وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول: الآثار الواردة في أشراط الساعة.
الفصل الثاني: الآثار الواردة في القبر.
الفصل الثالث: الآثار الواردة في القيامة.
الفصل الرابع: الآثار الواردة في الجنة.
الفصل الخامس: الآثار الواردة في النار.
[ ٣ / ١١٠٥ ]
الفصل الأول: الآثار الواردة في أشراط الساعة.
٩٦٦ - دثني أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، دثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي جبيرة بن الضحّاك قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "بعثت في نَسَمِ الساعة"، سمعت أعرابيا يقول: في أول وقتها" (^١).
٩٦٧ - حدثني أبو إسحاق الأدمي، حدثنا زيد بن عوف، حدثنا حماد ابن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: "إن اللَّه ﷿ جعل الدنيا كلها قليلا، فما بقي منها إلا قليل من قليل، ومثل ما بقى منها كَعَيْن الغَدِير، شُرب صفوه وبقي كدرده" (^٢).
_________________
(١) إسناده حسن، والأثر صحيح، شيخ المصنف صدوق كما سبق (١٢٥)، الأهوال (٣٣) رقم (٥)، قال ابن كثير في البداية والنهاية (١٩ - ٢٨٩ - ٢٩٠) بعد إيراده من طريق المصنف: "هذا إسناد جيد، وليس هو في شيء من الكتب، ولا رواه أحمد ابن حنبل، وإنما روى لأبي جبيرة حديثا آخر في النهي عن التنابز بالألقاب"، وانظر تخريج الحديث المرفوع في الصحيحة (٢/ ٤٤٨) رقم (٨٠٨)، وحاشية الكتاب في طبعتي مجدي السيد والمباركفوري، وفات الجميع تخريج: الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ١٢٨)، والبزار كما في تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي (٢/ ٣٥٩)، وأبي نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٨٥٢)، والبغوي في معجم الصحابة (٥/ ١٥)، والعسكري في تصحيفات المحدثين (١/ ٢١٣)، وانظر النهاية (٥/ ٤٩ - ٥٠).
(٢) إسناده ضعيف، فيه زيد بن عوف وهو القطيعي، لقبه فهد، ضعيف انظر لسان الميزان (٢/ ٥٠٩)، قصر الأمل (٩٦١) رقم (١٢٣)، وهناد في الزهد رقم (٥١٦)، =
[ ٣ / ١١٠٧ ]
٩٦٨ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير قال: كان النخعي يقول: "يا أيها الناس إن الدنيا جعلت قليلا، ولم يبق من القليل إلا قليل" (^١).
٩٦٩ - حدثنا علي بن الجعد قال: حدثنا شعبة، عن أبي قيس قال: سمعت هزيل بن شرحبيل يحدّث عن عبد اللَّه بن مسعود قال: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس: من لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، يتهارجون كما تتهارج البهائم في الطريق، تمرّ المرأة بالرجل في الطريق فيقضي حاجته منها، ثم يرجع إلى أصحابه، فيضحك إليهم ويضحكون إليه، كرجراجة (^٢) الماء الخبيث الذي لا يطعم" (^٣).
_________________
(١) = وكذا أحمد في الزهد (٣٦٧)، كلاهما عن يزيد بن معاوية النخعي، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ١٠٠٦) من قول ميمون بن مهران، والأثر ورد الجزء الأخير منه مرفوعا في صحيح البخاري (٦/ ١٩ أفتح).
(٢) إسناده صحيح، قصر الأمل (١٢٤) رقم (١٨١).
(٣) قال ابن الأثير: "الرِّجْرِجةُ -بكسر الرَّائين- بَقِية المْاء الكَدِرة في الحَوض، المُخْتَلِطةُ بالطّين، فلا يُنتَفعِ بها، قال أبو عبيد: الحديث يُروى كرِجْرَاجَة الماء، والمعرُوفُ في الكلام رِجْرِجَة، وقال الزمخشري: الرِّجْرَاجة: هي المرأةُ الَّتي يَتَرجْرَج كَفَلُها، وكَتِيبَة رَجْراجَة: تَموج من كَثْرتها، فكأنه -إن صَحَّت الرِّوَاية- قَصَد الرِّجْرجة، فجاء بوصفها؛ لأنها طينة رقيقَةٌ تَترَجْرَجُ" النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٨٩).
(٤) إسناده حسن، أبو قيس هو عبد الرحمن بن ثروان صدوق ربما خالف التقريب (٣٨٤٧)، العقوبات (٢٠٣ - ٢٠٤) رقم (٣١٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ١١٣) رقم (٨٥٨٥ - ٨٥٨٦)، وأورده كل من أبي عبيدة (٤/ ٧٧)، وابن الأثير =
[ ٣ / ١١٠٨ ]
٩٧٠ - حدثني القاسم بن هاشم قال: حدثنا علي بن عباس قال: حدثنا سعيد بن سنان قال: حدثني حدير بن كريب، عن أبي ثعلبة الخشني (^١) أنه كان يقول: "أيها الناس، إن من أشراط الساعة أن تنتقص العقول، وتعزب الأحلام، ويكثر الهم، وتقع علامات الحق، ويظهر الظلم، وإن من أشراط الساعة أن ترفع الأمانة، وترفع الرحمة، ويقطع الرحم، وتقطع الصدقة، ويلجم الناس الشح. . . " (^٢).
٩٧١ - حدثني عبيد اللَّه بن جرير، دثنا عبد اللَّه بن رجاء، أرنا همام، عن رجل، عن أبي سعيد الخدري قال: "يسمعون صوتا من السماء: اقتربت الساعة، فمن بين مصدّق ومكذّب، وعارف ومنكر، فبينما هم كذلك، إذ يسمعون مناديا ينادي من السماء: يا أيها الناس اقتربت الساعة، قال: فمن بين مصدّق ومكذّب، وعارف ومنكر، فلا يلبثون إلا
_________________
(١) = (٢/ ١٩٨)، وابن الجوزي (١/ ٣٨١)، في غريب الحديث، وأصله في صحيح مسلم مرفوعا رقم (٢٩٥٠).
(٢) هو أبو ثعلبة الخُشَنِي، صحابي مشهور بكنيته، مختلف في اسمه واسم أبيه أيضا، مات سنة (٧٥ هـ) وقيل قبل ذلك بكثير في أول خلافة معاوية بعد الأربعين، الإصابة (٧/ ٥٨)، التقريب (٨٠٠٦).
(٣) إسناده ضعيف، فيه علي بن عباس وهو ضعيف انظر الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٢/ ١٩٥)، العقوبات (٢٢٣) رقم (٣٥٣) والباقي غير واضح العبارة، ونعيم في الفتن (١/ ٦٣) رقم (١١٢) مختصرا.
[ ٣ / ١١٠٩ ]
يسيرا حتى يسمعون الصيحة، فذاك حين تلهى كل والدة عن ولدها" (^١).
٩٧٢ - حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي، دثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: دثني أبيّ بن كعب قال: "ستّ آيات قبل يوم القيامة، بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك، إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحرّكت، واضطربت، واختلطت، ففزعت الجن إلى الإنس، والإنس إلى الجن، فاختلطت الدواب والطير والوحوش، فماجوا بعضهم في بعض: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ (^٢) قال: انطلقت، ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ قال: أهملها أهلها، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ قالت الجن للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، انطلقوا إلى البحر، فإذا هو نار تأجّج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدّعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم" (^٣).
_________________
(١) إسناده ضعيف فيه رجل مبهم، الأهوال (٧٣) رقم (٤٢).
(٢) سورة التكوير، الآيات (٥ - ٧).
(٣) إسناده حسن، فإن الربيع بن أنس صدوق له أوهام التقريب (١٨٩٢)، لكن فضله أبو حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٤٥٤) في ترجمة أبي العالية على أبي خلدة وهو صدوق، التقريب (١٦٣٧)، الأهوال (٥٥) رقم (٢٣)، وينظر رقم (٢١) حيث فسّر هذه المفردات، وابن جرير في تفسيره (٣٠/ ٦٣)، وزاد ابن كثير في تفسيره (٤/ ٤٧٦) أن ابن أبي حاتم روى بعضه، وإليهم جميعا نسبه السيوطي في الدر =
[ ٣ / ١١١٠ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة الإشارة إلى بعض أشراط الساعة، فمن ذلك قربها، وبعثة النبي -ﷺ- في نسمها، وهو أول وقتها، وأنه لم يبق لقيامها إلا قليل القليل، كعين الغدير، شرب صفوها وبقي كدرها، وأنها لا تقوم إلا على شرار الناس الذين لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، يتهارجون تهارج البهائم في الطريق، يأتي أحدهم المرأة في الطريق، ويتضاحك مع جلسائه، تنتقص العقول، وتعزب الأحلام، ويكثر الهم، وتقع علامات الحق، ويظهر الظلم، وترفع الأمانة، وترفع الرحمة، ويقطع الرحم، وتقطع الصدقة، ويلجم الناس الشح، وتسمع أصوات من السماء تخبر بقربها، ثم الصيحة فتلهو كل والدة عن ولدها، ثم الآيات الست التي ذكرها حذيفة -﵁- قبل وقوعها.
فأما قربها: فلقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ (^١)، وغيرها من الآيات الصريحة، قال صديق حسن خان: "والآيات في ذلك كثيرة. . . والأحاديث في الباب لا تكاد تحصى، ولا يقال: كيف يوصف بالاقتراب ما قد مضى قبل وقوعه ألف ومئتان وأربع وتسعون عاما؟ لأن الأجل إذا مضى أكثره وبقي أقله فهو قريب"، (^٢)، إلا أن الصنعاني ﵀
_________________
(١) = (٨/ ٤٢٧).
(٢) سورة القمر، الآية (١).
(٣) الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة (١٦).
[ ٣ / ١١١١ ]
رجح قرب أشراط الساعة من بعثة النبي -ﷺ- وليس قرب وقوعها، بدليل طول الزمان من وفاته إلى يومنا هذا، بخلاف الأشراط فقد وقع كثير منها بعد وفاته بقليل، بل كان موته من أشراطها (^١)، والذي يظهر لي واللَّه أعلم أن قرب أشراطها من قربها، ولا تضر هذه المدة الطويلة من بعثة النبي -ﷺ- لأنه بالنسبة إلى ما سبق كالمهمل.
وكونها لا تقوم إلا على شرار الناس: فقد ثبت في السنة ما يدل على ذلك، لكن ثبت أيضا ما قد يوهم خلافه وهو أن لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين إلى قيام الساعة (^٢)، فكيف تقوم الساعة على شرار الخلق وهؤلاء من خيار الخلق، وقد وفّق العلماء بين هذه النصوص بعدة أوجه؛ فمنهم من حمل لفظ الساعة على ظاهره في كل الأحاديث، وفسّر المراد بقيام الساعة عليهم باختلاف الأماكن والبقاع فتقوم الساعة على شرار الناس في مكان غير المكان الذي تكون فيه الطائفة الظاهرة،
_________________
(١) انظر الإذاعة (١٥ - ١٦)، والسنن الواردة في الفتن (٤/ ٧٧٠ - ٧٧١)، قال المحقق المباركفوري: "وهذا الوجه الأخير قد يكون له وجه؛ لأن الواقع يشهد له ويؤيده"، قلت: أما من جهة الدليل الشرعي فلم يعلق على ما استدل به الصنعاني وهو حديث لا يصح لأنه مرسل -كما رجح ابن أبي حاتم- من رواية عبد اللَّه ابن زبيب الجندي ذكر في الصحابة ولم يصح، انظر الإصابة (٥/ ١٨٨)، وأسد الغابة (١/ ٦٠٩).
(٢) وهو حديث صحيح أخرجه مسلم برقم (١٧٠) وغيره، وعقد له أبو عمرو الداني بابا في كتابه الفتن (٦/ ٧٣٩) أورد فيه طرقه.
[ ٣ / ١١١٢ ]
حيث وردت نصوص تفيد أن الطائفة المنصورة تكون ببيت المقدس، أو بحمل النصوص على الخصوص وإن كان اللفظ لفظ عموم، فالمراد أنها تقوم في الأغلب على شرار الخلق وهذا لا يمنع أن يكون فيهم خيار وهم الطائفة الظاهرة المنصورة (^١)، وكلا القولين لا يزيلان الإشكال، ولذلك تعقبهما الحافظ ابن حجر بأن قيام الساعة على شرار الخلق فقط أيدته عمومات كثيرة، ولذلك لا يمكن حمل الساعة على معناها الحقيقي في حق الطائفة المنصورة، قال: "الجمع بينه وبين حديث: "لا تزال طائفة" حمل الغاية في حديث: لا تزال طائفة، على وقت هبوب الريح الطيبة، التي تقبض روح كل مؤمن ومسلم، فلا يبقى إلا الشرار، فتهجم الساعة عليهم بغتة" (^٢)، فتبقى هذه الطائفة ظاهرة منصورة إلى أن يأتي أمر اللَّه أو قيام الساعة، والمراد بذلك الريح التي تهب فتأخذ كل مؤمن وذلك بعد نزول عيسى ﵇ (^٣)، ومقاتلة الدجال وظهور الآيات الكبرى للساعة، فلا يبقى إلا شرار الناس تقوم عليهم، قال ابن حجر: "وجدت في هذا مناظرة لعقبة بن عامر ومحمد بن مسلمة فأخرج الحاكم من رواية عبد الرحمن بن شماسة: أن عبد اللَّه بن عمرو قال: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، فقال عقبة بن عامر: عبد اللَّه أعلم
_________________
(١) نقل ابن بطال قول الطبري، وكلاهما نقله ابن حجر في الفتح (١٣/ ٢٩٤).
(٢) فتح الباري (١٣/ ١٩، ٧٧).
(٣) وقد جاء ذلك مصرحا به كما سيأتي في أثر السكسكي قريبا.
[ ٣ / ١١١٣ ]
ما يقول، وأما أنا فسمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر اللَّه ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك"، فقال عبد اللَّه: أجل، ويبعث اللَّه ريحا ريحها ريح المسك، ومسها مسُّ الحرير، فلا تترك أحدا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، فعلى هذا فالمراد بقوله في حديث عقبة: "حتى تأتيهم الساعة" ساعتهم هم، وهي وقت موتهم بهبوب الريح واللَّه أعلم" (^١)، ووجه إطلاق الساعة على هبوب الريح: "لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، فهذا الوقت لقربه من القيامة يطلق عليه القيامة" (^٢).
وليس المراد استقصاء أشراط الساعة وذكر تفاصيلها هنا فإن لذلك كتبا مستقلة، وهي كثيرة جدا سواء منها ما صُنِّف على أنه من الأشراط الصغرى أو الكبرى، قال صديق حسن خان بعدما انتهى من ذكر الأشراط الصغرى: "هذه قطرة من بحار أشراط الساعة ذات الفتن والأهوال، وذرة من وادي علاماتها وأماراتها التي وردت بها الأخبار والآثار والأقوال"، ثم عقد بابا في الفتن العظام والمحن التي تعقبها الساعة وقال: "وهي كثيرة جدا أيضًا" (^٣).
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ٧٧)، وانظر: التذكرة للقرطبي (٧٩٨)، وشرح مسلم للنووي (٢/ ١٣٢)، لوامع الأنوار (٢/ ١٥٢ - ١٥٣).
(٢) الإشاعة (١٨٠)، ومثله النووي في شرح مسلم (٢/ ١٣٢).
(٣) الإذاعة (٩٤).
[ ٣ / ١١١٤ ]
الفصل الثاني: الآثار الواردة في القبر.
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: إثبات عذاب القبر.
المبحث الثاني: استمرارية عذاب القبر.
المبحث الثالث: إثبات وجود الملكين في القبر.
المبحث الرابع: تلاقي الأرواح.
[ ٣ / ١١١٥ ]
المبحث الأول: الآثار الواردة في إثبات عذاب القبر.
٩٧٣ - حدثني محمد، ثنا يزيد بن هارون، ثنا هشام بن حسان، عن واصل مولى أبي عيينة، عن عمرو، عن عبد الحميد بن محمود المعولي قال: "كنت جالسا عند ابن عباس فأتاه قوم فقالوا: إنا خرجنا حجاجا ومعنا صاحب لنا حتى أتينا ذا الصفاح (^١) فمات، فهيّأناه ثم انطلقنا، فحفرنا له قبرا، ولحدنا له، فلما فرغنا من لحده إذا نحن بأسود قد ملأ اللحد، فتركناه وحفرنا له مكانا آخر، فلما فرغنا من لحده إذا نحن بأسود قد ملأ اللحد، فتركناه وأتيناك، فقال ابن عباس: ذلك الغل الذي تغل به، انطلقوا فادفنوه في بعضها، فوالذي نفسي بيده لو حفرتم الأرض كلها لوجدتموه فيها، فانطلقنا فدفناه، فلما رجعنا أتينا أهله بمتيّع كان له معنا، فقلنا لامرأته: ما كان عمل زوجك؟ فقالت: كان يبيع الطعام، فيأخذ كل يوم منه قوت أهله، ثم يقرض القصب مثله فيلقيه فيه" (^٢).
٩٧٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن داود بن
_________________
(١) الصفاح موضع بين حُنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكة، معجم البلدان (٣/ ٤١٢).
(٢) إسناده حسن؛ واصل مولى أبي عيينة صدوق التقريب (٧٤٣٦)، القبور (١١٩) رقم (١٢٨)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦/ ١٢١٥ - ١٢١٦) رقم (٢١٥١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٣٣٤) رقم (٥٣١١)، وذكره ابن القيم في الروح (٧٠)، والسيوطي في شرح الصدور (١١٣)، وابن رجب في الأهوال (١١٣).
[ ٣ / ١١١٦ ]
شابور، وعن أبي قزعة رجل من أهل البصرة (^١) أو عن غيره، قال: "مررنا ببعض المياه التي بيننا وبين البصرة، فسمعنا نهيق حمار، فقلنا لهم: ما هذا النهيق؟ قالوا: هذا رجل كان عندنا، فكانت أمه تكلّمه بالشيء، فيقول: انهقي نهيقك، قال غير إسحاق: فكانت أمه تقول: جعلك اللَّه حمارا، فلما مات، نسمع هذا النهيق عند قبره كل ليلة" (^٢).
٩٧٥ - حدثني سويد بن سعيد قال حدثنا الحكم بن سنان عن عمرو ابن دينار (^٣) قال: "كان رجل من أهل المدينة له أخت في باحة المدينة، فهلكت وأتى السوق يجهزها ولقيه رجل معه كيس فيه دنانير، فجعلته في حجرته (^٤)، فلما دفنها ورجع إلى منزله ذكر الكيس في القبر فاستعان برجل من أصحابه فنبشا فوجدا الكيس، فقال الرجل لصاحبه: تنحى حتى. . . على الرجال (^٥) أختي فرفع ما على اللحد، وإذا القبر يشتعل نارا،
_________________
(١) هو سويد بن حُجَير الباهلي، أبو قزعة البصري، ثقة، قال أبو داود: لم يسمع من عمران بن حصين، التقريب (٢٦٨٨)، ثقة ثبت، انظر العلل لأحمد (٣/ ٤٧٥).
(٢) إسناده صحيح، مجابو الدعوة (٨٤) رقم (٤٨)، من عاش بعد الموت (٣٠ - ٣١) رقم (٢٥ - ٢٧)، والمروزي في البر والصلة رقم (١٠٧)، وذكره ابن القيم في الروح (١/ ٣١٩) نقلا عن المصنف من كتاب القبور.
(٣) هو عمرو بن دينار المكي، أبو محمد الأثرم، الجمحي مولاهم، ثقة ثبت، مات سنة (١٢٦ هـ)، التقريب (٥٠٢٤).
(٤) في طبعة الجابي: "فجعله في حجزته".
(٥) في طبعة الجابي: "تنحَّ حتى انظر على أي حال أختي".
[ ٣ / ١١١٧ ]
فرده ودعا الرجل فسوى معه القبر، ثم رجع إلى أمه فقال: أخبريني ما حال أختي؟ قالت: وما تسأل عنها؟ السر قد مات (^١)، قال: أخبريني، قالت: كانت أختك تؤخر الصلاة ولا تصلي فيما كتب (^٢) الوضوء، وتأتي أبواب الجيران إذا ناموا فتلقم أذنها أبوابهم فتُخرج حديثهم" (^٣).
٩٧٦ - أخبرنا أبو بكر المديني، أخبرنا ابن عفير، ذكر يحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن الحويرث بن الرباب (^٤) قال: "بينما أنا بالأثاية (^٥)، إذ خرج علينا إنسان من قبر، يلتهب وجهه ورأسه نارا، وهو في جامعة من حديد، فقال اسقني من الإداوة، وخرج إنسان في أثره فقال: لا تسق الكافر، لا تسق الكافر، فأدركه فأخذ بطرف السلسلة فجذبه فكبّه، ثم جرّه حتى دخلا القبر جميعا، فقال الحويرث: فضربت بي الناقة لا أقدر منها على كل شيء حتى التوت بعرق الظبية (^٦)، فبركت فنزلت، فصليت المغرب والعشاء الآخرة، ثم ركبت حتى أصبحت بالمدينة،
_________________
(١) في نسخة الجابي: "وما ننقل عنها السر قد ماتت".
(٢) في طبعة الجابي: "فيما أظن".
(٣) إسناده ضعيف فيه ابن سنان وهو الباهلي ضعيف التقريب (١٤٥٢)، الورع (٧٢) رقم (٨٤).
(٤) ذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ١٩٠).
(٥) أَثَايَة: موضع في طريق الجحفة، بينه وبين المدينة خمسة وعشرون فرسخا، معجم البلدان (١/ ٩٠).
(٦) عِرْق الظُّبْيَة من الروحاء على ثلاثة أميال مما يلي المدينة، وبه مسجد للنبي -ﷺ-، معجم البلدان (٤/ ٥٨).
[ ٣ / ١١١٨ ]
فأتيت عمر بن الخطاب فأخبرته الخبر فقال: يا حويرث واللَّه لا أتهمّك، ولقد أخبرتني خبرا شديدا، ثم أرسل عمر إلى مشيخة من كنفي الصفراء (^١) قد أدركوا الجاهلية، ثم دعا الحويرث فقال: إن هذا أخبرني حديثا ولست أتهمه، حدثهم يا حويرث ما حدثتني، فحدّثتهم فقالوا: قد عرفنا يا أمير المؤمنين، هذا رجل من بني غفار مات في الجاهلية، فحمد اللَّه عمر وسُرَّ بذلك حين أخبروه أنه مات في الجاهلية، وسألهم عمر عنه فقالوا: يا أمير المؤمنين كان رجلا من رجال الجاهلية، ولم يكن يرى للضيف حقا" (^٢).
٩٧٧ - أخبرنا عبد الرحمن بن صالح العتكي، أخبرنا خالد بن حيان أبو يزيد الرقي، عن كلثوم بن جوشن القشيري، عن يحيى المدني، عن سالم ابن عبد اللَّه عن أبيه قال: "خرجت مرة لسفر، فمررت بقبر من قبور
_________________
(١) الصفراء على لفظ تأنيث أصفر، قرية فوق ينبع، كثيرة المزارع والنخل، ماؤها عيون يجري فضلها إلى ينبع، معجم ما استعجم (٣/ ٨٣٦).
(٢) إسناده صحيح؛ وأبو بكر المديني ورد عند ابن حجر: "أبو بكر المدائني أحمد بن منصور" وهو يروي عن ابن عفير ويروي عنه المصنف، ولم أجده بهذه النسبة لكن أحمد بن منصور معروف بالرمادي ثقة حافظ، طعن فيه أبو داود لمذهبه في القرآن التقريب (١١٤)، من عاش بعد الموت (٥٦) رقم (٥٥)، القبور رقم (١١٤)، الصبر رقم (٥٦)، إكرام الضيف رقم (١٠١) لأبي إسحاق الحربي عن محمد بن عبد الملك به، وأورد القصة ابن حجر في الإصابة (١/ ٣٨٣) عن المصنف وبنى عليها أن الحويرث صحابي، وذكره أيضًا الهندي في كنز العمال (٦/ ١١٠٩).
[ ٣ / ١١١٩ ]
الجاهلية، فإذا رجل قد خرج من القبر يتأجّج نارا، في عنقه سلسلة من نار، ومعي إداوة من ماء، فلما رآني قال: يا عبد اللَّه اسقني، قال: قلت: عرفني باسمي، أو كلمة تقولها العرب يا عبد اللَّه؟ إذا خرج على إثره رجل من القبر فقال: يا عبد اللَّه لا تسقه؛ فإنه كافر، ثم أخذ السلسلة واجتذبه فادخله القبر، قال: ثم أضافني الليل إلى بيت عجوز إلى جانب بيتها قبر، فسمعت من القبر صوتا يقول: بَوْلٌ وما بَوْلٌ، شَنٌّ وما شَنٌّ (^١)، فقلت للعجوز: ما هذا؟ قالت: كان هذا زوجا لي، وكان إذا بال لم يتق البول، وكنت أقول له: ويحك إن الجمل إذا بال تفاج، فكان يأبى، فهو ينادي منذ يوم مات: بَوْلٌ وما بَوْلٌ، قلت: فما الشِنّ؟ قالت: جاءه رجل عطشان، فقال: أسقني، فقال: دونك الشِنّ، فإذا ليس فيه شيء، فخرّ الرجل ميتا، فهو ينادي منذ يوم مات شِنٌّ وما شِنٌّ، فلما قدمت على رسول اللَّه -ﷺ- أخبرته فنهى أن يسافر الرجل وحده" (^٢).
_________________
(١) هو القربة الخلقة، مختار الصحاح (٣٥٤).
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه كلثوم بن جوشن وهو ضعيف التقريب (٥٦٩١)، من عاش بعد الموت (٣٣ - ٣٤) رقم (٣٢، ٣٣)، والقبور قصة صاحب القبر الذي طلب الماء فقط برقم (٩٣) وفيه أن السفر كان بين مكة والمدينة، وبرقم (٩٥) أنه أصبح وقد ابيضّ شعره حتى صار كالنعامة، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦/ ١٢١٤ - ١٢١٥) رقم (٢١٤٨ - ٢١٥٠)، ومن طريق المصنف ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٩) وعلق عليه بقوله: "قال أبو عمر: هذا الحديث ليس له إسناد، ورواته مجهولون، ولم نورده للاحتجاج به، ولكن للاعتبار، وما لم يكن فيه حكم =
[ ٣ / ١١٢٠ ]
٩٧٨ - حدثني إبراهيم بن عبد اللَّه، عن سعيد بن محمد الجرمي، ثنا أبو تميلة، ثنا زيد بن عمر التيمي، ثنا مجالد بن سعيد، عن الشعبي قال: "كان صفوان بن أمية (^١) في بعض المقابر، فإذا أنوار قد أقبلت ومعها جنازة، فلما دنوا من المقبرة، قال: انظروا قبر كذا وكذا، قال: فسمع رجل صوتا من القبر حزينا موجعا يقول:
أنعم بالضعينة عينا وبمسراك يا أمين إلينا
جزعا ما جزعت من ظلمة القبر ومن مسك التراب أمينا
قال: فأخبر القوم بما سمع فبكوا حتى أخضلوا لحاهم، ثم قال: هل تدري من أمينة؟ قلت: لا، قالوا: صاحبة هذا السرير، وهذه أختها ماتت عام أول، فقال صفوان: قد علمنا أن الميت لا يتكلم فمن أين هذا الصوت؟ " (^٢).
_________________
(١) = فقد تسامح الناس في روايته عن الضعفاء واللَّه المستعان"، ونقل كلامه هذا الزرقاني في شرح الموطأ (٤/ ٥٠١).
(٢) هو صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن قدامة بن جح القرشي الجمحي المكي، صحابي من المؤلفة، مات أيام قتل عثمان، وقيل في أوائل خلافة معاوية، الإصابة (٣/ ٤٢٣)،، التقريب (٢٩٣٢).
(٣) فيه ضعف، شيخ المصنف هو أبو إسحاق الهروي صدوق حافظ تكلم فيه بسبب القرآن كما في التقريب (١٩٥)، وفي طبقته أبو إسحاق المخرمي إبراهيم بن عبد اللَّه ذكر في الرواة الجرمي، لكن لم يذكر في شيوخ ابن أبي الدنيا، ولا ابن أبي الدنيا في تلاميذه، ومجالد ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره كما في التقريب (٦٥٢٠)، =
[ ٣ / ١١٢١ ]
٩٧٩ - حدثني محمد بن المثنى العنزي، قال: وجدت في كتاب جدي علي بن طارق بن زيد الجعفي، ثنا الثمالي: "أن رجلا خرج يتنزَّه، فإذا هو بصوت من قبر ينادي:
هذا أبونا قد أتانا زائرا أحبب به زورا إلينا باكرا
وخير ميت ضمن المقابرا جدّ إلينا عتبة سائرا
قد وحَّد اللَّه زمانا صابرا عوض من توحيده أساورا
في جنة الفردوس نزلا فاخرا
قال: فقلت: لا أبرح اليوم حتى أعلم ما هذا الصوت الذي سمعت، وعن الميت، فجيء بجنازة رجل، فسألتهم عنه فقيل: هذا رجل من الأنصار من بني سلمة، وهذا ابنه عتبة، وهذه ابنته عبيدة، فدفنوه بينهما، ثم انصرفوا" (^١).
٩٨٠ - حدثني إبراهيم بن عبد الملك، عن أبي جعفر الفراء قال: "كان الحسن بن صالح إذا صعد الصومعة يشرف على أهل القبور فيقول: ما
_________________
(١) = إلا أن ابن عدي قوّى أمره في الشعبي خاصة كما في تهذيب الكمال (٧/ ٣٦)، أما زيد بن عمر فوقع في القبور رقم (٢٠) يزيد بن عمرو التيمي ولعله أبو عبد اللَّه التيمي ذكره ابن حبان في الثقات كما في تهذيب الكمال (٨/ ٣٥٤) وفي التقريب (٨٢٦٨): "مجهول"، كتاب الهواتف (٤٨ - ٤٩) رقم (٥٨)، والقبور برقم (٢٠)، وانظر شرح الصدور (٢١٦).
(٢) سبق الأثر برقم (١١٩) في فضل التوحيد.
[ ٣ / ١١٢٢ ]
أحسن ظاهرك، إنما الدواهي بواطنك" (^١).
٩٨١ - حدثني الحسن بن سليمان، ثنا روح بن عبد المؤمن المقرئ، حدثني إبراهيم بن عبد اللَّه النميري، عن بقية الزهراني قال: سمعت ثابتا البناني قال: "بينا أنا أمشي في المقابر إذ بهاتف يهتف من ورائي يقول: يا ثابت لا يغرّنَّك سكونها، فكم من مغموم فيها، قال: فالتفت فلم أر أحدا" (^٢).
٩٨٢ - حدثني سلمة بن شبيب، ثنا سهل بن عاصم، ثنا وداع بن مرجي بن وداع قال: سمعت بشر بن منصور يقول: قال لي عطاء الأزرق (^٣): "إذا حضرت المقابر فليكن قلبك فيما أنت بين ظهرانيه، فإني بينا أنا نائم ذات ليلة في المقابر إذ تفكرت في شيء، فإذا بصوت يقول: إليك يا غافل، إنما أنت بين ناعم في نعيمه، أو معذّب في
_________________
(١) إسناده لين؛ شيخ المصنف سبق (٢)؛ وأبو جعفر الفراء لم أعرفه، القبور (٤٦) رقم (٣)، ورقم (١٠١) عن أبي الدرداء بسند لم يستطع المحقق قراءته كله، وذكره ابن القيم في الروح بصيغة التمريض (٦٩) وذكر عن سماك.
(٢) إسناده ضعيف، فيه إبراهيم بن عبد اللَّه النميري قال عنه أبو زرعة في سؤالات البرذعي (٣٧٥): "إبراهيم هذا لا أعرفه إلا أن روحا حدثنا عنه بهذا الحديث -يقصد نفس الأثر عن ثابت البناني-"، وشيخه بقية الزهراني لم يذكر فيه أبو حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٤٣٦) جرحا ولا تعديلا، كتاب الهواتف (٤٢) رقم (٤٥)، وانظر شرح الصدور للسيوطي (٢١٨).
(٣) هو النساج العابد كما وصفه ابن أبي حاتم، ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، التاريخ الكبير (٦/ ٤٧٥)، الجرح والتعديل (٦/ ٣٤٠).
[ ٣ / ١١٢٣ ]
سكراته يتقلّب" (^١).
٩٨٣ - حدثني أبو الحسن البصري، حدثني رباح شيخ كان ينزل بالعدوية، عن جار له قال: "مررت بالمقابر فتركت عليهم فهتف هاتف: نعم فترحم عليهم، فإن فيه المهموم والمحزون" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة إثبات عذاب القبر، ووجه إثباته فيها هو ما ورد عن بعض السلف من رؤيتهم لأنواع منه، كرؤية الحية التي تملأ لحد الغاش في طعامه، أو نهيق الرجل الذي كان يعصي أمه فدعت عليه بأن يحول حمارا، أو اشتعال القبر نارا على التي كانت تؤخر الصلاة عن وقتها، وتتجسس على جيرانها، بل أكثر وضوحا منها ما رآه بعضهم من تعذيب أشخاص بأعيانهم بالنار كما في قصة الحويرث بن الرباب الذي رأى إنسانا يلتهب وجهه ورأسه نارا. . .، وقد استعظم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -﵁- هذا الخبر فجمع له بعض أشياخ أدركوا الجاهلية فأخبروه أنهم يعرفونه وكان من أهل الجاهلية الذين لا يرون للضيف حقا، ثم
_________________
(١) إسناده إلى صاحب القصة حسن، كتاب الهواتف (٤٢ - ٤٣) رقم (٤٦)، وانظر: أهوال القبور لابن رجب (٤٦٤)، شرح الصدور للسيوطي (٢١٧) فقد عزياه للمصنف.
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه جهالة رباح، وشيخ المصنف لعله البصري الأدمي وهو ثقة كما في التقريب (٥٢٠٩)، كتاب الهواتف (٤٤) رقم (٤٩)، وانظر أهوال القبور لابن رجب (٢١٥).
[ ٣ / ١١٢٤ ]
حدث هذا لابنه عبد اللَّه الذي رأى رجلا خرج من القبر يتأجّج نارا، أو سماع بعض الأصوات التي يظن أنها لأصحاب القبر، أو شهادتهم بأن تحت القبور دواهي وغموم، وأن أصحابها بين منعم في نعيمه، ومعذب في عذابه، مهموم ومحزون.
وهذا من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة كما قال الإمام أحمد: "أصول السنة عندنا. . . الإيمان بعذاب القبرا" (^١)، وهو داخل في الإيمان باليوم الآخر قال شيخ الإسلام: "ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي -ﷺ- مما يكون بعد الموت؛ فيؤمن بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه" (^٢)، ولما ذكر الإسفراييني إنكار المعتزلة لعذاب القبر قال: "وفي عذاب القبر قد بلغت الأخبار حد التواتر في المعنى، وإن كان كل واحد منها لم يبلغ حد التواتر في اللفظ" (^٣)، وكذا شيخ الإسلام لما ذكر إنكار الجهمية له قال: "وجحدوا عذاب القبر وأن الكفار في قبورهم يعذبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون" (^٤).
_________________
(١) أصول السنة (٣٠)، وانظر: الإبانة للأشعري (٢٤٧)، واعتقاد أئمة الحديث (٦٩)، الإيمان لابن منده (٢/ ٩٦٢)، وشعار أصحاب الحديث (٣٢)، وشرح السنة للبربهاري (٢٥)، وشرح العقيدة الطحاوية (٥٠)، وألف البيهقي ﵀ كتاب إثبات عذاب القبر أورد عدة أحاديث وآثار في الموضوع، كما أفرد له بابا في كتابه الاعتقاد (٢١٩).
(٢) العقيدة الواسطية (٢٠).
(٣) التبصير في الدين (٦٧)، وانظر كذلك مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٥).
(٤) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٢٠).
[ ٣ / ١١٢٥ ]
وأما الروايات التي وردت في هذه الآثار من رؤية بعض السلف لشيء من عذاب القبر، لا سيما ما صح السند إلى أصحابه وهم ثقات عدول، فإنه لا ينافي عقيدة أهل السنة، ولا يوجد شيء يستدعي استنكاره أو التشكيك فيه، وإن كان ذلك قد وقع لا سيما عند من لم يكن عنده خبرة بالآثار وأقوال السلف، وقد فصّل ابن القيم ﵀ ذلك فقال: "النار التي في القبر والخضرة ليست من نار الدنيا، ولا من زروع الدنيا فيشاهده من شاهد نار الدنيا وخضرها، وإنما هي من نار الآخرة وخضرها، وهي أشد من نار الدنيا فلا يحس به أهل الدنيا. . . وقدرة الرب تعالى أوسع وأعجب من ذلك، وقد أرانا اللَّه من آيات قدرته في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك بكثير، ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علما إلا من وفقه اللَّه وعصمه. . . فإذا شاء اللَّه سبحانه أن يطلع على ذلك بعض عبيدة أطلعه، وغَيَّبَه عن غيره؛ إذ لو طلع العباد كلهم لزالت كلمة التكليف، والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس. . . فرؤية هذه النار في القبر كرؤية الملائكة والجن تقع أحيانا لمن شاء اللَّه أن يريه ذلك -ثم ذكر آثارا كثيرة في هذا المعنى عن ابن أبي الدنيا وغيره- وهذه الأخبار وأضعافها وأضعاف أضعافها مما لا يتسع لها الكتاب مما أراه اللَّه سبحانه لبعض عباده من عذاب القبر ونعيمه عيانا" (^١).
_________________
(١) الروح (٦٧ - ٧١).
[ ٣ / ١١٢٦ ]
المبحث الثاني: الآثار الواردة في استمرارية عذاب القبر.
٩٨٤ - دثنا إسحاق بن إسماعيل، دثنا سفيان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (^١) قال: تكون للكافر والمؤمن، فلما أصابتهم النفخة قال الكافر: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ويقول المؤمن: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ قال سفيان: هذا موصول مفصول (^٢) " (^٣).
٩٨٥ - دثنا عمار بن نصر المروذي، دثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد ابن بشير قال: أرني قتادة: "إنه لا يفتّر عن أهل القبور عذاب القبر إلا فيما بين نفخة الصعق ونفخة البعث، فلذلك يقول الكافر حين يبعث: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ يعني تلك الفترة، فيقول المؤمن: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ
_________________
(١) سورة يس، الآية (٥٢).
(٢) في نسخة مجدي السيد: "مفضول" وهو لا يناسب المعنى، والتصويب من نسخة المباركفوري.
(٣) إسناده صحيح، والظاهر أن المراد بسفيان هو ابن حبيب البصري ثقة التقريب (٢٤٤٩) لأنه أعلم الناس بحديث سعيد كما في ترجمته من تهذيب الكمال (٣/ ٢١٣)، الأهوال (١١٥) رقم (٨٥)، وأخرجه بنحوه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ١٧)، وذكره السيوطي في الدر (٧/ ٦٣) ونسبه إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وليس عند الجميع تعليق سفيان بقوله: "هذا موصول مفصول".
[ ٣ / ١١٢٧ ]
وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ " (^١).
٩٨٦ - أخبرنا حماد بن محمد الفزاري قال: بلغني عن الأوزاعي أنه سأله رجل بعسقلان على الساحل فقيل له: يا أبا عمرو، إنا نرى طيرا سودا يخرج من البحر، فإذ كان العشيّ عاد مثلها بيضا، قال: وفطنتم لذلك؟ قالوا: نعم، قال: تلك طير في حواصلها أرواح آل فرعون، يعرضون على النار فتلفحها، فيسود ريشها، ثم يلقى ذلك الريش، ثم تعود إلى أوكارها فتلفحها النار، فذلك دأبها حتى تقوم الساعة، فيقال: ﴿آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ " (^٢).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان أن عذاب القبر مستمر غير منقطع، وأنه لا ينقطع إلا بقيام الساعة، كما صرح بذلك قتادة ﵀ بأن العذاب لا يفتر إلا ما بين النفختين أي نفخة الصعق ونفخة البعث، وبعدها يقول
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه عنعنة الوليد، الأهوال (١١٧) رقم (٨٧)، تقدم بنحوه عن قتادة وهو الذي قبله برقم (٩٨٤).
(٢) إسناده ضعيف، فيه حماد بن محمد الفزاري وقد ضعفه صالح جزرة انظر لسان الميزان (٢/ ٣٥٣)، من عاش بعد الموت (٤٧ - ٤٨) رقم (٤٨)، وابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٧١) في صدد تعداد من قال بهذا القول من السلف وفيه سماع حماد من الأوزاعي، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٢٩١) للمصنف في هذا الكتاب وابن جرير.
[ ٣ / ١١٢٨ ]
الكافر: من بعثنا من مرقدنا، ويقول المؤمن: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون، وأثر الأوزاعي المشهور في الطير التي كانوا يرونها وتفسيرها بأنها أرواح آل فرعون تعذب إلى قيام الساعة ويوم تقوم الساعة يدخلون أشد العذاب (^١)، والقول باستمرارية عذاب القبر ودوامه لا يلزم منه عدم انقطاعه مطلقا بل هو أنواع كما قال ابن القيم: "قوله عذاب القبر دائم أم منقطع؟ جوابها أنه نوعان:
نوع دائم: سوى ما ورد في بعض الأحاديث أنه يخفف عنهم ما بين النفختين، فإذا قاموا من قبورهم قالوا: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا.
النوع الثاني إلى مدة ثم ينقطع: وهو عذاب بعض العصاة، الذين خفت جرائمهم، فيعذب بحسب جرمه، ثم يخفف عنه كما يعذب في النار مدة ثم يزول عنه العذاب، وقد ينقطع عنه العذاب بدعاء، أو صدقة، أو استغفار، أو ثواب حج، أو قراءة تصل إليه من بعض أقاربه أو غيرهم، وهذا كما يشفع الشافع في المعذب في الدنيا فيخلص من العذاب بشفاعته" (^٢).
_________________
(١) وهذا التفسير وإن كان يحتاج إلى توقيف من حيث هذه الكيفية، إلا أن المراد هو فهم السلف لهذه الآية على استمرارية عذاب القبر على آل فرعون، انظر إثبات عذاب القبر للبيهقي (١٢٩ - ١٣٠)، واعتقاد أئمة الحديث (٦٩).
(٢) الروح (٨٩ - ٩٠)، وشرح العقيدة الطحاوية (٣٩٦)، العاقبة في ذكر الموت (٢٤٦).
[ ٣ / ١١٢٩ ]
المبحث الثالث: الآثار الواردة في إثبات وجود الملكين في القبر.
٩٨٧ - أخبرني يحيى بن جعفر، ذكر عمرو بن عثمان بن أخي علي ابن عاصم (^١)، أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن يزيد ابن طريف (^٢) قال: "مات أخي، فلما ألحد وانصرف الناس وضعت رأسي على قبره، فسمعت صوتا ضعيفا، أعرف أنه صوت أخي وهو يقول: اللَّه، فقال له الآخر: فما دينك: قال: الإسلام" (^٣).
٩٨٨ - ذكر محمد بن الحسين، ذكر أبو زيد: شجاع بن الوليد السكوني، ذكر العلاء بن عبد الكريم (^٤) قال: "مات رجل، وكان له أخ ضعيف البصر، قال أخوه: فدفنّاه، فلما انصرف الناس وضعت رأسي على القبر، فإذا أنا بصوت من داخل القبر يقول: من ربك ومن نبيّك؟
_________________
(١) صوابه عمر بدون الواو بن عاصم وهو صدوق التقريب (٤٩٨٠)، وانظر الجرح والتعديل (٦/ ١٢٤) فقد ذكر أنه ابن أخي علي بن عاصم، وبسبب هذا التصحيف قال محقق الكتاب عبد اللَّه الدرويش لم أجد له ترجمة.
(٢) لم أجد له ترجمة، وذكره الذهبي في تاريخ الإسلام (١/ ٧٨٢) بهذا لأثر، وذكر ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٤١) يزيد بن طريف هكذا دون نسبة، يروي عن أبي هريرة فلا أدري هل هو هذا؟ .
(٣) إسناده حسن، من عاش بعد الموت (٤٢) رقم (٤١)، وابن جرير في تهذيب الآثار (٢/ ٥١٣) رقم (٧٣٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٥٤)، ومن طريقه ابن الجوزي في المنتظم (٨/ ٨٩).
(٤) هو العلاء بن عبد الكريم اليامي، أبو عون الكوفي، ثقة عابد، توفي في حدود (١٥٠ هـ)، التقريب (٥٢٤٨).
[ ٣ / ١١٣٠ ]
فسمعت صوت أخي وهو يقول: اللَّه ربي، ومحمد -ﷺ- نبيِّي، قال له الآخر: فما دينك؟ قال: الإسلام" (^١).
٩٨٩ - حدثني محمد بن حميد بن عبد الرحمن بن يوسف الأصبهاني قال: وجدت كتابا عند جدي عبد الرحمن بن يوسف: من محمد بن يوسف إلى عبد الرحمن بن يوسف: "سلام عليك، فإني أحمد اللَّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني محذّرك متحوَّلَك من دار مهلتك إلى دار إقامتك وجزاء أعمالك، فتصير في قرار باطن الأرض بعد ظاهرها، فيأتيك منكر ونكير، فيقعدانك وينتهزانك، فإن يكن اللَّه معك فلا بأس ولا وحشة ولا فاقة، وإن يكن غير ذلك فأعاذني اللَّه وإياك من سوء مصرعٍ وضيق مضجعٍ، ثم تتبعك صيحة الحشر ونفخة الصور وبروز (^٢) الجبّار لفصل قضاء الخلائق، وخلاء الأرض من أهلها، والسموات من سكانها، فباحت الأسرار، وأُسعرت النار، ووضعت الموازين، وجيء بالنبيّين والشهداء: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ (^٣)، فيا ليت شعري ما حالي وحالك يومئذ؟ ففي هذا ما هدم اللذات، وسلا عن الشهوات،
_________________
(١) إسناده حسن؛ شجاع بن الوليد صدوق ورع له أوهام كما سبق (٦٤٨)، من عاش بعد الموت (٤٢) رقم (١٢)، والقبور برقم (١٣٤) وفيه التصريح بالسماع في كل السند، وإضافة في الأخير: "ثم ارتفع شبه سهم من داخل القبر إلى أذني، فاقشعر جلدي، فانصرفت"، وانظر الذي قبله برقم (١٣٣).
(٢) أثبت المحقق (وقيام) بدل (وبروز) من الإحياء، ولم يظهر لي وجه ذلك، وأرى أنه لا مبرر لفعله، لاسيما وأنه لم يعتمد على مخطوط وإنما مطبوعة الإحياء، وهذا غريب في منهج التحقيق.
(٣) سورة الزمر، الآية (٧٥).
[ ٣ / ١١٣١ ]
وقصر الأمل، فاستيقظ النائمون، وحذر الغافلون، أعاننا اللَّه وإياك على هذا الخطر العظيم، وأوقع الدنيا والآخرة من قلبي وقلبك موقعها من قلوب المتقين، فإنما نحن به وله" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة إثبات السؤال في القبر، والتنصيص على الملكين الموكلين به وهما: منكر ونكير، وهي مسألة تابعة لما قبلها حيث أورد العلماء الكلام عليها عند الكلام على إثبات عذاب القبر؛ لأنها تفصيل لهذا وذكر لأنواعه وبداياته، ولذلك فهى مسألة إجماعية كسابقتها قال ابن القيم: "أحاديث عذاب القبر، ومساءلة منكر ونكير، فكثيرة متواترة عن النبي -ﷺ-. . . وهذا كما أنه مقتضى السنة الصحيحة، فهو متفق عليه بين أهل السنة" (^٢) وقال ابن أبي عاصم: "في المساءلة أخبار ثابتة، والأخبار التي في المساءلة في القبر منكر ونكير أخبار ثابتة توجب العلم، فنرغب إلى اللَّه أن يثبتنا في قبورنا عند مسألة منكر ونكير والقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة" (^٣).
_________________
(١) إسناده لين، شيخ المصنف لم أجده إلا عند أبي نعيم في تاريخ أصبهان ولم يذكر فيه توثيقا ولا تجريحا، قصر الأمل (٦٢ - ٦٣) رقم (٦٩)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٣٦)، وفي تاريخ أصبهان (٢/ ١٦٣) في ترجمة شيخ المصنف.
(٢) الروح (٥٢، ٥٧)، وانظر في تصحيح ما ورد من تسمية الملكين بمنكر ونكير السلسلة الصحيحة (٣/ ٣٨٠).
(٣) السنة لابن أبي عاصم (١/ ٤٠٦).
[ ٣ / ١١٣٢ ]
المبحث الرابع: الآثار الواردة في تلاقي الأرواح بعد الموت.
٩٩٠ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني يحيى بن إسحاق، حدثني عبد اللَّه بن المبارك، عن ثور بن يزيد، عن أبي رهم، عن أبي أيوب (^١) قال: "تعرض أعمالكم على الموتى؛ فإن رأوا حسنا فرحوا واستبشروا وقالوا: اللهم هذه نعمتك على عبدك فأتمها عليه، وإن رأوا سوءا قالوا: اللهم راجع به" (^٢).
٩٩١ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا عبد اللَّه بن المبارك، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أن أبا الدرداء كان يقول: "إن أعمالكم تعرض على موتاكم؛ فيسرّون ويساؤون، وكان أبو الدرداء يقول عند ذلك: "اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا يخزى به عبد اللَّه بن رواحة" (^٣).
_________________
(١) هو خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، أبو أيوب، من كبار الصحابة، شهد بدرا، ونزل النبي -ﷺ- حين قدم المدينة عليه، مات غازيا الروم سنة (٥٠ هـ) وقيل بعدها، الإصابة (٢/ ٢٣٤)، التقريب (١٦٣٣).
(٢) إسناده حسن، ويحيى بن إسحاق هو السيلحيني صدوق التقريب (٧٥٤٩)، المنامات الناس (٨) رقم (٣)، وابن المبارك في الزهد رقم (٤٤٣)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٠١)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٦٠٧) لابن المبارك، ويروى مرفوعا ولا يصح رفعه انظر العلل المتناهية (٢/ ٩١١)، ويراجع لزاما الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع لابن حجر (١/ ٨٧).
(٣) إسناده لين؛ ولا أعرف لعبد الرحمن سماعًا من أبي الدرداء واللَّه أعلم، المنامات (٩) =
[ ٣ / ١١٣٣ ]
٩٩٢ - حدثني محمد بن عبد اللَّه بن بزيع، حدثنا فضيل بن سليمان النميري، عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، عن جده (^١) قال: "لما مات بشر بن البراء بن معرور، وجدت عليه أم بشر وجدا شديدا فقالت: يا رسول اللَّه لا يزال الهالك يهلك من بني سلمة، فهل يتعارف الموتى، فأرسل إلى بشر بالسلام؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "نعم والذي نفسي بيده يا أم بشر، إنهم ليتعارفون كما تتعارف الطير في رؤوس الشجر"، وكان لا يهلك هالك من بني سلمة إلا جاءته أم بشر فقالت: يا فلان عليك السلام، فيقول: وعليك، فتقول: اقرأ على بشر السلام" (^٢).
