[الله سبحانه خلق الثقلين ليعبدوه دون كل ما سواه وليخصوه بالدعاء]
الرسالة الثانية من عبد العزيز بن عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من المسلمين، وفقني الله وإياهم للتمسك بدينه والثبات عليه آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
أما بعد: فقد سألني بعض الإخوان عما يفعله بعض الجهال من دعاء غير الله سبحانه والاستنجاد به في المهمات، كدعاء الجن والاستغاثة بهم والنذر لهم والذبح لهم وشبه ذلك، ومن ذلك قول بعضهم: (يا سبعة خذوه) يعني بذلك سبعة من رؤساء الجن، (يا سبعة افعلوا به كذا)، (اكسروا عظامه اشربوا دمه مثلوا به)، ومن ذلك قول بعضهم: (خذوه يا جن الظهيرة يا جن العصر) وهذا يوجد كثيرا في بعض الجهات الجنوبية، ومما يلتحق بهذا الأمر دعاء الأموات من الأنبياء والصالحين
_________________
(١) سورة الفرقان الآية ٦٨- ٧٠.
(٢) سورة الشورى الآية ٢٥.
[ ٢٠ ]
وغيرهم، ودعاء الملائكة والاستغاثة بهم، فهذا كله وأشباهه واقع من كثير ممن ينتسب إلى الإسلام جهلا منه وتقليدا لمن قبله، وربما سهل بعضهم في ذلك بقوله: هذا شيء يجري على اللسان لا نقصده ولا نعتقده. وسألني أيضا عن حكم مناكحة من عرف بهذه الأعمال وذبائحهم والصلاة عليهم وخلفهم، وعن تصديق المشعوذين والعرافين، كمن يدعي معرفة المرض وأسبابه بمجرد إشرافه على شيء مما مس جسد المريض كالعمامة والسراويل والخمار وأشباه ذلك.
والجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهم إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن الله ﷾ قد خلق الثقلين ليعبدوه دون كل ما سواه وليخصوه بالدعاء
[ ٢٢ ]
والاستغاثة والذبح والنذر وسائر العبادات، وقد بعث الرسل بذلك وأمرهم به وأنزل الكتب السماوية التي أعظمها القرآن الكريم ببيان ذلك والدعوة إليه وتحذير الناس من الشرك بالله وعبادة غيره، وهذا هو أصل الأصول وأساس الملة والدين وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله لأن معناها لا معبود بحق إلا الله، فهي تنفي الألوهية - وهي العبادة - عن غير الله، وتثبت العبادة لله وحده دون ما سواه من سائر المخلوقات، والأدلة على هذا من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - كثيرة جدا، منها قوله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (١) وقوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] (٣) وقوله:
_________________
(١) سورة الذاريات الآية ٥٦.
(٢) سورة الإسراء الآية ٢٣.
(٣) سورة البينة الآية ٥.
[ ٢٣ ]
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (١) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] (٢) فبين سبحانه في هذه الآيات أنه خلق الثقلين لعبادته، وأنه قضى أن لا يعبد إلا هو ﷾، ومعنى قضى: أمر وأوصى، فهو سبحانه أمر عباده وأوصاهم في محكم القرآن وعلى لسان الرسول ﵊ ألا يعبدوا إلا ربهم، وأوضح جل وعلا أن الدعاء عبادة عظيمة من استكبر عنها دخل النار، وأمر عباده أن يدعوه وحده، وأخبر أنه قريب يجيب دعوتهم، فوجب على جميع العباد أن يخصوا ربهم بالدعاء لأنه نوع من العبادة التي خلقوا لها وأمروا بها، وقال ﷿:
_________________
(١) سورة غافر ٦٠.
(٢) سورة البقرة الآية ١٨٦.
[ ٢٤ ]
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] (١) أمر الله نبيه - ﷺ - أن يخبر الناس أن صلاته ونسكه- وهو الذبح- ومحياه ومماته لله رب العالمين لا شريك له، فمن ذبح لغير الله فقد أشرك بالله كما لو صلى لغير الله لأن الله سبحانه جعل الصلاة والذبح قرينين، وأخبر أنهما لله وحده لا شريك له، فمن ذبح لغير الله من الجن والملائكة والأموات وغيرهم يتقرب إليهم بذلك فهو كمن صلى لغير الله.
