبول والمزامير وما أشبهها، وعلل ذلك بأنه ليس من الدين في شيء، ولم يقل إنه سيمنعهم لمجرد المنع.
وهذا تلمسه ساطعا جليا في رسالته - آنفة الذكر - حين قال موجها الخطاب إلى السلطان سليم: " فعليك أن تمنع والي دمشق ووالي القاهرة من المجيء إلى هذا البلد المقدس بالمحمل والطبول والزمور، فإن ذلك ليس من الدين من شيء ".
إلا أن النتيجة التي انبنت على هذا الإحجام عن الحج طوال هذه المدة أن انبنى في أذهان الناس عموما في شتى الأقطار نوع عداء للحركة الوهابية، نابع من أنها هي التي منعت الحج، وأن سبله تحوطها المخاطر الذي تتحمل مسئوليتها الحركة الوهابية، ولقد نجح - كما يبدو - استغلال هذا الواقع لتشويه وتجسيم عداء الأمير سعود أو الحركة الوهابية ككل لدولة الخلافة، ولقد قام بهذا الدور الشريف غالب وغيره فيما كان يرسل من رسائل إلى دولة الخلافة يوهمها بأن الأمير سعودا يمنع حجاج الأستانة أو غيرها، بل إن الشريف غالبا كان يزور الرسائل على لسان الأمير سعود، ويضمنها مثل تلك المعاني، كما سنكشفه فيما بعد " (١) .
_________________
(١) إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (مقالة) الحلقة (٥٣) مجلة المجتمع عدد (٥١٧) ص (٣٧ - ٣٩) .
[ ٢٩٢ ]
ويقول الدكتور محمد بن سليمان الخضيري: " ومن الأساليب الأخرى التي اتبعتها لهذا الغرض إشاعة منع السعوديين للناس من الحج، والحقيقة كما قررها المؤرخون المنصفون أن الدولة السعودية لم تمنع أحدا أتى إلى الحج على الطريقة الإسلامية المشروعة، أما من يصر على أن يأتي بالبدع مثل: الطبل والزمر وحمل السلاح فالواجب تنبيهه أن ذلك يخالف الإسلام، فإن رضي فقد أعتق نفسه من مخالفة شرع الله، وإن رفض فلا مكان له بين حجاج المسلمين الملتزمين بالعقيدة الإسلامية " (١) .
[دعوى التضييق على أهل الحرمين في أرزاقهم]
دعوى التضييق على أهل الحرمين في أرزاقهم: الذين يعيشون ويرتزقون على موارد البدع كثيرون في مكة والمدينة وغيرهما، من سدنة القباب والمشاهد والمزارات، وحجابها وخدامها ومزوريها، وجيرانها والقائمين على أوقافها ومراسمها، وغيرهم كثير من المنتفعين من قيام هذه البدع ومنكراتها، كل هؤلاء تنقطع مواردهم بإزالة هذه البدع والمحدثات، وقد حصل شيء من ذلك عندما قامت الدولة السعودية وأتباع الدعوة السلفية بهدم القباب والمشاهد وإزالة البدع؛ مما تسبب كذلك في امتناع أهل البدع من القدوم للحجاز كما أسلفت، يقول الجبرتي في ذلك:
" ولما امتنعت قوافل الحج المصري والشامي، وانقطع عن أهل المدينة ومكة ما كان يصل إليهم من الصدقات والعلائف والصرر التي كانوا يتعيشون منها، خرجوا من أوطانهم بأولادهم ونسائهم، ولم يمكث إلا الذي ليس له إيراد من ذلك، وأتوا إلى مصر والشام، ومنهم من ذهب إلى إسلامبول يتشكون من الوهابي، ويستغيثون بالدولة في خلاص الحرمين؛ لتعود لهم الحالة التي كانوا عليها من إجراء الأرزاق واتصال الصلات " (٢) .
أما دعوى نهب خزائن الحجرة النبوية:
فإنه حينما تمكنت الدولة السعودية الأولى من المدينة أزالت المنكرات والبدع
_________________
(١) الدولة السعودية الأولى والدولة العثمانية (٣٥٣) .
(٢) الجبرتي (٣) .