٩٩٣ - حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا يحيى بن يمان، حدثنا أشعث،
_________________
(١) = رقم (٤)، والذي بعده وفيه أن عبد اللَّه بن رواحة خال أبي الدرداء، وابن المبارك في الزهد رقم (١٦٥).
(٢) هو أبو لبيبة الأنصاري الأشهلي، روى عن النبي -ﷺ-، لم يرو عنه غير ابنه عبد الرحمن، انظر الإصابة (٧/ ٣٥١)، الاستيعاب (١/ ٥٦٠).
(٣) إسناده ضعيف؛ فضيل بن سليمان صدوق له خطأ كثير التقريب (٥٤٦٢)، ويحيى ابن عبد الرحمن بن أبي لبيبة ليس بشيء انظر لسان الميزان (٦/ ٢٧٤)، المنامات (١٧ - ١٨) رقم (١٤)، وذكره ابن حجر في الإمتاع (٨٧) وضعفه وقال: "وروى الطبراني من وجه آخر: أن أم بشر -وهي هذه- جاءت إلى كعب بن مالك عند موته فقالت: أقرئ بشر السلام، وهو شاهد قوي لحديث أبي لبيبة"، وفي التاريخ الكبير (٥/ ٣٠٥) للبخاري نحوه، وذكره ابن القيم في كتاب الروح (١/ ٢١٠) مصدرا بقوله: "وقد جاءت سنة صريحة بتلاقي الأرواح".
[ ٣ / ١١٣٤ ]
عن جعفر، عن سعيد قال: "إذا مات الميت استقبله ولده كما يستقبل الغائب" (^١).
٩٩٤ - حدثنا أبو هشام، حدثنا يحيى بن يمان، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه: "إنه ليبشر المؤمن بصلاح ولده من بعده لتقر عينه" (^٢).
٩٩٥ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن إسحاق الحضرمي قال: سمعت صالحا المري قال: "بلغني أن الأرواح تتلاقى عند الموت، فتقول أرواح الموتى للروح التي تخرج إليهم: كيف كان مأواك؟ وفي أي الجسدين كنت، في طيب أو خبيث؟ قال: ثم بكى صالح حتى غلبه البكاء" (^٣).
٩٩٦ - حدثني سريج بن يونس، حدثنا عبيدة بن حميد، حدثني عمار، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال حذيفة: "الروح بيد ملك، وإن الجسد ليغسل، وإن الملك ليمشي معه إلى القبر، فإذا سوي عليه سلك فيه، فذلك
_________________
(١) إسناده ضعيف، يحيى بن يمان صدوق عابد يخطئ كثيرا وقد تغير التقريب (٧٧٢٩)، المنامات (١٨ - ١٩) رقم (١٥)،، وذكره ابن القيم في الروح (١/ ١٩)، والسيوطي في شرح الصدور (٩٢).
(٢) إسناده ضعيف جدا، فيه عبد الوهاب بن مجاهد وهو متروك وقد كذبه الثوري التقريب (٤٢٩١)، المنامات (١٩) رقم (١٦)، وذكر ابن القيم في الروح (١/ ١٢) بقوله: "وصح عن مجاهد"، والسيوطي في الدر (٧/ ٣٢٣) ونسبه لأبي نعيم في الحلية، وابن الجوزي في الثبات عند الممات (٧٣).
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه صالح المري وقد سبق (١٧٤)، المنامات (٤٨) رقم (٦٠).
[ ٣ / ١١٣٥ ]
حتى يخاطب" (^١).
٩٩٧ - حدثني الحسين بن محمد العنقزي، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "الروح بيد ملك يمشي مع الجنازة يقول: اسمع ما يقال لك، فإذا بلغ حفرته دفنه معه" (^٢).
٩٩٨ - حدثني محمد بن يزيد الآدمي، حدثنا محمد بن عثمان بن صفوان، حدثنا حميد الأعرج، عن مجاهد: "إذا مات الميت فملك قابض نفسه، فما من شيء إلا وهو يراه، عند غسله، وعند حمله، حتى يصير إلى قبره" (^٣).
٩٩٩ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا محمد ابن طلحة بن مصرف قال: سمعت بكر بن عبد اللَّه المزني (^٤) يقول: "بلغني
_________________
(١) إسناده حسن إن كان سالم سمع من حذيفة فإنه ثقة وكان يرسل كثيرا التقريب (٢١٨٣)، المنامات (١١ - ١٣) رقم (٧)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر رقم (٤٥) دون قوله: "فذلك حتى يخاطب"، وذكره ابن طاهر في البدء والتاريخ (٢/ ١٢٠).
(٢) إسناده لين، عبد الرحمن بن أبي زياد مقبول التقريب (٣٨٨٩)، المنامات (١٣ - ١٤) رقم (٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٥٨) رقم (٣٤٩٥٢).
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه محمد بن عثمان بن صفوان وهو الجمحي ضعيف التقريب (٦١٧٠)، المنامات (١٤ - ١٥) رقم (٩)، ذكره ابن رجب في أهوال القبور (٢٩٧)، والسيوطي في شرح الصدور (٩٤) ونسباه للمصنف فقط.
(٤) هو بكر بن عبد اللَّه المزني، أبو عبد اللَّه البصري، ثقة ثبت جليل، مات سنة =
[ ٣ / ١١٣٦ ]
أنه ما من ميت إلا وروحه بيد ملك الموت، فهم يغسلونه ويكفنونه، وهو يرى ما يصنع أهله، فلو أنه يقدر على الكلام لنهاهم عن الرَّنَّة والعَوِيل (^١) " (^٢).
١٠٠٠ - حدثني محمد بن عثمان العقيلي قال: سمعت يحيى الحماني قال: دخل حماد بن مغيث على ابن السماك يعوده في مرضه، فقال: سمعت سفيان يقول: "إنه ليعرف كل شيء -يعني الميت (^٣) - حتى إنه ليناشد غاسله باللَّه إلا خففت غسلي" (^٤).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة إثبات تلاقي الأرواح بعد موت الإنسان، حيث تتلاقى وتتزاور فيما بينهما، كما تتلقى من يموت حديثا وتستخبره عن أحوال من تعرفه من أهل الدنيا، فتسر بحسناتهم، وتحزن لقبيح فعالهم، وقد اعتنى العلماء بهذه المسألة وعقدوا لها أبوابا مستقلة في كتبهم حتى
_________________
(١) = (١٠٦ هـ)، التقريب (٧٤٣).
(٢) الرنة هي الصياح، والعويل رفع الصوت بالبكاء، مختار الصحاح (٤٦٧).
(٣) إسناده حسن إلى بكر، المنامات (١٥ - ١٦) رقم (١٠)، وذكره ابن رجب (٢٩٨)، والسيوطي (٩٥).
(٤) في الأصل الموت، والتصويب من طبعة عبد القادر عطا.
(٥) إسناده حسن؛ فيه يحيى الحماني وقد سبق (٧١٨)، المنامات (١٦) رقم (١١)، وذكره ابن رجب (٢٩٩)، والسيوطي (٩٥).
[ ٣ / ١١٣٧ ]
وصفها ابن القيم بأنها: "مسألة شريفة كبيرة القدر" (^١)، وقد غلب على هذه الآثار الضعف حتى ظن بعض العلماء أنه لم يصح منها شيء، قال ابن عبد البر: "قد قالت العلماء بما وصفنا، واللَّه أعلم بالصحيح من ذلك، وما احتج به القوم فليس حجة واضحة، ولا هو مما يقطع بصحته؛ لأنه ليس فيه خبر صحيح يقطع العذر، ويوجب الحجة، ولا هو مما يدرك بقياس ولا استنباط، بل العقول تنحسر وتعجز عن علم ذلك" (^٢)، ولما أجاب الآلوسي على هذه المسألة أحال على كتاب الروح لابن القيم فتعقبه الألباني ﵀ بقوله: "وقد ساق لها أدلة كثيرة من الكتاب والسنة والآثار عن الصحابة والتابعين، لكن الأحاديث التي أوردها ليس فيها ما يحتج به من قبل إسناده، وقد فاته حديث أبي هريرة وفيه: ". . . وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء فتأتيه أرواح المؤمنين فيستخبرونه عن معارفهم من أهل الأرض. . " الحديث. وسنده حسن وصححه السيوطي وقد خرجته في "الصحيحة" (^٣).
وهذا التلاقي والتزاور يتضمن أن الأرواح لا تفنى بعد الموت، ولا تموت اللهم إلا إن سُمِّي مفارقتها للجسد موتا، فهو اصطلاحي، أما أنها
_________________
(١) الروح (١٧)، وممن أفردها بالبحث ابن رجب في أهوال القبور (١٢٨)، القرطبي في التذكرة (٦١)، والألوسي في الآيات البينات (٩١).
(٢) التمهيد (٥/ ٢٤٥).
(٣) الآيات البينات (١٠٢)، وانظر الصحيحة رقم (٢٦٢٨).
[ ٣ / ١١٣٨ ]
تعدم ولا تبقى بعد مفارقتها الجسد فذلك قول الفلاسفة الذين اعتبروها عرضا من أعراض الجسم، وهذا كذلك ما تضمنته بقية الآثار السابقة في أن الروح بعد مفارقة البدن تبقى في قبضة يد مَلَك من الملائكة، حتى إنها لتعلم كل ما يفعله الغاسل، ومن حولها من الناس، وورودها مع البدن حتى تدخل القبر، فتعاد ليسأل الميت في قبره، ولخطورة القول بفناء الروح وموتها لم يعده العلماء من أقوال أهل الإسلام بل عدوه قولا شاذا؛ لأنه يؤدي إلى إنكار عذاب القبر ونعيمه، بل إلى إنكار معادها، قال شيخ الإسلام: "مذهب سلف الأمة وأئمتها أن العذاب أو النعيم لروح الميت وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأيضا تتصل بالبدن أحيانا فيحصل له معها النعيم أو العذاب" (^١) وقال: "الذي عليه الأنبياء وأتباعهم، وجمهور العقلاء أن الروح تفارق البدن، وتبقى بعد فراق البدن، ومن قال من متكلمة أهل الملل أنه لا يبقى بعد البدن روح تفارقه، وأن الروح جزء من البدن، أو عرض من أعراض البدن، فقوله مع أنه خطأ في العقل الصريح هو أيضًا مخالف لكتب اللَّه المنزلة ولرسله ولمن اتبعهم من جميع أهل الملل" (^٢) وقال ابن رجب عند مناقشته استدلالتهم ومنها قوله تعالى: " ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (^٣) إنما أراد كل مخلوق فيه
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٥٩)، وانظر الصفدية (٢/ ٢٦٧).
(٢) الجواب الصحيح (٣/ ٢٨٦).
(٣) سورة آل عمران، من الآية (١٨٥)، ووردت في الأنبياء (٣٥)، والعنكبوت (٥٧).
[ ٣ / ١١٣٩ ]
حياة؛ فإنه يذوق الموت وتفارق روحُه بدنَه، فإن أراد أنها تعدم وتتلاشى فليس بحق، وقد اشتد نكير العلماء لهذه المقالة، حتى قال سحنون بن سعيد وغيره: هذا قول أهل البدع، والنصوص الكثيرة الدالة على بقاء الأرواح بعد مفارقتها الأبدان ترد ذلك وتبطله" (^١).
_________________
(١) أهوال القبور (١٨٧).
[ ٣ / ١١٤٠ ]
الفصل الثالث: الآثار الواردة في القيامة.
وفيه عشرة مباحث:
المبحث الأول: الآثار الواردة في الصور.
المبحث الثاني: الآثار الواردة في النفخ في الصور.
المبحث الثالث: الآثار الواردة في الميزان.
المبحث الرابع: الآثار الواردة في هول الموقف.
المبحث الخامس: الآثار الواردة في هوان الموقف على المؤمن.
المبحث السادس: الآثار الواردة في أرض المحشر وصفتها.
المبحث السابع: الآثار الواردة في الشفاعة.
المبحث الثامن: الآثار الواردة في المقام المحمود.
المبحث التاسع: الآثار الواردة في البعث وصفته.
المبحث العاشر: الآثار الواردة في الصراط.
[ ٣ / ١١٤١ ]
المبحث الأول: الآثار الواردة في الصور.
١٠٠١ - دثني عبيد اللَّه بن جرير، دثنا موسى بن إسماعيل، دثنا عبد الواحد بن زياد، دثنا عبيد اللَّه بن الأصم، دثنا يزيد بن الأصم قال: قال ابن عباس: "إن صاحب الصور لم يطرف مُذ وُكِلَ بِهِ، كأن عينيه كوكبان دُرِّيان (^١)، ينظر تجاه العرش، ما يطرف مخافة أن يؤمر أن ينفخ فيه قبل أن يرتدّ إليه طرفه" (^٢).
١٠٠٢ - دثنا عبيد اللَّه بن جرير، دثنا مسلم بن إبراهيم، دثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود قال: "الصور كهيئة القرن الذي ينفخ فيه" (^٣).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة إثبات الصور، وذكر شيء من أوصافه، وأنه كهيئة القرن، وأنه ينفخ فيه النفختان الأولى والثانية.
_________________
(١) مضيئان، القاموس المحيط (١/ ٥٠٠).
(٢) إسناده ضعيف، مداره على عبيد اللَّه بن الأصم مقبول التقريب (٤٣٣٣)، الأهوال (٨٢) رقم (٥١)، وأبو الشيخ في العظمة (٣/ ٨٤٤) رقم (٣٩٢).
(٣) إسناده حسن، فيه أبو الزعراء وهو الأكبر الكوفي عبد اللَّه بن هانئ وثقه العجلي كما في التقريب (٣٧٠١)، وانظر أيضًا تهذيب التهذيب (٣/ ٤٤٨)، الأهوال (٨٠) رقم (٤٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ٣٥٣) رقم (٩٧٥٥)، ومسدد في مسنده كما في المطالب العالية لابن حجر (٥/ ١٠١) رقم (٤٥٣٥) وقال ابن حجر: "صحيح موقوف"، ونسبه السيوطي في الدر (٣/ ٢٩٧) لغير هؤلاء أيضًا.
[ ٣ / ١١٤٢ ]
وللصور تسميات كثيرة هو الصور والناقور الوارد في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ (^١)، وهو البوق، وهو القرن، والناقور والبوق والصور كلها بمعنى واحد كما أفاده ابن حجر على اختلاف لغات العرب، فيكون معناه أنه قرن على هيئة البوق، والبوق معروف يزمر به، وهو الذي يتخذه اليهود للأذان، قال ابن حجر: "ذكره في القرآن: في الأنعام، والمؤمنين، والنمل، والزمر، وق وغيرها، وهو بضم المهملة وسكون الواو، وثبت كذلك في القراءات المشهورة والأحاديث" (^٢)، وهو من جملة الإيمان باليوم الآخر قال الشيخ حافظ حكمي: "كما يدخل في الإيمان باليوم الآخر الموت وما بعده، من فتنة القبر ونعيمه أو عذابه، وباللقاء والبعث، والنشور والقيام من القبور، كذلك يدخل في ذلك الإيمان بالصور والنفخ فيه، الذي جعله اللَّه سبب الفزع والصعق والقيام من القبور" (^٣)، وقد نص الإمام أحمد في رسالته إلى مسدد أنه من عقيدة أهل السنة والجماعة، وكذا ابن بطة (^٤).
_________________
(١) سورة المدثر، الآية (٨).
(٢) فتح الباري (١١/ ٣٦٧)، وانظر بعض تفاصيله في البداية والنهاية (١/ ٤٥).
(٣) معارج القبول (٢/ ٧٩٩).
(٤) انظر الرسائل والمسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة (٢/ ١٩٦)، والشرح والإبانة (٢٢٣).
[ ٣ / ١١٤٣ ]
المبحث الثاني: الآثار الواردة في النفخ في الصور.
١٠٠٣ - دثني محمد بن الحسين، دثنا داود بن المحبر، دثنا ميمون المرئي قال: سمعت الحسن في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ (^١) قال: "وثب القوم من قبورهم لما سمعوا الصرخة ينفضون التراب" (^٢).
١٠٠٤ - دثنا إسحاق بن إسماعيل، دثنا سفيان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (^٣) قال: تكون للكافر والمؤمن، فلما أصابتهم النفخة قال الكافر: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ويقول المؤمن: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ قال سفيان: هذا موصول مفصول (^٤) " (^٥).
١٠٠٥ - دثني محمد، دثنا يحيى، عن الهياج بن بسطام، عن سعيد بن عبد اللَّه، عن وهب بن منبه قال: "يبلون في قبورهم، فإذا سمعوا الصرخة عادت الأرواح إلى الأبدان والمفاصل بعضها إلى بعض، فإذا سمعوا النفخة
_________________
(١) سورة يس، الآية (٥١).
(٢) إسناده ضعيف جدا، فيه داود بن المحبر متروك التقريب (١٨٢٠)، الأهوال (١١٤) رقم (٨٤).
(٣) سورة يس، الآية (٥٢).
(٤) في نسخة مجدي السيد: "مفضول" وهو لا يناسب المعنى، والتصويب من نسخة المباركفوري.
(٥) سبق الأثر مخرجا (٩٨٤).
[ ٣ / ١١٤٤ ]
الثانية وثب القوم قياما على أرجلهم ينفضون التراب عن رؤوسهم" (^١).
١٠٠٦ - دثنا محمد بن عبد اللَّه المديني، أرنا هشيم، أرنا سيار، عن أبي جعفر، عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ (^٢)، ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾ (^٣) قال: "هي مواقف، فأما الصعقة الأولى إذا صعقوا ماتوا فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فإذا نفخ في الصور النفخة الأخرى، فإذا هم قيام ينظرون، فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون" (^٤).
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه هياج بن بسطام، وهو ضعيف روى عنه ابنه خالد منكرات شديدة التقريب (٧٤٠٥)، الأهوال (١١٤) رقم (٨٣)، ذكره ابن كثير في النهاية البداية (١/ ١٨٣) عن المؤلف.
(٢) سورة المؤمنون، الآية (١٠١).
(٣) سورة الصافات، الآية (٥٠).
(٤) إسناده صحيح، وهشيم هو ابن بشير ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي التقريب (٧٣٦٢) وقد صرح بالسماع، الأهوال (٩٧) رقم (٦٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، والطبري في تفسيره (١٨/ ٥٤)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٤٥) رقم (١٠٥٩٤)، والمزي في تهذيب الكمال (٨/ ١٩٥)، والبيهقي في المبحث (٧٨)، وفي الأسماء والصفات (٢/ ١٢٠)، وذكره إسحاق بن راهوية في مسنده (٣/ ٦٧٣)، والأثر علقه البخاري انظر الفتح (٨/ ٥٥٨)، وتغليق التعليق (٤/ ٣٠١ - ٣٠٢)، ونسبه السيوطي في الدر (٦/ ١١٦) إلى سعيد بن منصور وعبد ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم بمثل لفظ المصنف، قلت طريق المصنف: عن أبي جعفر -وهو الباقر- عن ابن عباس -﵁- لم أجدها عند غيره، وإنما الذين خرجوه =
[ ٣ / ١١٤٥ ]
١٠٠٧ - دثنا يوسف، دثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، دثنا سعيد بن أبي أيوب، دثني محمد بن عبيدة المكي، عن أبي فراس يزيد بن رباح، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: "ينفخ في الصور النفخة الثانية من الباب الآخر" (^١).
١٠٠٨ - دثنا هارون بن عمر القرشي، ثنا الوليد بن مسلم، دثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عطاء بن يزيد السكسكي (^٢) قال: "يبعث اللَّه ريحا طيّبة بعد قبض عيسى بن مريم -ﷺ-، وعند دنوّ من الساعة فتقبض روح كلّ مؤمن ومؤمنة، ويبقى شرار الناس يتهارجون، تهارج الحمر، عليهم تقوم الساعة، قال: فبينما هم على ذلك إذ بعث اللَّه على أهل الأرض الخوف، فترجف أفئدتهم ومساكنهم، فتخرج الجن والإنس
_________________
(١) = رووه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وذكر الطبري طريقا آخر عن علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٢) إسناده ضعيف، فيه محمد بن عبيدة المكي، أورده البخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٧٤)، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا وقال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ١٠): "لا أعرفه"، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٤١٠)، الأهوال (٩٤) رقم (٦٠)، وأبو عمرو الداني في السنن والواردة في الفتن (٦/ ١٢٨١ - ١٢٨٢) رقم (٧١٧)، وذكره السيوطي في الدر (٧/ ٢٥٥) ونسبه لعبد بن حميد.
(٣) ذكره البخاري في التاريخ الكبير، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وابن حبان في الثقات، عداده في أهل الشام، يروى عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ-، التاريخ الكبير (٥/ ٤٦١)، الثقات (٥/ ٢٠١).
[ ٣ / ١١٤٦ ]
والشياطين إلى سيف البحر، فيمكثون كذلك ما شاء اللَّه، ثم تقول الجن والشياطين: هلمّ نلتمس المخرج، فيأتون خافق المغرب، فيجدونه قد سُدّو (كذا) عليه الحفظة، ثم يرجعون إلى الناس، فبينما هم كذلك، إذ أشرقت عليهم الساعة ويسمعون مناديا ينادي: يا أيها الناس أتى أمر اللَّه فلا تستعجلوه قال: فما المرأة أشد استماعا من الوليد في حجرها، ثم ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه" (^١).
_________________
(١) إسناده ضعيف، فإن الوليد بن مسلم مدلس ولا ينفعه التصريح بالتحديث فتدليسه تدليس التسوية كما في التقريب (٧٥٠٦)، وشيخ المصنف هارون بن عمر القرشي هو المخزومي الدمشقي ترجمة في الجرح والتعديل (٩/ ٩٣) وقال: "شيخ دمشقي أدركته، كان يرى رأي أبي حنيفة وعلى العمد لم نكتب عنه، محله الصدق"، وترجم له الخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ١٣) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، قلت: ونسبة المصنف له إلى قريش نسبة عامة وإلا فهو مشهور بنسبته الخاصة المخزومي وبنو مخزوم من قريش انظر نهاية الإرب في معرفة أنساب العرب (٣٧١)، الأهوال (٦١) رقم (٢٧)، وأورده ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٤٢١) قال: "سألت أبي عن حديث رواه الوليد قال حدثنا ابن جابر عن عطاء بن يزيد السكسكي قال: يبعث اللَّه ريحا طيبة بعد قبض عيسى بن مريم وعند دنو من الساعة فذكر الحديث، فقال أبي: إنما هو يزيد بن عطاء بن وهب عن مكحول عن أبي أمامة عن النبي -ﷺ- أنه قال: الناس اليوم شجرة ذات جنى ويوشك الناس أن يعودوا شجرة ذات شوك إن ناقدتهم ناقدوك وإن تركتهم لم يتركوك وإن هربت منهم طلبوك، قال: قلت: فكيف المخرج عن ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: تقرضهم من عرضك ليوم فاقتك، قال أبي: هذا حديث منكر"، وهذا مشكل سببه سقط حصل في هذه =
[ ٣ / ١١٤٧ ]
١٠٠٩ - دثنا علي بن الجعد، أرنا شعبة، عن عمارة بن أبي حفصة، عن حجر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (^١) قال: "الشهداء ثنيّة اللَّه حول العرش متقلّدي السيوف" (^٢).
_________________
(١) = الطبعة فأوهم أن كلام أبي حاتم في النكارة يشمل أثر السكسكي، وبالرجوع إلى طبعة أبي يعقوب المصري (٤/ ١٠٥) رقم (٢٧٦٨ - ٢٧٦٨ م)، أورد النص الساقط وجعله بين معقوفتين وصار الكلام متصلا، وتبيّن أن كلام أبي حاتم وحكمه منفصل؛ مرة تحدث عن أثر السكسكي وبيّن أن صوابه يزيد بن عطاء وليس عطاء ابن يزيد، ثم تحدث عن حديث مرفوع غير هذا الأثر، وبيّن أنه منكر.
(٢) سورة الزمر، الآية (٦٨).
(٣) إسناده ضعيف، مدار جميع طرقه على حجر وهو الهجري، قال عنه أبو زرعة: "لا أعرفه" الجرح والتعديل (٣/ ٢٦٨)، وأورده ابن حبان في الثقات (٣/ ٣١١)، الأهوال (٩٥) رقم (٦١)،، وابن المبارك في الجهاد (٥٠) رقم (٤٥)، وسعيد بن منصور في سننه (٢/ ٢١٩ - ٢٢٠) رقم (٢٥٦٨)، وهناد في الزهد (١/ ١٢٦) رقم (١٦٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٢٠٦)، والطبري في تفسيره (٢٤/ ٣٠)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (١/ ٤٢٢) وفي ترجمته ما يدل أن الراوي عنه لا يعرفه حيث ورد في السند: ". . . عن عمارة بن أبي عمارة، قال: سمعت رجلا يقال له: حجر، يحدّث بأصبهان يقول: سمعت سعيد بن جبير. . . "، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩)، وذكره البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٧٣)، وذكره أيضًا البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣١٠)، والظاهر أن الأثر ليس له طريق من غير طريق حجر هذا انظر علل أحمد (٢/ ٤٥٤) رقم (٣٠٢٠) حيث وقعت =
[ ٣ / ١١٤٨ ]
١٠١٠ - دثنا محمد بن الحسين، دثنا يونس أبو نباتة، دثنا إسماعيل ابن رافع، عن محمد بن كعب القرظى (^١) قال: "بلغني أن آخر من يموت ملك الموت، يقال له: يا ملك الموت مُت موتا لا تحيى بعده أبدا، قال: فيصرخ عند ذلك صرخة، لو سمعها أهل السماوات وأهل الأرض لماتوا فزعا، ثم يموت، ثم يقول اللَّه -﷿-: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (^٢) " (^٣).
_________________
(١) = مراسلة بين الثوري وشعبة بخصوص هذا الأثر.
(٢) هو محمد بن كعب بن سليم بن أسد، أبو حمزة القرظي المدني، وكان قد نزل الكوفة مدة، ثقة عالم، مات محمد سنة (٢٠ هـ) وقيل قبل ذلك، التقريب (٦٢٥٧).
(٣) سورة غافر، الآية (١٦).
(٤) إسناده ضعيف، فيه إسماعيل بن رافع وهو ضعيف الحفظ التقريب (٤٤٦)، الأهوال (٩٢) رقم (٥٨)، وانظر رقم (٥٩)، وذكره السيوطي في الحبائك (٤٨) رقم (١٥٤)، وابن كثير في النهاية مختصرا (١/ ١٨٦) وعزواه للمصنف، كما ذكره الحافظ في الفتح (١١/ ٤٢١) وضعفه بقوله: "لكنه لم يثبت"، وناقش قبل هذا الموضع طرق هذا الأثر وبين أنه روي مرفوعا وموقوفا، فهو مضطرب في سنده مع ضعفه، وأن مداره على إسماعيل بن رافع وله متابع أضعف منه هو إسماعيل بن زياد الشامي، ونقل تصحيح ابن العربي والقرطبي للحديث، واعترض عليه وقال: "وقول عبد الحق -أي الإشبيلي- في تضعيفه أولى، وضعفه قبله البيهقي"، قال ابن القيم في حادي الأرواح (١٥٩): "قال شيخنا أبو الحجاج الحافظ: هذا الحديث مجموع من عدة أحاديث، ساقه إسماعيل وغيره، وشرحه الوليد بن مسلم في كتاب مفرد، =
[ ٣ / ١١٤٩ ]
١٠١١ - دثنا هارون بن عمر القرشي، دثنا الوليد بن مسلم، دثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عطاء بن يزيد السكسكي: "إذا لم يبق إلا اللَّه مجّد نفسه، ثم قال: أين الذين كانوا يدّعون معي الملك، وأنا الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له لي كفوا أحد" (^١).
١٠١٢ - قال عمار بن نصر دثنا الوليد بن مسلم، دثنا سعيد بن بشير، عن قتادة قرأ: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١)﴾ (^٢) قال: "ملك قائم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيتها العظام البالية والأوصال المتطّقعة، إن اللَّه يأمركم أن تجتمعن لفصل القضاء" (^٣). . . (^٤).
_________________
(١) = وما تضمنه معروف في الأحاديث" قلت: هذا على العموم وإلا ففيه بعض الألفاظ إلى أنكرت، فقد نقل ابن كثير في النهاية (١/ ١٨٦) انتقاد ابن المديني للفظة وردت فيه وهي قوله لملك الموت (مت لا تحيى بعده أبدا) حيث قال: "لم يتابع إسماعيل بن رافع على هذه اللفظة، ولم يقلها أكثر الرواة".
(٢) الأهوال (٩١) رقم (٥٦)، انظر الحكم على هذه الرواية وكلام أبي حاتم فيها (٨٦٤ - ٨٦٣).
(٣) سورة ق، الآية (٤١).
(٤) إسناده ضعيف، فيه سعيد بن بشير وهو الشامي ضعيف التقريب (٢٢٨٩)، الأهوال (١٠٨) رقم (٧٦)، والطبري في تفسيره (٢٦/ ١٨٣) عن قتادة عن كعب، ولم ينسبه في الدر (٧/ ٦١١) لغيره، وانظر فضائل الصحابة لأحمد (٢/ ٩٠١ - ٩٠٢) رقم (١٧١٨ - ١٧١٩)، والسنن الواردة في الفتن لأبي عمرو الداني (٦/ ١٢٨٦) رقم (٧٢٢).
(٥) قال رضاء اللَّه المباركفوري: "يلاحظ أن هذا الأثر ذكر في الهامش الجانبي من الأصل، ولم =
[ ٣ / ١١٥٠ ]
١٠١٣ - دثني حمزة بن العباس، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، أرنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء قال: "يرسل ريح فيها صر بارد زمهرير، فلا تذر على الأرض مؤمنا إلا لفت بتلك الريح، ثم تقوم الساعة على الناس، قال: ثم يقوم ملك بين السماء والأرض بالصور فينفخ فيه، فلا يبقى خلق في السماء والأرض إلا مات، ثم يكون بين النفختين ما شاء اللَّه أن يكون. . ." (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة إثبات النفخ في الصور، والتصريح أنهما نفختان، وإلى المكان الذي تحصل فيه النفختان، وأن الشهداء مستثون من
_________________
(١) = يظهر منه إلا ما أثبته، وقد روى ابن جرير الأثر السابق من طريق آخر عن سعيد عن قتادة أنه قال في تفسير الآية: "كنا نحدث أنه ينادي من بيت المقدس من الصخرة، وهي أوسط الأرض. . ." ولا يستبعد أن يكون المطموس هو هذا الأثر واللَّه أعلم".
(٢) إسناده صحيح إلى أبي الزعراء وقد تقدم (١٠٠٢)، والأثر لا يصح عن ابن مسعود، الأهوال (١١١) رقم (٨٠)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٩٨ - ٦٠٠) مطولا عن أبي الزعراء عن ابن مسعود -﵁- وقال: "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" واستدرك عليه الذهبي بقوله: "ما احتجا بأبي الزعراء"، قال الشيخ الألباني ﵀ في تحقيقه لشرح العقيدة الطحاوية (٤١٠): "وفاته أنه منقطع"، وابن جرير في تفسيره (٢٢/ ١١٩)، ونعيم بن حماد في الفتن (٢/ ٥٩٥)، والطبراني في الكبير (٩/ ٣٥٤ - ٣٥٦) رقم (٩٧٦١)، جميعهم عن أبي الزعراء عن ابن مسعود -﵁- وقال ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٧٠): "رواته ثقات إلا أنه موقوف" وقال الهيثمي: "رواه الطبراني وهو موقوف مخالف للحديث الصحيح وقول النبي -ﷺ-: "أنا شافع" وهذه الفقرة لم تذكر هنا، وصح عند مسلم (٤/ ٢٢٧٠): "كما ينبت البقل".
[ ٣ / ١١٥١ ]
الصعق عند النفخ في الصور، ثم آخر من يموت من المخلوقات.
فأما النفخ في الصور فالآثار تنوعت فمنها ما تضمن الإشارة إلى النفخة الثانية وهي نفخة البعث، ومنها ما تضمن الإشارة إلى النفخة الأولى وهي نفخة الصعق، ومنها ما صرح بأنهما نفختان وبيّن أن مكانهما مختلف، وبعضها يوحي بأنها أكثر من نفختين كأثر وهب بن منبه الذي ذكر نفختين غير نفخة الفزع والصعق.
وقد اختلف العلماء في عدد النفخات التي تقع، فعدها ابن حزم أربعا هي: نفخة الإماتة يموت كل من بقي حيا في الأرض، ثم نفخة الإحياء والنشر من القبور، ثم نفخة الفزع والصعق يفيقون جميعا كالمغشي عليه من الموت، ثم نفخة إقامة بعد ذلك الغشي (^١).
وذهب ابن العربي (^٢)، وهو ظاهر كلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (^٣)، وابن كثير (^٤)، والسفاريني (^٥) إلى أنها ثلاثة: نفخة الفزع، ثم الصعق، ثم البعث.
وذهب القرطبي (^٦) وابن حجر (^٧) إلى أنها نفختان: نفخة الصعق يموت فيها من بقي حيا من أهل الأرض، ويغشى على من استثنى اللَّه، ثم
_________________
(١) نقله عنه ابن حجر في الفتح (٦/ ٤٤٦).
(٢) ذكره عنه القرطبي في التذكرة (٢٠٠)، وكذا ابن حجر كما في الحاشية السابقة.
(٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٠ - ٢٦١) و(١٦/ ٣٥)، تحفة المولود (٣٠٦).
(٤) تفسير ابن كثير (٢/ ١٩٦) (٤/ ٥٣٢)، والبداية والنهاية (١/ ٤٥).
(٥) لوامع الأنوار (١٦١ - ١٦٥).
(٦) التذكرة (٢٠٠، ٢١٩).
(٧) فتح الباري (٦/ ٤٤٤) (١١/ ٣٦٩).
[ ٣ / ١١٥٢ ]
نفخة البعث يحيى بها من مات، ويفيق من غشي عليه.
وخلاصة أدلة هذه الأقوال ما قاله ابن حجر ﵀، فأما عما ذهب إليه ابن حزم فقال: "هذا الذي ذكره من كون الثنتين أربعا ليس بواضح، بل هما نفختان فقط، ووقع التغاير في كل واحدة منهما باعتبار من يستمعها؛
فالأولى: يموت بها كل من كان حيا، ويغشى على من لم يمت ممن استثنى اللَّه.
والثانية: يعيش بها من مات، ويفيق بها من غشي عليه واللَّه أعلم".
وأما عن قول من جعلها ثلاث نفخات فقال ﵀: "وجدت مستند ابن العربي في حديث الصور الطويل، فقال فيه: "ثم ينفخ في الصور ثلاث نفخات نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة القيام لرب العالمين" أخرجه الطبري هكذا مختصرا، وقد ذكرت أن سنده ضعيف ومضطرب" (^١).
ثم شرع ﵀ يذكر الأدلة الصحيحة الصريحة في أنها نفختان فقال: "وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو أنهما نفختان، ولفظه في أثناء حديث مرفوع: "ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا، ورفع ليتا، ثم يرسل اللَّه مطرا كأنه الطل، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. . . وفي كل
_________________
(١) المصدر السابق (١١/ ٣٦٩).
[ ٣ / ١١٥٣ ]
ذلك دلالة على أنهما نفختان فقط" (^١).
وقد جمع ﵀ بين هذا القول والقول بأنها ثلاث نفخات، باعتبارهم أن الفزع نفخة مستلقة فقال: "ويمكن الجمع بأن النفخة الأولى يعقبها الصعق من جميع الخلق أحيائهم وأمواتهم، وهو الفزع كما وقع في سورة النمل: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٢)، ثم يعقب ذلك الفزع للموتى زيادة فيما هم فيه، وللأحياء موتا، ثم ينفخ الثانية للبعث فيفيقون أجمعين" (^٣).
وأما مكان النفخ في الصور فتضمنت الآثار أنه يكون ببيت المقدس، أو الباب الآخر كما في أثر عمرو بن العاص -﵁-، وفي أثر أبي الزعراء أن الملك يقوم بين السماء والأرض، ولم أقف في هذه على شيء صحيح مسند إلى النبي -ﷺ-، أو موقوف على الصحابة، وما روي عن بعضهم فقد عرف عنه أنه يروي عن أهل الكتاب ككعب الأحبار الذي سبق أن أثر قتادة هو شيخه فيه، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص وقصته مشهورة في الزاملتين اللتين وجدهما وفيهما كتب أهل الكتاب، قال ابن كثير ﵀: "كان عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قد أصاب يوم اليرموك زاملتين
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ٣٦٩ - ٣٧٠).
(٢) سورة النمل، من الآية (٨٧).
(٣) المصدر السابق (٦/ ٤٤٤) (١١/ ٣٦٩)، وانظر التذكرة (٢١٩) وقد جعل القرطبي الفزع مقارنًا لأحد النفختين إما الصعق الأولى ولعله الذي مال إليه، أو نفخة البعث واللَّه أعلم.
[ ٣ / ١١٥٤ ]
من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك، والأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتضاد، فإنها على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل، ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني" (^١).
وأما المستثنون من الموت في عند النفخ في الصور، فقد ورد في أثر سعيد بن جبير التنصيص على الشهداء، ولا شك في دخولهم في الاستثناء لثبوت الدليل في حقهم، بل رجح هذا القول القرطبي وقال: "قد ورد حديث أبي هريرة بأنهم الشهداء وهو الصحيح" (^٢) وقال ابن حجر:
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٥)، وقد ذكر كثير من العلماء مكان النفخ في الصور بأنه بيت المقدس بل وذكروا له جملة من التعليلات بأنه أوسط الأرض، وبعده عن السماء، انظر تفسير ابن جرير (١١/ ٤٣٨)، والعاقبة للإشبيلي (٢٦٦)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٢٩٤)، وتفسير القرطبي (١٧/ ٢٧) والتذكرة (٢٢٩)، والدر المنثور (٧/ ٦١٢)، وقد عبروا بصيغ التضعيف كقولهم: قيل، أو: ويروى، أو: وذكر ونحو ذلك واللَّه أعلم بحقيقة ذلك.
(٢) التذكرة (١٨٨).
[ ٣ / ١١٥٥ ]
"ثبت ذلك للشهداء، ولا شك أن الأنبياء أرفع رتبة من الشهداء، وورد التصريح بأن الشهداء ممن استثنى اللَّه" (^١)، هذا في حق الشهداء أما غيرهم فقال شيخ الإسلام: "أما الاستثناء فهو متناوِلٌ لمن دخل في الجنة من الحور العين، فإن الجنة ليس فيها موت، ومتناوِلٌ لغيرهم، ولا يمكن الجزم بكل من استثناه اللَّه؛ فإن اللَّه أطلق في كتابه، وقد ثبت في الصحيح أن النبي قال: "إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى آخذا بساق العرش، فلا أدري هل أفاق قبلي، أم كان ممن استثناه اللَّه". . . وبكل حال النَّبِيُّ قد توقف في موسى، وهل هو داخل في الاستثناء فيمن استثناه أم لا، فإذا كان النبي لم يخبر بكل من استثنى اللَّه لم يمكنا نحن أن نجزم بذلك، وصار هذا مثل العلم بوقت الساعة، وأعيان الأنبياء، وأمثال ذلك مما لم يخبر به، وهذا العلم لا ينال إلا بالخبر واللَّه أعلم وصلى اللَّه على محمد وآله وصحبه وسلم" (^٢).
ونص ابن القيم ﵀ على الأقوال في المسألة فقال: "قيل هم الشهداء هذا قول أبي هريرة وابن عباس وسعيد بن جبير.
وقيل هم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وهذا قول مقاتل وغيره.
_________________
(١) فتح الباري (٦/ ٤٤٤).
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٠)، ومثله القرطبي في تفسيره (١٥/ ٢٤٥).
[ ٣ / ١١٥٦ ]
وقيل هم الذين في الجنة من الحور العين وغيرهم، ومن في النار من أهل العذاب وخزنتها، قاله أبو إسحاق بن شاقلا من أصحابنا" (^١).
وبعد هذا يموت كل من بقي ويكون آخرهم ملك الموت، وقد عقد في ذلك القرطبي بابا فقال: "باب يفنى العباد ويبقى الملك للَّه وحده -أورد فيه بعض الأحاديث ثم قال- هذه الأحاديث تدل على أن اللَّه سبحانه يفني جميع خلقه أجمع. . . المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعوى المدعين، وانتساب المنتسبين؛ إذ قد ذهب كل ملك وملكه، وكل جبار ومتكبر وملكه، وانقطعت نسبتهم ودعاويهم" (^٢)، ولما تكلم ابن كثير عن نفخة الصعق قال: "نفخة الصعق وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض، إلا من شاء اللَّه كما جاء مصرحا به مفسرا في حديث الصور المشهور، ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أوَّلًا، وهو الباقي آخرا بالديمومة والبقاء" (^٣).
_________________
(١) الروح (٣٥)، وانظر تفسير ابن جرير (١١/ ٢٧)، وتفسير البغوي (١/ ١٨١)، والتذكرة للقرطبي (١٨٨).
(٢) التذكرة (١٩٤).
(٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٨٢).
[ ٣ / ١١٥٧ ]
المبحث الثالث: الآثار الواردة في الميزان.
١٠١٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر ابن برقان، عن ثابت بن الحجاج قال: قال عمر بن الخطاب -﵁-: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا؛ فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية" (^١).
١٠١٥ - حدثني محمد قال: حدثنا أبو عمر الضرير قال: حدثنا عتبة (^٢) بن عبد اللَّه الأصم قال: سمعت فرقد السبخي (^٣) يقول: "بلغنا أن الأعمال كلها توزن إلا الدمعة تخرج من عين العبد من خشية اللَّه؛ فإنه ليس لها وزن ولا قدر، وإنه ليُطفأ بالدمعة البحور من النار" (^٤).
_________________
(١) إسناده حسن؛ جعفر بن برقان صدوق يهم في حديث الزهري التقريب (٩٤٠)، محاسبة النفس (٢٢) رقم (٢)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٠٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٩٦) رقم (٣٤٤٥٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٥٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣١٤، ٣٥٧)، وذكره الترمذي في السنن (٤/ ٦٣٨) دون إسناد.
(٢) صوابه: عقبة بن عبد اللَّه الأصم وهو الرفاعى البصري، ضعيف وربما دلس التقريب (٤٦٧٦)، فهو الذي روى عن فرقد السبخي ويروي عنه أبو عمر الضرير وهو حفص بن عمر، وهو صدوق عالم، التقريب (٤١٣٠).
(٣) هو فرقد بن يعقوب السَّبَخي، أبو يعقوب البصري، صدوق عابد، لكنه لين الحديث، كثير الخطأ، مات سنة (١٣١ هـ)، التقريب (٥٣٨٤).
(٤) إسناده ضعيف، فيه عقبة بن عبد اللَّه وقد سبق قريبا، الرقة والبكاء (٤٧) رقم =
[ ٣ / ١١٥٨ ]
١٠١٦ - حدثني محمد قال: حدثني أبو حفص الحبطي قال: حدثنا زرعة الأعشى، عن وهب بن منبه قال: "البكاء من خشية اللَّه تعالى مثاقيل برّ، ليس ثوابه وزنا، إنما يعطى الباكي من خشية اللَّه والصابر على طاعة اللَّه أجرهم بغير حساب" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة إثبات وزن الأعمال، وتأكيد ذلك بأن بعض تلك الأعمال لا توزن لعظم شأنها، بل يتولى اللَّه سبحانه مكافأة أصحابها بدون حساب، كالصبر والبكاء من خشية اللَّه، وفي أثر عمر -﵁- الأول بيان أن الموزون هم العباد أنفسهم.
والإيمان بالميزان من عقائد أهل السنة والجماعة، قال أبو إسحاق الزجاج: "أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان، ويميل بالأعمال" (^٢) وقال السفاريني: "الإيمان بالميزان كأخذ الصحف، ثابت بالكتاب والسنة
_________________
(١) = (١١)، ويروى مرفوعا عن حازم -﵁- أخرجه الإمام أحمد في الزهد (٢٧)، وذكره السيوطي منسوبا إليه في الدر (٥/ ٣٤٧)، وذكره القرطبي في تفسيره (١٧/ ١٠٨).
(٢) فيه الحبطي والأعشى لم أجدهما، الرقة والبكاء (٤٦) رقم (١٢)، وورد برقم (١٤) مرفوعا، وانظر في معنى مثاقيل رقم (٢٨)، ورقم (٤٣) عن أبي عمران الجوني، وذكر نحوه الترمذي في نواد الأصول (٢/ ٢٠٢)، عن يزيد بن أبي هارون، وكذا ابن كثير نحوه عن الحسن البصري في البداية والنهاية (٩/ ٢٧٠).
(٣) ذكره عنه ابن حجر في الفتح (١٣/ ٥٣٨).
[ ٣ / ١١٥٩ ]
والإجماع. . . دلت الآثار على أنه ميزان حقيقي، ذو كفّتين ولسان. . . وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر، وانعقد إجماع أهل الحق من المسلمين عليه" (^١)، وقال ابن أبي العز: "الذي دلت عليه السنة: أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان. . . فعلينا الإيمان بالغيب كما أخبرنا الصادق -ﷺ- من غير زيادة ولا نقصان، ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة كما أخبر الشارع لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفَوَّال! !، وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم اللَّه لهم يوم القيامة وزنا، ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه لجميع عباده؛ فإنه لا أحد أحب إليه العذر من اللَّه؛ من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين فكيف وَوَرَاءَ ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه" (^٢).
أما أثر عمر -﵁- الذي يفيد أن العباد يوزنون ففيه بحث حيث إن العلماء ذكروا في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
_________________
(١) لوامع الأنوار (١٨٤، ١٨٥)، وانظر أصول السنة للإمام أحمد (٢٥)، والرسائل والمسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة (٢/ ٢٠٣)، الشريعة للآجري (١/ ٣٩١)، الاعتقاد للبيهقي (٢١١)، التعرف لمذهب التصوف (٥٥)، شرح السنة للبربهاري (٢٥)، مجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٢)، شرح العقيدة الطحاوية (٤٠٤)، التذكرة للقرطبي (٣٦٠)، قطف الثمر (١٢٤)، العقائد الإسلامية لابن باديس (٩٩).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (٤٠٤)، وانظر تفسير ابن جرير فقد أطال النفس في مناقشة ذلك (٥/ ٤٣٢)، وتفسير القرطبي (٧/ ١٤٧).
[ ٣ / ١١٦٠ ]
القول الأول: أن الذي يوزن هو العامل مع عمله، كما هو أثر عمر -﵁-.
القول الثاني: أن الذي يوزن هو الصحائف تكتب فيها أعمال العباد.
القول الثالث: أن الذي يوازن هو العمل نفسه.
وقد ذكر العلماء لكل واحد من هذه الأقوال أدلة صريحة وصحيحة وبعضها من القرآن، لكن بعضهم أورد شبهة وهي أن الأعمال أعراض، بمعنى أنها لا تقوم بأنفسها فكيف توزن، وقد أجاب غير واحد من العلماء على هذه الشبهة فقال ابن أبي العز الحنفي: "وردت الأحاديث أيضًا بوزن الأعمال أنفسها. . . فلا يلتفت إلى ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزن الأجسام! !، فإن اللَّه يقلب الأعراض أجساما" (^١).
وليس بين هذه الأقوال الثلاثة تعارض ما دام قد ثبت بها الدليل الشرعي وهي أمور غيبية، فيجيب إلإيمان بكل ثبت، ولذلك فقد جمع بينها ابن أبي العز فقال: "فثبت وزن الأعمال، والعامل، وصحائف الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان، واللَّه تعالى أعلم بما وراء ذلك من
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (٤٠٤)، وانظر التذكرة للقرطبي (٣٦٠)، وفتح الباري (١٣/ ٥٣٨)، تفسير البغوي (١/ ٢١٤)، وابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ١٧٠)، وصنيعه يشير إلى أن سبب هذا الترجيح فيه نوع مجاراة للمعتزلة وتسليم لهم في شبهة الأعراض، ويؤيده واللَّه أعلم أن المعتزلة يجيبون عن شبهة الأعراض بوزن الصحائف انظر الكشاف (١/ ٧٨٣).
[ ٣ / ١١٦١ ]
الكيفيات" (^١)، وكذا ابن كثير ﵀ فقال: "يمكن الجمع بين هذه الآثار -بعد ذكره للأقوال الثلاثة وأدلتها- بأن يكون ذلك كله صحيحا، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها (^٢)، وتارة يوزن فاعلها واللَّه أعلم" (^٣).
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (٤٠٤).
(٢) وهي الصحف؛ أي المحل الذي كتبت فيه.
(٣) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٧٠)، وهذا أولى من الترجيح الذي ذهب إليه السفاريني ونسبه لابن عبد البر والقرطبي ومرعي الحنبلي أن الموزون هو الصحائف فقط، فإن الجمع ما أمكن أولى من الترجيح وقد أمكن ولا يوجد ما يحيله، انظر لوامع الأنوار (٢/ ١٨٧)، تفسير القرطبي (٧/ ١٤٧).
[ ٣ / ١١٦٢ ]
المبحث الرابع: الآثار الواردة في هول الموقف.
١٠١٧ - دثنا حمزة بن العباس، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، أرنا سفيان، عن سليمان، عن أبي صالح: "إن الناس يحشرون هكذا -ونكس رأسه، ووضع يده اليمنى على كوعه- للقيامة" (^١).
١٠١٨ - دثنا هارون، دثنا الوليد، دثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، دثنا سليم بن عامر، دثني من سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "الشمس يوم القيامة تدنو من العباد في الموقف، حتى يكون منهم قدر ميل، أو اثنين"، قال سليم بن عامر (^٢): "واللَّه ما أدري ما عنى بقوله: الميل، مسافة الأرض، أو الذي يكحل به العين" (^٣).
١٠١٩ - دثنا هارون، دثنا الوليد، دثنا حنظلة بن أبي سفيان، أنه حمع طاووسا يقول: "إن الكافر ليذهب عرقه تحته يوم القيامة كذا وكذا ذراعا، وفوقه حتى يلجمه" (^٤).
_________________
(١) إسناده صحيح، الأهوال (٢٢٥) رقم (٢١٩)، والصنعاني في تفسيره (٢/ ٣٨٧)، وأورده ابن كثير في النهاية (١/ ٢٢٥).
(٢) هو سليم بن عامر الكلاعي، ويقال الخبائري، أبو يحيى الحمصي، ثقة غلط من قال إنه أدرك النبي -ﷺ- مات سنة (١٣٠ هـ)، التقريب (٢٥٢٧).
(٣) إسناده صحيح، الأهوال (٢١٧) رقم (٢٠٦)، وانظر رقم (١٤٨)، والحديث في صحيح مسلم (٤/ ٢١٩٦) رقم (٢٨٦٤)، وفيه أن الذي حدث سليم هو المقداد ابن الأسود، وانظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦/ ١٢٥٤).
(٤) إسناده صحيح، الأهوال (٢١٧) رقم (٢٠٥)، وأصله في الصحيحين من حديث =
[ ٣ / ١١٦٣ ]
١٠٢٠ - دثنا أبو خيثمة وعبد اللَّه بن رومي، قالا: دثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ (^١) قال: "يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه" (^٢).