[شرك يستحق دخول النار لا تناله الشفاعة]
وفي الحديث الصحيح يقول النبي ﵊: «لعن الله من ذبح لغير الله» وأخرج الإمام أحمد بسند حسن عن طارق بن شهاب ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب، قال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا؟ قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا فخلوا سبيله فدخل النار،
_________________
(١) سورة الأنعام ١٦٢-١٦٣.
[ ٢٥ ]
وقالوا للآخر: قرب، قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله ﷿، فضربوا عنقه فدخل الجنة» فإذا كان من تقرب إلى الصنم ونحوه بالذباب ونحوه يكون شركا يستحق دخول النار، فكيف بمن يدعو الجن والملائكة والأولياء ويستغيث بهم وينذر لهم ويتقرب إليهم بالذبائح يرجو بذلك حفظ ماله، أو شفاء مريضه، أو سلامة دوابه وزرعه، أو يفعل ذلك خوفا من شر الجن أو ما أشبه ذلك؟ فهذا وأشباهه أولى بأن يكون مشركا مستحقا لدخول النار من هذا الرجل الذي قرب الذباب للصنم. ومما ورد في ذلك أيضا قوله ﷿: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٢ - ٣] (١) .
وقال تعالى:
_________________
(١) سورة الزمر الآية ٢-٣.
[ ٢٦ ]
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] (١) أخبر الله سبحانه في هاتين الآيتين أن المشركين اتخذوا من دونه أولياء من المخلوقات يعبدونهم معه بالدعاء والخوف والرجاء والذبح والنذر ونحو ذلك زاعمين أن أولئك الأولياء يقربون من عبدهم إلى الله ويشفعون لهم عنده، فأكذبهم الله سبحانه وأوضح باطلهم وسماهم كذبة وكفارا ومشركين ونزه نفسه عن شركهم فقال جل وعلا: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] فعلم بذلك أن من اتخذ ملكا أو نبيا أو جنيا أو شجرا أو حجرا يدعوه مع الله ويستغيث به ويتقرب إليه بالنذر والذبح رجاء شفاعته عند الله وتقريبه لديه أو رجاء شفاء المريض أو حفظ
_________________
(١) سورة يونس الآية ١٨.
[ ٢٧ ]
المال أو سلامة الغائب أو ما شابه ذلك فقد وقع في هذا الشرك العظيم والبلاء الوخيم الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (٢) والشفاعة إنما تحصل يوم القيامة لأهل التوحيد والإخلاص لا لأهل الشرك، كما قال النبي - ﷺ - لما قيل له: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» وقال - ﷺ -: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته وأنا اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا»
_________________
(١) سورة النساء الآية ٤٨.
(٢) سورة المائدة الآية ٧٢.
[ ٢٨ ]
وكان المشركون الأولون يؤمنون بأن الله ربهم وخالقهم ورازقهم، وإنما تعلقوا على الأنبياء والأولياء والملائكة والأشجار والأحجار وأشباه ذلك يرجون شفاعتهم عند الله وتقريبا لديه كما سبق في الآيات، فلم يعذرهم الله بذلك ولم يعذرهم رسول الله - ﷺ - بل أنكر الله عليه في كتابه العظيم وسماهم كفارا ومشركين وأكذبهم في زعمهم أن هذه الآلهة تشفع لهم وتقربهم إلى الله زلفى وقاتلهم الرسول - ﷺ - على هذا الشرك حتى يخلصوا العبادة لله وحده عملا بقوله سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] (١) وقال الرسول - ﷺ - «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على
_________________
(١) سورة الأنفال الآية ٢٩.
[ ٢٩ ]
الله» ومعنى قوله - ﷺ -: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» أي: حتى يخصوا الله بالعبادة دون كل ما سواه، وكان المشركون يخافون من الجن ويعوذون بهم فأنزل الله في ذلك قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] (١) قال أهل التفسير في الآية الكريمة: معنى قوله: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] أي ذعرا وخوفا؛ لأن الجن تتعاظم في نفسها وتتكبر إذا رأت الإنس يستعيذون بها، وعند ذلك يزدادون لهم إخافة وإذعارا حتى يكثروا من عبادتهم واللجوء إليهم، وقد عوض الله المسلمين عن ذلك: الاستعاذة به سبحانه وبكلماته التامة، وأنزل في ذلك قوله ﷿: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] (٢) وقوله جل وعلا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]
_________________
(١) سورة الجن الآية ٦.
