[ ٣ / ٦٤١ ]
النسْخ في اللغة الإزالة، وفي اصطلاح أهل الإسلام بيان مدة انتهاء الحكم العملي الجامع للشروط لأن النسخ لا يطرأ عندنا على القصص ولا على الأمور القطعية العقلية مثل أن صانع العالم موجود، ولا على الأمور الحسية مثل ضوء النهار وظلمة الليل، ولا على الأدعية، ولا على الأحكام التي تكون واجبة نظرًا إلى ذاتها مثل آمنوا ولا تشركوا، ولا على الأحكام المؤبَّدة مثل ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا﴾ ولا على الأحكام المؤقتة قبل وقتها المعين مثل ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾ .
[ ٣ / ٦٤٣ ]
بل يطرأ على الأحكام التي تكون عملية محتملة للوجود والعدم غير مؤبدة وغير مؤقتة، وتسمى الأحكام المطلقة، ويشترط فيها أن لا يكون الوقت والمكلف والوجه متحدة، بل لا بد من الاختلاف في الكل أو البعض من هذه الثلاثة، وليس معنى النسخ المصطلح أن الله أمر أو نهى أولًا وما كان يعلم عاقبته ثم بدا له رأيٌ فنسخ الحكم الأول ليلزم الجهل، أو أمر أو نهى ثم نسخ مع الاتحاد في الأمور المسطورة ليلزم الشناعة عقلًا.
وإن قلنا إنه كان عالمًا بالعاقبة فإن هذا النسخ لا يجوز عندنا، تعالى الله عن ذلك عُلُوًا كبيرًا، بل معناه أن الله كان يعلم أن هذا الحكم يكون باقيًا على المكلفين إلى الوقت الفلاني ثم يُنسخُ فلما جاء الوقت أرسل حكمًا آخر ظهر منه الزيادة والنقصان أو الرفع مطلقًا، ففي الحقيقة هذا بيان انتهاء الحكم الأول، لكن لما لم يكن الوقت مذكورًا في الحكم الأول فعند ورود الثاني يتخيل لقصور علمنا في الظاهر أنه تغير، ونظيره بلا تشبيه أن تأمر خادمك الذي تعلم حاله لخدمة من الخدمات ويكون في نيتك أنه يكون على هذه الخدمة إلى سنة مثلًا، وبعد السنة يكون على خدمة أخرى لكن ما أظهرت عزمك ونيتك عليه، فإذا مضت المدة وعينته على خدمة أخرى فهذا بحسب الظاهر عند الخادم، وكذا عند غيره الذي ما أخبرته عن نيتك تغييره وأما في الحقيقة وعندك فليس بتغيير، ولا استحالة في هذا المعنى لا بالنسبة إلى ذات الله ولا إلى صفاته، فكما
[ ٣ / ٦٤٤ ]
أن في تبديل المواسم مثل الربيع والصيف والخريف والشتاء، وكذا في تبديل الليل والنهار وتبديل حالات الناس مثل الفقر والغنى والصحة والمرض وغيرها حِكَمًا، ومصالح لله تعالى سواء ظهرت لنا أو لم تظهر فكذلك في نسخ الأحكام حكم ومصالح له نظرًا إلى حال المكلفين والزمان والمكان، ألا ترى أن الطبيب الحاذق يبدل الأدوية والأغذية بملاحظة حالات المريض وغيرها على حسب المصلحة التي يراها، ولا يحمل أحد فعله على العبث والسفاهة والجهل، فكيف يظن عاقل هذه الأمور في الحكيم المطلق العالم بالأشياء بالعلم القديم الأزلي الأبدي، وإذا علمت هذا فأقول ليست قصة من القصص المندرجة في العهد العتيق والجديد منسوخة عندنا.
نعم بعضها كاذب مثل أن لوطًا ﵇ زنى بابنتيه وحملتا بالزنا من الأب كما هو مصرح به في الباب التاسع عشر من سفر التكوين، أو أن يهود بن يعقوب ﵇ زنى بثامار زوجة ابنه وحملت بالزنا منه وولدت توأمين فارض وزارح كما هو مصرح به في الباب الثامن والثلاثين من السفر المذكور، وداود وسليمان وعيسى ﵈ كلهم من أولاد فارض المذكور كما هو مصرح به في الباب الأول من إنجيل متى،.
[ ٣ / ٦٤٥ ]
أو أن داود ﵇ زنى بامرأة أوريا، وحملت بالزنا منه فأهلك زوجها بالمكر وأخذها زوجة له كما هو مصرح به في الباب الحادي عشر من سفر صموئيل الثاني، أو أن سليمان ﵇ ارتد في آخر عمره وكان يعبد الأصنام بعد الارتداد وبنى المعابد لها كما هو مصرح به في الباب الحادي عشر من سفر الملوك الأول، أو أن هارون ﵇ بنى معبدًا للعجل وعبده، وأمر بني إسرائيل بعبادته كما هو مصرح به في الباب الثاني والثلاثين من سفر الخروج، فنقول: إن هذه القصص وأمثالها كاذبة باطلة عندنا ولا نقول إنها منسوخة والأمور القطعية العقلية والحسية والأحكام الواجبة والأحكام المؤبدة والأحكام الوقتية قبل أوقاتها والأحكام المطلقة التي يفرض فيها الوقت والمكلف والوجه متحدة لا تكون هذه الأشياء كلها منسوخة ليلزم الشناعة، وكذا لا تكون الأدعية منسوخة فلا يكون الزبور الذي هو أدعية منسوخًا بالمعنى المصطلح عندنا، ولا نقول قطعًا إنه ناسخ للتوراة ومنسوخ من الإنجيل كما افترى هذا الأمر على أهل الإسلام صاحبُ ميزان الحق وقال إن هذا مصرح به في القرآن والتفاسير، وإنما منعنا عن استعمال الزبور والكتب الأخرى من العهد العتيق والجديد لأنها مشكوكة يقينًا بسبب عدم أسانيدها المتصلة وثبوت وقوع التحريف اللفظي فيها بجميع أقسامه كما عرفت في الباب الثاني،.
[ ٣ / ٦٤٦ ]
ويجوز
النسخ في غير المذكورات من الأحكام المطلقة الصالحة للنسخ فنعترف بأن بعض أحكام التوراة والإنجيل من الأحكام التي هي من جنس الصالحة للنسخ منسوخة في الشريعة المحمدية ولا نقول إن كل حكم من أحكامهما منسوخة، كيف وإن بعض أحكام التوراة لم تنسخ يقينًا مثل: حرمة اليمين الكاذبة والقتل والزنا واللواطة والسرقة وشهادة الزور والخيانة في مال الجار وعرضه ووجوب إكرام الأبوين، وحرمة نكاح الآباء والأبناء والأمهات والبنات والأعمام والعمات والأخوال والخالات، وجمع الأختين وغيرها من الأحكام الكثيرة وكذا بعض أحكام الإنجيل لم تنسخ يقينًا، مثلًا وقع في الباب الثاني عشر من إنجيل مرقس هكذا: ٢٩ "فقال له عيسى وهو يحاوره: إن أول الأحكام قوله اسمع يا إسرائيل فإن الرب إلهنا رب واحد" ٣٠ " وأن تحب الرب إلهك بقلبك كله وروحك كله وإدراكك كله وقواك كلها هذا هو الحكم الأول" ٣١ "والثاني مثله وهو أن تحب جارك كنفسك وليس حكم آخر أكبر من هذين" فهذان الحكمان باقيان في شريعتنا على أوكد وجه، وليسا بمنسوخين والنسخ ليس بمختص بشريعتنا بل وجد في الشرائع السابقة أيضًا بالكثرة بكلا قسميه أعني النسخ الذي يكون في شريعة نبي لاحق لحكم كان في شريعة نبي سابق، والنسخ الذي يكون في شريعة نبي لحكم آخر من شريعة
[ ٣ / ٦٤٧ ]
هذا النبي، وأمثلة القسمين في العهد العتيق والجديد غير محصورة لكن أكتفي ههنا ببعضها فأقول:
(الأول) تزوجت الأخوة بالأخوات في عهد آدم ﵇، وسارة زوجة إبراهيم ﵇ أيضًا كانت أختًا علانية له كما يفهم من قوله في حقها المندرج في الآية الثانية عشرة من الباب العشرين من سفر التكوين ترجمة عربية سنة ١٦٢٥ وسنة ١٦٤٨ "إنها أختي بالحقيقة ابنة أبي وليست ابنة أمي وقد تزوجت بها" والنكاح بالأخت حرام مطلقًا في الشريعة
الموسوية عينية كانت الأخت أو علانية أو خفية ومساوٍ للزنا، والناكح ملعون وقتل الزوجين واجب،.