١٠٢١ - دثني حمزة بن العباس، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، أرنا مالك بن مغول، عن عبيد اللَّه بن العيزار (^٣) قال: "إن الأقدام يوم القيامة مثل النبل في القرن، فالسعيد الذي يجد لقدميه موضعا يضعهما، وإن الشمس تدنو من رؤوسهم حتى لا يكون بينها وبين رؤوسهم، إما قال: ميلا أو ميلين، ويزاد في حرها بضعة وستّين ضعفا" (^٤).
١٠٢٢ - قال عمار بن نصر، دثنا الوليد بن مسلم، دثنا أبو بكر بن
_________________
(١) = ابن عمر ﵄، انظر فتح الباري (١١/ ٣٩٣)، شرح مسلم للنووي (١٧/ ١٩٥).
(٢) سورة المطففين، الآية (٦).
(٣) إسناده صحيح، الأهوال (٢١٤) رقم (١٩٩)، وأصله في البخاري برقم (٤٦٥٤)، ومسلم برقم (٢٨٦٢) مرفوعا.
(٤) هو عبيد اللَّه بن العيزار المازني، بصرى ثقة، الجرح والتعديل (٥/ ٣٣٠).
(٥) إسناده صحيح، الأهوال (١٦٠) رقم (١٤٩)، وابن المبارك في الزهد (١١٠) رقم (٣٧٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٢٠٩) رقم (٣٥٤٠٨).
[ ٣ / ١١٦٤ ]
سعيد أنه حمع مغيث بن سُميّ (^١) يقول: "تركد الشمس على رؤوسهم على أذرع، وتفتح أبواب جهنم فتهب عليهم رياحها، وسمومها، وتخرج عليهم نفحاتها حتى تجري الأنهار من عرقهم، أنتن من الجيف، والصائمون في حياتهم في ظل العرش" (^٢).
١٠٢٣ - دثني حمزة بن العباس، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، أرنا ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ﴿كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ (^٣) قال: "مستوفزين (^٤) على الركب" (^٥).
_________________
(١) هو مُغِيث بن سُمَيّ الأوزاعي، أبو أيوب الشامي، ثقة، مات بعد المائة، التقريب (٦٨٢٧).
(٢) إسناده ضعيف، فيه أبو بكر بن سعيد وهو عمرو بن سعيد الأوزاعي ذكره البخاري وابن أبي حاتم والمزي والذهبي ولم يذكروا فيه جرحا ولا تعديلا، انظر التاريخ الكبير كتاب الكنى (٨/ ١٤)، الجرح والتعديل (٩/ ٣٧٣)، تهذيب الكمال (٧/ ١٩١)، الكاشف (٢/ ٢٨٤)، الأهوال (١٥٩) رقم (١٤٧)، ذكره ابن كثير في نهاية البداية (١/ ٢٢٣)، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ٤٤٢) إلى المصنف فقط في كتاب الأهوال، وكذا في شرح الصدور (١٠٢).
(٣) سورة الجاثية، الآية (٢٨).
(٤) غير مطمئنين، قد استقل على رجليه ولا يستوي بعد، وفسرت هذه الصفة الواردة في الأثر بهيئة الذي رفع إليتيه ووضع ركبتيه، لسان العرب (٥/ ٣٩١، ٤٣٠).
(٥) إسناده ضعيف، والأثر حسن، فيه عنعة ابن جريج وهو ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل التقريب (٤٢٢١)، تابعه ابن أبي نجيح وهو ثقة رمى بالقدر وربما دلس التقريب (٣٦٨٦) فالأثر حسن، الأهوال (١٢٣) رقم (٩٥) و(١٣٧)، وابن المبارك في الزهد (١٠٤) رقم (٣٥٩) عن ابن جريج به، وعلقه البخاري في =
[ ٣ / ١١٦٥ ]
١٠٢٤ - دثني حمزة، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، دثنا محمد بن يسار، عن قتادة قال: ذكر لنا أن كعبا كان يقول: "يقومون ثلاثمائة سنة" (^١).
١٠٢٥ - دثنا هارون، دثنا الوليد بن مسلم، دثنا ابن لهيعة، عن دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري قال: "يقوم الناس لرب العالمين يوم القيامة، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة" (^٢).
١٠٢٦ - دثني حمزة بن العباس قال: أرنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أرنا ابن المبارك، أرنا عنبسة بن سعيد، عن محارب، عن ابن عمر في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ (^٣) قال: "يقومون مائة سنة" (^٤).
١٠٢٧ - دثني محمد بن إدريس، دثنا الحسن بن واقع، دثنا ضمرة،
_________________
(١) = صحيحه (٨/ ٥٧٤ فتح)، وابن جرير في تفسيره (٢٥/ ١٥٤)، وانظر تغليق التعليق (٤/ ٣١١) جميعهم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) إسناده منقطع، الأهوال (١٢٢) رقم (٩٢)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٤٤٣) إلى ابن المنذر، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير (٩/ ٥٣)، والقرطبي بصيغة التمريض في التذكرة (٢٤٠)، وذكره أيضًا عن غير كعب -﵁-.
(٣) إسناده ضعيف، فيه ابن لهيعة انظر التقريب (٣٥٨٧)، الأهوال (٢١٥) رقم (٢٠١)، وهو بعض حديث أخرجه أحمد في المسند (١٨/ ٢٤٦) رقم (١١٧١٧) بنفس الإسناد عن ابن لهيعة به، وفي الكامل (٣/ ١١٥) لابن عدي ما يفيد أن هذا الأثر لم يصح فقد نقل عن أحمد أن سلسلة دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فيها ضعف، وذكر من مناكير دراج هذا الحديث واللَّه أعلم.
(٤) سورة المطففين، الآية (٦).
(٥) إسناده صحيح، الأهوال (١٢١) رقم (٩١)، وابن جرير في تفسيره (٣٠/ ٩٢).
[ ٣ / ١١٦٦ ]
عن ابن شوذب، عن يزيد الرِّشْك (^١) قال: "يقوم الناس يوم القيامة مقدار أربعين ألف سنة، ويقضى بينهم في مقدار عشرة آلاف سنة" (^٢).
١٠٢٨ - دثني محمد بن إدريس، دثنا ابن الأصبهاني، عن ابن السماك، عن شيخ من أهل البصرة، عن الحسن قال: "للناس يوم القيامة خمسين موقفا، كل موقف ألف سنة" (^٣).
١٠٢٩ - دثنا علي بن الجعد، أرنا شعبة، عن عمارة بن أبي حفصة، عن حجر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (^٤) قال: "الشهداء ثنيّة اللَّه حول العرش متقلّدي السيوف" (^٥).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بعض الأهوال التي تحدث يوم القيامة، فهو عصيب وفيه أهوال وعظائم، فمنها: أن الناس يحشرون على هيئة ذليلة
_________________
(١) هو يزيد بن أبي يزيد الضُبَعي مولاهم، أبو الأزهر البصري، يعرف بالرِّشْك، ثقة عابد وهم من لَيَّنَه، مات سنة (١٣٠ هـ) وهو ابن مائة سنة، التقريب (٧٧٩٣).
(٢) إسناده حسن، ضمرة وهو ابن ربيعة الفلسطيني صدوق يهم قليلا التقريب (٣٠٠٥)، وابن شوذب هو عبد اللَّه بن شوذب الخراساني صدوق عابد، التقريب (٣٤٠٨)، الأهوال (١٤٦) رقم (١٢٩)، وأورده ابن كثير في نهاية البداية (١/ ٢٢٠) عن المصنف.
(٣) إسناده ضعيف لجهالة المبهم، الأهوال (١٤٧) رقم (١٣٠)، وأخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٢/ ٢١٣) عن محمد بن النعمان مثله.
(٤) سورة الزمر، الآية (٦٨).
(٥) سبق الأثر مخرجا (١٠٠٩).
[ ٣ / ١١٦٧ ]
منكسي الرؤوس أيديهم على أكواعهم، مستوفزين على الركب؛ أي غير مطمئنين وإنما جالسين على ركبهم وأطراف أقدامهم (^١)، وتدنو الشمس من العباد مسافة ميل أو ميلين أو أذرع، ويزاد في حرها ستون ضعفا، فيعرقون وتتفاوت درجاتهم في ذلك شيئًا فشيئا حتى إن منهم من يغرقه عرقه، ويزدحم الموقف حتى إن السعيد من وجد لقدميه موطئا، وتكون الأقدام كالنبل في القرن، وتفتح أبواب جهنم، فتهبّ عليهم رياحها وسمومها، كما يطول مكث الواقفين في ذلك اليوم، على اختلاف فيما ذكره السلف في مدة ذلك الوقوف، من مائة سنة، أو ثلاثمائة، أو أربعين ألف سنة، أو خمسين ألف سنة، وقد اكتفى ابن جرير بقوله: "بعض يقول: مقدار ثلاث مئة عام، وبعض يقول: مقدار أربعين عاما" (^٢)، بينما جعل هو والقرطبي هذا مشكلا فقد قال القرطبي: "قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ (^٣) فمشكل مع هذه الآية، وقد سأل عبد اللَّه بن فيروز الديلمي عبد اللَّه بن عباس عن هذه الآية وعن قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ فقال: أيام سماها سبحانه وما أدري ما هي؟ فأكره أن أقول فيها ما لا علم، ثم سئل عنها سعيد بن المسيب فقال: لا أدري، فأخبرته بقول ابن عباس، فقال ابن المسيب للسائل: هذا ابن
_________________
(١) انظر معاني القرآن للنحاس (٦/ ٤٣١)، تفسير القرطبي (١٠/ ٢٥٠)، فتح القدير (٥/ ١٥).
(٢) انظر تفسير ابن جرير (٣٠/ ٩٢ - ٩٣)، وابن كثير (٤/ ٦٢٢).
(٣) سورة المعارج، من الآية (٤).
[ ٣ / ١١٦٨ ]
عباس اتقى أن يقول فيها، وهم أعلم مني، ثم تكلم العلماء في ذلك فقيل: إن آية ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ هو إشارة إلى يوم القيامة، بخلاف هذه الآية، والمعنى: أن اللَّه تعالى جعله في صعوبته على الكفار كخمسين ألف سنة، قاله ابن عباس، والعرب تصف أيام المكروه بالطول، وأيام السرور بالقصر. . .
وقيل: إن يوم القيامة فيه أيام، فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة.
وقيل: أوقات القيامة مختلفة؛ فيعذب الكافر بجنس من العذاب ألف سنة، ثم ينتقل إلى جنس آخر مدته خمسون ألف سنة.
وقيل: مواقف القيامة خمسون موقفا، كل موقف ألف سنة، فمعنى: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (^١) أي مقدار وقت، أو موقف من يوم القيامة وقال النحاس: اليوم في اللغة بمعنى الوقت، فالمعنى: تعرج الملائكة والروح إليه في وقت كان مقداره ألف سنة، وفي وقت آخر كان مقداره خمسين ألف سنة" (^٢).
فالظاهر أن ما صح من هذه الأعداد يحمل على اختلاف حال الإنسان من مسلم وكافر، ودرجات كل منهما، أو يحمل على اختلاف مواقف يوم القيامة فيكون لكل موقف مدة تخصه، ومجموع وقت يوم القيامة من بدايته إلى نهايته هو خمسون ألف سنة واللَّه أعلم.
_________________
(١) سورة السجدة، من الآية (٥).
(٢) تفسير القرطبي (١٤/ ٨٩)، وانظر تفسير ابن جرير (٥/ ٣٠٠)، تفسير البغوي (١/ ٣٠٠).
[ ٣ / ١١٦٩ ]
المبحث الخامس: الآثار الواردة في هوان الموقف على المؤمن.
١٠٣٠ - دثنا عبيد اللَّه بن عمر الجشمي، دنا يزيد بن زريع، دثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان الفارسي قال: "تدنو الشمس من الناس يوم القيامة حتى تكون من رؤوسهم قاب قوس أو قوسين، وتعطى حرّ عشر سنين، وما من أحد من الناس عليه طحرية (^١)، وما ترى في ذلك عورة مؤمن ولا مؤمنة، ولا يضر حرها يومئذ مؤمنا ولا مؤمنة، وأما الآخرون أو الكفار فإنها تطبخهم طبخا، فإنما أجوافهم غقّ غقّ" (^٢).
١٠٣١ - دثنا هارون، دثنا الوليد، دثنا خليد بن دعلج، عن قتادة
_________________
(١) أي ليس عليه أي ثوب، لسان العرب (٨/ ١٢٩).
(٢) إسناده صحيح، الأهوال (١٣٠) رقم (١٠٢)، وابن المبارك في الزهد (١٠٠) رقم (٨١٣) وهناد في الزهد أيضًا (١/ ٢٠٢) رقم (٣٣٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٣٨٣) رقم (٨١٣) وقال الألباني ﵀: "إسناده صحيح على شرط الشيخين، ولكنه موقوف على سلمان وهو الفارسي، إلا أنه في حكم الرفع؛ لأنه أمر غيبي، لا يمكن أن يقال بالرأي، ولا هو من الإسرائيليات"، وعبد الرزاق في المصنف (١١/ ٤٠٣)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٤٧) رقم (٦١١٧)، وفي علل أحمد (٢/ ٣٣٩) نكتة لطفة حيث قال: "بلغني أن شعبة كان يقول عن التميمي "عو عو"، وإنما هو: "غق غق"، قال أبي: وكان شعبة ألثغ فلا أدري صحف في هذا الحرف أم من قبل لثغته"، وانظر إسناد قصة شعبة في تصحيفات المحدثين للعسكري (١/ ١١٥)، وحسن إسناده الحافظ في الفتح (١٠/ ٣٩٤)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧١ - ٣٧٢) وقال: "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح" وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢١٥): "رواه الطبراني بإسناد صحيح".
[ ٣ / ١١٧٠ ]
قال: "يهون موقف يوم القيامة على المؤمن، ويطول على الكافر حتى يلجمه العرق من شدّة كربه" (^١).
التحليل والتعليق
تضمن الأثران السابقان بيان هوان الموقف -بكل أهواله السابقة في المبحث المنصرم- على المؤمن، قال عبد الحق الإشبيلي -لما ذكر بعض أهوال يوم القيامة-: "فمن الناس من يخفف عليه اليوم حتى لا يجد فيه مشقة طول، ولا يرد له فيه رغبة ولا سؤل. . . فمن الناس من يطول مقامه وحبسه إلى آخر اليوم، ومنه من يكون انفصاله في ذلك اليوم في مقدار يوم من أيام الدنيا، وفي ساعة من ساعاته، أو فيما شاء اللَّه من ذلك، أو يكون رائحا في ظل كسبه وعرش ربه. . . فتفكر أيها الإنسان في طول ذلك اليوم، وفي طول ذلك القيام فيه مع ذلك الحال الأخطر، والفزع الأكبر، والهول الذي لا يكَيَّف ولا يقَدَّر، فاختر لنفسك كم تريد أن تقف فيه، وكيف تريد أن تكون فيه، ما دام النظر إليك، والاختيار بيديك، مع توفيق ربك -﷿- ومعونته إياك" (^٢).
وهذا التخفيف الذي يحصل للمؤمن إنما يكون بقدر أعماله الصالحة، وليس على درجة واحدة للجميع، فالكامل للكُمَّل، ودونه لمن
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه خليد بن دعلج ضعيف التقريب (١٧٥٠)، الأهوال (١٣١) رقم (١٠٤).
(٢) العاقبة (٢٨٣).
[ ٣ / ١١٧١ ]
دونهم، وكلٌّ بحسبه، ولا يظلم ربك أحدا، قال القرطبي: "ظاهر ما رواه ابن المبارك عن سلمان أن الشمس لا يضر حرها مؤمنا ولا مؤمنة العموم في المؤمنين، وليس كذلك لحديث المقداد المذكور بعده (^١)، وإنما المراد لا يضر حرها مؤمنا كامل الإيمان، أو من استظل بظل عرش الرحمن. . . وكذلك ما جاء أن المرء في ظل صدقته، وكذلك الأعمال الصالحة أصحابها في ظلها إن شاء اللَّه، وكل ذلك من ظل العرش واللَّه أعلم، وأما غير هؤلاء فمتفاوتون في العرق" (^٢)، وقد نُقل عن ابن أبي حمرة كلاما حسنا في هذا حيث قال: "ظاهر الحديث تعميم الناس بذلك، ولكن دلت الأحاديث الأخرى على أنه مخصوص بالبعض وهم الأكثر، ويستثنى الأنبياء والشهداء ومن شاء اللَّه، فأشدهم في العرق الكفار، ثم أصحاب الكبائر، ثم من بعدهم، والمسلمون منهم قليل بالنسبة إلى الكفار كما تقدم تقريره في حديث بعث النار، قال: والظاهر أن المراد بالذراع في الحديث المتعارف، وقيل: هو الذراع الملكي، ومن تأمل الحالة المذكورة عرف عظم الهول فيها، وذلك أن النار تحف بأرض الموقف، وتدنى الشمس من الرءوس قدر ميل، فكيف تكون حرارة تلك الأرض؟ وماذا يرويها من العرق؟ حتى يبلغ منها سبعين ذراعا، مع أن كل واحد لا يجد إلا قدر موضع قدمه، فكيف تكون حالة هؤلاء في عرقهم؟ مع تنوعهم
_________________
(١) وفيه: "فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق"، أخرجه مسلم برقم (٢٨٦٤).
(٢) التذكرة (٢٦٩).
[ ٣ / ١١٧٢ ]
فيه؟ إن هذا لمما يبهر العقول، ويدل على عظيم القدرة، ويقتضي الإيمان بأمور الآخرة، أن ليس للعقل فيها مجال، ولا يعترض عليها بعقل ولا قياس ولا عادة، وإنما يؤخذ بالقبول، ويدخل تحت الإيمان بالغيب، ومن توقف في ذلك دل على خسرانه وحرمانه، وفائدة الإخبار بذلك أن يتنبه السامع، فيأخذ في الأسباب التي تخلصه من تلك الأهوال، ويبادر إلى التوبة من التبعات، ويلجأ إلى الكريم الوهاب في عونه على أسباب السلامة، ويتضرع إليه في سلامته من دار الهوان، وإدخاله دار الكرامة بمنه وكرمه" (^١).
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ٣٩٤).
[ ٣ / ١١٧٣ ]
المبحث السادس: الآثار الواردة في أرض المحشر وصفتها.
١٠٣٢ - دثني حمزة، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، أرنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه -﵁- قال: "يجتمع الناس في صعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يعص اللَّه فيها، يكون أول كلام يتكلم به أن ينادي منادي: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ (^١)، ثم يكون أول ما يبدأ به من الخصومات في الدنيا، فيؤتى بالقاتل والمقتول، فيقال: لم قتلت هذا؟ فإن قال: قتلته لتكون العزة للَّه، قال: فإنها له، وإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان، قال: فإنها ليست له، ويبوء بإثمه فيقتله، ومن (^٢) كان قتل بالغين ما بلغوا، ويذوق الموت عدد ما ماتوا" (^٣).
١٠٣٣ - دثنا يوسف، دثنا عبد اللَّه بن الجهم الرازي، دثنا عمرو بن قيس، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود -﵁- قال: "يجتمع الناس
_________________
(١) سورة غافر، الآية (١٧).
(٢) كذا، ولعلها: (وإن).
(٣) إسناده حسن، فيه عاصم وهو ابن أبي النجود المقرئ سبق (٩١٢)، الأهوال (٢٦٦) رقم (٢٦١)، وابن المبارك في الزهد -زوائد نعيم- (١١٥) رقم (٣٨٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٠٩٤)، وابن جرير في تفسيره (١٣/ ٢٥٠)، والطبراني في الكبر (٩/ ٢٠٥) رقم (٩٠٠١)، وانظر فتح الباري (١١/ ٣٧٥).
[ ٣ / ١١٧٤ ]
في صعيد واحد، في أرض بيضاء كأنها سبيكة فضّة، يكون أول كلام يتكلم به أن ينادي مناد: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ إلى قوله: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (^١) " (^٢).
التحليل والتعليق
تضمن أثر ابن مسعود -﵁- بيان صفة أرض المحشر وهي أنها تكون أرضا بيضاء كأنها سبيكة فضة (^٣)، وقد نص القرآن على تبديل الأرض غير
_________________
(١) سورة غافر، الآية (١٧).
(٢) إسناده حسن، عاصم هو ابن أبي النجود صدوق له أوهام كما سبق (٩١٢)، الأهوال (١٥٨) رقم (١٤٦)، وسيكرره بإسناد آخر من طريق ابن المبارك برقم (٢٦١)، وذكره السيوطي في الدر (٧/ ٢٨٠) وهو بلفظ المصنف، وأخرجه بنحوه ابن المبارك في الزهد (١١٥) رقم (٣٨٨)، والطبري نحوه كذلك في تفسيره (١٣/ ٢٥٠)، والطبراني نحوه أيضًا في الكبير (٩/ ٢٠٥) رقم (٩٠٠١) وقال الحافظ في الفتح (١١/ ٣٧٥): "وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والطبري في تفاسيرهم والبيهقي في الشعب. . . ورجاله رجال الصحيح وهو موقوف، وأخرجه البيهقي من وجه آخر مرفوعا وقال: الموقوف أصح، وأخرجه الطبري والحاكم من طريق عاصم عن زر بن حبيش عن بن مسعود بلفظ: "أرض بيضاء كأنها سبيكة فضة"، ورجاله موثقون أيضًا"، وأورده السيوطي في الدر (٥/ ٥٧) ونسبه إلى: "عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في البعث".
(٣) وقد ورد هذا المعنى بألفاظ مختلفة انظر على سبيل المثال فتح الباري (١١/ ٣٧٥).
[ ٣ / ١١٧٥ ]
الأرض في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (^١)، وفي المراد بتغيّر الأرض خلاف بين السلف: هل المراد تبديل ذاتها وعينها والإتيان بأخرى مكانها، أم تبديل صفتها مع بقاء ذاتها؟ والأثر الذي في المبحث يؤيد تبديل الذات؛ لأنها تصير أرضا أخرى من فضة، لم يعص فيها اللَّه طرفة عين، ولم يسفك فيها دم حرام، ولكل قول أدلة معتبرة وأحاديث صالحة، ولذلك جنح ابن حجر ﵀ إلى الجمع بينها، فحمل أحاديث التبديل في الذات على أرض المحشر الذي يعقب الصعقة الأولى، وأحاديث تبديل الصفات فقط على أرض الدنيا وما يحدث في الحشر الأول الذي يصعق الناس بعده، فقال: "يمكن الجمع بأن ذلك كله -يقصد الأحاديث الواردة في تبديل الصفات فقط- يقع لأرض الدنيا، لكن أرض الموقف غيرها" (^٢)، وذهب شيخ الإسلام إلى أن استحالة الأرض عن صورتها وكيفياتها لا يلزم منه عدمها وفسادها، بل أصلها باق، وإن حصل لها ما حصل (^٣)، وشبه الشيخ حافظ حكمي هذا التبديل مع بقاء الأصل بجلود أهل النار، فإنها كلما نضجت جلودهم بدلهم اللَّه جلودا غيرها وهي هي التي فعلت المعاصي واستوجبت العذاب (^٤)، ومن
_________________
(١) سورة إبراهيم، من الآية (٤٨).
(٢) المصدر السابق، وانظر التذكرة للقرطبي (٢١٥).
(٣) مجموع الفتاوى (١٥/ ١١٠).
(٤) معارج القبول (٢/ ٧٨٧٢).
[ ٣ / ١١٧٦ ]
العلماء من لم يجزم فيها بشيء لأنها أمور غيبية ولا نص فيها قاطع للنزاع فنؤمن بالتبديل وما صح من كيفياته الثابتة، قال ابن جرير: "أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: يوم تبدل الأرض التي نحن عليها اليوم يوم القيامة غيرها، وكذلك السماوات اليوم تبدل غيرها كما قال جل ثناؤه، وجائز أن تكون المبدلة: أرضا أخرى من فضة، وجائز أن تكون نارا، وجائز أن تكون خبزا، وجائز أن تكون غير ذلك، ولا خبر في ذلك عندنا من الوجه الذي يجب التسليم له أَيُّ ذلك يكون، فلا قول في ذلك يصح إلا ما دل عليه ظاهر التنزيل" (^١)، قال الشيخ ابن عيسى: "التبديل قد يكون في الذات، كما في بدلت الدراهم بالدنانير، وقد يكون في الصفات، كما بدلت الحلقة خاتما، والآية تحتمل الأمرين، وبالثاني قال الأكثر" (^٢).
_________________
(١) تفسير ابن جرير (٧/ ٤٧٩).
(٢) شرح الشافية الكافية (١/ ٨٨)، وانظر معارج القبول (٢/ ٧٨١).
[ ٣ / ١١٧٧ ]
المبحث السابع: الآثار الواردة في الشفاعة.
١٠٣٤ - ذكر الحسين بن عبد الرحمن، نا عبد اللَّه بن صالح العجلي قال: "أبطأ عن علي بن الحسين أخ له كان يأنس به، فسأله عن إبطائه، فأخبر أنه مشغول بموت ابن له كان من المسرفين على نفسه، فقال له علي بن الحسين: إن من وراء ابنك ثلاث خلال: أما أولها: فشهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأما الثانية: فشفاعة رسول اللَّه -ﷺ-، وأما الثالثة: فرحمة اللَّه -﷿- التي وسعت كل شئ" (^١).
١٠٣٥ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا المحاربي، عن أبي مالك الأشجعي، عنِ ربعِيّ، عن حذيفة -﵁- قال: قال رجل: اللهم اجعلني ممن تصيبه شفاعة محمد -ﷺ-، فقال حذيفة: "إن اللَّه يغني المؤمنين عن شفاعة محمد -ﷺ-، وتكون شفاعته للمذنبين من المسلمين" (^٢).
_________________
(١) إسناده حسن، شيخ المصنف مقبول وقد سبق (٤٨٤)، وكذلك سبق الأثر مخرجا في الباب الثاني (١٠٩).
(٢) فيه المحاربي وهو عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي، أبو محمد الكوفي، شيخ عبد الرحمن، وهو لا بأس به، وكان يدلس كما نقل الحافظ عن أحمد، وقد عنعن هنا، انظر: تهذيب الكمال (٤/ ٤٤٦) رقم (٣٩٣٧)، التقريب (٤٠٢٥). وحسنه الحويني لشواهده فانظر تخريجه لكتاب البعث لابن أبي داود رقم (٤٤)، إلا أنه قال لم أجده عند غير المصنف، قلت: بل هو في الاعتقاد للبيهقي (١٦٢) وفيه متابعة الفضيل بن سليمان للمحاربي وهو صدوق له خطأ كثير التقريب (٥٤٦٢). كتاب الصمت وآداب اللسان (١٩٤) رقم (٣٤٦)، وأورده الغزالي في الإحياء =
[ ٣ / ١١٧٨ ]
١٠٣٦ - حدثنا حمدون بن سعد، حدثنا النضر بن إسماعيل، عن أبي طالب، عن عمار الدهني، عن أبي جعفر قال: سمع علي -﵁- امرأة تقول: اللهم أدخلني في شفاعة محمد، قال: "إذًا تمسّكِ النار" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة إثبات الشفاعة لنبينا محمد -ﷺ-، وكما تضمن أثرا علي وحذيفة ﵄ أن اللَّه يغني المؤمنين عن شفاعة النبي -ﷺ-، ولذلك كرهوا سؤال اللَّه الشفاعة، معللين ذلك باستلزامها أن يكونوا مذنبين، أو دخولهم النار، فكأنهم حملو الشفاعة على نوع واحد فقط وهو الشفاعة فيمن دخل النار من عصاة الموحدين.
فأما ثبوت شفاعة النبي -ﷺ- لأهل الكبائر من أمته فهو أمر مجمع
_________________
(١) = (٣/ ١٤٠)، والزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٧٥)، والنووي في الأذكار (٣٣٠ - ٣٣١)، وانظر كشف الخفاء للعجلوني (٢/ ١٥) ففيه ذكر عدة آثار وأحاديث تشهد لهذا المعنى، وانظر تصحيح أو تحسين ذلك في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٨)، الترغيب والترهيب (٤/ ٢٤٢)، المشكاة رقم (٥٦٠٠).
(٢) إسناده لين؛ فيه أبو طالب، ذكر في الكنى، برواية النضر بن إسماعيل عنه، ولم يُذكر فيه جرح ولا تعديل، انظر: الجرح والتعديل (٤/ ٢/ ٣٩٧)، التاريخ الكبير قسم الكنى (٩/ ٤٦) رقم (٣٩٤)، المقتنى (١/ ٣٢٦) رقم (٣٢٧٥). كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٧٧ - ٢٧٨) رقم (٦١٦)، وأورده الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٧٥) وعزاه للمصنف.
[ ٣ / ١١٧٩ ]
عليه، وأحاديثه متواترة (^١)، قال شيخ الإسلام: "مذهب سلف الأمة وأئمتها، وسائر أهل السنة والجماعة، إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، والقول بأنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان" (^٢)، وقال: "إن أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر ثابتة متواترة عن النبي، وقد اتفق عليها السلف من الصحابة، وتابعيهم بإحسان، وأئمة المسلمين، وإنما نازع في ذلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة ونحوهم" (^٣)، بل قال ابن عبد البر: ". . . إثبات الشفاعة وهو ركن من أركان اعتقاد أهل السنة" (^٤).
بل إن شفاعة نبينا -ﷺ- ليست مختصة بهذه الشفاعة، وإنما أنواع كثيرة ذكره العلماء، عدها ابن القيم فقال: "أحدها: الشفاعة العامة التي يرغب فيها الناس إلى الأنبياء نبيا بعد نبي حتى ريحهم اللَّه من مقامهم.
النوع الثاني: الشفاعة في فتح الجنة لأهلها.
النوع الثالث: الشفاعة في دخول من لا حساب عليهم الجنة.
النوع الرابع: الشفاعة في إخراج قوم من أهل التوحيد من النار.
النوع الخامس: في تخفيف العذاب عن بعض أهل النار.
ويبقى نوعان يذكرهما كثير من الناس:
_________________
(١) انظر نظم المتناثر (٣٤٧).
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ١١٦) وانظر (١/ ١٥٣)، الرسائل والمسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة (٢/ ٢١١)، فصول من كتاب الانتصار لأهل الحديث للصنعاني (٣٦).
(٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٩).
(٤) الاستذكار (٢/ ٥٢٠).
[ ٣ / ١١٨٠ ]
أحدهما: في قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم أن لا يدخلوها، وهذا النوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه (^١)، وأكثر الأحاديث صريحة في أن الشفاعة في أهل التوحيد من أرباب الكبائر، إنما تكون بعد دخولهم النار، وأما أن يشفع فيهم قبل الدخول فلا يدخلون، فلم أظفر فيه بنص.
والنوع الثاني: شفاعته -ﷺ- لقوم من المؤمنين في زيادة الثواب ورفعة الدرجات، وهذا قد يستدل عليه بدعاء النبي -ﷺ- لأبي سلمة، وقوله: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين" (^٢).
وأما أثرا حذيفة وعلي ﵄ في سؤال اللَّه الشفاعة وأنه يستلزم أن يكون العبد مذنبا، أو أنه يدخل النار، وترتيبهما على ذلك عدم سؤال اللَّه ذلك، فعلى ما فيهما من لين، فقد تعقبهم القاضي عياض فيما نقله عنه النووي في الأذكار بكلام متين فقال: "هذا خطأ، ولولا خوف الاغترار بهذا الغلط، وكونه قد ذكر في كتب مصنفة، لما تجاسرت على حكايته، فكم من حديث صحيح جاء في ترغيب المؤمنين الكاملين بوعدهم شفاعة النبي -ﷺ- لقوله -ﷺ-: "من قال مثل ما يقول المؤذن حلت له شفاعتي" وغير ذلك، وقد أحسن الإمام الحافظ الفقيه أبو الفضل
_________________
(١) أورد الشيخ مقبل ﵀ في كتابه الشفاعة فصل في شفاعته -ﷺ- لأناس قد أمر بهم إلى النار، ذكر فيه حديثين صريحين وتعقبهما بالتضعيف.
(٢) حاشية ابن القيم على أبي داود (١٣/ ٥٥)، وانظر شرح العقيدة الطحاوية (٢٢٩)، فتح المجيد (٢٠٠)، ولمزيد من الوقوف على الأحاديث والآيات في ذلك انظر: الشفاعة للوادعي.
[ ٣ / ١١٨١ ]
عياض ﵀ في قوله: قد عرف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح ﵃ شفاعة نبينا -ﷺ- ورغبتهم فيها، قال: وعلى هذا لا يلتفت إلى كراهة من كره ذلك لكونها لا تكون إلا للمذنبين؛ لأنه ثبت في الأحاديث في صحيح مسلم وغيره إثبات الشفاعة لأقوام في دخولهم في الجنة بغير حساب، ولقوم في زيادة درجاتهم في الجنة، قال: ثم كل عاقل معترف بالتقصير، محتاج إلى العفو، مشفق من كونه من الهالكين، ويلزم هذا القائل أن لا يدعو بالمغفرة والرحمة؛ لأنهما لأصحاب الذنوب، وكل هذا ما عرف من دعاء السلف والخلف" (^١)، ولم أجد لغيره تنبيها على هذا وعدّه خطأً، قلت: ويؤيد كون هذا خطأ ما نقله ابن الجوزي في العلل المتناهية بعد إيراد حديث: "خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة لأنها أعم، أترونها للمؤمنين المتقين، لا ولكنها للمذنبين الخطائين" قال: "قال الدارقطني: ليس في الأحاديث شيء صحيح" (^٢)، وكذا في العلل للدارقطني (^٣) قوله بعد سرده طرق الحديث: "ليس فيها شيء صحيح"، فهذا يدل على أنه لا أصل لهذا القول في السنة المرفوعة؛ أي نفيها عن المؤمنين المتقين أما ثبوتها لأصحاب الكبائر فهو ثابت صحيح، وليس فيه الحصر وعدم دخول غيرهم فيها، واللَّه أعلم.
_________________
(١) الأذكار (٨٨٧)، وانظر تفسير القرطبي (١٠/ ٢٦٧).
(٢) (٢/ ٩٢٠).
(٣) (٧/ ٢٢٦).
[ ٣ / ١١٨٢ ]
المبحث الثامن: الآثار الواردة في المقام المحمود.
١٠٣٧ - دثنا سريج بن يونس، دثنا أبو سفيان، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة قال: "يجمع الناس يوم القيامة في صعيد واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، كما خلقوا أول مرة، ثم يقوم النبي -ﷺ- فيقول: "لبّيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، عبادك بين يديك، أنا منك وإليك، سبحانك رب البيت، تباركت وتعاليت" قال: وهو المقام المحمود" (^١).
_________________
(١) إسناد حسن، رجاله ثقات غير أبي إسحاق وهو السبيعي عمرو بن عبد اللَّه ثقة مكثر عابد اختلط بآخره، التقريب (٥١٠٠)، ورواية معمر عنه لا يدرى هل هي قبل الاختلاط أم بعده، إلا أنه تابعه شعبة والثوري وهما ممن سمع منه قبل الاختلاط كما في المختلطين للعلائي (٩٤)، وإن كان هناك عبارات في ترجمته من تهذيب الكمال (٧/ ١٨٢) يستشف منها سماعه قبل الاختلاط منها قول أحمد: "لا تضم أحدا إلى معمر إلا وجدته يتقدمه في الطلب، كان من أطلب أهل زمانه للعلم"، وكذا قول أبي حاتم بأن الإسناد انتهى إلى ستة نفر أدركهم معمر وكتب عنهم لا أعلم لأحد اجتمعوا غير معمرا وذكر منهم أبا إسحاق، الأهوال (١٦٢) رقم (١٥١)، والطبري في تفسيره (١٥/ ١٤٤) من طريق سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق به، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٣١٩) رقم (٣١٧٤٤) عن إسرائيل به وكرره برقم (٣٤٨٠٠)، وعبد الرزاق في التفسير (٢/ ٣٨٧)، وابن مندة في الإيمان (٣/ ١١٨ - ١١٩) رقم (٩٢٩ - ٩٣١) وقال: "هذا إسناد مجمع على صحته وقبول رواته"، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٦٣) وقال: "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه هذه السياقة"، والطيالسي في مسنده (١/ ٣٣٠) رقم (٤١٤)، =
[ ٣ / ١١٨٣ ]
١٠٣٨ - دثنا خلف ومحمد بن سليمان، دثنا أبو الأحوص، عن آدم ابن علي قال: سمعت ابن عمر يقول: "إن الناس يصيرون جثا يوم القيامة، كل أمة تتبع نبيّها يقولون: يا فلان، اشفع لنا حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي، فذلك اليوم الذي يبعثه اللَّه المقام المحمود" (^١).
التحليل والتعليق
تضمن أثرا حذيفة وابن عمر ﵄ تفسير المقام المحمود بأنه الشفاعة العظمى التي يشفعها النبي -ﷺ- لأهل الموقف لكي يأتي اللَّه لفصل القضاء بينهم، قال ابن عبد البر: "على هذا أهل العلم في تأويل قول اللَّه -﷿-: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ (^٢) أنه الشفاعة،
_________________
(١) = وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٧٨)، والبزار في مسنده (٧/ ٣٢٩) رقم (٢٩٢٦)، والحارث في مسنده كما في بغية الباحث (٢/ ١٠٠٧) رقم (١١٢)، والنسائي في الكبرى (٦/ ٣٨١) رقم (١١٢٩٤) عن شعبة به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٧٧): "رواه البزار موقوفا ورجاله رجال الصحيح"، وانظر الدر المنثور (٥/ ٣٢٥)، وقد روي هذا الحديث مرفوعا ولا يصح كما قال أبو حاتم الرازي في العلل (٢/ ٢١٧)، وقال الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم (٣٥٣) بأنه: "في حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال بالرأي"، وانظر المطالب العالية (٥/ ١١٩ - ١٢٠).
(٢) إسناده صحيح، الأهوال (١٦٤) رقم (١٥٢)، أخرجه البخاري في صحيحه (٨/ ٣٩٩ فتح) رقم (٤٧١٨).
(٣) سورة الإسراء، من الآية (٧٩).
[ ٣ / ١١٨٤ ]
وقد روي عن مجاهد أن المقام المحمود أن يقعده معه يوم القيامة على العرش، وهذا عندهم منكر في تفسير هذه الآية، والذي عليه جماعة العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، أن المقام المحمود هو المقام الذي يشفع فيه لأمته، وقد روي عن مجاهد مثل ما عليه الجماعة من ذلك، فصار إجماعا في تأويل الآية من أهل العلم بالكتاب والسنة" (^١).
وقال ابن جرير: "اختلف أهل التأويل في معني ذلك المقام المحمود، فقال أكثر أهل العلم: ذلك هيو المقام الذي هو يقومه -ﷺ- يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم. . . وهذا وإن كان هو الصحيح من القول في تأويل قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ لما ذكرنا من الرواية عن رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه والتابعين، فإن ما قاله مجاهد من أن اللَّه يقعد محمدا -ﷺ- على عرشه قول غير مدفوع صحته؛ لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك لأنه لا خبر عن رسول اللَّه -ﷺ-، ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك" (^٢).
وكذلك ابن حجر والشوكاني -رحمهما اللَّه- ذكرا أن قول مجاهد لا يعارض القول بأن المقام المحمود هو الشفاعة، بل يمكن أن يكون الأمران معا الإقعاد والشفاعة، ويكون الإقعاد من صفات المقام المحمود الذي
_________________
(١) التمهيد (١٩/ ٦٣ - ٦٤)، وانظر فتح الباري (١١/ ٤٢٦).
(٢) تفسير ابن جرير (٨/ ١٢٩).
[ ٣ / ١١٨٥ ]
يشفع فيه -ﷺ- (^١)، وهذا الذي ذهب إليه الإمام القصاب -﵀- فجوّز أن تكون الشفاعة من موضع الإقعاد، فالأمر ممكن غير مستحيل كما يدعي بعض المؤولة للنصوص (^٢)، لكن الشأن في الجزم به.
_________________
(١) انظر: فتح الباري (١١/ ٤٢٧)، فتح القدير.
(٢) انظر: مقدمة تبيين كذب المفتري (١٤) للكوثري، ولا غرابة في قولهم إذا علم أصلهم: أنه ليس على العرش شيء، كما نسبه لهم غير واحد من علماء أهل السنة، انظر: السنة للخلال (١/ ٢٥١)، العلو للذهبي (١٢٩).
[ ٣ / ١١٨٦ ]
المبحث التاسع: الآثار الواردة في البعث وصفته.
١٠٣٩ - دثنا يوسف، دثنا عبيد اللَّه بن موسى وخلف بن الوليد، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (^١): "إعادته أهون عليه من ابتدائه، وكل عليه يسير" (^٢).
١٠٤٠ - دثني حمزة بن العباس، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، أرنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء قال: "يرسل ريح فيها صِرٌّ بارد زمهرير، فلا تذر على الأرض مؤمنا إلا لفت بتلك الريح، ثم تقوم الساعة على الناس، قال: ثم يقوم ملك بين السماء والأرض بالصور فينفخ فيه، فلا يبقى خلق في السماء والأرض إلا مات، ثم يكون بين النفختين ما شاء اللَّه أن يكون، فيرسل اللَّه ماء من تحت العرش، فتنبت جسمانهم ولحمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ ابن مسعود " ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ (^٣)، ثم يقوم ملك بين
_________________
(١) سورة لقمان، الآية (٢٨).
(٢) إسناده حسن، أبو جعفر الرازي صدوق سيء الحفظ خصوصا عن مغيرة التقريب (٨٠٧٧)، والأثر مروي عن عدة تابعين وعن بعض الصحابة، انظر تفسير ابن جرير (٢١/ ٣٦)، الأهوال (٢٢٠) رقم (٢١٢).
(٣) سورة فاطر، الآية (٩).
[ ٣ / ١١٨٧ ]
السماء والأرض بالصور فينفخ فيه، فتنطلق كل نفس إلى جسدها فتدخل فيه، فيجيئون قياما لرب العالمين" (^١).
١٠٤١ - دثنا إسحاق بن إبراهيم، دثنا معاذ بن هشام، دثني أبي، عن بديل (^٢) قال: "حُدِّثت أن أهل الضلالة إذا خرجوا من قبورهم يتسكّعون في الظلمات مثل الدنيا، أو مثلي الدنيا، ما يكلَّمون، وإن الأرض تأجّج نارا، أو ما ظلٌ إلا من كان في ظل العرش" (^٣).
١٠٤٢ - دثنا يوسف، دثنا عمرو بن حمران، عن سعيد، عن قتادة عن الحسن: " ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ (^٤) قال: "فزعوا يوم القيامة حين خرجوا من قبورهم" (^٥).
_________________
(١) سبق تخريجه (٨٦٧).
(٢) هو بُدَيْل بن ميسرة العُقَيلى البصري، ثقة، مات سنة (١٢٥ هـ) أو (١٣٠ هـ)، التقريب (٦٤٦).
(٣) إسناده حسن إلى بديل، معاذ بن هشام صدوق ربما وهم التقريب (٦٧٨٩)، الأهوال (١٥٧) رقم (١٤٥)، ورقم (٢٢٩) عن أبي واعظ الزاهد قريبا منه، وانظر الدر المنثور (٨/ ٥٥) فقد أورد عن أبي فاختة أن المنافقين يتسكعون في الظمة يوم القيامة.
(٤) سورة سبأ، الآية (٥١).
(٥) إسناده حسن؛ فيه عمرو بن حمران وهو صالح الحديث كما في الجرح والتعديل (٦/ ٢٢٧)، وسعيد هو ابن أبي عروبة لأن الراوي عنه عمرو بن حمران لا يروي عن سعيد بن بشير الشامي، الأهوال (١١٠) رقم (٧٩)، والطبري في تفسيره (٢٢/ ١٠٨).
[ ٣ / ١١٨٨ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان أمر البعث، وقدرة اللَّه -﷿- عليه، وأنه لا يعجزه شيء، وكل شيء أمام قدرته تعالى هين، مهما تعاظمه الخلق، وأنه يحصل بأمر حسي وهو نزول ماء من تحت العرش، فتنبت جسمانهم ولحمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى، ثم يحصل فزع الناس عند هذا القيام، ويشتد على بعضهم حتى إن أهل الضلالة يتسكعون في الظلمات.
قال ابن أبي العز: "الإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة السليمة؛ فأخبر اللَّه سبحانه عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليل عليه، وردَّ على منكريه في غالب سور القرآن، وذلك: أن الأنبياء ﵈ كلهم متفقون على الإيمان باللَّه؛ فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم، وهو فطري كلهم يقر بالرب إلا من عاند كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر؛ فإن منكريه كثيرون ومحمد -ﷺ- لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر المقفي، بَيَّن تفصيل الآخرة بيانا لا يوجد في شيء لمن كتب الأنبياء" (^١)، قال ابن كثير: "قد علمتم أن اللَّه أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا؛ فخلقكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، فهلا تتذكرون وتعرفون أن الذي قدر على هذه النشأة وهي البداءة، قادر على النشأة الأخرى وهي الإعادة
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (٤٠٤).
[ ٣ / ١١٨٩ ]
بطريق الأولى والأحرى" (^١)، وهذا أسلوب من أساليب القرآن في إثبات المعاد قال شيخ الإسلام: "من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم، والقدرة عليه أبلغ وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك، وكذلك استدلاله على ذلك بالنشاة الأولى في مثل قوله ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، ولهذا قال بعد ذلك: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٢) " (^٣)، وتفصيل هذا أن: "الإنسان يعلم الإمكان الخارجي، تارة بعلمه بوجود الشيء، وتارة بعلمه بوجود نظيره، وتارة بعلمه بوجود ما هو أبلغ منه؛ فإن وجود الشيء دليل على أن ما هو دونه أولى بالإمكان منه، ثم إنه إذا بُيِّن كون الشيء ممكنا فلا بد من بيان قدرة الرب عليه، وإلا فمجرد العلم بإمكانه لا يكفي في إمكان وقوعه إن لم تعلم قدرة الرب على ذلك فبين سبحانه هذا كله" (^٤).
ومن ذلك ذكره للطريقة التي يحصل بها البعث بإنزال ماء من تحت العرش، قال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾: "كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها كذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميما يوم
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٧٨).
(٢) سورة الروم، الآية (٢٧).
(٣) درء التعارض (١/ ٢١).
(٤) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٩٩).
[ ٣ / ١١٩٠ ]
القيامة ينزل اللَّه ﷾ ماء من السماء فتمطر الأرض أربعين يوما فتنبت منه الأجساد في قبورها كما ينبت الحب في الأرض وهذا المعنى كثير في القرآن يضرب اللَّه مثلا ليوم القيامة بإحياء الأرض بعد موتها" (^١).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٢٣).
[ ٣ / ١١٩١ ]
المبحث العاشر: الآثار الواردة في الصراط.
١٠٤٣ - ذكر حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال (^١) قال: "بلغنا أن الصراط يكون على بعض الناس أدق من الشعر، وعلى بعض الناس مثل الوادي الواسع" (^٢).
١٠٤٤ - ذكر علي بن أبي مريم، عن المقدمي، نا جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يسأل علي بن زيد وهو يبكي فقال: "يا أبا الحسن كم بلغك أن ولي اللَّه يجلس على الصراط؟ قال: كقدر رجل في
_________________
(١) هو سعيد بن أبي هلال الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، صدوق، مات بعد (١٣٠ هـ)، وقيل قبلها، وقيل قبل الخمسين بسنة، التقريب (٢٤١٠).
(٢) إسناده ضعيف فيه رشدين بن سعد ضعيف التقريب (١٩٥٣)، والأثر صحيح بطرقه، الأولياء (١٧) رقم (٢٣)، ونعيم في زيادات الزهد لابن المبارك (١٢٢) رقم (٤٠٦)، وذكره البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٣٣) ووجهه بقوله: "فيحتمل أن يكون لشدة مروره عليه وسقوطه عنه يشبه بذلك واللَّه أعلم"، وورد بلفظ في صحيح مسلم (١/ ١٧٠) من طريق سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن عطاء ابن يسار عن أبي سعيد الخدري وفيه قول أبي سعيد: "بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف"، فجعله من قول أبي سعيد لا من قول سعيد بن أبي هلال فاللَّه أعلم هل هو تصحيف؟، وفي صحيح ابن حبان (١٦/ ٣٨٠) رقم (٧٣٧٧)، والليث في فوائده (٥٠)، وابن منده في الإيمان (٣/ ٤٨) والدراقطني في رؤية اللَّه (٣٢)، وجعلوه من قول سعيد بن أبي هلال.
[ ٣ / ١١٩٢ ]
صلاة مكتوبة أتم ركوعها وسجودها، قال: وهل بلغك أن الصراط يتسع لأولياء اللَّه؟ قال: نعم" (^١).
التحليل والتعليق
تضمن الأثران السابقان إثبات الصراط، وذكر بعض أوصافه مثل اختلاف سعته ضيقا واتساعا بحسب المارِّ عليه، فيتسع إلى أن يصير كالوادي الواسع، ويضيق حتى يصير أدق من الشعر، ومدة المرور عليه التي تختلف أيضًا، والصراط هو: "جسر على جهنم أحدُّ من السيف، وأدقُّ من الشعرة، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم: كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، ومنهم الساعي، ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبوا، ومنهم المكدوش على وجهه في النار" (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه المقدمي وهو عبد اللَّه بن أبي بكر ضعيف، انظر لسان الميزان (٣/ ٢٦٣)، الأولياء (١٧) رقم (٢٢)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (١٧٦) ولم ينسبه لغير المصنف.
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٤١)، وانظر شرح السنة للبربهاري (٢٦)، وشرح العقيدة الطحاوية (٤٠٤)، التخويف من النار لابن رجب (٢٣٣)، التذكرة للقرطبي (٣٨١)، وتسلية أهل المصائب (٢٩٩)، فتح الباري (١١/ ٤٥٤).
[ ٣ / ١١٩٣ ]
الفصل الرابع: الآثار الواردة في الجنة.
وفيه واحد وعشرون مبحثا:
المبحث الأول: الآثار الواردة في العرش سقف الجنة.
المبحث الثاني: الآثار الواردة في أدنى أهل الجنة نعيما.
المبحث الثالث: الآثار الواردة في معنى الظل الممدود.
المبحث الرابع: الآثار الواردة في نخل الجنة وأشجارها.
المبحث الخامس: الآثار الواردة في أرض الجنة.
المبحث السادس: الآثار الواردة في شراب أهل الجنة وأكلهم.
المبحث السابع: الآثار الواردة في لباسهم.
المبحث الثامن: الآثار الواردة في فراشهم.
المبحث التاسع: الآثار الواردة في حُلِيُّهم.
المبحث العاشر: الآثار الواردة في صفة أهلها وخدمهم.
المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في لسانهم.
المبحث الثاني عشر: الآثار الواردة في تزاور أهلها.
المبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في سوقها.
المبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في غنائهم.
المبحث الخامس عشر: الآثار الواردة في الحور العين.