[ ٢٩٣ ]
والمحدثات، ومنها ما يفعله الجهلة وأهل البدع من إلقاء النفائس في الحجرة، فأخذها الإمام سعود بن عبد العزيز وعرض أمرها على العلماء، فأفتوه بصرفها في مصالح المسلمين، وهذا مما يجب أن يحمد له، لكن أهل البدع صوروا ذلك على أنه من الكبائر العظيمة.
يقول الجبرتي في ذلك: " ويذكرون أن الوهابي استولى على ما كان بالحجرة الشريفة من الذخائر والجواهر، ونقلها وأخذها، فيرون أن أخذه لذلك من الكبائر العظام ".
ثم قال الجبرتي مبينا أن أصل وجود الذخائر في الحجرة من البدع والخرافات: " وهذه الأشياء أرسلها ووضعها خساف العقول من الأغنياء والملوك والسلاطين الأعاجم وغيرهم، إما حرصا على الدنيا وكراهة أن يأخذها من يأتي بعدهم أو لنوائب الزمان، فتكون مدخرة ومحفوظة لوقت الاحتياج إليها، فيستعان بها على الجهاد ودفع الأعداء، فلما تقادمت عليها الأزمنة وتوالت عليها السنين والأعوام الكثيرة وهي في الزيادة، فارتدت معنى لا حقيقة، وارتسم في الأذهان حرمة تناولها، وأنها صارت مالا للنبي ﷺ، فلا يجوز لأحد أخذها ولا إنفاقها، والنبي ﵊ منزه عن ذلك، ولم يدخر شيئا من عرض الدنيا في حياته، وقد أعطاه الله الشرف الأعلى، وهو الدعوة إلى الله تعالى والنبوة والكتاب، واختار أن يكون نبيا عبدا، ولم يختر أن يكون نبيا ملكا.
وثبت في الصحيحين وغيرهما أنه قال: " «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» " (١) وروى الترمذي بسنده عن أبي أمامة - ﵁ - عن النبي ﷺ قال: " «عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، أو قال ثلاثا أو نحو ذلك، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» " (٢) ثم إن كانوا وضعوا هذه الذخائر والجواهر صدقة على الرسول ومحبة فيه فهو فاسد [فهو] (٣) لقول النبي ﷺ: " «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس» " (٤)
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٦٤٦٠) كتاب الرقاق: باب كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه، ومسلم رقم (٧٤٤١) كتاب الزهد: باب الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.
(٢) رواه الترمذي رقم (٢٣٤٧) وقال: حديث " حسن " على الرغم أن في سنده علي بن يزيد الألهاني، وهو ممن ضعف، لكن تحسين الترمذي للحديث لشواهده.
(٣) كذا في الأصل، ويظهر أنها زائدة.
(٤) رواه مسلم (٢٤٨٢) كتاب الزكاة: باب ترك استعمال آل النبي على الصدقة.
[ ٢٩٤ ]
ومنع بني هاشم من تناول الصدقة وحرمها عليهم، والمراد الانتفاع في حال الحياة لا بعدها " (١) .
ثم قال: " وكنز المال بحجرته وحرمان مستحقيه من الفقراء والمساكين وباقي الأصناف الثمانية، وإن قال المدخر: أكنزها لنوائب الزمان ليستعان بها على مجاهدة الكفار والمشركين عند الحاجة إليها، قلنا: قد رأينا شدة احتياج ملوك زماننا واضطرارهم في مصالحات المتغلبين عليهم من قرانات الإفرنج وخلو خزائنهم من الأموال التي أفنوها بسوء تدبيرهم وتفاخرهم ورفاهيتهم، فيصالحون المتغلبين بالمقادير العظيمة بكفالة إحدى الفرق من الإفرنج المسالمين لهم، واحتالوا على تحصيل المال من رعاياهم بزيادة المكوس والمصادرات والطلبات، والاستيلاء على الأموال بغير حق، حتى أفقروا تجارهم ورعاياهم، ولم يأخذوا من هذه المدخرات شيئا، بل ربما كان عندهم أو عند خونداتهم جوهر نفيس من بقايا المدخرات فيرسلونه هدية إلى الحجرة، ولا ينتفعون به في مهماتهم، فضلا عن إعطائه لمستحقه من المحتاجين، وإذا صار في ذلك المكان لا ينتفع به أحد إلا ما يختلسه العبيد الخصيون الذين يقال لهم أغوات الحرم، والفقراء من أولاد الرسول وأهل العلم والمحتاجون وأبناء السبيل يموتون جوعا، وهذه الذخائر محجور عليها وممنوعون منها إلى أن حضر الوهابي، واستولى على المدينة، وأخذ تلك الذخائر " (٢) .
