وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول: الآثار الواردة في الصحابة عموما، والخلفاء الراشدين خاصة.
الفصل الثاني: الآثار الواردة في فضائل بقية العشرة ﵃.
الفصل الثالث: الآثار الواردة في فضائل بعض أهل البيت ﵃.
الفصل الرابع: الآثار الواردة في فضائل بقية الصحابة ﵃.
الفصل الخامس: الآثار الواردة في مسائل الإمامة والفتن.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
الفصل الأول: الآثار الواردة في الصحابة عموما، والخلفاء الراشدين خاصة.
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل الصحابة عموما.
المبحث الثاني: الآثار الواردة في النهي عن سبهم.
المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل أبي بكر الصديق -﵁-.
المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عمر بن الخطاب -﵁-.
المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل عثمان بن عفان -﵁-.
المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل علي بن أبي طالب -﵁-.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل الصحابة عموما.
أولا: الآثار الواردة في أفضليتهم وخيريتهم وأسبقيتهم.
٦٢١ - أنبأنا علي بن الجعد، أخبرني عمرو بن شمر، حدثني إسماعيل السُّدِّي قال: سمعت أبا أراكة قال: "صلّيت مع علي بن أبي طالب صلاة الفجر، فلما انفتل عن يمينه مكث كأن عليه كآبة، حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح قال: واللَّه لقد رأيت أصحاب محمد -ﷺ- فما أرى اليوم شيئا يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا، بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا للَّه سجّدا وقياما، يتلون كتاب اللَّه، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا اللَّه مادوا كما تميد الشجر في يوم الريح (^١)، وهملت أعينهم حتى تبلّ ثيابهم، واللَّه لكأن القوم باتوا غافلين، ثم نهض، فما رئى بعد ذلك مُفْتَرًّا يضحك حتى ضربه ابن ملجم عدو اللَّه الفاسق" (^٢).
٦٢٢ - حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا جرير، عن خلف بن
_________________
(١) أي تحرك بشدة، تاج العروس (١/ ٢٢٨٣).
(٢) إسناده ضعيف جدا؛ مداره على عمرو بن شمر وهو الجعفي رافضي متهم انظر لسان الميزان (٤/ ٣٦٦)، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٢٥) رقم (٦) كسابقه، والتهجد وقيام الليل رقم (٢٠٥)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٧٦) ووقع عنده عن رجل من جعفى عن السدي به، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٣٣٠)، وابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٦) وقال: "ومن كلامه الحسن ﵁"، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٩٢).
[ ٢ / ٧٦٠ ]
حوشب، عن الحسن البصري قال: كان يقول: إني أدركت صدر هذه الأمة ثم طال بي عمر حتى أدركتكم، فوالذي لا إله غيره لَهُم كانوا أبصر في دينهم بقلوبهم منكم في دنياكم بابصاركم، ولَهُم كانوا فيما أحلَّ (^١) اللَّه لهم أزهد منكم فيما حرّم اللَّه عليكم، ولَهُم كانوا من حسناتهم ألا تقبل منهم أشدّ شفقة منكم من سيئاتكم أن تؤخذوا بها" (^٢).
٦٢٣ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ثابت بن الوليد بن جميع قال: حدثني أبي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: "كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ليسوا بالمنخزقين (^٣) ولا متماوتين، يتناشدون الأشعار، ويجلسون في مجالسهم، ويذكرون جاهليتهم، فإن أريد إنسان منهم على شيء من أمر
_________________
(١) في المطبوع (أجلَّ).
(٢) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق كما سيأتي (٧٣٠)، الإشراف (٢٦٠) رقم (٣٣٣)، وأورده الذهبي في السير من طريق آخر عن الحسن (٤/ ٢٨٦)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٢٢٧) مختصرا، وورد معناه عن ابن مسعود وهو مشهور عنه، وكأن سند المؤلف فيه سقط بعد الحسن واللَّه أعلم، انظر: مستدرك الحاكم (٤/ ٣١٥) وقال: "صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه"، شعب الإيمان (٧/ ٣٧٤)، الزهد لابن المبارك (١٧٣).
(٣) كذا في المطبوع، وهو مصحف والصواب: "بالمنحزقين"، والمتحزق هو المتقبض، والمتشدد على ما في يده ضنكا، والبخيل جدا، ويروى بالخاء والراء، كتاب العين (٣/ ٣٨)، الفائق (١/ ٣٠١)، تاج العروس (١/ ٦٢٤٩)، غريب الحديث للخطابي (٣/ ٤٩)، وغريب الحديث لابن الجوزي (١/ ٢١١).
[ ٢ / ٧٦١ ]
دينه دارت عيناه فترى حماليقها (^١) غضبا" (^٢).
٦٢٤ - حدثنا محمد الحارث الخزاز، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا صاحب لنا كان يختلف معنا إلى مالك بن دينار قال: "رأيت مالك ابن دينار في المنام فقلت: يا أبا يحيى ما صنع اللَّه بك؟ قال: خيرا، لم نر مثل العمل الصالح، لم نر مثل الصحابة الصالحين، لم نر مثل مجالس السلف الصالح، لم نر مثل مجالس الصالحين" (^٣).
٦٢٥ - حدثني أحمد بن المقدام قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن ليث صاحب السقاية قال: حدثني إبراهيم بن خلف الوهبي: "أن رجلا من بني عجل، ورجلا من بني حنيفة افتخرا فقاما إلى يحيى بن أبي كثير
_________________
(١) حماليق العين بياضها، وحملق إليه نظر شديدا، لسان العرب (١٠/ ٦٩).
(٢) إسناده لين والأثر حسن، الوليد بن جميع صدوق يهم رمي بالتشيع التقريب (٧٤٨٢)، الإشراف (١٩١) رقم (١٨٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٧٨) رقم (٢٦٠٥٨)، و(٧/ ١٥٨) رقم (٣٤٩٥٧)، ومن طريقه أحمد في الزهد (٢١٥)، والبخاري في الأدب المفرد (١٩٥) رقم (٥٥٥)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١٩٤)، والخطابي في غريب الحديث (٣/ ٤٩)، والذهبي في السير (١١/ ٢٣٨)، وأورده الحافظ في الفتح (١٠/ ٥٤٠) من طريق ابن أبي شيبة وحسن سنده، وكذلك الألباني في الصحيحة (١/ ٧٩٦ - ٧٩٨).
(٣) إسناده لين فيه إبهام صاحب القصة، المنامات (١٠٤ - ١٠٥) رقم (٢٠٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٤٤٣) ولفظه: "لم ير مثل العمل الصالح، لم ير مثل الصحابة الصالحين، لم ير مثل السلف الصالح، لم ير مثل مجالس الصالحين".
[ ٢ / ٧٦٢ ]
ليقضي بينهما، فقال: إن مثلي لا يقضي في مثل هذه، ولكن لو خيّرت قبائل العرب لاخترت أن أكون من قريش، فإن حيل دون ذلك لاخترت أن أكون رجلا من الأنصار، ولو حيل دون ذلك لاخترت أن أكون رجلا من بني عجل، فقال إبراهيم: ليتني سألته لم اختار أن يكون من بني عجل؟ فلقيت بعدُ يزيد بن سيدان فحدّثته هذا الحديث وقال (^١): ليتني علمت تفسيره، فقال: أنا أخبرك؟ إن يحيى قال: إن رسول اللَّه -ﷺ- قال يوم ذي قار: "هزمت الميمنة، هزمت الميسرة، هذه بنو عجل تقتل الأعاجم، أرى عجل قومٌ ميامين، اللهم اجبر عظمهم" (^٢).
٦٢٦ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، نا معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد اللَّه: "أنتم أكثر صلاة، وأكثر صياما، وأكثر جهادا من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، وهم كانوا خيرا منكم، قالوا: فيم ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب في الآخرة" (^٣).
_________________
(١) لعلها: وقلت.
(٢) فيه صاحب السقاية وشيخه لم أقف عليهما، والحديث معضل، الإشراف (٢٨٤) رقم (٣٨٢)، أما بلاء بني عجل في يوم ذي قار فهو أمر مشهور، انظر الإصابة (١/ ٣٦٠)، الرحيق المختوم (٢٦ - ٢٧)، السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية (٦٠ - ٦١).
(٣) إسناده صحيح، ذم الدنيا (٣٢) رقم (٦٨)، ورقم (١٧٦) من طريق آخر، وابن المبارك في الزهد رقم (٥٠١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٠٦) رقم (٣٤٥٥٠)، وهناد في الزهد (١/ ٣٢٠) رقم (٥٧٥)، وابن بشر في الزهد وصفة =
[ ٢ / ٧٦٣ ]
٦٢٧ - ثنا عبد الرحمن بن صالح، نا المحاربي، عن مبارك، عن الحسن قال: "إن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- كانوا أكياسا، عملوا صالحا، وأكلوا طيبا، وقدّموا فضلا، ولم ينافسوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم ينافسوهم في عزها، ولم يجزعوا لذُلِّها، أخذوا صفوها، وتركوا كدرها، واللَّه ما تعاظم في أنفسهم حسنة عملوا، ولا تصغر في أنفسهم سيئة" (^١).
٦٢٨ - حدثنا محمد بن عبيد اللَّه (^٢)، نا يونس بن محمد، نا المعتمر بن سليمان قال: كتب ليث: من ليث بن أبي سليم (^٣) إلى سليمان بن طرخان: "سلام عليك، . . . حدثني من أدرك أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- أنهم قالوا: كنا إذا أسلمنا أقبلنا على الآخرة، وتركنا الدنيا لأهل الشرك، وإن الناس اليوم أقبلوا على أمر دنياهم، وتركوا أمر آخرتهم" (^٤).
_________________
(١) = الزاهدين رقم (٥٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣١٥) وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، والطبراني في الكبير (٩/ ١٥٣) رقم (٨٧٦٨)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٢٥): "رواه الطبراني وفيه عمارة بن يزيد صاحب ابن مسعود ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات"، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٣٦).
(٢) إسناده لين، فيه عنعة المحاربي وقد سبق (١٧٩) أنه مدلس، ذم الدنيا (٧١) رقم (١٧٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٧٤) رقم (١٠٦٣٣).
(٣) هو المعروف بابن المنادى صدوق من صغار العاشرة، التقريب (٦١٥٣).
(٤) هو ليث بن أبي سليم بن زنيم، صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك، كان ذا صلاة وصيام وعلم كثير، مات سنة (١٤٨ هـ)، الكاشف (٢/ ١٥١)، التقريب (٥٦٨٥).
(٥) إسناده حسن؛ شيخ المصنف صدوق، ذم الدنيا (١٣٨ - ١٣٩) رقم (٤١٩).
[ ٢ / ٧٦٤ ]
٦٢٩ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن سعد بن أبي وقاص قال: "لقد رأيتنا مع رسول اللَّه -ﷺ- وما طعامنا إلا ورق الحُبْلة والسَّمُر (^١)، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع العنز، ما له خلط (^٢) " (^٣).
٦٣٠ - حدثنا خالد بن خداش قال: حدثنا مهدي بن ميمون، عن محمد بن سيرين قال: إن كان الرجل من أصحاب النبي -ﷺ- يأتي عليه ثلاثة أيام لا يجد شيئا، فيأخذ الجلدة فيشويها فيأكلها، فإذا لم يجد شيئا أخذ حجرا فشدّ به صلبه" (^٤).
٦٣١ - حدثنا علي بن الجعد الجوهري قال: أخبرني المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: "خطب عتبة بن غزوان (^٥) الناس بالبصرة فقال في
_________________
(١) هو ورق السمر يشبه اللوبياء، وقيل: هو ثمر العِضاه، والسمر شجر من العضاه وهو كل شجر له شوك، غريب الحديث للخطابي (٢/ ١٤٠).
(٢) أي لا يَخْتَلِط نَجْوُهُم بعضُه ببعض، لجفافه ويُبْسِه، النهاية في غريب الحديث (٢/ ١٤١).
(٣) إسناده صحيح، الجوع (١٠٦) رقم (١٦٣)، والأثر في صحيح البخاري (٩/ ٥٩٤ فتح) رقم (٥٤١٢).
(٤) إسناد حسن؛ شيخ المصنف صدوق يخطئ كما سبق (١٢)، لكن تابعه الأسود بن عامر وهو ثقة، التقريب (٥٠٨)، الجوع (٦٢ - ٦٣) رقم (٦١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٢٢٦) رقم (٣٥٥٤٥) عن الأسود بن عامر به، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ١٠٩): "رواه ابن أبي الدنيا في الجوع بإسناد جيد".
(٥) هو عتبة بن غَزْوان بن جابر المازني، حليف بني عبد شمس، صحابي جليل، مهاجري =
[ ٢ / ٧٦٥ ]
خطبته: لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول اللَّه -ﷺ- قريبا من شهر رمضان، ما لنا طعام إلا ما نصيب من أوراق الشجر، حتى قرحت أشداقنا (^١) من أكل الشجر، ولقد رأيتني التقطت بُرْدَة (^٢) فشققتها بيني وبين سعد بن مالك (^٣) " (^٤).
٦٣٢ - حدثني أزهر بن مروان الرقاشي قال: أخبرنا غسّان بن بُرزين قال: حدثني راشد أبو محمد الحماني قال: قال ابن عمر: "لقد أتى علينا زمان وما أحد أحقّ بديناره ودرهمه من أخيه المسلم" (^٥).
_________________
(١) = بدري، وهو أول من اختط البصرة، مات سنة (١٧ هـ) ويقال بعدها الإصابة (٤/ ٤٣٨)، التقريب (٤٤٣٨).
(٢) جمع شدق وهو جانب الفم، مختار الصحاح (٣٥٤).
(٣) البُرْدَةُ كساء أسود مربع، فيه صغر، تلبسه الأعراب، والجمع بُرَدٌ، مختار الصحاح (٧٣).
(٤) الظاهر أنه سعد بن أبي وقاص، وليس سعد بن مالك أبا سعيد الخدري؛ فإن سعد ابن أبي وقاص واسم أبي وقاص مالك، متقدم جدا، وهو سعد بن أبي وقاص -مالك- بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهري، أبو إسحاق، أحد العشرة، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، ومناقبه كثيرة، مات بالعقيق سنة (٥٥ هـ) على المشهور وهو آخر العشرة وفاة، وأما أبو سعيد الخدري فهو أصغر منه فإنه استصغر يوم أحد، الإصابة (٣/ ٧٣)، التقريب (٢٢٥٩) (٢٢٥٣).
(٥) إسناده ضعيف فيه المبارك بن فضالة وقد سبق (٩٣) أنه يدلس ويسوي، الجوع (١٠٥) رقم (١٦٢)، والخطبة في صحيح مسلم (٤/ ٢٢٧٨) رقم (٢٩٦٧).
(٦) إسناده حسن؛ فيه راشد الحماني وهو صدوق ربما أخطأ التقريب (١٨٦٧)، العقوبات (٣٣) رقم (٢٤)، الإخوان (٢٠٤) رقم (١٥٧)، ولم يشر المحققان إلى المصدر الآخر، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣٤١) رقم (٢٦٧٠٥)، وأحمد في =
[ ٢ / ٧٦٦ ]
٦٣٣ - حدثنا علي بن الحسين العامري، نا علي بن حفص المدائني، أنا شيخ من البصريين يقال له: أبو الدرقاء قال: سمعت أنس بن مالك وسمع رجلا يقول: "أين الزاهدون في الدنيا، الراغبون في الآخرة؟ قال: أولئك أهل بدر (^١) " (^٢).
ثانيا: الآثار الواردة في جهادهم ودفاعهم عن رسول اللَّه -ﷺ-، وحبهم له.
٦٣٤ - حدثنا عبيد اللَّه بن جرير قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه (^٣): "أن رجلا مرّ على رجل من
_________________
(١) = المسند (٥/ ٣٩٥) رقم (٥٥٦٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٥٢) رقم (١١١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣١٣ - ٣١٤)، والروياني في مسنده (٢/ ٤١٤) رقم (١٤٢٢)، وأبو يعلى في المسند (١٠/ ٢٩) رقم (٥٦٥٩)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٤٣٢) رقم (١٣٥٨٣)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٨٢): "رواه الطبراني بأسانيد وبعضها حسن"، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٤٣٣ - ٤٣٤) رقم (١٠٨٧٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٢٠٥)، وابن حجر في لسان الميزان (٢/ ٣٨)، وابن قدامة في المتحابين في اللَّه رقم (٥١)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٢٢)، والعسكري في تصحيفات المحدثين (١/ ١٩١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١/ ١٦٢)، وانظر تصحيح ابن القيم وذكر طرق الحديث في حاشيته على سنن أبي داود (٩/ ٢٤٥)، وذكره الزرقاني في شرحه على الموطأ (٣/ ٣٦٧) ونقل تصحيح ابن القطان له، وراجع التلخيص الحبير (٣/ ١٩)، ونصب الراية (٤/ ١٦).
(٢) بدر ماء مشهور بين مكة والمدينة، أسفل وادي الصفراء، وبها وقعت الوقعة المشهورة في السيرة بغزوة بدر، معجم البلدان (١/ ٣٥٧).
(٣) إسناده فيه أبو الدرقاء لم أجده، ذم الدنيا (١٤٩) رقم (٤٥٦).
(٤) هو عِرباض بن سارية السلمي، أبو نجيح، صحابي كان من أهل الصفة، ونزل حمص =
[ ٢ / ٧٦٧ ]
الأنصار وهو يتشحّط (^١) في دمه، فقال: إني فلان، أشعرت أن محمدا قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلّغ، فقاتلوا عن دينكم" (^٢).
٦٣٥ - حدثنا عبيد بن جرير، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد ابن سلمة، عن علي بن زيد، عن القاسم بن محمد (^٣) قال: "ذهب بصر رجل من أصحاب النبي -ﷺ-، فأتاه أصحابه يعزّونه، فقال لهم: إنما كنت أريدهما لأنظر بهما إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فأما إذ قبض اللَّه ﷿ نبيّه -ﷺ- فما يسرّني أن ما بهما بظبي من ظباء تَبَالَة (^٤) " (^٥).
_________________
(١) = مات بعد السبعين، الإصابة (٤/ ٤٨٢)، التقريب (٤٥٥٠)، وليس المراد عمرو بن عنبسة أبا نجيح فإنه هاجر بعد أحد، وظاهر سياق القصة أنه حدث في أحد لأن هذه الكلمة قيلت في غزوة أحد لما أشيع أن النبي -ﷺ- قد مات واللَّه أعلم.
(٢) هو اضطراب في الدم، لسان العرب (٧/ ٣٢٧).
(٣) إسناده حسن، ورقاء صدوق في حديثه عن منصور لين التقريب (٧٤٥٣)، المحتضرين (٢٣٣) رقم (٣٤٩)، وابن المبارك في الجهاد (١/ ٧٧) رقم (٩٠)، وابن جرير في تفسيره (٤/ ١١١ - ١١٢)، وانظر طرقه في تخريج الأحاديث والآثار (١/ ٢٣٢) للزيلعي.
(٤) هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، ثقة أحد الفقهاء بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، مات سنة (١٠٦ هـ) ومائة على الصحيح، التقريب (٥٤٨٩).
(٥) بلدة مشهورة من أرض تهامة، وهي أول عمل وليه الحجاج بن يوسف، بينها وبين بيشة يوم واحد، معجم البلدان (٢/ ٩).
(٦) إسناده ضعيف؛ مداره علي بن زيد وهو ضعيف كما سيأتي (٧٨٧)، المتمنين =
[ ٢ / ٧٦٨ ]
٦٣٦ - حدثنا أبو إسحاق، نا معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية (^١) قال: "بعث رسول اللَّه -ﷺ- جيشا فيهم ابن رواحة وخالد، فلما صافوا المشركين أقبل رجل منهم يسبّ رسول اللَّه -ﷺ- فقال رجل من المسلمين: أنا فلان بن فلان وأمي فلانة فسبّني وسبّ أمي وكفّ عن رسول اللَّه -ﷺ-، فلم يزده ذلك إلا إغراء فأعاد مثل ذلك وأعاد الرجل مثل ذلك فقال: لئن عدت الثالثة لأرحلنّ إليك بسيفي، فعاد فحمل عليه الرجل فولّى الرجل مدبرا فاتّبعه الرجل حتى خرق صف المشركين فضربه بسيفه فأحاط به المشركون فقتلوه، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أعجبيم من رجل يضر (^٢) اللَّه ورسوله؟ " ثم إن الرجل برأ من جراحته فأسلم وكان يسمّى الرُحيل" (^٣).
_________________
(١) = (٨٧) رقم (١٤٩)، والبخاري في الأدب المفرد (١٨٨) رقم (٥٣٣)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ٣١٣).
(٢) هو حسان بن عطية المحاربي مولاهم، أبو بكر الدمشقي، ثقة فقيه عابد، مات بعد العشرين ومائة، التقريب (١٢٠٤).
(٣) كذا في طبعتي جيمز ومحمد عطا، وفي الصارم المسلول (٢/ ٢٩٠): "نصر اللَّه ورسوله" وهو المناسب.
(٤) إسناده حسن إلى حسان بن عطية، وهو مرسل فإن حسان لم يدرك القصة كما يتبين من ترجمته، وانظر جامع التحصيل للعلائي (١٦٢) رقم (١٣٢)، وشيخ المصنف أبو إسحاق هو إسماعيل بن أبي الحارث البغدادي صدوق، التقريب (٤٢٨)، وورد في بعض نسخ المخطوط كما في طبعة جيمز أنه (إسماعيل بن =
[ ٢ / ٧٦٩ ]
٦٣٧ - حدثنا أبو إسحاق، نا معاوية، عن أبي إسحاق، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: "لما كان يوم جرح رسول اللَّه -ﷺ- قال رجل من القوم: وجهى أحقّ بالكُلُوم (^١) من وجهك، ثم تقدّم فقال: يا معشر الشباب من جشم (^٢)، من يريد معي الموت؟ " (^٣).
ثالثا: الآثار الواردة في الألفة والتحاب فيما بينهم.
٦٣٨ - حدثني أبو الحسن قال: حدثنا أبو مسهر قال: حدثنا سعيد ابن عبد العزيز قال: "قال بلال (^٤) حين حضرته الوفاة: غدا نلقى الأحبة، محمدا وحزبه، قال: تقول امرأته: واويلاه، قال: يقول: وافرحاه" (^٥).
_________________
(١) = الحرث)، وقد ذكر ابن أبي الحارث ضمن شيوخ ابن أبي الدنيا وتلاميذ معاوية بن عمرو كما في تراجمهم من تهذيب الكمال للمزي، مكارم الأخلاق (٤٠) رقم (١٧٨)، وأورده ابن تيمية في الصارم المسلول (٢/ ٢٩٠)، ونسبه إلى الأموي في مغازيه، وأبي إسحاق الفزاري.
(٢) الكَلْمُ الجراحة والجمع كُلُومٌ، مختار الصحاح (٥٨٦).
(٣) جَشِمَ الأمر من باب فهم، وتَجَشَّمَهُ أي تكلفه على مشقة، مختار الصحاح (١١٩).
(٤) إسناده معضل، ويحيى بن أبي كثير ثقة ثبتت لكنه يدلس ويرسل التقريب (٧٦٨٢)، مكارم الأخلاق (٤١) رقم (١٧٩).
(٥) هو بلال بن رباح الحبشي المؤذن، وهو ابن حمامة، وهي أمه، أبو عبد اللَّه، مولى أبي بكر، من السابقين الأولين، وشهد بدرا والمشاهد، مات بالشام سنة (١٧ هـ) وقيل غير ذلك، وله بضع وستون سنة، الإصابة (١/ ٣٢٦)، التقريب (٧٧٩).
(٦) إسناده منقطع؛ فإن سعيد بن عبد العزيز ثقة إمام اختلط في آخر أمره، لكنه من الطبقة السابعة، التقريب (٢٣٧١)، المحتضرين (٢٠٧ - ٢٠٨) رقم (٢٩٤)، ومن =
[ ٢ / ٧٧٠ ]
٦٣٩ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثني معن بن عيسى قال: حدثنا عثمان بن محمد الزبيري قال: قال أبو بكر الصدّيق في بعض خطبه: "نحن واللَّه والأنصار كما قال:
جزى اللَّه عنّا جعفرا حين أشرفت بنا نعلنا للواطئين فزّلت
أبَوا أن يملّونا ولو أن أمَّنا تلاقي الذي لاقوا من الشرِّ ملَّتِ (^١)
٦٤٠ - حدثنا خالد بن مرداس السرّاج قال: حدثنا حماد بن يحيى الأبحّ، عن أبيه، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان (^٢) قال: "ثلاث أعجبتني ثم أضحكتني، مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط رب العالمين عليه أم راض عنه، وثلاثة أحزنتني حتى أبكتني: فراق محمد -ﷺ-
_________________
(١) = طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٤٧٥)، وذكره الذهبي في السير (١/ ٣٥٩).
(٢) في إسناده الزبيري لم أقف له على ترجمة، الإشراف (٢٨٦) رقم (٣٨٦)، والبلاذري في فتوح البلدان (١/ ٣٣ - ٣٤) وفيه قصة وأن ذلك حصل عند إجلاء بني النضير، وفي تاريخ اليعقوبي (٢/ ١٢٧ - ١٢٨) أن ذلك كان بعد إنفاذ جيش أسامة وتولي أبي بكر الخلافة.
(٣) هو سلمان الفارسي، أبو عبد اللَّه، ويقال له سلمان الخير، أصله من أصبهان، وقيل: من رامهرمز، أول مشاهده الخندق، مات سنة (٣٤ هـ)، يقال بلغ ثلاثمائة سنة، قال الذهبي: "ظهر لي أنه من أبناء الثمانين، لم يبلغ المائة"، الكاشف (١/ ٤٥١)، الإصابة (٣/ ١٤١)، التقريب (٢٤٧٧).
[ ٢ / ٧٧١ ]
وحزبه والأحبة، وهول المطلع، والوقوف بين يدي ربي، لا أدري إلى الجنة يؤمر بي أو إلى النار" (^١).
رابعا: الآثار الواردة في كريم أفعالهم، ومحاسن أخلاقهم.
٦٤١ - حدثنا داود بن عمرو بن زهير الضبي، حدثنا محمد بن الحسن الأسدي، حدثنا سعيد بن مسلم، عن عبد الوارث، عن أنس -﵁- قال في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^٢) قال: نزلت في رجل من الأنصار أرسل النبي -ﷺ- ضيفا من أضيافه، فأتى منزله، فقالت له امرأته: ما هذا؟ قال: هذا ضيف رسول اللَّه -ﷺ-، قالت: والذي بعث محمدا بالحق، ما أمسى عندنا إلا قُرْص (^٣)، فذلك القرص لي أو لك أو للضيف أو للخادم، قال: اثردي (^٤) هذا القرص، وآدميه بسمن ثم قرّبيه، وأمري الخادم يطفئ السراج، وجعلت تتلمّظ (^٥) هي وهو حتى رأى
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ حماد بن يحيى الأبح صدوق يخطئ التقريب (١٥١٧)، وأبوه لم أجد له ترجمة، والأثر حسن بطرقه، قصر الأمل (٤٠ - ٤١) رقم (٢٩)، وأحمد في الزهد (١٥٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٧٨) رقم (١٠٦٥٢)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ٤٤٤)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٥٤٨)، وابن المبارك في الزهد رقم (٢٤٩) من قول أبي الدرداء -﵁-.
(٢) سورة الحشر، الآية (٩).
(٣) قرص الخبز هو الرغيف جمعه قِرَصَة، لسان العرب (٧/ ٧٠).
(٤) ثَرَد الخبز كسره، مختار الصحاح (٩٠).
(٥) تَلَمَّظَ إذا تتبع بلسانه بقية الطعام في فمه، وأخرج لسانه فمسح، مختار الصحاح (٦١٢).
[ ٢ / ٧٧٢ ]
الضيف أنهما يأكلان، وأصبح فصلى مع رسول اللَّه -ﷺ-، فانصرف رسول اللَّه -ﷺ- فقال: "أين صاحب الضيف؟ " ثلاث مرات، والرجل ساكت، قال: أنا صاحب الضيف، قال: "حدثني جبريل أن اللَّه تعالى ﷿ ضحك حين قلت لخادمك أطفئ السراج" ونزلت ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ " (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة فضل الصحابة ﵃ أجمعين، وبيان بعض محاسنهم، ومكارم أخلاقهم، وقد جعلتها في العناصر الأربعة، وهي: أفضليتهم وخيريتهم وأسبقيتهم، جهادهم ودفاعهم عن رسول اللَّه -ﷺ- وحبّهم له، الألفة والتحاب فيما بينهم، كريم أفعالهم ومحاسن أخلاقهم.
فأما أفضليتهم: فقد تضمنت الآثار بيان ذلك من عدة أوجه، حيث تضمن أثر علي بن أبي طالب -﵁- أسفه وحزنه على أنه لم يعد يرى في وقته شيئا يشبه ما كان عليه صحابة رسول اللَّه، ثم فسّر ذلك بطول قيامهم الليل، ثم إذا أصبحوا بكوا بكاء المقصِّر المذنب، وهذا ما أكده
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه عبد الوارث مولى أنس ضعفه الدارقطني، وانظر باقي الكلام فيه في لسان الميزان (٤/ ٨٥)، قرى الضيف (١٩ - ٢٠) رقم (١٠)، وانظر الذي بعده حيث سمى الصحابي ثابت بن قيس، لكن قصة الأنصاري صحيحة في البخاري ومسلم عن أبي هريرة -﵁-، على اختلاف في تحديد صاحبها انظر فتح الباري (٧/ ١١٩ - ١٢٠).
[ ٢ / ٧٧٣ ]
الحسن البصري في الأثر بعده، وذكر أيضا بصرهم بدينهم أكثر من بصر من بعدهم بدنياهم، وزهدهم في الحلال أكثر من زهد من بعدهم في الحرام، ثم بيّن أثر أبي سلمة أنهم كانوا على سماحة الإسلام بلا رهبانية ولا تنطع، من تناشد الأشعار، والجلوس في المجالس العامة، وذكر جاهليتهم، لكن كل هذا في حدود المباح، ولذلك بيّن أنهم إذا أُريدوا على دينهم لم يقاوم غضبهم، وقد بيّن عبد اللَّه بن مسعود سبب هذه الأفضلية والخيرية ولو كان من بعدهم أكثر صلاة وصياما، بأنه زهدهم في الدنيا ورغبتهم في الآخرة، وسمى الحسن البصري هذا منهم كيسا، حيث بيّن أنهم في أمر الدنيا أخذوا صفوها، وتركوا كدرها، وفي أمر الآخرة فلا تتعاظم عندهم حسنة عملوها، ولا يتصاغر ذنب اقترفوه، ثم تضمنت الآثار بعد هذا بعض تفاصيل هذه الأفضلية، فقد كانوا إذا أسلموا أقبلوا على الآخرة، وتركوا الدنيا لأهل الشرك، ولم يكن لهم ما يأكلون إلا ورق الأشجار والحبلة والسمر، حتى كان أحدهم يضع كما تضع العترة، وتقرح أشداقهم من ذلك، ويطول بهم زمن الجوع إلى ثلاثة أيام، فيشوي أحدهم الجلدة فيأكلها، وقد لا يجدها فيحزم بطنه بالحجر، بل يلتقط بعضهم البردة ثم يقسمها مع أخ له اثنين، ولم يكن أحدهم أحق بديناره من أخيه المسلم، ولذلك كان بعض من تأخر به الموت فعاش إلى أن أدرك زمن التابعين، يتحسّر على تلك الأيام، وأولئك الأقوام، فأجاب أنس من سأل عن الزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة بأنهم أهل بدر.
[ ٢ / ٧٧٤ ]
ومن أوجه تلك الأفضلية النصوص الثابتة في حقهم كما تضمن أثر يحيى بن أبي كثير فضل بني عجل لما قاله فيهم -ﷺ- يوم ذي قار، وبعض رؤى الصالحين كرؤية مالك بن دينار بأنه لم ير مثل الصحابة الصالحين.
قال العلائي: "لا خير إلا وقد سبقوا إليه من بعدهم، ولا فضل إلا وقد استفرغوا فيه جهدهم" (^١)، وقال ابن كثير: "لهم الفضل، والسبق، والكمال، الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة ﵃، وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل" (^٢)، وأما نصوص الشرع في فضلهم فقد ذكر غير واحد أنها أكثر من أن تحصر قال الإسفراييني: "الأخبار في فضل الصحابة ﵃ أكثر من أن يحتمله هذا المختصر" (^٣)، وقال الذهبي: "مناقب الصحابة وفضائلهم فأكثر من أن تذكر" (^٤)، وقال شيخ الإسلام -لما ذكر ما يروى عن بعضهم الصحابة من المساوئ-: "قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم، ومحاسنهم؛ من الإيمان باللَّه، ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما من اللَّه به عليهم من الفضائل، علم يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة
_________________
(١) منيف الرتبة (٣١ - ٣٢).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٦٠).
(٣) التبصير في الدين (١٨٠)، وانظر الصواعق المحرقة (٢/ ٦٠٧).
(٤) الكبائر (٢٣٦).
[ ٢ / ٧٧٥ ]
التي هي خير الأمم وأكرمها على اللَّه تعالى" (^١)، ومن لطيف ما ذكره ابن كثير في أفضليتهم قوله: "الصحابة ﵃ خلصت نياتهم، وحسنت أعمالهم، فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم، وقال مالك ﵁: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة ﵃، الذين فتحوا الشام، يقولون: واللَّه لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا، وصدقوا في ذلك؛ فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- وقد نوَّه اللَّه ﵎ بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة" (^٢).
وأما جهادهم ودفاعهم عن رسول اللَّه -ﷺ-، وحبهم له: فقد تضمنت الآثار من ذلك العجب؛ فالأنصاري الذي كان يتشحط في دمه لم يرعه خبر مقتل رسول اللَّه -ﷺ-، بل أمر مخبره بأن يستمر في جهاده الواجب عليه، وأن الرسول -ﷺ- ولو قتل فقد بلغ، وكيف هان ذهاب بصر أحدهم، وأجاب المُعَزِّين له بأنه لا حاجة له بالنظر إلى شيء بعد موت رسول اللَّه -ﷺ-، وفداهم رسول اللَّه -ﷺ- بأموالهم وأنفسهم وأعراضهم، وقد عرف أهل السنة قدر هذه المناقب التي امتازوا بها، وأنزلوهم المنزلة الرفيعة التي يستحقونها، فكان من جملة الاستدلال على تعديل الصحابة وتفضيلهم ما قاله الهيتمي: "لو لم يرد من اللَّه ورسوله
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٥ - ١٥٦).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٦٠)، وانظر الصواعق المحرقة (٢/ ٦٠٧).
[ ٢ / ٧٧٦ ]
فيهم شيء مما ذكرناه -أي من النصوص الشرعية-، لأوجبت الحال التي كانوا عليها؛ من الهجرة، والجهاد، ونصرة الإسلام، ببذل المهج، والأموال، وقتل الآباء، والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان، واليقين، القطع بتعديلهم والاعتقاد بنزاهتهم" (^١).
وأما الألفة والتحاب فيها بينهم: فقد كانوا ﵃ كقلب رجل واحد، يفضل أحدهم الموت على الحياة لأنه سيلقى الأحبة، وهم النبي -ﷺ- ومن سبقه من أصحابه، كما في قول بلال -﵁- عند موته، وتحمل الأنصار في سبيل نصرتهم للمهاجرين، ما لو تحملته أم من أولادها لملّت، كما قال سيد المهاجرين والأنصار أبو بكر الصديق -﵁-، ويبكي أحدهم لفراقهم وفراق رسول اللَّه ويحزنه ذلك كما في أثر سلمان الفارسي -﵁-.
وأما كريم أفعالهم، ومحاسن أخلاقهم: ففى قصة الأنصاري الذي أقرى ضيف رسول اللَّه، وضحك اللَّه من فعله، هو وزوجته، أكبر دليل على ما كانوا عليه، وسيأتي تفصيل ذلك في المباحث التالية، في صفات ومناقب بعضهم مفردة.
قال ابن تيمية: "لم يتنازع أهل العلم والإيمان، فيما استفاض عن النبي -ﷺ- من قوله: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم"، وكل من له لسان صدق من مشهور بعلم أو دين، معترف بأن
_________________
(١) الصواعق المحرقة (٢/ ٦٠٨).
[ ٢ / ٧٧٧ ]
خير هذه الأمة هم الصحابة. . . ولا تجد إماما في العلم والدين، كمالك والأوزاعي والثوري. . . وأمثالهم، إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين بعلم الصحابة، وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة، وهم يرون أن الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب" (^١).
وقد عدد ابن القيم ﵀ أسباب أفضلية الصحابة فقال: "درجات السبق أعني درجة العلم والعدل والجهاد وبها سبق الصحابة، وأدركوا من قبلهم، وفاتوا من بعدهم، واستولوا على الأمد البعيد، وحازوا قصبات العلى، وهم كانوا السبب في وصول الإسلام إلينا، وفي تعليم كل خير وهدى، وسبب تنال به السعادة والنجاة، وهم أعدل الأمة فيما ولوه، وأعظمها جهادا في سبيل اللَّه، فالأمة في آثار علمهم، وعدلهم، وجهادهم إلى يوم القيامة، فلا ينال أحد منهم مسألة علم نافع إلا على أيديهم، ومن طريقهم ينالها، ولا يسكن بقعة من الأرض آمنا، إلا بسبب جهادهم، وفتوحهم، ولا يحكم إمام ولا حاكم بعدل وهدى، إلا كانوا هم السبب في وصولهم إليه، فهم الذين فتحوا البلاد بالسيف، والقلوب بالإيمان، وعمروا البلاد بالعدل، والقلوب بالعلم والهدى، فلهم من الأجر بقدر أجور الأمة إلى يوم القيامة، مضافا إلى أجر أعمالهم التي اختصوا بها، فسبحان من يختص بفضله ورحمته من يشاء، وإنما نالوا هذا بالعلم،
_________________
(١) العقيدة الأصفهانية (١٦٥).
[ ٢ / ٧٧٨ ]
والجهاد، والحكم بالعدل، وهذه مراتب السبق التي يهبها اللَّه لمن يشاء من عباده" (^١).
_________________
(١) طريق الهجرتين (٥٣٧).
[ ٢ / ٧٧٩ ]
المبحث الثاني: الآثار الواردة في النهي عن سبهم.
٦٤٢ - حدثنا علي بن الجعد، ثنا شعبة عن يحيى بن الحصين قال: سمعت طارقا -﵁- قال: "كان بين سعد وخالد ﵄ كلام، فذهب رجل يقع في خالد -﵁- عند سعد -﵁-، فقال: "مه، إن ما بيننا لم يبلغ ديننا" (^١).
٦٤٣ - نا الحسن بن أبي الربيع، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن عبد اللَّه بن صفوان قال: "قال رجل يوم صفين (^٢): اللهم العن أهل الشام، فقال عليّ: لا تسبّ أهل الشام جما غفيرا؛ فإن فيها الأبدال فإن فيها الأبدال فإن فيها الأبدال" (^٣).
_________________
(١) الأثر صحيح، الغيبة والنميمة (١٠٣) رقم (١١١)، وأخرجه: أحمد في فضائل الصحابة (٢/ ٧٥١) رقم (١٣١١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٣٠) رقم (٢٥٥٣٥)، و(٦/ ١٩٩) رقم (٣٠٦٤٢)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٩٤)، والطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١٠٦) رقم (٣٨١٠)، وأورده ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٣٦٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٣): "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح".
(٢) موضع بقرب الرقة على شاطئ الفرات، من الجانب الغربي، بين الرقة وبالس، وكانت وقعة صفين بين علي ومعاوية ﵄ في سنة (٣٧ هـ)، معجم البلدان (٣/ ٤١٤).
(٣) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق التقريب (١٣٠٠)، الأولياء (٣٠) رقم (٧٠)، وابن المبارك في الجهاد رقم (١٩٢)، ومعمر في الجامع كما في المصنف (١١/ ٢٤٩) =
[ ٢ / ٧٨٠ ]
٦٤٤ - حدثنا خالد بن خداش وغيره، عن حماد بن زيد، عن علي بن زيد بن جدعان قال: "كنت جالسا إلى سعيد بن المسيّب (^١)، فقال: يا أبا الحسن مر قائدك يذهب بك فتنظر إلى وجه هذا الرجل وإلى جسده، فانطلق، قال: فإذا وجهه وجه زنجيّ، وجسده أبيض، فقال سعيد: إني أتيت على هذا وهو يسبّ طلحة والزبير وعليا رحمة اللَّه عليهم، فنهيته فأبى، فقلت: إن كنت كاذبا فسوّد اللَّه وجهك، فخرجت في وجهه
_________________
(١) = رقم (٢٠٤٥٥)، وأحمد في فضائل الصحابة (٢/ ٩٠٥) رقم (١٧٢٦)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ١٧٦)، والمقدسي في المختارة (٢/ ١١ - ١١٢) رقم (٤٨٥ - ٤٨٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١/ ٣٣٧ - ٣٤٠) واستقصى طرقه وبين بعض الفوائد الإسنادية فيها، وبلفظ مقارب الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٥٣) وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وصححه الألباني أيضا موقوفا في الضعيفة (٦/ ٥٦٥). وقد ورد هذا الأثر بطرق مرفوعا وموقوفا، استقصاها السيوطي في الحاوي للفتاوي في رسالة خاصة (٢/ ٤٥٥ - ٤٧٢)، وكذا العجلوني في كشف الخفاء (١/ ٢٦)، ولا يصح رفعه كما في نص غير واحد من العلماء، انظر بحثا ضافيا للألباني في الضعيفة (٢/ ٣٣٩ - ٣٤١) مع الموضع السابق.
(٢) هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، الفقهاء الكبار، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علما منه، مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين، التقريب (٢٣٩٦).
[ ٢ / ٧٨١ ]
قرحة، فاسودّ وجهه" (^١).
٦٤٥ - حدثني ابن أبي ﵀ (^٢) قال: حدثنا وضاح بن حسان قال: عن أبي المحيّاة يحيى بن يعلى، عن عمر بن الحكم، عن عمه قال: "خرجنا نريد مكة. . . ومعنا رجل يسبّ أبا بكر وعمر ﵄، فنهيناه فلم ينته، فانطلق لبعض حاجته فاجتمع عليه الدَّبر، فاستغاث، فأغثناه، فحملت علينا، فرجعنا، فلم تقلع عنه حتى قطّعته" (^٣).
٦٤٦ - حدثني سويد بن سعيد، عن أبي المحيّاة التيمي، حدثني مؤذن عنك! (^٤) قال: "قال خرجت أنا وعمي إلى مكران (^٥)، فكان معنا رجل
_________________
(١) إسناده ضعيف، علي بن زيد بن جدعان ضعيف التقريب (٤٧٦٨)، مجابو الدعوة (٩٩ - ١٠٠) رقم (٦٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥/ ١٢٥)، وابن سعد في الطبقات (٥/ ١٣٧)، وذكره الذهبي في السير (٤/ ٢٤٢).
(٢) كذا والمراد أب المصنف، كما ذكر المحقق.
(٣) إسناده ضعيف، فيه وضاح بن حسان انظر لسان الميزان (٦/ ٢٢٠)، لكن وقع السند عند ابن عساكر من طريق المصنف عن سويد بن سعيد به، وفيه إبهام عم عمر بن الحكم، العقوبات (٢٠٠) رقم (٣١٣)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ٢٣٣) رقم (٢٨٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٤٠٢)، وذكره الطبري في الرياض النضرة (١/ ٣٦٩).
(٤) لعلها: "مؤذن عكا" كما في بعض مصادر التخريج.
(٥) مُكْران ولاية واسعة تشتمل على مدن وقرى، وهذه الولاية بين كرمان من غربيها وسجستان شماليها والبحر جنوبيها والهند في شرقيها، والغالب عليها المفاوز والضر والقحط، أما مَكْران فهى موضع ببلاد العرب، معجم البلدان (٥/ ١٧٩ - ١٨٠).
[ ٢ / ٧٨٢ ]
يسبّ أبا بكر وعمر ﵄، فنهيناه فلم ينته، فقلنا: اعتزلنا، فاعتزلنا، فلما دنا خروجنا ندَّ منا، فقلنا: لو صحبنا حتى نرجع إلى الكوفة، فلقينا غلام له، فقلنا له: قل لمولاك يعود إلينا، فقال: إن مولاي قد حدث به أمر عظيم، قد مسخت يداه يدي خنزير، قال: فأتيناه فقلنا: ارجع إلينا، قال: إنه قد حدث بي أمر عظيم، وأخرج ذراعيه، فإذا هما ذراعا خنزير، قال: فصحبنا حتى انتهينا إلى قرية من قرى السواد كثيرة الخنازير، فلما رآها صاح صيحة ووثب، فمُسخ خنزيرا، وخفي علينا، فجئنا بغلامه ومتاعه إلى الكوفة" (^١).
٦٤٧ - أخبرنا يحيى بن يوسف الزمي، أخبرنا شعيب بن صفوان، عن عبد الملك بن عمير (^٢) قال: "كان بالكوفة رجل يعطي الأكفان، فمات رجل، فقيل له فأخذ كفنا وانطلق، حتى دخل على الميت وهو مسجى، فتنفّس وألقى الثوب عن وجهه وقال: غرّوني، أهلكوني، النار النار، فقلنا له: قل: لا إله إلا اللَّه، قال: لا أستطيع أن أقولها، قيل: ولم؟ قال: لشتمي
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه شيخ المصنف وقد سبق (١٦٧)، وإبهام المؤذن، مجابو الدعوة (١٠٠) رقم (٦٩)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٤٠٢)، والطبري في الرياض النضرة (١/ ٣٦٩)، وذكره الحصني عن المصنف في دفع شبه من شبه وتمرد (٨٩).