(٢) سورة الأعراف الآية ٢٠٠.
[ ٣٠ ]
(١) ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] (٢) وصح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» ومما تقدم من الآيات والأحاديث يعلم طالب النجاة والراغب في الحفاظ على دينه والسلامة من الشرك دقيقه وجليله: أن التعلق بالأموات والملائكة والجن وغيرهم من المخلوقات، ودعاءهم والاستعاذة بهم ونحو ذلك من عمل أهل الجاهلية المشركين ومن أقبح الشرك بالله سبحانه، فالواجب تركه والحذر من ذلك والتواصي بتركه والإنكار على من فعله.
[تجري عليهم أحكام المشركين والمشركات]
ومن عرف من الناس بهذه الأعمال الشركية لم تجز مناكحته ولا أكل ذبيحته ولا الصلاة عليه ولا الصلاة خلفه حتى يعلن التوبة إلى الله سبحانه من ذلك، ويخلص
_________________
(١) سورة الفلق الآية ١.
(٢) سورة الناس الآية ١.
[ ٣١ ]
الدعاء والعبادة لله وحده. والدعاء: هو العبادة بل مخها كما قال النبي - ﷺ -: «الدعاء هو العبادة» وفي اللفظ الآخر «الدعاء مخ العبادة» وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١] (١) ونهى الله سبحانه المسلمين عن التزوج بالمشركات من عباد الأوثان والجن والملائكة وغير ذلك حتى يؤمن بإخلاص العبادة لله وحده وتصديق الرسول - ﷺ - فيما جاء به واتباع سبيله، ونهى عن تزويج المشركين بالنساء المسلمات حتى يؤمنوا بإخلاص العبادة لله وحده وتصديق الرسول - ﷺ - واتباعه، وأخبر سبحانه أن الأمة المؤمنة
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٢١.
[ ٣٢ ]
خير من الحرة المشركة ولو أعجبت من ينظر إليها ويسمع كلامها بجمالها وحسن كلامها، وأن العبد المؤمن خير من الحر المشرك ولو أعجب سامعه والناظر إليه بجماله وفصاحته وشجاعته وغير ذلك، ثم أوضح أسباب هذا التفضيل بقوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٢١] (١) يعني بذلك المشركين والمشركات؛ لأنهم من دعاة النار بأقوالهم وأعمالهم وسيرتهم وأخلاقهم، أما المؤمنون والمؤمنات فهم من دعاة الجنة بأخلاقهم وأعمالهم وسيرتهم، فكيف يستوي هؤلاء وهؤلاء؟ .
وقال جل وعلا في شأن المنافقين ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] (٢) فأوضح جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المنافق والكافر لا يصلى عليهما لكفرهما بالله ورسوله وهكذا لا
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٢١.
(٢) سورة التوبة الآية ٨٤.
[ ٣٣ ]
يصلى خلفهما ولا يجعلان أئمة للمسلمين لكفرهما وعدم أمانتهما وللعداوة العظيمة التي بينهما وبين المسلمين ولأنهما ليسا من أهل الصلاة والعبادة، لأن الكفر والشرك لا يبقى معهما عمل، نسأل الله العافية من ذلك. وقال ﷿ في تحريم الميتة وذبائح المشركين: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] (١) نهى ﷿ المسلمين عن أكل الميتة وذبيحة المشرك لأنه نجس فذبيحته في حكم الميتة ولو ذكر اسم الله عليها لأن التسمية منه باطلة لا أثر لها لأنها عبادة والشرك يحبط العبادة ويبطلها حتى يتوب المشرك إلى الله سبحانه، وإنما أباح ﷿ طعام أهل الكتاب في قوله سبحانه:
_________________
(١) سورة الأنعام الآية ١٢١.
[ ٣٤ ]
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] (١) لأنهم ينتسبون إلى دين سماوي ويزعمون أنهم من أتباع موسى وعيسى وإن كانوا في ذلك كاذبين، وقد نسخ الله دينهم وأبطله ببعث محمد - ﷺ - إلى الناس عامة، ولكن الله جل وعلا أحل لنا طعام أهل الكتاب ونساءهم لحكمة بالغة وأسرار مرعية قد أوضحها أهل العلم، بخلاف المشركين من عباد الأوثان والأموات من الأنبياء والأولياء وغيرهم لأن دينهم لا أصل له ولا شبهة فيه بل هو باطل من أساسه فكانت ذبيحة أهله ميتة ولا يباح أكلها.
