٢٩٩ - عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂، أن أبا بكرٍ ﵁ قال لعليٍّ ﵁:
"والذي نَفْسِي بيده، لَقَرَابَةُ رسولِ اللهِ -ﷺ- أحَبُّ إليَّ أنْ أصِلَ مِنْ قرابتي". أخرجه البخاريُّ في غزوة خيبر من المغازي وغيرها من "صحيحه" (^١).
وهذا قاله أبو بكر ﵁ على سبيل الاعتذار عن منعه لفاطمة ﵂ ما طَلَبَتْهُ منه من تَرِكَةِ النَّبيِّ -ﷺ- (^٢).
٣٠٠ - وعن عمرَ بنِ الخطَّاب أنَّه قال للعبَّاس ﵄:
_________________
(١) متَّفقٌ عليه. أخرجه البخاري في كتاب المغازي- باب غزوة خيبر (٧/ ٤٩٣، مع الفتح)، رقم (٤٢٤١)، من طريق يحيى بن بُكير، عن الليث، عن عقيل به. وهو في المغازي أيضًا، باب حديث بني النضير، ومخرج رسول الله -ﷺ- في دية الرجلين وما أرادوا من الغدر برسول الله -ﷺ- (٧/ ٣٣٦، مع الفتح)، رقم (٤٠٣٦)، من طريق هشام، عن معمر، عن الزهري به. وكذا في فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة رسول الله -ﷺ- (٧/ ٧٧، مع الفتح)، رقم (٣٧١٢)، من طريق أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري به. وأخرجه مسلم في "صحيحه" (٣/ ١٣٨٠)، كتاب الجهاد والسير، باب قول النَّبي -ﷺ-: "لا نُورث ما تركنا فهو صدقة"، رقم (١٧٥٩)، من طريق الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب به، وكما ترى فهو متفق عليه، فقد أخرجه مسلم أيضًا، ولم يعزه المؤلف إلَّا للبخاري.
(٢) انظر: "فتح الباري" (٧/ ٧٩)، فهو فيه بنصِّه.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
"واللهِ! لإسْلامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كان أَحَبَّ إليَّ من إِسْلَامِ الخطَّابِ -يعني والده- لو أسْلَمَ، لأنَّ إسْلَامَكَ كان أحَبَّ إلى رسول اللَّهِ -ﷺ- من إسْلَامِ (^١) الخطَّاب" (^٢).
_________________
(١) (من إسلام) سقطت من (م)، دون سائر النُّسخ.
(٢) إسنادُهُ رجالُهُ ثقاتٌ، لكنه منقطعٌ. أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٤/ ٢٢)، من طريق محمد بن حرب المكّي، عن سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر محمد بن علي أنَّ العبَّاس جاء إلى عمر فقال له: إن النَّبيَّ -ﷺ- أقطعني البحرين، قال: من يعلم ذلك؟ قال: المغيرة بن شعبة، فجاء فشهد له. قال: فلم يمضِ له عمر ذلك، كأنه لم يقبل شهادته! فأغلظ العبَّاس لعمر، فقال عمر: يا عبد الله! خذ بيد أبيك. وقال ابن سعد: قال سفيان عن غير عمرو: قال عمر: والله! يا أبا الفضل، لأنا بإسلامك كنت آسرّ مني بإسلام الخطَّاب لو أسلم لمرضاة رسول الله -ﷺ-". قلتُ: محمد بن حرب المكّي، كنيته أبو عبد الله، وثَّقه العجلي، وأبو حاتم: انظر: "تاريخ الثقات" (ص ٤٠٢). و"الجرح والتعديل" (٧/ ٢٣٧). وذكره البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٦٩)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، لكنه قال: "أحاديثه مشهورة". وعمرو بن دينار، هو أبو محمد الأثرم الجُمَحيّ، مولاهم، المكي (ثقة ثبت). "التقريب" (ص ٧٣٤). وبقية رجاله ثقات، ولكن فيه علَّة انقطاعه: وهي أن مَنْ روى عنه سفيان لا يُعرف، فإنَّ ابن سعد قال: "وقال سفيان عن غير عمرو: قال عمر: "، وذكره ولم أعثر عليه عند غيره. أمَّا الانقطاع، فإنَّ محمدًا الباقر لم يسمع من عمر بن الخطاب ﵁. انظر: "جامع التحصيل" (ص ٣٢٧). وأخرج ابن سعد في "الطبقات" (٤/ ٣٠)، ومن طريقه ابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٦/ ٣٦٥)، من طريق المعلَّى بن أسد، عن وهيب، عن داود بن أبي هند، عن عامر أن العبَّاس تحفَّى عمر في بعض الأمر، فقال له: يا أمير المؤمنين! أرأيت لو جاءك عمّ موسى مُسْلِّمًا، ما كنت صانعًا؟ قال: كنت والله محسِنًا إليه. قال: فأنا عمُّ محمد النَّبيَّ -ﷺ- قال: "وما رأيك يا أبا الفضل؟ فوالله لأبوك أحبَ إلىَّ من أبي. قال: آلله، قال: آلله، قال: إني أعلم أنه أحبّ إلى رسول الله -ﷺ- من أبي، فأنا أُوثر حبَّ رسول الله على حُبِّي". المعلَّى بن أسد، ووُهيْب بن خالد (ثقتان ثبتان)، مضيا عند حديث رقم (٢٣١). وداود بن أبي هند، اسمه دينار بن عُذَافر، أبو محمد البصريّ، ويُقال: طهمان القُشيريّ مولاهم. قال أحمد: "ثقة ثقة". "تهذيب التهذيب" (٣/ ١٨٢). أخرج له مسلم والأربعة. أمَّا عامر، فهو عامر الأحول، واسمه عامر بن عبد الواحد البصري. قال يحيى بن معين: "عامر الأحول بصري، وهو ابن عبد الواحد، وكلُّ عامرٍ يروي عنه البصريون ليس غيره". "تعجيل المنفعة" (ص ٢٤٥) وهو مختَلفٌ فيه: =
[ ٢ / ٥٦٤ ]
٣٠١ - وعن الليث بن سعد، عن أبي الأسود محمد، عن عروة بن الزُّبير قال: "ذهب عبد الله بن الزُّبير ﵄ مع أُناس من بني زُهرة إلى عائشة ﵂، وكانت أرَقَّ شيء عليهم، لقرابتهم من رسول الله -ﷺ-". علَّقه البخاريُّ في مناقب قريش من "صحيحه" (^١)، ووصله بعده سواء، لكن بدون القصد منه هنا، فقال:
حدَّثنا عبد الله بن يوسف، ثنا الليث، حدَّثني أبو الأسود، عن عروة بن الزُّبير قال:
"كان عبد الله بن الزُّبير ﵄ أحبّ البشرِ إلى عائشَة ﵂ بعد النَّبيِّ -ﷺ- وأبي بكر. وكان أبرَّ الناس بها، وكانت لا تُمْسك شيئًا مما جاءها من رزق الله إلَّا تصدَّقت! ". فقال ابنُ الزُّبير: "يَنْبَغي أن يؤخذ على يديها".
فقالت: "أيُوخَذُ على يديّ؟ عليَّ نذرٌ إنْ كلَّمتُه". فاستشفع لها برجال من قريشٍ وبأخوال رسول الله -ﷺ- خاصَّة، فامتنعتْ. فقال له الزُّهْريون أخْوَالُ النَّبيِّ -ﷺ-
_________________
(١) = قال الإمام أحمد: "ليس هو بالقوي في الحديث". وقال مرة: "ليس بالقوي، وهو ضعيف". وقال الحُسينِي في "الإكمال" (ص ٢٢٢): "مجهول". وقال في "التذكرة" (٢/ ٧٩٣) تبعًا لشيخه المِزِّي في "تهذيب الكمال" (١٤/ ٦٥): "ليس بمشهور" وتعقَّبه ابن حجر في "تعجيل المنفعة" (ص ٢٤٥) بقوله: "قلت: بل عامر بن عبد الواحد المشهور". ووثَّقه جماعةٌ الحفَّاظ، قال ابن معين: "ليس به بأس". وقال أبو حاتم: "هو ثقة لا بأس به". "الجرح والتعديل" (٦/ ٣٢٦). وقال ابن عدي: "لا أرى بروايته بأسًا". "مختصر الكامل" رقم (١٢٥٨). قال الحافظ في "التقريب" (ص ٤٧٧): "صدوق يُخطئ". وعلى كلٍّ فهو منقطع، فإنَّ عامرًا الأحول الظاهر أنه لم يسمع من عمر ﵁، فقد ذكر الحافظ في "التقريب" أنه يروي عن عائذ بن عمرو المزنيّ الصحابي ولم يُدركه، وكانت وفاة عائذ ﵁ سنة (٦١ هـ)، في ولاية عيد الله بن زياد، فكيف له أن يدرك عمر بن الخطاب؟ ! بل نقل في "تعجيل المنفعة" عن ابن أبي حاتم أنه يروي عن أبى الصِّدِّيق النَّاجي بكر بن عمرو، وكانت وفاته سنة (١٠٨ هـ)، وعمرو بن شعيب وكانت وفاته سنة (١١٨ هـ)، فبعيدٌ جدًّا سماعه من عمر بن الخطاب ﵁.
(٢) (٦/ ٥٣٣، مع الفتح)، رقم (٣٥٠٣)، معلقًا، كتاب المناقب، باب مناقب قريش. وانظر: "تغليق التعليق" (٤/ ٤٥).
[ ٢ / ٥٦٥ ]
- منهم عبد الرَّحمن بنُ الأسود بنِ عبد يَغُوْث، والمِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَة-: "إذا استأذنَّا فاقتحم الباب، فَفَعَل. فأرسل إليها بعشر رقاب فَأَعْتَقَتْهُم، ثم لم تزلْ تُعْتِقهُم حتى بلغتْ أربعين، وتالت: وددتُّ أنِّي جعلْتُ -حين حلَفْتُ- عملًا أعمله فأفرغ منه" (^١).
٣٠٢ - وقال رَزينُ بنُ عُبَيْدٍ (^٢): كنت عند ابن عبَّاسٍ ﵄ فأتى زينُ العابدين عليُّ بنُ الحسين، فقال له ابنُ عبَّاس: "مَرْحَبًا بالحبيب ابن الحبيب" (^٣).
