ويشتمل على الفصول التالية:
١ - الفصل الأول: العصر الذي عاش فيه ابن رجب الحنبلي.
٢ - الفصل الثاني: حياة ابن رجب الشخصية.
٣ - الفصل الثالث: حياة ابن رجب العلمية.
[ ٢٧ ]
الفصل الأول العصر الذي عاش فيه ابن رجب رحمه الله تعالى
ويشتمل على المباحث التالية:
تمهيد.
المبحث الأول: الحالة السياسية.
المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية.
المبحث الثالث: الحالة العلمية.
[ ٢٩ ]
تمهيد
من المعلوم أنه من أراد أن يعطي فكرة عن شخصية من الشخصيات وبيانًا لأثرها في المجتمع لاسيما إذا كان لتلك الشخصية آثار وأعمال يتوارد ذكرها متناثرًا في كتب العلماء أن يدرس الظروف المحيطة بها والبيئة التي عاشت فيها حتى يتمكن الباحث من الوقوف على العوامل والمؤثرات التي أدت إلى ظهور تلك الشخصية ونبوغها واتجاهها وذلك أن الشخص عادة يتأثر بالأحوال المحيطة به كما يتأثر بالبيئة وبمن حوله من شيوخه ومعلميه كما يؤثر هو في تلاميذه وطلابه ومن يحيطون به ويعاشرونه، وللأحوال السياسية والاجتماعية والعلمية وغيرها أثر كبير في تكييف اتجاهه ومنهجه الذي يسلكه، من أجل ذلك كله كان لابد ونحن ندرس شخصية ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى من أن نعطي فكرة موجزة عن العصر الذي عاش فيه من النواحي التالية:
١ - الناحية السياسية.
٢ - الناحية الاجتماعية.
٣ - الناحية العلمية.
[ ٣١ ]
المبحث الأول الناحية السياسية
وقع في العالم الإسلامي قبيل مولد ابن رجب رحمه الله تعالى -حادثان رهيبان تحطمت على إثرهما دولة الإسلام وزالت معالمها وكان لها أكبر الأثر في تنبيه المسلمين من رقدتهم وغفلتهم- وهذان الحادثان هما:
١ - استيلاء التتار الذين جاءوا من شمال الصين إلى بغداد، وقتلهم للخليفة والعلماء، وتدميرهم الشام وتهديد مصر، وكان سقوط بغداد في أيدي التتار سنة ٦٥٦ هـ (^١).
٢ - الحروب الصليبية التي استمرت نحو قرنين من الزمن من سنة ٤٩٠ هـ - ٦٩٠ هـ وراح ضحيتها أعداد هائلة من الأرواح.
يقول ابن الأثير (^٢) رحمه الله تعالى في أحداث ذلك العصر: "لقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بعصائب لم يبتل بها أحد من الأمم منها ظهور هؤلاء التتر قبحهم الله، أقبلوا من المشرق ففعلوا
_________________
(١) انظر: النجوم الزاهرة (٧/ ٥٠) والذيل على الروضتين (ص ١٩٨، ١٩٩).
(٢) عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الجزري الشيباني الإمام المحدث الأديب، كان إمامًا في التاريخ، له مؤلفات مفيدة منها: الكامل في التاريخ، ومعرفة الصحابة، توفي سنة ٦٣٠ هـ. وفيات الأعيان (٣/ ٣٤٨) وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٥٣).
[ ٣٢ ]
الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها. . . ومنها خروج الفرنج لعنهم الله من الغرب إلى الشام وقصدهم ديار مصر، وملكهم ثغر دمياط منها، وأشرفت ديار مصر والشام وغيرها على أن يملكوها لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم" (^١).
وقد استمر زحف التتار على بلاد المسلمين وتخريبهم لها فأثاروا الرعب في قلوب الناس بما قاموا به من أعمال التخريب والتدمير والقتل يقول ابن كثير وهو يصف الحال: "ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشباب ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقُنِي الوسخ، وكمنوا كذلك أيامًا لا يظهرون، وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب ففتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكذلك المساجد والجوامع، والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضى (^٢) وطائفة من التجار أخذوا لهم أمانًا، بذلوا عليه أموالًا جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم، وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها
_________________
(١) الكامل في التاريخ (١٢/ ٣٦٠).
(٢) هو محمد بن أحمد بن محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن العلقمي البغدادي الرافضي وزير المستعصم، كان رافضيًا خبيثًا رديء الطوية على الإسلام وأهله، كان ذا حقد وغل على أهل السنة وقد فعل ما فعل بالإسلام وأهله ليحقق أهدافه ويبلغ غايته ولكن لقي جزاءه في الدنيا حيث أن التتار الذين ساعدهم أهانوه ثم مرض ومات غمًا وغبنًا، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى، وكان هلاكه سنة ٦٥٦ هـ. العبر (٣/ ٢٨٤) والبداية والنهاية (١٣/ ٢٠١، ٢٠٢).
[ ٣٣ ]
خراب ليس فيها إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة. . . " اهـ (^١).
وقد هيأ الله ﷾ للمسلمين رجلًا صالحًا هو الملك قطز (^٢) الذي خاض المعركة ضد التتار وانتصر عليهم في معركة عين جالوت (^٣) ودخل قطز دمشق ورفرفت راية الإسلام فحكم مصر والشام معًا.
وقد وصف ابن كثير رحمه الله تعالى ذلك فقال في حوادث سنة ٦٥٨ هـ: "إن الملك المظفر قطز صاحب مصر لما بلغه أن التتار قد فعلوا بالشام ما ذكرنا، وقد نهبوا البلاد كلها حتى وصلوا إلى غزة، وقد عزموا على الدخول إلى مصر وقد عزم الملك الناصر صاحب دمشق على الرحيل إلى مصر -وليته فعل- وكان في صحبته الملك المنصور صاحب حماه وخلق من الأمراء وأبناء الملوك. . . والمقصود أن المظفر قطز لما بلغه ما كان من أمر التتار بالشام المحروسة وأنهم عازمون على الدخول إلى ديار مصر بعد تمهيد ملكهم بالشام، بادرهم قبل أن يبادروه وبرز إليهم وأقدم عليهم قبل أن يقدموا عليه، فخرج في عساكره وقد اجتمعت الكلمة عليه، حتى انتهى إلى الشام واستيقظ له عسكر المغول وعليهم كتبغانوين، وكان إذ ذاك في البقاع فاستشار الأشرف صاحب حمص والمجير ابن الزكي، فأشاروا عليه بأنه لا قبل له بالمظفر حتى
_________________
(١) البداية والنهاية (١٣/ ١٩١، ١٩٢).
(٢) هو: قطز بن عبد الله العزي، سيف الدين ثالث ملوك الترك المماليك بمصر والشام، قتل وهو في طويق عودته من الشام إلى مصر سنة ٦٥٨ هـ. البداية والنهاية (١٣/ ٢١٤) والنجوم الزاهرة (٧/ ٧٢) وذيل الروضتين (ص ٢١٠).
(٣) عين جالوت: هي بليدة لطيفة بين بيسان ونابلس من أعمال فلسطين. معجم البلدان (٤/ ١٧٧).
[ ٣٤ ]
يستمد هولاكو (^١) فأبى إلا أن يناجزه سريعًا، فساروا إليه وسار المظفر إليهم، فكان اجتماعهم على عين جالوت يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان فاقتتلوا قتالا عظيمًا، فكانت النصرة ولله الحمد للإسلام وأهله، فهزمهم المسلمون هزيمة هائلة وقتل أمير المغول كتبغانوين وجماعة من بيته. . . . وهرب من بدمشق منهم. . . فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون فيهم ويستفكون الأسارى من أيديهم، وجاءت بذلك البشارة ولله الحمد على جبره إياهم بلطفه، فجاوبتها دق البشائر من القلعة وفرح المؤمنون بنصر الله فرحًا شديدًا، وأيد الله الإسلام وأهله تأييدًا، وكبت الله النصارى واليهود والمنافقين وظهر دين الله وهم كارهون" (^٢).
وقد تولى خلافة المسلمين بعد سقوط بغداد بثلاث سنين أبو القاسم أحمد (^٣) بن الخليفة الظاهر وذلك سنة ٦٥٩ هـ (^٤) غير أن حالة الضعف التي تعانيها البلاد الإسلامية نتيجة الصراع على السلطة قد شجعت التتار على العودة إلى بلاد المسلمين ومهاجمتها وفعلا عادوا وكان آخر موقعة
_________________
(١) هولاكو خان بن تولي خان بن جنكيز خان، كان ملكًا جبارًا قتل من المسلمين ما لا يعلم عددهم إلا الله، وكان لا يتقيد بدين من الأديان، وإنما كانت همته في تدبير مملكته حتى أباده الله سنة ٦٦٤ هـ. البداية والنهاية (١٣/ ٢٣٥) وجامع التواريخ (٢١٩ - ٣٤١).
(٢) البداية والنهاية (١٣/ ٢٠٩، ٢١٠).
(٣) أحمد ابن الخليفة الظاهر بن الناصر المستضيء أبو القاسم العباسي يعتبر أول الخلفاء العباسيين بمصر، ولقب بالمستنصر، قتل سنة ٦٦٠ هـ في معركة ضد التتار. البداية والنهاية (١٣/ ٢١٩) والنجوم الزاهرة (٧/ ٢٠٦) والسلوك للمقريزي (١/ ٤٤٨).
(٤) انظر: الذيل على الروضتين (ص ٢١٣).
[ ٣٥ ]
منهم حين التقت جيوشهم بقيادة غازان مع جيوش المسلمين بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون (^١) ومعه الخليفة في موقعة مرج الصفراء سنة ٧٠٢ هـ على مقربة من حمص فهزم التتار فيها شر هزيمة ولم تقم لهم قائمة بعد ذلك (^٢). وأما الصليبيون فقد استمرت غاراتهم وهجماتهم على المسلمين نحو قرنين من الزمن، فهم في حملتهم الأولى سنة ٤٩١ هـ استولوا على القدس والرُها وقتلوا فيها آلاف المسلمين واستمروا على هذه الحال يعيثون في الأرض فسادا بحملاتهم المتتالية على بلاد المسلمين حتى هيأ الله ﷾ للمسلمين حكامًا أقوياء تمكنوا من استرداد ما استولى عليه الصليبيون أمثال زنكي (^٣) الذي استرد الرها سنة ٥٣٩ هـ (^٤) وصلاح الدين الأيوبى (^٥) الذي طهر بيت المقدس منهم سنة ٥٨٣ هـ (^٦) وكانت نهايتهم وانقضاء دولتهم على يد الملك
_________________
(١) محمد بن قلاوون بن عبد الله الصالحي أبو الفتح، من كبار ملوك الدولة القلاوونية، توفي سنة ٧٤١ هـ. الأعلام (٧/ ١١).
(٢) انظر: النجوم الزاهرة (٨/ ١٦٠) والسلوك للمقريزي (١/ ٩٢٨).
(٣) زنكي بن الحاجب الملك عماد الدين قال الذهبي: استولى على البلاد وعظم أمره، وافتتح الرها، وكان بطلا، شجاعا مقدامًا كأبيه، عظيم الهيبة، توفي سنة ٥٤١ هـ. سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٨٩) والنجوم الزاهرة (٥/ ٢٧٨) وشذرات الذهب (٤/ ١٢٨).
(٤) انظر: البداية والنهاية (١٢/ ٢٣٤).
(٥) السلطان الكبير الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن نجم الدين أيوب بن شاذى الدويني. قال الذهبي: محاسن صلاح الدين جمة لاسيما الجهاد، فله فيه اليد البيضاء ببذل الأموال والخيل، وله عقل جيد، وفهم وحزم وعزم، توفي سنة ٥٨٩ هـ. سير أعلام النبلاء (٢١/ ٢٧٨) والبداية والنهاية (١٣/ ٣).
(٦) انظر: الكامل لابن الأثير (١١/ ٥٤٦) والبداية والنهاية (١٢/ ٣٤٠).
[ ٣٦ ]
الأشرف (^١) بن المنصور قلاوون جزيرة الروضة الواقعة في نهر النيل، وأسكنهم فيها وقد دامت مملكتهم قرنًا وثلثًا (^٢) وقد أدرك الحافظ ابن رجب طرفًا كبيرًا من عهدهم سنة ٦٩٠ هـ (^٣).
هذه الحوادث غيرت مجرى التاريخ وأيقظت العالم الإسلامي من سباته العميق.
ولا شك أن تلك الحوادث وإن كانت سابقة من حيث الزمن على ميلاد ابن رجب رحمه الله تعالى إلا أنها تركت أثرًا كبيرًا في نفسه، فالصراعات المذهبية العنيفة بين أهل السنة والرافضة من جهة، وما صنعه النصارى واليهود والرافضة من مساعدة للتتار للقضاء على الإسلام وأهله من جهة أخرى كان لها أثر في الناحية الاجتماعية والعلمية كما سيأتي.
ولقد عاش ابن رجب رحمه الله تعالى كما يظهر من تاريخ حياته خلال القرن الثامن الهجري وهو القرن الذي كان يحكم فيه المماليك الذين قامت دولتهم على أنقاض الدولة الأيوبية الذين كانت دولتهم من أعظم مراكز القوى في العالم الإسلامي بسبب قدرتها على إيقاف التقدم المغولي المدمر الذي قضى على الخلافة الإسلامية ببغداد.
وتبدأ فترة حكم المماليك من سنة ٦٤٨ هـ وتنتهي في سنة ٩٢٣ هـ.
_________________
(١) خليل بن قلاوون الصالحي الملك الأشرف، ولي بعد وفاة أبيه، واستفتح الملك بالجهاد وقاتل الإفرنج، وكان شجاعًا مهيبًا عالي الهمة، قتله بعض المماليك سنة ٦٩٣ هـ. النجوم الزاهرة (٨/ ٣) والأعلام (٢/ ٣٢١).
(٢) انظر: النجوم الزاهرة (٦/ ٣١٩) وحسن المحاضرة (٢/ ٣٤) والعصر المماليكي في مصر والشام (ص ٥).
(٣) انظر البداية والنهاية (١٣/ ٣٠٤ وما بعدها)، والنجوم الزاهرة، من ص ٦ إلى ص ٧.
[ ٣٧ ]
وهم ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: المماليك البحرية وحكموا من سنة ٦٤٨ هـ إلى سنة ٧٨٤ هـ. وسموا بذلك لأن الملك الصالح نجم الدين أيوب (^١) اختار لهم بحر النيل الذي أحاط بثكناتهم في جزيرة الروضة.
القسم الثاني: المماليك البرجية أو الجراكسة وحكموا من سنة ٧٨٤ هـ إلى سنة ٩٢٣ هـ. وسموا بالبرجية نسبة إلى أبراج القلعة التي أنزلهم بها قلاوون، يقول ابن العماد في حوادث سنة ٧٨٤ هـ: "فيها كان ابتداء دولة الجراكسة فإنه خلع الصالح القلاووني وتسلطن برقوق (^٢) ولقب الظاهر وهو أول من تسلطن من الجراكسة" (^٣).
وقد أدرك ابن رجب من هذا العهد ١١ سنة من سنة ٧٨٤ هـ وهي السنة التي حكموا فيها إلى سنة ٧٩٥ هـ وهي السنة التي توفي فيها ابن رجب رحمه الله تعالى.
وقد كانت بلاد الشام تابعة في إدارتها إلى نظام الحكم في مصر ويطبق فيها نفس نظام مصر في تقسيم البلاد إلى ولايات، ولكن دمشق كانت هي الولاية الرئيسية بين تلك الولايات، لأن واليها هو الذي يوقع عن السلطان في أكثر الأمور. إلا أنه في هذا العصر كان يسود العالم عدم استقرار في الأوضاع السياسية التي يعد سمة بارزة في هذا العصر
_________________
(١) هو أيوب بن محمد بن عادل بن أيوب أبو الفتوح نجم الدين من كبار ملوك الأيوبيين بمصر توفي سنة ٦٤٧ هـ. انظر شذرات الذهب (٥/ ٢٣٧) والأعلام (٢/ ٣٨).
(٢) برقوق بن أنص العثماني أبو سعيد، الملك الظاهر، أول من ملك مصر من الجراكسة، توفي سنة ٨٠١ هـ. الضوء اللامع (٣/ ١٠) والأعلام (٢/ ٤٨).
(٣) شذرات الذهب (٦/ ٢٨٢) وانظر موسوعة التاريخ الإسلامي (٥/ ١٩٩).
[ ٣٨ ]
لكثرة الفتن والاقتتال على السلطة حتى أصبح ذلك أمرًا مألوفًا (^١).
_________________
(١) انظر: النجوم الزاهرة (٧/ ٥٥، ٨٣) مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك (٣٢٣) وما بعدها.
[ ٣٩ ]
المبحث الثاني الحالة الاجتماعية
لقد اتضح لنا فيما سبق أن الحالة السياسية في ذلك العصر الذي عاش فيه ابن رجب رحمه الله تعالى مليئة بالفتن والصراع على السلطة وعدم الاستقرار، ولذا لا يتصور أن تكون هناك حالة اجتماعية ثابتة مستقرة، لأن الحالة السياسية كان لها تأثير بالغ على الحالة الاجتماعية، وإن من أبرز الأمور التي تتضح فيها الحالة الاجتماعية في هذه الحقبة من الزمن أمرين:
١ - فئات الناس وأوضاعها الاجتماعية.
٢ - الأوبئة والمجاعات التي كان يتعرض لها المجتمع.
١ - فئات الناس وأوضاعها الاجتماعية:
كان المجتمع في العصر المملوكي يتكون من طبقات ثلاث لها وزنها وتأثيرها فهناك طبقة الحكام وهي الطبقة التي لها سلطان القوة والنفوذ، وكانت هذه الطبقة لها عدة أصول فمنهم التركي، ومنهم المغولي، ومنهم الجركسي، ومنهم الصيني وغير ذلك من الجنسيات العديدة التي حملها تجار الرقيق إلى مصر (^١).
_________________
(١) انظر العصر المماليكي في مصر والشام (ص ٣٠٨) وموسوعة التاريخ الإسلامي (٥/ ١٩٧).
[ ٤٠ ]
وكانت هذه الفئات لا تشعر بالازدراء لحسن المعاملة التي كانوا يلقونها عند الأسياد لأن سلاطين المماليك قد حرصوا على العناية بمماليكهم وأتاحت الفرص لهم فقد كانوا يتعلمون القرآن وغيره من العلوم الشرعية وإذا كبر أحدهم تعلم الفروسية وفنونها، وكانوا يدخلون في مناصب الدولة ويترقون حتى يصلوا إلى رتبة الأمراء، والسلاطين (^١).
وقد كان الأمراء حريصين على أن يبقى المماليك منفصلين عن باقي المجتمع، وكانوا يؤيدون ذلك بالتحذيرات وإيقاع العقوبات بمن يخالفها (^٢).
وكان هؤلاء المماليك يتقلبون في رغد من العيش لأنهم استغلوا نفوذهم وانتصاراتهم على التتار والصليبيين فتمتعوا بخيرات البلاد وعاشوا عيشة الترف (^٣).
الطبقة الثانية: طبقة العلماء: وهذه الطبقة تستمد قوتها من الدين نفسه، وقد حاول كثير من سلاطين المماليك أن يكرم العلماء ويحوز على رضاهم لأن هؤلاء السلاطين يشعرون بأنهم غرباء على البلاد وأهلها، ولذا فهم في حاجة إلى دعامة يستندون إليها في حكمهم ويستعينون بها على إرضاء الشعب، ولم يكن أمامهم إلا العلماء لأن هؤلاء السلاطين عندما كانوا يقدمون على عمل كبير كالحروب مثلا فإنهم يحتاجون إلى من يستندون إليه لفرض أمور على الناس وهم العلماء ولذلك كانوا يحترمونهم ويسمعون كلامهم إضافة إلى أن غالب العلماء كانوا يعتمدون في حياتهم على الله تعالى ثم على الوظائف التي تسند
_________________
(١) انظر: العصر المماليكي في مصر والشام (ص ٣٠٩، ٣١٠).
(٢) انظر: النجوم الزاهرة (٩/ ٩٢) وموسوعة التاريخ الإسلامي (٥/ ١٩٨).
(٣) انظر: العصر المماليكي في مصر والشام (ص ٣٠٩).
[ ٤١ ]
إليهم، ومع ذلك فقد كان العلماء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويصدعون بالحق بل كانت لهم مواقف في وجوه السلاطين جعلت هؤلاء السلاطين يخشون العلماء ويرهبون جانبهم، ومن ذلك موقف الظاهر بيبرس (^١) من العز بن عبد السلام (^٢) فقد كان يرهبه ويخضع لنصيحته ولذا لما مات العز بن عبد السلام ﵀ قال الظاهر بيبرس: "ما استقر ملكي إلا الآن" (^٣).
كما كان للإمام النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله تعالى وغيرهم من العلماء مواقف مشرفة تدل على الجرأة والثبات في قول الحق.