المبحث السادس عشر: الآثار الواردة في الجماع وما يتعلق
[ ٣ / ١١٩٤ ]
به من الولد وغيره.
المبحث السابع عشر: الآثار الواردة في قصور الجنة وخيامها.
المبحث الثامن عشر: الآثار الواردة في أبواب الجنة.
المبحث التاسع عشر: الآثار الواردة في موضع الجنة.
المبحث العشرون: الآثار الواردة في وجود الجنة الآن.
المبحث الحادي والعشرون: الآثار الواردة في ذكر بعض عيونها وأنهارها.
[ ٣ / ١١٩٥ ]
المبحث الأول: الآثار الواردة في أن العرش سقف الجنة.
١٠٤٥ - حدثني المشرف بن أبان، سمعت صالح بن عبد الكريم قال: قال لنا الفضيل بن عياض: "تدرون لم حسنت الجنة؟ لأن عرش رب العالمين سقفها" (^١).
١٠٤٦ - حدثنا العباس بن عبد اللَّه، ثنا جعفر بن عمر (^٢)، ثنا الحكم -يعني ابن أبان- عن عكرمة، عن ابن عباس -﵁- قال: "إذا سكن أهل الجنةِ الجنةَ، نوَّرَ سقفَ مساكنهم نورُ عرشه" (^٣).
١٠٤٧ - حدثنا يحيى بن كثير العنبري، ثنا مروان بن بكير (^٤)، عن
_________________
(١) إسناده لين؛ شيخ المصنف ذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ٢٠٣)، ولم يذكر فيه الخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ٢٢٤) جرحا ولا تعديلا، وشيخه صالح بن عبد الكريم ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٤٠٨) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وتبعه الخطيب في تاريخه (٩/ ٣١٢)، وكان عابدا له شأن في ذلك وكان ممن يصحب انظر (١٤/ ٤١١) من تاريخ بغداد، صفة الجنة (١٨) رقم (١٩)، والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٣١٢)، وذكره ابن القيم في حادي الأرواح (٥٧).
(٢) صوابه حفص بن عمر وهو العدني، وورد على الصواب في طبعة عمرو عبد المنعم.
(٣) إسناده ضعيف، شيخ المصنف هو الترقفي ثقة عابد التقريب (٣١٨٩)؛ وفيه حفص ابن عمر وهو العدني ضعيف، التقريب (١٤٢٩)، صفة الجنة (١٨ - ١٩) رقم (٢٢)، وذكره ابن القيم في حادي الأرواح (٥٧)، وابن عيسى في توضيح المقاصد (٢/ ٤٩٩).
(٤) لم أقف على أحد بهذا الاسم في كتب التراجم، ويظهر لي أنه تصحيف من بكر بن خنيس؛ فإنه هو الذي يروي عن أشعث بن سوار، وقد ورد عند ابن القيم في =
[ ٣ / ١١٩٦ ]
أشعث، عن الحسن قال: "إنما سميت عدن لأن فوقها (^١) العرش، ومنها تتفجر أنهار الجنة، وللحور العدنية الفضل على سائر الحور" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة إثبات أن سقف الجنة هو عرش الرحمن، وأن نوره يُنَوِّر مساكنهم، وأن ذلك هو سبب حسن الجنة، قال شيخ الإسلام: "العرش فوق جميع المخلوقات، وهو سقف جنة عدن، التي هي أعلا الجنة" (^٣).
_________________
(١) = حادي الأرواح (٥٧) قوله: "وروى بكر عن أشعث عن الحسن".
(٢) حدث هنا في طبعة عمرو عبد المنعم وهي طبعة اعتمد فيها على نسختين خطيتين، خطأ فاحش فكتب: "لأنها العرش"، والتصويب من مصدري التخريج.
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه أشعث وهم ابن سوار ضعيف التقريب (٥٢٨)، صفة الجنة (١٩) رقم (٢٣)، وذكره ابن القيم في حادي الأرواح (٥٧)، وابن عيسى في توضيح المقاصد (٢/ ٤٩٩).
(٤) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٩٥)، شرح السنة للبربهاري (٢٧)، كتاب التوحيد لابن خزيمة (١/ ٢٤١)، تفسير ابن كثير (٢/ ٥٣٤)، شرح العقيدة الطحاوية (٢٧٧)، كتاب العرش للذهبي القسم الدراسي (١/ ٢٨٢).
[ ٣ / ١١٩٧ ]
المبحث الثاني: الآثار الواردة في أدنى أهل الجنة نعيما.
١٠٤٨ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، أنا يزيد بن الحباب، عن أبي هلال الراسبي، أنا الحجاج بن عتاب العبدي، عن عبد اللَّه بن معبد الزياني، عن أبي هريرة قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة وليس فيهم دنيّ، لمن يغدو عليه كل يوم ويروح خمسة عشر ألف خادم، ليس منهم خادم إلا معه طرفة ليست مع صاحبه" (^١).
١٠٤٩ - حدثنا حمزة بن العباس، أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا ابن عون، عن ابن سيرين قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن يقال له: تَمَنَّ، ويذكره أصحابه فيقال له: هو لك ومثله معه، قال محمد: وقال ابن عمر: "هو لك وعشرة أمثاله وعند اللَّه المزيد" (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ والأثر حسن، فيه شيخ المصنف وقد سبق (٩٧٤)، صفة الجنة (٦٩) رقم (٢٠٧)، ورقم (٢٠٩) بإسناد آخر عن أبي هريرة أيضا، والبخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٣٧٧) عن موسى بن إسماعيل وهو التبوذكي به، وأبو نعيم في صفة الجنة برقم (٤٤٢)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٨٠) وقال: "رواه ابن أبي الدنيا موقوفا".
(٢) إسناده صحيح، صفة الجنة (٢٦) رقم (٣٦)، وورد ذكر عشرة أمثال عن أبي سعيد الخدري برقم (٢٣٧)، وابن جرير في تفسيره (٢٦/ ١٧٥)، وأصل الحديث في البخاري (١١/ ٤١٩ فتح) رقم (٦٥٧١)، ومسلم برقم (١٨٦، ١٨٨، ١٨٩).
[ ٣ / ١١٩٨ ]
التحليل والتعليق
تضمن أبي هريرة -﵁- بيان منزلة أدنى أهل الجنة، وليس فيهم دنيّ، وقد أفرد العلماء لأدنى أهل الجنة منزلة، وما ورد فيه من الأحاديث والآثار أبوابا في كتبهم، فإن فيه مباحث عقدية كثيرة منها إثبات النظر إلى اللَّه، ودخول بعض عصاة الموحدين النار، ثم خروجهم منها، وغير ذلك، ففيه مباحث تتعلق بالصفات والرد على الجهمية، ومباحث تتعلق بالإيمان والرد على المرجئة والخوارج (^١).
_________________
(١) انظر التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٧٥١، ٧٥٧، ٧٧٠)، التذكرة للقرطبي (٤٩٩)، وفتح الباري (١١/ ٤٦٠)، وحادي الأرواح (٢٧٦)، يقظة أولي الاعتبار (١٨١).
[ ٣ / ١١٩٩ ]
المبحث الثالث: الآثار الواردة في معنى الظل الممدود.
١٠٥٠ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان (^١)، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون (^٢): ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ (^٣) قال: "مسيرة ألف سنة" (^٤).
التحليل والتعليق
تضمن الأثر السابق عن عمرو بن ميمون تفسير الظل الممدود، بأنه مسيرة ألف سنة، وقد وردت عدة نصوص في تفسير هذا الظل، وأنه ظل شجرة طوبى في الجنة، قال ابن كثير: "هذا حديث ثابت عن رسول اللَّه -ﷺ-، بل متواتر، مقطوع بصحته عند أئمة الحديث النقاد؛ لتعدد طرقه، وقوة أسانيده، وثقة رجاله" (^٥).
_________________
(١) كلا السفيانين الثوري وابن عيينة يروي عن أبي إسحاق السبيعي ويروي عنهما عبد الرحمن بن مهدي، كما في تراجمهم من تذهيب الكمال، لكن ورد من طريق أبي نعيم في الحلية (٤/ ١٥٠) أنه سفيان الثوري ولم يذكر في شيوخ يحيى بن يمان في تهذيب الكمال إلا الثوري، والثوري ممن روى عن السبيعي قبل الاختلاط كما في كتاب المختلطين (٩٤)، فالحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات.
(٢) الأودي مخضرم مشهور ثقة عابد، التقريب (٥١٥٧).
(٣) سورة الواقعة، الآية (٣٠).
(٤) إسناده صحيح؛ صفة الجنة (٣٥) رقم (٦٤)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٤/ ٢٩١)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٨٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٥٠) جمعيهم يذكر أن المدة: "سبعين ألف سنة"، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ١٤) إلى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.
(٥) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٦٩).
[ ٣ / ١٢٠٠ ]
المبحث الرابع: الآثار الواردة في نخل الجنة وأشجارها.
١٠٥١ - حدثني يعقوب بن عبيد، ثنا يزيد بن هارون، أنا حماد بن سلمة، عن أبي المهزّم قال: قال أبو هريرة: "دار المؤمن في الجنة لؤلؤ، فيها أربعون ألف دار، فيها شجر تنبت الحلل، فيأخذ الرجل بأصبعيه وأشار بالسبابة والإبهام سبعين حلة منتظمة باللؤلؤ والمرجان" (^١).
١٠٥٢ - حدثني حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء (^٢) في قوله -﷿-: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾ (^٣) قال: "أهل الجنة يأكلون من ثمار الجنة كيف شاؤوا؛ جلوسا ومضطجعين وكيف شاؤوا" (^٤).
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا؛ مداره أبي المهزم وهو متروك، التقريب (٨٤٦٣)، صفة الجنة (٥٦) رقم (١٤٨)، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- رقم (٢٦٢)، وهناد في الزهد (١/ ١٠٤) رقم (١٢٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٠) رقم (٣٤٠٤٠)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٧٢١) لابن أبي شيبة.
(٢) هو البراء بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي، صحابي بن صحابي، نزل الكوفة، استُصْغِر يوم بدر، وكان هو وابن عمر لِدَةٌ -أي أتراب- (ت ٧٢ هـ)، التقريب (٦٤٨).
(٣) سورة الإنسان، الآية (١٤).
(٤) إسناده حسن، وقد سبق (٣٧٦) الكلام في رواية شريك عن أبي إسحاق، صفة الجنة (٤٩) رقم (١١٥)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٣٠)، وعبد اللَّه بن أحمد في زياداته على الزهد (٢١١).
[ ٣ / ١٢٠١ ]
١٠٥٣ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا محمد بن يزيد، عن جرير، عن الضحاك: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤)﴾ (^١)، قال: دانٍ ثمارها " (^٢)
١٠٥٤ - حدثنا العباس، ثنا ابن المغيرة (^٣)، ثنا عبدة قالت: سمعت خالد بن معدان (^٤) يقول: "إن الرجل يريد أن يأكل من فاكهة الجنة فيأتي الشجرة فتسترخي له حتى يأخذ منها ما أراد ثم ترتفع" (^٥).
١٠٥٥ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا جرير، عن منصور، عن حسان بن أبي الأشرس، عن مغيث بن سميّ قال: "طوبى شجرة في الجنة، لو أن رجلا ركب قلوصا (^٦) أو جَذَعًا (^٧) ثم دارها لم يبلغ المكان الذي
_________________
(١) سورة الرحمن، الآية (٥٤).
(٢) فيه محمد بن يزيد وهو ابن خنيس وقد سبق (١٠١) أنه مقبول، صفة الجنة (٤٩ - ٥٠) رقم (١١٦).
(٣) صوابه أبو العباس، وهو عبد القدوس بن الحجاج الشامي، فهو الذي يروي عن عبدة وهي بنت معدان كما في ترجمته من تهذيب الكمال، ويروي عنه العباس بن عبد اللَّه كما في ترجمة العباس من تذهيب الكمال.
(٤) هو خالد بن معدان الكلاعي الحمصي، أبو عبد اللَّه، ثقة عابد، يرسل كثيرا، مات سنة (١٠٣ هـ) وقيل بعد ذلك، التقريب (١٦٧٨).
(٥) إسناده حسن؛ وعبدة وهي بنت خالد بن معدان ذكرها ابن حبان في الثقات (٧/ ٣٠٧)، صفة الجنة (٥١) رقم (١٢٢).
(٦) القَلُوصُ من النوف الشابة، وهي بمنزلة الجارية من الناس، مختار الصحاح (٥٦٠).
(٧) الجذع قبل الثني، يقال لولد الشاة في السنة الثانية، ولولد البقرة والحافر في السنة الثالثة، وللإبل في السنة الخامسة، المختار الصحاح (١١٩).
[ ٣ / ١٢٠٢ ]
ارتحل منه حتى يموت هرما، وما من الجنة منزل إلا غصن من أغصان تلك الشجرة متدلٍّ عليه، فإذا أرادوا أن يأكلوا من الثمرة تدلي عليهم فأكلوا منه ما شاءوا، قال: وتجيء الطير فيأكلون منه قديدا وشواء ما شاءوا ثم تطير" (^١).
١٠٥٦ - حدثنا هارون بك معروف، ثنا ضمرة، عن ابن شوذب، عن ابن أبي جرة (^٢)، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿طُوبَى﴾ قال: "شجرة في الجنة فيها حمل أمثال ثدي النساء فيها حلل أهل الجنة" (^٣).
١٠٥٧ - حدثني ابن أبي شيبة، ثنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، عن ابن عباس قال: "طوبى اسم الجنة بالحبشية" (^٤).
١٠٥٨ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرني المسعودي، عن عمرو بن
_________________
(١) إسناده حسن؛ حسان بن أبي الأشرس صدوق التقريب (١٢٠٥)، صفة الجنة (٣٣ - ٣٤) رقم (٥٥)، ومختصرا رقم (١٠٤)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٦٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٣) رقم (٣٤٠٨١)، وابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٤٩)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٦٨).
(٢) أظنه مصحفا؛ فإني لم أجده، والصواب ابن أبي بزة، وهو القاسم بن أبي بزة الكوفي القارئ، الراوي عن مجاهد، ثقة التقريب (٥٤٨٧).
(٣) إسناده حسن، صفة الجنة (٣٤) رقم (٥٦)، ونسبه السيوطي في الدر (٤/ ٦٤٥) لأبي الشيخ وابن أبي حاتم.
(٤) إسناده ضعيف؛ مداره على يحيى بن يمان صدوق عابد يخطئ كثيرا، وقد تغير التقريب (٧٧٢٩)، صفة الجنة (٣٤) رقم (٥٩)، وابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٤٦)، ونسبه السيوطي في الدر (٤/ ٦٤٣) لابن أبي حاتم وابن جرير.
[ ٣ / ١٢٠٣ ]
مرة قال: قال أبو عبيدة: "نخل الجنة نضيد ما بين أصلها إلى فرعها ثمرها كالقلال، كلما نزعت منها ثمرة عادت مكانها أخرى، أنهارها تجري في غير (^١) أخدود، العنقود منها اثنا عشر ذراعا، قال عمرو: فعجلت على الشيخ فقلت: من حدثك بهذا؟ قال لي: أما إني لا أكذبك حدثنيه مسروق" (^٢).
١٠٥٩ - حدثنا هارون بن سفيان، ثنا محمد بن عمرو، أنا أسامة بن زيد، عن أبيه، عن عطاء بن يسار (^٣) قال: "في الجنة نخل من ذهب، وسعفها كأحسن حلل رأى الناس، وشماريخها وعراجينها ونقادها من ذهب، وثمرها مثل القلال أشد بياضا من اللبن والفضة، وأطيب من المسك، وأحلى من السكر، وألين من الزبد والسمن" (^٤).
_________________
(١) في الأصل "عين"، والصواب المثبت، كما في مصادر التخريج.
(٢) إسناده ضعيف، والأثر حسن؛ فإن سماع علي بن الجعد من المسعودي بعد الاختلاط انظر كتاب المختلطين للعلائي (٧٢ - ٧٣) أصلا وحاشية، لكن تابعه سفيان الثوري كما في مصادر التخريج، صفة الجنة (٢٩) رقم (٤٨)، وابن المبارك في الزهد (١٤٩٠)، وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٦٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٤٥) مختصرا، وهناد في الزهد (١/ ٩٤) رقم (١٠٣)، وابن جرير في تفسيره (١/ ١٧٠)، وانظر الدر المنثور (١/ ٩٥).
(٣) هو عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمد المدني، مولى ميمونة، ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، مات سنة (١٩٤ هـ) وقيل بعد ذلك، التقريب (٤٦٠٥).
(٤) إسناده ضعيف؛ فيه أسامة بن زيد وهو ضعيف من قبل حفظه التقريب (٣١٧)، صفة الجنة (٢٩) رقم (٤٩)، ولم أجده عن عطاء.
[ ٣ / ١٢٠٤ ]
١٠٦٠ - حدثني حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "نخل الجنة جذوعها من زمرّد أخضر، وكربها من ذهب أحمر، وثمرها مثل القِلال والدِّلاء أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد، ليس فيه عجم" (^١).
١٠٦١ - حدثنا الحسن بن محبوب الأنطاكي، ثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن أبي سنان، عن عبد اللَّه بن أبي الهذيل قال: "كنا مع عبد اللَّه بالشام أو بعَمَّان، فتذاكروا الجنة، فقال: إن العنقود من عناقيدها من هاهنا إلى صنعاء" (^٢).
١٠٦٢ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا جرير ووكيع، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن زياد مولى بن مخزوم، عن أبي هريرة قال: "إن في الجنة
_________________
(١) إسناده صحيح، صفة الجنة (٢٩ - ٣٠) رقم (٥٠)، وابن المبارك في الزهد رقم (١٤٨٨)، والصنعاني في تفسيره (٣/ ٢٦٨)، وهناد في الزهد (١/ ٩١) رقم (٩٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٧٥) وقال: "حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٩٠) وقال: "رواه ابن أبي الدنيا موقوفا بإسناد جيد، والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم".
(٢) إسناده حسن؛ شيخ المصنف لا بأس به وقد سبق (١٨٨)، صفة الجنة (٢٨ - ٢٩) رقم (٤٦)، وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٦٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٢٩) رقم (٣٣٩٦٠)، وهنا في الزهد (١/ ٩٤) رقم (١٠٥)، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٨٩) ونسبه لابن أبي الدنيا فقط موقوفا، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٧٠٩) لابن أبي شيبة.
[ ٣ / ١٢٠٥ ]
شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، واقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (^١)، قال: فبلغ ذلك كعب، فقال: صدق والذي أنزل التوراة على لسان موسى -﵇-، والفرقان على لسان محمد -ﷺ- لو أن رجلا ركب جذعة أو جذعا، ثم دار بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما، إن اللَّه -﷿- غرسها بيده، ونفخ فيها، وإن أفنانها من وراء سور الجنة، ما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة، وقال وكيع: لو أن رجلا ركب جذعا أو حقة" (^٢).
١٠٦٣ - حدثني دهثم بن الفضل القرشي قال: أنبأنا رواد بن الجراح قال: حدثنا الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة (^٣) قال: "في الجنة شجر أثمارها الياقوت والزبرجد واللؤلؤ، فيهب اللَّه ريحا فتضطرب فما
_________________
(١) سورة الواقعة، الآية (٣٠).
(٢) إسناده حسن؛ مداره على زياد مولى بني مخزوم قال فيه ابن معين: "لا شيء" ولم يذكره البخاري بجرح ولا تعديل انظر لسان الميزان (٢/ ٤٩٩)، لكني وقفت على توثيق الشافعي له فانظر الأم (٢/ ٢٠٧)، صفة الجنة (٢٨) رقم (٤٤)، وأصل الأثر في البخاري (٨/ ٦٢٧ فتح) دون قول كعب، ومسلم (٤/ ٢١٧٥) رقم (٢٨٢٦)، أما قول كعب فأخرجه نعيم في زياداته على الزهد لابن المبارك رقم (٢٢٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣٢) رقم (٣٣٩٨٣)، وهناد في الزهد (١/ ٩٨) رقم (١١٤)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٨٢).
(٣) هو عبدة بن أبي لبابة الأسدي مولاهم، ويقال مولى قريش، أبو القاسم البزاز، الكوفي نزيل دمشق، ثقة، التقريب (٤٢٧٤).
[ ٣ / ١٢٠٦ ]
سمع صوت قط ألذّ منه" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة إثبات أشجار الجنة، وبعض أنواعها كالنخيل، وبعض صفاتها، وصفات ثمارها، وسهولة الأكل منها وكيفيته، وتسمية بعضها كطوبى، وقد عقد العلماء في كتبهم أبوابا في أشجار الجنة وأوصافها (^٢)، قال الشيخ أحمد بن عيسى عند شرحه لأبيات ابن القيم في وصف شجر الجنة: "ذكر الناظم في هذا الفصل أن أشجار الجنة نوعان: منها ماله نظير في هذه الدنيا، والنوع الثاني ما لا نظير له في الدنيا" (^٣).
_________________
(١) إسناده حسن لغيره، شيخ المصنف دهثم هو ابن خلف بن الفضل القرشي الرملي، أورده الخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٣٨٢) وذكر قصة عن يعقوب كأنه يشير إلى تكذيبه؟، وشيخه رواد صدوق اختلط بآخره فترك، التقريب (١٩٦٩)، لكن لهما متابعان عند أبي نعيم بسند حسن، الورع (٧١) رقم (٨١)، الحلية (٦/ ١١٤).
(٢) سنن الدارمي (٢/ ٤٣٥)، التذكر للقرطبي (٥٢٧)، حادي الأرواح (١١١).
(٣) شرح الشافية الكافية (٢/ ٥١١).
[ ٣ / ١٢٠٧ ]
المبحث الخامس: الآثار الواردة في أرض الجنة.
١٠٦٤ - حدثنا أبو الأحوص، أنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن سعيد بن جبير قال: "أرض الجنة فضّة" (^١).
١٠٦٥ - حدثنا سويد بن سعيد، ثنا عبد ربه بن بارق الحنفي، حدثني خالي زميل بن سماك، أن سماكا سمع أباه يحدث أنه لقى ابن عباس بالمدينة بعدما كف بصره فقال: "يا ابن عباس ما أرض الجنة؟ قال: مرمرة (^٢) بيضاء من فضة كأنها مرآة، قلت: ما نورها؟ قال: أما رأيت الساعة التي تكون قبل طلوع الشمس فذلك نورها، إلا أنه ليس فيها شمس ولا زمهرير، قال: قلت: فما أنهارها؟ أفي أخدود؟ قال: لا، ولكنها تجري على أرض الجنة مستكنة لا تفيض هاهنا ولا هاهنا، قال اللَّه -﷿- لها: كوني، فكانت، قلت: فما حلل الجنة؟ قال: شجرة فيها ثمر كأنه الرمان، فإذا أراد ولي اللَّه -﷿- منها كسوة انحدرت إليه من غصنها، فانفلقت له عن سبعين حلة ألوانا بعد ألوان، ثم تنطبق فترجع كما كانت" (^٣).
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ فيه يحيى بن يمان وقد سبق (١٠٥٧)، صفة الجنة (١٠٣) رقم (٣٤٢)، وأبو نعيم في صفة الجنة رقم (١٥٥)، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ٩٢) لأبي نعيم.
(٢) قال ابن حجر: "هو جنس من الرخام رفيع معروف" فتح الباري (٨/ ١٠٦).
(٣) إسناده لين؛ فيه عبد ربه بن بارق صدوق يخطئ التقريب (٣٨٠٧)، صفة الجنة (٥٥) رقم (١٤٤)، ثم كرره مختصرا برقم (١٦٦)، وأبو الشيخ في العظمة =
[ ٣ / ١٢٠٨ ]
١٠٦٦ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: "أرض الجنة من وَرِق، ترابها مسك، وأصول شجرها ذهب وياقوت، والورق والثمر تحت ذلك، ومن أكل جالسا لم يؤذه، ومن أكل قائما لم يؤذه، ومن أكل مضطجعا لم يؤذه، ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾ " (^١).
١٠٦٧ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا وكيع، ثنا شعبة، عن المغيرة بن مالك، عن رجل يقال له عبد الكريم، أو يكنى أبا عبد الكريم قال: أقامني على رجل بخراسان فقال: حدثني هذا أنه سمع علي بن أبي
_________________
(١) = (٣/ ٨٩٣) رقم (٤٣٢)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٨٦) وقال: "رواه ابن أبي الدنيا موقوفا بإسناد حسن"، ونسبه في السيوطي في الدر (١/ ٩٣) إلى ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وأبي الشيخ في العظمة.
(٢) إسناده صحيح، ابن أبي نجيح ثقة وربما دلس، وأخرج له الستة وله في البخاري عن مجاهد، وانظر مقدمة فتح الباري (٤١٦)، أما ما ذكره عمرو عبد المنعم من كونه يروي التفسير عن مجاهد من كتاب ابن أبي بزة ولم يسمعه منه، فلا يضر لأنه ثقة، التقريب (٥٤٨٧)، وتعقب الذهبي قول من قال إنه لم يسمع كل التفسير من مجاهد في السير (٦/ ١٢٦) بقوله: "هو أخص الناس بمجاهد"، صفة الجنة (٣٤) رقم (٦٠)، وانظر رقم (١١٤) نحوه، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٢٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٢٨) رقم (٣٣٩٥٤)، وذكره ابن كثير في تفسيره (٤/ ٤٥٧)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٣٧٤) إلى ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي.
[ ٣ / ١٢٠٩ ]
طالب -﵁- يقول: " ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ (^١)، الأرض من فضة، والجنة من ذهب" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار بيان أن أرض الجنة من فضة، وقد اعتنى ابن القيم ﵀ بجمع ما ورد في صفة أرض الجنة، والتوفيق بينها فقال: "جاء في هذه الأحاديث أن ترابها الزعفران. . . ترابها المسك. . .مسك خالص. . . فهذه ثلاث صفات في تربتها ولا تعارض بينها فذهبت طائفة من السلف إلى أن تربتها متضمنة للنوعين المسك والزعفران. . .ويحتمل معنيين آخرين؛ أحدهما: أن يكون التراب من زعفران، فإذا عجن بالماء صار مسكا والطين ترابا. . .المعنى الثاني: أن يكون زعفرانا باعتبار اللون، مسكا باعتبار الرائحة، وهذا من أحسن شيء يكون البهجة والإشراق؛ لون الزعفران والرائحة رائحة المسك. . .وكذلك تشبهها بالدرمك وهو الخبز الصافي الذي يضرب لونه إلى صفرة مع لينها ونعومته. . .فاللون في البياض لون الفضة، والرائحة رائحة المسك. . .وقال أبو الشيخ حدثنا
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآية (٤٨).
(٢) إسناده ضعيف للإبهام والجهالة في بعض الرواة، صفة الجنة (٣٥) رقم (٦١)، وابن جرير في تفسيره (١٣/ ٢٥١)، ونسبه السيوطي في الدر (٥/ ٥٧) للمصنف في هذا الكتاب لكن قال: "والسماء من ذهب" بدل: "والجنة من ذهب"، وزاد على ما سبق ابن المنذر وابن أبي حاتم.
[ ٣ / ١٢١٠ ]
عمرو بن الحسين، حدثنا أبو علانة، حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن أبي كعب قال: قال رسول اللَّه: قلت ليلة أسري بي: يا جبريل إنهم سيسألوني عن الجنة، فأخبرهم أنها من درة بيضاء، وأن أرضها عقيان، والعقيان الذهب، فإن كان أبو علانة حفظه، فهي أرض الجنتين الذهبيتين، فيكون جبريل أخبره بأعلى الجنتين وأفضلهما واللَّه أعلم" (^١).
وقد عقد ﵀ في عدد الجنات وأنها نوعان جنتان من ذهب وجنتان من فضة، قال ﵀: "الجنة اسم شامل لجميع ما حوته من البساتين والمساكن والقصور وهي جنات كثيرة جدا. . .وفي الصحيحين (^٢) من حديث أبي موسى الأشعري عن رسول اللَّه أنه قال جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما".
_________________
(١) حادي الأرواح (٥٠٤ - ٥٠٦)، وانظر فيض القدير (٣/ ٣٦٣)، وشرح ابن عيسى على الشافية الكافية (٢/ ٥٠٦).
(٢) صحيح البخاري برقم (٤٥٩٧)، صحيح مسلم (٢٩٤).
[ ٣ / ١٢١١ ]
المبحث السادس: الآثار الواردة في شراب أهل الجنة وأكلهم.
١٠٦٨ - حدثنا محمد بن عباد بن موسى، ثنا زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن سليم بن عام، عن أبي أمامة قال: "إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي من شراب أهل الجنة فيجيء الإبريق فيقع في يده فيشرب ثم يعود إلى مكانه" (^١).
١٠٦٩ - حدثني هارون بن سفيان، ثنا محمد بن عمر، ثنا ابن أبي ميسرة (^٢)، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عوف بن الحارث بن الطفيل، عن أخي عائشة، عن كعب في قوله: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧)﴾ (^٣)، قال: "نهر يستنم (^٤) على الغرف" (^٥).
١٠٧٠ - حدثنا داود بن عمرو، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن
_________________
(١) إسناده لين؛ فيه شيخ المصنف وقد سبق (٩٤٧) أنه صدوق يخطئ، صفة الجنة (٥٣) رقم (١٣٢)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (١٤/ ٢٩٠) وقال: "رواه ابن أبي الدنيا موقوفا بإسناد جيد".
(٢) كذا وأظنه تصحيف من ابن أبي سبرة فهو الذي يروي عن عبد المجيد بن سهيل، ويروي عنه الواقدي كما في ترجمته من تهذيب الكمال.
(٣) سورة المطففين، الآية (٢٨).
(٤) يعنى يجري فوقها، مختار الصحاح (٣٢٦).
(٥) إسناده ضعيف جدا؛ فيه محمد بن عمر وهو الواقدي وقد سبق (٤٥١)، وابن أبي سبرة رموه بالوضوع، وقال مصعب بن الزبير: كان عالما، التقريب (٨٠٣٠)؛ صفة الجنة (٥٣) رقم (١٣٣).
[ ٣ / ١٢١٢ ]
عبد اللَّه بن مرة عن مسروق، عن عبد اللَّه -﵁- في قول اللَّه -﷿- ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥)﴾ قال: "الرحيق هي الخمر، والمختوم يجدون عاقبتها ريح المسك" (^١).
١٠٧١ - حدثنا داود بن عمرو، ثنا إسماعيل بن علية، ثنا حميد الطويل، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة -﵁-: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ (^٢) قال: "دمادم" (^٣).
١٠٧٢ - حدثنا داود بن عمرو، ثنا الزنجي بن خالد، عن أبي نجيح: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤)﴾ قال: تباعا" (^٤).
١٠٧٣ - حدثنا أبو خيثمة، ثنا محمد بن خازم، عن الأعمش، عن المنهال، عن قيس بن السكين، عن عبد اللَّه قال: "إن الرجل من أهل الجنة ليؤتى بالكأس فيشربها ثم يلتفت إلى زوجته فتقول: لقد زدت في عيني
_________________
(١) إسناده صحيح، صفة الجنة (٥٣) رقم (١٣٤)، وهناد في الزهد (١/ ٧٥) رقم (٦٤).
(٢) سورة النبأ، الآية (٣٤).
(٣) إسناده صحيح، صفة الجنة (٥٣) رقم (١٣٦)، وابن جرير في تفسيره (٣٠/ ١٩)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٣٩٩) لابن جرير وعبد بن حميد، وفسر الكلمة بأنها متتابعة بالفارسية، كلاهما بلفظ: "دمادم" ومعناه شيء يشبه القطران يسيل من السَّلَم والسَّمُر أحمر، الواحد دمدم، انظر لكلمة دمادم لسان العرب (٤/ ٤١٠)، وفي غريب الحديث لابراهيم الحربي (٣/ ١١٤٨) أنه جيد.
(٤) إسناده ضعيف؛ فيه الزنجي بن خالد وهو فقيه صدوق كثير الأوهام التقريب (٦٦٦٩)، صفة الجنة (٥٤) رقم (١٣٧).
[ ٣ / ١٢١٣ ]
سبعين ضعفا حسنا" (^١).
١٠٧٤ - حدثنا أبو خيثمة، ثنا محمد بن خازم، عن الأعمش، عن المنهال، عن قيس بن السكين، عن عبد اللَّه قال: "إن الرجل من أهل الجنة ليؤتى بالكأس فيشربها ثم يلتفت إلى زوجته فتقول: لقد زدت في عيني سبعين ضعفا حسنا" (^٢).
١٠٧٥ - حدثنا أبو مسلم، ثنا سفيان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "لو أخذت فضة من فضة أهل الدنيا فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم تر الماء من ورائها، ولكن قوارير الجنة في بياض الفضة وصفاء القارورة" (^٣).
١٠٧٦ - حدثنا داود بن عمرو الضبي، ثنا الزنجي بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "قوارير: قوارير من فضة في بياض الفضة وصفاء
_________________
(١) إسناده حسن، المنهال وهو ابن عمرو صدوق ربما وهم التقريب (٦٩٦٦)، صفة الجنة (٥٤) رقم (١٣٨)، ورقم (١٤٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣٣) رقم (٣٣٩٩٣)، ونسبه في الدر (٨/ ٩) لابن أبي شيبة.
(٢) إسناده حسن، المنهال وهو ابن عمرو صدوق ربما وهم التقريب (٦٩٦٦)، صفة الجنة (٥٤) رقم (١٣٨)، ورقم (١٤٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣٣) رقم (٣٣٩٩٣)، ونسبه في الدر (٨/ ٩) لابن أبي شيبة.
(٣) إسناده حسن؛ شيخ المصنف صدوق طعنوا فيه للرأي كما سبق (١٢٥)، صفة الجنة (٥٤) رقم (١٣٩)، وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٣٨)، ونسبه في روح المعاني (١٥٩/ ٢٩) لعبد الرزاق وسعيد بن منصور والبيهقي.
[ ٣ / ١٢١٤ ]
القوارير" (^١).
١٠٧٧ - حدثنا محمد بن عباد بن موسى، ثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ (^٢) قال: "كان ترابها فضة بصفاء الزجاج في بياض الفضة" (^٣).
١٠٧٨ - حدثني حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا رجل، عن جابر، عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال أبو الدرداء: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ (^٤) قال: "هو شراب أبيض مثل الفضة، يختمون به أشربتهم، لو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريحها" (^٥).
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ فيه الزنجي وقد سبق (١٠٧٢)، صفة الجنة (٥٤) رقم (١٤٠)، وابن جرير في تفسيره (٢٩/ ٢١٥) بسند ضعيف فيه مهران وهو ابن أبي عمر العطار وهو صدوق له أوهام سيء الحفظ، التقريب (٦٩٨٢).
(٢) سورة الإنسان، الآيتان (١٤ - ١٥).
(٣) إسناده حسن؛ فيه شيخ المصنف لكن تابعه يعقوب وهو ابن إبراهيم الدورقي عند ابن جرير، صفة الجنة (٥٤) رقم (١٤١)، والطبري في تفسيره (٢٩/ ٢١٦).
(٤) سورة المطففين، الآية (٢٦).
(٥) إسناده ضعيف؛ فيه جابر وهو الجعفي ضعيف رافضي التقريب (٨٨٦)، وجهالة شيخ ابن المبارك المبهم، صفة الجنة (٥٢) رقم (١٢٨)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٧٦)، وذكره ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٣٢٢)، ومجاهد في تفسيره (٧٣٩/ ٢)، وذكره ابن كثير من طريق ابن جرير عن جابر به، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٤٥٢) لابن جرير وابن المنذر والبيهقي.
[ ٣ / ١٢١٥ ]
١٠٧٩ - حدثني حمزة، ثنا عبد اللَّه بن عثمان، أنبا ابن المبارك، عن سفيان، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن زيد بن معاوية، عن علقمة بن قيس، عن ابن مسعود: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ (^١) قال: "خلطا، وليس بخاتم يختم به" (^٢).
١٠٨٠ - حدثني حمزة، أنا عبد بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا معمر، عن رجل، عن أبي قلابة (^٣) قال: "يؤتون بالطعام والشراب، فإذا في آخر ذلك أتوا بشراب الطهور فيشربون، فتضمر بطونهم ويفيض عرق من جلودهم، مثل ريح المسك، ثم قرأ: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (^٤) " (^٥).
_________________
(١) سورة المطففين، الآية (٢٦).
(٢) إسناده حسن؛ زيد بن معاوية قال عنه الذهبي انظر اللسان (٢/ ٥١١): "ذكره أبو حاتم بن حبان في الذيل ومشاه غيره"، صفة الجنة (٥٢) رقم (١٢٩)، ونعيم في زياداته في على الزهد رقم (٢٧٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٦٢) وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، والطبراني في الكبير (٩/ ٢١٩) رقم (٩٠٦٢)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٣٢): "رواه الطبراني عن عبد اللَّه بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف".
(٣) هو عبد اللَّه بن زيد بن عمرو أو عامر الجرمي، أبو قلابة البصري، ثقة فاضل، كثير الإرسال، مات بالشام هاربا من القضاء سنة (١٠٤ هـ) وقيل بعدها، التقريب (٣٣٣٣).
(٤) سورة الإنسان، الآية (٢١).
(٥) إسناده ضعيف؛ لجهالة الراوي المبهم، وورد عند عبد الرزاق والطبري أنه أبان وهو ابن أبي عياش متروك التقريب (١٤٣)، صفة الجنة (٥٢) رقم (١٣٠)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٣٢)، والصنعاني في تفسيره (٣/ ٣٣٨)، وابن جرير في =
[ ٣ / ١٢١٦ ]
١٠٨١ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير قال: "المعين: الخمر"، وبإسناده قال: "لا فيها غول، ولا فيها أذى" (^١).
١٠٨٢ - حدثنا عبيد اللَّه بن عمر، ثنا عمران بن عيينة، عن ابن أبي خالد، عن أبي صالح: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ (^٢): "صرفا ويمزج لسائر أهل الجنة" (^٣).
١٠٨٣ - حدثنا بشر بن الوليد، أخبرتنا أم الضحاك مولاة خالد بن معدان، عن خالد بن معدان قال: "إن الرمانة والأترجّة من فاكهة الجنة، تأتي العبد فيأكل منها رمانا أو أترجا ما اشتهى، ثم ينقلب أي لون
_________________
(١) = تفسيره (٢٩/ ٢٢٣)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٣٧٧) إلى عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر.
(٢) إسناده لين، فيه شريك وهو القاضي وقد سبق (٣٧٦) أنه اختلط؛ صفة الجنة (٥١) رقم (١٢٤ - ١٢٥)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٨٨) لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم.
(٣) سورة المطففين، الآيتان (٢٧ - ٢٨).
(٤) إسناده حسن؛ عمران بن عيينة صدوق له أوهام التقريب (٥١٩٩)، صفة الجنة (٥٢) رقم (١٢٦)، والذي بعده ورقم (١٣٥) نفسه عن مالك بن الحويرث، وذكره ابن كثير (٤/ ٤٨٨)، وروح المعاني (٣٠/ ٧٦)، ولم أجده مسندا من قول أبي صالح.
[ ٣ / ١٢١٧ ]
اشتهى" (^١).
١٠٨٤ - حدثنا العباس بن عبد اللَّه، ثنا حفص بن عمر العدني، ثنا الحكم -يعني بن أبان- عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "الرمانة من رمان الجنة يجتمع حولها بشر كثير، يأكلون منها، فإن جرى على ذكر أحدهم شيء يريده وجده في موضع يده حيث يأكل" (^٢).
١٠٨٥ - حدثنا داود بن عمرو الضبي، ثنا إسماعيل بن عياش، عن حميد بن أبي سويد، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة قال: "الطلح المنضود: الموز (^٣) " (^٤).
_________________
(١) إسناده حسن، شيخ المصنف هو بشر بن الوليد القاضي صاحب أبي يوسف، لم أجده في شيوخه نصا وإنما نسبه الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (١/ ٥٦) إلى القضاء وهو في درجة الصدوق انظر السير (١٠/ ٦٧٣)، ومولاته أوردها ابن حبان في الثقات (٧/ ٦٧٠) ولم أجدها عنده غيره، صفة الجنة (٤٩) رقم (١١٣).
(٢) إسناده ضعيف، وقد سبق مثله، صفة الجنة (٥١) رقم (١٢١)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٣٩١) للمصنف في صفة الجنة، وقبله المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٩٣).
(٣) في الأصل: "اللوز" وهو خطأ واضح لم أجد من ذكره.
(٤) إسناده ضعيف جدا؛ فيه حميد بن أبي سويد مجهول التقريب (١٥٥٩)، قلت: بل هو منكر الحديث كما في تذهيب التهذيب (١/ ٤٩٥)، صفة الجنة (٣٥) رقم (٦٣)، وذكر ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٨٩ - ٢٩٠) أنه روي عن: "ابن عباس وأبي هريرة والحسن وعكرمة وقسامة بن زهير وقتادة وأبي حزرة مثل ذلك".
[ ٣ / ١٢١٨ ]
١٠٨٦ - حدثني أحمد بن حميد (^١)، ثنا معتمر بن سليمان، عن شبيب بن عبد الملك قال: حدثني مقاتل بن حيان قال: "إن أهل الجنة إذا دعوا بالطعام قالوا: سبحانك اللهم، قال: فيقوم على أحدهم عشرة آلاف خادم مع كل خادم منهم صحفة من ذهب فيها طعام ليس في الأخرى، فيأكل منهن كلهن" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان شراب أهل الجنة وأكلهم، وهو غاية في النعيم واللذة والسرور، فيشرب المسلم كل ما يشتهيه من شراب أهل الجنة، بمجرد اشتهائه، ويأتيه الشراب كما أراده وقدّره، وهو شراب مختوم بمسك، فيجدون عاقبتها رائحة المسك (^٣)، وهي كؤوس متتابعة لا تنقطع، يزيد بشربها المؤمن حسنا وبهاء حتى إن زوجته لتلحظ عليه ذاك،
_________________
(١) الظاهر أنه مصحف، ومعتمر بن سليمان يروي عنه أحمد بن حنبل وأحمد بن عبدة الضبى، وأحمد بن المقدام العجلي ثلاثتهم، والضبي ثقة التقريب (٧٤)، والعجلي صدوق التقريب (١١١)، وفي شيوخ ابن أبي الدنيا أبو حفص الصفار أحمد بن محمد وهو لا بأس به كما في تاريخ بغداد (٥/ ١٢٧).
(٢) إسناده حسن، شبيب بن عبد المللك صدوق التقريب (٢٧٥٧)، صفة الجنة (٥٠) رقم (١١٨)، وذكره ابن كثير في تفسيره (٢/ ٤٠٩)، ونسبه السيوطي في الدر لابن أبي حاتم (٤/ ٣٤٥)، وانظر الترغيب والترهيب فقد نقل عن الحافظ توجيه اختلاف عدد الخدم في الروايات (٤/ ٢٨٠)، وفيض القدير (٥/ ٤٦٨).
(٣) انظر تفسير ابن جرير (١٢/ ٤٩٧).
[ ٣ / ١٢١٩ ]
وتخبره بأنه ازداد حسنه أضعافا بعد شربه، كل ذلك في كؤوس ببياض الفضة، وصفاء الزجاج، شرابا طهورا معينا لا أذى فيه ولا غول، يشربه بعضهم صرفا خالصا، وبعضهم يمزج له بالتسنيم، قال ابن القيم: "أخبر سبحانه عن العين التي يشرب بها المقربون صرفا، أن شراب الأبرار يمزج منها؛ لأن أولئك أخلصوا الأعمال كلها للَّه، فأخلص شرابهم، وهؤلاء مزجوا (^١) فمزج شرابهم" (^٢)، وقد ذكر نصوصا كثيرة تتعلق بشراب وأكل أهل الجنة، في باب مفرد من كتابه حادي الأرواح هو باب طعام أهل الجنة وشرابهم ومصرفه، ثم قال: "تضمنت هذه النصوص أن لهم فيها الخبز، واللحم، والفاكهة، والحلوى، وأنواع الأشربة، من الماء، واللبن، والخمر، وليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء، وأما المسميات فبينها من التفاوت ما لا يعلمه البشر" (^٣).
وكذا أكلهم وطعامهم منه الفاكهة كالرمان حبتها يأكل منها النفر الكثير، ومنها الأترجّة، يأكل منها منها ما اشتهى ثم ينقلب أي لون آخر اشتهاه، ومنه الموز وهو الطلح المنضود، ومنه الطعام الذي يوضع في آنية الذهب يقوم الخدم بتقديمه في يد كل واحد صنف ليس في يد الآخر، في نعيم وبهجة وسرور ورضا ربٍّ رحيم غفور.
_________________
(١) قصده مزجوها بالمباح، كما نص عليه في طريق الهجرتين (٣٠١).
(٢) حادي الأرواح (١٢٦)، وانظر التذكرة للقرطبي (٥٧٨).
(٣) حادي الأرواح (١٣١)، بل إنه ﵀ ردّ بعض الشبهات المتعلقة بهذا المبحث كإيراد شبهة عن الشوي كيف يكون مع أن الجنة ليس فيها نار، وغير ذلك.
[ ٣ / ١٢٢٠ ]
المبحث السابع: الآثار الواردة في لباسهم.
١٠٨٧ - حدثني حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا عبد اللَّه بن المبارك، أنا صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد قال: قال كعب -﵁-: "لو أن ثوبا من ثياب أهل الجنة نشر اليوم في الدنيا لصعق من ينظر إليه وما حملته أبصارهم" (^١).
١٠٨٨ - حدثنا حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا معمر، عن الأشعث بن عبد اللَّه، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة -﵁- قال: "في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يقول اللَّه لها: تفتَّقي لعبدي عمَّا شاء، فتفتَّق له عن فرس بلجامه وسرجه وهيئته كما شاء، وتتفتَّق له عن الراحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما شاء، وعن الثياب" (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح مرسلا؛ فإن شريح بن عبيد ثقة وكان يرسل كثيرا التقريب (٢٧٩٠)، ولم يدرك كعبا كما في تحفة التحصيل (١٤٧)، صفة الجنة (٥٦) رقم (١٤٩)، وابن المبارك في الزهد رقم (٤١٧)، وأبو نعيم في الحلية مطولا (٥/ ٣٦٨)، وذكره ابن القيم في حادي الأرواح (١٤٠)، ونسبه في الدر (٥/ ٣٨٨) لابن أبي حاتم.
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه شهر بن حوشب وهو كثير الإرسال والأوهام التقريب (٢٨٤٦)، صفة الجنة (٣٣) رقم (٥٤)، وعبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٣٦)، وزاد السيوطي نسبته في الدر (٤/ ٦٤٣) لابن المنذر وابن أبي حاتم، وأخرجه نعيم في زيادات الزهد لابن المبارك رقم (١٥٢٩)، وابن جرير كذلك (١٣/ ١٤٧)، وأبو =
[ ٣ / ١٢٢١ ]
التحليل والتعليق
تضمن الأثران السابقان بيان لباس أهل الجنة، وبعض أوصافه، وأن الثوب من ثياب أهلها لو نشر في الدنيا لصعق من ينظر إليه ولم يحتمله بصره، وثيابهم تصدر من شجرة طوبى، فهى تتفتّق لأهلها بكل ما شاؤوا من ثياب وغيرها، وقد اعتني ابن القيم أيضا بذكر تفاصيل هذه الثياب وأنواعها في كتابه حادي الأرواح في باب ذكر لباسهم وحليهم ومناديلهم وفرشهم وبسطهم ووسائدهم.
_________________
(١) = نعيم في الحلية (٦/ ٦١)، ثلاثتهم من قول شهر نفسه، وقال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٥١٣) بعد أن أورده من طريق ابن جرير: "وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس ومغيث بن سمي وأبي إسحاق السبيعي وغير واحد من السلف: أن طوبى شجرة في الجنة، في كل دار منها غصن منها، وذكر بعضهم أن الرحمن ﵎ غرسها بيده، من حبة لؤلؤة، وأمرها أن تمتد فامتدت إلى حيث يشاء اللَّه ﵎، وخرجت من أصلها ينابيع أنهار الجنة، من عسل وخمر وماء ولبن".
[ ٣ / ١٢٢٢ ]
المبحث الثامن: الآثار الواردة في فراشهم.
١٠٨٩ - حدثنا الفضل بن يعقوب، ثنا الفريابي، ثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن مريم، عن عبد اللَّه في قوله: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ (^١) قال: "هذه البطائن قد خبرتم بها، فكيف بالظهائر" (^٢).
١٠٩٠ - حدثنا محمد بن عبد الرحمن الخزاعي، ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ قال: "ظواهرها من نور جامد" (^٣).
١٠٩١ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا محمد بن يزيد، عن جويبر، عن الضحاك ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ قال: الديباج" (^٤).
١٠٩٢ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنى معاذ بن هشام الدستوائى قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده، عن القاسم، عن أبي أمامة في قول اللَّه -﷿-: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ (^٥) قال: "لو أن أعلاها سقط
_________________
(١) سورة الرحمن، الآية (٥٤).
(٢) إسناده حسن؛ هبيرة بن يريم -بتحتانية- لا بأس به، وقد عيب للتشيع التقريب التقريب (٧٣١٨)، صفة الجنة (٥٨) رقم (١٥٥)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٤٩)، وابن مردوية في أماليه رقم (٣٦).
(٣) إسناده ضعيف؛ مداره على شريك وقد سبق (٣٧٦)، صفة الجنة (٥٨) رقم (١٥٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، وذكره ابن كثير في التفسير (٤/ ٢٧٨)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٧١٠) لأبي نعيم في الحلية.
(٤) إسناده ضعيف جدا؛ فيه جويبر وهو ابن سعيد ضعيف جدا التقريب (٩٩٤)، صفة الجنة (٥٨) رقم (١٥٧)، ونسبه السيوطى في الدر (٧/ ٧٠٩) لعبد بن حميد.
(٥) سورة الواقعة، الآية (٣٤).
[ ٣ / ١٢٢٣ ]
ما بلغ أسفلها أربعين خريفا" (^١).
١٠٩٣ - حدثنا هارون بن يحيى، أنأني محمد بن زياد، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار، عن زيد بن أسلم: "أنه أنشده أبياتا قالها أعشى طرود -وهم حي من جديلة قيس بن عبدوان- يذكر الجنة يقول:
لباسهم فيها حرير وتحته أرائك لم يوجد لهم شبه خضرُ
وحور حسان كلهن عقيلة عَروب إذا أفضت إلى بعلها بكر
_________________
(١) إسناده صحيح؛ والقاسم هو ابن عبد الرحمن الشامي وهو صدوق يغرب كثيرا التقريب (٥٥٠٥)، لكن ذكر أن سماعه من أبي أمامة صحيحا، انظر جامع التحصيل (٢٥٢)، وتحفة التحصيل (٢٥٩)، وليس ابن عوف -كما احتمله المحقق عمرو عبد المنعم-؛ فإن الأثر عند ابن أبي شيبة وهناد من رواية جعفر بن الزبير ولم يذكر في من شيوخه إلا القاسم بن عبد الرحمن الشامي واللَّه أعلم، صفة الجنة (٥٨) رقم (١٥٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٣) رقم (٣٤٠٨٢) بلفظ: "كذا وكذا خريفا"، وهناد في الزهد (١/ ٨٠) رقم (٧٩)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٩٥) بلفظ: "مائة خريف" وقال: "رواه الطبراني ورواه غيره موقوفا على أبي أمامة وهو أشبه بالصواب"، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ١٥) لابن أبي شيبة وهناد وابن أبي الدنيا في صفة الجنة.