(٢) هو عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي، حليف بني عدي الكوفي، ثقة فصيح عالم، تغير حفظه، وربما دلس، مات سنة (١٣٦ هـ) وله مائة وثلاث سنين، التقريب (٤٢٠٠).
[ ٢ / ٧٨٣ ]
أبا بكر وعمر" (^١).
٦٤٨ - ذكر الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني، أخبرنا أبي قال: "سمعت خلف بن حوشب (^٢) يقول: "مات رجل بالمدائن (^٣) فلما غطوا عليه ثوبه قام بعض القوم، وبقي بعضهم، فحرك الثوب أو فتحرك الثوب، فقال به فكشفه عنه فقال: "قوم مخضبة لحاهم في هذا المسجد يعني مسجد المدائن، يلعنون أبا بكر وعمر، ويتبرّؤون منهما، الذين جاؤوني يقبضون
_________________
(١) إسناده لين؛ شعيب بن صفوان هو الكاتب مقبول التقريب (٢٨١٩)، والأثر صحيح بطرقه، فقد كرره بسندين آخرين أحدهما صحيح إلى صاحب القصة وهو بشير أبو الخصيب وهو صاحب الأكفان حيث بلغ من اهتمام الراوي عنه وهو خلف بن تميم وهو صدوق، أنه سأل عنه وقال: "قلت: يا أبا الخصيب هذا الحديث الذي حدثتني بمشهد منك؟ قال: نعم، بصر عيني، وسمع أذني، قال خلف: فسألت عنه فذكروا عنه خيرا" قلت: لم أجد له ترجمة سوى أن ابن ماكولا ذكره في الإكمال (١/ ٢٨٧): وقال: "روى عنه خلف بن خليفة خبرا حكاه ابن أبي الدنيا في من عاش بعد الموت"، من عاش بعد الموت (٢٣ - ٢٤) رقم (١٦)، ورقم (١٨) وفيه: "لعن اللَّه مشيخة الكوفة، غروني. . "، (١٩) أطول، وابن جرير في الرياض النضرة رقم (٢٦٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣٨٨).
(٢) هو خلف بن حوشب الكوفي، ثقة مات بعد (١٤٠ هـ)، التقريب (١٧٢٨).
(٣) المدائن اسم لموضع بالعراق، كان مسكن الملوك من الأكاسرة الساسانية وغيرهم، فكان كل واحد منهم إذا ملك بنى لنفسه مدينة إلى جنب التي قبلها، وسماها باسم، فأولها المدينة العتيقة التي لزاب، ثم مدينة الإسكندر، ثم طيسفون من مدائنها، ثم اسفانبر، ثم مدينة يقال لها رومية، فسميت المدائن بذلك، وهي الآن قرية صغيرة، بينها وبين بغداد ستة فراسخ، معجم البلدان (٥/ ٧٤ - ٧٥).
[ ٢ / ٧٨٤ ]
روحي يلعنونهم ويتبرؤون منهم، قلنا: يا فلان لعلك بليت من ذلك بشيء؟ فقال: أستغفر اللَّه، ثم كان كأنما كانت الحصاة فرمي بها" (^١).
٦٤٩ - حدثنا عيسى بن عبد اللَّه مولى بني تميم، عن شيخ من قريش من بني هاشم قال: "رأيت رجلا بالشام قد اسودّ نصف وجهه، وهو يغطّيه، فسألته عن سبب ذلك، فقال: نعم، قد جعلت للَّه عليّ أن لا يسألني عن تلك أحد إلا أخبرته، كنت شديد الوقيعة في علي بن أبي طالب -﵁- كثير الذكر له بالمكروه، فبينا أنا ذات ليلة نائم، أتاني آت في منامي، فقال: أنت صاحب الوقيعة في علي، وضرب شقّ وجهي، فأصبحت وشقّ وجهي أسود هكذا" (^٢).
٦٥٠ - حدثني أحمد بن أبي أحمد، عن أبي بكر بن محمد بن المغير، حدثني محمد بن علي السمان قال: سمعت رضوان السمان (^٣) قال: "كان لي جار في منزلي وسوقي، يشتم أبا بكر وعمر ﵄ قال: فكثر الكلام بيني وبينه، فلما كان ذات يوم شتمهما وأنا حاضر، فوقع بيني
_________________
(١) إسناده حسن؛ شجاع صدوق ورع له أوهام التقريب (٢٧٦٥)، من عاش بعد الموت (٢٤) رقم (١٧)، وابن جرير في الرياض النضرة (٢٦٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١/ ٣٦٧).
(٢) إسناده ضعيف لإبهام الشيخ القرشي، المنامات (١٠٩) رقم (٢٢٠) ورقم (٢٩٢)، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٢٦) رقم (٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٥٣٣)، وذكره ابن القيم في الروح (١/ ١٨٩) عن المصنف.
(٣) سيأتي أنه من الأخيار وأهل السنة، ولم أجد له ترجمة.
[ ٢ / ٧٨٥ ]
وبينه كلام، حتى تناولني وتناولته، فانصرفت إلى منزلي وأنا مغموم حزين، ألوم نفسي، قال: فنمت وتركت العشاء من الغم، فرأيت رسول اللَّه -ﷺ- في منامي من ليلتي، فقلت: يا رسول اللَّه، فلان جاري في منزلي وسوقي، وهو يسبّ أصحابك؟ قال: مَن مِن أصحابي؟ قلت: أبا بكر وعمر، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: خذ هذه المُدْيَة فاذبحه بها، قال: فأخذته فأضجعته فذبحته، فرأيت كأن يدي قد أصابت من دمه، قال: فألقيت المدية، وأهويت بيدي إلى الأرض أمسحها، فانتبهت وأنا أسمع الصراخ من نحو داره، فقلت: انظروا ما هذا الصراخ؟ قالوا: مات فلان فجاءة، فلما أصبحت نظرت إليه، فإذا خط موضع الذبح" (^١).
٦٥١ - حدثني محمد بن إدريس الحنظلي قال: حدثني أحمد بن عبد الأعلى قال: أخبرني أبو روح (^٢) -رجل من الشيعة- قال: "كنا بمكة في المسجد
_________________
(١) إسناده فيه من لم أعرفه، أحمد بن أبي أحمد أظنه الخليفة المعتضد واللَّه أعلم فقد أدبه المصنف، وقد رجح المحققان عبد القادر ومجدي السيد أنه أحمد بن حرب ولم أجد من ذكره في شيوخ المصنف واللَّه أعلم، لكن تابعه الحسين بن الأسود عند أحمد، المنامات (١٠٨ - ١٠٩) رقم (٢١٩)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ٢٩٩) رقم (٣٩٤)، ونسبه ابن القيم في الروح (٢/ ٤٩٩ العموش) للقيرواني في كتاب البستان من قول بعض السلف، وذكره الحصني في دفع شبه من تمرد (٨٧) وقال: "ومن ذلك: ما أخبر به علي بن محمد قال: سمعت رضوان اليماني وكان من الأخيار وأهل السنة" وفيه تزكية لرضوان ونسبته إلى اليمن.
(٢) لم أجد له ترجمة.
[ ٢ / ٧٨٦ ]
الحرام قعودا، فقام رجل نصف وجهه أسود ونصف وجهه أبيض، فقال: أيها الناس اعتبروا بي؛ فإني كنت أتناول الشيخين أبا بكر وعمر ﵄ بسبِّهما، فبينا أنا ذات ليلة في شأني، إذ أتاني آت، فرفع يده، فلطم حُرَّ وجهي فقال: يا عدوّ اللَّه، أي فاسق، أتسبّ أبا بكر وعمر ﵄، فأصبحت وأنا على هذه الحالة" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة النهي عن سب الصحابة ﵃، وبيان بعض ما نال من وقع فيهم من العذاب والعقوبة، ومن جميل ما وقع في هذه الآثار نهي الصحابة أنفسهم عن ذلك، رغم ما وقع بين بعضهم من الجفوة، بل رغم ما حصل بينهم من الاقتتال، الذي كانوا فيه متأولين ومجتهدين، ﵃ وأسكنهم فسيح جناته، فإذا كان هذا حالهم رغم ما كان بينهم، فما بال من وقع فيهم ممن ليس بينه وبينهم إلا كل خير، بل لهم المِنَّة عليه في إسلامه، ولولاهم ما أسلم، وبدون طريقهم لربما كان في دركات جهنم.
فكانوا يقفون في وجه كل واش ومغتاب، وينهونه عن ذلك ويسدون عليه كل باب، كما فعل سعد بمن تكلم في خالد بن الوليد وبيّن
_________________
(١) فيه أبو روح لم أعرفه، وأحمد بن عبد الأعلى ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٨)، وقال عنه: "وكان ممن تفقه على مذهب أهل المدينة ويذب عن أقاويلهم"، العقوبات (١٩٩ - ٢٠٠) رقم (٣١٢).
[ ٢ / ٧٨٧ ]
له بأن الذي بينهما لم يبلغ دينهما، بل إن علي بن أبي طالب -﵁- نهى عن ذلك في أحلك الأوقات، وأحوجه إلى الوقيعة في خصومه، وهو يوم صفين، فلم يمنعه ذلك من النهي عن سب عسكر الشام، بل ومدحهم بأن فيهم الأبدال، قال شيخ الإسلام: "الصحابة رضوان اللَّه عليهم لم يقتتلوا قط لاختلافهم في قاعدة من قواعد الإسلام أصلا، ولم يختلفوا في شيء من قواعد الإسلام، لا في الصفات، ولا في القدر، ولا مسائل الأسماء والأحكام، ولا مسائل الإمامة، لم يختلفوا في ذلك بالاختصام بالأقوال، فضلا عن الاقتتال بالسيف" (^١).
وقد حصل لمن وقع فيهم بعض العقوبات في الدنيا، بسبب دعاة بعض دعاء الصالحين عليهم، كدعاء سعيد بن المسيب على من صار وجهه وجه زنجى وجسده أبيض، لسبه طلحة والزبير وعليا ﵃، ومن اجتمع عليه الدبر حتى قطعه، ومن صار نصف وجهه أسود والآخر أبيض، ومن مسخ قردا، بل ومن لم يستطع النطق بالشهادتين عند احتضاره، ومن ذبح في نومه، وإخبار المحتضر بأن من جاء لبقض روحه يلعنون ويتبرؤون ممن يسب أبا بكر وعمر.
كل هذا يؤكد النهي عن سب الصحابة، والوقيعة فيهم، لا سيما أفاضلهم، كالشيخين، وباقى الخلفاء، أو السابقين الأولين، قال الهيتمي في معرض بيان النهي عن سب الصحابة: "هذا يشمل سائر الصحابة، لكنهم
_________________
(١) منهاج السنة (٦/ ٣٣٦).
[ ٢ / ٧٨٨ ]
درجات، فيتفاوت حكمهم في ذلك، بتفاوت درجاتهم، ومراتبهم، والحرمة تزيد بزيادة من تعلقت به. . . فإذا انضاف إلى الصحبة غيرها، مما يقتضي الاحترام لنصرة الدين، وجماعة المسلمين. . . كان كل واحد من هذه الأمور، يقتضي مزيد حق" (^١).
وقد عده العلماء من جملة الكبائر قال الذهبي: "الكبيرة السبعون: سب أحد من الصحابة رضوان اللَّه عليهم. . . من طعن فيهم، أو سبَّهم، فقد خرج من الدين، ومرق من ملة المسلمين؛ لأن الطعن لا يكون إلا عن اعتقاد مساويهم، وإضمار الحقد فيهم، وإنكار ما ذكره اللَّه تعالى في كتابه من ثنائه عليهم، وما لرسول اللَّه -ﷺ- من ثنائه عليهم، وفضائلهم، ومناقبهم، وحبهم، ولأنهم أرضى الوسائل من المأثور، والوسائط من المنقول، والطعن في الوسائط طعنٌ في الأصل، والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول، هذا ظاهر لمن تدبره، وسَلِم من النفاق، ومن الزندقة والإلحاد في عقيدته، وحسبك ما جاء في الأخبار والآثار من ذلك" (^٢)، وقال شيخ الإسلام: "سب أصحاب رسول اللَّه حرام بالكتاب والسنة. . . -ثم ذكر نصوصا كثيرة جدا في هذا المعنى- وإذا كان شتمهم بهذه المثابة، فأَقَلُّ ما فيه التعزير؛ لأنه مشروع في كل معصية ليس فيها حدٌّ ولا كفارةٌ. . . وهذا مما لا نعلم فيه خلافا بين أهل الفقه والعلم، من أصحاب النبي، والتابعين
_________________
(١) الصواعق المحرقة (١/ ١٥٠ - ١٥١).
(٢) الكبائر (٢٣٦)، وانظر تفسير ابن كثير (١/ ٦٤٥)، الصواعق المحرقة (١/ ١٤٠).
[ ٢ / ٧٨٩ ]
لهم بإحسان، وسائر أهل السنة والجماعة؛ فإنهم مجمعون على أن الواجب: الثناء عليهم، والاستغفار لهم، والترحم عليهم، والترضي عنهم، واعتقاد محبتهم، وموالاتهم، وعقوبة من أساء فيهم القول" (^١)، وقال الإمام الطحاوي: "ونحب أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، ولا نفرط في حبِّ أحد منهم، ولا نتبرَّأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان" (^٢).
ومما يلتحق بهذه المسألة ويتصل بها، أحكام ساب الصحابة، ففيها بحث من جهة التكفير والتفسيق، ومن جهة نوع التعزير الذي يستحقه، بناء على الحكم عليه، ومن جهة حكم قبول توبته، قال شيخ الإسلام: "وبالجملة فمن أصناف السابَّة من لا ريب في كفره، ومنهم من لا يحكم بكفره، ومنهم من يرتدد فيه" (^٣).
_________________
(١) الصارم المسلول (٣/ ١٠٥٤، ١٠٨٥).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (٤٩٠).
(٣) الصارم المسلول (١/ ٥٩٠).
[ ٢ / ٧٩٠ ]
المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل أبي بكر الصديق -﵁-
٦٥٢ - حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا المسعودي عن القاسم قال: "كان لأبي بكر ﵀ غلام يأتيه بكسبه كل ليلة، ويسأله من أين أصبت فيقول: أصبت من كذا، فأتاه ذات ليلة بكسبه وأبو بكر قد ظل صائما، فنسي أن يسأله فوضع يده فأكل، فقال الغلام: يا أبا بكر كنت تسألني كل ليلة عن كسبي إذا جئتك، فلم أرك سألتني عنه الليلة، قال: فأخبرني من أين هو؟ قال: تكَهَّنْت لقوم في الجاهلية فلم يعطوني أجري، حتى كان اليوم فأعطوني، وإنما كانت كذبة، فأدخل أبو بكر يده في حلقه فجعل يتقيّأ، فذهب الغلام فأتى النبي -ﷺ- فأخبره، فقال: إني كذبت أبا بكر، فضحك النبي -ﷺ- أحسبه قال: ضحكا شديدا، وقال: "إن أبا بكر يكره أن يدخل بطنه إلا طيبا" (^١).
٦٥٣ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، ثنا يعقوب بن إسحاق
_________________
(١) إسناده ضعيف فيه المسعودي مختلط، ورواية ابن الجعد عنه بعد الاختلاط، انظر كتاب المختلطين للعلائي (٧٢ - ٧٣)، أما قصة تكهن غلام أبي بكر الصديق -﵁- فهى ثابتة في الصحيحين، الورع (٨٤ - ٨٥) رقم (١١٨)، البخاري في صحيحه (٧/ ١٤٩ فتح) رقم (٣٨٤٢)، وذكر القرطبي أن قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ في أبي بكر الصديق وذكر هذه القصة، أما حديث النبي -ﷺ- فقد أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١/ ٧٣٤) رقم (٦٩٥) من طريق شيخ المصنف به، والحديث مرسل ضعيف فيه المسعودي.
[ ٢ / ٧٩١ ]
الحضرمي، ثنا حصين، أن نافع المزني قال: "تلا الحسن هذه الآية: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ (^١)، ثم قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "طير الجنة" قال أبو بكر: يا رسول اللَّه إن تلك الطير لناعمة، قال: "أكلها أنعم منها، والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تأكل منها يا أبا بكر"، فقال الحسن: واللَّه ليأكلن منها ولا يخيّب اللَّه رجاء نبيّه -ﷺ-" (^٢).
٦٥٤ - حدثنا الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر التيمي، نا الحسن ابن حبيب بن ندبة، نا روح بن القاسم، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: "أتيت أبا بكر ﵁ أسأله فمنعني، ثم أتيته أسأله فمنعني فقلت: إما أن تعطيني وإما أن تبخل عليّ، فقال: وأي داء شر من البخل؟ ما من مرّة تسألني إلا وأنا أريد أن أعطيك ألفا، فعدَّ لي ثلاثة آلاف" (^٣).
٦٥٥ - حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، نا إبراهيم بن سعد عن محمد ابن إسحاق، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه قال: "مرّ أبو بكر -﵁- ببلال وهو يعذّب، وكانت دار أبي بكر في بني جُمح فقال أبو بكر لأميّة
_________________
(١) سورة الواقعة، الآية (٢١).
(٢) فيه حصين لم أعرفه أخشى أن يكون مصحفا؛ فإني لم أجد حصينا لا في شيوخ يعقوب ولا في الرواة عن نافع واللَّه أعلم، يعقوب بن إسحاق الحضري صدوق التقريب (٧٨٦٧)، صفة الجنة (٩٧) رقم (٣٢٨)، والحديث في مسلم.
(٣) إسناده حسن، شيخ المصنف لا بأس به، تكلموا في سماعه من المعتمر التقريب (١٢٤٩)، مكارم الأخلاق (١٠٣) رقم (٤١٢)، والذهبي في تذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٨٩)، وفي سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٧٤) وقال: "إسناده قوي".
[ ٢ / ٧٩٢ ]
ابن خلف: ألا تتقي اللَّه في هذا المسكين حتى متى؟ قال: أنت أفسدته فأنقذه، فقال أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك، أعطيكه به، قال: قبلت، قال: هو لك، فأعطاه أبو بكر -﵁- غلامه ذلك وأخذ بلالا فأعتقه ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر من مكة ست رقاب بلال سابعهم: عامر بن فهيرة شهد بدرا وأحدا وقتل يوم بئر معونة، وأم عبيس، وزنيرة، والنهدية، وابنتها، وجارية من بني مؤمل حيّ من بني عدي بن كعب" (^١).
٦٥٦ - حدّثنا أحمد بن محمد، نا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد اللَّه بن أبي عتيق، عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، عن بعض أهله قال: "قال أبو قحافة لابنه أبي بكر -﵁-: يا بني إني أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلداء يمنعونك ويقومون دونك، قال: فقال أبو بكر -﵁-: يا أبه، إنما أريد ما أريد، قال: فيتحدث ما نزلت هؤلاء الآيات إلا فيه وفيما قال لأبيه:
_________________
(١) إسناده حسن؛ فيه محمد بن إسحاق وهو صدوق يدلس ورمي بالتشيع التقريب (٥٧٦٢)، وهو منقطع لأن عروة تابعي لم يدرك القصة، وأخرج الحافظ قصة عتق أبي بكر لبلال في تغليق التعليق (٣/ ٢٦٨) من أربعة طرق ثم قال: "الأحاديث الأربعة مراسيل يشدّ بعضها بعضا"، مكارم الأخلاق (١٠٣ - ١٠٤) رقم (٤١٣)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ١٩٩) رقم (٨٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٤٨)، وابن هشام في السيرة (١/ ٣٤٠)، وانظر رسالة آثار الحلية (٣٣٣)، جميعهم من طرق عن محمد بن إسحاق به.
[ ٢ / ٧٩٣ ]
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ إلى آخر الآيات" (^١).
٦٥٧ - حدثنا أحمد بن جميل، نا عبد اللَّه بن المبارك، أنا يونس عن الزهري، أخبرني عروة، عن أبيه (^٢): "أن أبا بكر -﵁- قال وهو يخطب الناس: يا معشر المسلمين، استحيوا من اللَّه، فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب الغائط في الفضاء متقنِّعا بثوبي استحياء من ربي ﷿" (^٣).
٦٥٨ - حدثنا أبو كريب، نا المحاربي، عن عاصم الأحول قال: بلغني أن ابن عمر سمع رجلا يقول: "أين الزاهدون في الدنيا، والراغبون في الآخرة؟ فأراه قبر النبي -ﷺ- وأبي بكر وعمر وقال: عن هؤلاء تسأل" (^٤).
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ فيه محمد بن عبد اللَّه بن أبي عتيق وهو مقبول التقريب (٦٠٨٥)، ومدار طرقه كلها تدور عليه، مكارم الأخلاق (١٠٤) رقم (٤١٤)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ٩٥) رقم (٦٦) و(١/ ٢٣٧) رقم (٢٩١)، وابن هشام في السيرة (١/ ٣٤١)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦) وفيه تسمية بعض أهله وأنه أبوه، وقال: "حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه".
(٢) هو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى بن كلاب، أبو عبد اللَّه القرشي الأسدي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، حواري رسول اللَّه، قتل سنة (٣٦ هـ) بعد منصرفه من وقعة الجمل، الإصابة (٢/ ٥٥٣)، التقريب (٢٠٠٣).
(٣) الأثر صحيح، وفي علل الدراقطني (١/ ١٨٦) علل إسنادية لا تؤثر على صحته، مكارم الأخلاق (٢٠) رقم (٩٢)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣١٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ١٤٢) رقم (٧٧٣٢)، عن يونس به، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٤) عن عقيل عن الزهري مرسلا.
(٤) إسناده منقطع، ذم الدنيا (٧٣) رقم (١٨١)، وهناد في الزهد (١/ ٣١٥) رقم =
[ ٢ / ٧٩٤ ]
٦٥٩ - حدثنا أبو كريب الهمداني قال: حدثنا علي بن قادم، عن زافر ابن سليمان، عن الصلت بن بهرام، عن الشعبي قال: "رأى أبو بكر عليا فقال: من سرَّه أن ينظر إلى أعظم الناس منزلة من رسول اللَّه -ﷺ- وأقربه قرابة، وأفضله وآله وأعظمه غنى عن نبيّه فلينظر إلى هذا، فبلغ عليا قول أبي بكر، فقال: أما إنه إن قال ذاك إنه لأوّاه، وإنه لأرحم الأمة، إنه لصاحب رسول اللَّه -ﷺ- في الغار، وإنه لأعظم الناس غنى عن نبيّه ﵇ في ذات يده" (^١).
٦٦٠ - حدثنا مهدي بن حفص، حدثنا سفيان، عن مالك بن مغول قال: قال عمر -﵁-: "وددت أني شعرة في صدر أبي بكر -﵁-" (^٢).
_________________
(١) = (٤٦٣) عن عاصم عمن حدثه مثله، وابن بشر في الزهد وصفة الزاهدين رقم (٥٤) من طريق المصنف، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٠٧) من طريق هناد، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٨٧) بسنده عن أبان بن تغلب عن رجل حدثه عن أبيه سمع ابن عمر سائلا فذكره.
(٢) إسناده حسن إلى الشعبي، علي بن قادم صدوق يتشيع التقريب (٤٨١٩)، الإشراف (١٣١) رقم (٥٥)، ذكره السيوطي في جمع الجوامع (١/ ١٠٦٠ - ١٠٦١) ونسبه للمصنف.
(٣) إسناده حسن، وهو منقطع أو معضل؛ فإن مالك بن مغول من الطبقة السابعة التقريب (٦٤٩٢)، المتمنين (٥٧) رقم (٨٦)، ومن طريق آخر بعده رقم (٨٨) عن أبي عمران الجوني به وهو من كبار الطبقة الرابعة، التقريب (٤٢٠٠)، وهو منقطع أيضا، ولعله يرتقي إلى الحسن لغيره بهذين الطريقين المختلفي المخرج واللَّه أعلم، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٣٤٣)، وأورده السيوطي في تاريخ الخلفاء (٥٩) ونسبه إلى مسدد في مسنده، وكذا نسبه ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة (٢٤١).
[ ٢ / ٧٩٥ ]
٦٦١ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن عتيق، عن الحسن بن أبي الحسن، أن عمر بن الخطاب -﵁- قال: "لوددت أني من الجنة حيث أرى أبا بكر -﵁-" (^١).
٦٦٢ - أخبرنا أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، أخبرنا عبد اللَّه بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد قال: "جاءنا يزيد بن النعمان بن بشير إلى حلقة القاسم بن عبد الرحمن بكتاب أبيه النعمان بن بشير (^٢): "بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من النعمان بن بشير إلى أم عبد اللَّه بنت هاشم، سلام عليك، فإني أحمد اللَّه إليك، الذي لا إله إلا هو، فإنك كتبت إليّ لأكتب إليك بشأن زيد بن خارجة، وإنه كان من شأنه أنه أخذه وجع في حلقه، وهو يومئذ من أصح أهل المدينة، فتوفي بين صلاة الأولى وصلاة العصر، فأضجعناه لظهره وغشيناه بردين وكساء، فأتاني آت في منامي، وأنا أسبح
_________________
(١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق يخطئ كما سبق (١٢)، توبع عند أحمد وابن أبي شيبة، وهو منقطع، المتمنين (٥٧) رقم (٨٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٣٥١) رقم (٣١٩٥٦)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ١٣٤) رقم (١٠٤)، ومن طريق المصنف ابن الجوزي في المنتظم (٤/ ٦٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٣٣٩)، وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء (٥٩) ونسبه للمصنف وابن عساكر.
(٢) هو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، له ولأبويه صحبة، هو أول مولود في الإسلام بعد الهجرة من الأنصار، ثم سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قتل بحمص سنة (٦٥ هـ) وله أربع وستون سنة، الإصابة (٦/ ٤٤٠)، التقريب (٧١٥٢).
[ ٢ / ٧٩٦ ]
بعد المغرب فقال: إن زيدا قد تكلم بعد وفاته، فانصرفت إليه مسرعا، وقد حضره قوم من الأنصار، وهو يقول -أو يقال على لسانه-: الأوسط أجلد القوم، الذي كان لا يبالي في اللَّه لومة لائم، كان لا يأمر الناس أن يأكل قويّهم ضعيفهم، عبد اللَّه أمير المؤمنين صدق صدق، كان ذلك في الكتاب الأول، قال: ثم قال: عثمان أمير المؤمنين وهو يعافي الناس من ذنوب كثيرة، خلت ليلتان، وبقي أربع، ثم اختلف الناس، وأكل بعضهم بعضا، فلا نظام، وأبيحت الأحماء، ثم ارعوى المؤمنون، فقالوا: كتاب اللَّه وقدره أيها الناس أقبلوا على أميركم، واسمعوا وأطيعوا، فمن تولى فلا يعهدنّ دما، كان أمر اللَّه قدرا مقدورا، اللَّه أكبر هذه الجنة، وهذه النار، ويقول النبيون والصديقون سلام عليكم، يا عبد اللَّه بن رواحة: هل أحسست لي خارجة بن زيد لأبيه، وسعدا اللذين قتلا يوم أحد، كلا إنها لظى نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى، وجمع فأوعى، ثم خفت صوته، فسألت الرهط عما سبقني من كلامه فقالوا: سمعناه يقول: أنصتوا أنصتوا فنظر بعضنا إلى بعض، فإذا الصوت من تحت الثياب، فكشفنا عن وجهه فقال: هذا أحمد رسول اللَّه، سلام عليك يا رسول اللَّه ورحمة اللَّه وبركاته، ثم قال: أبو بكر الصديق الأمين، خليفة رسول اللَّه، كان ضعيفا في جسمه، قويا في أمر اللَّه، صدق صدق، وكان في الكتاب الأول" (^١).
_________________
(١) إسناده صحيح، من عاش بعد الموت (١٤ - ١٦) رقم (٣)، ورقم (٤، ٥، ٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٧٤) رقم (١٤)، وابن كثير في البداية =
[ ٢ / ٧٩٧ ]
٦٦٣ - أخبرنا زياد بن أيوب، أخبرنا شبابة، أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن مبشر مولى آل سعيد بن العاصي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: "حضرت الوفاة رجلا من الأنصار، فمات فسجّوه ثم تكلم فقال: أبو بكر القويّ في أمر اللَّه، الضعيف في ما ترى العين، وعمر الأمين، وعثمان على منهاجهم، انقطع العدل، أكل الشديد الضعيف" (^١).
٦٦٤ - أخبرنا خلف بن هشام البزار، أخبرنا خالد الطحان، عن حصين، عن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه الأنصاري: "أن رجلا من قتلى مسيلمة تكلم فقال: محمد رسول اللَّه -ﷺ-، أبو بكر الصديق، عثمان اللين الرحيم" (^٢).
_________________
(١) = والنهاية (٦/ ١٥٧) ونقل تصحيح البيهقي له وشواهد أخرى، وقول البخاري في تاريخه (٣/ ٣٨٣): "زيد بن خارجة الخزرجي الأنصاري شهد بدرا توفي زمن عثمان، وهو الذي تكلم بعد الموت" قلت: وهو أمر مشهور عنه ذكره كل من ترجم له تقريبا، ثم نقل قول البيهقي: "وقد روي في التكلم بعد الموت عن جماعة بأسانيد صحيحة واللَّه أعلم"، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٤٠٥) وذكر له طريقا أخرى في (٧٠/ ٢٥٦)، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ٥٤٧): "روى حديثه هذا ثقات الشاميين عن النعمان بن بشير، ورواه ثقات الكوفيين عن يزيد بن النعمان بن بشير عن أبيه، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب".
(٢) من عاش بعد الموت (١٦) رقم (٥)، هو نفس الأثر السابق وانظر الخصائص الكبرى للسيوطي (٢/ ٨٥).
(٣) إسناده إلى صاحب الأثر صحيح، وقد قال فيه ابن حجر في التقريب (٣٤٧٩): "مجهول من الثالثة، ورجح الخطيب أنه الذي قبله -وهو ثقة- وأن من قال =
[ ٢ / ٧٩٨ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة، ذكر فضل أبي بكر الصديق -﵁-، وبيان منزلته، وشيء من أعماله ومناقبه، وخلاصة هذه الآثار تورعه عن أكل الحرام، وتقيؤه الطعام المشبوه، ورجاء النبي -ﷺ- له أن يأكل من طير الجنة، الذي فهم منه الحسن تعيّن وقوعه لأن اللَّه لا يخيّب رجاء نبيّه، وجوده في العطاء، حيث أعطى جابرا -﵁- ألفا بعدد ما ردّه، كما جُودُه في الإعتاق حيث أعتق بلالا وأنقذه من التعذيب، وأعتق سبعة أنفس قبل هجرته إلى المدينة، وكان لصدقه وإخلاصه في الإعتاق لا ينتقى القوي الجلد، الذي قد يرجى منه فائدة وعوض في الدنيا، لأنه لا يريد جزاء ولا شكورا، بل يريد ما عند اللَّه، ومن شدة حيائه أنه كان يتقنع بثوبه عند قضاء حاجته.
وقد عرف له المسلمون هذا الفضل والمكانة، فكانوا يشيدون به وبأفعاله، فهذا ابن عمر يحيل من سأل عن الزهاد والراغبين في الآخرة على قبر رسول اللَّه -ﷺ- وصاحبيه، وعلي بن أبي طالب شهد له ببعض الفضائل التي اشتهر بها بأنه أوّاه! وأرحم الأمة، وأنه صاحب رسول اللَّه -ﷺ- في
_________________
(١) = الأنصاري فقد وهم"، من عاش بعد الموت (١٩) رقم (٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٢٢٠)، وأورده من طريق المصنف ابن كثير في البداية والنهاية (٦/ ١٥٨) وقال: "ولا أدري إيش قال في عمر، كذا رواه ابن أبي الدنيا في كتابه" ثم نقله من طريق البيهقي وفيه أن: "عمر الشهيد"، ونقل قبل ذلك عن البيهقي قوله: "وقد روى في التكلم بعد الموت عن جماعة بأسانيد صحيحة واللَّه أعلم".
[ ٢ / ٧٩٩ ]
الغار، وأنه أعظم الناس غنى عن نبيّه ﵇ في ذات يده، وتمنى رفيقه عمر بن الخطاب أن يكون شعرة في صدره، وأن يكون في الجنة بحيث يراه، ووصفه بعض من قيل فيه إنه تكلم بعد موته، أو تُكُلِّم على لسانه بأوصاف عديدة، بأنه الأمين، خليفة رسول اللَّه، كان ضعيفا في جسمه، قويا في أمر اللَّه، صدق صدق، وكان في الكتاب الأول.
قال القرطبي -﵀-: "الذي يقطع به من الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة، ويجب أن تؤمن به القلوب والأفئدة، فضل الصديق على جميع الصحابة، ولا مبالاة بأقوال أهل الشيع، ولا أهل البدع؛ فإنهم بين مُكَفَّر تضرب رقبته، وبين مبتدع مُفَسَّق لا تقبل كلمته" (^١)، ومن لطيف ما نقله الهيتمي عن: "أبي جعفر الباقر قال: من لم يعرف فضل أبي بكر وعمر فقد جهل السنة، قال بعض أئمة أهل البيت: صدق واللَّه، إنما نشأ من الشيعة والرافضة وغيرهما ما نشأ من البدع والجهالات من جهلهم بالسنة" (^٢).
_________________
(١) تفسير القرطبي (٨/ ١٣١).
(٢) الصواعق المحرقة (١/ ١٦٥).
[ ٢ / ٨٠٠ ]
المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عمر بن الخطاب -﵁-.
أولا: الآثار الواردة في زهده وورعه.
٦٦٥ - حدثنا القاسم بن محمد بن إبراهيم العبسي قال: حدثنا هشيم ابن ساسان، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وكان يحضر طعام عمر، قال: "كانت له كل يوم إحدى عشرة لقمة، أنى شاءها من الغد" (^١).
٦٦٦ - حدثني عبيد بن محمد قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت (^٢) قال: "اشتهى عمر بن الخطاب الشراب، فأتي بشربة من عسل، فجعل يدير الإناء في كفّه فيقول: أشربها فتذهب حلاوتها، وتبقى مرارتها، ثم دفعها إلى رجل من القوم فشربها" (^٣).
٦٦٧ - حدثني علي بن محمد، حدثنا أسد بن موسى، حدثني حكيم ابن حزام، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم، عن أبي أمامة قال:
_________________
(١) إسناده ضعيف، شيخ المصنف لعله القاسم بن محمد بن أبي شيبة أخو عثمان وأبي بكر ضُعف واتُّهِم، انظر لسان الميزان (٤/ ٤٦٥)، الجوع (٤٧) رقم (٣١)، وذكره ابن الجوزي في تلبيس إبليس (٢٦٧).
(٢) هو ثابت بن أسلم البُنَاني، أبو محمد البصري، ثقة عابد، مات سنة بضع وعشرين وله ست وثمانون، التقريب (٨١٠).
(٣) إسناده صحيح إلى ثابت، شيخ المصنف ثقة انظر تاريخ بغداد (١١/ ٩٧)، الجوع (٤٨) رقم (٣٢)، ورقم (٢٧٠)، وابن المبارك في الزهد رقم (٦١٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٩٥)، وهو في طبقات ابن سعد (٣/ ٣١٩).
[ ٢ / ٨٠١ ]
"بينما نحن مع عمر بن الخطاب -﵁- وهو يجول في سكك المدينة، ومعنا الأشعث بن قيس، فأدرك عمر الأغنياء فقعد وقعد الأشعث إلى جنبه، وقد أتى عمر بمِرْجَل (^١) فيه لحم، فجعل يأخذ منها العَرْق (^٢)، وينهشه، فينضح على الأشعث، قال: يقول الأشعث: يا أمير المؤمنين، لو أمرت بشيء من سمن نصبّ على هذا اللحم، ثم طبخ حتى يبلغ أدمان كان ألين له، قال: فرفع عمر يده، فضربها في صدر الأشعث، ثم قال: أدمان في أدم؟ كلا إني رأيت صاحبيّ وصحبتهما، فأخاف أن أخالفهما فيخالف بي عنهما، فلا أنزل معهما حيث نزلا" (^٣).
٦٦٨ - حدثني عبد اللَّه بن يونس بن بكير، حدثنا أبي، عن الحسن بن
_________________
(١) قدر من نحاس، مختار الصحاح (٢٦٧).
(٢) هو العظم عليه لحم أخذ أكثره وبقي عليها لحوم رقيقة، لسان العرب (١٠/ ٢٤٠).
(٣) إسناده حسن، أسد بن موسى صدوق يغرب وفيه نصب التقريب (٤٠٣)، شيخ المصنف هو المشهور بالمصري الواعظ البغدادي كان ثقة، صنف في الزهد كتبا كثيرة، وكان له مجلس وعظ، انظر سير أعلام النبلاء (١٥/ ٣٨١) وتاريخ بغداد (١٢/ ٧٥) والفهرست (٢٦٣) ولم يعرفه د/ مصلح الحارثي ولا المحقق القضاة، إصلاح المال (٣١٨) رقم (٣٦٨)، وورد في رقم (٣٧٠) يعظ يزيد بن أبي سفيان: "واللَّه يا يزيد ابن أبي سفيان، أطعام بعد طعام؟ والذي نفس عمر بيده لئن خالفتهم عن سنتهم ليخالفن بك عن طريقهم"، ورقم (٣٧٢) يعظ زوجته حفصة: "واللَّه لأشركنهما بمثل عيشهما الشديد، لعلي ألقى معهما عيشهما الرخي"، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ١٣) مطولا في قصة مع ابنته حفصة، والجوع برقم (٣٢)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣١٩)، مختصرا من قوله لابنته حفصة، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣٠١)، وأورده النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٢٦).
[ ٢ / ٨٠٢ ]
دينار، عن الأحنف بن قيس قال: "خرجنا مع أبي موسى وفودا على عمر، وكانت لعمر ثلاث خبزات يأدمهن يوما بلبن، ويوما بسمن، ويوما بلحم عريض (^١)، ويوما بزيت، فجعل القوم يأكلون ويعذّرون، فقال عمر: إني لأرى تعذّركم، وإني لأعلمكم بالعيش، ولو شئت لجعلت كراكر (^٢)، وأسمنة، وصِلاءً (^٣) وصِنَابا (^٤) وصَلَائق (^٥)، ولكن أستبقي حسناتي، إن اللَّه ﷿ ذكر قوما فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (^٦) " (^٧).
_________________
(١) لعل مقصوده العريضُ من المَعَزِ وهو ما أتَى عليه سَنَةٌ، وتَناولَ النَّبْتَ بعُرْضِ شِدْقِه، أو إذا نَبَّ وأرادَ السّفادَ، القاموس المحيط (١/ ٨٣٤).
(٢) هي زَوْرُ البَعير الذي إذا برَكَ أصاب الأرض، وهي ناتِئة عن جِسْمه كالقُرْصَةِ وجَمْعُها: كَراكِرُ، وهي من أطايب ما يؤكل من الإبل، النهاية في غريب الحديث (٤/ ٢٩٨).
(٣) هو الشواء والوقود أو النار، القاموس المحيط (١/ ١٦٨١).
(٤) صِباغٌ يُتَّخذُ من الخَرْدَلِ والزبيب، لسان العرب (١/ ٥٣١).
(٥) هو الخبز الرقيق، لسان العرب (١٠/ ٢٥٠).
(٦) سورة الأحقاف، الآية (٢٠).
(٧) إسناده ضعيف، فيه الحسن بن دينار انظر لسان الميزان (٢/ ٢٠٣)، إصلاح المال (٣١٣) رقم (٣٥٥)، وانظر رقم (٣٥٦، ٣٦٩، ٣٧٣)، الجوع (٥٠) رقم (٣٦)، بل كانت هذه وصية صاحبه علي بن أبي طالب -﵁- فانظر رقم (٣٨٠): "إن أردت اللحوق بصاحبيك، فاقصر الأمل، وكل دون الشبع، وانكس الإزار، واخصف النعل، تلحق بهما"، وهو في التواضع والخمول رقم (١٤٢)، الجوع =
[ ٢ / ٨٠٣ ]
٦٦٩ - حدثني سريج بن يونس قال: حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن عتبة بن فرقد السلمي قال: "قدمت على عمر، وكان ينحر جزورا كل يوم، أطايبها للمسلمين وأمهات المؤمنين، يأمر بالعنق والعلباء (^١) فيأكله هو وأهله، فدعا بطعام فأتي به، فإذا هو خبز خشن، وكسور من لحم غليظ، فجعل يقول: كل، فجعلت آكل البضعة فألوكها فلا أستطيع أن أسيغها، فنظرت، فإذا بضعة بيضاء، ظننت أنها من السنام، فإذا هي من علباء العنق، فنظر إليّ عمر فقال: إنه ليس يدركنّك العراق الذي تأكل أنت وأصحابك" (^٢).
_________________
(١) = (٤٤) رقم (٢٤)، وابن المبارك في الزهد (٢٠٤)، وهناد في الزهد (٢/ ٣٦١) رقم (٦٨٨)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٧٩)، وابن شبة في أخبار المدينة (١/ ٣٦٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٤٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٢٩٨)، وذكر الزيلعي طرقه في تخريج الأحاديث والآثار (٣/ ٢٨٣) كلها مرسلة، ورواه عبد الرزاق في تفسيره رقم (٣/ ٢١٧)، وابن جرير كذلك (٢٦/ ٢١) بلفظ: "لو شئت لكنت أطيبكم طعاما. . ." عن قتادة عن عمر.
(٢) عصب في العنق، النهاية في غريب الحديث (٣/ ٥٥٠).
(٣) إسناده حسن؛ فإن هشيم بن بشير وإن كان كثير التدليس والإرسال الخفي كما سيأتي (١٠٠٦)، لكن تابعه مروان بن معاوية وهو ثقة حافظ، وكان يدلس أسماء الشيوخ، قلت: وقد صرح بالتحديث عن شيخه وسماه إسماعيل دون نسبة وقد عرف أنه ابن أبي خالد، الجوع (٧٠ - ٧١) رقم (٧٨)، وانظر الذي بعده حيث امتنع عن أكل الخبيص لأنه لا يستطيعه كل المسلمين، وجمع بينهما الدارقطني في سننه (٤/ ٢٦٠) رقم (٧٧) بسنده عن مروان بن معاوية به.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
٦٧٠ - حدثنا. . . بن المنكدر قال: "حدثنا المغيرة بن عبد اللَّه، عن عاصم بن محمد العمري، عن أبيه قال: "كان عمر بن الخطاب يُقَرِّد (^١) أخفاف إبل الصدقة، فدخل وقد أصابه الشَّرَق (^٢)، فقال: هل عندكم شيء؟ فقالت امرأته: تحت السرير، فتناول قناعا فيه تمر، فأكل، ثم شرب من الماء، ثم مسح بطنه وقال: ويح لمن أدخله بطنه النار" (^٣).
٦٧١ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا سليم بن أخضر، عن ابن عون، عن محمد قال: قال عمر: "ما بقي فِيَّ شيء من أمر الجاهلية؛ غير أني لست أبالي إلى أي المسلمين نكحت، وأيّهن أنكحت" (^٤).
٦٧٢ - حدثنا أبو يعلى الثقفي، حدثنا أحمد بن يونس، عن أبي شهاب، عن الأعمش، عن الحسن: أن رجلا أثنى على عمر -﵁- فقال: "تهلكني، وتهلك نفسك" (^٥).
_________________
(١) أي ينزع القراد منها، الطَّبُّوعُ الذي يَلْصَقُ بجسمه، لسان العرب (٣/ ٣٤٨).
(٢) الشَّرَقُ بفتحتين الشجا والغُصة، مختار الصحاح (٣٥٤).
(٣) إسناده حسن، شيخ المصنف وإن كان ساقطا اسمه لكن من المعروف أنه يروي عن الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر القرشي وقد سبق مرارا وباقي رجاله ثقات، الجوع (٤٥) رقم (٢٧)، وانظر الذي بعده، ورقم (١٨٦، ١٨٧، ١٨٨، ١٨٩، ١٩٠، ٢٠٣)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ١٣).
(٤) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق، وقد سبق (١٠٥)، العيال (٢٦٨) رقم (١٢٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٢٦، ٥٢) رقم (١٧٤٣٤، ١٧٦٩٩).
(٥) إسناده منقطع؛ شيخ المصنف لم أجده وإنما المشهور بهذه الكنية والنسبة هو عبد اللَّه ابن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب وليس في طبقة شيوخ ابن أبي الدنيا انظر التاريخ =
[ ٢ / ٨٠٥ ]
٦٧٣ - حدثنا يحيى بن عمران، حدثنا محمد بن طلحة، عن الهجيع بن قيس قال: قال عمر بن الخطاب -﵁-: "إني لأكره نفسي على الجماع كي تخرج مني نسمة تسبح اللَّه تعالى" (^١).
٦٧٤ - حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا عبد اللَّه بن إدريس، عن عبد الرحمن بن إسحاق عن محارب بن دثار، عن عبد اللَّه بن عمر قال: "رأيت عمر بن الخطاب البكّاء، وهو يصلّي، حتى سمعت خنينه من وراء ثلاثة صفوف" (^٢).
٦٧٥ - حدثني يحيى بن أيوب، حدثنا شعيب بن حرب، عن سليمان ابن حرب، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس -﵁-: "رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع" (^٣).