[قول الشخص لمن يخاطبه جن أصابك من باب السب والشتم]
وأما قول الشخص لمن يخاطبه: (جن أصابك) (جن أخذك) (شيطان طار بك) وما أشبه ذلك. فهذا من باب السب والشتم وذلك لا يجوز بين المسلمين كسائر أنواع السب والشتم وليس ذلك من باب الشرك، إلا أن يكون
_________________
(١) سورة المائدة الآية ٥.
[ ٣٥ ]
قائل ذلك يعتقد أن الجن يتصرفون في الناس بغير إذن الله ومشيئته، فمن اعتقد ذلك في الجن أو غيرهم من المخلوقات فهو كافر بهذا الاعتقاد؛ لأن الله سبحانه هو المالك لكل شيء والقادر على كل شيء وهو النافع الضار ولا يوجد لشيء إلا بإذنه ومشيئته وقدره السابق، كما قال ﷿ آمرا نبيه - ﷺ - أن يخبر الناس بهذا الأصل العظيم: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] (١) فإذا كان سيد الخلق وأفضلهم ﵊ لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، فكيف بغيره من الخلق؟ والآيات في هذا المعنى كثيرة.
[سؤال العرافين والمشعوذين والمنجمين وأشباههم ممن يتعاطى الأخبار عن المغيبات]
وأما سؤال العرافين والمشعوذين والمنجمين وأشباههم ممن يتعاطى الأخبار عن المغيبات
_________________
(١) سورة الأعراف الآية ١٨٨.
[ ٣٦ ]
فهو منكر لا يجوز، وتصديقهم أشد وأنكر بل هو من شعب الكفر لقول النبي - ﷺ - «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما» رواه مسلم في صحيحه، وفي صحيحه أيضا عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ أن النبي - ﷺ - نهى عن إتيان الكهان وسؤالهم. وأخرج أهل السنن عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ -» والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. فالواجب على المسلمين الحذر من سؤال الكهنة والعرافين وسائر المشعوذين المشتغلين بالأخبار عن المغيبات والتلبيس على المسلمين، سواء كان باسم الطب أو غيره لما تقدم من نهي النبي - ﷺ - عن ذلك وتحذيره منه. ويدخل في ذلك ما يدعيه بعض الناس باسم الطب من الأمور الغيبية إذا شم عمامة المريض أو خمار المريضة أو نحو ذلك قال:
[ ٣٧ ]
(هذا المريض أو هذه المريضة فعل كذا وصنع كذا) من أمور الغيب التي ليس في شم عمامة المريض ونحوها دلالة عليها، وإنما القصد من ذلك التلبيس على العامة حتى يقولوا إنه عارف بالطب وعارف بأنواع المرض وأسبابه، وربما أعطاهم شيئا من الأدوية فصادف الشفاء بقدر الله فظنوا أنه بأسباب دوائه، وربما كان المرض بأسباب بعض الجن والشياطين الذين يخدمون ذلك المدعي للطب ويخبرونه عن بعض المغيبات التي يطلعون عليها فيعتمد على ذلك ويرضي الجن والشياطين بما يناسبهم من العبادة فيرتفعون عن ذلك المريض ويتركون ما قد تلبسوا به معه من الأذى، وهذا شيء معروف عن الجن والشياطين ومن يستخدمهم. فالواجب على المسلمين الحذر من ذلك والتواصي بتركه والاعتماد على الله سبحانه والتوكل عليه في كل الأمور، ولا بأس بتعاطي
[ ٣٨ ]
الرقى الشرعية والأدوية المباحة والعلاج عند الأطباء الذين يستعملون الكشف على المريض والتأكد من مرضه بالأسباب الحسية والمعقولة، وقد صح عن النبي - ﷺ -: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله» وقال - ﷺ -: «لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله» وقال - ﷺ -: «عباد الله تداووا ولا تداووا بحرام» والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، فنسأل الله ﷿ أن يصلح أحوال المسلمين جميعا وأن يشفي قلوبهم وأبدانهم من كل سوء وأن يجمعهم على الهدى وأن يعيذنا وإياهم من مضلات الفتن ومن طاعة الشيطان وأوليائه إنه على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.
[ ٣٩ ]