من محاسن عقيدة أهل السنة والجماعة الدالة على حرصهم على جمع الكلمة: أنهم يرون عدم الخروج على الولاة وإن كانوا ظلمة أو فجرة، ويرون الصلاة خلفهم، والجهاد معهم، ونصحهم والدعاء لهم؛ لأن الخروج عليهم فتنة تسفك فيها الدماء ولا طائل منها، متمثلين في ذلك بهدي السلف من الصحابة ومن بعدهم.
[ ١٣ / ١ ]
معاملة أهل السنة لأئمة الجور
قال الشيخ الحافظ أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله تعالى في بيان اعتقاد أهل السنة: [ويرون الصلاة -الجمعة وغيرها- خلف كل إمام مسلم برًا كان أو فاجرًا، فإن الله ﷿ فرض الجمعة وأمر بإتيانها فرضًا مطلقًا، مع علمه تعالى بأن القائمين يكون منهم الفاجر والفاسق، فلم يستثن وقتًا دون وقت، ولا أمرًا بالنداء للجمعة دون أمر.
ويرون جهاد الكافر معهم وإن كانوا جورة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والعطف إلى العدل.
ولا يرون الخروج بالسيف عليهم ولا القتال في الفتنة.
ويرون قتال الفئة الباغية مع الإمام العدل إذا كان ووجد على شرطهم في ذلك.
ويرون الدار دار إسلام لا دار كفر كما رأتها المعتزلة، مادام النداء بالصلاة والإقامة ظاهرين وأهلها ممكنين منها آمنين.
ويرون أن أحدًا لا تخلص له الجنة وإن عمل أي عمل إلا بفضل الله ورحمته التي يخص بهما من يشاء؛ فإن عمله للخير وتناوله الطاعات إنما كان عن فضل الله الذي لو لم يتفضل به عليه لم يكن لأحد عليه حجة ولا عتب، كما قال الله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١]، وقوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:٨٣]، وقال تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:١٠٥]] .
يقول: [ويرون الصلاة -الجمعة وغيرها- خلف كل إمام مسلم برًا كان أو فاجرًا] .
ورد حديث: (صلوا على من قال: لا إله إلا الله، وصلوا خلف من قال: لا إله إلا الله)، وذلك لأن هذه الكلمة عنوان الإسلام، فمن قال هذه الشهادة اعتبر داخلًا في الإسلام، ومن أهل الإسلام، ولكنه بعد ذلك يطالب بتكملة الشهادتين.
وكان في أول الأمر الذين يتقدمون في الإمامة في صلاة الجمعة أو العيد أو الصلوات المكتوبة قد يكونون هم ولاة الأمر، كأمير البلدة أو نائبه أو نحوه، وهو أيضًا الذي يتولى الخطابة والإمامة، فيتحرج بعض المسلمين عن الصلاة خلفه إذا كان عاصيًا.
والمعاصي التي كانت في ذلك الزمان معاص عادية أشهرها شرب الخمر، وكان كثير من الأمراء يشربون الخمر، كما أثر ذلك عن بعض خلفاء بني أمية، وكذلك نوابهم، وكذلك كثير من خلفاء بني العباس ونوابهم وأمراؤهم كانوا يتعاطون الخمر ويبيتون عليه، فهذه معصية.
وكذلك أيضًا من المعاصي المشتهرة الغناء، حيث كانوا يتخذون الإماء لأجل الغناء، ويشترون التي هي مغنية ويزيدون في ثمنها لأجل الغناء، ويحضرون لها الطبول والأعواد حتى يستمعوا إلى ضربها غنائها ويطربون لذلك، فهذا مشتهر أيضًا في أولئك الأمراء ونحوهم.
ومن المعاصي أيضًا تأخير الصلاة عن وقتها، وبالأخص صلاة الظهر والعصر، فيؤخرونها عن وقتها ومع ذلك فإنهم يؤدونها، ولم يكونوا يتكاسلون عنها ويتركونها، وإنما ينشغلون إما بشهواتهم وإما بنوم وراحة إلى أن يتأخر وقت الظهر فلا يصلونه إلى قرب العصر، ووقت العصر فلا يصلونه إلا نصف ما بعد العصر.
هذه هي أشهر المعاصي التي اشتهرت عن كثير من أولئك.
ومن المعاصي أيضًا الظلم، أنهم كانوا يظلمون كثيرًا من الناس بالتهم الباطلة، وأكثر ذلك عن طريق أخذهم للأموال التي يجبونها إلى بيت المال وغالبها ضرائب، فيجعلون على الموالي -ولو كانوا مسلمين- ضرائب سنوية، ومن أسلم من أهل الكتاب لم يسقطوا عنه الجزية بل يأخذوا الجزية منه ولو بعد إسلامه، حتى أسقطها عمر بن عبد العزيز ﵁، وكذلك كثير منهم يأخذون ضرائب على الأموال بغير حق، وربما يستولون على الأموال كالبساتين والمصانع والأراضي ونحوها ويستبدون بها ويأخذونها بغير رضا من أصحابها ويضيفونها إلى أموالهم، فهذا مما يعابون به.
فلأجل ذلك يقولون: كيف نصلي خلفهم وهم ظلمة يأخذون الأموال لأنفسهم، أو يؤخرون الصلاة، أو يفعلون هذه المعاصي؟ كيف نؤدي الصلاة خلفهم مع أن الصلاة مكتوبة علينا وفريضة الله تعالى؟ فجاء النص بالصلاة خلفهم، فكان الصحابة يصلون خلفهم، فذكروا أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط كان واليًا على الكوفة، وكان متهمًا بشرب الخمر، فتقدم مرة ليصلي بهم صلاة الفجر وهو سكران فصلى بهم أربعًا، فلما سلم قال: أزيدكم؟ فقال ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة.
