الباب الخامس: في إثبات كون القرآن كلام الله ومعجزًا ورفع شبهات القسيسين وضممت إلى مبحث القرآن مبحث إثبات صحة الأحاديث النبوية المروية في كتب الصحاح من كتب: أهل السنة والجماعة.
وجعلت هذا الباب مشتملًا على أربعة فصول:
[ ٣ / ٧٧٣ ]
(الأمر الأول)
الفصل الأول: الأمور التي تدل على أن القرآن كلام الله
في اثبات أن القرآن كلام الله
الأمور التي تدل على أن القرآن كلام الله كثيرة، أكتفي منها على اثني عشر أمرًا على عدد حواري المسيح وأترك الباقي، مثل أن يقال إن الخائب المخالف وقت بيان أمر من الأمور الدنيوية والدينية أيضًا يكون ملحوظًا في القرآن، وأن بيان كل شيء ترغيبًا كان أو ترهيبًا رأفة كان أو عتابًا يكون على درجة الاعتدال لا بالإفراط ولا بالتفريط، وهذان الأمران لا يوجدان في كلام الإنسان لأنه يتكلم في بيان كل حال بما يناسب ذلك الحال، فلا يلاحظ في العتاب حال الذين هم قابلون للرأفة وبالعكس، ولا يلاحظ عند ذكر الدنيا حال الآخرة وبالعكس. ويقول في الغضب زائدًا على الخطأ وهكذا أمور أخر.
(الأمر الأول): كونه في الدرجة العالية من البلاغة التي لم يعهد مثلها في تراكيبهم وتقاصرت عنها درجات بلاغتهم، وهي عبارة عن التعبير باللفظ المعجب عن المعنى المناسب للمقام الذي أورد فيه الكلام، بلا زيادة ولا نقصان في البيان، والدلالة عليه، وعلى هذا كلما ازداد شرف الألفاظ ورونق المعاني ومطابقة الدلالة كان الكلام أبلغ وتدل على كونه في هذه الدرجة وجوه:
(أولها) أن فصاحة العرب أكثرها في وصف المشاهدات مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة. وكذا فصاحة العجم سواء كانوا شاعرين أو كاتبين أكثرها في أمثال هذه
[ ٣ / ٧٧٥ ]
الأشياء. ودائرة الفصاحة والبلاغة فيها متسعة جدًا لأن طبائع أكثر الناس تكون مائلة إليها. وظهر من الزمان القديم في كل وقت وفي كل إقليم من شاعر أو كاتب مضمون جديد ونكتة لطيفة في بيان لشيء من هذه الأشياء المذكورة ويكون المتأخر المتتبع واقفاُ على تدقيقات المتقدم غالبًا. فلو كان الرجل سليم الذهن وتوجه إلى تحصيل ملكة في وصفها يحصل له بعد الممارسة والاشتغال ملكة البيان في وصف شيء من هذه الأشياء على قدر سلامة فكره وجودة ذهنه، وليس القرآن في بيان خصوص هذه الأشياء فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتفقت عليها العرب في كلامهم.
(ثانيها) أنه تعالى راعى فيه طريقة الصدق وتنزه عن الكذب في جميعه، وكل شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نزل شعره ولم يكن جيدًا، ولذلك قيل أحسن الشعر أكذبه. وترى أن لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت ﵄ لما أسلما نزل شعرهما ولم يكن شعرهما الإسلامي كشعرهما الجاهلي، والقرآن جاء فصيحًا مع التنزه عن الكذب والمجازفة.
(ثالثها) أن الكلام الفصيح إنما يتفق في القصيدة في البيت والبيتين والباقي لا يكون كذلك، بخلاف القرآن فإنه مع طوله فصيح كله،
[ ٣ / ٧٧٦ ]
بحيث يعجز الخلق عنه. ومن تأمل في قصة يوسف ﵇ عرف أنها مع طولها وقعت على الدرجة العالية من البلاغة.
(رابعها) أن الشاعر أو الكاتب إذا كرر مضمونًا أو قصة لا يكون كلامه الثاني مثل الأول، وقد تكررت قصص الأنبياء وأحوال المبدأ والمعاد والأحكام والصفات الإلهية، واختلفت العبارات إيجازًا وإطنابًا وتفننًا في بيانها غيبة وخطابًا، ومع ذلك كل واحد منها في نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلًا.
(خامسها) أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحث على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة، وأمثال هذه الأمور توجب تقليل الفصاحة. ولذلك إذا قيل لشاعر فصيح أو كاتب بليغ أن يكتب تسع أو عشر من مسائل الفقه أو العقائد في عبارة فصيحة مشتملة على التشبيهات البليغة والاستعارات الدقيقة يعجز.
(سادسها) أن كل شاعر يحسن كلامه في فن فإنه يضعف كلامه في غير ذلك الفن، كما قالوا في شعراء العرب: إن شعر امرئ القيس يحسن
[ ٣ / ٧٧٧ ]
عند الطرب وذكر النساء وصفة الخيل، وشعر النابغة عند الخوف وشعر الأعشى عند الطلب ووصف الخمر وشعر زهير عند الرغبة والرجاء. وقالوا في شعراء فارس إن النظامي والفردوسي وحيدان في بيان
[ ٣ / ٧٧٨ ]
الحرب، والسعدي فريد في الغزل، والأنوري في القصائد.. والقرآن جاء فصيحًا على غاية الفصاحة في كل فن ترغيبًا كان أو ترهيبًا، زجرًا كان أو وعظًا أو غيرهما. (وأورد ههنا بطريق الأنموذج من كل فن آية آية) ففي الترغيب قوله ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ وفي الترهيب قوله ﴿وخاب كل جبار عنيد. من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد. يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت. ومن ورائه عذاب غليظ﴾ .
[ ٣ / ٧٧٩ ]
وفي الزجر والتوبيخ قوله ﴿فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبًا. ومنهم من أخذته الصيحة. ومنهم من خسفنا به الأرض. ومنهم من أغرقنا. وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ وفي الوعظ قوله ﴿أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغني عنهم ما كانوا يمتعون﴾ وفي الإلهيات قوله ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار. عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال﴾ .
(سابعها) الأغلب أنه إذا انتقل الكلام من مضمون إلى مضمون آخر، واشتمل على بيان أشياء مختلفة لا يبقى حسن ربط الكلام ويسقط عن الدرجة العالية للبلاغة. والقرآن يوجد فيه الانتقال من قصة إلى قصة إلى قصة أخرى، والخروج من باب إلى باب، والاشتمال على أمر ونهي، وخبر واستخبار، ووعد وعيد، وإثبات النبوة، وتوحيد الذات، وتفريد الصفات، وترغيب وترهيب، وضرب مثال، وبيان حال. ومع ذلك يوجد فيه كمال الربط والدرجة العالية للبلاغة الخارجة عن العادة فتحير فيها عقول بلغاء العرب.
(ثامنها) أن القرآن في أغلب المواضع يأتي بلفظ يسير متضمن لمعنى كثير ويكون اللفظ أعذب، ومن تأمل في سورة (ص) علم ما قلت كيف صدرها وجمع فيها من أخبار الكفار وخلافهم وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم ومن تكذيبهم لمحمد ﷺ، وتعجبهم مما أتى به، والخبر
[ ٣ / ٧٨٠ ]
عن إجماع ملئهم على الكفر، وظهور الحسد في كلامهم، وتعجيزهم وتحقيرهم ووعيدهم بخزي الدنيا والآخرة، وتكذيب الأمم قبلهم وإهلاك الله لهم، ووعيد قريش وأمثالهم مثل مصابهم. وحمل النبي على الصبر على أذاهم وتسليته في قصص الأنبياء مثل داود وسليمان وأيوب وإبراهيم ويعقوب وغيرهم ﵈. وكل هذا الذي ذكر من أولها إلى آخرها في ألفاظ يسيرة متضمنة لمعان كثيرة، وكذلك قوله تعالى ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ فإن هذا القول لفظه يسير ومعناه كثير. ومع كونه بليغًا مشتملًا على المطابقة بين المعنيين المتقابلين وهما القصاص والحياة. وعلى الغرابة، بجعل القتل الذي هو مفوت للحياة ظرفًا لها وأولى من جميع الأقوال المشهورة عند العرب في هذا الباب، لأنهم عبروا عن هذا المعنى بقولهم: (قتل البعض إحياء الجميع) وقولهم: (أكثروا القتل ليقل القتل) وقولهم: (القتل أنفى للقتل) . وأجود الأقوال المنقولة عن القول الأخير ولفظ القرآن أفصح منه بستة أوجه: (أحدها): أنه أخصر من الكل لأن قوله ﴿ولكم﴾ لا يدخل في هذا الباب لأنه لا بد من تقدير ذلك في الكل لأن قول القائل قتل البعض إحياء للجميع لا بد فيه من تقدير مثله وكذلك في قولهم القتل أنفى للقتل. (وثانيها): أن قولهم القتل أنفى للقتل ظاهرة يقتضي كون الشيء سببًا
[ ٣ / ٧٨١ ]
لانتفاء نفسه بخلاف لفظ القرآن فإنه يقتضي أن نوعًا من القتل وهو القصاص سبب لنوع من أنواع الحياة. (وثالثها): أن قولهم الأجود تكرير لفظ القتل بخلاف لفظ القرآن.
(ورابعها): أن قولهم الأجود لا يفيد إلا الردع عن القتل، بخلاف لفظ القرآن فإنه يفيد الردع عن القتل والجرح فهو أفيد.
(وخامسها): أن قولهم الأجود دال على ما هو المطلوب بالتبع بخلاف لفظ القرآن فإنه دال على ما هو مقصود أصلي، لأن نفي القتل مطلوب تبعًا من حيث إنه يتضمن حصول الحياة الذي هو مطلوب أصالة. (وسادسها): أن القتل ظلمًا أيضًا قتل مع أنه ليس بناف للقتل بخلاف القصاص فظاهر قولهم باطل وأما لفظ القرآن فصحيح ظاهرًا وباطنًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿مع يطع الله﴾ في فرائضه ﴿ورسوله﴾ في سننه أو في جميع ما يأمرانه وينهيانه ﴿ويخشى الله﴾ أي يخف خلافه وعقابه وحسابه ﴿ويتقه﴾ فيما بقي من عمره في جميع أمره ﴿فأولئك هم الفائزون﴾ بالمراد في المبدأ والمعاد، فإن هذا القول مع وجازة لفظه جامع لجميع الضروريات (حكي) أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يومًا نائمًا في المسجد فإذا
[ ٣ / ٧٨٢ ]
هو بقائم على رأسه يتشهد شهادة الحق فأعلمه أنه من بطارقة الروم ومن جملة من يحسن فهم الألسن من العرب وغيرها، وأنه سمع رجلًا من أسراء المسلمين يقرأ آية من كتابكم فتأملها فإذا هي جامعة لكل ما أنزل الله على عيسى بن مريم من أحوال الدنيا والآخرة، وهي قوله ﴿ومن يطع الله ورسوله﴾ الآية. وحكي أن طبيبًا نصرانيًا حاذقًا سأل الحسين بن علي الواقدي: لماذا لم
[ ٣ / ٧٨٣ ]
ينقل شيء في كتابكم عن علم الطب.. والعلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان. فقال الحسين: إن الله بين علم الطب كله في نصف آية، فسأل الطبيب النصراني عن هذه الآية. فقال: هي قوله: ﴿كلوا واشربوا﴾ ما أحل الله لكم من المطعومات والمشروبات ﴿ولا تسرفوا﴾ أي لا تتعدوا إلى الحرام ولا تكثروا الإنفاق المستقبح، ولا تناولوا مقدارًا كثيرًا يضركم ولا تحتاجون إليه.
ثم سأل الطبيب أقال نبيكم أيضًا شيئًا في هذا الأمر، فقال الحسين: إن نبينا أيضًا جمع الطب في ألفاظ يسيرة، فسأل الطبيب عنها، فقال الحسين: هي هذه: "المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته" فقال الطبيب: الإنصاف أن كتابكم ونبيكم ما تركا حاجة إلى جالينوس،
[ ٣ / ٧٨٤ ]
(الأمر الثاني)
يعني بينا الأمر الذي هو رأس حفظ الصحة وإزالة المرض وأصلهما ومضارهما.
(تاسعها): أن الجزالة والعذوبة بمنزلة الصفتين المتضادتين، واجتماعهما على ما هو ينبغي في كل جزء من الكلام الطويل خلاف العادة المعتادة للبلغاء، فاجتماعهما في كل موضع من مواضع القرآن كله دليل على كمال بلاغته وفصاحته الخارجتين عن العادة.
(عاشرها): أنه مشتمل على جميع فنون البلاغة من ضروب التأكيد وأنواع التشبيه والتمثيل، وأصناف الاستعارة وحسن المطالع والمقاطع، وحسن الفواصل، والتقديم والتأخير والفصل والوصل اللائق بالمقام، وخلوه عن اللفظ الركيك والشاذ الخارج عن القياس النافر عن الاستعمال، وغير ذلك من أنواع البلاغات. ولا يقدر أحد من البلغاء والكملاء من العرب العرباء إلا على نوع أو نوعين من الأنواع المذكورة، ولو رام غيره في كلامه لم يتأت له، وكان مقصرًا. والقرآن محتو عليها كلها فتلك عشرة كاملة، وهذه الوجوه العشرة تدل على أن القرآن في الدرجة العالية من البلاغة الخارجة عن العادة، يعرفه فصحاء العرب بسليقتهم، وعلماء الفرق بمهارتهم في فن البيان وإحاطتهم بأساليب الكلام، ومن كان أعرف بلغة العرب وفنون بلاغتها كان أعرف بإعجاز القرآن.
(الأمر الثاني): تأليفه العجيب وأسلوبه الغريب في المطالع والمقاطع والفواصل، مع اشتماله على دقائق البيان وحقائق العرفان، وحسن العبارة، ولطف الإشارة، وسلامة التركيب، وسلامة الترتيب، فتحيرت فيه عقول
[ ٣ / ٧٨٥ ]
العرب العرباء، وفهوم الفصحاء. والحكمة في هذه المخالفة أن لا يبقى لمتعسف عنيد مظنة السرقة، ويمتاز هذا الكلام عن كلامهم ويظهر تفوقه، لأن البليغ ناظمًا كان أو ناثرًا يجتهد في هذه المواضع اجتهادًا كاملًا، ويمدح ويعاب عليه غالبًا في هذه المواضع كما عيب على مطلع امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.. بسقط اللوى بين الدخول فحومل
بأن صدر البيت جمع بين عذوبة اللفظ وسهولة السبك وكثرة المعاني فإنه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل، وأن الشطر الثاني لا يوجد فيه شيء من ذلك وعيب على مطلع أبي النجم الشاعر المشهور فإنه دخل على هشام بن عبد الملك، فأنشده:
[ ٣ / ٧٨٦ ]
صفراء قد كادت ولما تفعل.. كأنها في الأفق عين الأحوال
وكان هشام أحول فأخرجه وأمر بحبسه.
وعيب على مطلع جرير، فإنه دخل على عبد الملك وقد مدحه بقصيدة حائية. أولها:
أتصحو أم فؤداك غير صاح
فقال له عبد الملك: بل فؤادك يا ابن الفاعلة.
[ ٣ / ٧٨٧ ]
وعيب على مطلع البحتري فإنه أنشد يوسف بن محمد قصيدته التي مطلعها:
لك الويل من ليل تقاصر آخره
فقال: بل لك الويل والخزي وعيب على مطلع إسحاق الموصلي الأديب الحاذق، فإنه دخل على المعتصم وقد فرغ من بناء قصره بالميدان وأنشده قصيدته التي
[ ٣ / ٧٨٨ ]
مطلعها:
يا دار غيرك البلى ومحاك * يا ليت شعري ما الذي أبلاك!!
فتطير المعتصم من هذا المطلع وأمر بهدم القصر على الفور. وهكذا قد خطئ أكثر الشعراء المشهورين في المواضع المذكورة. وأشراف العرب، مع كمال حذاقتهم في أسرار الكلام وشدة عداوتهم للإسلام، لم يجدوا في بلاغة القرآن وحسن نظمه وأسلوبه مجالًا لم يوردوا في القدح مقالًا، بل اعترفوا أنه ليس من جنس خطب الخطباء وشعر الشعراء، ونسبوه تارةً إلى
[ ٣ / ٧٨٩ ]
السحر تعجبًا من فصاحته وحسن نظمه، وقالوا تارةً إنه إفك افتراه وأساطير الأولين، وقالوا تارةً لأصحابهم وأحبابهم لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه لعلكم تغلبون. وهذه كلها دأب المحجوج المبهوت. فثبت أن القرآن معجز ببلاغته وفصاحته وحسن نظمه. وكيف يتصور أن يكون الفصحاء والبلغاء من العرب العرباء كثيرين كثرة رمال الدهناء وحصى البطحاء، ومشهورين بغاية العصبية والحمية الجاهلية، وتهالكهم على المباراة والمباهاة، والدفاع عن الأحساب. فيتركون الأمر الأسهل الذي هو الإيتان بمقدار أقصر سورة ويختارون الأشد الأصعب مثل الجلاء وبذل المهج والأرواح، ويبتلون بسبي الذراري ونهب الأموال، ومخالفهم المتحدي يقرعهم إلى مدة على رؤوس الملأ بأمثال هذه الأقوال: ﴿فأتوا بسورة من مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ .
[ ٣ / ٧٩٠ ]
﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة﴾ . ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾ .
ولو كانوا يظنون أن محمدًا ﷺ استعان بغيره، لأمكنهم أيضًا أن يستعينوا بغيرهم لأنه كأولئك المنكرين في معرفة اللغة وفي المكنة من الاستعانة، فلما لم يفعلوا ذلك وآثروا المقارعة على المعارضة والمقاتلة على المقاولة، ثبت أن بلاغة القرآن كانت مسلمة عندهم وكانوا عاجزين عن المعارضة، غاية الأمر أنهم صاروا مفترقين بين مصدق به وبمن أنزل عليه، وبين متحير في بديع بلاغته. روي أنه سمع الوليد بن المغيرة من النبي ﷺ ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ فقال: والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله
[ ٣ / ٧٩١ ]
لمغدق وإن أعلاه لمثمر ما يقول هذا بشر.. وروي أيضًا أنه لما سمع القرآن رق قلبه، فجاءه أبو جهل وكان ابن أخيه منكرًا عليه قال: والله ما منكم أحد أعلم بالأشعار مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا. وروي أيضًا أنه جمع قريشًا عند حضور الموسم وقال: إن وفود العرب ترد العرب فاجمعوا فيه رأيًا لا يكذب بعضكم بعضًا، قالوا: نقول كاهن، قال: والله ما هو بكاهن بزمزمته ولا سجعته. قالوا: مجنون، قال: ما هو بمجنون ولا بحنقه ولا وسوسته، قالوا: فنقول شاعر، قال: ما هو بشاعر
[ ٣ / ٧٩٢ ]
قد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه، وقريضه ومبسوطه ومقبوضه. قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر ولا نفثه ولا عقده، قالوا: فما نقول. قال: ما أنتم بقائلين شيئًا من هذا إلا وأنا أعرف أنه باطل وأن أقرب القول إنه ساحر. ثم قال: فإنه سحر يفرق به بين المرء وابنه، والمرء وأخيه، والمرء وزوجه، والمرء وعشيرته، فتفرقوا وجلسوا على السبل يحذرون الناس عن متابعة النبي ﷺ، فأنزل الله تعالى في الوليد: ﴿ذروني ومن خلقت وحيدًا﴾ ..الآيات.
وروي أن عتبة كلم النبي ﷺ فيما جاء به من خلاف قومه، فتلا عليه:
[ ٣ / ٧٩٣ ]
﴿حم. تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت..﴾ إلى قوله: ﴿أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾ . فأمسك عتبة بيده على فيه وناشده الرحم أن يكف، وفي رواية فجعل النبي ﷺ يقرأ وعتبة مصغ ملق بيديه خلف ظهره معتمد عليهما حتى انتهى إلى السجدة فسجد النبي ﷺ، وقام عتبة لا يدري بما يراجعه، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قومه حتى أتوه، فاعتذر لهم وقال والله لقد كلمني بكلام ما سمعت أذناي بمثله قط فما دريت ما أقول له وذكر أبو عبيدة أن أعرابيًا سمع رجلًا يقرأ
[ ٣ / ٧٩٤ ]
﴿فاصدع بما تؤمر﴾ فسجد وقال سجدت لفصاحته، وسمع رجل آخر من المشركين رجلًا من المسلمين يقرأ: ﴿فما استيأسوا منه خلصوا نجيًا﴾ فقال: أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذا الكلام.. وحكى الأصمعي أنه سمع جارية تتكلم بعبارة فصيحة وإشارة بليغة وهي خماسية أو سداسية، وهي تقول أستغفر الله من ذنوبي كلها، فقال: مم تستغفرين ولم يجر عليك قلم؟ فقالت:
أستغفر الله لذنبي كله *
[ ٣ / ٧٩٥ ]
قتلت إنسانًا بغير حله
مثل غزال ناعم في دله * انتصف الليل ولم أصله
فقال لها: قاتلك الله ما أفصحك، فقالت: أو بعد هذا فصاحة بعد قوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني. إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.. وفي حديث إسلام أبي ذر ووصف أخاه أنيسًا فقال: والله ما سمعت بأشعر من أخي أنيس لقد ناقض اثني عشر شاعرًا في الجاهلية أنا أحدهم، وأنه انطلق إلى مكة وجاءني، قلت: فما يقول الناس، قال: يقولون شاعر كاهن ساحر ثم قال: لقد سمعت ما قال الكهنة فما هو قولهم ولقد وضعته على إقراء الشعر فلم يلتئم وما يلتئم على لسان أحد بعدي إنه
[ ٣ / ٧٩٦ ]
شعر وإنه لصادق وإنهم لكاذبون. وروي في الصحيحين عن جبير بن مطعم ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون، أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون﴾ . كاد قلبي أن يطير للإسلام.
[ ٣ / ٧٩٧ ]
وقد حكي أن ابن المقفع طلب معارضة القرآن وشرع فيه فمر بصبي يقرأ: ﴿وقيل يا أرض ابلعي ماءك﴾ فرجع فمحا ما عمل وقال: أشهد أن هذا لا يعارض وما هو من كلام البشر. وكان يحيى بن حكم الغزالي بليغ الأندلس في زمنه فحكى أنه رام شيئًا من هذا فنظر في سورة الإخلاص ليأتي على أسلوبها وينظم الكلام على منوالها، قال: فاعترتني منه خشية ورقة حملتني على التوبة والإنابة.
وقال النظام من المعتزلة: إعجاز القرآن بالصرف، على معنى أن العرب
[ ٣ / ٧٩٨ ]
كانت قادرة على كلام مثل القرآن قبل مبعث النبي ﷺ، لكن الله صرفهم عن معارضته بسبب الدواعي بعد المبعث فهذا الصرف خارق للعادة فيكون معجزًا، فهو أيضًا يسلم أن القرآن معجز لأجل الصرف ومثله غير مقدور لهم بعد المبعث، وإنما نزاعه في كونه مقدور قبل المبعث وقوله غير صحيح بوجوه: (الأول): أنه لو كان كذا لعارضوا القرآن بالكلام الذي صدر عنهم قبل المبعث ويكون مثل القرآن. (والثاني): أن فصحاء العرب إنما كانوا يتعجبون من حسن نظمه وبلاغته وسلالته في جزالته، لا لعدم تأتي المعارضة مع سهولتها في نفسها. (والثالث): أنه لو قصد الإعجاز بالصرف لكان الأنسب ترك الاعتناء ببلاغته وعلو طبقته، لأن القرآن على هذا التقدير كلما كان أنزل في البلاغة، وأدخل في الركاكة، كان عدم تيسر المعارضة أبلغ في خرق العادة. (والرابع): يأباه قوله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ ..
فإن قيل: إن فصحاء العرب لما كانوا قادرين على التكلم بمثل مفردات السورة ومركباتها القصيرة، كانوا قادرين على الإتيان بمثلها (قلت) هذه الملازمة ممنوعة لأن حكم الجملة قد يخالف حكم الأجزاء، ألا ترى أن كل شعرة شعرة لا يصلح أن يربط بها الفيل أو السفينة، وإذا سوى
[ ٣ / ٧٩٩ ]
(الأمر الثالث)
من الشعرات حبل متين يصلح أن يربط بهذا الحبل الفيل أو السفينة، ولأنها لو صحت لزم أن يكون كل آحاد العرب قادر على الإتيان بمثل قصائد فصحائهم كامرئ القيس وأضرابه.
(الأمر الثالث): كون القرآن منطويًا على الإخبار عن الحوادث الآتية، فوجدت في الأيام اللاحقة على الوجه الذي أخبر.
١- كقوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون﴾ .فوقع كما أخبر، ودخل الصحابة المسجد الحرام آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين غير خائفين. ٢- وكقوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا﴾ . فكان الله وعد المؤمنين بجعل الخلفاء منهم وتمكين الدين المرضي لهم، وتبديل خوفهم بالأمن، فوفى وعده في مدة قليلة بأن ظهر في حياة الرسول ﷺ أن أهل الإسلام تسلطوا على مكة، وخيبر والبحرين، ومملكة اليمن، وأكثر ديار
[ ٣ / ٨٠٠ ]
العرب، وأن إقليم الحبش صار دار الإسلام بإيمان النجاشي الملك، وأن أناسًا من هجر وبعض المسيحيين من نواحي الشام قبلوا الإطاعة وأداء الجزية، وأن هذا التسلط زاد في خلافة الصديق الأكبر ﵁ بأن تسلط أهل الإسلام على بعض ديار فارس وعلى بصرى ودمشق، وبعض الديار الأخرى من الشام أيضًا، ثم زاد هذا التسلط في خلافة الفاروق ﵁ بأن تسلطوا على سائر ديار الشام وجميع مملكة مصر، وعلى أكثر ديار فارس أيضًا، ثم زاد هذا التسلط في خلافة ذي النورين ﵁، بأن تسلطوا
[ ٣ / ٨٠١ ]
في جانب الغرب إلى أقصى الأندلس والقيروان، وفي جانب الشرق إلى حد الصين، ففي مدة ثلاثين سنة تسلط أهل الإسلام على هذه الممالك تسلطًا تامًا، وغلب دين الله المرضي على سائر الأديان في هذه المماليك فكانوا يعبدون الله آمنين غير خائفين. وفي خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وإن لم يتسلط أهل الإسلام على الممالك الجديدة لكنه لا شبهة في ترقي الملة الإسلامية في عهده الشريف أيضًا.
٤- وكقوله تعالى: ﴿ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون﴾ . ووقع كما أخبر لأن المراد بقوم أولي بأس على أظهر الوجوه وأشهرها، بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب والداعي الصديق الأكبر رضي الله
[ ٣ / ٨٠٢ ]
عنه. ٥- وكقوله تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾ . وحال هذا القول كحال القول الثاني وسيظهر الوفاء الكامل لهذا الوعد عن قريب على ما هو المرجو إن شاء الله. وهو على كل شيء قدير. ٥- وكقوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا. ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزًا حكيمًا. وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم. ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطًا مستقيمًا. وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء
[ ٣ / ٨٠٣ ]
قديرًا﴾ . والمراد بالفتح القريب فتح خيبر، وبالمغانم الكثيرة في الموضع الأول مغانم خيبر أو هجر وبالمغانم الكثيرة في الموضع الثاني المغانم التي تحصل للمسلمين من يوم الوعد إلى يوم القيامة، وبأخرى مغانم هوازن أو فارس أو الروم وقد وقع كما أخبر. ٦- وكقوله تعالى: ﴿وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب﴾ . فقوله أخرى أي يعطيكم خصلة أخرى، وقوله نصر من الله مفسر للأخرى وقوله فتح قريب، أي عاجل وهو فتح مكة. وقال الحسن: هو فتح فارس والروم وقد وقع كما أخبر. ٧- وكقوله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا﴾ .
والمراد بالفتح فتح مكة، لأن الأصح أن هذه السورة نزلت قبل فتح مكة لأن ﴿إذا﴾ يقتضي الاستقبال ولا يقال فيما وقع إذا جاء وإذا وقع، فحصل فتح مكة ودخل الناس في الإسلام فوجًا بعد فوج من أهل مكة والطائف
[ ٣ / ٨٠٤ ]
وغيرها في حياته ﷺ. ٨- وكقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا ستغلبون﴾ . وقد وقع كما أخبر فصاروا مغلوبين. ٩- وكقوله تعالى: ﴿وإذ يعدكم﴾ أي اذكروا إذ يعدكم ﴿الله إحدى الطائفتين﴾ القافلة الراجعة من الشام والقافلة الآتية من بيت الله الحرام ﴿أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة﴾ أي القافلة الراجعة ﴿تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين﴾ فوقع كما أخبر.
١٠- وكقوله تعالى: ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾ .
[ ٣ / ٨٠٥ ]
لما نزلت هذه الآية بشر النبي ﷺ أصحابه بأن الله كفاه شرهم وأذاهم وكان المستهزئون نفرًا بمكة ينفرون الناس عنه ويؤذونه فهلكوا بضروب البلاء وفنون العناء فتم نوره وكمل ظهوره. ١١- وكقوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ . وقد وقع كما أخبر مع كثرة من قصد ضره فعصمه الله تعالى، حتى انتقل من الدار الدنيا إلى منازل الحسنى في العقبى. ١٢- وكقوله تعالى: ﴿الم غلبت الروم في أدنى الأرض﴾ أي أرض العرب ﴿وهم﴾ أي الروم ﴿من بعد غلبهم سيغلبون﴾ أي الفرس ﴿في بضع سنين﴾ أي ما بين الثلاث والعشر ﴿ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وعد
[ ٣ / ٨٠٦ ]
الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون﴾ . الفرس كانوا مجوسًا والروم نصارى، فورد خبر غلبة الفرس إياهم مكة ففرح المشركون وقالوا أنتم والنصارى أهل الكتاب ونحن وفارس أميون لا كتاب لنا، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، ولنظهرن عليكم. فنزلت هذه الآيات. فقال أبو بكر ﵁: لا يقرن الله أعينكم فو الله لتظهرن الروم على فارس في بضع سنين فقال أُبَيّ بن خلف: كذبت اجعل بيننا وبينك أجلًا فراهنه على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعلا الأجل ثلاث سنين فأخبر أبو بكر ﵁ رسول الله ﷺ فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الإبل وماده في الأجل، فجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين، ومات أبي بعد ما رجع من أحد وظهرت الروم على فارس في السنة السابعة من مغلوبيتهم فأخذ
[ ٣ / ٨٠٧ ]
أبو بكر القلائص من ورثة أبي، فقال النبي ﷺ: تصدق بها.
قال صاحب ميزان الحق في الفصل الرابع من الباب الثالث: (لو فرضنا صدق ادعاء المفسرين أن هذه الآية نزلت قبل غلبة الروم الفرس فنقول إن محمدًا ﷺ قال بظنه أو بصائب فكره لتسكين قلوب أصحابه، وقد سمع مثل هذه الأقوال من أصحاب العقل والرأي في كل زمان) انتهى. فقوله لو فرضنا صدق ادعاء المفسرين، يشير إلى أن هذا الأمر ليس بمسلم عنده، وهذا عجيب لأن قوله تعالى ﴿سيغلبون في بضع سنين﴾، نص في أن هذا الأمر يحصل في الزمان المستقبل القريب في زمان أقل من عشر سنين كما هو مقتضى لفظ السنين والبضع، وكذا قوله ﴿ويومئذ يفرح المؤمنون﴾، وقوله ﴿وعد الله لا يخلف الله وعده﴾، لأنهما يدلان على حصول فرح في الزمان الآتي وحصول هذا الأمر فيه، ولا معنى للوعد وعدم الخلف في الأمر بعد وقوعه وقوله إن محمدًا ﷺ قال بظنه أو بصائب فكره مردود بوجهين: (الأول): أن محمدًا ﷺ كان من العقلاء عند المسيحيين أيضًا ويعترف بهذا القسيس النبيل ههنا وفي المواضع الأخر من تصانيفه، وليس من شأن العاقل المدعي للنبوة أن يدعي ادعاء قطعيًا أن الأمر الفلاني يكون في المدة القليلة هكذا ألبتة ويأمر معتقديه بالرهان على هذا، سيما في مقابلة المنكرين الطالبين
[ ٣ / ٨٠٨ ]
لمذلته، المتفحصين لمزلة أقدامه في أمر لا يكون وقوعه مفيدًا فائدة يعتد بها، ويكون عدم وقوعه سببًا لمذلته وكذبه عندهم، ويحصل لهم سند عظيم لتكذيبه.
(والثاني): أن العقلاء وإن كانوا يقولون في بعض الأمور بعقولهم ويكون ظنهم صحيحًا تارةً وخطأ أخرى لكن جرت العادة الإلهية بأن القائل لو كان مدعي النبوة كذبًا ويخبر عن الحادثة الآتية، ويفتري على الله بنسبة هذا الخبر إلى الله، لا يكون هذا الخبر صحيحًا بل يخرج خطأ وغلطًا ألبتة كما ستعرف في آخر هذا المبحث إن شاء الله. ١٣- وكقوله تعالى: ﴿أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ . عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال لما نزلت: لم أعلم ما هو حتى كان يوم بدر سمعت رسول الله ﷺ وهو يلبس درعه ويقول: ﴿سيهزم الجمع﴾ . فعلمته.
١٤- وكقوله تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ .
[ ٣ / ٨٠٩ ]
وقد وقعت هذه الأحوال كما أخبر. ١٥- وكقوله تعالى: ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾ إما بالطعن في محمد وعيسى ﵉، وإما بتخويف الضعفة من المسلمين ﴿وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون﴾ فأخبر فيه عن ثلاث مغيبات: (الأول): أن المؤمنين يكونون آمنين من ضرر اليهود. (والثاني): لو قاتلوا المؤمنين ينهزمون. (والثالث): أنه لا يحصل لهم قوة وشوكة بعد الانهزام وكلها وقع. ١٦- وكقوله تعالى: ﴿ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة﴾ . وقد وقع كما أخبر وليس لليهود حكومة في موضع من المواضع وفي كل إقليم يوجدون رعايا مضروبًا عليهم الذلة
[ ٣ / ٨١٠ ]
١٧- وكقوله تعالى: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ وقد وقع يوم أحد بوجهين كما أخبر. (الأول): أن المشركين لما استولوا يوم أحد على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في قلوبهم فتركوهم وفروا منهم من غير سبب. (والثاني): أنهم لما ذهبوا إلى مكة، فلما كانوا في بعض الطريق ندموا فقالوا بئس ما صنعتم إنكم قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم ارجعوا فاستأصلوهم قبل أن يجدوا قوة وشوكة، فقذف الله في قلوبهم الرعب فذهبوا إلى مكة.
١٨- وكقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ أي من التحريف والزيادة والنقصان مما تواتر عند علماء الأعيان من قراء الزمان، وقد وقع كما أخبر فما قدر أحد من الملاحدة والمعطلة والقرامطة أن
[ ٣ / ٨١١ ]
يحرف شيئًا منه، لا حرفًا من حروف مبانيه ولا من حروف معانيه ولا إعرابًا من إعراباته إلى هذه المدة التي نحن فيها، أعني ألفًا ومائتين وثمانين من الهجرة بخلاف التوراة والإنجيل وغيرهما كما عرفت في الباب الأول والثاني، والحمد لله على إتمام هذه النعمة.
١٩- وكقوله تعالى: ﴿لا يأتيه الباطل﴾ أي التحريف بالزيادة والنقصان ﴿من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾، وحال هذا القول كالقول السابق. ٢٠- وكقوله تعالى: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن﴾ أي أحكامه وفرائضه ﴿لرادك إلى معاد﴾ . وروي أنه ﵇ لما خرج من الغار وسار في غير الطريق مخافة الطلب فلما أمن رجع إلى الطريق، ونزل بالجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة واشتاق إليها، وذكر مولده ومولد أبيه، فنزل جبريل ﵇ وقال: تشتاق إلى بلدك ومولدك؟ فقال ﵇: نعم،
[ ٣ / ٨١٢ ]
فقال جبريل ﵇: فإن الله تعالى يقول: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ يعني إلى مكة ظاهرًا عليهم. ٢١- وكقوله تعالى: ﴿قل إن كانت لكم﴾ أيها اليهود ﴿الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدًا﴾ أي ما عاشوا ﴿بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين﴾ . والمراد بالتمني التمني بالقول، ولا شك أنه ﵊ مع تقدمه في الرأي والحزم وحسن النظر في العاقبة كما هو المسلم به عند المخالف والموافق والوصول إلى المنزل الذي وصل إليه في الدارين، والوصول إلى الرياسة العظيمة، لا يجوز له - وهو غير واثق من جهة الرب بالوحي - أن يتحدى أعدى الأعداء بأمر لا يأمن عاقبة الحال فيه، ولا يأمن من خصمه أن يقهره بالدليل والحجة، لأن العاقل الذي لم يجرب الأمور لا يكاد يرضى بذلك، فكيف الحال في أعقل العقلاء. فثبت أنه ما أقدم على هذا التحدي إلا بعد الوحي واعتماده التام.