ويكفي السعوديين فخرا أنهم جعلوا هذه الأموال تحت تصرف العلماء، وأنهم صرفوها في مصارفها الشرعية، وقد زعم بعض الخصوم أن أهل نجد حين تولوا بلاد الحرمين انتهكوا حرمات الحرم، وأهانوا أهله، وكل ذلك من البهتان، بل الصحيح عكس ذلك، والعجيب أن غير المسلمين كان بعضهم أكثر إنصافا في ذلك.
يقول الراهب هيوجس: لم يصب المواطنين أي أذى لأجل قداسة الحرم، وبعد أن تولى الإمارة أهل نجد
_________________
(١) عجائب الآثار للجبرتي (٣، ٢٤٨) .
(٢) عجائب الآثار للجبرتي (٣ - ٢٥٠) .
[ ٢٩٥ ]
عمرت المساجد حتى إن هذا المنظر من الزهد والطاعة لم ير له مثيل في هذا البلد الأمين بعد عهد النبوة " (١) .
وكتب معاصر أوروبي آخر وهو برك هارت:
" ما زال أهل مكة يذكرون اسم سعود بالشكر والرضى حتى الآن، وما زالت معاملة الجنود الطيبة تذكر بثناء ومدح بالخصوص معاملتهم في أيام الحج والزيارات، ولم يستطيعوا أن ينسوا تلك المعاملة العادلة التي شاهدوها من جيوشه (٢) .
وزيادة على هذا أجبر الناس كلهم على الصلاة مع الجماعة، ودمرت آلات التنباك والملابس الحريرية، وألغيت المكوس والرسوم التي لا يقرها الشرع الإسلامي (٣) وقضى على تعدد الجماعات في الصلوات، وبدأ الناس يصلون وراء إمام واحد، وبدأ علماء المذاهب المختلفة يصلون بالناس في أوقات مختلفة " (٤) .
[دعوى أن دعوة الإمام مذهب خامس]
دعوى أن دعوة الإمام مذهب خامس: ساد عند كثير من خصوم الدعوة والجاهلين بحقيقتها أن الإمام محمد بن عبد الوهاب جاء بمذهب خامس، أي أنه خرج عن مذاهب أهل السنة الأربعة، ويقصدون بذلك التعريض بل والتصريح بأنه جاء بمذهب مبتدع في الدين.
هذه الفرية لا يقولها إلا جاهل أو مغرض؛ لأن واقع الحال أن الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة صرحوا بأنهم على مذهب الإمام أحمد في الفروع، ويحترمون المذاهب الثلاثة الباقية الحنفي والمالكي والشافعي، بل كثيرا ما يرجحون غير قول الحنابلة إذا كان الدليل مع أحد المذاهب الأخرى.
هذا من حيث الفروع والاجتهاديات.
_________________
(١) قاموس الإسلام (Dictionary of Islam) ص (٦٦٠) .
(٢) برك هارت (٢) .
(٣) الهدية السنية (٤٣) .
(٤) الدعوة الوهابية وأثرها في الفكر الإسلامي الحديث (٨٨، ٨٩) .
[ ٢٩٦ ]
أما في العقيدة وأصول الدين فإنهم - أعني الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه - هم السائرون على منهج الأئمة الأربعة، وعقيدتهم تطابق ما كانوا عليه؛ لأنها السنة التي كان عليها رسول الله ﷺ وصحابته والتابعون والسلف الصالح، وقد بينت هذا في عرض عقيدة الإمام وأتباعه، وعلى ذلك فيعلم بالضرورة أنهم أولى بالأئمة الأربعة وسائر السلف الصالح، ومن التكلف وتحصيل الحاصل طلب إثبات ذلك.