صلى خلفه ابن مسعود وهو عالم الصحابة الذي أرسله عمر إلى الكوفة ليفتي الناس ويعلمهم ﵃، ثم لما ثبت ذلك عنه أمر عثمان ﵁ بجلده، فجلده عبد الله بن جعفر بأمر علي ﵁ أربعين جلدة.
وكذلك الحجاج بن يوسف والي العراق من قبل بني أمية اشتهر عنه نوع من المعاصي، وأكثرها الصلف والشدة والسجن للأبرياء، وكان سريع القتل فيقتل بالتهمة ويحبس، والسجن في مكان ضيق.
فالحاصل أنه اشتهر عنه هذا النوع من الظلم، ويمكن أنه كان يحبس أيضًا بغير ذلك، ولكن هذا الذي اشتهر عنه هو الظلم والحبس والضرب والشدة، ومع ذلك فإن الصحابة الذين في العراق كانوا يصلون خلفه، ولما حج بالناس في حياة ابن عمر كان ابن عمر يصلي خلفه حتى في عرفة، وكان هو الذي يتولى الخطبة والصلاة، فكان الصحابة ومنهم ابن عمر يصلون خلفه.
وذلك دليل على أنهم فهموا أن الصلاة خلفهم فيها جمع الكلمة، وأنها لا تعتبر باطلة، وقد ورد أيضًا أحاديث، منها أنه ﷺ قال: (يصلون لكم، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم)، وأخبر بأنه: (يأتي قوم يؤخرون الصلاة عن أوقاتها.
قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا -أو ما أقاموا فيكم الصلاة-)، والأحاديث كثيرة في الأمر بالصلاة خلف الأمراء ولو كانوا عصاة أو نحوهم.
فيرى أهل السنة وأهل الحديث الصلاة -جمعة كانت أو غيرها- خلف كل إمام مسلم برًا كان أو فاجرًا إذا كان الفجور لا يوصل إلى الكفر، فإن الله تعالى أمر بالجمعة وفرضها وأمر بإتيانها: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، والله تعالى عالم بأن القائمين عليها قد يكون منهم فاجر وفاسق، وعالم بأنه قد يتولاها غير تقي كما وقع ذلك، فلذلك فرض الإتيان إليها في قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] [ولم يستثن وقتًا دون وقت]، ولم يقل: إلا إذا كان المقيمون لها عصاة أو فجارًا.
بل أطلق ذلك.
[ولا أمرًا بالنداء للجمعة دون أمر]، فالنداء للجمعة عام: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩]، ولو كان الذين يقيمونها عصاة أو فجارًا.
والحكمة في ذلك جمع الكلمة، وذلك لأننا إذا عصيناهم فلابد أن يحصل ظلم وعسف وجبروت، ونحو ذلك.
[ ١٣ / ٢ ]
إعادة الصلاة خلف أئمة البدع المكفرة
إذا قدر مثلًا أن خطيب الجمعة متهم ببدعة فإن تلك البدعة لا تخول ترك الصلاة خلفه، فلو كان -مثلًا- متصوفًا، ولكن له سلطة وولاية، أو كان معتزليًا -وأهل السنة لا يكفرون المعتزلة مطلقًا-، وكذلك لو كان أشعريًا أو نحو ذلك فلا يكفر، ويصلى خلفه، ومن صلى خلفهم فإنا لا نأمره بإعادة الصلاة.
لكن إذا كان مشركًا فإنه يؤمر بإعادة الصلاة، فإذا عرف أنه من أهل وحدة الوجود وممن بدعتهم مكفرة، أو أنه من القبوريين الذين يدعون الأموات ويهتفون بأسمائهم ويدعونهم من دون الله تعالى، فمثل هؤلاء ولو كانوا يتسمون بأنهم مسلمون فإن دعاءهم لغير الله تعالى يحبط أعمالهم، فيصيرون بذلك مشركين.
فإذا عرفت -مثلًا- أن هذا الخطيب أو أن هذا الإمام مشرك يعبد أهل البيت - عليًا أو ذريته- كالرافضة، أو يعبد عبد القادر، أو ابن علوان، أو البدوي، أو نحوهم من المعبودات، بمعنى أنه يطوف بالقبر، أو يدعو الميت نفسه فيقول: يا معروف! أو: يا جنيد! أو يا ابن علوان! أو: يا عبد القادر! أو: يا كذا وكذا! أنا في حسبك، أو: ما لي إلا الله وأنت.