وكان إلى جانب هؤلاء العلماء الأبطال الذين وقفوا في وجه الباطل غير عابئين بما يلاقونه في سبيل كلمة الحق نجد آخرين لهم مواقف مغايرة سببها الحاجة أو حب الدنيا، ومن ذلك ما ذكره السيوطي عن بعض هؤلاء العلماء حيث قال: "من غريب ما رأيت على كراريس من تسهيل الفوائد بخط الشيخ جمال الدين بن مالك صورة قصة رفعها الفقير إلى رحمة ربه محمد بن مالك يقبل الأرض ويهنئ السلطان أيد الله
_________________
(١) هو بيبرس العلائي البندقداري الصالحي، الملك الظاهر، كان شجاعًا يباشر الحروب بنفسه، وله الوقائع الهائلة مع التتار والإفرنج وله فتوحات عظيمة، توفي في دمشق سنة ٦٧٦ هـ. البداية والنهاية (١٣/ ٢٦٠) والأعلام (٢/ ٧٩).
(٢) هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي، الدمشقي عز الدين الملقب بسلطان العلماء. قال الذهبي: برع في الفقه والأصول والعربية ودرس وأفتى وصنف وبلغ رتبة الاجتهاد، توفي سنة ٦٦٠ هـ. العبر (٣/ ٢٩٩) وطبقات الشافعية لابن هداية (٢٢٢).
(٣) انظر: حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة (٢/ ٩٥) والعصر المماليكي في مصر والشام (ص ٣١).
[ ٤٢ ]
جنوده، أنه أعرف أهل زمانه بعلوم القراءات والنحو واللغة، وفنون الأدب، وأمله أن يعينه سلطان السلاطين، ومبيد الشياطين خلَّد الله ملكه، وجعل المشارق والمغارب -على ما هو بصدده من إفادة المستفيدين والمسترشدين- بصدقة تكفيه هم عياله، وتغنيه عن التسبب في صلاح حاله، وقد نفع الله بهذه الدولة الظاهرية الناصرية خصوصًا وعمومًا وكشف بها عن الناس أجمعين غمومًا ولمّ بها شعث الدين ما لم يكن ملمومًا، فمن العجائب أن يكون المملوك من مرتدي خياراتها، وعن يمين عنايتها غائبًا محرومًا مع أنه من ألزم المخلصين للدعاء بدوامها، وأقوم المواليد بمراعاة زمامها لا برحت أنوارها زاهرة، وسيوف أنصارها قاهرة ظاهرة، وأياديها مبذولة موفورة وأعاديها مخذولة مقهورة" (^١).
وقد كان ابن رجب ﵀ من العلماء العاملين الذين لم يتزلفوا إلى الحكام ويقفوا بأبوابهم، وإنما كان منقطعًا عنهم لا يتردد إليهم ولا يقبل هباتهم منشغلًا بالعلم والتعليم ودفع الأمة إلى ما كان عليه سلفها الصالح ولا غرو في ذلك فهو تلميذ ابن قيم الجوزية تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يعد بحق علمًا شامخًا في تاريخ الأمة الإسلامية ومفخرة عظيمة للمسلمين وموسوعة علمية نهل منها كل طالب ما يريد.
الطبقة الثالثة: طبقة عامة الناس من زراع وتجار وصناع فهذه الطبقة كانت مغلوبة على أمرها يعيشون في الفقر، وكانت الحالة الاقتصادية من أسوأ ما يكون حيث مرت على البلاد الإسلامية في تلك الأيام نوبات من القحط والمجاعة حتى أن الناس أكلوا ما وجدوا من الجمادات والحيوانات والميتات وباعوا أولادهم وأهليهم (^٢)، وكانت تقع عليهم
_________________
(١) حسن المحاضرة (٢/ ٩٦) وما بعدها.
(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٤/ ٢٩٠) وحسن المحاضرة (٢/ ٢٩٢).
[ ٤٣ ]
معظم المظالم من ضرائب ومكوس، وهؤلاء هم الذين عصفت بهم التيارات المنحرفة ونشطت بهم الطرق الصوفية.
الأمر الثاني: الأوبئة والأمراض التي تعرض لها المجتمع:
لم تسلم البلاد في عهد المماليك من الأوبئة والأمراض الفتاكة التي كان لها أثر بالغ على النفوس، أدى ذلك إلى موت الآلاف من الناس وقلة الأيدي العاملة لأن عدم التحكم في مياه النيل كان يترتب عليه فساد الزراعة وقلة المحاصيل وبالتالي انتشار المجاعات المصحوبة بالأمراض والأوبئة ومن تلك الأوبئة والمجاعات: الطاعون الذي وقع سنة ٧٤٩ هـ وما أصاب الناس في تلك السنة من أثره منقطع النظير حتى أنه إذا ما حل في أهل بيت من البيوت لا يكاد يخرج منه حتى يقضي عليهم بل إن هذا الوباء قد عم أقاليم الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في وصفه: "وتواترت الأخبار بوقوع البلاء في أطراف البلاد فذكر عن بلاد القرم أمر هائل وموتان فيهم كثير، ثم ذكر أنه انتقل إلى بلاد الفرنج حتى قيل أن أهل قبرص مات أكثرهم أو يقارب ذلك، وكذلك وقع بغزة أمر عظيم، وقد جاءت مطالعة نائب غزة إلى نائب دمشق أنه مات من يوم عاشوراء إلى مثله من شهر صفر نحو من بضعة عشر ألفًا. . . . . . وفي هذا الشهر أيضًا كثر الموت في الناس بأمراض الطواعين وزاد الأموات كل يوم إلى مئة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا وقع في أهل بيت لا يكاد يخرج منه حتى يموت أكثرهم. . . . . وقد توفي في هذه الأيام من هذا الشهر خلق كثير وجم غفير، ولاسيما من النساء، فإن الموت فيهن أكثر من الرجال بكثير كثير، وشرع الخطيب في القنوت بسائر الصلوات والدعاء برفع الوباء من المغرب ليلة الجمعة سادس شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وحصل للناس بذلك خضوع وخشوع وتضرع وإنابة، وكثرت الأموات في هذا
[ ٤٤ ]
الشهر جدًا، وزادوا على المائتين في كل يوم، فإنا لله وإنا إليه راجعون (^١).
وزاد الأمر أنه في يوم الاثنين ثاني عشر من شهر رجب جاءهم ريح شديدة أظلمت الدنيا منه ولقي الناس منه تعبًا شديدًا وهرعوا إلى المساجد يدعون الله ويستغفرونه يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في وصف هذه الريح: "وفي يوم الاثنين ثاني عشرة بعد أذان الظهر حصل بدمشق وما حولها ريح شديدة أثارت غبارًا شديدًا اصفر الجو منه ثم اسود حتى أظلمت الدنيا، وبقي الناس في ذلك نحوا من ربع ساعة يستجيرون الله ويستغفرون ويبكون مع ما هم فيه من شدة الموت الذريع، ورجا الناس أن هذا الحال يكون ختام ما هم فيه من الطاعون، فلم يزدد الأمر إلا شدة، وبالله المستعان، وبلغ المصلى عليهم في الجامع الأموي إلى نحو المائة والخمسين، وأكثر من ذلك، خارجًا عمن لا يؤتى بهم إليه من أرجاء البلد وممن يموت من أهل الذمة، وأما حواضر البلد وما حولها فأمر كثير، يقال إنه بلغ ألفًا في كثير من الأيام، فإنا لله وانا إليه راجعون" (^٢).
كما أنه في سنة ٧٦٢ هـ كثرت المستنقعات من فيض النيل في الديار المصرية فانتشرت الأمراض والأوجاع وغلت الأسعار لقلة من يتعاطى الأشغال (^٣).
وفي سنة ٧٦٥ هـ حلت بالبلاد موجة من الجراد أتلفت المحاصيل الزراعية فغلت الأسعار واستمر الفناء، وكثر الضجيج والبكاء، وحل بهم الهم والغم (^٤).
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير (١٤/ ٢٣٧).
(٢) المصدر السابق (١٤/ ٢٣٩).
(٣) انظر: البداية والنهاية (١٤/ ٢٩٠).
(٤) المصدر السابق (١٤/ ٢٩٤).
[ ٤٥ ]
وقد انتشرت الأمراض والأوبئة في جميع أرجاء البلاد فما أن يتنفس الناس الصعداء مما هم فيه من بلاء إلا ويحل بهم أمر آخر، والله غالب على أمره وله في أفعاله حكم لا يعلمها إلا هو ﷿، وهو ﷾ لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (^١).
_________________
(١) سورة الرعد آية (١١).
[ ٤٦ ]
المبحث الثالث الحالة العلمية
خالفت الحالة العلمية كلًّا من الحالة السياسية والاجتماعية فقد كان هذا القرن تقريبًا من القرون الذهبية من الناحية العلمية، ذلك أن العصر المماليكي بشكل عام شهد حركة علمية نشطة ويرجع هذا النشاط إلى عدة عوامل هي:
١ - وفود العلماء إلى مصر والشام حيث أن كثيرًا منهم يمم إلى هذه البلاد فرارًا من الزحف التتري المغولي الذي أوقع بالناس الكثير من البلاء والأذى وصنوف التعذيب والتقتيل، وليس بأدل على ذلك ما حدث ببغداد على أيدي التتار، فرأى كثير من العلماء أن مصر والشام خير حمّى لهم، إليها يفرون وإلى رحابها يلجأون.
٢ - تعظيم السلاطين والأمراء لأهل العلم والعلماء وتشجيعهم للنشاط العلمي حيث أن المماليك عرفوا أن العلم سياج الدولة فقربوا العلماء وأجزلوا لهم العطاء وأنزلوهم من أنفسهم المكانة اللائقة بهم وبمراكزهم، وهذه الحفاوة التي لقيها العلماء من الحكام رغبت الكثير من أبناء الشعب على طلب العلم والسعي في تحصيله عن حب وإخلاص لكي يصل الأواخر منهم إلى ما وصل إليه الأوائل.
٣ - شعور العلماء بواجبهم وتنافسهم في أدائه لأنه لما حطم التتار بغداد وأبادوا العلماء وكتبهم، رأى العلماء في مصر والشام أنهم أمام مسؤولية ضخمة تقتضي منهم القيام بواجبهم في نشر الدين وتجديد
[ ٤٧ ]
العلم، وإحياء ما أبادته أيدي الغزاة الغاشمين فقاموا بذلك قيامًا مشكورًا وسعوا إليه سعيًا حميدًا، فكانت حركة إحياء علمية جليلة وكان بينهم في هذا المجال تنافس شديد في ميدان العلم والتعليم.
هذه الأسباب أدت إلى حركة علمية نشطة فانتشرت المدارس العلمية وملئت المساجد بحلقات التدريس بشكل عام.
ومن أبرز هذه المدارس في مصر: المدرسة الناصرية التي أمر بإنشائها السلطان زين الدين كتبغا (^١) ولكنه خلع قبل إتمامها وعاد السلطان الناصر محمد بن قلاوون إلى ملك مصر فأمر بإتمامها فتمت سنة ٧٠٣ هـ (^٢).
ومن أبرز المدارس في الشام: المدرسة الشريفية الحنبلية وقفها شيخ الحنابلة بدمشق شرف الإسلام عبد الوهاب (^٣) بن أبي الفوج الحنبلي الفقيه، وممن درس بهذه المدرسة الحافظ زين الدين بن رجب رحمه الله تعالى (^٤).
أما المساجد التي كانت فيها حلقات العلم والتعليم فمن أبرزها:
١ - جامع عمرو بن العاص في مصر وهو أول مسجد أسس بديار
_________________
(١) هو كتبغا بن عبد الله المنصوري زين الدين، الملقب بالملك العادل من ملوك المماليك البحرية في مصر والشام، توفي سنة ٧٠٢ هـ. الأعلام (٥/ ٢١٩).
(٢) انظر: حسن المحاضرة (٢/ ٢٦٥) وخطط المقريزي (٣/ ٣٤٦).
(٣) العلامة الواعظ شرف الإسلام أبو القاسم عبد الوهاب بن أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي شيخ الحنابلة بالشام بعد والده ورئيسهم، وهو واقف المدرسة الحنبلية بدمشق، توفي سنة ٥٣٦ هـ. العبر (٢/ ٤٥١) وطبقات المفسرين للداوودي (١/ ٣٦٨).
(٤) انظر: الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٦٤) ومنادمة الأطلال (٢٣٤).
[ ٤٨ ]
مصر بعد الفتح بمدينة الفسطاط سنة ٢١ هـ وكان هذا الجامع بمثابة الجامعة التي يتلقى فيها طلاب العلم جميع فنون العلم وقد ذكر المقريزي (^١) في الخطط أن شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ (^٢) أدرك بجامع عمرو بن العاص بمصر قبل الوباء الكائن في سنة ٧٤٩ هـ بضعًا وأربعين حلقة لإقراء العلم لا تكاد تبرح منه (^٣).
٢ - الجامع الأموي بدمشق الذي بناه الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك (^٤) وهو أعظم جوامع دمشق.
قال النعيمي (^٥): وذكر إبراهيم بن الليث الكاتب في رسالة: وقد أفضيت إلى جامعها فشاهدت ما ليس في استطاعة الواصف أن يصفه ولا الرائي أن يعرفه، وجملة ذلك أنه بكر الدهر ووحيد الدهر، ونادرة الأوان وأعجوبة الزمان، وغريبة الأوقات وعجيبة الساعات، ولقد أبقت أمية ذكرًا
_________________
(١) أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم المقريزي، الإمام المحدث المؤرخ، له عدة مؤلفات منها: الخطط وتجريد التوحيد، توفي سنة ٨٤٥ هـ. الضوء اللامع (٢/ ٢١) والبدر الطالع (١/ ٧٩).
(٢) شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن علي الصائغ، برع في الفقه والعربية والأدب، وله تصانيف في فنون مختلفة، توفي سنة ٧٧٧ هـ. حسن المحاضرة (١/ ٤٧١).
(٣) الخطط للمقريزي (٣/ ١٢٥).
(٤) الوليد بن عبد الملك بن مروان الأموي، أحد خلفاء بني أمية، تولى الخلافة بعد أبيه سنة ٨٦ هـ، كثرت في عهده الفتوحات، وكان يكرم طلاب العلم، توفي سنة ٩٧ هـ. سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٤٧).
(٥) عبد القادر بن محمد بن عمر أبو المفاخر النعيمي، مؤرخ دمشق وأحد محدثيها، ألف كتبًا كثيرة منها: الدارس في تاريخ المدارس، توفي سنة ٩٢٧ هـ. شذرات الذهب (٨/ ١٥٣).
[ ٤٩ ]
ما يدرس، وخلفت أثرًا لا يخفى ولا يدرس (^١).
وكانت تدرس في هذه المدارس والمساجد مختلف أنواع المعارف في مقدمتها التفسير والفقه والحديث والنحو والصرف وغير ذلك من علوم الدين واللغة، وقد تخرج من هذه المراكز علماء وفقهاء كانت لهم مؤلفات قيمة، وذخيرة علمية عظيمة تعتبر موسوعات علمية في مختلف العلوم والفنون.
ومن أعلام ذلك العصر البارزين على سبيل المثال لا الحصر شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة (٧٢٨ هـ) ومؤرخ الإسلام شمس الدين الذهبي المتوفى سنة (٧٤٨ هـ) وابن قيم الجوزية المتوفى سنة (٧٥١ هـ) والحافظ عماد الدين بن كثير الدمشقي المتوفى سنة (٧٧٤ هـ) وغيرهم ممن عرفوا بسعة انتاجهم وأصالته وأثروا التراث الإسلامي بكثير من مؤلفاتهم وعلومهم، إلا أننا رغم هذه النهضة العلمية الواسعة يجب أن لا نغفل أنه في هذا العصر استولت فيه عدة أوهام، وأحاطت به جملة معتقدات لا تتفق ومذهب السلف، وذلك بسبب البطش والجبروت والقلاقل التي سبقت حياة ابن رجب، فالصوفية قد انتشرت بطرقها بل وأصبحت لها مكانة في المجتمع ودليل ذلك اعتبار الخوانق (^٢) والربط من دور التعليم، وكذلك المؤولة قد انتشروا من جهمية ومعتزلة وأشاعرة ورافضة وغيرهم من الفرق المخالفة لأهل السنة.
_________________
(١) الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٣٧١، ٤١٣) ومنادمة الأطلال (٣٥٧).
(٢) الخوانق مفردها خانقاه: وهي كلمة فارسية معناها المعبد أو البيت الذي ينقطع فيه الصوفية للذكر والعبادة وتجري عليهم الأرزاق فيها وهي حدثت في الإسلام حوالي سنة ٤٠٠ هـ. انظر: الخطط للمقريزي (٣/ ٣٩٩، ٤٠٠) والعصر المماليكي في مصر والشام (ص ٤١٠).
[ ٥٠ ]
وقد عاش الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في غمرة هذه الأحداث السياسية والاجتماعية والعلمية، وكان لكل ذلك أثره المباشر في تكوين شخصيته حيث نجده بعيدًا عن التقلبات السياسية الكثيرة مؤثرًا الانصراف إلى تلقي العلوم ومجالسة العلماء ومن ثم التدريس والتأليف.
وكان للحياة الثقافية الزاهرة في دمشق ما يدعوه إلى الاهتمام بعلوم الشريعة والعناية بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - حيث نشأ وتعلم -كما سيأتي فيما بعد- على شيوخ وعلماء عصره البارزين في علوم الشريعة المختلفة، فاستطاع أن يأخذ من كل هؤلاء ويبرز علمًا من أعلام المسلمين في ذلك العصر في علوم مختلفة رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
[ ٥١ ]
الفصل الثاني حياة ابن رجب الشخصية
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأول: اسمه ونسبه.
المبحث الثاني: كنيته ولقبه.
المبحث الثالث: مولده.
المبحث الرابع: شهرته.
المبحث الخامس: أسرته.
المبحث السادس: أخلاقه وصفاته.
المبحث السابع: وفاته.
[ ٥٣ ]
المبحث الأول اسمه ونسبه (^١)
هو الإمام الحافظ زين الدين عبد الرحمن ابن الشيخ الإمام المقرئ
_________________
(١) مصادر ومراجع ترجمته: يمكن تقسيم ما وقفت عليه من المصادر والمراجع التي ترجمت للحافظ ابن رجب الحنبلي إلى قسمين، مطبوعة، ومخطوطة: القسم الأول: المصادر والمراجع المطبوعة:
(٢) الرد الوافر لابن ناصر الدين (ت ٨٤٢ هـ): ١٠٦.
(٣) إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر (ت ٨٥٢ هـ): (٣/ ١٧٦).
(٤) الدرر الكامنة لابن حجر (ت ٨٥٢ هـ): (٢/ ٤٢٧، ٤٢٨).
(٥) لحظ الألحاظ لابن فهد المكي (ت ٨٧١ هـ): ١٨٠.
(٦) الدليل الشافي على المنهل الصافي لابن تغري (٨٧٤ هـ): (١/ ٣٩٨).
(٧) المقصد الأرشد لابن مفلح (ت ٨٨٤ هـ): (٢/ ٨١).
(٨) الجوهر المنضد لابن عبد الهادي (ت ٩٠٩ هـ): ٤٦.
(٩) ذيل تذكرة الحفاظ للسيوطي (ت ٩١١ هـ): ٣٦٧.
(١٠) طبقات الحفاظ للسيوطي (ت ٩١١ هـ): ٥٣٦.
(١١) الدارس في تاريخ المدارس للنعيمي (ت ٩٢٧ هـ): (٢/ ٧٦).
(١٢) الشهادة الزكية لمرعي الكرمي (ت ١٠٣٣ هـ): ٤٩.
(١٣) كشف الظنون لحاجي خليفة (ت ١٠٦٧ هـ): (١/ ٥٩، ٧٩) (٢/ ١٠٩٧، ١٤٠٠).
(١٤) شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩ هـ): (٦/ ٣٣٩).
(١٥) صلة الخلف بموصول السلف للروداني (ت ١٠٩٤ هـ): ٢٧٦.
(١٦) البدر الطالع للشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): (١/ ٣٢٨).
(١٧) السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة لابن حميد (ت ١٢٩٥ هـ): (١٩٧). =
[ ٥٥ ]
المحدث شهاب الدين أحمد ابن الشيخ الإمام المحدث أبي أحمد رجب (^١) عبد الرحمن بن الحسن (^٢) بن محمد بن أبي البركات مسعود السلامي (^٣)
_________________
(١) = ١٧ - التاج المكلل لصديق حسن خان (ت ١٣٠٧ هـ): ٣٢٥.
(٢) إيضاح المكنون لإسماعيل باشا (ت ١٣٣٩ هـ): (١/ ١٢٢، ٣٥٥).
(٣) هدية العارفين لإسماعيل باشا (ت ١٣٣٩ هـ): (١/ ٥٢٧).
(٤) الرسالة المستطرفة لمحمد بن جعفر الكتاني (ت ١٣٤٥ هـ): ١٤٧.