إذن فالإمام محمد بن عبد الوهاب متبع لا مبتدع، وخصومه الذين لم يقبلوا ما دعا إليه من الحق والسنة، وترك البدع والمحدثات، هم الذين على غير المذاهب الأربعة، وعلى غير نهج السلف الصالح، وهذه حقيقة لا مراء فيها لمن عدل وأنصف واستقرأ الحال.
فهذه دعوة الإمام وكتبه ورسائله، وواقع حاله يشهد بذلك، وكذلك واقع علماء الدعوة وأتباعها إلى اليوم يشهد بذلك، فهم في العقيدة والأصول على مذهب السلف بما فيهم الأئمة الأربعة، وهم في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، فلماذا يصنع لهم الخصوم الأوهام والمفتريات؟
ولذلك لما زعم خصوم الإمام محمد بن عبد الوهاب وذكروا عنه بعض المفتريات التي منها: أنه جاء بمذهب خامس، وأنه أبطل المذاهب الأربعة، أنكر ذلك ونفاه، وقال: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] (١) " (٢) .
وأكد التزامه بما عليه الأئمة الأربعة، فقال مخاطبا عامة المسلمين، مفندا المزاعم التي أثارها أهل البدع ضده: " عقيدتي وديني الذي أدين به مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة " (٣) وكذلك قال للسويدي: " أخبرك أني ولله الحمد متبع ولست بمبتدع. . . " ثم ذكر الكلام السابق (٤) .
_________________
(١) سورة النور، آية (١٦) .
(٢) الدرر السنية (١) .
(٣) الدرر السنية (١، ٧٩) .
(٤) الدرر السنية (١، ٧٩) .
[ ٢٩٧ ]
ثم قال مبينا السبب في إثارة هذه المفتريات من قبل خصوم الدعوة: " ولبسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه الناس، وكبرت الفتنة جدا، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله " (١) .
[دعوى الخروج على الخلافة]
دعوى الخروج على الخلافة: إن الدارس لحال نجد يلحظ أنها منذ القرن الثالث الهجري كانت تتنازعها سلطات مختلفة فصلتها عن التبعية المباشرة لدولة الخلافة العباسية ثم العثمانية، فمنذ سنة (٢٥١ هـ) تقريبا استقلت دولة بني الأخيضر (شيعية زيدية) بالحجاز عن الخلافة العباسية، وضمت إليها نجدا واليمامة، ثم خضعت نجد واليمامة لنفوذ القرامطة الباطنية إلى منتصف القرن الخامس الهجري.
وبعدها بقيت هذه الديار مهملة تتنازع عليها الدويلات، وفيها زعامات ورئاسات محلية إلى أن جاء الأتراك إلى الأحساء واليمن والحجاز، فكانت نجد تحت إشراف الولاة الأتراك في الأحساء أو الحجاز، وفي كل الأحوال كان هذا الإشراف غير مباشر، بل هو إلى الشكلي والرمزي أقرب منه إلى الفعلي، ومع ذلك فقد انقطع هذا الإشراف كلية حين استقل زعيم بني خالد براك بن غرير بالأحساء منذ عام (١٠٨٠ هـ) .
وحين بدأ الإمام بدعوته المباركة قبيل منتصف القرن الثاني عشر كانت نجد كلها (ومنها اليمامة) تحكمها إمارات ومشيخات صغيرة متنازعة، ليست لها تبعية لآخرين إلا التبعية الرمزية لحاكم الأحساء - وهو مستقل عن الخلافة عمليا -، وكان كل أمير وشيخ في نجد يشعر بالاستقلالية المطلقة.
وكانت هذه الإمارات والولايات المستقلة في نجد ضعيفة، وأهل الحل والعقد في كل بلدة هم الذين ينظمون شئونهم الداخلية، وعلاقاتهم الخارجية في الحرب والسلم، وفي القضاء والحسبة، وإن كان قد يوجد في نفوس بعض الناس شيء من الولاء الرمزي للخلافة كالدعاء للسلطان في المنابر ونحو ذلك.
_________________
(١) الدرر السنية (١) .