_________________
(١) = الكبير (٥/ ١٣٣)، والحسن لم يدرك عمر -﵁- كما في التهذيب (١/ ٣٨٨). كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٧٥) رقم (٦٠٦)، ونسبه الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٧٤) للمصنف.
(٢) إسناده لين؛ شيخ المصنف ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ١٦٢) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وذكر أن محمد بن يوسف ولاه قضاء فارس، لكن تابعه هاشم بن القاسم وهو ثقة ثبت التقريب (٧٣٠٥) عند البيهقي، العيال (٥٧٣) رقم (٣٩٢)، وانظر رقم (٣٩٠)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٧٩) رقم (١٣٢٣٨).
(٣) إسناده صحيح، الرقة والبكاء (٢٧٥) رقم (٤١٦)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٥٢).
(٤) إسناده صحيح، إصلاح المال (٣٢٤) رقم (٣٧٨)، وانظر (٣٨٢، ٣٨١، ٣٨٤) ففيه أنها أربع عشرة رقعة بعضها من أدم، والتواضع والخمول الأرقام (١٣٠، ١٣١)، وابن المبارك في الزهد رقم (٥٨٨)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٢٧)، =
[ ٢ / ٨٠٦ ]
ثانيا: الآثار الواردة في عدله وخوفه في خلافته.
٦٧٦ - حدثني محمد بن عثمان بن علي العجلي، نا حسين الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن قال: "خرج عمر في يوم حار، واضعا رداءه على رأسه، قال: فمر به غلام على حمار فقال: "يا غلام احملني معك، قال: فوثب الغلام عن الحمار فقال: اركب يا أمير المؤمنين، فقال: لا أركب، وأركب خلفك، تريد أن تحملني على المكان الخشن، وتركب على المكان الوطيء، ولكن اركب أنت وأكون أنا خلفك، قال: فدخل المدينة وهو خليفة، والناس ينظرون إليه" (^١).
٦٧٧ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا جعفر بن عون قال: أخبرنا أبو عميس، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: "جاء قوم إلى عمر يشكون الجهد، فأرسل عينيه بأربع (^٢)، ورفع يديه فقال: اللهم لا تجعل هلكتهم على يديّ، وأمر لهم بطعام" (^٣).
_________________
(١) = وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٩٤) رقم (٣٤٤٤٧)، وهناد في الزهد (٢/ ٣٦٧) رقم (٧٠١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣٠٣).
(٢) إسناده لين، وهو مرسل؛ لأن في رواية هشام عن الحسن كلام كما سبق (٢٧٩)، ورواية الحسن عن عمر مرسلة، ذم الدنيا (١٠٤) رقم (٢٨٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣١٩).
(٣) أي بدمع غزير، جرى من نواحي عينيه الأربعة، لسان العرب (٨/ ٩٩).
(٤) إسناده حسن، جعفر بن عون صدوق التقريب (٩٥٦)، الرقة والبكاء (٢٧٧) رقم (٤٢٢).
[ ٢ / ٨٠٧ ]
٦٧٨ - حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا أبو مسهر، عن عبد الجبار بن عبد الواحد التنّوخي قال: قال عمر -﵁-: "أنشد باللَّه، لا يعلم رجل مني عيبا إلا عابه، فقال رجل: نعم يا أمير المؤمنين، فيك عيبان، قال: ما هما؟ قال: تذيل بين بردين، وتجمع بين الأدمين، ولا يسع ذاك الناس، قال: فما أدال بين بردين، ولا جمع بين أدمين حتى لقي اللَّه ﷿" (^١).
٦٧٩ - حدثنا إسحاق، حدثنا وكيع، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن ابن عمر قال: "استأذنت عمر في الجهاد، فقال: إنك قد جاهدت مع رسول اللَّه -ﷺ-، قال: ثم استأذنته، فقال لي مثل ذلك، فاستأذنته الثالثة، فقال لي: إني أخاف واللَّه أن يصيب المسلمون غنيمة، فيقولون: هذا عبد اللَّه بن عمر أمير المؤمنين، ادفعوا إليه أمثل (^٢) جارية في المغنم، فيدفعوا إليك، فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى وابن السبيل فيها حق، فتقع عليها فتكون زانيا" (^٣).
_________________
(١) فيه عبد الجبار التنوخي لم أجده إلا عند ابن عساكر ولم يذكر فيه شيئا وذكره بهذا الأثر فقط، إصلاح المال (٣٣٧) رقم (٤٠٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٤/ ٣١)، وانظر (٤٤/ ٢٩٥) ففيه قصة طويلة في زهده.
(٢) في الأصل: مثل، والمثبت أولى.
(٣) إسناده ضعيف؛ عطية العوفي صدوق يخطئ كثيرا، وكان شيعيا مدلسا التقريب (٤٦٤٩)، وفضيل بن مرزوق صدوق يهم ورمي بالتشيع، التقريب (٥٤٧٢)، إصلاح المال (١٩) رقم (١٢)، والبزار في مسنده (١/ ٢٨٣١، ٤٦٦)، من طريقين عن ابن عمر الأولى أن السائل هو ابن الزبير، والثانية كرواية المصنف أن السائل هو =
[ ٢ / ٨٠٨ ]
٦٨٠ - حدثنا عبد اللَّه بن يونس بن بكير، حدثني أبي، حدثنا هشام ابن سعد، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة قال: "قدم على عمر بن الخطاب بمال في ولايته، فجعل يتصفّحه وينظر إليه، فهملت عيناه دموعا فبكى، فقال له عبد الرحمن بن عوف: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فواللَّه إن هذا لمن مواطن الشكر، فقال عمر: إن هذا المال واللَّه ما أعطيه قوم إلا أُلقي بينهم العداوة والبغضاء" (^١).
٦٨١ - حدثني سعيد بن سليمان، عن سليمان بن المغيرة، عن حميد ابن هلال، عن زهير بن حيان -قال حميد: وكان زهير يغشى ابن عباس ويسمع منه- قال: قال ابن عباس -﵁-: "دعاني عمر بن الخطاب، فأتيته وبين يديه نطع عليه الذهب مبثورا بثرا -قال سليمان: يعني النثر-، قال: اذهب فاقسم هذا بين قومك، فاللَّه أعلم حين حبس هذا عن نبيّه وعن أبي بكر بخير أعطاني أم بشر؟ قال: فقمت أريد أقسمه، قال: فسمعت البكاء، فإذا صوت عمر يبكي، ويقول في بكائه: كلا، والذي نفسي بيده ما حبس اللَّه ﷿ هذا عن نبيّه أعن أبي بكر لشرٍّ لهما، وأعطاه عمر إرادة الخير له" (^٢).
_________________
(١) = ابن عمر نفسه.
(٢) فيه شيخ المصنف لم يوثقه غير ابن حبان وسيأتي (٦٨٣)، إصلاح المال (١٤٩) رقم (١٨)، ومعمر في جامعه كما في المصنف (١١/ ١٠٠) رقم (٢٠٠٣٦)، وأحمد في الزهد (١١٥).
(٣) إسناده حسن، زهير بن حيان ذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٢٦٣)، ولم يذكر فيه =
[ ٢ / ٨٠٩ ]
٦٨٢ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا يعلى بن عبيد، عن الحارث بن عمير، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: "لما كان زمن عمر فكثر المال، وحدثت الأعطية، وكفّ الناس عن طلب المعيشة، قال عمر: أيها الناس أصلحوا معايشكم؛ فإن فيها صلاحا لكم وصلة لغيركم" (^١).
٦٨٣ - حدثني عبد اللَّه بن يونس بن بكير الشيباني قال: حدثني أبي قال: حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: "رأيت
_________________
(١) = البخاري ولا أبو حاتم جرحا ولا تعديلا، انظر التاريخ الكبير (٣/ ٤٢٥)، وباقي رجاله ثقات أخرج لهم الجماعة، والجرح والتعديل (٣/ ٥٨٦)، إصلاح المال (١٤٩) رقم (١٩)، الرقة والبكاء (٢٧٦) رقم (٤٢٠)، ولم يشر المحقق إلى الموضع الأول، وأبو عبيدة القاسم بن سلام في كتاب الأموال (٣١٩) رقم (٦٢٣)، والحارث في مسنده كما في بغية الباحث (٢/ ٩٨١) رقم (١٠٩٠٠)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٠٣)، وابن جرير في تهذيب الآثار (١/ ٢٩٧)، وإسحاق في مسنده كما في المطالب العالية، وحسنه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية "المسندة" (٣/ ٣٦٥ - ٣٦٦)، والمقدسي في المختارة (١/ ٢٨٣) رقم (١٧٢)، وابن الجوزي في المنتظم (٤/ ١٤٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣٤٣).
(٢) إسناده صحيح، الحارث بن عمير وثقه الجمهور، وفي أحاديثه مناكير ضعفه بسببها الأزدي وابن حبان وغيرهما، فلعله تغير في الآخر، التقريب (١٠٤٨)، إصلاح المال (١٧٤) رقم (٦٣)، وانظر رقم (٦١، ٦٥، ٦٦، ١٤٣، ١٤٤) حيث ذكر لهم -ﷺ-، أنه سيكون من يمنعهم حقهم، فعليهم إصلاحه بالحرث أو تعلم صنعة، وهذا من تمام نصحه لرعيته وحرصه على الخير لهم.
[ ٢ / ٨١٠ ]
عبد اللَّه بن الأرقم صاحب بيت مال المسلمين في زمن أبي بكر، أتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين إن عندنا حلية من حلية جلولاء (^١) آنية من ذهب وورق، فانظر أن تفرغ لذلك يوما وترى فيه رأيك، فقال: إذا رأيتني فارغا فآذنّي، فجاءه يوما فقال: أراك اليوم فارغا، فقال: أجل، فابسط لي نطعا، ثم أتى بذلك المال فصُبّ عليه، فدنا عمر حتى وقف عليه، وقال: اللهم إنك ذكرت وقلت: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ (^٢)، وقلت: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (^٣)، وإنا لا نستطيع أن لا نفرح بما زيّنته لنا اللهم فاجعلني أنفقه في الحق وأعذني من شرّه، قال: وأتي عمر بابن له يحمل يقال له: عبد الرحمن، فقال: يا أبتاه هب لي خاتما، فقال له عمر: اذهب إلى أمّك تسقيك سويقا" (^٤).
٦٨٤ - وحدثني عبد اللَّه بن يونس، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق،
_________________
(١) في طريق خراسان بينها وبين خانقين سبعة فراسخ، وهو نهر عظيم يمتد إلى بعقوبا، ويجري بين منازل أهل بعقوبا، ويحمل السفن إلى باجسران وبها كانت الوقعة المشهورة على الفرس للمسلمين سنة ١٦ هـ، معجم البلدان (٢/ ١٥٦).
(٢) سورة آل عمران، الآية (١٣).
(٣) سورة الحديد، الآية (٢٣).
(٤) إسناده ضعيف، فيه عبد اللَّه بن يونس بن بكير أورده ابن حبان في الثقات، ولم يوثقه غيره، ولا ترجم له غيره كذلك (٥/ ٢٤٨)، الإشراف (٢٠٦ - ٢٠٧) رقم (٢٢٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٥٥٦) رقم (٣٣٧٨٢).
[ ٢ / ٨١١ ]
عن عبد اللَّه بن واقد بن عبد اللَّه بن عمر قال: "بعث أبو موسى من العراق إلى عمر بن الخطاب -رحمة اللَّه عليه- بحلية فوضعت بين يديه، وفي حجره أسماء بنت زيد بن الخطاب، وكانت أحبّ إليه من نفسه لمّا قتل أبوها باليمامة (^١) عطف عليهم، فأخذت من الحلية خاتما فوضعته في يدها، وأقبل عليها يقبّلها ويلتزمها، فلما غفلت أخذ الخاتم من يدها فرمى به في الحلية، وقال: خذوها عنّى" (^٢).
٦٨٥ - حدثنا داود بن عمر الضبي، نا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الثقة: "أن عمر بن الخطاب -﵁- ردّ رجلا على أبيه في الغزو، وكان أبوه يبكي عليه ويذكره في الشعر، فكان فيما يقول:
أتا مهاجران فزلّجاه عباد اللَّه، قد عقّا وحابا
أَبرًّا بعد ضيعة والديه فلا، وأبي كلاب، ما أصابا
فقال عمر -﵁-: أجل، لا وأبي كلاب، ما أصابا
تركت أباك مرعشة يداه وأمك ما تسيغ لها شرابا
إذا دعت الحمامة ساق حرِّ على بيضاتها دعوا كلابا
تنغّص مهده شفقا عليه وتجنبه أباعرنا الصعابا (^٣)
_________________
(١) معدودة من نجد وقاعدتها حجر، معجم البلدان (٥/ ٤٤١).
(٢) إسناده كسابقه فيه عبد اللَّه بن يونس بن بكير، الإشراف (٢٠٧) رقم (٢٢٤).
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو صدوق تغيّر حفظه لما قدم بغداد وكان فقيها التقريب (٣٨٨٦)، قلت: والراوي عنه وهو داود بن عمرو الضبي =
[ ٢ / ٨١٢ ]
٦٨٦ - حدثنا المثنى بن معاذ بن معاذ، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن أبي عروبة، عن قتادة قال: "كان معيقيب (^١) على بيت مال عمر، فكنس بيت المال يوما فوجد فيه درهما، فدفعه إلى ابن لعمر، قال معيقيب: ثم انصرفت إلى بيتي، فإذا رسول عمر قد جاءني يدعوني، فجئت فإذا الدرهم في يده، فقال لي: ويحك يا معيقيب أوجدت عليَّ في نفسك شيئا؟ قال: قلت: ما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: أردت أن تخاصمني أمة محمد -ﷺ- في هذا الدرهم" (^٢).
_________________
(١) = بغدادي كما في التقريب (١٨١٣) وانظر حاشية محقق كتاب المختلطين للعلائي (٧٢)، وفيه المبهم الذي روى عنه أبو الزناد ووصفه بالثقة، والقصة ثابتة رويت من وجوه عديدة ذكر جملة منها ابن حجر في الإصابة، والمصنف في الآثار التالية لهذا الأثر، مكارم الأخلاق (٥٩) رقم (٢٣٩)، والذي بعده برقم (٢٤٠)، (٢٤١) (٢٤٢)، بلفظ آخر، ونسبه ابن حجر في الإصابة (١/ ٦٥) إلى أبي إسحاق الحربي في غريب الحديث عن ابن الجنيد به، قلت: ولعله في القسم المفقود فإني لم أجده في المطبوع منه، ومعمر في الجامع انظر مصنف عبد الرزاق (١١/ ١٣٤) رقم (٢٠١٢٥) بسند صحيح على اختلاف في بعض ألفاظ الأبيات، وقد اعتنت كتب الأدب بهذه الأبيات فانظر طبقات فحول الشعراء (١٩١)، والأغاني (١٨/ ١٥٧).
(٢) هو مُعَيقيب بن أبي فاطمة الدوسي، حليف بني عبد شمس، من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد، وولي بيت المال لعمر، ومات في خلافة عثمان أو علي، الإصابة (٦/ ١٩٣)، التقريب (٦٨٢٥).
(٣) إسناده صحيح إلى قتادة وهو مدلس ولم يرو عن غير أنس من الصحابة، ولم يذكر الواسطة بينه وبين معيقيب -﵁-، انظر تقريب أهل التقديس (١٤٦)، جامع =
[ ٢ / ٨١٣ ]
٦٨٧ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن خالد العبسي: "أن عمر بن الخطاب رأى قوما مجتمعين على أمر كرهه، فسعى عليهم بالدرة فتفرقوا، وقام رجل منهم فضربه، وقال: ما حملك على أن قمت لي حتى ضربتك؟ ألا ذهبت كما ذهب أصحابك؟ قال: يا أمير المؤمنين إن اللَّه جعل حقّك عليّ -أو قال- على كل مسلم كحق الوالد على ولده، وإني لما رأيتك سعيت كرهت أن أتعبك فقمت حتى تقضي مني حاجتك، قال: آللَّه كذلك حملك على ما صنعت؟ فحلف فأخذ بيده فجلسا، فلم يزل له مكرما حتى فارق الدنيا" (^١).
٦٨٨ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو معاوية، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر، عن عمر قال: "إنه لا أجده يحلُّ لي أن آكل من مالكم هذا، إلا كما كنت آكل من صلب مالي: الخبز والزيت، والخبز والسمن، قال: فكان ربما يؤتى بالجفنة قد صنعت بالزيت، ومما يليه منها سمن، فيتعذّر إلى القوم ويقول: إني رجل عربي، ولست استمرئ الزيت" (^٢).
_________________
(١) = التحصيل للعلائي (٢٦٢)، الورع (١٢٦) رقم (٢٢٩).
(٢) إسناده حسن، وعبد اللَّه بن خالد قال عنه أبو حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ٤٤): "شيخ مشهور"، الورع (١٢١) رقم (٢١٣).
(٣) إسناده صحيح، الورع (١١٤) رقم (١٩٠)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٧٦)، وهناد في الزهد (٢/ ٣٦٣) رقم (٦٩٠٤٩)، بإسناديهما عن هشام به.
[ ٢ / ٨١٤ ]
٦٨٩ - حدثنا أبو بلال الأشعري، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المذحجي، عن جرير بن حازم، عن الحسن قال: "بينما عمر بن الخطاب يمشى ذات يوم في نفر من أصحابه، إذا صُبَيَّة في السوق يطرحها الريح لوجهها من ضعفها، فقال عمر: يا بؤس هذه، من يعرف هذه؟ قال له عبد اللَّه: أو ما تعرفها؟ هذه إحدى بناتك، قال: وأي بناتي؟ قال: بنت عبد اللَّه بن عمر، قال: فما بلغ بها ما أرى من الضيعة؟ قال: إمساكك ما عندك، قال: إمساكي ما عندي عنها يمنعك أن تطلب لبناتك ما تطلب الأقوام؟ أما واللَّه ما لك عندي إلا سهمك مع المسلمين، وسعك أو عجز عنك، بيني وبينكم كتاب اللَّه" (^١).
٦٩٠ - حدثني أبي ﵀، نا إسماعيل بن علية، نا أيوب، عن محمد ابن سيرين قال: "نبئت أن رجلا بينه وبين عمر -﵁- قرابة سأله فزبره وأخرجه، فكُلّم فيه فقيل: يا أمير المؤمنين فلان سألك فزبرته وأخرجته، قال: إنه سألني من مال اللَّه ﷿، فما معذرتي إن لقيته مَلِكًا (كذا) خائنا، ولولا سألني من مالي؟ فأرسل إليه بعشرة آلاف" (^٢).
_________________
(١) إسناده فيه المذحجي، ويستبعد أن يكون المذكور في الإصابة (٤/ ١٢٩)، والأثر صحيح إلى الحسن من طريق ابن أبي شيبة، إلا أن الحسن لم يسمع من عمر، الورع (١١٤) رقم (١٨٩)، إصلاح إلمال (٢٤٦) رقم (٢١٥) وفيه تحريف في النص؟ !، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٩٥) رقم (٣٤٤٥٨).
(٢) إسناده حسن إلى ابن سيرين، والد المصنف في درجة الصدوق كما سبق (٣٤٤)، مكارم الأخلاق (١٠٤) رقم (٤١٥)، والطبري في تاريخه (٢/ ٥٦٦).
[ ٢ / ٨١٥ ]
٦٩١ - حدثنا أبو خيثمة وإسحاق بن إسماعيل، قالا: حدثنا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر قال: "بعث إليّ عمر عند الفجر، أو عند صلاة الصبح، فأتيته فوجدته جالسا في المسجد، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإني لم أكن أرى شيئا من هذا المال يحل لي قبل أن آليه إلا بحقه، ثم ما كان أحرم عليّ منه يوم وليته، فعاد بأمانتي، وإني كنت أنفقت عليك من مال اللَّه شهرا، فلست بزايدك عليه، وإني كنت أعطيتك ثمرتي بالعالية العام، فبعه فخذ ثمنه، ثم ائت رجالا من تجار قومك فكن إلى جنبه، فإذا ابتاع شيئا استشركه، وأنفقه عليك وعلى أهلك، قال: فذهبت ففعلت" (^١).
٦٩٢ - حدثنا محمد بن عبد اللَّه المديني قال: حدثنا معتمر بن سليمان، سمع أباه يحدث عن نعيم بن أبي هند: "أن عمر بن الخطاب كان يدفع إلى امرأته طيبا للمسلمين، كانت تبيعه فتزن فترجح وتنقص فتكسر بأسنانها، فتقوّم لهم الوزن، فعلق بأصبعها منه شيء فقالت بأصبعها في فيها فمسحت به خمارها، وإن عمر جاء فقال: ما هذه الريح؟ فأخبرته خبرها، فقال: تطيبين بطيب المسلمين؟ فانتزع خمارها، فجعل يقول بخمارها في التراب ثم يشمه ثم يصب عليه الماء ثم يقول به في التراب، حتى ظن أن
_________________
(١) إسناده صحيح، الورع (١١٣ - ١١٤) رقم (١٨٨)، إصلاح المال (٢٤٧) رقم (٢١٦)، وأخرجه أحمد في الزهد (١١٦)، وابن الجوزي في مناقب عمر (١٠٥ - ١٠٦)، وذكر أصل القصة في تهذيب التهذيب (٢/ ٢٥٨).
[ ٢ / ٨١٦ ]
ريحه قد ذهبت، ثم جاءتها العطارة مرة أخرى فباعت منها فوزنت لها فعلق بأصبعها منها شيء فقالت بأصبعها في فيها ثم قالت بأصبعها في التراب، فقالت العطارة: ما هكذا صنعت أول مرة، فقالت: أَوَمَا علمت ما لقيت منه؟ لقيت منه كذا ولقيت وكذا وكذا" (^١).
٦٩٣ - حدثني سلم بن جنادة قال: حدثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت القرشي قال: حدثنا أبي، عن عبد اللَّه بن جعفر، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة قال: "قال كعب لعمر: يا أمير المؤمنين، اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام، فقال عمر: اللَّه إنك تجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك، قال: وعمر لا يحسّ أجلا ولا وجعا، فلما مضت ثلاثٌ طعنه أبو لؤلؤة، فجعل يدخل عليه المهاجرون والأنصار فيسلمون عليه، ودخل في الناس كعب، فلما نظر إليه عمر قال:
فأوعدني كعبٌ ثلاثا يعدّها ولا شكّ أن القول ما قال كعب
وما بي حذار الموت إني لميّت ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب (^٢)
_________________
(١) الأثر حسن لغيره، الورع (٧٤ - ٧٥) رقم (٩٠)، رجاله ثقات وشيخ المصنف الظاهر أنه محمد بن عبد اللَّه بن بزيع البصري فإنه من شيوخ ابن أبي الدنيا وكذلك هو من الرواة عن معتمر بن سليمان كما في تهذيب الكمال (٦/ ٣٦٤)، وأخرج أحمد في الزهد (٣٧) عن نعيم عن العطارة مثله، وبلفظ آخر بسند حسن (ص ٣٧).
(٢) إسناده ضعيف جدا، فيه عبد العزيز بن أبي ثابت متروك، احترقت كتبه فحدث من حفظه فاشتد غلطه، وكان عارفا بالأنساب التقريب (٤١٤٢)، المحتضرين (٥٣ - ٥٤) رقم (٤١)، وابن شبة في اخبار المدينة (٢/ ٦٣)، وابن جرير في تاريخ الأمم والملوك (٢/ ٥٦٠) وفيه قصة طويلة في مقتله -﵁-، والآجري في كتاب الشريعة =
[ ٢ / ٨١٧ ]
٦٩٤ - حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: "أن عمر بن الخطاب -﵁- لما نفر من منى، أناخ بالأبطَح (^١)، ثم كوّمه من بطحاء فألقى عليها طرف ردائه، ثم استلقى، ورفع يديه إلى السماء، ثم قال: اللهم كبرت سني، وضعفت قوّتي، وانتشرت رعيّتي، فاقبضني إليك غير مضيّع، ولا مفرّط، فما انسلخ ذو الحجّة حتى طعن فمات ﵀" (^٢).
٦٩٥ - حدثنا داود بن عمرو الضبي، حدثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عمر بن الخطاب أنه قال:
_________________
(١) = (٤/ ١٩٢٤) رقم (١٣٩٩)، ومن طريق المصنف ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٤٠٨)، وذكره المالقي في التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان (١٤٣)، وأصل القصة في البخاري (٧/ ٥٩) دون قول كعب لعمر ﵄.
(٢) يضاف إلى مكة وإلى منى؛ لأن المسافة بينه وبينهما واحدة، وربما كان إلى منى أقرب، وهو المحصب، وهو خيف بني كنانة، وقد قيل إنه ذو طوى وليس به، معجم البلدان (١/ ٧٤).
(٣) إسناده صحيح، قال الزرقاني في شرح الموطأ (٤/ ١٧٧): "رواية سعيد عن عمر تجري مجرى المتصل؛ لأنه رآه وقد صحح بعض العلماء سماعه منه قاله أبو عمر"، وانظر التمهيد (٢٣/ ٩٢)، مجابو الدعوة (٦٤) رقم (٢٤)، الحلية (١/ ٥٤)، ومالك في الموطأ (٢/ ٨٢٤) رقم (١٥٠٦)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٣٤)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٥٣)، والفاكهي في أخبار مكة (٣/ ٨٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ١٠٧) رقم (٩٠)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٥٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣٩٦)، وانظر فتح الباري (١٠/ ١٢٨) وفيه شرح طيب عليه.
[ ٢ / ٨١٨ ]
"لوددت أني أنجو من الإمارة كفافا، لا لي، ولا عليّ" (^١).
ثالثا: الآثار الواردة في ثناء الناس عليه.
٦٩٦ - حدثني عبد اللَّه بن يونس بن بكير قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو إسحاق المختار التيمي -تيم الرباب- عن أبي المطرانة (^٢) أخبره قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: "دخلت على عمر بن الخطاب حين وجاه أبو لؤلؤة وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: أبكاني خبر السماء، أين يذهب بي، إلى الجنة أو إلى النار، فقلت: أبشر بالجنة، فإني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- ما لا أحصيه يقول: "سيدا أهل الجنة أبو بكر وعمر"، فقال: أشاهد أنت يا عليّ لي بالجنة؟، قلت: نعم، وأنت يا حسن فاشهد على أبيك رسولِ اللَّه أن عمر من أهل الجنة" (^٣).
٦٩٧ - حدثنا مهدي بن حفص، حدثنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه قال: "دخل عليٌّ على عمر رضي اللَّه
_________________
(١) إسناده حسن، محمد بن مسلم هو الطائفي صدوق يخطئ من حفظه التقريب (٦٣٣٣)، المتمنين (٧١) رقم (١١٧) وانظر رقم (١٣٨) بنحوه، المحتضرين (١٥٨) رقم (٢١٦)، بأطول من هذا، الرقة والبكاء (٢٧٦) رقم (٤١٩)، والقصة في صحيح البخاري (١٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧ فتح) رقم (٧٢١٧).
(٢) في تاريخ دمشق: "أبي المطر".
(٣) إسناده لين؛ فيه شيخ المصنف وقد سبق (٦٨٣)، وأبو المطرانة وأبو إسحاق التيمي لم أجد لهما ترجمة، المحتضرين (١٦١) رقم (٢٣٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ١٦٨)، والحديث ثابت من طرق كثيرة، انظر المسند (٢/ ٤٠).
[ ٢ / ٨١٩ ]
عنهما وهو مسجّى بثوب فقال: ما أحب أن ألقى اللَّه بصحيفة أحد إلا بصحيفة هذا المسجّى" (^١).
٦٩٨ - حدثني محمد بن الحارث الخراز قال: ثنا سنان بن حاتم، قثنا جعفر بن سليمان، قثنا حباب القطيعي، عن أبي إسحاق الهمداني قال: "خرج عليّ بن أبي طالب -﵁- في أول ليلة من شهر رمضان والقناديل تزهر، وكتاب اللَّه يُتلا في المساجد، فقال: نوّر اللَّه لك يا عمر بن الخطاب
_________________
(١) إسناده صحيح، شيخ المصنف مقبول التقريب (٦٩٧٨)، لكن وثقه الخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ١٨٤)، وابن حبان في الثقات (٩/ ٢٠١)، ومسلمة بن قاسم كما في تهذيب التهذيب (٤/ ١٦٥)، المتمنين (٥٧) رقم (٨٥)، وأبو يوسف في الآثار رقم (٩٥٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٣٥٩) رقم (٢٣٠١٨)، وأحمد في المسند (١/ ٢١٧) رقم (٨٦٦)، وفي فضائل الصحابة (١/ ٢٤٦ - ٢٤٥، ٣٣١، ٤١٨) مرسلا، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٧٠ - ٣٧١) مرسلا أيضًا، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٩٠)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٣/ ٧٥)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ١٧٩) في ترجمة سدير الصيرفي وكان غاليا في الرفض حيث قال سفيان بن عيينة راوي الأثر: "فسمعت سدير الصيرفي وكان معنا يقول: فواللَّه لما في صحيفته خير مما في صحيفته، قال سفيان: يعني جعفر، فرفعت يدي أريد أن أضرب بها وجهه، أو قال: فمه، قال: فأمسكني الحسن بن عمارة، وقال: دعه؛ فإنه ضال"، والحاكم في المستدرك (٣/ ٩٤)، وأبو نعيم في مسند أبي حنيفة (٢٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٤٤٢) (٤٤/ ٤٥١ - ٤٥٧)، وانظر علل الدارقطني (٣/ ٨٩) ففيه بحث إسنادي حول إرساله ووصله رجح فيه إرساله.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
في قبرك كما نوّرت مساجد اللَّه بالقرآن" (^١).
٦٩٩ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا أبو معاوية، عن أبي حيان التيمي قال: "رؤي على عليّ بن أبي طالب ثوب كأنه كان يكثر لبسه، فقيل له فيه، فقال: هذا كسانيه خليلي وصفيِّي عمر بن الخطاب -﵁-؛ إن عمر ناصح اللَّه فنصحه اللَّه" (^٢).
٧٠٠ - حدثني أبي ﵀، قال: حدثنا ابن شقيق، عن ابن. . . (^٣)، عن سفيان، بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد قال: "قيل لعثمان: ألا تكون مثل عمر؟ قال: لا أستطيع أن أكون مثل لقمان الحكيم" (^٤).
_________________
(١) إسناده لين؛ فيه حباب القطعم قال عنه ابن حجر في تعجيل المنفعة (٨٢): "لا يعرف"، فضائل رمضان (٥٨) رقم (٣٠)، والأصبهاني في الترغيب (١٧٩٢)، ومحمد بن نصر في قيام رمضان كما في مختصره للمقريزي (٣٧)، وذكره النووي في تهذيب الأسماء (٢/ ٣٣٢).
(٢) إسناده معضل؛ فان أبا حيان التيمي السادسة التقريب (٧٦٠٥)، الإخوان (٢٣٨ - ٢٣٧) رقم (٢٢١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٣٥٦) رقم (٣١٩٩٧)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ١٣٨، ١٧٦، ٤٠٦)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ١٧٠) مختصرا، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣٦٣) وقبله (٣٠/ ٣٧٩)، والدارقطني في العلل (٤/ ٩٧) بإسناد مداره على ضعيفٍ، وهو: كثير النوا، التقريب (٥٦٤٠).
(٣) طمس استظهره المحقق المحمود أنه "ابن المبارك"، وذكر الجابي السند دون إشارة إلى السقط.
(٤) إسناده صحيح إن كان المطموس هو ابن المبارك، الورع (١٢٧) رقم (٢٣١)، =
[ ٢ / ٨٢١ ]
٧٠١ - حدثنا المثنى، قال: حدثنا بشر، عن خالد، عن محمد بن سيرين قال: "كتب عمر إلى أبي موسى: إذا جاءك كتابي هذا، فأعط الناس أعطياتهم، واحمل إليّ ما بقى مع زياد، ففعل، فلما كان عثمان، كتب إلى أبي موسى بمثل ذلك ففعل، فجاء زياد بما معه فوضعه بين يدي عثمان، فجاء ابن لعثمان فأخذ شيئا (لذاته) (^١) فمضى بها، فبكى زياد، فقال له عثمان: ما يبكيك؟ قال: أتيت أمير المؤمنين عمرا بمثل ما أتيتك به، فجاء ابن له فأخذ درهما، فأمر به فانتزع منه حتى بكى الغلام، وإن ابنك جاء فأخذ هذه، فلم أر أحدا قال له شيئا، قال عثمان: إن عمرا كان يمنع أهله وأقربائه ابتغاء وجه اللَّه، فإني (^٢) أعطي أهلي وأقربائي ابتغاء وجه اللَّه، ولن تلقى مثل عمر، ولن تلقى مثل عمر، ولن تلقى مثل عمر" (^٣).
٧٠٢ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشجّ: "أن معاوية بن أبي سفيان قال ليزيد ابنه: كيف تراك فاعلا إن وُلّيت؟ قال: يمتّع اللَّه بك، قال: لتخبرَنّي، قال: كنت
_________________
(١) = ونحوه أبو نعيم (٦/ ٧٥).
(٢) من طبعة الجابي، ولم تتضح للمحمود.
(٣) من طبعة الجابي، ولم تتضح للمحمود.
(٤) إسناده صحيح إلى ابن سيرين، الورع (١٢٦ - ١٢٧) رقم (٢٣٠)، تاريخ الطبري (٢/ ٥٧٩) وفيه جهالة الواسطة بين ابن سيرين وعمر؛ لأنه لم يسمع منه كما يستفاد من كتب المراسيل، انظر جامع التحصيل (٢٦٤)، وتحفة التحصيل (٢٧٧).
[ ٢ / ٨٢٢ ]
واللَّه يا أبه عاملا فيهم عمل عمر بن الخطّاب، قال: سبحان اللَّه! سبحان اللَّه!، واللَّه يا بنيّ لقد جهدت على سيرة عثمان بن عفان فما أطقتها" (^١).
٧٠٣ - حدثني محمد بن قدامة الجوهري، حدثني رجل من أهل البصرة، عن أبيه، نا مبارك بن فضالة، عن علي بن عبد اللَّه بن عباس قال: "دخلت على عبد الملك بن مروان في يوم شديد البرد، وإذا هو في جبّة باطنها قوهي معصفر، وظاهرها خزّ أغبر، وحوله أربعة كوانين، قال: فرأى البرد في تقفقفي (^٢) فقال: ما أظن يومنا هذا إلا باردا، قلت: أصلح اللَّه أمير المؤمنين ما يظن أهل الشام أنه أتى عليهم يوم أبرد منه، قال: فذكر الدنيا فذمها، ونال منها، وقال: هذا معاوية عاش أربعين سنة، عشرين أميرا، وعشرين خليفة، هذه جثوته (^٣) عليها ثمامة (^٤) نابتة، للَّه درّ ابن ختمة -يعني عمر بن الخطاب- ما كان أعلمه بالدنيا" (^٥).
٧٠٤ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، ثنا عمي خليفة بن موسى،
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه رشدين بن سعد ضعيف التقريب (١٩٥٣)، الإشراف (١٢٧) رقم (٤٨)، وأورده من طريقه ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٢٢٩).
(٢) قفقف الرجل ارتعد من البرد، مختار الصحاح (٥٦٠).
(٣) أي جسده، لسان العرب (١٤/ ١٣١).
(٤) الثُّمَامُ نبت ضعيف، له خوص أو شبيه بالخوص، وربما حُشي به وسُدَّ به خصاص البيوت، مختار الصحاح (٩٠).
(٥) إسناده ضعيف، لجهالة الرجلين المبهمين، وفيه مبارك بن فضالة سبق (٩٣) أنه يدلس ويسوي، ذم الدنيا (٨٦) رقم (٢٢٣)،)، الاعتبار رقم (٥٢) بنفس السند، وذكر الجملة الأخيرة منه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (١/ ٣٢٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ٣٢)، من قول عمرو بن العاص.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
ثنا محمد بن ثابت البناني، عن أبيه قال: قالت عائشة ﵂: "إذا سرّكم أن يحسن المجلس فأكثروا ذكر عمر بن الخطاب -﵁-، ثم قالت: واللَّه إنا لوقوف بالمحصب، إذ أقبل راكب حتى إذا كان قدر ما يسمع صوته قال:
أبعد قتيل بالمدينة أشرقت له الأرض واهتز الغضاة (^١) بأسوق
جزى اللَّه خيرا من إمام وباركت يد اللَّه في ذاك الأديم الممزّق
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها نوائح في أكمامها لم تفتَّق
وكنت نشرت العدل بالبر والتقى وحكم صليب الدين غير مزوق
فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق
أمين النبي حبة وصفيه كساه المليك جبة لم تمزّق
من الدين والإسلام والعدل والتقى وبابك عن كل الفواحش مغلق
ترى الفقراء حوله في مفازة شباعا رواء ليلهم لم يؤرّق
قالت: ثم انصرف فلم نر شيئا، فقال الناس: هذا مزرد (^٢)، ثم أقبلنا
_________________
(١) نبات صحراوي، له هدب كهدب الأرطى، لسان العرب (١٥/ ١٢٨).
(٢) اسمه يزيد بن ضرار بن حرملة الغطفاني، وإنما سمي مزردا لقوله: فقلت تزردها يا عبيد فإنني لزرد القوافي في السنين مزرد كان شاعرا، أخو الشماخ، انظر الأغاني (٨/ ٩٨)، الإصابة (٢/ ١٥٥)، وفي كلام الحافظ ما يفيد أنه ليس له صحبة، وفي الاستيعاب لابن عبد البر (٤/ ١٤٧٠) ما يفيد إثبات الصحبة له، كل ذلك بناء على أبيات لم يذكرها غير الأصفهاني فاللَّه أعلم.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
حتى انتهينا إلى المدينة، فوثب إليه أبو لؤلؤة الخبيث فقتله، فواللَّه إنه لمسجّى بيننا إذ سمعنا صوتا من جانب البيت لا ندري من أين يجيء:
ليبك على الإسلام من كان باكيا فقد أوشكوا هلكى وما قدم العهد
وأدبرت الدنيا وأدبر خيرها وقد ملّها من كان يوقن بالوعد
فلما ولي عثمان لقي مزردا فقال: أنت صاحب الأبيات؟ قال: لا، واللَّه يا أمير المؤمنين ما قلتهن، قال: فيرون أن بعض الجن رثاه" (^١).
٧٠٥ - حدثنا داود بن عمرو قال: حدثنا شريك بن عبد اللَّه، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: "ركض عمر فرسا على عهد رسول اللَّه -ﷺ-
_________________
(١) إسناده ضعيف والأثر صحيح، كتاب الهواتف (٦٢ - ٦٣) رقم (٨١)، فيه محمد بن ثابت البناني وهو ضعيف، التقريب (٥٨٠٤)، وخليفة بن موسى مستور (١٧٥٨)، ومن طريق آخر (٩٧) رقم (١٤٩) مختصرا وفيه معروف بن أبي معروف انظر الميزان (٤/ ١٤٥ - ١٤٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٣٥٧) رقم (٣٢٠٠٦)، ومن طريقه الآحاد والمثاني (١/ ١٠٥) رقم (٨٧)، السنة للخلال (٢/ ٣١٥ - ٣١٦) رقم (٣٩٤)، الاستيعاب (٣/ ١١٥٨)، طبقات ابن سعد (٣/ ٣٧٤ - ٣٧٥) بسند صحيح، وقبله (٣/ ٣٣٣ - ٣٣٤) من طريق آخر، والفاكهي في تاريخ مكة (٤/ ٧٦ - ٧٧) رقم (٢٤٠٩) في ذكر المحصب وحدوده وما جاء فيه، وأبو الفرج الأصفهاني في الأغاني (٨/ ٩٨) من طريق عمر بن شبة، كلهم من طريق عبد اللَّه بن الصقر، وهو مجهول لا يعرف عنه إلا أنه كان عاملا لابن هبيرة على الكوفة كما في طبقات ابن سعد (٥/ ١٦٣) (٦/ ٢١١)، وطبقات المحدثين بأصبهان (١/ ٣٣٨)، وصحح الأثر ابن حجر في الإصابة (٢/ ١٥٥).
[ ٢ / ٨٢٥ ]
فانكشف فخذه من تحت القباء، وأبصر رجل من أهل نجران (^١) شامة في فخذه فقال: هذا الذي نجده في كتابنا يخرجنا ثمّ (كذا) ديارنا" (^٢).
رابعا: الآثار الواردة في بعض كراماته.
٧٠٦ - حدثنا عبد اللَّه بن عفان، حدثني عطاء بن مسلم الحلبي، عن العمري قال: قال خوات بن جبير -وكانت له صحبة -﵁-: "أصاب الناس قحطٌ شديد على عهد عمر بن الخطاب -﵁- فخرج عمر بالناس يصلى بهم ركعتين، وخالف بين طرفي ردائه جعل اليمين على اليسار، واليسار على اليمين، ثم بسط يده فقال: "اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك"، قال: فما برح من مكانه حتى مطروا، فبينا هم كذلك إذا أعراب قدموا المدينة فأتوا عمر بن الخطاب -﵁- فقالوا: يا أمير المؤمنين بينا نحن بوادينا في يوم كذا وكذا، في ساعة كذا وكذا إذ أظلَّنا غمام، وسمعنا بها صوتا ينادي: "أتاك الغوث أبا حفص، أتاك الغوث أبا حفص" (^٣).
_________________
(١) نجران في عدة مواضع منها نجران في مخاليف اليمن من ناحية مكة، معجم البلدان (٥/ ٢٦٦).
(٢) فيه شريك بن عبد اللَّه وهو القاضي صدوق يخطئ كثيرا، لكن له عناية بأبي إسحاق، وعناية بمسألة المفاضلة بين الخلفاء الأربعة ولعل هذا منها، انظر ميزان الاعتدال (٢٧٠ - ٢٧٢)، الإشراف (٣٢٦) رقم (٤٨١)، وأحمد في الزهد (١٢٣) بنفس الإسناد، وفيه (من ديارنا).
(٣) إسناده ضعيف، فيه عطاء بن مسلم الخفاف صدوق يخطئ كثيرا كما في التقريب (٤٦٣٢)، والعمري هو عبد اللَّه المكبر ضعيف عابد كما في التقريب (٣٥١٣)، الهواتف (٢٥ - ٢٦) رقم (١٦)، مجابو الدعوة (٧٩) رقم (٤٣) من طريق شيخ =
[ ٢ / ٨٢٦ ]
التحليل والتعليق
تضنمت الآثار السابقة بعض فضائل الفاروق عمر بن الخطاب -﵁-، من أوجه كثيرة قسمتها إلى العناصر الأربعة الماضية، وهي: زهده وورعه، وعدله وخوفه في خلافته، وثناء الناس عليه، وبعض كراماته.
فأما زهده وورعه: فقد تضمنت الآثار في ذلك عدة أوجه، فمن أهمها زهده في مأكله، حيث كان مقدار أكله حوالي إحدى عشرة لقمة يوميا، وكان يترك كثيرا من أطايب الطعام المباح، رجاء استيفاء أجر حسناته التي قدّمها أوفى ما يكون عند اللَّه، وألا يكون قُدِّم له منها شيء في هذه الحياة الدنيا، وحرصا على الحفاظ على المنزلة التي يرجوها من مرافقة صاحبيه كما رافقهما في الدنيا، فمن ذلك ترك شرب العسل، واقتصاره على أزهد شيء في الذبيحة، كالعرق والرقبة والعلباء، وإن طبخها طبخها بأبسط شكل، ولم يدخل عليها التحسينات من السمن والبهارات ونحو ذلك.
وزهده في الجاه الدنيوي فكان لا يهمه التفاخر في الزواج فالمسلمون عنده سواء في التزويج والتزوج، ويأبى المدح ويخافه على نفسه وعلى
_________________
(١) =آخر حدثنا أبو بكر الشيباني به، ومن طريق المصنف اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٢٩ - ١٣٠) رقم (٦٩)، ولذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣٤٦).
[ ٢ / ٨٢٧ ]
المادح، ويخالف نفسه في هواها حتى إنه ليكرهها على الجماع ليس لحظ نفسه منه، وإنما حرصا على الولد الذي يسبح اللَّه.
وكان بكَّاءً يسمع خنينه من وراء ثلاثة صفوف، وكان زاهدا في ملبسه يرى عليه آثار الترقيع حتى عُدَّت له تلك الرقاع فبلغت نيفا، كل راو يذكر ما رأى من ذلك.
وأما عدله وخوفه في خلافته: فهو مضرب المثل فيه، فكان يركب مع سائر رعيته على الدابة، ولا يرضى حتى يكون هو في الخلف، ويخاف على رعيته أن تصيبهم هلكة على يديه، ويقبل منهم الانتقاد ويعمل به، ويخشى أي محاباة بسبب المنصب الذي تولاه، فلا يعطى أبناءه وأهله من الأموال إلا ما يستحقونه كعموم المسلمين، ولهذه العلة منع ابنه عبد اللَّه من الجهاد خشية أن يحابوه في المغنم، فإن رأى حاجة شديدة بأحدهم أعطاه من ماله الخاص وأمره بالاتجار والتكسب به، ويخشى من الأموال التي تجبى إليه أن يفتتن بها، فيسرع في قسمتها على المسلمين، ويتصفح أحوال المجاهدين فيرجع من كان أبواه في حاجته، ومع هذا العدل والتورع يخاف على نفسه من تبعات الخلافة ويتمنى قبل الموت أن يخرج منها كفافا لا له ولا عليه، ولما كبر سنة خاف من التفريط فسأل اللَّه أن يتوفاه.