٣٠٣ - وعن الشَّعْبيِّ قال: "صلَّى زيدُ بنُ ثابتٍ ﵁ على جنازةٍ، ثم قُرَّبتْ له بَغْلَتُهُ لِيَركَبَهَا، فجاء ابنُ عبَّاسٍ ﵄ فأَخَذَ بركابه". فقال زيدٌ: "خَلِّ عنه يا ابنَ عمِّ رسول الله -ﷺ-".
فقال: "هكذا نَفْعَلُ بالعُلَماء"، فقبَّل زيدٌ يَدَ ابنِ عبَّاسٍ وقال: "هكذا أمِرْنَا أنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ نبيِّنَا" (^٤).
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٦/ ٥٣٣، مع الفتح)، رقم (٣٥٠٥)، كتاب المناقب، باب مناقب قريش.
(٢) في (م): زر بن عبيد! !
(٣) إسنادُهُ صحيحٌ. أخرجه أحمد في "الفضائل" (٢/ ٧٧٧)، رقم (١٣٧٧)، من طريق يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن رَزين بن عُبيْد، قال: كنت عند ابن عباس وذكره. يحيى بن آدم، هو ابن سليمان الكوفي، أبو زكريا مولى بني أمية (ثقة حافظ فاضل). "التقريب" (ص ١٠٤٧)، ورزين بن عُبيد هو العبْدي. روى عن ابن عبَّاس، وتفرَّد بالرِّواية عنه أبو إسحاق كما في "المنفردات والوحدان"، للإمام مسلم (ص ١٣٧). قال العجلي: "كوفي تابعي ثقة". "الثقات" له (ص ١٦٠). ووثقه ابن حبان (٤/ ٢٤٠). وذكره البخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٣٢٤)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/ ٥٠٧)، ولم يذكرا فيه شيئًا. وبقية رجاله ثقات، سبقوا مرارًا. وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٥/ ٢١٣)، بإسنادٍ صحيح، قال: أخبرنا الفضل بن دُكين، قال حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حُريث قال: كنت عند ابن عبَّاسٍ وأتاه عليّ بن الحسين فقال: فذكره. العيزار بن حُرَيْث، هو العبْدي الكوفيّ. (ثقة). "التقريب" (ص ٧٦٦). وبقية رجاله ثقات.
(٤) أورده القاضي عياض في "الشِّفا" (٢/ ٤٢)، كما عزاه له المصنِّف، وسيأتي الكلام عليه قريبًا.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
٣٠٤ - وعن عبد الله بن حسن بن حسن (^١) قال:
"أتيتُ عُمَرَ بنَ عبد العزيز ﵀ (^٢) في حاجةٍ لي، فقال لي (^٣): إذا كانت لك حاجة فأَرْسِلْ إليَّ، واكتُبْ بها، فإنِّي أستحيي من الله أن يراك على بابي" (^٤).
٣٠٥ - وعن أبي بكر بن عيَّاش ﵀ (^٥) قال:
"لو أتاني أبو بكر وعُمَرُ وعليٌّ ﵃ لبدأتُ بحاجة عليٍّ قبلهما، لقرابته من رسول الله -ﷺ-، وَلأنْ أَخِرَّ من السَّماءِ إلى الأرْضِ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أُقدُمَه عليهما". أورد الثَّلاثَة القاضي عِيَاضٌ في "الشِّفا" (^٦).
_________________
(١) تقدَّمت ترجمته (ص ٢٣٥).
(٢) تقدَّمت الإشارة إلى مصادر ترجمته.
(٣) (لي)، سقطت من (م).
(٤) أورده القاضي عياض في "الشِّفا" (٢/ ٤٢)، فصلٌ في توقيره وبر آله وذريته. . . كما عزاه له المؤلف. وسبق نحوه برقم (١٤١)، عند أبي الفرج الأصبهاني بسندٍ ضعيفٍ.
(٥) هو أبو بكر بن عيَّاش بن سالم الأسدي الكوفي المقرئ، مشهور بكنيته، والأصحُّ أنها اسمه. وهو يروي عن أجلَّة الناس، وحديثه فيه كثرة. روى عنه من الكبار جماعةٌ. كالثوري، وابن المبارك، وابن مهدي، وابن المديني، والطيالسي، وأحمد، وابن معين، وابنيْ شيبة. مات سنة (١٩٣ هـ). "تاريخ بغداد" (١٤/ ٣٧٤)، و"النبلاء" (٨/ ٤٩٥).
(٦) "الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى" (٢/ ٤٣)، فصلٌ في توقيره وبر آله وذريته وأمهات المؤمنين أزواجه. وقول ابن عيَّاش أخرجه الخطيب البغدادي في "التاريخ" (٤/ ٣٧٩)، في ترجمته قال: أخبرنا القاضي أبو العلاء الواسطي، حدَّثنا عمر بن أحمد الواعظ، حدَّثنا علي بن الحسين بن حرب القاضي، حدَّثنا أبو السُّكيْن زكريا بن يحيى قال: سمعت أبا بكر بن عيَّاش يقول: فذكره. قلتُ: وهذا إسنادٌ رجاله ثقات، إلَّا أبا العلاء القاضي الواسطي شيخ الخطيب، واسمه محمد بن علي بن أحمد بن يعقوب بن مروان، فهو ضيف لا يُعتمد على حفظه كما قال الحافظ في "اللسان" (٥/ ٢٩٤). واتَّهمه الخطيب بوضع حديثين. "تاريخ بغداد" (٣/ ٣١٠، ٣١٤)، وانظر: "الكشف الحثيث" (ص ٢٤٢). وعمر بن أحمد الواعظ، هو الإمام المشهور المعروف بابن شاهين (ثقة مأمون). "تاريخ بغداد" (١١/ ٢٦٥). وعلي بن الحسين بن حرب (ثقة فقيه جليل مشهور). "التقريب" (ص ٦٩٣). وأبو السُّكيْن (ثقة). "الكاشف" (١/ ٤٠٦). • ومما يَحْسُنُ التنبيه عليه ههنا. أن قول أبي بكر بن عيَّاش هذا -رغم ضعفه- لا يدل على=
[ ٢ / ٥٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
¬____
= تقديمه عليًّا على أبي بكر وعمر ﵃ في الأفضلية، والإجماع منعقدٌ عند أهل السُّنَّة والجماعة على تقديم الشَّيخين في كلِّ شيء.
فقد سبق في أنْ ذكرنا حديث ابن عمر ﵄ في "صحيح البخاري" (٣٦٥٥): "كنَّا نُخيِّر بين الناس في زمن رسول الله -ﷺ-، فنخيِّر أبا بكر، ثم عمر بن الخطَّاب، ثم عثمان بن عفان".
وعنه ﵁ في البخاري أيضًا (٣٦٩٧): "كُّنَّا لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النَّبي -ﷺ- لا نُفاضل بينهم".
ونحوه عند أبي داود (٤٦٢٨)، والترمذي (٣٧٠٧)، وأحمد في "المسند" (٢/ ١٤)، وفي "الفضائل" (٥٤، ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٥٨، ٥٩، ٨٥٧)، وابنه عبد الله في "السنة" (١٣٥٠، ١٣٥١، ١٣٥٢، ١٣٥٣، ١٣٥٤، ١٣٥٥، ١٣٥٧، ١٣٥٨، ١٣٥٩، ١٣٦٠، ١٣٦١). وأبي يعلى في "مسنده" (٥٦٠١، ٥٧٨٤)، والطبراني في "الكبير" (١٣١٣١، ١٣٣٣٢، ١٣٣٩١، ١٣٣٠١)، وفي الأوسط" (١٧١٣). وابن أبي عاصم في "السنة" (١١٩٠، ١١٩١، ١١٩٢، ١١٩٣، ١١٩٤، ١١٩٥، ١١٩٦)، وغيرهم.
وبوَّب الآجريُّ في "كتاب الشريعة" (٤/ ١٨٣٠): باب ذكر بيان تقدمة أبي بكر ﵁ على جميع الصَّحابة ﵁ في حياة رسول الله -ﷺ- وبعد وفاته. انظر الأرقام: (١٢٩١، ١٢٩٢، ١٢٩٣، ١٢٩٤، ١٢٩٥، ١٢٩٦، ١٢٩٧، ١٢٩٨، ١٢٩٩، ١٣٠٠، ١٣٠١، ١٣٠٢، ١٣٠٣).
وفي "صحيح البخاري" (٣٦٧١)، عن محمد بن الحنفية قال: "قلت لأبي: أيّ النَّاس خيرٌ بعد رسول الله -ﷺ- قال: أبو بكر، قلت: ثم مَنْ؟ قال: ثم عمر، وخشيتُ أن يقول عثمان! قلت: ثم أنت! قال: ما أنا إلَّا رجلٌ من المسلمين".