[ ٣ / ٦٤٨ ]
الآية التاسعة من الباب الثامن عشر من سفر الأخبار هكذا: "لا تكشف عورة أختك من أبيك كانت أو من أمك التي ولدت في البيت أو خارجًا من البيت"، وفي تفسير دوالي ورجردمينت في ذيل شرح هذه الآية: "مثل هذا النكاح مساوٍ للزنا"، والآية السابعة عشرة من الباب العشرين من السفر المذكور هكذا: "أي رجل تزوج أخته ابنة أبيه أو أخته ابنة أمه ورأى عورتها ورأت عورته فهذا عار شديد فيقتلان أمام شعبهما، وذلك لأنه كشف عورة أخته فيكون إثمهما في رأسهما" والآية الثانية والعشرون من الباب السابع والعشرين من كتاب الاستثناء هكذا: "يكون ملعونًا من يضاجع أخته من أبيه أو أمه" فلو لم يكن هذا النكاح جائزًا في شريعة آدم وإبراهيم ﵉ يلزم أن يكون الناس كلهم أولاد الزنا والناكحون زانين وواجبي القتل وملعونين، فكيف يظن هذا في حق الأنبياء ﵈، فلا بد من الاعتراف بأنه كان جائزًا في شريعتهما ثم نسخ.
(فائدة) ترجم صاحب الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١ الآية الثانية عشرة من الباب العشرين من سفر التكوين هكذا: "هي قريبتي من أبي لا من أمي" فالظاهر أنه حرف قصدًا لئلا يلزم النسخ بالنسبة إلى نكاح سارة لأن قريبة الأب تشمل بنت العم والعمة وغيرهما.
[ ٣ / ٦٤٩ ]
(الثاني)
(الثالث)
(الرابع)
(الثاني) قول الله في خطاب نوح وأولاده في الآية الثالثة من الباب التاسع من سفر التكوين هكذا ترجمة عربية سنة ١٦٢٥ وسنة ١٦٤٨ "وكلما يتحرك على الأرض وهو حي يكون لكم مأكولًا كالبقل الأخضر" فكان جميع الحيوانات حلالًا في شريعة نوح كالبقولات، وحرمت في الشريعة الموسوية الحيوانات الكثيرة منها الخنزير أيضًا كما هو مصرح به في الباب الحادي عشر من سفر الأخبار والباب الرابع عشر من سفر الاستثناء.
(فائدة) حرف هنا أيضًا صاحب الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨١١ وترجم الآية الثالثة المذكورة هكذا: "كل دبيب طاهر حي يكون لكم مأكلًا كخضر العشب" فزاد لفظ الطاهر من جانبه لئلا تشمل الحيوانات المحرمة في شريعة موسى لأنه قيل في حقها في التوراة أنها نجسة.
(الثالث) جمع يعقوب بين الأختين ليا وراحيل ابنتي خاله كما هو مصرح به في الباب التاسع والعشرين من سفر التكوين، وهذا الجمع حرام في الشريعة الموسوية الآية الثامنة عشرة من الباب الثامن عشر من سفر الأخبار هكذا: ولا تتزوّج أخت امرأتك في حياتها فتحزنها، ولا تكشف عورتهما جميعًا فتحزنهما" فلو لم يكن الجمع بين الأختين جائزًا في شريعة يعقوب يلزم أن يكون أولادهما أولاد الزنا والعياذ بالله وأكثر الأنبياء الإسرائيلية في أولادهما.
(الرابع) قد عرفت في الشاهد الأول من المقصد الثالث أن يوخابذ زوجة عمران كانت عمته، وقد حرف المترجمون للترجمة العربية المطبوعة سنة ١٦٣٥ وسنة ١٦٤٨ تحريفًا قصديًا لإخفاء العيب فكان أبو موسى تزوّج عمته، وهذا النكاح حرام في الشريعة الموسوية، الآية الثانية عشرة من الباب الثامن عشر من سفر الأخبار هكذا:
[ ٣ / ٦٥٠ ]
"لا تكشف عورة عمتك لأنها قرابة أبيك" وكذا في الآية التاسعة عشرة من الباب العشرين من السفر المذكور، فلو لم يكن هذا النكاح جائزًا قبل شريعة موسى لزم أن يكون موسى وهارون ومريم أختهما من أولاد الزنا والعياذ بالله، ولزم أن لا يدخلوا جماعة الرب إلى عشرة أحقاب كما هو مصرح به في الآية الثالثة من الباب الثالث والعشرين من سفر الاستثناء، ولو كانوا هم قابلين للإخراج عن جماعة الرب فمن يكون صالحًا لدخولها.
[ ٣ / ٦٥١ ]
(الخامس)
(السادس)
(الخامس) في الباب الحادي والثلاثين من كتاب أرمياء هكذا: ٣١ "ها ستأتي أيام - يقول الرب - وأعاهد بيت إسرائيل وبيت يهودا عهدًا جديدًا" ٣٢ "ليس مثل العهد الذي عاهدت آباءهم في اليوم الذي أخذت بأيديهم لأخرجهم من أرض مصر عهدًا نقضوه وأنا تسلطت عليهم بقول الرب" والمراد من العهد الجديد الشريعة الجديدة، فيفهم أن هذه الشريعة الجديدة تكون ناسخة للشريعة الموسوية، وادعى مقدَّسهم بولس في الباب الثامن من رسالته إلى العبرانيين أن هذه الشريعة شريعة عيسى، فعلى اعترافه شريعة عيسى ﵇ ناسخة لشريعة موسى ﵇، وهذه الأمثلة الخمسة لإلزام اليهود والمسيحيين جميعًا ولإلزام المسيحيين أمثلة أخرى.