(٥) منادمة الأطلال لابن بدران (ت ١٣٤٦ هـ): ٢٣٦.
(٦) مختصر طبقات الحنابلة للشطي (ت ١٣٧٩ هـ): ٧١، ٧٢.
(٧) الأعلام للزركلي (ت ١٣٩٥ هـ): (٤/ ٦٧).
(٨) فهرس الفهارس لعبد الحي بن عبد الكبير الكتاني: (٢/ ٦٣٦).
(٩) معجم المؤلفين لعمر كحالة: (٥/ ١١٨).
(١٠) معجم المؤرخين الدمشقيين لصلاح الدين المنجد: ٢١٨.
(١١) المستدرك على معجم المؤلفين لعمر كحالة: ٣٤٥. القسم الثاني: المصادر والمراجع المخطوطة:
(١٢) التبيان شرح بديعية البيان لابن ناصر الدين (ت ٨٤٢ هـ): ورقة ١٥٩.
(١٣) تاريخ ابن قاضي شهبة (ت ٨٥١ هـ): (١٤٠/ أ).
(١٤) المنهل الصافي لابن تغري بردي (ت ٨٧٤ هـ): (٢/ ١٩٧/ أ).
(١٥) المنهج الأحمد للعليمي (ت ٩٢٨ هـ): ورقة ٤٧٠، ٤٧١.
(١٦) وهم ابن فهد رحمه الله تعالى في لحظ الألحاظ (ص ١٨٠) حيث جعل الاسم الواحد اسمين فقال: رجب بن عبد الرحمن، والصواب أن رجب لقب عبد الرحمن، وقد تبعه على هذا الوهم الدكتورة أمينة الجابر في رسالتها للدكتوراه "ابن رجب الحنبلي وآثاره الفقهية" (ص ٣٧).
(١٧) جميع المصادر تذكر الحسن إلا المقصد الأرشد في تراجم أصحاب الإمام أحمد لابن مفلح (٢/ ٨١) والدارس في تاريخ المدارس للعليمي (٢/ ٧٦) والرسالة المستطرفة للكتاني (ص ١٤٧). فإنها تذكر الحسين بدل الحسن.
(١٨) قال السمعاني رحمه الله تعالى: السلامي بفتح السين المهملة واللام ألف المخففة وفي آخرها الميم. هذه النسبة إلى رجل وموضع. أما الرجل فهو منسوب إلى بني سلامان وهو بطن من قضاعة، وفيهم كثرة من الصحابة فمن بعدهم. . . =
[ ٥٦ ]
البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي (^١).
_________________
(١) = وأما المنسوب إلى موضع فهو مدينة السلام بغداد. . . الأنساب (٧/ ٢٠٨).
(٢) الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٨) والرد الوافر (ص ١٠٦) والتبيان لشرح بديعية البيان (ص ١٥٩) ولحظ الألحاظ (ص ١٨٠) وذيل تذكرة الحفاظ (ص ٣٦٧) والمقصد الأرشد (٢/ ٨١) والدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٧٦) والرسالة المستطرفة (ص ١٤٧).
[ ٥٧ ]
المبحث الثاني كنيته ولقبه
كنيته المشهور بها: "أبو الفرج".
وقد كناه ابن تغري بردي (^١) بأبي العباس (^٢) ولكن المشهور أن هذه كنية أبيه وليس كنية له.
وأما لقبه المشهور به فهو: "زين الدين".
ولقبه ابن العماد الحنبلي: "زين الدين وجمال الدين" (^٣) ولقبه ابن فهد (^٤) (^٥) وابن تغري بردي (^٦) بشهاب الدين، والمشهور أن هذا لقب أبيه.
_________________
(١) جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي الظاهري الحنفي، العلامة المؤرخ، له عدة مؤلفات منها: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، الدليل الشافي على المنهل الصافي، توفي سنة ٨٧٤ هـ. الضوء اللامع (١٠/ ٣٠٥) وشذرات الذهب (٧/ ٣١٧).
(٢) المنهل الصافي (٢/ ١٩٧).
(٣) شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩).
(٤) محمد بن محمد بن محمد المكي تقي الدين المعروف بابن فهد العلامة المحدث، قال السخاوي: "أكثر من المسموع والشيوخ وجد في ذلك"، توفي سنة ٨٧١ هـ. الضوء اللامع (٩/ ٢٨١) والبدر الطالع (٢/ ٢٥٩).
(٥) لحظ الألحاظ (ص ١٨٠).
(٦) المنهل الصافي (٢/ ١٩٧).
[ ٥٨ ]
المبحث الثالث مولده
ولد ابن رجب رحمه الله تعالى في بغداد سنة ٧٣٦ هـ وهذا ما ذكرته أغلب مصادر ترجمته.
وذكر ابن حجر في الدرر الكامنة (^١) أنه ولد في سنة ٧٠٦ هـ، وتبعه على ذلك السيوطي في طبقات الحفاظ (^٢) وإسماعيل باشا في هدية العارفين (^٣).
وقد ذهب الدكتور: محمد بن حمود الوائلي في رسالته (ابن رجب الحنبلي وأثره في الفقه) إلى أن القول الأول هو القول الصحيح وذلك للأمور التالية:
١ - ما ذكره ابن العماد في شذرات الذهب فيه "قدم من بغداد مع والده إلى دمشق وهو صغير سنة ٧٤٤ هـ" (^٤).
وهذا يكشف لنا تاريخ ولادته وأن سنه حين قدم دمشق ثماني سنوات، وهذا يؤيد ما ذكره ابن حجر في إنباء الغمر وهو خلاف ما ذكره في الدرر الكامنة، ولعل سبب اختلاف التاريخين يعود إلى أن ناسخ الدرر
_________________
(١) الدرر الكامنة (٢/ ٣٢٩).
(٢) طبقات الحفاظ (ص ٥٤٠).
(٣) هدية العارفين (١/ ٥٢٧).
(٤) شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩).
[ ٥٩ ]
أسقط كلمة "الثلاثين" لأنه ليس من المعقول أن يضع ابن حجر لولادة ابن رجب تاريخين متغايرين في كتابيه دون أن يذكر سببًا لذلك.
٢ - ما ذكره ابن رجب في كتابه الذيل على طبقات الحنابلة فقد أزال اللبس وكفانا عناء البحث من أنه حضر درس الشيخ شرف الدين أبي محمد فقال: "حضرت درسه وأنا إذ ذاك صغير لا أحققه جيدًا" (^١) وكان ذلك سنة ٧٤١ هـ وبذلك نستطيع القطع بأن مولده كان عام ٧٣٦ هـ (^٢).
أقول: ويضاف إلى ما ذكره الدكتور الوائلي للدلالة على صحة أن ولادة ابن رجب ﵀ سنة ٧٣٦ هـ الأمور التالية:
١ - أن سنة ٧٠٦ هـ هو تاريخ ولادة والده أحمد كما جاء ذلك في الرد الوافر (^٣) والمنهج الأحمد (^٤).
٢ - أن ما ذكره ابن العماد في الشذرات من أنه قدم مع والده من بغداد إلى دمشق سنة ٧٤٤ هـ وهو صغير، قد ذكره قبله ابن مفلح (^٥).
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٣٦).
(٢) ابن رجب الحنبلي وأثره في الفقه رسالة دكتوراه على الآلة الكاتبة (ص ١١٢، ١١٣).
(٣) الرد الوافر (ص ٧٩).
(٤) المنهج الأحمد ورقة (٤٧١).
(٥) برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح الحنبلي الشيخ الإمام الأصولي المؤرخ المعروف بابن مفلح، له عدة مصنفات منها: المقصد الأرشد في تراجم أصحاب الإمام أحمد، الآداب الشرعية، توفي سنة ٨٨٤ هـ. الدارس (٢/ ٥٩) والضوء اللامع (١/ ١٥٢).
[ ٦٠ ]
في المقصد الأرشد (^١) والعليمي (^٢) في المنهج الأحمد (^٣) والنعيمي في الدارس في تاريخ المدارس (^٤) وهذا يدل على أن صحة ولادته كانت ٧٣٦ هـ إذ لو كانت ولادته سنة ست وسبعمائة لكان عمره ثمانيًا وثلاثين سنة ٧٤٤ هـ ومن كان هذا عمره لا يسمى صغيرًا.
٣ - أن ابن حجر رحمه الله تعالى ذكر في إنباء الغمر تاريخ ولادته بالحروف وفي الدرر الكامنة بالأرقام، وما كتب بالأرقام عرضة للسقط والسهو من النساخ وغيرهم بخلاف الكتابة بالحروف فالخطأ فيها بعيد مما يدل على صحة ما في إنباء الغمر.
وهذه الأمور كلها تقطع لنا بأن ولادة ابن رجب كانت سنة ٧٣٦ هـ، وفيها رد على من توقف في تعيين تاريخ لولادة ابن رجب رحمه الله تعالى أو جعل تعيين تاريخ معين لولادته من الأمور العسيرة.
ومنهم الدكتورة أمينة محمد الجابر حيث قالت في مقدمة رسالتها "ابن رجب الحنبلي وآثاره الفقهية": فإن بحثي العلمي المتواضع يثبت عدم القطع بتاريخ مولد ابن رجب لعدم وجود مصدر أو قرينة ترجح أي التاريخين أنسب لذكر مولد ابن رجب، وعلى هذا فمن قطع وجزم بتاريخ المولد فهي شبهة علمية ليس عليها دليل (^٥).
_________________
(١) المقصد الأرشد في تراجم أصحاب الإمام أحمد (٢/ ٨١).
(٢) عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي العلامة القاضي المؤرخ، له عدة مصنفات منها: المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد، الأنس والجليل بتاريخ القدس والخليل، توفي سنة ٩٢٨ هـ. السحب الوابلة (ص ٣١٢) ومختصر طبقات الحنابلة للشطي (ص ٨١).
(٣) المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد (٤٧١).
(٤) الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٧٦).
(٥) ابن رجب الحنبلي وآثاره الفقهية (ص ٩).
[ ٦١ ]
بل الأعجب من ذلك أنها وهمت الدكتور الوائلي في قطعه بصحة مولد ابن رجب وجعلت ذلك من الأمور العسيرة حيث قالت: "وعلى هذا فمن العسير عقليًا أمام هذا التعكير القطع بتاريخ مولد ابن رجب وهو الوهن الذي وقع فيه الدكتور الوائلي حيث أنه جعل من رواية ابن رجب "وأنا إذ ذاك صغير لا أحققه جيدًا" دليلًا على ترجيح أنه ولد سنة ٧٣٦ هـ، ولو قارنها بمقالة ابن رجب عن شيخه صفي الدين أنه أجازه غير مرة لأدرك أن القطع هنا قطع وهمي لا يسعفه علم ولا يسانده مصدر" (^١).
وهذا الكلام في الحقيقة من قلب الحقائق والنظر إلى الأمور بخلاف ما هي عليه، لأن ما قاله الدكتور الوائلي هو الحق والصواب الذي يتعين الأخذ به وعدم الالتفات إلى غيره في تاريخ ولادة ابن رجب لوجود القرائن والدلائل التي سبق ذكرها والتي من خلالها نقطع ونجزم بصحة تاريخ ولادة ابن رجب وأنه سنة ٧٣٦ هـ.
_________________
(١) ابن رجب الحنبلي وآثاره الفقهية (ص ٤٠).
[ ٦٢ ]
المبحث الرابع شهرته
اشتهر زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بـ (ابن رجب الحنبلي)، ورجب هو اسم جده عبد الرحمن، وقيل له رجب لأنه ولد في شهر رجب ونسب إليه الحفيد ﵀.
وقد كان هناك من يسمى بابن رجب غيره ومنهم:
١ - والده شهاب الدين بن رجب ويقال له ابن رجب المقرئ، وستأتي ترجمته (^١).
٢ - أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن رجب الطوخي الشافعي يعرف بابن رجب ولد سنة ٨٤٧ هـ وتوفي سنة ٨٩٣ هـ (^٢).
ولكن غلبت هذه الشهرة عليه رحمه الله تعالى فإذا قيل ابن رجب أو ابن رجب الحنبلي يتبادر إلى الذهن عند العلماء وطلاب العلم أن المراد ابن رجب الحنبلي زين الدين ما لم يكن دليل أو قرينة تدل على أن المراد غيره وهذا يدل على فضله وسمو مكانته التي جعلته يشتهر على من سواه.
_________________
(١) ترجمته في (ص ٦٥).
(٢) الضوء اللامع (٢/ ١٢١).
[ ٦٣ ]
المبحث الخامس أسرته
نشأ ابن رجب رحمه الله تعالى في أسرة علمية عريقة كان لها أثر واضح في تنمية مواهبه ومن ثم أصبح عالمًا تمت شهرته الآفاق، وتجمع المصادر على أن أسرة ابن رجب بغدادية وأنها أسرة علم وطهر وفضل وصلاح، بل عريقة في الإمامة العلمية ومنهم:
أولًا: جده أبو أحمد رجب بن الحسن بن محمد بن أبي البركات مسعود البغدادي، واسمه عبد الرحمن ورجب لقبه، وقيل له رجب لأنه ولد في شهر رجب كان فقيهًا عالمًا له حلقة علمية في بغداد يفد إليها طلاب العلم من كل مكان، وقد ولد سنة ٦٧٧ هـ وسمع ثلاثيات البخاري وحدث بها وسمع من المعيد ابن المجلح وابن غزال وغيرهما (^١).
وصفه ابن العماد بقوله: "الشيخ الإمام المحدث" (^٢).
وقد أدرك ابن رجب رحمه الله تعالى جده وحضر مجلسه وهو يقرأ عليه قال في الذيل على الطبقات: قرأ على جدي أبي أحمد رجب بن الحسن غير مرة ببغداد وأنا حاضر في الثالثة والرابعة والخامسة: أخبركم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزاز سنة ست وثمانين وستمائة أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعي أخبرنا أبو
_________________
(١) انظر: الدرر الكامنة (٢/ ١٩٩).
(٢) شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩).
[ ٦٤ ]
الوقت عبد الأول بن عيسى أخبرنا أبو الحسن الداوودي أخبرنا أبو محمد السرخسي أخبرنا أبو عبد الله الفربري حدثنا البخاري حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار" (^١) (^٢).
وهذا يدل على أن جده أبا أحمد كان عالمًا ويقرأ الناس عليه وقد توفي في صفر سنة ٧٤٢ هـ (^٣).
ثانيًا: أبوه أحمد بن رجب بن الحسن بن محمد بن أبي البركات السلامي البغدادي الحنبلي، نزيل دمشق ولد في بغداد صبيحة يوم السبت الخامس عشر ربيع الأول سنة ٧٠٦ هـ (^٤) ونشأ بها، وقرأ بالروايات وسمع من مشايخها، وطلب الحديث، وخرج لنفسه معجمًا مفيدًا.
قال ابن ناصر الدين (^٥) في وصفه: "الإمام العالم الصالح المقرئ المجود المحدث المفيد. . . قرأ القرآن بالروايات وأخذ عن جماعة من الشيوخ كثيرًا من المرويات وخرج لنفسه مشيخة مفيدة بتراجم ملخصة فريدة، وذكر ابن تيمية بشيخ الإسلام، وأثنى عليه وكان يحبه ويميل بالمودة إليه" (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب العلم -باب إثم من كذب على النبي - ﷺ - (١/ ٣٥).
(٢) الذيل على الطبقات (٢/ ٢١٣).
(٣) الدرر الكامنة (٢/ ١٩٩).
(٤) المنهج الأحمد ورقة (٤٧١) والرد الوافر (ص ٧٩).
(٥) شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد الدمشقي الشهير بابن ناصر الدين، الحافظ المحدث كان عارفًا بالنسب والرجال، له مؤلفات كثيرة منها: الرد الوافر، وبديعة البيان وشرحها، توفي سنة ٨٤٢ هـ. الضوء اللامع (٨/ ١٠٣) وشذرات الذهب (٧/ ٢٤٣).
(٦) الرد الوافر (ص ٧٩).
[ ٦٥ ]
وقال ابن حجر: "ولد في بغداد ونشأ بها، وقرأ بالروايات وسمع من مشايخها، ورحل إلى دمشق بأولاده فأسمعهم بها وبالقدس وجلس للقراء بدمشق وكان ذا خير ودين وعفاف. . . " (^١).
وقال العليمي: "العالم الصالح المقرئ المحدث شهاب الدين .. " (^٢) مات سنة ٧٧٤ هـ ﵀ (^٣).
وقد أقبل ابن رجب يتتلمذ على أبيه، وينتفع منه، وينهل من معينه وكان أبوه حريصًا على تزويده من مناهل العلوم والمعارف المختلفة فكان يصطحبه معه في السماع على الشيوخ وذكر العليمي أنه قدم مع والده من بغداد إلى دمشق وهو صغير سنة ٧٤٤ هـ فاشتغل بسماع الحديث باعتناء والده (^٤) فلا ريب أن ابن رجب استفاد من جده المحدث (رجب) ثم من والده الإمام المقرئ لأنه ما دامت أن هذه هي أسرته التي عاش فيها وتلك مكانتها العلمية فلا عجب حين نرى ابن رجب ينشأ وهو محاط بجو علمي ديني تعبدي.
ولا شك أن نشأة ابن رجب في مثل هذه الأسرة قد هيأ له مناخًا مناسبًا لطلب العلم والجد في تحصيله.
تلك هي أسرة ابن رجب رحمه الله تعالى أسرة علم وتقًى وطهارة نالت من العلم حظًا وافرًا.
_________________
(١) إنباء الغمر (١/ ٤٢).
(٢) المنهج الأحمد (٤٧١).
(٣) شذرات الذهب (٦/ ٢٣٠).
(٤) انظر: المنهج الأحمد ورقة (٤٧٠).
[ ٦٦ ]
المبحث السادس أخلاقه وصفاته
إن علماء السلف كانوا أحرص الناس على التحلي بالأخلاق الفاضلة والابتعاد عن الأخلاق السيئة.
ولقد كان الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى من أحرص الناس على التحلي بالأخلاق الفاضلة والابتعاد عن الأخلاق الرذيلة من الحسد والإيذاء والحقد وغير ذلك.
وكان رحمه الله تعالى زاهدًا ورعًا تقيًا، متعففًا، تعرضت له الدنيا بمفاتنها مرات عديدة فرفضها ولم يقبلها، واكتفى منها بما يصلح حاله ويسد رمقه، فلم يقبل من حاكم صلة أو عطية، وكان ينهى دائمًا عن مخالطة أبناء الدنيا والنظر إليهم والاجتماع بهم، ويأمر بمخالطة الصالحين والاشتغال بالعلم، وكان له رحمه الله تعالى من الصفات والسلوك ما كان له أثر كبير في ظفره بلقب الإمام والحافظ وزين الدين وغير ذلك من النعوت التي وصفه بها كل من ترجم له، فهو حافظ لكتاب الله، وعالم بما أثر عن الرسول - ﷺ - وعن الصحابة والتابعين، وذو بصر تام بمذهب الإمام أحمد ﵀، وهو من أئمة الحديث وحفاظه، واسع المعرفة بمتونه وأسانيده وأحوال رجاله، وهو ذو أفق واسع، لا يتعصب لمذهب، ولا يندد بغيره، وهو حريص على معرفة الكتاب والسنة والرجوع إلى الطريقة التي جرى عليها الصحابة والتابعون ومن جاؤوا بعدهم من الأئمة الأربعة وغيرهم من السلف الصالح لا يشغله عن العبادة وطلب العلم
[ ٦٧ ]
شيء من مطالب الدنيا وهو رضي الخلق، عذب الشمائل، حسن النية، وقد ظهر آثار ذلك كله فيما خلفه من تآليف متنوعة أثنى عليها العلماء، وتلقوها بالقبول.
وكان رحمه الله تعالى صاحب عبادة وتأله وتهجد وطول صلاة.
قال ابن ناصر الدين عمه: "أحد الأئمة الزهاد، والعلماء العباد" (^١).
وقال ابن فهد: "كان ﵀ إمامًا ورعًا زاهدًا، مالت القلوب بالمحبة إليه، وأجمعت الفرق عليه" (^٢).
وقال الحافظ ابن حجر: "وكان صاحب عبادة وتهجد" (^٣).
وكان مائلًا إلى اعتزال الناس والابتعاد عن مخالطتهم لاسيما في أواخر أيام حياته قال ابن حجي: "كان لا يخالط أحدًا ولا يتردد إلى أحد" (^٤).
وقال ابن قاضي شهبة (^٥): "وكان منجمعًا عن الناس لا يخالطهم ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات ويسكن بالمدرسة العسكرية بالقصاعين، وكان لا يعرف شيئًا من أمور الدنيا، فارغًا عن الرياسة وأسبابها، ليس له شغل إلا اشتغال بالعلم. . . وكان فقيرًا متعففا غني
_________________
(١) الرد الوافر (ص ١٠٦).
(٢) لحظ الألحاظ (ص ١٨١).
(٣) إنباء الغمر (٣/ ١٧٦).