أو نحو ذلك فإن هذا يعتبر مشركًا فلا تصح الصلاة خلفه؛ لأن شركه أخرجه من الإسلام، فإذا اضطر الإنسان إلى أن يصلي خلفهم فإنَّا نأمره بالإعادة، ولكن متى يكون مضطرًا؟ موجود في كثير من البلاد الإفريقية أن ولاة الأمر وأئمة وخطباء المساجد من هؤلاء المتصوفة، ومعهم كثير من البدع المكفرة، ومن أشهرها أنهم يدعون الأموات ويعتقدون فيهم، أو أنهم غلاة في التصوف، بمعنى أنهم ملاحدة أو اتحادية، فيقول بعض أهل الخير: إذا لم نصل خلفهم آذونا واتهمونا بأننا نخالفهم أو نكفرهم، فيؤذوننا ويسجنوننا ويقتلوننا ويشردوننا ويطردوننا، فماذا نفعل؟ فنقول: إن وصلت البدعة إلى التكفير فإنك تصلي معهم مداراة لهم وتعيد، وإن لم تصل البدعة إلى التكفير فصلِّ معهم، فصلاتك لك وصلاتهم لهم، وأجاز بعض العلماء أن تدخل معهم وأنت تنوي الانفراد، فتتابع الإمام ولكنك منفرد تصلي لنفسك، فتقرأ ولو كان يقرأ، وتسمع بقولك (سمع الله لمن حمده)، وتصلي صلاة كاملة بنية أنك منفرد إذا خشيت على نفسك من أن يتهموك بأنك ثوري أو إرهابي أو مخالف أو نحو ذلك فيضروك، فلك أن تتقي شرهم بذلك، وإن تمكنت من أن تصلي وحدك، أو وجدت مسجدًا -ولو بعيدًا- فيه إمام مستقيم فهو الأولى.
[ ١٣ / ٣ ]
جهاد الكفار والحج مع أئمة الجور
يقول: [ويرون جهاد الكفار معهم، وإن كانوا جورة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والعطف إلى العدل] .
الجهاد: هو قتال الكفار.
فمن عقيدة أهل السنة أنهم يرون الحج والجهاد مع الأمراء أبرارًا كانوا أو فجارًا، وذلك لأنه في الزمان القديم لا يتيسر الحج إلا مع أمير يحفظ أولئك الحجاج، ويكون معه جيش قوي وأسلحة حتى لا يعترض للحجاج قطاع الطريق من الأعراب ونحوهم الذين يعترضونهم ويأخذون أمتعتهم، فيأمرون على الحج أميرًا قويًا، وقد يكون ذلك الأمير متلبسًا بشيء من المعاصي، إما بتأخير الصلاة، وإما بشرب المسكرات، وإما باستماع الأغاني ونحوها.
فيقولون: الحج معه خير من ترك الحج، والحج معه أولى من الحج منفردًا والتعرض لقطاع الطريق.
كذلك أيضًا الجهاد قتال الكفار، وهو الغزو، ولابد أن يكون لهم أمير، فليس شرطًا أن يكون ذلك الأمير مهذبًا أو تقيًا نقيًا، بل يجاهد معه في نصر الإسلام، ويجتمع المجاهدون تحت رايته ويطيعونه، ويسيرون بتدبيره، ولا يجوز الغزو إلا بإذنه، ويلزمهم طاعته والصبر معه والسير بسيره، وعليه أن يرفق بهم ولا يكلفهم ولا يشق عليهم، وعليهم أن يسمعوا له ويطيعوا ولو كان منتقدًا أو مرتكبًا شيئًا من المعاصي، فإن ذلك لا يخول لهم أن يتركوا الجهاد، فالجهاد عبادة عظيمة وشعيرة من شعائر الإسلام بها أظهر الله تعالى الدين ونصره، وبها انتصر المسلمون وقضوا على كثير من الملل الكفرية، فما دام أن فيه مصلحة فإننا نجاهد كل كافر مع كل أمير ولو كان الأمير من الفجرة أو من الجورة.
[ ١٣ / ٤ ]
الدعاء لهم وعدم الخروج عليهم بالسيف
موقفنا مع ولاة الأمور أن ندعوا لهم بالصلاح وبالإصلاح، وندعو لهم بالعطف إلى العدل وبأن يردهم الله تعالى إلى العدل، فإن الدعوة لهم فيها خير وفوائد.
أولًا: أننا نأمن في ولايتهم، نعرف أن في ولايتهم على البلاد خير كثير حيث تأمن البلاد وتسلم من قطاع الطريق وتسلم من الفتن نحوها.
ثانيًا: جمع كلمة المسلمين، واتفاقهم على إمام واحد أو ولي واحد، فلذلك إذا رأينا منهم شيئًا من الجور أو ارتكاب شيء من المعاصي، أو نقصًا ننصحهم وندلهم على طرق الخير، ولا ننسى أن ندعوا الله لهم بالإصلاح وأن يردهم إلى العدل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يجوز الخروج عليهم بالسيف] .
الخروج عليهم معناه: الخروج على الأئمة.
فلا يجوز ولو كانوا عصاة، وما ذاك إلا أن في الخروج عليهم مفاسد كبيرة، وهو سبب للفتن وللقتل ولاستباحة الأموال والبلاد ولتفرق الكلمة، وقد كان السلف رحمهم الله تعالى ينهون عن الخروج على الأئمة بالسيف ولو جاروا وظلموا وبطشوا، ويقولون: ليس في الخروج عليهم مصلحة، بل إن ذلك يؤدي إلى مفاسد كبيرة.
وفي عهد الإمام أحمد وجد كثير من الأئمة ممن عليهم مآخذ، من آخرهم الذي أدركه هو المعتصم، وكان قبله المأمون الذي فتن الناس ودعاهم إلى القول بخلق القرآن، ومع ذلك كان يدعو لهم ﵀ بالصلاح والإصلاح، ويستأذنه بعض أصحابه في أن يثوروا ويخرجوا عليهم ويقاتلوهم فيقول: ماذا تحصلون عليه من قتالهم؟ لا تحصلون إلا على فشل وعلى ذل وهوان.
ويضرب لهم أمثلة للذين خرجوا على أئمة الجور أنهم باؤوا بالفشل منذ العهد الأول.