(السادس) يجوز في الشريعة الموسوية أن يطلق الرجل امرأته بكل علة وأن يتزوج رجل آخر بتلك المطلقة بعد ما خرجت من بيت الأول كما هو مصرح به في الباب الرابع والعشرين من كتاب الاستثناء، ولا يجوز الطلاق في الشريعة العيسوية إلا بعلة الزنا، هكذا لا يجوز لرجل آخر نكاح المطلقة، بل هو بمنزلة الزنا كما صرح به في الباب الخامس والتاسع عشر من إنجيل متى، ولما اعترض الفريسيون على عيسى ﵇ في هذه المسألة قال في جوابهم إن موسى ما جَوَّز لكم طلاق نسائكم إلا لقساوة قلوبكم وأما من قبل فإنه لم
[ ٣ / ٦٥٢ ]
(السابع)
يكن كذلك، وأنا أقول لكم إن كل من طلق زوجته لغير علة الزنا وتزوّج بأخرى فقد زنى ومن يتزوج بتلك المطلقة يزني" فعلم من جوابه أنه ثبت النسخ في هذا الحكم مرتين مرة في الشريعة الموسوية ومرة في شريعته وأنه قد ينزل الحكم تارة موافقًا لحال المكلفين وإن لم يكن حسنًا في نفس الأمر.
(السابع) كان الحيوانات الكثيرة محرمة في الشريعة الموسوية ونسخت حرمتها في الشريعة العيسوية وثبتت الإباحة العامة بفتوى بولس، الآية الرابعة عشرة من الباب الرابع عشر من رسالة بولس إلى أهل رومية هكذا: "فإني أعلم وأعتقد بالرب عيسى أن لا شيء نجس العين بل إن كل شيء نجس لمن يحسبه نجسًا" والآية الخامسة عشرة من الباب الأول من رسالته إلى طيطوس هكذا: "فإن جميع الأشياء طاهرة للطاهرين وليس شئ بطاهر للنجسين والمنافقين لأنهم كلهم نجسون حتى عقلهم وضميرهم".
[ ٣ / ٦٥٣ ]
(الثامن)
(التاسع)
وهاتان الكليتان: إن كل شيء نجس لمن يحسبه نجسًا، وجميع الأشياء طاهرة للطاهرين عجيبتان في الظاهر، لعل بني إسرائيل لم يكونوا طاهرين فلم تحصل لهم هذه الإباحة العامة، ولما كان المسيحيون طاهرين حصل لهم الإباحة العامة وصار كل شيء طاهرًا لهم، وكان مقدسهم جاهدًا في إشاعة حكم الإباحة العامة ولذلك كتب إلى تيموتاس في الباب الرابع من رسالته الأولى [٤] "لأن كل ما خلق الله حسن ولا يجوز أن يرفض منه شيء إذا أكلناه ونحن شاكرون [٥] لأنه يتقدس بكلمة الله وبالتضرع [٦] فإن ذكرت الأخوة بهذا فقد صرت للمسيح خادمًا جيدًا متربيًا في كلام الإيمان والتعليم الصحيح الذي اتبعت أثره".
(الثامن) أحكام الأعياد التي فصلت في الباب الثالث والعشرين من كتاب الأخبار كانت واجبة أبدية في الشريعة الموسوية ووقعت في حقها في الآية ١٤ و٢١ و٣١ و٤١ من الباب المذكور ألفاظ تدل على كونها أبدية.
(التاسع) كان تعظيم السبت حكمًا أبديًا في الشريعة الموسوية،
[ ٣ / ٦٥٤ ]
وما كان لأحد أن يعمل فيه أدنى عمل، وكان من عمل فيه عملًا ومن لم يحافظه واجبي القتل، وقد تكرر بيان هذا الحكم والتأكيد في كتب العهد العتيق في مواضع كثيرة مثلًا في الآية الثالثة من الباب الثاني من سفر التكوين، وفي الباب العشرين من سفر الخروج من الآية الثامنة إلى الحادية عشرة، وفي الآية الثانية عشرة من الباب الثالث والعشرين من سفر الخروج، وفي الآية الحادية والعشرين من الباب الرابع والثلاثين من سفر الخروج، وفي الآية الثالثة من الباب التاسع عشر وكذا من الباب الثالث والعشرين من سفر الأخبار، وفي الباب الخامس من كتاب الاستثناء من الآية الثانية عشرة إلى الخامسة عشرة، وفي الباب السابع عشر من كتاب أرميا، وفي الباب السادس والخمسين والثامن والخمسين من كتاب أشعياء، وفي الباب التاسع من كتاب نحميا، وفي الباب العشرين من كتاب حزقيال ووقع في الباب الحادي والثلاثين من سفر الخروج هكذا: [١٣] "كلِّم بني إسرائيل وقل لهم أن يحفظوا يومي يوم السبت من أجل أنه علامة بيني وبينكم في أجيالكم لتعلموا أنني أنا الرب الذي أطهركم [١٤] فاحفظوا يومي يوم السبت فإنه طهر لكم، ومن لا يحفظه فليقتل قتلًا، من عمل فيه فتهلك تلك
[ ٣ / ٦٥٥ ]
النفس من شعبها (١٥) اعملوا عملكم ستة أيام واليوم السابع هو يوم سبت راحة طهر للرب، وكل من عمل عملًا في هذا اليوم فليقتل [١٦] وليحفظ بنو إسرائيل السبت وليتخذوه عيدًا بأجيالهم ميثاقًا إلى الدهر [١٧] بيني وبين بني إسرائيل علامة إلى الأبد لأن الرب خلق السماء والأرض في ستة أيام وفي اليوم السابع استراح من عمله" ووقع في الباب الخامس والثلاثين من سفر الخروج هكذا: [٢] "ستة أيام تعملون عملكم واليوم السابع يكون لكم مقدسًا سبت وراحة الرب مَنْ عَمِل فيه
عملًا فليقتل [٣] لا تشعلوا النار في جميع مساكنكم يوم السبت" ووقع في الباب الخامس عشر من سفر العدد هكذا: [٣٢] "ولما كان بنو إسرائيل في البرية وجدوا رجلًا يلقط حطبًا يوم السبت [٣٣] فأقبلوا به إلى موسى وهارون والجماعة كلها [٣٤] فألقوه في السجن لأنهم لم يكونوا يعرفون ما يجب أن يفعلوا به [٣٥] فقال الرب لموسى فليقتل هذا الإنسان ويرجمه كل الشعب بالحجارة خارجًا من المحلة [٣٦] فأخرجوه ورجموه بالحجارة ومات كما أمر الرب. وكان اليهود المعاصرون للمسيح ﵇ يؤذونه ويريدون قتله لأجل عدم تعظيم السبت، وكان هذا أيضًا من أدلة إنكارهم" الآية السادسة عشرة من الباب الخامس من إنجيل يوحنا هكذا: "ومن أجل ذلك طرد اليهود عيسى وطلبوا قتله لأنه كان قد فعل تلك الأشياء يوم السبت" الآية السادسة عشرة من الباب التاسع من إنجيل يوحنا هكذا: "فقال بعض الفريسين إن هذا الرجل ليس من عند الله لأنه لا يحافظ على السبت" الخ.
[ ٣ / ٦٥٦ ]
وإذا علمت هذا أقول: إن مقدسهم بولس نسخ هذه الأحكام التي مر ذكرها في المثال السابع والثامن والتاسع، وبين أن هذه الأشياء كلها كانت إضلالًا، في الباب الثامن من رسالته إلى أهل قولا سايس ١٦ "فلا يدينكم أحد بالمأكول أو المشروب أو بالنظر إلى الأعياد أو الأهلة أو السبوت ١٧ فإن هذه الأشياء ظلال للأمور المزمعة بالإيتان وأما الجسد فإنه للمسيح" في تفسير دوالي ورجرد مينت ذيل شرح الآية السادسة عشرة هكذا: قال بركت وداكتروت بي "كانت أي الأعياد في اليهود على ثلاثة أقسام في كل سنة سنة وفي كل شهر شهر وفي كل أسبوع أسبوع فنسخت هذه كلها بل يوم السبت أيضًا وأقيم سبت المسيحيين مقامه" وقال بِشُبْ هارسلي ذيل شرح الآية المذكورة: "زال سبت كنيسة اليهود وما مشى المسيحيون في عمل سبتهم على رسوم طفولية الفريسين".