وكذا
[ ٣ / ٨١٣ ]
لا شك أنهم كانوا من أشد أعدائه، وكانوا أحرص الناس في تكذيبه، وكانوا متفكرين في الأمور التي بها ينمحي الإسلام أو تحصل الذلة لأهله، وكان المطلوب منهم أمرًا سهلًا لا صعبًا، فلو لم يكن النبي ﷺ صادقًا في دعواه عندهم لبادروا إلى القول به لتكذيبه، بل أعلنوا هذا التمني بالقول مرارًا وشهروا أنه كاذب يفتري على الله أنه قال كذا، ويدعي من جانب نفسه ادعاء ويقول تارةً: والذي نفسي بيده لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه، يعني مات مكانه، ويقول تارةً: لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ونحن تمنينا مرارًا وما متنا مكاننا فظهرت بصرفهم عن تمنيهم مع كونهم على تكذيبه أحرص الناس معجزته وبانت حجته، وفي هذه الآية إخباران عن الغيب: (الأول) أن قوله ﴿لن يتمنوه﴾ يدل دلالة بينة على أن ذلك لا يقع في المستقبل من أحد منهم فيفيد عموم الأشخاص.
(والثاني) أن قوله أبدًا يدل على أنه لا يوجد في شيء من الأزمنة الآتية في المستقبل يفيد عموم الأوقات فبالنظر إلى العمومين هما غيبان ٢٢- وكقوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ فأخبر بأنهم لا يفعلون ألبتة، ووقع كما أخبر،
[ ٣ / ٨١٤ ]
وهذه الآية دالة على الإعجاز من وجوه أربعة: (أولها) أنا نعلم بالتواتر أن العرب كانوا في غاية العداوة لرسول الله ﷺ وفي غاية الحرص على إبطال أمره، لأن مفارقة الأوطان والعشيرة وبذل النفوس والمهج من أقوى الأدلة على ذلك، فإذا انضاف إليه مثل هذا التقريع وهو قوله: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾ صار حرصهم أشد، فلو كانوا قادرين على الإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه لأتوا به، فحيث ما أتوا به ظهر الإعجاز. (وثانيها) أن النبي ﷺ وإن كان متهمًا عندهم في أمر النبوة، لكنه كان معلوم الحال في وفور العقل والفضل والمعرفة بالعواقب، فلو كان كاذبًا لما تحداهم بالغًا في التحدي إلى النهاية، بل كان عليه أن يخاف مما يتوقعه من فضيحة يعود وبالها على جميع أموره، فلو لم يعلم بالوحي عجزهم عن المعارضة لما جاز أن يحملهم عليها بهذا التقريع.
(وثالثها) أنه لو لم يكن قاطعًا في أمره لما قطع في أنهم لا يأتون بمثله لأن المزور لا يجزم بالكلام، فجزمه يدل على كونه جازمًا في أمره.
(ورابعها) أنه وجد مخبر هذا الخبر على ذلك الوجه، لأنه من عهده ﵇ إلى عصرنا هذا لم يحل وقت من الأوقات من يعادي الدين والإسلام، وتشددوا عليه في الوقيعة فيه، ثم إنه مع هذا الحرص الشديد لم توجد المعارضة قط. فهذه الوجوه الأربعة في الدلالة على الإعجاز مما تشتمل عليه هذه الآية،.
[ ٣ / ٨١٥ ]
(الأمر الرابع)
فهذه الأخبار وأمثالها تدل على كون القرآن كلام الله، لأن عادة الله جارية على أن مدعي النبوة لو أخبر عن شيء ونسب إلى الله كذبًا لا يخرج خبره صحيحًا. في الباب الثامن عشر من كتاب الاستثناء هكذا: (فإن أحببت وقلت في قلبك كيف أستطيع أن أميز الكلام الذي لم يتكلم به الرب) . ٢٢- فهذه تكون لك آية أن ما قاله ذلك النبي باسم الرب ولم يحدث فهذا الرب لم يكن تكلم به، بل ذلك النبي صوره في تعظيم نفسه ولذلك لا تخشاه) .
(الأمر الرابع) ما أخبر من أخبار القرون السالفة والأمم الهالكة، وقد علم أنه كان أميًا ما قرأ ولا كتب ولا اشتغل بمدارسة مع العلماء ولا مجالسة مع الفضلاء، بل تربى بين قوم كانوا يعبدون الأصنام ولا يعرفون الكتاب، وكانوا عارين عن العلوم العقلية أيضًا، ولم يغب عن قومه غيبة يمكن له التعلم فيها من غيرهم، والمواضع التي خالف القرآن فيها في بيان القصص والحالات المذكورة [في] كتب أهل الكتاب كقصة صلب المسيح ﵇ وغيرها فهذه لمخالفة قصدية: إما لعدم كون بعض هذه الكتب أصلية كالتوراة والإنجيل المشهورين، وإما لعدم كونها إلهامية، ويدل على ما ذكرت قوله تعالى: ﴿إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون﴾ .
[ ٣ / ٨١٦ ]
(الأمر الخامس)
(الأمر السادس)
(الأمر الخامس) ما فيه من كشف أسرار المنافقين حيث كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكر والكيد، وكان الله يطلع رسوله على تلك الأحوال حالًا فحالًا، ويخبره عنها على سبيل التفصيل، فما كانوا يجدون في كل ذلك إلا الصدق، وكذا ما فيه من كشف حال اليهود وضمائرهم.
(الأمر السادس) جمعه لمعارف جزئية وعلوم كلية لم تعهد العرب عامة ولا محمد ﷺ خاصة من علم الشرائع والتنبيه على طرق الحجج العقلية والسير والمواعظ والحكم، وأخبار الدار الآخرة ومحاسن الآداب والشيم. وتحقيق الكلام في هذا الباب أن العلوم إما دينية أو غيرها ولا شك أن الأولى أعظمها شأنًا وأرفعها مكانًا، فهي إما علم العقائد والأديان، وإما علم الأعمال. أما علم العقائد والأديان فهو عبارة عن معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، أما معرفة الله تعالى فهي عبارة عن معرفة ذاته ومعرفة صفات جلاله ومعرفة صفات إكرامه وأفعاله ومعرفة أحكامه ومعرفة أسمائه، والقرآن مشتمل على دلائل هذه المسائل وتفاريعها وتفاصيلها على وجه لا يساويه شيء من الكتب، بل لا يقرب منه، وأما علم الأعمال فهو إما أن يكون عبارة عن علم التكاليف المتعلقة بالظواهر، وهو علم الفقه. ومعلوم أن جميع الفقهاء إنما استنبطوا مباحثهم من
[ ٣ / ٨١٧ ]
القرآن، وإما أن يكون علم التصوف المتعلق بتصفية الباطن ورياضة القلوب، وقد حصل في القرآن من مباحث هذا العلم ما لا يوجد في غيره، كقوله: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ وقوله: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾ وقوله: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ فقوله: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ يعني ارفع سفاهتهم وجهالتهم بالخصلة التي هي أحسن وهي الصبر ومقابلة السيئة بالحسنة. وقوله ﴿فإذا الذي﴾ إلخ يعني إذا قابلت إساءتهم بالإحسان وأفعالهم القبيحة بالأفعال الحسنة تركوا أفعالهم القبيحة وانقلبوا من العداوة إلى المحبة، ومن البغضة إلى المودة
[ ٣ / ٨١٨ ]
(الأمر السابع)
ونحو هذه الأقوال كثيرة فيه.
فثبت أنه جامع لجميع العلوم النقلية أصولها وفروعها، ويوجد فيه التنبيه على أنواع الدلالات العقلية والرد على أرباب الضلال ببراهين قاهرة وأدلة باهرة سهلة المباني مختصرة المعاني، كقوله تعالى: ﴿أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم﴾ وكقوله تعالى: ﴿يحيها الذي أنشأها أول مرة﴾ وكقوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ ولنعم ما قيل: جميع العلم في القرآن، لكن تقاصرت عنه أفهام الرجال.
(الأمر السابع) كونه بريئًا عن الاختلاف والتفاوت مع أنه كتاب كبير مشتمل على أنواع كثيرة من العلوم، فلو كان ذلك من عند غير الله لوقعت فيه أنواع من الكلمات المتناقضة، لأن الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك. ولما لم يوجد فيه ذلك علمنا أنه ليس من عند غير الله كما قال الله تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾ وإلى هذه الأمور السبعة المذكورة أشار الله تعالى بقوله: ﴿أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض﴾ لأن مثل هذه البلاغة والأسلوب العجيب والإخبار
[ ٣ / ٨١٩ ]
(الأمر الثامن)
(الأمر التاسع)
(الأمر العاشر)
عن الغيوب والاشتمال على أنواع العلوم والبراءة من الاختلاف والتفاوت، مع كون الكتاب كبيرًا مشتملًا على أنواع العلوم لا يأتي إلا من العالم الذي لا يغيب عن علمه مثقال ذرة مما في السماوات والأرض.
(الأمر الثامن) كونه معجزة باقية متلوّة في كل مكان مع تكفل الله بحفظه، بخلاف معجزات الأنبياء فإنها انقضت بانقضاء أوقاتها، وهذه المعجزة باقية على ما كانت عليه من وقت النزول إلى زماننا هذا، وقد مضت مدة ألف ومائتين وثمانين وحجتها قاهرة، ومعارضته ممتنعة وفي الأزمان كلها القرى والأمصار مملوءة بأهل اللسان وأئمة البلاغة، والملحد فيهم كثير والمخالف العنيد حاضر ومهيأ، وتبقى إن شاء الله هكذا ما بقيت الدنيا وأهلها في خير وعافية. ولما كان المعجز منه بمقدار أقصر سورة فكل جزء منه بهذا المقدار معجزة، فعلى هذا يكون القرآن مشتملًا على أكثر من ألفي معجزة.
(الأمر التاسع) أن قارئه لا يسأمه وسامعه لا يمجه، بل تكراره يوجب زيادة محبته كما قيل:
وخير جليس لا يمل حديثه * وترداده يزداد فيه تجملا
وغيره من الكلام، ولو كان بليغًا في الغاية يمل مع الترديد في السمع ويكره في الطبع، ولكن هذا الأمر بالنسبة إلى من له قلب سليم لا إلى من له طبع سقيم.
(الأمر العاشر) كونه جامعًا بين الدليل ومدلوله فالتالي له إذا كان ممن يدرك معانيه يفهم مواضع الحجة والتكليف معًا في كلام واحد باعتبار منطوقه
[ ٣ / ٨٢٠ ]
(الأمر الحادي عشر)
(الأمر الثاني عشر)
ومفهومه، لأنه ببلاغة الكلام يستدل على الإعجاز، وبالمعاني يقف على أمر الله ونهيه ووعده ووعيده.
(الأمر الحادي عشر) حفظه لمتعلميه بالسهولة، كما قال الله تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ فحفظه ميسر على الأولاد الصغار في أقرب مدة ويوجد في هذه الأمة في هذا الزمان أيضًا مع ضعف الإسلام في أكثر الأقطار أزيد من مائة ألف من حفاظ القرآن بحيث يمكن أن يكتب القرآن من حفظ كل منهم من الأول إلى الآخر، بحيث لا يقع الغلط في الإعراب فضلًا عن الألفاظ ولا يخرج في جميع ديار أوربا عدد حفاظ الإنجيل بحيث يساوي الحفاظ في قرية من قرى مصر مع فراغ بال المسيحيين وتوجههم إلى العلوم والصنائع منذ ثلثمائة سنة، وهذا هو الفضل البديهي لأمة محمد ﷺ ولكتابهم.
(الأمر الثاني عشر) الخشية التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماع القرآن، والهيبة التي تعتري تاليه، وهذه الخشية قد تعتري من لا يفهم معانيه ولا يعلم تفسيره، فمنهم من أسلم لها لأول وهلة ومنهم من استمر على كفره، ومنهم من كفر حينئذ ثم رجع بعده إلى ربه.
[ ٣ / ٨٢١ ]
روي أن نصرانيًا مر بقارئ فوقف يبكي فسئل عن سبب البكاء فقال الخشية التي حصلت له من أثر كلام الرب، وأن جعفر الطيار ﵁ لما قرأ القرآن على النجاشي وأصحابه ما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر ﵁ من القراءة، وأن النجاشي أرسل سبعين عالمًا من العلماء المسيحية إلى رسول الله ﷺ فقرأ عليهم سورة (يس) فبكوا وآمنوا فنزل في حق الفريقين أو أحدهما قوله تعالى: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين﴾ وقد عرفت حال جبير بن مطعم ﵁، وعتبة، وابن المقفع، ويحيى بن حكم الغزالي.
[ ٣ / ٨٢٢ ]
وقال نور الله الشوستري في تفسيره: إن العلامة علي القوشجي لما راح من وراء النهر إلى الروم جاء إليه حبر من أحبار اليهود لتحقيق الإسلام وناظره إلى شهر وما سلم دليلًا من أدلة العلامة إلى هذا الحين فجاء يومًا وقت الصبح وكان العلامة مشتغلًا بتلاوة القرآن على سطح الدار، وكان كريه الصوت في الغاية، فلما دخل الباب وسمع القرآن أثر القرآن في قلبه تأثيرًا بليغًا، فلما وصل إلى العلامة قال: إني أدخل في الإسلام فأدخله العلامة في الإسلام ثم سئل عن السبب فقال: ما سمعت مدة عمري كريه الصوت مثلك، فلما وصلت إلى الباب سمعت منك القرآن وقد حصل تأثيره البليغ فيَّ فعلمت أنه وحي. فثبت من الأمور المذكورة أن القرآن معجز وكلام الله، كيف لا وحسن الكلام يكون لأجل ثلاثة أشياء: أن تكون ألفاظه فصيحة وأن يكون نظمه مرغوبًا، وأن يكون مضمونه حسنًا. وهذه الأمور الثلاثة متحققة في القرآن بلا ريب ونختم هذا الفصل ببيان ثلاث فوائد:
[ ٣ / ٨٢٣ ]
(الفائدة الأولى) سبب كون معجزة نبينا من جنس البلاغة أيضًا أن بعض المعجزات تظهر في كل زمان من جنس ما يغلب على أهله أيضًا، لأنهم يبلغون فيه الدرجة العليا فيقفون فيه على الحد الذي يمكن للبشر الوصول إليه، فإذا شاهدوا ما هو خارج عن الحد المذكور علموا أنه من عند الله، وذلك كالسحر في زمن موسى ﵇ فإنه كان غالبًا على أهله وكاملين فيه، ولما علم السحرة الكملة أن حد السحر تخييل لما لا ثبوت له حقيقة ثم رأوا عصاه انقلبت ثعبانًا يتلقف سحرهم الذي كانوا يقلبونه من الحق الثابت إلى المتخيل الباطل من غير أن يزداد حجمها، علموا أنه خارج عن السحر ومعجزة من عند الله فآمنوا به. وأما فرعون فلما كان قاصرًا في هذه الصناعة ظن أنه سحر أيضًا، وإن كان أعظم من سحر سحرته. وكذا الطب لما كان غالبًا على أهل زمن عيسى ﵇، وكانوا كاملين فيه، فلما رأوا إحياء الميت وإبراء الأكمه علموا بعلمهم الكامل أنهما ليسا من حد الصناعة الطبية، بل هو من عند الله. والبلاغة قد بلغت في عهد الرسول ﵇ إلى الدرجة العليا وكان بها فخارهم حتى علقوا القصائد السبع بباب الكعبة تحديًا لمعارضتها كما تشهد به كتب السير، فلما أتى النبي ﷺ بما عجز عن مثله جميع البلغاء عُلم أن ذلك من عند الله قطعًا.
[ ٣ / ٨٢٤ ]
(الفائدة الثانية) نزول القرآن منجمًا ومفرقًا ولم ينزل دفعة واحدة بوجوه: (أحدها) أن النبي ﷺ لم يكن من أهل القراءة، فلو نزل عليه ذلك جملة واحدة كان لا يضبطه، ولجاز عليه السهو. (وثانيًا) أنه لو أنزل عليه الكتاب دفعة فربما اعتمد على الكتاب وتساهل في الحفظ، فلما أنزل الله منجمًا حفظه وبقي سنة الحفظ في أمته. (وثالثها) في صورة نزول الكتاب دفعة لو كان نزول جميع الأحكام دفعة واحدة على الخلق لكان يثقل عليهم ذلك، ولما نزل مفرقًا لا جرم نزلت التكاليف قليلًا قليلًا، فكان تحملها أسهل، كما روي عن بعض الصحابة أنه قال: لقد أحسن الله إلينا كل الإحسان، كنا مشركين فلو جاءنا رسول الله بهذا الدين جملة وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا فما كنا ندخل في الإسلام ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة فلما قبلناها وذقنا حلاوة الإيمان قبلنا ما وراءها كلمة بعد كلمة إلى أن تم الدين وكملت الشريعة. (ورابعها) أنه إذا شاهد جبريل حالًا بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته
[ ٣ / ٨٢٥ ]
فكان أقوى على أداء ما حمل، وعلى الصبر على عوارض النبوة، وعلى احتمال أذية القوم. (وخامسها) أنه لما تم شرط الإعجاز فيه مع كونه منجمًا ثبت كونه معجز، فإنهم لو قدروا لوجب أن يأتوا بمثله منجمًا مفرقًا. (وسادسها) كان القرآن ينزل بحسب أسئلتهم والوقائع الواقعة لهم، فكانوا يزدادون بصيرة، لأن الإخبار عن العيوب كان ينضم بسبب ذلك إلى الفصاحة. (وسابعها) أن القرآن لما نزل منجمًا مفرقًا وتحداهم النبي ﷺ من أول الأمر فكأنه تحداهم بكل واحد من نجوم القرآن، فلما عجزوا عنه كان عجزهم عن معارضة الكل أولى فثبت بهذا الطريق أن القوم عاجزون عن المعارضة لا محالة.
(وثامنها) أن السفارة بين الله وبين أنبيائه وتبليغ كلامه إليهم منصب عظيم، فلو نزل القرآن دفعة واحدة كان زوال هذا المنصب عن جبريل ﵇ محتملًا. فلما نزل مفرقًا منجمًا بقي ذلك المنصب العظيم عليه.
(الفائدة الثالثة) سبب تكرار بيان التوحيد وحال القيامة وقصص الأنبياء في مواضع أن العرب كانوا مشركين وثنيين ينكرون هذه الأشياء، وغير العرب
[ ٣ / ٨٢٦ ]
بعضهم مثل أهل الهند والصين والمجوس كانوا مثل العرب في الإنكار، وبعضهم كأهل التثليث كانوا في الإفراط والتفريط في اعتقاد هذه الأشياء، فلأجل التقرير والتأكيد كرر بيان هذه الأشياء. ولتكرار القصص أسباب أخر أيضًا، منها: أن إعجاز القرآن لما كان باعتبار البلاغة أيضًا وكان التحدي بهذا الاعتبار فكررت القصص بعبارات مختلفة إيجازًا وإطنابًا مع حفظ الدرجة العليا للبلاغة في كل مرتبة ليعلم أن القرآن ليس كلام البشر، لأن هذا الأمر عند البلغاء خارج عن القدرة البشرية. ومنها أنه كان لهم أن يقولوا إن الألفاظ الفصيحة التي كانت مناسبة لهذه القصص استعملتها وما بقيت الألفاظ الأخرى مناسبة لها، وأن يقولوا إن طريق كل بليغ يخالف طريق الآخر، فبعضهم يقدر على الطريق المطنب، وبعضهم يقدر على الموجز فلا يلزم من عدم القدرة على نوع عدم القدرة مطلقًا. أو أن يقولوا إن دائرة البلاغة ضيقة في بيان القصص وما صدر عنك بيانها مرة محمول على البخت والاتفاق فلما كررت القصص إيجازًا وإطنابًا لم يبق عذر من هذه الأعذار الثلاثة.
[ ٣ / ٨٢٧ ]
ومنها أنه ﷺ كان يضيق صدره بإيذاء القوم وشرهم كما أخبر الله تعالى: ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون﴾ فيقص الله قصة من قصص الأنبياء مناسبة لحاله في ذلك الوقت لتثبيت قلبه، كما أخبر الله تعالى: ﴿وكلًا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين﴾ .
ومنها أن المسلمين كان يحصل لهم الإيذاء من أيدي الكفار، أو أن قومًا كانوا يسلمون، أو أن الكفار كان المقصود تنبيههم فكان الله ينزل في كل موضع من هذه القصص ما يناسبه، لأن حال السلف تكون عبرة للخلف. ومنها أن القصة الواحدة قد تشتمل على أمور كثيرة فتذكر تارةً وتقصد بها بعض الأمور قصدًا، وبعضها تبعًا وتعكس مرة أخرى (١) .
_________________
(١) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في بعض النسخ هنا زيادة ليست في المطبوعة، وهي: والحق أنها لا تملك من مقومات الدولة أي شيء فما زالت تعيش على إعانات بعض الدول الأجنبية في فزع ورعب دائم.. وعن قريب سيطردها العرب من أرضهم شر طردة ولن يلتئم لهم شمل، ولن يتنصر لهم جيش وسيهزم الجمع ويولون الدبر ﴿وعد الله لا يخلف الله وعده﴾ .
[ ٣ / ٨٢٨ ]
(الشبهة الأولى)
الفصل الثاني: في رفع شبهات القسيسين على القرآن.
(الشبهة الأولى) لا نسلم بأن عبارة القرآن في الدرجة القصوى من البلاغة الخارجة عن العادة، ولو سلمنا بذلك فهو يكون دليلًا ناقصًا على الإعجاز، لأنه لا يظهر إلا لمن كانت له معرفة تامة بلسان العرب، ويلزم أن تكون جميع الكتب التي توجد في الألسن الأخرى مثل اليوناني واللاطيني وغيرهما في الدرجة العالية من بلاغة كلام الله، على أنه يمكن أن تؤدي المطالب الباطلة والمضامين القبيحة بألفاظ فصيحة وعبارات بليغة في الدرجة القصوى.
(والجواب) عدم تسليم كون عبارة القرآن في الدرجة العليا - مكابرة محضة، لما عرفت في الأمر الأول والثاني من الفصل الأول، وقولهم لأنه لا يظهر إلا لمن كانت له معرفة تامة حقة بلسان العرب، لكن التقريب غير تام لأن هذه المعجزة لما كانت لتعجيز البلغاء والفصحاء وقد ثبت عجزهم ولم يعارضوا واعترفوا بها وعرفها أهل اللسان بسليقتهم وغيرهم من العلماء بمهارتهم في فن البيان وإحاطتهم بأساليب الكلام وعرفها العوام من الفرق بشهادة ألوف ألوف من أهل اللسان والعلماء، فظهر أنها معجزة يقينًا، ودليل كامل لا ناقص كما زعموا، وصارت سببًا من الأسباب الكثيرة التي يعلم بها أن القرآن كلام الله
[ ٣ / ٨٢٩ ]
ولا يدعي أهل الإسلام أن سبب كون القرآن كلام الله منحصر في كونه بليغًا فقط وكذا لا يدعون أن معجزة النبي ﷺ منحصرة في بلاغة القرآن فقط بل يدعون إن هذه البلاغة سبب من الأسباب الكثيرة لكون القرآن كلام الله، وأن القرآن بهذا الاعتبار أيضًا معجزة من المعجزات الكثيرة للنبي ﷺ كما عرفت في الفصل الأول، وستعرف في الباب السادس إن شاء الله تعالى.
وهذه المعجزة ظاهرة في هذا الزمان أيضًا لألوف ألوف من أهل اللسان وماهري علم البيان، وعجز المخالفين ثابت من ظهورها إلى هذا الحين وقد مضت مدة ألف ومائتين وثمانين من الهجرة، وقد عرفت في الأمر الثاني من الفصل الأول أن قول النظام مردود وما قال أبو موسى الملقب بمزدار راهب المعتزلة من أن الناس قادرون على مثل هذا القرآن فصاحة ونظمًا وبلاغة فهو مردود أيضًا كقول النظام، على أن مزدار هذا كان رجلًا مجنونًا استولت على دماغه اليبوسة بسبب كثرة الرياضة فهذى بأمثال هذه الهذيات كثيرًا فكان يقول مثلًا إن الله قادر على أن يكذب ويظلم ولو فعل لكان إلهًا كاذبًا ظالمًا وإن من لابس السلطان
[ ٣ / ٨٣٠ ]
كافر لا يرث ولا يورث، وقوله يلزم أن يكون جميع الكتب إلخ غير مسلم، لأن هذه الكتب لم تثبت بلاغتها في الدرجة القصوى باعتبار الوجوه التي مر ذكرها في الأمر الأول والثاني من الفصل الأول، ولم يثبت ادعاء مصنفيها بالإعجاز، ولا عجز فصحاء هذه الألسن عن معارضتها. فإن ادعى أحد هذه الأمور بالنسبة إلى هذه الكتب فعليه الإثبات. وإلا فلا بد أن يمتنع عن مثل هذا الادعاء الباطل.
على أن شهادة بعض المسيحيين في حق الكتب المذكورة بأنها في هذه الألسن مثل القرآن في اللسان العربي في الدرجة العليا من البلاغة غير مقبولة، لأنهم إذا لم يكونوا من أهل اللسان فلا يميزون غالبًا في لسان الغير بين المذكر والمؤنث، ولا بين المفرد والتثنية والجمع ولا بين المرفوع والمنصوب والمجرور، فضلًا عن أن يميزوا الأبلغ عن البليغ وعدم تميزهم هذا لا يختص بالعربي، بل فيه وفي العبراني واليوناني واللاطيني على طريقة واحدة، ومنشأ عدم التمييز سذاجة كلامهم سيما إذا كان هذا البعض من أهل إنكلترة فإنهم يشاركون في هذه السذاجة غيرهم من المسيحيين ويمتازون عنهم بعادة أخرى أيضًا، وهي أنهم إذا عرفوا ألفاظًا معدودة من لسان الغير يظنون أنهم تبحروا في المعرفة، وإذا تعلموا مسائل معدودة من علم يعدون أنفسهم من علماء هذا العلم، والفرنساويون واليونانيون طاعنون عليهم في هذه العادة.
ويشهد على الدعوى الأولى أن الأب سركيس الهاروني مطران الشام جمع بإذن البابا أربانوس الثامن كثيرًا من القسيسين والرهبان والعلماء ومعلمي
[ ٣ / ٨٣١ ]
اللسان العبراني والعربي واليوناني وغيرها ليصلحوا الترجمة العربية التي كانت مملوءة بالأغلاط الكثيرة والنقصانات الغزيرة فاجتهدوا في هذا الباب اجتهادًا تامًا في سنة ألف وستمائة وخمس وعشرين من الميلاد فأصلحوا، لكنه لما بقيت بعد الإصلاح التام في تراجمهم النقصانات التي هي لازمة لسجية المسيحيين اعتذروا عنه في المقدمة التي كتبوها في أول تلك الترجمة، وإني أنقل عذرهم عن المقدمة المذكورة بعبارتهم وألفاظهم وهي هذه: (ثم إنك في هذا النقل تجد شيئًا من الكلام غير موافق قوانين اللغة بل مضاد لها كالجنس المذكر بدل المؤنث، والعدد المفرد بدل الجمع، والجمع بدل المثنى والرفع مكان الجر والنصب في الاسم والجزم في الفعل وزيادة الحروف عوض الحركات وما يشابه ذلك، فكان سببًا لهذا كله سذاجة كلام المسيحيين فصار لهم نوع تلك اللغة مخصوصًا، ولكن ليس في اللسان العربي فقط، بل في اللاطيني واليوناني والعبراني تغافلت الأنبياء والرسل والآباء الأولون عن قياس الكلام، لأنه لم يرد روح القدس أن نقيد اتساع الكلمة الإلهية بالحدود الضيقة التي حددتها الفرائض فقدم لنا الأسرار السماوية بغير فصاحة وبلاغة) انتهى كلامهم.
ويشهد على الدعوى الثانية أن أبا طالب خان السياح ألف كتابًا باللسان الفارسي سماه بـ (المسير الطالبي) وهو مشتمل على أحوال سياحته، وكتب فيه من حالات كل إقليم ساح فيه ما رأى فيه من المحاسن والذمائم، فكتب محاسن أهل إنكلترة وذمائمهم، وإني أترجم الذميمة الثامنة من كتابه لتعلق الحاجة
[ ٣ / ٨٣٢ ]
بها في هذا المقام. قال: (الثامنة) خطؤهم في معرفة حد العلوم ولسان الغير، لأنهم يحسبون أنفسهم عارفي كل لسان ومن أهل كل علم إذا عرفوا ألفاظًا معدودة من ذلك اللسان أو مسائل معدودة من ذلك العلم ويؤلفون الكتب فيهما وينشرون هذه المزخرفات بعد الطبع، ووقفت على هذا المعنى بشهادة الفرنساويين واليونانيين لأن تحصيل ألسنتهم رائج في أهل إنكلترة، وحصل لي اليقين بمشاهدة تصرفاتهم في اللسان الفارسي) انتهى، ثم قال: (اجتمع في لندن الكتب الكثيرة من هذا النوع بحيث كادت تبقى الكتب الحقة بعد برهة من الزمان غير مميزة)، انتهى كلامه. وقولهم على أنه يمكن أن تؤدي المطالب الباطلة إلخ -لا ورود له في حق القرآن، لأنه مملوء من أوله إلى آخره بذكر هذه الأمور السبعة والعشرين، ولا تجد آية طويلة فيه تكون خالية من ذكر أمر من هذه الأمور:
(الأول) الصفات الكاملة الإلهية مثل كونه واحدًا وقديمًا وأزليًا وأبديًا وقادرًا وعالمًا وسميعًا وبصيرًا ومتكلمًا وحكيمًا وخبيرًا وخالق السماوات والأرض ورحيمًا ورحمانًا وصبورًا وعادلًا وقدوسًا ومحييًا ومميتًا وغيرها. (الثاني) تنزيه الله عن المعايب والنقائص مثل الحدوث والعجز والجهل
[ ٣ / ٨٣٣ ]
والظلم وغيرها. (الثالث) الدعوة إلى التوحيد الخالص والمنع عن الشرك مطلقًا وعن التثليث الذي هو شعبة الشرك يقينًا كما علمت في الباب الرابع. (الرابع) ذكر الأنبياء ﵈. (الخامس) تنزيههم عن عبادة الأوثان والكفر وغيرها. (السادس) مدح المؤمنين بالأنبياء. (السابع) ذم منكريهم. (الثامن) تأكيد الإيمان بالأنبياء عمومًا وبالمسيح خصوصًا. (التاسع) الوعد بأن المؤمنين يغلبون المنكرين عاقبة الأمر. (العاشر) حقيقة القيامة وجزاء الأعمال في يومها. (الحادي عشر) ذكر الجنة والنار. (الثاني عشر) ذم الدنيا وبيان عدم ثباتها. (الثالث عشر) مدح العقبى وبيان ثباتها. (الرابع عشر) بيان حل الأشياء وحرمتها. (الخامس عشر) بيان أحكام تدبير المنزل. (السادس عشر) بيان أحكام سياسات المدن. (السابع عشر) التحريض على محبة الله وأهل الله. (الثامن عشر) بيان الأشياء التي هي ذريعة الوصول إلى الله. (التاسع عشر) الزجر عن مصاحبة الفجار والفساق.
[ ٣ / ٨٣٤ ]
(العشرون) تأكيد خلوص النية في العبادات البدنية والمالية. (الحادي والعشرون) التهديد على الرياء والسمعة. (الثاني والعشرون) التأكيد على تهذيب الأخلاق بالإجمال والتفصيل. (الثالث والعشرون) التهديد على الأخلاق الذميمة بالإجمال. (الرابع والعشرون) مدح الأخلاق الحسنة، مثل الحلم والتواضع والكرم والشجاعة والعفة وغيرها. (الخامس والعشرون) ذم الأخلاق القبيحة مثل الغضب والتكبر والبخل والجبن والظلم وغيرها.
(السادس والعشرون) وعظ التقوى. (السابع والعشرون) الترغيب إلى ذكر الله وعبادته، ولا شك أن هذه الأمور محمودة عقلًا ونقلًا، وجاء ذكر هذه الأمور في القرآن مرارًا للتأكيد، والتقرير، ولو كانت هذه المضامين قبيحة فأي مضمون يكون حسنًا.
نعم لا يوجد في القرآن: -[١] أن النبي الفلاني زنى بابنته. -[٢] أو زنى بزوجة الغير وقتله بالحيلة. -[٣] أوعبد العجل.
[ ٣ / ٨٣٥ ]
-[٤] أو ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام وبنى المعابد لها. -[٥] أو افترى على الله الكذب، وكذب في التبليغ وخدع بكذبه نبيًا آخر مسكينًا وألقاه في غضب الرب. -[٦] أو أن داود وسليمان وعيسى ﵈ كلهم من أولاد ولد الزنا وهو فارض بن يهودا. -[٧] أو أن الرسول الأعظم ابن الله البكر أبا الأنبياء زنى ابنه الأكبر بزوجة أبيه. -[٨] وابنه الثاني بزوجة ابنه، وسمع هذا النبي العظيم الشأن ما صدر عن ابنيه المحبوبين وما أجرى عليهما الحد، غير أنه دعا على الأكبر وقت موته لأجل هذه الحركة الشنيعة ولم ينقل في حق الآخر الغضب أيضًا، بل دعا له بالبركة التامة عند الموت. -[٩] أو أن الرسول العظيم الآخر البكر الثاني أيضًا الزاني بزوجة الغير زنى ابنه الحبيب ببنته الحبيبة وسمع، وما أجرى عليهما الحد لعله امتنع عن الحد لأنه كان مبتلى بالزنا أيضًا في زعمهم، فكيف يجري على الغير سيما على
[ ٣ / ٨٣٦ ]
أولاده وهذا القدر مسلم بين اليهود والنصارى ومصرح به في كتب العهد العتيق المسلمة عند الفريقين. -[١٠] أو أن يحيى ﵇ الرسول الذي هو أعظم الأنبياء الإسرائيلية بشهادة عيسى ﵇ وإن كان الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه بشهادة عيسى ﵇ أيضًا لم يعرف إلهه الثاني ومرسله الذي هو عيسى باعتبار العلاقة المجهولة معرفة جيدة إلى ثلاثين سنة ما لم يصر هذا الإله مريدًا لعبده هذا وما لم يحصل الاصطباغ منه وما لم ينزل على هذا الإله الثاني الإله الثالث في شكل الحمامة، وبعد ما رأى نزول الثالث على الثاني في الشكل المذكور تذكر أمر الإله الأول الأب أن الإله الثاني هو ربه ومالكه وخالق الأرض والسماوات.
-[١١] أو أن الرسول الآخر السارق الذي كان عنده الكيس للسرقة أعني يهود الأسخريوطي الذي هو صاحب الكرامات والمعجزات وأحد الحواريين الذين هم أعلى منزلة من موسى بن عمران وسائر الأنبياء الإسرائيلية على زعمهم باع دينه بدنياه بثلاثين درهمًا، ورضي بتسليم إلهه بأيدي اليهود على هذه المنفعة القليلة حتى أخذوا إلهه وصلبوه لعل هذه المنفعة كانت عظيمة عنده، لأنه كان صيادًا مفلوكًا لصًا، وإن كان رسولًا صاحب معجزات أيضًا على زعمهم فثلاثون درهمًا عنده كانت أحب وأعظم رتبة من هذا الإله
[ ٣ / ٨٣٧ ]
المصلوب. -[١٢] أو أن قيافا رئيس الكهنة الذي ثبتت نبوته بشهادة يوحنا الإنجيلي أفتى بقتل إلهه وكذبه وكفره وأهانه ووقع في حق هذا الإله المصلوب ثلاثة أمور عجيبة من ثلاثة أنبياء عدد التثليث أن اعظم أنبيائه الإسرائيلية لم يعرفه معرفة جيدة إلى ثلاثين سنة ما لم يصر هذا الإله مريدًا له ولم ينزل عليه الإله الثالث في شكل الحمامة، وأن نبيه الثاني رضي بتسليمه ورجح منفعة ثلاثين درهمًا منزلة ألوهيته ووعده، وأن رسوله الثالث أفتى بقتله وكذبه وكفره أعاذنا الله من أمثال هذه الاعتقادات السوء في حق الأنبياء ﵈. ولا يؤاخذني على ما نقلت هذه المزخرفات على سبيل الإلزام والله ثم بالله لا أعتقد في حق الأنبياء هذه الكذبات وهم بريئون منها، وأقول القدر الذي نقلت من حال يحيى ﵇ إلى حال قيافا مصرح به في العهد الجديد.