وهذا الأمر يكاد أن يكون متواترًا عن عليٍّ ﵁، بل نصَّ شيخ الإسلام في "منهاج السنة" (١/ ١١)، و(٢/ ٧٢)، على تواتره عنه من وجوه كثيرة. فقد روى عنه أبو جحيفة السُّوائي، وعمرو بن حُريث، وعبد خير الهمداني، وعبد الله بن سلمة، وعلقمة بن قيس، والنَّزَّال، وعلي بن ربيعة الوالبي، نحوه بأسانيد صحيحة وحسنة. انظرها عند:
أحمد في "المسند" (١/ ١٠٦، ١١٥، ١٢٥، ١٢٧، ١٢٨)، وفي "فضائل الصحابة" (٤٠، ٤١، ٤٣، ٤٤، ٤٥، ٥٠، ٦٠، ١٣٠، ١٣٩، ١٤٦، ٢٦٠، ٣٠٠، ٣٩٧، ٣٩٨، ٣٩٩، ٤٠٢، ٤٠٣، ٤٠٥، ٤٠٦، ٤٠٧، ٤٠٨، ٤٠٩، ٤١٠، ٤١١، ٤١٢، ٤١٣، ٤١٥، ٤١٧، ٤١٩، ٤٢٠، ٤٢١، ٤٢٢، ٤٢٣، ٤٢٥، ٤٢٦، ٤٢٨، ٤٢٩، ٤٣٠، ٤٣٨، ٤٣٩، ٤٤٠، ٤٤٦، ٥٤٥، ٥٤٦، ٥٤٧، ٥٤٨، ٥٤٩، ٥٥٤، ٥٥٦، ٥٧٤، ٥٨٠، ٦١٧، ٦٢١، ٦٣٥، ٨٧٤، ٨٧٥، ٨٧٦، ٨٧٧، ٥٥٢)، وابنه عبد الله في "زوائد المسند" (١/ ١٢٨)، وكذا في "السُّنة" له (١٣٦٢، ١٣٦٣، ١٣٧٠، ١٣٧١، ١٣٧٢، ١٣٧٤، ١٣٧٥، ١٣٧٦، ١٣٧٨، ١٣٧٩)، وأبي يعلى في "مسنده" (٥٤٠)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٧٧، ١٧٨)، و"الأوسط" (٩٩٦، ١٩٨٠)، وعلي بن الجعد في "الجعديات"
[ ٢ / ٥٦٨ ]
وأشار إلى أوَّلها ابنُ عبدِ البرِّ في "جامع العلم" له (^١)، فإنَّه قال:
"وروينا من وجوهٍ عن الشَّعبيِّ قال:
صلَّى زيدُ بنُ ثابتٍ ﵁ على جنازةٍ، ثم قُرِّبَتْ له بَغْلَتُهُ لِيَرْكَبَها، فجاء ابنُ عبّاس ﵄ فأَخَذَ برِكابه. فقال له
_________________
(١) = (٢١٢٨)، وابن أبي عاصم في "السنة" (١٢٠١، ١٢١٢، ١٢٠٣، ١٢٠٤، ١٢٠٥، ١٢٠٦، ١٢٠٧، ١٢٠٨)، وغيرهم. • وجاء عن علي بن أبي طالب أنه كان ينهى عن تقديمه على الشيخين ﵃ أجمعين: أخرج ذلك الإمام أحمد في "الفضائل" (١/ ٨٣)، رقم (٤٩)، وابن أبي عاصم في "السُّنة" (٢/ ٥٧٥)، رقم (١٢١٩)، من طريق محمد بن طلحة، عن أبي عُبيدة بن الحكم، عن الحكم بن جحل، عنه، ولفظه: "لا يُفضِّلني أحدٌ على أبي بكر وعمر إلَّا جلدته حدَّ المفتري". وأبو عُبيدة، واسمه أميّة بن الحكم. قال الذهبي في "الميزان" (١/ ٤٤٢): "لا يُعرف". وقال في "الميزان" (٧/ ٣٩٦): "قال يحيى بن معين: مجهول". وأخرج نحوه في "الفضائل" أيضًا (١/ ٣٣٦)، رقم (٤٨٤)، من طريق أبي معشر، عن إبراهيم النَخعي، عن علقمة بن قيس، عنه. وأبو معشر، هو نجيح بن عبد الرحمن المدني، مولى بني هاشم، مشهور بكنيته (ضعيف) كما في "التقريب" (ص ٩٩٨). روى له الأربعة. ويمكن أن يقوِّي أحدهما الآخر. وانظر للاستزادة في هذه القضية: "شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة" للالكائي (٨/ ١٤٦٩ وما بعدها)، و"السُّنَّة" للخلَّال (٢/ ٣٧١ وما بعدها)، و"منهاج السنة" لابن تيمية (١/ ١١)، و(٢/ ٧٣)، و"فتح البارى" (٧/ ١٦، ١٧). ويظهر والله أعلم أن هذا الكلام لم يثبت عن أبي بكر بن عيَّاش، فقد سبق الإشارة إلى ضعفه يُضاف إلى ذلك ما رواه الخطيب البغدادي في "التاريخ" (١٤/ ٣٧٨)، عن الحسن بن عيسى قال: "كان ابن المبارك يُعظِّم الفضيْل وأبا بكر بن عيَّاش، ولو كانا على غير تفضيل أبي بكر وعمر لم يُعظِّمهما". ولذا علَّق العلَّامة ملا علي قاري رحمه الله تعالى على قوله: "ولأنْ أخِرَّ من السَّماء إلى الأرْض أحبُّ إليَّ من أن أُقدِّمَه عليهما"، بقوله: "أي في الأفضلية، فدَفَعَ توهُّم التفضيل في القضية، ثم فيه إنه يجب على التاج أن يُقدِّم من قدَّمه المتبوع. ولذا أذِنَ عمر ﵁ بالدخول لبلال وسلمان قبل العبَّاس وأبي سفيان رضي الله تعالى عنهم حين اجتمعوا على باب عمر! فقال أبو سفيان للعبَّاس: أتريد أن يُقدِّمَ علينا الموالي؟ ! فقال العبَّاس: الذَّنب منَّا حيث تأخَّرْنا فيما كان يجب التَّقدُّم علينا. وهذا الذي قال ابن عيَّاش رأيٌ له، وإلَّا فالجمهور على أن الأفضل يستحقّ التقديم في كلِّ شيء، فتأمَّل". اهـ. كلام القاري. انظر: "شرح الشِّفاء" (٢/ ٨٧، ٨٨).
(٢) (١/ ٥١٤)، رقم (٨٣٢).
[ ٢ / ٥٦٩ ]
زيد (^١): "خلِّ عنه يا ابنَ عمِّ رسولِ اللهِ -ﷺ-". فقال ابنُ عبَّاسٍ: "هكذا نَفْعَلُ بالعُلَمَاءِ والكبَراءِ" (^٢).
_________________
(١) (زيد)، سقطت من (م).
(٢) إسنادُهُ صحيحٌ، رجالُهُ ثقاتٌ. أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٢/ ٣٦٠)، والطبراني في "الكبير" (٥/ ١٠٧)، رقم (٤٧٤٦)، من طريق أبي نُعيم الفضل بن دُكين، عن رَزين بيَّاع الرُّمَّان، عن الشَّعبيِّ به، دون ذكر صلاة زيد بن ثابت على الجنازة، ولا تقيل يد ابن عبَّاس. والفسويّ في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٤٨٤)، ومن طريقه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ١٩٧)، و(٨٥٤)، وابن عساكر في "التاريخ" (١٩/ ٣٢٦)، من طريق عبيد الله بن موسى وأبي نُعيم به، والطبري فيما عزاه له الحافظ في "الفتح" (١١/ ٥٧). قلتُ: رَزين بيَّاع الرُّمان، هو رَزين بن حبيب الجهنيّ الكوفيّ الرُّمَّاني، وثَّقه أحمد، ويحيى بن معين، كما قال الحُسيني في "التذكرة" (١/ ٤٨٨). أخرج حديثه الترمذي، وأحمد. وبقة رجاله أئمة ثقات مشهورون. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٣٥٤): " ورجاله رجال الصحيح، غير رَزين الرُّماني وهو ثقة". وساقه الحافظ في "الإصابة" (٢/ ٤٩١)، من طريق الفسوي، وقال: "بإسناد صحيح". وأخرجه الخطيب في "الجامع" (١/ ٢٨٣)، رقم (٣١٠)، وابن عساكر في "التاريخ" (١٩/ ٣٢٦)، من طربق قبَيصة بن عُقبة، عن سفيان، عن رَزين به، ولم يذكر الجنازة. قُبيصة بن عُقبة، هو أبو عامر الكوفي السُّوائي. قال فيه ابن معين: ثقة في كلِّ شيء إلّا في حديث سفيان، فإنه سمع منه وهو صغير! "التهذيب" (٨/ ٣٠٣). قال في "التقريب" (ص ٧٩٧): "صدوق ربما خالف". قلتُ: أخرج له الجماعة، وله في "صحيح البخاري" ثمانية أحاديث عن سفيان الثوري، فلا يُلتفت إلى كلام ابن معين. وانظر: "التعديل والتجريح" لأبي الوليد الباجي (٣/ ١٠٦٧). وبقية رجاله مضى ذكرهم. وسفيان هو الثوري. وأخرجه ابن سعد أيضًا (٢/ ٣٦٠)، والحاكم (٣/ ٤٧٨)، رقم (٥٧٨٥)، وابن عساكر في "التاريخ" (١٩/ ٣٢٥) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري، عن محمد بن عمرو [ووقع في "الطبقات" (محمد ابن عمر) وهو غلط، وسيأتي في التخريج مزيد بيان"]، عن أبي سلمة، عن ابن عبَّاس، لكنه قال: "هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا". قال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وإسنادُهُ صحيحٌ أيضًا. محمد بن عبد الله الأنصاري، هو أبو عبد الله البصري القاضي، من أحفاد أنس بن مالك ﵁، أخرج حديثه الجماعة. قال في "التقريب" (ص ٨٦٥): "ثقة". ومحمد بن عمرو، وليس (ابن عمر)، هو ابن علقمة بن وقاص الليثي، وثَّقه النسائي، وابن المديني، ويحيى القطان، وأبو حاتم. تقدِّم برقم (١٦٢). وأبو سلمة، هو ابن عبد الرحمن بن عوف القرشي (ثقة مكثر). تقدّم برقم (١٦٢). =
[ ٢ / ٥٧٠ ]
قال ابنُ عبد البرِّ (^١): "وزاد بعضهم في هذا الحديث: أن زيدَ بنَ ثابتٍ كافَأَ ابنَ عبَّاسٍ على أخْذِهِ بِرِكَابِهِ أنْ قَبَّلَ يَدَهُ وقال: (هكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بأَهْلِ بَيْتِ نبِيِّنا -ﷺ-) ".
قال: "وهذه الزِّيادة مِنْ أهل العلم من يُنكِرُهَا (^٢).
_________________
(١) = وابن عساكر في "التاريخ" (١٩/ ٣٢٦)، من طريق مِنْجَاب، عن علي بن مُسْهر؛ عن رَزين به. مِنْجَاب، هو ابن الحارث التميمي (ثقة). "التقريب" (ص ٩٧٠). وعلي بن مُسْهر، هو القرشي الكوفي، قاضي الكوفة (ثقة له غرائب بعد ما أضرَّ). "التقريب" (ص ٧٠٥).
(٢) "جامع بيان العلم وفضله" (١/ ٥١٤).