[ ٣ / ٦٥٧ ]
وفي تفسير هنري واسكات: "إذ نسخ عيسى شريعة الرسومات، ليس لأحد أن يلزم الأقوال الأجنبية بسبب عدم لحاظها، قال ياسوبر وليا: فإنه لو كانت محافظة يوم السبت واجبة على جميع الناس، وعلى جميع أقوام الدنيا لما أمكن نسخها قط، كما نسخت الآن حقيقة، ولكان يلزم على المسيحيين أن يحافظوه طبقة بعد طبقة كما فعلوا في الابتداء لأجل تعظيم اليهود ورضاهم" وما ادعى مقدسهم بولس من كون الأشياء المذكورة إضلالًا لا يناسب عبارة التوراة لأن الله بين علة حرمة الحيوانات بأنها "نجسة فلا بد أن تكونوا مقدسين لأني قدوس" كما هو مصرح به في الباب الحادي عشر من سِفْر الأخبار، وبيّن عِلة عيد الفطير "بأني أخرج جيوشكم من أرض مصر فاحفظوا هذا اليوم إلى أجيالكم سُنَّة إلى الدهر" كما هو مصرح به في الباب الثاني عشر من سفر الخروج، وبين علة عيد الخيام هكذا: "لتعلم أجيالكم أني أجلست بني إسرائيل في الخيام إذ أخرجتهم من أرض مصر" كما هو مصرح به في
الباب الثالث والعشرين من سفر الأخبار، وبين في مواضع متعددة علة تعظيم السبت: "بأن الرب خلق السماء والأرض في ستة أيام واستراح في اليوم السابع من عمله".
[ ٣ / ٦٥٨ ]
(العاشر)
(العاشر) حكم الختان كان أبديًا في شريعة إبراهيم ﵇ كما هو مصرح به في الباب السابع عشر من سفر التكوين، ولذلك بقي هذا الحكم في أولاد إسماعيل وإسحاق ﵉، وبقي في شريعة موسى ﵇ أيضًا، الآية الثالثة من الباب الثاني عشر من سفر الأخبار هكذا: "وفي اليوم الثامن يختن الصبي" وختن عيسى ﵇ أيضًا كما هو مصرح به في الآية الحادية والعشرين من الباب الثاني من إنجيل لوقا، وفي المسيحيين إلى هذا الحين صلاة معينة يؤدونها في يوم ختان عيسى ﵇ تذكرة لهذا اليوم، وكان هذا الحكم باقيًا إلى عروج عيسى ﵇، وما نسخ بل نسخه الحواريون في عهدهم كما هو مشروح في الباب الخامس عشر من أعمال الحواريين، وستعرف في المثال الثالث عشر أيضًا، ويشدد مقدسهم بولس في نسخ هذا الحكم تشديدًا بليغًا في الباب الخامس من رسالته إلى أهل غلاطية هكذا: "وها أنا بولس أقول لكم إنكم إن اختتنتم لن ينفعكم المسيح بشيء ٣ لأني أشهد أن كل مختون ملزم بإقامة جميع أعمال الناموس ٤ إنكم إن تزكيتم بالناموس فلا فائدة لكم من المسيح وسقطتم عن نيل النعمة ٦ فإن الختانة لا منفعة لها في المسيح ولا للقلفة بل
[ ٣ / ٦٥٩ ]
(الحادي عشر)
(الثاني عشر)
(الثالث عشر)
الإيمان الذي يعمل بالمحبة" والآية الخامسة عشرة من الباب السادس من الرسالة المذكورة هكذا: "لا منفعة للختان في المسيح عيسى ولا للقلفة بل الخلق الجديد".
(الحادي عشر) أحكام الذبائح كانت كثيرة وأبدية في شريعة موسى وقد نسخت كلها في الشريعة العيسوية.
(الثاني عشر) الأحكام الكثيرة المختصة بآل هارون من الكهانة واللباس وقت الحضور للخدمة وغيرها كانت أبدية وقد نسخت كلها في الشريعة العيسوية.
(الثالث عشر) نسخ الحواريون بعد المشاورة التامة جميع الأحكام العملية للتوراة إلا أربعة: ذبيحة الصنم، والدم، والمخنوق، والزنا فأبقَوْا حرمتها وأرسلوا كتابًا إلى الكنائس، وهو منقول في الباب الخامس عشر من أعمال الحواريين وبعض آياته هكذا: ٢٤ " ثم إنا قد سمعنا أن نفرًا من الذين خرجوا من عندنا يضطربونكم بكلامهم ويزعجون أنفسكم ويقولون إنه يجب عليكم أن تختتنوا وتحافظوا على الناموس، ونحن لم نأمرهم بذلك ٢٨ لأنه قد حسن للروح القدس ولنا أن لا نحملكم غير هذه الأشياء الضرورية ٢٩ وهي أن تجتنبوا من قرابين الأوثان والدم والمخنوق والزنا التي إن تجنبتم عنها فقد
[ ٣ / ٦٦٠ ]
(الرابع عشر)
أحسنتم والسلام" وإنما أبقوا حرمة هذه الأربعة لئلا يتنفر اليهود الذين دخلوا في الملة المسيحية عن قريب، وكانوا يحبون أحكام التوراة ورسومها تنفرًا تامًا، ثم لما رأى مقدسهم بولس بعد هذا الزمان أن هذه الرعاية ليست بضرورية نسخ حرمة الثلاثة الأولى بفتوى الإباحة العامة التي مر نقلها في المثال السابع، وعليه اتفاق جمهور البروتستنت، فما بقي من أحكام التوراة العملية إلا الزنا ولما لم يكن فيه حد في الشريعة العيسوية، فهو منسوخ من هذا الوجه أيضًا فقد حصل الفراغ في هذه الشريعة من نسخ جميع الأحكام العملية التي كانت في الشريعة الموسوية أبدية كانت أو غير أبدية.
(الرابع عشر) في الباب الثاني من رسالة بولس إلى أهل غلاطية ٣٠ "وصلبت مع المسيح وأنا الآن حي لكني أنا لست بحي بل إن المسيح هو الحي فيَّ، وما نلت الآن من الحياة الجسمانية فهو متعلق بالإيمان بابن الله الذي أحبني وجعل نفسه فدية لأجلي" ٢١ "وأنا لا أبطل نعمة الله لأنه إن كانت العدالة بالناموس فقد مات المسيح عبثًا" قال داكتر همند في ذيل شرح الآية العشرين: "خلصني ببذل روحه لأجلي عن شريعة موسى"، وقال في شرح الآية الحادية والعشرين: "استعمل هذا العتق لأجل ذلك ولا أعتمد في النجاة على شريعة موسى ولا أفهم أن أحكام موسى ضرورية لأنه يجعل إنجيل المسيح كأنه بلا فائدة".