وكذا لا يوجد في القرآن هذه المسائل الفخيمة التي عجزت في أكثرها عقولنا، بل عقول العالم ويعتقدها الفرقة القديمة العظيمة الشأن، أعني فرقة كاثلك التي عددها بحسب ادعاء بعض آبائها في هذا الزمان أيضًا بقدر مائتي مليون.
[ ٣ / ٨٣٨ ]
-[١] إن مريم ﵍ قد حبلت بها أمها بلا قرب الزوج كما انكشفت هذه الحقيقة على البابويين من مدة قريبة. ومثل [٢] أن مريم والدة الله حقيقة. ومثل [٣] أن كل خبز من الخبزات وإن كانت بمقدار مليونات غير متعددة يستحيل في العشاء الرباني في آن واحد في أمكنة مختلفة إلى المسيح الكامل بلاهوته وناسوته الذي تولد من العذراء إذا فرض أن مليونات من الكهنة في أطراف العالم شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا قدسوا في آن واحد. ومثل [٤] أن خبزًا واحدًا إذا كسره الكاهن ولو إلى مائة ألف كسرة يصير كل كسرة منه أيضًا مسيحًا كاملًا وإن كان وجود الحبوب ثم الطحن ثم العجن ثم وجود الخبز ثم الكسرة كلها من الحوادث بمشاهدة فتعطل حكم الحبس عندهم في هذه الأمور كلها. ومثل [٥] أنه لا بد أن يصطنع الصورة والتماثيل ويسجد قدامهن.
[ ٣ / ٨٣٩ ]
ومثل [٦] أنه لا خلاص بدون الإيمان بالبابا وإن كان غير صالح في نفس الأمر.
ومثل [٧] أن أسقف رومية هو البابا دون غيره وهو رأس الكنيسة ومعصوم من الغلط، وأن [٨] كنيسة رومية هي أم الكنائس كلها ومعلمتها. ومثل [٩] أن للبابا ولمتعلقيه خزانة من قدر جزيل من استحقاقات القديسين أن يمنحوا الغفرانات سيما إذا استوفوا ثمنًا وافيًا لأجلها كما هو المروج عندهم. ومثل [١٠] أن البابا له منصب تحليل الحرام وتحريم الحلال. قال المعلم ميخائيل مشاقة من علماء بروتستنت في الصفحة ٦٦ من كتابه المسمى بأجوبة الإنجيليين على أباطيل التقليديين المطبوع سنة ١٨٥٢ في بيروت هذا: (والآن تراهم يزوجون العم بابنة أخيه، والخال بابنة أخته، والرجل بامرأة أخيه ذات الأولاد خلافًا لتعليم الكتب المقدسة ولمجامعهم المعصومة. وقد أضحت هذه المحرمات حلالًا عند أخذهم
[ ٣ / ٨٤٠ ]
الدراهم عليها، وكم من التحديدات وضعوها على الإكليريكيين بتحريم الزيجة الناموسية المأمور بها من رب الشريعة) انتهى كلامه بلفظه. ثم قال: (وكم حرموا أصناف الأطعمة ثم أباحوا ما حرموه، وفي عصرنا أباحوا أكل اللحوم في صومهم الكبير الذي طالما شددوا بتحريهما فيه) انتهى كلامه بلفظه. وفي الرسالة الثانية من كتاب الثلاث عشرة رسالة في الصفحة ٨٨:
(فرنسيس ذابادلا الكردينال يقول: إن البابا مأذون أن يعمل ما يريد حتى
[ ٣ / ٨٤١ ]
ما لا يحل أيضًا، وهو أكبر من الله سبحان الله عما يصفون) انتهى كلامه بلفظه.
ومثل [١١] أن أنفس الصديقين تتوجه إلى العذاب في المطهر وتتقلب في نيرانه حتى يمنحها البابا الغفران أو يخلصها القسوس بقداساتهم بعد استيلائهم على أثمانها، وهو غير جهنم. وأهل هذه يحصلون السندات من نواب البابا وخلفائه لتحصيل النجاة من عذابه. لكن العجب من هؤلاء العقلاء أنهم إذا اشتروا سندات من خليفة الله النافذ أمره في الأرض والسماء فلم لا يطلبون منه وصولات ممضية بختم الذين أعتقهم من العذاب، ولما كانت قدرة الباباوات تزيد يومًا فيومًا بفيض روح القدس اخترع البابا لاون العاشر للمغفرة تذاكر تعطى منه أو من وكيله للمشتري بمغفرة خطاياه الماضية والمستقبلة أيضًا، وكان مكتوبًا فيها هكذا: (ربنا يسوع المسيح يرحمك ويعفو عنك باستحقاقات آلامه المقدسة. وبعد فقد وهب لي بقدرة سلطان رسله بطرس وبولس والبابا الجليل في هذه النواحي أن أغفر لك أولًا عيوبك الاكليروسية مهما كانت ثم خطاياك ونقائصك مهما كانت تفوت الإحصاء، بل أيضًا الخطايا المحفوظ حلها للبابا، وبقدر امتداد مفاتيح الكنيسة الرومانية أغفر لك كل العذابات التي سوف تستحقها في المطهر وأردك إلى أسرار الكنيسة المقدسة وإلى اتحادها وإلى ما كنت حاصلًا عليه عند
[ ٣ / ٨٤٢ ]
عمادك من العفة والطهارة حتى أنك متى مت تغلق في وجهك أبواب العذابات وتفتح لك أبواب الفردوس وإن لم تمت الآن فهي باقية لك بفاعلية تامة إلى آخر ساعة موتك باسم الأب والابن والروح القدس آمين) كتب بيد الأخ يوحنا تنزل الوكيل الثاني. ومثل [١٢] أن مسافة جهنم فراغ مكعب في قلب الأرض كل من أضلاعه مائتا ميل. ومثل [١٣] أن البابا يرسم الصليب على نعليه وغيره على وجهه لعل نعلي البابا ليسا أدون من الصليب ومن وجوه الأساقفة الآخرين. ومثل [١٤] أن بعض القديسين وجهه كوجه الكلب وجسده كجسد الإنسان، وهو يشفع لهم عند الله.
[ ٣ / ٨٤٣ ]
قال المعلم المذكور في الصفحة ١١٤ من كتابه المذكور طاعنًا على تلك الفرقة أو الكتابة: (وربما صوروا بعض قديسين على صورة لم يخلق الله مثلها، كتصويرهم رأس كلب على جسم إنسان يسمونه القديس خريسطفورس ويقدمون له أنواع العبادة إذ يلقبونه ويسجدون أمامه ويشعلون له الشموع ويطلقون البخور ويلتمسون شفاعته، فهل يليق بالمسيحيين الاعتقاد بوجود العقل النطقي والقداسة في أدمغة الكلاب؟ أي هي من عصمة كنائسهم من الغلط؟ انتهى كلامه بلفظه.
وهذا القول هل يليق بالمسيحيين الخ صادق يقينًا، وهذا القديس مشابه لبعض قديسي مشركي الهند، ولعل محبة المسيحيين من أهل أوربا للكلاب لأجل كونها على صورة هذا القديس المكرم.
ومثل [١٥] أن خشبة الصليب وتصاوير الأب الأزلي والابن والروح القدس يسجد لها بالسجود الحقيقي العبادي وأن صور القديسين يسجد لها بالسجود الإكرامي، وإني متحير ما معنى استحقاق الأشياء الأولية للسجود العبادي، لأن تعظيمهم لخشبة الصليب لا يخلو إما أن يكون مثلها قد مس جسد المسيح، وهو ارتفع عليه بحسب
[ ٣ / ٨٤٤ ]
زعمهم، وإما لأجل أنها واسطة فداء، وإما لأجل أن دمه سال عليه. فإن كان الأول يلزم أن يكون نوع الحمير معبودًا لهم أعلى من الصليب عندهم، لأن المسيح ﵇ ركب على الأتان والجحش ومساجد المسيح وكانا موضوعي راحته ودخوله ممجدًا إلى أورشليم، والحمار يشارك الإنسان في الجنس القريب والحيوانية، فهو جسم نام حساس متحرك بالإرداة بخلاف الخشب الذي ليست له قدرة الحس والحركة. وإن كان الثاني فيهودا الاسخريوطي الدافع أحق بالتعظيم لأنه الواسطة الأولى والذريعة الكبرى للفداء، فإنه لولا تسليمه لما أمكن لليهود مسك المسيح وصلبه، ولأنه مساوٍ للمسيح ﵇ في الإنسانية وعلى صورة الإنسان الذي هو صورة الله، وكان ممتلئًا بروح القدس صاحب الكرامات والمعجزات فالعجب أن هذه الواسطة الأولى عندهم ملعونة والصغرى مباركة معظمة.
وأما الثالث فلأن الشوك المضفور إكليلًا على رأس المسيح ﵇ قد فاز أيضًا بالمنصب الأعلى، وهو سيلان الدم عليه فما باله لا يعظم ولا يعبد ويشعل بالنار، وهذا الخشب يعبد إلا أن يقولوا إن هذا سر مثل سر التثليث والاستحالة خارج عن إدراك العقول البشرية وأفحش منه تعظيم صورة أقنوم الأب، لأنك قد عرفت في الأمر الثالث والرابع من مقدمة الباب الرابع أن الله بريء من الشبه وما رآه أحد ولا يقدر أن يراه أحد في
[ ٣ / ٨٤٥ ]
الدنيا فإذا كان كذلك فأي أب من آبائهم رآه فصوره؟ ومن أين علموا أن هذه الصورة مطابقة لصورته تعالى وليست مطابقة لصورة شيطان من الشياطين، أو لصورة كافر من الكفار؟ ولم لا تعبدون كل إنسان سواء أكان مسلمًا أم كافرًا لأن الإنسان على صورة الله بحسب نص التوراة. والعجب أن البابا يسجد لهذه الصورة الوهمية الجمادية التي لا حس ولا حركة لها ويحقر صورة الله التي هي الإنسان ويمد رجله لذلك الإنسان لكي يقبل حذاءه وما ظهر لي فرق بين هؤلاء أهل الكتاب ومشركي الهند وجدت عوامهم كعوامهم وخواصهم كخواصهم في هذه العبادة وعلماء مشركي الهند يقولون مثل قول علمائهم في الاعتذار. ومثل [١٦] أن البابا هو القاضي الأعلى في الحكم على تفسير معاني الكتب واخترعت هذه العقيدة في الأجيال المتأخرة وإلا لما قدر اكستاين وفم الذهب وغيرهما من القدماء الذين لم يكونوا باباوات ولم يستأذنوهم أن يفسروا جميع الكتب المقدسة من تلقاء أنفسهم، وتفاسيرهم قبلت عند جميع كنائس عصرهم لعل الباباوات حصل لهم هذا القضاء الأعلى بمطالعة تفاسيرهم بعد ما صنفوها.
[ ٣ / ٨٤٦ ]
ومثل [١٧] أن الأساقفة والشمامسة ممنوعون من الزواج، ولذلك يفعلون ما لا يفعله المتزوجون، وقاوم في كثير من الأحيان بعض معلميهم اجتهاد الباباوات فأنقل بعض أقوالهم عن كتاب الثلاث عشرة رسالة في الرسالة الثالثة في الصفحة ١٤٤ و١٤٥:
القديس برنردوس يقول - وعظ عدد ٦٦ في نشيد الإنشاد: نزعوا من الكنيسة الزواج المكرم والمضجع الذي هو بلا دنس فملؤها بالزنا في المضاجع مع الذكور والأمهات والأخوات وبكل أنواع الإدناس. والفاروس بيلاجيوس أسقف
[ ٣ / ٨٤٧ ]
سلفًا في بلاد البورتكال سنة ١٣٠٠ يقول: يا ليت إن الأكليروسيين لم يكونوا نذروا العفة ولا سيما أكليروس سبانيا لأن أبناء الرعية هناك أكثر عددًا بيسير من أبناء الكهنوت، ويوحنا أسقف سالتزبرج في الجيل الخامس عشر كتب أنه وجد قسوسًا قلائل غير معتادين على نجاسة متكاثرة مع النساء، وأن أديرة الراهبات متدنسة مثل البيوت المخصوصة للزنا. انتهى كلامه بلفظه ملخصًا. وكيف يعتقد العصمة في حقهم إذا كانوا شابين شاربي الخمر وما نجا
[ ٣ / ٨٤٨ ]
روبيل ابن يعقوب ﵇ فزنى ببلهاء سرية أبيه، ولا يهوذا بن يعقوب ﵇ فزنى بزوجة ابنه، ولا داود ﵇ فزنى بزوجة أوريا مع كونه ذا زوجات كثيرة ولا لوط ﵇ فزنى في حالة خمار الخمر بابنتيه، وهكذا. فإذا كان حال الأنبياء وأبنائهم على عقائدهم هكذا فكيف يرجى منهم العصمة، بل الحق أن الفاروس بيلاجيوس ويوحنا صادقان في أن أبناء الرعية هناك أكثر عددًا بيسير من أبناء الكهنوت، وأن أديرة الراهبات متدنسة مثل البيوت المخصوصة للزنا.
وأمثال هذه المسائل كثيرة أطوي الكشح عن بيانها خوفًا من التطويل. فأقول:
لعل هذه المضامين العالية التي نقلتها وأمثالها لو وجدوها في القرآن لاعترفوا بأنه كلام الله وقبلوه، لكنهم لما وجدوه خاليًا منها ومن أمثالها فكيف يعترفون ويقبلون لأن المضامين الحسنة المألوفة عندهم هي هذه المضامين وأمثالها، لا المضامين التي ذكرت في القرآن. وأما بعض المضامين التي توجد في القرآن في ذكر الجنة والنار وغيرهما ويزعمون أنها قبيحة فأذكرها إن شاء الله تعالى في الشبهة الثالثة بأجوبتها فانتظر.
[ ٣ / ٨٤٩ ]
(الشبهة الثانية)
(الشبهة الثانية) أن القرآن مخالف لكتب العهد العتيق والجديد في مواضع، فلا يكون كلام الله.
والجواب: أولًا - أن هذه الكتب لما لم تثبت أسانيدها المتصلة إلى مصنفيها وكذا لم يثبت أن كل كتاب منها إلهامي قد ثبت أنها مختلفة اختلافًا معنويًا في مواضع كثيرة ومملوءة بالأغلاط الكثيرة يقينًا - كما عرفت هذه الأمور في الباب الأول - وقد ثبت التحريف فيها أيضًا كما عرفت في الباب الثاني فلا تضر مخالفتها القرآن في المواضع المذكورة، بل تكون دليلًا على كون المواضع المذكورة غلطًا أو محرفة في الكتب المذكورة كسائر الأغلاط والتحريفات التي عرفتها في البابين الأولين، وقد عرفت في الأمر الرابع من الفصل الأول من هذا الباب أن هذه المخالفة قصدية لأجل التنبيه على أن ما خالف القرآن غلط أو محرف لا أنها سهوية. (والجواب الثاني) أن المخالفة التي بين القرآن وبين كتب العهدين في ذم القسيسين على ثلاثة أنواع: (الأول) باعتبار الأحكام المنسوخة. (والثاني) باعتبار بعض الحالات التي جاء ذكرها في القرآن لا يوجد ذكرها في العهدين. (والثالث) باعتبار أن بيان بعض الحالات في القرآن يخالف بيان هذه الكتب، ولا مجال لهم أن يطعنوا على القرآن باعتبار هذه الأنواع.
(أما الأول) فلأنك قد عرفت في الباب السادس بما لا مزيد عليه أن النسخ لا يختص بالقرآن، بل وجد في الشرائع السابقة بالكثرة، وأنه لا استحالة
[ ٣ / ٨٥٠ ]
فيه، وأن الشريعة العيسوية نسخت جميع أحكام التوراة إلا تسعة أحكام من الأحكام العشرة المشهورة، وقد وقع فيها التكميل أيضًا على زعمهم، والتكميل أيضًا نوع من أنواع النسخ، فصارت هذه الأحكام أيضًا منسوخة بهذا الوجه فبعد ذلك ليس من شأن المسيحي العاقل أن يطعن على القرآن باعتبار هذا النوع.
(وأما الثاني) فهو كالأول أيضًا، وشواهده كثيرة أكتفي منها على ثلاثة عشر شاهدًا:
(الشاهد الأول) الآية التاسعة من رسالة يهودا هكذا: (وأما ميخائيل رئيس الملائكة فلما خاصم إبليس محاجًا عن جسد موسى لم يجسر أن يورد حكم افتراء، بل قال لينتهرك الرب) فمخاصمة ميخائيل إبليس عن جسد موسى لم تذكر في كتاب من كتب العهد العتيق. (الشاهد الثاني) ثم في تلك الرسالة هكذا ١٤: (وتنبأ عن هؤلاء أيضًا أخنوخ السابع من آدم قائلًا: هو ذا قد جاء الرب في ربوات قديسية) ١٥
[ ٣ / ٨٥١ ]
(ليصنع دينونة على الجميع ويعاقب جميع فجارهم على جميع أعمال فجورهم التي فجروا بها، وعلى جميع الكلمات الصعبة التي تكلم بها عليه خطاط فجار) ولا أثر لهذا الخبر أيضًا في كتاب من كتب العهد العتيق. (الشاهد الثالث) الآية الحادية والعشرون من الباب الثاني عشر من الرسالة العبرانية هكذا: (وكان المنظر هكذا مخيفًا حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد)، وهذا الحال مذكور في الباب التاسع عشر من سفر الخروج، لكن لا توجد فيه ولا في كتاب من كتب العهد العتيق هذه الفقرة: (حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد) .) الشاهد الرابع) الآية الثامنة من الباب الثالث من الرسالة الثانية إلى تيموثاوس هكذا: (وكما قاوم ينيس ويمبريس موسى) إلخ، وهذا الحال مذكور في الباب السابع من سفر الخروج ولا أثر لهذين الاسمين في هذا الباب ولا في باب آخر ولا في كتاب آخر من كتب العهد العتيق. (الشاهد الخامس) الآية السادسة من الباب الخامس عشر من الرسالة الأولى إلى أهل قورنيثوس هكذا: (وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمائة أخ أكثرهم باق إلى الآن ولكن بعضهم قد رقدوا)
[ ٣ / ٨٥٢ ]
ولا يوجد لهذا أثر في إنجيل من الأناجيل الأربعة، ولا في كتاب أعمال الحواريين مع أن لوقا أحرص الناس على تحرير أمثال هذه الأحوال.
(الشاهد السادس) في الآية الخامسة والثلاثين من الباب العشرين من كتاب الأعمال هكذا: (متذكرين كلمات الرب يسوع أنه قال مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ)، وهذا القول لا يوجد له أثر في إنجيل من الأناجيل الأربعة.
(الشاهد السابع) الأسماء التي ذكرت في الباب الأول من إنجيل متى بعد زربابل لا توجد في كتاب من كتب العهد العتيق. (الشاهد الثامن) في الباب السابع من كتاب الأعمال هكذا: ٢٣ (ولما كملت له مدة أربعين سنة خطر على باله أن يفتقد إخوته بني إسرائيل) . ٢٤: (وإذا رأى واحدًا مظلومًا حامى عنه وأنصف المغلوب إذ قتل المصري) . ٢٥: (فظن أن إخوته يفهمون أن الله على يده يعطيهم نجاة وأما هم فلم يفهموا) . ٢٦: (وفي اليوم الثاني ظهر لهم وهم يتخاصمون فساقهم إلى السلامة قائلًا: أيها الرجال أنتم أخوة لماذا تظلمون بعضكم بعضًا) ٢٧: (فالذي كان يظلم قريبه دفعه قائلًا: من أقامك رئيسًا وقاضيًا علينا) ٢٨: (أتريد أن تقتلني كما قتلت أمس المصري)،.
[ ٣ / ٨٥٣ ]
وهذا الحال مذكور في الباب الثاني من كتاب الخروج، لكن بعض الأشياء ذكرت في كتاب الأعمال وما جاء ذكرها في كتاب الخروج، وعبارة الخروج هكذا: ١١- وفي تلك الأيام لما شب موسى خرج إلى إخوته وأبصر تعبدهم ورأى رجلًا من أهل مصر يضرب رجلًا من إخوته العبرانيين) . ١٢: (فالتفت إلى الجانبين فلم ير أحدًا. فقتل المصري ودفنه في الرمل) ١٣: (وأنه خرج من اليوم الثاني ونظر إلى رجلين عبرانيين يختصمان فقال للظالم منهما: لم تضرب صاحبك؟) . ١٤: (فقال له ذلك الرجل: من جعلك سلطانًا علينا أو قاضيًا لعلك تريد قتلي كما بالأمس قتلت المصري) . (الشاهد التاسع) الآية السادسة من رسالة يهودا هكذا: (والملائكة الذين لم يحفظوا رياستهم بل تركوا مسكنهم حفظهم إلى دينونة اليوم العظيم بقيود أبدية تحت الظلام) .
(الشاهد العاشر) في الآية الرابعة من الباب الثاني من الرسالة الثانية لبطرس: (الله لم يشفق على ملائكة قد أخطئوا، بل في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم وسلمهم محروسين للقضاء) وهذا الحال الذي نقله بطرس ويهودا الحواريان لا يوجد في كتاب من كتب العهد العتيق، بل الظاهر أنه كاذب لأن المراد بهؤلاء الملائكة المحبوسين الشياطين، والشياطين ليسوا بمحبوسين بقيود أبدية كما يشهد عليه الباب الأول من كتاب أيوب والآية الثانية عشرة من الباب الأول من إنجيل
[ ٣ / ٨٥٤ ]
مرقس، والآية الثامنة من الباب الخامس من الرسالة الأولى لبطرس وغيرها من الآيات. (الشاهد الحادي عشر) الآية الثامنة عشرة من الزبور المائة والرابع على وفق الترجمة العربية، ومن الزبور المائة والخامس على وفق التراجم الأخر هكذا: (وذلت بالقيود رجلاه وبالحديد عبرت نفسه) وحال كون يوسف مسجوننا مذكور في الباب التاسع والثلاثين من سفر التكوين وليس ذلت رجليه بالقيود وعبرت نفسه بالحديد مذكورين فيه، ولا يلزم هذان الأمران للمسجون وإن كانا غالبين. (الشاهد الثاني عشر) في الآية الرابعة من الباب الثاني عشر من كتاب هوشع هكذا: (وغلب الملاك وتقوى وبكى وسأله) إلخ وحال مصارعة الملك يعقوب مذكور في الباب الثاني والثلاثين من سفر التكوين ولا يوجد فيه بكاء يعقوب. (الشاهد الثالث عشر) يوجد في الإنجيل ذكر الجنة والجحيم والقيامة وجزاء الأعمال فيها وإن كان بالإجمال، ولا أثر لهذا في الكتب الخمسة لموسى، بل لا يوجد فيها سوى المواعيد الدنيوية للمطيعين والتهديدات الدنيوية للعاصين.
[ ٣ / ٨٥٥ ]
وهكذا توجد مواضع كثيرة. فظهر مما ذكرنا أنه إذا ذكر بعض الأحوال في كتاب ولا يوجد ذكره في الكتاب المتقدم لا يلزم منه تكذيب الكتاب المتأخر وإلا يلزم أن يكون الإنجيل كاذبًا لاشتماله على الحالات التي لم تذكر في التوراة ولا في كتاب آخر من كتب العهد العتيق. فالحق أن الكتاب المتقدم لا يلزم أن يكون مشتملًا على الحالات كلها. ألا ترى أن أسماء جميع أولاد آدم وشيث وأنوس وغيرهم وكذا أحوالهم ليست مذكورة في التوراة؟ وفي تفسير دوالي ورجردمييت ذيل شرح الآية الخامسة والعشرين من الباب الرابع عشر من سفر الملوك الثاني هكذا: (لا يوجد ذكر هذا الرسول يونس إلا في هذه الآية) . وفي البلاغ المشهور الذي كان إلى أهل نينوى: (ولا يوجد في كتاب من الكتب إخباراته عن الحوادث الآتية التي جرأ بها يوربعام السلطان على محاربة سلاطين السريا وسببه ليس منحصرًا في أن الكتب الكثيرة للأنبياء لا توجد عندنا، بل سببه هذا أيضًا أن الأنبياء لم يكتبوا كثيرًا من أخبارهم عن الحوادث الآتية) انتهى. فهذا القول يدل صراحة على ما قلت،
[ ٣ / ٨٥٦ ]
والآية الثلاثون من الباب العشرين من إنجيل يوحنا هكذا: (وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب في هذا الكتاب) والآية الخامسة والعشرون من الباب الحادي والعشرين من إنجيل يوحنا هكذا: (وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة) . وهذا الكلام وإن لم يخل من المبالغة الشاعرية، لكنه لا شك يفيد أن جميع حالات عيسى ﵇ ما كتبت، فالطاعن باعتبار النوع الثاني على القرآن حاله كحال الطاعن باعتبار النوع الأول بلا تفاوت.
(وأما النوع الثالث) فلأن مثل هذه الاختلافات توجد بين كتب العهد العتيق بعضها مع بعض وبين الأناجيل بعضها مع بعض وبين الإنجيل والعهد العتيق، كما عرفت في الفصل الثالث من الباب الأول. وتوجد في النسخ الثلاث للتوراة، أعني العبرانية واليونانية والسامرية، وقد حصل لك الاطلاع على بعض الاختلافات أيضًا في الباب الثاني، لكن القسيسين من عادتهم أنهم يغلطون عوام المسلمين في كثير من الأوقات بهذه الشبهة فالأنسب أن أذكر بعض هذه الاختلافات ولا أخاف من التطويل اليسير لأنه لا يخلو من الفائدة المهمة.
[ ٣ / ٨٥٧ ]
(الاختلاف الأول) أن الزمان من خلق آدم إلى زمن الطوفان باعتبار العبرانية ألف وستمائة وست وخمسون سنة [١٦٥٦] وباعتبار اليونانية ألفان ومائتان واثنتان وستون سنة [٢٢٦٢] وعلى وفق السامرية ألف وثلثمائة وسبع سنين [١٣٠٧] . (الاختلاف الثاني) أن الزمان من الطوفان إلى ولادة إبراهيم ﵇ باعتبار العبرانية مائتان واثنتان وتسعون سنة [٢٩٢] وباعتبار اليونانية ألف واثنتان وسبعون سنة [١٠٧٢] وباعتبار السامرية تسعمائة واثنتان وأربعون سنة [٩٤٢] . (الاختلاف الثالث) يوجد في النسخة اليونانية بين أرفخشد وشالح بطن واحد، هو قينان، ولا يوجد في العبرانية والسامرية ولا في السفر الأول من أخبار الأيام، وفي تاريخ يوسيفس، لكن لوقا الإنجيلي اعتمد على اليونانية فزاد قينان في بيان نسب المسيح فيجب على المسيحيين أن يعتقدوا صحة اليونانية وكون غيرها غلطًا لئلا يلزم كذب إنجيلهم.
(الاختلاف الرابع) أن موضع بناء الهيكل أعني المسجد باعتبار العبرانية جبل عيبال، وباعتبار السامرية جبل جرزيم، وقد عرفت حال هذه الاختلافات في الباب الثاني فلا أطول الكلام في توضيحها. (الاختلاف الخامس) إن الزمان من خلق آدم إلى ميلاد المسيح باعتبار العبرانية [٤٠٠٤] وباعتبار اليونانية [٥٨٧٢] وباعتبار السامرية [٤٧٠٠] وفي المجلد الأول من تفسير هنري واسكات (أن اهليز
[ ٣ / ٨٥٨ ]
أخذ التاريخ بعد تصحيح أغلاط يوسيفس واليونانية وعلى تحقيقه من خلق العالم إلى ميلاد المسيح [٥٤١١] ومن الطوفان إلى الميلاد [٣١٥٥] انتهى. وجارلس روجر في كتابه الذي قابل فيه التراجم الإنجليزية نقل خمسة وعشرين قولًا من أقوال المؤرخين في بيان المدة التي من خلق العالم إلى ميلاد المسيح وإلى سنة ألف وثمانمائة وسبع وأربعين، ثم اعترف أنه لا يطابق قولان منها أو أن تمييز الصحيح عن الغلط محال، وأنا أنقل ترجمة كلامه وأكتفي ببيانها إلى ميلاد المسيح لأن المدة التي بعدها لا اختلاف فيها للمؤرخين فلا حاجة إلى نقل الغاية الأخرى.
[ ٣ / ٨٥٩ ]
أسماء المؤرخين المدة التي من خلق آدم إلى ميلاد المسيح
[١] ماريانوس سكونوس ٤١٩٢
[٢] لارنت يوس كودومانوس ٤١٤١
[٣] توماليديت ٤١٠٣
[٤] ميكائيل مستلي نوس ٤٠٧٩
[٥] جي بابتست رك كيولس ٤٠٦٢
[٦] جيكب سليانوس ٤٠٥٣
[٧] هنري كوس بوندانوس ٤٠٥١
[٧] وليم لينك ٤٠٤١
[٩] ارازمس ربن هولت ٤٠٢١
[١٠] جيكوبوس كيبالوس ٤٠٠٥
[١١] أرج بشب أشر ٤٠٠٣
[١٢] ديوني سيوس بتاويوس ٤٩٨٣
[١٣] بشب بك ٣٩٧٣
[١٤] كرن زيم ٣٩٧١
[١٥] ايلي اس ريوس نيروس ٣٩٧٠
[١٦] جوهانيس كلاوريوس ٣٩٦٨
[١٧] كرستيانوس لونكرمونتانوس ٣٩٦٦
[١٨] فلب ملاتختون ٣٩٦٤
[١٩] جيكب هين لي نوس ٣٩٦٣
[٢٠] الفون سوس سال مرون ٣٩٥٨
[٢١] إسكي ليكر ٣٩٤٩
[٢٢] ميتهيوس برول ديوس ٣٩٢٧
[٢٣] اندرياس هل وي كيوس ٢٨٣٦
[٢٤] الرواج العام لليهود ٣٧٦٠
[٢٥] الرواج العام للمسيحيين
[ ٣ / ٨٦٠ ]
(ولا يطابق قولان من هذه الأقوال، ومن لم يتأمل في هذا الأمر في حين من الأحيان يفهم أن هذا الأمر العجيب في غاية الإشكال، لكن الظاهر أن المؤرخين المقدسين لم يريدوا في حين من الأحيان أن يكتبوا التاريخ بالنظم ولا يمكن الآن لأحد أن يعلم العدد الصحيح) انتهى كلام جارلس روجر. فظهر من كلامه أن معرفة الصحيح الآن محال جدًا، وأن المؤرخين من أهل العهد العتيق أيضًا كتبوا ما كتبوا رجمًا بالغيب، وأن الرائج العام في اليهود يخالف الرائج العام في المسيحيين، فأنصف أيها اللبيب، إنه لو فهمت مخالفة القرآن المجيد لتاريخ من تواريخهم المقدسة التي حالها كما عرفت، لا تشك لأجل هذه المخالفة في القرآن، لا والله بل نقول إن مقدسيهم غلطوا وكتبوا ما كتبوا سيما إذا لاحظنا تواريخ العالم جزمنا أن تحرير مقدسيهم في أمثال هذه الأمور ليس له إلا رتبة الظن والتخمين، ولذلك لا نعتمد على هذه الأقوال الضعيفة.
قال العلامة تقي الدين أحمد بن علي المقريزي في المجلد الأول من تاريخه، ناقلًا عن الفقيه الحافظ أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم:
(وأما
[ ٣ / ٨٦١ ]
نحن - يعني أهل الإسلام - فلا نقطع على علم عدد معروف عندنا ومن ادعى في ذلك سبعة آلاف سنة أو أكثر أو أقل، فقد قال ما لم يأت قط عن رسول الله ﷺ فيه لفظة تصح عنه ﵇ خلافه، بل نقطع على أن للدنيا أمدًا لا يعلمه إلا الله تعالى قال الله تعالى: ﴿ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم﴾ وقال رسول الله ﷺ: (ما أنتم في الأمم قبلكم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود أو الشعرة السوداء في الثور الأبيض)، وهذه نسبة من تدبرها وعرف مقدار عدد أهل الإسلام ونسبة ما بأيديهم من معمور الأرض وأنه الأكثر علم أن للدنيا أمدًا لا يعلمه إلا الله تعالى) انتهى كلامه بلفظه، وهو مختار الفقير أيضًا والعلم التام عند الله وهو أعلم.
(الاختلاف السادس) أن الحكم الحادي عشر الزائد على الأحكام العشرة المشهورة يوجد في السامرية ولا يوجد في العبرانية.
[ ٣ / ٨٦٢ ]
(الاختلاف السابع) الآية الأربعون من الباب الثاني عشر من سفر الخروج في العبرانية هكذا: (فكان جميع ما سكن بنو إسرائيل في أرض مصر أربعمائة وثلاثين سنة) وفي السامرية واليونانية هكذا: (فكان جميع ما سكن بنو إسرائيل وآباؤهم وأجدادهم في أرض كنعان وأرض مصر أربعمائة وثلاثين سنة) والصحيح ما فيهما وما في العبرانية غلط يقينًا. (الاختلاف الثامن) في الآية الثامنة من الباب الرابع من سفر التكوين في العبرانية هكذا: (وقال قائين لهابيل أخيه ولما صار في الحقل) وفي السامرية واليونانية هكذا: (وقال قائين لهابيل أخيه تعال نخرج إلى الحقل ولما صارا في الحقل) والصحيح ما فيهما عند محققيهم. (الاختلاف التاسع) في الآية السابعة عشرة من الباب السابع من سفر التكوين في العبرانية هكذا: (وصار الطوفان أربعين يومًا على الأرض) . وفي اليونانية هكذا: (وصار الطوفان أربعين يومًا وليلة على الأرض) والصحيح ما في اليونانية. (الاختلاف العاشر) في الآية الثامنة من الباب التاسع والعشرين من سفر التكوين في العبرانية هكذا: (حتى تجتمع الماشية) .
[ ٣ / ٨٦٣ ]
وفي السامرية واليونانية وكني كات والترجمة العربية لهيوبي كينت هكذا: (حتى تجتمع الرعاة) . والصحيح ما في هذه الكتب لا ما في العبرانية. (الاختلاف الحادي عشر) في الآية الثانية والعشرين من الباب الخامس والثلاثين من سفر التكوين في العبرانية هكذا: (وضاجع بلها سرية أبيه فسمع إسرائيل) وفي اليونانية هكذا: (وضاجع بلها سرية أبيه فسمع إسرائيل وكان قبيحًا في نظره) والصحيح ما في اليونانية.
(الاختلاف الثاني عشر) في أول الآية الخامسة من الباب الرابع والأربعين من سفر التكوين توجد في اليونانية هذه الجملة: (لما سرقتم صواعي) ولا توجد في العبرانية والصحيح ما في اليونانية. (الاختلاف الثالث عشر) في الآية الخامسة والعشرين من الباب الخمسين من سفر التكوين في العبرانية هكذا: (فاذهبوا بعظامي من ههنا) وفي اليونانية والسامرية هكذا: (فاذهبوا بعظامي من ههنا معكم) . (الاختلاف الرابع عشر) في آخر الآية الثانية والعشرين من الباب الثاني من سفر الخروج في اليونانية هذه العبارة: (وولدت أيضًا غلامًا ثانيًا ودعا اسمه
[ ٣ / ٨٦٤ ]
العازار فقال من أجل أن إله أبي أعانني وخلصني من سيف فرعون) ولا توجد في العبرانية، والصحيح ما في اليونانية وأدخلها مترجمو العربية في تراجمهم. (الاختلاف الخامس عشر) في الآية العشرين من الباب السادس من سفر الخروج في العبرانية هكذا: (فولدت له هارون وموسى) وفي السامرية واليونانية هكذا: (فولدت له هارون وموسى ومريم أختهما) والصحيح ما فيهما. (الاختلاف السادس عشر) توجد في آخر الآية السادسة من الباب العاشر من سفر العدد في الترجمة اليونانية هذه العبارة: (وإذا نفخوا مرة ثالثة ترفع الخيام الغربية للارتحال، وإذا نفخوا مرة رابعة ترفع الخيام الشمالية للارتحال) ولا توجد في العبرانية والصحيح ما في اليونانية.