[ ٣ / ١٢٢٤ ]
وماء فرات طعمه غير آسن مع الماء شرب النحل والمخض والخمر (^١)
١٠٩٤ - حدثني حمزة بن عباس، أنا عبد اللَّه بن المبارك، أنا جويبر، عن الضحاك قال: "العبقري: الزرابي" (^٢).
١٠٩٥ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: "الرفرف: رياض الجنة، والعبقري: عتاق الزرابي" (^٣).
١٠٩٦ - حدثنا أبي، ثنا إسماعيل بن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾: "هي البُسط،
_________________
(١) إسناده حسن، محمد بن زياد هو ابن زبار الكلبي قال ابن معين: "لا شيء في الحديث"، وقال أبو علي: "يروي الشعر وأيام الناس، ليس بذاك"، وقال أبو حاتم: "كان شيخا شاعرا"، وأورد قصة زيارتهم له وضجره منهم وقال: "فلما نظرنا إلى قده علمنا أنه ليس من البابة فذهبنا ولم نرجع إليه"، قلت: هذا في الحديث لكنه كان أخباريا صاحب نسب، انظر تاريخ بغداد (٥/ ٢٨١) وتاريخ دمشق (٥٣/ ٥٠)، صفة الجنة (٥٩) رقم (١٦٥).
(٢) إسناده ضعيف جدا، فيه جويبر سبق (٤٠١)، صفة الجنة (٥٩) رقم (١٦٤)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٦٩)، ونسبه إليه ابن كثير في التفسير (٤/ ٢٨١)، وابن الجوزي في زاد المسير (٨/ ١٢٨).
(٣) إسناده لين؛ فيه هشيم وهو ابن بشير ثقة ثبت كنير التدليس والإرسال الخفي، التقريب (٧٣٦٢)، والأثر صحيح فقد تابعه أبو عوانة الوضاح بن عبد اللَّه -وهو ثقة ثبت، التقريب (٧٤٥٧) - عند ابن حجر في تغليق التعليق، صفة الجنة (٥٨) رقم (١٥٩)، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- رقم (٢٧٠)، وأخرجه البخاري تعليقا في صحيحه (٧/ ٤٦)، وانظر تغليق التعليق (٤/ ٦٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٢) رقم (٣٤٠٦٩)، وهناد في الزهد (١/ ٨١) رقم (٨١)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٦٤).
[ ٣ / ١٢٢٥ ]
قال: أهل المدينة يقولون هي البسط" (^١).
١٠٩٧ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا محمد بن يزيد، عن جويبر، عن الضحاك قال: "الرفرف: المجالس" (^٢).
١٠٩٨ - حدثنا هارون بن سفيان، ثنا محمد بن عمر، أنا خالد بن ربيعة بن أبي هلال، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه قال: سمعت كعبا يقول: "نحن معشر حِمْيَر نقول السرير عليه حجلة: أريكة" (^٣).
١٠٩٩ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا هشيم، أنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿مَوْضُونَةٍ﴾ (^٤) قال: "مرمولة بالذهب" (^٥).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان فرش أهل الجنة، يكون باطنها من
_________________
(١) إسناده حسن؛ والد المصنف سبق (٣٤٤)، صفة الجنة (٥٨ - ٥٩) رقم (١٦٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٣) رقم (٣٤٠٧٣)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٦٣).
(٢) إسناده ضعيف جدا؛ مداره على جويبر وقد سبق (٤٠١)، صفة الجنة (٥٩) رقم (١٦١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٢) رقم (٣٤٠٧٠)، وهناد في الزهد (١/ ٨١) رقم (٨٢).
(٣) إسناده ضعيف جدا؛ فيه محمد بن عمر وهو الواقدي وقد سبق (٤٥١)، صفة الجنة (٥٩) رقم (١٦٢).
(٤) سورة الواقعة، من الآية (١٥).
(٥) إسناده صحيح، صفة الجنة (٥٩) رقم (١٦٣)، وهناد في الزهد (١/ ٨٠) رقم (٧٧)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٧٢)، وورد في تفسير ابن أبي حاتم -مما استدركه المحقق من المصادر البديلة لإتمام نقص المخطوط- (١٠/ ٣٣٣٠) غير مسند، وانظر تفسير ابن كثير (٤/ ٢٨٧).
[ ٣ / ١٢٢٦ ]
الديباج، عالية رفيعة، لو أن أعلاها سقط لما بلغ أسفلها كذا خريفا، قال ابن القيم: "هذا يدل على أمرين؛ أحدهما: أن ظهائرها أعلى وأحسن من بطائنها؛ لأن بطائنها للأرض وظهائرها للجمال والزينة والمباشرة. . . الثاني: يدل على أنها فرش عالية، لها سمك وحشو بين البطانة والظهارة، وقد روي في سمكها وارتفاعها آثار، إن كانت محفوظة فالمراد ارتفاع محلها" (^١)، وفيها زرابي عتاق وصفت بالعبقري، "وذلك أن العرب إذا بالغت في وصف شيء نسبته إلى الجن، أو شبهته بهم. . . وذلك أنهم يعتقدون في الجن كل صفة عجيبة، وأنهم يأتون بكل أمر عجيب، ولما كان عبقر معروفا بسكناهم، نسبوا كل شيء يبالغ فيه إليها، يريدون بذلك أنه من عملهم، وصنعهم" (^٢)، ومجالس وأسِرَّة مرمولة بالذهب.
وفي ختام هذا الباب السابق الذي عقده ابن القيم قال ﵀: "تأمل كيف وصف اللَّه ﷾ الفرش بأنها مرفوعة، والزرابي بأنها مبثوثة، والنمارق بأنها مصفوفة، فرفع الفرش دالٌّ على سمكها ولينها، وبث الزرابي دال على كثرتها، وأنها في كل موضع، لا يختص بها صدر المجلس دون مؤخره وجوانبه، وصفُّ المساند يدل على أنها مهيأة للاستناد إليها دائما، ليست مخبأة تصف في وقت دون وقت واللَّه أعلم" (^٣).
_________________
(١) حادي الأرواح (١٣٥).
(٢) انظر حادي الأرواح نقل هذا الكلام عن الواحدي (١٤٤)، ولم أجده في مظانه من التفسير.
(٣) حادي الأرواح (١٣٥).
[ ٣ / ١٢٢٧ ]
المبحث التاسع: الآثار الواردة في حليِّهم.
١١٠٠ - حدثني حمزة بن العباس، ثنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: "إن الرجل من أهل الجنة يرى وجهه في وجه صاحبته وترى وجهها في ساعده، ويرى وجهه في نحرها وترى وجهها في نحره، ويرى وجهه في معصمها وترى وجهها في ساعده، ويرى وجهه في ساقها وترى وجهها في ساقه، وتلبس حلة تلوّن في ساعة سبعين لونا" (^١).
١١٠١ - حدثنا العباس بن عبد اللَّه أبو محمد، أنا أبو المغيرة، ثنا عبدة، عن أبيها، عن خالد بن معدان قال: "إن المرأة من نساء أهل الجنة تلبس ثنتين وسبعين حلة، لها اثنان وسبعون لونا، إن أدنى لونها لون شقائق النعمان، تجمعها بين أصبعيك، تقرأ في صدر زوجها أنت حبي، ويقرأ في صدرها أنت حبي وأنا صاحبك" (^٢).
١١٠٢ - حدثني عمار بن نصر المروزي، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الحكم بن أبان، أنه سمع عكرمة يقول: "إن الرجل من أهل الجنة
_________________
(١) إسناده صحيح، صفة الجنة (٨٨ - ٨٩) رقم (٢٨٣ - ٢٨٤)، وسيأتي برقم (١١٠٢) مختصرا من طريق عبد الرزاق به.
(٢) إسناده حسن؛ عبدة سبقت (١٠٥٤)، صفة الجنة (٦١) رقم (١٧٠)، وانظر معناه عن غيره في تاريخ واسط (١/ ٢١١)، وعمدة القاري (١٤/ ٩٥).
[ ٣ / ١٢٢٨ ]
ليلبس الحلة فتتلوّن في ساعة سبعين لونا" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة ذكر حليّ أهل الجنة، وبعض صفاتها، فهي تتلون في الساعة أكثر سبعين لونا، وأن الحلي في الجنة للرجال والنساء، وقد أعطاهم اللَّه من كل شيء أحسنه وأكمله، بل وركَّب لهم من الأجناس أروعه، قال ابن القيم: "تأمل كيف جمع لهم بين نوعي الزينة الظاهرة من اللباس والحلي، كما جمع لهم بين الظاهرة والباطنة كما تقدم قريبا، فجمَّل البواطن بالشراب الطهور، والسواعد بالأساور، والأبدان بثياب الحرير" (^٢).
_________________
(١) إسناده حسن؛ الحكم بن أبان صدوق عابد وله أوهام التقريب (١٤٤٧)، صفة الجنة (٥٧) رقم (١٥٠)، ومعمر في الجامع كما في المصنف (١١/ ٤١٤) رقم (٢٠٨٦٨)، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- رقم (٢٥٩)، والصنعاني في تفسيره (٢/ ٣٣٦).
(٢) حادي الأرواح (١٣٥)، وانظر شرح الشافية الكافية (٢/ ٥٤٠) لابن عيسى ففيه فصل في حليِّ أهل الجنة.
[ ٣ / ١٢٢٩ ]
المبحث العاشر: الآثار الواردة في صفة أهلها وخدمهم.
١١٠٣ - حدثني حمزة، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، نا ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ (^١) قال: "مطهرة من الحيض والغائط والبول والنخام والمخاط والبزاق والولد" (^٢).
١١٠٤ - حدثني محمد بن جعفر، ثنا منصور، ثنا ابن لهيعة، عن زهرة بن معبد القرشي أبي عبد الرحمن الحبلي (^٣) قال: "إن المؤمن إذا دخل الجنة تلقّاه ثمانون ألف خادم وإنه ليدخل الغرف من غرفة في الجنة من زبرجدة خضراء فيأتيه أزواجه فيتراءين له من وراء الزبرجد فيتشوّق إليهن فرحا، قال: فيقولون له: يا حبيبنا إنا لم نجاوز حائط الزبرجد إليك بعد، وذلك من صفاء الزبرجدة وضوئها" (^٤).
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢٥).
(٢) إسناده ضعيف؛ والأثر حسن، فيه ابن جريج وقد عنعن، وهو من الطبقة الثالثة كما في تعريف أهل التقديس (١٤١)، لكن تابعه ابن أبي نجيح وسيأتي (١٠٢٣)، صفة الجنة (٨٩) رقم (٢٨٥)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤٣)، وابن جرير في تفسيره (١/ ١٧٥)، وابن أبي حاتم كذلك (١/ ٦٧)، وعلقه البخاري عن أبي العالية انظر فتح الباري (٦/ ٣٢٠)، وتغليق التعليق (٣/ ٤٩٨).
(٣) هو عبد اللَّه بن يزيد المعافري الحُبُلّي، ثقة مات سنة (١٠٠ هـ) بإفريقية، التقريب (٣٧١٢).
(٤) إسناده لين؛ فيه ابن لهيعة وقد سبق (١٤٩)، وتابعه رشدين بن سعد، صفة الجنة (٦٦) رقم (١٩٣)، ورقم (٢٠٨) من طريق الواقدي عن الفضل بن فضالة به، وابن المبارك في الزهد رقم (٤٢٧) -زيادات نعيم- مختصرا من طريق رشدين بن =
[ ٣ / ١٢٣٠ ]
١١٠٥ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب قال: سمعت النضر بن إسماعيل في قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ (^١): لا يموتون" (^٢).
١١٠٦ - حدثنا حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا يحيى بن أيوب، حدثني عبيد بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: "إن أهل الجنة لا يتغوّطون، ولا يتمخّطون، ولا يُمْنون، إنما نعيمهم الذي هم فيه: مسك يتحدّر من جلودهم كالجُمان (^٣)، وعلى ألوانهم كثبان من مسك، يزورون اللَّه -﷿- في الجمعة مرتين، فيجلسون على كراس من ذهب، مُكَلَّلَة باللؤلؤ والزبرجد، ينظرون إلى اللَّه -﷿- وينظر إليهم فإذا قاموا انقلب أحدهم إلى الغرفة من غرفه لها سبعون بابا مكللة باللؤلؤ والياقوت" (^٤).
١١٠٧ - حدثني حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن
_________________
(١) = سعد -وهو ضعيف أضعف من ابن لهيعة، التقريب (١٩٥٣) - عن زهرة وبه.
(٢) الآيات من: سورة الطور (١٩)، والحاقة (٢٤)، والمرسلات (٤٣).
(٣) إسناده صحيح، صفة الجنة (٥٢) رقم (١٣٠)، وأبو الشيخ في العظمة (٣/ ٩٣٠) رقم (٤٦٥).
(٤) الجُمَانَةُ حبة تعمل من الفضة كالدرة، مختار الصحاح (١١٩).
(٥) إسناده ضعيف؛ فيه علي بن يزيد وهو الألهاني ضعيف التقريب (٤٨٥١)، صفة الجنة (٤٥) رقم (٩٨)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤٢)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٠٨) وقال: "رواه ابن أبي الدنيا موقوفا".
[ ٣ / ١٢٣١ ]
المبارك، أنا رشدين بن سعد، أخبرني زهرة بن معبد القرشي (^١) قال: "إن العبد أول ما يدخل الجنة يتلقاه سبعون ألف خادم كأنهم اللؤلؤ" (^٢).
١١٠٨ - حدثنا حمزة، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا يحيى بن أيوب، حدثني عبيد اللَّه بن زحر، عن محمد بن أبي أيوب المخزومي، عن أبي عبد الرحمن المعافري قال: "إنه ليصف للرجل من أهل الجنة سِمَاطَان (^٣) لا يرى طرفاهما من غلمانه حتى إذا مرّ مشَوْا وراءه، " (^٤).
١١٠٩ - حدثنا حجاج بن يوسف، أنا أبو نعيم، ثنا أبو سلمة، عن الضحاك قال: "إذا دخل الرجل المؤمن الجنة دخل أمامه ملك فأخذ به في سككها، فيقول له: انظر ما ترى؟ قال: أرى أكثر قصور رأيتها من ذهب
_________________
(١) هو زُهْرَة بن معبد بن عبد اللَّه بن هشام القرشي التيمي، أبو عقيل المدني، نزيل، مصر ثقة عابد، مات سنة (١٢٧ هـ) ويقال (١٣٥ هـ)، التقريب (٢٠٤٠).
(٢) إسناده ضعيف، فيه رشدين بن سعد ضعيف التقريب (١٩٥٣)، صفة الجنة (١٩) رقم (٢٥)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٨٤)، وذكره ابن القيم في حادي الأرواح (١٠٢، ١٨٩).
(٣) السماطان من الناس والنخل الجانبان، يقال مشى بين سماطين أي بين جانبين، مختار الصحاح (٣٢٦).
(٤) إسناده حسن؛ فيه عبيد اللَّه بن زحر صدوق يخطئ التقريب (٤٣١٩)، لكن وثق عبيد اللَّه غير واحد منهم البخاري والنسائي وغيرهما، وكان رواية يحيى بن أيوب عنه لها مزية فقد ذكر ابن عدي أن غالب روايته من طريقه واللَّه أعلم، صفة الجنة (١٩) رقم (٢٦)، وكرره سندا ومتنا رقم (٢١٠)، وابن المبارك في الزهد رقم (٤١٥)، وذكره عنه ابن القيم في حادي الأرواح (١٠٢).
[ ٣ / ١٢٣٢ ]
وفضة، وأكثر أنيس، فيقول له الملك: فإن هذا أجمع كله لك، حتى إذا دفع إليهم استقبلوه من كل باب ومن كل مكان نحن لك نحن لك، ثم يقول: امش، فيقول: ماذا ترى؟ فيقول: أرى أكثر عساكر رأيتها من خيام رأيتها وأكثر أنيس، قال: فإن هذا أجمع كله لك، فإذا دفع إليه استقبلوه يقولون: نحن لك نحن لك" (^١).
١١١٠ - حدثنا أحمد بن إبراهيم بن سيار ثنا جعفر قال: سمعت ثابت البناني يقول: "لقد أعطي أهل الجنة خصالا لو لم يعطوها لم ينتفعوا بها: يشبون فلا يهرمون أبدا، ويشبعون فلا يجوعون أبدا، ويكسون فلا يعرون أبدا، ويصحون فلا يسقمون أبدا، رضي عنهم، لا خلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، ويسبحون اللَّه بكرة وعشيا" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة ذكر بعض صفات أهل الجنة، من الرجال
_________________
(١) إسناده صحيح، شيخ المصنف ثقة حافظ وهو المعروف بابن الشاعر التقريب (١١٤٩) كما سبق (٤٥٧)، صفة الجنة (٢٠) رقم (٢٧).
(٢) إسناده حسن، والسند فيه تصحيف وصوابه، أحمد بن إبراهيم وهو الدورقي، عن سيار وهو ابن حاتم وهو صدوق كما في الكاشف (١/ ٤٧٥)، عن جعفر وهو ابن سليمان الضبعى، ويؤيده طريق ابن الجعد حيث رواه عن سيار به، ثم وقفت على السند كما استظهرت في طبعة عمرو عبد المنعم وقد اعتمد على نسختين خطيتين، صفة الجنة (١٦ - ١٧) رقم (١٤)، وابن الجعد في مسنده (٢١٠) رقم (١٣٨٧) عن سيار به.
[ ٣ / ١٢٣٣ ]
ونسائهم وخدمهم وعبيدهم، فالمرأة مطهرة من الحيض والغائط والبول والنخام والمخاط والبزاق والولد، والخدم بالكثرة التي تبلغ الآلاف، وقد يبلغون مد البصر من الطرفين، يستقبلون المؤمن ويدلونه على أماكنه من الجنة وما أعده اللَّه له من النعيم، في جمال اللؤلؤ قال ابن القيم: "شبَّههم سبحانه باللؤلؤ المنثور لما فيه من البياض وحسن الخلقة، وفي كونه منثورا فائدتان؛ إحداهما: الدلالة على أنهم غير معطلين، بل مبثوثون في خدمتهم وحوائجهم، والثاني: أن اللؤلؤ إذا كان منثورا ولا سيما على بساط من ذهب أو حرير، كان أحسن لمنظره، وأبهى من كونه مجموعا في مكان واحد" (^١)، والجميع في حياة دائمة، ونعيم مقيم لا تنقطع أبدا، لا يتغوّطون، ولا يتمخّطون، ولا يمنون، يشبون فلا يهرمون أبدا، ويشبعون فلا يجوعون أبدا، ويكسون فلا يعرون أبدا، ويصحون فلا يسقمون أبدا، لا خلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، ويسبحون اللَّه بكرة وعشيا، قال ابن القيم: "جمع لهم بين حسن المنزل، وحصول الأمن فيه من كل مكروه، واشتماله على الثمار، والأنهار، وحسن اللباس، وكمال العشرة، لمقابلة بعضهم بعضا، وتمام اللذة بالحور العين، ودعائهم بجميع أنواع الفاكهة، مع أمنهم من انقطاعها، ومضرتها، وغائلتها، وختام ذلك أعلمهم بأنهم لا يذوقون فيها هناك موتا" (^٢).
_________________
(١) حادي الأرواح (١٤٧).
(٢) حادي الأرواح (١٥٠).
[ ٣ / ١٢٣٤ ]
المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في لسانهم.
١١١١ - حدثنا هارون بن سفيان، أنا محمد بن عمر، أنا عبد الرحمن بن عبد العزيز قال: "سألت الزهري عن لسان أهل الجنة فقال: "بلغني أنه عربي" (^١).
١١١٢ - حدثني هارون، ثنا محمد بن عمر، أنا سليمان بن داود بن الحصين، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "لسان أهل الجنة عربي" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمن الأثران السابقان بيان أن لسان أهل الجنة عربي، ولم يصح واحد منهما، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "بماذا يخاطب الناس يوم البعث، وهل يخاطبهم اللَّه تعالى بلسان العرب، وهل صح أن لسان أهل النار الفارسية، وأن لسان أهل الجنة العربية، فأجبته بعد الحمد للَّه رب العالمين، لا يعلم بأي لغة يتكلم الناس يومئذ، ولا بأي لغة
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا؛ فيه الواقدي وقد سبق (٤٥١)، صفة الجنة (٧٠) رقم (٢١٢)، وبرقم (٢١٤، ٢١٦) لكنه من قوله وليس بلاغا، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤٥)، وانظر مجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٠) حيث رجح أنه لم يثبت فيه شيء ولم يكن فيه خلاف بين الصحابة.
(٢) إسناده ضعيف جدا؛ فيه الواقدي محمد بن عمر، صفة الجنة (٧٠) رقم (٢١٣)، لم أجده موقوفا إلا عند المصنف بهذه الطريق عن عكرمة عن ابن عباس.
[ ٣ / ١٢٣٥ ]
يسمعون خطاب الرب جل وعلا؛ لأن اللَّه تعالى لم يخبرنا بشيء من ذلك، ولا رسوله ﵊، ولم يصح أن الفارسية لغة الجهنميين، ولا أن العربية لغة أهل النعيم الأبدي، ولا نعلم نزاعا في ذلك بين الصحابة ﵃، بل كلهم يكُفُّون عن ذلك؛ لأن الكلام في مثل هذا من فضول القول، ولا قال اللَّه تعالى لأصحاب الثرى، ولكن حدث في ذلك خلاف بين المتأخرين؛ فقال ناس: يتخاطبون بالعربية، وقال آخرون: إلا أهل النار فإنهم يجيبون بالفارسية، وهي لغتهم في النار، وقال آخرون: يتخاطبون بالسريانية؛ لأنها لغة آدم، وعنها تفرعت اللغات، وقال آخرون: إلا أهل الجنة؛ فإنهم يتكلمون بالعربية، وكل هذه الأقوال لا حجة لأربابها؛ لا من طريق عقل، ولا نقل، بل هي دعاوى عارية عن الأدلة، واللَّه ﷾ أعلم وأحكم" (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٠ - ٣٠١)، وانظر حادي الأرواح (٢٧٧)، والتذكرة للقرطبي (٥٤٨)، كلاهما لم يرجح شيئا، وأورد ابن القيم حديثا لا يصح فيه عدة علل واللَّه أعلم.
[ ٣ / ١٢٣٦ ]
المبحث الثاني عشر: الآثار الواردة في تزاور أهلها.
١١١٣ - حدثني حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا رشدين بن سعد قال: حدثني ابن أنعم، أن أبا هريرة قال: "إن أهل الجنة ليتزاورون على العيس الجون عليها رحال الميس (^١)، تثير مناسمها غبار المسك، خطام أو زمام أحدهما خير من الدنيا وما فيها" (^٢).
١١١٤ - حدثني حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، ثنا ابن المبارك، أنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال (^٣) قال: "بلغنا أن أهل الجنة يزور الأعلى الأسفل ولا يزور الأسفل الأعلى" (^٤).
١١١٥ - حدثني محمد، إدريس الحنظلي، أنا أبو صالح كاتب الليث قال: حدثني الهقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: "لا يؤذن للأسفل بزيارة الأعلى إلا من يزور في اللَّه -﷿-، فإنه يؤذن
_________________
(١) الميس شجر تتخذ منه الرحال، مختار الصحاح (٦٤٢).
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه ضعيفان رشدين سبق (٧٠٢)، وابن أنعم وهو عبد الرحمن بن زياد الإفريقي ضعيف في حفظه التقريب (٣٨٨٧)، صفة الجنة (٧٧) رقم (٢٤١)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٠٤) وقال: "رواه ابن أبي الدنيا موقوفا".
(٣) هو حميد بن هلال العدوي، أبو نصر البصري، ثقة عالم، توقف فيه ابن سيرين لدخوله في عمل السلطان، التقريب (١٥٦٣).
(٤) إسناده صحيح، صفة الجنة (٦٥) رقم (١٩٠)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٣٥)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٤٢٢).
[ ٣ / ١٢٣٧ ]
له يزور من الجنة حيث شاء" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة إثبات تزاور أهل الجنة، وأفادت أن الأعلى يسمح له بزيارة الأسفل، دون العكس، قال الآلوسي: "ثبت في غير ما حديث أن أهل الجنة يتزاورون" (^٢)، وقال ابن القيم: "أهل الجنة يتزاورون فيها، ويستزير بعضهم بعضا، وبذلك تتم لذَّتُهم وسرورهم" (^٣)، ولم أجد ما يشهد لكون الأسفل لا يزور الأعلى درجة؛ فإن ما في الآثار هنا ضعيف السند، أو صحيح مقطوع، كبلاغ حميد بن هلال، ويروى في هذا حديث مرفوع عن أبي أمامة -﵁- لكنه ضعيف؛ فيه متروك، قال الهيثمي: "فيه بشر بن نمير وهو متروك" (^٤)، واللَّه أعلم بحقيقة ذلك.
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ فيه أبو صالح كاتب الليث وهو صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة التقريب (٣٤٠٩)، صفة الجنة (٦٥) رقم (١٩١).
(٢) روح المعاني (٥/ ٧٨).
(٣) حادي الأرواح (١٨٠).
(٤) مجمع الزوائد (١٠/ ٤٩٦)، وانظر (١٠/ ٧٩٢).
[ ٣ / ١٢٣٨ ]
المبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في سوقها.
١١١٦ - حدثني حمزة بن العباس، ثنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: "إن في الجنة سوق كثبان مسك، يخرجون إليها ويجتمعون إليها، فيبعث اللَّه -﷿- ريحا فيدخلها بيوتهم، فيقول لهم أهلوهم إذا رجعوا إليهم: قد ازددتم حسنا بعدنا، فيقولون لأهليهم: قد ازددتم أيضا حسنا عندنا" (^١).
التحليل والتعليق
تضمن أثر أنس بن مالك -﵁- ذكر سوق الجنة، وبعض أوصافه وما يحدث فيه، حيث ذكر أنه كثبان من مسك، وأن أهله يرجعون إلى بيوتهم أكثر جمالا وبهاء، وقد عقد كثير من أصحاب الصحاح والسنن بابا في سوق الجنة في مقدمتهم الإمام مسلم ﵀ فقال: "باب في سوق الجنة وما ينالون فيها من النعيم والجمال" (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح، صفة الجنة (٨١) رقم (٢٥٢)، والذي قبله نحوه وفيه ازدياد طيب الرائحة، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- رقم (١٤٩١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣١) رقم (٣٢٩٧٥)، وأوردهما المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٠٣) ونسبهما للمصنف، وأصله من حديث أنس مرفوعا في صحيح مسلم (٤/ ٢١٧٨) رقم (٢٨٣٣).
(٢) صحيح مسلم (٤/ ٢١٧٨)، وسنن الترمذي (٤/ ٦٨٤)، وسنن الدارمي (٢/ ٤٣٦)، الترغيب والترهيب للمنذري (٤/ ٣٠١)، حادي الأرواح (١٨٢)، التذكرة للقرطبي (٥٤٦).
[ ٣ / ١٢٣٩ ]
المبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في غنائهم.
١١١٧ - حدثنا خالد بن خداش، ثنا عبد اللَّه بن وهب، ثنا الليث ابن سعد، عن خالد بن يزيد (^١): "أن الحور العين يغنّين أزواجهن يقلن: نحن الخيرات الحسان، أزواج شباب كرام، ونحن الخالدات فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، ونحن المقيمات فلا نظعن، في صدر إحداهن مكتوب، أنت حِبِّي وأنا حِبُّك، انتهت نفسي عندك، فلا ترى (عيناي) مثلك" (^٢).
١١١٨ - حدثني حمزة بن العباس، ثنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا الأوزاعي قال: حدثني يحيى بن أبي كثير: "أن الحور العين يتلقين أزواجهن عند أبواب الجنة فيقلن: طالما انتظرناكم، فنحن الراضيات فلا نسخط، والمقيمات فلا نظعن، والخالدات فلا نموت، بأحسن أصوات سمعت، وتقول: أنت حبي وأنا حبك، ليس دونك قصد ولا وراء معدل" (^٣).
١١١٩ - حدثنا داود بن عمرو الضبي قال حدثنا عبد اللَّه بن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر قال: "إذا كان يوم القيامة نادى
_________________
(١) هو خالد بن يزيد الجمحي، ويقال السكسكي، أبو عبد الرحيم المصري، ثقة فقيه، مات سنة (١٣٩ هـ)، التقريب (١٦٩١).
(٢) إسناده حسن؛ شيخ المصنف سبق (١٢)، صفة الجنة (٨٢) رقم (٢٥٦).
(٣) إسناده صحيح، صفة الجنة (٨٤) رقم (٢٦٢)، وابن المبارك في الزهد - زيادات نعيم - رقم (٤٣٥).
[ ٣ / ١٢٤٠ ]
منادي: أين الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن مجالس اللهو ومزامير الشيطان، اسكنوهم بياض المسك، ثم تقول الملائكة اسمعوهم تمجيدي وتحميدي" (^١).
١١٢٠ - حدثني إبراهيم بن سعيد قال حدثنا علي بن عاصم قال حدثني سعيد بن أبي سعيد الحارثي قال: "حُدّثت أن في الجنة أجاما (^٢) من قصب من ذهب حملها اللؤلؤ، فإذا اشتهى أهل الجنة أن يسمعوا صوتا حسنا، بعث اللَّه على تلك الأجام ريحا فتأتيهم بكل صوت يشتهونه" (^٣).
١١٢١ - حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا أبو عامر العقدي، ثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام في كل نواحيها، قال: فيخرج إليها أهل الجنة، أهل الغرف
_________________
(١) إسناده صحيح، كتاب الورع (٧١) رقم (٨٠)، وذم الملاهي (٦٦) رقم (٧٢) بزيادة: "وأعلموهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"، ومسند ابن الجعد (٢/ ٧١٤) رقم (١٧٥٨)، والملية (٣/ ١٥١)، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- (١٥) رقم (٤٣)، والدينوري في المجالسة (٨/ ٢٨٤ - ٢٨٥) عن مجاهد، وذكره القرطبي في تفسيره (١٤/ ٥٣) بلفظ: "بلغنا. . . "، واستشهد به ابن تيمية في الاستقامة (١/ ٢٣٣) ولم ينسبه لأحد.
(٢) الشجر الكثير الملتف، انظر القاموس المحيط (١/ ١٣٨٨).
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه سعيد الحارثي ذكره الخطيب في المتفق (٥٧٥) برواية علي بن عاصم عنه، ولم أجده عند غيره، كتاب الورع (٧١) رقم (٨٢)، وذكره ابن القيم عن المصنف في حادي الأرواح (١١٧).
[ ٣ / ١٢٤١ ]
وغيرهم فيتحدثون في ظلها، فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا، فيرسل اللَّه ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا" (^١).
١١٢٢ - حدثنا خالد بن خداش، ثنا عبد اللَّه بن وهب قال: حدثني سعيد بن أبي أيوب قال: قال رجل من قريش لابن شهاب: "هل في الجنة سماع؛ فإنه حبّب إليّ السماع؟ قال: "إي والذي نفسي بيده إن في الجنة لشجرا حمله اللؤلؤ والزبرجد، تحته جوار ناهدات يتغنّين بالقرآن، يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الخالدات فلا نموت، فإذا سمع ذلك الشجر صفّق بعضه بعضا، فأجبن الجواري؛ فلا يدرى أصوات الجواري أحسن أم صوت الشجر" (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ فيه زمعة بن صالح وهو ضعيف، التقريب (٢٠٤٦)، لكن ابن عدي قال في الكامل (٣/ ٢٣١): "وحديثه كله كأنه فوائد، وربما يهم في بعض ما يرويه وأرجو أن حديثه صالح لا بأس به"، صفة الجنة (٢٨) رقم (٤٥)، ورقم (٢٦٠) وانظر رقم (٢٦١)، وابن أبي حاتم في التفسير -جمع المحقق- (١٠/ ٣٣٣١)، ونسبه ابن حجر في الفتح له وللمصنف، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ١٤) له ولابن مردويه (٨/ ١٤)، وذكره ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٩١) عن ابن أبي حاتم وقال: "هذا أثر غريب، وإسناده جيد قوي حسن"، وابن القيم في حادي الأرواح عن المصنف (١١٤)، والمنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٨٨) وقال: "رواه ابن أبي الدنيا موقوفا من طريق زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام، وقد صححها ابن خزيمة والحاكم وحسنها الترمذي"، وابن عيسى في توضيح المقاصد (٢/ ٥١٦).
(٢) إسناده حسن؛ شيخ المصنف سبق (١٢)، صفة الجنة (٨٢) رقم (٢٥٥)، وذكره =
[ ٣ / ١٢٤٢ ]
١١٢٣ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، وداود بن عمرو قالا: ثنا عامر بن يساف قال: سمعت ابن أبي كثير في قوله تعالى: ﴿فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ (^١)، قال: "الحبر: السماع واللذة" (^٢).
١١٢٤ - حدثني أبو مسلم الحراني (^٣)، ثنا مسكين بن بكير، عن
_________________
(١) = ابن القيم في حادي الأرواح (١٧٥)، وابن عيسى في توضيح المقاصد (٢/ ٥١٩).
(٢) سورة الروم، الآية (١٥).
(٣) إسناده لين؛ والأثر صحيح، فيه عامر بن يساف وهو شيخ لين الحديث، تابعه الأوزاعي عند الترمذي وغيره، صفة الجنة (٨٢) رقم (٢٥٧)، والترمذي في السنن (٤/ ٦٠٠) رقم (٢٥٦٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣٨) رقم (٣٤٠٢١)، وهناد في الزهد (١/ ٥٠) رقم (٤)، والدارقطني في فوائد أبي علي الصواف رقم (١٧)، وابن جرير في تفسيره (٢١/ ٢٨)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٦٩).
(٤) أبو مسلم الحراني هو: الحسن بن أحمد بن أبي شعيب؛ ثقة يغرب التقريب (١٢٢٠)، وليس المغيرة بن عبد الرحمن الأسدي، كما عرفه الدكتور نجم خلف في تحقيقه لكتاب الصمت؛ فإن ابن أبي شعيب ورد أنه يروي عن الحارث بن مسكين ويروي عنه ابن أبي الدنيا كما في ترجمته من تهذيب الكمال، أما الأسدي فقد ورد في ترجمته أنه يروي عن الحارث كذلك، لكن لم يذكر المصنف من تلاميذه، هذا من جهة أضف إلى ذلك أنه ورد نفس السند عند أبي نعيم في الحلية مصرحا باسمه كاملا فأزال كل شك، على أن الأسدي ليس بأبي مسلم بل هو أبو أحمد وهذا ما أوقع الخلف في حرج جعله يستظهر أن له كنيتين والأمر كما ترى، ومع كل هذا لم يستدرك عليه المحقق الثاني أبو إسحاق الحويني رغم كثرة العتاب ودقة المتابعات لعمل الخلف واللَّه أعلم.
[ ٣ / ١٢٤٣ ]
الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة: "إن في الجنة شجرة ثمرها زبرجد وياقوت ولؤلؤ، فيبعث اللَّه -﷿- ريحا فتصفق، فيسمع لها أصوات لم يسمع ألذّ منها" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة إثبات أن لأهل الجنة غناء وسماعا في جملة نعيمهم، وأن الذي يغني لهم إما الحور العين، أو تسمعهم الملائكة تمجيد اللَّه وتسبيحه، أو أصوات تصدر من أجام وأشجار الجنة، تصدر عندما يرسل اللَّه عليها ريحا تحركها، وقد يهتز الشجر لصوت الجواري، فيتناغم مع صوتها فلا يدرى أيهما أحسن، ويسمعون من كل لهو كان في الدنيا، وقد عقد ابن القيم بابا في ذكر سماع الجنة وغناء الحور العين وما فيه من الطرب واللذة، ذكر فيه أنواعا من السماع ورد في النصوص الشرعية، ثم قال: "ولهم سماع أعلى من هذا يضمحل دونه كل سماع، وذلك حين يسمعون كلام الرب ﷻ، وخطابه، وسلامه عليهم، ومحاضرته
_________________
(١) إسناده حسن، فيه مسكين بن بكير وهو صدوق يخطئ وكان صاحب حديث التقريب (٦٦٥٩)، لكن أخرج له الشيخان، وقال الحافظ في الفتح (٨/ ٢٠٦): "ليس له -شيخ البخاري محمد- ولا لشيخه مسكين بن بكير إلا هذا الحديث الواحد"، وفي المقدمة (٤٦٣): "خطّأ أحمد بعض حديثه"، والذي يظهر أنه إنما يخطئ عن شعبة خاصة كما في شرح علل الترمذي (٢/ ٧٠٥)، وترجمته من تهذيب الكمال، أما باقي أخطائه فمحتملة واللَّه أعلم، صفة الجنة (٨٣) رقم (٢٥٩)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١١٤).
[ ٣ / ١٢٤٤ ]
لهم، ويقرأ عليهم كلامه، فإذا سمعوه منه فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك، وسيمر بك أيها السني من الأحاديث الصحاح والحسان في ذلك ما هو من أحب سماع لك في الدنيا، وألذّ لأذنك، وأقرّ لعينك؛ إذ ليس في الجنة لذّة أعظم من النظر إلى وجه الرب تعالى، وسماع كلامه منه، ولا يعطى أهل الجنة شيئا، أحب إليهم من ذلك" (^١).
_________________
(١) حادي الأرواح (١٧٧).
[ ٣ / ١٢٤٥ ]
المبحث الخامس عشر: الآثار الواردة في الحور العين.
١١٢٥ - حدثنا أبو عبد اللَّه التميمي، عن روح بن عبد المؤمن، ثنا رياح القيسي قال: سمعت مالك بن دينار يقول: "جنات النعيم بين جنات الفردوس وجنات عدن، وفيها جوارٍ خلقن من ورد الجنة، قيل: ومن يسكنها؟ قال: الذين هَمُّوا بالمعاصى فلما ذكروا عظمتي راقبوني، والذين انثنت أصلابهم من خشيتي" (^١).
١١٢٦ - حدثنا عمار بن نصر المروزي، ثنا عطاء بن جبلة، عن ليث، عن مجاهد قال: "الحور العين خلقن من الزعفران" (^٢).
_________________
(١) إسناده حسن؛ فيه رياح وهو ابن عمرو القيسي، من زهاد المبتدعة وعبادهم، وقال عنه أبو زرعة صدوق لسان الميزان (٢/ ٤٦٩)، صفة الجنة (١٠٥) رقم (٣٤٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٧٠) (٨/ ٢٧٨٢)، ونسبه السيوطي في الدر (٣/ ١١٥) لابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه ليث وقد سبق (٤٩)، وعطاء بن جبلة أورده ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (٢/ ١٧٦)، انظر لسان الميزان (٤/ ١٧٢) وتاريخ بغداد (١٢/ ٢٩٥)، صفة الجنة (٩١) رقم (٢٩٥)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٧٨)، وابن حبان في الثقات (٨/ ٥٢٨)، والذهبي في تذكرة الحفاظ (١/ ٤١١)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٤٢٠) لابن جرير، ورواه الخطيب في تاريخه مرفوعا (٧/ ٩٨)، ولا يصح قال ابن القيم في حادي الأرواح (١٦١): "وحسبه أن يصل إلى ابن عباس"، وقال عن وقفه على مجاهد: "وهو أشبه بالصواب"، وانظر الضعيفة للألباني رقم (٣٥٣٩) وضعيف الجامع رقم (٢٨٠٣).
[ ٣ / ١٢٤٦ ]
١١٢٧ - حدثنا محمد بن جعفر، ثنا منصور بن عمار، ثنا محمد بن زياد (^١)، عن عبد اللَّه بن حدير (^٢)، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن (^٣) قال: "ما من غدوة من غدوات الجنة، قيل: وللجنة غدوات؟ قال: نعم، إلا يُزفّ إلى وليّ اللَّه فيها عروس لم يلدها آدم ولا حوّاء، إنما هي إنشاء خلقت من زعفران" (^٤).
١١٢٨ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا يزيد بن زريع، عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله -﷿-: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ (^٥) قال:
_________________
(١) في كلا الطبعتين محمد بن زيد والتصويب من التخريج فقد ورد التعريف به بأنه قاضي شمشاط، وهو هقل بن زياد السكسكي ثقة من التاسعة التقريب (٧٣٦٤)، والجرح والتعديل (٩/ ١٢٢) فقد نص على أن هقل هو محمد بن زياد، وإن كان صنيع ابن عساكر في ترجمة منصور بن عمار من تاريخ دمشق (٦٠/ ٣٢٥) وذكر شيوخه يوحي أنهما اثنان فاللَّه أعلم.
(٢) في كلا الطبعتين عبد اللَّه بن عمر وعرفه عمرو عبد المنعم بأنه العمري المكبر الضعيف، والتصويب من ابن أبي حاتم، وورد أنه ابن جرير عند ابن عدي ولم أعرفه.
(٣) هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد اللَّه، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، مات سنة (٩٤ هـ) أو (١٠٤ هـ)، التقريب (٨١٤٢).
(٤) إسناده ضعيف جدا؛ فيه منصور بن عمار، أورده العقيلي في الضعفاء (٤/ ١٩٣)، وانظر لسان الميزان (٦/ ٩٨)، صفة الجنة (٩١) رقم (٢٩٦، ٢٩٧)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٣/ ١٣١)، وأبو نعيم في الصفة الجنة رقم (٢١٧)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٣٩٤)، جميعهم عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا.
(٥) سورة الرحمن، الآية (٥٨).
[ ٣ / ١٢٤٧ ]
"صفاء الياقوت في بياض الرجان" (^١).
١١٢٩ - حدثنا فضيل، ثنا هشيم، عن منصور، عن الحسن قال: "اللؤلؤ الكبار، والمرجان الصغار" (^٢).
١١٣٠ - حدثنا الحسن بن حماد الضبي، ثنا ابن فضيل، عن محمد بن سعد الأنصاري، عن أبي طيبة الكلاعي (^٣) قال: "إن السحابة لتظل السرب من أهل الجنة فتقول: ماذا أمطركم؟ فما أحد يريد شيئا إلا أمالته عليهم حتى إن بعضهم ليقول: أمطرينا كواعب أترابا" (^٤).
١١٣١ - حدثنا عباس بن عبد اللَّه، ثنا حفص بن عمر العدني، ثنا الحكم -يعني بن أبان- عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "لو أن امرأة من أهل الجنة بصقت في سبعة أبحر لكانت تلك الأبحر أحلى من العسل" (^٥).
_________________
(١) إسناده صحيح، صفة الجنة (٩٥) رقم (٣١٥)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٥٢)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٧١٢) لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.
(٢) إسناده لين؛ فيه هشيم وقد سبق (٧٧٤) أنه كثير التدليس والإرسال الخفي، صفة الجنة (٩٥) رقم (٣١٦)، ولم أجده عن الحسن عند غير المصنف، وهو مروي عن قتادة والضحاك وابن عباس انظر تفسير ابن جرير (٢٧/ ١٣١).
(٣) ورد عند ابن جرير أبو ظبية السلفي، وهو كذلك فله كنيتان ونسبتان كما في ترجمته من تهذيب الكمال: "أبو ظبية، ويقال: أبو طيبة السلفي ثم الكلاعي الشامي الحمصي"، مقبول، التقريب (٨١٩٢).
(٤) إسناده صحيح، صفة الجنة (٩٠) رقم (٢٩٢)، وابن جرير في تفسيره (٢٥/ ٩٧)، وذكره ابن كثير في تفسيره (٤/ ١١٢)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٣٤٥، ٣٩٣) لابن جرير.
(٥) إسناده ضعيف؛ فيه حفص بن عمر وهو العدني وقد سبق (١٠٤٦)، وفي طبقته =
[ ٣ / ١٢٤٨ ]
١١٣٢ - حدثنا أبو كريب، ثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا سفيان، ثنا أصحابنا، عن مجاهد: "الحور: يحار فيها الطرف من رقة الحلل وصفاء اللون" (^١).
١١٣٣ - حدثنا إسحاق، حدثنا سفيان، عن رجل، عن الحسن قال: "الحور: الشديدة بياض العين والشديدة السواد سواد العين" (^٢).
_________________
(١) = حفص بن عمر قاضي حلب وقد سبق (٩٠٥)؛ والفرق بينهما أن العدني هذا يروي عنه المصنف من طريق العباس بن عبد اللَّه وهو الترقفي وهو ثقة عابد التقريب (٣٧٨٩) وقد نص المزي في ترجمته أن من شيوخه العدني، أما الحبلي فإنه يروي عنه من طريق محمد بن بكار الرصافي وهو ثقة كذلك التقريب (٥٧٩٥)، وقد نص ابن حجر في ترجمته في اللسان أنه يروي عنه محمد بن بكار كما سبق، وكلاهما في طبقة شيوخ شيوخه ومتكلم فيهما، صفة الجنة (٩٠) رقم (٢٩٣)، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ١٩) للمصنف في هذا الكتاب، وكذا المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٩٩).
(٢) إسناده ضعيف؛ والأثر حسن، لجهالة أصحاب سفيان المبهمين، فقد ورد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، صفة الجنة (٩١) رقم (٢٩٨)، وانظر الذي قبله، والبخاري معلقا (٨/ ٥٧٠ فتح) ثم ذكر وصله من طريق الفريابي في تغليق التعليق (٤/ ٣١٠)، وابن جرير في تفسيره (٢٥/ ١٣٦)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٤٢٠) للفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.
(٣) إسناده ضعيف؛ لجهالة شيخ سفيان المبهم، لكنه ورد تسميته عند ابن جرير بعمرو وهو ابن عبيد المعتزلي المشهور كان داعية إلى بدعته اتهمه جماعة مع أنه كان عابدا التقريب (٥١٠٦)، فهو الذي اتفق على الرواية عن الحسن وروى عنه سفيان بن عيينة واللَّه أعلم، صفة الجنة (٩٢) رقم (٢٩٩)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٧٧)، وانظر فتح الباري (٦/ ١٥) حيث ورد هذا الوصف في أحد أبواب =
[ ٣ / ١٢٤٩ ]
١١٣٤ - حدثني إسحاق بن إبراهيم، أنا محمد بن يزيد الواسطي، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: "لشَفر الحور العين أطول من جناح النِّسْر" (^١).
١١٣٥ - حدثنا حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، انا ابن المبارك، أنا يحيى بن أيوب، عن عبيد اللَّه بن زحر، عن خالد بن أبي عمران، عن أبي غياث قال: كنا مع كعب يوما فقال: "لو أن يدا من الحور (دُلِّيت) من السماء ببياضها وخواتيمها لأضاءت لها الأرض كما تضئ الشمس لأهل الدنيا، قال: قلت: يدها فكيف بالوجه بياضه وحسنه وجماله وتاجه بيقوته ولؤلؤه وزبرجده" (^٢).
١١٣٦ - حدثني عمار بن نصر، ثنا بقيّة بن الوليد، عن يحيى بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن كثير الحضرمي قال: "إن من المزيد أن تمرّ السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تشاؤون أن أمطركم؟ فلا يسألون شيئا إلا مطرتهم، فقال كثير بن مرة: لئن شهدنا اللَّه ذلك المشهد لأقولنّ أمطرينا
_________________
(١) = البخاري ولم يعلق عليه الحافظ بشيء من الآثار.
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه عبد الرحمن بن زياد وهو ابن أنعم الإفريقي وقد سبق (١١١٣)، صفة الجنة (٩٢) رقم (٣٠٠)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٤٢١) للمصنف.
(٣) إسناده لا بأس به، فيه عبيد اللَّه بن زحر وقد سبق (١١٠٨)، صفة الجنة (٩٢) رقم (٣٠١)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٥٦)، ونسبه المنذري الترغيب والترهيب (٤/ ٢٩٩) للمصنف.
[ ٣ / ١٢٥٠ ]
جواري مزيّنات" (^١).
١١٣٧ - حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنزي، ثنا العلاء بن عبيد اللَّه، عن موسى بن حصين، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن ابن مسعود -﵁- قال: "إن في الجنة حوراء يقال لها: اللعبة، كل حور الجنان يعجبن بها، يضربن بأيديهن على كتفها ويقلن: طوبى لك يا لعبة، لو يعلم الطالبون لك لجدّوا، بين عينيها مكتوب: من كان يبتغي أن يكون له مثلي فليعمل برضاء ربي -﷿-" (^٢).
١١٣٨ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثني محمد بن صالح الضبي (^٣) قال: قال عطاء السلمي لمالك ابن دينار: يا أبا يحيى شوّقنا، فقال له مالك: "في الجنة حوراء يتباهى بها
_________________
(١) إسناده ضعيف، والأثر حسن؛ فإن بقية مدلس لكن رواه ابن المبارك عن بقية قال: حدثنا، صفة الجنة (٩٢) رقم (٣٠٢)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤٠)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٤/ ٢٢٩)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢١٤).
(٢) إسناده ضعيف، العلاء بن عبيد اللَّه لم أجده إلا في ترجمة الحسن بن يحيى بن كثير في تهذيب الكمال ضمن شيوخه، وشيخه لم أعرفه، صفة الجنة (٩٣) رقم (٣٠٥)، وذكره ابن القيم في حادي الأرواح (١٦٣) عن الأوزاعي به دون سند.
(٣) صوابه أبو محمد بن صالح الضبي، وهو الوليد بن صالح الضبي أبو محمد وثقه ابن أبي حاتم، يروي عن عطاء بن مسلم السليمي، كما في الجرح والتعديل (٩/ ٧)، ويروي عنه إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، كما في ترجمة إبراهيم بن عبد الرحمن من تهذيب الكمال، وبسبب هذا التصحيف قال المحقق عمرو عبد المنعم: "رجاله ثقات، إلا محمد بن صالح الضبي، لم أقف له على ترجمة"، فالحمد للَّه على توفيقه.
[ ٣ / ١٢٥١ ]
أهل الجنة من حسنها لولا أن اللَّه -﷿- كتب على أهل الجنة ألا يموتوا لماتوا عن آخرهم من حسنها فلم يزل عطاء يذكر (^١) قول مالك أربعين عاما" (^٢).
١١٣٩ - حدثنا إسماعيل بن يزيد، ثنا فضيل بن عياض، عن هشام ابن حسان، عن يزيد الرقاشي قال: حدثني من سمع كعبا قال: "لو أن امرأة من الحور بدا معصمها لذهب ضوء الشمس" (^٣).
١١٤٠ - حدثنا أزهر بن مروان الرقاشي، ثنا جعفر بن سليمان، عن شيخ من أهل البصرة، عن شهر بن حوشب قال: "إن الرجل من أهل الجنة ليتّكئ اتكاءة واحدة قدر سبعين سنة يحدّث بعض نسائه، ثم يلتفت الالتفاتة فتناديه الأخرى فدانا لك أما لنا فيك نصيب؟ فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من الذين قال اللَّه -﷿- ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ (^٤) قال: فيتحدّث معها، ثم يلتفت الالتفاتة فتناديه الأخرى: أما إِنَّا لك، أما لنا فيك نصيب؟
_________________
(١) وفي طبعة عبد المنعم: "عطاء كمدا أن قول مالك".