فمثلًا: في عهد بني أمية كانت ثورات كثيرة وكلها باءت بالفشل، فمن أشهرها فتنة ابن الأشعث، وذلك لأنه بعثه الحجاج لقتال بعض بلاد الأفغان لما بلغهم أن أمير كابول منع الجزية، فعند ذلك أرسله للغزو وشدد عليه، ولما شدد عليه خلع بيعة الحجاج وطاعته، ثم خلع بيعة عبد الملك وطاعته، ثم كان في النهاية أن بايعه الجيش، ثم أهل العراق، ثم حصل القتال بينه وبين الحجاج، ثم كانت الهزيمة على ابن الأشعث وقتله بعد ذلك، وحصل بذلك أن قتل في هذه الفتنة أكثر من ثمانين ألفًا بسبب هذه الفتنة ولم يحصلوا على نتيجة.
ثم بعده: ابن المهلب أراد أن يخلع أيضًا بيعة خلفاء بني أمية لما رأى طاعة الجيش له وباء بالفشل.
ثم بعده: قتيبة بن مسلم الذي فتح كثيرًا من بلاد الهند وما وراء النهر والسند ورأى طاعة الجيش له وخلع بيعة خليفة بني أمية ولم يحض إلا بالفشل.
فيضرب الإمام أحمد مثلًا بهؤلاء، وكذلك في خلافة المنصور لما تمت البيعة لبني العباس ثار عليه اثنان من أولاد الحسن بن علي أحدهما في المدينة والثاني في البصرة، ومع كثرة الجيوش التي بايعتهم ومع ذلك باءا بالفشل.
فمن عقيدة أهل السنة عدم الخروج على الأئمة بالسيف، وخالف في ذلك طائفتان: الخوارج والمعتزلة.
فالخوارج ثاروا في عهد علي، وقاتلهم علي وشردهم، وبقي منهم بقايا صاروا يثورون كلما تقووا في عهد بني أمية، ولكنهم لا ينتصرون غالبًا، ولو حصل لهم شيء من الانتصارات في بعض الأحيان.
أما المعتزلة فإن من عقيدتهم جواز الخروج على أئمة الجور، هذا من معتقدهم ولكنهم لم ينفذوا ذلك؛ لأن الغالب عليهم التفرق، فلم يصلوا إلى وقت يثورون فيه ويقاتلون الأئمة ويخرجون عليهم.
فالحاصل أن أهل السنة يرون عدم الخروج على الأئمة بالسيف، ويرون عدم القتال في الفتن بين المسلمين، وأن ذلك ضعف للإسلام وللمسلمين، ثم إذا ثارت ثائرة على إمام المسلمين فإن على عموم المسلمين أن يقاتلوهم بأمر ذلك الإمام، وهؤلاء يسمون (البغاة)، وهم الذين يثورون على إمام المسلمين أو أمير المؤمنين بشبهة تعرض لهم، فإذا كانت لديهم شوكة وقوة فإن الإمام أولًا يزيل الشبهات التي عندهم، بأن يراسلهم وينظر ما هي الشبه التي يتشبثون بها ويتعلقون بها فيزيلها، ثم ثانيًا يقاتلهم، ويلزم الجيش طاعته والصبر والقتال معه للفئة الباغية.
[ ١٣ / ٥ ]
ضوابط دار الإسلام عند أهل السنة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويرون الدار دار الإسلام لا دار الكفر كما رأتها المعتزلة، مادام النداء بالصلاة والإقامة ظاهرين وأهلها ممكنين منها آمنين] .
أهل السنة يعتبرون أن البلاد بلاد إسلام مادام أن فيها المساجد والمؤذنين، ومن يقيمون الصلاة، ولو كان فيها معاصٍ كخمور ومزامير وأغانٍ وملاهٍ وتماثيل وما أشبه ذلك، فإنهم يحكمون بأن البلاد بلاد إسلام، فلا يجوز استحلالها، ولا استباحة محارمها، ولا قتال أهلها ولو غلب أو كثر فيهم الفسوق والفساد، وإنما يقتصرون على الدعوة والسعي في الإصلاح، وتسمى (دار إسلام) .
أما المعتزلة فإنهم يكفرونها، ويرون أنها دار كفر إذا ظهر فيها عندهم شيء من الكفر، هكذا يدعون، إذا ظهر فيها شيء من المعاصي اعتبروها دار كفر، واعتبروا أهلها كفارًا، وحكموا بالأكثرية أو بالأمكنية، وهذا خلاف معتقد أهل السنة أن الدار دار الإسلام ولو حصل فيها ما حصل من الخلل.
وإذا اعتبرت دار كفر فمعناه أنه يقضى على المساجد التي فيها وعلى الكتب؛ إذ قد يكون فيها كتب إسلامية ومصاحف وما أشبه ذلك، وكثير الآن من البلاد يظهر فيها شيء من شعائر الكفر، وإن لم تكن تتصور فيما سبق، وذلك مثل أن يرخص في الزنا مادام أن المرأة حرة في نفسها وموافقة، فيقولون: لها الحرية أن تبذل نفسها ولا شك أن هذا مخالف للشرائع الإسلامية، ولكن لا تصل البلاد التي يظهر فيها ذلك إلى أنها بلاد كفر تغزى وتقاتل.
وكذلك إظهار بيع الخمور، حيث يوجد في كثير من البلاد أنهم يذيعون بيع الخمور علنًا، فضلًا عن شربها، فهذه البلاد أيضًا لا تصل إلى كونها بلاد كفر، ما دام أن فيها مصلين ومساجد ومؤذنين، وأنهم يتسمون بالإسلام، وأن في مساجدهم مصاحف وكتب إسلامية وما أشبه ذلك.