[ ٣ / ٦٦١ ]
(الخامس عشر)
(السادس عشر)
وقال داكتر وت بي في ذيل شرح الآية الحادية والعشرين: "ولو كان كذا فاشترى النجاة بموته ما كان ضروريًا وما كان في موته حس مّا" وقال يايل "لو كان شريعة اليهود تعصمنا وتنجينا فأية ضرورة كانت لموت المسيح، ولو كانت الشريعة جزءًا لنجاتنا فلا يكون موت المسيح لها كافيًا" فهذه الأقوال كلها ناطقة بحصول الفراغ من شريعة موسى ونسخها.
(الخامس عشر) في الباب الثالث من الرسالة المذكورة هكذا: "جميع ذوي أعمال الشريعة ملعونون لا يتزكى أحدٌ عند الله بالناس فإن الناموس لا يتعلق بالإيمان وإن المسيح قد افتدانا من لعنة الناموس لما صار لأجلنا لعنة" انتهى ملخصًا، قال لارد في الصفحة ٤٧٨ من المجلد التاسع من تفسيره بعد نقل هذه الآيات: "الظن أن مراد الحواري ههنا المعنى الذي يعلمه كثير يعني نسخت الشريعة أو صارت بلا فائدة بموت المسيح وصلبه" ثم قال في الصفحة ٤٨٧ من المجلد المذكور: "بين الحواري صراحة في هذه المواضع أن منسوخية أحكام الشريعة الرسومية نتيجة موت عيسى".
(السادس عشر) في الباب الثالث المذكور هكذا ٢٣: "وقد حصرنا قبل إتيان الإيمان بالناموس وقيدنا في انتظار الإيمان المزمع بالظهور" ٢٤ "فكان الناموس مؤدبنا الذي يهدينا إلى المسيح لنتزكى بالإيمان" ٢٥ "ولما جاء الإيمان لم
[ ٣ / ٦٦٢ ]
(السابع عشر)
(الثامن عشر)
(التاسع عشر)
نبق تحت المؤدب" فصرح مقدسهم "أنه لا طاعة لأحكام التوراة بعد الإيمان بعيسى ﵇". في تفسير دوالي ورجرد مينت قول دين استان هوب هكذا: "نسخ رسومات الشريعة بموت عيسى وشيوع إنجيله".
(السابع عشر) في الآية الخامسة عشرة من الباب الثاني من رسالة بولس إلى أهل افسس هكذا: "وأبطل بجسده العداوة أعني ناموس أحكام السنن".
(الثامن عشر) الآية الثانية عشرة من الباب السابع من الرسالة العبرانية هكذا: "لأن الكهانة لما بدلت بدل الناموس أيضًا بالضرورة" ففي هذه الآية إثبات التلازم بين تبدل الإمامة وتبدل الشريعة فإن قال المسلمون أيضًا نظرًا إلى هذا التلازم بنسخ الشريعة العيسوية فهم مصيبون في قولهم لا مخطئون، في تفسير دوالي ورجرد مينت ذيل شرح هذه الآية قول داكتر سيكنائت هكذا: "بدلت الشريعة قطعًا بالنسبة إلى أحكام الذبائح والطهارة وغيرها" يعني رفعت.
(التاسع عشر) الآية الثامنة عشرة من الباب السابع المذكور هكذا: "لأن نسخما تقدم من الحكم قد عرض لما فيه من الضعف وعدم الفائدة".
[ ٣ / ٦٦٣ ]
(العشرون)
(الحادي والعشرون)
ففي هذه الآية تصريح بأن نسخ أحكام التوراة لأجل أنها كانت ضعيفة بلا فائدة في تفسير هنري واسكات: "رفعت الشريعة والكهانة اللتان لا يحصل منهما التكميل، وقام كاهن وعفو جديد يكمل منهما المصدقون الصادقون".
(العشرون) في الباب الثامن من العبرانية: "فلو كان العهد الأول غير معترض عليه لم يوجد للثاني موضع ١٣ فبقوله عهدًا جديدًا صيّر الأول عتيقًا والشيء العتيق والبالي قريب من الفناء" ففي هذا القول تصريح بأن أحكام التوراة كانت معيبة وقابلة للنسخ لكونها عتيقة بالية، في تفسير دوالي ورجرد مينت في ذيل شرح الآية الثالثة عشرة قول يايل هكذا: "هذا ظاهر جدًا أن الله تعالى يريد أن ينسخ العتيق الأنقص بالرسالة الجديدة الحسنى، فلذلك يرفع المذهب الرسومي اليهودي ويقوم المذهب المسيحي مقامه".
(الحادي والعشرون) في الآية التاسعة من الباب العاشر من العبرانية "فينسخ الأول حق يثبت الثاني" في تفسير دوالي ورجرد مينت في شرح الآية الثامنة والتاسعة قول يايل هكذا: "استدل الحواري في هاتين الآيتين وفيهما إشعار بكون ذبائح اليهود غير كافية ولذا تحمل المسيح على نفسه الموت ليجبر نقصانها، ونسخ بفعل أحدهما استعمال الآخر".
[ ٣ / ٦٦٤ ]
فظهر على اللبيب من الأمثلة المذكورة أمور (الأول) نسخ بعض الأحكام في الشريعة اللاحقة ليس بمختص بشريعتنا بل وجد في الشرائع السابقة أيضًا (والثاني) أن الأحكام العملية للتوراة كلها أبدية كانت أو غير أبدية نسخت في الشريعة العيسوية (والثالث) أن لفظ النسخ أيضًا موجود في كلام مقدسهم بالنسبة إلى التوراة وأحكامها (والرابع) أن مقدسهم أثبت الملازمة بين تبدل الإمامة وتبدل الشريعة (والخامس) أن مقدسهم يدعي أن الشيء العتيق البالي قريب من الفناء، فأقول لما كانت الشريعة العيسوية بالنسبة إلى الشريعة المحمدية عتيقة فلا استبعاد في نسخها بل هو ضروري على وفق الأمر الرابع، وقد عرفت في المثال الثامن عشر والسادس أن مقدسهم ومفسريهم استعملوا ألفاظًا غير ملائمة بالنسبة إلى التوراة وأحكامها مع أنهم معترفون أنها كلام الله (السابع) أنه لا إشكال في نسخ أحكام التوراة بالمعنى المصطلح عندنا إلا في الأحكام التي صرح فيها أنها أبدية أو يجب رعايتها دائمًا طبقة بعد طبقة، لكن هذا الإشكال لا يرد علينا لأنا لا نسلم أولًا أن هذه التوراة هي التوراة المنزلة أو تصنيف موسى كما علم في الباب الأول، ولا نسلم ثانيًا أنها غير مصونة عن التحريف كما عرفت مبرهنًا في الباب الثاني،.