(٢) إسناده حسن؛ إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي صدوق له مناكير، قيل: إنها من قبل الراوي عنه التقريب (٢٠٩)، صفة الجنة (٩٣) رقم (٣٠٦)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٢١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٤٢٢) عن عبد اللَّه ابن السري عن عطاء به.
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه يزيد الرقاشي زاهد ضعيف، التقريب (٧٧٣٣) وجهالة شيخه المبهم، صفة الجنة (٨٩) رقم (٢٨٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣٢) رقم (٣٣٩٨٥) عن يزيد به، وأبو الشيخ في العظمة (٣/ ١٠٦٢) عن وهب بن منبه بسياق طويل جدا.
(٤) سورة ق، الآية (٣٥).
[ ٣ / ١٢٥٢ ]
فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من الذين قال اللَّه: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (^١).
١١٤١ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا سليمان بن المغيرة، ثنا ثابت قال: "صاحب الجنة يتكئ سبعين سنة اتكاءة لذّة، وعند أزواجه وخدمه، فإذا أزواج له لم يكن يراهُنَّ فيقلن له: يا فلان لك أن يكون لنا منك نصيب" (^٢).
١١٤٢ - حدثني حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا راشد بن سعد، عن ابن أنعم، عن حبان بن أبي جَبَلَة (^٣) قال: "إن نساء أهل الدنيا من دخل منهن الجنة فضُلن على الحور بما عملن في الدنيا" (^٤).
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ لإبهام شيخ جعفر، صفة الجنة (٩٠) رقم (٢٨٩)، ويروى مرفوعا عن أنس وهو موضوع انظر بغية الباحث رقم (٦٣٢) أصلا وحاشية.
(٢) إسناده صحيح، صفة الجنة (٩٠) رقم (٢٩١)، ونسبه السيوطي في الدر (٥/ ٣٨٨) لابن أبي حاتم.
(٣) هو حبان بن أبي جَبَلة المصري، مولى قريش، ثقة، مات سنة (١٢٢ هـ) وقيل (١٢٥ هـ)، التقريب (١٠٧١).
(٤) إسناده ضعيف؛ فيه رشدين وابن أنعم وقد سبقا (١٠٤٣) (١١١٣)، صفة الجنة (٨٧ - ٨٨) رقم (٢٧٩)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٥٥)، وهناد في الزهد (١/ ٥٨) رقم (٢٣).
[ ٣ / ١٢٥٣ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة الكلام على الحور من عدة جوانب، حيث تضمنت أنها خلقت من ورد الجنة (^١)، أو من زعفران، وتضمنت في ذكر جمالها الشيء العجيب فهي في صفاء الياقوت وبياض المرجان، وأن السحابة من الجنة تمطر على أهلها كل شيء حتى إنها لتمطر عليهم كواعب أترابا إذا طلبوها، وأن امرأة من أهل الجنة لو بصقت في سبعة أبحر لكانت تلك الأبحر أحلى من العسل، وأنها يحار فيها الطرف من رقة الحلل وصفاء اللون، وهي الشديدة بياض العين والشديدة السواد سواد العين، لشفر الحور العين أطول من جناح النسر، وأن يدها لو دليت على أهل الأرض لأضاءت كما تضي الشمس لأهل الدنيا، بل لذهب ضوء الشمس، وورد أن بعضها أجمل وأحسن من بعض حتى ذكر أن منها اللعبة تعجب بها الحور الأخريات، بل إن من حسن بعضهن أنه لو لم يكتب على أهل الجنة أن لا يموتوا لماتوا جميعا من حسنها، وهن كثيرات حتى إن الرجل لتدعوه إحداهن فتقول: أليس لنا فيك نصيب، فيقول: من أنت، فتجيب بأنها مما أخفي له من قرة أعين، ومع كل هذا الحسن والجمال فإن نساء أهل الدنيا يفضلن عليهن بما قدمن من عمل صالح.
فأما مادة خلقهن: فلم يصح فيها شيء مرفوعا إلى النبي -ﷺ-، قال
_________________
(١) الظاهر أن هذا لا يشمل الحور العين، بل هو في الجواري عموما كما هو نص الأثر واللَّه أعلم.
[ ٣ / ١٢٥٤ ]
ابن القيم: "هذا مروي عن صاحبين، وهما ابن عباس وأنس، وعن تابعيين، وهما أبو سلمى ومجاهد، وبكل حال فهي من المنشآت في الجنة، ليست مولودات بين الآباء والأمهات واللَّه أعلم. . . وإذا كانت هذه الخلقة الآدمية التي هي من أحسن الصور وأجملها، مادّتُها من تراب، وجاءت الصور من أحسن الصور، فما الظن بصورة مخلوقة من مادة الزعفران الذي هناك فاللَّه المستعان. . . وقد روى في مادة خلقهن صفة أخرى" (^١).
وباقي الأوصاف منها ما صح ومنها ما لم يصح، وهي أمور غيبية اللَّه أعلم بحقيقتها.
_________________
(١) حادي الأرواح (١٦١ - ١٦٢)، وانظر روح المعاني (٤/ ١٨١).
[ ٣ / ١٢٥٥ ]
المبحث السادس عشر: الآثار الواردة في الجماع وما يتعلق به من الولد وغيره.
١١٤٣ - حدثنا محمد بن يزيد العجلي، ثنا معاذ بن هشام، ثنا أبي، عن عامر الأحول، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد اللَّه بن عمر قال: "المؤمن كلما أراد زوجته وجدها عذراء" (^١).
١١٤٤ - حدثنا محمد بن حميد الرازي، ثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن حميد، عن شمر بن عطية، عن شقيق بن سلمة، عن عبد اللَّه بن مسعود في قوله -﷿-: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥)﴾ (^٢) قال: "في افتضاض العذاري" (^٣).
١١٤٥ - حدثنا عبيد اللَّه بن عمر، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن
_________________
(١) إسناده لين؛ فيه شيخ المصنف وقد سبق (٢٩٦)، صفة الجنة (٨٧) رقم (٢٨٧)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٦٤ - ٦٥) لعبد اللَّه بن أحمد في زوائد الزهد، وزاد في (١/ ١٠١) لعبد بن حميد وابن المنذر، وقد ورد هذا في حديث الصور الطويل انظر حادي الأرواح (١٥٩) وقد سبق (٨٦٥) نقل قوله: "شرحه الوليد بن مسلم في كتاب مفرد، وما تضمنه معروف في الأحاديث واللَّه أعلم".
(٢) سورة يس، الآية (٥٥).
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه محمد بن حميد وهو الرازي حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه التقريب (٥٨٧١)، صفة الجنة (٨٥ - ٨٦) رقم (٢٧٠)، وابن جرير في تفسيره (١٨/ ٢٣)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٦٤) لعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وعبد اللَّه بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر.
[ ٣ / ١٢٥٦ ]
سفيان، عن أبي بلج قال: سمعت إبراهيم النخعي قال: "أهل الجنة نكاحهم ما شاؤوا، ولا ولد، ينظر إليها فينشأ نشأة، ثم ينظر إليها نظرة أخرى فينشأ نشأة" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة ذكر ما يحصل لأهل النعيم في الجنة من الجماع ولذته، بل ومن حصول ما يترتب على الجماع من الولد، فالجماع رغم كمال لذته، واشتغال المؤمن وتفكهه بافتضاض العذاري من نسائه؛ فإنه لا ولد من ذلك الجماع، وإنما الولد ينشأ نشأة بالنظر إليهن.
وقد عقد ابن القيم ﵀ بابا في ذكر نكاح أهل الجنة ووطئهم والتذاذهم بذلك أكمل لذة، ونزاهة ذلك عن المذي والمني والضعف وأنه لا يوجب غسلا، ثم قال: "لا يلحقهم بذلك جنابة فيحتاجون إلى التطهير، ولا ضعف ولا انحلال قوة، بل وطئهم وطء التذاذ ونعيم، لا آفة فيه بوجه من الوجوه، وأكمل الناس فيه أصونهم لنفسه في هذه الدار عن الحرام" (^٢).
_________________
(١) إسناده حسن؛ أبو بلج صدوق ربما أخطأ التقريب (٨٠٦٠)، وانظر الكامل لابن عدي (٧/ ٢٢٩)، صفة الجنة (١٦) رقم (٢٧٥)، وهناد في الزهد (١/ ٨٨) رقم (٩٢ - ٩١)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤٤) عن أبي بلج عن الشعبي نحوه.
(٢) حادي الأرواح (١٦٦)، وانظر التذكرة للقرطبي (٥٥٩ - ٥٦١).
[ ٣ / ١٢٥٧ ]
المبحث السابع عشر: الآثار الواردة في قصور الجنة وخيامها.
١١٤٦ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا جعفر بن سليمان، عن أبي جعفر عمران الجوني، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه قال: "الخيمة في الجنة لؤلؤة واحدة في كل ناحية منها أهل للمؤمن يطوف عليهم" (^١).
١١٤٧ - حدثنا علي بن الجعد، أنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت أبا الأحوص، يحدث عن عبد اللَّه مسعود في قوله -﷿- ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ (^٢) قال: "درٌّ مجوّف" (^٣).
١١٤٨ - حدثنا الحسن بن عيسى، أنا ابن المبارك، أنا سليمان التيمي، عن قتادة، عن خليد العصري، عن أبي الدرداء -ولا يجاوز خليدا- (^٤)
_________________
(١) إسناده صحيح، صفة الجنة (٩٥) رقم (٣١٨)، ورواه مسلم بنفس الطريق مرفوعا (٤/ ٢١٨٢) رقم (٢٨/ ٣٨).
(٢) سورة الرحمن، الآية (٧٢).
(٣) إسناده صحيح، صفة الجنة (٩٥) رقم (٣١٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٢) رقم (٣٤٠٦١)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٦١)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٧١٩) إلى مسدد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، وأخرجه ابن المبارك في الزهد برقم (٢٤٧) من قول أبي الأحوص.
(٤) كأن هذه العبارة فيها إشارة إلى أن المشهور في هذا الأثر أنه من قول خليد نفسه، وأنه لم يتجاوز إلى من فوقه، لا سيما وقد رواه غير واحد من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه فلم يجاوز به خليدا واللَّه أعلم.
[ ٣ / ١٢٥٨ ]
قال: "الخيمة لؤلؤة واحدة لها سبعون بابا كلها من درّ" (^١).
١١٤٩ - حدثنا حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "الخيمة درة مجوّفة، فرسخ في فرسخ، لها أربعة آلاف مصراع من ذهب" (^٢).
١١٥٠ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ قال: "مقصورات الأعين والأنفس إلا على أزواجهن، لا يردن بهم بدلا، هي؟ خيام اللؤلؤ، قال مجاهد: الخيمة لؤلؤة واحدة" (^٣).
_________________
(١) إسناده حسن إلى خليد؛ فيه خليد العصري وهو صدوق يرسل التقريب (١٧٥١)، صفة الجنة (٩٦) رقم (٣٢٠)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٥٠)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٤/ ٢٨١)، وذكره العيني في عمدة القاري (١٥/ ١٥٣)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ١١٩) لعبد الرزاق وعبد اللَّه بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأخرجه عبد اللَّه بن أحمد في زوائده على الزهد (٢٣٣)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٦١) من طريق المعتمر بن سليمان عن أبي عن قتادة عن خليد من قوله.
(٢) إسناده صحيح، صفة الجنة (١٦) رقم (٣٢١)، ورقم (٣٢٥) بسياق أطول، ومعمر في الجامع كما في مصنف عبد الرزاق (١١/ ٤١٨) رقم (٢٠٨٨٢)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤١) رقم (٣٤٠٥٨)، وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٦٧)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٦٢).
(٣) إسناده لين؛ والأثر صحيح، فيه شريك وهو القاضي، لكن تابعه غير واحد، صفة الجنة (٩٦) رقم (٣٢٢)، وأخرجه البخاري معلقا (٤/ ١٨٤٩)، وابن أبي شيبة في =
[ ٣ / ١٢٥٩ ]
١١٥١ - حدثنا إسحاق، ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن جابر، عن القاسم بن أبي بزّة، عن أبي عبيدة، عن مسروق، عن عبد اللَّه قال: "لكل مسلم خيرة، ولكل خيرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب، تدخل عليها كل يوم من كل باب تحفة وهدية وكرامة لم تكن من قبل ذلك، لا مراحات، ولا ذفرات، ولا سخرات، ولا طماحات، حور عين كأنهن بيض مكنون" (^١).
١١٥٢ - حدثنا داود بن عمرو الضبي، ثنا الزنجي بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾: "عظيما فلا تدخل الملائكة إلا بإذن" (^٢).
_________________
(١) = المصنف (٧/ ٢١٥) رقم (٣٥٤٥٦) من طريق فضيل عن منصور به، وهناد في الزهد (١/ ٥٦) رقم (١٦) من طريق عبيدة عن منصور به، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٥٩) من طريق جرير عن منصور به، وانظر تغليق التعليق (٤/ ٣٣٣ - ٣٣٤).
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه جابر وهو الجعفي وقد سبق (١٠٧٨)، صفة الجنة (٩٤) رقم (٣١٣)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٨٤) ونسبه للمصنف موقوفا وأشار إلى تضعيفه.
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه الزنجي وقد سبق (١٠٧٢)، مع كلام في سماع ابن أبي نجيح من مجاهد التفسير وقد سبق (١٠٦٦) بيانه، صفة الجنة (٦٧) رقم (١٩٨)، ورقم (٢٠٠) بسند حسن، ثم رواه كذلك عن كعب رقم (٢٠٢)، وانظر تفصيل الاستئذان كيف يتم في رقم (١٩٩)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٣٧٦) لعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي.
[ ٣ / ١٢٦٠ ]
١١٥٣ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا جرير، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن مغيث (^١) بن سمي قال: "إن في الجنة قصورا من ذهب وقصورا من زبرجد، جبالها المسك، وترابها الوَرْس (^٢) والزعفران" (^٣).
١١٥٤ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الواحد بن واصل أبو عبيدة، ثنا عباد بن ميسرة المنقري قال: سمعت الحسن بن أبي الحسن قال: قال عمر لكعب: "يا كعب أخبرني عن جنة عدن؟ قال: يا أمير المؤمنين، مبنيّة من ذهب شُرُفُها درٌّ وياقوت، لا يدخلها إلا نبيّ، أو صدّيق، أو شهيد، أو حَكَم عدل" (^٤).
_________________
(١) في المطبوع: "مصعب" وهو خطأ.
(٢) الوَرْس بوزن الفلس، نبت أصفر يكون باليمن، تتخذ منه الغُمرة للوجه، مختار الصحاح (٧٤٠).
(٣) إسناده حسن؛ فإن إسحاق بن إسماعيل متكلم في سماعه من جرير خاصة، إلا أنه تابعه محمد بن أبي عبيدة فرواه عن أبيه عن الأعمش به وهما ثقتان التقريب: (٦١٦٥) (٤٢٤٦)، صفة الجنة (٦٢) رقم (١٧٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣٨) رقم (٣٤٠٢٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٦٨)، ونسبه السيوطي في الدر (٤/ ٢٣٨) لابن أبي شيبة.
(٤) إسناده ضعيف؛ والأثر حسن إلى الحسن، عباد بن ميسرة المنقري لين الحديث عابد التقريب (٣١٦٦)؛ لكن تابعه أبو هلال الراسبي وهو صدوق فيه لين التقريب (٥٩٦٠)، صفة الجنة (٦٢) رقم (١٧٩)، وبمعناه ابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- رقم (١٥٢٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٤٠٣)، من طريقيهما =
[ ٣ / ١٢٦١ ]
١١٥٥ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا خالد الطحان، عن سفيان بن حسين، عن الحكم أو عن رجل، عن مجاهد قال: تلا عمر بن الخطاب ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ قال: "قصر في الجنة له أربعة آلاف مصراع، على كل باب خمسة وعشرون ألفا من الحور العين، لا يدخله إلا نبي، ثم قال: هنيئا لك يا رسول اللَّه، أو صدِّيق ثم هنيئا لك يا أبا بكر، أو شهيد فأنى لعمر بالشهادة؟ ثم قال: إن الذي أخرجه من دار حشمة (^١) قادر على أن يرزقه الشهادة" (^٢).
_________________
(١) = عن أبي هلال الراسبي عن الحسن به، وسيأتي نحوه برقم (١١٥٥).
(٢) كذا في طبعة عبد المنعم، وفي طبعة الطنطاوي "من ضرى" وكذا وقع في مصنف ابن أبي شيبة، وفِي باقي المصادر "بالحثمة"، وهي الصواب فقد أورد الفاكهى في تاريخ مكة (٤/ ٢٠٨) هذا الأثر وأورد أنها مكان مولد عمر -﵁-، وأورد أبياتا لمهاجر بن خالد يقول فيها: لنساء بين الحجون إلى الحثـ ـمة في ليال مقمرات وشرق ساكنات البطاح أشهى إلى القلـ ـب من الساكنات دور دمشق
(٣) إسناده صحيح؛ واختلاف النسخ في قول سفيان بن حسين: "وعن رجل" أو "أو عن رجل" الذي جعل المحقق عمرو عبد المنعم يتردد في الحكم على السند، صوابه: "وعن رجل"؛ لأن الحارث رواه بسنده عن سفيان بن حسين عن يعلى بن مسلم -وهو ثمة- دون تردد، ولعله هنا يشير بقوله: "وعن رجل" إلى يعلى هذا واللَّه أعلم، وعون بن موسى لا ينزل عن درجة الصدوق انظر الجرح والتعديل (٦/ ٣٨٦)، صفة الجنة (٦١ - ٦٢) رقم (١٧٤)، والحارث في مسنده كما في بغية الباحث =
[ ٣ / ١٢٦٢ ]
١١٥٦ - حدثنا عبد اللَّه بن عبد الوهاب، ثنا عون بن موسى، عن الحسن قال: "قصر من ذهب لا يدخله إلا نبيّ أو صدّيق أو حكم عدل يرفع بها صوته" (^١).
١١٥٧ - حدثنا أبي ﵀، أنا محمد بن يزيد، عن العوام بن حوشب، عن أبي روح الشامي قال: "مرّ معاوية على كعب وهو يحدّث، قال: ما هذه الأحاديث يا كعب بن أم كعب؟ قال كعب: نعم واللَّه يا معاوية إن للَّه -﷿- لدارا فيها سبعون ألف دار على عمد واحد من ياقوت، ما فيها صدع ولا فصل، لا يسكنها إلا خمسة: نبيّ، أو صدّيق، أو شهيد،
_________________
(١) = (٢/ ٨٩١) رقم (٩٦٣)، وكما في المطالب العالية (٤/ ٢٧٣) رقم (٣٩٩٦)، والفاكهي في أخبار مكة (٤/ ٢٠٨)، وروي عن قيس بن أبي حازم مثله، أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ١٦٤) رقم (٩٤٣٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٤٠٤)، وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٥٥): "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير شريك النخعي وهو ثقة وفيه خلاف".
(٢) إسناده حسن؛ والظاهر أن شيخ المصنف هو الحجبي ثقة التقريب (٣٤٧٢) فهو في طبقة متقدميهم من العاشرة؛ ولم أقف على نص -من خلال بحثي في الشيوخ والرواة عنه وعن عون والمصنف- يبين علاقة بين شيخه والراوي عنه واللَّه أعلم، صفة الجنة (٧٢) رقم (١٧٥)، وسعيد بن منصور في سننه (٥/ ٤٣٤) رقم (١١٦٨)، وابن جرير في تفسيره (١٠/ ١٨١ - ١٨٢) وفيه زيادة في أوله: "جنات عدن وما أدراك ما جنات عدن؟ "، ونسبه السيوطي في الدر (٤/ ٦٣٨) لسعيد بن منصور وابن المنذر، ويروى عن غيره انظر ابن أبي شيبة (٤/ ٢١٠ - ٢١١) (٤/ ٤٤٠) (٦/ ٤٢١).
[ ٣ / ١٢٦٣ ]
أو محكم في نفسه؟؟، أو إمام مقسط، فانطق من أيهم أنت يا معاوية؟ فأدبر معاوية وهو يبكي وهو يقول: أنى لك يا معاوية بالعدل؟؟ " (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة ذكر قصور الجنة وخيامها، وشيء من أوصافها، فالخيمة لؤلؤة مجوفة في كل ناحية منها أهلون للمؤمن، فرسخ في فرسخ، لها سبعون بابا، وقيل: أربعة، وأربعة آلاف مصراع من ذهب، وهي درٌّ مجوّف، لا تدخل الملائكة على المؤمن إلا بإذن، وهي أنواع، فمنها قصور من ذهب، وقصور من زبرجد، جبالها المسك، وترابها الورس والزعفران، شُرُفُها درٌّ وياقوت، قال ابن القيم: "أخبر أنها غرف فوق غرف، وأنها مبنية بناء حقيقة؛ لئلا تتوهم النفوس أن ذلك تمثيل، وأنه ليس هناك بناء، بل تتصور النفوس غرفا مبنية كالعلالي، بعضها فوق بعض، حتى كأنها يُنظر إليها عيانا، ومبنية صفة للغرف الأولى والثانية، أي لهم منازل مرتفعة، وفوقها منازل أرفع منها، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ
_________________
(١) إسناده حسن؛ والد المصنف قد سبق (٣٤٤)، وأبو روح هو شبيب بن نعيم ثمة أخطأ من عده من الصحابة التقريب (٢٧٥٩)، وانظر الكلام عليه كذلك في حاشية المسند (٢٥/ ٢٠٨)، صفة الجنة (٦٠) رقم (١٦٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٣٩) رقم (٣٤٠٣٤) وفيه تفسير المحكم في نفسه: "قال: قلنا: يا كعب، وما المحكم في نفسه؟ قال: الرجل يأخذ العدو فيحكمونه بين أن يكفر أو يلزم الإسلام فيقتل فيختار أن يلزم الإسلام"، وليس فيه كلام معاوية -﵁-، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٩/ ١٢١)، ونسبه السيوطي في الدر (٤/ ٢٣٨) لابن أبي شيبة.
[ ٣ / ١٢٦٤ ]
الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (^١) والغرفة جنس كالجنة، وتأمل كيف جزاءهم على هذه الأقوال المتضمنة للخضوع والذل والاستكانة للَّه، الغرفة والتحتية والسلام في مقابلة صبرهم على سوء خطاب الجاهلين لهم، فبُدِّلوا بذلك سلام اللَّه وملائكته عليهم" (^٢).
_________________
(١) سورة الفرقان، من الآية (٧٥).
(٢) حادي الأرواح (٩٦)، وانظر التذكرة للقرطبي (٥٤٣).
[ ٣ / ١٢٦٥ ]
المبحث الثامن عشر: الآثار الواردة في أبواب الجنة.
١١٥٨ - حدثني حمزة بن العباس، ثنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا الأوزاعي قال: حدثني يحيى بن أبي كثير: "أن الحور العين يتلقين أزواجهن عند أبواب الجنة" (^١).
التحليل والتعليق
تضمن أثر يحيى بن أبي كثير ذكر أن للجنة أبوابا، وأن الحور يتلقين أزواجهن عند أبواب الجنة، وقد ورد ذكر أبواب الجنة في القرآن كثيرا والسنة، اعتنى بذكرها العلماء كالقرطبي وابن القيم وغيرهما (^٢)، وهي أبواب كثيرة عدّها بعضهم ثمانية، وزاد بعضهم على هذا العدد، والمنصوص تفيد أنها أكثر من ثمانية مقسمة على بعض أعمال بني آدم فمنها باب للصيام ومنها باب للصلاة وهكذا (^٣).
_________________
(١) سبق (٩٤٠) مطولا ومخرجا.
(٢) انظر: التذكرة للقرطبي (٥١٥)، وحادي الأرواح (٧٥)، وشرح قصيدة ابن القيم لابن عيسى (٢/ ٤٧٠).
(٣) انظر التذكرة للقرطبي (٥٣٣)، عون المعبود (١/ ١٩٩).
[ ٣ / ١٢٦٦ ]
المبحث التاسع عشر: الآثار الواردة في موضع الجنة.
١١٥٩ - حدثني المشرف بن أبان، حسنت صالح بن عبد الكريم قال: قال لنا الفضيل بن عياض: "تدرون لم حسنت الجنة؟ لأن عرش رب العالمين سقفها" (^١).
١١٦٠ - حدثنا العباس بن عبد اللَّه، ثنا جعفر بن عمر، ثنا الحكم -يعني ابن أبان- عن عكرمة، عن ابن عباس -﵁- قال: "إذا سكن أهل الجنةِ الجنةَ، نوَّرَ سقفَ مساكنهم نورُ عرشه" (^٢).
١١٦١ - حدثنا يحيى بن كثير العنبري، ثنا مروان بن بكير (^٣)، عن أشعث، عن الحسن قال: "إنما سميت عدن لأن فوقها العرش، ومنها تتفجر أنهار الجنة، وللحور العدنية الفضل على سائر الحور" (^٤).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان موضع الجنة، وأن سقفها هو عرش الرحمن، وهذا يعني أنها فوق السماء السابعة؛ لأن عرش الرحمن هو سقف المخلوقات، وكذلك ستأتي آثار أخرى مصرحة بأنها في السماء السابعة، وأنه كان معروفا بين القرون الأولى، عند الكلام على موضع النار من
_________________
(١) سبق (١٠٤٥).
(٢) سبق (١٠٤٦).
(٣) سبق (١٠٤٧).
(٤) سبق (١٠٤٧).
[ ٣ / ١٢٦٧ ]
الفصل الآتي، قال البربهاري: "والإيمان بأن الجنة حق، والنار حق، وأنهما مخلوقتان؛ الجنة في السماء السابعة، وسقفها العرش" (^١)، وقال صديق حسن خان: "اعلم أن الجنة فوق السماء السابعة، وسقفها عرش الرحمن، كما قال تعالى في محكم القرآن: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ (^٢)، وقد ثبت أن سدرة المنتهى فوق السماء السابعة، وقال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ (^٣)، قال مجاهد: هو الجنة، وتلقاه الناس عنه" (^٤).
_________________
(١) شرح السنة (٢٧).
(٢) سورة النجم، الآيتان (١٣ - ١٥).
(٣) سورة الذاريات، الآية (٢٢).
(٤) يقظة أولي الاعتبار (٤٥)، وانظر حادي الأرواح (٤٦)، مفتاح دار السعادة (٢٠)، والتخويف من النار (٦٧)، فيض القدير (٣٦٠).
[ ٣ / ١٢٦٨ ]
المبحث العشرون: الآثار الواردة في وجود الجنة الآن.
١١٦٢ - حدثنا خلف بن هشام، ثنا خالد بن عبد اللَّه، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن كعب قال: "لما نظر اللَّه -﷿- إلى الجنة قال لها: طوبى لأهلك، فتزداد ضعفا حتى يدخلها أهلها" (^١).
١١٦٣ - حدثنا داود بن سليمان القرشي، ثنا الحسين بن علي الجعفي، عن فضيل بن عياض، عن ليث، عن مجاهد قال: "خلق اللَّه -﷿- جنة عدن بيده، فاطلع فيها فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ (^٢)، ثم أغلقت فلم يدخلها إلا من شاء، وهي تفتح كل سحر فكانوا يرون أن البرد الذي يجيء سحرا منها" (^٣).
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ مداره على يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف التقريب (٧٧٦٨)، صفة الجنة (٢٦) رقم (٣٧)، وأشيب في جزئه رقم (٤٥)، وعبد اللَّه بن أحمد في السنة (١/ ٢٧٧) رقم (٥٢٣)، والدارمي الرد على الجهمية رقم (٢٠١)، والآجري في التصديق بالنظر رقم (٣)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٧٩) من طريق الأشيب، وذكره ابن فورك في مشكل الحديث (٤٢٦).
(٢) سورة المؤمنون، الآية (١).
(٣) إسناده لين؛ والأثر حسن، فيه ليث وهو ابن أبي سليم وقد سبق (٤٩)، لكن تابعه عبيد المكتب وهو ثقة التقريب (٤٤٢٤) فرواه عن مجاهد عن ابن عمر موقوفا، صفة الجنة (٢٠) رقم (٢٩)، وانظر رقم (٢٤)، وأشيب في جزئه رقم (٤٦)، وابن جرير في تفسيره (٦/ ١٨)، ويروى عن مجاهد عن ابن عمر -﵁- مختصرا الحاكم في المستدرك (٢/ ٣١٩) وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وكذا =
[ ٣ / ١٢٦٩ ]
التحليل والتعليق
تضمن الأثران السابقان أن الجنة مخلوقة، وأنها موجودة الآن، وهو قول أجمع عليه أهل السنة (^١)، قال ابن أبي العز: "اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن" (^٢)، وقال صديق حسن خان: "صار السلف الصالح ومن نحا نحوهم يذكرون في عقائدهم أن الجنة والنار مخلوقتان الآن موجودتان في الحال، وذكر من صنّف في المقالات أن هذه مقالة أهل السنة والحديث كافّة لا يختلفون في ذلك" (^٣).
_________________
(١) = اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧) رقم (٧٣٠)، وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٥٧٩) رقم (٢٤).
(٢) مراتب الإجماع لابن حزم (١٧٣)، وانظر قول أهل السنة في مقالات الإسلاميين (١/ ٣٤٩)، الشريعة للآجري (٣/ ١٣٤٣)، الغنية للجيلاني (١/ ١٩٤)، فتح الباري (٢/ ٥٤٣) (٣/ ٨٣)، شرح مسلم على النووي (٦/ ٢٠٧).
(٣) شرح العقيدة الطحاوية (٤٢٠).
(٤) يقظة أولي الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار (٣٥).
[ ٣ / ١٢٧٠ ]
المبحث الحادي والعشرون: الآثار الواردة في ذكر بعض عيون الجنة وأنهارها.
١١٦٤ - حدثنا محمد بن سليمان الأسدي، ثنا إسماعيل بن زكريا، عن محمد ابن عون، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله -﷿-: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ (^١) وقال: "هو نهر في الجنة عمقه في الأرض سبعون ألف فرسخ، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، شاطئاه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت، خص اللَّه -﷿- به نبيّه -ﷺ- دون الأنبياء ﵈" (^٢).
١١٦٥ - حدثنا الحكم بن موسى، حدثني محمد بن ربيعة، عن أبي جعفر الرازي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عائشة ﵂ قالت: "الكوثر نهر في الجنة، فمن أحب أن يسمع خريره فليضع أصبعيه في أذنيه" (^٣).
_________________
(١) سورة الكوثر، الآية (١).
(٢) إسناده ضعيف جدا؛ محمد بن عون متروك التقريب (٦٢٤٣)، صفة الجنة (٥٥) رقم (١٤٥)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٨٦) وقال: "رواه ابن أبي الدنيا موقوفا"، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٦٤٩) لابن مردوية، والمشهور عن ابن عباس أنه كان يفسر الكوثر بالخير الكثير، أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ١٩٠٠) عنه: "أنه قال في الكوثر هو الخير الذي أعطاه اللَّه إياه، قال أبو بشر: قلت: لسعيد بن جبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه اللَّه إياه".
(٣) إسناده لين؛ فيه الكلام في سماع مجاهد من عائشة انظر تحفة التحصيل (٢٩٤)، صفة =
[ ٣ / ١٢٧١ ]
١١٦٦ - حدثني يعقوب بن عبيد، ثنا يزيد بن هارون، أنا الجريري، عن معاوية بن قرّة، عن أنس بن مالك قال: "لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض، لا واللَّه إنها لسائحة على وجه الأرض، أحد حافّتيها اللؤلؤ والأخرى ياقوت، وطينه المسك الأَذْفَر (^١)، قلت: ما الأذفر؟ قال: الذي لا خلط له" (^٢).
_________________
(١) = الجنة (٣٦) رقم (٦٧)، وهناد في الزهد (١/ ١١٣) رقم (١٤١)، وابن جرير في تفسيره (٣٠/ ٣٢١)، وذكره ابن كثير (٤/ ٥٥٨) من طريق ابن جرير ثم قال: "وهذا منقطع بين ابن أبي نجيح وعائشة، وفي بعض الروايات عن رجل عنها، ومعنى هذا أنه يسمع نظير ذلك لا أنه يسمعه نفسه واللَّه أعلم"، وذكره ابن القيم في حادي الأرواح (١٢٤) وذكر نفس توجيه ابن كثير، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٦٥٠) إلى هناد وابن جرير، وانظر كشف الخفاء (١/ ١١٠)، وفيض القدير للمناوي (١/ ٣٢٧)، وذكر الألباني في ضعيف الجامع رقم (٤٥٤) أنه موضوع وأحال على تذكرة الفتني وهو فيها (١/ ١٢٨٢).
(٢) الذَّفَرُ بفتحتين كل ريح ذكية من طيب أو نتن، يقال مسك أذْفَرُ بيّن الذفر، ذَكِيُّ الريح، وهو أَجوده وأَقْرَتُهُ، لسان العرب (٤/ ٣٠٦).
(٣) إسناده لين؛ فيه الجريري وقد اختلط انظر المختلطين للعلائي (٣٧)، وسماع يزيد عنه قبل الاختلاط كما يفيده كلامه الذي أورده الذهبي في السير (٦/ ١٥٤ - ١٥٥)، لكن نقل الترمذي في علله (٢/ ٧٤٢) عن ابن معين أنه سمع منه بعد الاختلاط، وكذا في تنقيح تحقيق أحاديث التعليق (٣/ ٤٦٢)، صفة الجنة (٣٦) رقم (٦٨)، وابن كثير عن المصنف (٤/ ١٧٧) وقال: "وقد رواه أبو بكر بن مردويه من حديث مهدي بن حكيم عن يزيد بن هارون به مرفوعا"، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٨٦): "رواه ابن أبي الدنيا موقوفا ورواه غيره مرفوعا =
[ ٣ / ١٢٧٢ ]
١١٦٧ - حدثنا خالد بن خداش، ثنا عبد اللَّه بن وهب، ثنا سعيد ابن أبي أيوب، عن عقيل بن خالد، عن الزهري، أن ابن عباس قال: "إن في الجنة نهرا يقال له: البيدخ، عليه قباب الياقوت تحته جوار نابتات، يقول أهل الجنة: انطلقوا بنا إلى البيدخ، فيجيئون فيتصفّحون تلك الجواري، فإذا أعجبت رجلا منهم جارية مسّ معصمها فتبعته ونبت مكانها أخرى" (^١).
١١٦٨ - حدثنا ابن أبي شيبة، ثنا يحيى بن يمان، عن أبي إسحاق، عن أبان، عن أنس: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)﴾ (^٢)، قال: "بالمسك والعنبر ينضخان، على دور أهل الجنة، كما ينضخ المطر على دور أهل الدنيا" (^٣).
_________________
(١) = والموقوف أشبه بالصواب"، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ٩٥) إلى ابن مردويه وأبي نعيم والضياء المقدسي كلاهما في صفة الجنة مرفوعا، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٠٥) مرفوعا.
(٢) إسناده لين؛ شيخ المصنف صدوق يخطئ وقد سبق (١٢)، مع كلام في تدليس الزهري وسماعه من الصحابة انظر جامع التحصيل (٢٦٩)، صفة الجنة (٣٦ - ٣٧) رقم (٦٩)، ونقله ابن القيم عن المصنف في حادي الأرواح (١٦٢)، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ٩٤) إلى المصنف فقط في هذا الكتاب، ويشهد لما ورد فيه من ذكر نهر البيدخ ما أخرجه أحمد في المسند (٢١/ ٢٦٠ - ٢٦٢) رقم (١٣٦٩٨) عن أنس في ذكره وسماه البيدخ أو البيذخ بالذال، وهو صحيح على شرط مسلم، وانظر تفسير ابن كثير (٤/ ٣٦٣)، والمختارة للمقدسي (٥/ ٩٤ - ٩٧)، والدر المنثور (١/ ٩٥)، وفيض القدير (٥/ ١٢٨).
(٣) سورة الرحمن، الآية (٦٦).
(٤) إسناده لين؛ فيه يحيى بن يمان وقد سبق (١٠٥٧)، صفة الجنة (٣٧) رقم (٧٠)، =
[ ٣ / ١٢٧٣ ]
١١٦٩ - حدثنا ابن أبي شيبة، ثنا يحيى بن يمان، عن أشعث عن جعفر، عن سعيد: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)﴾ قال: "بالماء والفواكه" (^١).
١١٧٠ - حدثنا ابن أبي شيبة، ثنا عبد اللَّه بن إدريس، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: "اللتان تجريان أفضل من النضّاختين" (^٢).
_________________
(١) = وورد في تفسير ابن أبي حاتم -جمع المحقق دون إسناد- (١٠/ ٣٣٢٨)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٨٧) وقال: "رواه ابن أبي شيبة موقوفا"، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٧١٦) لابن أبي حاتم وابن أبي شيبة، وذكره ابن عيسى في توضيح المقاصد (٢/ ٥٢٧)، ونقله ابن القيم في حادي الأرواح (١٢١) من طريق ابن أبي شيبة، ولم أجده في المصنف.
(٢) إسناده لين؛ فيه يحيى بن يمان؛ لكن تابعه الهيثم بن جميل -عند أبي نعيم- وهو ثقة، من أصحاب الحديث، وكأنه ترك فتغير التقريب (٧٤٠٩)، وتابعه أيضا محمد بن حميد -عند ابن جرير- وهو الرازي حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه التقريب (٥٨٧١)، صفة الجنة (٣٧) رقم (٧١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤١) رقم (٣٤٠٥٥)، وابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٥٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٨٧)، وذكره العيني في عمدة القاري (١٩/ ٢١٥)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٧١٦) إلى ابن المبارك في الزهد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبي نعيم في الحلية.
(٣) إسناده صحيح، رجاله ثقات غير أبي إسحاق وهو السبيعي وقد سبق (١٠٣٧) أنه اختلط، لكن الذي يظهر لي أن إدريس وهو ابن يزيد الأودي وهو ثقة وكان من متقني أهل الكوفة متيقظا كما ذكر الذهبي في مشاهير علماء الأمصار (١٦٨)، من =
[ ٣ / ١٢٧٤ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة ذكر عيون الجنة وبعض أنهارها، فنصَّت على الكوثر والبيدخ، وبعض أوصافهما وخصائصهما، فهي أنهار جارية في غير أخاديد، ونصت على العينين النضاختين والعينين الجاريتين، وأن الأخيرتين أفضل، وقد عقد لكل ذلك ابن القيم ﵀ بابا في ذكر أنهار الجنة وعيونها وأصنافها ومجراها الذي تجري عليه، وقال: "قد تكرر في القرآن في عدة مواضع قوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (^١)، وفي موضع: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (^٢) وفي موضع: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ
_________________
(١) = الرواة عنه قبل الاختلاط فإن سماعه منه قدم، وذلك أن السفيانين كلاهما يروي عن أبي إسحاق والثوري سماعه منه قديم صحيح، وابن عيينه سماعه منه بأخرة؛ والثوري متقدم الطبقة فهو من السابعة، التقريب (٢٤٥٨)، وابن عيينة من الثامنة، التقريب (٢٤٦٤)، ونجد في ترجمة إدريس -وهو من السابعة التقريب (٢٩٨) - من تهذيب الكمال أن الثوري يروي عنه، وهو -أي الثوري- يروي كذلك عن أبي إسحاق، فالظاهر تقدم سماع إدريس كالثوري من أبي إسحاق واللَّه أعلم! صفة الجنة (٣٧) رقم (٧٢)، وورد في تفسير ابن أبي حاتم -جمع المحقق- (١٠/ ٣٣٢٧) دون إسناد، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٧١٦) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأورده ابن القيم من طريق ابن أبي شيبة في حادي الأرواح (١٢٢)، وذكره ابن عيسى في توضيح المقاصد (٢/ ٥٢٧).
(٢) أولها في سورة البقرة، الآية (٢٥).
(٣) سورة التوبة، الآية (١٠٠).
[ ٣ / ١٢٧٥ ]
الْأَنْهَارَ﴾ (^١)، وهذا يدل على أمور:
أحدها: وجود الأنهار فيها حقيقية.
الثاني: أنهار جارية لا واقفة.
الثالث: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم، كما هو المعهود في أنهار الدنيا. . . -ثم ذكر ﵀ أنواع الأنهار من خمر ولبن وماء وعسل وعقبها بقوله- ذكر سبحانه هذه الأجناس الأربعة، ونفى عن كل واحد منها الآفة التي تعرض له في الدنيا، فآفة الماء أن يأسن ويأجن من طول مكثه، وآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة، وأن يصير قارصا، وآفة الخمر كراهة مذاقها المنافي في اللذة وشربها، وآفة العسل عدم تصفيته، وهذا من آيات الرب تعالى أن تجري أنهار من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها، ويجريها في غير أخدود، وينفى عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة بها. . . وتأمل اجتماع هذه الأنهار الأربعة التي هي أفضل أشربة الناس؛ فهذا لشربهم وطهورهم، وهذا لقوتهم وغذائهم، وهذا لِلَذَّتِهم وسرورهم، وهذا لشفاعتهم ومنفعتهم واللَّه أعلم" (^٢).
وأما الكوثر فقال ابن أبي العز: "الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر رواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابيا، ولقد استقصى طرقها شيخنا الشيخ عماد الدين ابن كثير تغمده اللَّه برحمته في آخر تاريخه
_________________
(١) أولها سورة الأعراف، الآية (٤٣)، ثم يونس (٩)، والكهف (٣١).
(٢) حادي الأرواح (١٢١ فما بعدها).
[ ٣ / ١٢٧٦ ]
الكبير المسمى بـ البداية والنهاية" (^١)، وهو شيء اختص به -ﷺ- قال السيوطي: "باب اختصاصه -ﷺ- بالكوثر" (^٢).
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (٢٢٧)، ومما ألف فيه مستقلا الحوض والكوثر لبقي بن مخلد، والذيل عليه لابن بشكوال.
(٢) الخصائص الكبرى (٢/ ٢٢٥)، وانظر الشفا للقاضي عياض (١/ ٢٠٩ - ٢١٠).
[ ٣ / ١٢٧٧ ]
الفصل الخامس: الآثار الواردة في النار.
وفيه إحدى عشر مبحثا:
المبحث الأول: الآثار الواردة في أبواب جهنم.
المبحث الثاني: الآثار الواردة في عمقها.
المبحث الثالث: الآثار الواردة في جبالها وأوديتها وحجارتها وبيوتها وسجونها.
المبحث الرابع: الآثار الواردة في مقامعها وسلاسلها وأغلالها وأزمَّتُها.
المبحث الخامس: الآثار الواردة في شراب أهلها وطعامهم.
المبحث السادس: الآثار الواردة في حَيَّاتها وعقاربها.
المبحث السابع: الآثار الواردة في ذكر بعض أنواع العذاب.
المبحث الثامن: الآثار الواردة في بكاء أهلها.
المبحث التاسع: الآثار الواردة في موضع النار.
المبحث العاشر: الآثار الواردة في نارها ودركاتها.
المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في أَبَدِيَّتها.
[ ٣ / ١٢٧٨ ]
المبحث الأول: الآثار الواردة في أبواب جهنم.
١١٧١ - حدثنا خلف بن هشام قال: حدثنا أبو شهاب الحناط، عن عمرو بن قيس الملائي، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: "إن أبواب جهنم هكذا بعضها فوق بعض، وأومأ أبو شهاب بأصابعه. . . هذا عن هذا" (^١).
١١٧٢ - حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حدثنا حجاج قال قال ابن جريج (^٢): قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ قال: "أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم -وفيه أبو جهل-، ثم الهاوية" (^٣).
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ أبو شهاب الحناط صدوق يهم التقريب (٣٨١٤)، وأبو إسحاق هو السبيعي اختلط كما سبق (١٠٣٧) ورواية عمرو عنه لا يدرى متى كانت واللَّه أعلم، لكن الأثر حسن، من طرق ابن جرير الأخرى، صفة النار (١٩) رقم (٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٩) رقم (٣٤١٢٦) وما بعده، وابن جرير في تفسيره (١٤/ ٣٥)، ونسبه السيوطي في الدر (٥/ ٨٠) لابن المبارك وهناد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في صفة النار وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، وانظر التخويف من النار (٥٧)، وشعب الإيمان للبيهقي (١/ ٣٤٨).
(٢) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل، مات سنة (١٥٠ هـ) أو بعدها، وقد جاز السبعين، وقيل جاز المائة ولم يثبت، التقريب (٤١٩٣).
(٣) إسناده صحيح، صفة الجنة (١٩) رقم (٨)، وابن جرير في تفسيره (٧/ ٥١٨)، وذكره البغوي في تفسيره (١/ ٣٨٢)، وابن رجب في التخويف من النار (٨٢)، ونسبه السيوطي في الدر (٥/ ٨١) لابن جرير وابن المنذر، وذكره ابن كثير في تفسيره (٢/ ٥٥٣) ثم قال: "وروى الضحاك عن ابن عباس نحوه وكدا روي عن الأعمش بنحوه أيضًا"، نسبه ابن رجب في التخويف من النار (٥٨) للمصنف وغيره.
[ ٣ / ١٢٧٩ ]
١١٧٣ - حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا عمرو بن حمران قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ قال: "هي واللَّه منازل بأعمالهم" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة ذكر أبواب جهنم، وأن بعضها فوق بعض، وأنها سبعة أبواب مع تسمية كل باب، وأنها منازل بحسب أعمال العباد.
وقد وقع اختلاف في تسمية هذه الأبواب، كما وقع اختلاف في تخصيص بعضها ببعض الأعمال، قال الآلوسي: "ذكر السهيلي في كتاب الأعلام أول وقع في كتب الرقائق أسماء هذه الأبواب، ولم ترد في أثر صحيح، وظاهر القرآن والحديث يدل على أن منها ما هو من أوصاف النار، نحو: السعير والجحيم والحطمة والهاوية، ومنها ما هو علم للنار كلها، نحو: جهنم وسقر ولظى. . . "، ثم قال: "وبالجملة في تعيين أهلها كترتيبها اختلاف في الروايات" (^٢)، وقبله قال القرطبي: "وقع في كتب الزهد والرقائق أسماء هذه الطبقات وأسماء أهلها من أهل الأديان على ترتيب لم يرد في أثر صحيح" (^٣).
_________________
(١) إسناده حسن، عمرو بن عمران صالح الحديث كما في الجرح والتعديل (٢/ ٢٢٧)، صفة الجنة (٢١) رقم (١١)، وابن جرير (٧/ ٥١٨)، وذكره ابن كثير في تفسيره (٢/ ٧٢٧)، ونسبه السيوطي في الدر (٥/ ٨١) لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٢) روح المعاني (١٤/ ٥٣).
(٣) التذكرة (٤٤٤)، وانظر التخويف من النار (٨٢ - ٩٣)، ويقظة أولي الاعتبار (١٢٧).
[ ٣ / ١٢٨٠ ]
المبحث الثاني: الآثار الواردة في عمقها.
١١٧٤ - حدثنا إبراهيم بن عبد اللَّه الهروي قال: أخبرنا هشيم قال: أخبرنا زكريا بن أبي مريم الخزاعي قال: سمعت أبا أمامة يقول: "إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة سبعين خريفا من حجر يهوي، أو قال: صخرة تهوي، عظمُها كعشر عُشَرَاوَات (^١) عظام سمان"، فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد: هل تحت ذاك من شيء يا أبا أمامة؟ قال: نعم، غَيٌّ وأثام" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمن أثر أبي أمامة ذكر بعد قعر جهنم، حتى إن الصخرة العظيمة لا تصله إلا بعد سبعين خريفا، وقد عقد العلماء أبوابا خاصة في ذكر قعر
_________________
(١) النوق التي مضى على حملها عشرة أشهر، مختار الصحاح (٤٦٧).
(٢) إسناده لين؛ مداره على زكريا بن أبي مريم، ذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (١/ ٢٩٥)، وانظر لسان الميزان (٢/ ٤٨٢)، صفة النار (٣١) رقم (٢٥)، وانظر رقم (١٧) فقد رواه عن أبي أمامة مرفوعا ولا يصح رفعه كما قال ابن كثير (٣/ ١٢٩): "حديث غريب ورفعه منكر"، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٠٢)، وابن جرير في تفسير (١٩/ ٤٥)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٨٨)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/ ١٢١) رقم (٣٧)، والبغوي في تفسيره (٣/ ٢٠١)، والذهبي في الميزان (٣/ ١١٠)، وابن حجر في الميزان (٢/ ٤٨٢)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٥٤) وقال: "الموقوف أصح".
[ ٣ / ١٢٨١ ]
جهنم وبعده، فابن رجب عقد بابا: "في ذكر قعر جهنم وعمقها" (^١)، وكذا القرطبي بابا: "في ما جاء في شكوى النار، وكلامها، وبعد قعرها، وأهوالها، وفي قدر الحجر الذي يرمى به فيها" (^٢)، وصديق حسن خان: "باب ما جاء في شكوى النار، وكلامها، وبعد قعرها، وأهوالها، وفي قدر الحجر الذي يرمى به فيها، أجارنا اللَّه منها ومن أهوالها" (^٣).
_________________
(١) التخويف من النار (٧٨).
(٢) التذكرة (٤٦٢).
(٣) يقظة أولي الاعتبار (١٣٧).
[ ٣ / ١٢٨٢ ]
المبحث الثالث: الآثار الواردة في جبالها وأوديتها وحجارتها وبيوتها وسجونها.
١١٧٥ - حدثني حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد اللَّه بن زحر، عن أبي يسار (^١) قال: "الظُلّة من جهنم فيها سبعون زاوية، في كل زاوية صنف من العذاب ليس في الأخرى" (^٢).
١١٧٦ - حدثنا محمد بن إدريس قال: حدثني إبراهيم بن أبي سويد قال: حدثنا النعمان بن عبد السلام قال: حدثنا مغلّس أبو علي، عن أيوب بن يزيد (^٣)، عن عمرو بن عبسة (^٤) قال: " ﴿الفَلَقِ﴾ بيت في جهنم، إذا سعِّرت جهنم فمنه تُسعَّر، وإن جهنم لتأذّى منها كما يتأذّى
_________________
(١) هو عبد اللَّه بن أبي نجيح -يسار- المكي، أبو يسار الثقفي مولاهم، ثقة رمي بالقدر، وربما دلس، مات سنة (١٣١ هـ) أو بعدها، التقريب (٣٦٦٢).
(٢) إسناده لا بأس به؛ فيه عبيد اللَّه بن زحر وقد سبق (١١٠٨) أنه صدوق يخطئ، صفة النار (٤٧) رقم (٥٠)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٣٧)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٥١) عن ابن المبارك.
(٣) الظاهر أن في السند سقطا فإن الأثر أورده ابن رجب بزيادة: "يحيى بن أبي كثير عن رجل عن ابن عبسة" من طريق المصنف، وهناك خرجة في المخطوط لعل اللَّحَق غُطي تحت أصبع المصور، وقد بقي ما يمكن أن يشير إلى اسم يحيى تحت الأصبع.