[ ٢٩٨ ]
وكانت الدولة التركية لا ترى نجدا وأهلها شيئا يستحق الاهتمام، ولذلك لما قسمت البلاد الإسلامية التي تحت نفوذها إلى ولايات (إيالات) لم يكن لنجد أي ذكر، ثم لما قامت الدعوة وفي أول عهدها لم تأبه بها الدولة العثمانية، مع العلم أن خصوم الدعوة كانوا يراسلون دولة الخلافة ويستعدونها عليها، ويشوهون سمعتها لديها، وقد بلغ تشويه صورة الدعوة لدى الدولة العثمانية أقصى ما يمكن تصوره من الكذب والبهتان والاستعداء عن طريق الرسائل والتقارير الرسمية وغير الرسمية، والبعوث وسائر الوسائل التي لا تملك الدعوة معشارها.
والمتأمل لكلام الإمام في هذه المسألة يدرك أنه لم يتقصد الخروج على الخلافة، ولا معارضتها، بل كان يرى أن ما يقوم به من الدعوة أمر واجب شرعا لا علاقة له برضى الخلافة، وأنه لم يفتت على الخلافة في ذلك، وأن أمير بلده (العيينة) وحاكمها (ابن معمر) ثم ابن سعود في (الدرعية) كان يعاونه ويؤيده وهو واليه وأميره المباشر، لا سيما إذا وضعنا في الاعتبار أن الإمام يعتقد بأصول أهل السنة والجماعة في وجوب طاعة الإمام بالمعروف، وأنه لا يجوز الخروج عليه برا كان أو فاجرا، وقد قرر هذا الأصل وبينه في رسائل مؤلفاته، وذكرنا طرفا منه في هذا الكتاب.
ثم إن الدولة التركية آنذاك في عهد الإمام وإلى أن سقطت كانت واقعة تحت طائلة البدع والتصوف، فكانت تتبنى البدع، وتؤيد الطرق الصوفية، وتنشرها وتحميها، وتسخر لها الإمكانات والإدارات والأوقاف، ويتسابق ولاتها وأمراؤها إلى ذلك.
فأسهمت في ترسيخ بدع الأضرحة والقباب والمزارات والمشاهد البدعية، ووقع خلفاؤها المتأخرون تحت تأثير شيوخ الطرق البدعية، فانصرفت قلوبهم لغير الله، فانهزمت نفوسهم، وانحرفت عقيدتهم، واتجهت إلى طلب النفع ودفع الضر من غير الله، وأصيبت عباداتهم وأعمالهم بداء التصوف، وأصدق مثال على ذلك الرسالة التي وجدت حول قبر النبي ﷺ من الخليفة العثماني سليم يتضرع فيها إلى الرسول ﷺ من دون الله وفيها: " من عبيدك السلطان سليم وبعد، يا رسول الله قد نالنا الضر، ونزل بنا من المكروه ما لا نقدر على دفعه، واستولى عباد الصلبان على عباد الرحمن، نسألك النصر عليهم، والعون عليهم، وأن تكسرهم عنا. . . " (١) إلخ من العبارات الشركية
_________________
(١) الدرر السنية (١) .
[ ٢٩٩ ]
الصريحة التي تضاد دين الله ورسوله ﷺ، والتي هي أعظم سبب لاستيلاء عباد الصليب على بلاد المسلمين، فهو يدعو رسول الله ﷺ، ويسأله النصر والعون من دون الله، وهذا هو السبب الأول في هوان الدولة التركية وسقوطها، بل وهوان المسلمين عموما، ومع ذلك فإن الإمام وأتباعه لم يعلنوا الخروج على الخلافة، ولم يواجهوها ابتداء بأي شيء يدل على الخروج، ولما صارت لهم دولة وكيان وسلطان لم يعلنوا الخروج على الدولة العثمانية كذلك، لكنهم تعرضوا لعدوان مسلح وبكل الوسائل، ومتكرر من المجاورين لهم من أمراء الأحساء والحجاز ونجران وغيرهم، فكان من المشروع والطبيعي أن يصدوا العدوان بالجيوش والقتال.
وحين حدثت المواجهة الفعلية بين دولة الدعوة (الدولة السعودية الأولى) وبين أشراف مكة بعد وفاة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٠٦)، فلم تكن هذه المواجهة تقصد الخروج على الخلافة، إنما كانت لصد عدوان أشراف مكة وغيرهم في هجومهم المسلح مرات عديدة على الدولة السعودية ورعاياها والأقاليم التابعة لها.