وأما ثناء الناس عليه: فكل مسلم يلهج لسانه بذكر محاسنه، والثناء على أعماله، شهد له علي بن أبي طالب بالجنة، ويأمر ذريته بذلك، ويتمنى أن يلقى اللَّه بمثل صحيفته، ويدعو له بتنوير قبره، كما نوّر مساجد
[ ٢ / ٨٢٨ ]
اللَّه بالتراويح، ويشبهه عثمان بن عفان -﵁- بلقمان الحكيم، ويعبر عن عجزه عن إدراك مثل درجته، ويجزم أنه لن يوجد مثل عمر، ويؤكّد هذا المعنى معاوية -﵁- حيث لم يستطع أن يسير في الناس سيرة عثمان، فأما سيرة عمر فلا مطمع فيها، وهكذا بعدهم عبد الملك بن مروان ترحم عليه، وأثنى على بصره وعلمه بالدنيا، وأنه لم يغتر بها، بل إن أم المؤمنين عائشة ﵂ جعلت ذكره يحسن المجالس، ثم ذكرت رثاء الجن له، بل إن أخباره وصفاته عند أهل الكتاب عرفونه بها، كما عرفه النجراني يوم ركض على فرسه، وعلم أنه هو الذي سيخرجهم من جزيرة العرب.
وأما كراماته: فقد ورد أثر استقائه بالعباس -﵁- وتبشيره بالغوث بصوت سمعه بعض الأعراب في بواديهم من الغمام في نفس وقت الاستقتاء (^١).
ولهذا كله وغيره فإنه لا يطعن في عمر -﵁- إلا بأحد سببين كما قال شيخ الإسلام: "إما نقصم العلم، وإما نقص الدين"، ثم قال: "من المعلوم للخاص والعام أن عدل عمر -﵁- ملأ الآفاق، وصار يضرب به المثل، كما قيل: سيرة العمرين. . . ويكفي الإنسان أن الخوارج الذين هم أشد الناس تعنتا، راضون عن أبي بكر وعمر في سيرتهما، وكذلك الشيعة الأولى أصحاب علي، كانوا يقدمون عليه أبا بكر وعمر. . . وهؤلاء أهل
_________________
(١) وقد استقصى ابن حجر الهيتمي كل هذا، وذكر النصوص معزوة إلى مصادرها في كتابه الصواعق المحرقة (١/ ٢٤٩ فما بعدها).
[ ٢ / ٨٢٩ ]
العلم الذين يبحثون الليل والنهار عن العلم، وليس لهم غرض مع أحد، بل يرجحون قول هذا الصاحب تارة، وقول هذا الصاحب تارة، بحسب ما يرونه من أدلة الشرع. . . -ثم ذكر جملة منهم-، ومن لا يحصى عددهم إلا اللَّه، من أصناف علماء المسلمين، كلهم خاضعون لعدل عمر وعلمه، وقد أفرد العلماء مناقب عمر، فإنه لا يعرف في سير الناس كسيرته. . .وكل هؤلاء العلماء الذين ذكرناهم، يعلمون أن عدل عمر كان أتم من عدل من ولي بعده، وعلمه كان أتم من علم من ولي بعده، وأما التفاوت بين سيرة عمر وسيرة من ولي بعده، فأمْرٌ قد عرفته العامة والخاصة؛ فإنها أعمال ظاهرة، وسيرة بيِّنَةٌ، يظهر لِعُمر فيها من حسن النية، وقصد العدل، وعدم الغرض، وقمع الهوى، ما لا يظهر من غيره -ثم ذكر آثارا في هذا المعنى-، وهذه الآثار وأضعافها مذكورة بالأسانيد الثابتة في الكتب المصنفة في هذا الباب، ليس من أحاديث الكذابين، والكتب الموجودة فيها هذه الآثار المذكورة بالأسانيد الثابتة كثيرة جدا. . .وهذا باب طويل قد صنف الناس فيه مجلدات، في مناقب عمر (^١) مثل: كتاب أبي الفرج ابن الجوزي، وعمر بن شبه وغيرهما، غير ما ذكره الإمام أحمد بن حنبل، وغيره من أئمة العلم، مثل: ما صنفه خيثمة بن سليمان في فضائل
_________________
(١) ومنها ما ألفه المصنف حيث ذكر ابن القيم أن له كتاب مناقب عمر، الجواب الكافي (٣٠)، ولم أجد من ذكره لكن ذكر مقتل عمر فلعله هو واللَّه أعلم، انظر مقدمة الدكتور مصلح لكتاب التهجد.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
الصحابة، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم (^١) " (^٢).
ومسألة تفضيل أبي بكر وعمر ﵄ على سائر الصحابة من أصول مسائل أهل السنة والجماعة، التي يبدع فيها المخالف، قال شيخ الإسلام: "تفضيل أبي بكر، ثم عمر، على عثمان وعليٍّ، فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين، المشهورين بالإمامة في العلم والدين، من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم. . .وحكى مالك إجماع أهل المدينة على ذلك. . .وهذا كسائر الأمور المعلومة بالاضطرار عند أهل العلم بسنة رسول اللَّه، وإن كان غيرهم يشك فيها، أو ينفيها كالأحاديث المتواترة عندهم في شفاعته، وحوضه، وخروج أهل الكبائر من النار، والأحاديث المتواترة عندهم في الصفات، والقدر، والعلو، والرؤية، وغير ذلك من الأصول التي اتفق عليها أهل العلم بسنته (^٣). . .ولهذا كان أئمة الإسلام متفقين على تبديع من خالف في مثل هذه الأصول" (^٤).
_________________
(١) كالأبواب المفردة من كتب السينة كالكتب الستة وغيرها؛ فإنها تفرد كتابا لفضائل الصحابة فتبدأ بأبي بكر ثم عمل، انظر على سبيل المثال لا الحصر صحيح البخاري (٣/ ١٣٤٥)، وصحيح مسلم (٤/ ١٨٦٥)، وغير ذلك كثير جدا.
(٢) منهاج السنة (٦/ ٥٠ - ٥٨)، وانظر كذلك للتوسع (١١/ ٥٦) (٨/ ٢٢٣)، والشذا الفياخ (٢/ ٥٠٧).
(٣) وفي منهاج السنة (٨/ ٢٢٣) جعل إجماعهم على تفضيل الشيخين أعظم من إجماعهم على بعض هذه المسائل المتواترة.
(٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٢١ - ٤٢٥) بتصرف.
[ ٢ / ٨٣١ ]
المبحث الخامس: الآثار الواردة في في فضائل عثمان بن عفان -﵁-.
أولا: الآثار الواردة في بعض مناقبه.
٧٠٧ - حدثني إبراهيم بن سعيد قال: حدثنا الربيع بن نافع قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم (^١) قال: "كان عثمان بن عفان يصنع للناس طعام الأمراء، ويدخل بيته فيأكل الخلّ والزيت" (^٢).
٧٠٨ - حدثني محمد بن يزيد الآدمي قال: ثنا أبو اليمان، عن أبي بكر ابن أبي مريم، عن راشد بن سعد (^٣) قال: "دُعي عثمان -﵁- إلى قوم اجتمعوا على ريبة لهم، فانطلق ليأخذهم فتفرّقوا قبل أن يبلغهم، فأعتق رقبة شكرا للَّه ألا يكون جرى على يديه خزي مسلم" (^٤).
٧٠٩ - حدثنا هارون بن معروف، نا ضمرة بن ربيعة، نا عبد اللَّه بن
_________________
(١) هو شرحبيل بن مسلم بن حامد الخولاني الشامي، أصله من اليمن، أدرك خمسة من الصحابة، صدوق فيه لين، مات بعد المائة، التقريب (٢٧٧١).
(٢) إسناده حسن إلى شرحبيل؛ إسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم التقريب (٤٧٧)، وهو يروي هنا عن شرحبيل بن مسلم وكلاهما شامي، لكن هذا الأخير صدوق فيه لين من الثالثة التقريب (٢٧٨٦)، ولم يدرك عثمان، الجوع (١٦٠) رقم (٢٦٥)، ورقم (٢٨٦)، وأحمد في الزهد (١٢٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٦٠)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٣٠٣).
(٣) هو راشد بن سعد المَقْرَئي الحمصي، ثقة كثير الإرسال، مات سنة (١٠٨ هـ) وقيل غير ذلك، التقريب (١٨٥٤).
(٤) إسناده ضعيف، فيه ابن أبي مريم وهو ضعيف وكان قد سرق بيته فاختلط التقريب (٨٠٣١)، الشكر (١٢٧ - ١٢٨) رقم (١٢١)، وذكره المناوي في فيض القدير (٦/ ١٤٩) ولم ينسبه لأحد.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
شوذب، عن عبد اللَّه بن القاسم، عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة (^١) قال: "جاء عثمان بن عفان بألف دينار في ثوبه حين جهّز النبي -ﷺ- جيش العسرة (^٢) فصبّها في حجر النبي -ﷺ-، فجعل النبي -ﷺ- يقلّبها ويقول: "ما ضر ابن عفان ما فعل بعد هذا -يردّد ذلك مرارا-" (^٣).
٧١٠ - حدثني عبيد اللَّه بن جرير العتكي، نا عمرو بن مرزوق، نا
_________________
(١) هو كثير بن أبي كثير البصري، مقبول، ووهم من عده صحابيا، التقريب (٥٦٢٦).
(٢) أي جيش غزوة تبوك، أصابهم حر شديد فسميت العسرة لسببه، انظر كتاب محمد رسول اللَّه (٥٤٢).
(٣) إسناده حسن، فيه كثير مولى عبد الرحمن وهو: "مقبول من الثالثة، ووهم من عده صحابيا" كما سبق قريبا، ووثقه العجلي وابن حبان كما في تهذيب الكمال (٦/ ١٦٢)، ولم يذكر فيه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٢١١)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ١٥٦) جرحا ولا تعديلا، مكارم الأخلاق (١٠٤ - ١٠٥) رقم (٤١٦)، والترمذي في المسند (٥/ ٥٨٥) رقم (٣٧٠١) وقال: "حديث حسن غريب من هذا الوجه"، وأحمد في المسند (٥/ ٦٣) طبعة قرطبة، وفي فضائل الصحابة (١/ ٤٥٧) (٧٣٨) من طريق شيخ المصنف به، ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال (٤/ ٢٤١)، والخلال في السنة (٣١٩ - ٣٢٠) رقم (٤٠٢ - ٤٠٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٧٣) رقم (١٢٧٩)، وفي الجهاد (١/ ٢٧٢) رقم (٨٢)، والطبراني في مسند الشاميين (٢/ ٢٤٥) رقم (١٢٧٤)، والحاكم في المستدرك (٣/ ١٠٢) وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وأورده الألباني في صحيح الترمذي رقم (٢٩٢٠) وأحال على المشكاة وهو فيها برقم (٦٠٦٤)، مع أن مدار طرقه كلها على كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
السكن بن المغيرة مولى لآل عثمان، عن الوليد بن أبي هشام، عن فرقد أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن خبّاب قال: "شهدت رسول اللَّه -ﷺ- على جيش العسرة فقام عثمان بن عفان -﵁- فقال: يا رسول اللَّه، عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها (^١) في سبيل اللَّه، ثم حضَّ رسول اللَّه -ﷺ- على الجيش فقام عثمان فقال: عليّ يا رسول اللَّه مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل اللَّه، ثم حض رسول اللَّه ﷺ على الجيش فقام عثمان فقال: عليّ يا رسول اللَّه مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل اللَّه، قال عبد الرحمن: وأنا رأيت رسول اللَّه ﷺ وهو على المنبر وهو يقول: "ما على عثمان ما عمل بعد هذه، أو: بعد اليوم" (^٢).
٧١١ - حدثني هارون بن سفيان، نا محمد بن عمر، عن أبي يحيى عبد اللَّه بن ميمون، سمع عبد اللَّه بن دينار، عن أبي عمرو ذكوان قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: "رجلان من أصحاب النبي -ﷺ- كانا أبر من كان في هذه الأمة بأمهما، فيقال لها: من هما؟ فتقول: عثمان بن
_________________
(١) هي إكاف البعير وكساؤها، لسان العرب (١/ ٦٦٠).
(٢) فيه فرقد، وهو مجهول التقريب (٥٤٢٠)، مكارم الأخلاق (١٠٥) رقم (٤١٧)، والترمذي (٥/ ٥٨٤) رقم (٣٧٠٠) وقال: "حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث السكن بن المغيرة"، قلت: ومدار طرقه كلها على فرقد هذا، انظر تخريجه الموسع في المسند (٢٧/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، وكذا في السبيل الهاد إلى تخريج أحاديث كتاب الجهاد (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، قلت: ولعل من حسّن الذي قبله لهذا الشاهد فالظاهر أن القصة لها أصل، وهي مشهورة في كتب السيرة.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
عفان وحارثة بن النعمان، فأما عثمان فإنه قال: ما قدرت أن أتأمّل أمي منذ أسلمت، وأما حارثة فإنه كان يفلي رأس أمه، ويُطْعِمُهَا بيده، ولم يستفهمها كلاما قط تأمر به، حتى يسأل من عندها بعد أن تخرج: ما قالت أمي؟ " (^١).
٧١٢ - حدثنا الحارث بن محمد التيمي وأبو جعفر المديني، عن علي ابن محمد القرشي، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن موسى بن طلحة قال: "كان لعثمان بن عفان -﵁- على طلحة بن عبيد اللَّه خمسون ألفا، فخرج عثمان إلى المسجد فقال له طلحة: قد تهيّأ مالك فاقبضه، قال: هو لك يا محمد، معونةً لك على مروَّتك" (^٢).
٧١٣ - حدثني إبراهيم بن سعيد، نا أبو نعيم، عن قيس، عن أبي حصين: "أن عثمان -﵁- أجاز الزبير بن العوام -﵁- ستمائة ألف فمرّ على
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا؛ فيه محمد بن عمر وهو الواقدي وقد سبق مرارا، مكارم الأخلاق (٥٤٠) رقم (٢٢٣)، وأخرج ابن سعد في الطبقات (٥/ ٣٢١) عن جعفر الصادق أنه كان يفلي رأس أمه، و(٧/ ٢١٥)، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن مورق كذلك (٦/ ٢٠٧) رقم (٧٩١٨)، وأخرجه ابن سعد أيضًا في الطبقات (٧/ ٢٢٧) عن طلق بن حبيب، أما بِرُّ ابن النعمان لأمه فهو مشهور عنه وثبت في حديث صحيح عند ابن شاهين في فضائل الأعمال (٢/ ٢٩٧) رقم (٢٩٧)، وانظر الإصابة (١/ ٦١٨).
(٢) إسناده ضعيف، فيه إسحاق بن يحيى بن طلحة ضعيف التقريب (٣٩٤)، مكارم الأخلاق (١٠٦) رقم (٤١٩)، والطبري في تاريخه (٢/ ٦٨٣)، ولعله لذلك أورده ابن الأثير في الكامل (٣/ ٧٣) بصيغة التمريض (وقيل كان. . .).
[ ٢ / ٨٣٥ ]
أخواله بني كاهل فقال: أي المال أجود؟ قالوا: مال أصبهان، قال: أعطَوني مال أصبهان" (^١).
ثانيا: الآثار الواردة في صبره في محنته.
٧١٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا يزيد بن هارون، عن فرج ابن فضالة، عن مروان بن أبي أمية، عن عبد اللَّه بن سلام قال: "أتيت أخي عثمان لأسلم عليه وهو محصور، فقال: مرحبا يا أخي، رأيت رسول اللَّه -ﷺ- الليلة في هذه الخوخة، قال: وخوخة في البيت، فقال: يا عثمان حصروك؟ قلت: نعم، قال: عطشوك؟ قلت: نعم، فأدلى دلوا فيه ماء، فشربت حتى رويت، حتى إني لأجد برده بين ثديي وبين كتفي، وقال لي: إن شئت نصرت عليهم، وإن شئت أفطرت عندنا، فاخترت أن أفطر عندهم، فقتل ذاك اليوم ﵀" (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف فيه قيس بن الربيع صدوق تغير لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به التقريب (٥٦٠٨)، وذكر ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢١٨) أن حديثه لم يتميّز فاستحق ترك الاحتجاج به، وأبو حصين ثقة ثبت سني وربما دلس التقريب (٤٥١٦)، مكارم الأخلاق (١٠٦) رقم (٤٢٠)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ١٠٧) من طريق أبي نعيم به.
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه ابن فضالة وهو الشامي ضعيف التقريب (٥٤١٨)، لكن القصة صحيحة بطرقها المتعددة، المنامات (٦٦) رقم (١٠٩)، وانظر (١٢٣) رقم (٢٦١)، وسعيد بن منصور في سننه (٢/ ٣٨٩) رقم (٢٩٤٦)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ٤٨٩) رقم (٧٩٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥٧٩) رقم =
[ ٢ / ٨٣٦ ]
٧١٥ - حدثنا هارون بن معروف قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن (^١) محمد بن جبير قال: "أرسل عثمان إلى عليّ -رحمة اللَّه عليهما- إن ابن عمّك مقتول، وإنك مسلوب" (^٢).
ثالثا: الآثار الواردة في ثناء الناس عليه.
٧١٦ - حدثني أبي محمد بن عبيد بن سفيان، عن بعض أشياخه، وحُدِّثت بذلك أيضًا عن قران بن تمام الوالبي، عن مجالد عن الشعبي قال: "كانت قريش تحب عثمان، حتى إن المرأة كانت ترقّص ابنها فتقول:
أحبّك والرحمن حب قريش عثمان (^٣)
رابعا: بعض كراماته.
٧١٧ - حدثنا أحمد بن المقداد قال: أخبرنا حماد بن زيد، عن زيد بن
_________________
(١) = (١٣٠٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٣٨٦، ٣٩٠).
(٢) كذا في الأصل والصواب: (عمرو عن محمد بن جبير) كذا هو في سنن سعيد بن منصور، وعمرو هو بن دينار فهو يروي عن محمد بن جبير بن مطعم ويروي عنه سفيان بن عيينة كما في تراجمهم من تهذيب الكمال.
(٣) إسناده صحيح، الإشراف (٢٤٤) رقم (٢٩٧)، وسعيد بن منصور في سننه (٢/ ٣٣٦) رقم (٢٩٤٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٣٦٦) من طريق المصنف.
(٤) إسناده فيه إبهام شيوخ والد المصنف، لكنه زال عند اللالكائي وابن عساكر، وفيه مجالد بن سعيد وهو ليس بالقوي، وقد تغير بآخر عمره التقريب (٦٥٢٠)، العيال (٤٣٥) رقم (٢٦٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٨/ ١٤٣٣) رقم (٢٥٧٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٢٥١).
[ ٢ / ٨٣٧ ]
حازم، عن سليمان بن يسار: "أن رجلا من غفار يقال له جهجاه أو جهجا الغفاري، دخل على عثمان -﵁-، فانتزع عصا كانت في يده، فكسرها على ركبته، فوقعت الأكلة في ركبته" (^١).
٧١٨ - أخبرنا يحيى الحماني قال: أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب قال: "بلغني أن عامة النفر الذين ساروا إلى عثمان -﵁- جُنُّوا، قال ابن المبارك: الجنون لهم قليل" (^٢).
٧١٩ - حدثنا خالد بن خداش بن العجلان، حدثني معلى بن عيسى الوراق، عن شداد الأعمى، عن بعض أشياخه من بني راسب قال: "كنت أطوف بالبيت، فإذا رجل يطوف بالبيت ويقول: اللهم اغفر لي، وما أراك
_________________
(١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق، صاحب حديث، طعن أبو داود في مروءته التقريب (١١١)، العقوبات (٢١٢) رقم (٣٣٥)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ١٨٨)، واللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٣١) رقم (٧٠)، وابن حجر في الإصابة (١/ ٢٥٣) وذكر طرقه وألفاظه، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣/ ٣٣٠) وتوسع في ذكر طرقه.
(٢) إسناده حسن، يحيى الحماني حافظ إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث التقريب (٧٦٤١)، ووثقه ابن معين توثيقا قويا وحلف على توثيقه مع علمه بالجرح ورده بأنه عن حسد، وهو أول من ألف المسند بالكوفة، وعلق ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٣٩) في ختام ترجمته بقوله: "ولم أر في مسنده وأحاديثه أحاديث مناكير فأذكرها، وأرجو أنه لا بأس به"، وهذا الأثر له ما يشهد له فيما سبق وما سيأتي، العقوبات (٢١٢) رقم (٣٣٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٤٤٦) بسنده عن الحماني به.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
تفعل، قال: فقلت: أما تتقي اللَّه! قال: إن لي شأنا، آليت أنا وصاحب لي لئن قتل عثمان لنلطمنّ حُرَّ وجهه، فدخلنا عليه، وإذا رأسه في حجر امرأته ابنة الفرافصة، فقال لها صاحبي: اكشفي عن وجهه، قالت: لم؟ قال: ألطم حرَّ وجهه، قالت: أما تذكر ما قال فيه رسول اللَّه -ﷺ-، قال فيه كذا وقال فيه كذا، قال: فاستحيى صاحبي فرجع، فقلت لها: اكشفي عن وجهه، قال: فذهبت تدعو عليّ، فلطمت وجهه، فقالت: مالك يَبَّس اللَّه يدك، وأعمى بصرك، ولا غفر لك ذنبك، قال: فواللَّه ما خرجت من الباب، حتى يبست يدي، وعمي بصري، وما أرى اللَّه يغفر لي ذنبي" (^١).
٧٢٠ - حدثنا أحمد بن جميل المروزي، أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك، عن سفيان بن عيينة، عن طعمة بن عمرو، وكان رجلا قد يبس وشحب من العبادة، فقيل له: "ما شأنك؟ قال: إني كنت حلفت أن ألطم عثمان، فلما قتل، جئت فلطمته، فقالت لي امرأته: أشلّ اللَّه يمينك، وصلى وجهك النار، فقد شُلّت يدي يميني، وأنا أخاف" (^٢).
٧٢١ - حدثني أبي، عن الأسود بن عامر، عن أبي هلال، عن حميد بن هلال قال: "لما حُصر عثمان -﵁-، أتته أم المؤمنين (^٣)!، فجاء رجل فاطّلع
_________________
(١) إسناده ضعيف، لإبهام الراسبيين، مجابو الدعوة (٦٧) رقم (٢٩)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٧٠/ ١٤١).
(٢) إسناده صحيح، مجابو الدعوة (٦٧ - ٦٨) رقم (٣٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٧٠/ ١٤٠).
(٣) هي أم حبيبة كما في رواية ابن شبة.
[ ٢ / ٨٣٩ ]
في خدرها، فجعل ينعتها للناس فقالت: ما له قطع اللَّه يده، وأبدى عورته، قال: فدخل عليه داخل فضربه بالسيف، فاتقى بيمينه فقطعها، فانطلق هاربا آخذا إزاره بفيه أو بشماله باديا عورته" (^١).
خامسا: براءة الصحابة من دمه.
٧٢٢ - حدثني يعقوب بن عبيد، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا سوادة بن أبي الأسود، حدثني أبي قال: "كنت جالسا في المسجد، وأنا جالس إلى أبي بكرة، إذ مرّت به سحابة، فذكروا عثمان بن عفان، فقال أبو بكرة (^٢) -﵁-: لأن أكون في هذه السحابة، فأقع إلى الأرض فأنقطع، أحب إليّ من أن أكون شرعت في دم عثمان بكلمة" (^٣).
٧٢٣ - حدثنا أحمد بن جميل المروزي، أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك، أخبرنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي -ﷺ- كانت تقول: "يا ليتني كنت نسيا منسيا قبل الذي كان من شأن عثمان -﵁-، واللَّه ما أحببت أن ينتهك من عثمان أمر قطّ إلا انتُهك
_________________
(١) إسناده حسن، أبو هلال هو محمد بن سليم الراسبي صدوق فيه لين التقريب (٥٩٦٠)، مجابو الدعوة (٦٨) رقم (٣١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٩/ ١٥١)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٣٠٥).
(٢) هو نفيع بن الحارث بن كَلَدة بن عمرو الثقفي، أبو بكرة، صحابي مشهور بكنيته، أسلم بالطائف، ثم نزل البصرة، ومات بها سنة (٥١ هـ) أو التي بعدها، الإصابة (٦/ ٤٦٧)، التقريب (٧١٨٠).
(٣) إسناده حسن؛ شيخ المصنف صدوق كما سبق (١٧٦)، المتمنين (٧٧) رقم (١٢٩).
[ ٢ / ٨٤٠ ]
مني مثله، حتى لو أحببت قتله لقتلت" (^١).
٧٢٤ - حدثني علي بن الجلد قال: أخبرني القاسم بن الفضل الحداني قال: حدثني يوسف بن سعد مولى عثمان بن مظعون قال: قال ابن حاطب: "لو شهدت اليوم شهدتّ عجبا، اجتمع عليّ وعمّار ومالك الأشتر وصعصعة بن صوحان في هذه الدار دار نافع، فتكلّم عمار فذكر عثمان فجعل عليّ يتغيّر وجهه، ثم تكلّم مالك حذا عمار، قال: ثم إن صعصعة تكلّم فقال: أبا اليقظان، ما كلّ ما يزعم الناس أن عثمان أتى أتى، وقال قائل: كان أول من ولّي فاستأتر، وأول من تفرقت عنه الأمة، ثم إن عليّا تكلّم فقال: أنا واللَّه على الأتر الذي أتى عثمان، لقد سبقت له سوابق لا يعذّبه اللَّه بعدها أبدا" (^٢).
٧٢٥ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حزم القطعي قال: سمعت
_________________
(١) إسناده صحيح، يونس بن يزيد ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهما قليلا، وفي غير الزهري خطأ التقريب (٧٩٧٦)، وقد تابعه غير واحد كما في التخريج، المتمنين (٦١) رقم (٩٦)، ومعمر في الجامع كما في مصنف عبد الرزاق (١١/ ٤٤٧) رقم (٢٠٩٦٧)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ٤٦٢) رقم (٧٥٠)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٢٦٠)، والطبراني في مسند الشاميين (٤/ ٢٠١) رقم (٣١٠٢)، وفي شعب الإيمان مختصرا (١/ ٤٨٦) رقم (٧٩١)، وأبو نعيم كذلك مختصرا في الحلية (٢/ ٤٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٥٤) مختصرا و(٩/ ١٨٥).
(٢) إسناده صحيح، الإشراف (٢٤١) رقم (٢٩٣)، وهو في تاريخ دمشق (٣٩/ ٤٦٨) من طريق المصنف.
[ ٢ / ٨٤١ ]
مسلما يحدث عن طلق بن حبيب قال: "لما قتل عثمان ﵀، وفدنا وفودا من البصرة نسأل فيم قُتل؟ فقدمنا المدينة، فتفرّقنا فمنا من أتى عليا، ومنا من أتى الحصن، ومنا من أتى أمهات المؤمنين، فأتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين ما تقولين في عثمان؟ قالت: قتل واللَّه مظلوما، لعن اللَّه قتلته، أقاد اللَّه به ابن أبي بكر، وأهرق به دماء بني بديل، وأبدى اللَّه عورة أعين، ورمي الأشتر بسهم من سهامه، فما منهم أحد، إلا أصابته دعوتها" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان فضل عثمان بن عفان -﵁-، حيث ورد
_________________
(١) مداره على حزم القطعي وهو صدوق يهم التقريب (١٢٠٠)، مجابو الدعوة (٨٩) رقم (٥٤)، والبخاري في الأوسط (المطبوع باسم التاريخ الصغير) (١/ ١٢١) وفيه زيادة مهمة وهي قول طلق: "لا واللَّه إن بقى من القوم رجل إلا أصابته دعوتها: أخذ ابن أبي بكر فأقيد، ودخل على أعين بني تميم رجل فقتله، وخرج ابنا بديل في بعض تلك الفتن فقتلا، وخرج الأشتر إلى الشام فأتي بشربة فقتلته"، ومختصرا جدا في الكبير (٤/ ٣٥٨)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٢٦٥)، والطبراني في الكبير (١/ ٨٨) رقم (١٣٣)، وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٩٧): "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير طلق وهو ثقة"، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٣٨١) من طريق المصنف وغيره، وعلق بقوله: "المحفوظ أن عائشة لم تكن وقت قتل عثمان بالمدينة وإنما كانت حاجة، وقوله في إسناده: "زياد بن مخارق" وهم وإنما هو: "زياد ابن مخراق"، وقد روى البخاري بعض هذه الحكاية في تاريخه فقال: "حدثني يحيى بن موسى نا أبو داود نا حزم القطعي نا أبو الأسود سوادة أخبرني طلق بن خشاف فاللَّه أعلم بالصواب".
[ ٢ / ٨٤٢ ]
ذكر بعض مناقبه، وصبره في محنته، وثناء الناس عليه، وبعض كراماته، وبراءة الصحابة من دمه.
فأما مناقبه: فقد كان زاهدا في مأكله يصنع للناس طعام الأمراء، ثم هو يأكل طعام الفقراء، متورعا في أمر رعيته يحمد اللَّه أن لا يهتك ستر مسلم على يديه، يضرب به المثل في الجود بماله على الجهاد في سبيل اللَّه، حيث جهّز جيش العسرة، وكان بارا بامه كما أخبرت عائشة ﵂، يتنازل بدَيْنِه لأصحاب المروؤات، ويختار لعطاءاته أجود الأعطيات.
وأما صبره في محنته: فقد علم أنه مقتول ولذلك أخبر بذلك ابن عمة علي بن أبي طالب، وفضّل الموت في سبيل اللَّه على مواجهة أولئك الأغمار، خوفا على المسلمين من الفتنة بسببه، فاختار الإفطار مع النبي -ﷺ- على الانتصار عليهم.
وأما ثناء الناس عليه: فقد كان مضرب المثل في حب قريش له، حتى كانت المرأة منهم تشبه حبها لابنها بحب قريش له، وحسبك بحب أم لابنها.
وأما كراماته: فقد وردت بعضها في هذه الآثار، حيث ظهرت آيات اللَّه في عامة الذين قتلوه، أو ظاهروا عليه، فمنهم من أصابته الأكلة، ومنهم من أصابه الجنون، ومنهم من يبست يده، وعمي بصره، ومنهم من كشفت عورته، وقطعت يده.
وأما براءة الصحابة من دمه: فمن شدّة استنكارهم لذلك تورعوا حتى من الكلام الذي يكون حجة لمن فعل فعلته المنكرة هذه، كما قال
[ ٢ / ٨٤٣ ]
أبو بكرة، وهكذا أم المؤمنين عائشة ﵂ تمنت أن تكون نسيا منسيا، وأنها ما أحبت أن ينتهك منه شيء إلا انتهك منها، حتى الموت لو أحبته له لقتلت، ودعت ﵂ على قتلته فأصابتهم جميعا دعوتها، وكان علي بن أبي طالب -﵁- يتغير وجهه إذا تكلم فيه، وذكر أنه على الأثر الذي كان عليه، قال شيخ الإسلام: "خيار المسلمين لم يدخل واحد منهم في دم عثمان، لا قتل، ولا أمر بقتله، وإنما قتله طائفة من المفسدين في الأرض، من أوباش القبائل، وأهل الفتن، وكان علي -﵁- يحلف دائما، إني ما قتلت عثمان، ولا مالأت على قتله، ويقول: اللهم العن قتلة عثمان، في البر، والبحر، والسهل، والجبل، وغاية ما يقال: إنهم لم ينصروه حق النصرة، وأنه حصل نوع من الفتور والخذلان، حتى تمكن أولئك المفسدون، ولهم في ذلك تأويلات، وما كانوا يظنون أن الأمر يبلع إلى ما بلغ، ولو علموا ذلك لسدوا الذريعة، وحسموا مادة الفتنة" (^١).
وفضائل عثمان -﵁- كثيرة جدا، ولهذا أجمع الصحابة على تقديمه في الخلافة بعد عمر بن الخطاب -﵁-، ولم يخالف في تفضيل عثمان إلا بعض علماء أهل الكوفة قديما، فضلوا عليا عليه، وتوقف بعض أهل المدينة في المسألة، ثم استقر مذهب أهل السنة على هذا الترتيب، في الفضل، وهذا الذي: "كان عليه الصحابة على عهد النبي -ﷺ-، من تفضيل أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وقد روي أن ذلك كان يبلغ النبي -ﷺ- فلا ينكره، وحينئذ
_________________
(١) منهاج السنة (٤/ ٣٢٢).
[ ٢ / ٨٤٤ ]
فيكون هذا التفضيل ثابتا بالنص، وإلا فيكون ثابتا بما ظهر بين المهاجرين والأنصار على عهد النبي -ﷺ- من غير نكير، وبما ظهر لما توفي عمر؛ فإنهم كلهم بايعوا عثمان بن عفان، من غير رغبة، ولا رهبة، ولم ينكر هذه الولاية منكر منهم. . .فلولا علم القوم بأن عثمان أحقهم بالولاية لما ولوه، وهذا أمر كلما تدبره الخبير ازداد به خبرة وعلما. . .فإنه يقطع قطعا لا يتمارى فيه أن عثمان كان أحقهم بالخلافة، وأفضل من بقي بعده" (^١)، وقال مبينا مواضع النزاع: "إن سفيان الثوري، وطائفة من أهل الكوفة، رجحوا عليا على عثمان، ثم رجع عن ذلك سفيان وغيره، وبعض أهل المدينة توقف في عثمان وعلي، وهي إحدى الروايتين عن مالك، لكن الرواية الأخرى عنه تقديم عثمان على عليٍّ، كما هو مذهب سائر الأئمة، كالشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام، حتى إن هؤلاء تنازعوا فيمن يقدم عليا على عثمان، هل يُعَدُّ من أهل البدعة، على قولين، هما روايتان عن أحمد" (^٢).
_________________
(١) منهاج السنة (٦/ ١٥٣).
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٢٦)، وانظر: منهاج السنة (٨/ ٢٢٣)، وتدريب الراوي (٢/ ٢٢٣)، وفتح المغيث (٣/ ١٢٧).
[ ٢ / ٨٤٥ ]
المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل علي بن أبي طالب -﵁-.
أولا: الآثار الواردة في تقدم إسلامه.
٧٢٦ - حدثنا حسين بن يزيد الأنصاري الطحّان قال: حدثنا سعيد ابن خثيم الهلالي، عن أسد بن عبد اللَّه البجلي، عن ابن يحيى بن عفيف، عن أبيه، عن جدّه قال: "قدمت مكة في الجاهلية أريد شراء بزّ وعطر لأهلي فنزلت على العبّاس، فأنا عنده وأنا انظر إلى الكعبة إذ جاء شاب فنظر إلى السماء فتوجّه إلى الكعبة فصلّى، فجاء غلام فقام عن يمينه، ثم جاءت امرأة فقامت خلفهما، فقال: يا عباس، ما هذا الذي حدث في بلادكم؟ إن هذا لأمر عظيم، قال: هذا محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطّلب ابن أخي، وهذا الغلام علي بن أبي طالب، وهذه خديجة بنت خويلد، قال: فصَلَّوا، قال: إن ابن أخي هذا حدثنا أن ربّه ربّ السماوات والأرض، ولا واللَّه ما أعلم على ظهر الأرض على دين هؤلاء غير هؤلاء" (^١).
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه يحيى بن عفيف وهو الكندي ضعيف التقريب (٧٦٥٩)، الإشراف (١٣٣ - ١٣٤) رقم (٦٠)، وأحمد في المسند (٣/ ٣٠٦) رقم (١٧٨٧)، وأبو يعلى في المسند (٣/ ١١٧)، والنسائي في خصائص علي رقم (٦)، والحاكم في المستدرك (٣/ ١٨٣) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وله شاهد معتبر من أولاد عفيف بن عمرو" ووافقه الذهبي على تصحيحه، وأورده ابن حجر في لسان الميزان (١/ ٣٩٥) وقال: ولم يصححهما البخاري، قلت: وهما: طريق أحمد في المسند عن إسماعيل بن إياس بن عفيف عن أبيه عن جده، وطريق المصنف =
[ ٢ / ٨٤٦ ]
ثانيا: الآثار الواردة في ثناء الناس عليه.
٧٢٧ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن محمد بن أيوب التميمي، عن موسى بن المغيرة، عن الضحّاك بن مزاحم قال: "ذُكر علي بن أبي طالب -﵁- عند ابن عباس -﵁- بعد وفاته فقال: "واأسفا على أبي الحسن، ملك واللَّه فما بدَّلَ، ولا غَيَّرَ، ولا قَصَّر، ولا جمع ولا منع ولا آثَر، ولقد كانت الدنيا أهون عليه من شِسْع نعله، لَيْثٌ في الوَغَى، بَحْرٌ في المجالس، حكيمُ الحكماء، هيهات قد مضى في الدرجات العُلَى" (^١).
٧٢٨ - نا يوسف بن موسى، نا عمرو بن طلحة القنّاد، نا أسباط بن نصر، عن سماك، عن حجّار بن أبجر قال: "جاء رجل إلى معاوية فقال: سُرق ثوبي هذا، فوجدته مع هذا، فقال: لو كان لهذا علي بن أبي طالب" (^٢).
_________________
(١) = عن أسد بن عبد اللَّه البجلي عن ابن يحيى بن عفيف عن أبيه عن جده، ومدار الأثر عليهما فيما وقفت عليه من الكتب واللَّه أعلم، وانظر تخريجه موسعا في المسند الموضع السابق.
(٢) إسناده لين وهو مرسل؛ فإن الضحاك لم يلق ابن عباس ولا سمع منه شيئا كما في تحفة التحصيل (١٥٥)؛ وموسى بن المغيرة لم أجده، ولعله موسى المغيرة الذي أورده ابن حجر في اللسان (٦/ ١٣٢) وغيره وهو مجهول، مقتل أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب -﵁- (٨٩) رقم (١٠٤).
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه أسباط نصر وهو صدوق كثير الخطأ يغرب التقريب (٣٢٣)، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٩١) رقم (١٠٧).
[ ٢ / ٨٤٧ ]
٧٢٩ - حدثني محمد بن أبي يحيى، أن شيخا من ضبّة يكنى أبا الوليد حدّثهم قال: حدثني عبد الواحد بن أبي عبد اللَّه الأسدي: "أن معاوية قال لرجل من كنانة: صف لي عليا، قال: أعفني، قال: لا أعفيك، قال: أما إذ لا بدّ؛ فإنه كان واللَّه بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل وظلمته، كان واللَّه غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلِّب كفّه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جَشِب (^١)، كان واللَّه كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه، ويلبّينا إذا دعوناه، ونحن واللَّه مع تقريبه لنا، وقربه منا، لا نكلمه هيبة، ولا نبتدئه تعظمة، فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظِّم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد باللَّه لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سرباله، وقد غارت نجومه، وقد مثل في محرابه، قابضا على لحيته، يتململ تململ السَّليم (^٢)، ويبكي بكاء الحزين، فكأني الآن أسمعه وهو يقول: يا دنيا يا دنيا، إيَّاي أردت، أم بي تشوَّقت، هيهات هيهات، غُرِّ غيري، لا حان حينُك، قد بَتَتُّكِ ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير،
_________________
(١) هو الطعام الغليظ الخشن البين الخشونة، لسان العرب (١/ ٢٦٥).
(٢) تململ على فراشه يَتَمَلْمَل ويَتَمَلَّلُ إذا لم يستقر من الوَجَع كأنه على مَلَّةٍ، مختار الصحاح (٦٤٢).
[ ٢ / ٨٤٨ ]
وخطرك كبير، آهٍ من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق، قال: فبكى معاوية، وبكى القوم، ثم قال: رحم اللَّه أبا حسن، كان واللَّه كذلك، وكيف حزنك عليه؟ قال: حزن واللَّه من ذبح واحدها في حجرها، فلا ترقأ عبرتها، ولا يسكن حزنها" (^١).
٧٣٠ - نا يوسف بن موسى، نا جرير، عن مغيرة قال: "لما جيء معاوية بنعي عليّ بن أبي طالب -﵁-، وهو قائل مع امرأته ابنة قرظة، في يوم صائف، فقال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، ماذا فقدوا من العلم والخير، والفضل والفقه، قالت امرأته: بالأمس تطعن في عينيه، وتسترجع اليوم عليه، قال: ويلك، لا تدرين ما فقدنا من علمه وفضله وسوابقه" (^٢).
٧٣١ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، نا يونس بن بكير، عن عنبسة
_________________
(١) إسناده لين؛ لجهالة الشيخ من ضبة، وشيخ المصنف ورد في المخطوط كما قرأه المحقق، ولم أجده ولعله محمد بن يحيى بن أبي حاتم واللَّه أعلم، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٨٩ - ٩٠) رقم (١٠٥)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٨٤)، وابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ١١٠٨) كلاهما من طريق الكلبي، ومن طريق أبي نعيم ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٤/ ٤٠١) و(٢٤/ ٤٠٢) من طريق ابن شبة وفيه محمد بن غسان الكندي راوي القصة لم أعرفه، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٣١٥).
(٢) إسناده حسن وهو مرسل؛ يوسف بن موسى هو القطان صدوق التقريب (٧٩٤٤)، ومغيرة هو ابن مقسم الضبي ثقة متقن إلا أنه كان يدلس لا سيما عن إبراهيم، من السادسة التقريب (٦٨٩٩)، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٩٠ - ٩١) رقم (١٠٦)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٥٨٣).
[ ٢ / ٨٤٩ ]
ابن الأزهر، عن سماك بن حرب قال: "كان عمر بن الخطاب -﵁- يقول لعليّ بن أبي طالب عندما يسأله من الأمر فيفرِّجه عنه: لا أبقاني اللَّه بعدك يا أبا حسن" (^١).
٧٣٢ - حدثني مهدي بن حفص، نا عبدة بن سليمان، عن عبد الملك ابن أبي سليمان قال: "قلت لعطاء: أكان أحد من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- أفقه من عليّ؟ قال: لا واللَّه، ما علمته" (^٢).
٧٣٣ - نا أحمد بن حاتم الطويل، نا محمد بن الحجاج، عن مجالد، عن الشعبي، عن قبيصة بن جابر قال: "ما رأيت أزهد في النساء من علي بن أبي طالب -﵁-" (^٣).
٧٣٤ - نا علي بن الجعد قال: سمعت الحسن بن حيّ قال: "تذاكروا
_________________
(١) إسناده حسن إلى سماك، وسماك تغير بأخرة وكان ربما يلقن التقريب (٢٦٣٩)، وانظر الكواكب النيرات (٤٥)، والمختلطين للعلائي (٤٩)، مقتل أمير المؤمنين على ابن أبي طالب -﵁- (٩١) رقم (١٠٨)، وذكر المناوي في فيض القدير (٤/ ٣٥٧) هذا الأثر ونسبه للدارقطني، ولم أجده.
(٢) إسناده حسن؛ مهدي بن حفص سبق (٦٩٧)، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٩١ - ٩٢) رقم (١٠٩)، وذكره المناوي في فيض القدير (٣/ ٤٧).
(٣) إسناده ضعيف جدا، فيه محمد بن الحجاج وهو اللخمي الواسطي متهم بحديث الهريسة انظر لسان الميزان (٥/ ١١٦)، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٩٢) رقم (١١٠)، وورد عند شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في منهاج السنة (٨/ ٢٢٩) مقارنة بين زهد عثمان بن عفان وزهد علي بن أبي طالب ﵄ فذكر أن عثمان كان أزهد في الرياسة وعليا كان أزهد في المال.
[ ٢ / ٨٥٠ ]
زُهّاد أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- عند عمر بن عبد العزيز فقال بعضهم: عمر، وقال بعضهم: فلان، فقال عمر بن عبد العزيز: عليّ -﵁-" (^١).
٧٣٥ - نا إبراهيم بن بشّار، نا نعيم بن مورّع، نا هشام بن حسّان قال: "بينا نحن عند الحسن البصري إذ أتاه رجل فقال: يا أبا سعيد، إن الناس يزعمون أنك تنقّص عليا -﵁-؟ فقال: رحم اللَّه عليًّا، إن عليا كان سهما للَّه ﷿ في أعدائه، وكان في محلَّة العِلْمِ (لعلها: العَلَم) أشرفها وأقربها من رسول اللَّه -ﷺ-، وكان رهباني هذه الأمة، لم يكن لمال اللَّه ﷿ بالسَّروقة، ولا في أمر اللَّه ﷿ بالنَّؤومة، أعطى القرآن عزائمه فيما عليه وله، فكان منه في رياض مونقة وأعلام بيِّنة، ذلك على يا لُكَع (^٢) " (^٣).
٧٣٦ - حدثني زياد بن أيوب، حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش،
_________________
(١) إسناده صحيح؛ فرواته ثقات، وإن كان في شيخ المصنف وشيخ شيخه تشيع واللَّه أعلم، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٩٢ - ٩٣) رقم (١١١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٨٩) عن شيخ المصنف به، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٥)، وابن الأثير في الكامل (٣/ ٢٦٥).
(٢) رجل لُكَعٌ بوزن عمر، أي: لئيم، وقيل: هو العبد الذليل النفس، مختار الصحاح (٦١٢).
(٣) إسناده حسن، هشام بن حسان متكلم في روايته عن الحسن كما تقدم (٢٧٩)، لكن أجاب الذهبي عن ذلك ثم قال: "هشام قد قفز القنطرة، واستقر توثيقه، واحتج به أصحاب الصحاح، وله أوهام مغمورة في سعة ما روى"، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٩٤ - ٩٥) رقم (١١٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢/ ٤٩٠)، وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ١١١٠)، وابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٥).