وكذلك لو وجد فيهم محاكم غير شرعية يحكمون بالقوانين الوضعية ونحوها، فنقول: الحكم بالكفر على ذلك الشخص الذي يتولى هذا الحكم ولا نحكم على البلاد كلها، بل نقول: البلاد بلاد إسلام.
ونعتبرها دار إسلام لا دار كفر خلافًا للمعتزلة، إذا كان فيها نداء بالصلاة والإقامة لها إذا كان ذلك ظاهرًا وأهل الصلاة يتمكنون، أما لو عدمت هذه الأشياء فإنها تصبح دار كفر إذا رأينا أن هذه البلاد هدمت فيها المساجد، وأحرقت فيها المصاحف وكتب الإسلام، ومنع الذي يرفع صوته بالإسلام، ومنع الذي يصلي، ومن رأوه يصلي قتلوه أو سجنوه، وأبيح فيها الكفر، وعبدت فيها الأوثان، وأظهر فيها الشرك، وحكم فيها بغير شرع الله تعالى، ومنع فيها من يظهر الإسلام أو يتكلم به، فإنها تصبح دار كفر.
[ ١٣ / ٦ ]
سعة فضل الله على العباد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويرون أن أحدًا لا تخلص له الجنة وإن عمل أي عمل إلا بفضل الله ورحمته التي يختص بهما من يشاء] .
هذه مسألة جديدة، وهي اعتقادنا أن الإنسان لا يكون من أهل الجنة بمجرد عمله، بل بفضل الله تعالى وبرحمته، وإن كانت الأعمال من جملة الأسباب لدخول الجنة، كما قال النبي ﷺ: (لن يدخل أحد منكم عمله الجنة.
قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) .
فنعتقد أنه لا يخلص له الجنة وإن عمل عملًا كثيرًا إلا بفضل الله وبرحمته التي يختص بهما من يشاء، وعمله للخير وتناوله الطاعات إنما كان عن فضل الله، ونقول: إن الله تعالى هو الذي مّنَّ عليك وهو الذي هداك، فله النعمة علينا، وله الفضل أن هدانا للإسلام وأقبل بقلوبنا على طاعته وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، فلو لم يتفضل علينا لم يكن لأحد منا حجة على الله تعالى، ولو خذل عباده فإنه لا عذر لهم ولا حجة.
والله تعالى يذكر عباده دائمًا بفضله فيقول: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور:٢١] أي: تذكروا أنكم تحت فضل الله تعالى ونعمته فهو المتفضل عليكم، وهو الذي وفقكم وهداكم للإسلام، ولو شاء لخذلكم ولسلط عليكم الأعداء، فاشكروه على فضله تعالى ونعمته ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١]، ويقول تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ [النساء:٨٣] فلولا أنه تفضل عليكم وهداكم وخصكم بواسع فضله -فهو يختص برحمته من يشاء- لولا ذلك لكنتم أشقياء، ولكنه يختص بفضله من يشاء، فاشكروه على ذلك.
فنحن نعترف بفضل الله تعالى علينا، ونحمده على أن هدانا للإسلام، ونسأله أن يَمُنَّ علينا بتكميل هذا الإسلام، ومع ذلك نرغب إليه أن يعمنا بواسع رحمته وبفضله، وأن يتجاوز عن أخطائنا ونقصنا وتقصيرنا، فنحن كلنا أخطاء إلا أن يتجاوز الله عنا، وأعمالنا قليلة ولو عملنا أي عمل.
[ ١٣ / ٧ ]
أثر العمل الصالح في دخول صاحبه الجنة
مما يتعلق بالأعمال كون العمل لا يستقل بإدخال صاحبه الجنة، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور:٢١]، فقد أخبر الله تعالى بأنه المتفضل على عباده، وأنه لولا تفضله عليهم ما زكوا ولا تزكوا ولا عملوا، ولكنه تعالى تفضل على هؤلاء فهداهم، وله النعمة والفضل عليهم، ومن الذكر الذي ورد بعد دبر كل صلاة أن يقول العبد: (لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن)، فله المن على عباده والفضل عليهم.
ولما أخذ النبي ﷺ يعدد على الأنصار خصالهم التي تميزوا بها كان يذكرهم ويقول: (ألا تقولون: جئتنا وحيدًا فنصرناك، وجئتنا طريدًا فآويناك؟) فأخذوا يقولون: الله ورسله أمنَّ، المنة لله ولرسوله.
فحقًا لله المنة على عباده، وله الفضل عليهم، فإذا أنعم على بعض العباد فهداهم وأقبل بقلوبهم على طاعته فإنه المتفضل وله الفضل في ذلك، وإذا خذل بعض العباد وحال بينهم وبين رشدهم، وأضلهم على علم فله الحكمة في ذلك، يقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣]، فالله تعالى هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فمن هداه الله فقد تفضل عليه، ومن خذله وأضله فقد عامله بعدله.
ولا ينسب إلى الله تعالى ظلم ولا جور، بل هو العادل في عباده، فأعمالهم التي عملوها فضل من الله تعالى، وقد ورد في حديث أنه: (يجاء برجل قد عمل من الحسنات أمثال الجبال، فيقول الله تعالى: أدخلوه الجنة برحمتي، فيقول: يا رب! ألست أدخلها بأعمالي؟ فعند ذلك يقول الله: حاسبوا عبدي -أي: على نعمي عليه-.
فإذا بدأوا في الحساب يقول الله لنعمة البصر: خذي حقكِ من أعماله.
فتأخذ من أعماله، ثم يقول لنعمة السمع: خذي حقكِ.