(٤) إنباء الغمر (٣/ ١٧٦).
(٥) أبو بكر بن أحمد بن محمد بن عمر الأسدي الدمشقي الشافعي الشهير بابن قاضي شهبة، الفقيه، العالم المؤرخ، سمع من أكابر عصره ودرس وجمع وصنف مصنفات كثيرة منها: ذيل على تاريخ الإسلام للذهبي واسمه: "تاريخ ابن قاضي شهبة" "شرح منهاج الطالبين للنووي"، توفي سنة ٨٥١ هـ. الضوء اللامع (١١/ ٢١) وشذرات الذهب (٧/ ٢٦٩) والبدر الطالع (١/ ١٦٤).
[ ٦٨ ]
النفس، وبالجملة لم يخلف بعده مثله" (^١).
وكانت مجالس تذكيره ووعظه الناس للقلوب صادعة، وللناس عامة مباركة ونافعة، قال ابن العماد: "وكانت مجالس تذكيره للقلوب صادعة، وللناس عامة ومباركة نافعة" (^٢).
تلك الصفات التي وصف بها تدل على ما وصل إليه ابن رجب رحمه الله تعالى من مكانة عالية خلقًا وزهدًا وورعًا وعلمًا فهو المحدث الذي أتقن فنون الحديث وطرقه، وصار قدوة وعلمًا تخرج على يديه كثير من أهل العلم في زمانه، وبخاصة الحنابلة، وهو المصنف الذي ترك لنا آثارًا منوعة في العقيدة والفقه والحديث والتاريخ تدل على غزارة علمه وحضور حافظته واجتماع النصوص بين يديه ويجعلها أداة طيعة فيما يريده من شرح وتبسيط للأفكار، بحيث يقترب من العامة، ولا يبعد عن الخاصة من أهل العلم. وهو الواعظ المحبب إلى القلوب تجد الإخلاص والصدق في حديثه ووعظه، وهو الزاهد فيما به الناس مشغولون، المنقطع للعبادة والتصنيف.
_________________
(١) تاريخ ابن قاضي شهبة ورقة (١٤٠/ أ).
(٢) شذرات الذهب (٦/ ٣٤٠).
[ ٦٩ ]
المبحث السابع ابن رجب والتصوف
إن المطلع على كتب ابن رجب رحمه الله تعالى وكثرة نقوله عن السابقين وخصوصًا من اشتهر بالتصوف يظن أن ابن رجب رحمه الله تعالى علم من أعلام المتصوفة البارزين الذين يشار إليهم بالبنان، وهذا يدل على عدم معرفة هذا الإمام، بل الحقيقة أن ابن رجب رحمه الله تعالى ليس كما ظن هؤلاء وإن نقل بعض أقوال المتصوفة وحكاياتهم لأنه رحمه الله تعالى عنده من العقيدة السليمة الصافية عقيدة أهل السنة والجماعة المستمدة من كتاب الله ﷿ وسنة رسوله - ﷺ - مع السلوك الحسن ما عصمه من الوقوع فيما وقع فيه أولئك القوم من زلات فضلّا عن الأمور التي وصلوا فيها إلى حد الشرك والحلول وغيرها من الأمور البعيدة عن دين الله ﷿ التي سببها الجهل بالكتاب والسنة ويكفيه فخرًا في ذلك أنه تلميذ من تلاميذ العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى أبرز تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
إضافة إلى ذلك أنه انتقد القوم ورد عليهم في عدة مسائل بل ذكر بعض بدعهم وبين أن ما هم عليه في هذه المسائل بعيد كل البُعد عن دين الله ﷾.
ولا يعني هذا أني أقول بعصمة ابن رجب رحمه الله تعالى من الأخطاء والزلات، حاشا وكلا إنما هو بشر يصيب ويخطئ.
ولا أريد بهذا طرح جميع ما عند القوم بل لا بأس بالاستشهاد
[ ٧٠ ]
ببعض أقوالهم ما دامت موافقة لكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وكم من الكتب التي ألفها علماء بارزون من أهل السنة والجماعة فيها شيء من أقوال بعض الصوفية، وأقرب مثال على ذلك شيخه العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى. وهذا منهج سليم وصحيح لأن المسلم الحق الذي يسير على نهج الكتاب والسنة يجب عليه أن يقبل الحق لأنه هو بغيته ومراده بغض النظر عمن قال به. روى البيهقي بسنده عن ابن عباس ﵄ أنه قال: خذ الحكمة ممن سمعت، فإن الرجل يتكلم بالحكمة، وليس بحكيم فتكون كالرمية خرجت من غير رام (^١).
إلا أن الإنسان المؤمن الحق يجد في أقوال أهل السنة والجماعة ما يغني عن أقوال غيرهم من الذين يوهم النقل عنهم الرضا بسيرتهم وما هم عليه.
فابن رجب رحمه الله تعالى يعد من علماء السلف الذين كان لهم فضل في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، والذين جعلوا ابن رجب رحمه الله تعالى من الصوفية إنما هو بسبب خلطهم بين الزهد والتصوف، فالصوفية ومن سار على نهجهم حتى يكثروا سوادهم ويدللوا على صحة منهجهم ضموا إليهم كل من كان من العلماء زاهدًا متعففًا ومنقطعًا للعبادة وسموه صوفيًا.
والحقيقة أن هذا من قلب الموازين والمفاهيم السليمة لأن قلة الرغبة في الدنيا مع العبادة في ديننا دين الإسلام زهد وورع وتقوى، أما تسميته بذلك صوفيًا فهذا غلط لأن لفظة صوفي لفظة محدثة كما بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وذكر أنها نسبة إلى الصوف ولبسه (^٢).
_________________
(١) المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (ص ٤٤٧).
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (١١/ ٦).
[ ٧١ ]
والحقيقة أن ابن رجب رحمه الله تعالى بريء من المتصوفة ومن مناهجهم التي خالفوا فيها كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -.
ومع ذلك فهو ليس بمعصوم فقد يوجد في بعض كلامه أو بعض ما ينقله ما لا يسلم من الهفوات والأخطاء التي وقع فيها أولئك القوم، وهذا لا يقدح في علمه وفضله لأنه كما يقال: "لكل جواد كبوة".
والإنسان مهما تعلم وقرأ لا يسلم من الخطأ، والأخطاء منها ما هو فاحش لا يمكن السكوت عنه، ومنها ما هو خطأ غير فاحش لا يلام صاحبه.
وقد تتبعت كتب ابن رجب رحمه الله تعالى التي بين يدي صغيرها وكبيرها فلم أجد ولله الحمد كلمة أو مقالة فيها رد لما ورد في كتاب الله ﷾ أو سنة رسوله - ﷺ - أو مخالفة لما كان عليه سلف هذه الأمة من أهل السنة والجماعة سوى ما ذكرت من كثرة نقوله من أقوال الصوفية خصوصًا في أنواع العبادة كالمحبة والتوكل.
والخلاصة في هذا أن الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى من علماء السلف الأفاضل المشهود لهم بالخير والصلاح وسلامة المعتقد كما سيتضح ذلك فيما أنقله من ثناء العلماء عليه وشهادتهم له بالإمامة والفضل إن شاء الله تعالى.
وما أحسن مقولة للحافظ الذهبي قال فيها: إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زلله، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه، نعم لا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك (^١).
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٧١)، ترجمة قتادة بن دعامة السدوسي.
[ ٧٢ ]
المبحث الثامن وفاته
ظل ابن رجب رحمه الله تعالى يعمل ويجد في ورع وزهد ويدعو إلى الله ﷾ بصدق وإخلاص حتى أدركته المنية بعد هذه الحياة الجهادية سنة خمس وتسعين وسبعمائة للهجرة، وهذا التاريخ قد اتفقت عليه جميع المصادر التي ترجمت لابن رجب، وشذ عن هذا الاتفاق ابن تغري بردي في المنهل الصافي إذ قيد وفاته سنة خمس وسبعين وسبعمائة (^١) وهو غلط وتصحيف ظاهر.
وقد اختلفت المصادر في تحديد الشهر الذي توفي فيه رحمه الله تعالى.
فذكر ابن حجي (^٢) (^٣) وابن مفلح (^٤) والنعيمي في الدارس (^٥) وابن
_________________
(١) المنهل الصافي لابن تغري (٢/ ١٩٧ / ب).
(٢) أحمد بن حجي بن موسى الدمشقي الشافعي شهاب الدين الشهير بابن حجي، كان فقيهًا ومؤرخًا له عدة مصنفات منها: شرح المحرر لابن عبد الهادي، توفي سنة ٨١٦ هـ. الضوء اللامع (١/ ٢٦٩) وشذرات الذهب (٧/ ١١٦).
(٣) ذكر قوله ابن حجر في إنباء الغمر (٢/ ١٧٦).
(٤) المقصد الأرشد (٢/ ٨٢).
(٥) الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٧٧).
[ ٧٣ ]
قاضي شهبة (^١) والعليمي (^٢) وابن العماد (^٣) أن وفاته ليلة الاثنين رابع رمضان.
وذهب ابن حجر في الدرر الكامنة (^٤) وابن ناصر الدين (^٥) والسيوطي (^٦) والشوكاني (^٧) إلى أنه توفي في شهر رجب.
ويبدو لي أن القول الأول أرجح لأن القائلين به أكثر ولزيادة الوصف فيما ذكروا حيث حددوا تاريخ يوم وفاته، ولأن القائلين به أكثرهم من الحنابلة وهم أعرف وأعلم بشيوخ وعلماء مذهبهم من غيرهم، علمًا أن الاختلاف في تحديد الشهر فائدته ليست كبيرة ما داموا يتفقون على تحديد السنة، وقد توفي ﵀ بأرض الحميرية ببستان كان استأجره، وصلي عليه من الغد، ودفن بمقبرة الباب الصغير بجوار قبر الشيخ أبي الفقيه الزاهد أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي ثم المقدسي الدمشقي المتوفى سنة ست وثمانين وأربعمائة (^٨) والذي يرجع الفضل إليه في نشر مذهب الإمام أحمد بن حنبل بالقدس ودمشق رحمه الله تعالى.
وفي قصة وفاته ودفنه ما يشير إلى زهده وانتظاره للموت، قال ابن ناصر الدين: ولقد حدثني من حضر لحد ابن رجب أن الشيخ زين الدين ابن رجب جاءه قبل أن يموت بأيام فقال له: احفر لي هاهنا لحدًا،
_________________
(١) تاريخ ابن قاضي شهبة ورقة (١٤٠/ أ).
(٢) المنهج الأحمد ورقة (٤٧١).
(٣) شذرات الذهب (٦/ ٣٤٠).
(٤) الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٨).
(٥) الرد الوافر (ص ١٠٧).
(٦) ذيل تذكرة الحفاظ (ص ٣٦٨).
(٧) البدر الطالع (١/ ٣٢٨).
(٨) انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٩/ ٥١ - ٥٣).
[ ٧٤ ]
وأشار إلى البقعة التي دفن فيها، قال: فحفرت له، فلما فرغ نزل في القبر، واضطجع فيه فأعجبه، وقال: هذا جيد ثم خرج. قال: فوالله ما شعرت بعد أيام إلا وقد أتي به ميتًا محمولًا في نعشه، فوضعته في ذلك اللحد، وواريته فيه - رحمه الله تعالى (^١).
رحم الله ابن رجب ورضي عنه ونفعنا والمسلمين بعلمه وهديه آمين.
_________________
(١) الرد الوافر (ص ١٠٧).
[ ٧٥ ]
الفصل الثالث حياته العلمية
المباحث التي يشتمل عليها هذا الفصل:
المبحث الأول: طلبه للعلم.
المبحث الثاني: رحلاته في طلب العلم.
المبحث الثالث: شيوخه.
المبحث الرابع: تدريسه.
المبحث الخامس: تلاميذه.
المبحث السادس: ثقافته ومؤلفاته.
المبحث السابع: عقيدته ومذهبه.
المبحث الثامن: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
[ ٧٧ ]
المبحث الأول طلبه للعلم
تعلم مبادئ القراءة في الكتاتيب كغيره من أبناء عصره، ثم عكف على طلب العلم فقرأ القرآن العظيم على أبيه وعلى جماعة من شيوخ عصره.
ثم أقبل على العلم وأجهد نفسه في تحصيله ورحل إليه مرارًا وقرأ الفقه والحديث وغيرهما فحفظ أصولهما وقرأهما على مشاهير علماء عصره.
وقد قرأ على كثير من العلماء حتى برز في كثير من العلوم كالتفسير والحديث وأصول الدين وعلم السلوك والفقه وغير ذلك.
وقد قيض الله لابن رجب عوامل كثيرة أسهمت في تكوين شخصيته العلمية الفذة منها: أسرته الكريمة التي توارثت العلم أبًا عن جد، ومنها أن مدينة بغداد التي ولد فيها كانت عاصمة الخلافة الإسلامية، ومركز العلم والثقافة آنذاك، وكان أهلها يتمتعون بفوائد الرحلة وهم في بلدهم لكثرة علمائها في مختلف العلوم والفنون، ولترداد أهل العلم وطلبته من كل حدب وصوب إلى بغداد، شأن كل مركز حيوي للعلم والثقافة في كل زمان ومكان.
ومنها عصره المزدحم بالثقافة الموسوعية والمعرفة المتنوعة ونوابغ العلماء في كل مضمار.
[ ٧٩ ]
هذه العوامل وجهت ابن رجب في مرحلة مبكرة نحو طلب العلم وقبل سن التمييز، فحضر مجالس العلم والعلماء، ولقد أشار هو رحمه الله تعالى إلى هذا فقال في أثناء ترجمة شيخه عبد الرحيم بن عبد الله الزريراتي: درس بالمجاهدية ببغداد، وحضرت درسه، وأنا إذ ذاك صغير لا أحققه جيدًا (^١) ويبدو أن هذا كان قبل الثالثة من عمره لأنه يصرح بالتمييز في الثالثة وما بعدها فيقول: قرئ على جدي أبي أحمد وأنا حاضر في الثالثة، وفي الرابعة، وفي الخامسة (^٢).
وقد حصل له في الخامسة سماعات كثيرة ذكرها بكل دقة ووعي فنجده يقول: أخبرنا أبو الربيع علي بن عبد الصمد بن أحمد البغدادي قراءة عليه وأنا في الخامسة (^٣).
بل أحيانًا يحدد السنة التي سمع فيها فيقول: قرئ على أبي الربيع علي بن عبد الصمد وأنا أسمع سنة ٧٤١ هـ ببغداد (^٤).
وهذه السماعات في هذا السن المبكر تدل على مكانة أسرته العلمية.
هذه بدايات الطلب للحافظ ابن رجب كما ذكرها المترجمون له وكما ذكرها هو في كتابه الذيل على طبقات الحنابلة، وسيكون الكلام في المبحث القادم إن شاء الله تعالى عن رحلاته العلمية التي رحلها في كثير من البلاد.
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٣٦).
(٢) المصدر السابق (٢/ ٢١٣).
(٣) المصدر السابق (١/ ٦٧).
(٤) المصدر السابق (٢/ ١٧٦).
[ ٨٠ ]
المبحث الثاني رحلاته في طلب العلم
كان الصحابة ﵃ حريصين على عدم مغادرة المدينة في حياة النبي - ﷺ -، لأن حبهم العظيم له جعلهم لا يقوون على الابتعاد عنه لذلك نجد المكثرين من رواية الحديث عن الرسول - ﷺ - لم يخرجوا منها حتى توفي ﵊.
ولما بدأ عهد الفتوحات الإسلامية في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم بدأت رحلاتهم وخروجهم من المدينة، فانتشروا في الأمصار يحملون معهم حديث نبينا محمد - ﷺ - كلٌّ بحسبه فمنهم المكثر ومنهم المقل وقد يسمع أحدهم ما لم يسمعه الآخر، ويحفظ ما نسيه غيره.
ولذلك كانوا ﵃ هم أنفسهم يرحلون إلى بعضهم لسماع حديث من أحاديث المصطفى - ﷺ - اختص بسماعه واحد منهم دون سواه فهذا الصحابي الجليل جابر بن عبد الله ﵄ يقول: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله - ﷺ - فاشتريت بعيرًا ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا، حتى قدمت عليه بالشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ فقلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله - ﷺ - في القصاص، فخشيت أن تموت، أو أموت قبل أن أسمعه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "يحشر الناس يوم القيامة -أو قال العباد- عراة غرلًا بهمًا قال: قلنا وما بهمًا؟
[ ٨١ ]
قال: ليس معه شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله ﷿ عراة غرلًا بهمًا؟ قال: الحسنات والسيئات" (^١).
فالرحلة في طلب الحديث سنة متبعة منذ ذلك العهد لأن الرحلات العلمية لها فوائد جمة في كسب العلم.
وقد كانت الرحلة لتلقي العلم ورواية الأحاديث من محدثيها في عهد التابعين أوسع منها في عهد الصحابة حتى أصبحت سمة بارزة لكثير من العلماء النابغين حيث هاجروا طلبًا في اللقاء بالمشاهير والاستفادة منهم.
والحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى عالم شهد له أهل زمانه بالنبوغ في أنواع عديدة من المعرفة لم يقتصر في طلب العلم على مدينة بغداد ولكنه رحل إلى مدن أخرى.
فقد كان والده يصطحبه معه في رحلات علمية يسمع ويسمعه من أفاضل العلماء في عصره قال ابن عبد الهادي (^٢): "واشتغل بسماع
_________________
(١) أخرجه احمد (٣/ ٤٩٥) والحاكم (٢/ ٤٣٧) وصححه ووافقه الذهبي وأخرجه أيضًا البخاري في الأدب المفرد (٣٢٦) وذكره معلقًا في الصحيح (١/ ٢٧) وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١/ ١٧٤) وقال المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٤٠٤) رواه أحمد بإسناد حسن.
(٢) يوسف بن الحسن بن عبد الهادي الدمشقي الصالحي المعروف بابن المبرد الشيخ العالم المصنف المحدث، له مؤلفات كثيرة منها: الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد، توفي سنة ٩٠٩ هـ. الضوء اللامع (١٠/ ٣٠٨) وشذرات الذهب (٨/ ٤٣).
[ ٨٢ ]
الحديث ورحل فيه" (^١).
فقد رحل مع والده من بلدة بغداد إلى دمشق وسمع مع أبيه عن جماعة من أكابر العلماء فيها قال ابن عبد الهادي: "قدم مع والده من بغداد إلى دمشق وهو صغير، سنة أربع وأربعين وسبعمائة وفيها ابن النقيب قال لي: قد أجزتك وولدك عبد الرحمن" (^٢).
وقال ابن حجر: قدم دمشق مع والده فسمع معه من محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الخباز، وإبراهيم بن داود العطار وغيرهما (^٣).
وقد صرح ابن رجب رحمه الله تعالى بسماعه من بعض العلماء في دمشق فقال: وقرأت سنن ابن ماجه بدمشق على الشيخ جمال الدين يوسف بن عبد الله بن محمد النابلسي (^٤).
ثم رحل مع والده إلى مصر وسمع فيها على أكابر علمائها.
قال الحافظ ابن حجر: "وسمع بمصر من الميدومي وبالقاهرة من ابن الملوك" (^٥).
وقال ابن العماد: وسمع بمصر من صدر الدين أبي الفتح الميدومي ومن جماعة من أصحاب ابن البخاري ومن خلق من رواة الآثار (^٦).
ورحل إلى نابلس وسمع بها من جماعة الحافظ عبد الحافظ بن
_________________
(١) الجوهر المنضد (٤٨).
(٢) المصدر السابق (ص ٤٨).
(٣) الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٩).
(٤) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٤١).
(٥) الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٩).
(٦) شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩).
[ ٨٣ ]
بدران (^١) حيث قال في ترجمته: حدثنا عنه جماعة من أصحابه بدمشق ونابلس (^٢).
ورحل إلى القدس وسمع بها من أبي سعيد العلائي وقد أشار إلى رحلته هذه بقوله: وسمعت شيخنا الحافظ أبي سعيد العلائي ببيت المقدس (^٣).
ثم عاد بعد ذلك مع والده إلى بغداد مسقط رأسه وذلك سنة ٤٤٨ هـ وقد أشار إلى عودته إلى بغداد في ترجمة سليمان بن عبد الرحمن النهرماري حيث قال: وتوفي في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وصلى عليه بجامع قصر الخلافة، وحضرت الصلاة عليه، ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب (^٤).
وفي بغداد قرأ على الشيخ أبي المعالي محمد بن عبد الرزاق الشيباني وفي ذلك يقول: أخبرنا أبو المعالي محمد بن عبد الرزاق الشيباني الزاهد بقراءتي عليه ببغداد سنة تسع وأربعين وسبعمائة (^٥).