[ ٢ / ٨٥١ ]
عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري قال: أثنى رجل على علي -﵁- في وجهه وقد كان بلغة أنه يقع فيه فقال له علي: "أنا دون ما قلت، وفوق ما في نفسك" (^١).
٧٣٧ - وحدثنا يوسف قال: حدثنا جرير، عن المغيرة بن شعبة قال: قال المغيرة بن شعبة (^٢) لعليّ حين قتل عثمان: "اقعد في بيتك ولا تدع الناس إلى نفسك؛ فإنك لو كنت في جحر بمكّة لم يبايع الناس غيرك، قال: وقال المغيرة بن شعبة: لئن لم تطعتي في هذه الرابعة لأعتزلنّك ابعث إلى معاوية عهده، ثم اخلعه بعد ذلك، فلم يفعل فاعتزله المغيرة بن شعبة باليمن، فلما أشغل عليّ ومعاوية فلم يبعثوا إلى الموسم أحدا، جاء المغيرة ابن شعبة فصلّى بالناس ودعا لمعاوية" (^٣).
_________________
(١) إسناده منقطع، أبو البختري لم يسمع من علي -﵁- شيئا، كما في تهذيب الكمال (٣/ ١٩١). كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٧٥) رقم (٦٠٧) وفيه خطأ مطبعي صححته من طبعة نجم خلف، وعزاه الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٧٤) للمصنف، وأخرجه أيضًا ابن قتيبة في عيون الأخبار (١/ ٢٧٦).
(٢) هو المغيرة بن شعبة بن مسعود بن معقب الثقفي، صحابي مشهور، أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة ثم الكوفة، مات سنة (٥٠ هـ) على الصحيح، الإصابة (٦/ ١٩٧)، التقريب (٦٨٤٠).
(٣) إسناده حسن إلى المغيرة، شيخ المصنف صدوق كما سيأتي (٨٨٧)، وأظن أن نسبة المغيرة بن شعبة خطأ مطبعي، وصوابه بن مقسم؛ لأنه هو الذي يروي عنه جرير ويدل عليه سياق السند، ولما أورده الذهبي في السير لم ينسب مغيرة الأول، =
[ ٢ / ٨٥٢ ]
ثالثا: الآثار الواردة في بعض كراماته.
٧٣٨ - حدثني. . . (^١) بن خليفة الخزاعي، نا أبو يحيى التيمي، عن عمر ابن عبد اللَّه، عن الزهري قال: "بعث إليّ عبد الملك بن مروان فقال لي: ما كان آية قتل علي -﵁- صبيحة قتل؟ قلت: كان آية قتله صبيحة قتل، أنه لم يقلب حجر بالجابية إلا عن دم عبيط، فقال لي: صدقت، أما إنه لم يبق أحد يعلم هذا غيري وغيرك" (^٢).
_________________
(١) = الإشراف (٢٥٢ - ٢٥١) رقم (٣١١)، والذهبي في السير (٣/ ٢٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٠/ ٤٣).
(٢) قال المحقق: "ذهب الاسم في حرف الصفحة".
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه أبو يحيى التيمي وقد سبق (٣٧٨) أنه ضعيف، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٩٧) رقم (١١٩)، وانظر الذي بعده وهو ضعيف أيضًا فيه أبو معشر وسيأتي (١٢١٤) أنه ضعيف، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٣٥١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٩٩٣) رقم (١٨٩)، والحاكم في المستدرك (٣/ ١١٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٥/ ٣٠٥)، جميعهم من طرق عن حفص بن عمران عن السري بن يحيى، قال الذهبي في التلخيص: "حفص لا أعرفه والخبر مرسل"، وأقره ابن حجر في اللسان (٢/ ٣٣٠)، وقد تعقب ابن كثير مثل هذه القصة وما ذكر من غراثب عند موت الحسين -﵁- فقال في تفسيره (٤/ ١٤٤): "وفي كل من ذلك نظر، والظاهر أنه من سخف الشيعة وكذبهم ليعظموا الأمر، ولا شك أنه عظيم، ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه وقد وقع ما هو أعظم من قتل الحسين ﵁، ولم يقع شيء مما ذكروه؛ فإنه قد قتل أبوه علي بن أبي طالب -﵁- وهو أفضل منه بالإجماع، ولم يقع شيء =
[ ٢ / ٨٥٣ ]
٧٣٩ - حدثني علي بن الجعد وبشر بن معاذ العنبري وغيرهما، عن جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن سُرِّيَّة لعبد اللَّه بن جعفر قالت: "دعاني علي وأنا حبلى، فمسح بطني وقال: اللهم اجعله ذكرا ميمونا، فولدت غلاما" (^١).
٧٤٠ - حدثني سريج بن يونس، حدثني هشيم، عن إسماعيل بن سالم،
_________________
(١) = من ذلك، وعثمان بن عفان ﵁ قتل محصورا مظلوما، ولم يكن شيء من ذلك، وعمر بن الخطاب ﵁ قتل في المحراب في صلاة الصبح، وكأن المسلمين لم تطرقهم مصيبة قبل ذلك، ولم يكن شيء من ذلك، وهذا رسول اللَّه ﷺ وهو سيد البشر في الدنيا والآخرة يوم مات لم يكن شيء مما ذكروه، ويوم مات إبراهيم بن النبي -ﷺ- خسفت الشمس، فقال الناس: خسفت لموت إبراهيم، فصلى بهم رسول اللَّه -ﷺ- صلاة الكسوف وخطبهم وبين لهم أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته"، وبهذا تعرف أن ما ذكره ابن عساكر في تاريخه (٤٢/ ٥٦٨) بقوله: "قال البيهقي وروي بإسناد أصح من هذا عن الزهري أن ذلك كان في قتل الحسين" لا يعني صحة السند بله القصة.
(٢) إسناده حسن، فيه إبهام سرية عبد اللَّه، لكن ستأتي القصة من إخبار غيرها عنها، مجابو الدعوة (٧٥) رقم (٣٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ١١٠) رقم (٢٩٨٧٠)، وسعيد بن منصور في سننه (٢/ ١١٧) رقم (٢١٧١)، وعنده عن مغيرة عن أم موسى أن سرية لعبد اللَّه، وأم موسى هي سرية على حديثها مستقيم يخرج حديثها اعتبارا، كما في سؤالات البرقاني رقم (٥٨٥).
[ ٢ / ٨٥٤ ]
عن عمار الحضرمي، عن زادان أبي عمر (^١): "أن رجلا حدث عليا -﵁- بحديث فقال: ما أراك إلا قد كذبتني، قال: لم أفعل، قال: أدعو اللَّه عليك إن كنت كذبت، قال: ادع، فدعا فما برح حتى عمي" (^٢).
٧٤١ - حدثنا خلف بن سالم، حدثنا محمد بن بشر، عن أبي مكين (^٣) قال: "مررت أنا وخالي أبو أمية على دار في جَمل، دارٍ في محلِّ حيٍّ من مراد (^٤) فقال: ترى هذه الدار؟ قلت: نعم، قال: فإن عليا مر عليها وهم يبنونها فسقطت عليه قطعة فشجّته، فدعا اللَّه أن لا يكمل بناؤها، قال:
_________________
(١) هو زاذان أبو عمر الكندي البزاز، ويكنى أبا عبد اللَّه أيضًا، صدوق يرسل، وفيه شيعية، مات سنة (٨٢ هـ)، التقريب (١٩٧٦).
(٢) مداره على عمار الحضرمي، ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٢٨٥)، والبخاري في تاريخه (٧/ ٢٩)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٣٩١)، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، مجابو الدعوة (٦٥ - ٦٦) رقم (٢٧)، مقتل علي بن أبي طالب رقم (٣)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ٥٣٩) رقم (٩٠٠)، وعبد اللَّه بن أحمد في الزهد (١٣٢)، الطبراني في الأوسط (٢/ ٢١٩) رقم (١٧٩١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١١٦): "رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمار الحضرمي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات"، ولن طريق المصنف اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٣٤) رقم (٧٣)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٩١)، وكذا ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٥)، وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء (١٧٩) ونسبه للطبراني في الأوسط وأبي نعيم في الدلائل.
(٣) هو نوح بن ربيعة كما سيأتي في التخريج.
(٤) في المطبوع: حيٍّ من مراد.
[ ٢ / ٨٥٥ ]
فما وضعت عليها لبنة، قال: فكنت تمرّ عليها لا تشبه الدور" (^١).
رابعا: الآثار الواردة في زهده وورعه وعبادته.
٧٤٢ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، نا جرير، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري (^٢) وميسرة (^٣) قالا: "إن عليا قسم ما في بيت المال حتى لم يبق فيه إلا أربعة آلاف، فأمر بها فقسمت، قيل له في ذلك، فقال: لا واللَّه حتى تبعر فيه الغنم" (^٤).
٧٤٣ - حدثني محمد بن عمرو بن الحكم الهروي، حدثنا عمرو بن
_________________
(١) إسناده حسن، أبو مكين هو نوح بن ربيعة صدوق التقريب (٧٢٥٦)، مجابو الدعوة (٦٦) رقم (٢٧)، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٢٤) رقم (٤)، بنفس السند والمتن، والنص فيه أضبط، ومن طريقه اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٣٤) رقم (٧٤)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٩١)، وكذا ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٦).
(٢) سعيد بن فيروز كما سيأتي في التخريج.
(٣) انظر التخريج الآتي.
(٤) إسناده صحيح إلى أبي البختري وهو مرسل؛ فإن أبا البختري هو سعيد بن فيروز ثقة ثبت، فيه تشيع قليل، كثير الارسال التقريب (٢٣٩٣)، وميسرة إما أن يكون ابن يعقوب أبو جميلة، أو أبو صالح الكندي، كما في ترجمة عطاء من تهذيب الكمال، وكلاهما مقبولان (٧٠٨٨، ٧٠٨٩)، والأثر حسن عموما، ذم الدنيا (٨٩) رقم (٢٣١)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ٥٤٥) رقم (٩١٣) نحوه بسند حسن، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٠٠)، وابن عبد البر في الاستعياب (٣/ ١١١٣) نحوه أيضًا.
[ ٢ / ٨٥٦ ]
عاصم الكلابي، حدثنا كثير بن مغفل الباهلي، حدثني محمد بن مروان، أن رجلا من بني عامر بن ذهل من أهل الكوفة قال: لقيت رجلا من أهل الكوفة بعرفات فأخبرني عن أبيه، أنه لقي علي بن أبي طالب -﵁- بعرفات قال: فقال علي بن أبي طالب -﵁-: "لا أدع هذا الموقف ما وجدت إليه سبيلا؛ لأنه ليس في الأرض يوم إلا للَّه ﷿ فيه عتقاء من النار، وليس يوم أكثر عتقا للرقاب فيه من يوم عرفة، فأكثر فيه أن تقول: اللهم أعتق رقبتني من النار، وأوسع لي من الرزق الحلال، واصرف عني فسقة الجن والإنس، فإنه عامة ما أدعو به اليوم" (^١).
٧٤٤ - حدثنا أحمد بن حاتم الطويل، نا محمد بن الحجاج، عن مجالد، عن الشعبي، عن قبيصة بن جابر (^٢) قال: "ما رأيت في الدنيا أزهد من علي ابن أبي طالب" (^٣).
٧٤٥ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن
_________________
(١) إسناده لين، كثير بن مغفل لم أجده، ومحمد بن مروان الظاهر أنه الذهلي فهو كوفي هذلي والقصة عن كوفي ذهلبي واللَّه أعلم، وهو مقبول التقريب (٦٣٢٣)، فضائل عشر ذي الحجة آخر أثر، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ٤١١) إلى المصنف في الأضاحي، وكذا التقي الهندي في كنز العمال (٥/ ١٩٠).
(٢) هو قبيصة بن جابر بن وهب الأسدي، أبو العلاء الكوفي، ثقة مخضرم، مات سنة (٦٩ هـ)، التقريب (٥٥١٠).
(٣) إسناده لين؛ فيه مجالد بن سعيد، ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره التقريب (٦٥٢٠)، ذم الدنيا (٨٩) رقم (٢٣٢).
[ ٢ / ٨٥٧ ]
شريك، عن عاصم بن كليب، عن محمد بن كعب قال: سمعت عليا يقول: "لقد رأيتني مع رسول اللَّه -ﷺ- وإني لأربط الحجر من الجوع على بطني" (^١).
٧٤٦ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا أيوب، عن مجاهد، عن عليّ قال: "جعت مرة بالمدينة جوعا شديدا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مَدَرًا (^٢)، فظننت تريد بلَّه فأتيتها، فقاطعتها على كل ذنوب تمرة، فبدرت ستة عشر ذنوبا، حتى مَجِلَت (^٣) يداي، ثم أتيت الماء، فأصبت منه، ثم أتيتها فقلت بكفِّي هكذا بين يديها، فعدّت لي ست عشرة تمرة، فأتيت
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ مداره على شريك وهو ابن عبد اللَّه القاضي وقد سبق (٦٠٨)، كما أن محمد بن كعب القرظي لم يسمع من على انظر تحفة التحصيل (٢٨٦)، الجوع (١٤٧) رقم (٢٣٩)، وأحمد في المسند (٢/ ٤٦٣) رقم (١٣٦٧)، وفضائل الصحابة (١/ ٥٣٩) رقم (٨٩٩)، والزهد (١/ ١٣٣)، وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٢٣): "رواه كله أحمد، ورجال الروايتين رجال الصحيح غير شريك بن عبد اللَّه النخعي، وهو حسن الحديث، ولكن اختلف في سماع محمد بن كعب من علي واللَّه أعلم"، ومن طريقه المقدسي في المختارة (٢/ ٣٥٧) رقم (٧٤٠)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٣٧٥)، والدولابي في الكنى والأسماء (٢/ ١٦٣).
(٢) هي قطع الطين اليابسة، القاموس المحيط (١/ ٦٠٩).
(٣) نفطت العمل، فمَرَنَتْ وصَلُبت وثَخُن جلدُها وتَعَجَّر، وظهر فيها ما يشبه البَثَر من العمل بالأَشياء الصُّلْبة الخشِنة، لسان العرب (١١/ ٦١٦).
[ ٢ / ٨٥٨ ]
النبي -ﷺ- فأخبرته، فأكل معي منها" (^١).
٧٤٧ - حدثنا أبو عبد الرحمن القرشي قال أنبأنا أبو أسامة عن سفيان عن أبي الجحَّاف عن رجل من خثعم قال: "دخلت على حسن وحسين وهما يأكلان خبزا وخلا وبقلا، فقلت لهما: أنتما ابنا أمير المؤمنين وأنتما تأكلان ما أرى، وفي الرحبة ما فيها!، قالا: ما أقلّ علمك بأمير المؤمنين، إنما ذاك للمسلمين" (^٢).
٧٤٨ - حدثنا أبو عبد الرحمن قال حدثنا أبو أسامة عن الحسن بن
_________________
(١) إسناده ضعيف منقطع؛ مداره على مجاهد عن علي، ومجاهد لم يسمع من علي انظر جامع التحصيل (٢٧٣)، الجوع (٣٨) رقم (١٧)، وانظر رقم (١٨٢)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٥١ - ٣٥٢) رقيم (١١٣٥) ومختصرا برقم (٦٨٧)، وفي فضائل الصحابة رقم (١٢٢٩)، وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٩٧): "رواه ابن ماجه باختصار، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا أن مجاهدا لم يسمع من عليّ واللَّه أعلم"، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٧١)، ومن طريق المصنف ابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة (٢/ ٧٧٨)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٣٢٠). وأصل عمل علي -﵁- بالدلو على التمر ثابت واللَّه أعلم، أخرجه ابن ماجة في السنن برقم (٢٤٤٧) بلفظ: "كنت أدلو الدلو بتمرة وأشترط أنها جلدة"، والمقدسي في المختارة (٢/ ٤١٢) رقم (٧٩٨)، قال الهيثمي في مصباح الزجاجة (٣/ ٧٧): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات موقوفا"، وانظر التحقيق في أحاديث الخلاف (٢/ ٢١٨).
(٢) إسناده ضعيف لإبهام الخثعمي، الورع (٩٠) رقم (١٢٩)، وذكره البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٦).
[ ٢ / ٨٥٩ ]
الحكم قال: حدثتني أمي عن أم عثمان أن أم ولد كانت لعلي قالت: "جئت عليا يوما وبين يديه قرنفل مكثوب، فقلت: يا أمير المؤمنين هب لابنتي من هذا القرنفل قلادة، قال: ايتني درهما بيده هكذا فإنما هذا مال المسلمين، أو اصبري حتى يأتيني حظي فأهب لك منه، فأبى أن يهب لي منه شيئا" (^١).
٧٤٩ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي صالح الحنفي، قال: "دخلت على أم كلثوم، فقالت: ائتوا أبا صالح بطعام، فأتوني بمرقة فيها جنوب (^٢)، فقلت: أتطعموني هذا وأنتم أمراء؟ قالت: كيف لو رأيت أمير المؤمنين عليا، وأُتي بأترج، فأخذ الحسن أو الحسين منها أترجا لصبي لهم، فانتزعها من يده وقسمها بين المسلمين" (^٣).
٧٥٠ - حدثنا خلف بن سالم قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا إسماعيل ابن إبراهيم بن مهاجر قال: سمعت عبد الملك بن عمير قال حدثني رجل
_________________
(١) إسناده ضعيف، لجهالة أم الحسن بن الحكم، الورع (٩٠) رقم (١٣٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٤٥٨) رقم (٣٢٩٠١)، وكرره (٧/ ١٠٢) عن أبي أسامة به.
(٢) وهي الجوانب، وهي غالبا ما تكون من الأضلاع، وقليل لحمها، كما هو معروف، انظر لسان العرب (٢/ ٣٧١).
(٣) إسناده لين، والأثر حسن؛ للكلام في سماع إسحاق وهو الطالقاني من جرير خاصة، الورع (٩١) رقم (١٣١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٠١) رقم (٣٤٥٠١)، عن أبي معاوية عن الأعمش به.
[ ٢ / ٨٦٠ ]
من ثقيف قال: "استعملني عليٌّ -﵁- على عُكْبُرَا (^١)، ولم يكن السواد. . . المصلون، فقال لي بين أيديهم: استوف منهم خراجهم ولا يجدوا فيك معفا ولا رخصة، ثم قال لي: رُح إليّ عند الظهر، فرُحت إليه فلم أجد عنده حاجبا يحجبني دونه، ووجدته جالسا، عنده قدح وكوز من ماء فدعا بطية فقلت في نفسي لقد أمنني حين يخرج إليّ جوهرا، فإذا عليها خاتم، فكسر الخاتم فإذا فيها سويق، فصبّ في القدح فشرب منه وسقاني، فلم أصبر فقلت: يا أمير المؤمنين تصنع هذا بالعراق وطعام العراق أكثر من ذلك، قال: إنما أشتري قدر ما يكفيني، وأكره أن يفنى فيُصنع فيه من غيره، وإني لم أختم عليه بخلا عليه، وإنما حفص لذلك، وأنا أكره أن أدخل بطني إلا طيبا، ولئن قلت لك بين أيديهم الذي قلت لك، لأنهم قوم خدع، وأنا آمرك بما آمرك، الآن، فإن أخذتهم به وإلا أخذك اللَّه به دوني، ولئن بلغني عنك خلاف ما آمرك به عزلتك، لا تبيعن لهم رزقا يأكلونه، ولا كسوة شتاء ولا صيف، ولا تضرب رجلا منهم سوطا في طلب درهم، ولا تقمه في طلب درهم، فإنا لم نؤمر بذلك، ولا تبيعنّ لهم دابة يعملون عليها، إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو، قال: إذا جئتك كما ذهبت؟ قال: فإن فعلت، قال: فذهبت فسعيت بما أمرني به، فرجعت إليه
_________________
(١) هي اسم بليدة من نواحي دجيل، قرب صريفين وأوانا، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ، والنسبة إليها عكبري، معجم البلدان (٤/ ١٤٢).
[ ٢ / ٨٦١ ]
وما بقى عليّ درهم واحد إلا وفّيته" (^١).
٧٥١ - حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال حدثنا عبد اللَّه بن وهب عن ابن لهيعة عن عبد اللَّه بن هبيرة عن عبد اللَّه بن زرير الغافقي قال: "دخلنا على علي بن أبي طالب -﵁- يوم أضحى، فقدَّم إلينا خزيرة، فقلنا: يا أمير المؤمنين لو قدّمت إلينا من هذا البط والوز، والخير كثير، قال يا ابن زرير، إني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "لا يحل للخليفة إلا قصعتان: قصعة يأكلها هو وأهله، وقصعة يطعمها" (^٢).
٧٥٢ - حدثنا أبو زيد النميري قال: حدثنا أبو نعيم (^٣) قال: سمعت
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ مداره على إسماعيل بن إبراهيم وهو ضعيف التقريب (٤٢١)، الورع (٨٩) رقم (١٢٧)، ومختصرا في الجوع رقم (٢٣٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٨٢).
(٢) إسناده حسن، فيه ابن لهيعة لكنه من رواية عبد اللَّه بن وهب عنه، انظر المختلطين للعلائي (٦٥)، الورع (٨٩) رقم (١٢٨)، وأحمد في المسند (١/ ٧٨)، وفضائل الصحابة (٢/ ٧٢٤) رقم (١٢٤١)، عن ابن لهيعة به، وله متابع هو عبد الرحمن بن ثوبان كما في مسند الشاميين (١/ ١٤٩) رقم (٢٤٠)، قلت: وقد صححه أحمد شاكر في شرح المسند (٢/ ٥٧٧)، وهذا صحيح إذا كان المراد صحيح لغيره، وفي مجمع الزوائد (٥/ ٢٣١) إشارة إلى تضعيفه بسبب ابن لهيعة.
(٣) هو الفضل بن دكين، وقد تردد المحقق في الجزم به؛ لأن أبا نعيم عبيد بن هشام الحلبي يروي كذلك عن سفيان بن عيينة كما قال، لكن بالرجوع إلى شيوخ أبي زيد النميري وهو عمر بن شبة لم يذكر إلا الفضل بن دكين واللَّه أعلم.
[ ٢ / ٨٦٢ ]
سفيان (^١) يقول: "ما بنى عليّ -﵁- آجرّة على آجرّة، ولا قصبة على قصبة" (^٢).
٧٥٣ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا المحاربي، عن عبيد اللَّه بن الوليد، عن فضيل بن مسلم، على أبيه: "دار فرات بالكوفة قال: فقام عليّ -﵁- فقال: أرني هذا القميص، قال: فلبسه، ثم قال: بكم هذا؟ قلنا: بثلاثة دراهم يا أمير المؤمنين، قال: فمدّ يده، فإذا القميص يفضل عن أصابعه، فقال: اقطعه بحد أصابعي، ثم قيال: حصه، قال: أَكُفُّه؟ قال: نعم إن كان الحوص كفًّا فكُفَّه، ثم رفع قميصه، فأخرج من حجرته ثلاثة دراهم، ثم أدبر وهو يقول: حسبك ما بلغك المحل، وكان كرابيس (^٣) " (^٤).
_________________
(١) هو ابن عيينة كما نص النووي في تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣١٧).
(٢) رجاله ثقات وهو منقطع، وقد كان سفيان بن عيينة لا يدلس إلا عن ثقة كما في جامع التحصيل (١٨٦)، قصر الأمل (١٧٧) رقم (٢٧٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٩٥) رقم (١٠٧٢٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٨٢)، وذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣١٧)، وقد وردت عدّة آثار في عدم بناء بعض الصحابة للبيوت، بل وتحذيرهم من ذلك فانظر (٢٤٣، ٢٤٨، ٢٥٨، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦١، ٢٦٢، ٢٦٣، ٢٦٤، ٢٦٦، ٢٦٧، ٢٧٤، ٣٠٢) وفي بعضها النهي عن الآجر خاصة، وفي بعضها ما يدل على أنه مكروه وليس محرما.
(٣) ثياب فارسية من قطن، لسان العرب (٦/ ١٩٥).
(٤) إسناده ضعيف، لجهالة فضيل بن مسلم التقريب (٥٤٧٣)، وضعف عبيد اللَّه بن الوليد التقريب (٤٣٨١)، إصلاح المال (٣٢٨) رقم (٣٨٧) التواضع والخمول (١٩٣ - ١٩٤) رقم (١٥٤)، وانظر رقم: (٣٨٦، ٣٨٧، ٣٨٨، ٣٨٩، =
[ ٢ / ٨٦٣ ]
٧٥٤ - حدثني إبراهيم بن سعيد، نا الحسين بن محمد، نا قيس بن الربيع، عن عبد اللَّه بن عطاء، عن أبي جعفر قال: "ما مات علي بن أبي طالب -﵁- حتى بلغت غلّته مائة ألف، ولقد مات يوم مات وعليه سبعون ألفا دينا، فقلت: من أين كان عليه هذا الدين؟ قال: كان تأتيه حامَّته (^١) من أصهاره ومعارفه ممن لا يرى لهم في الفيء نصيبا فيعطيهم، فلما قام الحسن بن علي باع وأخذ من حواشي ماله حتى قضى عنه، ثم كان يعتق عنه كل عام خمسين نسمة حتى هلك، ثم كان الحسين يعتق عنه خمسين نسمة حتى قتل، ثم لم يفعله أحد بعدهما" (^٢).
خامسا: الآثار الواردة في جهاده وشجاعته.
٧٥٥ - حدثنا أحمد، قال: حدثني محمد بن عباد بن موسى العكلي، نا كثير بن هشام، نا عيسى، عن معروف قال: قال سعيد بن المسيب: "قتل عليّ بن أبي طالب -﵁- أربعة نفر من صناديد قريش أحدهم طلحة بن أبي
_________________
(١) = ٣٩١، ٣٩٢، ٣٩٣، ٣٩٤) وفي (٣٨٢): "كان يشتري القميص بدرهمين، والدرع بألفين"، وانظر التواضع والخمول رقم (١٣٢ - ١٣٤، ١٣٧ - ١٤١)، وعبد بن حميد في مسنده (٦٢) رقم (٩٦) بسند ضعيف فيه المختار بن نافع وهو ضعيف (٦٥٦٩)، وأحمد في الزهد (١٣٢) وفيه من لم أعرفه، وفي فضائل الصحابة (١/ ٥٤١) رقم (٩٠٣)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٠٧) رقم (٢٠٠٨٠) عن المختار به، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٨٥/ ٤٨٦) من طريق عبد بن حميد.
(٢) أقرباؤه، لسان العرب (١٢/ ١٥٠).
(٣) إسناده ضعيف فيه قيس بن الربيع وقد تقدم (٧١٣)، مكارم الأخلاق (١٠٦) رقم (٤٢١).
[ ٢ / ٨٦٤ ]
طلحة، ثم جاء بالسيف إلى فاطمة فقال:
أَفاطم هاك السيف غير ذميم فلست برعديدٍ ولا بلئيم
لعمري لقد جاهدت في نصر أحمد ومرضاة ربٍ بالعباد عليم
أريد ثواب اللَّه -لا شيء غيره- ورضوانه في جنة ونعيم
أَمَمتُ ابن عبد الدار كي أعرفنَّه بذي رونق يفري العظام صميم
وكنت امرءًا أسمو إذا الحرب شمَّرت وقامت على ساقٍ لكل مليم
فغادرتة بالجرِّ وارفضَّ جمعه عباديد من ذي فائظ وكليم
قال: ولما كان يوم الأحزاب قطع عليه عمرو بن عبد ودّ الخندق فقيل له: انصرف، قال: لا أنصرف حتى أقتل محمدا فخرج إليه عليّ -﵁- فقال: يا عمرو إني سمعتك تقول عند الكعبة: لا ينصفني أحد إلا قتلتُ، وإني أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، فأبى عليه، قال: فإني أدعوك أن تنزل فتبارزني، قال: أنصفت، قال: وقد قال عمرو قبل ذلك:
ولقد بححت من الندا ءِ بجمعكم هل من مبارز
ووقفت إذ جبُن الشِّجا ع لموقف البطل المناجز
وكذاك إني لم أزل متسرِّعا نحو الهزاهز
إن الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرائز
فأجابه علي -﵁-:
لا تعجلنَّ فقد أتا ك مجيبُ صوتِك غير عاجز
[ ٢ / ٨٦٥ ]
ذو نيّة وبصيرة والصِّدقُ منجى كل فائز
إني لأرجو أن أقيـ ـم عليك نائحةَ الجنائز
من ضربة فوهاء يبـ ـقي أثرها عند الهزائز
ولقد دعوت إلى البِرا ز فما تجيب إلى المبارز
فنزل فعقر فرسه وركّز عترته، وكان أعرج ومشى إليه عليّ -﵁-، وهاجت عجاجة فحالت بينهما وبين الناس، ورفع النبي -ﷺ- يديه يدعو، فانفرجت وعلي يمسح سيفه بثيابه ورجع علي -﵁- يقول:
أعليّ، تقتحم الفوارس هكذا، عنِّي وعنهم أخِّروا، أصحابي
اليوم يمنعني الفرار حفيظتي ومصمِّمٌ في الرأس ليس بنابي
أدى عمر حين أخلص صنعه صافي الحديدة يستنصّ ثوابي
فغدوت ألتمس القراع بمرهفٍ عضب مع البتراء في الأقراب
آلى ابن عبدٍ حين شدّ أليَّةً وحلفت فاستمعوا مِن الكذّاب
ألَّا يصدَّ ولا يهلِّل فالتقى فتيان يضطربان كل ضراب
فصددت حين تركته متجدِّلا كالجذع بين دكادكٍ وروابي
وعففت عن أثوابه ولو أنني كنت المقطّرَ بزَّني أثوابي
وزادني عبد الرحمن بن صالح عن يونس بن بكير:
عبَدَ الحجارة من سفاهة رأيه وعبدتُّ ربَّ محمد بصواب" (^١)
_________________
(١) إسناده حسن إن شاء اللَّه، ومعروف صدوق ربما وهم، وكان أخباريا علامة التقريب (٦٨٣٩)، وشيخ المصنف هنا وهو (أحمد) أظنه مقحم فإنه لم يرد في =
[ ٢ / ٨٦٦ ]
٧٥٦ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، نا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: "لما قتل عليّ -﵁- عمروا أقبل نحو رسول اللَّه -ﷺ- ووجهه يتهلل فقال له عمر -﵁-: هلّا سلبت درعه؛ فإنه ليس للعرب درع مثله؟ قال: ضربته فاتقاني بسوءته فاستحييت يا ابن عمي أن أسلبه" (^١).
٧٥٧ - حدثني المفضل بن غسّان، حدثني أبي قال: نا معاذ بن معاذ، عن عبيد اللَّه بن الحسن، عن عمرو بن دينار قال: "كان يقال: أشجع الناس الزبير، وأبسلهم علي ﵄، والباسل فوق الشجاع" (^٢).
٧٥٨ - حدثني سريج بن يونس، نا وكيع، نا الأعمش، عن شمر بن عطية، عن عبد اللَّه بن سنان الأسدي قال: "رأيت عليا -﵁- بصفّين معه سيف رسول اللَّه -ﷺ- ذو الفقار يحمل عليهم فنضبطه فيفلت منا فيحمل
_________________
(١) = إحدى النسخ، كما أن العكلي من شيوخ ابن أبي الدنيا، والظاهر أن الأثر دخل بعضه في بعض حيث إن قول علي لفاطمة كان في أحد وباقي القصة في الخندق، ولم أجده عن سعيد بن المسيب، مكارم الأخلاق (٤٦ - ٤٨) رقم (١٩٥)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٣٢ - ٣٣)، ومبارزة علي -﵁- مشهورة في كتب السيرة، انظر السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية (٤٥٢).
(٢) إسناده كسابقه، مكارم الأخلاق (٤٨) رقم (١٩٦)، وهو تتمة الأثر كما في رواية الحاكم السابقة من طريق يونس بن بكير به.
(٣) إسناده حسن إلى ابن دينار، رجاله ثقات المفضل وأبوه وثقهما الخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٣٢٥) (١٣/ ١٢٥)، وعبيد اللَّه بن الحسن ثقة تُكلم فيه بسبب البدعة كما في ميزان الاعتدال (٣/ ٥)، مكارم الأخلاق (٣٦) رقم (١٥٩).
[ ٢ / ٨٦٧ ]
عليهم فيضرب بسيفه حتى يجيء به قد تثنى فيقول: "إن هذا يعتذر إليكم" (^١).
٧٥٩ - حدثني أبي ﵀ ومحمد بن صالح، عن هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: "لما كان يوم بدر قال علي -﵁- للمقداد: أعطني فرسك أركبه، فقال النبي -ﷺ-: أنت راجلا خير منك فارسا، قال: فركب ثم وتر قوسه فرمى فأصاب أذن الفرس فشبّ الفرس فصرعه، فضحك النبي -ﷺ- حتى أمسك على فيه فغضب على -﵁- فسلَّ سيفه ثم شدَّ على المشركين فقتل ثمانية قبل أن يرجع، ثم قال للنبي -ﷺ-: لو أصابني شرٌّ من هذا كنتُ أهلَه حين تقول: أنت راجلا خير منك فارسا، فعصيتك" (^٢).
٧٦٠ - حدثنا سويد بن سعيد، نا محمد بن مروان البصري، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة قال: قال علي -﵁-: "لما كان يوم أحد نظرت رسول اللَّه -ﷺ- في القتلى فلم أجده فقلت: واللَّه ما كان رسول اللَّه -ﷺ- ليفرَّ، واللَّه إني لأرى اللَّه غضب علينا لما صنعنا فرفعه إليه، قال: فكسرت جفن سيفي فحملت على القوم فأفرجوا لي فإذا أنا برسول اللَّه
_________________
(١) إسناده حسن، شِمر بن عطية صدوق التقريب (٢٨٣٧)، وعبد اللَّه بن سنان الأسدي ثقة كما في تعجيل المنفعة (٢٢٤)، مكارم الأخلاق (٣٦) رقم (١٦٠).
(٢) إسناده ضعيف جدا، فيه هشام بن محمد بن السائب الكلبي وأبوه، وكلاهما متهم بالرفض وكلاهما متهم في الحديث أيضًا، انظر التقريب (٥٩٣٨) ولسان الميزان (٤/ ٣٠٤)، مكارم الأخلاق (٣٥) رقم (١٥٨).
[ ٢ / ٨٦٨ ]
-ﷺ-" (^١).
٧٦١ - حدثني أبي، أنا عمار أبو اليقظان، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر قال: "نادى مناد يوم بدر يقال له: رضوان: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة ذكر بعض فضائل علي بن أبي طالب -﵁-، وبيان منزلته، وهي مناقب كثيرة، وفضائل عديدة قال الذهبي: "مناقب علي -﵁- يضيق المكان عنها، وقد أفردت سيرته في كتاب سميته فتح المطالب في أخبار علي بن أبي طالب" (^٣)، وما ورد منها هنا اشتمل على:
_________________
(١) إسناده إلى عكرمة حسن، لأجل الكلام في سويد شيخ المصنف وقد سبق (١٦٧)، لكنه منقطع؛ فإن روايته عن علي مرسلة كما في المراسيل لابن أبي حاتم (١٥٨)، مكارم الأخلاق (٣٥ - ٣٦) رقم (١٥٦)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢/ ٦٤٣) رقم (٢٧٠)، وأبو يعلى في المسند (١/ ٤١٥) رقم (٤٥٦)، وعنه الضياء في المختارة (٢/ ٢٩٤) رقم (٦٧٥).
(٢) إسناده ضعيف جدا، فيه سعد بن طريف وهو الإسكافي الحنظلي أبو العلاء الكوفي، متروك، ورماه ابن حبان بالوضع، وكان رافضيا، انظر التقريب (٢٢٥٤)، وروي هذا الأثر مرفوعا وهو أضعف من هذا فيه عيسى بن مهران المستعطف رافضي كذاب، انظر الكشف الحثيث (٢٠٥)، الكامل في ضعفاء الرجال (٥/ ٢٦٠)، ميزان الاعتدال (٣/ ٣٢٤). كتاب الهواتف (٢٠) رقم (٥).
(٣) معرفة القراء الكبار (١/ ٢٧).
[ ٢ / ٨٦٩ ]
تقدم إسلامه، وثناء الناس عليه، وبعض كراماته، وزهده وورعه وعبادته، وجهاده وشجاعته.
فأما إسلامه: فلا شك أنه من أوائل المتقدّمين إلى الإسلام، وقد حصل خلاف في مسألة أول من أسلم من الصحابة، فقيل: أبو بكر الصديق، وقيل: خديجة، وقيل: علي بن أبي طالب، وقيل: زيد بن حارثة، ونسب القرطبي إلى الثعلبي قوله بأن الخلاف واقع فيمن أسلم بعد خديجة (^١) وقال: "وكان إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظلي يجمع بين هذه الأخبار، فكان يقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال واللَّه أعلم" (^٢).
وأما ثناء الناس عليه: فقد أثنى عليه الصحابة كابن عباس وتأسف على موته، وذكر جملة من مناقبه، ومعاوية -﵁- رغم ما كان بينهما، أثنى على فقهه وتفرده في عويص المسائل، وأبكاه الكناني الذي ذكر أوصافه ووافقه على ما ذكر، بل وبكى يوم جاءه نعيه، وكذا عمر بن الخطاب
_________________
(١) ووافقه البغوي في هذا انظر تفسير البغوي (١/ ٨٧).
(٢) تفسير القرطبي (٨/ ٢١٥)، وانظر الصواعق المحرقة (١/ ٢١٨)، وجامع الترمذي (٥/ ٦٤٢)، والأوائل لابن أبي عاصم (١/ ٧٨ - ٨٠)، ومعرفة علوم الحديث للحاكم (٩٤)، وانظر تعقب العراقي له في التقييد والإيضاح (٣٠٨)، والبداية والنهاية (٣/ ٢٦)، الشذا الفياح (٢/ ٥٠٢)، وفتح المغيث (٣/ ١٣٨)، وصحيح السيرة النبوية للألباني (١/ ١١٩ - ١٢٠).
[ ٢ / ٨٧٠ ]
يمتنى أن لا يبقى بعده لما يفرج عليه في المسائل، وكان عطاء يعدُّه أفقه الصحابة (^١)، وجابر لم ير أزهد في النساء منه، وكذا عمر بن عبد العزيز عدّه أزهد الصحابة، ووصفه الحسن البصري بأنه رهباني هذه الأمة، بل لم يشك المغيرة بن شعبة في أن الناس لن يبايعوا غيره، ولو كان في جحر في مكة، وكان مع ذلك يعرف قدر نفسه، وينزل نفسه منزلتها، حيث أجاب من مدحه في وجهه، وهما ممن يقع فيه، بأنه دون ما قال، وفوق ما يقع فيه.
وأما كراماته: فقد تضمنت الآثار بعضها، أهم ما ورد هنا كونه كان مجاب الدعوة، دعا للحامل أن يكون حملها ذكرا ميمونا، وبالعمى على من كذب عليه، وأن لا يكمل بنيان قوم فما ارتفع، وأخيرا ورد في أثر الزهري الأخير، أن آية قتله أنه لم يقلب حجر بالجابية إلا كان تحته دم
_________________
(١) ليس في هذا الكلام ما يفيد أنه كان أفقه من الشيخين واعلم منهما، ولهذا أجاب شيخ الإسلام عن تهويل الرافضي في دعواه: "قصورهم -أي الصحابة- في العلم، والتجاؤهم في أكثر الأحوال إلى علي، والجواب أن هذا من أعظم البهتان؛ أما أبو بكر فما عرف أنه استفاد من علي شيئًا أصلا، وعلى قد روى عنه، واحتذى حذوه، واقتدى بسيرته، وأما عمر فقد استفاد علي منه أكثر مما استفاد عمر منه، وأما عثمان فقد كان أقل علما من أبي بكر وعمر، ومع هذا فما كان يحتاج إلى علي، حتى إن بعض الناس شكا إلى عليٍّ بعض سعاة عُمَّال عثمان، فأرسل إليه بكتاب الصدقة، فقال عثمان: لا حاجة لنا به، وصدق عثمان" منهاج السنة (٨/ ٢٧٩).
[ ٢ / ٨٧١ ]
عبيط، وقد سبق في التخريج أن هذا لم يصح، والمقصود من ذكر هذا الأثر عدم الاغترار بكل ما يروى في الفضائل، والتنبيه على ذلك، قال شيخ الإسلام: "المصنفون في الفضائل. . . قد يتسامحون في رواية أحاديث ضعيفة كالنسائي؛ فإنه صنف خصائص علي، وذكر فيها عدة أحاديث ضعيفة. . .وكذلك أبو نعيم في الخصائص، وخيثمة بن سليمان، والترمذي في جامعه، روى أحاديث كثيرة في فضائل علي كثير منها ضعيف" (^١)، بل إن الرافضة من أكثر الناس كذبا، ولذلك وجد من الموضوع في فضائل علي ما لم يوجد في غيره (^٢)، قال شيخ الإسلام: "وضع كثير من هؤلاء أحاديث في فضائل الصحابة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، لا سيما ما وضعوه في فضائل علي من الأكاذيب؛ فإنه لا يكاد يحصى، مع أن في فضائلهم الصحيحة ما يغنى عن الباطل" (^٣).
وهنا لفتة أريد التنبيه عليها، وهي أن ما يذكر من قول الإمام أحمد: لم يرو في فضائل أحد من الصحابة مثل ما روي عن علي -﵁-، قد أسيء فهمه، وحُرّف لفظه، قال شيخ الإسلام: "قول من قال: صح لعلي من الفضائل ما لم يصح لغيره، كذب لا يقول أحمد، ولا غيره من أئمة الحديث، لكن قد يقال: رُوي له ما لم يُرو لغيره، لكن أكثر ذلك من نقل
_________________
(١) منهاج السنة (٧/ ١٧٨)، وانظر (٧/ ٣١٢).
(٢) انظر المنار المنيف (١١٦).
(٣) درء التعارض (٣/ ٣٢٩).
[ ٢ / ٨٧٢ ]
من علم كذبه، أو خطؤه، ودليل واحد صحيح المقدمات، سليم عن المعارضة، خير من عشرين دليلا مقدماتها ضعيفة، بل باطلة، وهي معارَضَة بأصح منها، يدل على نقيضها" (^١)، قلت: ومصداق كلامه أن المروي بالسند عن الإمام أحمد قوله: "ما جاء لأحد من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- من الفضائل، ما جاء لعلى بن أبي طالب -﵁-" (^٢)، فعبارة الإمام أحمد: "جاء"، ولعل الذي أوقع في هذا الوهم، أنه قد يروى قول الإمام أحمد بالمعنى، كما فعل الحافظ ابن حجر وتبعه المباركفوري، حيث قال: "قال أحمد، وإسماعيل القاضي، والنسائي، وأبو علي النيسابوري، لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي" (^٣)، والعبارة الصحيحة، هي كما نقلها الحافظ الهيتمي: "قال أحمد: ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلي، وقال إسماعيل القاضي، والنسائي، وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر مما جاء في علي" (^٤)، فكلام الإمام أحمد غير كلام الثلاثة الذين من بعده، فلا يصح الجمع بينهم في سياق واحد، فالإمام أحمد لم يتعرض للصحة أصلا كما قال شيخ الإسلام، بخلاف إسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي
_________________
(١) منهاج السنة (٨/ ٤٢١)، وانظر (٧/ ٣٧٤).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٠٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤١٨)، وذكره ابن حجر تهذيب التهذيب (٣/ ١٧١).
(٣) فتح الباري (٧/ ٧١)، وتحفة الأحوذي (١٠/ ١٤٤).
(٤) الصواعق المحرقة (٢/ ٣٥٣).
[ ٢ / ٨٧٣ ]
النيسابوري فإنهم وصفوا تلك الأحاديث بالحسان، وإذا كان الأمر كذلك فإن ما ذكره الهيتمي من توجيه هذا الكلام بقوله: "قال بعض المتأخرين من ذرية أهل البيت النبوي: وسبب ذلك واللَّه أعلم، أن اللَّه تعالى أطلع نبيه على ما يكون بعده مما ابْتُلِي به عليٌّ، وما وقع من الاختلاف لما آل إليه أمر الخلافة، فاقتضى ذلك نصح الأمة بإشهاره بتلك الفضائل، لتحصل النجاة لمن تمسك به ممن بلغته، ثم لما وقع ذلك الاختلاف والخروج عليه، نشر من سمع من الصحابة تلك الفضائل، وبثها نصحا للأمة أيضًا، ثم لما اشتد الخطب واشتغلت طائفة من بني أمية بتنقيصه، وسبه على المنابر، ووافقهم الخوارج لعنهم اللَّه، بل قالوا بكفره، اشتغلت جهابذة الحفاظ من أهل السنة ببث فضائله، حتى كثرت نصحا للأمة ونصرة للحق" (^١)، هذا الكلام وإن لم يَبْدُ عليه النفس البدعي الرافضي أو غيره؛ بل على العكس، فإنه رغم هذا ليس صحيحا، بل الجواب الصحيح في هذا الباب أن يقال: "فضائل علي الثابتة عامتها مشتركة بينه وبين غيره، بخلاف فضائل أبي بكر وعمر؛ فإن عامتها خصائص لم يشارَكَا فيها" (^٢)، "لا سيما فضائل أبي بكر، فإن عامتها خصائص، لم يشركه فيها غيره" (^٣)، فعند تمحيص المرويات يظهر أن: "فضائل الصديق التي في
_________________
(١) الصواعق المحرقة (٢/ ٣٥٣)، وانظر فتح الباري (١/ ٧١).
(٢) منهاج السنة (٧/ ١٧٣).
(٣) منهاج السنة (٥/ ٧).