(٤) هو عمرو بن عَبَسَة بن عامر بن خالد السلمي، أبو نجيح صحابي مشهور، أسلم قديما، وهاجر بعد أحد، ثم نزل الشام، الإصابة (٤/ ٦٥٨)، التقريب (٥٠٧٠).
[ ٣ / ١٢٨٣ ]
بنو آدم من جهنم" (^١).
١١٧٧ - حدثني محمد بن إدريس قال: حدثنا أبو عتبة الحسن بن علي بن مسلم السَّكوني قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن عطاء بن يسار قال: "إن في النار سبعين ألف واد، في كل واد سبعون ألف شعب، في كل شعب سبعون ألف جحر، في كل جحر حيّة تأكل وجوه أهل النار" (^٢).
١١٧٨ - حدثنا حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا عوف، عن أبي المنهال الرياحي (^٣) أنه بلغة: "أن في النار أودية في ضحضاح من النار، في تلك الأودية حيّات
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ أيوب بن يزيد مجهول انظر الجرح والتعديل (٢/ ٢٦٢)، والراوي عنه مغلس لم أعرفه، صفة النار (٤٤) رقم (٤٤)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (١/ ٨٧) وقال: "خرجه ابن أبي الدنيا، وخرجه ابن أبي حاتم، وعنده عن ابن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن رجل عن عمرو بن عبسة".
(٢) إسناده ضعيف؛ إسماعيل بن عياش سبق (٧٠٧) أنه صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم، وشيخه هنا محمد بن عمرو بن حلحلة ديلي مدني ملازم للمسجد النبوي كما في الثقات لابن حبان (٧/ ٣٧٧) وغيره، صفة النار (٤٤) رقم (٤٥)، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٥٤)، وابن رجب في التخويف من النار (٩١) ونسبه للمصنف، وذكرا أنه أخرجه البخاري أي في التاريخ -كما سيأتي- عن غيره وأنه خبر منكر.
(٣) هو سيار بن سلامة الرياحي، أبو المنهال البصري، ثقة، مات سنة (١٢٩ هـ)، التقريب (٢٧١٥).
[ ٣ / ١٢٨٤ ]
أمثال أجوان الإبل (^١)، وعقارب كالبغال الخُنس (^٢)، فإذا سقط إليهن شيء من أهل النار أنشأن به لسعا ونشطا (^٣) حتى يستغيثوا بالنار فرارا منهن، وهربا منهن" (^٤).
١١٧٩ - حدثني أبي ﵀ قال: حدثنا يحيى بن إسحاق، عن ابن لهيعة، عن أبي قَبيل، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: "إن في جهنم سجنا أرضه نار، وسقفه نار، وجدرانه نار، فإذا أدخلوا قيل بالنيران على أفواههم، لا يدخله إلا شرُّ الأشرار" (^٥).
١١٨٠ - حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا عبد اللَّه بن يزيد قال: حدثنا سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن
_________________
(١) الجون من الإبل هو الأدهم، القاموس المحيط (١/ ١٥٣٣).
(٢) التي انخفض قصبة أنفها مع ارتفاع قليل في طرف الأنف، النهاية في غريب الحديث (٢/ ١٦٤).
(٣) أي عضا بأنيابها، القاموس المحيط (١/ ٨٩١).
(٤) إسناده صحيح إلى أبي المنهال الرياحي، صفة النار (٤٦) رقم (٤٧)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣١٢)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٩١) من طريق ابن المبارك ونسبه للمصنف، وقد روي هذا الأثر عن يزيد بن شجرة وهو مختلف في صحبته كما في ترجمته من الإصابة ولم يصح، انظر الترغيب والترهيب (٤/ ٢٥٨)، وتاريخ دمشق (٦٥/ ٢٣١)، كما روي عن أنس انظر ضعيف الجامع رقم (٤٨٠٦)، ومجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٧).
(٥) إسناده ضعيف؛ فيه ابن لهيعة وقد سبق (١٤٩)، صفة النار (٤٣) رقم (٤٢)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٩٠) وزاد نسبته لعبد اللَّه بن أحمد ولم أجده في المطبوع، ونسبه السيوطي في الدر (٥/ ٨٣) لابن أبي حاتم.
[ ٣ / ١٢٨٥ ]
عطاء بن يسار قال: "الويل وادي في جهنم، لو سيّرت الجبال لماعت من حرِّها" (^١).
١١٨١ - حدثنا حمزة بن العباس قال: حدثنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا سفيان، عن زياد بن فياض، عن أبي عياض (^٢) قال: "ويلٌ: مسيل (^٣) في أصل جهنم" (^٤).
١١٨٢ - حدثنا حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا إسماعيل بن عياش قال: حدثني ثعلبة ابن مسلم، عن أيوب بن بشير، عن شفي بن ماتع الأصبحي (^٥) قال: "في
_________________
(١) إسناده صحيح، صفة النار (٣٧) رقم (٣٢)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٣١)، وابن جرير في تفسيره (١/ ٣٧٩)، وابن أبي حاتم في التفسير (١/ ١٥٣)، وزاد السيوطي في الدر (١/ ٢٠٢) نسبته للبيهقي في البعث.
(٢) هو عمرو بن الأسود العنسي، يكنى أبا عياض، حمصي سكن داريا، مخضرم ثقة عابد، من كبار التابعين مات في خلافة معاوية، التقريب (٤٩٨٩).
(٣) ورد في الأصل "فسيل" ولا معنى لها هنا، وقد أشار المحقق إلى اختلاف الكلمة في بعض مصادر التخريج، قلت: وبالرجوع إلى باقي المصادر التي لم يذكرها يتحقق أنها خطأ من خلال سياقات النص المختلفة، فقد ورد في الزهد لابن المبارك (مسيل)، وفي التخويف من النار (٨٥) (صهريج. . . يسيل فيه).
(٤) إسناده صحيح، صفة النار (٣٧ - ٣٨) رقم (٣٣)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٣٣)، وهناد في الزهد (١/ ١٨٣) رقم (٢٧٧)، وابن جرير في تفسيره (١/ ٣٧٨).
(٥) هو شُفي بن ماتع الأصبحي، ثقة أرسل حديثا فذكره بعضهم في الصحابة خطأً، مات في خلافة هشام، التقريب (٢٨١٣).
[ ٣ / ١٢٨٦ ]
جهنم جبل يدعى صعودا، يطلع في الكافر أربعين خريفا قبل أن يرقاه، قال اللَّه -﷿-: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ (^١)، وإن في جهنم قصرا يقال له: الهوى، يرمى الكافر من أعلاه، فيهوي في جهنم أربعين خريفا قبل أن يبلغ أصله، قال اللَّه -﷿-: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ (^٢)، وإن في جهنم واديا يدعى غيا، يسيل قيحا ودما، فهو لمن خُلق له، قال: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ (^٣)، وإن في جهنم واديا يدعى أثاما، فيه حيّات وعقارب، في فقار إحداهن مقدار سبعين قلة سمٍّ، والعقرب منهن مثل البغلة المؤكفة (^٤)، تلدغ الرجل فلا يلهيه ما يجد من حرِّ جهنم حُمُوَّةَ لدغتها، فهو لمن خلق له، وإن في جهنم سبعين داءً، كل داء مثل جزء من أجزاء جهنم" (^٥).
_________________
(١) سورة المدثر، الآية (١٧).
(٢) سورة طه، الآية (٨١).
(٣) سورة مريم، الآية (٥٩).
(٤) المشدود عليها الإكاف وهو البرذعة، استدركه صاحب تاج العروس (١/ ٥٧١٩).
(٥) إسناده لين؛ ثعلبة بن مسلم هو الشامي الخثعمي مستور التقريب (٨٥٤)، صفة النار (٤٠ - ٤١) رقم (٣٧)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٨٧)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٥٤) وقال: "روه ابن أبي الدنيا موقوفا عليه وفي صحبته خلاف تقدم"، وقد ورد فيما نقله المحقق أنه مختلف في صحته فأوهم أن الكلام على الأثر بينما كلام المنذري في شفي بن ماتع وقد تقدم في كتابه (٣/ ٣٢٩)، وقد ترجم له ابن حجر في الإصابة وذكر الخلاف فيه وترجيح أنه تابعي، كما نسبه ابن =
[ ٣ / ١٢٨٧ ]
١١٨٣ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ (^١) قال: "واد في جهنم، يقذف فيه الذين اتبعوا الشهوات" (^٢).
١١٨٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا سفيان، عن عمّار الدُّهني، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: "إن صعودا صخرة في جهنم، إذا وضعوا أيديهم عليها ذابت، وإذا رفعوها عادت، اقتحامها: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)﴾ (^٣) " (^٤).
_________________
(١) = رجب في التخويف من النار للمصنف (٨٦)، ونسبه السيوطي في الدر (٦/ ٢٧٦، ٢٧٨) لابن المبارك.
(٢) سورة مريم، الآية (٥٩).
(٣) إسناده حسن؛ فإن أبا الأحوص أخرج له الشيخان عن أبي إسحاق؛ وأخشى أن يكون في الإسناد سقطا لأنه روي من نفس الطريق بذكر أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود وهو لم يسمع منه، صفة النار (٤١ - ٤٢) رقم (٣٨)، وابن جرير في تفسيره (١٦/ ١٠٠)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٢٧) رقم (٩١٠٨)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٥٥): "رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها ثقات إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه"، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٥٣) وقال: "رواه الطبراني والبيهقي من رواية أبي عبيدة عن أبيه عبد اللَّه بن مسعود ولم يسمع منه ورواة بعض طرقه ثقات"، وكذا ورد في التخويف من النار (٨٦).
(٤) سورة البلد، آيتان (١٣، ١٤).
(٥) إسناده ضعيف؛ فيه عطية العوفي وهو صدوق يخطئ كثيرا، وكان شيعيا مدلسا، التقريب (٤٦٩٤)، صفة النار (٣٦) رقم (٣٠)، وابن المبارك في الزهد رقم =
[ ٣ / ١٢٨٨ ]
التحليل والتعليق
تضنمت الآثار السابقة ذكر جبال جهنم وأوديتها وحجارتها وبيوتها وسجونها، وأن بيوتها لها زوايا في كل زاوية صنف من العذاب، وأوديتها كثيرة مليئة بالحجارة في كل حجارة حيّات وعقارب عظام تأكل وجوه أهلها، وسجن كله نار لا يدخله إلا شر الأشرار، وسميت بعض أوديتها بأنها الويل والغي والأثام، وبعض صخورها بالصعود، ولابن رجب باب مستقل: "في ذكر أوديتها وجبالها وآبارها وجبابها وعيونها وأنهارها" (^١)، أورد فيه جملة من النصوص والآثار في ذلك، منها ما يصح ومنها ما لا يصح، ومنها ما هو محتمل وهذه أمور غيبية نؤمن بما صح منها، وما لم يصح فعلمه عند اللَّه تعالى.
_________________
(١) = (٣٣٥)، وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٣١)، وابن أبي حاتم في التفسير -جمع المحقق- (١٠/ ٣٣٨٣)، ونسبه إليه فقط السيوطي في الدر (٨/ ٣٣١)، وانظر الكلام على هذا الأثر في التخويف من النار لابن رجب (٨٥).
(٢) التخويف من النار (١١٧).
[ ٣ / ١٢٨٩ ]
المبحث الرابع: الآثار الواردة في مقامعها وسلاسلها وأغلالها وأزمتها.
١١٨٥ - حدثنا أبو عبد الرحمن القرشي قال: حدثنا طلحة بن سنان قال: حدثنا عبد الملك بن أبجر، عن الشعبي، عن أبي هريرة قال: "يؤتى بجهنم يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، آخذ كل زمام سبعون ألف ملك، وهي تمايل عليهم حتى توقف عن يمين العرش، ويلقي اللَّه عليها الذل يومئذ، فيوحي إليها: ما هذا الذل؟ فتقول: يا رب أخاف أن يكون لك فيّ نقمة، فيوحي اللَّه إليها: إنما خلقتك نقمة وليس لي فيك نقمة، فتزفر زفرة لا تبقى دمعة في عين إلا جرت، قال: ثم تزفر أخرى فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا صعق، إلا نبيّكم نبي الرحمة -ﷺ- يقول: يا رب، أمتي أمتي" (^١).
١١٨٦ - حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا علي بن شقيق قال: حدثنا الحسين بن واقد قال: أخبرنا عاصم، عن شقيق: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ (^٢) قال: "جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، كل زمام بيد سبعين ألف ملك" (^٣).
_________________
(١) إسناده حسن؛ طلحة بن سنان شيخ محله الصدق كما في الجرح والتعديل (٤/ ٤٨٤)، صفة النار (١١٨ - ١١٩) رقم (١٨٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٤) رقم (٣٤١٦٥) من طريق آخر.
(٢) سورة الفجر، بعض الآية (٢٣).
(٣) إسناده حسن؛ فيه عاصم سبق (٩١٢)، صفة النار (٩٦) رقم (١٤٣)، ثم أورد عن =
[ ٣ / ١٢٩٠ ]
١١٨٧ - حدثني حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا بكار بن عبد اللَّه، أنه سمع ابن أبي مليكة يحدّث، أن كعبا قال: "إن حلقة السلسلة التي قال اللَّه: ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ (^١) إن حلقة منها مثل جميع حديد الدنيا" (^٢).
١١٨٨ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير قال: "لو انقلب رجلٌ من أهل النار بسلسلة لزالت الجبال" (^٣).
_________________
(١) = شقيق عن عبد اللَّه بن مسعود موقوفا عليه برقم (١٧٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٨) رقم (٣٤١١٧)، والأثر رواه مسلم مرفوعا رقم (٢٨٤٢)، وتناقض قول الدارقطني فيه فبينما استدركه عليه في الإلزامات والتتبع (٣٢٨ - ٣٢٩)، وعلل الحديث للدارقطني (٥/ ٨٦)، صححه في الأفراد والغرائب كما في الأطراف (٤/ ١٦٦)، ورجح أنه موقوف، وابن حجر في النكت الظراف (٧/ ٥٢)، وصححه في شرح مسلم (١٧/ ١٧٨) بناء على أن زيادة الرفع من الثقة مقبولة.
(٢) سورة الحاقة، بعض الآية (٣٢).
(٣) إسناده صحيح، ولا أدري هل سمع ابن أبي مليكة من كعب فإنه لم يرد في شيوخه وهو يروى عنه بواسطة عبد اللَّه بن حنظلة كما في المصنف لابن أبي شيبة (٨/ ٣١٥)، وذكر أنه يروي عن بعض الصحابة مرسلا انظر جامع التحصيل (٢١٤)، صفة النار (٩٣ - ٩٤) رقم (١٣٧)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٨٩)، وعبد الرزاق في التفسير (٣/ ٣١٢)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٧٥).
(٤) إسناده ضعيف؛ فيه أشعث بن سوار وقد سبق (١٠٤٧) أنه ضعيف، وكذا يحيى بن يمان يخطئ كثيرا كما سبق (١٠٥٧)، صفة النار (٥٦) رقم (٦٩)، وذكره ابن =
[ ٣ / ١٢٩١ ]
١١٨٩ - حدثنا زياد بن أيوب قال: حدثني أحمد بن أبي الحواري قال: حدثني الطيّب أبو الحسن الخشني (^١) قال: "ما في جهنم دارٌ، ولا مغار، ولا غلٌّ، ولا قيد، ولا سلسلة، إلا اسم صاحبه مكتوب عليه، قال أحمد: فحدّثت به أبا سليمان، فبكى ثم قال لي: ويحك فكيف به لو قد جُمع هذا كله عليه؟ فجعل الغل في عنقه، والقيد في رجله، والسلسلة في رقبته، ثم أدخل النار، وأدخل المغار" (^٢).
_________________
(١) = رجب في التخويف من النار (٩٥).
(٢) هكذا ورد في المخطوط والمطبوع، وورد في مصادر التخريج، الطيب أبو الحسن عن يحيى بن الحسن الخشني، أو طيب يحدث عن الحسني كذا وصوابه الخشني، ووقع في الإبانة الطيب أبو الحميز عن الخشني، وكل هذا يؤكد أن الطيب راو مستقل يروي عن الخشني، ولذلك أورده ابن عساكر في تاريخ دمشق، وترجم له بسبب هذا الأثر، وبهذا يتبين خطأ المحقق محمد خير حيث استدرك على ما ورد في الحلية: "حدثني طيب يحدث عن الحسني" حيث قال: "وفيه تصحيف وتحريف، فهو نفسه الحسن بن يحيى الخشني الدمشقي البلاطي، أبو عبد الملك أو أبو خالد"، قلت: وهذا الاستدراك إضافة إلى ما سبق تقريره فإنه يشوش عليه الكنية؛ فإن الطيب هذا كنيته أبو الحسن، وشيخه الخشني هو الذي يكنى بهذين الكنيتين واللَّه أعلم.
(٣) إسناده لين؛ فيه طيب أبو الحسن لم أجد له ترجمة وذكره ابن عساكر بهذا الأثر ولم يذكر فيه شيئا، صفة النار (٥٦ - ٥٧) رقم (٧٠)، وابن أبي حاتم في التفسير (٩/ ٣٠٨٤)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٢٨٤) رقم (١٩٢٣)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣١٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥/ ١٧٥)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٩١)، ونسبه إليه السيوطي في الدر (٦/ ٧٠٤).
[ ٣ / ١٢٩٢ ]
١١٩٠ - حدثنا داود بن عمرو الضبي قال: حدثنا علي بن هاشم بن يزيد (^١) قال: قال صالح بن حيّ: "الغل: اليد الواحدة المشدودة إلى العنق، والصَّفَد: اليدين جميعا إلى العنق" (^٢).
١١٩١ - حدثنا داود بن عمرو قال: حدثنا علي بن هاشم قال: قال الأعمش: "الصفد: القيد، في قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩)﴾ (^٣) القيود" (^٤).
١١٩٢ - حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن نعيم بن ميسرة، عن عيينة بن الغصن قال: قال الحسن: "إن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار لأنهم أعجزوا الرب، ولكنهم إذا طفا بهم اللهب أرسبهم (^٥)، ثم أَجْفَلَ الحسن مغشيا عليه" (^٦).
_________________
(١) صوابه بن بريد كما في المخطوط، وهو الذي يروي عنه داود بن عمرو الضبي كما في ترجمته من تهذيب الكمال.
(٢) إسناده حسن؛ علي بن هاشم صدوق يتشيع التقريب (٤٨٤٤)، صفة النار (٤٧) رقم (٥١)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٩٢) ونسبه للمصنف، وانظر فتح الباري (١٢/ ٤٠٩).
(٣) سورة إبراهيم، الآية (٤٩).
(٤) إسناده حسن؛ فيه علي بن هاشم وقد سبق قريبا، صفة النار (٤٧) رقم (٥٢)، وابن جرير في تفسيره (١٣/ ٢٥٥).
(٥) قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط (١/ ٤١٧): "رسب. . . الشئُ في الماءِ يَرْسُب رُسُوبًا، ورَسُبَ ذهَبَ سُفلًا، ورَسَبَتْ عَيْناه غارَتَا، وفي حديث الحسن يَصِفُ أَهلَ النار: إِذا طَفَتْ بهم النارُ أَرْسَبَتْهُم الأَغْلالُ، أَي إِذا رفَعَتْهم وأَظْهَرَتْهُم حَطتهم الأَغْلالُ بثِقَلِها إِلى أَسْفَلِها".
(٦) الأثر لين؛ مداره على عيينة بن الغصن؛ ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٢٨٤) =
[ ٣ / ١٢٩٣ ]
١١٩٣ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا يحيى بن معين، عن يحيى بن ضريس، عن أبي سنان قال: "تلا الحسن ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢)﴾ (^١) قال: قيودا، ثم قال: "أما وعزّته ما قيّدهم مخافة أن يعجزوه، ولكن قيّدهم لترسا بهم النار" (^٢).
١١٩٤ - حدثني أبي قال: أخبرنا عبد العزيز القرشي، عن سفيان، عن نسير، عن نوف الشامي (^٣) في قوله: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ (^٤) قال: "الذراع سبعون باعا، والباع من هاهنا إلى مكة -وهو
_________________
(١) = (٧/ ٣٠١)، ولم يذكر فيه البخاري (٧/ ٧٣)، وابن أبي حاتم (٧/ ٣١) جرحا ولا تعديلا، صفة النار (٥٠) رقم (٥٧)، وعن بداية السند قال المحقق: "تابع لآخر الورقة الثالثة. . . أحد الذين يروي عنهم المؤلف" أي وهو مطموس، وابن أبي حاتم في التفسير -جمع المحقق- (٧/ ٢٢٢٢)، وعبد اللَّه في زياداته على الزهد (٢٧٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٢/ ٢٦١).
(٢) سورة المزمل، الآية (١٢).
(٣) إسناده حسن؛ أبو سنان هو يحيى بن سنان صدوق له أوهام التقريب (٢٣٤٥)، صفة النار (٥٠ - ٥١) رقم (٥٨)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٩٣).
(٤) هو نَوْف بن فَضَالة البِكَالي، ابن امرأة كعب، شامي مستور، من صالحي أهل مصر، وإنما كذب ابن عباس ما رواه عن أهل الكتاب، مات بعد التسعين، الكاشف (١/ ١٢١)، التقريب (٧٢١٣).
(٥) سورة الحاقة، الآية (٣٢).
[ ٣ / ١٢٩٤ ]
يومئذ في دار البريد بالكوفة-" (^١).
١١٩٥ - حدثنا ابن أبي شيبة قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن إسماعيل، عن أبي صالح: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ (^٢) قال: "القيود الطوال" (^٣).
١١٩٦ - حدثني حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن رجل من بني تميم قال: "كنا عند أبي العوام (^٤)، فتلا هذه الآية ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ (^٥) فقال: "ما تسعة عشر؟ تسعة عشر ألف ملك، أو تسعة عشر ملكا؟ قال: فقلت:
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ فيه عبد العزيز القرشي وقد سبق (٢٠٣) أنه ضعيف، والأثر صحيح فقد تابعه غير واحد من الثقات كما في مصادر التخريج، صفة النار (٥١) رقم (٥٩) ورقم (١٣٨) من طريق ابن المبارك بسند حسن، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٨٨)، وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣١٥)، وهناد في الزهد (١٨٠ - ١٨١) رقم (٢٦٩)، وابن جرير في تفسيره (٢٩/ ٦٣)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٤٩).
(٢) سورة الهمزة، الآية (٩).
(٣) إسناده صحيح، صفة النار (٥١ - ٥٢) رقم (٦٠)، ورقم (١٠٨)، وابن أبي حاتم في التفسير -جمع المحقق بدون إسناد- (١٠/ ٣٤٦٤)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٦٢٥) لابن أبي حاتم وابن المنذر، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٦١)، وذكره عن أبي صالح ابن كثير (٤/ ٥٤٩)، وابن الجوزي في زاد المسير (٩/ ٢٣٠).
(٤) هناك أكثر من واحد في هذه الطبقة يكنى أبو العوام، انظر الأسامي والكنى لأحمد (١/ ٩١ - ٩٢).
(٥) سورة المدثر، الآيات (٢٧ - ٣٠).
[ ٣ / ١٢٩٥ ]
لا، بل تسعة عشر ملكا، قال: وأنى لك ذلك؟ قلت: لقول اللَّه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (^١)، قال: صدقت، قال: فهم تسعة عشر ملكا، بيد كلّ ملَك مرزبّة من حديد لها شعبتان قال: فيضربهم الضربة فيهوي بها سبعين ألفا" (^٢).
١١٩٧ - حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا منصور بن عمار، عن بشير بن طلحة، عن خالد بن دُريك، عن يعلى بن مُنْيَة (^٣) قال: "ينشئ اللَّه سحابة لأهل النار سوداء مظلمة فيقال: يا أهل النار، أيّ شيء تطلبون؟ فيذكرون بها سحاب الدنيا، فيقولون: نسأل بارد الشراب، فتمطرهم أغلالا تزيد في أغلالهم، وسلاسل تزيد في سلاسلهم، وجمرا تلتهب النار عليهم" (^٤).
_________________
(١) سورة المدثر، الآية (٣١).
(٢) إسناده ضعيف؛ مداره على الرجل من بني تميم، صفة النار (٥٢) رقم (٦١)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٤٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٧) رقم (٣٤١٨٣)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (١/ ١٥٩) وانظر تعليقه عليه، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٣٣٣) لابن المبارك وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث.
(٣) هو يعلى بن أمية بن أبي عبيدة بن همام التميمي، حليف قريش، وهو يعلى بن منية -وهي أمه-، صحابي مشهور مات سنة بضع وأربعين، الإصابة (٦/ ٦٨٥)، التقريب (٧٨٣٩).
(٤) إسناده ضعيف جدا؛ فيه منصور بن عمار وقد سبق (١١٢٧)، صفة النار (٥٢ - ٥٣) رقم =
[ ٣ / ١٢٩٦ ]
١١٩٨ - حدثنا داود بن عمرو قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن أبي هاشم (^١) في قول اللَّه -﷿-: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ (^٢) قال: "يجعل لهم أوتاد في جهنم فيها سلاسل، فتقلى في أعناقهم، قال: فتزفرهم جهنم زفرة، فتذهب بهم مسيرة خمسمائة سنة، ثم تجيء بهم في يوم، فذلك قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ " (^٣).
_________________
(١) = (٦٢)، وابن أبي حاتم -جمع المحقق- (١٠/ ٣٢٦٩)، وعنه ابن كثير (٤/ ٨٩)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٢٤٨) رقم (٤١٠٣)، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٣٠٥) لابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه مرفوعا، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٩٠): "رواه الطبراني في الأوسط، وفيه من فيه ضعف قليل ومن لم أعرفه"، وقال ابن رجب في التخويف من النار (٩٦): "وخرجه ابن أبي الدنيا موقوفا لم رفعه"، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٥٦) وقال: "رواه الطبراني، وقد روي موقوفا عليه وهو أصح، ويعلى بن منية صحابي مشهور ومنية أمه، ويقال: جدته، وهي بنت غزوان أخت عتبة بن غزوان وكثيرا ما ينسب إلى أبيه أمية".
(٢) هو أبو هاشم الرُّمَّانِي الواسطي، اسمه: يحيى بن دينار، وقيل: ابن الأسود، وقيل: ابن نافع، ثقة، مات سنة (١٢٢ هـ) وقيل غير ذلك، التقريب (٨٤٢٥).
(٣) سورة الحج، الآية (٤٧).
(٤) إسناده ضعيف؛ فإن الظاهر أن داود الضبي يروي عن خلف بن خليفة بعد اختلاطه فإن بين وفاتيهما قرابة خمسين سنة واللَّه أعلم، وخلف صدوق اختلط في الآخر التقريب (١٧٤١)، صفة النار (٥٤) رقم (٦٥)، ونسبه ابن رجب في التخويف من النار (٩٥) للمصنف.
[ ٣ / ١٢٩٧ ]
١١٩٩ - حدثنا [عبيد اللَّه بن عمر الجشمي (^١) قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني في قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢)﴾ (^٢) قال: "قيودا لا تُحلّ واللَّه أبدا" (^٣).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة ذكر مقامع النار، وسلاسلها، وأغلالها وأزمتها، فإنه يؤتى بها يوم القيامة ولها سبعون ألف زمام، كل زمام بيد سبعين ألف ملك، حلقة السلسلة من سلاسل النار بمقدار حديد الدنيا، لو انقلب رجل من أهل النار بسلسلته لزالت الجبال، لكل واحد من أهلها ما يخصه من العذاب حتى إنه لمكتوب اسمه عليها، منهم المغلول في عنقه، والمقيد في رجله، والمسلسل في رقبته، ومنهم المصفد بيديه إلى عنقيه، فما بالك بمن يجمع له كل ذلك، ليس عجزا منه سبحانه فعل ذلك، ولكن ليزيدهم عذابا فوق العذاب الأليم، فإذا طفا بهم اللهب أرسبتهم القيود
_________________
(١) قال المحقق محمد خير: "آخر الوجه الأول من الورقة الرابعة. . . طمست فيه كلمات من الفقرة السابقة، وراويان من سند هذه الفقرة" ثم ذكر سند أبي نعيم في الحلية، قلت: المطموس ليس راويان وإنما هو راو واحد، وليس مطموسا، بل كلمة: (بن عمر الجشمي) واضحة جدا، وإنما (عبيد اللَّه) تحتاج إلى تأمل.
(٢) سورة المزمل، الآية (١٢).
(٣) إسناده حسن؛ جعفر بن سليمان صدوق زاهد لكنه كان يتشيع، التقريب (٩٥٠)، صفة النار (٥٤ - ٥٥) رقم (٦٦)، وعبد الرزاق في التفسير (٣/ ٣٢٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣١٠)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٣١٩) لعبد بن حميد.
[ ٣ / ١٢٩٨ ]
والأغلال وغيرها، وقد عقد ابن رجب بابا في ذكر سلالها وأغلالها وأنكالها، وقال: "هذه ثلاثة أنواع:
أحدها: الأغلال وهي في الأعناق. . .
النوع الثاني: الأنكال وهي القيود. . . وسميت القيود أنكالا لأنه ينكل بها أي يمنع. . .
النوع الثالث: السلاسل" (^١).
_________________
(١) التخويف من النار (١٢٧) وذكر ﵀ في كل نوع ما جاء فيه من النصوص والآثار، وانظر التذكرة للقرطبي (٤٦٥)، والترغيب والترهيب (٤/ ٢٥٦).
[ ٣ / ١٢٩٩ ]
المبحث الخامس: الآثار الواردة في شراب أهلها وطعامهم.
١٢٠٠ - حدثنا عبد اللَّه بن عون الخرّاز قال: حدثنا عمار بن محمد، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ قال: "ما يقطع من جلودهم" (^١).
١٢٠١ - حدثني محمد بن إدريس قال: حدثنا الحسن بن علي بن مسلم، عن إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن أبي يحيى عطية الكلاعي، أن كعبا كان يقول: "هل تدرون ما ﴿وَغَسَّاقٌ﴾؟ قالوا: لا، قال: عين في جهنم يسيل إليها حُمَة كل ذات حمة من حيّة أو عقرب أو غير ذلك، فيستنقع، فيؤتى بالآدمي فيغمس فيه غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده عن العظام، وتعلّق جلده ولحمه في كعبيه، فيجرّ لحمه كما يجرّ الرجل ثوبه" (^٢).
١٢٠٢ - حدثني إبراهيم بن راشد قال: حدثني جعفر بن جسر قال: حدثني أبي، عن الحسن: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤)﴾ قال
_________________
(١) إسناده لين؛ عمار بن محمد صدوق يخطئ وكان عابدا التقريب (٤٨٦٦)، صفة النار (٦٩) رقم (٩٠)، والمشهور عنه في تفسير هذه الآية أن الغساق هو البارد الذي لا يستطاع من برده، انظر تفسير ابن جرير (٢٣/ ١٧٧).
(٢) إسناده حسن؛ فإن إسماعيل بن عياش يروي عن صفوان بن عمرو وهو بلديه، صفة النار (٦٩) رقم (٩١)، وابن جرير في تفسيره (٢٣/ ١٧٧)، ونسبه إليه السيوطي في الدر (٧/ ٢٠٠) لابن جرير، ونسبه ابن كثير في التفسير (٤/ ٤٣) لابن أبي حاتم.
[ ٣ / ١٣٠٠ ]
الحسن: البرد النوم، ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾ (^١)، قال الحسن: شرابان في النار، يقال لأحدهما: حميم، والآخر: غساق، قال: والحقب الواحد ثمانون ألف سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، وكل يوم ﴿عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (^٢) " (^٣).
١٢٠٣ - حدثنا الحسين بن علي العجلي قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي قال: حدثنا أسباط الهمداني، عن السُّدِّي (^٤) ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦)﴾ (^٥) قال: "إذا سال من جلودهم سال حتى يسيل منه القيح
_________________
(١) سورة النبأ، الآية (٢٤ - ٢٥).
(٢) سورة الحج، الآية (٤٧).
(٣) إسناده ضعيف، جعفر بن جسر وأبوه متكلم فيهما، جعفر ذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (١/ ١٧٠)، وأبوه سبق (٥١٥) أنه ضعيف، صفة النار (١٢٢) رقم (١٨٧)، وسيأتي (١٢٥٦) تخريج الشطر الأخير منه في تفسير الحقب، وفيه أن الحقب سبعون ألف سنة، أما ما يتعلق بتفسير البرد بالنوم فلم أجده عند أحد، وقد قال ابن كثير في تفسيره (٤/ ٤٦٥) بعد نقله هذا القول من ابن جرير: "ولم يعزه إلى أحد، وقد رواه بن أبي حاتم من طريق السدي عن مرة الطيب، ونقله عن مجاهد أيضًا، وحكاه البغوي عن أبي عبيدة والكسائي أيضًا".
(٤) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السُّدِّي، أبو محمد الكوفي، صدوق يهم، ورمي بالتشيع، مات سنة (١٢٧ هـ)، التقريب (٤٦٣).
(٥) سورة إبراهيم، من الآية (١٦).
[ ٣ / ١٣٠١ ]
والدم، ثم يكلّف شربه، فلا يكاد يسيغه" (^١).
١٢٠٤ - حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا عمرو بن حمران، عن سعيد، عن قتادة: " ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦)﴾ (^٢) قال: "ماء يسيل من لحمه وجلده" (^٣).
١٢٠٥ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب قال: حدثنا محمد بن يزيد، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿غِسْلِينٍ﴾ (^٤) قال: هو الضريع، شجرة يأكل منها أهل النار" (^٥).
١٢٠٦ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا أبو عاصم، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ (^٦) قال: "الشوك،
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ أسباط هو ابن نصر الهمداني صدوق كثير الخطأ يغرب، التقريب (٣٢٣)، صفة النار (١١٥) رقم (١٧١).
(٢) سورة إبراهيم، الآية (١٦).
(٣) إسناده حسن؛ عمرو بن حمران صالح الحديث كما في الجرح والتعديل (٦/ ٢٢٧)، صفة النار (٦٧) رقم (٨٧)، وعبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٤١)، وابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٩٥).
(٤) سورة الحاقة، بعض الآية (٣٦).
(٥) إسناده ضعيف جدا؛ فيه جويبر وقد سبق (٤٠١)، صفة النار (٦٣ - ٦٤) رقم (٨١)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٢٧٥) لابن المنذر مختصرا دون ذكر الضريع، وذكر ابن رجب في التخويف من النار (١٠٩) أنه روي مثله عن الضحاك، والبغوي في تفسيره (٤/ ٣٩٠)، وكذا ابن الجوزي في زاد المسير (٨/ ٣٥٤).
(٦) سورة المزمل، بعض الآية (١٣).
[ ٣ / ١٣٠٢ ]
يأخذ بالحلق، لا يدخل ولا يخرج" (^١).
١٢٠٧ - حدثنا فضيل قال: حدثنا محمد بن يزيد، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾ قال: "شجرة في أسفل سقر" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة ذكر شراب أهل النار، فشرابهم الغساق تقطع به جلودهم، والآخر الحميم، والصديد الذي يسيل من جلودهم فيه الدم والقيح فلا يستسيغونه، قال صديق حسن خان: "باب ما جاء في طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم، تقدم في باب الآيات من ذلك ما يشفي ويكفى، وفيها أن. . . طعامهم الزقوم والحميم والغسّاق والضّريع والغِسلين، قال الهروي: معناه صديد أهل النار، وما يتغسل ويسيل من أبدانهم، والغساق ما
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ لإبهام شيخ أبي عاصم، وقد صرح به ابن جرير والحاكم وبه استدرك الذهبي عليه وهو شبيب بن شيبة، صفة النار (٦٤ - ٦٥) رقم (٨٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٠٦) وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي بقوله: "شبيب ضعفوه"، وابن جرير في تفسيره (٢٩/ ١٣٥)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٣١٩) لعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في صفة النار وعبد اللَّه في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر والحاكم والبيهقي في البعث.
(٢) إسناده ضعيف جدا؛ فيه جويبر وقد سبق (٤٠١)، صفة النار (٦٤) رقم (٨٢)، وقد روي من طريق الضحاك عن ابن عباس -﵁- نسبه السيوطي في الدر لابن المنذر (٨/ ٣٣٢)، وانظر تفسير ابن جرير (١/ ٣٨١)، والتخويف من النار (٥٦)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ١٥٦).
[ ٣ / ١٣٠٣ ]
يسيل من صديدهم، وقيل القيح الغليظ" (^١)، وقال ابن رجب: "هذه أربعة أنواع ذكرناها من شرابهم وقد ذكرها اللَّه في كتابه:
النوع الأول: الحميم. . .، النوع الثاني: الغساق، . . . النوع الثالث: الصديد. . . النوع الرابع: الماء الذي كالمهل"، وذكر تفسيرا مطولا عن السلف لكل نوع، ثم أعقبه ﵀ بفصل في تنغص السلف على طعامهم عند ذكر طعام أهل النار، وقال: "وكان كثير من الخائفين من السلف ينغص عليهم ذكر طعام أهل النار وشرابهم طعام الدنيا وشرابها، حتى يمتنعوا من تناوله أحيانا لذلك" (^٢).
أما طعامهم فهو الضريع والزقوم والغسلين، طعاما ذا غصة، يأخذ الحلق فلا يدخل ولا يخرج بسبب الشوك الذي فيه، قال صديق حسن خان: "واختلف في الضريع؛ فقيل: هو نبت ينبت في الربيع، وقيل: هو الشوك، وقيل: الحجارة، وقيل: الزقوم، وقيل: واد في جهنم، قال القرطبي: قال المفسرون: الزقوم أصلها في الباب السادس، وأنها تحيى بلهب النار، كما تحيى الشجرة ببرد الماء، فلا بد لأهل النار من أن ينحدر إليه من كان فوقه فيأكلون منه" (^٣).
_________________
(١) يقظة أولي الاعتبار (١٦٧)، وانظر التخويف من النار لابن رجب (١٤٥).
(٢) التخويف من النار (١٤٥).
(٣) يقظة أولي الاعتبار (١٦٧)، وانظر التذكرة للقرطبي (٤٨٦).
[ ٣ / ١٣٠٤ ]
المبحث السادس: الآثار الواردة في حيّاتها وعقاربها.
١٢٠٨ - حدثنا خلف بن هشام قال: حدثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرَّة، عن مسروق، عن عبد اللَّه في قوله: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ (^١) قال: "عقارب أنيابها كالنخل الطوال" (^٢).
١٢٠٩ - حدثنا أبو خيثمة قال: دثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان قال: حدثني غير واحد عن السدي، عن مرة، عن عبد اللَّه: ﴿ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ (^٣) قال: "أفاعي" (^٤).
١٢١٠ - حدثني محمد بن إدريس الحنظلي قال: حدثنا محمد بن
_________________
(١) سورة النحل، بعض الآية (٨٨).
(٢) إسناده لين؛ أبو شهاب سبق (١٢٢) أنه صدوق يهم، والأثر صحيح فقد تابعه سفيان وشعبة وغيرهما، صفة النار (٧١) رقم (٩٣)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٩٣ - ٤٩٤) وقال: "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٢٩) رقم (٩١٠٣)، وأبو يعلى في مسنده (٥/ ٦٥) رقم (٢٦٥٩)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٤٨): "رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح"، وانظر التخويف من النار (١٠٣).
(٣) سورة الأعراف، بعض الآية (٣٨).
(٤) إسناده ضعيف؛ لإبهام شيوخ سفيان، لكنه رواه عن السدي نفسه كما في طريق الطبراني وابن جرير، صفة النار (٧١) رقم (٩٤)، وابن جرير في تفسيره (٨/ ١٧٤)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٢٦) رقم (٩١٠٢)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٠٠): "رجاله رجال الصحيح".
[ ٣ / ١٣٠٥ ]
عثمان أبو الجماهر، عن إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام قال: حدثني الحجاج بن عبد اللَّه الثمالي -وكان قد رأى النبي -ﷺ- وحج معه حجة الوداع- أن سفيان بن مجيب (^١) حدّثه -وكان من أصحاب النبي -ﷺ- وقدمائهم-: "أن في جهنم سبعين ألف واد، في كل واد سبعون ألف شعب، في كل شعب سبعون ألف دار، في كل دار سبعون ألف بيت، في كل بيت سبعون ألف شِق، في كل شِق سبعون ألف ثعبان، في شِدق كل ثعبان سبعون ألف عقرب، لا ينتهى الكافر والمنافق حتى يواقع ذلك كله" (^٢).
١٢١١ - حدثني محمد بن إدريس قال: حدثنا محمد بن عثمان، عن إسماعيل بن عياش، عن فلان بن حيان قال: سمعت شهر بن حوشب
_________________
(١) وقيل اسمه: نفير، انظر الإصابة (٣/ ١٢٨)، والإكمال (٧/ ١٦٥).
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه سعيد بن يوسف وهو الرحبي ضعيف التقريب (٢٤٣٨)، صفة النار (٧٣ - ٧٤) رقم (٩٧)، والبخاري في التاريخ الكبير (٨/ ١٢٤)، وعنه الذهبي في الميزان (٢/ ١٦٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ٣٥٣ - ٣٥٤)، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٤٥٤) وقال: "قال الحافظ: سعيد بن يوسف وهو اليمامي الحمصي الرحبي ضعفه يحيى بن معين، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن أبي حاتم: ليس بالمشهور، ولا أرى حديثه منكرا، كذا قال فأورد عليه هذا الحديث لظهور نكارته واللَّه أعلم"، وابن رجب في التخويف من النار (٩١) ونقل عن ابن عبد البر قوله: "قال أبو عمر بن عبد البر: هذا حديث منكر لا يصح" وانظر في الاستيعاب (٤/ ١٥١٠) فيه أنه حديث مرفوع ولم أقف عليه كذلك.
[ ٣ / ١٣٠٦ ]
يقول: "إن في جهنم لواديا يقال له غسّاق، فيه ثلاثمائة وثلاثون شعبا، في كل شعب ثلاثون وثلاثمائة قصر، في كل قصر ثلاثون وثلاثمائة بيت، في كل بيت أربع زوايا، في كل زاوية شجاع، في رأس كل شجاع ثلاثون وثلاثمائة عقرب، في رأس كل عقرب ثلاثون وثلاثمائة قلّة سم، لو أن عقربا منها نضحت أهل الدنيا لأوسعتهم" (^١).
١٢١٢ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد قال: "إن لجهنم جِباب (^٢) حيّاتٍ كأمثال أعناق البخت (^٣)، وعقارب كأمثال البغال الدَّلَم (^٤)، قال: فيهرب أهل جهنم من تلك الحيات، فتأخذ تلك الحيات والعقارب بشفاهم، فتكشط ما بين الشعر إلى الظفر، قال: فما ينجيهم منها إلا الهرب إلى النار" (^٥).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة ذكر حيات وعقارب أهل النار، فهى حيَّات
_________________
(١) إسناده لين، فيه شيخ إسماعيل بن عياش لم أعرفه، وفي الحلية أنه سليمان أو سليم ولم أجده، وفيه شهر بن حوشب وقد سبق (٤٠٢)، صفة النار (٧٤ - ٧٥) رقم (٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٦٤)، وذكره العيني في عمدة القاري (١٩/ ٢٧٦).
(٢) أبيار، جمع جب، مختار الصحاح (١١٩).
(٣) الإبل الخراسانية، القاموس المحيط (١/ ١٨٨).
(٤) شديد السواد في ملوسة، القاموس المحيط (١/ ١٤٣١).
(٥) إسناده صحيح، صفة النار (٧٥) رقم (٩٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥١) رقم (٣٤١٤٢)، وهناد في الزهد (١/ ١٧٨) رقم (٢٥٩).
[ ٣ / ١٣٠٧ ]
عظيمة، منها العقارب طول أنيابها كالنخل، ومنها الأفاعي، منتشرة في وديانها وشعابها وديارها وبيوتها وجوانبها، وقد عقد ابن رجب في كتابه التخويف من النار بابا في ذكر حياتها وعقاربها (^١)، وذكر القرطبي أن هذه الحيات والعقارب موجودة في الباب السادس من أبواب جهنم واللَّه أعلم (^٢).
_________________
(١) انظر (١٤١)، وكذا المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٥٨).
(٢) انظر التذكرة (٤٤٨).
[ ٣ / ١٣٠٨ ]
المبحث السابع: الآثار الواردة في ذكر بعض أنواع العذاب.
١٢١٣ - حدثني علي بن الحسن، عن الصلت بن حكيم قال: حدثت عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: "بلغني أن اللَّه إذا قال لأهل النار: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ (^١) عادت وجوههم قطع لحم ليس فيها أفواه ولا مناخير، يتردّد النفس في أجوافهم، لا تجد إلى الخروج مساغا" (^٢).
١٢١٤ - حدثني محمد بن أبي معشر، عن أبيه، عن أبي جعفر القارئ قال: حدثني زيد بن أسلم: "إن أهل النار لا يتنفّسون، ثم بكى" (^٣).
١٢١٥ - حدثني إبراهيم بن سعيد، عن عبيد اللَّه بن موسى قال:
_________________
(١) سورة المؤمنون، من الآية (١٠٨).
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه الصلت بن حكيم مجهول، انظر لسان الميزان (٣/ ١٩٤)، وفيه إبهام شيخه، وقد سبق -عند المصنف- بإسناد ضعيف جدا رقم (٩٦) عن عبد العزيز يبلغ به حذيفة وفيه منصور بن عمار وقد سبق (١١٢٧)، صفة النار (١٥٧) رقم (٢٥٢)، وسبق أن الذي بلغة عنه ذلك هو حذيفة -﵁- مرفوعا في فقرة رقم (٩٦).
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه أبو معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن ضعيف، أسن واختلط، التقريب (٧١٥٠)، صفة النار (١٠٥ - ١٠٦) رقم (١٥٨)، وابن جرير في تفسيره (١٨/ ٥٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٥/ ٣٥٩) وفيهما قصة بكاء أبي جعفر في جنازة، ونسبه ابن رجب في التخويف من النار للجوزجاني (٦٥٤)، وانظر لزاما عمدة القاري (١٥/ ١٨٣) فقل ذكر هذا القول عن أبي هاشم حيث جوز الحياة بدون تنفس.
[ ٣ / ١٣٠٩ ]
أخبرنا أبو ليلى، عن مقاتل بن حيّان قال: "إن أهل النار لا يخرج لهم نفس، إنما تردّد أنفاسهم في أجوافهم" (^١).
١٢١٦ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "يستعيذ أهل النار من الحر، فيغاثون بريح بارد يصدع العظم بردها، فيسألون الحر" (^٢).
١٢١٧ - حدثنا علي بن مسلم قال: حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا أبي: سمعت الأعمش يحدث عن مجاهد: "إن في النار لزمهريرا يعذّبون به، فيهربون منها إلى ذاك الزمهرير، فإذا وقعوا حطّم عظامهم حتى تسمع لها نقيضا" (^٣).
١٢١٨ - حدثني إبراهيم بن موسى المؤدب قال: أخبرنا معمر بن سليمان الرقي، عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن
_________________
(١) إسناده فيه أبو ليلى لم أعرفه، صفة النار (١٠٦) رقم (١٥٩)، وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٢٤٠) قولا لسعيد بن جبير ولم يذكره عن غيره، وذكره ابن رجب قولا لبعض السلف في التخويف من النار (٦٢)، وسبق عند المصنف من حديث حذيفة مرفوعا برقم (٩٦) وهو ضعيف.
(٢) إسناده لين؛ قابوس فيه لين التقريب (٥٤٨٠)، وله ما يشهد له، فيكون حسنا لغيره، صفة النار (١٠٠ - ١٠١) رقم (١٥٢)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٧١).
(٣) إسناده صحيح، صفة النار (٧٦) رقم (١٠٢)، ونسبه ابن رجب في التخويف من النار (٧١) للمصنف.
[ ٣ / ١٣١٠ ]
المنهال بن عمرو، عن سويد بن غَفَلَة (^١) قال: "إذا أراد اللَّه أن ينسى أهل النار، تبرّأ بعضهم من بعض، ولعن بعضهم بعضا، ثم جُعل كل رجل في تابوت من نار قدر قامته، فما ينبض منه عرق إلا فيه مسمار من نار، ثم يقفل عليه بأقفال من نار، ثم يجعل ذلك التابوت في تابوت آخر من نار، وتقفل عليه بأقفال من نار، ويضرب ما بينهما بالنار، ثم يجعل ذلك التابوت في تابوت آخر من نار، ويقفل عليه بأقفال من نار، ويضرب ما بينهما بالنار، ثم يرمى به في جهنم، فما منهم أحد إلا يرى أنه ليس في جهنم أحد غيره، ثم قرأ رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ (^٢) " (^٣).
_________________
(١) هو سويد بن غَفَلَة، أبو أمية الجعفي، مخضرم من كبار التابعين، قدم المدينة يوم دفن النبي -ﷺ-، وكان مسلما في حياته، ثم نزل الكوفة، ومات سنة (٨٠ هـ)، وله مائة وثلاثون سنة، التقريب (٢٦٩٥).
(٢) سورة الزمر، بعض الآية (١٦).
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه يزيد بن عبد الرحمن وهو أبو خالد الدالاني صدوق يخطئ كثيرا التقريب (٨١٣٢)، صفة النار (١٠٦ - ١٠٧) رقم (١٦١)، قلت: وإسناده مضطرب فعند المصنف عن المنهال عن سويد، وعند ابن أبي شيبة المنهال عن خيثمة عن سويد، وعند البيهقي كما نبه ابن رجب المنهال عن نعيم عن سويد، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٢١٠) رقم (٣٥٤١٤)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٤/ ١٧٦)، وأورده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٦٩) وقال: "رواه البيهقي بإسناد حسن موقوفا، ورواه أيضا بنحوه من حديث ابن مسعود بإسناد منقطع"، وانظر التخويف من النار (١٣٩).
[ ٣ / ١٣١١ ]
١٢١٩ - حدثنا سريج بن يونس قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن المسعودي، عن يونس بن خبّاب قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: "إذا بقى في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من حديد فيها مسامير من حديد، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت من حديد فيها مسامير من حديد، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت من حديد فيها مسامير من حديد، فما يرى أحدهم أنه يعذّب في النار غيره، ثم قرأَ عبد اللَّه لهم: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ (^١) " (^٢).
١٢٢٠ - حدثني علي بن الحسن، عن محمد بن جعفر المدائني قال: حدثنا بكر بن خنيس، عن أبي سلمة الثقفي، عن وهب بن منبه قال: "إن أهل النار الذين هم أهلها، فهم في النار لا يهدؤون ولا ينامون ولا يموتون، يمشون على النار، ويجلسون على النار، ويشربون صديد أهل
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية (١٠٠).