(٣) الظاهر والله تعالى أعلم أن هذه الزِّيادة في القصَّة (تقبيل زيدٍ يد ابن عبَّاسٍ) غير ثابتةٍ ولا محفوظة، فهي منكرة، فإني لم أجدها في جميع المصادر التي خرَّجتُ منها القصَّة. وقد أخرجها ابن المقرئ في "جزئه تقبيل اليد" رقم (٣٠)، ومن طربقه ابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (١٩/ ٣٢٦)، من طريق أحمد بن علي بن زيد، عن الحسن بن داود الأحمر، عن حماد بن سلمة، عن عمَّارِ بن أبي عمَّار، أن زيد بن ثابت ركب يومًا فأخذ ابن عبَّاس بركابه وفيه قول زيد: "أرنِي يَدَكَ، فأَخرَجَ يَدَهُ فقبَّلها". قلتُ: وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، فيه مجاهيل، والزِّيادة منكرة. محمد بن على، وأبو يشْجُب، وعلي بن محمد بن شبيب، وأحمد بن علي بن زيد، والحسن بن داود الأحمر، لم أجد لهم ترجمة. وحمَّاد بن سلمة، إمام مشهور (ثقة عابد)، لكن تغيَّر حفظه بأخرة، تقدَّم عند حديث (١٣٢). وعمَّار بن أبي عمَّار مولى بنىِ هاشم، وثَّقه أحمد، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن حبان وقال (٥/ ٢٦٧): "كان يُخطئ". وانظر: "تهذيب التهذيب" (٧/ ٣٤١). ولذا قال الحافظ في "التقريب" (ص ٧١٩): "صدوق ربما أخطأ". وأورد له البخاريُ حديثًا في "الأوسط"، كما قال الحافظ [المطبوع باسم: التاريخ الصغير] (١/ ٥٥)، عن ابن عبّاس في سنِّ النَّبي -ﷺ- وقال: ". . . ولا يُتابع عليه، وكان شعبة يتكلَّم في عمَّار". • ويدلُّ على نكارنها وأنها غير محفوظة، أنها معلولة بما يلي: أولًا: عمَّار بن أبي عمَّار، وهو وإن كان موثَّقًا إلَّا أنه يُخطئ، ولم يُتابع على روايته، ومما يؤكِّد خطأه في هذه الزيادة أمور: (أ) أن الثقات الأثبات الذين رووا القصَّة عن ابن عبَّاس وزيد بن ثابت ﵃ وهما (عامر الشِّعبيّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن)، خالفاه جميعًا فلم يذكرا تقبيل يدِ ابنِ عبَّاس، وهما أوثق من عمَّار بن أبي عمَّار بلا شك. (ب) أن الذي روى القصَّة عن الشَّعبيِّ أيضًا، وهو رَزين الرُّماني، لم يذكر هذه الزيادة. (ج) وكذلك رواها عن رزين جماعةٌ من الحفاظ وهم (الفضل بن دُكين، وعبيد الله بن موسى، =
[ ٢ / ٥٧١ ]
"والجنازة كانت جنازة أُمِّ زيد بن ثابت، صلَّى عليها زيدٌ وكبَّر أربعًا؛ وأخذ ابنُ عبّاس بِرِكَابِهِ يومئذ"، انتهى (^١).
٣٠٦ - ونحو ثانيها، ما ثَبَتَ من حديثِ يعلى بنِ حكيمٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عبَّاس ﵄ أنَّه قال:
"إنْ كان لَيَبْلُغُني الحديثُ عن الرَّجلِ -يعني من أصحاب النَّبيِّ ﷺ- فآتيه وهو قائلٌ؛ فَأَتَوسَّدُ ردائي على بابه، فتسْفِي الرِّيحُ على وجْهي التُّرَابَ، فيَخْرجُ فيراني
_________________
(١) = وسفيان الثوري، وعلي ابن مُسْهِر)، ولم يذكر أحدٌ هذه الزيادة. ثانيًا: أنَّ الذي روى هذه الزيادة عن عمَّار هو حمَّاد بن سلمة، وهو وإنْ كان ثقة إلَّا أنه تغيَّر حفظه بأخرة. وقد رواه عنه الحسن بن داود الأحمر، وهو لا يُعرف، لم أقف له على ترجمة. ثالثًا: يُضاف إلى ما سبق أن رواية عمَّار بن أبي عمَّار عند ابن المقرئ مسلسلة بالمجاهيل الذين لا يُعرفون! ومن هذه حاله يأتي بالمناكير! ويخالف الثقات الأثبات. والله تعالى أعلم بالصواب. • تنبيه: عزا الشيخ ابن بدران رحمه الله تعالى في "تهذيب تاريخ دمشق" (٥/ ٤٥١، ٤٥٢)، هذا الحديث إلى ابن عساكر من طريق أبي سلمة عن ابن عبّاس وأنَّ فيها تقبيل زيد بن ثابت يد ابن عبَّاس، وهو وَهْمُ منه ﵀، فلم أجد هذه الرِّواية من هذا الطريق بهذه الزيادة في "تاريخ ابن عساكر" المطبوع، وإنما هي من طريق ابن المقريء عن عمَّار بن أبي عمَّار عن ابن عباس. أقول: ومن أنكر رُوي في تقبيلِ اليدِ الإمامُ مالكُ بن أنس رحمه الله تعالى كما حكاه عنه شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في "مختصر الفتاوى المصرية" (ص ٥٦٤)، وابن حجر في "الفتح" (١١/ ٥٦). قال الأبهريْ من المالكية: "وإنما كرهها مالك إذا كانت على وجه التكبُّر والتعظُّم، وأما إذا كانت على وجه القُرْبة إلى الله لدينه، أو علمه، أو لشرفه، فإنَّ ذلك جائز". "فتح الباري" (١١/ ٥٧). ومن ذهب إلى ذلك أيضًا: أبو عمر ابن عبد البرِّ كما نقله ابن مفلح عنه، أنه قال: "كان يُقال: تقبيل اليد إحدى السَّجدتين". انظر: "الآداب الشرعية" (٢/ ١٧٨). • ومما يجدر التَّنْبيه عليه في هذا الصَّدد: أن القول بنكارة هذه الزيادة لا يعني إنكار جميع ما ورد في الباب، فقد جاء من طرق صحيحةٍ وحسنةٍ تقبيلُ بعضِ الصَّحابة يد النَّبي -ﷺ-، كما فعل ذلك مَنْ قدم من غزوة مؤتة. ونحوه جاء عن بعض الصَّحابة الكرام مع بعضهم بعضًا، كتقبيل أبي عُبيدة يد عمر بن الخطاب ﵄. ولذا رخَّص فيه أكثر الفقهاء كأحمد وغيره لمن فعل ذلك على وجه التديُّن، لا على وجه التعظيم للدُّنيا. انظر: "مختصر الفتاوى المصرية". (ص ٥٦٣)، و"فتح الباري" (١١/ ٥٧)، ومقدمة تحقيق "جزء ابن المقرئ" للشيخ الحدَّاد (ص ٢٨) وما بعدها).
(٢) انظر: "جامع بيان العلم وفضله" (١/ ٥١٤).
[ ٢ / ٥٧٢ ]
فيقولُ: يا ابن عمِّ رسولِ الله -ﷺ-! ما جاء بك؟ أَلَا أَرسَلتَ إليَّ فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أَحَقُّ انْ آتيك. . ."، وذكر القصَّة (^١).
٣٠٧ - وقالت فاطمة ابنة عليِّ بنِ أبي طالبٍ (^٢):
_________________
(١) إسنادُهُ صحيحٌ. أخرج القصة بطولها ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/ ٣٦٧)، والدارمي في "سننه" (١/ ١٥٠)، رقم (٥٧٠)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ١٨٨)، و(٣/ ٦١٩)، رقم (٣٦٣، ٦٢٩٤)، والحسن الحلواني في "كتاب المعرفة" له، كما عزاه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (١/ ٣٦٥، رقم (٥٠٧)، وأبو بكر الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (١/ ٢٣٤)، رقم (٢١٩)، باب آداب الاستئذان على المحدِّث، كلُّهم من طرقٍ عن يزيد بن هارون، عن جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم به، ولفظه عن ابن عباس قال: "لمَّا قُبِضَ رسول الله -ﷺ- قلت لرجل من الأنصار: هلُمَّ فلْنسأل أصحاب رسول الله -ﷺ- فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبّا لك يا ابن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك (وفي بعض الطرق: يحتاجون)، وفي الناس من أصحاب رسول الله -ﷺ- من فيهم؟ ! قال: فترك ذلك، وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله -ﷺ- عن الحديث، فإن كان ليبلغني. . ." الحديث. وفي آخره، قال ابن عبَّاس: "فعاش ذلك الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألوني. قال: هذا الفتى كان أعقل مني". قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. وأخرجها عبد الله بن أحمد في "زوائد الفضائل" (٢/ ٩٧٦)، رقم (١٩٢٥)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٠/ ٢٤٤)، رقم (١٠٥٩)، من طريق وهب بن جرير، عن أبيه، عن يعلى به، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٢٧٧): ". . . ورجاله رجال الصحيح". والفسوي في "المعرفة" (١/ ٥٤٢)، من طريق أحمد بن منيع، عن يزيد بن هارون به. وهذا إسنادٌ رجاله كلُّهم ثقات. يزيد بن هارون، هو ابن زاذان السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي (ثقةٌ متقن عابد)، أخرج حديثه الجماعة. "التقريب" (ص ١٠٨٤). وجرير بن حازم، هو ابن زيد الأزدي (ثقة، لما اختلط حجبه ولده). روى له الجماعة. "الكاشف" (١/ ٢٩١). ويعلى بن حكيم الثقفي مولاهم المكي (ثقة)، أخرج له البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن سوى الترمذي. "التقريب" (ص ١٠٩٠). ووهب بن جرير- في إسناد عبد الله والطبراني- (ثقة). تقدَّم عند رقم (٢٥٣). وأحمد بن منيع -في إسناد الفسوي- (ثقة حافظ)، أخرج له الجماعة. "التقريب" (ص ١٠٠).
(٢) هي فاطمة بنت علي بن أبي طالب، القرشية الهاشمية، وهي فاطمة الصغرى. روت عن أبيها =
[ ٢ / ٥٧٣ ]
"دخلتُ على عمرَ بنِ عبد العزيز وهو أمير المدينة، فأَخرجَ مَنْ عنده وقال:
يا ابنة عليٍّ! والله ما على ظهر الأرضِ أَهْلُ (^١) بَيْتٍ أَحَبُّ إليَّ منكم، ولأنتِ أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي" (^٢).