فلا تكاد أن تترك من أعماله شيئًا، فعند ذلك يقول الله: ادخلوه النار.
فيقول: يا ربي! بل برحمتك أدخلني الجنة)، فعند ذلك يدخله الله الجنة ويعترف بأن أعماله التي عمل لا تستقل بإدخاله الجنة مهما كثرت ومهما عظمت.
والأكثر تصريحًا من ذلك الحديث الذي هو قوله ﷺ: (لن يدخل أحدًا منكم الجنة عمله -أو: فلن يدخل أحد منكم الجنة بعمله- قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)، فإذا كان النبي ﷺ مع جده في العمل واجتهاده ونشاطه وجهاده وصلاته وذكره وأعماله وأدعيته، ومع ما حباه الله تعالى به وعصمه من الخطايا والزلات مع ذلك يقول: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)، فكيف بمن دونه؟ لا شك أن الأعمال سبب، ولذلك يعلق الله تعالى بها الجزاء على الأعمال سيئها وحسنها، وكثيرًا ما يقول: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران:١٨٢]، ويقول: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤]، فيجعل العمل هو السبب الذي حصلوا به على ذلك الجزاء.
فالأعمال الصالحة هي أسباب للجزاء بالجنة وبالثواب وبرضا الله تعالى، ولكن تلك الأعمال الصالحة أليست فضلًا من الله تعالى؟ هو الذي تفضل على عباده فهداهم، وأقبل بقلوبهم على طاعته، وبصرهم بالحق وهداهم، وأرشدهم وسددهم، وربط على قلبوهم وثبتهم، ولو شاء لأضلهم سيما مع كثرة المضلات، فإنه قد سلط عليهم أنواعًا من المضلات، فإذا أعانهم على تلك الأعداء فثبتوا كان ذلك فضلًا منه ورحمة، فإنه سلط عليهم الأبالسة والشياطين، وحمى أولياءه من الشياطين فضلًا منه، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩-١٠٠]، أخبر بأنه ليس له سلطان إلا على من خذلهم الله تعالى وسلطه عليهم.
فأخبر بأنه حمى أولياءه المؤمنين وحال بينه وبينهم، فأعطاهم من الأسلحة ما يقهرونه ويذلونه ويتغلبون به على وساوسه وخطراته، فأمرهم بالاستعاذة منه، وإذا استعاذوا بالله تعالى أعاذهم، وكذلك أمرهم بذكر الله وذكر الله يطرد الشياطين، وأمرهم أن يدعوه حتى يحول بينهم وبين أعدائهم ويحميهم ويعصمهم، وأمرهم بقراءة كلامه أو ما تيسر منه، وقراءته أيضًا سلاح يحول بينهم وبين أعدائهم، فإذا وفقهم وأعانهم على هذه القراءة والأذكار والأدعية والاستعاذة ونحوها صارت معهم أسلحة يفتكون بها في أعدائهم من الشياطين، وتعينهم على قهرهم وقمعهم وإذلالهم.
وسلط عليهم أيضًا أعداء آخرين، كما يقول بعض الشعراء: إبليس والدنيا ونفسي والهوى كيف الخلاص وكلهم أعدائي فهؤلاء الأعداء إنما يتغلب عليهم بتوفيق من الله تعالى ونصر منه وتأييد، فإذا أيده الله تعالى وقواه تقوى على هؤلاء الأعداء وانتصر عليهم، وقوي على أن يمسك نفسه ويقهرها ويقودها إلى طاعة ربه تعالى، وإذا تسلطت عليه نفسه ولم يكن معه ما يقهرها انقاد لشهواته ولهوه وأصبح غير مستقل بأمر الله تعالى ولا قادر على أمر الله تعالى.
[ ١٣ / ٨ ]
الأسئلة
[ ١٣ / ٩ ]
سبب ذكر طاعة ولاة الأمر في العقائد
السؤال
لماذا أدخل باب طاعة ولاة الأمور في كتب العقائد؟
الجواب
السمع والطاعة لله تعالى، ومن طاعة الله وطاعة رسوله طاعة من ولاه الله، ولذلك قال النبي ﷺ: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقط أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)، وكان إذا أَمَّر أميرًا أمر من كان معه بأن يطيعه، على أن تكون الطاعة في المعروف (إنما الطاعة في المعروف)، وبكل حال لا شك أن طاعة الله وطاعة رسوله من العقيدة، فيدخل في العقيدة طاعة ولاة الأمر الذين أمرنا بطاعتهم.
[ ١٣ / ١٠ ]
حكم تكفير من يخالف حكم الله
السؤال
يستدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] على كفر ولاة الأمور في الدول التي يوجد بها بنوك ربوية أو مخالفات في وسائل الإعلام أو غيرها، فكيف يرد عليهم؟
الجواب
أولًا: الكفر هنا قد اختلف فيه: هل هو كفر عملي أو كفر اعتقادي؟ فيرى كثير من العلماء أنه كفر عملي وهو لا يخرج من الملة، ويرى بعضهم أنه كفر دون كفر.
ثانيًا: أن الآية فيمن لم يحكم بشيء مما أنزل الله؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٤]، فمعناها: أنهم لا يحكم بكفرهم إلا إذا لم يحكموا بشيء مما أنزل الله ولو بآية، أو بحديث من كتاب الله ولا من سنة رسوله، ﴿لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٤] أي: لم يحكم بشيء مما أنزل الله.