(الاختلاف السابع عشر) توجد في النسخة السامرية في الباب العاشر من سفر العدد ما بين الآية العاشرة والحادية عشرة هذه العبارة: (قال الرب مخاطبًا لموسى: إنكم جلستم في هذا الجبل كثيرًا فارجعوا وهلموا إلى جبل الأمورانيين وما يليه إلى العرباء وإلى أماكن الطور والأسفل قبالة التيمن وإلى شط
[ ٣ / ٨٦٥ ]
البحر أرض الكنعانيين ولبنان وإلى النهر الأكبر نهر الفرات هو ذا أعطيتكم الأرض فادخلوا ورثوا الأرض التي خلف الرب لآبائكم إبراهيم وإسحاق ويعقوب أنه سيعطيكم إياها ولخلفكم من بعدكم) انتهت. ولا توجد هذه العبارة في العبرانية. قال المفسر هارسلي في الصفحة ١٦١ من المجلد الأول من تفسيره: (توجد في النسخة السامرية ما بين الآية العاشرة والحادية عشرة من الباب العاشر من سفر العدد العبارة التي توجد في الآية السادسة والسابعة والثامنة من الباب الأول من سفر الاستثناء، وظهر هذا الأمر في عهد بروكوبيس) .
(الاختلاف الثامن عشر) في الباب العاشر من الاستثناء في العبرانية هكذا: ٦: (ثم ارتحل بنو إسرائيل من بيروت بني يعقن إلى موشرا ومات هناك هارون وقبر هناك ثم حبر بعده العازار ابنه) ٧: (ومن ثم أتوا إلى غدغادوا وارتحلوا من هناك وحلوا في يطبشا أرض المياه والسواقي) ٨: (في ذلك الزمان اعتزل سبط لاوى ليحمل التابوت الذي فيه ميثاق الرب ويقوم قدامه في الخدمة
[ ٣ / ٨٦٦ ]
ويبارك باسمه حتى إلى هذا اليوم) .
وهذه العبارة تخالف عبارة الباب الثالث والثلاثين من سفر العدد في تفصيل المراحل. وتوجد في السامرية في كتاب الاستثناء أيضًا العبارة التي في سفر العدد وعبارة سفر العدد هكذا: ٣٠: (وارتحلوا من حشمونا وأتوا مشروت) ٣١: (ومن مشروت نزلوا في بني عقان) ٣٢: (وارتحلوا من بني عقان وأتوا جبل جد جاد) ٣٣: (وارتحلوا من ثم ونزلوا في يطبث) ٣٤: (ومن يطبث أتوا عفرونا) ٣٥: (وارتحلوا من عفرونا ونزلوا في عصينجير) ٣٦: (وارتحلوا من ثم وأتوا برية سين، فهذه هي قادس) ٣٧: (وارتحلوا من قادس في هور الطور الذي في أقصى أرض أدوم) ٣٨: (ثم صعد هارون الحبر إلى هور الجبل عن أمر الرب فمات هناك في سنة أربعين من خروج بني إسرائيل من مصر في الشهر الخامس في اليوم الأول من الشهر) ٣٩: (وهارون يومئذ ابن مائة وثلاث وعشرون سنة) ٤٠: (وسمع الكنعاني ملك غارد الذي كان يسكن التيمن
[ ٣ / ٨٦٧ ]
في أرض كنعان أن جاء بنو إسرائيل) ٤١: (ثم ارتحلوا من هور الطور ونزلوا في صلمونا) ٤٢: (وارتحلوا من ثم وأتوا فينون) الخ. ونقل آدم كلارك في الصفحة ٧٧٩ و٧٨٠ من المجلد الأول من تفسيره في شرح الباب العاشر من كتاب الاستثناء تقرير كني كات في غاية الإطناب وخلاصته: (أن عبارة المتن السامري صحيحة، وعبارة العبري غلط وأربع آيات ما بين الآية الخامسة والعاشرة أعني الآية السادسة إلى التاسعة ههنا أجنبية محضة لو أسقطت ارتبط جميع العبارة ارتباطًا حسنًا، فهذه الآيات الأربع كتبت من غلط الكاتب ههنا وكانت من الباب الثاني من كتاب الاستثناء) انتهى. وبعد نقل هذا التقرير أظهر رضاه عليه وقال: (لا يعجل في إنكار هذا التقرير) . أقول يدل على إلحاقية الآيات الأربع في الجملة الأخيرة التي توجد في آخر الآية الثامنة.
(الاختلاف التاسع عشر) الآية الخامسة من الباب الثاني والثلاثين من كتاب الاستثناء في العبرانية هكذا: (هم أخرجوا نفوسهم. عيبهم ليس عيبًا يكون على أبنائه هم الجيل الأعوج المتعسف) وفي اليونانية والسامرية هكذا: (أخربوهم ليسوا له هم أبناء الغلط والعيب) وفي تفسير هنري واسكات (هذه العبارة أقرب إلى الأصل) انتهى.
[ ٣ / ٨٦٨ ]
وقال المفسر هارسلي في الصفحة ٢١٥ من المجلد الأول هكذا: (فلتقرأ هذه الآية على وفق السامرية واليونانية وهينولي كينت وكني كات والمتن العبري محرف ههنا) انتهى، وهذه الآية في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٣١ وسنة ١٨٤٤ وسنة ١٨٤٨ هكذا: (أخطوا إليه، وهو بريء من أبناء القبائح أيها الجيل الأعوج المتلوي) .
(الاختلاف العشرون) الآية الثانية من الباب العشرين من سفر التكوين في العبرانية هكذا: (قال عن سارة امرأته إنها أختي ووجه أبي ملك جرارًا وأخذها) . وفي تفسير هنري واسكات أن هذه الآية في اليونانية هكذا: (وقال عن سارة امرأته أنها أختي لأنه كان خائفًا من أن يقول إنها امرأته ظانًا أن أهل البلدة يقتلونه بسببها فوجه أبي ملك سلطان فلسطين أناسًا وأخذها) انتهى. فهذه العبارة: (لأنه كان خائفًا من أن يقول إنها امرأته ظانًا أن أهل البلدة يقتلونه بسببها) . لا توجد في العبرانية.
(الاختلاف الحادي والعشرون) توجد في الباب الثلاثين من سفر التكوين بعد الآية السادسة والثلاثين هذه العبارة في السامرية: (وقال ملك الرب ليعقوب: يا يعقوب، فقال لبيك. قال الملك ارفع طرفك وانظر إلى التيوس والفحول التي تضرب النعاج والمعز فإنهم بلقاء ومثمرة ومنقطة فقد رأيت ما فعل
[ ٣ / ٨٦٩ ]
بك لابان، أنا إله بيت ايل حيث مسحت قائمة الحجر ونذرت لي نذرًا والآن قم فاخرج من هذه الأرض إلى أرض ميلادك) ولا توجد في العبرانية.
(الاختلاف الثاني والعشرون) توجد بعد الجملة الأولى من الآية الثالثة من الباب الحادي عشر من سفر الخروج هذه العبارة في النسخة السامرية: (وقال موسى لفرعون الرب يقول إسرائيل ابني، بل بكري، فقلت لك أطلق ابني ليعبدني وأنت أبيت أن تطلقه، ها أنا ذا سأقتل ابنك بكرك) ولا توجد في العبرانية.
(الاختلاف الثالث والعشرون) الآية السابعة من الباب الرابع والعشرين من سفر العدد في العبرانية هكذا: (يجري الماء من دلوه وذريته بماء كثير فيتعالى من أجاج ملكه وترفع مملكته) وفي اليونانية: (ويظهر منه إنسان وهو يحكم على الأقوام الكثيرة وتكون
[ ٣ / ٨٧٠ ]
مملكته أعظم من مملكة أجاج وترتفع مملكته) .
(الاختلاف الرابع والعشرون) توجد في الآية الحادية والعشرين من الباب التاسع من سفر الأحبار في العبرانية هذه الجملة: (كما أمر موسى) وتوجد بدلها في اليونانية والسامرية هذه الجملة: (كما أمر الرب موسى) .
(الاختلاف الخامس والعشرون) الآية العاشرة من الباب السادس والعشرين من سفر العدد في العبرانية هكذا: (ففتحت الأرض فاها وابتلعت قورح في موت الجماعة مع المائتين والخمسين الذين أحرقتهم النار وكانت آية عظيمة)، وفي السامرية هكذا: (وابتلعتهم الأرض ولما ماتت الجماعة وأحرقت النار قورح مع المائتين والخمسين فصار عبرة) وفي تفسير هنري واسكات: (إن هذه العبارة مناسبة للسياق والآية السابعة عشرة من الزبور المائة والسادس) انتهى.
[ ٣ / ٨٧١ ]
(الاختلاف السادس والعشرون) استخرج محققهم المشهور ليكلرك اختلافات بين السامرية والعبرانية وقسمها إلى ستة أقسام:
(القسم الأول) الاختلافات التي فيها السامرية أصح من العبرانية وهي أحد عشر اختلافًا.
[ ٣ / ٨٧٢ ]
(والقسم الثاني) الاختلافات التي تقتضي القرينة والسياق فيها صحة ما في السامرية وهي سبعة اختلافات.
(والقسم الثالث) الاختلافات التي توجد فيها زيادة في السامرية وهي ثلاثة عشر اختلافًا.
(والقسم الرابع) الاختلافات التي فيها حرفت السامرية والمحرف محقق فطن، وهي سبعة عشر اختلافًا.
(والقسم الخامس) الاختلافات التي فيها السامرية ألطف مضمونًا وهي عشرة اختلافات.
(والقسم السادس) الاختلافات التي فيها السامرية ناقصة، وهما اختلافان. وتفصيل الاختلافات المذكورة هكذا:
القسم الأول: أحد عشر اختلافا القسم الثاني: سبعة اختلافات
في سفر التكوين ٩ درس ٤ باب ٢ و٣ باب ٧ و١٩ باب ١٩ و٢ باب ٢٠ و١٦ باب ٢٣ و١٤ باب ٣٤ و١٠ و١١ باب ٤٩ باب ٥٠ في سفر الخروج ٢ ٢ باب ١ و٢ باب ٤ في سفر التكوين ٦ ٤٩ باب ٣١ و٢٦ باب ٣٥ و١٧ باب ٣٧ و٣٤ و٤٣ باب ٤١ و٣ باب ٤٧ في سفر الاستثناء ١ ٥ باب ٣٢
القسم الثالث: ثلاثة عشر اختلافا
[ ٣ / ٨٧٣ ]
.. القسم الرابع: سبعة عشر اختلافا
في سفر التكوين ٣ ١٥ باب ٢٩ و٣٦ باب ٣٠ و١٦ باب ٤١ في سفر الخروج ٧ ١٨ باب ٧ و٢٣ باب ٨ و٥ باب ٩ و٢٠ باب ٢١ و٥ باب ٢٢ و١٠ باب ٣٢ و٩ باب٣٢ في سفر التكوين ١٣ ٢ باب ٢ و١٠ باب ٤ و٥ باب ٩ و١٩ باب ١٠ و٢١ باب ١١ و٣ باب ١٨ و١٢ باب ١٩ و١٦ باب ٢٠ و٣٨ و٥٥ باب ٢٤ و٧ باب ٣٥ و٦ باب ٣٦ و٥٠ باب ٣١ في سفر الخروج ٣ باب ٥ و٦ باب ١٣ و٥ باب ١٥
في سفر الأحبار ٢ ١٠ باب ١ و٤ باب ١٧ في سفر الاستثناء ١ ٢١ باب ٥
في سفر العدد ١ ٣٢ باب ٢٢
[ ٣ / ٨٧٤ ]
القسم الخامس: عشرة اختلافات القسم السادس: اختلافان
في سفر التكوين ٦ ٨ باب ٥ و٣١ باب ١١ و٩ باب ١٩ و٣٤ باب ٢٧ و٣ باب ٣٩ و٢٥ باب ٤٣ في سفر الخروج ٢ ٤٠ باب ١٢ و١٧ باب ٤٠ في سفر التكوين ٢ ١٦ باب ٢٠ و١٣ باب ٢٥
في سفر العدد ١ ١٤ باب ٤
في سفر الاستثناء١ ١٦ باب ٢٠
[ ٣ / ٨٧٥ ]
قال محققهم المشهور هورن في المجلد الثاني من تفسيره المطبوع سنة ١٨٢٢: (إن المحقق المشهور ليكلرك قابل العبرانية بالسامرية بالجد والتدقيق واستخراج هذه المواضع، وفي هذه المواضع للسامرية بالنسبة إلى العبرانية نوع صحة) انتهى.
ولا يظن أحد انحصار مواضع المخالفة بين العبرانية والسامرية في الستين على ما حقق ليكلرك، لأن الاختلاف الرابع والثامن والعاشر والخامس عشر والسابع عشر والثامن عشر والثاني والعشرين والرابع والعشرين والخامس والعشرين ليست بداخلة في هذه الستين، بل مقصود ليكلرك ضبط المواضع التي فيها مخالفة كثيرة بين النسختين عنده، ولم يدخل في هذه الستين مما ذكرت إلا أربعة اختلافات، فإذا أخذنا جميع الاختلافات المذكورة في الشواهد الستة والعشرين بعد إسقاط المشترك صار اثنين وثمانين شاهدًا من الاختلافات التي بين النسخ الثلاث للتوراة، فأكتفي عليها ولا أذكر الاختلافات التي بين العبرانية واليونانية بالنسبة إلى الكتب الأخرى من العهد العتيق خوفًا من التطويل، وهذا القدر يكفي اللبيب. وظهر أن قول الطاعن باعتبار النوع
[ ٣ / ٨٧٦ ]
(الشبهة الثالثة)
الثالث أيضًا ساقط عن الاعتبار بمثل سقوطه باعتبار النوعين الأولين.
(الشبهة الثالثة) يوجد في القرآن أن الهداية والضلال من جانب الله تعالى، وأن الجنة مشتملة على الأنهار والحور والقصور، وأن الجهاد على الكفار مأمور به وهذه المضامين قبيحة تدل على أن القرآن ليس كلام الله، وهذه الشبهة أيضًا من أقوى شبههم قلما تخلو رسالة من رسائلهم تكون في رد أهل الإسلام ولا توجد فيها هذه الشبهة، ولهم في بيانها على قدر اختلاف أذهانهم تقريرات عجيبة يتحير الناظر من تعصباتهم بعد ملاحظة هذه التقريرات.
(أقول) في الجواب عن الأمر الأول أنه قد وقع في مواضع من كتبهم المقدسة أمثال هذا المضمون فيلزم عليهم أن يقولوا إن كتبهم المقدسة ليست من جانب الله يقينًا، وأنا أنقل بعض الآيات عنها ليظهر الحال للناظر - الآية الحادية والعشرون من الباب الرابع من سفر الخروج هكذا: (وقال له الرب وهو راجع إلى مصر انظر جميع العجائب التي وضعتها بيدك أعملها قدام فرعون فأنا أقسي قلبه فلا يطلق الشعب) .
[ ٣ / ٨٧٧ ]
ثم قول الله في الآية الثالثة من الباب السابع من سفر الخروج هكذا: (إني أقسي قلب فرعون وأكثر آياتي وعجائبي في أرض مصر) وفي الباب العاشر من سفر الخروج هكذا: ١: (وقال الرب لموسى ادخل عند فرعون لأني قسيت قلبه وقلوب عبيده لكي أصنع به آياتي هذه) ٢٠: (وقسى الرب قلب فرعون ولم يطلق بني إسرائيل) ٢٧: (فقسى الرب قلب فرعون ولم يشأ أن يرسلهم) وفي الآية العاشرة من الباب الحادي عشر من سفر الخروج هكذا: (وقسى الرب قلب فرعون فلم يرسل بني إسرائيل من أرضه) فظهر من هذه الآيات أن الله كان قد قسى قلوب فرعون وعبيده لتكثير معجزات موسى ﵇ في أرض مصر.
والآية الرابعة من الباب التاسع والعشرين من كتاب الاستثناء هكذا: (ولم يعطيكم الرب قلبًا فهيمًا ولا عيونًا تنظرون بها ولا آذانًا تسمعون بها حتى اليوم) . والآية العاشرة من الباب السادس من كتاب أشعيا هكذا: (أعم قلب هذا الشعب وثقل آذانه وغمض عيونه لئلا يبصر بعينه ويسمع بأذنه ويفهم بقلبه ويتوب فأشفيه) . والآية الثامنة من الباب الحادي عشر من الرسالة الرومية هكذا: (كما هو مكتوب أعطاهم الله روح سبات وعيونًا لا يبصرون بها وآذانًا لا يسمعون بها حتى اليوم) .
وفي الباب الثاني عشر من إنجيل يوحنا هكذا: (لم يقدروا أن يؤمنوا لأن
[ ٣ / ٨٧٨ ]
أشعيا قال أيضًا قد عمى عيونهم وأغلظ قلوبهم لئلا يبصروا بعيونهم ويشعروا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم) فعلم من التوراة وكتاب أشعيا والإنجيل أن الله أعمى عيون بني إسرائيل وأغلظ قلوبهم وأثقل آذانهم لئلا يتوبوا فيشفيهم فلذلك لا يبصرون الحق ولا يتفكرون فيه ولا يسمعونه، ولا يزيد معنى ختم الله على القلوب والسمع على هذا. والآية السابعة عشرة من الباب الثالث والستين من كتاب أشعيا في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٦٧١ وسنة ١٨٣١ وسنة ١٨٤٤ هكذا: (لماذا أضللتنا يا رب عن طرقك أقسيت قلوبنا أن لا نخشاك فالتفت بسبب عبيدك سبط ميراثك) .
والآية التاسعة من الباب الرابع عشر من كتاب حزقيال في التراجم المسطورة هكذا: (والنبي إذا ضل وتكلم بكلام فأنا الرب أضللت ذلك النبي وأمد يدي عليه وأهلكه من بين شعبي إسرائيل) فوقع في كلام أشعيا صراحة: (أضللتنا يا رب وأقسيت قلوبنا) وفي كلام حزقيال: (أنا الرب أضللت ذلك النبي) .
وفي الباب الثاني والعشرين من سفر الملوك الأول هكذا: ١٩: (ثم قال ميخا أيضًا من أجل هذا فاسمع قول الرب: رأيت الرب جالسًا على كرسيه وجميع أجناد السماء قيامًا حوله عن يمينه وعن شماله) ٢٠: (فقال الرب من يخدع أخاب ملك إسرائيل فيصعد ليسقط تراموث جلعاد وقال بعضهم قولًا
[ ٣ / ٨٧٩ ]
وقال بعضهم قولْ أخر) ٢١: (فخرج روح وقام قدام الرب وقال أنا أخدعه فقال له الرب بماذا) ٢٢: (فقال أنا أخرج فأكون روح ضلالة في أفواه جميع أنبيائه، فقال له الرب تخدع وتقدر على ذلك اخرج وافعل وكذلك) ٢٣: (والآن قد جعل الرب روح ضلالة في أفواه جميع أنبيائك) وكانوا نحو أربعمائة (هؤلاء والرب قال عليك بالشر) وهذه الرواية صريحة في أن الله تعالى يجلس على كرسيه وينعقد عنده محفل المشاورة للاغواء والخدع (كما ينعقد محفل بارلمنت في لندن لأجل بعض أمور السلطنة) فيحضر جميع أجناد السماء، فبعد المشاورة يرسل روح الضلالة فيقع هذا الروح في الأفواه ويضل الناس. فانظر أيها اللبيب إذا كان الله وأجناد السماء يريدون إغواء الإنسان فكيف ينجو الإنسان الضعيف، وههنا عجب آخر وهو أن الله شاور وأرسل روح الضلالة بعد المشاورة ليخدع أخاب فكيف أظهر ميخا الرسول سر محفل الشورى ونبه أخاب عليه.
وفي الباب الثاني من الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيقي هكذا: ١١: (ولأجل هذا) أي لعدم قبولهم محبة الحق (سيرسل إليهم عمل الضلال حتى يصدقوا
[ ٣ / ٨٨٠ ]
الكذب) ٣٤: (لكي يدان جميع الذين لم يصدقوا الحق بل سروا بالإثم) . فمقدسهم ينادي أن الله يرسل إلى الهالكين عمل الضلال أولًا فيصدقون الكذب فيدينهم، وإذا فرغ المسيح ﵇ من توبيخ المدن التي لم يتب أهلها فقال: (أحمدك أيها الأب رب السماء والأرض لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال، نعم أيها الأب لأن هكذا صارت المسرة أمامك) كما هو مصرح في الباب الحادي عشر من إنجيل متى، فالمسيح ﵇ يصرح بأن الله أخفى الحق عن الحكماء فأظهره للأطفال ويحمد على هذا الأمر ويقول وكان رضا الله هكذا، والآية السابعة من الباب الخامس والأربعين من كتاب أشعيا في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٦٧١ وسنة ١٨٣١ هكذا: (المصور النور والخالق الظلمة الصانع السلام والخالق الشر أنا الرب الصانع هذه جميعها) .
وفي الترجمة الفارسية المطبوعة سنة ١٨٣٨ هكذا: (سازنده نور وافر يننده تاريكي منم صلح دهنده وظاهر كننده شر منكه خداوندم ابن همه أشيار بوجود مي آرام) وفي الآية الثامنة والثلاثين من الباب الثالث من مراثي أرمياء هكذا: (أمن فم الرب لا يخرج الشر والخير) وفي الترجمة الفارسية المطبوعة سنة ١٨٣٨: (آياخير وشرازدهان خداصادر نمي شود) والاستفهام إنكاري والمراد أن الخير والشر كلاهما يصدران عن الله تعالى. وفي الآية الثانية عشرة من الباب الأول من كتاب ميخا في التراجم المذكورة هكذا: فإن الشر نزل من قبل الرب إلى باب أورشليم) . وفي الترجمة الفارسية المطبوعة سنة ١٨٣٨: (أما هربدي بردر وازه أورشليم أزخد أوندنازل شد) فظهر أن خالق الشر هو الله تعالى كما هو خالق الخير.
[ ٣ / ٨٨١ ]
وفي الباب الثامن من الرسالة الرومية هكذا: ٢٩: (لأن الذين عرفهم بسبق علم قصدهم أن يكونوا شركاء لشبه ابنه ليكون هو بكر الأخوة كثيرين) ٣٠: (والذين سبق فعينهم فهؤلاء دعاهم أيضًا) الخ وفي الباب التاسع من الرسالة المذكورة ١١: (وهما لم يولدا بعد ولا فعلًا خيرًا وشرًا لكي يثبت قصد الله حسب الاختيار ليس من الأعمال بل من الذي يدعو) ١٢: (قيل لها إن الكبير يستعبد للصغير) ١٣: (كما هو مكتوب أحببت يعقوب وأبغضت عيسو) ١٤: (فإذا نقول ألعل عند الله ظلمًا حاشا) ١٥: (لأنه يقول لموسى ارحم من أرحم وترأف على من أترأف) ١٦: (فإذن ليس لمن يشأ ولا لمن يسعى بل الله الذي يرحم) ١٧: (لأنه يقول الكتاب لفرعون إني لهذا بعينه أقمتك لكي أظهر فيك قوتي ولكي ينادي
[ ٣ / ٨٨٢ ]
باسمي في كل الأرض) ١٨: (فإذن هو يرحم من يشاء ويقسي من يشاء) ١٩: (فستقول لي: لماذا يلوم بعد لأن من يقاوم مشيئته) ٢٠: (بل من أنت أيها الإنسان الذي تجاوب الله ألعل الجبلة تقول لجابلها لماذا صنعتني هكذا؟) ٢١: (أم ليس للخزاف سلطان على الطين أن يصنع من كتلة واحدة إناء للكرامة وآخر للهوان) فهذه العبارة من مقدسهم كافية لإثبات القدر، وكون الهداية والضلال من جانبه.
ولنعم ما قال أشعيا ﵇ في الآية التاسعة من الباب الخامس والأربعين من كتابه: (الويل لمن يخالف جابلة خزف من خزاف الأرض هل يقول الطين لجابله ماذا تصنع هل يقول عملك ليس اليدان لك) وبالنظر إلى هذه الآيات لعل مقتدى فرقة بروتستنت لو طرمال إلى الجبر كما يدل عليه ظاهر كلامه ذكر في الصفحة ٢٧٧ من المجلد التاسع من كاثلك هرلد أقوال المقتدى الممدوح فأنقل عنها قولين: ١ (طبع الإنسان كالفرس إن ركبه الله يمشي كما يريد وإن ركبه الشيطان يمشي كما يمشي الشيطان، وهو لا يختار راكبًا من نفسه بل يجتهد الركبان أن أيًا منهم يحصله ويتسلط عليه) ٢ (إذا وجد أمر في الكتب المقدسة بأن افعلوا هذا الأمر فافهموا أن هذه الكتب تأمر عدم فعل هذا الأمر الحسن لأنك لا تقدر على فعله) انتهى. فالظاهر من كلامه أنه يعتقد الجبر.
[ ٣ / ٨٨٣ ]
وقال القسيس طامس أنكلس كاتلك في الصفحة ٣٣ من كتابه المسمى بمرآة الصدق المطبوع سنة ١٨٥١ طاعنًا على فرقة بروتستنت هكذا: (وعاظهم القدماء علموهم هذه الأقوال المكروهة) ١ (أن الله موجد العصيان) ٢ (وأن الإنسان ليس مختارًا على أن يجتنب عن الإثم) ٣ (وأن العمل على الأحكام العشرة غير ممكن) ٤ (وأن الكبائر وإن كانت عظيمة لا توصل الإنسان إلى النقص في نظر الله) ٥ (وأن الإيمان فقط ينجي الإنسان لأننا ندان بالإيمان فقط وهذا التعليم أنفع وتعليم مملوء بالطمأنينة) ٦ (وأن أب إصلاح الدين يعني لوطر قال آمنوا فقط واعلموا يقينًا أنه يحصل لكم النجاة بلا مشقة الصوم وبلا مؤنة التقوى وبلا مشقة الاعتراف وبلا مشقة الأمور الحسنة ولكم نجاة نفيسة بلا شبهة كما للمسيح نفسه أذنبوا بالجرأة التامة أذنبوا وآمنوا فقط وينجيكم بالإيمان وإن ابتليتم في يوم واحد ألف مرة بالزنا أو القتل آمنوا فقط أنا أقول إن إيمانكم ينجيكم) انتهى،.
[ ٣ / ٨٨٤ ]
فظهر أن ما قال علماء بروتستنت في الأمر الأول في حق القرآن مردود بلا شبهة مخالف لكتبهم المقدسة، ولقول مقتداهم: ولا يلزم من خلق الشر أن يكون الله شريرًا كما لا يلزم من خلق السواد والبياض وغيرهما من الأعراض أن يكون أسود أو أبيض، والحكمة في خلق الشر كما هي في خلق الشيطان الذي هو أصل الشرور ورأس المفاسد مع علم الله الأزلي بأن الشيطان يصدر عنه كذا وكذا، وكما هي في خلق الشهوة والحرص في طبع الإنسان مع علمه الأزلي بما يترتب عليهما في كل فرد من أفراد الإنسان وكما كان الله قادرًا على أن لا يخلق الشيطان أو يخلقه ولا يعطيه القدرة على الإغراء ويمنعه عن الشر، ومع ذلك خلق ولم يمنعه عن الشر لحكمة ما، فكذلك قادر على أن لا يخلق الشر ولكنه في خلقه له حكمة ما.
(وأما الجواب عن الأمر الثاني) فهو أنه لا قبح في كون الجنة مشتملة على الحور والقصور وسائر النعيم عند العقل، ولا يقول أهل الإسلام إن لذات الجنة مقصورة على اللذات الجسمانية فقط كما يقول علماء بروتستنت غلطًا أو تغليطًا للعوام، بل يعتقدون بنص القرآن أن الجنة تشتمل على اللذات الروحانية والجسمانية، والأولى أفضل من الثانية ويحصل كلا النوعين للمؤمنين. قال الله في سورة التوبة: ﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم﴾ فقوله ورضوان من الله - الآية - معناه أن رضوانًا من الله أكبر
[ ٣ / ٨٨٥ ]
منزلة من كل ما سلف ذكره من الجنات والأنهار والمساكن الطيبة وهذا القول يدل على أن أفضل ما يعطي الله في الجنة هي اللذات الروحانية وإن كان يعطي اللذات الجسمانية أيضًا. ولذلك قال ذلك هو الفوز العظيم، لأن الإنسان مخلوق من جوهرين لطيف علوي وكثيف سفلي جسماني، وانضم إليهما حصول سعادة وشقاوة، فإذا حصلت الخيرات الجسمانية وانضم إليها حصول السعادات الروحانية، كان الروح فائزًا بالسعادات اللائقة به والجسد واصلًا إلى السعادات اللائقة به، ولا شك أن ذلك هو الفوز العظيم، وإن قال علماء بروتستنت إن اجتماعهما أيضًا في الجنة قبيح في عقولنا. أقول لهم لا تضطربوا فإنه لا يحصل لكم إن شاء الله، وقد عرفت في الباب الأول أن الإنجيل عندنا عبارة عما أنزل على عيسى ﵇ فقط، فلو وجد في قول من الأقوال المسيحية ما يخالف ظاهره حكم القرآن، فمع قطع النظر عن أنه مروي برواية الآحاد، وعن أن مخالفة كتبهم المقدسة لا تضر القرآن، كما عرفت في جواب الشبهة الثانية.
أقول إن ذلك القول يكون مئولًا ألبتة، وكون أهل الجنة كالملائكة في زعمهم لا ينافي الأكل والشرب على حكم كتبهم، ألا يرون أن الملائكة الثلاثة الذين ظهروا لإبراهيم وأحضر لهم إبراهيم ﵇ عجلًا حنيذًا وسمنًا ولبنًا أكلوا هذه الأشياء كما صرح به في الباب الثامن عشر من سفر التكوين، وأن
[ ٣ / ٨٨٦ ]
الملكين اللذين جاءا إلى لوط ﵇ وصنع لهما وليمة وخبزًا فطيرًا أكلا كما صرح به في الباب التاسع عشر من سفر التكوين، والعجب أنهم لما اعترفوا بالحشر الجسماني فأي استبعاد في اللذات الجسمانية، نعم لو كانوا منكرين للحشر مطلقًا كمشركي العرب، أو كانوا منكرين للحشر الجسماني ومعترفين بالحشر الروحاني كاتباع أرسطو لكان لاستبعادهم وجه بحسب الظاهر. وعندهم تجسد الله وما انفك عنه الأكل والشرب وسائر اللوازم الجسدانية باعتبار أنه إنسان، ولما لم يكن عيسى ﵇ مرتاضًا مثل يحيى في الاجتناب عن الأطعمة النفسية وشرب الخمر كان المنكرون يطعنون عليه بأنه أكول وشريب كما هو مصرح به في الباب الحادي عشر من إنجيل متى.
[ ٣ / ٨٨٧ ]
(الشبهة الرابعة)
وعندنا هذا الطعن مردود لكنا نقول إنه لا شك أن عيسى ﵇ باعتبار الجسمية كان إنسانًا فقط، فكما أن الأطعمة النفيسة وشرب الخمر ما كانا مانعين في حقه ﵇ عن اللذات الروحانية مع كونه في هذه الدار الدنيا بل كان على حضرته غلبة الأحكام الروحانية، فكذلك اللذات الجسمانية لا تكون مانعة عن اللذات الروحانية لأهل الجنة مع كونهم في النشأة الأخرى.
(وأما الجواب عن الأمر الثالث) فيجيء في الباب السادس إن شاء الله لأن الجهاد في مطاعن النبي ﷺ عندهم من أعظم المطاعن فأذكره في المطاعن هناك.
(الشبهة الرابعة) أن القرآن لا يوجد فيه ما يقتضيه الروح ويتمناه. (والجواب) أن ما يقتضيه الروح ويمتناه أمران: الاعتقادات الكاملة والأعمال الصالحة، والقرآن مشتمل على بيان كلا النوعين على أكمل وجه كما عرفت في جواب الشبهة الأولى، ولا يلزم من عدم بعض الأمور التي هي مقتضيات الروح على زعم علماء بروتستنت نقصان القرآن كما لا يلزم نقصان التوراة والإنجيل والقرآن من عدم الأمر الذي هو مقتضى الروح على زعم علماء مشركي الهند من البراهمة، كما سمعت منهم أنهم يقولون إن ذبح الحيوان لأجل الأكل والتلذذ خلاف مقتضى الروح وغير مستحسن عند العقل جدًا، ولا يتصور أن يحصل له الإجازة فيه من جانب الله، فالكتاب المشتمل عليه لا يكون من جانب الله.
(الشبهة الخامسة)
[ ٣ / ٨٨٨ ]
يوجد في القرآن الاختلافات المعنوية مثلًا، قوله: ﴿لا إكراه في الدين﴾ وقوله في سورة الغاشية: ﴿فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر﴾ وقوله في سورة النور: ﴿قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حُمّل وعليكم ما حُمِّلتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ . وهذه الآيات تخالف الآيات التي فيها أمر الجهاد. ووقع في أكثر الآيات أن المسيح إنسان ورسول فقط، ووقع في موضع بضدها أنه ليس من جنس البشر بل منزلته أعلى منه. الأول قوله في سورة النساء: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ والثاني قوله في سورة التحريم: ﴿ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا﴾ وهذان الاختلافان من أعظم الاختلافات في زعم القسيسين ولذا اكتفى عليهما صاحب ميزان الحق في الفصل الثالث من الباب الثالث منه. (وأقول) في الجواب عن الاختلاف الأول أن هذا ليس باختلاف، بل هذا الحكم كان قبل الجهاد فلما نزل حكم الجهاد نسخ هذا الحكم، والنسخ ليس باختلاف معنوي وإلا يلزم أن يكون بين الإنجيل والتوراة في جميع الأحكام المنسوخة اختلاف معنوي، وكذا في نفس أحكام التوراة وكذا في نفس أحكام الإنجيل كما عرفت في الباب الثالث بما لا مزيد عليه، على أن
[ ٣ / ٨٨٩ ]
قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ ليس بمنسوخ وقد عرفت الجواب عن الاختلاف الثاني في الأمر السابع من مقدمة الكتاب وظهر لك هناك أن القولين المذكورين لا يدلان على أن عيسى بن مريم ليس من جنس البشر وفهم هذا المعنى وهم صرف وظن فاسد، والعجب من هؤلاء العقلاء أنهم لا يرون الاختلافات والأغلاط التي وقعت في كتبهم كما علمت بعضًا منها في الفصل الثالث من الباب الأول.
[ ٣ / ٨٩٠ ]
(الفائدة الأولى)
الفصل الثالث: في إثبات صحة الأحاديث النبوية في كتب الصحاح من كتب أهل السنة والجماعة.
وهذا الفصل مشتمل على ثلاث فوائد:
(الفائدة الأولى) جمهور أهل الكتاب من اليهود والمسيحيين كانوا يعتبرون سلفًا وخلفًا الروايات اللسانية كالمكتوب، بل جمهور اليهود يعتبرونها اعتبارًا أزيد من المكتوب، وفرقة كتلك تعتبرها مساوية له وتعتقد أن كليهما واجبا التسليم وأصلان للإيمان وجمهور بروتستنت من المسيحيين أنكروها كما أنكرها الصادوقيون من فرقة اليهود، وهؤلاء المنكرون من بروتستنت كانوا مضطرين في إنكارها، لأنهم لو لم ينكروها لما أمكن لهم بيان أصول ملتهم وعقائدهم الجديدة، لكنهم مع ذلك يحتاجون إليها في مواضع كثيرة ويوجد سند اعتبارها من كتبهم المقدسة، كما سيظهر لك جميع هذه الأمور إن شاء الله تعالى.