ثم رافق والده إلى مكة للحج سنة تسع وأربعين وسبعمائة وسمع فيها ثلاثيات البخاري من الشيخ أبي حفص عمر بن علي بن الخليل
_________________
(١) هو أبو محمد العماد عبد الحافظ بن بدران بن شبل المقدسي النابلسي إمام فقيه عابد، وكان مواظبًا على التلاوة، من تلاميذه الحافظ الذهبي، توفي سنة ٦٩٨ هـ. المعين في طبقات المحدثين للذهبي (٢٢٣) والعبر للذهبي (٣/ ٣٩٢) وذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٣٤١) وشذرات الذهب (٥/ ٤٤٢).
(٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٤١).
(٣) المصدر السابق (٢/ ٣٦٥).
(٤) المصدر السابق (٢/ ٤٤١).
(٥) المصدر السابق (١/ ٢٨٩).
[ ٨٤ ]
البغدادي، وقد ذكر هذا أثناء ترجمته له فقال: وقدم في آخر عمره إلى بغداد، فأقام بها يسيرًا ثم توجه إلى الحج سنة تسع وأربعين وحججت أنا تلك السنة أيضًا مع والدي، فقرأت على شيخنا أبي حفص عمر ثلاثيات البخاري بالحلة اليزيدية (^١).
وسمع كذلك بمكة من الفخر عثمان بن يوسف وغيره، قال النعيمي: وسمع بنفسه بمكة المشرفة على الفخر عثمان بن يوسف، واشتغل بسماع الحديث باعتناء والده (^٢).
ثم عاد بعد ذلك إلى دمشق ولازم شيخه ابن القيم رحمه الله تعالى ملازمة أفادته كثيرًا حتى مات سنة ٧٥١ هـ، وفي ذلك يقول: ولازمت مجالسه قبل موته أزيد من سنة، وسمعت عليه قصيدته النونية الطويلة في السنة وأشياء من تصانيفه وغيرها (^٣).
وفي سنة ٧٦٣ هـ سافر للحج مرة أخرى والتقى بالمشاهير من العلماء هناك وقد أشار إلى رحلته هذه أثناء ترجمته للشيخ محمد بن أحمد السقا حيث قال: وقد جمعت بينه وبين قاضي قضاة مصر الموفق وابن جماعة بمنى عام ثلاث وستين وسبعمائة (^٤).
ثم عاد إلى دمشق حيث كانت هي مسكنه ومستقره في أثناء ذلك منها يرتحل وإليها يعود.
وقد اهتم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بالتلقي عن أهل
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٤).
(٢) الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٧٦).
(٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٨).
(٤) المصدر السابق (٢/ ٤٤٦).
[ ٨٥ ]
الحديث، والسماع من كثير من رواة الآثار، وقد رافق في السماع الإمام المحدث زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (^١)، قال الحافظ ابن حجر: ورافق شيخنا زين الدين العراقي في السماع كثيرًا (^٢).
وظل ابن رجب يخرج الطلبة النجباء والعلماء الأكفاء حتى تخرج به غالب فقهاء الحنابلة بدمشق قال ابن العماد: وتخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق (^٣).
فهو رحمه الله تعالى استوطن بدمشق عاصمة العلم ومهد الحضارة آنذاك وكرس جهده حتى برع ونبغ، وكان إمامًا في فنون كثيرة قال عنه ابن حجر: أتقن الفن، وصار أعرف أهل عصره بالعلل وتتبع الطرق (^٤).
_________________
(١) الإمام الحافظ عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن زين الدين العراقي كان عالمًا محدثًا فقيهًا، له عدة مصنفات منها: تخريج أحاديث الإحياء، وألفية في علوم الحديث، توفي سنة ٨٠٦ هـ. الضوء اللامع (٤/ ١٧١) وحسن المحاضرة (١/ ٢٠٤) وشذرات الذهب (٧/ ٥٥).
(٢) الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٨).
(٣) شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩).
(٤) إنباء الغمر (٣/ ١٧٦).
[ ٨٦ ]
المبحث الثالث شيوخه
إن مما تدرك به مكانة الرجل، وتعرف به منزلته هو معرفة شيوخه وأساتذته الذين تلقى عنهم، وتأثر بهم، فإن للشيخ في نفس التلميذ من الأثر ما ليس لأحد غيره من الناس حتى والده.
وإن لقوة شخصية الأستاذ وقدرته العلمية لأكبر الأثر في بناء التلميذ ونضوج عقليته.
ونحن إذا عرفنا أساتذة الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى وشيوخه عرفنا أنه تلقى علومه جميعًا على أيدي كبار العلماء والأئمة في عصره.
ولقد كان لاشتغال ابن رجب رحمه الله تعالى في طلب العلم في سن مبكرة من عمره ورحلاته المتعددة إلى كثير من البلاد والأقطار التي أتاحت له الالتقاء بكثير من العلماء والأخذ عنهم أثرًا في كثرة أساتذته وشيوخه.
ولقد حاولت في هذه الدراسة استقاء جميع شيوخ ابن رجب ﵀ الذين أخذ منهم وذلك بتتبع كتب التراجم التي تناولت عصر ابن رجب أو شخصيته بالإضافة إلى كتب ابن رجب التي يشير فيها إلى بعض أساتذته وشيوخه مثل كتاب الذيل على طبقات الحنابلة.
وهذا التتبع والاستقراء الذي استطعت فيه أن أحصر هذا العدد من شيوخ ابن رجب لم أسبق إليه فيما أعلم حسب علمي واطلاعي على
[ ٨٧ ]
الكتب التي ترجمت لابن رجب أو تناولته بالبحث والدراسة.
وسأذكر أسماء شيوخ وأساتذة ابن رجب رحمه الله تعالى الذين صار لهم الأثر في تكوينه الفكري ونضوجه العلمي مرتبة على حروف المعجم، ثم أترجم للمشاهير منهم بشيء من التفصيل: وهم على ما يلي:
١ - أبو العباس أحمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة الفقيه النحوي، شيخ الحنابلة المشهور بابن قاضي الجبل المتوفى سنة ٧٧١ هـ (^١).
٢ - والده شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن الحسن بن محمد بن أبي البركات مسعود السلامي البغدادي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ (^٢).
٣ - شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن محمد الحريري المقدسي المرداوي الصالحي، المتوفى سنة ٧٥٨ هـ (^٣).
٤ - شهاب الدين أحمد بن عبد الكريم البعلي المتوفى سنة ٧٧٧ هـ (^٤).
٥ - أبو العباس أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٥٣) والمقصد الأرشد (١/ ٩٣) والدرر الكامنة (١/ ١٢٩) والدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٤٤) وشذرات الذهب (٦/ ٢١٩).
(٢) إنباء الغمر (١/ ٤٢) والرد الوافر (ص ٧٩) وغاية النهاية في طبقات القراء (١/ ٥٣) وشذرات الذهب (٦/ ٢٣٠).
(٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٨٦) والمقصد الأرشد (١/ ١٢٩) والمنهج الأحمد ورقة (٤٥٣) وذيل العبر للحسيني (ص ١٧٥) والدرر الكامنة (١/ ١٨١) والقلائد الجوهرية (٢/ ٤١٨) وشذرات الذهب (٦/ ١٨٥).
(٤) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٦٥) والدرر الكامنة (١/ ١٨٨) والمنهج الأحمد ورقة (٤٧٣).
[ ٨٨ ]
الهادي المقدسي الصالحي المتوفى سنة ٧٥٢ هـ (^١).
٦ - علاء الدين أحمد بن عبد المؤمن النووي الشافعي المتوفى سنة ٧٤٩ هـ (^٢).
٧ - أحمد بن علي بن عبد القاهر بن الغوطي، سمع منه ببغداد (^٣).
٨ - جمال الدين أبو العباس أحمد بن علي بن محمد البابصري البغدادي الفقيه الفرضي الأديب، توفي سنة ٧٥٠ هـ (^٤).
٩ - كمال الدين أبو العباس أحمد بن عمر بن أحمد المهدي المصري الشافعي المتوفى سنة ٧٥٧ هـ (^٥).
١٠ - أبو العباس أحمد بن محمد بن سليمان الحنبلي المتوفى سنة ٧٦٥ هـ (^٦).
١١ - شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر بن حسين الشيرازي الدمشقي المعروف بـ"زغنش" بزاء معجمة مضمومة ثم غين ساكنة ثم نون مضمومة ثم شين، توفي سنة ٧٧١ هـ (^٧).
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٣٩) والمنهج الأحمد ورقة (٤٥٢) والقلائد الجوهرية (٢/ ٤١٩).
(٢) لحظ الألحاظ (ص ١١٨) وشذرات الذهب (٦/ ١٥٨).
(٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٢٦٥).
(٤) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٥) والمقصد الأرشد (١/ ١٤٧) وشذرات الذهب (٦/ ١٦٦).
(٥) النجوم الزاهرة (١٠/ ٣٢٤) وحسن المحاضرة (١/ ٢٣٩) وشذرات الذهب (٦/ ١٨٢).
(٦) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٣٠١) والمنهج الأحمد ورقة (٤٥٧).
(٧) الدارس (٢/ ١٢٥) والقلائد الجوهرية (٢/ ٤١٩) والمقصد الأرشد (١/ ١٨١) وشذرات الذهب (٦/ ٢٢٠).
[ ٨٩ ]
١٢ - شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي الزهر بن عطية الصالحي الغسولي الهكاري الحنبلي، المتوفى سنة ٧٦٠ هـ (^١).
١٣ - بشر بن إبراهيم بن محمود بن بشر البعلي الحنبلي الشيخ الصالح المتوفى سنة ٧٦١ هـ سمع منه بالشام (^٢).
١٤ - صفي الدين أبو عبد الله الحسين بن بدران البابصري البغدادي، المتوفى سنة ٧٤٩ هـ سمع منه ببغداد (^٣).
١٥ - أبو سعيد صلاح الدين خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي الشافعي المتوفى سنة ٧٦١ هـ سمعه في القدس (^٤).
١٦ - عز الدين أبو علي حمزة بن موسى بن أحمد الإمام الحنبلي المعروف بابن شيخ السلامية المتوفى سنة ٧٦٩ هـ (^٥).
١٧ - جمال الدين أبو سليمان داود بن إبراهيم بن داود بن يوسف بن سليمان العطار الدمشقي، توفي سنة ٧٥٢ هـ (^٦).
_________________
(١) الذيل على العبر للحسيني (١٨٣) والمقصد الأرشد (١/ ١٧٩) وشذرات الذهب (٦/ ١٨٨).
(٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٠) والدرر الكامنة (٢/ ١٢) وشذرات الذهب (٦/ ١٩٠).
(٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٣) والمقصد الأرشد (١/ ٣٤٣) وشذرات الذهب (٦/ ١٦٢).
(٤) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٦٥) ودرة الحجال في أسماء الرجال (١/ ٢٥٨) وطبقات الشافعية للسبكي (٦/ ١٠٤) وشذرات الذهب (٦/ ١٩٠).
(٥) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٣) والدرر الكامنة (٢/ ١٦٥) وشذرات الذهب (٦/ ٢١٤).
(٦) الدرر الكامنة (٢/ ١٨٥) والدارس في تاريخ المدارس (١/ ٤٣٥) وذيل العبر للحسيني (ص ١٥٨).
[ ٩٠ ]
١٨ - زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم المقدسية المعروفة ببنت الكمال، توفيت سنة ٧٤٠ هـ سمع منها إجازة، وهو في بغداد (^١).
١٩ - نجم الدين أبو المحاسن سليمان بن عبد الرحمن الشيباني النهرماري البغدادي الحنبلي، المتوفى سنة ٧٤٨ هـ (^٢).
٢٠ - زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي بكر بن أيوب بن سعد أخو شمس الدين ابن قيم الجوزية، توفي سنة ٧٦٩ هـ (^٣).
٢١ - جده أبي أحمد عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن أبي البركات مسعود السلامي الملقب رجب، توفي سنة ٧٤٢ هـ (^٤)، سمع منه إجازة.
٢٢ - شرف الدين أبو محمد عبد الرحيم بن عبد الله بن محمد الزريراتي البغدادي الحنبلي، توفي سنة ٧٤١ هـ سمع منه ببغداد إجازة (^٥).
٢٣ - عز الدين أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الشافعي، توفي سنة ٧٦٧ هـ لقيه في مصر ومكة (^٦).
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٥٣، ١٥٥) والدرر الكامنة (٢/ ٢٠٩) ودرة الحجال في معرفة الرجال (١/ ٢٧٨).
(٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤١) والدرر الكامنة (٢/ ٢٤٨) والمقصد الأرشد (١/ ٤٢٤).
(٣) الدرر الكامنة (٢/ ٤٣٤) وشذرات الذهب (٦/ ٢١٦) والمقصد الأرشد (٢/ ٨٣).
(٤) الدرر الكامنة (٢/ ١٠٧).
(٥) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٣٥) والدرر الكامنة (٢/ ٤٦٦).
(٦) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٨٥) والعقد الثمين (٥/ ٤٥٧) وطبقات الشافعية للسبكي (٦/ ١٢٣) وحسن المحاضرة (١/ ٣٥٩).
[ ٩١ ]
٢٤ - تاج الدين عبد الله بن عبد المؤمن بن الوجيه بن عبد الله الواسطي، الدمشقي المقرئ، توفي سنة ٧٤١ هـ، سمع منه ببغداد إجازة (^١).
٢٥ - عبد الله بن إسماعيل الأنصاري أبو محمد (^٢).
٢٦ - تقي الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن نصر بن فهد الصالحي الدمشقي الحنبلي المعروف بابن قيم الضيائية، توفي سنة ٧٦١ هـ، سمع منه بدمشق (^٣).
٢٧ - عفيف الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد الخزرجي العبادي المدني المعروف بابن المطري المتوفى سنة ٧٦٥ هـ (^٤).
٢٨ - صفي الدين أبو الفضائل عبد المؤمن بن عبد الحق بن عبد الله القطيعي البغدادي، توفي سنة ٧٣٩ هـ سمع منه إجازة في بغداد (^٥).
٢٩ - فخر الدين عثمان بن يوسف بن أبي بكر النويري المالكي المتوفى سنة ٧٥٧ هـ، سمعه بمكة (^٦).
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٤) والدرر الكامنة (٢/ ٣٧٦).
(٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٦١).
(٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٢١) والدرر الكامنة (٢/ ٣٨٨) وشذرات الذهب (٦/ ١٩١).
(٤) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٧٠) وطبقات الحفاظ للسيوطى (ص ٥٣٤) وطبقات الشافعية للسبكي (٦/ ١٠٣) والوفيات لابن رافع (٢/ ٢٨٢).
(٥) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٢٨، ٤٣٠) والدرر الكامنة (٣/ ٣٢) وذيل تذكرة الحفاظ (٢١).
(٦) الدرر الكامنة (٣/ ٦٧) والدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٧٦) والوفيات لابن رافع (٢/ ١٨٩).
[ ٩٢ ]
٣٠ - محب الدين أبو الربيع علي بن عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر بن أبي الحسن الحنبلي البغدادي، توفي سنة ٧٤٢ هـ سمع منه في بغداد إجازة (^١).
٣١ - نجيب الدين علي بن محمد الرفاعي، روى عنه بالإجازة (^٢).
٣٢ - علاء الدين أبو الحسن علي بن زين الدين المنجا بن عثمان بن أسعد بن المنجا التنوخي المعروف بابن المنجا، توفي سنة ٧٥٠ هـ سمعه بدمشق (^٣).
٣٣ - أبو حفص عمر بن حسن بن مزيد بن أميلة المراغي الحلبي المزي الدمشقي توفي سنة ٧٧٨ هـ، سمعه في دمشق (^٤).
٣٤ - سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن عمر القزويني البغدادي، توفي سنة ٧٥٠ هـ (^٥).
٣٥ - سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن موسى بن الخليل الأزجي البغدادي توفي سنة ٧٤٩ هـ سمعه بدمشق (^٦).
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٢٢١، ٢٩٣) والدرر الكامنة (٣/ ١٣٢) والذيل على العبر للحسيني (١٢٧).
(٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٢٨٥).
(٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٧) وذيل العبر للحسيني (١٥٥) والقلائد الجوهرية (٢/ ٤٩٧).
(٤) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٩٨) والدرر الكامنة (٣/ ٢٣٥) وشذرات الذهب (٦/ ٢٥٨).
(٥) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٦٧) والدرر الكامنة (٣/ ٢٥٦).
(٦) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٤) والدرر الكامنة (٣/ ٢٥٦) وشذرات الذهب (٦/ ١٦٣).
[ ٩٣ ]
٣٦ - علم الدين أبو محمد القاسم بن محمد البرزالي، مؤرخ الشام المتوفى سنة ٧٣٩ هـ سمع منه إجازة بدمشق (^١).
٣٧ - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن إسماعيل الصالحي الحنبلي المعروف بالحفة، وقد يقال الحفيفة، توفي سنة ٧٥٩ هـ (^٢).
٣٨ - عز الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة ٧٤٨ هـ (^٣).
٣٩ - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن نجدة بن حمدان الدمشقي شمس الدين ابن النقيب الشافعي المتوفى سنة ٧٤٥ هـ (^٤).
٤٠ - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي ثم الدمشقي الحنبلي الشهير بابن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١ هـ (^٥).
٤١ - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن تمام بن حسان التلي ثم
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ١٨٤) والدارس في تاريخ المدارس (١/ ١١٢) والنجوم الزاهرة (٩/ ٣١٩).
(٢) الدرر الكامنة (٣/ ٣٨٠) والوفيات لابن رافع (٢/ ٢٠٩) وشذرات الذهب (٦/ ١٨٧).
(٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤١) والبداية والنهاية (١٤/ ١٩٣) وشذرات الذهب (٦/ ١٥٧).
(٤) الدرر الكامنة (٤/ ١٩) وطبقات الشافعية للسبكي (٦/ ٤٤) والمختصر في أخبار البشر (٤/ ١٤٣).
(٥) ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٧) والبداية والنهاية (١٤/ ٢٣٤) والنجوم الزاهرة (١٠/ ٢٤٩).
[ ٩٤ ]
الصالحي، توفي سنة ٧٤١ هـ سمع منه إجازة بدمشق (^١).
٤٢ - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن بن عبد الله الصالحي المقدسي الحنبلي، توفي سنة ٧٥٩ هـ (^٢).
٤٣ - تاج الدين محمد بن أحمد بن رمضان بن عبد الله الحريري ثم الدمشقي الحنبلي، توفي سنة ٧٥٨ هـ (^٣).
٤٤ - نجم الدين محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن سالم بن بركات بن سعد الدمشقي العبادي المعروف بابن الجباز، توفي سنة ٧٥٦ هـ (^٤).
٤٥ - ناصر الدين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عيسى بن أبي بكر العادل الأيوبي المعروف بابن الملوك، توفي سنة ٧٥٦ هـ (^٥).
٤٦ - أبو المعالي محمد بن عبد الرزاق بن أحمد بن محمد الشيباني، سمعه ببغداد (^٦).
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٣٣) والمقصد الأرشد (٢/ ٣٥٩) ولحظ الألحاظ (١١١) والوافي بالوفيات (٢/ ١٥٤) وفوات الوفيات (٢/ ٣٧٠) والمختصر في أخبار البشر (٤/ ١٣٣).
(٢) القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية (٢/ ٤٢٨) والدارس في تاريخ المدارس (٢/ ١٢٣) وشذرات الذهب (٦/ ١٨٧).
(٣) القلائد الجوهرية (٢/ ٤٢٨) والدرر الكامنة (٣/ ٤٠٥) والمقصد الأرشد (٢/ ٣٦١) وشذرات الذهب (٦/ ١٨٦).
(٤) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ١٩٦، ٢٤٧) والدرر الكامنة (٤/ ٤) والوفيات (٢/ ١٨٨) وشذرات الذهب (٦/ ١٨١).
(٥) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٤١) والدرر الكامنة (٤/ ٧) وذيل العبر للحسيني (١٧٠).
(٦) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٨٩، ٣٧٦).
[ ٩٥ ]
٤٧ - محمد بن عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر بن أبي الحسن الحنبلي سمع منه ببغداد سنة ٧٤١ هـ إجازة (^١).
٤٨ - محمد بن عمر بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد بن ذؤيب الدمشقي الأسدي، توفي سنة ٧٨٢ هـ (^٢).
٤٩ - صدر الدين أبو القاسم محمد بن علي بن أبي الفتح بن أسعد بن المنجا الحنبلي المتوفى سنة ٧٥٤ هـ (^٣).
٥٠ - صدر الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم الميدومي المتوفى سنة ٧٥٤ هـ (^٤).
٥١ - بدر الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الغني بن عبد الله بن أبي نصر الدمشقي المعروف بابن البطائني، توفي سنة ٧٥٦ هـ (^٥).
٥٢ - محمد بن محمد بن الكوفي الهاشمي الواعظ، روى عنه بالإجازة (^٦).
٥٣ - فتح الدين أبو الحرم محمد بن محمد بن محمد القلانسي
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٧٦).
(٢) إنباء الغمر (٢/ ٣٧) والدرر الكامنة (٤/ ٢٢٨) والنجوم الزاهرة (١١/ ٢٠٦).