[ ٣ / ٦٦٥ ]
ونقول ثالثًا إلزامًا بأن الله قد يظهر له بدأ وندامة عما أمر أو فعل فيرجع عنه وكذلك يعد وَعْدًا دائميًا ثم يخلف وعده، وهذا الأمر الثالث أقوله إلزامًا فقط لأنه يفهم من كتب العهد العتيق هكذا من مواضع كما ستعرف عن قريب، وإني وجميع علماء أهل السنة بريئون ومتبرؤن عن هذه العقيدة الفاسدة، نعم يرد هذا الإشكال عن المسيحيين الذين يعترفون بأن هذه التوراة كلام الله ومن تصنيف موسى ولم تحرف، والندامة والبدء محالان في حق الله والتأويل الذي يذكرونه في الألفاظ المذكورة
بعيد عن الإنصاف وركيك جدًا بهذه الألفاظ في كل شيء يكون بالمعنى الذي يناسبه، مثلًا إذا قيل لشخص معين إنه دائمًا يكون كذا فلا يكون المراد بالدوام ههنا إلا المدة الممتدة إلى آخر عمره لأنا نعلم بديهة أنه لا يبقى إلى فناء العالم، وقيام القيامة، وإذا قيل لقوم عظيم يبقى إلى فناء العالم ولو تبدلت أشخاصه في كل طبقة بعد طبقة أنهم لا بد أن يفعلوا كذا دائمًا طبقة بعد طبقة أو إلى الأبد أو إلى آخر الدهر فيفهم منه الدوام إلى فناء العالم بلا شبهة، وقياس أحدهما على الآخر مستبعد جدًا، ولذلك علماء اليهود يستبعدون تأويلهم سلفًا وخلفًا وينسبون الاعتساف والغواية إليهم.
[ ٣ / ٦٦٦ ]
(الأول)
(و
(الأول) أن الله أمر إبراهيم ﵇ بذبح إسحاق ﵇ ثم نسخ هذا الحكم قبل العمل كما هو مصرح به في الباب الثاني والعشرين من سفر التكوين
(الثاني) أنه نقل قول نبي من الأنبياء في حق عالي الكاهن في الباب الثاني من سفر صموئيل الأول هكذا: ٣٠ "فالله إله إسرائيل يقول: إني قلت إن بيتك وبيت أبيك يخدمون بين يدي دائمًا لكن يقول الله الآن حاشا لي لا يكون الأمر كذلك بل أكرم من يكرمني ومن يحقرني يصير ذليلًا ٣٤ وأنا أقيم لنفسي كاهنًا متدينًا الخ" فكان وعد الله أن منصب الكهانة يبقى في بيت عالي الكاهن وبيت ابنه، ثم أخلف وعده ونسخه وأقام كاهنًا آخر، في تفسير دوالي ورجردمينت قول الفاضل باترك هكذا: "ينسخ الله ههنا حكمًا كان وعده وأقرّ به بأن رئيس الكهنة يكون منكم إلى الأبد، أعطى
[ ٣ / ٦٦٧ ]
هذا المنصب لعازار الولد الأكبر لهارون، ثم اعطى تامار الولد الأصغر لهارون ثم انتقل الآن بسبب ذنب أولاد عالي الكاهن إلى أولاد العازار" فوقع الخلف في وعد الله مرتين إلى زمان بقاء الشريعة الموسوية، وأما الخلف الذي وقع في هذا الباب عند ظهور الشريعة العيسوية مرة ثالثة فهذا لم يبق أثر ما لهذا المنصب لا في أولاد العازار، ولا في أولاد تامارا، الوعد الذي كان للعازار مُصرَّحٌ به في الباب الخامس والعشرين من سفر العدد هكذا: "إني قد وهبت له ميثاقي بالسلام فيكون له ميثاق الحبورة والخلفة من بعده إلى الدهر" ولا يتحير الناظر من خُلف وعد الله على مذاق أهل الكتاب، لأن كتب العهد العتيق ناطقة به، وبأن الله يفعل أمرًا ثم يندم، نقل في الآية التاسعة والثلاثين من الزبور الثامن والثمانين أو التاسع والثمانين على اختلاف التراجم قول داود ﵇ في خطاب الله ﷿ هكذا: "نقضت عهد عبدك
[ ٣ / ٦٦٨ ]
وبخست في الأرض
مقدسه" فيقول داود ﵇ "نقضت عهد عبدك" وفي الباب السادس من سفر التكوين هكذا: ٦ "فندم على عمله الإنسان على الأرض فتأسف بقلبه داخلًا ٧ وقال امحوا البشر الذي خلقته عن وجه الأرض من البشر حتى الحيوانات من الدبيب حتى طير السماء لأني نادم أني عملتهم" فالآية السادسة كلها، وهذا القول - لأني نادم أني عملتهم - يدلان على أن الله ندم وتأسف على خلقه الإنسان، وفي الزبور الخامس بعد المائة هكذا: ٤٤ "فنظر الرب في أحزانهم إذ سمع صوت تضرعهم ٤٥ وذكر ميثاقهم وندم لكثرة رحمته"، في الآية الحادية عشرة من الباب الخامس عشر من سفر صموئيل الأول قول الله هكذا: "ندمت على أني صيرت شاول ملكًا أنه رجع من ورائي ولم يعمل بما أمرته"، ثم في الآية الخامسة والثلاثين من الباب المذكور هكذا: "أن صموئيل حزن على شاول لأن الرب أسف على أنه ملّك شاول على إسرائيل".
[ ٣ / ٦٦٩ ]
(الثالث)
وههنا خدشة يجوز لنا أن نوردها إلزامًا فقط. وهي أنه لما ثبتت الندامة في حق الله وثبت أنه ندم على خلق الإنسان وعلى جعل شاول ملكًا فيجوز أن يكون قد ندم على إرسال المسيح ﵇، بعد ما أظهر دعوى الألوهية على ما هو زعم أهل التثليث، لأن هذه الدعوى من البشر الحادث أعظمُ جرمًا من عدم إطاعة شاول أمر الرب، وكما لم يكن الله واقفًا على أن شاول يعصي أمره فكذا يجوز أن يكون واقفًا على أن المسيح ﵇ يدعي الألوهية، وإنما قلت هذا إلزامًا فقط لأنا لا نعتقد بفضل الله ندامة الله ولا ادعاء المسيح ﵇ الألوهية، بل عندنا ساحة الألوهية وكذا ساحة نبوة المسيح ﵇ صافيتان عن قمامة هذه الكدورات والمنكرات.
(الثالث) في الباب الرابع من كتاب حزقيال هكذا ترجمة عربية سنة ١٨٤٤ [الآية] ١٠: "وطعامك الذي تأكله يكون بالوزن عشرين مثقالًا في كل يوم من وقت إلى وقت تأكله ١٢ وكخبز من شعير تأكلهُ وتلطخه بزبل يخرج من الإنسان في عيونهم ١٤ فقلت آه آه آه يا رب الإله ها هو ذا نفسي لم تتنجس، والميت والفريسة من السبع لم آكل منه منذ صباي حتى الآن ولم يدخل في فمي كل لحم نجس ١٥ فقال لي ها أعطيك زبل البقر عوض رجيع الناس وتصنع خبزك فيه" أمر الله أولًا بأن "تلطخه بزبل يخرج من الإنسان" ثم لما استغاث حزقيال ﵇ نسخ هذا الحكم قبل العمل فقال: "أعطيك زبل البقر عوض رجيع الناس".