٣٠٨ - وحكى صاحب "المجالسة" (^٣) أن أبا عثمان النَّهْديَّ (^٤) ﵀ وكان من ساكني (^٥) الكوفة، لمَّا قُتِلَ الحُسَيْنُ بنُ عليٍّ ﵄ تحوَّل إلى
_________________
(١) = وقيل لم تسمع منه، وعن أخيها محمد ابن الحنفية، وأسماء بنتت عُميس. وعنها الحارث بن كعب، والحكم بن عبد الرحمن بن أبي نعم. ماتت سنة (١١٧ هـ)، وقد جاوزت الثمانين. "تهذيب الكمال" (٣٥/ ٢٦١)، و"التقريب" (ص ١٣٦٧)، و"أعلام النساء" (٤/ ٨١).
(٢) (أهل) سقطت من (ز)، دون سائر النُّسخ.
(٣) لم أقف له على إسنادٍ لأحكمَ عليه. والخبر ذكره السَّمْهودي في "جواهر العقدين" (ص ٣٨٩)، وابن حجر الهيتمي في "الصواعق المحرقة" (٢/ ٥٢٣)، ولم يعزواه لأحد،، كما هو صنيع المؤلف.
(٤) "المجالسة وجواهر العلم" (٥/ ١٦٨ - تحقيق مشهور)، رقم (١٩٩٤)، من طريق ابن أبي الدُّنيا، عن محمد بن سلَّام، عن عبد القاهر بن السَّري، عن أبيه، عن جدِّه قال: كان أبو عثمان النَّهْدي. . . وذكره. وعبد القاهر بن السّري، هو السّلميّ، أبو رفاعة، ويُقال: أبو بشر البصريّ. أخرج له أبو داود، وابن ماجه. قال في "التقريب" (ص ٦١٨): "مقبول". وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٧/ ٩٧) قال: أخبرنا أبو غسَّان مالك بن إسماعيل النَّهديّ قال: كان أبو عثمان النّهديّ من ساكني الكوفة، ولم يكن له بها دار لبني نَهْدٍ، فلمَّا قُتل الحسين بن عليٍّ ﵇ تحوَّل فنزل البصرة وقال: "لا أسكن بلدًا قُتل فيه ابن بنت رسول الله -ﷺ-. وأبو غسَّان النّهْديَّ (ثقة متقن، صحيح الكتاب، عابد)، تقدَّم برقم (٦٧). وأورده المِزِّي في ترجمته من "تهذيب الكمال" (١٧/ ٤٢٧)، وابن حجر في "التهذيب"، وغيرهما.
(٥) في (م): المهديّ، وهو تصحيف. • وأبو عثمان النَّهْديَّ، تابعي جليل مخضرم، اسمه عبد الرحمن بن مَلّ، - بفتح الميم، ويجوز ضمّها وكسرها، بعدها لام ثقيلة- بن عمرو بن عدي، أدرك الجاهلية، وأسلم على عهد النَّبي -ﷺ- وصدَّق إليه، ولم يلقه، ثم هاجر إلى المدينة بعد وفاة أبي بكر الصديق ﵁. روى عن جماعة من كبار الصحابة. مات بالبصرة سنة (٩٥ هـ) وقيل بعدها، وعاش (١٣٠ سنة)، وقيل أكثر. أخرج حديثه الجماعة. "تهذيب الكمال" (١٧/ ٤٢٤) و"الإصابة في تمييز الصحابة" (٥/ ٨٤).
(٦) في (م): سكان.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
البصرة وقال (^١): "لا أسْكُنُ بلدًا قُتِلَ فيه ابنُ بنتِ النَّبيِّ -ﷺ- (^٢) ".
٣٠٩ - وعند القاضي عياضٍ (^٣) أن مالكًا ﵀ لمَّا تعرَّض له جعفر بن سليمان (^٤) والي المدينة ونال مه ما نال، وحُمِل مغشيًا عليه! دخل عليه الناس فأفَاق، فقال: "أُشْهدكم أني قد جَعَلْتُ ضاربي في حِلٍّ"، فسُئل بعد ذلك فقال:
"خِفْتُ أنْ أموتَ فأَلْقى النَّبيَّ -ﷺ-، فأَسْتحيي منه أن يَدْخُلَ بعضُ آله النَّارَ بسببي".
وقيل: إنَّ المنصورَ أقاده من جعفر، فقال له مالكٌ: "أعوذ بالله! واللهِ ما ارتفعَ منها سَوْطٌ عن جسمي إلَّا وقد جَعَلْتُهُ في حِلٍّ، لِقَرَابته من رسول الله -ﷺ-" (^٥).
٣١٠ - (^٦) وروينا عن أحمدَ بنِ حنبل أنَّه كان يُلامُ في تقريبه لعبد الرَّحمن بنِ صالح (^٧) لشيعيَّتِهِ فيقول: "سبحان الله! رجلٌ أَحَبَّ قومًا من أهْلِ بَيْتِ النَّبيِّ -ﷺ-؛
_________________
(١) في (م): فقال.
(٢) كذا بالأصل، و(ز)، بينما في (م)، و(ك)، و(ل)، و(هـ): ابن بنت رسول الله -ﷺ-.
(٣) في "الشِّفا" (٢/ ٤٢ - ٤٣).
(٤) هو جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، أبو القاسم العباسي، ابن عمِّ المنصور، كان من نبلاء الملوك جُودًا وبذْلًا، وشجاعة وعلمًا، وجلالة وسؤدُدّا. ولي المدينة، ثم مكة معها، ثم عُزل، فولِي البصرةَ للرشيد. قال المؤلف في "التحفة": وجعفر هذا هو الذي تجرَّأ على الإمام مالك، حين أفتى بأنَّ طلاق المكره ليس بشئ. مات سنة (١٧٤ أو ١٧٥ هـ). "سير أعلام النبلاء" (٨/ ٢٣٩)، و"التحفة اللطيفة" (١/ ٢٣٩).
(٥) انظر في سبب ضرب الإمام مالك، والتحقيق فيمن ضربه، ومتى كان ذلك الضرب، وكم سوطا ضُرب: "الديباج المذهب" لابن فرحون (ص ٧٦ - ٧٨).
(٦) من هنا إلى قوله: (فإنَّ لمثله ذخر القياما) سقط من (ز).
(٧) هو عبد الرحمن بن صالح الأزديّ العَتكيّ الرَّافضيّ الكوفيّ، مخلفٌ فيه، والأكثر على توثيقه وصدقه. فقد وثقه أحمد، ويحيى بن معين، وابن حبَّان، وموسى بن هارون. "تهذيب الكمال" (١٧/ ١٧٧)، و"تهذيب التهذيب" (٦/ ١٧٩). وقال أبو داود لمَّا سُئل عنه: "لم أرَ أن أكتب عنه، وضع كتاب مثالب أصحاب رسول الله -ﷺ-. وذكر مرَّةً أخرى فقال: "كان رجل سوء! ". "سؤالات الآجُرِّيّ" (٢/ ٣٠٢). قال أبو أحمد ابن عدي: "شيعي محترق، حرقتُ (وفي "المختصر" (ص ٥٠٠): خرقتُ) عامَّة ما سمعتُ منه، يروي أحاديث سوء في مثالب أصحاب رسول الله -ﷺ-". وقال في آخر ترجمته: =
[ ٢ / ٥٧٥ ]
وهو ثقة" (^١).
٣١١ - وفي "الجامع" (^٢) للخطيب، من طريقِ عبدِ الله بنِ أحمد ابنِ حنبل قال:
"رأيتُ أبي إذا جاءه الشَّيخُ والحَدَثُ من قريشٍ أو غيرهم من الأشرافِ، لا يَخْرُجُ من بابِ المسجدِ حتى يُخْرِجَهُم فيتقدَّمونَهُ (^٣)، ثمَّ يَخْرُج بعدهم" (^٤).
_________________
(١) = "معروف مشهور في الكوفيين، لم يُذكر بالضعف في الحديث، ولا اتُّهم فيه، إلَّا أنه كان محترقًا فيما كان فيه التَّشَيُّع". "الكامل" (٤/ ١٦٢٧). وقال عنه في ترجمة موسى بن عثمان الحضرمي: "هو صدوق في رواياته، إلَّا أنه غالٍ في جملة الكوفيين". "مختصر الكامل" (ص ٧١٧). وقال أبو حاتم الرَّازي: "صدوق". "الجرح والتعديل" (٥/ ٢٤٦). قلتُ: واعتمده الحافظ في "التقريب" (ص ٥٨٢)، وزاد: "يتشيَّع"؛ فلا لوم على الإمام أحمد في تقريبه إليه، طالما كان صدوقًا في حديثه.
(٢) إسنادُهُ صحيحٌ إلى الإمامِ أحمد. أخرجه أبو بكر الخطيب في "التاريخ" (١٠/ ٢٦١) قال: أخبرنا العَتِيقي، حدَّثني يوسف بن عمر القوَّاس، حدَّثنا محمد بن موسى الخلَّال، أخبرنا يعقوب بن يوسف المطوّعي قال: "كان عبد الرَّحمن بن صالح رافضيًّا، وكان يغشى أحمد بن حنبل فيُقرِّبه ويُدْنيه! فقيل له: يا أبا عبد الله! عبد الرَّحمن رافضيٌّ! فقال: سبحان الله! . . ."، فذكره. العَتِيقيّ شيخ الخطيب، هو أحمد بن محمد البغداديّ، تَرْجَمَهُ في "التاريخ" (٥/ ١٤٣) وقال: "كتبت عنه، وكان صدوقًا". ووثَّقه أبو القاسم الأزهري، والسمعانيّ، وابن ماكولا، والذهبي. "السِّيَر" (١٧/ ٦٠٢). ويوسف بن عمر القوَّاس، قال فيه الخطيب: "ثقة مأمون". "تاريخ بغداد" (١٤/ ٣٢٨). ومحمد بن موسى الخلَّال، أبو العبَّاس، قال فيه يوسف القوَّاس: كان من الثقات. "تاريخ بغداد" (٤/ ٩). ويعقوب المطوّعي، قال فيه الدَّارقطني: "ثقة، فاضل، مأمون". "تاريخ بغداد" (١٤/ ٢٩١)؛ فالإسناد صحيحٌ.
(٣) "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (١/ ٥٤٦)، رقم (٨٠١).
(٤) كذا بالأصل، و(ز). والعبارة في (م)، و(ك)، أو (ل)، و(هـ): حتى يخرجهم فيكون هم يتقدَّمونه. . . إلخ، وهو لفظ الخطيب في "الجامع".