(٢) إسناده لين؛ فيه يونس بن حيان وهو صدوق يخطئ ورمي بالرفض التقريب (٧٩٦٠)، والمسعودي اختلط كما سبق (١٠٥٨)، وسماع يزيد بن هارون منه بعد الاختلاط انظر المختلطين للعلائي (٧٣) أصلا وهامشا، صفة النار (٧٧) رقم (١٠٣)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٠٠)، وهناد في الزهد (١/ ١٦١) رقم (٢٢٣)، وابن جرير في تفسيره (٥/ ٣٣٨)، وابن أبي حاتم في التفسير (٤/ ١٠٩٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٠٨) رقم (٩٠١٥)، من طرق عن سلمة بن كهيل عن خيثمة عن ابن مسعود -﵁-، وخيثمة لم يسمع من ابن مسعود شيئًا كما في تحفة التحصيل (٩٨).
[ ٣ / ١٣١٢ ]
النار، ويأكلون من زقّوم النار، لحفهم نار، وفرشهم نار، وقمصهم نار وقطران، ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾ (^١)، قال: وجُمع أهل النار في سلاسل بأيدي الخزنة أطرافها، يجذبونهم مقبلين ومدبرين، فيسيل صديدهم إلى حفر في النار، فذلك شرابهم، قال: ثم بكى وهب بن منبّه حتى سقط مغشيا عليه، قال: وغلب بكر بن خنيس البكاء حتى قام، ولم يقدر أن يتكلم، وبكى محمد بكاء شديدا" (^٢).
١٢٢١ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد قال: "يلقى على أهل النار الجرب، فيحتكّون حتى تبدو العظام، فيقولون: ربنا بم أصابنا هذا؟ قال: بأذاكم المؤمنين" (^٣).
١٢٢٢ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا سفيان، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل (^٤) أو غيره: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ (^٥) قال: "لفحتهم لفحة ما أبقت لحما علي عظم إلا ألقته على أعقابهم" (^٦).
_________________
(١) سورة إبراهيم، بعض الآية (٥٠).
(٢) إسناده لين؛ أبو سلمة الثقفي لم أعرفه، صفة النار (٨٧ - ٨٨) رقم (١٢٣)، ونسبه ابن رجب في التخويف من النار (١٢٠) إلى المصنف.
(٣) إسناده صحيح، صفة النار (٨٨) رقم (١٢٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٢) رقم (٣٤١٤٣)، ونسبه السيوطي في الدر (٦/ ٦٥٧) لابن أبي حاتم.
(٤) هو عبد اللَّه بن أبي الهذيل، ثقة، مات في ولاية خالد القسري على العراق، التقريب (٣٦٧٩).
(٥) سورة المؤمنون، من الآية (١٠٤).
(٦) إسناده صحيح، وسفيان هو ابن عيينة كما صرح ابن أبي شيبة، وأبو سنان هو =
[ ٣ / ١٣١٣ ]
١٢٢٣ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن ثابت بن يزيد، عن عاصم، عن أبي منصور مولى سليم، أن ابن عباس قال: " ﴿يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ﴾ (^١) قال: "فيسلخ كل شيء عليهم، من جلد ولحم عِرق، حتى يصير في عقبه، حتى إن لحمه قدر طوله، وطوله ستون ذراعا، ثم يكسى جلدا آخر، ثم يسجر في الحميم" (^٢).
١٢٢٤ - حدثنا محمد بن عباد المكي قال: سمعت فضيل بن عياض سئل عن قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ (^٣) فقال: هشام عن الحسن: "تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم وأنضجتهم قيل لهم: عودوا، فيعودون كما كانوا" (^٤).
_________________
(١) = ضرار بن مرة ثقة ثبت، التقريب (٣٠٠٠)، صفة النار (٨٠ - ٨١) رقم (١١٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٨) رقم (٣٤١٢١)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٦٠).
(٢) سورة غافر، بعض من الآيتين (٧١ - ٧٢).
(٣) إسناده لين، أبو منصور مولى سليم لم أجده إلا عند ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٤٤٩) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، صفة النار (٨١) رقم (١١١)، وكذا الذهبي في المقتنى (٢/ ٩٩)، ونسبه ابن رجب في التخويف من النار (١٣٧) إلى ابن أبي حاتم عن ثابت به، ونسبه السيوطي في الدر (٧/ ٣٠٦) للمصنف في هذا الكتاب.
(٤) سورة النساء، بعض الآية (٥٦).
(٥) إسناده لين؛ فيه هشام وهو ابن حسان وقد سبق (٢٧٩)، صفة النار (٨٣) رقم =
[ ٣ / ١٣١٤ ]
١٢٢٥ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا إسحاق بن يوسف، عن هشام، عن الحسن: في قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ قال: "بلغنا أنه ينضج لأهل النار كل يوم سبعون ألف جلد" (^١).
١٢٢٦ - حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾ قال: "مثل الرأس النضيج" (^٢).
١٢٢٧ - حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه قال: "ككلوح الرأس المشيط، قد بدت أسنانهم، وتقلّصت شفاههم" (^٣).
_________________
(١) = (١١٦)، ورقم (٢٦٢)، وعبد اللَّه في زوائد الزهد (٢٦٩)، والبيهقي في البعث كما في شعب الإيمان (١/ ٣٥٢)، والذهبي في السير (٨/ ٤٤٧).
(٢) إسناده لين؛ هشام وهو ابن حسان متكلم في روايته عن الحسن كما سبق (٢٧٩)، صفة النار (٨٣) رقم (١١٧) ورقم (٢٤٥) مختصرا، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٢٩) عن رجل عن الحسن، وابن جرير في تفسيره (٥/ ١٤٢) عن هشام به.
(٣) إسناده لين؛ والأثر حسن، مداره على رواية إسرائيل عن أبي إسحاق وهي بعد اختلاطه كما سبق (٤٠٩)، لكن تابعه سفيان كما سيأتي في الأثر الذي بعده، صفة النار (٨٢) رقم (١١٣)، وهناد في الزهد (١/ ١٩٠) رقم (٣٠٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٩٥) وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
(٤) الأثر حسن كما سبق في الذي قبله، صفة النار (٨٢) رقم (١١٤)، مثل سابقه فيه زيادة توضيح للسياق فقط، وفيه متابعة سفيان لإسرائيل في الرواية عن أبي إسحاق.
[ ٣ / ١٣١٥ ]
١٢٢٨ - حدثنا أبو خيثمة قال: دثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان قال: حدثني غير واحد عن السدي، عن مرة، عن عبد اللَّه: ﴿ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ (^١) قال: "أفاعى" (^٢).
١٢٢٩ - حدثني محمد بن إدريس الحنظلي قال: حدثنا محمد بن عثمان أبو الجماهر، عن إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام قال: حدثني الحجاج بن عبد اللَّه الثمالي -وكان قد رأى النبي -ﷺ- وحج معه حجة الوداع- أن سفيان بن مجيب حدّثه -وكان من أصحاب النبي -ﷺ- وقدمائهم-: "أن في جهنم سبعين ألف واد، في كل واد سبعون ألف شعب، في كل شعب سبعون ألف دار، في كل دار سبعون ألف بيت، في كل بيت سبعون ألف شِق، في كل شِق سبعون ألف ثعبان، في شِدق كل ثعبان سبعون ألف عقرب، لا ينتهى الكافر والمنافق حتى يواقع ذلك كله" (^٣).
١٢٣٠ - حدثني محمد بن إدريس قال: حدثنا محمد بن عثمان، عن إسماعيل بن عياش، عن فلان بن حيان قال: سمعت شهر بن حوشب
_________________
(١) سورة الأعراف، بعض الآية (٣٨).
(٢) إسناده ضعيف؛ لجهالة شيوخ سفيان، لكنه رواه عن السدي نفسه كما في طريق الطبراني وابن جرير، صفة النار (٧١) رقم (٩٤)، وابن جرير في تفسيره (٨/ ١٧٤)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٢٦) رقم (٩١٠٢)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٠٠): "رجاله رجال الصحيح".
(٣) سبق (١٢١٠) الأثر مخرجا.
[ ٣ / ١٣١٦ ]
يقول: "إن في جهنم لواديا يقال له غسّاق، فيه ثلاثمائة وثلاثون شعبا، في كل شعب ثلاثون وثلاثمائة قصر، في كل قصر ثلاثون وثلاثمائة بيت، في كل بيت أربع زوايا، في كل زاوية شجاع، في رأس كل شجاع ثلاثون وثلاثمائة عقرب، في رأس كل عقرب ثلاثون وثلاثمائة قلّة سم، لو أن عقربا منها نضحت أهل الدنيا لأوسعتهم" (^١).
١٢٣١ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد قال: "إن لجهنم جِباب حيّاتٍ كأمثال أعناق البخت، وعقارب كأمثال البغال الدَّلَم، قال: فيهرب أهل جهنم من تلك الحيات، فتأخذ تلك الحيات والعقارب بشفاهم، فتكشط ما بين الشعر إلى الظفر، قال: فما ينجيهم منها إلا الهرب إلى النار" (^٢).
١٢٣٢ - حدثني حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا سفيان: في قوله: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ قال: "بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج من فيه" (^٣).
١٢٣٣ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "لو أن دلوًا من
_________________
(١) سبق (١٢١١) الأثر مخرجا.
(٢) سبق (١٢١٢) الأثر مخرجا.
(٣) إسناده صحيح، صفة النار (٥٨) رقم (٧٢)، وابن المبارك في الزهد (٨٤)، وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣١٥).
[ ٣ / ١٣١٧ ]
غسّاق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا" (^١).
١٢٣٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "لو أن قطرة من زقّوم جهنم أنزلت إلى الدنيا لأفسدت على الناس معايشهم" (^٢).
١٢٣٥ - حدثنا ابن خداش قال: حدثنا حماد بن زيد، عن هشام، عن الحسن قال: "لو أن دلوا من صديد جهنم صُبّ في الأرض ما بقى أحدٌ على وجه الأرض إلا مات" (^٣).
١٢٣٦ - حدثنا محمد بن إدريس قال: حدثنا محمد بن حميد، عن يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة وهارون بن عنترة، عن سعيد بن جبير قال: "إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقّوم، فأكلوا منها، فاختُلست جلود وجوههم، فلو أن مارًّا يمرّ بهم لعرف جلود وجوههم
_________________
(١) إسناده لين؛ فيه أبو يحيى وهو القتات، لين الحديث التقريب (٨٥١٢)، صفة النار (٦٢ - ٦٣) رقم (٧٨)، ولم أجده عن ابن عباس إلا عند المصنف.
(٢) إسناده لين؛ فيه القتات وقد سبق قريبا، صفة النار (٦٣) رقم (٧٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٢) رقم (٣٤١٤٤)، وابن جرير في تفسيره (٢٣/ ١١١) (٢٥/ ١٣١)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ٤٦٠)، ويروى عن ابن عباس مرفوعا.
(٣) إسناده ضعيف؛ فالذي يروي عن الحسن ويروي عنه حماد ممن اسمه هشام اثنان هما: هشام بن حسان القردوسي، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال لأنه قيل: كان يرسل عنهما، التقريب (٧٣٣٩)، وهشام بن زياد وهو متروك، التقريب (٧٣٤٢)، صفة النار (٦٣) رقم (٨٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٢) رقم (٣٤١٤٥)، ونسبه إليه السيوطي في الدر (٥/ ١٥).
[ ٣ / ١٣١٨ ]
فيها، ثم يصبّ عليهم العطش، فيستغيثون، فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حرُّه، فإذا أدنى من أفواههم انشوى من حرِّه لحمُ وجوههم التي سقطت عنها الجلود، و﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ (^١)، فيمشون تسيل أمعاؤهم، وتساقط جلودهم، ثم يضربون بمقامع من حديد، ويسقط كل عضو على حياله، يدعون بالثُّبور" (^٢).
١٢٣٧ - حدثنا محمد بن إدريس قال: حدثنا الحسن بن علي بن مسلم، عن إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن أبي المثنى الأملوكي (^٣) قال: "إن في النار أقواما يُربطون بنواعير من نار، تدور بهم تلك النواعير، ما لهم فيها راحة ولا فترة" (^٤).
_________________
(١) سورة الحج، الآية (٢٠).
(٢) إسناده ضعيف؛ والأثر حسن، ابن حميد سبق (١١٤٤) أنه ضعيف، لكن تابعه عمرو ابن رافع عند ابن أبي حاتم وهو ثقة ثبت التقريب (٥٠٦٣)، أما يعقوب القمي فإنه صدوق يهم، التقريب (٧٨٧٦)، لكن ذكر ابن حبان في الثقات (٧/ ٦٤٥) أنه كان راويا لجعفر بن أبي المغيرة، ووثقه الطبراني كما في لسان الميزان (٧/ ٤٤٥)، صفة النار (٥٦) رقم (٦٨)، وابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٤١) (١٧/ ١٣٥)، وابن أبي حاتم في التفسير -جمع المحقق- (١٠/ ٣٢١٧)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٨٥)، ونسبه السيوطي في الدر (٦/ ٢١) لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبي نعيم.
(٣) هو ضمضم أبو المثنى الأملوكي الحمصي، وثقه العجلي، التقريب (٢٤٤٨).
(٤) إسناده حسن؛ فإن صفوان بن عمرو حمصي، ولذلك فإن رواية إسماعيل بن عياش عنه مستقيمة لأنه بلديه، صفة النار (٤٦) رقم (٤٨)، وذكره ابن رجب في =
[ ٣ / ١٣١٩ ]
١٢٣٨ - حدثنا محمد بن إدريس قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي قال: حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه (^١) قال: "إن في جهنم لآبارا من ألقي فيها تردّى سبعين عاما قبل أن يبلغ القرار، ثم نزع بهذه الآية: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤)﴾ (^٢) " (^٣).
١٢٣٩ - حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن السدّي قال: " ﴿الْفَلَقِ﴾: جُبُّ جهنم" (^٤).
_________________
(١) = التخويف من النار (١٣٨)، والقرطبي في التذكرة (٤٦٨) وكان قد أورد قبله أثرا عن أبي هريرة في علماء السوء الذين تدور بهم أرجاء في جهنم ثم قال: "وهذا مرفوع معناه في صحيح مسلم من حديث أسامة بن زيد -﵁-"، وصديق حسن خان في يقظة أولي الاعتبار (١٥٢)، قلت: الحديث المشار إليه هو في الذي تدور أقتابه في النار، البخاري رقم (٣٠٩٤)، ومسلم (٢٩٨٩).
(٢) هو يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الهمداني، الدمشقي القاضي، صدوق ربما وهم، مات سنة (١٣٠ هـ) أو بعدها، وله أكثر من سبعين سنة، التقريب (٧٧٤٨).
(٣) سورة الجاثية، الآية (٣٤).
(٤) إسناده ضعيف؛ خالد بن يزيد بن أبي مالك ضعيف مع كونه كان فقيها، وقد اتهمه ابن معين التقريب (١٦٩٨)، صفة النار (٤٦) رقم (٤٩)، ونسبه السيوطي في الدر (٣/ ٤٧٠) لابن أبي حاتم، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٨٨) ونسبه للمصنف.
(٥) إسناده صحيح، صفة النار (٤٣) رقم (٤١)، وابن أبي حاتم في تفسيره كما في تفسير ابن كثير (٤/ ٥٧٤) وفيه جهالة الراوي عن السدي لأنه لم يسمه، وكذا ذكره ابن رجب عن ابن أبي حاتم في التخويف من النار (٨٧) من طريق السدي =
[ ٣ / ١٣٢٠ ]
١٢٤٠ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا محمد بن عبد اللَّه ابن الزبير الأسدي قال: حدثنا مالك بن مغول، عن أبي يحيى بيّاع القتِّ، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "ضرس الكافر مثل جَبَلَة، ثم قال: تدري ما جبلة؟ قلت: لا، قال: جبلٌ باليمن، هل رأيت أُحُدا، قلت: نعم، قال: هو مثله، إنه ليسيل منه القيح والدم ما يجري به الأودية، يده مغلولة إلى حلقه إلى آخر يوم من الأبد" (^١).
١٢٤١ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا حسن الأشيب، عن ابن لهيعة، عن محمد بن عجلان، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن كعب قال: " ﴿الْفَلَقِ﴾ (^٢): بيت في النار، إذا فتح صاح منه جميع أهل النار (من شدّة حره) " (^٣).
_________________
(١) = عن زيد بن علي عن آبائه أنهم، ونسبه إليه السيوطي في الدر (٨/ ٦٨٨)، وقال ابن كثير: "وكذا روي عن عمرو بن عنبسة وابن عباس والسدي وغيرهم وقد ورد في ذلك حديث مرفوع منكر".
(٢) إسناده لين؛ فيه أبو يحيى القتات لين الحديث التقريب (٨٥١٢)، صفة النار (٣٠) رقم (٢٣)، والأثر مروي من طريق أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس عن ابن عمر مرفوعا عند ابن أبي شيبة (٧/ ٥٣).
(٣) سورة الفلق، بعض الآية الأولى.
(٤) إسناده ضعيف؛ مداره على ابن لهيعة وقد سبق (١٤٩)، صفة النار (٤٢ - ٤٣) رقم (٤٠)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣١، ٤٣) وفيه قصة، وذكره ابن كثير في تفسيره (٤/ ٥٧٤)، وابن رجب في التخويف من النار (٨٧)، ورجح ابن كثير أنه =
[ ٣ / ١٣٢١ ]
١٢٤٢ - حدثنا داود بن عمرو قال: حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش عن مجاهد قال: "إن أهون أهل النار عذابا رجل له نعلان وشراكان من نار، أضراسه جمر، ومسامعه جمر، وأشفار عينيه من لهب النار، تخرج أحشاؤه من قدميه، وسائرهم كالحَبِّ القليل في الماء الكثير وهي تفور" (^١).
_________________
(١) = فلق الصبح وقال في تفسيره (٤/ ٥٧٤): "قال ابن جرير: والصواب القول الأول: إنه فلق الصبح، وهذا هو الصحيح وهو اختيار البخاري في صحيحه رحمه اللَّه تعالى"، قلت: لعل ابن كثير ﵀ نقل كلام ابن جرير بمعناه وإلا فإني لم أجده بهذا السياق ولا بهذا المعنى بل الذي وقفت عليه أنه يقول (٣٠/ ٣٥٠): "والصواب من القول في ذلك، أن يقال: إن اللَّه جل ثناؤه أمر نبيه محمدا أن يقول: أعوذ برب الفلق، والفلق في كلام العرب فلق الصبح، تقول العرب: هو أبين من فلق الصبح ومن فرق الصبح، وجائز أن يكون في جهنم سجن اسمه فلق، وإذا كان ذلك كذلك ولم يكن جل ثناؤه وضع دلالة على أنه عنى بقوله برب الفلق بعض ما يدعى الفلق دون بعض، وكان اللَّه تعالى ذكره رب كل ما خلق من شيء وجب أن يكون معنيا به كل ما اسمه الفلق إذ كان رب جميع ذلك"، وقد تبع المحقق محمد خير ابن كثير في هذا الفهم، فنبهت عليه حتى لا يقع اللبس، واللَّه أعلم.
(٢) إسناده صحيح، صفة النار (٨٩) رقم (١٢٧)، ثم برقم (١٨١)، ولعله الذي أشار إليه ابن جرير في تفسيره (٢٠/ ٩٣) مختصرا واللَّه أعلم، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٠) رقم (٣٤١٣٣)، من طريق مجاهد عن عبيد بن عمير مرفوعا، وقال ابن رجب في التخويف من النار (١٣١): "خرجه هناد بن السري في كتاب الزهد بإسناد صحيح إلى عبيد وهو مرسل".
[ ٣ / ١٣٢٢ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة ذكر بعض أنواع عذاب أهل النار، فمن ذلك أنهم لا يتنفسون، بل يتردد الهواء دخل أجوافهم، يعذبون بالبرد كما يعذبون بالحر، يستغيثون من الحر، فيغاثون بريح بارد يكسر العظام، يتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضا، ثم ينساهم اللَّه -﷿- فلا يذكرهم أبدا، لا يهدؤون ولا ينامون ولا يموتون، يصيبهم الجرب بأذاهم المؤمنين، فيحتكون حتى تبدو عظامهم، تبدل جلودهم كلما نضجت، في اليوم مرات عديدة، تلفحهم النار، فلا تبقي عظما على لحم، وهم فيها كالحون، تبدو أسنانهم، وتقلص شفاههم، لو أنزل شيء من طعامهم أو شرابهم على أهل الدنيا لأفسد عليهم معاشهم، منهم من يربط بنواعير من نار، ضرس الكافر فيها كجبل أحد، وإن أخفهم عذابا من له نعلان وشراكان من نار، أضراسه جمر، ومسامعه جمر، وأشفار عينيه من لهب النار، تخرج أحشاؤه من قدميه، وسائرهم كالحَبِّ القليل في الماء الكثير وهي تفور (^١).
_________________
(١) وانظر التخويف من النار (١٨٩ - ٢٠٢)، والعاقبة للإشبيلي (٣٦٠ فما بعدها)، والترغيب والترهيب للمنذري (٤/ ٢٥٦ فما بعدها)، ويقظة أولي الاعتبار (١٤٢ فما بعدها).
[ ٣ / ١٣٢٣ ]
المبحث الثامن: الآثار الواردة في بكاء أهلها.
١٢٤٣ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا علي بن إسحاق، عن ابن المبارك، عن رجل، عن الحسن: " ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ (^١) قال: يقطع به ما في بطونهم، ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾: بأيدي الزبانية، وذلك أن النار تصهر بهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا في أعلاها ضُربوا بمقامع، فهووا سبعين خريفا، ولذلك سمّيت الهاوية، لأنهم لا يستقرّون ساعة، وإذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفير لهبها، والزفير زفير اللهب، والشهيق بكاؤهم ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ (^٢) " (^٣).
التحليل والتعليق
تضمن أثر الحسن ذكر بكاء أهل النار، وقد عقد القرطبي بابا في ما جاء في بكاء أهل النار، وكذا ابن رجب بابا في ذكر بكاء أهل النار، وزفيرهم، وشهيقهم، وصراخهم، ودعائهم الذي لا يستجاب لهم، وكذا صديق حسن خان بابا في ما جاء في بكاء أهل النار (^٤).
_________________
(١) سورة الحج، الآية (٢٠).
(٢) سورة الحج، الآية (٢٢).
(٣) إسناده ضعيف؛ لجهالة الرجل المبهم، صفة النار (٥٧) رقم (٧١)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٣٩).
(٤) التخويف من النار (٢٠٥)، التذكرة للقرطبي (٥٠١)، يقظة أولي الاعتبار (١٧٣).
[ ٣ / ١٣٢٤ ]
المبحث التاسع: الآثار الواردة في موضع النار.
١٢٤٤ - حدثني عمر بن إسماعيل الهمداني قال: حدثني أبي، عن جدي، عن الشعبي، أنه سمع ابن عباس يقول في قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾ (^١) قال: "هذا هو البحر الأخضر، تنتثر الكواكب فيه، وتكوّر الشمس والقمر فيه، (ثم يوقد)، فيكون هو جهنم" (^٢).
١٢٤٥ - حدثنا على بن الجعد قال: أخبرنا أبو هلال، عن قتادة قال: "كانوا يقولون: إن الجنة في السماوات السبع، وإن جهنم في الأرضين السبع" (^٣).
١٢٤٦ - حدثني الفضل بن جعفر قال: حدثنا عمرو بن حكّام قال: حدثنا شعبة، عن محمد بن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف، عن عبد اللَّه ابن سلام قال: "الجنة في السماء والنار في الأرض" (^٤).
_________________
(١) سورة العنكبوت، الآية (٥٤).
(٢) إسناده ضعيف جدا؛ مداره على عمر بن إسماعيل وهو ابن مجالد متروك التقريب (٤٩٠٠)، وأبوه وجده فيهما مقال، صفة النار (١١٩) رقم (١٨٣)، وابن أبي حاتم في التفسير (٩/ ٣٠٧٥)، وعنه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٢٠)، ولم ينسبه لغيرهما ابن رجب في التخويف من النار (٤٧)، واستنكر المناوي هذا الأثر في فيض القدير (٤/ ٢٠٩)؛ لأنه يناف وجود جهنم الآن.
(٣) إسناده حسن؛ أبو هلال الراسبي صدوق فيه لين التقريب (٥٩٦٠)، صفة النار (١١٩) رقم (١٨٤)، وذكره بن رجب عن المصنف في التخويف من النار (٤٥).
(٤) إسناده ضعيف جدا، والأثر صحيح؛ فيه عمرو بن حكام أورده ابن الجوزي في =
[ ٣ / ١٣٢٥ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة ذكر مكان النار، وأنه في الأرض، وقد وردت آثار كثيرة في هذا المعنى، واستدل بعضهم لهذا بأن اللَّه تعالى أخبر أن الكفار يعرضون على النار غدوا وعشيا، -يعني في مدة البرزخ-، وأخبر أنه لا تفتح لهم أبواب السماء، فدل أن النار في الأرض (^١)، قال البربهاري: "الجنة حق والنار حق، وأنهما مخلوقتان. . . والنار تحت الأرض السابعة السفلى" (^٢)، وقال صديق حسن خان: "الجنة والنار مخلوقتان اليوم، باقيتان. . . والأصح أن الجنة في السماء، وجهنم في الأرض، ولم يصرح بتعيين مكانهما بل حيث شاء اللَّه تعالى" (^٣).
_________________
(١) = الضعفاء والمتروكين وأفاد أنه متروك الحديث (٢/ ٢٢٥)، وانظر لسان الميزان (٤/ ٣٦٠)، لكن تابعه محمد بن كثير وعفان، وغيرهما عند غيره، صفة النار (١١٧) رقم (١٧٨، ١٧٩)، والحارث في مسنده كما في بغية الباحث (٢/ ٨٧٢) رقم (٩٣٥)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٦٨) عن مهدي بن ميمون به، بقصة طويلة وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وليس بموقوف؛ فإن عبد اللَّه بن سلام على تقدمه في معرفة قديمة من جملة الصحابة، وقد أسنده بذكر رسول اللَّه -ﷺ- في غير موضع واللَّه أعلم"، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٣١) رقم (٣٦٦)، فتح القدير (٣/ ٣٦٠ فما بعدها)، وابن حزم في الفصل (٢/ ٨٢)، وانظر ما ذكره ابن الأثير في النهاية (١/ ٨٠).
(٢) انظر التخويف من النار (٦٧).
(٣) شرح السنة (٢٧).
(٤) قطف الثمر (١٢٧).
[ ٣ / ١٣٢٦ ]
المبحث العاشر: الآثار الواردة في نارها ودركاتها.
١٢٤٧ - حدثنا أحمد بن إبراهيم العلائي (^١) قال: خلف بن عثمان، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، أنه سمع عبد الملك بن عمير يذكِّر قال: "لو أن أهل النار كانوا في نار الدنيا لقالوا فيها، ولقد بلغني أن أهل النار سألوا خازنها أن يخرجهم إلى جبّانها، قال: فأخرجوا إليه، فقتلهم البرد والزمهرير حتى رجعوا إليها، فدخلوها مما وجدوا من البرد" (^٢).
١٢٤٨ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح قال: حدثنا الحكم بن ظهير، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد اللَّه: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)﴾ (^٣) قال: "سُعِّرت ألف سنة حتى ابيضّت ثم ألف سنة حتى احمرّت، ثم ألف سنة حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة" (^٤).
_________________
(١) هكذا في المطبوع، ووقع في المخطوط العبدي وهو واضح، وهو أحمد بن إبراهيم الدورقي ثقة حافظ، التقريب (٣)، وانظر الثقات لابن حبان (٨/ ٢١) فقد وردت عنده نسبته العبدي وكذلك عند غيره.
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر وهو ضعيف، انظر تاريخ ابن معين (١/ ٧٠)، والمعرفة والتاريخ (٣/ ٢٧٢)، صفة النار (١٠٠) رقم (١٥١)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٧١).
(٣) سورة التكوير، الآية (١٢).
(٤) إسناده ضعيف جدا؛ الحكم متروك رمي بالرفض، واتهمه ابن معين التقريب (١٤٥٤)، صفة النار (٣١) رقم (٢٤)، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٦٧) وضعفه بالحكم بن ظهير.
[ ٣ / ١٣٢٧ ]
١٢٤٩ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا محمد بن يزيد، عن جهضم قال: سمعت عكرمة في قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ قال: "لها سبعة أطباق" (^١).
١٢٥٠ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد أبو عبد اللَّه، عن الوليد بن مسلم، عن يزيد بن سعيد العنبسي، عن يزيد بن أبي مالك الهمداني قال: "لجهنّم سبعة نيران تأتلق، ليس منها نار إلا وهي تنظر إلى التي تحتها مخافة أن تأكلها" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة ذكر نار جهنم ودركاتها، فهي نار شديدة الحرارة لا تقارن بنار الدنيا، سُعِّرت ألف سنة حتى ابيضّت، ثم ألف سنة حتى احمرّت، ثم ألف سنة حتى اسودّت، فهى سوداء مظلمة، لها سبعة أطباق، ليس منها نار إلا وهي تنظر إلى التي تحتها مخافة أن تأكلها، وقد ذكر ابن رجب بابا في ذكر طبقاتها ودركاتها وصفتها (^٣)، قال القرطبي:
_________________
(١) إسناده صحيح، صفة النار (٢٠) رقم (١٠)، وابن جرير في تفسيره (١٤/ ٣٥)، وذكره ابن كثير في تفسيره (٢/ ٥٥٣)، وابن رجب في التخويف من النار (٥٠) ونسبه للمصنف، ونسبه السيوطي في الدر (٥/ ٨١) لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه الوليد بن مسلم وهو يدلس تدليس التسوية كما سبق (٢١)، صفة النار (٢٠) رقم (٩)، ونسبه السيوطي في الدر (٥/ ٨٣) لابن أبي حاتم، وذكره ابن رجب في التخويف من النار (٥٠).
(٣) التخويف من النار (٧٤)، وكذا القرطبي في التذكرة (٤٤٤).
[ ٣ / ١٣٢٨ ]
"النار دركات سبعة؛ أي طبقات ومنازل، وإنما قال: أدراك ولم يقل درجات، لاستعمال العرب لكل ما تسافل درك، ولما تعالى درج، فيقول للجنة درج، وللنار درك، فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار، وهي الهاوية لغلظ كفرهم، وكثرة غوائلهم، وتمكنهم من أذى المؤمنين" (^١)، وقال صديق حسن خان: "النار دركات سبع، بعضها فوق بعض، وسميت طبقاتها دركات؛ لأنها متداركة متتابعة، فالمنافق في الدرك الأسفل منها، وهي الهاوية لغلظ كفره وكثرة غوائله" (^٢).
_________________
(١) التذكرة (٤٤٤).
(٢) يقظة أولي الاعتبار (٥٤)، وانظر ما سبقت (ص ١٢٨١) الإشارة إليه من الاختلاف في تسمية أبواب جهنم وتسمية من يكون في كل باب، فهو نفسه يكون هنا واللَّه أعلم.
[ ٣ / ١٣٢٩ ]
المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في أبديَّتها.
١٢٥١ - حدثنا حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا الحكم، عن عمر بن أبي ليلى -أحد بني عامر- قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: "بلغني، أو ذكر لي، أن أهل النار استغاثوا بالخزنة، قال اللَّه -﷿-: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)﴾ (^١) سألوا يوما واحدا يخفّف عنهم فيه العذاب، فردّ عليهم الخزنة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ فردّت عليهم الخزنة: ﴿فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾، ولما يئسوا مما عند الخزنة ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ وهو عليهم، وله مجلس في وسطها، وجسور تمرّ عليه ملائكة العذاب، فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (^٢) سألوا الموت، قال: فمكث عنهم لا يجيبهم ثمانين سنة، والسنة ستون وثلاثمائة يوم، والشهر ثلاثون يوما، واليوم ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ (^٣) لَحَظَ إليهم بعد الثمانين ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ (^٤)،
_________________
(١) سورة غافر، بعض الآية (١٨).
(٢) سورة الزخرف، من الآية (٧٧).
(٣) سورة الحج، بعض الآية (٤٧).
(٤) سورة الزخرف، بعض الآية (٧).
[ ٣ / ١٣٣٠ ]
فلما سمعوا ما سمعوا يئسوا مما قبله، قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء، قد نزل بكم من البلاء والعذاب ما قد ترون، فهلمّوا فلنصبر، فلعل الصبر ينفعنا، كما صبر أهل الدنيا على طاعة اللَّه فنفعهم الصبر إذ صبروا، فأجمعوا رأيهم على الصبر، قال: فتصبّروا، فطال صبرهم، ثم جزعوا، فنادوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾ أي ملجأ، فقام إبليس عند ذلك فخاطبهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ يقول: بمغن عنكم شيئًا، ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ (^١)، فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم، فنودوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠)﴾، ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾ فردّ عليهم: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ (^٢)، قال: هذه واحدة، قال: فنادوا الثانية: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾، فردّ عليهم:
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآيتان (٢١ - ٢٢).
(٢) سورة غافر، الآيات (١٠ - ١٢).
[ ٣ / ١٣٣١ ]
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ يقول: لو شئت لهديت الناس جميعا فلم يختلف منهم أحد، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ يقول: بما تركتم أن تعملوا ليومكم هذا، ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ إنا تركناكم، ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ (^١)، فهذه ثنتان، قال: فنادوا والثالثة: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾، فرد عليهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾ (^٢)، قال: هذه الثالثة، قال: ثم نادوا الرابعة: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ قال: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ (^٣)، فمكث عنهم ما شاء اللَّه، ثم ناداهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥)﴾ فلما سمعوا ذلك
_________________
(١) سورة السجدة، الآيات (١٢ - ١٤).
(٢) سورة إبراهيم، الآيات (٤٤ - ٤٦).
(٣) سورة فاطر، الآية (٣٧).
[ ٣ / ١٣٣٢ ]
قالوا: الآن يرحمنا ربنا وقالوا عند ذلك: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ فقال عند ذلك: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ (^١)، فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم، وأقبل بعضهم على بعض، ينبح بعضهم في وجه بعض، وأطبقت عليهم، فحدّثني الأزهر بن الأزهر أنه ذكر له أن ذلك قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (^٢) " (^٣).
١٢٥٢ - حدثني إبراهيم بن راشد أبو إسحاق قال: حدثني جعفر ابن جسر بن فرقد قال: حدثني أبي، عن الحسن، عن أبي برزة (^٤) قال: "أشد آية نزلت في أهل النار هذه الآية: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ (^٥)، فهو مقدار ساعة بساعة، ويوم بيوم، وشهر بشهر، وسنة بسنة، أشد
_________________
(١) سورة المؤمنون، الآيات (١٠٥ - ١٠٨).
(٢) سورة المرسلات، الآيات (٣٥ - ٦٦).
(٣) إسناده ضعيف جدا، الحكم وهو ابن عبد اللَّه بن سعد الأيلي المكي، تركوه انظر الجرح والتعديل (٣/ ١٢٠)، صفة النار (١٥٣ - ١٥٦) رقم (٢٥١)، وابن جرير في تفسيره (١٨/ ٥٧)، من طريقين ضعيفين إحداهما كطريق المصنف والثانية عن أبي معشر عن محمد بن كعب، وأبو معشر نجيح بن عبد الرحمن ضعيف. . . أسن واختلط، التقريب (٧١٥٠).
(٤) هو نضلة بن عبيد أبو برزة الأسلمي، صحابي مشهور بكنيته، أسلم قبل الفتح، وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة، وغزا خراسان، ومات بها بعد سنة (٦٥ هـ) على الصحيح، الإصابة (٦/ ٤٣٣)، التقريب (٧١٥١).
(٥) سورة النبأ، الآية (٣٠).
[ ٣ / ١٣٣٣ ]
عذابا، حتى لو أن رجلا من أهل النار أخرج بالمشرق لمات أهل المغرب من شدة حرِّه، ولو أخرج بالمغرب لمات أهل المشرق من نتن ريحه، قال أبو برزة: شهدت رسول اللَّه -ﷺ- حين تلاها فقال: "هلك قوم بمعاصيهم ربهم" [غضب عليهم، فأنى إذا غضب عليهم إلا أن ينتفع منهم (^١) قيل: يا أبا برزة، ألا تخبرنا بأشد ساعات أهل النار عليهم؟ قال: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ (^٢) وينادون مالكا وخزنتها، فإذا يئسوا من الإجابة يجأرون إلى ربهم: ربنا ربنا، مقدار الدنيا سبع مرات، قال: فيسكت عنهم، حتى يظنوا أنما سكت عنهم ليخرجهم، فيقول لما يريد أن يقطع رجاءهم
_________________
(١) هكذا وردت العبارة في الكتاب المطبوع بتحقيق محمد خير وقال: "وهكذا وردت العبارة الأخيرة، وفيها "إلا" التي يبدو أنها مقحمة، وبحذفها تفهم العبارة، وقد أبقيتها حفاظا على الأصل، وخشية أن يكون الكلام متصلا بالحديث ويكون منه ولم يبد لي وجه تصويب ألفاظه، ويبدو أن ابن كثير نفسه أورد جزءا من الحديث لشكه أن يكون ما يليه منه وهو غير مفهوم"، قلت: لقد أحسن المحقق بعدم الحذف، وقد وردت الجملة عند السيوطي على الصواب وهو: "فأبى إذ غضب عليهم إلا أن ينتقم منهم"، وبالرجوع إلى المخطوط وجدت العبارة واضحة كما قالها السيوطي إلا أن "فأبا" كتبت بألف ممدودة، والعبارة ليست واضحة كما قال المحقق بحذف "إلا"، فإنه لا معنى لها كذلك بالحذف؛ إذ ما معنى قوله: "فأنى إذا غضب عليهم أن ينتفع منهم"؟، وهو ﷾ لا ينتفع منهم حال الغضب والرضا على حد سواء وإنما الشأن في انتفاعهم منه بالمغفرة ونحوها، فقراءة الكلمة "فأبى" أولى من قراءتها "فأنى" واللَّه أعلم.
(٢) سورة فاطر، من الآية (٣٧).
[ ٣ / ١٣٣٤ ]
ويحقق سوء ظنهم ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ (^١)، قال: فيكلحون فيها عميا وبكما وصما، لا يتكلمون ولا يستغيثون بأحد" (^٢).
١٢٥٣ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا حماد بن أسامة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: "إن أهل النار نادوا ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ قال: فخلى عنهم أربعين عاما ثم أجابهم ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ قال: فخلى عنهم مثل الدنيا ثم أجابهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا
_________________
(١) سورة المؤمنون، من الآية (١٠٨).
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه جسر بن فرقد وقد سبق (٥١٥) أنه ضعيف، وكذا ابنه انظر اللسان (٢/ ١١٢)، والأثر حسن من طريق ابن قانع فقد تابعه أيوب السختياني به، صفة النار (١٢١ - ١٢٢) رقم (١٨٦)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٤/ ٤٦٥) بسنده عن جسر به، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (١/ ٤١١) مقتصرا على الشطر الأول منه فقط، وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ٣٠، ١٥٩) من طريقين الأولى كالمصنف، والثانية بسند حسن -إن شاء اللَّه- عن ابن وهب عن الحارث بن عمير عن أيوب السختياني عن الحسن عن أبي برزة به، وهذا سند حسن فإن الحارث بن عمير وثقه الجمهور وفي أحاديثه مناكير ضعفه بسببها الأزدي وابن حبان وغيرهما فلعله تغير حفظه في الآخر، التقريب (١٠٤٨)، والثعلبي كما في تخريج الأحاديث والآثار (٤/ ١٤٥) عن الحسن بن دينار عن الحسن عن أبي برزة، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٣٩٧) لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه.
[ ٣ / ١٣٣٥ ]
تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ " (^١).
١٢٥٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن شهر بن حوشب، عن أبي الدرداء قال: "يُرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، قال: فيستغيثون، فيغاثون بالضريع الذي ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾ (^٢)، قال: فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصة، قال: فيذكرون أنهم يجيزون الغُصص في الدنيا بالشراب، قال: فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد، فإذا دنا من وجوههم شوى وجوههم، وإذا دخل بطونهم قطع ما في بطونهم، فيقولون: كلِّموا خزنة النار، فيقولون: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)﴾ فيجيبونهم: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾
_________________
(١) إسناده صحيح؛ سعيد بن أبي عروبة ثقة حافظ له تصانيف، كثير التدليس واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة التقريب (٢٣٧٨)، وقد رواه عنه ثلاثة حماد هنا وابن أبي عدي عند ابن جرير، ويحيى بن أبي طالب عند الحاكم، ولم أجد متى رووا عنه، انظر المختلطين للعلائي (٤١ - ٤٣)، صفة النار (١١٢) رقم (١٦٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٨) رقم (٣٤١٢٢)، وابن جرير في تفسيره (٢٥/ ٩٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٩٥) وقال: "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، ونسبه ابن رجب في التخويف من النار إلى ابن أبي حاتم (١٥٠ - ١٥١).
(٢) سورة الغاشية، الآية (٧).
[ ٣ / ١٣٣٦ ]
فيقولون: كلموا مالكا، فيقولون: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ فيجيبهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ (^١)، فيقولن: ادعوا ربكم؛ فإنه ليس أحد خيرا لكم من ربكم، فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ قال: فيجيبهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ (^٢)، قال: فعند ذلك ييأسون من كل خير، ويأخذون في الشهيق والويل والثبور" (^٣).
١٢٥٥ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا يحيى بن يمان قال: حدثنا سفيان، عن عطاء، عن أبي الحسن (^٤)، عن ابن عباس: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ قال: "يمكث ألف سنة ثم يجيبهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ " (^٥).
_________________
(١) سورة الزخرف، الآية (٦٥).
(٢) سورة المؤمنون، الآيتان (١٠٧ - ١٠٨).
(٣) إسناده ضعيف، شهر بن حوشب سبق (٣٨٣) أنه صدوق كثير الإرسال والأوهام، صفة النار (٦٥ - ٦٦) رقم (٨٤)، والترمذي مرفوعا (٤/ ٧٠٧) رقم (٢٥٨٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٩) رقم (٣٤١٢٩)، وابن جرير في تفسيره (١٨/ ٥٩) وقال ابن رجب في التخويف من النار (١/ ١٠٨): "وقد روي الحديث موقوفا على أبي الدرداء وقيل وقفه أشبه"، وانظر العلل للدراقطني (٦/ ٢٢٠)، والعلل لابن أبي حاتم (٢/ ٢١٨).
(٤) هكذا وقع في المطبوع والمخطوط، وورد كذلك عند عبد الرزاق في التفسير، ووقع عند الحاكم في المستدرك كما سيأتي، والبيهقي في البعث كما في التخويف من النار (١٥١) عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس، ولم يظهر لي فيه شيء واللَّه أعلم.
(٥) إسناده ضعيف؛ فيه يحيى بن يمان وقد سبق (٩٩٤)، والأثر حسن فقد تابعه قبيصة =
[ ٣ / ١٣٣٧ ]
١٢٥٦ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا أبو همام الأهوازي، عن هشام بن حسان، عن الحسن في قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ (^١) قال: "أما الأحقاب فلا يدرى كم هي، ولكن الحقب الواحد سبعون ألف عام، واليوم: ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ (^٢) " (^٣).
١٢٥٧ - حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرنا زهير بن معاوية، عن طارق بن عبد الرحمن قال: "كنت بمكة، فناداني رجل أو صاحب لي: يا طارق، أتكتب أو تقرأ؟ قلت: نعم، قال: فصعدت إلى عرفة (^٤)، فإذا كتاب في الحائط مثل الأصبع: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ الحقب: أربعون سنة، والسنة اثنا عشر شهرا، والشهر ثلاثون يوما، ويوم ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ
_________________
(١) = ابن عقبة وهو صدوق ربما خالف، التقريب (٥٥٤٨)، وعبد الرزاق الصنعاني، صفة النار (٦٦) رقم (٨٥)، والثوري في تفسيره (٢٧٤)، وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٠٢)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٤٨) من طريق قبيصة بن عقبة به لكنه قال عن عكرمة بدل أبي الحسن وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
(٢) سورة النبأ، الآية (٢٣).
(٣) سورة الحج، بعض الآية (٤٧).
(٤) إسناده لين؛ والأثر حسن لغيره، فيه هشام بن حسان وقد سبق (٢٧٩)، صفة النار (٨٤) رقم (١١٨)، وابن جرير في تفسيره (٣٠/ ١١ - ١٢) من طريق آخر عن سالم عن الحسن، وهو سالم الخياط وهو صدوق سيء الحفظ التقريب (٢١٩١)، وأحمد في الزهد (٢٨٨)، ونسبه السيوطي في الدر (٨/ ٣٩٤) لعبد بن حميد وابن جرير.
(٥) كذا ولعلها غرفة بالغين المعجمة.
[ ٣ / ١٣٣٨ ]
مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ قال: وفي البيت شيخ، فقلت: من كتب هذا الكتاب؟ فقال الشيخ: أو ما دخلت هذا البيت على علم؟ قال: قلت: لا، قال: بيت كان ينزله عبد اللَّه بن عمرو، قلت: هو كتب هذا؟ قال: نعم، قلت لطارق: تُرى هذا الشيخ أدركه؟ قال: نعم" (^١).
١٢٥٨ - حدثنا أبو عمرو القرشي قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن خليد بن دعلج، عن قتادة قال: "ما زال أهل النار يأملون الخروج لقول اللَّه: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ حتى نزلت ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ فهم في مزيد أبدا" (^٢).
التحليل والتعليق
تضنمت الآثار السابقة ذكر أبدية النار، وأنها لا تفنى، وذلك واضح في الاستغاثات التي يستيغثها أهل النار بالخزنة في جهنم ثم بمالك ثم برب
_________________
(١) إسناده حسن؛ طارق بن عبد الرحمن هو الأحمسي البجلي صدوق له أوهام التقريب (٣٠٢٠)، صفة النار (٨٤ - ٨٥) رقم (١١٩)، وذكر هذا القول عن عبد اللَّه بن عمرو ابن كثير (٤/ ٤٦٤) ونسبه لابن أبي حاتم.
(٢) إسناده ضعيف؛ وأصله ثابت عن قتادة، فيه الوليد بن مسلم وتدليسه تدليس التسوية كما سبق (٢١)، صفة النار (٨٥) رقم (١٢٠)، وابن جرير عنه بمعناه (٣٠/ ١١) بسند صحيح كله يمانيون إلى قتادة فقال: "أحقابا: وهو ما لا انقطاع له كلما مضى حقب جاء حقب بعده".
[ ٣ / ١٣٣٩ ]
العزة، وآخر جواب رب العالمين لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ (^١)، فينقطع الدعاء والرجاء منهم، وييأسون من كل خير، وهي أشد ساعات أهل النار عليهم، ولذلك لما فسّر السلف الأحقاب التي يمكثها الكفار في النار قالوا بأنه لا يدرى كم هي، وإنما فسروا الحقب الواحد، على اختلاف بينهم في تقديره، بل فسره بعضهم بأنه الذي لا ينقطع، فهو لا ينقطع أبدا كلما مضى حقب أعقبه آخر.
قال ابن حزم الأندلسي -﵀- في مراتب الإجماع: "وأن النار حق، وأنها دار عذاب أبدا لا تفنى، ولا يفنى أهلها بلا نهاية" (^٢)، ولم يتعقبه شيخ الإسلام ابن تيمية بل نص في موضع على ما يؤديه صراحة فقال: "اتفق سلف الأمة، وأئمتها، وسائر أهل السنة والجماعة، على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية؛ كالجنة، والنار، والعرش وغير ذلك، ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين؛ كالجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم، وهذا قول باطل يخالف كتاب اللَّه، وسنة رسوله، وإجماع سلف الأمة وأئمتها، كما في ذلك من الدلالة على بقاء الجنة وأهلها، وبقاء غير ذلك مما لا يتسع هذه الورقة لذكره" (^٣) وقال ابن القيم: "لما كان الناس على ثلاث طبقات:
_________________
(١) سورة المؤمنون، من الآية (١٠٧).
(٢) (ص ١٧٣)، وانظر الفصل (٤/ ٦٩).
(٣) مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٠٧).
[ ٣ / ١٣٤٠ ]
طيب لا يشينه خبيث، وخبيث لا طيب فيه، وآخرون فيهم خبث وطيب، كانت دورهم ثلاثة: دار الطيب المحض، ودار الخبيث المحض، وهاتان الداران لا تفنيان، ودار لمن معه خبث وطيب، وهي الدار التي تفنى، وهي دار العصاة" (^١) وقال صديق حسن خان: "ثبت بما ذكر من الآيات الصريحة، والأخبار الصحيحة خلود أهل الدارين خلودا مؤبدا، كلٌّ بما هو فيه من نعيم وعذاب أليم، وعلى هذا إجماع أهل السنة والجماعة، فأجمعوا على أن عذاب الكفار لا ينقطع، كما أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع، ودليل ذلك الكتاب والسنة" (^٢).
وقد فصّل ابن القيم ﵀ استدلالات هذه المسألة فقال: "الذين قطعوا بدوام النار لهم ست طرق:
أحدها: اعتقاد الإجماع؛ فكثير من الناس يعتقدون أن هذا مجمع عليه بين الصحابة والتابعين لا يختلفون فيه، وأن الاختلاف فيه حادث، وهو من أقوال أهل البدع.
_________________
(١) الوابل الصيب (٢٤)، وانظر ما نظمه في الكافية الشافية (١/ ٩٧)، والورع للإمام أحمد (٢٠٣)، وعنه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ٣١٢)، والرسائل والمسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة (٢/ ٢٢٥)، وعقيدة السلف (٢٦٤)، وشعار أصحاب الحديث (٣٤)، والشريعة (١/ ٣٩٧)، وشرح السنة للبربهاري (٢٧)، لمعة الاعتقاد (١٣٤)، والتعرف لمذهب التصوف (٥٦)، والتمهيد لابن عبد البر (٥/ ١٠ - ١١)، وشرح العقيدة الطحاوية (٤٢٠)، والشرح الميسر على الفقهين الأبسط والأكبر (٦٣)، والعين والأثر في عقائد أهل الأثر (٤٦).
(٢) يقظة أولي الاعتبار (٤١).
[ ٣ / ١٣٤١ ]
الطريق الثاني: أن القرآن دل على ذلك دلالة قطعية؛ فإنه ﷾ أخبر أنه عذاب مقيم، وأنه لا يفتر عنهم، وأنه لن يزيدهم إلا عذابا، وأنهم خالدون فيها أبدا، وما هم بخارجين منها أي من النار، وما هم منها بمخرجين، وأن اللَّه حرم الجنة على الكافرين، وأنهم لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط، وأنهم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها، وأن عذابها كان غراما أي مقيما لازما، قالوا: وهذا يفيد القطع بدوامه واستمراره.
الطريق الثالث: أن السنة المستفيضة أخبرت بخروج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان دون الكفار، وأحاديث الشفاعة من أولها إلى آخرها صريحة بخروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان.
الطريق الرابع: أن الرسول وقفنا على ذلك، وعلمناه من دينه بالضرورة من غير حاجة بنا إلى نقل معين، كما علمنا من دينه دوام الجنة وعدم فنائها.
الطريق الخامس: أن عقائد السلف وأهل السنة مصرحة بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما لا يفنيان، بل هما دائمتان، وإنما يذكرون فناءهما عن أهل البدع.
الطريق السادس: أن العقل يقضي بخلود الكفار في النار" (^١).
_________________
(١) حادي الأرواح (٢٤٩).
[ ٣ / ١٣٤٢ ]