(٣) الدرر الكامنة (٤/ ١٧٦) والوفيات (٢/ ١٥٨) والمقصد الأرشد (٢/ ٤٧٩) وشذرات الذهب (٦/ ١٧٦).
(٤) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ١١٨) والدرر الكامنة (٤/ ٢٧٤) ولحظ الألحاظ (ص ١٨٠).
(٥) الدرر الكامنة (٤/ ٣٠٦) والقلائد الجوهرية (٢/ ٥٧٠) وشذرات الذهب (٦/ ١٨١).
(٦) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٢٨٥).
[ ٩٦ ]
الحنبلي، توفي سنة ٧٦٥ هـ (^١).
٥٤ - شمس الدين أبو الثناء محمود بن خليفة بن محمد بن المَنْبِجِي الدمشقي توفي سنة ٧٦٧ هـ (^٢).
٥٥ - ابن النباش: لم يذكر له ابن رجب لا اسمًا ولا تاريخ مولد ولا تاريخ وفاة مع أنه أقر بأنه قرأ عليه مختصر الخرقي من حفظه، وسمع عليه أجزاء كثيرة من مصنفاته وصحبه إلى الممات (^٣).
٥٦ - شمس الدين أبو المحاسن يوسف بن يحيى بن عبد الرحمن بن نجم بن الحنبلي الصالحي، توفي سنة ٧٥١ هـ سمعه بدمشق (^٤).
٥٧ - جمال الدين يوسف بن عبد الله بن العفيف المقدسي النابلسي، توفي سنة ٧٥٤ هـ سمعه بدمشق (^٥).
وفيما يلي ترجمة لأشهر شيوخ ابن رجب رحمه الله تعالى وهم:
١ - ابن القيم:
هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي الحنبلي الإمام الحافظ المفسر المحدث الأصولي الفقيه النحوي المشهور بابن قيم الجوزية، ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة.
_________________
(١) الدرر الكامنة (٤/ ٣٥٣) ولحظ الألحاظ (ص ١٤٧) وشذرات الذهب (٦/ ٢٠٦).
(٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٨٦) والدرر الكامنة (٥/ ٩١) والنجوم الزاهرة (١١/ ٩٢) والوفيات (٢/ ٣١٠).
(٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٣٢) والمنهج الأحمد ورقة (٤٤٣).
(٤) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٦٨) والدرر الكامنة (٥/ ٢٥٦) والبداية والنهاية (١٤/ ٢٣٥).
(٥) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٤١) والدرر الكامنة (٥/ ٢٣٩) والمقصد الأرشد (٣/ ١٤١) والشذرات (٦/ ١٧٦).
[ ٩٧ ]
وأسرته أسرة علم وفضل، سمع من أبيه وغيره ومن شيخ الإسلام ابن تيمية بل لازمه وأخذ عنه وأعجب به كثيرًا (^١).
وقد برع رحمه الله تعالى في جميع العلوم يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: تفنن في علوم الإسلام، وكان عارفًا بالتفسير لا يجارى فيه، وبأصول الدين وإليه فيهما المنتهى، والحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله، وبالعربية، وله فيها اليد الطولى، وتعلم الكلام والنحو وغير ذلك وكان عالمًا بعلم السلوك وكلام أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم، له في كل فن من هذه الفنون اليد الطولى (^٢).
له مؤلفات كثيرة جدًا، وكلها مفيدة ونفيسة منها: "زاد المعاد في هدي خير العباد"، "وأعلام الموقعين عن رب العالمين"، "والصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"، وكلها مطبوعة ما عدا الأخير منها فالمطبوع جزء منه، توفي ﵀ سنة ٧٥١ هـ وله من العمر ستون سنة.
قال ابن كثير ﵀: "وفي ليلة الخميس ثالث عشر رجب وقت أذان العشاء توفي صاحبنا الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي إمام الجوزية وابن قيمها وصلي عليه بعد صلاة الظهر من الغد بالجامع الأموي، ودفن عند والدته بمقابر الباب الصغير ﵀. إلى أن قال: وكانت جنازته حافلة ﵀، شهدها القضاة والأعيان والصالحون من الخاصة والعامة، وتزاحم الناس على حمل نعشه" (^٣).
_________________
(١) ترجمته في: ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٧) وذيل العبر للحسيني (١٥٥) والنجوم الزاهرة (١٠/ ٢٤٩) والدرر الكامنة (٣/ ٤٠٠) وشذرات الذهب (٦/ ١٦٨).
(٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٨).
(٣) البداية والنهاية (١٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥).
[ ٩٨ ]
٢ - ابن الخباز:
محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن سالم بن بركات الدمشقي الأنصاري العبادي، المعروف بابن الخباز.
ولد في شهر رجب سنة ٦٦٧ هـ (^١).
رحل به والده فسمع من أحمد بن عبد الدائم (^٢) وعبد الرحمن بن نجم الحنبلي (^٣) وغيرهم، وقد سمع منه الأئمة والحفاظ ومنهم الذهبي والمزي وابن كثير والبرزالي والعراقي وغيرهم.
وقد خرج البرزالي له مشيخة، وذكر له أكثر من مائة وخمسين شيخًا (^٤).
قال العراقي عنه: "كان مسند الآفاق في زمانه، وتفرد برواية مسلم بالسماع المتصل، وكان صدوقًا مأمونًا محبًا للحديث وأهله" (^٥). توفي ﵀ في ثالث شهر رمضان سنة ٧٥٦ هـ (^٦).
_________________
(١) الدرر الكامنة (٤/ ٤) ومعجم الشيوخ الكبير للذهبي (٢/ ١٧١).
(٢) أحمد بن عبد الدائم بن نعمة زين الدين أبو العباس المقدسي الحنبلي، قال الذهبي: "كان فيه دين وتواضع ونباهة، انتهى إليه علو الإسناد"، توفي سنة ٦٦٨ هـ. العبر للذهبي (٣/ ٣١٧) والنجوم الزاهرة (٧/ ٢٢٣٠) وشذرات الذهب (٥/ ٣٢٥).
(٣) أبو الفرج عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب الشيرازي الأنصاري الحنبلي الفقيه الواعظ، قال ابن رجب: "انتهت إليه رئاسة المذهب بعد وفاة الشيخ موفق الدين"، توفي سنة ٦٣٤ هـ. العبر للذهبي (٣/ ٢١٩) والذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣) والدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٨٢) وشذرات الذهب (٥/ ١٦٤).
(٤) ذيل العبر للحسيني (١٦٩) وشذرات الذهب (٦/ ١٨١).
(٥) الدرر الكامنة (٤/ ٤) وطرح التثريب للعراقي (١/ ٩٩).
(٦) الوفيات لابن رافع (٢/ ١٨٨).
[ ٩٩ ]
٣ - أبو سعيد العلائي:
هو صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي العلائي الدمشقي الشافعي الإمام العلامة الفقيه المحدث الأصولي ولد بدمشق سنة أربع وتسعين وستمائة (^١). وسمع الكثير ورحل في طلب العلم، قال الحسيني (^٢): "حدث عن القاضي تقي الدين سليمان الحنبلي، وطبقته فأكثر، وكان إمامًا في الفقه والنحو، والأصول، متفننًا في علوم الحديث ومعرفة الرجال، علامة في معرفة المتون والأسانيد، فمصنفاته تنبئ عن إمامته في كل فن" (^٣).
له تصانيف كثيرة مفيدة منها: كتاب القواعد المشهورة، وتنقيح الفهوم في صيغ العموم، والمراسيل، وغيرها (^٤).
توفي ﵀ في ليلة الاثنين، الثالث من شهر المحرم سنة ٧٦١ هـ (^٥).
_________________
(١) ذيل تذكرة الحفاظ للحسيني (٤٣) وذيل طبقات الحفاظ للسيوطي (٣٦٠).
(٢) أبو المحاسن محمد بن علي بن الحسين بن حمزة الحسيني، فقيه، محدث حافظ إمام مؤرخ، له عدة مصنفات منها: ذيل على العبر للذهبي، وذيل تذكرة الحفاظ، توفي سنة ٧٦٥ هـ.
(٣) ذيل العبر للحسيني (١٨٦). الدر الكامنة (٤/ ٦١) والبدر الطالع (٢/ ٢٠٩).
(٤) طبقات المفسرين للداوودي (١/ ١٦٩) وشذرات الذهب (٦/ ١٩٠).
(٥) البداية والنهاية (١٤/ ٢٢٩) والوفيات لابن رافع (٢/ ٢٢٦).
[ ١٠٠ ]
المبحث الرابع تدريسه
لم يقتصر ابن رجب رحمه الله تعالى على التعلم وحده دون نشره وتعليم الناس له بل حرص على تدريس الناس وتوعيتهم بأمور دينهم، وهذا هو منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
فهو رحمه الله تعالى بعد رحلاته العلمية استقر بدمشق يدرس بمدارسها ويعقد المواعيد الوعظية، والحلقات العلمية وينهض بمسؤوليته نحو الدين والعلم والمجتمع.
فقد كان له حلقات من الدروس يجتمع فيها حوله عدد غفير من الطلاب يرتشفون من علومه ويسألونه ويناقشونه ويستمعون إلى محاضراته ويسمع لهم قراءاتهم عليه ليجيزهم أو يدقق عليهم.
فقد ولي ابن رجب رحمه الله تعالى حلقة الثلاثاء بعد وفاة ابن قاضي الجبل (^١) سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، ودرس بالمدرسة الحنبلية بعد وفاة ابن التقي (^٢) سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، قال العليمي: "درس
_________________
(١) تقدمت ترجمته (ص ٨٨).
(٢) شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن محمود بن أحمد المرداوي الحنبلي المعروف بابن التقي، اشتغل بالعلم وتميز فيه، ودرس وأفتى، وكان عالمًا زاهدًا تقيًا ورعًا، توفي سنة ٧٨٨ هـ. الجوهر المنضد (١٤١) وشذرات الذهب (٦/ ٣٠٤).
[ ١٠١ ]
بحلقة الثلاثاء والمدرسة الحنبلية" (^١).
وقال ابن عبد الهادي: "ولي حلقة الثلاثاء بعد وفاة ابن قاضي الجبل في رجب إحدى وسبعين، ودرس بالحنبلية بعد وفاة ابن التقي، ثم أخذ منه" (^٢).
كما أن الشيخ عز الدين ابن شيخ السلامية وقف درسًا وعين له الحافظ ابن رجب، قال النعيمي في معرض كلامه عن ابن شيخ السلامية: "ووقف درسًا بتربته بالصالحية وكتبًا، عين لذلك الشيخ زين الدين بن رجب رحمه الله تعالى" (^٣).
ومعنى هذا أنه اشتغل بالتدريس وهو ابن خمس وثلاثين سنة، وقد تتلمذ على يديه خلق كثير من الحنابلة في وقته.
قال ابن حجي: "وتخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق" (^٤).
وكان ﵀ واعظًا بليغًا مفوهًا، فكانت مواعظه مؤثرة في النفوس موقظة للقلوب، قال ابن ناصر الدين: كانت مجالس تذكيره للقلوب صادعة، وللناس عامة مباركة نافعة (^٥).
وهو يقتدي في مسلكه الوعظي بأسلوب الإمام ابن الجوزي الذي كانت مواعظه تضم إلى جانب الآيات والأحاديث الأشعار الرقيقة التي تقع من النفس أحسن موقع ويخلطها بعبارات مسجوعة، فتكون مواعظه محببة
_________________
(١) المنهج الأحمد ورقة (٤٧١).
(٢) الجوهر المنضد (ص ٤٩).
(٣) الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٧٦).
(٤) إنباء الغمر (٣/ ١٧٦).
(٥) التبيان لبديعة البيان (ص ١٥٩).
[ ١٠٢ ]
للنفوس لا يمل من تكرارها ولا يسأم من تردادها، فلو قارنا بين أسلوبه وأسلوب ابن رجب لوجدنا بينهما توافقًا. كما كانت له معرفة بمواعظ السلف وأخبارهم، قال ابن قاضي شهبة: "وكان يحفظ كثيرًا من كلام السلف" (^١).
_________________
(١) تاريخ ابن قاضي شهبة ورقة (١٤٠/ أ).
[ ١٠٣ ]
المبحث الخامس تلاميذه
ارتفعت منزلة الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في البلاد الشامية وأصبح من علمائها البارزين، ونال بذلك شهرة واسعة، وذاع صيته بين الأنام فصار محط أنظار طلبة العلم يرحلون إليه، ويأخذون منه، ويسمعون عليه، ويحضرون دروسه ومجالس وعظه.
وقد توافد عليه الطلبة من كل حدب وصوب، وقد استطعت بتوفيق من الله أن أتوصل إلى عدد من أسماء تلاميذه لم تذكر أكثرهم مصادر ترجمته ولا الدراسات السابقة لابن رجب، وقد رتبتهم على حروف المعجم وأشرت إلى المصادر التي ذكرت سماع هؤلاء الطلبة عليه أو تخرجهم به وهم:
١ - أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن علي الحموي الحلبي الحنبلي المعروف بابن الرسام، توفي سنة ٨٤٤ هـ (^١).
٢ - محب الدين أبو الفضل أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر البغدادي المعروف بابن نصر الله، توفي سنة ٨٤٤ هـ (^٢).
٣ - داود بن سليمان بن عبد الله الموصلي، ثم الدمشقي الحنبلي
_________________
(١) الضوء اللامع (١/ ٢٤٩) ومعجم الشيوخ لابن فهد (٥٤) وشذرات الذهب (٧/ ٢٥٢).
(٢) القلائد الجوهرية (٢/ ٥٠٥) والضوء اللامع (٢/ ٢٣٣) والمقصد الأرشد (١/ ٢٠٢).
[ ١٠٤ ]
المتوفى سنة ٨٤٤ هـ (^١).
٤ - زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن محمد المقرئ الشهير بابن عياش، توفي سنة ٨٥٣ هـ (^٢).
٥ - زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الكرم الصالحي الدمشقي الحنبلي المعروف بأبي شعر، توفي سنة ٨٤٤ هـ (^٣).
٦ - زين الدين أبو ذر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد المصري الحنبلي المعروف بالزركشي، توفي سنة ٨٤٦ هـ (^٤).
٧ - تاج الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن صديق الطرابلسي ثم القاهري الشهير بابن الطرابلسي، المتوفى سنة ٨٤١ هـ (^٥).
٨ - علاء الدين علي بن محمد بن عباس البعلي ثم الدمشقي الحنبلي المعروف بابن اللحام، توفي ٨٠٣ هـ (^٦).
٩ - علاء الدين علي بن محمد بن علي العلاء الطرسوسي المزي (^٧).
_________________
(١) الضوء اللامع (٣/ ٢١٢) والجوهر المنضد (ص ٣٩) ومعجم الشيوخ لابن فهد (٣٥٦).
(٢) الضوء اللامع (٤/ ٥٩) وشذرات الذهب (٧/ ٢٧) ومعجم الشيوخ لابن فهد (١٢٢).
(٣) الجوهر المنضد (ص ٥٩) والضوء اللامع (٤/ ٨٢) وطبقات المفسرين للداوودي (١/ ٢٦٦) والقلائد الجوهرية (٢/ ٤٣٣).
(٤) الضوء اللامع (٤/ ١٣٦) وشذرات الذهب (٧/ ٢٥٦).
(٥) معجم الشيوخ لابن فهد (١٣٨) والضوء اللامع (٤/ ١٨٣) وشذرات الذهب (٧/ ٢٤٠).
(٦) الجوهر المنضد (ص ٨١) والضوء اللامع (٥/ ٣٢٠) وإنباء الغمر (٤/ ٣٠١) وشذرات الذهب (٧/ ٣١).
(٧) الضوء اللامع (٥/ ٣٢٨).
[ ١٠٥ ]
١٠ - القاضي علاء الدين أبو الحسن علي بن محمود بن أبي بكر الحنبلي المعروف بابن المغلي، توفي سنة ٨٢٨ هـ (^١).
١١ - سراج الدين أبو حفص عمر بن أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري، المعروف بابن الملقن توفي سنة ٨٠٤ هـ (^٢).
١٢ - أبو حفص عمر بن محمد بن علي بن أبي بكر بن محمد السراج الشافعي الدمشقي المعروف بابن المزلق بضم الميم وفتح الزاي وكسر اللام المشددة، توفي سنة ٨٤١ هـ (^٣).
١٣ - سراج الدين عمر بن موسى بن الحسن بن عيسى بن محمد القرشي المخزومي الحمصي الشافعي، توفي سنة ٨٦١ هـ (^٤).
١٤ - فاطمة ابنة المحدث محمد بن علي بن محمد البكري، توفيت سنة ٨٥١ هـ (^٥).
١٥ - شمس الدين محمد بن أحمد بن سعيد المقدسي الحنبلي المتوفى سنة ٨٥٥ هـ (^٦).
١٦ - شمس الدين أبو المعالي محمد بن أحمد بن معالي الحبتي الحنبلي المتوفى سنة ٨٢٥ هـ (^٧).
_________________
(١) إنباء الغمر (٨/ ٨٦) والضوء اللامع (٦/ ٣٤) وشذرات الذهب (٧/ ١٨٥).
(٢) إنباء الغمر (٥/ ٤١) والضوء اللامع (٦/ ١٠٠) وشذرات الذهب (٧/ ٤٤).
(٣) الضوء اللامع (٦/ ١٢٠) ومعجم الشيوخ لابن فهد (١٩١).
(٤) معجم الشيوخ لابن فهد (١٩٤) والضوء اللامع (٦/ ١٣٩).
(٥) الضوء اللامع (١٢/ ١٢٨).
(٦) الضوء اللامع (٦/ ٣٠٩) ومعجم الشيوخ لابن فهد (٢٠٤) وشذرات الذهب (٧/ ٢٨٦).
(٧) إنباء الغمر (٧/ ٤٨٠) والضوء اللامع (٧/ ١٠٧) وشذرات الذهب (٧/ ١٧١).
[ ١٠٦ ]
تراجم لثلاثة من المشاهير منهم
١٧ - عز الدين محمد بن بهاء الدين علي بن عز الدين عبد الرحمن بن محمد المقدسي الحنبلي المتوفى سنة ٨٢٠ هـ (^١).
١٨ - محمد بن خالد بن موسى الحمصي القاضي شمس الدين المعروف بابن زهرة توفي سنة ٨٣٠ هـ (^٢).
١٩ - محمد بن خليل بن محمد بن طوغان أبو عبد الله شمس الدين الدمشقي الحريري الحنبلي المعروف بابن المنصفي، توفي سنة ٨٠٣ هـ (^٣).
٢٠ - محمد بن علي بن عبد الرحمن بن محمد بن سليمان المقدسي الصالحي الخطيب، توفي سنة ٨٢٠ هـ (^٤).
٢١ - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبادة السعدي الأنصاري الحنبلي، توفي سنة ٨٢٠ هـ (^٥).
٢٢ - أبو بكر بن علي بن عمر بن عبد الخالق التلعفري بفتح التاء وتشديد اللام وإسكان العين وفتح الفاء، الدمشقي (^٦).
وبعد أن ذكرت أسماء من حصلت عليهم من تلاميذ ابن رجب أذكر هنا تراجم لثلاثة من المشاهير منهم وهم:
_________________
(١) إنباء الغمر (٧/ ٢٩٠) وشذرات الذهب (٧/ ١٤٧).
(٢) إنباء الغمر (٨/ ١٣٤) وشذرات الذهب (٧/ ١٩٥).
(٣) الجوهر المنضد (ص ١٦٤) وإنباء الغمر (٤/ ٣٢٣) وشذرات الذهب (٧/ ٣٥).
(٤) الجوهر المنضد (ص ١١٤) والضوء اللامع (٨/ ١٨٧).
(٥) الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٤٩) والمقصد الأرشد (٢/ ٤٩١) وإنباء الغمر (٧/ ٢٩١) والضوء اللامع (٩/ ٨٨) وشذرات الذهب (٧/ ١٤٨).
(٦) معجم الشيوخ لابن فهد (٣٥٠) والضوء اللامع (١١/ ٥٦).
[ ١٠٧ ]
١ - ابن الرسام:
هو أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن علي الحموي الحنبلي أبو العباس المعروف بابن الرسام. ولد سنة ٧٧٣ هـ (^١).
ولد بحماه ونشأ بها وسمع على قاضيها أحمد بن عبد الرحمن المرداوي وغيره من الشيوخ، وقد ولي القضاء في حماه.
ورحل مرارًا إلى كل من الشام والقاهرة.
وأجاز له ابن رجب وغيره -وله مصنفات كثيرة منها: عقد الدرر واللآلي في فضل الشهور والأيام والليالي على نمط كتاب شيخه ابن رجب المعروف بـ"لطائف المعارف" ومنها: كتاب في المتباينات.
توفي ﵀ في شهر المحرم سنة ٨٤٢ هـ (¬٢).