ثالثًا: لا شك أن تغيير شرع الله تعالى تغييرًا جذريًا يعتبر اعتراضًا على الله تعالى، والاعتراض على الله والانتقاد له يعتبر كفرًا، ولكن إذا اعتبرناه كفرًا عمليًا رأينا أن الخروج على أهله من الخروج على الأئمة، ولا شك أن فيه فتنة ومضرة على الذين يخرجون، وذلك لأن هؤلاء الأئمة الأمراء بأيديهم القوة والأسلحة الفتاكة، فالذين يخرجون عليهم لا يقدرون على مقاومتهم ولو خرجوا بحق.
فلأجل ذلك يقول الشافعي في الأبيات المشهورة: لك العقل الذي زين الفتى إذا أنت لم تقو عدوك داره وقبّل يد الجاني التي لست قادرًا على قطعها وارقب سقوط جداره ترقب إلى أن يظهر الله القوة للإسلام والمسلمين.
[ ١٣ / ١١ ]
موقف المؤمن من البلاد التي انتشرت فيها المنكرات
السؤال
إذا كثرت المنكرات في مجتمع من المجتمعات وفشت وطمت، ثم نصح ولاة أمورها سرًا ومع ذلك لم يستجيبوا، فما هو العمل؟
الجواب
ليس لك إلا أن تكرر النصيحة، وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأن تحرص على الدلالة على الخير، وأن تنجو بنفسك وبمن تستطيع النجاة به من أهل الخير مع أهل الخير المستجيبين لك، وحينئذٍ تكون معذورًا، وقد ورد في تفسير قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] يقول: (إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوىً متبعًا، ودنيًا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيامًا الصابر فيها على دينه كالقابض على الجمر من قلة الموافق وكثرة المخالف)، ففي تلك الحال يكون الإنسان مهتمًا بصلاح نفسه.
[ ١٣ / ١٢ ]
كيفية نصح ولاة الأمر
السؤال
إذا لم نستطع الوصول إلى ولاة الأمر لنصحهم، فكيف ننصحهم؟
الجواب
أولًا: تدعو لهم.
ثانيًا: تنصح جلساءهم الذين تستطيع أن تصل إليهم، أو جلساء جلسائهم لعلهم ينصحونهم أو يؤثرون فيهم.
ثالثًا: تحرص على إصلاح من تقدر عليه من المسلمين بما تستطيعه من وجوه الإصلاح، وفي إصلاح بعض من المسلمين خير كثير، فهو أولى من ترك الإصلاح حتى يكون الشعب كله منحرفًا أو فاسدًا، فبعض الشر أهون من بعض، فإذا رأينا -مثلًا- أن الأشرار لهم الغلبة والتمكن، وأنهم ينفذون كلماتهم ويبطشون بأهل الخير ويذلونهم ويهينونهم، ورأيناهم يزيدون ويفشون ويتمكنون، ورأينا الشر يستطير، ورأينا المصلين في قلة وذلة، وحملة القرآن ونحوهم، ورأينا العصاة أهل الخمور والفجور والفساد وما أشبه ذلك لهم التمكن فلابد أن نتصل بأهل الخير من إخواننا، ونتمسك بطاعة الله، ونتواصى بالحق ونتواصى بالصبر، وكل من رأيناه محبًا للخير أو قريبًا منه نصحناه سرًا وبينا له، (والحق ضالة المؤمن)، فبذلك يظهر الخير ولو قليلًا قليلًا إلى أن يظهر أهله ولو بعد حين.
[ ١٣ / ١٣ ]
أنواع الخوارج وصور خروجهم
السؤال
هل الخروج يكون بالسيف فقط أم باللسان أيضًا؟
الجواب
لا شك أن أصل الخروج هو منابذتهم، فيقال: خرج على الأئمة بمعنى: نابذهم، وكفرهم، واستباح قتالهم، واستباح محارمهم.
فهذا هو الأصل في الخروج.
ولكن القسم الثاني يسمى تكفيرًا وتضليلًا، وهو أيضًا قد يكون سببًا في وصول الأذى إلى ذلك المكفر، فإنَّا إذا رأينا مجموعتين: مجموعة يقاتلون الأئمة، وعندهم من القوة والذخائر ما يتمكنون به من أن يقاتلوا الإمام وأتباع الإمام والمسلمين الذين في طواعية ذلك الإمام سميناهم خوارج وسميناهم أهل خروج عن الطاعة.
ورأينا آخرين على معتقدهم ولكنهم لا يخرجون ولا يقاتلون ويسمون القعد، نقول هؤلاء: أيضًا لهم حكم الأولين، وقد يكون الأولون هم الذين يتأثرون بهم، وذلك لأن كثيرًا من الخوارج في العهد الأول لا يرون القتال، ولكنهم يسمون القعد من القعود، ويقال: أنهم قاعدون، ولكنهم يحثون الآخرين الذين عندهم قوة وجرأة على القتال، يقولون: قاتلوهم فإن لكم أجرًا، ولكم ولكم.
ذكروا ذلك في ترجمة عمران بن حطان، وكان أولًا من أهل السنة، وروى أحاديث عن عائشة وغيرها من الصحابة، وحدث عنه بعض العلماء، وله أحاديث في صحيح البخاري إلا أنه في آخر عمره تزوج امرأة من الخوارج يظن أنه سيؤثر فيها وأنه سيصلحها ولكنها أفسدته، فغيرت عقيدته فأصبح خارجيًا، ولكنه من الخوارج القعد وليس من الذين يقاتلون، وهو الذي مدح ابن ملجم الذي قتل عليًا بالأبيات المشهورة التي يقول فيها: يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانًا إني لأذكره يومًا فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانًا فرد عليه بعضهم بقوله: يا ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش سخطانًا إني لأذكره يومًا فألعنه جهرًا وألعن عمران بن حطانا فالحاصل أن مثل هؤلاء يقال لهم: القُعَّد، فيعتبرون الحكام مثل غيرهم أنهم داخلون في الكفر.