قال آدم كلارك في شرح ديباجة كتاب عزرا في المجلد الثاني من تفسيره المطبوع سنة ١٧٥١: (قانون اليهود كان منقسمًا على نوعين، مكتوب ويقولون له التوراة، وغير مكتوب ويقولون له الروايات اللسانية التي وصلت إليهم بوساطة المشايخ، ويدعون أن الله كان أعطى موسى كلا
[ ٣ / ٨٩١ ]
النوعين على جبل الطور فوصل إلينا أحدهما بواسطة الكتابة وثانيهما بواسطة المشايخ بأن نقلوها جيلًا بعد جيل، ولهذا يعتقدون أن كليهما مساويان في المرتبة ومن جانب الله وواجبا التسليم، بل يرجحون الثاني ويقولون إن القانون المكتوب ناقص مغلق في كثير من المواضع، ولا يمكن أن يكون أصل الإيمان على الوجه الكامل بدون اعتبار الرواية اللسانية، وهذه الرواية واضحة وأكمل، وتشرح القانون المكتوب وتكمله، ولهذا يردون معاني القانون المكتوب إذا كانت مخالفة للروايات اللسانية، واشتهر فيما بينهم أن العهد المأخوذ من بني إسرائيل ما كان لأجل القانون المكتوب، بل كان لأجل هذه الروايات اللسانية، فكأنهم بهذه الحيلة نبذوا القانون المكتوب وجعلوا الروايات اللسانية مبنى دينهم وإيمانهم، كما أن الرومانيين الكاتوليكيين في ملتهم اختاروا هذه الطريقة ويفسرون كلام الله على حسب هذه الروايات، وإن كان هذا المعنى الروايتي مخالفًا لمواضع كثيرة، ووصلت حالتهم في زمان ربنا إلى مرتبة ألزمهم الرب في هذا الأمر بأنهم يبطلون كلام الله لأجل سنتهم، ومن عهد الرب أفرطوا فيه جدًا حتى عظموا هذه الروايات أزيد من المكتوب. وفي كتبهم أن ألفاظ المشايخ أحب من ألفاظ التوراة وألفاظ التوراة بعضها جيدة وبعضها غير جيدة، وألفاظ المشايخ كلها جيدة، وألفاظهم أجود جدًا من ألفاظ الأنبياء.
ومرادهم بألفاظ المشايخ هذه الروايات اللسانية التي وصلت إليهم بواسطة المشايخ.
[ ٣ / ٨٩٢ ]
وأيضًا في كتبهم أن المكتوب كالماء ومسنا وطالموت الذين رواياتهم مضبوطة فيهما مثل الخمر ذات الأباريز، وأيضًا في كتبهم أن القانون المكتوب كالملح ومسنا وطالموت مثل الفلفل والأبازير العذبة ومثلها أقوال أخر يعلم منها أنهم يعظمون الروايات اللسانية أزيد من القانون المكتوب ويفهمون كلام الله على ما يفهم شرحه من هذه الروايات فكان القانون المكتوب عندهم بمنزلة الجسد الميت والروايات اللسانية بمنزلة الروح الذي به الحياة، ويقولون في كون هذه الروايات أصلًا أن الله لما أعطى موسى التوراة فأعطاه معاني التوراة أيضًا وأمر أن يكتب الأول ويحفظ الثاني ويبلغه بالرواية اللسانية فقط، وهكذا تنقل جيل بعد جيل، ولذلك يطلقون على الأول لفظ القانون المكتوب وعلى الثاني لفظ القانون اللساني، والفتاوى التي تكون مطابقة لهذه الروايات يسمونها قوانين موسى التي حصلت على جبل سيناء ويدعون كما أن موسى حصل له التوراة في الأربعين يومًا التي كانت المكالمة بينه وبين الله على جبل سيناء، فكذلك حصلت له هذه الروايات اللسانية أيضًا وجاء بهما موسى من الجبل وبلغهما إلى بني إسرائيل بأن طلب هارون في الخيمة بعد ما راجع عن الجبل فعلمه القانون المكتوب أولًا ثم الروايات اللسانية التي هي معاني القانون المكتوب كما وجدهما من الله وقام هارون بعد ما تعلم وجلس على يمين موسى ودخل العازار وأيتامار ابنا هارون وتعلما كما تعلم أبوهما، وقال فجلس أحدهما على يسار موسى والآخر على يمين هارون فدخل المشايخ السبعون وتعلموا القانونين وجلسوا في الخيمة، ثم تعلم الناس الذين كانوا مشتاقين للتعلم، ثم قام موسى وقرأ هارون ما تعلم وقام، ثم قرأ العازار وايتامار وقام ثم قرأ المشايخ
السبعون ما تعلموا على الناس فسمع كل من هؤلاء الناس هذا القانون أربع مرات وحفظوا حفظًا جيدًا ثم أخبر هؤلاء بعد ما خرجوا سائر بني إسرائيل فبلغوا
[ ٣ / ٨٩٣ ]
القانون المكتوب بواساطة الكتابة وبلغوا معانيها بالرواية إلى الجيل الثاني، وكانت الأحكام في المتن المكتوب ستمائة وثلاثة عشر فقسموا القانون بحسبها ويقولون إن موسى جمع بني إسرائيل كلهم في أول الشهر الحادي عشر من السنة الأربعين من خروج مصر وأخبرهم بموته، وأمر بأن أحدًا إن نسي قولًا من القانون الإلهي الذي وصل بواسطتي إليه يجيء إلي ويسألني وكذلك إن كان لأحد اعتراض على قول من أقوال القانون يجيء إلي لأرفع ذلك الاعتراض وكان مشتغلًا بالتعليم إلى حياته الباقية يعني من أول الشهر الحادي عشر إلى السادس من الشهر الثاني عشر وعن القانون المكتوب وغير المكتوب وأعطى بني إسرائيل من القانون المكتوب ثلاث عشرة نسخة مكتوبة بيده بأن أعطى كل فرقة فرقة نسخة نسخة لتبقى محفوظة فيما بينهم جيلًا بعد جيل، وأعطى بني لاوى نسخة أخرى أيضًا لتبقى محفوظة أيضًا في الهيكل وقرأ القانون الغير المكتوب أعني الروايات اللسانية على يوشع.
وصعد على جبل نبو في اليوم السابع من الشهر ومات هناك وفوض يوشع بعد موت موسى هذه الروايات إلى المشايخ وهم فوضوا إلى الأنبياء فكان نبي يوصلها إلى نبي آخر إلى أن أوصل أرمياء إلى باروخ وباروخ إلى عذرا وعذرا إلى مجمع العلماء الذين كان شمعون صادق آخرهم وهو أوصل إلى اينيتي كونوس وهو إلى يوثي بن يختان وهو إلى يوسي بن يوسير وهو إلى نتهان الأريلي ويوشع بن برخيا وهما إلى يهودا بن
[ ٣ / ٨٩٤ ]
يحيى وشمعون بن شطاه، وهما إلى شمايا وأبي طليون وهما إلى هلل وهو إلى ابنه شمعون، والمظنون أن شمعون هذا هو شمعون الذي أخذ ربنا المنجي على اليدين إذ جاءت مريم به إلى الهيكل بعد ما تمت أيام تطهيرها وهو أوصل إلى كملئيل ابنه وكملئيل هذا هو الذي تعلم منه بولس وهو أوصل إلى شمعون ابنه وهو إلى كملئيل ابنه وهو إلى شمعون ابنه وهو إلى رب يهودا حق دوش ابنه، وجمع يهودا هذا هذه الروايات في كتاب سماه مسنا انتهى.
(ثم قال إن اليهود يعظمون هذا الكتاب تعظيمًا بليغًا ويعتقدون أن ما فيه هو كله من جانب الله أوحى إلى موسى على جبل سيناء مثل القانون المكتوب ولهذا هو واجب التسليم مثله ومنذ صنف هذا الكتاب صار رائجًا بينهم رواجًا تامًا بالدرس والتدريس، وكتب عليه علماؤهم الكبار شرحين أحدهما في القرن الثالث في أورشليم والثاني في ابتداء القرن السادس في بابل واسم كل من هذين الشرحين كمرالان، معنى كمرا في اللغة الكمال، وقد حصل التوضيح التام للمتن في هذين الشرحين في ظنهم وإذا جمع الشرح والمتن يقال لهذا المجموع طالموت ويقال للتمييز طالموت أورشليم وطالموت بابل، وكان مذهبهم
[ ٣ / ٨٩٥ ]
الرائج الآن كله مندرجًا في هذين الطالموتين اللذين كتب الأنبياء خارجة عنهما ولما كان طالموت أورشليم مغلقًا فلذلك الآن اعتبار طالموت بابل عندهم زائد) انتهى وقال هورن في الباب السابع من الحصة الأولى من المجلد الثاني من تفسيره المطبوع سنة ١٨٢٢: (مسنا كتاب مشتمل على روايات اليهود المختلفة وشروح متون الكتب المقدسة، وظنهم في حقه ان الله لما أعطى موسى التورات على جبل طور سيناء أعطاه هذه الروايات أيضًا في ذلك الحين ووصلت من موسى إلى هارون والعازار ويوشع ومنهم إلى الأنبياء الآخرين ومن هؤلاء الأنبياء إلى المشايخ الآخرين وهكذا وصلت من جيل إلى جيل إلى أن وصلت إلى شمعون وهذا شمعون هو شمعون الذي أخذ ربنا المنجي على يديه ووصلت منه إلى كملئيل ومنه إلى يهودا حق دوش أي المقدس وهو جمعها في آخر القرن الثاني بمشقة في أربعين سنة في كتاب، وهذا الكتاب من هذا الوقت بطنًا بعد بطن مستعمل في اليهود وكثيرًا ما يكون عزة هذا الكتاب زائدًا على القانون المكتوب) انتهى.
(ثم قال على مسنا شرحان يسمى كل منهما كمرا أحدهما كمر أورشليم الذي كتب في أورشليم على رأي بعض المحققين في القرن الثالث وعلى رأي فادرمون في القرن الخامس والثاني كمرا بابل الذي كتب في القرن السادس في بابل، وكمرا هذا مملوء بالحكايات الواهية لكنه عند اليهود معتبر عظيم ودرسه وتدريسه رائجان فيهم، ويرجعون إليه في كل مشكل مذعنين بأنه مرشد لهم، ويقال كمرا لأن معنى كمرا الكمال، وظنهم أن هذا الشرح كمال التوراة ولا يمكن أن يكون شرح أفضل منه، ولا حاجة إلى شرح آخر، وإذا انضم بالمتن كمرا أورشليم يقال للمجموع طالموت أورشليم وإذا انضم به كمرا بابل يقال للمجموع طالموت بابل)
[ ٣ / ٨٩٦ ]
انتهى، فظهر من تحرير هذين المفسرين أربعة أشياء:
(الأول) أن اليهود يعتبرون الرواية اللسانية كالتوراة بل كثيرًا ما يعظمونها تعظيمًا زائدًا عليه ويفهمون أنها بمنزلة الروح والتوراة بمنزلة الجسد وإذا كان حال التوراة هكذا فكيف حال الكتب الأخر.
(والثاني) أن هذه الروايات جمعها يهودا حق دوش في آخر القرن الثاني وكانت محفوظة بالحفظ اللساني إلى ألف وسبعمائة سنة، ووقع على اليهود في أثناء هذه المدة آفات عظيمة ودواهي جسيمة مثل حادثة بخت نصر
[ ٣ / ٨٩٧ ]
وانيتوكس وطيطوس وغيرها بحيث انقطع التواتر في هذه الحوادث وضاعت الكتب كما عرفت في الباب الثاني، ومع ذلك عندهم اعتبارها أزيد من التوراة.
(والثالث) أن هذه الروايات في أكثر الطبقات مروية برواية واحد واحد مثل كلمئيل الأول والثاني شمعون الثاني والثالث، وهؤلاء ما كانوا من الأنبياء عند اليهود وكانوا عند المسيحيين من أشد الكفار المنكرين للمسيح ومع ذلك هذه الروايات عند اليهود مبنى الإيمان وأصل العقائد وعندنا الحديث الصحيح المروي برواية الآحاد لا يكون مبنى العقائد.
[ ٣ / ٨٩٨ ]
(والرابع) أن كمرا بابل لما كتب في القرن السادس فحكاياته الواهية على قول هورن كانت محفوظة بالرواية اللسانية فقط إلى مدة هي أزيد من ألفين، فإذا عرفت حال اليهود باعتراف محققي فرقة بروتستنت فاعلم الآن حال جمهور القدماء المسيحية. قال يوسي بيس الذي تاريخه معتبر عند علماء كاتلك وبروتستنت في الباب التاسع من الكتاب الثاني من تاريخه المطبوع سنة ١٨٤٨ في الصفحة ٨٧ في بيان حال يعقوب الحواري (أن كليمنس نقل حكاية قابلة للحفظ في كتابه السابع في بيان حال يعقوب، هذا والظاهر أن كليمنس نقل هذه الحكاية عن الروايات اللسانية التي وصلت إليه من الآباء والأجداد) .
ثم نقل ٢ في الباب الثالث والعشرين من الكتاب الثالث قول أرينيوس في الصفحة ١٢٣: (كنيسة أفسس التي بناها بولس وأقام فيها يوحنا الحواري إلى عهد سلطنة ترجان شاهد ذو إيمان لأحاديث الحواريين) .
[ ٣ / ٨٩٩ ]
ثم نقل ٣ في تلك الصفحة قول كلمينس: (اسمعوا في حق يوحنا الحواري حكاية ليست بكاذبة بل هي صادقة محققة بقيت في الصدور محفوظة) ثم قال ٤ في الباب الرابع والعشرين من الكتاب الثالث في الصفحة ١٢٦: (تلاميذ المسيح مثل الحواريين الاثني عشر والسبعين رسولًا وكثير من أناس آخرين لم يكونوا غير واقفين على الحالات المذكورة) . أي الحالات التي كتبها الإنجيليون (لكن كتبها منهم متى ويوحنا فقط وعلم من الرواية اللسانية أن تحريرهما أيضًا كان لأجل الضرورة) . ثم قال ٥ في الباب الثامن والعشرين من الكتاب الثالث في الصفحة ١٣٢: (كتب أرينيوس في كتابه الثالث حالًا هو حري بأن يكتب، ووصل إليه هذا الحال من يوليكارب بالرواية اللسانية) . ثم قال ٦ في الباب الخامس من الكتاب الرابع في الصفحة ١٤٧: (لم أر حال أساقفة أورشليم بالترتيب في كتاب لكنه ثبت بالرواية اللسانية أنهم بقوا مدة قليلة) . ثم قال ٧ في الباب السادس والثلاثين من الكتاب الثالث في الصفحة ١٣٨: (وصل إلينا بالرواية اللسانية أنهم لما أذهبوا اكناثيوث إلى الروم
[ ٣ / ٩٠٠ ]
ليقتلوه بإلقائه بين أيدي السباع لأجل كونه مسيحيًا ومريابشيا في حفاظة العسكريين فقوى الكنائس المختلفة في أثناء الطريق بنصائحه وأقواله وأخبرهم عن البدعات التي كانت منتشرة في تلك الأيام أو كانت حدثت، ووصاهم باللصوق بالروايات اللسانية لصوقًا قويًا واستحسن أيضًا لأجل زيادة الحفظ أن كتب هذه الروايات وأثبت شهادته عليها) .
ثم قال ٨ في الباب التاسع والثلاثين من الكتاب الثالث في الصفحة ١٤٢: (قال بي ببس في ديباجة كتابه اكتب لانتفاعكم جميع الأشياء التي وصلت من المشايخ إلي وحفظتها بعد التحقيق التام ليثبت زيادة تحقيقها بشهادتي عليها لأني ما رضيت من قديم الزمان بسماع الأحاديث من الذين يلغون كثيرًا ويعلمون نصائح أخرى أيضًا، بل سمعت الأحاديث من الذين لا يعلمون إلا النصائح الحقة التي هي مروية من ربنا الصادق، ومن لقيته من متبعي المشايخ سألته عن هذا أن اندراوس أو بطرس أو فيلبس أو ثوما أو يعقوب أو متى أو شخص آخر من تلاميذ ربنا أو أرستيون أو القسيس يوحنا مريد ربنا ماذا قال، لأن الفائدة التي حصلتها من ألسنة الأحباء ما حصلتها من الكتب) . ثم قال ٩ في الباب الثامن من الكتاب الرابع في الصفحة ١٥١: (هجيسي بوس من مؤرخي الكنيسة مشهور ونقلت عن تأليفاته أشياء كثيرة
[ ٣ / ٩٠١ ]
نقلها عن الحواريين بالروايات اللسانية وكتب هذا المصنف مسائل الحواريين التي وصلت إليه بالرواية اللسانية بعبارة سهلة في خمس كتب) .
ثم نقل ١٠ في الباب الرابع عشر من الكتاب الرابع قول أرينيوس في بيان حال بوليكارت في الصفحة ١٥٨: (علم بوليكارت دائمًا ما تعلمه من الحواريين وبلغته الكنيسة بالرواية وكانت مسألة صادقة) . ثم نقل ١١ في الباب السادس من الكتاب الخامس عن قول أرينوس فهرست أساقفة الروم وقال في الصفحة ٢٠١: (الآن إلى تهيروس أسقفها الثاني عشر من السلسلة التي وصل إلينا بواسطتها الصدق والروايات اللسانية من الحواريين) . ثم نقل ١٢ في الباب الحادي عشر من الكتاب الخامس قول كليمنس في الصفحة ٢٠٦: (ما كتبت هذه الكتب لطلب الرفعة بل لظن كبرسني ولأن تكون ترياقات لنسياني جمعتها على طريق التفسير كأنها شروح للمسائل الإلهامية التي صرت بها معظمًا بعد ما تعلمتها من الصادقين المباركين، ومنهم بوني كوس الذي كان في يونان والثاني الذي كان يقيم في ميكنيا كريشيا كان أحدهما سريانيًا والآخر مصريًا وكان الباقون من سكان المشرق كان واحد منهم أشوريًا وواحد منهم عبرانيًا من أهل فلسطين والشيخ الذي
[ ٣ / ٩٠٢ ]
وصلت آخر إلى خدمته كان مختفيًا في مصر وكان أفضل من المشايخ كلهم، وما طلبت شيخًا آخر بعده لأن أحدًا ما كان أفضل منه وهؤلاء المشايخ حفظوا الروايات الصادقة التي هي منقولة من بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس جيلًا بعد جيل) .
ثم نقل ١٣ في الباب العشرين من الكتاب الخامس قول أرينيوس في الصفحة ٢١٩: (سمعت بفضل الله هذه الأحاديث بالإمعان التام وكتبتها في صدري لا في القرطاس وعادتي من قديم الأيام أني أكررها بالديانة) . ثم قال ١٤ في الباب الرابع والعشرين من الكتاب الخامس في الصفحة ٢٢٢: (كتب بولي كراتيس الأسقف رواية وصلت إليه بالرواية اللسانية في كتابه الذي أرسله إلى وكتر وكنيسة الروم) . ثم قال ١٥ في الباب الخامس والعشرين من الكتاب الخامس في الصفحة ٢٢٦: (ناركثوس وتهيوفلوس وكاسيوس من أساقفة فلسطين وأسقف كنيسة اسور وأسقف تولمائي كلاروس والأشخاص الآخرون الذين جاؤوا مع هؤلاء الأساقفة قدموا أمورًا كثيرة في حق الرواية التي وصلت إليهم في باب عيد الفصح من الحواريين منقولة بالرواية اللسانية جيلًا بعد جيل وكتبوا في آخر الكتاب أن أرسلوا نقوله إلى الكنائس لئلا يبقى للذين يضلون عن الصراط المستقيم سريعًا موضع الفرار) . ثم قال ١٦ في الباب الثالث عشر من الكتاب السادس في بيان حال كليمنس اسكندريانوس الذي كان من أتباع تابعي الحواريين في الصفحة ٢٤٦: (أنه قال في كتابه الذي ألف في بيان عيد الفصح أن الأحباء طلبوا مني أن أكتب لنفع الأجيال الآتية، الروايات التي سمعتها من الأساقفة) .
[ ٣ / ٩٠٣ ]
ثم قال ١٧ في الباب الحادي والثلاثين من الكتاب السادس في الصفحة ٢٦٣: (ايفريكاتوس في رسالته التي هي موجودة إلى هذا الحين وكان أرسلها إلى ارستيديس يبين التطبيق بين بياني متى ولوقا في نسب المسيح باعتبار الرواية التي وصلت إليه من الآباء والأجداد) انتهى كلامه.
وعلم من أقواله السبعة عشر أن القدماء المسيحية كانوا يعتبرون الرواية اعتبارًا عظيمًا وقال جان ملتر كاتلك في كتابه الذي طبع في بلد دربي سنة ١٨٤٣ في رسالته العاشرة التي أرسلها إلى جيمس برون: (إني كتبت فيما قبل أيضًا أن مبنى إيمان كاتلك ليس كلام الله الذي هو مكتوب فقط بل أعم مكتوبًا كان أو غير مكتوب، يعني الكتب المقدسة والروايات اللسانية على ما شرحتهما كنيسة كاتلك به) . ثم قال في تلك الرسالة ٢ (أن أرينيوس قال في الباب الخامس من المجلد الثالث من كتابه إنه لا يوجد لطالبي الحق أمر سهل من أن يتفحصوا في كل كنيسة عن الروايات اللسانية التي هي منقولة عن الحواريين وأظهروها في العالم كله) . ثم قال في تلك الرسالة ٣: (أن أرينيوس قال في الباب الثالث من المجلد الأول من كتابه أن ألسنة الأقوام وإن كانت مختلفة، لكن حقيقة الرواية اللسانية في كل موضع متحدة، كنائس الجرمن ليست مخالفة في التعليم والعقائد لكنائس فرانس وأسبانيا والمشرق ومصر وليبيا) .
[ ٣ / ٩٠٤ ]
ثم قال في تلك الرسالة ٤: (إن أرينيوس قال في الباب الثاني من المجلد الثالث ولما كان تحرير سلاسل الكنائس كلها يفضي إلى التطويل فلذلك نرجع إلى رواية وعقيدة كنيسة الروم التي هي قديمة وعظيمة ومشهورة جدًا وبناها بطرس وبولس والكنائس كلها موافقة لها لأن الروايات اللسانية المنقولة عن الحواريين جيلًا بعد جيل كلها محفوظة فيها) .
ثم قال في تلك الرسالة ٥: (أن أرينيوس قال في الباب الرابع والستين من الكتاب الرابع ولو فرضنا أن الحواريين لم يتركوا الكتب لنا فنقول إنه أما كان لازمًا علينا أن نطيع الأحكام التي ثبتت بالرواية اللسانية التي هي منقولة عن الحواريين وكانوا سلموها للناس الذين سلموها للكنيسة وهذه الروايات هي التي يعمل بحسبها الوحشيون الذين آمنوا بالمسيح بلا استعمال الحروف والمداد) .
ثم قال في تلك الرسالة ٦: (إن ترتولين قال في كتابه الذي ألفه لرد أهل البدعة وطبع في بلد رهنان في الصفحة ٣٦ و٣٧: إن عادة أهل البدعة أنهم يتمسكون بالكتب المقدسة ويستدلون ويقولون إنه ليس غير الكتب المقدسة المكتوبة شيئًا قابلًا لأن يجعل مبنى الإيمان، ويقال بحسبه، ويعجزون بهذه الحيلة الأقوياء ويلقون الضعفاء في شبكاتهم، ويوقعون المتوسطين في الشك، ولذا نقول لا تجيزوا هؤلاء أبدًا أن يناظروا مستدلين بالكتب المقدسة لأنه لا تترتب على المباحثة التي تكون بالكتب المقدسة فائدة ما غير أن يصير الدماغ والبطن خاليين فلذلك طريقة الرجوع إلى الكتب المقدسة غلط، لأنه لا يحصل انفصال أمر من هذه الكتب، وإن حصل شيء يكون على الوجه الناقص، ولو لم يكن هذا الأمر أيضًا كانت طريقة المباحثة في تلك الصورة أيضًا أن يحقق أولًا أن الكتب المقدسة علاقتها من أي الناس
[ ٣ / ٩٠٥ ]
وبلغ أي شخص إلى أي شخص في أي وقت الرواية التي صرنا بسببها مسيحيين، لأن الموضع الذي يوجد فيه أحكام الدين المسيحي وعقائده يوجد فيه صدق الإنجيل ومعانيه وجميع روايات الدين المسيحي التي هي لسانية. ثم قال في تلك الرسالة ٧: (إن أرجن قال إنه لا يليق بنا أن نعتبر الناس الذين ينقلون عن الكتب المقدسة ثم يقولون إن الكلام في بيتكم فانظروا فيه لأنه لا يليق بنا أن نترك الرواية الأولى التي في الكنيسة أو نعتقد غير ما بلغ إلينا كنائس الله برواية مسلسلة) . ثم قال في تلك الرسالة ٨: كتب باسليوس أن المسائل الكثيرة محفوظة في الكنيسة يوعظ بها أخذت بعضها من الكتب المقدسة وبعضها من الروايات اللسانية وقوتهما في الدين مساوية، ومن كان له وقوف ما على الشريعة العيسوية لا يعترض على هذا) .
ثم قال في تلك الرسالة: قال أبي فانيس في كتابه الذي ألفه في مقابلة المبتدعين ولنستعمل الرواية اللسانية لأن جميع الأشياء لا توجد في الكتب المقدسة) . ثم قال في تلك الرسالة ١٩: (إن كريزاستم صرح في شرح الآية ٣ الرابعة عشر من الباب الثاني من الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيقي ظهر من هذا صراحة أن الحواريين لم يبلغوا الأشياء كلها إلينا بواسطة التحرير، بل بلغوا أشياء كثيرة بدون التحرير أيضًا وكلتاهما متساويتان في الاعتبار ولذلك
[ ٣ / ٩٠٦ ]
فلنلاحظ أن رواية الكنيسة منشأ الإيمان، وإذا ثبت شيء بالرواية اللسانية فلا نطلب زائدًا عليه) .
ثم قال في تلك الرسالة ١١: (إن اكستائن كتب في حق الشخص الذي حصل له الاصطباغ من المبتدعين أنه وإن لم يوجد السند التحريري في هذا الباب لكنه فليلاحظ أن هذا الرسم أخذ من الرواية اللسانية لأن الأشياء الكثيرة تسلم الكنيسة العامة أن الحواريين قرروها وهي ليست بمكتوبة) . ثم قال في تلك الرسالة ١٢: (إن الأسقف وان سنت قال: فليفسر المبتدعون الكتب المقدسة على وفق رواية الكنيسة العامة) انتهى كلامه. وعلم من أقواله الاثني عشر أن الروايات اللسانية مبنى إيمان فرقة كاتلك وكانت معتبرة عند القدماء. وفي الصفحة ٦٤ من المجلد الثالث من كاتلك هرلد: (أورد رب موسى قدسي شواهد كثيرة على أن متن الكلام المقدس لا يفهم بدون معونة الحديث والرواية اللسانية، واقتدى مشايخ كاتلك بهذه القاعدة في كل وقت) .
[٢] (وقال ترتولين فليرجع لإدراك الشيء الذي علم المسيح الحواريين إلى الكنائس التي بناها الحواريون وعلموها بتحريراتهم ورواياتهم اللسانية انتهى. فعلم من هذه العبارات المذكورة أن اليهود عندهم تعظيم الروايات والأحاديث أزيد من تعظيم التوراة، وأن جمهور القدماء المسيحية مثل كليمنس وأرينيوس وهجيسي بوس وبوليكارب وبولي كراتيس وتاركثوس وتهيوفلوس وكاسيوس وكلاروس وكليمنس اسكندريانوس وايفريكانوس
[ ٣ / ٩٠٧ ]
وترتولين وأرجن وباسلنوس وأبي فانيس وكريزاستم واكستاين وون سنت الأسقف وغيرهم، كانوا يعظمون الروايات اللسانية ويعتبرونها، واكناثيوس كان من وصاياه في آخر عمره التشبث بالروايات اللسانية تشبثًا قويًا، وكليمنس قال في وصف مشايخه إنهم حفظوا الروايات الصادقة المروية عن بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس جيلًا بعد جيل، وأبي فانيس قال الفائدة التي حصلتها من ألسنة الأحياء ما حصلتها من الكتب، وأرينوس قال سمعت الأحاديث بفضل الله بالإمعان التام وكتبتها في صدري لا في القرطاس، وعادتي من قديم الأيام أني أكررها دائمًا بالديانة، وقال أيضًا أنه لا يوجد لطالبي الحق أمر أسهل من أن يتفحصوا في كل كنيسة عن الروايات اللسانية التي هي منقولة عن الحواريين وأظهروها في العالم كله، وقال أيضًا لو فرضنا أن الحواريين لم يتركوا الكتب لنا فنقول إنه أما كان لازمًا علينا أن نطيع الأحكام التي ثبتت بالروايات اللسانية التي هي منقولة عن الحواريين، وارجن وترتولين يلومان على منكري الأحاديث، وباسليوس قال المسائل المأخوذة من الكتب المقدسة والمأخوذة من الأحاديث كلتاهما متساويتان في القوة، وكريزاستم قال كلتاهما متساويتان في الاعتبار ورواية الكنيسة منشأ الإيمان، وإذا ثبت شيء بالرواية اللسانية فلا نطلب زائدًا عليه،
[ ٣ / ٩٠٨ ]
واكستائن صرح أن الأشياء الكثيرة تسلم
الكنيسة العامة أن الحواريين قرروها وإنها ليست بمكتوبة، فالإنصاف أن رد الجميع لا يخلو عن تعصب وجهل، ويكذب هذا الأمر إنجيلهم أيضًا في الآية.
[١] الرابعة والثلاثين من الباب الرابع من إنجيل مرقس هكذا: (وبدون مثل لم يكن يكلمهم وإما على انفراد، فكان يفسر لتلاميذه كل شيء) ويبعد أن لا يكون هذه التفسيرات كلها أو بعضها مروية، وأن يكون الحواريون محتاجين إلى التفسير ومعاصرونا لا يكونون كذلك.
[٢] والآية الخامسة والعشرون من الباب الحادي والعشرين من إنجيل يوحنا هكذا: (وأشياء أخرى كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة، وكلام الإنجيل وإن لم يخل عن المبالغة والغلو لكنه لا شك أن قوله وأشياء أخرى كثيرة يشمل جميع أفعال المسيح معجزات كانت أو غيرها، ويبعد أن لا يكون شيء منها مرويًا بالرواية اللسانية) .
[٣] والآية الخامسة عشر من الباب الثاني من الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيقي هكذا: (فاثبتوا إذن أيها الأخوة وتمسكوا بالتعاليم التي تعلمتموها سواء كان بالكلام أم برسالتنا) . وقوله سواء كان بالكلام أم برسالتنا، يدل صراحة على أن بعض الأشياء وصلت إليهم بواسطة التحرير وبعضها بالكلام مشافهة، فلا بد أن يكون كلاهما معتبرين عند المسيحيين كما صرح كريزاستم في شرح هذا الموضع على ما عرفت.
[٤] وفي الآية الرابعة والثلاثين من الباب الحادي عشر من الرسالة الأولى
[ ٣ / ٩٠٩ ]
إلى أهل فورنيثوس في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤ هكذا:
(فأما سائر الأشياء فسأوصيكم بها إذا قدمت إليكم) ومن البين أن هذه الأشياء الباقية أوصاهم بها شفاهًا عندما جاء إليهم وهذه لم تكتب ويبعد أن لا يكون شيء منها مرويًا.
[٥] والآية الثالثة عشر من الباب الأول من الرسالة الثانية إلى تيموثاوس هكذا: (تمسك بصورة الكلام الصحيح الذي سمعته مني في الإيمان والمحبة التي في المسيح يسوع) . فقوله الذي سمعته مني يدل على أنه سمع بعض الأشياء شفاهًا.
[٦] والآية الثانية من الباب الثاني من الرسالة المذكورة هكذا: وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناسًا أمناء يكونون كفؤًا أن يعلموا آخرين أيضًا) فهنا مقدسهم يأمر تيموثاوس أن يعلم الأناس الأمناء الأحاديث التي سمعها منه، وأن يعلم الأمناء أناسًا آخرين فلا بد أن تكون هذه الروايات مروية.
(٧) وفي آخر الرسالة الثانية ليوحنا هكذا: (إذ كان لي كثير لأكتب إليكم لم أرد أن يكون بورق وحبر لأني أرجو أن آتي إليكم وأتكلم بالفم لكي يكون فرحنا كاملًا) .
[٨] وفي آخر الرسالة الثالثة هكذا: (وكان لي كثير لأكتبه لكنني لست أريد أن أكتب إليك بحبر وقلم ولكنني أرجو أن أراك عن قريب فنتكلم بالفم)، فهاتان الآيتان تدلان على أن يوحنا قال في المشافهة أشياء كثيرة على
[ ٣ / ٩١٠ ]
ما وعد ويبعد أن لا تكون هذه الأشياء كلها أو بعضها مروية برواية. فظهر مما ذكرنا أن من أنكر من فرقة بروتستنت اعتبار الأحاديث مطلقًا في الملة المسيحية فهو إما جاهل أو متعسف عنيد، وقوله مخالف لكتبه المقدسة ولجمهور علمائه من القدماء، وهو داخل في زمرة المبتدعين على قول بعض القدماء، ومع ذلك لا بد له من اعتبارها في كثير من هوسات فرقته مثل أن الابن مساوٍ للأب في الجوهر، وأن الروح القدس منشق من الأب والابن، وأن المسيح ذو طبيعتين وأقنوم واحد، وأنه ذو إرادتين إلهية وإنسانية، وأنه بعد ما مات نزل الجحيم، وغيرها من هوساتهم، مع أن هذه الكلمات لا توجد بعينها في العهد الجديد، وما اعتقدوا هذه الأمور إلا من الأحاديث والتقليدات، وأيضًا يلزم عليه أن ينكر كثير من أجزاء كتبه المقدسة مثل أن ينكر إنجيل مرقص ولوقا وتسعة عشر بابًا من كتاب أعمال الحواريين، لأنها كتبت بالروايات اللسانية لا بالمشاهدة ولا بالوحي كما عرفت في الباب الأول، ومثل أن ينكر خمسة أبواب من الخامس والعشرين إلى التاسع والعشرين من سفر الأمثال لأنها جمعت في عهد حزقيا من الروايات اللسانية التي كانت جارية بينهم، وما بين زمان الجمع وموت سليمان ﵇ مدة مائتين وسبعين سنة.
[ ٣ / ٩١١ ]
الآية الأولى من الباب الخامس والعشرين من السفر المذكور هكذا: هذه أيضًا أمثال سليمان التي استكتبتها أصدقاء حزقيا ملك يهوذا) قال آدم كلارك المفسر في تفسيره المطبوع سنة ١٨٥١ ذيل شرح هذه الآية: (يعلم أن في آخر هذا السفر أمثالًا جمعت بأمر حزقيا السلطان من الروايات اللسانية التي كانت جارية من عهد سليمان فجمعوا هذه الأمثال منها وجعلوها ضميمة هذا السفر، ويمكن أن يكون المراد بأحباء حزقيا أشعيا وشنيا وغيرهما من الأنبياء الذين كانوا في ذلك العهد.
فتكون تلك الضميمة مثل السفر الباقي سندًا وإلا كيف ضموها بالكتاب المقدس) انتهى، فقوله جمعت بأمر حزقيا السلطان من الروايات اللسانية صريح فيما قلت، وقوله ويمكن أن يكون المراد إلخ، مردود لأنه مجرد احتمال لا يتم على المخالف بدون السند الكامل وليس عنده سند بل يقول احتمالًا ورجمًا بالغيب، وقوله كيف ضموها بالكتاب المقدس مردود، لأن اليهود كان عندهم اعتبار الروايات أزيد من اعتبار التوراة، فإذا صارت التوراة سندًا عندهم معتبرًا مع أنها جمعت من روايات المشايخ بعد ألف وسبعمائة سنة تقريبًا، وكذا صارت قصص كمرا بابل معتبرة مع أنها جمعت بعد ألفي سنة، فأي مانع من اعتبار الأبواب الخمسة التي جمعت بعد مائتين وسبعين سنة، ولقد أنصف بعض المحققين من علماء بروتستنت واعترف أن الروايات اللسانية أيضًا معتبرة مثل المكتوب في الصفحة ٦٣ من المجلد الثاني من كاتلك هرلد هكذا: (إن داكتر
[ ٣ / ٩١٢ ]
بريت الذي هو من فضلاء بروتستنت قال في الصفحة ٧٣ من كتابه إن هذا الأمر ظاهر من الكتب المقدسة أن الدين العيسوي صار مفوضًا إلى الأساقفة الأولين وتابعي الحواريين بالرواية اللسانية وكانوا مأمورين بأن يحافظوا عليه، ويفوضوه إلى الجيل المتأخر، ولا يثبت من كتاب مقدس سواء كان كتاب بولس أو غيره من الحواريين أنهم كتبوا متفقين أو منفردين جميع الأشياء التي لها دخل في النجاة، وجعلوا قانونًا يفهم منه أنه لا يوجد فيه شيء ضروري له دخل في النجاة غير المكتوب، وقال في الصفحة ٣٢ و٣٣ من الكتاب المذكور ترى بولس وغيره من الحواريين أنهم كما بلغوا إلينا الأحاديث بواسطة التحرير كذلك بلغوا بواسطة الرواية اللسانية أيضًا والويل للذين لا يحفظونهما، والأحاديث العيسوية في أمر الإيمان سند كالمكتوب، انتهى كلام داكتربريت.