[ ٢ / ٨٧٤ ]
الصحاح كثيرة وهي خصائص. . .فمجموع ما في الصحيح لعلي نحو عشرة أحاديث، ليس فيها ما يختص به، ولأبي بكر في الصحاح نحو عشرين حديثا أكثرها خصائص" (^١)، ولهذا فإن هذه الحقيقة لا يمكن أن ينكرها من كان له خبرة بصحيح الأخبار من سقيمها، حتى بعض علماء الحديث الذين تأثروا بالتشيع "قد عصمهم وقيدهم ما يعرفون من الأحاديث الصحيحة، الدالة على أفضلية الشيخين، ومن ترفض ممن له نوع اشتغال بالحديث، كابن عقيدة وأمثاله، فهذا غايته أن يجمع ما يروى في فضائله من المكذوبات والموضوعات، لا يقدر أن يدفع ما تواتر من فضائل الشيخين؛ فإنها باتفاق أهل العلم بالحديث أكثر مما صح في فضائل علي، وأصح وأصرح في الدلالة" (^٢).
_________________
(١) منهاج السنة (٨/ ٤٢٠).
(٢) منهاج السنة (٧/ ٣٧٣ - ٣٧٤).
[ ٢ / ٨٧٥ ]
الفصل الثاني: الآثار الواردة في فضائل بقية العشرة ﵃.
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل سعيد بن العاص -﵁-.
المبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل سعد بن أبي وقاص -﵁-.
المبحث الثالث: الآثار الواردة في عبد الرحمن بن عوف -﵁-.
المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل طلحة -﵁-.
المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل أبي عبيدة بن الجراح -﵁-.
المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل الزبير -﵁-.
[ ٢ / ٨٧٦ ]
المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل سعيد بن العاص -﵁-.
٧٦٢ - حدثني سليمان بن منصور الخزاعي، نا أبو سفيان الحميري، عن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري (^١) قال: "قدم أعرابي في أربع ديات حملها فقيل له: عليك بالحسن بن علي، عليك بعبد اللَّه بن جعفر، عليك بسعيد ابن العاص، عليك بعبد اللَّه بن العباس، فدخل المسجد فرأى رجلا يخرج معه جماعة فقال: من هذا؟ فقيل: سعيد بن العاص، قال: هذا أحد أصحابي الذين ذكروا لي، فمشى معه فأخبره بالذي قدم له، ومن ذكر له، وأنه أحدهم، وهو ساكت عنه لا يجيبه، فلما بلغ باب منزله قال لخازنه: قل لهذا الأعرابي فليأت بمن يحمل له، فقيل له: ايت بمن يحمل لك، قال: عافا اللَّه سعيدا، إنما سألناك ورقا، ولم نسألك تمرا، قال: ويحك، ايت بمن يحمل لك، فأخرج له أربعين ألفا، فاحتملها الأعرابي، فمضى إلى البادية، ولم يلق غيره" (^٢).
٧٦٣ - حدثني سليمان بن أبي شيخ (^٣) قال: "قتل أبان بن سعيد بن العاص يوم أجنادين شهيدا، وقتل خالد بن سعيد بن العاص يوم مرج
_________________
(١) هو عبد الحميد بن جعفر بن عبد اللَّه بن الحكم بن رافع الأنصاري، صدوق رمي بالقدر، وربما وهم، مات سنة (١٥٣ هـ)، التقريب (٣٧٥٦).
(٢) إسناده حسن، وأبو سفيان الحميري هو سعيد بن يحيى صدوق وسط أيضًا التقريب (٢٤٣٠)، مكارم الأخلاق (١١٦ - ١١٧) رقم (٤٤٣)، والمزي في تهذيب الكمال (٣/ ١٧٤) من طريق شيخ المصنف به.
(٣) هو سليمان بن أبي شيخ، واسم أبي شيخ منصور بن سليمان، ويكنى أبا أيوب الواسطي، سكن ببغداد، وكان عالما بالنسب والتواريخ وأيام الناس وأخبارهم، وكان صدوقا، تاريخ بغداد (٩/ ٥٠).
[ ٢ / ٨٧٧ ]
الصُّفَر شهيدا وكانت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، دخل بها بمرج الصفر فخرج وهو عروس فقاتل فقتل، وخرجت هي بعمود فقتلت سبعة من الروم، وكانت قبله تحت ابن عمها عكرمة بن أبي جهل فقتل عنها يوم فحل، فلما انقضت عدّتها خطبها يزيد بن أبي سفيان وخالد بن سعيد، فحطّت إلى خالد، ثم تزوّجها عمر بن الخطاب، فهي التي تسحّر عندها عبد الرحمن بن الحارث؛ لأن أم عبد الرحمن فاطمة بنت الوليد بن المغيرة ماتت قبل ذلك بدهر وهي أم أم حكيم، واستشهد قبل ذلك الحكم بن سعيد بن العاص يوم مؤتة مع جعفر بن أبي طالب، واستشهد مع رسول اللَّه -ﷺ- يوم حصن الطائف سعيد بن العاص" (^١).
٧٦٤ - حدثني محمد بن عبّاد العكلي قال: سمعت عبد العزيز الأمويّ يحدث عن أهل بيته قال: "ولد سعيد بن العاص أبو أحيحة ثمانية رجال لم يمت أحد منهم على فراشه، فقتل ثلاثة مع المشركين، قتل أحيحة يوم الفجار، وقتل العاص بن سعيد بن العاص وعبيدة بن العاص يوم بدر، وقتل سعيد يوم الطائف، وقتل الحكم بن سعيد يوم اليمامة، وكان يعلّم الحكمة بالمدينة، قتل خالد يوم مرج الصفّر، وهو الذي يقول:
مَن فارس كره الكماة يصرني رمحا إذا نزلوا بمرج الصُفَّر
وقتل أبان وعمرو يوم أجنادين، قال ابن الكلبي: قتل عمرو يوم
_________________
(١) إسناده معضل، الإشراف (٢٤٦ - ٢٤٧) رقم (٣٠٢).
[ ٢ / ٨٧٨ ]
فحل (^١) " (^٢).
٧٦٥ - أخبرني أبو زيد النميري، نا أبو سلمة الغفاري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه أحد بني عدي بن كعب قال: "أقبل سعيد بن العاص يوما يمشى وحده في المسجد فقام إليه رجل من قريش فمشى عن يمينه، فلما بلغا دار سعيد التفت إليه سعيد فقال: ما حاجتك؟ قال: لا حاجة لي، رأيتك تمشى وحدك فوصلتك، فقال سعيد لقَهْرَمَانِه (^٣) أبي كعب: ماذا لنا عندك؟ قال: ثلاثون ألفا، قال: ادفعها إليه" (^٤).
٧٦٦ - أخبرني أبو زيد، حدثني محمد بن يحيى الكناني قال: "اشترى سعيد بن العاص دارا من قوم من الأنصار يقال لهم آل أبي المعلى من بني زريق بمائة ألف، وهي الدار التي فيها اليوم السجن، قال: فندموا فاستقالوه فأقالهم، ثم ندموا فاستعادوه فقبل الدار وبعث إليهم بمائة ألف أخرى" (^٥).
_________________
(١) سار المسلمون إليها بعد وقعة أجنادين، وهي من أرض الأردن قرب بيسان، انتصر فيها المسلمون بعد قتال شديد، تاريخ الطبري (٢/ ٣٥٥).
(٢) إسناده ضعيف، فيه إبهام أهل بيت عبد العزيز الأموي، الإشراف (٢٤٧ - ٢٤٨) رقم (٣٠٣).
(٣) هو كالخازِن والوكيل الحافظ لما تحت يده، والقائم بأُمور الرجل بلغة الفرس، لسان العرب (١٢/ ٤٩٦).
(٤) إسناده ضعيف؛ فيه أبو سلمة وهو أيوب بن عمر وسيأتي (٨٦١) الكلام عليه وهو ضعيف، مكارم الأخلاق (٩٠ - ٩١) رقم (٣٧٣).
(٥) إسناده حسن وهو منقطع؛ فإن الكناني وهو ثقة لم يصب من ضعفه كما في التقريب (٦٤٣٠)، ولم يدرك سعيدا؛ فإن بين وفاتيهما حوالي (١٥٠ سنة)، مكارم الأخلاق (٨٦) رقم (٣٥٢).
[ ٢ / ٨٧٩ ]
المبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل سعد بن أبي وقاص -﵁-.
٧٦٧ - كتب إليّ علي بن حرب الطائي، حدثنا محمد بن عمر القرشي، عن عبيدة بنت نابل، عن عائشة بنت سعد قالت: سمعت أبي يقول: "رأيت في المنام قبل أن أسلم بثلاث كأني في ظلمة لا أبصر شيئًا، إذ أضاء لي قمر فاتبعته، فكأني انظر إلى من سبقني إلى ذلك القمر، فأنظر إلى زيد بن حارثة، وإلى علي بن أبي طالب، وإلى أبي بكر ﵃، وكأني أسألهم متى انتهينا إلى ها هنا؟ قالوا: الساعة، وبلغني أن رسول اللَّه -ﷺ- يدعو إلى الإسلام مستخفيا، فلقيته في شعب أجياد، وقد صلى العصر، فقلت: إلى ما تدعو؟ قال: "تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه"، قال: قلت: أشهد أن لا إله اللَّه وأنك رسول اللَّه، فما تقدّمني أحد إلا هم" (^١).
٧٦٨ - حدثنا الحسن بن حماد الصبي، أخبرني عثّام بن علي، عن الأعمش، عن أبي خالد الوالبي، عن جابر بن سمرة (^٢) قال [. . . (^٣) فالتفت
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا، فيه محمد بن عمر القرشي وهو الواقدي لأنه من الرواة عن عبيدة وهو متروك وقد سبق (٤٥١)، المنامات (١٣٩ - ١٤٠) رقم (٣٠٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٠/ ٢٩٩).
(٢) هو جابر بن سمرة بن جُنَادة السُّوائي، صحابي بن صحابي، نزل الكوفة ومات بها بعد سنة سبعين، الإصابة (١/ ٤٣١)، التقريب (٨٦٧).
(٣) طمس بالأصل.
[ ٢ / ٨٨٠ ]
سعد فإذا رِجل رَجُلٍ خارجة من غرز الرحل، فرماه بسهم فكأني انظر إلى الدم، كأنه شراك، فقال: أخ أخ، وكان أول من رمى بسهم في الإسلام" (^١).
٧٦٩ - حدثنا أبو بكر سلمة بن حفص القرشي، حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا فائد بن عبد الرحمن، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي حازم، عن الحسين بن خارجة الأشجعي (^٢) قال: "لما كانت الفتنة، أشكل عليّ الأمر، فدعوت اللَّه -﷿- أن يريني شيئًا من الحق أتبعه، فرأيت في المنام كأني في القيامة، وكان بيني وبينهم حائطا فقلت: لو أني قسمت هذا الحائط فلقيتهم. . .، قال: فقسمت الحائط فإذا قوم عليهم ثياب بياض، فقلت لهم: أنتم الملائكة؟ قالوا: لا، نحن الشهداء، ولكن اصعد هذه الدرجة، فصعدت درجة لم أر أحسن منها، فإذا محمد وإبراهيم -صلى
_________________
(١) إسناده حسن رجاله ثقات ما عدا عثام فهو صدوق التقريب (٤٤٨٠)، مكارم الأخلاق (٤٢) رقم (١٨٢)، وأحمد في فضائل الصحابة (٢/ ٧٥٣) رقم (١٣١٧)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٩٨)، والطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٢٠٨) رقم (١٨٥٤)، كلهم عن الأعمش به، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٥٥): "رجاله رجال الصحيح ما عدا أبي خالد الوالبي وهو ثقة"، أما القصة فهي في البخاري كما في فتح الباري (٧/ ٨٣).
(٢) أورده عبدان في الصحابة كما نقل ابن عبد البر وابن حجر، بسبب هذه القصة، وأفاد ابن حجر أنها مشعرة بأن له إدراكا، الاستيعاب (١/ ٢٦٣)، الإصابة (٢/ ١٧٢).
[ ٢ / ٨٨١ ]
اللَّه عليهما وسلم- وإبراهيم يقول لمحمد: ألا ترى ما فعلت أمتك؟ قتلوا إمامهم، وأهرقوا دماءهم، ألا فعلوا كما فعل خليلي سعد، إن خليلي من هذا فلان سعد، قال: فقلت: لآتين سعدا فلأخبرنّه، قال: فأتيته فأخبرته، فما أكثر بها فرحا وقال: لقد خاب من لم يكن إبراهيم له خليلا" (^١).
٧٧٠ - حدثنا خلف بن هشام، حدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، قال: "شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر -﵁- حتى قالوا: إنه لا يحسن يصلي، فقال سعد: أما أنا، فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، لا أَخرِم عنها، أركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين (^٢)، قال عمر: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، ثم بعث رجالا يسألون عنه في مجالس الكوفة فكانوا لا يأتون مجلسا إلا أثنوا خيرا وقالوا معروفا، حتى أتوا مسجدا من مساجدهم، فقال رجل يقال له أبو سعدة،
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا؛ فيه فائد بن عبد الرحمن وهو أبو الورقاء العطار متروك اتهموه التقريب (٥٤٠٨)، والأثر حسن إن شاء اللَّه فقد جاء من طريق ابن جحادة به ورجاله ثقات، المنامات (٩١) رقم (١٧٢)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٥٠١) (٤/ ٤٥٢) وصححه ووافقه الذهبي رغم أنه من طريق فائد، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٢٦٩)، والذهبي في السير (١/ ١٢٠) من طريق أبي نعيم عن محمد بن جحادة به، وفيه زيادة مهمة في آخره حيث نصحه برعي الغنم إلى أن تنجلي الفتنة، وابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٢٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٠/ ٣٧٣).
(٢) أي أسْكن وأُطِيل القِيام في الركعتين الأوليين من الصلاة الرباعية، وأخَفّف في الأخْرَيَين، النهاية غريب الحديث (٢/ ٦٢٥).
[ ٢ / ٨٨٢ ]
فقال: اللهم إذا سألتمونا؛ فإنه كان لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسويّة، ولا يسير بالسريّة، فقال سعد: اللهم إن كان كاذبا فأعم بصره، وأطل فقره، وعرِّضه للفتن، قال عبد الملك: فأنا رأيته يتعرَّض للإماء في السّكك، فإذا قيل له: كيف أنت يا أبا سعدة، قال: كبير فقير مفتون، أصابتني دعوة سعد" (^١).
٧٧١ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن أمه، قالت: "كان بعض أهل بيتنا عند آل سعد، قالت: فرأينا امرأة قامتها قامة صبيّة، فقلنا: من هذه؟ قالوا: هذه ابنة لسعد، وضع سعد ذات يوم طهوره، فغمست يدها فيه، فطرف لها وقال: قصع اللَّه قرنك (^٢)، فما شبَّت بعد" (^٣).
_________________
(١) إسناده صحيح، مجابو الدعوة (٧٠) رقم (٣٢)، والقصة في صحيح البخاري (٢/ ٢٣٦ فتح) رقم (٧٥٥).
(٢) أي أكداه وأتعبه، أو أنه من الضرب على الهامة ببسط الكف، ومن يفعل به ذلك لا يشب ولا يزداد، تاج العروس (١/ ٥٤٧٥).
(٣) إسناده حسن، فإن إسحاق بن إسماعيل هو الطالقاني ثقة تكلم في سماعه من جرير وحده التقريب (٣٤٣)، لكن تابعه عند ابن عساكر أبو معمر وهو إسماعيل بن إبراهيم بن معمر ثقة مأمون، التقريب (٤١٩)، مجابو الدعوة (٧٠) رقم (٣٣)، ومن طريقه اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٤١) رقم (٨١)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٠/ ٣٤٩)، ومن طريق آخر أيضًا عن أبي معمر به، وابن حجر في الإصابة (٢/ ٣٣)، وذكره الذهبي في السير (١/ ١١٧)، والظاهر أن مغيرة يروي هذا الأثر أحيانا عن أمه كما عند المصنف، وأحيانا عن أبيه كما عند =
[ ٢ / ٨٨٣ ]
٧٧٢ - حدثنا الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر القرشي، حدثنا عبد الرزاق، عن أبيه، عن مينا (^١) مولى عبد الرحمن بن عوف: "أن امرأة كانت تطلع على سعد، فينهاها، فلم تنته، فاطلعت يوما وهو يتوضّأ، فقال: شاه وجهك، فعاد وجهها في قفاها" (^٢).
٧٧٣ - حدثنا العباس بن غالب الوراق، حدثنا أبو إسحاق الطالقاني، عن عبد اللَّه بن المبارك، عن داود بن قيس، قال: حدثتني أمي وكانت مولاة نافع بن عتبة بن أبي وقاص، قالت: "رأيت سعدا زوّج ابنته رجلا من أهل الشام، وشرط عليه أن لا يخرجها، فأراد أن يخرج، فأرادت أن تخرج معه، فنهاها سعد، وكره خروجها، فأبت إلا أن تخرج، فقال سعد: اللهم لا تبلّغها ما تريد، فأدركها الموت في الطريق، فقالت:
تذكّرت من يبكي عليّ فلم أجد من الناس إلا أعبدي وولائدي
_________________
(١) = اللالكائي، ولعل ما يؤيد هذا أن ابن حجر رواه من طريق المصنف فقال: "عن أبيه"، وابن عساكر رواه كذلك من طريقه فقال "عن أمه"، أما ما وقع هنا "عن مغيرة عن إبراهيم عن أمه" فأظنه خطأ من النساخ واللَّه أعلم.
(٢) انظر التخريج الآتي.
(٣) إسناده ضعيف جدا، مداره على ميناء مولى عبد الرحمن بن عوف متروك، ورمي بالرفض، وكذبه أبو حاتم، ووهل الحاكم فجعل له صحبة التقريب (٧١٠٨)، مجابو الدعوة (٧١) رقم (٣٤)، ومن طريقه اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٤١) رقم (٨٢)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٠/ ٣٤٩)، وذكره الذهبي في السير عن عبد الرزاق به (١/ ١١٧)، وابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٧٧).
[ ٢ / ٨٨٤ ]
فوجد سعد من نفسه" (^١).
٧٧٤ - حدثنا سريج بن يونس، حدثنا هشيم، عن أبي بلج، عن مصعب بن سعد: "أن رجلا نال من عليّ، فنهاه سعد، فلم ينته، فقال سعد: أدعو اللَّه عليك، فدعا اللَّه عليه، فما برح حتى جاء بعير نادّ، أو ناقة نادّة، فخطبته حتى مات" (^٢).
٧٧٥ - حدثني أبي، عن أبي المنذر الكوفي، قال: "كان عمر بن سعد ابن أبي وقاص قد اتّخذ جُعبة وجعل فيها سياطا نحو من خمسين سوطا، فكتب على السوط عشرة وعشرين وثلاثين إلى خمسمائة على هذا العمل،
_________________
(١) فيه أم داود مولاة نافع بن عتبة لم أجد لها ترجمة، ولعلها أم داود الوابشية ويقال لها أم خصيف كما في العلل لأحمد (٣/ ٦٩)، سئل عنها وكيع فقال: "كانت ذكية الفؤاد" ولها أخبار مع وكيع القاضي، انظر الجامع لأخلاق الراوي (١/ ١٣٣)، وشيخ المصنف في مرتبة الصدوق انظر تاريخ بغداد (١٢/ ١٣٦)، مجابو الدعوة (٧٢) رقم (٣٥)، المحتضرين (١٨٤ - ١٨٥) رقم (٢٥٦)، ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٦٩)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٠/ ٣٥٠).
(٢) إسناده حسن، فإن هشيم بن بشير ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي التقريب (٧٣٦٢) لكن تابعه شعبة عند الحاكم، مجابو الدعوة (٧٢) رقم (٣٦)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٩٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق المصنف (٢٠/ ٣٤٦)، وذكره الذهبي في السير (١/ ١١٦)، والطبراني في الكبير (١/ ١٤٠) رقم (٣٠٧) بلفظ مقارب وفيه أن الشاتم كان يشتم عليا وطلحة والزبير، مجمع الزوائد (٩/ ١٥٤)، وفيه زيادة: "فرأيت الناس يتبعون سعدا، يقول: استجاب اللَّه لك يا أبا إسحاق".
[ ٢ / ٨٨٥ ]
وكان لسعد بن أبي وقاص غلام ربيب مثل ولده، فأمره عمر بشيء فعصاه فضرب بيده إلى الجعبة، فوقع بيده سوط مائة، فجلده مائة جلدة، فأقبل الغلام إلى سعد ودمه يسيل على عقبيه، فقال: مالك؟ فأخبره، فقال: اللهم اقتل عمر، وأسل دمه على عقبيه، قال: فمات الغلام، وقتل المختارُ عمرَ بن سعد" (^١).
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا، فيه أبو المنذر الكوفي وهو هشام الكلبي كما سبق (٢٢٨) تحقيقه، وليس الطفاوي الصدوق كما ذكر محقق الكتاب، مجابو الدعوة (٧٣) رقم (٣٧)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٥/ ٤٨)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٥/ ٣٥١) بسند المصنف.
[ ٢ / ٨٨٦ ]
المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل عبد الرحمن بن عوف -﵁-.
٧٧٦ - حدثني عبد الرحمن بن واقد، حدثنا ضمرة، عن سعد بن الحسن التميمي (^١) قال: "كان عبد الرحمن بن عوف (^٢) لا يعرف من بين عبيدة؛ يعني من التواضع في الزيّ" (^٣).
٧٧٧ - حدثنا حجاج بن يوسف (^٤) قال: حدثنا سهل بن حماد قال: حدثنا ثابت الأنصاري قال: حدثني الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف قال: "مرض عبد الرحمن بن عوف، فظننا أنه لِما به، فأُغمي
_________________
(١) هو أبو همام، ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٥٤)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٨٢)، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٢٨٣).
(٢) هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة القرشي الزهري، أحد العشرة أسلم قديما، وأحد الستة أصحاب الشورى، ومناقبه شهيرة، مات سنة (٣٢ هـ) وقيل غير ذلك، الإصابة (٤/ ٣٤٦)، التقريب (٣٩٧٣).
(٣) إسناده لين، والأثر صحيح لغيره؛ شيخ المصنف صدوق يغلط التقريب (٤٠٦٣)، لكن تابعه هارون بن معاوية عند أحمد وهو صدوق، التقريب (٧٢٩٠)، التواضع والخمول (١٦٩ - ١٧٠) رقم (١٤٤)، وعبد اللَّه في زياداته على الزهد (٣٦)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٥/ ٣٩٥)، وذكره الذهبي في السير (١/ ٨٩) وتاريخ الإسلام (١/ ٤٣٤)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٣٥٥).
(٤) هو ابن الشاعر الحافظ الأوحد المأمون، سبق (٤٥٧).
[ ٢ / ٨٨٧ ]
عليه، فخرجت أم كلثوم، فصرخت عليه، فلما أفاق قال: أُغمي عليّ؟ قلنا: نعم، قال: أتاني رجلان فقالا لي: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فأخذا بيدي، فانطلقا بي فلقيهما رجل فقال: أين تنطلقان بهذا؟ قالا: ننطلق به إلى العزيز الأمين، قال: لا تنطلقا به؛ إن هذا ممن سبقت له السعادة في بطن أمه" (^١).
_________________
(١) سبق (٤٥٧) في القضاء والقدر.
[ ٢ / ٨٨٨ ]
المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل طلحة -﵁-.
٧٧٨ - حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا سفيان، عن طلحة بن يحيى، عن عمته سعدى بنت عوف قالت: "دخل طلحة بن عبيد اللَّه (^١) على بعض أزواجه وهو حزين، فقالت له: ما الذي أحزنك؟ قال: اجتمع عندي مال، قالت: فأرسل إلى قومك فاقسمه بينهم، فسألت الخازن: كم قسم يومئذ؟ قال: أربعمائة ألف" (^٢).
٧٧٩ - قال الزبير بن أبي بكر -فيما أجاز لي-، حدثني أخي عبد الرحمن بن أبي بكر قال: حدثني عباس بن أبي بكر بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق قال: "سابق عمر بن عبد العزيز بالخيل
_________________
(١) هو طلحة بن عبيد اللَّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي، أبو محمد المدني، أحد العشرة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذي أسلموا على يد أبي بكر، وأحد الستة أصحاب الشورى، استشهد يوم الجمل، سنة (٣٦ هـ) وهو ابن ثلاث وستين، الإصابة (٣/ ٥٢٩)، التقريب (٣٠٢٧).
(٢) إسناده حسن، طلحة بن يحيى صدوق يخطئ التقريب (٣٠٥٣)، إصلاح المال (١٨٩) رقم (٩٥)، وانظر رقم (٩٥، ٩٤)، وأحمد في الزهد (١٤٥)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٢٤٤)، والطبراني في الكبير (١/ ١١٢) رقم (١٩٥)، وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٤٨): "رجاله ثقات"، وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٢٨)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٣٧٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥/ ١٠٠ - ١٠١).
[ ٢ / ٨٨٩ ]
بالمدينة، وكان فيها فرس لمحمد بن طلحة بن عبيد اللَّه، وفرس لإنسان جعديّ، فنظروا الخيل حين جاءت، فإذا فرس الجعديّ متقدّم، فجعل الجعدي يرتجز بأبعد صوته:
غاية المجد نُصِبَت يا من لها نحن حويناها وكنا أهلها
لو تُرسَلُ الطيرُ لجئنا قبلها
فلم ينشب أن لحقه فرس محمد بن طلحة وجاوزه، فجاء سابقا، فقال عمر بن عبد العزيز للجعدي: سبقك واللَّه ابن السبّاق إلى الخيرات" (^١).
٧٨٠ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، نا وكيع، عن موسى بن عبد اللَّه ابن إسحاق بن طلحة بن عبيد اللَّه قال: سمعت موسى بن طلحة (^٢) يقول لجدنا: "جرح طلحة -﵁- مع النبي -ﷺ- بضعا وعشرين جراحة" (^٣).
_________________
(١) عباس بن أبي بكر لم أعرفه وورد اختلاف في اسمه بين التمهيد وابن عساكر والمصنف، ذم البغي (٨٠) رقم (٢٧)، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (١/ ٣٤)، وابن عبد البر في التمهيد (١٤/ ٩٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٨/ ١٩٨).
(٢) هو موسى بن طلحة بن عبيد اللَّه التيمي، أبو عيسى أو أبو محمد المدني، نزيل الكوفة، ثقة جليل، ويقال إنه ولد في عهد النبي، مات سنة (١٠٣ هـ) على الصحيح، التقريب (٦٩٧٨).
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه موسى بن عبد اللَّه: مقبول التقريب (٧٠٣٠)، وقد روى له البخاري في الأدب المفرد وذكره ابن حبان في الثقات، ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم =
[ ٢ / ٨٩٠ ]
٧٨١ - حدثني المفضل بن عبيد اللَّه، نا سليمان بن أيوب بن سليمان ابن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبد اللَّه حدثني أبي، عن جدي، عن موسى بن طلحة قال: سمعت أختي أم إسحاق تقول: سمعت أبي طلحة بن عبيد اللَّه وهو يقول لأمي: "لقد جرحت يوم أحد في جميع جسدي حتى جرحت في ذكري" (^١).
_________________
(١) = جرحا ولا تعديلا (٨/ ١٥٠)؛ وذكر المزي في تهذيب الكمال (٧/ ٢٦٦) توثيق ابن حبان ورواية البخاري له في الأدب المفرد، مكارم الأخلاق (٣٧) رقم (١٦٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٢٢٤).
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه أيوب بن سليمان لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحا ولا تعديلا (٢/ ٢٤٨) وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب (٤/ ١٥٢): "أورد له ابن عدي أحاديث مناكير وقال: عامة أحاديثه لا يتابع عليها، ووثقه يعقوب بن شيبة، وذكره ابن حبان في الثقات"، مكارم الأخلاق (٣٧) رقم (١٦٥)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٣٧٩) وتعقبه الذهبي بقوله: "سنده واه"، وذكره الذهبي في السير (١/ ٣٩).
[ ٢ / ٨٩١ ]
المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل أبي عبيدة بن الجراح -﵁-.
٧٨٢ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح قال: "قال عمر لجلسائه: تمنَّوا، فتمنّى كل واحد منهم شيئًا، فقال عمر: أتمنّى بيتا مملوءا رجالا مثل أبي عبيدة" (^١).
_________________
(١) إسناده صحيح منقطع، فإن ابن أبي نجيح لم يلق أحدا من الصحابة كما في جامع التحصيل (٢١٨)، لكن الأثر حسن رواه البخاري من طريق عبد اللَّه بن يزيد المقرئ عن حيوة عن أبي صخر عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر، المتمنين (٣٨ - ٣٧) رقم (٣٩)، وأحمد في فضائل الصحابة (٢/ ٧٤٠) رقم (١٢٨٠)، والبخاري في الأوسط (المطبوع باسم الصغير) (١/ ٥٤)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٤١٣)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٦٢)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٠٢)، والذهبي في السير (١/ ١٤)، والمزي في تهذيب الكمال (٢/ ٧٥ - ٧٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٢٨٥) (٢٥/ ٤٧٤).
[ ٢ / ٨٩٢ ]
المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل الزبير -﵁-.
٧٨٣ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه، نا سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء، عن نافع: "أن الزبير بن العوام -﵁- لقي العدو في جيش فقالوا: يا أبا عبد اللَّه، احمل ونحمل معك، قال: لكأني بكم قد حملت وحملتم، فأقدمت وكذبتم، فأُخذت سلما، قالوا: كلا واللَّه لا يكون ذاك أبدا، لئن حملت لنحملنّ، ولئن أقدمت لنُقدمن، قال: فحمل الزبير وحملوا، فأقدم وكذبوا، قال: قال الزبير: فهاجت غبرة فما شعرت إلا وأنا بين علجين قد اكتنفاني، قد أخذا بعنان دابتي، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، قال نافع: فكيف ترى أبا عبد اللَّه صنع؟ وجدوه واللَّه غير طائش الفؤاد، أدخل السيف في العنان والعِذَار (^١) فقطعهما ثم بطن الفرس برجليه، قال: فنجا أبو عبد اللَّه وبقي اللجام في يد العلجين" (^٢).
٧٨٤ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، نا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: "قاتل الزبير بمكة وهو غلام رجلا فدقّ يده، وضربه ضربا شديدا، فمُرَّ بالرجل على صفيّة (^٣) وهو يحمل فقالت: ما شانه؟
_________________
(١) هو ما وقع على الخدين من اللجام، والعنان هو السير الذي يشد به، لسان العرب (٤/ ٥٤٥).
(٢) إسناده حسن، سعيد بن عامر ثقة صالح وقال أبو حاتم: ربما وهم، التقريب (٢٣٥١)، مكارم الأخلاق (٣٨) رقم (١٦٩).
(٣) هي صفية بنت عبد المطلب بن هاشم القرشية الهاشمية، عمة رسول اللَّه -ﷺ-، ووالدة =
[ ٢ / ٨٩٣ ]
قالوا: قاتل الزبير فقالت له:
كيف رأيت زبرا أَأَقِطًا حسبته أم تمرا
أم مُشْمَعِلًّا (^١) صقرا" (^٢).
٧٨٥ - حدثنا علي بن الجعد، نا ابن عيينة، عن أبي الزعراء، عن رجل أتى عليا -﵁- فقال: "دخل علينا اللصوص فما تركوا لنا شيئًا حتى نزعوا حجلي امرأتي، قال علي -﵁- وأنت تنظر؟ قال: نعم، قال: لكن ابن صفيّة ما كان اللصوص لينزعوا حجلي امرأته وهو ينظر؛ يعني ابن الزبير" (^٣).
٧٨٦ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، نا سفيان، عن قعنب (^٤) قال:
_________________
(١) = الزبير بن العوام، وشقيقة حمزة، هاجرت مع ولدها الزبير، عاشت إلى خلافة عمر، الإصابة (٧/ ٧٤٣).
(٢) قال ابن منظور: "الزَّبر بفتح الزاي وكسرها هو القوي الشديد، وهو مكبر الزُّبَيْر، تعني ابنها، أَي كيف وجدته كطعام يؤكل أَو كالصقر"، والمشمعل السريع، (٤/ ٣١٥) (١١/ ٣٧٢).
(٣) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق يخطئ كما سيأتي (٩٤٧)، مكارم الأخلاق (٣٧) رقم (١٦٧)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ١٠١)، وذكره الذهبي في السير (١/ ٤٥)، وابن حجر في الإصابة (١/ ٥٤٥) ونسبه لابن سعد.
(٤) إسناده صحيح إلى أبي الزعراء؛ وهو الأكبر عمرو بن عمرو وليس الأصغر عبد اللَّه ابن هانئ، كما حقق ذلك المزي في تهذيب الكمال (٤/ ٣١٠) وهو ثقة التقريب (٥١١٧)، مكارم الأخلاق (٣٧) رقم (١٦٧)، وذكره ابن منظور في لسان العرب (٣/ ٦٥) عند شرح الحجل وهو الخلخال.
(٥) هو قعنب التميمي الكوفي، أريد على القضاء فأبى، صدوق، الكاشف (٢/ ١٣٨)، التقريب (٥٥٥٩).
[ ٢ / ٨٩٤ ]
"بارز الزبير -﵁- رجلا على أكمة فتدهديا فعلاه الزبير فقتله فاستقبله النبي -ﷺ- فقبّل ما بين عينيه وقال: "فداك عم وخال" (^١).
٧٨٧ - حدثنا يوسف بن موسى، نا حجاج، أنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد: "أخبرني من رأَى الزبير وإن في صدره أمثال العيون من الطعن والرمي" (^٢).
٧٨٨ - حدثنا يوسف بن موسى، نا عبد اللَّه بن داود وأبو أسامة وأبو معاوية، عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "كان الزبير أول من سلّ سيفه في اللَّه -﷿-، نفخت نفخة من الشيطان أخذ رسول اللَّه -ﷺ- وكان رسول اللَّه -ﷺ- بأعلى مكة والزبير بأسفل مكة، فخرج الزبير يسبق الناس بسيفه فلقي النبي -ﷺ- فقال: "ما لك يا زبير؟ " قال: أخبرت أنك أُخذت، فصلى عليه رسول اللَّه -ﷺ- ودعا له ولسيفه" (^٣).
_________________
(١) إسناده صحيح، مكارم الأخلاق (٣٦) رقم (١٦٢)، والذهبي في السير بسنده (١٤/ ٤٣٠ - ٤٣١) عن قعنب عن رجل وقال: "غريب"، وذكره في السيرة الحلبية (٢/ ٧٣٩) وأن ذلك حصل في خيبر واستغرب ممن قال في بني قريظة.
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف التقريب (٤٧٦٨) وإبهام من حدثه، مكارم الأخلاق (٣٦) رقم (١٦٣)، وذكره الذهبي في السير (١/ ٥٢) عن حماد به.
(٣) إسناده حسن؛ شيخ المصنف هو القطان صدوق التقريب (٧٩٤٤)، مكارم الأخلاق (٣٦) رقم (١٦١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٣٧٧) رقم (٣٢١٦٦)، وعبد الرزاق في المصنف (٥/ ٢٩٠) رقم (٩٦٤٧)، (١١/ ٢٤١) رقم (٢٠٤٢٩) بإسناد صحيح، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٨٩)، وابن بكار بسنده كما في الاستيعاب (٢/ ٥١٢)، =
[ ٢ / ٨٩٥ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة فضائل بقية العشرة المبشرين بالجنة، وهم الخلفاء الأربعة الذين سبقوا في الفصل الأول، ثم هؤلاء الستة، وهم: سعيد ابن العاص، سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، طلحة بن عبيد اللَّه، والزبير بن العوام.
فسعيد بن العاص: كان جوادا أنفق على أعرابي أربعين ألفا، وبيته بيت جهاد، له ثمانية من الأولاد لم يمت أحد على فراشه، بل كلهم في ميادين الوغى، وكان جوادا ينفق الكثير، أنفق ثلاثين ألفا دون تردد مكافأة لمن مشى معه.
وسعد بن أبي وقاص: كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، واعتزل الفتنة بعد مقتل عثمان -﵁- لما هاجت، وكان مجاب الدعوة، دعا على من طعن في ولايته على الكوفة، وعلى إحدى بناته، وعلى امرأة كانت تطلع عليه، وعلى من نال من علي -﵁-، وعلى ابنه لما ظلم غلامه، كل ذلك يجيب اللَّه دعوته وكان مشهورا بذلك، قال عنه شيخ الإسلام: "اعتزل الفتنة، ولم يدخل في قتال أحد من المسلمين، وعاش بعدهم كلهم، وهو آخر العشرة موتا، واعتزل بالعقيق. . . كان مجاب الدعوة، وكان مسددا في زمنه، وهو الذي فتح
_________________
(١) = ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١/ ٣٥٠ - ٣٥١).
[ ٢ / ٨٩٦ ]
العراق وكسر جنود كسرى" (^١).
وعبد الرحمن بن عوف: لم يكن يعرف من بين عبيدة، لتواضعه في زيه، وسبقت له من اللَّه الحسنى.
وطلحة بن عبيد: كان يحزنه تجمع المال عنده، ويفرح بتقسيمه حتى إنه قسم في يوم أربعمائة ألف، وكان سباقا إلى الخيرات كما وصفه عمر بن عبد العزيز، له عدة جراحات في كل جسده من الجهاد في سبيل اللَّه، حتى إنه جرح في ذَكَرِه يوم أحد.
وأبو عبيدة بن الجراح: تمنى عمر -﵁- بيتا مملوءا رجالا من أمثاله.
والزبير بن العوام: كان مقبولا غير مدبر، مبارزا غيورا ليس ينكر، حتى وهو غلام يصارع الرجال، مدحه على ذلك غير واحد من الصحابة، منهم: أمّه صفية، وكذا علي بن أبي طالب، فداه النبي -ﷺ- بعمه وخالة، في صدره أمثال العيون من الطعنات والرمي، أول من سل سيفه في سبيل اللَّه لما أخبر أن رسول اللَّه -ﷺ- أُخِذ وهم في مكة مستضعفين.
_________________
(١) منهاج السنة (٦/ ٣٣٦).
[ ٢ / ٨٩٧ ]
الفصل الثالث: الآثار الواردة في فضائل بعض أهل البيت ﵃.
وفيه ثمانية مباحث:
المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل العباس -﵁-
المبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل الحسن بن علي -﵁-.
المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل الحسين بن علي -﵁-.
المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن جعفر -﵁-.
المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن عباس -﵁-.
المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل عبيد اللَّه بن العباس -﵁-.
المبحث السابع: الآثار الواردة في فضائل عائشة ﵂.
المبحث الثامن: الآثار الواردة في فضائل زينب بنت جحش ﵂.
[ ٢ / ٨٩٨ ]
المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل العباس -﵁-.
٧٨٩ - حدثنا محمد بن جعفر، نا أيوب بن جابر، عن صدقة بن سعيد، عن مصعب بن أبي شيبة، عن أبيه (^١) قال: "التقى المسلمون يوم حنين فقتل من قتل، ثم أقبل عمر -﵁- آخذا باللِّجَام، والعباس آخذ باللِّبْدِ (^٢) فينادي العباس: أين المهاجرون؟ أين أصحاب البقرة؟ بصوت عالٍ، هذا رسول اللَّه، فأقبل الناس ورسول اللَّه -ﷺ- يقول: "قَدِّمَاهَا،
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
فأقبل المسلمون فاصطكّوا بالسيوف فقال النبي -ﷺ-: "الآن حمي الوطيس (^٣) " (^٤).
_________________
(١) لم أعرفه، ولعله ثابت بن عبد اللَّه بن الزبير أبو مصعب واللَّه أعلم.
(٢) هو ما تحت السرج، القاموس المحيط (١/ ٤٠٤).
(٣) الوطيس هو التنور، مختار الصحاح (٧٤٠).
(٤) إسناده ضعيف والأثر صحيح، فيه أيوب بن جابر وهو السحيمي ضعيف التقريب (٦١٢)، وشيخه صدقة مقبول، التقريب (٢٩٢٨)، مكارم الأخلاق (٣٥) رقم (١٥٧)، وقوام السنة في دلائل النبوة (١/ ٤٩٥) رقم (٢٨)، ونحوه الروياني في المسند (١/ ٢١١) رقم (٢٨٨)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٥١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٢٧٣) رقم (٣٥٦) بإسناد صحيح، هذا بالنسبة لتسميتهم بأصحاب سورة البقرة وإلا فخبر العباس ثابت من غير وجه في صحيح مسلم (١٢/ ١١٥ - ١١٨) وفي غيره.
[ ٢ / ٨٩٩ ]
المبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل الحسن بن علي -﵁-.
٧٩٠ - حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا كامل أبو العلى قال: سمعت أبا صالح، عن أبي هريرة: "أنه صلى مع النبي -ﷺ- العشاء، فأخذ الحسن والحسين يركبان على ظهره، فلما جلس وضع واحدا على فخذه، والآخر على فخذه الأخرى، قال: فقمت إليه فقلت: ألا أبلغهما أهلهما؟ فبرقت برقة، فلم يزالا في ضوئها حتى دخلا" (^١).
٧٩١ - حدثني يوسف بن موسى قال: حدثني سلمة بن حيان الرازي (^٢) قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه قال: "لما أن حضر الحسن ابن علي الموت، بكى بكاء شديدا، فقال له الحسين: ما يبكيك يا أخي وإنما تقدم على رسول اللَّه -ﷺ- وعلى عليّ وفاطمة وخديجة وهم ولدوك،
_________________
(١) إسناده حسن، كامل أبو العلى صدوق يخطئ التقريب (٥٦٣٩)، وتابعه الأعمش عند البزار برقم (٢٦٣٠) وقال: "لا نعرف رواه عن الأعمش. . . إلا موسى، وإنما يعرف من حديث كامل عن أبي صالح"، العيال (١/ ٣٨٥) رقم (٢٢٠)، وأحمد في المسند (١٦/ ٣٨٦) رقم (١٠٦٥٩)، وفضائل الصحابة (٢/ ٧٨٥) رقم (١٤٠١)، والحاكم في المستدرك (٣/ ١٦٧) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والطبراني في الكبير (٣/ ٥١) رقم (٢٦٥٩) وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٨١): "رواه أحمد والبزار باختصار وقال: (في ليلة مظلمة) ورجال أحمد ثقات"، والعقيلى في الضعفاء (٤/ ٨)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٨١)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٧١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٣/ ٢١٣).
(٢) في تاريخ دمشق من طريق المصنف: "مسلم بن أبي حية".
[ ٢ / ٩٠٠ ]
وقد أجرى اللَّه لك على لسان نبيّه أنك: "سيّد شباب أهل الجنة"، وقاسمت اللَّه مالك ثلاث مرات، ومشيت إلى بيت اللَّه على قدميك خمس عشرة مرة حاجا، وإنما أراد أن يطيّب نفسه، قال: فواللَّه ما زاده إلا بكاء وانتحابا وقال: يا أخي، إني أقدم على أمر عظيم وهول لم أقدم على مثله" (^١).
٧٩٢ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا سفيان، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن حكيم بن جابر، أن مولاة لهم أخبرته: "أنها رأت الحسن بن علي -﵁- أخذ المناديل بعدما توضأ، فتنشّف بها، قالت: فكأني مقتّه، فلما كان من الليل نمت، فرأيت كانونا (^٢) في كبدي، قال سفيان: بمقت ابن رسول اللَّه -ﷺ- لاقى كبدها" (^٣).
٧٩٣ - حدثني أبو عبد اللَّه العجلي، أنا يونس بن بكير، نا ابن إسحاق، حدثني والدي إسحاق بن يسار، أخبرني شيخ من بني سعد بن بكر قال: "قدم عليّ ابن عم لي من أهل البادية فقال: إن ابن أخ لي أصاب دما عمدا، فطلبت إلى أهل الدم أن يقبلوا مني العقل ففعلوا،
_________________
(١) فيه سلمة بن حيان لم أجد له ترجمة، وفي شيوخ يوسف بن موسى حكام بن سلم الرازي فلا أدري هل هو تصحيف منه؟، المحتضرين (١٧٣ - ١٧٤) رقم (٢٤٢)، وابن معين في تاريخه (٣/ ٥٠٦)، وعنه المزي في تهذيب الكمال (٢/ ١٥١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧).
(٢) في المطبوع: "كانوا".
(٣) فيه إبهام صاحبة القصة، وباقي رجاله ثقات، العقوبات (٦٢ - ٦٣) رقم (٨٢).
[ ٢ / ٩٠١ ]
فاسلمتني عشيرتي وأبوا أن يحملوا معي وقالوا: نحمل الخطأ فأما العمد فلا، فقد قدمت التمس المعونة من هذا الحيّ من قريش، فأمرت لي بخزيرة (^١) فصنعت فغديناه منها، ثم قلت له: انطلق بنا إلى خير القوم وسيّدهم ابن بنت رسول اللَّه -ﷺ- الحسين بن علي -﵁-، فخرجنا نلتمسه في بيته فلم نجده، فخرجنا فلقيناه بالبلاط فقلت: عندك الرجل، فاستوقفناه فوقف واستند إلى الجدار فقلت: يا ابن بنت رسول اللَّه، إن ابن أخ لي أصاب دما -فقصّ قصّته- وقدمت أستعين هذا الحيّ من قريش على ديته فرأيت أن أبدأ بك، فقال: واللَّه الذي نفس حسين بيده، ما أصبح في بيتي دينار ولا درهم وما غدوت إلى السوق إلا لألتمس العينة في بعض نفقاتنا وما لا بدّ منه، ولكني أراك رجلا جلدا وقد حان وقت حصاد مالي بذي المروة (^٢) عَينِ يُحَنَّسَ (^٣) فاخرج إليها فقم عليها بعمّاله ثم احصده ودقَّ وبع فإنها مودّية عنك، ولا تسأل أحدا شيئًا، فقال: أفعل، بأمي أنت وأمي، وكتب إلى قيّمه: انظر فلان بن فلان فخلِّ بينه وبين حصاد أرضك فإني قد أعطيته إياه، فخرج فحصدها فباع منها بعشرين
_________________
(١) الخزيرة لحم يُقّطع صغارا على ماء كثير، فإذا نضج ذُر عليه الدقيق، مختار الصحاح (٢٦٧).