ولرفع الظلم الذي تعرض له النجديون من منعهم من الحج سنين طويلة، وتعرضهم لصنوف العدوان، وما يستتبع ذلك من إزالة مظاهر الشرك والبدع ونشر التوحيد والعدل والأمن الذي هو هدف شرعي للدعوة، فزحفت جيوش الدعوة إلى الحجاز حتى دخلت مكة سلما بلا حرب.
فكان دخول مكة من قبل الأمير سعود بن عبد العزيز سنة (١٢١٨ هـ) صلحا بغير قتال، بل بأمان لأهل مكة، وبإقرار شريف مكة (عبد المعين) على إمارة مكة بعدما هرب منها الشريف (غالب) إلى جدة، وإقرار قاضيها المعين من الدولة العثمانية.
وقد أرسل الأمير سعود إلى السلطان سليم، واعترف له بلقب السلطان وأخبره بما حدث من هدم أشباه الوثنية، وإلغاء الضرائب، ونشر التوحيد والسنة والأمن والعدل.
وطلب منه أن يمنع " والي دمشق ووالي القاهرة من المجيء إلى هذا البلد المقدس بالمحمل والطبول والزمور، فإن ذلك ليس من الدين في شيء " (١) ولم يمنعهم من الحج كما يزعم الخصوم.
_________________
(١) انظر: إعادة ترتيب الخلافة (مقالات) لعجيل النشمي - الحلقة (٥٥) مجلة المجتمع عدد (٥٢٢) ص (٣٧ - ٣٩) .
[ ٣٠٠ ]
ولما توفي الأمير سعود بن عبد العزيز وتولى ابنه عبد الله بن سعود أكد للخليفة العثماني أنه يعلن الولاء للسلطان، لكن الشريف غالب كان يحول بين السلطان وبين تأكيد هذه الحقيقة، فقد ثبت أنه يزور رسائل ومكاتبات باسم الأمير السعودي تتضمن خلاف الواقع، بل ثبت أن أباه " سعود بن عبد العزيز كان يرسل رسائل للخليفة فيها النصح والولاء، وكان الشريف غالب يمنع وصولها.
ولما شعرت الدولة التركية بالخطر على سلطانها، لا سيما حين دخلت الدولة السعودية الحجاز وهيمنت على الأمور بجدارة، وأزالت مظاهر البدع والشركيات، ونشرت الأمن، ثارت ثائرة الأتراك وولاتهم في مصر والشام والعراق وغيرها.
ومن ثم حدثت المواجهة مع الأتراك وأتباعهم، وصارت الدولة التركية تحارب الدعوة علنا في سبيل نصرة البدع والمحدثات والمظاهر الشركية، وقصدت القضاء على دولة التوحيد والسنة، وحشدت كل ما تملك لذلك، فأرسلت إبراهيم باشا لهذا الغرض العدواني حتى قضى على الدولة السعودية الأولى ظاهرا، لكنها في الحقيقة بقيت حية في قلوب الناس وعواطفهم، ولذلك نهضت سريعا مرة أخرى.
وفي هذه الحال كان هذا مبررا كافيا لبعض علماء الدعوة - بعد وفاة الإمام - أن يعدوا ذلك نوعا من المحادة لله تعالى ولرسوله ﷺ، والصد عن دينه، الذي قد يكون كفرا، وعليه فإن الإمام محمد بن عبد الوهاب لم يكن ينزع إلى الخروج على الدولة التركية أصلا، ولم يستبح القتال إلى أن كان القتال ضرورة.
وكذلك حين قامت الدولة السعودية الثالثة - الحالية حرسها الله - على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، كانت الأمور سائرة على هذا الأصل، فقد أعلن الملك عبد العزيز أنه مقر لدولة الخلافة، ناصح لها، فقد أكد ولاءه للدولة العلية في رسالته للسلطان عبد الحميد المؤرخة في ١/٩\١٣٢٢ هـ، وقد أقرت الدولة العلية للملك عبد العزيز بسلطته على ما تحت يده (١) وبذلك تنتفي الشبهة ويزول الإشكال.