(٥) إسنادُهُ حسنٌ. أخرجه في باب تعظيم المحدِّث الأشراف ذوي الأنساب، قال: أنا علي بن أحمد بن عمر المقرئ، أنا إسماعيل بن علي الخُطبيّ، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: . . . وذكره. علي المقرئ، هو=
[ ٢ / ٥٧٦ ]
٣١٢ - ومن طريق العبَّاس بن يوسف مولى بني هاشم، عن أبي يزيد أحمد ابن رَوْح القرشيِّ قال:
"كنَّا عند أحمدَ بنِ المُعَذَّل (^١)، إذ دخل محمَّدُ بنُ سليمان الهاشميُّ (^٢)، فقام إليه ابنُ المعذَّل، فقال له الهاشميُّ: "على مكانك يا أبا الفضْل".
فأنشأ ابنُ المعذَّل يقول:
أَقُومُ إِليْهِ إذا بَدَا لي وأُكْرِمُهُ وَأَمْنَحُهُ السَّلامَا
فلا تَعْجَب لإسْرَاعِي إِليْهِ فَإِنَّ لِمِثْلِهِ ذُخْرَ الْقِيَامَا (^٣)
_________________
(١) = المعروف بـ (ابن الحمَّامي) (صدوق). قال الخطيب: كتبنا عنه، وكان صدوقا، ديِّنا، فاضلًا، حسن الاعتقاد. "تاريخ بغداد" (١١/ ٣٢٨). وإسماعيل الخطبيّ، قال فيه الدَّارقطني: ثقة. وقال الخطيب: كان شيخًا ثقةً نبيلًا. "تاريخ بغداد" (٦/ ٣٠٢ - ٣٠٣). وعبد الله ابن الإمام أحمد (إمام ثقة شهور). انظر: "تهذيب الكمال" (١٤/ ٢٨٤).
(٢) هكذا بالأصل، و(م)، و(ك)، و(هـ): (المُعَذَّل) بالمعجمة، وهو الصواب. ووقع في (ل): (المعدّل) بالمهملة، ووقع في "الجامع" المطبوع: (المعدِّل!). • و(المُعَذِّل) - بضم الميم وفتح العين وتشديد الذال المعجمة وفتحها؛ هكذا ضبطه ابن ماكولا في "الإكمال" (٧/ ٢١١)، وابن نقطة في "تكملة الإكمال" (٥/ ٣٧٨)، وابن حجر في "تبصير المنتبه" (٤/ ١٢٩٩). وهو أحمد بن المُعَذَّل بن غيلان العبديّ البصريّ، شيخ المالكية. تفقَّه بعبد الملك بن الماجشون، ومحمد بن مسلمة. وعنه إسماعيل القاضي، ويعقوب بن شيبة. كان من بحور الفقه، صاحب تصانيف وفصاحة وبيان. قال ابن حبان: "وكان أبو خليفة من إعجابه بمذهب مالك؛ إذا رأى من يتفقَّه من أهل بغداد يقول: (أحمدُنا أفقه من أحمدِكم!). يريد أن أحمد بن المعذَّل أفقه من أحمد بن حنبل، وهيهات! أفقه الرجلين مَنْ كان أعلم بحديث رسول الله -ﷺ-، ولا شكَّ في أن أحمد بن حنبل أعلم بسنَّة رسول الله -ﷺ- من مائتي أحمد بن المعذَّل! فابن حنبل أفقه الرجلين وأعلمهما". اهـ. قال الذهبي: لم أقف له على وفاة. "الثقات" (٨/ ١٦)، و"النبلاء" (١١/ ٥١٩).
(٣) هو محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عبّاس القرشي الهاشمي، أمير البصرة. وُلِد سنة (١٢٢ هـ). ولَّاه المنصور والمهدي والرَّشيد. أورده ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٣٧٥). مات سنة (١٧٣ هـ). "تاريخ بغداد" (٥/ ١٨٨).
(٤) إسنادُ الخبرِ حسنٌ، لولا جهالة أحمد بن روْح. أخرجه الخطيبُ في "الجامع" (١/ ٥٤٧ - ٥٤٨) في الباب المتقدِّم، من طريق القاضي أبو محمد الحسن بن الحسين بن رامين الإستراباذي، عن أحمد بن جعفر القطيعي، عن العباس بن يوسف به.=
[ ٢ / ٥٧٧ ]
٣١٣ - وفي "المجالسة" (^١) من طريق المدائنيِّ قال:
بينما محمد بن علي بن الحسين في فناء الكعبة أتاه أعرابيٌّ فقال له: "هل رأيتَ الله حيثُ عَبَدْتَهُ"! ". فأطرق، وأطرق مَنْ كان حوله! ثم رفع رأسه إليه فقال: "مَا كنتُ أَعْبُدُ شيئًا لم أره".
فقال (^٢): "وكيف رأيتَهُ؟ ! ".
قال: "لم تَرَه الأبصارُ بمشاهدة العيان؛ ولكن رَأَتْهُ القلوبُ بحقائقِ الإيمان. لا يُدْرَك بالحَوَاس، ولا يُقاس بالنَّاس. معروفٌ بالآيات، منعوتٌ بالعَلَامَات. لا يَجُورُ في قضيَّته، بَانَ من الأشياء، وبَانَتْ الأَشياءُ منه. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٣)، ذلك الله الذي لا إله إلَّا هو". فقال الأَعرابيُّ: " ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (^٤) ".
_________________
(١) = القاضي الإستراباذي تَرْجَمَهُ الخطيب في "تاريخه" (٧/ ٣١١) وقال: "كتبتُ عنه، وكان صدوقًا فاضلًا صالحًا". وأبو بكر القطيعيّ (صدوق في نفسه، مقبول، تغيَّر قليلًا) كما قال الذهبي في "الميزان" (١/ ٢٢١) والعبَّاس بن يوسف، هو الشِّكلِيّ، ذكره الخطيب في "التاريخ" (١٢/ ١٥٢) ولم يذكر فيه شيئًا، سوى أنه قال: "كان صالحًا متنسِّكًا". ومثله السَّمعاني في "الأنساب" (٣/ ٤٤٩). وأحمد بن روْح القرشي لم أجد له ترجمة بهذا الاسم، ولعلَّه أحمد بن روح المصري البزاز، وإنْ كان هو فقد مضى كلام الذَّهبيِّ عنه عند حديث (١٤٤): "بغدادي يُجهل! "، وإلَّا فالله تعالى أعلم.
(٢) (٥/ ٣٩٥ - تحقيق مشهور) - رقم (٢٢٥٧) من طريق محمد بن موسى بن حمَّاد، عن محمد بن الحارث، عن المدائني قال: وذكره. وإسنادُهُ ضعيفٌ. فيه محمد بن موسى بن حمَّاد البربري. قال الدارقطنيُّ: "ليس بالقوي". "اللسان" (٥/ ٣٩٤). وقال الحافظ الذَّهبيُّ في "سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٩١) عقب ذكره كلامَ الدَّارقطنيِّ السابق: "قلت: غيره أتقن منه".
(٣) في (م): قال.
(٤) الشورى (آية: ١١).
(٥) الأنعام (آية: ١٢٤) هكذا وردت الآية في سائر النُّسخ، وأشار محقِّق "المجالسة" أنه كذلك في الأصل؛ وهي قراءة متواترة. قال ابن الجزري في "النشر في القراءات العشر" (٢/ ٢٦٢): (واختلفوا في ﴿رِسَالاتِهِ﴾، فقرأ ابن كثير وحفص: ﴿رِسَالَتَهُ﴾ بحذف الألف بعد اللام، ونصب التاء على التوحيد. وقرأ الباقون بالألف وكسر التَّاء على الجمع". وانظر: "التيسير في القراءات السبع" لأبي عمرو الدَّاني (ص ٨٨).
[ ٢ / ٥٧٨ ]
٣١٤ - وكذا فيها (^١) من طريق المدائنيِّ -أيضًا- قال:
قارف الزُّهريُّ (^٢) ذَنْبًا فَاسْتَوْحشَ من ذلك؛ فَهَامَ (^٣) على وجهه! فقال له زينُ العابدين علي بن الحسين: "يا زُهْرِيُّ! قُنُوطُكَ مِنْ رحمةِ الله التي وَسِعَتْ كلَّ شيء أعْظَمُ عليك مِنْ ذَنْبك".
فقال الزُّهرِيُّ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (^٤)؛ فرجع إلى أهله وماله" (^٥).
٣١٥ - وقال الواقديُّ: حدَّثني ابنُ أبي سَبْرة، عن سالمٍ مولى أبي جعفر قال:
_________________
(١) "المجالسة وجواهر العلم" (٦/ ١٥٩ - تحقيق مشهور) - رقم (٢٤٩٩) من طريق محمد بن موسى، عن محمد بن الحارث، عن المدائني به. وأخرجه من طريقه ابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (٤١/ ٣٩٨) في ترجمة زين العابدين. وأورده ابن كثير في "البداية والنهاية" (٩/ ١١٣) من طريق المدائنيِّ.
(٢) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، أحد الأئمة الأعلام. انظر ترجمته في: "الجرح والتعديل" (٨/ ٧١)، و"المعرفة والتاريخ" (١/ ٦٢٠)، و"تهذيب الأسماء واللغات" (١/ ٩٠)، و"تذكرة الحفَّاظ" (١/ ١٠٨)، و"النبلاء" (٥/ ٣٢٦)، و"شذرات الذهب" (١/ ١٦٢).
(٣) الهائِمُ: هو الإنسان المتحيِّر في الأمر، يُقال: هام في الأمر يَهِيم، إذا تحيَّر. "النهاية" (٥/ ٢٨٩) - مادة (هَيَمَ).
(٤) الأنعام (آية: ١٢٤).