[ ٣ / ٦٧٠ ]
(الرابع)
(الرابع) في الباب السابع عشر من سفر الأخبار هكذا: ٣ "أيما رجل من بني إسرائيل ذبح ثورًا أو خروفًا أو عنزًا في المحلة أو خارجًا عن المحلة ٤ ولا يأتي بقربانه إلى باب قبة الزمان ليقربه قربانًا للرب فليُحسب على ذلك الرجل سفْك دَم من أنه أراق دمًا ويهلك ذلك الرجل من شعبه" وفي الباب الثاني عشر من كتاب الاستثناء هكذا: ١٥ "فأما إن شئت أن تأكل وتستلذ بأكل اللحم فاذبح وكل بالبركة التي أعطاك الرب إلهك في قراك الخ ٢٠ وإذا أوسع الرب إلهك تخومك مثل ما قال لك وأردت أن تأكل اللحم ما تشتهيه نفسك ٢١ وكان بعيد المكان الذي اصطفاه الرب إلهك ليكون اسمه هناك فاذبح من البقر والغنم الذي لك كما أمرتك وكل في قراك كما تريد ٢٢ كما يؤكل من الظبي والإبل هكذا فتأكلون منها جميعًا طاهرًا كان أو غير طاهر" فنسخ حكم سفر الأخبار بحكم سفر التثنية،
[ ٣ / ٦٧١ ]
(الخامس)
قال هورن في الصفحة ٦١٩ من المجلد الأول من تفسيره بعد نقل هذه الآيات هكذا: "في هذين الموضعين تناقض في الظاهر لكن إذا لوحظ أن الشريعة الموسوية كانت تزاد وتنقص على وَفق حال بني إسرائيل وما كانت بحيث لا يمكن تبديلها فالتوجيه في غاية السهولة"، ثم قال: "نسخ موسى في السنة الأربعين من هجرتهم قبل دخول فلسطين ذلك الحكم" أي حكم سفر الأخبار "بحكم سفر الاستثناء نسخًا صريحًا، وأمر أنه يجوز لهم بعد دخول فلسطين أن يذبحوا البقر والغنم في أي موضع شاؤوا ويأكلوا" انتهى ملخصًا، فاعترف بنسخ الحكم المذكور وأن الشريعة الموسوية كانت تزاد وتنقص على وفق حال بني إسرائيل، فالعجب من أهل الكتاب أنهم يعترضون على مثل هذه الزيادة والنقصان في شريعة أخرى ويقولون إنه مستلزم لجهل الله.
(الخامس) في الآية ٣ و٢٣ و٣٠ و٣٥ و٣٩ و٤٣ و٤٦ من الباب الرابع من سفر العدد أن خدام قبة العهد لا بد أن لا يكونوا أنقص من ثلاثين وأزيد من خمسين، وفي الآية ٢٤ و٢٥ من الباب الثامن من السفر المذكور أن لا يكونوا أنقص
[ ٣ / ٦٧٢ ]
(السادس)
(السابع)
من خمس وعشرين وأزيد من خمسين.
(السادس) في الباب الرابع من سفر الأخبار أن فداء خطأ الجماعة ثورٌ واحد، وفي الباب الخامس عشر من سفر العدد أنه لا بد أن يكون ثورًا مع لوازمه وَجَدْيًا فنسخ الأول.
(السابع) يعلم أمر الله من الباب السادس من سفر التكوين أن يدخل في الفُلك اثنان اثنان من كل جنس الحيوانات طيرًا كان أو بهيمة مع نوح ﵇، ويعلم من الباب السابع من السفر المذكور أن يدخل سبع سبع ذكر وأنثى من البهائم الطاهرة، ومن الطيور مطلقًا ومن البهائم الغير الطاهرة اثنان اثنان، ثم يعلم من الباب المذكور أنه دخل من كل جنس اثنان اثنان، فنسخ هذا الحكم مرتين.
[ ٣ / ٦٧٣ ]
(الثامن)
(التاسع)
(الثامن) في الباب العشرين من سفر الملوك هكذا: "وفي تلك الأيام مرض حزقيا وأشرف على الموت، وأتاه أشعياء النبي ابن عاموص، وقال له هكذا يقول الرب الإله أوص على بيتك لأنك ميت وغير حي ٢ فأقبل حزقيا بوجهه إلى الحائط وصلى أمام الرب وقال ٣ يا رب اذكر أني سرت بين يديك بالعدل والقلب السليم وعملت الحسنات أمامك وبكى حزقيا بكاء" شديدًا ٤ "فلما خرج أشعياء أوحى إليه الرب قبل أن يصل إلى وسط الدار وقال ٥ ارجع إلى حزقيا مدبر شعبي، وقل له هكذا يقول الرب إله داود أبيك: قد سمعت صلاتك ورأيت دموعك، وها أنا أشفيك سريعًا حتى إذا كان في اليوم الثالث تصعد إلى بيت الرب ٦ وأزيد على عمرك خمس عشرة سنة" الخ فأمر الله حزقيا على لسان أشعياء بأن أوص على بيتك لأنك ميت، ثم نسخ هذا الحكم قبل أن يصل أشعياء إلى وسط الدار بعد تبليغ الحكم، وزاد على عمره خمس عشرة سنة.
(التاسع) في الباب العاشر من إنجيل متى هكذا: "هؤلاء الاثني عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلًا إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا ٦، ولكن انطلقوا خاصة إلى الخراف التي هلكت من بني إسرائيل" وفي الباب الخامس عشر من إنجيل متى قول المسيح ﵇ في حقه هكذا: "لم أُرْسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة"
[ ٣ / ٦٧٤ ]
(العاشر)
(الحادي عشر)
فعلى وفق هذه الآيات كان عيسى ﵇ يخصص رسالته إلى بني إسرائيل، ونقل قوله في الآية الخامسة عشرة من الباب السادس عشر من إنجيل مرقس هكذا: "اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها" فالحكم الأول منسوخ.
(العاشر) في الباب الثالث والعشرين من إنجيل متى هكذا: ١ "حينئذ خاطب يسوع الجموع وتلاميذه ٢ قائلًا جلس الكتبة والفريسيون على كرسي موسى ٣ فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه" فحكم بأن كل ما قالوا لكم فافعلوه، ولا شك أنهم يقولون بحفظ جميع الأحكام العملية للتوراة سيما الأبدية على زعمهم وكلها منسوخة في الشريعة العيسوية كما علمت مفصلة في أمثلة القسم الأول، فهذا الحكم منسوخ ألبتة، والعجب من علماء البروتستنت أنهم يوردون في رسائلهم هذه الآيات تغليطًا لعوام أهل الإسلام مستدلين بها على بطلان النسخ في التوراة، فيلزم أن يكونوا واجبي القتل لأنهم لا يعظمون السبت، وناقض تعظيمه على حكم التوراة واجب القتل، كما عرفت في المثال التاسع من أمثلة القسم الأول.
(الحادي عشر) قد عرفت في المثال الثالث عشر أن الحواريين بعد المشاورة نسخوا جميع أحكام التوراة العملية غير الأربعة ثم نسخ بولس حرمة الثلاثة منها.