وقال أسقف مون نيك: (إن أحاديث الحواريين سند كمكتوباتهم ولا ينكر أحد من بروتستنت أن تقرير الحواريين اللساني أزيد من تحريرهم) وقال جلنك ورتهه: (إن هذا النزاع أن أي إنجيل قانوني وأي إنجيل ليس بقانوني يزول بالرواية اللسانية التي هي قاعدة الإنصاف لكل نزاع) انتهى كلام كاتلك هرلد. وقال القسيس طامس أنكلس كاتلك في الصفحة ١٨٠ و١٨١ من كتابه المسمى بمرآة الصدق المطبوع سنة ١٨٥١: (يشهد أسقف ماني سيك من علماء بروتستنت أن ستمائة أمر قررها الله في الدين وتؤمر الكنيسة بها ويقبل في حقها أن الكتاب المقدس ما بينها في موضع وما عملها) انتهى. فعلى اعتراف هذا الفاضل ستمائة أمر ثبتت بالرواية اللسانية وواجبه التسليم عند فرقة بروتستنت.
[ ٣ / ٩١٣ ]
(الفائدة الثانية)
(الفائدة الثانية): هذا الأمر ظاهر بالتجربة الصحيحة أن الأمر العجيب أو المهتم بشأنه يكون محفوظًا لأكثر الناس، وخلافه لا يبقى محفوظًا غالبًا لعدم الاهتمام، ولذلك إذا سألت الناس الذين لا يكونون متعودين على أكل طعام واحد مخصوص أو أطعمة مخصوصة ماذا أكلتم أمس أو قبل أمس لا يكون محفوظًا لأكثرهم غالبًا لعدم الاهتمام بهذا الأمر وعدم كونه عجيبًا أو عظيمًا وهكذا الحال في أكثر الأفعال العامة، والأقوال العامة وإذا سألت عن حال الكوكب الذي كان من ذوات الأذناب وظهر في شهر صفر سنة ١٢٥٩ من الهجرة وشهر مارس سنة ١٨٤٣ من الميلاد وكان ظاهرًا في الجو إلى شهر وكان في غاية الطول يكون محفوظًا للكثيرين من ناظريه وإن لم يكن شهر ظهوره، وعامه محفوظين لهم وقد مضت عليه مدة أزيد من إحدى وعشرين سنة وكذلك حال الزلازل العظيمة والمحاربات الشديدة والأمور النادرة، ولما كان اهتمام المسلمين بحفظ القرآن في كل قرن، يوجد فيهم من حفاظ القرآن في هذا العصر أيضًا أزيد من مائة ألف في الديار الإسلامية كلها وإن زالت سلطنة أهل الإسلام من أكثر أقطار الممالك ووقع الفتور في الأمور الدينية في أكبر أقطارهم ومن كان شاكًا في هذا الأمر من المسيحيين فليجرب وليدخل في الجامع الأزهر فقط فيجد في كل وقت أكثر من ألف حافظ من حفاظ القرآن الذين حفظوه بالتجويد التام، ولو تتبع قرى مصر لا يجد قرية من قرى أهل الإسلام تكون خالية عن حفاظ القرآن ووجد كثيرًا من البغالين والحمارين من أهل مصر أيضًا حافظين للقرآن، فإن أنصف اعترف البتة أن هؤلاء الحمارين والبغالين فائقون في هذا الباب على البابا والأساقفة والقسوس الذين يوجدون شرقًا وغربًا في هذا الزمان الذي هو زمان شيوع العلم في المسيحيين، فضلًا عن القرون السالفة المسيحية من الجيل السابع إلى
[ ٣ / ٩١٤ ]
الجيل الخامس
عشر التي كان الجهل فيها بمنزلة شعار العلماء في تلك القرون على اعتراف علماء بروتستنت، وظني أنه لا يوجد في جميع ديار أوربا كلها عشرة من حفاظ الإنجيل أو التوراة أو كليهما بحيث يساوي حفظهم لأحدهما أو لكليهما حفظ هؤلاء البغالين والحمارين للقرآن، وقد عرفت في الفائدة الأولى قول أرينيوس أنه قال: (سمعت بفضل الله هذه الأحاديث بالإمعان التام وكتبتها في صدري لا في قرطاس وعادتي من قديم الأيام أني أكررها بالديانة) . وقال أيضًا: (ألسنة الأقوام وإن كانت مختلفة لكن حقيقة الرواية اللسانية متحدة في كل موضع، فإن كنائس الجرمن ليست مخالفة في التعليم والعقائد لكنائس فرانس وأسبانيا والمشرق ومصر وليبيا) .
وقال وليم ميور في الباب الثالث من تاريخ كليسيا المطبوع سنة ١٨٤٨: (القدماء المسيحية ما كان عندهم عقيدة مكتوبة من عقائد الإيمان التي اعتقادها ضروري للنجاة وكانت تعلم للأطفال وللذين كانوا يدخلون في الملة المسيحية تعليمًا لسانيًا، وهذه العقائد كانت متحدة قربًا وبعدًا، ثم لما ضبطوها بالكتابة وقابلوها وجدوها مطابقة وما وجدوا فيها غير الاختلاف القليل اللفظي وما كان فرق في أصل المطلب) انتهى كلامه، فعلم أن الأمر الذي يكون مهتمًا بشأنه يكون محفوظًا ولا يتطرق فيه خلل بمرور مدة طويلة، وهذا الأمر ظاهر في القرآن وقد مضت مدة ألف ومائتين
[ ٣ / ٩١٥ ]
(الفائدة الثالثة)
وثمانين سنة وهو كما أنه محفوظ بواسطة الكتابة في كل قرن فكذلك محفوظ في كل قرن أيضًا بواسطة صدور ألوف من الرجال، وأكثر فرق المسيحيين في هذا الزمان أيضًا بحيث لو لاحظنا حال كبار علمائهم وخواصهم فضلًا عن عوامهم، وجدناهم أنه لا يحصل لهم تلاوة كتبهم المقدسة، قال المعلم ميخائيل مشاقة من علماء بروتستنت في خاتمة كتابه المسمى بالدليل إلى طاعة الإنجيل المطبوع سنة ١٨٤٩ في الصفحة ٣١٦: (أنني ذات يوم سألت كاهنًا) من كهنة كاتلك (أن يجيبني بالصدق عن مطالعة الكتاب المقدس وكم مرة قرأه في مدة حياته فقال إنه كان يقرأ أحيانًا وربما جملة أسفار لم يقرأها ولكن منذ اثنتي عشرة سنة لأجل انهماكه في خدمة الرعية لم يبق له فرصة المطالعة فيه، ولا يخلو أن كثيرين من الشعب يعرفون جهالة هؤلاء الاكليرس ولكنهم مع ذلك ينقادون إلى إرشادهم في المنع عن مطالعة الكتب المفيدة التي ترشدهم إليها) انتهى كلامه بلفظه.
(الفائدة الثالثة) الحديث الصحيح أيضًا معتبر عند أهل الإسلام على الوجه الذي سنفصله ولما كان قول رسول الله ﷺ (اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فمن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) متواتر رواه
[ ٣ / ٩١٦ ]
اثنان وستون صحابيًا منهم العشرة المبشرة. كان أهل الإسلام مهتمين بالأحاديث النبوية من القرن الأول، وكان اهتمامهم في حفظ الأحاديث أزيد من اهتمام المسيحيين كما أن اهتمامهم في حفظ القرآن في كل قرن أشد من اهتمام المسيحيين في حفظ كتبهم المقدسة، لكن الصحابة لم يدونوها في الكتب في عهدهم لبعض الأعذار منها الاحتياط التام لأجل أن لا يختلط كلام الرسول بكلام الله، وتابعو الصحابة كالزهري والربيع بن صبيح وسعيد وغيرهم ﵏ شرعوا في تدوينها لكنهم ما كتبوها مرتبة على ترتيب أبواب الفقه، ولما كان هذا الترتيب حسنًا ضبط تبع التابعين على هذا
[ ٣ / ٩١٧ ]
الترتيب، فالإمام مالك ﵀ الذي ولد سنة خمس وتسعين من الهجرة صنف الموطأ في المدينة، وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج في مكة، وعبد الرحمن بن الأوزاعي في الشام، وسفيان الثوري
[ ٣ / ٩١٨ ]
في الكوفة، وحماد بن سلمة في البصرة، ثم صنف البخاري ومسلم صحيحيهما واقتصرا فيهما على ذكر الأحاديث الصحيحة وترك غيرها من الضعاف، واجتهد الأئمة المحدثون في أمر الأحاديث اجتهادًا عظيمًا وقد صنف فن عظيم الشأن في أسماء الرجال يعلم به حال كل راو من رواة الحديث بأنه كيف كان حاله في الديانة والحفظ، وروى كل من أصحاب الصحاح الأحاديث بالإسناد منهم إلى رسول الله ﷺ، وبعض أحاديث البخاري ثلاثيات تصل بثلاث وسائط إلى رسول الله ﷺ.
[ ٣ / ٩١٩ ]
وينقسم الحديث الصحيح إلى ثلاثة أقسام متواتر [١] ومشهور [٢] وخبر الواحد [٣] فالمتواتر ما نقله جماعة عن جماعة لا يجوز العقل توافقهم على الكذب، مثاله كنقل أعداد ركعات الصلاة ومقادير الزكاة ونحوهما. والمشهور ما كان في عصر الصحابة كأخبار الآحاد ثم اشتهر في عصر التابعين أو عصر تبع التابعين وتلقته الأمة بالقبول في أحد العصرين الأخيرين فصار كالمتواتر، كالرجم في باب الزنا. وخبر الواحد ما نقله واحد عن واحد أو واحد عن جماعة أو جماعة عن واحد، والمتواتر منها يوجب العلم القطعي ويكون إنكاره كفرًا، والمشهور يوجب علم الطمأنينة ويكون إنكاره بدعة وفسقًا، وخبر الواحد لا يوجب أحد العلمين المذكورين ويعتبر في العمل لا في إثبات العقائد وأصول الدين. وإذا خالف الدليل القطعي عقليًا كان أو نقليًا يؤول إن أمكن التأويل، وإلا يترك ولا يعمل بالدليل العقلي. والفرق بين الحديث الصحيح والقرآن بثلاثة أوجه: الأول أن القرآن كله منقول بالتواتر كما نزل على رسول الله ﷺ وما بدل
[ ٣ / ٩٢٠ ]
ناقلوه لفظًا بلفظ آخر مرادف له، بخلاف الحديث الصحيح لأن نقله بالمعنى أيضًا كان جائزًا للناقل الثقة الماهر بلغة العرب وأسلوب كلامهم، والثاني أن القرآن لما كان كله متواترًا يلزم الكفر بإنكار جملة منه أيضًا بخلاف الحديث الصحيح فإنه لا يلزم الكفر إلا بإنكار قسم منه وهو المتواتر دون المشهور وخبر الواحد، والثالث أن الأحكام تتعلق بألفاظ القرآن ونظمه أيضًا كصحة الصلاة وكون عبارته معجزة، بخلاف الحديث فإنه لا تتعلق الأحكام بألفاظه. وإذا عرفت ما ذكرت في الفوائد الثلاثة تحقق لك أنه لا يلزم من اعتبارنا الحديث الصحيح بالطريق المذكور شيء من القبائح والاستبعادات.
[ ٣ / ٩٢١ ]
(الشبهة الأولى)
الفصل الرابع: في دفع شبهات القسيسين الواردة على الأحاديث.
وهي خمس شبهات:
(الشبهة الأولى) أن رواة الحديث أزواج محمد ﷺ وأقرباؤه وأصحابه ولا اعتبار لشهادتهم في حقه. (والجواب) أن هذه الشبهة ترد عليهم بأدنى تغير بأن يقال إن رواة الحالات المسيحية وأقواله المندرجة في هذه الأناجيل أم عيسى ﵉ وأبوه الجعلي يوسف النجاري وتلاميذه ولا اعتبار لشهادتهم في حقه، وإن قالوا إنه يحتمل أن إيمان أقارب محمد ﷺ وأصحابه كان لأجل الرياسة الدنيوية، قلت إن هذا الاحتمال ساقط لأنه ﷺ إلى ثلاث عشرة سنة كان في غاية الألم من إيذاء الكفار وأصحابه ﵃ كانوا أيضًا مبتلين بغاية إيذائهم إلى المدة المذكورة حتى تركوا الأوطان وهاجروا إلى الحبشة والمدينة، ولا يتصور أن يتخيل أحد منهم إلى هذه المدة طمع الدنيا، على أن هذا الاحتمال قائم في الحواريين أيضًا لأنهم كانوا مساكين صيادين، وكانوا سمعوا من اليهود أن المسيح يكون سلطانًا عظيم الشأن، فلما ادعى عيسى بن مريم ﵉ أنه هو المسيح الموعود آمنوا به وفهموا أنه يحصل لهم باتباعه المناصب الجليلة، وينجون عن مشقة الشبكة والاصطياد ولما وعدهم
[ ٣ / ٩٢٢ ]
عيسى ﵇: (بأني إذا جلست على السرير تجلسون أنتم أيضًا على اثني عشر سريرًا تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر) كما هو مصرح به في الباب التاسع عشر من إنجيل متى.
وكذا وعدهم: (أن من ترك لأجلي ولأجل الإنجيل شيئًا يجد مائة ضعف الآن في هذا الزمان ويجد الحياة الأبدية في الدهر الآتي)، كما هو مصرح به في الباب العاشر من إنجيل مرقس، وكذا وعد بأشياء أخر، فتيقنوا أنهم يصيرون سلاطين يحكم كل منهم على سبط من أسباط إسرائيل وإن فات منهم شيء لأجل اتباعه يحصل لهم في هذه الدنيا بدله مائة ضعف هذا الشيء، ورسخ في أذهانهم هذا الأمر حتى طلب يعقوب ويوحنا ابنًا زيدي، أو طلبت أمهما - على اختلاف رواية الإنجيلين - منصب الوزارة العظمى بأن يجلس أحدهما على يمين عيسى ﵇ والآخر على يساره في ملكوته كما هو مصرح به في الباب العشرين من إنجيل متى، والباب العاشر من إنجيل مرقس، لكنهم لما رأوا أنه لم تحصل لهم السلطنة الخيالية ولا مائة ضعف في هذه الدنيا بل لم يحصل له أيضًا شيء من الدولة الدنياوية وهو مسكين كما كان يخاف من اليهود ويفر من موضع إلى موضع، ورأوا أن اليهود في صدد أن يأخذوه ويقتلوه تنبهوا أن فهمهم كان خطأ والمواعيد المذكورة كسراب يحسبه الظمآن ماء، فرضي واحد منهم بدل هذه السلطنة الخيالية وهذه الأضعاف الموهومة بثلاثين درهمًا أخذها من اليهود على شرط تسليمه لهم، وتركه سائرهم حين ما أخذه اليهود وفروا وأنكروه ثلاث مرات، ولعنه أرشد الحواريين وأعظمهم الذي كان مبنى كنيسة
[ ٣ / ٩٢٣ ]
وراعي خرافه وخليفته أعني حضرة بطرس، وحلف أني لا أعرفه، وصاروا آيسين مطلقًا من متخيلاتهم بعد ما صلب على زعمهم ثم لما رأوه مرة أخرى بعد القيام رجع رجاؤهم مرة أخرى وظنوا أنهم يصيرون سلاطين في هذه المرة فسألوه مجتمعين في وقت صعوده قائلين: هل في هذا الوقت ترد الملك إلى إسرائيل، (كما هو مصرح به في الباب الأول من كتاب الأعمال) وبعد الصعود وقعوا في خيال آخر هو أعظم من السلطنة الدنياوية التي لم تحصل لهم إلى
زمان الصعود، وهو أن المسيح ينزل في عهدهم من السماء، وأن القيامة قريبة كما عرفت مفصلًا من الفصل الثالث والرابع من الباب الأول، وأنه بعد نزوله يقتل الدجال ويحبس الشيطان إلى ألف سنة، وأنهم يجلسون على الأسرة بعد نزوله ويعيشون عيشة مرضية إلى المدة المذكورة في هذه الدنيا، كما يفهم من الباب التاسع عشر والعشرين من كتاب المشاهدات، والآية الثانية من الباب السادس من الرسالة الأولى إلى أهل قورنيثوس ثم يحصل لهم السرور الدائمي في الجنة إلى الأبد عند القيامة الثانية، فلأجل هذه الأمور بالغوا في مدحه وتقرير حالاته كما قال الإنجيلي الرابع في آخر إنجيله، (إن أشياء أخر كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب) ولا شك أنه كذب محض ومبالغة شاعرية قبيحة فكانوا يبالغون بأمثال
[ ٣ / ٩٢٤ ]
هذه الأقوال ليوقعوا السفهاء في شبكاتهم حتى ماتوا غير واصلين إلى مرادهم، فلا اعتبار لشهادتهم في حقه، وهذا التقرير على سبيل الإلزام لا الاعتقاد كما صرحت به مرارًا. فكما أن هذا الاحتمال في حق عيسى وحواريه الحقة ﵈ ساقط فكذلك احتمالهم في حق أصحاب محمد ﷺ ساقط. وقد يشير القسيسون لأجل تغليط العوام إلى ما يتفوه به الفرقة الإمامية الاثني عشرية في حق الصحابة ﵃ أجمعين، والجواب عنه إلزامًا وتحقيقًا هكذا إما إلزامًا فلأن موشيم المؤرخ قال في المجلد الأول من تاريخه: (إن الفرقة الأبيونية التي كانت في القرن الأول كانت تعتقد أن عيسى ﵇ إنسان فقط تولد من مريم ويوسف النجار مثل الناس الآخرين وطاعة الشريعة الموسوية ليست منحصرة في حق اليهود فقط، بل تجب على غيرهم أيضًا والعمل على أحكامه ضروري للنجاة.
ولما كان بولس ينكر وجوب هذا العمل
[ ٣ / ٩٢٥ ]
ويخاصمهم في هذا الباب مخاصمة شديدة كانوا يذمونه ذمًا شديدًا ويحقرون تحريراته تحقيرًا بليغًا انتهى. وقال لاردنر في الصفحة ٣٧٦ من المجلد الثاني من تفسيره: (إن القدماء أخبرونا أن هذه الفرقة كانت ترد بولس ورسائله) انتهى. وقال بل في تاريخه في بيان هذه الفرقة: (هذه الفرقة كانت تسلم من كتب العهد العتيق التوراة فقط وكانت تنفر من اسم داود وسليمان وأرمياء وحزقيال ﵈، وكان من العهد الجديد عندها إنجيل متى فقط لكنها كانت حرفته في كثير من المواضع وأخرجت البابين الأولين منه) انتهى، وقال في تاريخه في بيان الفرقة المارسيونية: (إن هذه الفرقة كانت تعتقد أن الإله إلهان أحدهما خالق الخير وثانيهما خالق الشر وكانت تقول التوراة وسائر كتب العهد العتيق من جانب الإله الثاني وكلها مخالف للعهد الجديد ثم قال إن هذه الفرقة كانت تعتقد أن عيسى نزل الجحيم بعد موته وأنجى أرواح قابيل وأهل سدوم من عذابها لأنهم حضروا عنده وما أطاعوا الإله خالق الشر وأبقى أرواح هابيل ونوح وإبراهيم والصالحين الآخرين في
[ ٣ / ٩٢٦ ]
الجحيم، لأنهم كانوا خالفوا الفريق الأول. وكانت تعتقد أن خالق العالم ليس منحصرًا في الإله الذي أرسل عيسى، ولذلك ما كانت تسلم أن كتب العهد العتيق إلهامية وكانت تسلم من العهد الجديد إنجيل لوقا فقط لكنها ما كانت تسلم البابين الأولين منه وكانت تسلم من رسائل بولس عشرة رسائل لكنها كانت ترد ما كان مخالفًا لخيالها) انتهى.
ونقل لاردنر في المجلد الثالث من تفسيره قول اكستائن في بيان فرقة ماني كبز هكذا: (هذه الفرقة تقول أن الإله الذي أعطى موسى التوراة وكلم الأنبياء الإسرائيلية ليس بإله بل شيطان من الشياطين، وتسلم بكتب العهد الجديد، لكنها تقر بوقوع الإلحاق فيها وتأخذ ما رضيت به وتترك الباقي وترجح بعض الكتب الكاذبة عليها وتقول إنها صادقة البتة) ثم قال لاردنر في المجلد المذكور: (اتفق المؤرخون أن هذه الفرقة كلها ما كانت تسلم الكتب المقدسة للعهد العتيق في كل وقت) .
وكتب في أعمال اركلاس عقيدة هذه الفرقة هكذا: (خدع الشيطان أنبياء اليهود، والشيطان كلم موسى وأنبياء اليهود وكانت تتمسك بالآية الثامنة من الباب العاشر من إنجيل يوحنا بأن المسيح قال لهم سراق ولصوص وكانت أخرجت العهد الجديد) انتهى، وهكذا حال الفرق الأخرى، لكني اكتفيت في نقل مذاهب الفرق الثلاثة المذكورة على عدد التثليث وأقول هل تتم أقوال هذه الفرق على علماء بروتستنت أم لا فإن تمت فيلزم عليهم الاعتقاد بهذه الأمور العشرة:
[١] أن عيسى ﵇ إنسان فقط تولد من يوسف النجار.
[ ٣ / ٩٢٧ ]
[٢] وأن العمل على أحكام التوراة ضروري للنجاة.
[٣] وأن بولس شرير ورسائله واجبة الرد.
[٤] وأن الإله إلهان خالق الخير وخالق الشر.
[٥] وأن أرواح قابيل وأهل سدوم حصل لها النجاة من عذاب جهنم بموت عيسى ﵇ وأرواح هابيل ونوح وإبراهيم والصلحاء القدماء معذبة في جهنم بعد موته أيضًا.
[٦] وأن هؤلاء كانوا مطيعين للشيطان.
[٧] وأن التوراة وسائر كتب العهد العتيق من جانب الشيطان.
[٨] وأن الذي كلم موسى والأنبياء الإسرائيلية ليس بإله بل شيطان.
[٩] وأن كتب العهد الجديد وقع فيها التحريف بالزيادة.
[١٠] وأن بعض الكتب الكاذبة صادقة البتة وإن لم تتم أقوال هذه الفرق عليهم فلا يتم قول بعض الفرق الإسلامية على جمهور أهل الإسلام سيما إذا كان هذا القول مخالفًا للقرآن ولأقوال الأئمة الطاهرين ﵃ أيضًا كما ستعرف. (١)
وإذا عرفت هذا فأقول إن القرآن ناطق بأن الصحابة الكبار ﵃ لم يصدر عنهم شيء يوجب الكفر ويخرجهم عن الإيمان.
١- قال الله تعالى في سورة التوبة: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم﴾ فقال الله في حق السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار أربعة أمور: (الأول) رضوانه عنهم (والثاني) رضوانهم عنه
_________________
(١) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في بعض النسخ هنا زيادة ليست في المطبوعة، وهي: وأما الجواب عنه تحقيقًا فلأن القرآن المجيد عند جمهور علماء الشيعة الإمامية الاثني عشرية محفوظ عن التغير والتبديل، ومن قال منهم بوقوع النقصان فيه فقوله مردود غير مقبول عندهم.
(٢) قال الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه الذي هو من أعظم علماء الإمامية الاثني عشرية في رسالته الاعتقادية: (اعتقادنا في القرآن أن القرآن الذي أنزل الله تعالى على نبيه هو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشرة سورة وعندنا الضحى وألم نشرح سورة واحدة ولإيلاف وألم تر كيف سورة واحدة ومن نسب إلينا أنا نقول أنه أكثر من ذلك فهو كاذب) انتهى.
(٣) وفي تفسير مجمع البيان الذي هو تفسير معتبر عند الشيعة: (ذكر السيد الأجل المرتضى علم الهدى ذو المجد أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي أن القرآن كان على عهد رسول الله ﷺ مجموعًا مؤلفًا على ما هو الآن واستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم وأنه كان يعرض على النبي ﷺ ويتلى عليه وأن جماعة من الصحابة كعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي ﷺ عدة ختمات، وكل ذلك بأدنى تأمل يدل على أنه كان مجموعًا مرتبًا غير منشور ولا مبثوث، وذكر أن من خالف من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم فإن الخلاف مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخبارًا ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته) انتهى.
(٤) وقال السيد المرتضى أيضًا: (إن العلم بصحة القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام المشهورة وأشعار العرب المسطورة، فإن العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وبلغت حدًا لم تبلغ إليه فيما ذكرناه لأن القرآن معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وعنايته الغاية حتى عرفوا كل شيء فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته فكيف يجوز أن يكون مغيرًا أو منقوصًا مع العناية الصادقة والضبط الشديد) انتهى.
(٥) وقال القاضي نور الله الشوستري الذي هو من علمائهم المشهورين في كتابه المسمى بمصائب النواصب: "ما نسب إليه الشيعة الإمامية بوقوع التغير في القرآن ليس مما قال به جمهور الإمامية إنما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم" انتهى.
(٦) وقال الملا صادق في شرح الكليني: (يظهر القرآن بهذا الترتيب عند ظهور الإمام الثاني عشر ويشهر به) انتهى.
(٧) وقال محمد بن الحسن الحر العاملي الذي هو من كبار المحدثين في الفرقة الإمامية في رسالة كتبها في رد بعض معاصريه: "هركسيكه تتبع أخبار وتفحص تواريخ وآثار نموده بعلم يقيني ميداندكه قرآن درغايه وأعلى درجة تواتر بوده وآلاف صحابة حفظ ونقل ميكردندآن راودر عهد رسول خدا ﷺ مجموع ومؤلف بود) انتهى. فظهر أن المذهب المحقق عند علماء الفرقة الإمامية الاثني عشرية أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه هو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، وأنه كان مجموعًا مؤلفًا في عهد رسول الله ﷺ، وحفظه ونقله ألوف من الصحابة وجماعة من الصحابة كعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي عدة ختمات ويظهر القرآن ويشهر بهذا الترتيب عند ظهور الإمام الثاني عشر ﵁ والشرذمة القليلة التي قالت بوقوع التغير. فقولهم مردود ولا اعتداد بهم فيما بينهم، وبعض الأخبار الضعيفة التي رويت في مذهبهم لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته وهو حق لأن خبر الواحد إذا اقتضى علمًا ولم يوجد في الأدلة القاطعة ما يدل عليه وجب رده، على ما صرح ابن المطهر الحلي في كتابه المسمى (بمبادئ الوصول إلى علم الأصول)، وقد قال الله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ . في تفسير الصراط المستقيم الذي هو تفسير معتبر عند علماء الشيعة (أي إنا لحافظون له من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان) . انتهى.
[ ٣ / ٩٢٨ ]
(والثالث) تبشيرهم بالجنة (والرابع) وعد خلودهم فيها، ولا شك أن أبا بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذا النورين ﵃ من السابقين الأولين من المهاجرين، كما أن أمير المؤمنين عليًا ﵁ منهم فثبت لهم هذه الأمور الأربعة وثبت صحة خلافتهم، فقول الطاعن في الثلاثة ﵃ مردود، كما أن قول الطاعن في حق الرابع ﵁ مردود.
٢- وقال الله تعالى في سورة التوبة أيضًا: ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدًا إن الله عنده أجر عظيم﴾ فقال الله في حق المؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أربعة أمور: (الأول) كون درجتهم أعظم عند الله (والثاني) كونهم فائزين بمرادهم (والثالث) كونهم مبشرين بالرحمة والرضوان والجنات
[ ٣ / ٩٢٩ ]
(والرابع) خلودهم في الجنات أبدًا، وأكد الأمر الرابع غاية التأكيد بثلاث عبارات أعني قوله مقيم، وقوله خالدين فيها أبدًا، وقوله [أجر عظيم]، ولا شك أن الخلفاء الثلاثة ﵃ من المؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، كما أن عليًا ﵁ منهم فثبت لهم الأمور الأربعة.
٣- وقال الله تعالى في سورة التوبة أيضًا: ﴿لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون، أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم﴾ فقال الله في حق المؤمنين المجاهدين أربعة أمور: (الأول) كون الخيرات لهم (والثاني) كونهم مفلحين
[ ٣ / ٩٣٠ ]
(والثالث) وعد الجنات (والرابع) خلودهم فيها. ولا شك أن الثلاثة ﵃ من المؤمنين المجاهدين فثبت هذه الأمور الأربعة لهم.
٤- وقال الله تعالى في سورة التوبة أيضًا: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم. التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين﴾ فوعد الله الجنة للمؤمنين المجاهدين وعدًا موثقًا وذكر تسعة أوصاف لهم فثبت أنهم كانوا كذلك ويفوزون بالجنة.
٥- وقال الله في سورة الحج: ﴿الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وللَّه عاقبة الأمور﴾ فقوله الذين إن مكناهم صفة لمن تقدم وهو قوله الذين أخرجوا، فيكون المراد به المهاجرين لا الأنصار لأنهم ما أخرجوا من ديارهم فوصف الله المهاجرين بأنه إن مكنهم في الأرض وأعطاهم السلطنة أتوا بالأمور الأربعة وهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن قد ثبت أن الله مكن الخلفاء الأربعة ﵃ في الأرض، فوجب كونهم آتين بالأمور الأربعة، وإذا كانوا كذلك ثبت كونهم
[ ٣ / ٩٣١ ]
على الحق، وفي قوله لله عاقبة الأمور دلالة على أن الذي تقدم ذكره من تمكينهم في الأرض كائن لا محالة، ثم إن الأمور ترجع إلى الله تعالى بالعاقبة فإنه هو الذي لا يزول ملكه.
٦- وقال الله تعالى في سورة الحج: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على الناس، فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾ فسمى الله في هذه الآية الصحابة بالمسلمين.
٧- وقال الله تعالى في سورة النور: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ ولفظ "من" في قوله منكم للتبعيض وكم ضمير الخطاب فيدلان على أن المراد بهذا الخطاب بعض المؤمنين الموجودين في زمان نزول هذه السورة لا الكل، ولفظ الاستخلاف يدل على أن حصول ذلك الوعد يكون بعد الرسول ﷺ ومعلوم أنه لا نبي بعده لأنه خاتم الأنبياء، فالمراد بهذا الاستخلاف طريقة الإمامة، والضمائر الراجعة إليهم في قوله ليستخلفنهم إلى قوله لا يشركون وقعت كلها على صيغة الجمع، والجمع حقيقة لا يكون
[ ٣ / ٩٣٢ ]
محمولًا على أقل من ثلاثة، فتدل على أن هؤلاء الأئمة الموعود لهم لا يكونون أقل من ثلاثة وقوله ليمكنن لهم إلى آخره وعد لهم بحصول القوة والشوكة والنفاذ في العالم فيدل على أنهم يكونون أقوياء ذوي شوكة، نافذ أمرهم في العالم، وقوله دينهم الذي ارتضى لهم يدل على أن الدين الذي يظهر في عهدهم هو الدين المرضي لله وقوله ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يدل على أنهم في عهد خلافتهم يكونون آمنين غير خائفين، ولا يكونون في الخوف والتقية، وقوله يعبدونني لا يشركون بي شيئًا يدل على أنهم في عهد خلافتهم أيضًا يكونون مؤمنين لا مشركين.
فدلت الآية على صحة إمامة الأئمة الأربعة ﵃ سيما الخلفاء الثلاثة أعني أبا بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذا النورين ﵃، لأن الفتوحات العظيمة والتمكين التام وظهور الدين والأمن الذي كان في عهدهم لم يكن في عهد أمير المؤمنين علي ﵁ لاشتغاله بمحاربة أهل الصلاة في عهده الشريف، فثبت أن ما يتفوه به الشيعة في حق الثلاثة ﵃ أو الخوارج في حق عثمان وعلي ﵄ قول غير قابل للالتفات.
[ ٣ / ٩٣٣ ]
٨- وقال الله تعالى في سورة الفتح في حق المهاجرين والأنصار الذين كانوا مع رسول الله ﷺ في صلح الحديبية: ﴿إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليمًا﴾ فقال في حقهم أربعة أمور:
(الأول) إنهم شركاء للرسول في نزول السكينة. (والثاني) إنهم مؤمنون. (والثالث) إن كلمة التقوى لازمة غير منفكة عنهم. (والرابع) إنهم كانوا أحق بكلمة التقوى وأهلها، ولا شك أن أبا بكر وعمر ﵄ في هؤلاء المهاجرين فثبت لهما ولسائرهم هذه الأمور الأربعة، ومن اعتقد في حقهم غير هذه فعقيدته باطلة مخالفة للقرآن.
٩- وقال الله تعالى أيضًا في سورة الفتح: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾ .
[ ٣ / ٩٣٤ ]
فمدح الصحابة بكونهم أشداء على الكفار رحماء فيما بينهم وكونهم راكعين، وساجدين، ومبتغين فضل الله ورضوانه، فمن اعتقد من مدعي الإسلام في حقهم غير هذا فهو مخطئ.
١٠- وقال الله تعالى في سورة الحجرات: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون﴾ . فعلم أن الصحابة كانوا محبي الإيمان كارهي الكفر والفسق والعصيان وكانوا راشدين، فاعتقاد ضد هذه الأشياء في حقهم خطأ.
١١- وقال الله تعالى في سورة الحشر: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون، والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ .
فمدح الله المهاجرين والأنصار بستة أوصاف: (الأول) أن هجرة هؤلاء المهاجرين ما كانت لأجل الدنيا بل كانت لأجل ابتغاء مرضات الله. (والثاني) أنهم كانوا ناصرين لدين الله ورسوله. (والثالث) أنهم كانوا صادقين قولًا وفعلًا. (والرابع) أن الأنصار كانوا يحبون من هاجر إليهم. (والخامس) إنهم كانوا يسرون إذا حصل شيء للمهاجرين.
[ ٣ / ٩٣٥ ]
(والسادس) أنهم كانوا يقدمونهم على أنفسهم مع احتياجهم، وهذه الأوصاف الستة تدل على كمال الإيمان ومن اعتقد في حقهم غير هذا فهو مخطئ وهؤلاء الفقراء من المهاجرين كانوا يقولون لأبي بكر ﵁ يا خليفة رسول الله والله يشهد على كونهم صادقين فوجب أن يكونوا صادقين في هذا القول أيضًا ومتى كان الأمر كذلك وجب الجزم بصحة إمامته.
١٢- وقال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ .
[ ٣ / ٩٣٦ ]
فمدح الله الصحابة بثلاثة أوصاف: (الأول) أنهم خير أمة. (والثاني) أنهم كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. (والثالث) أنهم كانوا مؤمنين بالله، وهكذا الآيات الأخر لكني لخوف التطويل أكتفي على اثني عشر موضعاُ على عدد الحواريين لعيسى ﵇ وعدد الأئمة الطاهرين الاثني عشر ﵃ أجمعين.
وأنقل خمسة أقوال من أقوال أهل البيت ﵈ على عدد الخمسة الطاهرين ﵈.
-[١] في نهج البلاغة الذي هو كتاب معتبر عند الشيعة قول علي رضي
[ ٣ / ٩٣٧ ]
الله عنه هكذا: (للَّه در فلان فلقد ١: قوم الأود، ٢: وداوي العمد، ٣: وأقام السنة، ٤: وخلف البدعة، ٥: ذهب نقي الثوب، ٦: قليل العيب، ٧: أصاب خيرها، ٨: وسبق شرها، ٩: أدى إلى الله طاعته، ١٠: واتقاه بحقه رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي فيه الضال ويستيقن المهتدي) انتهى.
والمراد بفلان على مختار أكثر الشارحين منهم البحراني، أبو بكر الصديق ﵁ وعلى مختار بعض الشارحين عمر الفاروق ﵁، فذكر علي ﵁ عشرة أوصاف من أوصاف أبي بكر أو عمر ﵁ فلا بد من وجودها، ولما ثبتت هذه الأوصاف له بعد مماته بإقرار علي ﵁ فما بقي في صحة خلافته شك.