(٥) إسنادُهُ ضعيفٌ، وهو منقطعٌ. انظر الأثر السابق. والمدائني صدوق في أخباره عند الذَّهبيِّ كما في "السِّير" (١٠/ ٤٠٠). وقال ابن عدي: "ليس بالقوي في الحديث". انظر: "مختصر الكامل" (ص ٥٦٦). وعلى كلٍّ فبينه وبين الزُّهريِّ راوٍ لم يُسَمِّه هنا، وقد جاء مصرَّحًا به في رواية ابن سعد التي: أخرجها في "الطبقات الكبرى" (٥/ ٢١٤)، ومن طريقه ابن عساكر في "التاريخ" (١٤/ ٣٩٨) من طريق علي بن محمد، عن يزيد بن عياض، عن ابن شهاب به. وفيه أن عليَّ بن الحسين قال له: "يا ابن شهاب! قنوطك أشدّ من ذنبك، فاتَّق الله واستغفره، وابعث إلى أهله بالدِّية، وارجع إلى أهلك"؛ فكان الزهريّ يقول: "علي بن الحسين أعظم الناس عليَّ منَّة". وهو بهذا الإسناد واهٍ. آفته يزيد بن عياض، وهو ابن جُعْدُبَة اللَّيثيّ؛ كذَّبه الإمام مالك، والنسائي، وابن حزم. انظر: "الكشف الحثيث" رقم (٨٤٤)، و"التهذيب" (١١/ ٣٠٧)، و"تجريد أسماء الرُّواة" رقم (٧٢٩). وعلي بن محمد، هو أبو الحسن المدائنيّ الأخباريّ الشَّهير، وهو صدوق كما قال الذَّهبيُّ.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
كان هشامُ بنُ إسماعيل (^١) يُؤْذي زينَ العابدين على بنَ الحسين وأهْلَ بيته، يخطب بذلك، وينال من عليٍّ! فلمَّا وَلِيَ الوليدُ بنُ عبد الملك (^٢) عَزَلَهُ، وأَمَرَ به أن يُوقفَ للنَّاس! فكان (^٣) يقول: "لا والله، ما كان أحدٌ من النَّاس أهمَّ إليَّ من زين العابدين، كنت أقولُ رجلٌ صالحٌ يُسْمَع قوله، فَوُقِفَ للنَّاس". فجمع زينُ العابدين وَلَدَهُ وحَامَّتَه (^٤)، ونهاهم عن التَّعَرُّض له. قال: وغدا مارًّا، فما عَرَضَ له. فناداهم (^٥) هشام بنُ إسماعيل: " ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (^٦) " (^٧).
_________________
(١) هو هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي، كان والي المدينة في خلافة عبد الملك بن مروان -وهو خال هشام بن عبد الملك- ثم عزله الوليد بن عبد الملك، وولَّى عمر بن عبد العزيز. وهو الذي ضرب سعيد بن المسيب بالسِّياط! فمقته الناس. "تعجيل المنفعة" (ص ٤٨١).
(٢) هو الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأُمويّ، كنيته أبو العبَّاس. ولي الخلافة بعهد من أبيه سنة (٨٦ هـ). كان الوليد جبَّارًا ظالمًا، لكنه كان يُقيم الجهاد في أيَّامه، وفُتحت في خلافته فتوحات عظيمة. مات في جمادى الآخرة سنة (٩٦ هـ)، وعمره إحدى وخمسون سنة. "الجوهر الثمين" (١/ ٨٦)، و"تاريخ الخلفاء" (ص ١٩٧).
(٣) في (ز): (وكان)، بالواو.
(٤) حامَّة الإنسان: خاصَّته ومَنْ يقرب منه، وهو الحميم أيضًا. "النهاية" (١/ ٤٤٦).
(٥) كذا بالأصل، و(م)، و(ل) بالجمع، ووقع في (ز)، و(ك)، و(هـ)، بالإفراد: (فناداه)، وهو الموافق لما في "طبقات ابن سعد".
(٦) الأنعام (آية: ١٢٤).
(٧) إسنادُهُ تالفٌ. أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٥/ ٢٢٠) من طريق الواقدي به. فيه متروك، ومتَّهم بالكذب، ومجهول. أمَّا محمَّد بن عمر الواقديّ، تقدَّم أنه متروك الحديث. "التقريب" (ص ٨٨٢). وابن أبي سبرة، هو أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة المدني القاضي الفقيه، فهو آفته. قال الإمام أحمد: كان يضع الحديث ويكذب! وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال النسائي: متروك. وقال ابن المديني: كان ضعيفًا. وقال مرَّة: كان منكر الحديث. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، وهو في جملة من يضع الحديث. وقال الحاكم: يروي الموضوعات عن الأثبات. وقال الحافظ: رموْه بالوضع. انظر: "التاريخ الكبير" (٨/ ٩)، و"المجروحين" (٣/ ١٤٧)، و"التهذيب" (١٢/ ٢٥)، و"التقريب" (ص ١١١٦). وأمَّا سالم مولى أبي جعفر؛ فإنه مجهول لا يعرف. "ميزان الاعتدال" (٣٦/ ١٦٩). =
[ ٢ / ٥٨٠ ]
٣١٦ - (^١) أخبرني الشَّيخان أبو محمد بن الجمال إبراهيم اللَّخميُّ بقراءتي عليه غير مرَّة بمكَّة -شرَّفها الله (^٢) -، والجمال بن النَّجم النَّحويُّ سماعًا.
قال الأول: أنا أبي، قال: أنا أبو العبَّاس [أحمد بن يعقوب الحلبيُّ سماعًا، وأبو النون العسقلانيُّ إذْنًا. قال أوَّلهما] (^٣): أنا أبو الفضل أحمد بن هبة الله بن عساكر، قال هو والعسقلانيُّ: أنا أبو الحسن ابن المغيَّر. قال العسقلانيُّ إذْنًا، عن أبي الفضل محمد بن ناصر السَّلاميِّ الحافظ. وقال شيخنا الثاني: أنبأ أبو الفداء بن أبي العبَّاس البعليُّ مشافهة، وسارة ابنة التقيِّ ابن عبد الكافي سماعًا، قالت: أنا والدي، قال هو والبَعْلِيُّ: أنا أبو العبَّاس أحمد بن أبي بكر بن حامد الأرْمويُّ. قال: البَعْلِيُّ إذْنًا، أنا أبو القاسم عبد الرحمن بن مكِّيِّ الطَّرابلسيُّ، أنا جدِّي لأُمِّي الحافظ أبو طاهرِ السِّلَفِيُّ، قال هو و(^٤) ابنُ ناصرٍ: أنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبَّار الصَّيرفيُّ، أنا أبو الحسين محمد بن محمد بن علي الورَّاق، أنا أبو أحمد عبد السَّلام بن الحسين بن محمد البصريُّ اللّغويُّ قال: قرأتُ على أبي عبد الله محمد بن أحمد بن يعقوب المتَّونيِّ (^٥) بالبصرة، وأبي الحسين محمد بن محمد بن جعفر بن لَنكَك اللّغويِّ؛ مفترقَيْن، قالا: ثنا أبو عبد الله محمد بن زكريا بن دينار، ثنا
_________________
(١) = • وأخرجه: ابن سعد أيضًا (٥/ ٢٢٠) من طريق الواقدي، عن سالم مولى أبي جعفر، عن عبد الله ابن الحسين قال: لمَّا عُزِل هشام بن إسماعيل نهانا أن ننال منه ما نكره [هكذا في المطبوع (ما نكره)، ولعل الصواب (ما يكره)، لموافقة السياق]، فإذا أَبي قد جمعنا فقال: "إنَّ هذا الرجل قد عُزل، وقد أُمِرَ أن يُوقف للنَّاس! فلا يتعرَّضنَّ له أحد منكم! ". فقلت: يا أبت ولم؟ ! والله إنَّ أثره عدنا لسيِّءٌ، وما كنا نطلب إلَّا مثل هذا اليوم! قال: "يا بُنيّ! نكِلُهُ إلى الله، . فوالله ما عرض له أحد من آل حسينٍ بحرفٍ حتى تصرَّم أمره.
(٢) تكرَّر هنا في (ز) خبر الزهري مع زين العابدبن من طريق المدائني، وهو سهو من الناسخ.
(٣) في (ك)، و(هـ)، و(ل) زيادة: (تعالى).
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(٥) (الواو) سقطت من الأصل، وأثبتناها من بقيَّة النُّسخ، والسِّياق يقتضيه.
(٦) تحرَّفت (المتَّوني) في (م) إلى (المتوفَّى!)، وفي (ك) إلى (المتوتي!)، في (ل) إلى (التوني!).
[ ٢ / ٥٨١ ]
عبيد الله بن محمد -يعني ابن عائشة-، حدَّثني أبي وغيره، قالوا:
"حجَّ هشامُ بنُ عبد الملك (^١) في زمن عبد الملك (^٢)، أو الوليد، فطاف بالبيت، فجاهدَ (^٣) أن يصلَ إلى الحَجَر فَيَسْتَلِمَه فلم يقدرْ عليه! فَنُصِبَ له منبرٌ، وجلس عليه ينظر إلى النَّاس، ومعه أهلُ الشَّام؛ إذْ أَقْبَلَ زينُ العابدين عليُّ بن الحسين بنُ عليِّ بن أبي طالب ﵃، مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا، وأَطْيَبهِمْ أَرَجًا (^٤)، فطافَ بالبيت، فكلَّما بلغ إلى الحَجَر تنحَّى له النَّاسُ حتى يَسْتَلِمَه!
فقال رجلٌ من أهل الشَّام: "مَنْ هذا الذي قد هابه الناسُ هذه الهيْبة؟ ! ".
فقال هشام: "لا أعرفه"؛ مخافةَ أن يرغبَ فيه أهلُ الشَّام؛ وكان الفرزْدق (^٥) حاضرًا، فقال الفرزدق: "لكنِّي أعرفه". قال الشَّاميُّ: "مَنْ هو يا أبا فراس؟ ".
قال (^٦):
هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ البَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ والبَيْتُ يَعْرِفُه والحِلُّ والحَرَمُ
_________________
(١) هو أبو الوليد، هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي، أحد خلفاء بني أُمَيَّة. وُلِدَ سنة نيف وسبعين، واستُخلف بعهد من أخيه يزيد. كان حازمًا عاقلًا، ذا رأي ودهاء وحزم، كارهًا لإراقة الدماء في غير حقٍّ. دامت خلافته عشرين سنة. مات في ربيع الآخرة سنة (١٢٥ هـ). "الجوهر الثمين" (١/ ٩٨)، و"تاريخ الخلفاء" (ص ٢١٨).
(٢) تقدت ترجمته قريبًا.
(٣) في (ز)، و(ك): (فجهد).
(٤) هكذا ضُبطت في (ز)، و(ك). والأرَجُ: توهَّج ريح الطّيب، يُقال: أرجَ الطِّيبُ -بالكسر- يأرجُ أَرَجًا، فهو أرجٌ: إذا فاح، انظر: "لسان العرب" (٢/ ٢٠٧).