على أي حال فقد قامت في نجد دولة ذات سيادة مستقلة وكيان شرعي في بلد
_________________
(١) انظر: إعادة ترتيب أوراق الخلافة (مقالات) للنشمي الحلقة (٦٠) مجلة المجتمع العدد (٥٢٧)، ص (٣٨، ٣٩) .
[ ٣٠١ ]
ليس للخلافة عليه سلطان فعلي، يقول الإمام في ذلك: " والأمر الثاني: أن هذا الأمر الذي أنكروا علي، وأبغضوني وعادوني من أجله، إذا سألوا عنه كل عالم في الشام واليمن أو غيرهم يقول: هذا هو الحق، وهو دين الله ورسوله، ولكن ما أقدر أظهره في مكاني لأجل أن الدولة (العثمانية) ما يرضون، وابن عبد الوهاب أظهره لأن الحاكم في بلده ما أنكره، بل لما عرف الحق اتبعه، هذا كلام العلماء، وأظنه وصلك كلامهم " (١) .
فنجد أنه هنا ربط المسألة بحاكم بلده، ويبين ذلك قوله: " والذي يصدق كلامي هذا أن العالم ما يقدر يظهره، حتى من علماء الشام من يقول: هذا هو الحق، ولكن لا يظهره إلا من يحارب الدولة " (٢) وفي هذا دلالة على أنه يرى أنه في حل مما كان يخشاه بعض علماء الشام حين اعترفوا أن ما جاء به حق، لكنهم كانوا في بلد للدولة العثمانية عليه سلطان مباشر، وليس عندهم حاكم تمتنع به الدعوة.
وبالجملة فإن الدعوة كانت ترعى حق الدولة العثمانية إلى أن بدأ العدوان من الولاة التابعين للدولة العثمانية في الأحساء والحجاز، وإلى أن تورطت الدولة العثمانية في الانحياز مع خصوم الدعوة، وأعلنت حماية الشركيات والبدع بالقوة، وقد ناقش الدكتور عجيل النشمي هذه المسألة مناقشة وافية ومستفيضة، أقتطف منها ما يلي:
" لم تكن بلاد نجد والجزيرة العربية - موطن نشأة الحركة الوهابية - أسعد حالا من بقية البلاد الإسلامية خصوصا في القرن الثامن عشر، حين ضعفت دولة الخلافة الإسلامية، وانشغلت بأوضاعها الداخلية ومشاكلها عن كثير من البلاد الإسلامية، الأمر الذي أضعف سلطتها في تلك البقاع، وقعد بها دون ملاحقة ما يدور فيها من خلافات ومشاكل، وأدت إلى كثير من الحروب الطاحنة.
ولعل من سوء حظ بلاد نجد وعلى الخصوص أنها لم تلق العناية الكافية، بل لم تلق
_________________
(١) الدرر السنية (١) .
(٢) الدرر السنية (١) .
[ ٣٠٢ ]
أي عناية من الدولة العثمانية، فإقليم نجد لم يخضع للدولة العثمانية، أو بمعنى أصح لم تسع الدولة العثمانية لإخضاعه إخضاعا تاما، فلم يظهر ضمن قائمة التقسيمات الإدارية التي وضعت في أوائل القرن السابع عشر، وظل معمولا بها حتى القرن التاسع عشر، فلم يشهد الإقليم ولاة عثمانيين يأتون إليه، ولا حماية تركية تجوب خلال دياره ".
وموقف الدولة العثمانية لا غبار عليه إذا أخذنا بالاعتبار ضعف الدولة عموما، وعدم أهمية بلاد نجد بشكل عام إذا قيست بأقطار أخرى أكثر أهمية منها، ولذلك حرصت دولة الخلافة أن تكون لها صوت مع أطراف نجد، وعلى الخصوص في الأحساء والحجاز، والأحساء لموقعها الإستراتيجي العسكري، والحجاز لموقعها الديني في ضمها لأقدس البقاع وقبلة المسلمين ومسجد النبي ﷺ، فهو ملتقى المسلمين في حجهم أو عمرتهم.