-[٢] وفي كشف الغمة الذي هو تصنيف علي بن عيسى الأردبيلي الاثني
[ ٣ / ٩٣٨ ]
عشري الذي هو من الفضلاء المعتمدين عند الإمامية (سئل الإمام جعفر ﵇ عن حلية السيف هل يجوز، فقال: نعم قد حلى أبو بكر الصديق سيفه، فقال الراوي: أتقول هكذا، فوثب الإمام عن مكانه فقال: نعم الصديق نعم الصديق نعم الصديق - فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله قوله في الدنيا والآخرة) . فثبت بإقرار الإمام الهمام أن أبا بكر الصديق ﵁ صديق حق، منكره كاذب في الدنيا والآخرة.
-[٣] ووقع في بعض مكاتيب علي ﵁ على ما نقل شارحو نهج البلاغة في حق أبي بكر وعمر ﵄ هكذا: (لعمري إن مكانهما من الإسلام لعظيم وإن المصاب بهما لحرج في الإسلام شديد، رحمهما الله وجزاهما الله بأحسن ما عملا) .
-[٤] ونقل صاحب الفصول الذي هو من كبار علماء الإمامية الاثني عشرية عن الإمام الهمام محمد الباقر ﵁ هكذا: (إنه قال لجماعة خاضوا في أبي بكر وعمر وعثمان ألا تخبروني أنتم من المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا
[ ٣ / ٩٣٩ ]
وينصرون الله ورسوله. قالوا: لا - قال: فأنتم من الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم. قالوا: لا - قال: أما أنتم فقد برئتم أن تكونوا أحد هذين الفريقين وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله تعالى: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾ .
فالخائض في الصديق والفاروق وذي النورين ﵃ خارج عن الفرق الثلاث الذين مدحهم الله بشهادة الإمام الهمام ﵁. وفي التفسير المنسوب إلى الإمام الهمام الحسن العسكري ﵁ وعن آبائه الكرام: (إن الله أوحى إلى آدم ليفيض على كل واحد من محبي محمد وآل محمد وأصحاب محمد ما لو قسمت على كل عدد ما خلق الله من طول الدهر إلى آخره وكانوا كفارًا لأداهم إلى عاقبة محمودة وإيمان بالله حتى يستحقوا به الجنة. وإن من يبغض آل محمد وأصحابه أو واحدًا منهم يعذبه الله عذابًا لو قسم على مثل خلق الله لأهلكهم أجمعين) .
فعلم أن المحبة ما يكون بالنسبة إلى الآل والأصحاب ﵃ لا بالنسبة إلى أحدهما وإن بغض واحد من الآل والأصحاب كاف
[ ٣ / ٩٤٠ ]
(الشبهة الثانية)
للهلاك. نجانا الله من سوء الاعتقاد في حق الصحابة والآل رضوان الله عليهم أجمعين وأماتنا على حبهم، ونظرًا إلى الآيات الكثيرة والأحاديث الصحيحة اتفق أهل الحق على وجوب تعظيم الصحابة ﵃.
(الشبهة الثانية) أن مؤلفي كتب الحديث ما رأوا الحالات المحمدية والمعجزات الأحمدية بأعينهم وما سمعوا أقوال محمد ﷺ منه بلا واسطة بل سمعوها بالتواتر بعد مائة سنة أو مائتي سنة من وفاة محمد ﷺ وجمعوها وأسقطوا مقدار نصفها لعدم الاعتبار.
(والجواب) قد عرفت في الفصل الثالث أن الرواية اللسانية معتبرة عند جمهور أهل الكتاب واعتبارها ثابت من هذا الإنجيل المتداول، وأن فرقة بروتستنت تحتاج إلى اعتبارها في أمور كثيرة هي على إقرار (ماني سيك) الأسقف بمقدار ستمائة، وأن خمسة أبواب من سفر الأمثال جمعت من الروايات اللسانية، في عهد حزقيا بعد مدة مائتين وسبعين سنة من موت سليمان ﵇، وأن إنجيل مرقس ولوقا وتسعة عشر بابًا من كتاب الأعمال كتبت بالرواية اللسانية وأن الأمر المهتم بشأنه يكون محفوظًا ولا يتطرق فيه خلل بمرور مدة، وأن التابعين كانوا شرعوا في تدوين الأحاديث في الكتب لكنهم دونوها على غير ترتيب أبواب الفقه، وأن طبقة تبع التابعين دونوها على ترتيبها، ثم إن البخاري وباقي مؤلفي الكتب الصحاح اقتصروا على ذكر الأحاديث
[ ٣ / ٩٤١ ]
(الشبهة الثالثة)
الصحيحة وتركوا الضعاف وروى كل من أصحاب الصحاح الأحاديث بالإسناد منهم إلى رسول الله ﷺ. وقد صُنف في أسماء الرجال فن عظيم الشأن يعلم به حال كل راوٍ من رواة الحديث، وكذا قد عرفت أن أهل الإسلام كيف يعتبرون الحديث الصحيح فلا يرد عليهم شيء، وقولهم سمعوها بالتواتر وأسقطوا مقدار النصف لعدم الاعتبار غلط لأنهم ما أسقطوا لعدم الاعتبار حديثًا من الأحاديث التي سمعوها بالتواتر لأن الحديث المتواتر عندهم واجب الاعتبار، نعم تركوا الضعاف التي لم تكن أسانيدها كاملة وتركها لا يضر كما قد عرفت.
في الباب الثاني من قول آدم كلارك: (إن هذا الأمر محقق أن الأناجيل الكثيرة الكاذبة كانت رائجة في أول القرون المسيحية وكثرة هذه الأحوال الكاذبة الغير الصحيحة هيجت لوقا على تحرير الإنجيل، ويوجد ذكر أكثر من سبعين من هذه الأناجيل الكاذبة والأجزاء الكثيرة من هذه الأناجيل باقية وكان (ثابري سيوس جمع) هذه الأناجيل الكاذبة وطبعها في ثلاث مجلدات) انتهى.
(الشبهة الثالثة) إن كل عاقل إذا ترك التعصب علم أن أكثر الأحاديث لا يمكن أن يكون معانيها صادقة مطابقة لما في نفس الأمر.
(والجواب) لا يوجد في الأحاديث الصحيحة شيء يكون مضمونه ممتنعًا عند العقل، وأما بعض المعجزات التي هي خلاف العادة، وبعض أحوال الجنة
[ ٣ / ٩٤٢ ]
والجحيم والملائكة التي لا يوجد لها نظائر في هذه الدنيا فإن كان استبعادهم لها لأجل أنها ممتنعة بالبرهان فعليهم ذكر هذا البرهان وعلينا جوابه، وإن كان لأجل أنها خلاف العادة أو لا يوجد لها نظائر في هذا العالم فلا يضرنا لأن المعجزة لو كانت على مجرى العادة لا تكون معجزة، أليس صيرورة العصا ثعبانًا وابتلاعها جميع تنانين السحرة ثم صيرورتها كما كانت بلا زيادة حجم، وهكذا جميع معجزات موسى ﵇ على خلاف مجرى العادة، وقياس العالم الآخر على هذا العالم قياس مع الفارق، نعم لو قام البرهان القطعي على امتناع شيء يقطع بامتناعه في العالم الآخر أيضًا، وبدون قيام البرهان، لا يتجاسر على إنكاره في العالم الآخر، ألا يرون إلى اختلاف أحوال الأقاليم فإن بعض الأشياء توجد في بعض دون بعض، فمن كان من إقليم وسمع حال بعض الأشياء العجيبة المختصة بإقليم آخر يستبعد، بل كثيرًا ما ينكر بشرط أن لا يكون سماعه بالتواتر.
وقد يكون بعض الأمور مستبعدة في بعض الأحيان دون بعض كما أن قطع هذه المسافة البحرية بهذه السرعة التي تقطع بالمراكب الدخانية، أو البرية التي تقطع بالعربيات الدخانية كان من المستبعدات عند الناس قبل إيجاد المراكب الدخانية، والعربيات الدخانية وكذا وصول الخبر في دقيقة أو دقيقتين إلى مسافة بعيدة بواسطة السلك المعروف كان من المستبعدات قبل إيجاده وما بقيت مستبعدة بعد اختراع هذه الأشياء وامتحانها.
لكن الإنصاف أن عادة المنكرين أنهم يغمضون عين الإنصاف ويحكمون على كل شيء يرى مستبعدًا في آرائهم أنه محال، وتعلم علماء بروتستنت هذه العادة من أبناء صنفهم الذين يسمونهم الملاحدة، لكن العجيب من هؤلاء العلماء أنهم لا يرون أن كتبهم مملوءة بالأغلاط الصريحة كما نقلت بعضها على سبيل الأنموذج في الفصل الثالث من الباب الأول وأنهم ما تنبهوا باستبعادات أبناء صنفهم وعاملوا المسلمين بما
[ ٣ / ٩٤٣ ]
عاملتهم أبناء صنفهم وقد كانت استبعادات أبناء صنفهم غالبًا أقوى من استبعاداتهم الناقصة، وأنا أنقل بعض المواضع من المواضع التي يستهزؤون بها ويستبعدونها.. مثلًا:
[١] وقع في الباب الثاني والعشرين من كتاب العدد هكذا: ٢٨: (ففتح الرب فم الأتانة وقالت لبلعام: ما الذي فعلت بك هذه ثلاث مرات قد ضربتني) ٢٩: (فقال بلعام للأتان: لأنك استأهلت ذلك مني إلخ) ٣٠: (فقالت الأتانة لبلعام: لست أنا أتانك التي تركب منذ كنت غلامًا إلى يومك هذا فهل فعلت بك مثل هذا فقال: لا) .
قال هورن في الصفحة ٦٣٦ من المجلد الثاني من تفسيره المطبوع سنة ١٨٢٢: (إن الكفار من زمان قليل يستهزؤون بتكلم أتان بلعام) انتهى.
[٢] ووقع في الباب السابع عشر من سفر الملوك الأول أن الغربان ٢ كانت
[ ٣ / ٩٤٤ ]
تجيب اللحم والخبز لإلياء الرسول إلى مدة وهذا الأمر ضحكة عند أبناء صنفهم حتى مال محققهم المشهور هورن إلى رأيهم وسفه مفسريهم ومترجميهم بوجوه ثلاثة كما عرفتها في الفصل الثالث من الباب الأول.
[٣] ووقع في الباب الرابع من كتاب حزقيال هكذا وأنقل عبارته عن الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤: [٤]: (وأنت تنام على جانبك الأيسر وتجعل آثام بيت إسرائيل عليها على عدد أيام ترقد عليها وتتخذ إثمهم [٥] أما أنا أعطيتك سني آثامهم على عدد أيام ثلثمائة وتسعين يومًا وتحمل إثم آل إسرائيل) ٦: (ثم إذا كملت هذا تنام على جانبك اليمين ثانية وتتخذ إثم آل يهوذا أربعين يومًا إن يومًا عوض سنة جعلته لك) ٧: (وتقبل بوجهك إلى محاصرة أورشليم وذراعك تكون مشدودة وتبني عليها) ٨: (هوذ شددتك بوثاق ولا تلتفت من جانبك إلى الجانب الآخر حتى تتم أيام محاصراتك) ٩: (وأنت خذ لك حنطة وشعيرًا وفولًا وعدسًا ودخنًا وجاروس وتجعلهن في إناء واحد وتخبز لك خبزًا على عدد الأيام التي ترقد فيها على جانبك ثلثمائة وتسعين يومًا تأكله) ١٠: (وطعامك الذي تأكله يكون بالوزن عشرين مثقالًا في كل يوم من وقت إلى وقت تأكله) ١١: (وتشرب ماء بمقدار السدس من القسط من وقت إلى وقت تشربه) ١٢: (وكخبز ملة من شعير تأكله وتلطخه بزبل يخرج من الإنسان في عيونهم) .
فأمر الله حزقيال ﵇ بثلاثة أحكام:
(الأول) أن يرقد على جانبه الأيسر ثلثمائة وتسعين يومًا ويحمل إثم آل إسرائيل ثم يرقد على جانبه الأيمن أربعين يومًا ويحمل إثم آل يهوذا.
[ ٣ / ٩٤٥ ]
(والثاني) أن يقبل بوجهه إلى محاصرة أورشليم ويكون ذراعه مشدودة ولا يلتفت من جانب إلى جانب آخر حتى تتم أيام المحاصرة.
(والثالث) أن يأكل إلى ثلثمائة وتسعين يومًا خبزًا ملطخًا ببراز الإنسان وأبناء صنفهم يستهزئون بهذه الأحكام ويستبعدون أن تكون من جانب الله، ويقولون إنها واهية بعيدة عن العقل ولا يأمر الله أن يأكل نبيه المقدس إلى مدة ثلثمائة وتسعين يومًا خبزًا ملطخًا ببراز الإنسان، أما كان الإدام غير هذا، إلا أن يقال إن البراز في حق الطاهرين يكون طاهرًا كما يفهم من ظاهر كلام مقدسهم بولس في الآية الخامسة عشرة من الباب الأول من رسالته إلى تيطس، على أن الله قد أخبر بواسطته (إن النفس التي تخطئ فهي تموت والابن لا يحمل إثم الأب والأب لا يحمل إثم الابن، وعدل العادل يكون عليه ونفاق المنافق يكون عليه) كما هو مصرح به في الآية العشرين من الباب الثامن عشر من كتابه، فكيف أمره أن يحمل آثام إسرائيل ويهوذا إلى أربعمائة وثلاثين يومًا.
[٤] ووقع في الباب العشرين من كتاب أشعيا أن الله أمره ان يكون عريانًا حافيًا إلى ثلاث سنين ويمشي على هذه الحالة وأبناء صنفهم يستهزئون بهذا الحكم ويقولون استهزاءً، يأمر الله نبيه الذي يكون في قيد العقل
[ ٣ / ٩٤٦ ]
(الشبهة الرابعة)
ولا يكون مجنونًا أن يمشي مكشوف العورة الغليظة بين النساء والرجال إلى ثلاث سنين.
[٥] ووقع في الباب الأول من كتاب هوشع أن الله أمره أن يأخذ لنفسه زوجة زانية وأولاد الزنا، ثم وقع في الباب الثالث من الكتاب المذكور أن يتعشق بامرأة فاسقة محبوبة لزوجها، وقد وقع في الآية الثالثة عشرة من الباب الحادي والعشرين من سفر الأحبار هكذا: (ولا يتزوج الكاهن إلا امرأة عذراء ولا يتزوج أرملة ولا مطلقة ولا منجسة بالزنا فلا يتزوج من هؤلاء البتة بل يتزوج عذراء من قومه) .
وفي الباب الخامس من إنجيل متى هكذا: (كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه) فكيف أمر الله نبيه بما ذكر، وهكذا استبعادات أخر فمن شاء فليرجع إلى كتب أبناء صنفهم.
(الشبهة الرابعة) الأحاديث الكثيرة مخالفة للقرآن لأنه وقع في القرآن أن محمدًا ﷺ ما ظهر منه معجزة وفي الأحاديث أنه صدر منه معجزات كثيرة وأنه وقع في القرآن أن محمدًا ﷺ كان مذنبًا، وفي أكثر الأحاديث أنه كان معصومًا، وأنه وقع في القرآن أن محمدًا ﷺ كان في الابتداء في الجهل والضلالة كقوله في سورة الضحى: ﴿ووجدك ضالًا فهدى﴾
[ ٣ / ٩٤٧ ]
وكقوله في سورة الشورى: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾ وفي الأحاديث أنه تولد في الإيمان ولذلك ظهرت منه معجزات كثيرة. هذا غاية جهدهم في إثبات المخالفة بين القرآن والأحاديث.
(والجواب) أن الأمرين الأولين لما كانا من أعظم مطاعن النبي ﷺ أردت أن أتعرض لهما في الباب السادس في المطاعن وأجيب عنهما هناك فانتظر.
(والجواب عن الثالث) أن الضال في الآية الأولى ليس المراد به الضال عن الإيمان ليكون بمعنى الكافر فيرد اعتراضهم بل في تفسير هذه الآية وجوه:
(الأول) ما روي مرفوعًا أنه ﵊ قال ضللت عن جدي عبد المطلب وأنا صبي ضائع وكاد الجوع يقتلني فهداني الله.
[ ٣ / ٩٤٨ ]
(والثاني) أن معناها وجدك ضالًا عن شريعتك أي لا تعرفها إلا بإلهام أو وحي فهداك إليها تارة بالوحي الجلي وأخرى بالخفي وهو مختار البيضاوي والكشاف والجلالين. في البيضاوي ووجدك ضالًا عن علم الحكم والأحكام فهدى، فعلمك بالوحي والإلهام والتوفيق للنظر وجاء بهذا المعنى في حق موسى ﵇ أيضًا في قوله تعالى: ﴿فعلتها إذًا وأنا من الضالين﴾ .
(والثالث) أنه يقال ضل الماء في اللبن إذ صار مغمورًا، فمعنى الآية كنت مغمورًا بين الكفار بمكة فقواك الله تعالى حتى أظهرت دينه. وجاء بهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد﴾ .
(والرابع) أن معناها كنت ضالًا عن النبوة ما كنت تطمع ولا خطر شيء في قلبك منها، فإن اليهود والنصارى كانوا يزعمون أن النبوة في بني إسرائيل فهديتك إلى النبوة التي ما كنت تطمع فيها البتة.
(والخامس) أن معناها وجدك ضالًا عن الهجرة لعدم نزول الإذن فهداك بالإذن.
[ ٣ / ٩٤٩ ]
(والسادس) أن العرب تسمي الشجرة في الفلاة ضالة كأنه تعالى يقول كانت تلك البلاد كالمفازة ليس فيها شجرة تحمل ثمر الإيمان إلا أنت فأنت شجرة فريدة في مفازة الجهل فوجدتك ضالًا فهديت بك الخلق ونظيره قوله ﵇ الحكمة ضالة المؤمن.
(والسابع) أن معناها وجدك ضالًا عن القبلة فإنه كان يتمنى أن تجعل الكعبة قبلة له وما كان يعرف أن ذلك يحصل له أم لا فهدى الله بقوله: ﴿فلنولينك قبلة ترضاها﴾ فكأنه سمى ذلك التحير بالضلال.
(والثامن) الضلال بمعنى المحبة كما في قوله تعالى: ﴿إنك لفي ضلالك القديم﴾ أي محبتك ومعناه أنك محب فهديتك إلى الشرائع التي بها تتقرب إلى خدمة محبوبك.
(والتاسع) أن معناها وجدك ضالًا أي ضائعًا في قومك كانوا يؤذونك ولا يرضون بك رعية فقوى أمرك وهداك إلى أن صرت واليًا عليهم..
(والعاشر) أن معناها ما كنت تهتدي على طريق السماوات فهديتك إذ عرجت بك إليها ليلة المعراج.
[ ٣ / ٩٥٠ ]
(والحادي عشر) أن معناها وجدك ضالًا أي ناسيًا فهدى أي ذكرك وذلك أنه ليلة المعراج نسي ما يجب أن يقال بسبب الهيبة فهداه الله تعالى إلى كيفية الثناء حتى قال لا أحصي ثناء عليك وجاء الضلال بهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما﴾ .
(والثاني عشر) قال الجنيد قدس سره: وجدك متحيرًا في بيان ما أنزل عليك فهداك لبيانه لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ ويؤيده قوله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه﴾ وقوله ﷿: ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علمًا﴾ .
[ ٣ / ٩٥١ ]
وعلى كل تقدير لا تمسك لهم بهذه الآية ويجب تفسير الآية بالوجوه التي ذكرتها وبأمثالها التي ذكرها المفسرون لقوله تعالى: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ إذ المراد به نفي الضلالة والغواية في أمور الدين بلا شبهة ومعناه ما كفر ولا أقل من ذلك فما فسق.
والمراد في الآية الثانية بالكتاب القرآن وبالإيمان تفاصيل شرائع الإسلام. ومعنى الآية ما كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ القرآن ولا الفرائض والأحكام، وهذا حق لأن النبي ﷺ كان قبل الوحي مؤمنًا بتوحيد الرب إجمالًا وما كان عارفًا بتفاصيل الإسلام بل صار عارفًا بعد الوحي أو المراد بالإيمان الصلاة كما في قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ أي صلاتكم فمعنى الآية ما كنت تدري ما الكتاب أي القرآن ولا الإيمان أي الصلاة وما كان رسول الله ﷺ عالمًا بكيفية هذه الصلاة المشروعة في ملته قبل النبوة أو المراد بالإيمان أهل الإيمان على حذف المضاف أي ما كنت تدري ما الكتاب ومن أهل الإيمان يعني من الذي يؤمن بك.
وحذف المضاف كثير في كتبهم المقدسة أيضًا، الآية الثانية والعشرون من الزبور الثامن والسبعين هكذا: (من أجل ذلك
[ ٣ / ٩٥٢ ]
سمع الرب فغضب واشتعلت النار في يعقوب وطلع السخط على إسرائيل) .
وفي الآية الرابعة من الباب السابع عشر من كتاب أشعيا هكذا: (يضعف مجد يعقوب ويهزل سمن جسمه) .
وفي الباب الثالث والأربعين من كتاب أشعيا هكذا: ٢٢: (لا دعوتني يعقوب ولن تتعب لأجلي إسرائيل) ٢٨: (فنجست الرؤساء القديسين وجعلت يعقوب قتلًا وإسرائيل تجديفًا) .
وفي الباب الثالث من كتاب أرمياء هكذا: ٦: (وقال لي الرب في أيام يوسيا الملك هل رأيت ما فعلته معاصية إسرائيل انطلقت لنفسها إلى كل جبل رفيع وتحت كل شجرة مورقة وزنت هناك) ٧: (فقلت بعد ما فعلت هذه جميعها ارجعي إلي ولم ترجع فرأت أختها يهوذا الفاجرة) ٨: (لأن من أجل أن زنت إسرائيل المعاصية فأنا طلقتها ودفعت إليه كتاب طلاقها فلم تخف يهوذا أختها الفاجرة بل ذهبت وزنت هي أيضًا) ١١: (وقال لي الرب قد بررت نفسها إسرائيل المعاصية بمقابلة يهوذا الفاجرة) ١٢: (ارجعي يا إسرائيل المعاصية) وفي الباب الرابع من كتاب هوشع هكذا: ١٥: (إن كنت يا إسرائيل أنت
[ ٣ / ٩٥٣ ]
تزني فلا يأثم يهوذا) إلخ ١٦: (لأن إسرائيل كبقرة شاغبة) إلخ ١٧: (صاحب الأوثان إفرام) إلخ وفي الباب الثامن من كتاب هوشع هكذا: ٣: (أرذل إسرائيل الخير) إلخ ٨: (ابتلع إسرائيل الآن صار في الأمم كإناء نجس إفرام أكثر مذابح للخطية) إلخ، (ونسي إسرائيل خالقه) إلخ.
ففي هذه العبارات يجب حذف المضاف وإلا يلزم والعياذ بالله أن يكون يعقوب ﵇ مغضوبًا عليه وضعيف المجد وغير داع لله وقتلًا وتجديفًا ومعاصية زانية تحت كل شجرة وغير راجع إلى الله وكبقرة شاغبة ومرذل الخير وكإناء نجس وناسيًا لخالقه.
(الشبهة الخامسة) الأحاديث مختلفة.
(والجواب) أن الاعتبار عندنا للأحاديث الصحيحة المروية في كتب الصحاح والأحاديث التي هي مروية في كتب غير معتبرة لا اعتبار لها عندنا ولا تعارض الصحيحة كما أن الأناجيل الكثيرة الزائدة على السبعين في القرون الأولى لا تعارض عند المسيحيين هذه الأناجيل الأربعة.
والاختلاف الذي يوجد في الأحاديث الصحيحة يرتفع غالبًا بأدنى تأويل وليس ذلك الاختلاف مثل الاختلاف الذي يوجد في روايات كتبهم المقدسة إلى الآن كما عرفت مائة وأربعة وعشرين منها في الباب الأول ولو نقلنا عن كتبهم المقبولة الاختلافات التي تكون مثل اختلاف يثبتونه في بعض الأحاديث
[ ٣ / ٩٥٤ ]
الصحيحة قلما يخرج باب يكون خاليًا عن مثل هذا الاختلاف.
والذين تسميهم علماء بروتستنت ملاحدة نقلوا كثيرًا من هذه الاختلافات في كتبهم واستهزؤوا بها، فمن شاء فليرجع إلى كتبهم.
[خمسون اختلافًا نقلوها في ذات الله وصفاته عن كتب العهدين]
وأنقل أيضًا بطريق الإنموذج عن كتاب جان كلارك المطبوع سنة ١٨٣٩ في لندن وكتاب اكسيهومو المطبوع سنة ١٨١٣ في لندن وغيرهما خمسين اختلافًا نقلوها في ذات الله وصفاته عن كتب العهدين وأكتفي على نقل هذه الاختلافات. لأن المعترضين هداهم الله تعالى وإن جاوزوا فيها حد الأدب لكن هذه المجاوزة أقل من المجاوزة التي توجد في كلامهم عند التشنيع على الأنبياء ﵈ سيما وقت التشنيع على مريم وعيسى ﵉ كما ستعرفه في الاختلاف الرابع والعشرين من القول الذي أنقله طردوا، إنما نقلت هذه الاعتراضات لتحصل البصيرة للناظر أن اعتراضات علماء بروتستنت على الأحاديث النبوية أضعف من اعتراضات أبناء صنفهم على مضامين كتبهم المقدسة وما نقلتها لأجل أنها مستحسنة عندي بل أتبرأ من أكثر خرافات الفريقين ونقل الكفر ليس بكفر.
(١) الآية الثامنة من الزبور المائة والخامس والأربعين هكذا: (الرب حنان رحوم بطيء عن الغضب وعظيم النعمة) والآية التاسعة عشر من الباب السادس من سفر صموئيل الأول هكذا: (وضرب الرب من أهل بيت شمس لأنهم رأوا تابوت الرب وضرب من الشعب خمسين ألف رجل وسبعين) فانظروا إلى شدة رحمته وبطء غضبه أنه قتل خمسين ألف رجل وسبعين من قومه الخاص على خطأ خفيف.
(٢) الآية العاشرة من الباب الثاني والثلاثين من سفر الاستثناء هكذا: (وجده
[ ٣ / ٩٥٥ ]
في الأرض القفر في المكان المخيف والبرية المتسعة طاف به وعلمه وحفظه مثل حدقة عينه) وفي الباب الخامس والعشرين من سفر العدد ٣ (وقال الله لموسى انطلق برؤساء الشعب كلهم وصلبهم قدام الله تلقاء الشمس فترتد شدة غضبي عن إسرائيل) ٩ (وكان من مات أربعة وعشرون ألفًا من البشر) فانظروا إلى حفظه الشعب مثل حدقة عينه أنه أمر موسى بصلب رؤساء الشعب كلهم وأهلك منهم أربعة وعشرين ألفًا.
(٣) الآية الخامسة من الباب الثامن من سفر الاستثناء هكذا: (أحسب في قلبك أنه كما أن الرجل يؤدب ابنه كذلك أدبك الرب إلهك) والآية الثانية والثلاثون من الباب الحادي عشر من سفر العدد هكذا: (واللحم إلى هذا الحين كان بين أسنانهم ولم يفرغوا من أكله فإذا غضب الرب اشتد على الشعب فضربه ضربة عظيمة جدًا) فانظروا إلى تأديبه كتأديب الأب ابنه أن هؤلاء المفلوكين لما حصل لهم اللحم وشرعوا في الأكل ضربهم ضربة عظيمة.
(٤) في الآية الثامنة عشر من الباب السابع من كتاب ميخا في حق الله هكذا: (أنه مريد الرحمة) وفي الباب السابع من سفر الاستثناء في حق سبعة شعوب عظيمة هكذا: ٢ (يسلمهم الرب إلهك بيدك فاضربهم حتى أنك لا تبقي منهم بقية فلا تواثقهم ميثاقًا ولا ترحمهم) ١٦ (فتبتلعالشعوب جميعهم الذين الرب إلهك يعطيك إياهم فلا تعف عنهم عيناك) إلخ.
[ ٣ / ٩٥٦ ]
فانظروا إلى كونه مريد الرحمة أنه أمر بني إسرائيل بقتل سبعة شعوب عظيمة وعدم الرحمة عليهم وعدم العفو عنهم.
(٥) في الآية الحادية عشر من الباب الخامس من رسالة يعقوب هكذا: (ورأيتم عاقبة الرب لأن الرب كثير الرحمة ورؤوف) . والآية السادسة عشر من الباب الثالث عشر من كتاب هوشع هكذا: (فلتهلك سامرة لأنها بغت على إلهها فيبادون بالسيف وأطفالهم ينطرحون وحبالهم تشقق بطونهن) . فانظروا إلى كثرة رأفته في حق الأطفال والحبالى.
(٦) في الآية الثالثة والثلاثين من الباب الثالث من مراثي أرمياء هكذا: (أنه من قلبه لا يؤذي بني آدم ولا يحزنهم)، لكن عدم إيذائه بني آدم وعدم تحزينهم بمرتبة أنه أهلك الأشدوديين بالبواسير كما هو مصرح به في الباب الخامس من سفر صموئيل الأول، وأهلك ألوفًا من عساكر الملوك الخمسة بإمطار الحجارة الكبيرة من السماء حتى
[ ٣ / ٩٥٧ ]
كان الذين ماتوا بالحجارة أكثر من الذين قتلهم بنو إسرائيل بالسيف كما هو مصرح به في الباب العاشر من كتاب يوشع، وأهلك كثيرًا من بني إسرائيل بإرسال الحيات كما هو مصرح به في الباب الحادي والعشرين من سفر العدد.
(٧) في الآية الحادية والأربعين من الباب السادس عشر من سفر الأيام الأول هكذا: (أن فضله أبدي) والآية التاسعة من زبور المائة والخامس والأربعين هكذا: (الرب صالح للكل ورأفته على جميع خلقه) لكن أبدية فضله وعموم رأفته على جميع الخلق بمرتبة أنه أهلك جميع الحيوانات والإنسان غير أهل السفينة في عهد نوح ﵇ بإرسال الطوفان وأهلك أهل سادوم وعاموره ونواحيها بإمطار الكبريت والنار من السماء كما هو مصرح به في الباب السابع والتاسع عشر من سفر التكوين.
(٨) الآية السادسة عشر من الباب الرابع والعشرين من سفر الاستثناء هكذا: (لا تقتل الآباء عوض الأبناء ولا الأبناء بدل الآباء ولكن كل واحد يموت بذنبه) . وفي الباب الحادي والعشرين من سفر صموئيل الثاني أن داود ﵇ سلم سبعة أشخاص من أولاد شاول بأمر الرب بأيدي أهل جيعون ليقتلوهم بخطأ شاول فصلبوهم وقد كان داود ﵇ عاهد شاول وحلف
[ ٣ / ٩٥٨ ]
أن لا يهلك ذريته بعد موته كما هو مصرح به في الباب الرابع والعشرين من سفر صموئيل الأول فوجد نقض العهد أيضًا بأمر الله.
(٩) في الآية السابعة من الباب الرابع والثلاثين من سفر الخروج هكذا: (يجازى الأبناء وأبناؤهم بإثم آبائهم إلى ثلاثة وأربعة أجيال) وفي الآية العشرين من الباب الثامن عشر من كتاب حزقيال هكذا: (النفس التي تخطئ فهي تموت والابن لا يحمل إثم الأب، والأب لا يحمل إثم الابن وعدل العادل يكون عليه وشر الشرير يقع عليه) . فيعلم منه أن الأبناء لا يحملون إثم الآباء إلى جيل واحد فضلًا عن أربعة أجيال وهذا الحمل لو كان إلى أربعة أجيال فقط كان مغتنمًا لكن الإله الأب نقض هذا الحكم أيضًا وأمر بحمل إثم الآباء على الأبناء بعد أجيال كثيرة أيضًا.
في الباب الخامس عشر من سفر صموئيل الأول هكذا: (هكذا يقول الرب الصباووت إني ذكرت كل ما صنع عماليق بإسرائيل أنه قاومه في الطريق حيث صعدوا من مصر ٣ فالآن اذهب فاضرب عماليق وأهلك جميع ما لهم ولا ترحمهم ولا ترغب من مالهم شيئًا بل اقتل من الرجال والنساء
[ ٣ / ٩٥٩ ]
والغلمان حتى الأطفال والبقر والغنم والحمير أيضًا) . فانظروا إنه ذكر بقوة حافظته بعد أربعمائة سنة ما صنع عماليق بإسرائيل فأمر بعد هذه المدة بالانتقام من أولادهم وقتل رجالهم ونسائهم وأطفالهم الصغار جدًا ومواشيهم من البقر والغنم والحمير ولما لم يعمل شاول على أمره الشريف ندم على جعله ملكًا وترقى ابنه الوحيد الإله الثاني فأمر بحمل إثم الآباء على الأبناء بعد أربعة آلاف سنة.
في الباب الثالث والعشرين من إنجيل متى قول هذا الإله الثاني في خطاب اليهود هكذا: (يأتي عليكم كل دم زكي سفك على الأرض من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح الحق أقول لكم أن هذا كله يأتي على هذا الجيل) ثم ترقى الأب الإله الأول وتخيل أن إثم آدم محمول على أولاده إلى هذه المدة وقد مضت أزيد من أربعة آلاف وثلاثين سنة وقد مضى من آدم إلى يسوع خمس وسبعون جيلًا على ما صرح به لوقا في الباب الثالث من إنجيله ورأى أن أولاد آدم كلهم مستحقون للنار لو لم تكن الكفارة كاملة جيدة وما رأى غير ابنه الإله الثاني حريًا بها بأن يصلب من أيدي أرذل أقوام الدنيا وهم اليهود، وما ظهر له طريق النجاة غير هذا فأمره أن يصلب وتركه ولم يغثه في شدته حتى صرح لأجل شدة العذاب ونادى الأب إلهي
[ ٣ / ٩٦٠ ]
إلهي لماذا تركتني ثم صرخ ثانيًا ومات وبعد موته صار ملعونًا ودخل الجحيم (والعياذ بالله) . على أنه لم يثبت من كتاب من كتب العهد العتيق أن زكريا بن برخيا قتل بين الهيكل والمذبح. نعم صرح في الباب الرابع والعشرين من سفر الأيام الثاني أن زكريا بن يهويا داع الحبر قتل في صحن بيت الرب في عهد بواش الملك ثم عبيد الملك قتلوه بانتقام دم زكريا فحرف الإنجيل يهويا داع ببرخيا ولعل لوقا لأجل ذلك اكتفى في الباب الحادي عشر من إنجيله على اسم زكريا ولم يذكر اسم أبيه
[ ٣ / ٩٦١ ]
فانظروا إلى هذه الأمور التسعة كيف يثبت منها رحمة الله تعالى.
(١٠) في الآية الخامسة من الزبور الثلاثين هكذا: (أن غضبه لحظة) وفي الآية الثالثة عشر من الباب الثاني والثلاثين من سفر العدد هكذا: (فاشتد غضب الرب على بني إسرائيل فأتاهم في القفار أربعين سنة حتى باد ذلك الخلف كله وهلك أولئك الذين أساؤوا قدامه) فانظروا إلى غضبه اللحظي أنه كيف عامل بني إسرائيل.
(١١) في الآية الأولى من الباب السابع عشر من سفر التكوين: (أنا الله القادر) وفي الآية التاسعة عشر من الباب الأول من كتاب القضاة هكذا: (وكان الرب مع يهوذا وورث الجبال ولم يستطع يستأصل أهل الوادي لأن كانت لهم مراكب كثيرة من حديد) فانظروا إلى قدرته أنه لم يقدر على استئصال أهل الوادي لكونهم ذوي مراكب كثيرة من حديد.
[ ٣ / ٩٦٢ ]
(١٢) في الآية السابعة عشر من الباب العاشر من سفر الاستثناء هكذا: (أن الرب إلهكم هو إله الآلهة ورب الأرباب إله عظيم جبار) . والآية الثالثة عشر من الباب الثاني من كتاب عاموص هكذا ترجمة عربية سنة ١٨٤٤: (ها أنا ذا أصر من تحتكم كما تصر العجلة المحملة حشيشًا) ترجمة فارسية سنة ١٨٣٨: (ابنك من درزير شما جسبيده شدم جنانجه أرابه برازاقد جسبيده مي شود) انظروا إلى عظمته وجباريته أنه صر تحت بني إسرائيل كما تصر العجلة المحملة حشيشًا.