(٢) ذو المروة من أعمال المدينة، قرى واسعة، وهي لجهينة، بينها وبين المدينة ثمانية برد، معجم ما استعجم (١٢١٨).
(٣) هي عين يحنس كانت للحسين بن علي بن أبي طالب -﵁-، استنبطها له غلام يقال له يحنس، معجم البلدان (٤/ ١٨٠).
[ ٢ / ٩٠٢ ]
ألف درهم فأدّى اثني عشر ألفا واستفضل ثمانية آلاف"، فقال (^١) المقنّع مقنع الأنصار يبكي حسينا حين قتل:
كان إذا شّبّ له ناره يرفعها بالسنَد الماثل
كيما يراها قابسٌ مرملٌ أو فردُ قومٍ ليس بالآهل
مفارغُ الشِّيزَى على بابه مثل حياض النَّعَمِ النَّاهِل
لا تَستَرِي شَفرًا على مثله في الناس من حافٍ ولا ناعلٍ
ابن النبي المرسل المصطفى وابن ابن عمِّ المصطفى الفاضل (^٢)
٧٩٤ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، نا يحيى بن يعلى، عن يونس بن خبّاب، عن مجاهد قال: "جاء رجل إلى الحسن والحسين ﵄ فسألهما فقالا: إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: حاجة مجحفة، أو حمالة مثقلة، أو دين فادح، وأعطياه، ثم أتى ابن عمر -﵁- فأعطاه ولم يسأله عن شيء، فقال: أتيت ابني عمّك وهما أصغر سنّا منك، فسألاني وقالا لي، وأنت لم تسألني عن شيء، فقال: ابنا رسول اللَّه -ﷺ- إنهما كانا يُغَرَّانِ بالعلم غَرًّا" (^٣).
_________________
(١) وضع له المحقق رقما كأنه أثر جديد؟ .
(٢) إسناده ضعيف لجهالة الشيخ المبهم، مكارم الأخلاق (١٢٠ - ١٢١) رقم (٤٥١).
(٣) إسناده ضعيف، فيه يونس بن خباب الكوفي صدوق يخطئ ورمي بالرفض التقريب (٧٩٦٠)، كذا قال في التقريب والظاهر أن حاله أسوأ؛ إذ بالرجوع لترجمته نجد كلاما شديدا لأهل العلم فيه كالبخاري وابن معين وغيرهما، مكارم الأخلاق (١٢١ - ١٢٢) رقم (٤٥٣).
[ ٢ / ٩٠٣ ]
٧٩٥ - وقال أبو حفص الصيرفي، حدثني ابن زائدة البندار، حدثني محمد بن علي، عن شيخ من قريش قال: "بينا أبان بن عثمان وعبد اللَّه بن الزبير جالسان؛ إذ وقف عليهما أعرابي فسألهما فلم يعطياه شيئا، وقالا: اذهب إلى ذينك الفتيين، وأشارا إلى الحسن والحسين ﵄ وهما جالسان، فجاء الأعرابي حتى وقف عليهما فسألهما، فقالا: إن كنت تسأل في دم موجع، أو فقر مدقع، أو أمر مفظع، فقد وجب حقّك، فقال: أسأل وأخذني الثلاث، فأعطاه كل واحد منهما خمس مائة خمس مائة، فانصرف الأعرابي فمرّ على ابن الزبير وأبان وهما جالسان فقالا: ما أعطاك الفتيان؟ فأنشأ الأعرابي يقول:
أعطياني وأقنياني جميعا إذ تواكلتما فلم تعطياني
جعل اللَّه من وجوهكما نعلين سِبتا يطاهما الفتيان
حسن والحسين خير بني حواء صيغا من الأغرِّ الهِجان
فدعا سُنَّةَ المكارم والمجد فما منكما لها من مداني (^١)
٧٩٦ - حدثني محمد بن الحسين، نا سليمان بن حرب، نا أبو هلال الراشي، عن حميد بن هلال (^٢) قال: "تفاخر رجلان من قريش، رجل من
_________________
(١) إسناده ضعيف فيه جهالة المبهم، مكارم الأخلاق (١٢٢) رقم (٤٥٤).
(٢) هو حميد بن هلال العدوي، أبو نصر البصري، ثقة عالم، من صالحي أهل البصرة، ما كانوا يفضلون عليه أحدا في العلم، مات في أيام خالد بن عبد اللَّه، توقف فيه ابن سيرين لدخوله في عمل السلطان، الكاشف (١/ ٣٥٤)، مشاهير علماء الأمصار =
[ ٢ / ٩٠٤ ]
بني هاشم ورجل من بني أمية، فقال هذا: قومي أسخى من قومك، وقال هذا: قومي أسخى من قومك، قال: سل في قومك حتى أسأل في قومي، فافترقا على ذلك، فسأل الأموي عشرة من قومه فأعطوه مائة ألف، عشرة آلاف عشرة آلاف، قال: وجاء الهاشمي إلى عبيد اللَّه بن العباس فسأله فأعطاه مائة ألف، ثم أتى الحسن بن علي رضوان اللَّه عليهما فسأله فقال له: هل أتيت أحدا من قومي؟ قال: نعم، عبيد اللَّه بن العباس فأعطاني مائة ألف، فأعطاه الحسن بن علي مائة ألف وثلاثين ألفا، ثم أتى الحسين بن علي رضوان اللَّه عليهما فسأله، فقال: هل سألت أحدا قبل أن تأتيني؟ قال: نعم، أخاك الحسن بن علي فأعطاني مائة ألف وثلاثين ألفا، قال: لو أتيتني قبل أن تأتيه أعطيتك أكثر، ولكن لم أكن لأزيد على سيّدي، فأعطاه مائة ألف وثلاثين ألفا، قال: فجاء الأموي بمائة ألف من عشرة، وجاء الهاشمي بثلاثمائة ألف وستين ألفا من ثلاثة، فقال الأموي: سألت عشرة من قومى فأعطوني مائة ألف وقال الهاشمي: سألت ثلاثة من قومي فأعطوني ثلاثمائة وستين ألفا، ففخر الهاشمي الأموي، قال: فرجع الأموي إلى قومه فأخبرهم الخبر وردّ عليهم المال فقبلوه، ورجع الهاشمي إلى قومه فأخبرهم الخبر وردّ عليهم المال فأبوا أن يقبلوه وقالوا: لم نكن لنأخذ شيئًا قد أعطيناه" (^١).
_________________
(١) = (٩٣)، التقريب (١٥٦٣).
(٢) إسناده حسن، شيخ المصنف في درجة الصدوق كما سبق (١٥١)، مكارم الأخلاق =
[ ٢ / ٩٠٥ ]
٧٩٧ - حدثني محمد، نا داود بن المحبر، نا سوادة بن أبي الأسود، عن أبيه (^١) قال: "دخل على الحسن بن علي -﵁- نفر من أهل الكوفة، وهو يأكل طعاما، فسلّموا عليه وقعدوا، فقال لهم الحسن: الطعام أيسر من أن يقسم عليه الناس، فإذا دخلتم على رجل منزله، فقرّب طعامه، فكلوا من طعامه، ولا تنتظروا أن يقول لكم: هلمّوا؛ فإنما يوضع الطعام ليؤكل، قال: فتقدّم القوم فأكلوا ثم سألوه حاجتهم فقضاها لهم" (^٢).
_________________
(١) = (١١٥ - ١١٦) رقم (٤٤٢)، ومن طريقه ابن الجوزي في المنتظم (٢/ ٢١٥).
(٢) هو مسلم بن مخراق المبدي القُرِّي البصري، يكنى أبا الأسود، ويقال أبو الأسود آخر غيره، صدوق مات بعد المائة، التقريب (٦٦٤٣).
(٣) إسناده ضعيف جدا، فيه داود بن المحبر وسيأتي (٨٠٨)، مكارم الأخلاق (١١٠) رقم (٤٣١).
[ ٢ / ٩٠٦ ]
المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل الحسين بن علي -﵁-.
٧٩٨ - حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن هانئ أبو عبد الرحمن النحوي، حدثنا مطرف بن سليمان، حدثنا علي بن زيد بن جدعان قال: "استيقظ ابن عباس من نومه فاسترجع، وقال: قتل الحسين واللَّه، فقال أصحابه حلًا (كذا) يا ابن عباس، قال: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- ومعه زجاجة من دم فقال: لا يعلم ما صنعت أمتي من بعدي قتلوا ابني الحسين، وهذا دمه ودماء أصحابه، أرفعها إلى اللَّه -﷿-، قال: فكتب ذلك اليوم الذي قال فيه، وتلك الساعة، فلما لبثوا إلا أربعة وعشرين يوما، حتى جاءهم خبر بالمدينة إنه قتل ذلك اليوم، وتلك الساعة" (^١).
٧٩٩ - حدثنا علي بن الجعد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن مسعر قال: "مَرَّ الحسين بن عليٍّ على مساكين وقد بسطوا كساء وبين أيديهم كسرا، فقالوا: هلم يا أبا عبد اللَّه، فحوَّل وركه وقرأ: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ (^٢)، فأكل معهم، ثم قال: قد أجبتكم فأجيبوني، فقال للرَّباب -يعني امرأته- أخرجي ما كنت تدّخرين" (^٣).
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ فيه ابن جدعان وقد سبق (٦٤٤)، والأثر صحيح بما بعده، المنامات (٧٥) رقم (١٢٩)، والذي بعده، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤/ ٢٣٧)، وانظر مستدرك الحاكم (٤/ ٣٩٨)، ومسند الإمام أحمد (٤/ ٥٩ - ٦٠).
(٢) سورة النحل، آية (٢٣).
(٣) إسناده معضل؛ فإن مسعر وهو ابن كدام ثقة فاضل من السابعة التقريب (٦٦٤٩)، =
[ ٢ / ٩٠٧ ]
٨٠٠ - أخبرني العباس بن هشام بن محمد الكوفي، عن أبيه، عن جده قال: "كان رجل من بني أبان بن دارم يقال له: زرعة، شهد قتل الحسين، فرمى الحسين بسهم، فأصاب حنكه، فجعل يتلقّى الدم، ثم يقول: هكذا إلى السماء، فترمى به، وذلك أن الحسين دعى بماء ليشرب، فلما رماه حال بينه وبين الماء، فقال: اللهم ظمِّئه، قال: فحدثني من شهده وهو يموت، وهو يصيح من الحرِّ في بطنه، وهو يقول: اسقوني أهلكني العطش، فيؤتى بعسٍّ (^١) عظيم فيه السويق أو الماء أو اللبن، لو شربه خمسة لكفاهم، قال: فيشربه ثم يعود، فيقول: اسقوني أهلكني العطش، قال: فانقدَّ (^٢) بطنه كانقداد البعير" (^٣).
٨٠١ - حدثني أبو عبد اللَّه التيمي قال: حدثنا علي بن عبد الحميد
_________________
(١) = التواضع والخمول (١٤٢) رقم (١١٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤/ ١٨١) بسند ضعيف جدا، فيه يزيد بن عياض بن جعدبة كذبه مالك وغيره (٧٩١٣).
(٢) هي الآنية الكبيرة، تاج العروس (١/ ٤٠٢٢).
(٣) انشق بطنه، انظر لسان العرب (١٤/ ٢٥٤).
(٤) إسناده ضعيف جدا، وعلق الذهبي بقوله: "الكلبي رافضي متهم" العباس وأبوه وجده جميعهم ضعفاء وبعضهم أشد من بعض، وانظر الكلام على العباس في لسان الميزان (٦/ ١٩٦)، مجابو الدعوة (٩٢) رقم (٥٨)، وانظر الذي بعده رقم (٥٩) وفيه جهالة جدة سفيان لأبيه، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤/ ٢٢٣)، وكذا ابن أبي جرادة في بغية الطلب (٦/ ٢٦٢٠)، وذكره عن المصنف المزي في تهذيب الكمال (٢/ ١٩١ - ١٩٢).
[ ٢ / ٩٠٨ ]
الشيباني، عن أبي يزيد الفقيمي (^١) قال: "كان الجصاصون إذا خرجوا في السحر سمعوا نوح الجنّ على الحسين:
مسح الرسول جبينه فله بريق في الخدود
أبواه في عليا قريش جدّه خير الجدود
قال: فأجبتهم:
خرجوا وفدا إليه فهم شرّ الوفود
قتلوا ابني نبيّ سكنوا نار الخلود (^٢)
٨٠٢ - حدثني محمد بن صالح القرشي، حدثني أبو اليقظان، حدثني
_________________
(١) لم أجد له ترجمة.
(٢) في إسناده علي بن عبد الحميد الشيباني وهو جار لقبيصة بالكوفة لا يكاد يعرف وقال ابن أبي حاتم: "مجهول"، الجرح وتعديل (٦/ ١٩٥)، ميزان الاعتدال (٣/ ١٤٣)، واستدراك الحافظ عليه في لسان الميزان (٤/ ٢٤١)، الإشراف (٢٩٥) رقم (٤٠٩)، والهواتف من طريق آخر مختصرا رقم (١١٥)، والطبراني في الكبير من طريقين (٣/ ١٢١ - ١٢٢) رقم (٢٨٦٥ - ٢٨٦٦)، والذهبي في السير (٣/ ٣١٦ - ٣١٧)، والقزويني في التدوين في أخبار قزوين (١/ ٢٥٩ - ٢٦٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤/ ٢٤٢)، والحلبي في بغية الطلب في تاريخ حلب (٦/ ٢٦٥١ - ٢٦٥٢)، ونسبه السيوطي في تاريخ الخلفاء (٢٠٨) إلى ثعلب في أماليه وقال الهيثمي في المجمع: "رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه، وأبو الجناب مدلس"، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٢٠٠)، والبلخي في البدء والتاريخ (٢/ ٢٤٢) وعلق تعليقا جميلا فقال: "واعلم أن للروافض في هذه القصة من الزيادات والتهاويل شيئًا غير قليل"، وهو في آكام المرجان عن المصنف.
[ ٢ / ٩٠٩ ]
جويرية بن أسماء، عن إسماعيل بن يسار قال: "لقي الفرزدق حسينا -﵁- بالصِّفاح (^١) فأمر له الحسين بأربعة مائة دينار، فقيل: يا أبا عبد اللَّه، أعطيت شاعرا مبتهرا أربعمائة دينار؟ فقال: إن من خير مالك ما وقيت به عرضك" (^٢).
٨٠٣ - قال أبو عبد اللَّه العجلي، نا يونس بن بكير، نا محمد بن إسحاق، حدثني سلمة بن عبد اللَّه بن عمر بن أبي سلمة، حدثني ظئر كان لنا قال: "قدمت بأباعر لي -عشرين أو ثلاثين بعيرا- ذا المروة أريد المِيرَة (^٣) من التمر، فقيل لي إن عمرو بن عثمان في ماله والحسين بن علي في ماله، قال: فجئت عمرو بن عثمان فأمر لي ببعيرين أن يحمل لي عليهما، فقال لي قائل: ويلك، ايت الحسين بن علي، فجئته ولم أكن أعرفه، فإذا رجل جالس بالأرض، حوله عبيده بين يديه جفنة عظيمة، فيها خبز غليظ ولحم، وهو يأكل وهم يأكلون معه، فسلمت فقلت:
_________________
(١) قال ياقوت في معجم البلدان (٣/ ٤١٢): "الصفاح: موضع بين حنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكة من مُشاش، وهناك لقى الفرزدق الحسين بن علي -﵁- لما عزم على قصد العراق".
(٢) إسناده ضعيف فيه أبو اليقظان وقد تقدم (٢٥٧)، مكارم الأخلاق (١١٠) رقم (٤٣٢)، وانظر مداراة الناس (١١٣) رقم (١٣٩) ففيه أن المعاتب أخوه الحسن ﵄، وسنده منقطع.
(٣) الميرة الطعام يمتاره الإنسان بمعنى يجلبه، القاموس المحيط (١/ ٦١٥)، مختار الصحاح (٦٤٢).
[ ٢ / ٩١٠ ]
واللَّه، ما أرى أن يعطيني هذا شيئا، فقال: هلمّ فكل، فأكلت معه، ثم قام إلى ربيع الماء -مجراه- فجعل يشرب بيديه ثم غسلهما وقال: ما حاجتك؟ فقلت: أمتع اللَّه بك، قدمت بأباعر أريدة الميرة من هذه القرية فذُكرت لي فأتيتك لتعطيني مما أعطاك اللَّه، قال: اذهب فأتني بأباعرك، فجئت بها، فقال: دونك هذا المربد فأوقرها من هذا التمر، فأوقرتها واللَّه ما حملت ثم انطلقت فقلت: بأبي هو وأمي، هذا واللَّه الكرم" (^١).
_________________
(١) إسناده ضعيف فيه جهالة المبهم ظئر سلمة، مكارم الأخلاق (١١٠ - ١١١) رقم (٤٣٣).
[ ٢ / ٩١١ ]
المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن جعفر -﵁-.
٨٠٤ - حدثني الحسن بن عبد العزيز الجروي، حدثنا أبو مسهر، حدثني إسماعيل بن معاوية قال: سمعت يونس بن حلبس يقول: "بلغ معاوية أن عبد اللَّه بن جعفر دخله حفف -والحفف: الشدة والجهد- من بذله وإعطائه، فكتب إليه يأمره بالقصد، ويرغبه فيه، وينهاه عن السرف ويعيبه عليه، وكتب إليه ببيتين من شعر:
لمال المرء يصلحه فيغني مفاقره أعف من القنوع
يسدّ به نوائب تعتريه من الأيام كالنهل الشروع
قال: فكتب إليه عبد اللَّه بن جعفر رحمه اللَّه تعالى:
سلي الطارق المعترَّ يا أم خالد إذا ما رأيني بين ناري ومجزري
أبذل وجهي إنه أول القرى وأبذل معروفي لهم دون منكري
وقد أشتري عرضى بمالي وما عسى أخوك إذا ما ضيّع العرض فيشتري
يؤدي إليّ الليل فتيان ماجد كريم ومالي سارح مال مقتري
قال: فأعجب معاوية بما كتب إليه وأمر له بأربعين ألف دينار عونا له على دينه" (^١).
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ فإن إسماعيل بن معاوية الظاهر أنه هو ابن أبي عبيد اللَّه الأشعري، قال عنه ابن معين: ليس بشيء كان يشرب الخمر، انظر لسان الميزان (١/ ٤٢٠)، قرى الضيف (٢٢) رقم (١٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٧/ ٢٩٣)، وذكر البيتين الأولين الخطابي في غريب الحديث (٢/ ٥١) غير منسوبة لأحد بألفاظ مختلفة =
[ ٢ / ٩١٢ ]
٨٠٥ - حدثني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن قريب الباهلي، حدثني عمي، حدثنا خلف الأحمر قاله: قال الشماخ بن ضرار (^١) لعبد اللَّه بن جعفر:
إنك يا ابن جعفر نعم الفتى ونعم مأوى طارق إذا أتى
وربّ ضيف طرق الحيّ سُرى صادف زادا وحديثا ما اشتهى
إن الحديث جانب من القرى
قال خلف: ومن سنة الأعراب إذا حادثوا الغريب ونهموا إليه، وفاكهوه أيقن بالقرى، وإذا أعرضوا عنه أيقن بالحرمان، فمن ثمّ قيل: إن الحديث جانب من القرى" (^٢).
_________________
(١) = قليلا، ونسبها لحاتم الطائي ابن عساكر في تاريخ ابن عساكر (١١/ ٣٧٤) وابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢١٥)، وانظر الحماسة لأبي تمام (٦٨٦)، وبهجة المجالس لابن عبد البر (١/ ٢٩٨).
(٢) هو شماخ بن ضرار بن حرملة بن سنان بن أمامة الغطفاني، يكنى أبا سعيد وأبا كثير، كان شاعرا مشهورا، أدرك الجاهلية والإسلام، الإصابة (٣/ ٣٥٣ - ٣٥٤).
(٣) إسناده حسن، شيخ المصنف ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٣٨١) وهو يروي عن عمة الأصمعي، وخلف الأحمر شاعر مشهور انظر الفهرست (١/ ٧٤)، قرى الضيف (٢٢ - ٢٣) رقم (١٤)، وأبو عبد الرحمن السلمي في آداب الصحبة رقم (٢٠٢)، والمزي في تهذيب الكمال (٤/ ١٠٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٧/ ٢٩٠ - ٢٩١)، وعن المصنف ابن حجر في الإصابة (٢/ ٢٩٠)، وانظر الحماسة لأبي تمام (٢/ ٣٣٥، ٣٥٢)، وبهجة المجالس (١/ ٢٩٨).
[ ٢ / ٩١٣ ]
٨٠٦ - حدثني محمد بن صالح القرشي، حدثني أبو اليقظان، عن جويرية قال: "جاء نصيب الشاعر أبو محجن إلى عبد اللَّه بن جعفر فحمله وأعطاه وكساه فقال قائل له: يا أبا جعفر، اعطيت هذا الحبشي هذه العطايا؟ قال: وما ذاك؟ إنما هي رواحل تنضى، وثياب تبلى، وثناء يبقى" (^١).
٨٠٧ - حدثني محمد بن الحسين، نا كثير بن هشام، نا عيسى بن إبراهيم القرشي، حدثني رجل من أهل البصرة قال: "قدمت المدينة فنزلت على معاوية بن عبد اللَّه بن جعفر فسألته عما كان يصنع أبوه من أخلاقه، فقال: كان قد جُبل على شيء لا يقدر عليه غيره، قال: فأتاه أعرابي يسأله فقال: تمنَّ عليَّ واجتهد في الأمانيّ، فقال: بَكرًا يحمل رحلى إلى أهلي، وحلّة ألبسها يوم قدومي على الحيّ، وبردة أمتهنها في سفري، ونفقة تبلِّغني إليهم، بهال: لقد قصَّرت بك نفسك فهلَّا سألتني ما أملك فأُخرج لك عينه، قال: فأمر له بمائة حلّة، ومائة ناقة، ومائة ألف درهم، فقال الأعرابي: أما الأحجار فلا حاجة لي بها، وأما الحلل فواحدة من ذلك تكفيني، وأما الإبل فأسوقها واللَّه إلى أهلي، قال: فساق الإبل، وترك
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه أبو اليقظان وقد تقدم (٢٠٩)، مكارم الأخلاق (١٢٨) رقم (٤٦٥)، والأصفهاني في الأغاني (١/ ١٣٢) من طريق شيخ المصنف به وفيه زيادة: "واللَّه لئن كان أسود إن ثناءه لأبيض، وإن شعره لعربي، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال مني"، وأورده الجاحظ في البيان والتبيين (١/ ٢٦١)، وفي صبح الأعشى (١٤/ ١٩٨).
[ ٢ / ٩١٤ ]
المال والحلل، فأمر به عبد اللَّه فقُسم على فقراء أهل المدينة" (^١).
٨٠٨ - حدثني محمد بن الحسين، نا داود بن محبر، عن سوادة بن أبي الأسود، عن شهر بن حوشب (^٢): "أن رجلا عطبت راحلته فأتى أمير المدينة فسأله فلم يحمله، فقيل له: ايت أبا جعفر فأتاه فقال:
أبا جعفر إن الحجيج ترحّلوا وليس لرحلي فاعلمنّ بعير
أبا جعفر، من أهل بيت نبوّة صِلاتهم للمسلمين طهور
أبا جعفر، ضنَّ الأمير بماله وأنت على ما في يديك أمير
فأمر له براحلة ونفقة وكسوة سابغة" (^٣).
٨٠٩ - حدثني محمد بن الحسين، نا الحميدي قال: سمعت القداح (^٤) يذكر: "أن رجلا عرض لعبد اللَّه وقد خرج من باب بني شيبة فقال: يا ابن الطيّار في الجنة، صلني بنفقة أتبلّغ بها إلى أهلي، كرّم اللَّه وجهك، قال: فرمى إليه برمّانة من ذهب كانت في يده فوزنها فإذا فيها ثلاثمائة مثقال" (^٥).
_________________
(١) إسناده ضعيف لجهالة المبهم، مكارم الأخلاق (١٢٢ - ١٢٣) رقم (٤٥٥).
(٢) هو شهر بن حوشب الأشعري الشامي مولى أسماء بنت يزيد بن السكن صدوق كثير الإرسال والأوهام من الثالثة مات سنة اثنى عشرة، التقريب (٢٨٣٠).
(٣) إسناده ضعيف جدا، فيه داود بن المحبر متروك وأكثر كتاب العقل الذي صنفه موضوعات التقريب (١٨٢٠)، مكارم الأخلاق (١٠٧ - ١٠٨) رقم (٤٢٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٧/ ٢٧٠) وفيه تتمة للأبيات، وأورده الذهبي في السير (٣/ ٤٥٩)، والأصفهاني في الأغاني (١١/ ٦٥).
(٤) انظر التخريج الآتي.
(٥) إسناده حسن إن كان القداح هو سعيد بن سالم المكي أبو عثمان وهو صدوق يهم =
[ ٢ / ٩١٥ ]
٨١٠ - حدثني محمد بن الحسين، نا الصلت بن حكيم، نا خالد بن نافع الأشعري، عن علي بن عبيد اللَّه الغطفاني قال: سمعت الشعبي قال: "كان لعبد اللَّه بن جعفر على رجل من أهل المدينة خمسون ألفا فاستعان عليه بعبيد اللَّه بن عباس في ذلك فقال: قد حططت عنه شطرها، وأخّرته بالشطر الآخر إلى ميسورة، قال: فجزّاه عبيد اللَّه وانصرف، فأتبعه ابن جعفر رسولا: إني قد طيّبت له النصف الآخر" (^١).
٨١١ - حدثني محمد بن الحسين، نا داود بن المحبّر قال: سمعت أبي يذكر عن شهر بن حوشب: "أن رجلا أتى عبد اللَّه بن جعفر فسأله وبين يديه جارية تعاطيه بعض حوائجه فقال عبد اللَّه للسائل: خذ بيدها فهى لك، فقالت له الجارية: أَمتَّني يا سيّدي، قال: ويحك وكيف ذاك؟ قالت: وهبتني لرجل بلغت به الحاجة إلى المسألة، فقال له عبد اللَّه بن جعفر: بعنيها إن شئت، فقال له الرجل: خذها -أصلحك اللَّه- بما أحببت، قال: إنما اشتريتها بمائة دينار فلك مائتا دينار، قال: فهي لك -أصلحك اللَّه-، قال فأعطاه عبد اللَّه مائتي دينار وقال: إذا نفدت فعدّ إليّ، قالت له
_________________
(١) = ورمي بالإرجاء وكان فقيها، التقريب (٢٣٢٨)، وهو منقطع، انظر حلية الأولياء (٩/ ٩٣) فيه إشارة إلى أنه من أقران الحميدي وكلاهما مكي، مكارم الأخلاق (١٠٨) رقم (٤٢٦).
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه خالد بن نافع الأشعري ضعيف انظر الجرح والتعديل (٣/ ٣٥٥)، ميزان الاعتدال (١/ ٦٤٤)، مكارم الأخلاق (١٠٩) رقم (٤٢٧)، ورقم (٤٥٦) وفيه أنه عبد اللَّه بن عباس، وهو أخصر من هذا.
[ ٢ / ٩١٦ ]
الجارية: يا سيّدي عظمت مؤنتي عليك، فقال: حرمتك أعظم من مؤنتك" (^١).
٨١٢ - حدثني محمد، نا عبيد اللَّه بن موسى، حدثني رجل من أهل المدينة: "أن عبد اللَّه بن جعفر كان إذا أتاه الرجل يسأله أعطاه فإن لم يكن عنده قال: اذهب فخذ عليَّ إلى العطاء، أو إلى الجذاذ (^٢)، وأتني بهم أضمن لك" (^٣).
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا؛ فيه داود بن المحبر وقد سبق (٨٠٨)، مكارم الأخلاق (١٠٩) رقم (٤٢٨).
(٢) أي إلى حين قطع المحصول السنوي، أو أخذ عطاء بيت المال، القاموس المحيط (١/ ٤٢٣).
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه جهالة المبهم، مكارم الأخلاق (١٠٩) رقم (٤٢٩).
[ ٢ / ٩١٧ ]
المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن عباس -﵁-.
٨١٣ - حدثني محمد بن الحسين ومحمد بن عباد العكلي، قالا: نا إسحاق بن سليمان الرازي، قال: سمعت أبا سنان يذكر عن حبيب بن أبي ثابت قال: "قدم أبو أيوب الأنصاري البصرة، ونزل على ابن عباس -﵁- ففرّغ له بيته الذي كان فيه وقال: لأصنعنّ بك كما صنعت برسول اللَّه -ﷺ-، وقال: كم عليك من الدين؟ قال: عشرون ألفا، فأعطاه أربعين ألفا وعشرين مملوكا، وقال: لك ما في البيت كلّه" (^١).
_________________
(١) إسناده منقطع، مكارم الأخلاق (١١٥) رقم (٤٤١)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٦٠، ٤٦٢) وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٤٣٦) رقم (١٠٨٨٠) وفيه قصة، والذهبي في السير (٢/ ٤١٠) و(٣/ ٣٥٢)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٢/ ٢٩٩)، والرافعى في التدوين في أخبار قزوين (٣/ ٤٢)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٢٣) وقال: "حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من أبي أيوب".
[ ٢ / ٩١٨ ]
المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل عبيد اللَّه بن العباس -﵁-.
٨١٤ - حدثني محمد بن صالح القرشي، حدثنا أبو اليقظان، حدثني جويرية بن أسماء: "أن عبيد اللَّه بن العباس (^١) كان ينحر كل يوم جزورًا، فقال له عبد اللَّه: تنحر كل يوم جزورًا؟ ! قال: وكثير ذاك يا أخي؟ ! واللَّه لأنحرنَّ كل يوم جزورين" (^٢).
_________________
(١) هو عبيد اللَّه بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم النبي -ﷺ-، أبو محمد شقيق عبد اللَّه بن عباس، من صغار الصحابة، مات بالمدينة سنة (٨٧ هـ)، التقريب (٤٣٠٣).
(٢) إسناده ضعيف، أبو اليقظان ضعيف واختلط، وكان يدلس ويغلو في التشيع التقريب (٤٥٣٩)، قرى الضيف (٤٠) رقم (٤٥)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٧/ ٤٨١).
[ ٢ / ٩١٩ ]
المبحث السابع: الآثار الواردة في فضائل عائشة ﵂.
٨١٥ - حدثنا خالد بن خداش قال: حدثنا حماد بن زيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق قال: "دخلت على عائشة، فدعت لي بطعام فقالت: كل، فَلَقَلَّ ما أشبع من الطعام، ولو شئت أن أبكي لبكيت، قال: قلت: ومم ذاك؟ قالت: أذكر الحال التي فارق عليها رسول اللَّه -ﷺ- الدنيا، ما شبع من يوم مرتين من خبز برٍّ حتى لحق باللَّه" (^١).
٨١٦ - حدثنا خلف بن هشام، حدثنا حماد بن زيد، عن شعيب بن الحبحاب، عن أبي سعيد رضيع عائشة قال: "دخلت على عائشة فرأيتها تخيط نقبة لها، فقلت: يا أم المؤمنين أليس قد أوسع اللَّه -﷿- عليك؟ قالت: لا جديد لمن لا يلبس الخلق" (^٢).
٨١٧ - حدثنا محمد بن المثنى أبو موسى قال: حدثنا محمد بن عبد اللَّه،
_________________
(١) إسناده ضعيف، مداره على مجالد وهو ابن سعيد ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره التقريب (٦٥٢٠)، وشيخ المصنف صدوق يخطئ وقد سبق (٦٦)، الجوع (٢٨) رقم (٥)، وانظر (٢٠٤)، والترمذي في السنن (٤/ ٥٧٩) رقم (٢٣٥٦) وقال: "حديث حسن صحيح"، وفي الشمائل برقم (١٤٩)، أبو يعلى في مسنده (٨/ ٣٣) رقم (٤٥٣٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤/ ١٠٣)، والحديث له شواهد كثيرة وهو مشهور.
(٢) إسناده حسن؛ أبو سعيد هو كثير بن عبيد رضيع عائشة مقبول التقريب (٥٦٥٤) وهو هنا صاحب القصة واللَّه أعلم، التواضع والخمول (١٦٥) رقم (١٣٥)، إصلاح المال رقم (٣٩٨)، والبخاري في الأدب المفرد (١٦٦) رقم (٤٧١)، والتاريخ الكبير (٧/ ٢٠٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ١٥٩) رقم (٦١٨٥).
[ ٢ / ٩٢٠ ]
عن علقمة (^١) قال: "سئلت جارية عائشة عنها، فقالت: واللَّه لعائشة أطيب من طيّب الذهب، وما لها عيب إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنّكه اللَّه فعجب من فقه الحبشية" (^٢).
٨١٨ - نا إبراهيم بن إسحاق بن أبي العنبس قال: نا جعفر بن عون قال: نا المعلي بن عرفان قال: حدثني محمد بن عبد اللَّه بن جحش قال: "تفاخرت زينب (^٣) وعائشة ﵄، فقالت زينب: "أنا الذي نزل تزويجي من السماء"، وقالت عائشة: "أنا الذي نزل عذري في كتاب اللَّه حين حملني ابن المعطل على الراحلة" فقالت لها زينب: "ما قلت حين ركبتها؟ " قالت: "قلت: حسبي اللَّه ونعم الوكيل، قالت لها زينب: "قلتِ كلمة المؤمنين" (^٤).
_________________
(١) هو علقمة بن وَقَّاص الليثي المدني، ثقة ثبت، أخطأ من زعم أن له صحبة، وقيل إنه ولد في عهد النبي -ﷺ-، مات في خلافة عبد الملك، التقريب (٤٦٨٥).
(٢) إسناده صحيح إلى علقمة وهو منقطع، الإشراف (٢٨٥) رقم (٣٨٣)، وأصل القصة في الصحيحين انظر الفتح (٧/ ٤٣٣)، وشرح مسلم للنووي (١٦/ ١٠٨ - ١٠٩).
(٣) هي زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر الأسدية، أم المؤمنين، يقال: ماتت سنة (٢٠ هـ) في خلافة عمر، الإصابة (٧/ ٦٦٧)، التقريب (٨٥٩٤).
(٤) إسناده ضعيف جدا؛ فيه المعلى بن عرفان، قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء ميزان الاعتدال (٤/ ١٤٩)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٤٠): "رواه الطبراني وفيه المعلى بن عرفان وهو متروك". التوكل (٨٥) رقم (٤٧)، روإه ابن جرير في تفسير (١٨/ ٨٩)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٤٤) رقم (١٢٢)، وزاد السيوطي نسبته في الدر المنثور (٥/ ٢٠٤) للحكيم الترمذي، قلت: وهو في نوادر الأصول (٢/ ١٨٥) المجردة من الأسانيد.
[ ٢ / ٩٢١ ]
المبحث الثامن: الآثار الواردة في فضائل زينب بنت جحش ﵂.
٨١٩ - قال محمد: فحدثني يزيد بن خصيفة، عن عبد اللَّه بن رافع، عن برزة ابنة رافع (^١) قالت: "لما جاء العطاء بعث عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها، فلما دخل عليها قالت: غفر اللَّه لعمر، لغيري من أخواتي كانوا أقوى مني على قسم هذا مني، قالوا: هذا كله لك، قالت: سبحان اللَّه، واستترت دونه بثوب، وقالت: صبوه واطرحوا عليه ثوبا، فصبوه وطرحوا عليه ثوبا، فقالت لي: أدخلى يدك فاقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى آل فلان، وآل فلان من أيتامها وذوي رحمها، فقسمته حتى بقيت منه بقية، فقالت لها برزة: غفر اللَّه لك، واللَّه لقد كان لنا في هذا حظ، قالت: فلكم ما تحت الثوب؟ قالت: فرفعنا الثوب، فوجدنا خمسة وثمانين درهما، ثم رفعت يديها، فقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، قالت: فماتت" (^٢).
_________________
(١) أوردها ابن حجر في الإصابة (٧/ ٥٤١) في القسم الثالث من حرف الباء في النساء، بهذا الأثر.
(٢) إسناده حسن، محمد بن عمرو صدوق له أوهام، التقريب (٦٢٣٦)، مجابو الدعوة (٨٠ - ٨٢) رقم (٤٥)، ومن طريقه اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٧٧) رقم (١١٧)، وكذا ابن الجوزي في المنتظم (٤/ ٣٠٠)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٠١) و(٨/ ١١٠)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٥٤)، وابن حجر في الإصابة (٤/ ٢٥٤)، والبلاذري في فتوح البلدان (١/ ٤٤٠)، من طرق عن محمد بن عمرو =
[ ٢ / ٩٢٢ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة ذكر بعض فضائل آل بيت النبي -ﷺ-، منهم العباس، والحسن، والحسين، وعبد اللَّه بن جعفر، وعبد اللَّه بن عباس، وعبيد اللَّه بن عباس، وعائشة وزينب بنت جحش ﵃ أجمعين.
فالعباس: عم النبي -ﷺ-، كان صادقا في الدفاع عنه، ثبت يوم حنين، واستجاب الصحابة لندائه بالثبات حتى حمي الوطيس.
والحسن والحسين: كانت لهما كرامات برقت لهما برقة سارا في ضوئها حتى دخلا بيتهما، ووصف الحسين أخاه بأنه قاسم اللَّه ماله ثلاث مرات، ومشى إلى بيت اللَّه على قدميه خمس عشرة مرة حاجا، وحصل لمن مقتته علة في كبدها، وتنازل عن حصاده لمن سأله في دين له، بما يعادل عشرين ألفا، وشهد لهما ابن عمر بأنهما يغران العلم غرا، ورأى ابن عباس في المنام أن النبي -ﷺ- يجمع دم الحسين في نفس اليوم الذي قتل فيه، كان يجلس مع المساكين ويؤاكلهم، وذُكر أنه دعا على من حال بينه وبين الماء، فمات عطشا، وكان يسمع نوح الجن عليه.
وعبد اللَّه بن جعفر: كانت تصيبه الشدائد لكثرة إنفاقه في سبيل اللَّه، وكان مستعدا للخروج عن ماله للأعرابي فلما قصرت به مسألته أعطاه مائة حلّة، ومائة ناقة، ومائة ألف درهم، فلم يأخذ إلا الإبل وبعض
_________________
(١) = به، وكان عطاء عمر -﵁- لها إثنا عشر ألفا، كما في الأثر الذي قبله عند المصنف.
[ ٢ / ٩٢٣ ]
الحلل، فأنفق الباقي على فقراء المدينة، وكان معروفا بهذا الجود، حتى إنه كان يحال عليه من لم يجد من يسعفه، وأعطى رمانة تزن ثلاثمائة مثقال، ويتنازل عن مبالغ كبيرة للمدين تبلغ خمسة وعشرين ألفا، وأعطى رجلا جارية ثم اشتراها منه بمائتي دينار وطلب منه إذا نفدت أن يعود، كل ذلك حرصا على حرمة الجارية، ومساعدة المحتاج، فإن لم يجد شيئا، طلب من السائل أن يأخذ من أحد ويحيل عليه إلى الجذاذ.
وعبد اللَّه بن عباس: بلغ من حبة للنبي -ﷺ- أن أكرم أبا أيوب الأنصاري، ففرغ له بيته، وأعطاه ما فيها، ودفع له ضعف ما عليه من الدين، فبلغ أربعين ألفا، كل ذلك حرصا منه أن يفعل به كما فعل هو بنبيِّنا -ﷺ- لما هاجر إلى المدينة.
وأخوه عبيد اللَّه: كان ينحر كل يوم جزورا، وعزم أن يضاعف ذلك إلى جزورين.
وأم المؤمنين عائشة ﵂: كانت قلّ ما تشبع من طعام، وتخيط القديم من لباسها، رغم ما وسع اللَّه عليها من الأعطيات، ووصفتها الجارية بأنها أطيب من طيّب الذهب، ونزلت براءتها من السماء في آيات تتلى.
وكذا زينب بنت جحش: كانت تنفق من عطائها معظمه حتى إنها لم تبق من اثنتي عشر ألفا إلا بضعة وثمانين، واستجاب اللَّه دعاءها بأن لا يدركها عطاء من قابل، وكانت مشهورة بالصدقة، أخبر النبي -ﷺ- نساءه
[ ٢ / ٩٢٤ ]
بأن أولهن لحاقا به أطولهن يدا، فكُنَّ يذرعن أيديهن ليعلمن ذلك، فماتت زينب قبلهن فعلمن أن مراده أطولهن يدا بالصدقة، وشهدن لها بذلك (^١).
ولئن كان بعض هذه الفضائل لم يثبت سنده، فلا شك أن من سبق لهم فضائل كثيرة غير ما ذكر، ومناقب جمة مبثوثة في كتب كثيرة (^٢).
_________________
(١) انظر فتح الباري ففيه بحث في الموضوع (٣/ ٢٨٦ - ٢٨٨).
(٢) انظر الصواعق المحرقة (٢/ ٤١٦) حيث عقد الباب الحادي عشر في فضائل أهل البيت النبوي، وفيه فصول.
[ ٢ / ٩٢٥ ]
الفصل الرابع: الآثار الواردة في فضائل بقية الصحابة ﵃.
وفيه ثلاثة وثلاثون مبحثا:
المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن سعيد بن العاص.
المبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل مصعب بن عمير -﵁-.
المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل ذي البجادين -﵁-.
المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عكرمة بن أبي جهل -﵁-.
المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل بلال بن رباح -﵁-.
المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل أبي بن كعب -﵁-.
المبحث السابع: الآثار الواردة في فضائل البراء -﵁-.
المبحث الثامن: الآثار الواردة في فضائل خالد بن الوليد -﵁-.
المبحث التاسع: الآثار الواردة في فضائل سعد بن عبادة -﵁-.
المبحث العاشر: الآثار الواردة في فضائل أبي الدرداء -﵁-.
المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في فضائل سلمان -﵁-.
المبحث الثاني عشر: الآثار الواردة في فضائل الأشعث بن قيس -﵁-.
المبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في فضائل لبيد بن ربيعة -﵁-.
المبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في فضائل أبي موسى -﵁-.
المبحث الخامس عشر: الآثار الواردة في فضائل حجر بن عدي -﵁-.
المبحث السادس عشر: الآثار الواردة في فضائل أسامة بن زيد -﵁-.
المبحث السابع عشر: الآثار الواردة في فضائل حسان بن ثابت -﵁-.
المبحث الثامن عشر: الآثار الواردة في فضائل حكيم بن حزام -﵁-.
[ ٢ / ٩٢٦ ]
المبحث التاسع عشر: الآثار الواردة في فضائل أبي هريرة -﵁-.
المبحث العشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن عامر بن كريز -﵁-.
المبحث الحادي والعشرون: الآثار الواردة في فضائل معاوية -﵁-.
المبحث الثاني والعشرون: الآثار الواردة في فضائل قيس بن سعد -﵁-.
المبحث الثالث والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن عمرو -﵁-.
المبحث الرابع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن الزبير -﵁-.
المبحث الخامس والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن عمر -﵁-.
المبحث السادس والعشرون: الآثار الواردة في فضائل طلحة بن البراء -﵁-.
المبحث السابع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل سهل بن سعد -﵁-.
المبحث الثامن والعشرون: الآثار الواردة في فضائل زيد بن عمر بن الخطاب -﵁-.
المبحث التاسع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل صعصعة جد الفرزدق -﵁-.
المبحث الثلاثون: الآثار الواردة في فضائل علبة بن زيد -﵁-.
المبحث الحادي والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل النعمان بن قوقل -﵁-.
المبحث الثاني والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل أبي معلق -﵁-.
المبحث الثالث والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل أسماء ﵂.
[ ٢ / ٩٢٧ ]
المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن سعيد بن العاص -﵁-.
٨٢٠ - أخبرني العباس بن هشام، عن أبيه، عن يحيى بن عُليم، عن أبيه قال: "قدم الأخطل الشام على بعض بني أمية فامتدحه فأُخبر بعبد اللَّه بن سعيد بن العاص، متبدِّيًا فيما بين المدينة والشام وكانت جدته -أم أمه- تغلبية وعبد اللَّه يومئذ غلام، فأتاه الأخطل فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
فمن يك سائلا ببني سعيدٍ فعبد اللَّه أكرمهم نصابا
وأمر له بخمسة آلاف درهم وناقة برحلها، فقيل له: أعطيت أعرابيا نصرانيا ما أعطيته ولم تستمدحه، وإنما كان يرضيه اليسير، فقال عبد اللَّه: عليَّ بالأخطل، فجاء فقال: إني أعطيتك ولم آمرك بشيء، فهي لك في كل سنة، فإذا بدا لك فتعال" (^١).
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا، فيه العباس بن هشام الكلبي وأبوه وقد سبقا مرارا، مكارم الأخلاق (١٤١) رقم (٤٨٦).