[ ٣ / ٦٧٥ ]
(الثاني عشر)
(الثاني عشر) في الآية السادسة والخمسين من الباب التاسع من إنجيل لوقا قول المسيح ﵇ هكذا: "إن ابن الإنسان لم يأت ليهلك أنفس الناس بل ليخلص" ومثله في إنجيل يوحنا في الآية السابعة عشرة من الباب الثالث، وفي الآية السابعة والأربعين من الباب الثاني عشر، ووقع في الآية الثامنة من الباب الثاني من الرسالة الثانية إلى أهل تسالو نبقي هكذا: "وحينئذ سيستعلن الأثيم الذي الرب يبيده بنفخة فمه ويبطله بظهوره" فالقول الثاني ناسخ للأول، وقد علم من هذه الأمثلة الأربعة الأخيرة أعني من التاسع إلى الاثني عشر أن نسخ أحكام الإنجيل واقع بالفعل فضلًا عن الإمكان حيث نسخ عيسى ﵇ بعض حكمه بحكمه الآخر، ونسخ الحواريون بعض أحكامه بأحكامهم، ونسخ بولس بعض أحكام الحواريون، بل بعض قول عيسى ﵇ بأحكامه وقوله، وظهر لك أن ما نقل عن المسيح ﵇ في الآية الخامسة والثلاثين من الباب الرابع والعشرين من إنجيل متى، والآية الثالثة والثلاثين من الباب الحادي والعشرين من إنجيل لوقا ليس المراد به أن قولًا من أقوالي وحكمًا
[ ٣ / ٦٧٦ ]
من أحكامي لا ينسخ وألا يلزم تكذيب إنجيلهم، بل المراد بقوله كلامي هو الكلام المعهود الذي أخبر به عن الحادثات التي تقع بعده، وهي مذكورة قبل هذا القول في الإنجيلين، فالإضافة في قوله كلامي للعهد لا للاستغراق، وحمل مفسروهم أيضًا هذا القول على ما قلت في تفسير دوالي ورجرد مينت في ذيل شرح عبارة إنجيل متى هكذا: "قال القسيس بيروس: مراده أنه تقع الأمور التي أخبرت بها يقينًا، دين استاين هوب: إن السماء والأرض وإن كانتا غير قابلتين للتبديل بالنسبة إلى الأشياء الأخر لكنهما ليستا بمحكمتين مثل أحكام إخباري بالأمور التي أخبرت بها، فتلك كلها تزول وإخباري بالأمور التي أخبرت بها لا تزول، بل القول
الذي قلته الآن لا يتجاوز شيء منه عن مطلبه" فالاستدلال بهذا القول ضعيف جدًا، والقول المذكور هكذا: "السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول".
وإذا عرفت أمثلة القسمين ما بقي لك شك من وقوع النسخ بكلا قسميه في الشريعة الموسوية والعيسوية، وظهر أن ما يدعيه أهل الكتاب من امتناع النسخ باطل لا ريب فيه، كيف لا وإن المصالح قد تختلف باختلاف الزمان والمكان
[ ٣ / ٦٧٧ ]
والمكلفين فبعض الأحكام يكون مقدورًا للمكلفين في بعض الأوقات ولا يكون مقدورًا في بعض آخر، ويكون البعض مناسبًا لبعض المكلفين دون بعض، ألا ترى أن المسيح ﵇ قال مخاطبًا للحواريين: "إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم لا تستطيعون الآن أن تحتملوا، وأما متى جاء ذاك، روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق" كما هو مصرح به في الباب السادس عشر من إنجيل يوحنا، وقال للأبرص الذي شفاه: لا تخبر عن هذه الحال أحدًا، كما هو مصرح به في الباب الثامن من إنجيل متى، وقال للأعميين اللذين فتح أعينهما: لا تخبرا أحدًا عن هذا الحال، كما هو مصرح به في الباب التاسع من إنجيل متى، وقال لأبوي الصبية التي أحياها لا تخبرا أحدًا عما كان، كما هو مصرح به في الباب الثامن من إنجيل لوقا، وأمر الذي أخرج الشياطين منه بأن ارجع إلى بيتك وأخبر بما صنع الله بك، كما هو مصرح به في الباب المذكور، وقد علمت في المثال السادس والثالث عشر من أمثلة القسم الأول، وفي المثال الرابع من أمثلة القسم الثاني ما يناسب هذا المقام، وكذلك ما أمر بنو إسرائيل بالجهاد على الكفار ما داموا في مصر وأمروا بعد ما خرجوا.
[وقال المعلم ميخائيل مشاقة في الفصل الثالث من القسم الثاني من كتابه
[ ٣ / ٦٧٨ ]
المسمّى بـ (أجوبة الإنجيليّين على أباطيل التقليديّين) المطبوع سنة ٨٥٢ م في بيروت في الصفحة ٧١ و٧٢: "إن الشريعة الموسوية ثلاثة أقسام وهي: الشريعة الأدبيّة، والشريعة الطقسيّة، والشريعة السياسيّة، فالشريعة الأدبيّة ينحصر ملخّصها في وصايا الله العشر، ولا يُعفى أحد من حفظها، وهي الناموس الذي أشار إليه السيد المسيح بقوله: "ما جئت لأجل نقْضِ الناموس بل لأكمّل وإنّ السماء والأرض تزولان وحرف واحد من الناموس لا يتغيّر حتى يكون كلّه"، والدليل على ذلك هو أنّ السيد المسيح بعد قوله هذا أخذ يفسر لهم الوصايا ويكمّلها بقوله: قيل للأولين: لا تقتل، وأنا أقول لكم: من غضب على أخيه فقد وجبت عليه الدينونة، وقيل للأوّلين: لاتزن، وأنا أقول لكم: من نظر إلى امرأة إلى أن يشتهيها فقد زني بها في قلبه، وإنّه قيل للأولين: لا تحنث في يمينك، وأنا أقول لكم لا تحلفوا البتة وليكن كلامكم (نعم. نعم) و(لا. لا)، وأما الشريعتان الأخريان فلم يعلم بهما بل حلّهما بتّة بمنعه الطلاق وعدم إجازته رجم الزانية، مع أشياء كثيرة كتب الرسلُ في حلّها كالختانة وتمييز المطاعم إلى غير ذلك من الأمور الطقسيّة والسياسيّة، فالشريعة الطقسيّة تتعلّق بكيفيّة إجراء الطقوس وتقْدمة القرابين في الهيكل، وقد بطلت حين خرابه، وهي خاصّة باليهود إذْ كان الهيكل عامرًا، وأمّا
[ ٣ / ٦٧٩ ]
الشريعة السياسيّة فهي تتعلّق بالأحكام الزمنيّة -كتوزيع المواريث وبيع العقارات وقصاص الجنايات- وكانت خاصّة بدولة اليهود، فعندما زال حكمهم لم يبقوا ملتزمين بحفظها، وبالجملة: إنّ أحكام الشريعتين الطقسيّة والسياسية لا يلتزم بها المسيحيون؛ لأنّها كانت خاصّة باليهود مدة حكمهم وعمارة الهيكل فزالتا بزوالهما" انتهى كلامه بعبارته.
وعلم من كلامه أمران:
الأوّل: أنّ المراد بالناموس في قول المسيح المنقول في الباب الخامس من إنجيل متّى: الأحكام العشرة فقط، وهي عبارة عن الشريعة الأدبية وهو الحق.
والثاني: أنّ المسيح أبقى الشريعة الأدبية فقط وكمّلها، ونسخ وأبطل يقينا الشريعتيْن الباقيتيْن اللتيْن هما عبارتان من غير الأحكام العشرة.
وأقول: إنّ حكم السبت من هذه الأحكام العشرة أيضًا منسوخ في الشريعة العيسوية، فحصل لهم الفراغ عن جميع أحكام التوراة ما عدا الأحكام التسعة، وهذه الأحكام التسعة باقية في الشريعة المحمّدية أيضًا، فلا يلزم علينا اعتراض مّا بالنسبة إلى نسخ أحكام التوراة، وظهر أنّ تمسّك بعض القسيسين بقول المسيح المذكور على عدم نسخ أحكام التوراة فهو ناشيء عن جهله أو تغليطه وعدم ديانته] .
[ ٣ / ٦٨٠ ]