٢ - ابن اللحام:
علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عباس بن فتيان البعلي ثم الدمشقي الحنبلي المعروف بابن اللحام، وهي نسبة إلى حرفة أبيه. ولد بعد الخمسين وسبعمائة ببعلبك ونشأ بها في كفالة خاله لكون أبيه مات وهو صغير (^٣).
حبب إليه طلب العلم فرحل إلى دمشق وتتلمذ على ابن رجب وغيره، ودرس وأفتى، ووعظ بالجامع الأموي في حلقة ابن رجب بعده.
ألف مصنفات مفيدة منها: القواعد الأصولية.
توفي ﵀ في سنة ٨٠٣ هـ بمصر، وقد جاوز الخمسين (^٤).
_________________
(١) الضوء اللامع (١/ ٢٤٩) وشذرات الذهب (٧/ ٢٥٢).
(٢) المنهج الأحمد ورقة (٤٩١) والسحب الوابلة (٥٠، ٥١).
(٣) إنباء الغمر (٢/ ١٧٤) والرد الوافر (١٨٥) والضوء اللامع (٥/ ٣٢٠).
(٤) المنهج الأحمد ورقة (٤٧٧) والجوهر المنضد (٨١ - ٨٣) وشذرات الذهب (٧/ ٣١).
[ ١٠٨ ]
٣ - ابن سعيد الحنبلي:
شمس الدين محمد بن أحمد بن سعيد بن العز المقدسي الدمشقي الحنبلي، قاضي مكة. ولد سنة إحدى وسبعين وسبعمائة بكفر لبد من جبل نابلس، ونشأ بها وحفظ القرآن ثم انتقل إلى دمشق وقرأ فيها على ابن رجب وابن اللحام وغيرهم (^١).
قال السخاوي ﵀: كان إمامًا عالمًا كثير الاستحضار لفروع مذهبه، مليح الخط، دينًا ساكنًا منجمعًا عن الناس مديمًا للمطالعة مع كبر سنه، متواضعًا حسن الخلق عفيفًا نزهًا محمود السيرة في قضائه، وله تصانيف منها: الشافي والكافي في مجلد، وكشف الغمة بتيسير الخلع لهذه الأمة في مجلد لطيف، والمسائل المهمة فيما يحتاج إليه العاقد في الخطوب المدلهمة، وسفينة الأبرار الجامعة للآثار والأخبار في المواعظ والآداب في ثلاث مجلدات (^٢).
توفي ﵀ بمكة ليلة الخميس رابع عشر صفر سنة ٨٥٥ هـ (^٣).
_________________
(١) الضوء اللامع (٦/ ٣٠٩) والجوهر المنضد (١٤٥) والمنهج الأحمد ورقة (٤٩٤).
(٢) الضوء اللامع (٦/ ٣٠٩).
(٣) شذرات الذهب (٧/ ٣٨٦) والسحب الوابلة (٣٤٥).
[ ١٠٩ ]
المبحث السادس ثقافته ومؤلفاته
تنوعت مؤلفات الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى وآثاره العلمية فهو إضافة إلى ما ذكرنا من الأفذاذ الذين درسوا عليه وأسهم في بناء علومهم وثقافتهم، قد خلف العديد من المؤلفات التي شملت كثيرًا من العلوم الإسلامية في التفسير والفقه والحديث والتاريخ والعقيدة والوعظ وغيرها، وهي تشير إلى علو همته وترفع من مكانته.
وقد أجمع المترجمون له على أنها مؤلفات نفيسة ومفيدة.
قال ابن فهد ﵀: له المؤلفات السديدة والمصنفات المفيدة (^١).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: صنف شرح الترمذي فأجاد فيه في نحو عشرة أسفار، وشرح قطعة كبيرة من البخاري. . . واللطائف في وظائف الأيام بطريق الوعظ وفيه فوائد، والقواعد الفقهية أجاد فيها وقرأ القرآن بالروايات. . . . (^٢).
وقال النعيمي رحمه الله تعالى: له تصانيف شتى مفيدة (^٣).
_________________
(١) لحظ الألحاظ لابن فهد (ص ١٨١).
(٢) الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٩) وإنباء الغمر (٣/ ١٧٦).
(٣) الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٧٧).
[ ١١٠ ]
وقال ابن العماد الحنبلي: له مصنفات مفيدة ومؤلفات عديدة (^١).
وقد كان لابن رجب رحمه الله تعالى أسلوب متميز في كتاباته فهو يجمع بين وضوح العبارة وسهولة الأسلوب.
يقول الدكتور محمد بن حمود الوائلي في وصف أسلوب ابن رجب في كتبه ورسائله: "تميزت كتابات ابن رجب بوضوح الأسلوب وطلاوة العبارة وحسن استقامة اللفظ كل ذلك مع عمق التفكير والغوص في المعاني، وابن رجب متأثر بثقافة عصره لذا رأيناه يذهب إلى السجع حينًا ويدعه حينًا متمسكًا بعبارات الفقهاء والمحدثين، يستوي في ذلك كتبه الكبيرة وكتبه الصغيرة" (^٢).
ويقول الأستاذ بشير عيون في وصف أسلوب ابن رجب أيضًا: "ولابن رجب أسلوب سهل طيع سلس، تراه يتناول موضوعه عادة بالتحليل والتقصي والإسهاب، وقد يستطرد أحيانًا ولكن استطراده ممتع لا يمل منه، وتراه أحيانًا يعمد إلى السجع وبعض المحسنات اللفظية، ويظهر أن ذلك كان شائعًا في عصره، ولكنه لا يلتزم ذلك، بل نراه أحيانًا أخرى يتحلل من قيود السجع لينطلق متحدثًا بأسلوب الفقهاء أو المحدثين أو الباحثين وهو كثير الاستشهاد بالآيات والأحاديث والحكم والأبيات الشعرية في كتاباته" (^٣).
وقد قمت بتتبع وحصر لمصنفاته فبلغت (٦٧) مصنفًا بين كتاب كبير ورسالة صغيرة فألفيتها ذات قيمة كبيرة، ولم تقتصر على ميدان
_________________
(١) شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩).
(٢) ابن رجب الحنبلي وأثره في الفقه رسالة دكتوراه مكتوبة على الآلة الكاتبة (ص ١٣٣).
(٣) انظر: مقدمة كتاب اختيار الأولى لابن رجب تحقيق بشير محمد عيون.
[ ١١١ ]
واحد، بل وجدتها تنتظم مساحة واسعة من العلوم المختلفة.
وقد قسمت الكلام على مؤلفات ابن رجب وآثاره العلمية إلى قسمين:
القسم الأول: فيه بيان أسماء مؤلفات ابن رجب رحمه الله تعالى التي ذكرها هو في كتبه أو نسبها إليه المترجمون له.
القسم الثاني: فيه بيان بأسماء مؤلفات نسبت إلى ابن رجب وهي إما ليست له أو أنها أفردت من بعض كتبه ونسبت إليه ولم يؤلفها هو استقلالًا.
القسم الأول: مؤلفات ابن رجب التي ذكرها في كتبه أو نسبها إليه المترجمون له، وقد رتبتها على حروف المعجم مع بيان المطبوع منها والمخطوط (^١) والإشارة إلى مكان النسخة الخطية حسب الإمكان لما لم يطبع منها وهي كالتالي:
١ - الأحاديث والآثار المتزائدة في أن طلاق الثلاث واحدة ذكرها ابن عبد الهادي (^٢).
وقد استفاد من هذا الكتاب ابن عبد الهادي في كتابه: سير الحارث في الطلاق الثلاث، وهو كتاب مطبوع بمطبعة السنة المحمدية بمصر سنة ١٩٥٣ م.
٢ - أحكام الخواتيم وما يتعلق بها.
طبع مرتين آخرها طبعة مطابع الرحاب بالمدينة المنورة سنة ١٤٠٧ هـ بتحقيق الدكتور محمد بن حمود الوائلي.
_________________
(١) يلاحظ أن بعض هذه المخطوطات قد حققت أثناء طبع الرسالة. والله الموفق.
(٢) الجوهو المنضد (ص ٥٠).
[ ١١٢ ]
٣ - اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى: طبع مرارًا وآخرها طبعة مكتبة دار الأقصى بالكويت سنة ١٤٠٦ هـ بتحقيق جاسم فهيد الدوسري.
٤ - اختيار الأبرر سيرة أبي بكر وعمر: ويوجد مختصر له مخطوط في برلين برقم ٩٦٩٠.
٥ - إزالة الشنعة عن الصلاة بعد النداء يوم الجمعة: ذكره ابن عبد الهادي (^١).
٦ - الاستخراج لأحكام الخراج: طبع عدة طبعات آخرها طبعة مكتبة الرشد بالرياض سنة ١٤٠٩ هـ بتحقيق جندي محمود شلاش الهيتي.
٧ - الاستغناء بالقرآن في تحصيل العلم والإيمان: ذكره ابن رجب رحمه الله تعالى في نزهة الأسماع في السماع (^٢) وفي الخشوع في الصلاة (^٣). وذكره ابن عبد الهادي (^٤) وحاجي خليفة (^٥) وصاحب كتاب هدية العارفين (^٦) وهو أصل كتاب ابن عبد الهادي "هداية الإنسان إلى الاستغناء بالقرآن" وهو مخطوط، وتوجد له صورة بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم ٢٢٠٦.
٨ - استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس: وهو مطبوع بمطبعة الإمام بمصر سنة ١٣٦٣ هـ.
_________________
(١) الجوهر المنضد (٥٠).
(٢) نزهة الأسماع في السماع (ص ٨٤).
(٣) الخشوع في الصلاة (ص ٢٩).
(٤) الجوهر المنضد (ص ٥١).
(٥) كشف الظنون (١/ ٧٩).
(٦) هدية العارفين (٥/ ٥٢٧).
[ ١١٣ ]
٩ - الاستيطان فيما يعتصم به العبد من الشيطان ذكره ابن حميد (^١).
١٠ - إعراب أم الكتاب: ذكره ابن عبد الهادي (^٢).
١١ - إعراب البسملة: ذكره ابن عبد الهادي (^٣).
١٢ - الإلمام في فضائل بيت الله الحرام: ذكره إسماعيل باشا في إيضاح المكنون (^٤).
١٣ - أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور: طبع مرتين آخرها بتحقيق أبو هاجر محمد السعيد زغلول - دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٥ هـ.
١٤ - أهوال القيامة: ذكره ابن العماد (^٥) وابن عبد الهادي (^٦).
١٥ - الإيضاح والبيان في طلاق الغضبان: ذكره ابن عبد الهادي (^٧).
١٦ - البشارة العظمى في أن حظ المؤمن من النار الحمى: مخطوط ويوجد له نسخة في مكتبة جامعة الملك سعود المركزية تحت رقم ١٨١٧/ ٩.
١٧ - التخويف من النار والتعريف بحال أهل البوار: وقد طبع عدة مرات منها طبعة بتحقيق محمد حسن الحمصي - دار الرشيد - دمشق سنة ١٤٠٣ هـ.
_________________
(١) السحب الوابلة (١٩٨).
(٢) الجوهر المنضد (ص ٥٠).
(٣) المصدر السابق (ص ٥٠).
(٤) إيضاح المكنون (١/ ١٢٢).
(٥) شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩).
(٦) الجوهر المنضد (ص ٥٠).
(٧) المصدر السابق (ص ٥٠).
[ ١١٤ ]
١٨ - تسلية نفوس النساء والرجال عند فقد الأطفال: طبع بتحقيق وليد الفريان في مجلة الإفتاء عدد ٢٣ بتاريخ ١٤٠٩ هـ.
١٩ - تعليق الطلاق بالولادة: مخطوط باستانبول برقم ٥٣١٨.
٢٠ - تفسير سورة الإخلاص: طبع مرتين منها طبعة بتحقيق محمد بن ناصر العجمي - الدار السلفية - الكويت سنة ١٤٠٧ هـ.
٢١ - تفسير سورة الفاتحة: ذكره ابن عبد الهادي (^١).
٢٢ - تفسير سورة النصر: طبع مرتين آخرها بتحقيق: محمد بن ناصر العجمي - الدار السلفية - الكويت سنة ١٤٠٧ هـ.
٢٣ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم: وقد طبع مرارًا، وقد قام الدكتور محمد الأحمدي أبو النور بتحقيقه ولكنه لم يتمه وهو كتاب عظيم النفع جدير بالعناية والاهتمام من قبل الباحثين وطلاب العلم.
٢٤ - الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي - ﷺ -: "بعثت بالسيف بين يدي الساعة"، طبع سنة ١٣٤٩ هـ بمطبعة المنار.
٢٥ - حماية الشام بمن فيها من الأعلام: ذكره ابن حميد (^٢).
٢٦ - الخشوع في الصلاة: وهو كتاب الذل والإنكسار للعزيز الجبار وقد طبع مرارًا آخرها بتحقيق علي حسن علي عبد الحميد -دار عمّار- وقد وهم بعض من ترجموا لابن رجب حيث جعلوا هذا الكتاب كتابين لاختلاف العنوان وعند التحقيق تبين أنهما كتاب واحد.
٢٧ - ذم الخمر وشاربها: طبع بالمركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب بالرياض سنة ١٤٠٨ هـ بتحقيق الوليد بن عبد الرحمن الفريان.
_________________
(١) الجوهر المنضد (ص ٥٠).
(٢) السحب الوابلة (١٩٨).
[ ١١٥ ]
٢٨ - ذم قسوة القلب: مخطوط، وتوجد نسخة له في مكتبة جامعة الملك سعود المركزية برقم (١٨١٧/ ٨).
٢٩ - الذيل على طبقات الحنابلة: طبع مرارًا منها طبعة دار المعرفة - بيروت - لبنان.
٣٠ - الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة: ذكره ابن عبد الهادي (^١).
٣١ - كتاب السليب: ذكره ابن عبد الهادي (^٢).
٣٢ - سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز: طبع بالرياض سنة ١٣٧٨ هـ.
٣٣ - شرح حديث "إن أغبط أوليائي عندي": مخطوط، وتوجد نسخة منه بمكتبة فاتح باستانبول برقم ٥٣١٨.
٣٤ - شرح حديث أبي الدرداء "من سلك طريقا يلتمس فيه علما": طبع مرارًا، منها طبعة مكتبة الخافقين - دمشق سنة ١٤٠٢ هـ، تحقيق محمد الخيمي.
٣٥ - شرح حديث شداد بن أوس "إذا كنز الناس الذهب والفضة" يوجد له نسخة خطية بمكتبة جامعة الملك سعود المركزية بالرياض تحت رقم (١٨١٧/ ٨).
٣٦ - شرح حديث عمّار بن ياسر "اللهم بعلمك الغيب": طبع بتحقيق إبراهيم بن محمد العرف - مكتبة السوادي - جدة، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٨ هـ.
_________________
(١) الجوهر المنضد (ص ٥٠).
(٢) المصدر السابق (ص ٥٠).
[ ١١٦ ]
٣٧ - شرح حديث "لبيك اللهم لبيك": طبع بتحقيق الوليد آل فريان مكة المكرمة - دار عالم الفوائد - ١٤١٧ هـ.
٣٨ - شرح حديث "ما ذئبان جائعان" ويسمى أيضًا "ذم الجاه والمال" طبع مرارًا آخرها بالكويت - الدار السلفية - سنة ١٤٠١ هـ، بتحقيق بدر البدر.
٣٩ - شرح حديث "مثل الإسلام": مخطوط، وتوجد نسخة له في المكتبة السليمانية بتركيا برقم ٥٣١٨.
٤٠ - شرح حديث "يتبع الميت ثلاث" طبع بدار طيبة بالرياض سنة ١٤٠٨ هـ بتحقيق سعد بن عبد الرحمن الحمدان.
٤١ - شرح جامع الترمذي: وهو يقع في نحو عشرين مجلدًا كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر (^١) وهو من الكتب المهمة ولعله احترق في الفتنة التي وقعت في الشام عندما دخل التتار دمشق سنة (٨٠٣ هـ) وما وقع فيها من الفساد على يد تيمورلنك كما ذكر ذلك ابن قاضي شهبة (^٢).
ولم يوجد من هذا الكتاب إلا شرح علل الترمذي وقد طبع عدة مرات أحدها بتحقيق نور الدين عتر سنة ١٣٩٨ هـ - دار الملاح دمشق، ويوجد أيضًا عشر ورقات مخطوطة في المكتبة الظاهرية بدمشق وهي من كتاب اللباس.
٤٢ - شرح المحرر: ذكره ابن عبد الهادي (^٣).
٤٣ - شرح مولدات ابن الحداد: ذكره حاجي خليفة (^٤).
_________________
(١) الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٩) وإنباء الغمر (٣/ ١٧٦).
(٢) تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٨٨/ أ).
(٣) الجوهر المنضد (ص ٥١).
(٤) كشف الظنون (٢/ ١٩١١).
[ ١١٧ ]
٤٤ - صدقة السر وبيان فضلها: طبع بتحقيق الوليد بن محمد الفريان بمجلة عالم الكتب، المجلد السابع، العدد الأول.
٤٥ - صفة النار وصفة الجنة: ذكره ابن عبد الهادي (^١).
٤٦ - غاية النفع في شرح حديث تمثيل المؤمن بخامة الزرع: طبع مرارًا آخرها طبعة مكتبة السوادي - جدة سنة ١٤٠٨ هـ، بتحقيق: إبراهيم بن محمد العرف.
٤٧ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري: قال عنه ابن ناصر الدين الدمشقي: "وشرح من أول صحيح البخاري إلى الجنائز شرحًا نفيسًا" (^٢).
طبع بتحقيق مجموعة من المحققين مكتبة الغرباء المدينة المنورة ١٤١٦ هـ، وطبع عام ١٤١٧ هـ بتحقيق طارق بن عوض الله محمد، دار ابن الجوزي الطبعة الأولى.
٤٨ - الفرق بين النصيحة والتعبير: طبع بتحقيق نجم عبد الرحمن خلف - دار ابن القيم - الدمام.
٤٩ - فضائل الشام: مخطوط، وتوجد نسخة منه في المكتبة البلدية بالإسكندرية برقم ١٠٨ تاريخ، ويقوم الآن بتحقيقه الأخ محمد بن ناصر العجمي كما أفادني بذلك شخصيًا.
٥٠ - فضل علم السلف على علم الخلف: طبع مرارًا منها طبعة الدار السلفية بالكويت سنة ١٤٠٧ هـ بتحقيق محمد بن ناصر العجمي. ويذكره بعض من ترجموا لابن رجب بعنوان "العلم النافع وفضله" ويجعلون هذا كتاب وهذا كتاب وهذا وهم لأنهما في الحقيقة كتاب واحد والاختلاف في العنوان فقط.
_________________
(١) الجوهر المنضد (ص ٤٩).
(٢) الرد الوافر (ص ١٠٦).
[ ١١٨ ]
٥١ - قاعدة غم هلال ذي الحجة: وقد طبعت هذه الرسالة في سنة ١٣٧٥ هـ بتصحيح الشيخ سليمان الصنيع رحمه الله تعالى.
٥٢ - القواعد الكبرى في الفروع: وهو ما يسمى بالقواعد الفقهية، وهو كتاب عظيم، وقد استكثره عليه من لا يعرف قدره قال ابن عبد الهادي: "وكتاب القواعد الفقهية مجلد كبير، وهو كتاب نافع من عجائب الدهر حتى أنه استكثر عليه، حتى زعم بعضهم أنه وجد قواعد مبددة لشيخ الإسلام ابن تيمية فجمعها، وليس الأمر كذلك، بل كان رحمه الله تعالى فوق ذلك" (^١).
وقد طبع عدة مرات منها طبعة بالقاهرة سنة ١٣٥٢ هـ - المطبعة الخيرية - ولكن جميع الطبعات لا تخلو من السقط والتحريف والتصحيف، وهو جدير بأن يعنى به ويطبع طبعة علمية محررة ومحققة.
٥٣ - القول الصواب في تزويج أمهات أولاد الغياب: وقد طبع بتحقيق د. عبد الله الطريقي في سنة ١٤١٠ هـ - الطبعة الأولى - مكتبة المعارف بالرياض.
٥٤ - كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة: وهو شرح حديث "بدأ الإسلام غريبًا. . . " طبع مرارًا منها طبعة بتحقيق بدر البدر - دار الأرقم - الكويت سنة ١٤٠٤ هـ.
٥٥ - الكشف والبيان عن حقيقة النذور والأيمان: ذكره ابن رجب (^٢) وابن حميد (^٣).
٥٦ - كلمة الإخلاص وتحقيق معناها: طبع مرارًا، آخرها في دمشق
_________________
(١) الجوهر المنضد (ص ٤٩).
(٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٧١).
(٣) السحب الوابلة (١٩٧).
[ ١١٩ ]
سنة ١٣٩٧ هـ بتحقيق زهير الشاويش. ويعرف هذا الكتاب في بعض المكتبات بعنوان "التوحيد" ولذلك غلط بعض من ترجم لابن رجب رحمه الله تعالى في ذلك وجعلوهما كتابين وهما في الحقيقة كتاب واحد والاختلاف في العنوان فقط.