[ ١٣ / ١٤ ]
حكم القتال مع إمام الجور
السؤال
هل يجب قتال الفئة الباغية مع السلطان الجائر أم أنها لا تجب إلا مع الإمام العادل؟
الجواب
ذكروا في قتال البغاة أمورًا.
أولًا: أنهم لابد أن يكون لهم شبهة، وتلك الشبهة تخول لهم أن يخرجوا، فإذا لم يكن لهم شبهة فإنهم قطاع طريق فيقاتلون بكل حال؛ لأنهم يقتلون المسلمين، أما إذا كانت لهم شبهة وعندهم شوكة ولهم قوة فقالوا: يلزم الإمام أن يراسلهم قبل البدء بقتالهم، ويسألهم: ماذا تنقمون؟ فإذا ذكروا له ماذا ينقمون أصلح الأحوال التي يدعونها إن كانت صدقًا، أو اعتذر عنهم وبين خطأهم في هذا الاجتهاد.
ثانيًا: بعدما يصرون على القتال ويمتنعون من الرجوع ففي هذه الحال يقاتلهم، وإذا كان كذلك فإننا نقاتل معه حتى ولو كان معه شيء من الجور أو المعاصي أو النقص أو التقصير، وذلك حفاظًا على بيضة الإسلام، وعلى جمعية المسلمين.
[ ١٣ / ١٥ ]
الضابط في تقسيم البلاد إلى بلاد كفر وبلاد إسلام
السؤال
ما الضابط في الحكم على البلاد بأنها بلاد إسلام، علمًا بأن بعض دول الغرب تترك المسلمين يؤدون شعائر إسلامهم؟
الجواب
إذا كان الحكم للكفر فإنها تعتبر بلاد كفر، لكن إذا كان بيننا وبينهم عهد فإننا لا نغزوهم ولا نقاتلهم، أما إذا كان الحكم للإسلام والمسلمين فإننا نحكم بأنها بلاد إسلام؛ لأن الأصل أنها بلاد إسلام، فمثلًا: أكثر بلاد أمريكا ونحوها بلاد كفر ولكن فيها مراكز إسلامية ودعاة مسلمون، وقد يقام فيها مساجد، فنقول: البلاد بلاد كفر وفيها مسلمون، وإذا انتقضت العهود التي بيننا وبينهم حل غزوهم وقتالهم، وما دام أنهم مسالمون ولهم عهود فإنهم لا يقاتلون.
أما البلاد الإسلامية أصلًا -ولو كان فيها شيء من شعائر الكفر- فإن الحكم للبلاد التي فيها أصل الإسلام، فنقول مثلًا: بلاد تركيا بلاد إسلام، ولو أن فيها الآن اختلاطًا وقبوريين ومعاصي وخمورًا، لكن الأصل أنها بلاد إسلام، وفيها المساجد والمكتبات والكتب ونحو ذلك فلا تكفر ولا تبدع، وكذلك كثير من البلاد الإفريقية لاشك أنها بلاد إسلام ولو ظهر فيها شيء من شعائر الكفر.
[ ١٣ / ١٦ ]
حكم من يكفر كل المجتمعات الإسلامية
السؤال
ما رأيكم فيمن يكفر المجتمعات الإسلامية قاطبة ويقول: إنها ارتدت بالكلية؟
الجواب
هذا قول خاطئ، وذلك لأن المجتمعات الإسلامية لا شك أنها تهدف إلى الحق ولو كان فيها شيء من النقص أو الخلل، ومعلوم أنهم ما قصدوا إلا الحق والخير، فهم مسلمون موحدون يشهدون الشهادتين ويدعون إلى الصلاة وإلى أركان الإسلام، ويدعون إلى تحقيق الإيمان والاتصاف بالإيمان، فنقول: إنهم من أهل الإسلام ولا يجوز تكفيرهم.
ونقول بعد ذلك: لا يضر اختلافهم في الأسماء، فالأسماء عادية، يرضى هؤلاء -مثلًا- أن يسموا أنصار السنة، فنقول: نتفقد أحوالكم، فإذا كنتم على العقيدة فإننا نقركم ونسميكم بما تريدون.
وإذا قال هؤلاء: نحن نتسمى بأهل التوحيد قلنا: لكم اسمكم ولكن ننظر في أعمالكم.
وإذا تسمى هؤلاء بالسلفيين نقول: لكم ما تسميتم به ولكن حققوا أعمالكم.
وإذا تسمى هؤلاء بأهل الدعوة.
قلنا: نوافقكم على ذلك ولكم اجتهادكم ونظركم.
وإذا تسمى هؤلاء -مثلًا- بأهل الدعوة أو بأهل التوحيد أو بغير ذلك من الأحزاب التي أسماؤها حسنة نقرهم على تسميتهم، ولكن نتفقد أحوالهم.
ثم هذه الأحزاب الأصل فيهم والغالب أنهم يدعون إلى الخير ويحبونه، والله تعالى يتولى أمورهم وشئونهم، ولا نقرهم على ما فيهم من الأخطاء التي يخطئون فيها بل ننتقدهم في ذلك الخطأ، ولا يصل الخطأ إلى التكفير، فإن التكفير أمره كبير.
[ ١٣ / ١٧ ]