وكانت نجد عبارة عن دويلات أو إمارات صغيرة، يستقل بكل إمارة أسرة أو قبيلة، وكانت العلاقات بين تلك الإمارات تقوم على حب السيطرة وانتهاز الفرص لتوسيع رقعة الإمارة، فكانت الثارات والحروب مستمرة مستعرة بينهم، وكانت أشهر تلك الأسر النجدية أسرة آل سعود في الدرعية، وآل زامل في الخرج، وآل معمر في العيينة، وأسرة دهام بن دواس في الرياض.
وتتبع كل أسرة أو بلد عدة من القرى، وكانت النزاعات والحروب تثور أيضا بين تلك القرى والبلدة ذاتها، وهذا الوضع السياسي ابتداء بموقف الدولة العثمانية، وانتهاء بالدويلات النجدية القبلية، سبب بلا شك ظهور قطاع الطرق، واضطراب الحياة، وانتشار الفوضى والظلم، ولم يسلم من الفتك حتى الوعاظ والعلماء، بل لم يكن نصيبهم إلا الإهانة والقتل " (١) .
ويقول الدكتور عجيل جاسم النشمي في مقالته: (دولة الخلافة والحركة الوهابية):
" ولم يكن أحد من المسلمين الغيارى الواعين يرى أن علاج دولة الخلافة بإعلان الحرب عليها وتقطيع أوصالها ".
_________________
(١) إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (الوهابية أولى الحركات الإسلامية) الحلقة (٣٠) ص (٤٦) مجلة المجتمع العدد (٤٩١) .
[ ٣٠٣ ]
" فما هو موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب صاحب أول حركة إسلامية معاصرة لمرحلة السقوط؟ هل كان يرى عداءها والخروج عليها؟ هل كان مجتهدا مخطئا، أم كان يرى بقاءها، وقام بحركته لإسنادها وتجديد وجهها، وإعادتها إلى صفاء العقيدة وسلامتها؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في هذه الحلقة والحلقات القادمة " (١) .
ثم قال: " بعد الاستقصاء نستطيع القول باطمئنان إن كتابات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليس فيها تصريح بموقف عدائي ضد دولة الخلافة، وغاية ما يمكن أن يقع عليه نظر الباحث تلميحات في هذا الخصوص لا ترقى إلى تكوين رأي معاد لدولة الخلافة " (٢) ثم ذكر الأدلة على ذلك وقال: " وهكذا كانت سياسة الشيخ وموقفه تجاه بلاد الحجاز مكة والمدينة طوال حياته، ولم يؤثر عنه تحريض واستعداء أو دعوة لحربها أو الاستيلاء عليها؛ لشعوره أن ذلك الفعل قد يفسر على أنه خروج على دولة الخلافة، وكان يكفيه بإزائها الوعظ وتوصيل الدعوة وإنكار المنكر. . " (٣) .
وقال: " وهكذا كانت مواقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب العملية في القتال ونشر الدعوة، وبالقوة على البلدان المجاورة داخل الجزيرة، فلم يكن يقصد حرب دولة الخلافة، فلم يتطاول على بلاد الحجاز إطلاقا، وظلت سياسته على هذا طوال حياته " (٤) .
قلت (٥) وكذلك بعد وفاته سارت الدعوة ودولتها على هذا المنهاج، إلى أن تتابع عليهم العدوان المسلح من قبل أمراء الحجاز، وغزوهم في ديارهم وقاتلوهم، ومنعوهم حقهم المشروع، وهو أداء فريضة الحج، واستعدوا عليهم الأتراك وغيرهم، بل شنوا عليهم حملة إعلامية نكراء في سائر بلاد المسلمين، فكان لا بد مما ليس منه بد.
_________________
(١) إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (الوهابية أولى الحركات الإسلامية) الحلقة (٤٤) ص (٤٢) العدد (٥٠٦) .
(٢) إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (الوهابية أولى الحركات الإسلامية) الحلقة (٤٤) ص (٤٣) العدد (٥٠٦) .
(٣) إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (الوهابية أولى الحركات الإسلامية) الحلقة (٤٧)، ص (٣٩) العدد (٥١٠) .
(٤) إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (دولة الخلافة والحركة الوهابية) للدكتور عجيل النشمي الحلقة (٤٧)، العدد (٥١٠) .
(٥) الكلام للباحث.
[ ٣٠٤ ]