٥٧ - لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف: طبع مرارًا منها طبعة دار الجيل - بيروت.
٥٨ - المحجة في سير الدلجة: طبع بتحقيق يحيى مختار غزاوي دار البشائر الإسلامية - بيروت.
٥٩ - مختصر سيرة عمر بن عبد العزيز: طبع بالرياض سنة ١٣٧٨ هـ.
٦٠ - مختصر فيما روي عن أهل المعرفة والحقائق في معالم الظالم السارق حققه الوليد بن عبد الرحمن الفريان ونشره في مجلة البحوث الإسلامية، العدد السادس عشر.
٦١ - مسألة الصلاة يوم الجمعة بعد الزوال وقبل الصلاة: ذكره ابن حميد (^١).
٦٢ - مشيخة ابن رجب: قال ابن حجر: وخرج لنفسه مشيخة مفيدة (^٢).
٦٣ - منافع (^٣) الإمام أحمد: ذكره ابن عبد الهادي (^٤).
_________________
(١) السحب الوابلة (ص ١٩٨).
(٢) الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٩).
(٣) لعله مناقب الإمام أحمد.
(٤) الجوهر المنضد (ص ٥١).
[ ١٢٠ ]
٦٤ - نزهة الأسماع في مسألة السماع: طبع مرتين منها طبعة بتحقيق الوليد بن عبد الرحمن الفريان سنة ١٤٧٠ هـ - الناشر: دار طيبة بالرياض.
٦٥ - نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي - ﷺ - لابن عباس وهو شرح حديث "احفظ الله يحفظك": طبع مرارًا ولكن أحسن الطبعات وأكملها، طبعة مكتبة دار الأقصى بالكويت سنة ١٤٠٦ هـ بتحقيق محمد بن ناصر العجمي.
٦٦ - وجوب إخراج الزكاة على الفور: وقد حققه الأخ عادل الجهني وقدمه موضوعا لمادة البحث في السنة الرابعة من كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية سنة ١٤٠٩ هـ.
٦٧ - وقعة بدر: ذكره ابن حميد (^١).
القسم الثاني: ويشتمل على الكتب التي تنسب لابن رجب وهي إما ليست له أو هي مأخوذة من بعض كتبه ولم يؤلفها هو استقلالًا.
١ - كتاب مختصر شعب الإيمان: ينسب لابن رجب وممن نسبه لابن رجب، جندي محمود شلاش الهيتي في مقدمة كتاب الاستخراج لابن رجب حينما قام بتحقيقه، والحقيقة أن هذا وهم لأن الكتاب هو مختصر شعب الإيمان للقزويني وقد قارنت بينهما فوجدت أنهما شيء واحد، إضافة إلى أنني لم أجد أحدًا ممن ترجم لابن رجب نسب هذا الكتاب إليه، وهذا الكتاب المنسوب لابن رجب توجد صورة له في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم ٦٦٦.
_________________
(١) السحب الوابلة (١٩٨).
[ ١٢١ ]
٢ - أسباب المغفرة: وهو مطبوع بتحقيق أشرف بن عبد المقصود وهو مأخوذ من كتاب جامع العلوم والحكم.
٣ - بغية الإنسان في وظائف رمضان: المكتب الإسلامي سنة ١٤٠٥ هـ وهو مأخوذ من كتاب لطائف المعارف.
٤ - مجالس في سيرة النبي - ﷺ -: دار ابن كثير - دمشق الطبعة الأولى سنة ١٤٠٨ هـ تحقيق ياسين السواس ومحمود الأرناؤوط وهو مأخوذ من كتاب لطائف المعارف.
[ ١٢٢ ]
١ - عقيدته:
تتضح عقيدة ابن رجب رحمه الله تعالى من خلال هذا الموضوع بشكل عام إلا أنني رأيت أن أعطي صورة إجمالية عن عقيدته فهو ﵀ سلفي العقيدة على طريقة أهل الحديث يقول بما قال به الصحابة ﵃ والتابعون والأئمة المشهورون من أئمة السلف الصالح رحمهم الله تعالى الذين كانوا لا يألون جهدًا في نشر عقيدة أهل السنة والجماعة، والذين يؤمنون بأسماء الله وصفاته التي ثبتت بكتاب الله ﷾، وشهد بها له رسوله ﵊ كما جاءت من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تأويل ولا تمثيل.
والحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى كباقي أئمة السلف رحمهم الله تعالى لم يشغل نفسه بحشو المتفلسفة والمتكلمين من أمثال الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ومن ماثلهم وسار على نهجهم، وإنما كان رحمه الله تعالى حريصًا كل الحرص على اعتماد منهج السلف الصالح في جميع أبواب العقيدة، وكلامه في ثنايا مؤلفاته أكبر شاهد على هذا.
ولم يكن ابن رجب رحمه الله تعالى على معتقد السلف فحسب بل كان من الدعاة إليه.
وسوف أشير إلى نبذة من أقواله التي تدل على معتقده.
[ ١٢٣ ]
١ - يقول رحمه الله تعالى: . . . والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل، ولا يصح عن أحد منهم خلاف ذلك البتة (^١).
٢ - ويقول رحمه الله تعالى أيضًا في شرحه لحديث اختصام الملأ الأعلى ". . . وأما وصف النبي - ﷺ - لربه ﷿ بما وصفه به فكل ما وصف النبي - ﷺ - به ربه ﷿ فهو حق وصدق يجب الإيمان والتصديق به كما وصف الله ﷿ به نفسه مع نفي التمثيل عنه. . . " (^٢).
ومما يدل على عقيدته السلفية أيضًا نقده لبعض علماء الحنابلة الذين كان لهم شهرة كبيرة ومع ذلك كان عندهم ميل إلى التأويل في بعض كلامهم كابن الجوزي، يقول ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يذكر الوجوه التي تؤخذ على ابن الجوزي ومنها -أي من الوجوه التي تؤخذ عليه-: "وهو الذي من أجله نقم جماعة من مشايخ أصحابنا وأئمتهم من ميله إلى التأويل في بعض كلامه، واشتد نكرهم عليه في ذلك.
ولا ريب أن كلامه في ذلك مضطرب مختلف، وهو وإن كان متطلعًا على الأحاديث والآثار في هذا الباب، فلم يكن خبيرًا بحل شبهة المتكلمين وبيان فسادها.
وكان معظمًا لأبى الوفاء بن عقيل (^٣) يتابعه في أكثر ما يجد في
_________________
(١) فضل علم السلف على علم الخلف (ص ٣٣).
(٢) اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى (ص ٤٠، ٤١).
(٣) أبو الوفاء علي بن عقيل بن عبد الله البغدادي الحنبلي، من أئمة الحنابلة، له مؤلفات عديدة منها: الفنون في شتى العلوم في أربعمائة جزء، اتهم ببعض آراء المبتدعة، ويقال: إنه رجع وتاب، توفي سنة ٥١٣ هـ. سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٤٣) والذيل على طبقات الحنابلة (١/ ١٤٢).
[ ١٢٤ ]
كلامه وإن كان قد رد عليه في بعض المسائل، وكان ابن عقيل بارعًا في الكلام، ولم يكن تام الخبرة بالحديث والآثار، فلهذا يضطرب في هذا الباب وتتلون فيه آراؤه، وأبو الفرج تابع له في هذا التلون" (^١).
ومراد ابن رجب أن ابن الجوزي يتبع ابن عقيل في آرائه، لأن ابن عقيل ليس هو شيخه المباشر، فابن الجوزي ولد قبل وفاة ابن عقيل بسنة.
٢ - مذهبه:
وأما مذهبه فهو على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى لأن البيئة التي عاش فيها والعلماء الذين تلقى العلم عنهم من علماء الحنابلة.
وقد كانت له يد مشكورة في المذهب الحنبلي حيث ألف فيه كتابه "القواعد الفقهية" سلك فيه مسلك أهل الترجيح والاختيار في المذهب وقد كان هذا الكتاب مرجعا لمن جاء بعده من العلماء، إضافة إلى أنه ألف كتابًا ترجم فيه لعلماء الحنابلة وهو ذيل على طبقات الحنابلة الذي ألفه العلامة ابن أبي يعلى (^٢) رحمه الله تعالى، ومع ذلك فكون ابن رجب رحمه الله تعالى درس المذهب الحنبلي وتعلم المسائل منه إلا أن ذلك لم يحمله على التعصب المذموم الذي حدا ببعض من ينتسب إلى العلم إلى تقديم المذهب على سنة الرسول - ﷺ -، ولم يكن رحمه الله تعالى يندد بغيره على حين أنه حين استوت له المعرفة، وبلغ مرحلة النضج كان
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٤١٤).
(٢) الإمام العلامة أبو الحسين محمد بن محمد بن الحسين الفراء القاضي أبو يعلى البغدادي الحنبلي له ردود على الأشعرية والكرامية وغيرهم، ومن مؤلفاته: "طبقات الحنابلة" توفي سنة ٥٢٦ هـ. ذيل طبقات الحنابلة (١/ ١٧٦) والمنهج الأحمد (٢/ ٢٧٥)، وشذرات الذهب (٤/ ٧٩).
[ ١٢٥ ]
يدعو إلى الاعتصام بالكتاب والسنة اللذين هما أصل الدين وملاكه، وإليهما المرجع في المسائل الشرعية.
بل إنه رحمه الله تعالى ذكر في بعض مؤلفاته أن الأصل الجامع والمرجع والحكم هو كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وهما مقدمان على قول كل أحد كائن من كان إذا تبين مخالفة القول لهما، وأقواله الدالة على هذه المعاني كلها كثيرة منها قوله رحمه الله تعالى عند قوله - ﷺ -: ". . . وإن أفتاك المفتون. . . " (^١) يعني أن ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم، وإن أفتاه غيره بأنه ليس بإثم فهذه مرتبة ثانية وهو أن يكون الشيء مستنكرًا عند فاعله دون غيره، وقد جعله أيضًا إثمًا وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره للإيمان، وكان المفتي يفتي له بمجرد الظن أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي، فأما ما كان مع المفتي به دليل شرعي، فالواجب على المستفتي الرجوع إليه وإن لم ينشرح له صدره وهذا كالرخصة الشرعية مثل الفطر في السفر والمرض وقصر الصلاة في السفر ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدور كثير من الجهال، فهذا لا عبرة به.
وقد كان النبي - ﷺ - أحيانًا يأمر أصحابه بما لا تنشرح به صدور بعضهم فيمتنعون من قبوله، فيغضب من ذلك كما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، فكرهه من كرهه منهم، وكما أمرهم بنحر هديهم والتحلل من عمرة الحديبية فكرهوه، وكرهوا مفاوضته قريشًا على أن يرجع من عامه، وعلى أن من أتاه منهم يرده إليهم.
_________________
(١) هذا جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد (٤/ ١٩٤) عن أبي ثعلبة الخشني ﵁، وقال ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذا الحديث: وهذا إسناد جيد. جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٥٠) وقد تكلم ﵀ عن روايات وطرق هذا الحديث في الموضع المذكور.
[ ١٢٦ ]
وفي الجملة فما ورد النص به فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (^١).
وينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصدر والرضا، فإن ما شرعه الله ورسوله يجب الإيمان والرضا به والتسليم له كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (^٢).
وأما ما ليس فيه نص من الله ورسوله، ولا عمن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين منه شيء، وحاك في صدره بشبهة موجودة ولم يجد من يفتي فيه بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه، وهو ممن لا يوثق بعلمه وبدينه بل هو معروف باتباع الهوى، فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره وإن أفتاه هؤلاء المفتون (^٣).
ويقول رحمه الله تعالى أيضًا مبينا أن المقصود هو إظهار الحق مهما خالف أقوال الرجال، وهذا من النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، يقول: فرد المقالات الضعيفة، وتبيين الحق في خلافها بالأدلة الشرعية، ليس هو مما يكرهه العلماء، بل مما يحبونه ويمدحون فاعله، ويثنون عليه فلا يكون داخلًا في باب الغيبة بالكلية، فلو فرض أن أحدًا يكره إظهار خطئه المخالف للحق، فلا عبرة بكراهته لذلك، فإن كراهة إظهار الحق إذا كان مخالفًا لقول الرجل ليس من الخصال المحمودة، بل الواجب على المسلم أن يحب ظهور الحق
_________________
(١) سورة الأحزاب آية (٣٦).
(٢) سورة النساء آية (٦٥).
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٥٩).
[ ١٢٧ ]
ومعرفة المسلمين له سواء كان ذلك في موافقته أو مخالفته، وهذا من النصيحة لله ولكتابه ورسوله ودينه وأئمة المسلمين وعامتهم، وذلك هو الدين كما أخبر به النبي - ﷺ -، وأما بيان خطأ من أخطأ من العلماء قبله إذا تأدب في الخطاب وأحسن الرد والجواب فلا حرج عليه ولا لوم يتوجه إليه. . . وقد بالغ الأئمة الورعون في إنكار مقالات ضعيفة لبعض العلماء وردها أبلغ الرد كما كان الإمام أحمد ينكر على أبي ثور (^١) وغيره مقالات ضعيفة تفردوا بها، ويبالغ في ردها عليهم، هذا كله حكم الظاهر، وأما في باطن الأمر، فإن كان مقصوده في ذلك مجرد تبيين الحق، ولئلا يغتر الناس بمقالات من أخطأ في مقالاته، فلا ريب أنه مثاب على قصده، ودخل بفعله هذا بهذه النية في النصح لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم. . . وأما مراد الراد بذلك إظهار عيب من رد عليه وتنقصه وتبيين جهله وقصوره في العلم ونحو ذلك كان محرمًا سواء كان رده لذلك في وجه من رد عليه أو في غيبته، وسواء كان في حياته أو بعد موته، وهذا داخل فيما ذمه الله تعالى في كتابه وتوعد عليه في الهمز واللمز ودخل أيضًا في قول النبي - ﷺ -: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته" (^٢).
_________________
(١) أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي الإمام الحافظ، قال الخطيب: كان أبو ثور يتفقه أولا بالرأي ويذهب إلى قول العراقيين، حتى قدم الشافعي فاختلف إليه ورجع عن الرأي إلى الحديث، توفي سنة ٢٤٠ هـ. الجرح والتعديل (٢/ ٩٧) وتاريخ بغداد (٦/ ٦٥).
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٤٢٤) وأبو داود: كتاب الأدب - باب في الغيبة (٥/ ١٩٤) والترمذى: كتاب الأدب - باب ما جاء في تعظيم المؤمن (٤/ ٣٧٨). وقال: هذا حديث حسن غريب، والطبراني في الكبير (١١/ ١٨٦) وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٩٤) رواه الطبراني ورجاله ثقات.
[ ١٢٨ ]
وهذا كله في حق العلماء المقتدى بهم في الدين، فأما أهل البدع والضلالة ومن تشبه بالعلماء، وليس منهم، فيجوز بيان جهلهم وإظهار عيوبهم تحذيرا من الاقتداء بهم، ومن عرف منه أنه أراد برده على العلماء النصيحة لله ورسوله فإنه يجب أن يعامل بالإكرام والاحترام والتعظيم كسائر أئمة المسلمين. . . ومن تبعهم بإحسان، ومن عرف أنه أراد برده عليهم التنقيص والذم، وإظهار العيب، فإنه يستحق أن يقابل بالعقوبة ليرتدع هو ونظراؤه عن هذه الرذائل المحرمة (^١).
وهذا كله يدل على حرصه رحمه الله تعالى على التمسك بالكتاب والسنة والاعتصام بهما.
_________________
(١) الفرق بين النصيحة والتعسر (ص ٣٢ - ٣٦).
[ ١٢٩ ]
المبحث الثامن مكانته العلمية وثناء العلماء عليه
لقد أثنى على ابن رجب رحمه الله تعالى كثير من العلماء وأشادوا بفضله ومكانته العلمية، وشهدوا له بالحفظ وسعة العلم والمعرفة والانصراف عن الدنيا والإقبال على العلم وذلك لتمكنه في علوم كثيرة، فاستحق بذلك ثناء العلماء عليه، وتقديرهم له، وأقوال العلماء التي سأذكر تبين مكانته العلمية بين علماء عصره:
وصفه تلميذه علاء الدين ابن اللحام فقال: شيخنا الإمام العلامة الأوحد الحافظ شيخ الإسلام، مجلي المشكلات، وموضح المبهمات. . . (^١).
وقال أيضًا: شيخنا الإمام العالم الحافظ بقية السلف الكرام، وحيد عصره، وفريد دهره شيخ الإسلام زين الدين. . . (^٢).
وقال ابن حجي: أتقن الفن، وصار أعرف أهل عصره بالعلل، وتتبع الطرق، وكان لا يخالط أحدا ولا يتردد إلى أحد. . . تخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق (^٣).
وقال ابن فهد المكي: الإمام الحافظ الحجة، والفقيه العمدة، أحد العلماء الزهاد، والأئمة العباد، مفيد المحدثين، واعظ المسلمين. . . وكان رحمه الله تعالى إمامًا ورعًا زاهدًا مالت القلوب بالمحبة إليه،
_________________
(١) و(^٢) الجوهر المنضد (ص ٤٩).
(٢) إنباء الغمر (٣/ ١٧٦).
[ ١٣٠ ]
وأجمعت الفرق عليه، كانت مجالس تذكيره الناس عامة نافعة وللقلوب صادعة (^١).
وقال ابن ناصر الدين: كان أحد الأئمة الحفاظ الكبار والعلماء الزهاد الأخيار (^٢).
وقال أيضًا: الشيخ الإمام العلامة الزاهد القدوة البركة الحافظ العمدة الثقة، واعظ المسلمين ومفيد المحدثين. . . (^٣).
وقال الحافظ ابن حجر: مهر في فنون الحديث أسماءً ورجالًا وعللًا وطرقًا واطلاعًا على معانيه. . . (^٤).
وقال أيضًا: الشيخ المحدث الحافظ. . . أكثر من المسموع وأكثر من الاشتغال حتى مهر. . . (^٥).
وقال ابن عبد الهادي: الشيخ الإمام، أوحد الأنام، قدوة الحفاظ جامع الشتات والفضائل. . . الفقيه الزاهد البارع الأصولي المفيد المحدث (^٦).
وقال برهان الدين بن مفلح: الشيخ العلامة الحافظ الزاهد شيخ الحنابلة (^٧).
وقال ابن قاضي شهبة: الشيخ الإمام العلامة الحافظ شيخ الحنابلة
_________________
(١) لحظ الألحاظ (ص ١٨٠، ١٨١).
(٢) التبيان لبديعة البيان ورقة (١٥٩).
(٣) الرد الوافر (ص ١٠٦).
(٤) إنباء الغمر (٣/ ١٧٦).
(٥) الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٨، ٤٢٩).
(٦) الجوهر المنضد (ص ٤٦، ٤٧).
(٧) المقصد الأرشد (٢/ ٨١).
[ ١٣١ ]
وفاضلهم، أوحد المحدثين. . . (^١).
وقال العليمي: الشيخ الإمام العالم العامل العلامة الزاهد القدوة البركة الحافظ العمدة الثقة الحجة زين الملة والشريعة والدنيا والدين شيخ الإسلام وأحد الأعلام واعظ المسلمين مفيد المحدثين جمال المصنفين كان أحد الأئمة الحفاظ الكبار والعلماء الزهاد الأخيار (^٢).
وقال السيوطي: الإمام الحافظ المحدث الفقيه الواعظ (^٣).
وقال النعيمي: الشيخ العلامة الحافظ الزاهد شيخ الحنابلة (^٤).
وقال ابن العماد الحنبلي: الشيخ الإمام العالم العلامة الزاهد القدوة البركة الحافظ العمدة الثقة الحجة الحنبلي المذهب (^٥).
وقال مرعي بن يوسف الكرمي: الشيخ الإمام العلامة الزاهد القدوة الحافظ العمدة الثقة الحجة واعظ المسلمين، مفيد المحدثين. . . أحد الأئمة الزهاد والعلماء العباد. . . (^٦).
ونختم ذلك بقول صاحب الروضة الغناء في تاريخ دمشق الفيحاء: هو الإمام الأصولي المحدث الفقيه الواعظ الشهير كان إمامًا في العلوم له مصنفات كثيرة (^٧).
وهكذا تظهر لنا هذه الأقوال والتي نقلناها من علماء كبار عاصروا ابن رجب أو تتلمذوا عليه أو قرأوا مؤلفاته، تظهر المنزلة الرفيعة التي تبوأها ابن رجب رحمه الله تعالى بين علماء عصره.
_________________
(١) تاريخ ابن قاضي شهبة ورقة (١٤٠/ أ) وانظر الجوهر المنضد (٤٧).
(٢) المنهج الأحمد ورقة (٤٧٠).
(٣) طبقات الحفاظ (ص ٥٤٠).
(٤) الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٧٦).
(٥) شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩).
(٦) الشهادة الزكية (ص ٤٩).
(٧) التاج المكلل (ص ٣٢٥).
[ ١٣٢ ]