(١٣) في الآية الثامنة والعشرين من الباب الأربعين من كتاب أشعيا هكذا: (الرب الذي خلق أطراف الأرض لا يضعف ولا يتعب) والآية الثالثة والعشرون من الباب الخامس من كتاب القضاة هكذا: (العنوا أرض ما روض قال ملاك الرب العنوا سكانها لأنهم لم يأتوا إلى معونة الرب في مقابلة الأقوياء) . فانظروا إلى عدم ضعفه أنه كان محتاجًا إلى الإعانة في مقابلة الأقوياء ويلعن من لم يجيء لإعانته، ووقع في الآية التاسعة من الباب الثالث من كتاب ملاخيا هكذا: (صرتم ملعونين باللعنة لأنكم نعم هذا القوم كلهم نهبوني) . وهذا أيضًا يدل على أن بني إسرائيل نهبوه فيلعنهم
[ ٣ / ٩٦٣ ]
وظهر من هذه الأمثلة الأربعة حال قدرته.
(١٤) الآية الثالثة من الباب الخامس عشر من سفر الأمثال هكذا: (عينا الرب في كل مكان يترقبان الصالحين والطالحين) وفي الآية التاسعة من الباب الثالث من سفر التكوين هكذا: (فدعا الرب الإله آدم وقال له أين أنت) . فانظروا إلى ترقب عينه في كل مكان أنه احتاج إلى الاستفهام من آدم حين اختفى في وسط شجرة الفردوس.
(١٥) في الآية التاسعة من الباب السادس عشر من سفر الأيام الثاني هكذا: (عينا الرب محيطتان بكل الأرض) والآية الخامسة من الباب الحادي عشر من سفر التكوين هكذا: (فنزل الرب لينظر المدينة والبرج الذي كان يبنيه بنو آدم) .
فانظروا إلى إحاطة عينيه بكل الأرض أنه احتاج إلى النزول والنظر ليعلم حال المدينة والبرج.
(١٦) الآية الثانية من الزبور المائة والتاسع والثلاثين هكذا: (وميزت سعيي وسكوني وأطلعت على طرقي كلها) يعلم منه أن الله عالم طرق العباد كلها وأفعالهم وفي الباب الثامن عشر من سفر التكوين هكذا: ٢ (فقال الرب أن صراخ سادوم وعاموره قد كثر وخطيتهم ثقلت جدًا) ٢١ (أنزل أنظر أن فعلهم يشاكل الصراخ الآتي أم لا لأعلم ذلك) .
[ ٣ / ٩٦٤ ]
فانظروا إلى كونه عالم طرق العباد وأفعالهم كلها أنه احتاج إلى النزول والنظر ليعلم أن فعل أهل سادوم وعاموره يشاكل الصراخ الواصل إليه أم لا.
(١٧) الآية الخامسة من الزبور المذكور هكذا: (فما أعجب هذا العلم عندي فهو أرفع من أن أدركه)، وفي الآية الخامسة من الباب الثالث والثلاثين من سفر الخروج هكذا: (أما الآن فاعزلوا عنكم زينتكم فاعلم ما أفعله بكم) . فانظروا إلى علمه الخارج عن الإدراك أنه لم يعلم ما يفعل بهم ما لم يعزلوا زينتهم والآية الرابعة من الباب السادس عشر من سفر الخروج هكذا: (فقال الرب لموسى إني أمطر عليكم خبزًا من السماء فليخرج الشعب ويلقطوا يومًا بيوم طعامهم من أجل أني أمتحنهم) والآية الثانية من الباب الثاني من سفر الاستثناء هكذا: (واذكر كل الطريق الذي ساسك به الرب إلهك أربعين سنة في القفار ليعذبك ويبتليك وبيان كل ما في قلبك أتحفظ وصاياه أم لا) .
فالرب محتاج إلى الامتحان ليعلم ما في قلوبهم فامتحنهم بإمطار الخبز وبسياستهم أربعين سنة في القفار فعلم من هذه الأمثلة الستة حال كونه عالم الغيب) .
(١٨) في الآية السادسة من الباب الثالث من كتاب ملاخيا هكذا: (فإني أنا الرب ولا أتغير) .
[ ٣ / ٩٦٥ ]
وفي الباب الثاني والعشرين من سفر العدد هكذا: ٢٠ (فأتى الله بلعام في الليل وقال له إن كان هؤلاء القوم إنما جاؤوا ليدعوك فانطلق معهم ولكن لا تفعل إلا الذي أقوله لك ٢١ فقام بلعام غدوة وركب أتانة وانطلق مع عظماء مواب ٢٢ فغضب الله عليه لما ذهب) الخ. فانظروا إلى عدم تغيره أنه أتى في الليل وأمر بلعام بالانطلاق مع عظماء مواب ولما فعل بلعام ما أمر غضب عليه.
(١٩) في الآية السابعة عشر من الباب الأول من رسالة يعقوب هكذا: (ليس عنده تغير ولا ظل دوران) وقد أمر بمحافظة السبت في أكثر المواضع من كتب العهد العتيق وصرح في كثير منها أنه أبدي والقسيسون بدلوا السبت بالأحد فيلزم عليهم الاعتراف بأنه متغير.
(٢٠) في الباب الأول من سفر التكوين وقع في حق السماء والكواكب والحيوانات أنها حسنة وفي الآية الخامسة عشر من الباب الخامس عشر من كتاب أيوب هكذا: (والسماء ليست بظاهرة قدامه) وفي الآية الخامسة من الباب الخامس والعشرين هكذا: (والكواكب لا تزكو بين يديه) ووقع في الباب الحادي عشر من سفر الأحبار في حق كثير من البهائم والطيور وحشرات الأرض أنها قبيحة محرمة.
[ ٣ / ٩٦٦ ]
(٢١) في الآية الخامسة والعشرين من الباب الثامن عشر من كتاب حزقيال هكذا: (فاسمعوا يا بيت إسرائيل، طريقي ليس بمستقيم أم لا ليس بالحري أن طرقكم خبيثة) . وفي الباب الأول من كتاب ملاخيا هكذا: ٢ (أني أجبتكم قال الرب وقلتم في أي شيء أجبتنا أليس إنه عيسو أخ ليعقوب، يقول الرب وأحببت يعقوب) ٣ (وبغضت عيسو وجعلت جباله قفرًا وميراثه لتنانين البرية) انظروا إلى استقامة طريقه أنه بغض عيسو بلا سبب وجعل جباله قفرًا وميراثه لتنانين البرية.
(٢٢) في الآية الثالثة من الباب الخامس عشر من المشاهدات هكذا: (أيها الرب الإله القادر على كل شيء طرفك عادلة وحق) .
والآية الخامسة والعشرون من الباب العشرين من كتاب حزقيال هكذا: إذا أعطيتهم أنا وصايا غير حسنة وأحكامًا لا يعيشون بها.
(٢٣) الآية الثامنة والستون من الزبور المائة والتاسع عشر هكذا: (رب إنك صالح ومصلح فعلمني سننك) والآية الثالثة والعشرون من الباب التاسع من كتاب القضاة هكذا: (وسلط الرب روحًا رديًا بين أبي مالك وسكان شخيم وبدوا يبغضوه) .
[ ٣ / ٩٦٧ ]
فانظروا إلى إصلاحه أنه سلط الروح الرديء لهيجان الفتنة.
(٢٤) يوجد في الآيات الكثيرة حرمة الزنا ولو فرض أن القسيسين صادقون في قولهم يلزم أن الرب نفسه زنى بزوجة يوسف النجار المسكين فحملت من هذا الزنا (والعياذ بالله) . والملاحدة في هذا الموضع يتجاوزون عن الحد ويستهزئون استهزاءً بليغًا بحيث تقشعر منه جلود المؤمنين، وأنا أنقل لتنبه الناظر ما قال صاحب اكسيهومو وأحذف استهزاءه. قال هذا الملحد في الصفحة ٤٤ من كتابه المطبوع سنة ١٨١٣: (ذكر في إنجيل) اسمه تي تي وتي أف ميري ويعد في هذا الزمان من الأناجيل الكاذبة أن مريم ﵍ كانت محررة لخدمة بيت المقدس وكانت هناك إلى أن بلغت ست عشرة سنة واختار فادر جيروم زاوير هذا المذكور بعد ما اعتقد صحته فحينئذ يحتمل أن مريم حبلت من كاهن من كهنة البيت وهو علمها أن تقول أني حبلت من روح القدس) انتهى. ثم استهزأ هذا الملحد بتحرير لوقا استهزاءً بليغًا فقال: إن هذا الحال ثبت عند اليهود هكذا: (أن ولد عسكري كان يحبها ومن حركته الشنيعة تولد
[ ٣ / ٩٦٨ ]
مسيح اليسوعيين فسخط عليها يوسف النجار لأجل هذا الأمر وترك هذه الزوجة الخائنة وذهب إلى بابل وذهبت مريم مع يسوع إلى مصر وتعلم يسوع هناك النيرنجات وجاء بعد تعلمها إلى اليهودية ليريها الناس) انتهى. ثم قال: (اشتهرت الحكايات الكذائية الواهية الكثيرة بين الوثنيين مثل أنهم يعتقدون أن إلههم منرو تولد من دماغ جوبتر وكان بي كس في فخذ جوبتر، وإله أهل الصين فتولد من العذراء التي حبلت من شعاع الشمس) انتهى ملخصًا.
ويناسب هذا المقام حكاية نقلها جان ملنر في كتابه المطبوع سنة ١٨٣٨: (ادعت جؤانا سوأت كوت الإلهام قبل هذا الزمان بمدة قليلة وقالت: إني أنا الامرأة التي قال الله في حقها في الآية الخامسة عشر من الباب الثالث من سفر التكوين: (هي تستحق رأسك) . ووقع في حقها في الباب الثاني عشر من المشاهدات هكذا: [١] وظهرت آية عظيمة في السماء امرأة متسربلة بالشمس والقمر تحت رجليها وعلى رأسها أكليل من اثني عشر كوكبًا [٢] وهي حبلى تصرخ متمخضة ومتوجعة لتلد. وإني حبلت من عيسى عليه
[ ٣ / ٩٦٩ ]
السلام وتبعها كثير من المسيحيين وحصل لهم من هذا الحمل فرح كثير وصنعوا أظرف الذهب والفضة) انتهى كلامه. لكنا ما سمعنا أنها ولدت من هذا الحمل ولدًا مباركًا أم لا وفي الصورة الأولى هل حصلت رتبة الألوهية لهذا الولد السعيد مثل أبيه أم لا، وفي صورة الحصول هل بدل في معتقدية اعتقاد التثليث بالتربيع أم لا، وكذا هل بدل لقب الله الأب بالجد أم لا.
(٢٥) في الآية التاسعة عشر من الباب الثالث والعشرين من سفر العدد هكذا: (ليس الله برجل فيكذب ولا ابن لإنسان فيندم) .
وفي الباب السادس من سفر التكوين هكذا: ٦ فندم على عمله الإنسان على الأرض فتأسف بقلبه داخلًا ٧ وقال فامحوا البشر الذي خلقته عن وجه الأرض من البشر حتى الحيوانات من الدبيب حتى طير السماء لأني نادم أني عملتهم.
(٢٦) الآية التاسعة والعشرون من الباب الخامس عشر من سفر صموئيل الأول هكذا: (فإن عزيز إسرائيل لا يكذب ولا يندم) لأنه ليس بإنسان فيندم. وفي الباب المذكور هكذا: ١٠: (وكان قول الرب على صموئيل قائلًا ١١ ندمت على أني صيرت شاول ملكًا) الخ ٣٥، الرب أسف على أنه ملك شاول.
(٢٧) في الآية الثانية والعشرين من الباب الثاني من سفر الأمثال هكذا: (من الشفة الكاذبة نفرة للرب) . وفي الباب الثالث من سفر الخروج هكذا: ١٧ (وقلت إني أصعدكم من استعباد أهل مصر إلى أرض الكنعانيين والحبشيين والأموريين والفرزيين
[ ٣ / ٩٧٠ ]
والحوريين واليابوسيين إلى الأرض التي تجري لبنًا وعسلًا) ١٨ (وهم يسمعون صوتك وتدخل أنت وشيوخ إسرائيل إلى ملك مصر وتقول له الرب إله العبرانيين دعانا فنمضي مسيرة ثلاثة أيام في البرية لكي نذبح ذبيحة للرب إلهنا) . والآية الثالثة من الباب الخامس من السفر المذكور فقالا: أي موسى وهارون له أي لفرعون: (إله العبرانيين دعانا لنذهب مسيرة ثلاثة أيام في البرية ونذبح ذبائح للرب إلهنا لئلا يصيبنا وباء أو حرب) .
وفي الآية الثانية من الباب الحادي عشر من السفر المذكور قول الله تعالى في خطاب موسى ﵇ هكذا: (فتحدث في مسمع الشعب أن يسأل الرجل صاحبه والمرأة من صاحبتها أواني فضة وأواني ذهب) . والآية الخامسة والثلاثون من الباب الثاني عشر من سفر الخروج هكذا: (وفعل بنو إسرائيل كما أمر موسى واستعاروا من المصريين أواني فضة وذهب وشيئًا كثيرًا من الكسوة) . فانظروا إلى نفرته من الكذب أنه أمر موسى وهارون أن يكذبا عند فرعون فكذبا وكذلك كذب كل رجل وكل امرأة وأمر بالخداع وأخذ كل مال جاره بالخديعة وتصرف به، وقد أمر في مواضع من التوراة بأداء حق الجار، أيكون أداء حقه كما أمر وقت خروجهم وأيليق بالله أن يعلمهم الغدر والخيانة. وفي الباب السادس عشر من سفر صموئيل الأول (قال الرب
[ ٣ / ٩٧١ ]
لصموئيل: املأ قرنك دهنًا وتعال أبعثك إلى أيسي الذي من بيت لحم فإني قد رأيت لي في بنيه ملكًا) قال صموئيل: كيف أذهب فيسمع شاول فيقتلني. فقال الرب: خذ بيدك عجلة من البقر وقل إني جئت لأقرب ذبيحة للرب. فصنع صموئيل كما أمر الرب وأتى إلى بيت لحم) انتهى ملخصًا. فأمر الله صموئيل أن يكذب لأنه كان أرسله لمسح داود وجعله سلطانًا لا للذبح، وعرفت في جواب الشبهة الثالثة في الفصل الثاني من هذا الباب أن الله أرسل روح الضلالة ليقع في أفواه نحو أربعمائة نبي كذبة (ويضلهم فيكذبون) فمن هذه الأمثلة الأربعة يظهر نفرته من الشفة الكاذبة.
(٢٨) الآية السادسة والعشرون من الباب العشرين من سفر الخروج هكذا: (لا تصعد على مذبحي بدرج لئلا تنكشف عليه عورتك) .
فعلم منه أنه لا يجب انكشاف عورة الرجل فضلًا عن عورة الامرأة. وفي الآية السابعة عشر من الباب الثالث من كتاب أشعيا: (الرب يقلع عورات بنات صهيون) .
[ ٣ / ٩٧٢ ]
وفي الباب السابع والأربعين من كتاب أشعيا هكذا: ٢ (خذي الرحى واطحني دقيقًا أعرى عارك اكشفي كتفك أظهري ساقيك جوزي الأنهار) ٣ (ينكشف عيبك ويظهر عارك أنتقم ولا يقاومني بشر) . والآية الثامنة عشر من الباب العشرين من سفر التكوين هكذا: (لأن الرب أعقم جميع من في بيت أبي مالك من أجل سارة امرأة إبراهيم) . والآية الحادية والثلاثون من الباب التاسع والعشرين هكذا: (فلما رأى الرب أن ليا مبغوضة فتح رحمها وكانت راحيل عاقرًا) . والآية الثانية والعشرون من الباب الثلاثين من السفر المذكور هكذا: (فذكر الرب راحيل واستجاب لها وفتح رحمها) . فانظروا إلى نفرته من كشف عورة الرجال ورغبته إلى قلع عورات النساء وأعرائهن وفتح أرحامهن وسدها.
(٢٩) في الآية الرابعة والعشرين من الباب التاسع من كتاب أرمياء هكذا: (أنا الرب الصانع الرحمة والقضاء والعدل في الأرض) .
وقد عرفت حال ارتضائه بالرحمة والصدق فاعرف حال عدله في الباب الحادي والعشرين من كتاب حزقيال هكذا: [٣] (وتقول لأرض إسرائيل هكذا: (يقول الرب الإله ها أنا ذا إليك وأسل سيفي من غمده وأقتل فيك البار والمنافق) [٤] ومن أجل أني قتلت فيك بارًا ومنافقًا فلهذا يخرج
[ ٣ / ٩٧٣ ]
سيفي من غمده إلى كل جسد من التيمن إلى الشمال) . فلو سلم أن أقتل المنافق عند علماء بروتستنت عدل لكن كيف يكون قتل البار عدلًا عندهم. وفي الباب الثالث عشر من كتاب أرمياء هكذا: ١٣ (فنقول لهم هكذا يقول الرب ها أنا ذا أملي سكرًا جميع سكان هذه الأرض والملوك الجالسين من ذرية داود على كرسيه والكهنة والأنبياء وجميع سكان أورشليم ١٤ وأبددهم رجلًا عن أخيه، والآباء والأبناء جميعًا. يقول الرب لست أرحم ولا أعفي ولا أتحنن حتى أهلكهم) فأملأ جميع سكان هذه الأرض سكرًا ثم قتلهم أي عدل.
والآية التاسعة والعشرون من الباب الثاني عشر من سفر الخروج هكذا: (ولما انتصف الليل قتل الرب كل أبكار أهل مصر من بكر فرعون الجالس على كرسيه حتى إلى بكر المسبية التي في السجن وكل أبكار البهائم) . فقتل جميع أبكار أهل مصر وأبكار البهائم أي عدل، لأن الوفاء من أبكار أهل مصر كانوا أطفالًا معصومين، وكان أبكار البهائم أيضًا غير مذنبين.
(٣٠) الآية الثالثة والعشرون من الباب الثامن عشر من كتاب حزقيال هكذا: (العلى مرضاتي هو موت المنافق يقول الرب الإله إلا أن يتوب من طرقه فيعيش) . والآية الحادية عشر من الباب الثالث والثلاثين هكذا: (فقل لهم حتى أنا يقول الرب الإله لست أريد موت المنافق بل أن يتوب المنافق من طريقه ويعيش) الخ.
[ ٣ / ٩٧٤ ]
فعلم من هاتين الآيتين أن الله لا يحب موت الشرير بل يحب أن يتوب الشرير وينجو. والآية العشرون من الباب الحادي عشر من كتاب يوشع هكذا: (فقسى الرب قلوبهم وأهلكهم) .
(٣١) الآية الرابعة من الباب الثاني من الرسالة الأولى إلى تيموثاوس هكذا: (الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون) .
وفي الباب الثاني من الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيقي هكذا: ١١ ولأجل هذا سيرسل إليهم الله عمل الضلال حتى يصدقوا الكذب ١٢ لكي يدان جميع الذين لم يصدقوا الحق بل سروا بالإثم.
(٣٢) الآية الثامنة عشر من الباب الحادي والعشرين من سفر الأمثال هكذا: (عوض الصديق يسلم المنافق وعوض المستقيمين الأثيم) .
والآية الثانية من الباب الثاني من الرسالة الأولى ليوحنا هكذا: (وهو كفارة لخطايانا ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضًا) .
ففهم من الآية الأولى أن الأشرار يكونون كفارات للصلحاء ومن الثانية أن المسيح ﵇ الذي هو معصوم عند المسيحيين صار كفارة للأشرار.
(فائدة) ما ادعى بعض القسيسين من أن المسلمين ليس لهم كفارة جيدة غلط، لأنا لو تأملنا في حكم عبارة الأمثال ونظرنا إلى طوائف بني آدم وجدنا أن الكفارات المتعددة من المنكرين لمحمد ﷺ موجودة لكل فرد من المسلمين، على أن المسيح ﵇ لما كان كفارة لخطايا كل العالم على ما اعترف يوحنا، فكيف لا يكون كفارة للمسلمين الذين يعترفون بتوحيد الله
[ ٣ / ٩٧٥ ]
ونبوته وصدقه وكون أمه صادقة بريئة بل لو أنصف أحد عرف أن أهل الحياة الأبدية هؤلاء المسلمون لا غيرهم كما عرفت في الباب الرابع.
(٣٣) وقع في الباب العشرين من سفر الخروج لا تقتل ولا تزن. والآية الثانية من الباب الرابع عشر من كتاب زكريا هكذا: (وأجمع جميع الأمم إلى أورشليم للقتال وتؤخذ المدينة وتخرب البيوت وتفضح النساء) . فوعد الرب أن يجمع الأمم ليقتلوا قومه الخاص ويفضحوا نساءهم ويزنوا بها.
(٣٤) في الآية الثالثة عشر من الباب الأول من كتاب حيقوق هكذا: (نقبت عيناك لئلا ترى السوء ولا تقدر أن تنظر إلى الإثم) .
والآية السابعة من الباب الخامس والأربعين من كتاب أشعيا: (المصور [ص ١٦٥] النور، والخالق الظلمة، الصانع السلام، والخالق الشر أنا الرب الصانع جميعها) .
(٣٥) في الزبور الرابع والثلاثين هكذا: ١٥ (فإن عيني الرب إلى الأبرار ومسامعه إلى صراخهم) ١٧ (أولئك الذين صرخوا فاستجاب لهم ونجاهم من جميع إضرارهم) ١٨ (فإن الرب قريب من منكسري القلب ومخلص متواضعي الروح) . وفي الزبور الثاني والعشرين هكذا: ١: (إلهي إلهي لماذا تركتني بعيدًا عن خلاصي وكلام صراخي) ٢: (إلهي إلهي إني في النهار أدعو وأنت لا تستجيب وفي الليل ولا سكوت لي) .
والآية السادسة والأربعون من الباب السابع والعشرين من إنجيل متى
[ ٣ / ٩٧٦ ]
هكذا: (ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلًا إيلي إيلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني) أما كان داود وعيسى ﵉ من الأبرار ومنكسري القلوب ومتواضعي الروح فَلِمَ تركهما ولَمْ يسمع صراخهما.
(٣٦) الآية الثالثة عشر من الباب التاسع والعشرين من كتاب أرمياء هكذا: (تطلبونني وتجدونني إذا طلبتموني بكل قلبكم) .
والآية الثالثة من الباب الثالث والعشرين من كتاب أيوب هكذا: (من يعطيني أن أعرف فأجده وأستطيع البلوغ إلى مجلسه) .
وقد شهد الله في حق أيوب أنه صالح مستقيم، خائف من الله، بعيد من السوء كما هو مصرح به في الباب الأول والثاني من كتابه. فهذا المقدس لم يحصل له علم طريق وجدان الله فضلًا عن وجدانه.
(٣٧) في الآية الرابعة من الباب العشرين من سفر الخروج هكذا: (لا نتخذ لك صورة ولا تمثيل من كل ما في السماء وما في الأرض وما في الماء من تحت الأرض) . والآية الثامنة عشر من الباب الخامس والعشرين من السفر المذكور هكذا: (وأصنع كار وبين من ذهب سبيك تجعل على كل جانبي الغشاء) .
(٣٨) الآية السادسة من رسالة يهوذا هكذا: (والملائكة الذين لم يحفظوا
[ ٣ / ٩٧٧ ]
رياستهم بل تركوا مسكنهم حفظهم إلى دينونة اليوم العظيم بقيود أبدية تحت الظلام) . فعلم منها أن الشياطين مربوطة بقيود عظيمة إلى يوم القيامة. ويعلم من الباب الأول والثاني من كتاب أيوب أن الشيطان ليس بمقيد بل هو مطلق ويحضر عند الله.
(٣٩) في الآية الرابعة من الباب الثاني من الرسالة الثانية لبطرس هكذا: (أن الله لم يشفق على ملائكة قد أخطئوا بل في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم وسلمهم محروسين للقضاء) . وفي الباب الرابع من إنجيل متى أن الشيطان جرب عيسى ﵇.
(٤٠) الآية الرابعة في الزبور التسعين هكذا: (فإن ألف سنة لديك كالأمس الغابر وكهجيع من الليل) . والآية الثامنة من الباب الثالث من الرسالة الثانية لبطرس هكذا: (أن يومًا واحدًا عند الرب كألف سنة، وألف سنة كيوم واحد) ومع ذلك قال في الآية السادسة عشر من الباب التاسع من سفر التكوين هكذا: (ويكون القوس في الغمام وأراه وأذكر الميثاق الأبدي الذي قام بين الله وبين كل نفس حية من كل ذي جسد هو على الأرض) . على أن كون القوس علامة العهد لا يحسن، لأن القوس لا يكون في كل غمام بل في قليل من أوقات الغمام وهو وقت رقة الغمام غالبًا، وهذا الوقت لا يكون موجبًا لكثرة الأمطار التي يخاف منها الطوفان فلا تحصل العلامة وقت الحاجة إليها بل وقت الاستغناء عنها.
[ ٣ / ٩٧٨ ]
(٤١) في الآية العشرين من الباب الثالث والثلاثين من سفر الخروج قول الله في خطاب موسى ﵇ هكذا: (إنك لا تقدر على النظر إلى وجهي لأنه لا يراني بشر فيحيا) . وفي الآية الثلاثين من الباب الثاني والثلاثين من سفر التكوين قول يعقوب ﵇ هكذا: (رأيت الله وجهًا لوجه وتخلصت نفسي) . فرأى يعقوب ﵇ الله وجهًا لوجه وبقي حيًا، وفي القصة التي وقع فيها هذا القول أشياء أخرى أيضًا لا تليق. الأول: ذكر المصارعة بين الله وبين يعقوب. والثاني: كونها ممتدة إلى طلوع الفجر. والثالث: أنه لم يقو أحدهما بالآخر. والرابع: أن الله لم يقدر أن ينطلق بذاته فقال أطلقني. والخامس: أن يعقوب لم يطلقه إلا بعوض وهو أن يباركه. والسادس: أن الله سأله عن اسمه فعلم أنه ما كان يعلم اسمه.
(٤٢) الآية الثانية عشر من الباب الرابع من الرسالة الأولى ليوحنا هكذا: (الله لم ينظره أحد قط) . وفي الباب الرابع والعشرين من سفر الخروج هكذا: ٩ (وصعد موسى وهارون وناد أب وأبيهو وسبعون رجلًا من شيوخ إسرائيل ١٠ ونظروا
[ ٣ / ٩٧٩ ]
إلى إله إسرائيل وتحت رجليه مثل الحجر السمانجوني وكمثل لون السماء ونور ظاهر) ١١ (فلم يبسط يده على شيوخ إسرائيل وأبصروا الله وأكلوا وشربوا) فموسى [ص ١٦٨] وهارون والمشايخ السبعون ﵈ قد أبصروا الله وأكلوا وشربوا معه أقول أولًا: أن الجملة الأخيرة بحسب الظاهر تدل على أنهم أكلوا الله وشربوه، لكن المقصود لعله ما فهمه المعترضون. وثانيًا: أن إله بني إسرائيل (والعياذ بالله) كان على صورة آلهة مشركي الهند مثل رامجند روكرشن لأن ألوانهم على ما صرح به في كتبهم على لون السماء.
(٤٣) في الآية السادسة عشر من الباب السادس من الرسالة الأولى إلى تيموثاوس هكذا: (الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه) .
وفي الباب الرابع من المشاهدات أن يوحنا رآه جالسًا على العرش وكان
[ ٣ / ٩٨٠ ]
الجالس في المنظر شبه حجر اليشب والعقيق.
(٤٤) الآية السابعة والثلاثون من الباب الخامس من إنجيل يوحنا قول يسوع في خطاب اليهود هكذا: (لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته) . وقد علمت حال رؤية الله في المثال السابق. بقي حال سماع صوته. في الآية الرابعة والعشرين من الباب الخامس من سفر الاستثناء هكذا: (قد أرانا الرب إلهنا مجده وعظمته وسمعنا صوته من وسط النهار) .
(٤٥) في الآية الرابعة والعشرين من الباب الرابع من إنجيل يوحنا هكذا: (الله روح) . وفي الآية التاسعة والثلاثين من الباب الرابع والعشرين من إنجيل لوقا هكذا: (أن الروح ليس له لحم وعظام) ويعلم من هاتين العبارتين أن الله ليس له لحم وعظام، وقد ثبت له في كتبهم كل عضو من الرأس إلى الرجل ونقلوا أمثلة لإثبات هذه الأعضاء وقد عرفتها في مقدمة الباب الرابع. ثم قالوا استهزاءً: "لم يعلم إلى الآن أنه بستاني أم بناء أو خزاف أو خياط أو جراح أو حلاق أو قابلة أو جزار أو فلاح
[ ٣ / ٩٨١ ]
أو تاجر أو غيره لأن أقوال كتبهم مضطربة".
في الآية الثامنة من الباب الثامن من سفر التكوين هكذا: (وغرس الرب الإله فردوس النعيم من البدي) فيعلم منه أنه بستاني.
وكذا يعلم من الآية التاسعة عشر من الباب الحادي والأربعين من كتاب أشعيا وفي الآية الخامسة والثلاثين من الباب الثاني من سفر صموئيل الأول هكذا: (وبنى له بيتًا أمينًا) وهكذا في الآية ١١ و٢٧ من الباب السابع من سفر صموئيل الثاني والآية ٣٨ من الباب الحادي عشر من سفر الملوك الأول والآية ١ من الزبور ١٢٧ ويعلم من هذه الآيات أنه بناء. والآية الثامنة من الباب الرابع والستين من كتاب أشعيا هكذا: (والآن يا رب أنت أبونا ونحن الطين وأنت جابلنا ونحن جميعنا أعمال يديك) فيعلم منها أنه خزاف. والآية الحادية والعشرون من الباب الثالث من سفر التكوين هكذا: (وصنع الرب الإله لآدم وزوجته ثيابًا من جلود وألبسهما) فيعلم أنه خياط. وفي الآية ١٧ من الباب الثلاثين من كتاب أشعيا هكذا: (أشفي جرحك) .
[ ٣ / ٩٨٢ ]
فيعلم أنه جراح. والآية العشرون من الباب السابع من كتاب أشعيا هكذا: (في ذلك اليوم يحلق الرب بموسى مستنكرًا في أولئك الذين هم عبروا النهر بملك الآثوريين الرأس وأوبار الرجلين واللحية كلها) فيعلم أنه حلاق. ويعلم من الآية ٣١ من الباب التاسع والعشرين والآية ٢٢ من الباب الثلاثين من سفر التكوين أنه قابلة. وقد مر نقلهما عن قريب في بيان الاختلاف الثامن والعشرين. والآية السادسة من الباب الرابع والثلاثين من كتاب أشعيا هكذا: (سيف الرب امتلأ دمًا سمن من شحم من دم الخرفان والتيوس من دم الكباش المعلوفة) فيعلم أنه جزار. والآية الخامسة عشر من الباب الحادي والأربعين من كتاب أشعيا هكذا: (ها جعلتك مثل البكرات الجدد التي للعجلة شبه المناشير التي تدوس فتدوس الجبال وتسحق الآكام وتصنعهم مثل التراب) فيعلم أنه فلاح. وفي الآية الثامنة من الباب الثالث من كتاب يوئيل هكذا: (وأبيع بنيكم وبناتكم في أيدي بني يهوذا) فيعلم أنه تاجر.
[ ٣ / ٩٨٣ ]
وفي الآية الثالثة عشر من الباب الرابع والخمسين من كتاب أشعيا هكذا: (يتعلم جميع بنيك من الرب) فيعلم أنه معلم. ويعلم من الباب الثاني والثلاثين من سفر التكوين أنه مصارع.
(٤٦) الآية التاسعة من الباب الثاني والعشرين من سفر صموئيل الثاني هكذا: (ارتفع دخان من أنفه، والتهبت النار من فمه تأكل، والجمر اشتعل منها) . والآية العاشرة من الباب السابع والثلاثين من كتاب أيوب هكذا: (يكون الثلج من نفس الله ويجمد الماء السائل) .
(٤٧) الآية الثانية عشر من الباب الخامس من كتاب هوشع هكذا: (وأنا مثل السوس لافرام ومثل الدودة لبيت يهوذا) .
والآية السابعة من الباب الثالث عشر من الكتاب المذكور هكذا: (وأنا أكون لهم مثل أسد، مثل نمر، في طريق الآثوريين) فتارة مثل السوس والدودة وتارة مثل الأسد والنمر.
(٤٨) الآية العاشرة من الباب الثالث من مراثي أرمياء هكذا: (دبارا صدا صار لي أسدا في الخفية) . والآية الحادية عشر من الباب الأربعين من كتاب أشعيا هكذا: (مثل الراعي هو يرعى قطيعه) الخ فتارة مثل الدب والأسد وتارة كالراعي.
[ ٣ / ٩٨٤ ]
(٤٩) في الآية الثالثة من الباب الخامس عشر من سفر الخروج هكذا: (الرب مثل الرجل المقاتل) . وفي الآية العشرين من الباب الثالث عشر من الرسالة العبرانية هكذا: (وإله السلام) .
(٥٠) في الآية الثامنة من الباب الرابع ليوحنا هكذا: (الله محبة) . والآية الخامسة من الباب الحادي والعشرين من كتاب أرمياء هكذا: (وأنا أغليكم بيد ممدودة وبذراع قوية وبزجر وبغضب وبسخط شديد) . ولما وصلت النوبة إلى الخمسين أكتفي في نقل هذه الاختلافات على هذا القدر خوفًا من التطويل فمن شاء أزيد منه فليتصفح كتب المعترضين المذكورين يجد فيها اختلافات أخرى. والآية الخامسة عشر من الباب الحادي والعشرين من سفر الاستثناء هكذا: (وإن كانت لرجل امرأتان الواحدة محبوبة والأخرى مبغوضة) الخ. والآية السابعة والعشرون من الباب التاسع من كتاب يوشع هكذا: (وفرض عليهم) أي أهل جبعون اليوم أن يكونوا في خدمة الشعب بأسره وخدمة
[ ٣ / ٩٨٥ ]
مذبح الرب محطبين حطبًا ومستقين ماء في الموضع الذي يختاره الرب. وفي الباب السادس والخمسين من كتاب أشعيا هكذا: (يقول الرب للخصيين الذين يحفظون سبوتي ويختارون ما أنا شئته ويمسكون بعهدي أعطيهم في بيتي وفي حيطاني موضعًا واسمًا أفضل من البنين والبنات، أعطيهم اسمًا أبديًا لا يبيد) يعلم من هذه الآيات أن الله مجوز لتزوج زوجتين واحد القوم في العبودية والرق وراض عن الخصيين. (وهذه) الأشياء كلها مذمومة عند الإنكليز شرعًا أو عقلًا والآية الخامسة والعشرون من الباب الأول من الرسالة الأولى إلى أهل قورنثيوس هكذا: (لأن جهالة الله أحكم من الناس وضعف الله أقوى من الناس) . والآية التاسعة من الباب الرابع عشر من كتاب حزقيال هكذا: (والنبي إذا ضل وتكلم بكلام فأنا الرب أضللت ذلك النبي) الخ. ويعلم من هاتين الآيتين جهل الله وإضلاله لأنبيائه (والعياذ بالله) . وقال جان كلارك الملحد بعد ما نقل بعض الأقاويل المنقولة فيما قبل: (أن إله بني إسرائيل هذا ليس قاتلًا ظالمًا كاذبًا أحمق مضلًا فقط بل هو نار محرقة أيضًا) .
كما قال بولس في الآية التاسعة والعشرين من الباب الثاني عشر من الرسالة العبرانية إلهنا نار آكلة والوقوع في يدي هذا الإله مخيف. كما قال بولس في الآية الحادية والثلاثين من الباب العاشر من الرسالة العبرانية (مخيف هو الوقوع في يدي الله الحي) . فتحصيل الحرية من رقية مثل هذا الإله
[ ٣ / ٩٨٦ ]
بالعجلة المقدورة أحسن لأنه إذا لم ينج ابنه الوحيد فمن يرجو منه الرحمة واللطف، وهذا الإله الذي تحكم هذه الكتب أنه إله ليس بقابل أن يعتمد عليه، بل هو شيء غير محقق جامع للأضداد والأوهام مضل أنبيائه) انتهى. فانظروا إلى أبناء صنف القسيسين إلى أين وصلت نوبتهم وليعلم أن اعتراضاتهم على ما وقع في تراجمهم الإنكليزية وغيرها فإن وجد الناظر في بيان عدد الآية أو في بعض المضامين ما يخالف الترجمة العربية، فهو لأجل اختلاف التراجم.
[ ٣ / ٩٨٧ ]