(٥) هو الشاعر المشهور، واسمه همَّام بن غالب بن صعصعة بن ناجية التَّميمي، كنيته أبو فِراس. لُقِّب بالفرزْدق لغلظه وقصره، شُبِّه بالفَتِيتة التي تشربها النساء، وهي الفرزدقة. كان شاعر عصره، ونظمه في الذروة كما قال الذهبي. وفيه تشيُّع ظاهر لأهل البيت. مات سنة (١١٠ هـ). "الشعر والشعراء" (ص ٣١٥ - ٣٢٤)، و"النبلاء" (٤/ ٥٩٠).
(٦) في (م): فقال. وانظر القصيدة في "ديوان الفرزدق" (ص ٥١١ - ٥١٤) - شرح وضبط: علي فاعور.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
هَذَ ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللهِ كُلِّهِمُ هَذَا التَّقِيُّ النَّقيُّ الطَّاهِر العَلَمُ
إذَا رَأَتْة قُرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا: إلى مَكَارِمِ هَذَا يَنْتَهِي الكَرَمُ
يُنْمَى إلى ذُرْوَةِ العِزِّ الَّتِي قَصُرَتْ عَنْ نَيْلِهَا عَرَبُ الإسْلَامِ والعَجَمُ
يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانُ رَاحَتِهِ رُكْنُ الحَطِيم إذا مَا جَاءَ يَسْتَلِمُ
يُغْضِي (^١) حَيَاءً، ويُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ وَلَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِيْنَ يَبْتَسِمُ (^٢)
مَنْ جَدُّهُ دَانَ فَضْلُ الأَنْبِيَاءِ لَهُ وَفَضْلُ أُمَّتِهِ دَانَتْ لَهُ الأُمَمُ
يَنْشَقُّ نُورُ الهُدَى عَنْ نُورِ غُرَّتهِ كَالشَّمْسِ يَنْجَابُ (^٣) عَنْ إِشْرَاقِهَا الظُّلَمُ (^٤)
مُشْتَقَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ نَبْعَتُهُ طَابَتْ عَاصِرُهُ والخِيَمُ (^٥) والشِّيَمُ
هَذَا ابْنُ فَاطِمَةٍ انْ كُنْتَ جَاهِلَهُ بِجَدِّه أَنْبِيَاءُ اللهِ قَدْ ختِمُوا
اللهُ شَرَّفَهُ قِدْمًا وَفَضَّلَهُ جَرَى بِذَاكَ لَهُ فِي لَوْحه القَلَمُ
فَلَيْسَ قَوْلُكَ: مَنْ هَذَا؟ بضَائِرَهِ العُرْبُ تَعْرِفُ مَنْ أنكرْتَ وَالْعَجَمُ
كِلْتَا يدَيهِ غِيَاثٌ عَمَّ نَفْعُهُمَا يُسْتَوكَفَانِ (^٦)، وَلَا يَعْرُوهُمَا الْعَدَمُ
سَهْلُ الْخَلِيْقَةِ، لَا تُخْشى بَوَادِرُهُ يَزِينُهُ اثْنَانِ: حُسْنُ الْخَلْقِ والكَرَمِ
حَمَّالُ أَثْقَالِ أَقْوَامٍ إذَا فُدِحُوا (^٧) حُلْوُ الشَّمَائِلِ، تَحْلُوا عِنْدَهُ نِعَمُ
لَا يُخْلِفُ الْوَعْد مَيْمُونٌ بِقُبَّتِهِ رَحْبُ الفِنَاءِ أَرِيبٌ (^٨) حِينَ يَعْتَزِمُ
_________________
(١) أي يخفض الطَّرف، أي أنه يغضّ طرفه جاء. "شرح ديوان الفرزدق" (ص ٥١٢).
(٢) كذا في سائر النُّسخ، وانفردت (ل) بزيادة بيت في هذا الموضع، وهو موجود في "الديوان" ولكن ليس في هذا الموضع من الترتيب، والبيت هو: ما قال لا قَطُّ إلَّا في تَشَهُّدِهِ لوْلَا التَّشَهُّدُ كانت لَاءَهُ نَعَمُ
(٣) أي ينكشف. "شرح ديوان الفرزدق" (ص ٥١٣). وفي "الديوان": (تنجاب).
(٤) كذا بالأصل، و(م)، ووقع في بقية النُّسخ: (عن إشراقها القَتَمُ). • والقَتَمُ: هر الغُبار، ومنه القَتْمَاء: أي الغَبْرَاء، مأخوذ من القَتَام. انظر: "النهاية" (٤/ ١٥).
(٥) في "الديوان": (مغارسه) بدل (عناصره). والخِيَمُ: هي السَّجِيَّة والطَّبيعة. "شرح الديوان" (٥١٣).
(٦) استوكف: استقطر الماء واستدعى جريانه. "شرح ديوان الفرزدق" (ص ٥١٢).
(٧) في "الديوان" المطبوع: (افتُدحوا). والمراد أنهم أُثْقِلوا بالمصائب.
(٨) الأَرِيب: هو العاقل. "النهاية" (١/ ٣٦) - مادة (أَرَبَ).
[ ٢ / ٥٨٣ ]
عَمَّ البَرِيَّةَ بِالإِحْسَانِ فَانْقَشَعَتْ عَنْهُ الغَيَابَةُ (^١) والإمْلَاقُ والعَدَمُ
مِنْ مَعْشرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ، وبُغْضُهُمُ كُفْرٌ، وَقُرْبُهُمُ مَنْجًى ومُعْتَصَمُ
إنْ عُدَّ أَهْلُ التُّقَى كانُوا أَئِمَّتَهُمْ أَوْ قِيلَ: مَنْ خَيْرُ أَهْلِ الأرْضِ قِيلَ هُمُ
لَا يَسْتَطِيعُ جَوَادٌ بُعْدَ غَايَتِهِم (^٢) وَلَا يُدَانِيهُمُ قَوْمٌ وَإنْ كَرُمُوا
هُمُ الغَيُوثُ، إذَا مَا أَزْمَةٌ أَزَمَتْ والأُسْدُ أُسْدُ الشَّرَى، وَالْبَأسُ مُحْتَدَمُ (^٣)
لَا يُنْقِصُ العُسْرُ بَسْطًا مِنْ أَكُفّهُمُ سِيَّانِ ذَاكَ (^٤) إن أَثرَوْا وَإِنْ عَدِمُوا
يُسْتَدْفَعُ السُّوءُ وَالبَلْوَى بِحُبِّهمُ وَيُسْتَرَبُّ بِهِ الإِحْسَانُ وَالنِّعَمُ
مُقَدَّمٌ بَعْدَ ذِكْرِ اللهِ ذِكْرُهُمُ فِي كُلِّ بِرٍّ (^٥) ومَختُومٌ بِهِ الكَلِمُ
يَأْبَى لَهُمْ أَنْ يَحِلَّ الذَّمُّ سَاحَتَهُمْ خيمٌ كَرِيمٌ وَأَيْدٍ بالنَّدَى هُضُمُ
أيُّ الخلَائِقِ لَيْسَتْ فِي رِقَابِهُمُ لِأوَّلِيَّةِ هَذَا، أَوْ لَهُ نِعَمُ
مَنْ يَعْرِفِ اللهَ يَعْرِفْ أَوَّلِيَّةَ ذَا وَالدِّينُ مِنْ بَيْتِ هَذَا نَالَهُ الأمَمُ
قال: فغضب هشامٌ، وأمر بحبس الفرزْدَق بعُسْفَان (^٦) -بين مكَّة والمدينة-، وبلغ ذلك زين العابدين؛ فبعث إليه باثني عشر ألف درهم وقال:
"اعذر أبا فراس، فلو كان عندنا أكثر من هذا لَوَصَلْنَاكَ به".
_________________
(١) في "الديوان" المطبوع: (عنها الغياهب)، وهي الظلمات، واحدها غيهب. "شرح الديوان" (ص ٥١٢).
(٢) في "الديوان": (بعد جودهم).
(٣) الغَيُوث: هم الذين يُغيثون الناس. والأزمة: الشدة. وأزمت: اشتدَّت. والشَّرى -بالفتح والقصر-: داء يأخذ في الرجل، أحمر كهيئة الدرهم. وقال بعضهم: الشَّرى مأسدة بعينها. وقيل: شرى الفرات ناحيته به غياض وآجام تكون فيها الأسود. "شرح ديوان الفرزدق" (ص ٥١٣).
(٤) وقع في (ز)، و(هـ)، و(ل): ذلك.
(٥) في (م)، و(ك)، و(ل): (بدء!)، وهو تصحيف.
(٦) عُسْفَان: بضمِّ أوله، وسكون ثانيه، ثم فاء، وآخره نون؛ فُعْلان. وهي قرية صغيرة على طريق المدينة. سُمِّيت عُسْفان لتعسُّف السَّيل فيها. وهي لبني المصطلق من خزاعة، وهي كثيرة الآبار والحِياض، على مرحلتين من مكة. وهي تبعد عن مكة ما يُقارب (٨٥ كيلومتر). "معجم البلدان" (٤/ ١٢١)، و"معجم ما استعجم" (٣/ ٩٤٢).
[ ٢ / ٥٨٤ ]
فردَّها الفرزْدَق وقال: "يا ابنَ بنتِ رسولِ اللَّهِ! ما قلتُ الذي قلتُ إلَّا غضبًا لله ﷿ ولرسوله -ﷺ-، وما كنتُ لأَرْزَأ (^١) عليه شيئًا".
فقال: شكر الله لك ذلك، غير أنَّا أهْلَ بَيْتٍ إذا أَنْفَذْنَا أَمْرًا لم نَعُدْ فيه".
فَقَبِلَهَا، وتجعَلَ يَهْجو هشامًا وهو في الحبس. وكان ممَّا هجاه به:
يَحْبِسُني بَيْنَ المَدِينةِ وَالَّتِي إِلَيْهَا قُلُوبُ النَّاسِ يَهْوِي مُنِيبُهَا
يُقَلِّبُ رَأْسًا لَمْ يَكُنْ رَأْس سَيِّدٍ وَعَيْنًا لَهُ حَوْلَاء بَادٍ عُيُوبُهَا
فبعث فأخرجه (^٢).
* * *
_________________
(١) أي لم آخذ منه شيئًا، يُقال: رزأته أرْزؤه، وأصله من النَّقص. "النهاية" (٢/ ٢١٨) - مادة (رَزَأ).
(٢) (فبعث فأخرجه) لم ترد في (ز)، و(ل). وانظر: "حلية الأولياء" (٣/ ١٣٩).
[ ٢ / ٥٨٥ ]