[ ٢ / ٩٢٨ ]
المبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل مصعب بن عمير -﵁-.
٨٢١ - حدثنا أبو علي المروذي قال: أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك قال: أخبرنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه: "أن عبد الرحمن بن عوف أتي بطعام وكان صائما فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني فكفن في برده، إن غطِّي رأسه بدت رجلاه، وإن غطِّي رجلاه بدا رأسه، وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطنا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشيت أن تكون حسناتنا عجِّلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام" (^١).
٨٢٢ - نا هارون بن إبراهيم الإمام، نا زيد بن الحباب، ذكر موسى ابن عبيدة ذكر أخي عبد اللَّه بن عبيدة، عن عروة بن الزبير: "أن مصعب ابن عمير أقبل وعليه نمرة (^٢)، ما تكاد تواريه، والنبي -ﷺ- جالس ومعه نفر من أصحابه، فلما رأوه نكسوا ليس عندهم ما يعطونه يتوارى به، قال: فأثنى عليه النبي -ﷺ- خيرا، قال: فسلّم فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "لقد رأيته عند أبويه وما فتى من فتيان قريش عند أبويه مثله، يكرمانه وينعمانه، فخرج من ذلك ابتغاء مرضاة اللَّه ونصرة رسوله" (^٣).
_________________
(١) إسناده صحيح، وشيخ المصنف هو حمزة بن العباس سبق مرارا، الجوع (١١٧) رقم (١٧٨)، والأثر في صحيح البخاري (٧/ ٣٥٣ فتح) رقم (٤٠٤٥).
(٢) شَمْلَةٌ فيها خُطوطٌ بيضٌ وسودٌ، أو بُرْدَةٌ من صُوفٍ تَلْبَسُها الأعرابُ، القاموس المحيط (١/ ٦٢٧).
(٣) إسناده ضعيف مرسل، فإن عروة تابعي لم يدرك القصة، وموسى بن عبيدة هو ابن =
[ ٢ / ٩٢٩ ]
المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل ذي البجادين -﵁-.
٨٢٣ - نا شجاع بن مخلد، نا عباد بن العوام، نا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي (^١) قال: "كان رجل من مزينة ممن كان في نواحي المدينة في حجر عم له فكان ينفق عليه ويكفه، فأراد الإسلام فقال له عمة: لئن أسلمت لأنتزعنّ منك كل شيء صنعت إليك فأبى إلا أن يسلم فانتزع منه كل شيء صنعه به حتى إزار ورداء كانا عليه، فانطلق إلى أمه مجردا فقامت إلى يحاد لها من شعر أو صوف، فقطعته باثنين فاتزر باحدهما وارتدى الآخر، ثم أتى النبي -ﷺ- فصلى معه الصبح، قال: وكان رسول اللَّه -ﷺ- إذا صلى الصبح تفقّد الناس ونظر في وجوههم فرآه فقال: "من أنت؟ " قال: أنا عبد العزى وكان اسمَه، قال: فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "بل أنت عبد اللَّه ذو البجادين، الْزَمْنَا وكن معنا، فكان يكون مع رسول اللَّه -ﷺ- والاستغفار والتمجيد"، قال: فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللَّه -ﷺ- أَمُرَاءٍ هو؟ قال: "دعه؛ فإنه أحد الأوابين"، قال: فلما كان في غزاة تبوك خرج مع رسول اللَّه -ﷺ- فمات، قال: فقال
_________________
(١) = نشيط ضعيف التقريب (٧٠٣٨)، الأولياء (٣٣) رقم (٧٨)، وذم الدنيا رقم (٤٢٨)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٢٨٦) رقم (١٠٣٢٩)، والحاكم موصولا عن عروة عن أبيه في المستدرك (٣/ ٦٢٨) وسكت عليه هو والذهبي، وهو نفس سند المؤلف عن زيد بن الحباب به.
(٢) انظر التخريج الآتي.
[ ٢ / ٩٣٠ ]
ابن مسعود: إذا أنا بنار ليلا في ناحية العسكر فقلت: ما هذا فانطلقت فإذا رسول اللَّه وأبو بكر وعمر ما معهم رابع فإذا ذو البجادين قد مات، ورسول اللَّه في القبر وهو بقول دلِّيا إليّ أخاكما، قال: فأضجعه رسول اللَّه -ﷺ- لشقه الأيمن ثم قال: "اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه، اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه، اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه"، قال: فقال ابن مسعود: فيا ليتني كنت مكانه في حفرته" (^١).
_________________
(١) إسناده منقطع؛ فإن محمد بن إبراهيم لم يدرك القصة وقد قال عنه ابن حجر: ثقة له أفراد التقريب (٥٧٢٧)، الأولياء (٣٢ - ٣٣) رقم (٧٧)، وذكره أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٦٥)، وحكم عليه ابن حجر بالانقطاع في الإصابة (٢/ ٣٣٩).
[ ٢ / ٩٣١ ]
المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عكرمة بن أبي جهل -﵁-.
٨٢٤ - حدثني إسحاق بن إسماعيل، نا أبو أسامة قال: سمعت الأعمش يذكر عن أبي إسحاق قال: "لما أسلم عكرمة بن أبي جهل (^١) جاء إلى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه، لا أترك مقاما قمته لأصدَّ به عن سبيل اللَّه إلا قمت مثله في سبيل اللَّه، ولا نفقة أنفقتها لأصدّ بها عن سبيل اللَّه إلا أنفقت مثلها في سبيل اللَّه، فلما كان يوم اليرموك (^٢) -أو غيره- قاتل قتالا شديدا، فوجدوا به بضعا وسبعين ضربة من بين طعنة ورمية وضربة" (^٣).
_________________
(١) هو عكرمة بن أبي جهل بن هشام المخزومي، صحابي أسلم يوم الفتح، وحسن إسلامه، واستشهد بالشام في خلافة أبي بكر على الصحيح، الإصابة (٤/ ٥٣٨)، التقريب (٤٦٦٧).
(٢) موضع بالشام، وكانت فيه وقعة في أول خلافة عمر، سنة (١٥ هـ) بقيادة أبي عبيدة بن الجراح -﵁-، وكان النصر للمسلمين على الروم، واستشهد من المسلمين جماعة، فتح الباري (٧/ ٨١).
(٣) إسناده صحيح ولا تضر عنعنة الأعمش فإنه من الطبقة الثانية كما في تعريف أهل التقديس (١١٨)، مكارم الأخلاق (٥٠) رقم (٢٠٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٢٢٧) و(٧/ ٨)، ومن طريقه ابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ١٠٨٥).
[ ٢ / ٩٣٢ ]
المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل بلال بن رباح -﵁-.
٨٢٥ - حدثني الفضل بن إسحاق بن حيان قال: حدثنا أبو أسامة عمر بن حمزة، عن سالم: "أن شاعرا امتدح بلال بن عبد الرحمن بن عمر، فقال في شعره: وبلال بن عبد اللَّه خير بلال، فقال له ابن عمر: كذبت، بل بلال رسول اللَّه خير بلال" (^١).
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه عمر بن حمزة وهو العمري المدني ضعيف التقريب (٤٩١٨)، الإشراف (٣٠٧) رقم (٤٣٨)، وابن ماجه في السنن (١/ ٥٤) رقم (١٥٢)، وقال الكناني في مصباح الزجاجة (١/ ٢٣): "هذا إسناد فيه مقال؛ عمر بن حمزة ضعفه ابن معين والنسائي؛ وقال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال ابن حبان في الثقات: كان ممن يخطئ، قلت: وأخرج الحاكم حديثه في المستدرك، وقال: أحاديثه كلها مستقيمة".
[ ٢ / ٩٣٣ ]
المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل أبي بن كعب -﵁-.
٨٢٦ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب -﵁-: "اخرجوا بنا إلى أرض قومنا، قال: فخرجنا، فكنت أنا وأبي بن كعب في مؤخّر الناس، فهاجت سحابة، فقال أبيّ: اللهم اصرف عنا أذاها، فلحقناهم، وقد ابتلّت رحالهم فقال عمر: أما أصابكم الذي أصابنا؟ قلت: إن أبا المنذر دعا اللَّه أن يصرف عنا أذاها، فقال عمر: ألا دعوتم لنا معكم" (^١).
_________________
(١) إسناده حسن، يحيى بن عيسى صدوق يخطئ ورمي بالتشيع التقريب (٧٦٦٩)، مجابو الدعوة (٧٤) رقم (٣٨)، ومن طريقه اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٥٤) رقم (٩٨)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ٣٤٣)، والبخاري في الأدب المفرد رقم (٢٣٥)، والمحاملي في أماليه رقم (٣٠٣)، وذكره الذهبي في السير (١/ ٣٩٨)، من طرق عن الأعمش به.
[ ٢ / ٩٣٤ ]
المبحث السابع: الآثار الواردة في فضائل البراء -﵁-.
٨٢٧ - حدثني محمد بن حسان بن فيروز، نا حجاج بن محمد، نا السري بن يحيى، عن ابن سيرين: "أن المسلمين انتهوا إلى حائط قد أُغلق بابه، فيه رجال من المشركين، فجلس البراء بن مالك على ترس وقال: "ارفعوني برماحكم فألقوني إليه، فرفعوه برماحهم من وراء الحائط، فأدركوه وقد قَتل منهم عشرة" (^١).
_________________
(١) إسناده صحيح، حجاج بن محمد هو المصيصي ثقة ثبت لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته التقريب (١١٤٤)، قلت: لكن لم يحدث عنه أحد بعد اختلاطه فقد أمر ابن معين ابنه ألا يدخل عليه أحد كما في المختلطين للعلائي (١٩)، مكارم الأخلاق (٤٩) رقم (١٩٩)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٤٤)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٦٢٥)، وذكر ابن حجر في الإصابة (١/ ١٤٣) أن ذلك حصل يوم اليمامة في قتال مسيلمة الكذاب، ونسبه لمسند بقي.
[ ٢ / ٩٣٥ ]
المبحث الثامن: الآثار الواردة في فضائل خالد بن الوليد -﵁-.
٨٢٨ - حدثنا أبو عبد اللَّه محمد بن إسحاق السهمي، عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن خيثمة (^١) قال: "أتي خالد بن الوليد برجل معه زقّ خمر، فقال: اللهم اجعله عسلا فصار" (^٢).
٨٢٩ - حدثنا أحمد بن عمران بن عبد الملك، حدثني محمد بن الفضيل، نا يونس بن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث قال: قال خالد ابن الوليد (^٣): "واللَّه ما أدري من أي يوميّ أقر (^٤)، من يوم أراد اللَّه أن
_________________
(١) انظر التخريج الآتي.
(٢) الأثر صحيح على اختلاف في ألفاظه وله طرق كتيرة، وسنده صحيح إن كان خيثمة هو الجعفي ثقة وكان يرسل التقريب (١٧٨٣) وهذا ما يفيده صنيع ابن حجر بتصحيحه هذا الإسناد، مجابو الدعوة (٨٨) رقم (٥٣)، ومن طريقه اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٥٢) رقم (٩٥)، وكذا ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ٢٥٢)، وكذا ابن أبي جرادة في بغية الطب في تاريخ حلب (٧/ ٣١٥٣) ومن طريق آخر عن سيف بن عمر عن أبي عثمان عن أبيه به نحوه، وذكره ابن حجر في الإصابة عن المصنف (١/ ٤١٤) وقال: "إسناده صحيح"، وابن كنير في البداية والنهاية (٧/ ١١٤) وقال: "له طرق"، وذكره الذهبي في السير (١/ ٣٧٦) وقال: "رواه يحيى بن آدم عن أبي بكر وقال: "خَلَّا" بدل: "العسل"، وهذا أشبه ويرويه عطاء بن السائب عن محارب بن دثار مرسلا".
(٣) هو خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم المخزومي، سيف اللَّه، يكنى أبا سليمان، من كبار الصحابة، وكان إسلامه بين الحديبية والفتح، وكان أميرا على قتال أهل الردة وغيرها، من الفتوح إلى أن مات سنة (٢١ هـ) أو التي بعدها، الإصابة (٢/ ٢٥١)، التقريب (١٦٨٤).
(٤) في الأصل: أفر، بالفاء.
[ ٢ / ٩٣٦ ]
يرزقني فيه شهادة، أم من يوم أراد أن يهدي لي فيه كرامة" (^١).
٨٣٠ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، نا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن قيس قال: قال خالد بن الوليد: "لقد رأيتني يوم مؤتة (^٢) تقطعت في يدي تسعة أسياف وصبرت في يدي صحيفة لي يمانية" (^٣).
٨٣١ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرني محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن قيس قال: قال خالد بن الوليد: "ما ليلة أُبشَّر فيها بغلام، أو تهدى إليّ فيها عروس، أحب إليّ من ليلة قَرَةٍّ باردة في سبيل اللَّه -﷿-" (^٤).
_________________
(١) رجاله ثقات ما عدا الكلام في شيخ المصنف، وقد سبق (٦٥)، مكارم الأخلاق (٣٩) رقم (١٧٤)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٦٥٤)، وفي الوفا بأحوال المصطفى (١/ ١٠٦)، والذهبي في السير (١/ ٣٧٥).
(٢) هي قرية بأدنى بلقاء الشام، بينها وبين بيت المقدس مرحلتان، وقعت فيها معركة كبيرة بين المسلمين والروم، عقد فيها رسول اللَّه -ﷺ- لزيد بن حارثة، وكان الفتح على يد خالد ابن الوليد، بجيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وقابلهم الروم بجيش قوامه مائتي ألف مقاتل، بعد قتال شديد وابتلاء عظيم، انظر الرحيق المختوم (٣٨٧ - فما بعدها).
(٣) إسناده صحيح، مكارم الأخلاق (٣٩) رقم (١٧٥)، والأثر في صحيح البخاري (٧/ ٥١٥) رقم (٤٢٦٤ - ٤٢٦٥) كتاب المغازي باب غزوة مؤتة من أرض الشام، وهو مشهور في كتب السير وتراجم الصحابة.
(٤) إسناده صحيح، مكارم الأخلاق (٣٩ - ٤٠) رقم (١٧٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٢١٤)، وابن المبارك في الجهاد (٩١) رقم (١٠٧)، وأحمد في فضائل الصحابة (٢/ ٨١٤) رقم (١٤١٦)، وأبو يعلى في المسند (١٣/ ١٤١) رقم (٧١٨٥)، ومن طريقه ابن حبان في الثقات (١/ ٣٠١)، وذكره عنه أيضًا ابن حجر =
[ ٢ / ٩٣٧ ]
٨٣٢ - حدثنا ابن جميل، نا عبد اللَّه، أنا حماد بن زيد، عن عبد اللَّه ابن المختار، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل -ثم شك حماد بعد في أبي وائل- قال: "لما احتضر خالد بن الوليد قال: لقد طلبت القتل مظانه فلم يقدَّر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عملي شيء أرجى عندي بعد (لا إله إلا اللَّه) من ليلة بتُّها وأنا مُتَتَرِّسٌ بترسي والسماء تهلبني ننتظر الصبح حتى نغير على الكفار، ثم قال: إذا أنا متّ فانظروا سلاحي وفرسي فاجعلوها عُدّة في سبيل اللَّه -﷿-" (^١).
_________________
(١) = في الإصابة (١/ ٤١٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٠): "رجاله رجال الصحيح"، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ٢٥٠).
(٢) إسناده حسن، وابن جميل شيخ المصنف هو أحمد بن جميل المروزي وثقه جماعة ولا ينزل عن الصدوق انظر لسان الميزان (١/ ١٤٧)، مكارم الأخلاق (٤٠) رقم (١٧٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١٠٦) رقم (٣٨١٢)، كلاهما من طريق ابن المبارك في الجهاد (٥٥) رقم (٥٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٠): "إسناده حسن".
[ ٢ / ٩٣٨ ]
المبحث التاسع: الآثار الواردة في فضائل سعد بن عبادة -﵁-.
٨٣٣ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثنا أبو أسامة، عن جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين قال: "كان أهل الصفة إذا أمسوا انطلق الرجل بالرجل، والرجل بالرجلين، والرجل بالخمسة، فأما سعد بن عبادة فإنه كان ينطلق بثمانين كل ليلة" (^١).
٨٣٤ - حدثنا أبو عبد الرحمن محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: "كانت لرسول اللَّه -ﷺ- من سعد بن عبادة (^٢) جفنة من ثريد في كل يوم، تدور معه أين ما دار من نسائه، وكان إذا انصرف من صلاة مكتوبة قال: اللهم ارزقني مالا أستعين به على فعالي؛ فإنه لا يصلح الفعال إلا المال" (^٣).
_________________
(١) إسناده حسن؛ شيخ المصنف سيأتي (٨٩٥)، والأثر مرسل انظر فتح الباري (١١/ ٢٨٦)، قرى الضيف (٢٨ - ٢٩) رقم (٢٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣٣٣) رقم (٢٦٦٢٢)، وهناد في الزهد (٢/ ٣٩٢) رقم (٧٦٢)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٤١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٠/ ٢٦٢).
(٢) هو سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة الأنصاري الخزرجي، أحد النقباء، وسيد الخزرج، وأحد الأجواد، وقع في صحيح مسلم أنه شهد بدرا، والمعروف عند أهل المغازي أنه تهيأ للخروج فنهش فأقام، مات بأرض الشام سنة (١٥ هـ) وقيل غير ذلك، الإصابة (٣/ ٦٥)، التقريب (٢٢٤٣).
(٣) إسناده حسن، وهو مرسل فإن يحيى بن أبي كثير ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل =
[ ٢ / ٩٣٩ ]
٨٣٥ - حدثني أبي، عن هشام بن محمد ثنا عبد المجيد بن أبي عبس بن محمد بن عيسى بن جبر، عن أبيه عن جده (^١) قال: "سمعت قريش صائحا يصيح على أبي قبيس:
فإن يسلم السعدان يصبح محمد بمكة لا يخشى خلاف مخالف
فقال أبو سفيان وأشراف قريش: من السعود؟ سعد بن بكر، وسعد ابن زيد بن مناة، وسعد بن قضاعة، فلما كان في الليلة الثانية سمعوا صوته على أبي قبيس:
أيا سعدُ سعدَ الأوس كن أنت ناصرا ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا على اللَّه في الفردوس منية عارف
فإن ثواب اللَّه لطالب الهدى جنان في الفردوس ذات رفارف
قال: فقالوا: هذا سعد بن عبادة وسعد بن معاذ" (^٢).
_________________
(١) = التقريب (٧٦٨٢)، قرى الضيف (٢٩) رقم (٢١)، إصلاح المال (٣٥) رقم (٥٣) ورقم (٥٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣٣٢) رقم (٢٦٦١٨)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٢/ ٤٤٨) رقم (١٠٧٧)، والدارقطني في الأسخياء رقم (٤٤)، وأفرد ابن سعد ﵀ في الطبقات (٨/ ١٦٢) بابا خاصا بجفنة سعد فقال: "ذكر جفنة سعد بن عبادة لمن خطب رسول اللَّه -ﷺ- من النساء".
(٢) هو أبو عبس بن جَبْر بن زيد بن جشم الأنصاري، اسمه عبد الرحمن، وقيل: عبد اللَّه، وقيل: معبد، صحابي شهد بدرا وما بعدها، ومات سنة (٣٤ هـ) عن سبعين سنة، الإصابة (٧/ ٢٦٦)، التقريب (٨٢٢٦).
(٣) إسناده ضعيف جدا؛ مدار سنده على هشام بن محمد الكلبي وهو ضعيف متهم انظر ميزان الاعتدال (٤/ ٣٠٤)، الهواتف (٥٩) رقم (٧٥)، الحاكم في المستدرك =
[ ٢ / ٩٤٠ ]
٨٣٦ - وحدثني العباس بن هشام، حدثني هشام بن محمد، عن عبد المجيد بن أبي عبس (^١) قال: "سمع بالمدينة في بعض الليل هاتف يقول:
خير كهلين في بني الخزرج الغُـ ـرِّ بين سعد بن عبادة
المجيبان إذ دعا أحمد الخير فنالتهما هناك السعادة
ثم عاشا مهديين جميعا ثم لقاهما المليك الشهادة (^٢)
_________________
(١) = (٣/ ٢٥٣)، والطبري في تاريخه (١/ ٥٧٠)، من طرق عن هشام به، وأورده الشبلي في آكام المرجان عن المصنف (١٣٦)، وانظر لقط المرجان (١٧٨)، والسير (١/ ٢٧٩)، الاستيعاب (٢/ ٥٩٦)، والثقات لابن حبان (١/ ٩٢)، والتمهيد لابن عبد البر (٢٤/ ١٠٥)، وأخرجه البخاري في التاريخ الصغير (١/ ٥١) قال: "سمعت أبا محمد الكوفي يقول -فذكر القصة-"، وهذا مرسل، وأبو محمد هو عبيد اللَّه ابن موسى ثقة كان يتشيّع التقريب (٤٣٧٦).
(٢) هو عبد المجيد بن أبي عبس الحارثي، يروي عن أبيه، ليَّنه أبو حاتم، لسان الميزان (٤/ ٥٥).
(٣) السند كسابقه فيه هشام، كتاب الهواتف (٦٠) رقم (٧٦) وانظر المصدرين السابقين.
[ ٢ / ٩٤١ ]
المبحث العاشر: الآثار الواردة في فضائل أبي الدرداء -﵁-.
٨٣٧ - حدثني أبي ﵀ قال: أخبرنا موسى بن داود، عن ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة قال: "دخل حُدير السلمي على أبي الدرداء يعوده، وعليه جبّة من صوف وقد عرق فيها وهو نائم على حصير، فقال: يا أبا الدرداء ما يمنعك أن تلبس من الثياب التي يكسوك معاوية، وتتخذ فرشا؟ قال: إن لنا دارا لها نعمل، وإليها نظعن، والمخفّ فيها خير من المثقِل" (^١).
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه ابن لهيعة وقد سبق (١٤٩)، المحتضرين (١٣٨) رقم (١٧٣)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٢٤١) (٤٧/ ١٥٢)، والجزء الأخير منه أحمد في الزهد (١٣٨، ١٣٨) لكن بقصة أخرى، وابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٦٤٠) بقصة أخرى أيضًا.
[ ٢ / ٩٤٢ ]
المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في فضائل سلمان -﵁-.
٨٣٨ - حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حدثنا حسين بن محمد قال: حدثنا سليمان بن قرم، عن الأعمش، عن شقيق قال: "دخلت أنا وصاحب لي على سلمان، فقرّب إلينا خبزا وملحا وقال: لولا أن رسول اللَّه -ﷺ- نهانا عن التكلّف لتكلّفنا لكم، فقال صاحبي: لو كان في ملحنا سعتر؟ فبعث مطهرة إلى البقال فرهنها، فجاءه بسعتر" (^١).
٨٣٩ - حدثني الحسن بن الصباح قال: حدثنا سعيد بن محمد، عن موسى الجهني، عن زيد بن وهب قال: "أكره سلمان على طعام ليأكله فقال: حسبي حسبي، سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إن أكثر الناس شبعا في الدنيا، أطولهم جوعا في الآخرة، يا سلمان إنما الدنيا سجن المؤمن
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ مداره على سليمان بن قرم وهو سيء الحفظ يتشيع التقريب (٢٦١٥)، الجوع (١٦٠) رقم (٢٦٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٢٣) وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وله شاهد بمثل هذا الإسناد" ووافقه الذهبي، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٣٥) رقم (٦٠٨٥)، قال الهيثمي في المجمع (٨/ ١٧٩): "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن منصور الطوسي وهو ثقة، وفي رواية عنده نهانا رسول اللَّه -ﷺ- أن نتكلف للضيف ما ليس عندنا"، وأبو يعلى في المسند كما في المطالب العالية (١/ ٣٨٧) رقم (١٠٠٨)، والسهمي في تاريخ جرجان (١/ ١٦١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ٤٤٨)، وذكره الذهبي في السير (١/ ٥٥١).
[ ٢ / ٩٤٣ ]
وجنة الكافر" (^١).
٨٤٠ - حدثني عبد الرحمن بن صالح حدثنى منصور بن أبي نويرة، عن فضيل بن عياض قال: "رئي على سلمان جبة من صوف، فقيل له: لو لبست ألين من هذا؟ قال: إنما أنا عبد، ألبس كما يلبس العبد، فإذا أعتقت لبست ثيابا لا تبلى حواشيها" (^٢).
٨٤١ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا منصور بن زاذان، عن الحسن قال: "لما حضر سلمان بكى، فقالوا: ما يبكيك وأنت صاحب رسول اللَّه -ﷺ-؟ قال: ما أبكي أسفا على الدنيا، ولا رغبة فيها، ولكن رسول اللَّه -ﷺ- عهد إلينا عهدا فتركناه، قال: "ليكن بلغة أحدكم مثل زاد الراكب"، قال: فبلغ ما ترك بضعا
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه سعيد بن محمد وهو الوراق ضعيف التقريب (٢٤٠٠)، الجوع (٢٦) رقم (٣)، وابن ماجه في السنن (٢/ ١١١٢) رقم (٣٣٥١)، والبزار في مسنده (٦/ ٤٦١) رقم (٢٤٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٩٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢٧) رقم (٥٦٤٥)، والمزي في تهذيب الكمال (٥/ ١٨٥)، وأما الحديث بدون القصة فهو ثابت من طرق كثير عن سلمان وغيره وأصله في مسلم برقم (٢٩٥٦)، وانظر كشف الخفاء (١/ ٤٩٤).
(٢) إسناده معضل، التواضع والخمول (١٨٨ - ١٨٩) رقم (١٤٨)، وانظر رقم (١٤٧، ١٤٩، ١٥٠)، الهم والحزن رقم (٨٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ٤٣٧).
[ ٢ / ٩٤٤ ]
وعشرين أو بضعا وثلاثين درهما" (^١).
_________________
(١) إسناده صحيح، المحتضرين (١٣٨ - ١٣٩) رقم (١٧٤)، ثم برقم (٢٧٥) مختصرا، برقم (٣٢٨) وفيه: "ولكن قلة الزاد، وبعد المفاز"، وابن ماجه في سننه (٢/ ١٣٧٤) رقم (٤١٠٤)، ومعمر في الجامع في مصنف عبد الرزاق (١١/ ٣١٣) رقم (٢٠٦٣٢)، وابن سعد في الطبقات (٤/ ٩١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٧٦) رقم (٣٤٣١٢)، وهناد في الزهد (١/ ٣١٦) رقم (٥٦٦)، وابن بشر في الزهد وصفة الزاهدين رقم (٨٧)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٩٥ - ١٩٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣١٧) وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ٤٢٤) رقم (٧٢٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٠٥) رقم (١٠٣٩٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ٤٥٤)، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٧٩): "رواه ابن ماجه ورواته ثقات احتج بهم الشيخان إلا جعفر بن سليمان فاحتج به مسلم وحده"، وانظر مصباح الزجاجة (٤/ ٢١١) فقد ذكر متابعا لجعفر.
[ ٢ / ٩٤٥ ]
المبحث الثاني عشر: الواردة في فضائل الأشعث بن قيس -﵁-.
٨٤٢ - حدثنا إبراهيم بن سعيد، عن أبي معاوية، عن أبي عمر الثمالي (^١) قال: "قدم الأشعث بن قيس من مكة، فلما صلى الفجر أمرهم فاخذوا بأبواب المسجد، فأمر لكل من في المسجد بحلّة ونعلين" (^٢).
_________________
(١) انظر التخريج الآتي.
(٢) إسناده لين، أبو عمر الثمالي لم أعرفه، الاخوان (٢٣٨) رقم (٢٢٢)، الإشراف في منازل الأشراف رقم (٢٦٤) من طريق آخر، والطبراني في الكبير (١/ ٢٣٧) رقم (٦٥٠)، وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٤١٥): "رواه الطبراني، وفيه أبو إسرائيل وقد اختلف فيه وبقية رجاله رجال الصحيح"، قلت: قال فيه ابن حجر: "صدوق سيء الحفظ نسب إلى الغلو في التشيع"، التقريب (٤٤٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ١٤١) وفيه توسع في ذكر هذه القصة وسببها، وذكره الذهبي في السير (٢/ ٤١).
[ ٢ / ٩٤٦ ]
المبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في فضائل لبيد بن ربيعة -﵁-.
٨٤٣ - حدثني الحسن بن عبد الرحمن، عن جعفر بن كلاب، عن مسغب (^١) قال: "لم يقل لبيد في الإسلام إلا هذين البيتين:
نجدد أحزانا لدى كل هالك ونسرع نسيانا ولم يأتنا أمن
فإنا ولا كفران للَّه ربنا كالبدن لا تدري متى يؤمها البدن (^٢)
٨٤٤ - حدثني أبي قال: حدثنا نصر بن باب قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: "كتب عمر بن الخطاب إلى المغيرة بن شعبة أن استنشد من قبلك من الشعراء ما قالوا في الجاهلية والإسلام، فأرسل إلى الأغلب العجلي فقال: أنشدني، فقال:
أَرَجزا تريد أم قصيدا فقد سألت هيِّنا موجودا
_________________
(١) صوابه مسعر كما في الحلية لأبي نعيم (٧/ ٢٢١)، ولم يتبين المقصود به.
(٢) فيه جعفر بن كلاب أظنه مصحفا؛ لأنه من تمام نسب لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن عامر كما في طبقات ابن سعد (٦/ ٣٣)، القبور (٧٥) رقم (٥٣)، وابن ماكولا في الإكمال (٤/ ٤٠) من قول عمرو بن دينار ينصح طلابه بحفظ هذه الأبيات للبيد بن ربيعة، قلت: ولعل ذلك لندرتها وعزتها، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٢١)، وذكره ابن بشكوال في التكملة (٤/ ٢١٣)، وذكر الجاحظ البيتين في البيان والتبيين (١/ ٤٧٧) ولم ينسبهما لأحد، وليس في كل مصادر التخريج أن هذين البيتين قالهما بعد إسلامه ومن المعروف عنه كما سبق أنه لم يقل في الإسلام شعرا، ولم يعلق المحقق على هذا الأثر أصلا، واللَّه أعلم.
[ ٢ / ٩٤٧ ]
قال: ثم أرسل إلى لبيد بن ربيعة، فقال: أنشدني، فقال: إن شئت أنشدتك مما قد عفي عنه من شعر الجاهلية؟ قال: لا، أنشدني ما قلت في الإسلام، فانطلق إلى أديم فكتب فيه سورة البقرة، فقال: أبدلني اللَّه مكان الشعر هذا، قال: فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه عمر: إنه لم يعرف أحد من الشعراء حقَّ الإسلام إلا لبيد بن ربيعة، فأنقص من عطاء الأغلب خمسمائة واجعلها في عطاء لبيد، قال: فركب إليه الأغلب، فقال: تنقص عطائي من أن أطعتك، قال: فردّ الخمسمائة" (^١).
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه نصر بن باب متكلم فيه، انظر ميزان الاعتدال (٤/ ٢٥٠)، وأورده في ذكر من اختلف العلماء والنقاد فيه (٩٨) رقم (٥٣) ثم عقب بقوله: "هذا الكلام مقبول في التوقف فيه، ولا يدخل في الصحيح"، الإشراف (١١٠) رقم (١٤)، والأصبهاني في الأغاني (١٤/ ٩٤) وله تتمة فيه، و(١٨/ ١٦٤ - ١٦٥) من طريق ابن شبة عن محمد بن عباد المهلبي به.
[ ٢ / ٩٤٨ ]
المبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في فضائل أبي موسى -﵁-.
٨٤٥ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا زيد بن الهيثم حدثنا صالح بن موسى الطلحي عن أبيه قال: "اجتهد الأشعري قبل موته اجتهادا شديدا، فقيل له: لو أمسكت أو رفقت بنفسك بعض الرفق؟ فقال: إن الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها، إخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلي أقلّ من ذلك، قال: فلم يزل على ذلك حتى مات" (^١).
٨٤٦ - حدثنا محمد بن إسماعيل البصري بن أبي سمينة قال: حدثنا محمد بن كثير قال: حدثنا أبو المعلى البيروتي، عن يونس بن حلبس، عن أبي إدريس قال: "صام أبو موسى حتى عاد كأنه خلال، فقيل له: لو أجممت نفسك؟ فقال: هيهات إنما يسبق من الخيل المضمَّرة، وربما خرج من منزله
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا؛ مداره عل صالح الطلحي وهو متروك التقريب (٢٩٠٧)، وقال فيه ابن عدي في الكامل (٤/ ٧٠): "وعامة ما يرويه لا يتابعه أحد عليه؛ إما يكون غلطا في الإسناد، أو متن يرويه بإسناد لا يرويه غيره، وهو عندي ممن لا يتعمد الكذب، ولكن يشبه عليه ويخطئ، وأكبر ما يلحقه في أحاديثه ما يرويه في جده طلحة من الفضائل فيما لا يتابعه أحد عليه"، قصر الأمل (١٠٨) رقم (١٥٠)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٨٣) رقم (١٠٦٦٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٢/ ٨٩)، وتبيين كذب المفتري (٨٥)، وذكره الذهبي في السير (٢/ ٣٩٣).
[ ٢ / ٩٤٩ ]
فيقول لامرأته: شدّي رحلك، فليس على جسر جهنم معبر" (^١).
٨٤٧ - حدثنا خالد بن خداش، ثنا مهدي بن ميمون، عن واصل مولى أبي عيينة، عن لقيط، عن أبي بردة، عن أبي موسى -﵁- قال: "خرجنا غازين في البحر، فبينما نحن والريح لنا طيبة والشراع لنا مرفوع، إذ سمعت مناديا ينادي: يا أهل السفينة قفوا أحدكم حتى والى بين سبع أصوات، قال: فقام أبو موسى على صدر السفينة فقال: من أنت؟ وإلى أين أنت؟ ألا ترى أين نحن؟ وهل تستطيع وقوفا؟ فأجابه الصوت فقال: ألا أخبركم بقضاء قضاه اللَّه -﷿- على نفسه؟ فقال: بلى، قال: إن اللَّه -﷿- قضى على نفسه أنه من عطش نفسه للَّه -﷿- في يوم حار، كان حقا على اللَّه -﷿- أن يرويه يوم القيامة، قال: فكان أبو موسى -﵁- يتوخى
_________________
(١) إسناده ضعيف، مداره على محمد بن كثير وهو المصيصي صدوق كثير الغلط التقريب (٦٢٩١)، قصر الأمل (١٠٨ - ١٠٩) رقم (١٥١)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (١/ ٢٥٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٨٢) رقم (١٠٦٦٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٢/ ٨٩)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٥٦٠).
[ ٢ / ٩٥٠ ]
اليوم الشديد الحر، الذي يكاد الإنسان أن ينسلخ حرًّا فيصومه" (^١).
_________________
(١) إسناده لين، مداره على لقيط وقد قال فيه الذهبي: "لقيط عن أبي بردة، في يوم الصيف، تكلم فيه ولم يترك" الميزان (٣/ ٤١٩). كتاب الهواتف (٢٣ - ٢٤) رقم (١٣)، وابن المبارك في الزهد رقم (١٣٠٩)، وعبد الرزاق في المصنف (٤/ ٣٠٨) رقم (٧٨٩٧)، والروياني في مسنده (١/ ٣٧٤) رقم (٥٧١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٢٦٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٤١١) رقم (٣٩٢١ - ٣٩٢٢)، وابن عساكر في تبيين كذب المفتري (٨٤)، وفي تاريخ دمشق (٣٢/ ٨٧ - ٨٨)، وذكره الذهبي في السير (٢/ ٣٩٢)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٥٦٠)، والثعالبي في الجواهر الحسان (١/ ١٤٧) من طريق ابن المبارك، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٦١) من رواية ابن عباس، وقال: "رواه البزار بإسناد حسن إن شاء اللَّه"، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٤٥)، وابن رجب في لطائف المعارف (٣٠١)، ونسبه السيوطي في الدر (١/ ٤٣٧) لابن أبي شيبة.
[ ٢ / ٩٥١ ]
المبحث الخامس عشر: الآثار الواردة في فضائل حجر بن عدي -﵁-.
٨٤٨ - حدثنا أبو همام، حدثني إبراهيم بن أعين، عن السَّري بن يحيى، عن عبد الكريم بن رشيد قال: "كان حُجْر بن عدي بن الأدبر الكندي (^١) يلمس فراش أمه بيده، فيتّهم غِلَظ يده، فيتقلّب عليه على ظهره، فإذا أمن أن يكون عليه شيء أضجعها" (^٢).
_________________
(١) هو حُجْر بن عدي بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين، الكندي المعروف بحجر بن الأدبر حجر الخير، شهد القادسية، والجمل وصفين، وصحب عليا، فكان من شيعته، وقتل بمرج عذراء بأمر معاوية، وكان حجر هو الذي افتتحها فقدر أن قتل بها، الإصابة (٢/ ٣٧)، صحابي انظر السير (٣/ ٤٦٢).
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه إبراهيم بن أعين وهو الشيباني نزيل مصر ضعيف التقريب (١٥٥)، مكارم الأخلاق (٥٥) رقم (٢٢٦)، بغية الطلب في تاريخ حلب (٥/ ٢١١٢).
[ ٢ / ٩٥٢ ]
المبحث السادس عشر: الآثار الواردة في فضائل أسامة بن زيد -﵁-.
٨٤٩ - حدثني أبو همام، نا حجاج بن نصير، عن قرة، عن محمد قال: "كانت النخلة تبلغ بالمدينة ألفا، فعمد أسامة بن زيد إلى نخلة فقطعها من أجل جُمَّارها (^١)، فقيل له في ذلك فقال: إن أمي اشتهته عليّ، وليس شيء من الدنيا تطلبه أمي أقدر عليه، إلا فعلته" (^٢).
_________________
(١) هو شحم النخلة، مختار الصحاح (١١٩).
(٢) إسناده ضعيف، فيه حجاج بن نصير وهو الفساطيطي ضعيف التقريب (١١٤٨)، والأثر صحيح لكنه مرسل كما قال الذهبي، لم ينفرد به حجاج بل تابعه مسلم بن إبراهيم وهو الفراهيدي ثقة مأمون مكثر، عمي بآخره، التقريب (٦٦٦٠)، مكارم الأخلاق (٥٥) رقم (٢٢٥)، وابن سعد في الطبقات (٤/ ٧١)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٥٩٧) وقال الذهبي: "أمه ماتت زمن الصديق، والحديث فيه إرسال"، والطبراني في المعجم الكبير (١٥٨) رقم (٣٧٠)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٥٢٢)، من طرق عن مسلم بن إبراهيم عن قرة عن ابن سيرين.
[ ٢ / ٩٥٣ ]
المبحث السابع عشر: الآثار الواردة في فضائل حسان بن ثابت -﵁-.
٨٥٠ - حدثنا هناد بن السري التميمي قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق (^١) قال: "دخل حسّان بن ثابت على عائشة فأنشدها:
حصان رزان، ما تُزَنُّ بريية وتصبح غرثى (^٢) من لحوم الغوافل
فقالت له عائشة: لكنّك أنت لست كذاك" (^٣).
٨٥١ - حدثنا أبي قال: أخبرنا عمر بن هارون البلخي عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن بركة، عن أمه، عن عائشة: "أنها طافت بالبيت فقرنت بين ثلاثة أسابيع، ثم صلّت بعد ذلك ست ركعات، قال: وذُكر لها حسان بن ثابت في الطواف قال: فابتدرنا نسبّه، فقالت عائشة: مه، وبرّأته أن يكون ممن قال عليها، وقالت: إني لأرجو أن يدخله اللَّه الجنة بقوله:
_________________
(١) هو مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي، أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم، مات سنة (١٦٣ هـ) وقال التي بعدها، التقريب (٦٦٠١).
(٢) أي جائعة، مختار الصحاح (٤٨٨).
(٣) إسناده صحيح، الإشراف (١٣١ - ١٣٢) رقم (٥٧)، وأخرجه البخاري في كتاب المغازي باب حديث الإفك (٧/ ٤٣٦ فتح) رقم (٤١٤٦)، ومسلم في صحيحه (١٦/ ٤٦ - ٤٧) في فضائل حسان بن ثابت، كلاهما عن الأعمش به.
[ ٢ / ٩٥٤ ]
هجوت محمدا فأجبت عنه وعند اللَّه في ذاك الجزاء
فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء
فأنشدت عائشة هذين البيتين وهي تطوف في البيت" (^١).
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا، فيه عمر بن هارون البلخي متروك وكان حافظا التقريب (٥٠١٤)، الإشراف (١٣٢ - ١٣٣) رقم (٥٨).
[ ٢ / ٩٥٥ ]
المبحث الثامن عشر: الآثار الواردة في فضائل حكيم بن حزام -﵁-.
٨٥٢ - حدثنا داود بن عمرو، عن حفص بن غياث، عن هشام بن عروة (^١) قال: "قال حكيم بن حزام (^٢) لأهله: اسقوني ماءً، قالوا: قد شربت اليوم مرة، قال: فلا إذا" (^٣).
٨٥٣ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا خالد بن عمرو القرشي، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن مكحول قال: "لقي حكيم بن حزام عبد اللَّه بن الزبير -بعدما قتل الزبير- فقال: كم ترك أخي عليه من الدين؟ قال: ألفي ألف، قال عليَّ منها ألف ألفٍ" (^٤).
_________________
(١) هنا سقط: "عن أبيه" كما في كل مصادر تخريج الأثر.
(٢) هو حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى الأسدي، أبو خالد المكي، ابن أخي خديجة أم المؤمنين، أسلم يوم الفتح، وصحب وله أربع وسبعون سنة، ثم عاش إلى سنة (٥٤ هـ) أو بعدها، وكان عالما بالنسب، الإصابة (٢/ ١١٢)، التقريب (١٤٧٠).
(٣) إسناده صحيح، الجوع (١٣٢) رقم (٢٠٨)، وأحمد في الزهد (٢٠١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٤٢٠) رقم (٥٩٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٥/ ١٢٧).
(٤) إسناده ضعيف جدا، فيه خالد بن عمرو القرشي وهو ضعيف جدا، رماه ابن معين بالكذب، ونسبه صالح جزرة وغيره إلى الوضع التقريب (١٦٧٠)، والأثر صحيح؛ الإخوان (٢١٩ - ٢٢٠) رقم (١٨٧)، والبخاري في صحيحه (٦/ ٢٢٨ فتح) رقم (٣١٢٩).
[ ٢ / ٩٥٦ ]
٨٥٤ - حدثني أبو محمد التميمي، عن علي بن محمد القرشي، عن يزيد بن يزيد، قال: قال حكيم بن حزام: "ما أصبحت صباحا قطّ فرأيت بفنائى طالب حاجة قد ضاق بها ذرعا فقضيتها إلا كانت من النعم التي أحمد اللَّه عليه، ولا أصبحت صباحا لم أر بفنائي طالب حاجة إلا كان ذلك من المصائب التي أسأل اللَّه ﷿ الأجر عليها" (^١).
٨٥٥ - حدثني هارون بن عبد اللَّه، قال: نا سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء قال: "قطع برجل بالمدينة فقيل له: عليك بحكيم بن حزام: فأتاه وهو في المسجد فدكر له حاجته، فقام معه فانطلق معه إلى أهله فمرّ بقطعة كساء -أو قال: خرقة- مطروحة في كساحة فأخذها بيده ثم نفضها ثم علّقها بيده، قال فقال الرجل في نفسه: ما أرى عند هذا خيرا، فلما دخل داره رأى غلمانا له يعالجون أداة من أداة الإبل فرمى بها إليهم فقال: استعينوا بهذه على بعض ما تعالجون، ثم أمر براحلة مقتّبة محقّبة، وأحسبه ذكر زادا" (^٢).
_________________
(١) إسناده لين؛ فإن يزيد بن يزيد لعله ابن جابر الأزدي ثقة فقيه من السادسة التقريب (٧٨٤٤) فالأثر معضل واللَّه أعلم، مكارم الأخلاق (١٠٧) رقم (٤٢٣)، ومن طريقه الحلبي في بغية الطلب (٦/ ٢٩٠٥)، والدينوري في المجالسة (١/ ٣٠٦) رقم (١٧٩٣).
(٢) إسناده حسن إلى جويرية وهو مرسل لأنه لم يدرك حكيم بن حزام، بل ذكر الذهبي في السير (٣/ ٤٤) ممن يروي عن ابن حزام ابن سيرين وغيره ثم قال: "أظن رواية هؤلاء عنه مرسلة "قلت: فجويرية من باب أولى فقد مات بعد ابن سيرين بخمس وستين سنة، مكارم الأخلاق (١٠٧) رقم (٤٢٢).
[ ٢ / ٩٥٧ ]
المبحث التاسع عشر: الآثار الواردة في فضائل أبي هريرة -﵁-.
٨٥٦ - قال يحيى بن معين: حدثنا معن قال: حدثنا مالك، عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري قال: "دخل مروان على أبي هريرة في شَكْوِهِ الذي مات فيه فقال: شفاك اللَّه يا أبا هريرة، فقال أبو هريرة: اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي، فما بلغ مروان أصحاب القطن حتى مات" (^١).
٨٥٧ - حدثنا خالد بن خداش قال: حدثنا حماد بن زيد قال: حدثني عمرو بن عبيد الأنصاري قال: حدثني أبو الزعيزعة (^٢) كاتب مروان: "أن مروان أرسل إلى أبي هريرة فجعل يسأله، وأجلسني وراء الستر أكتب عنه، حتّى إذا كان في رأس الحول، أرسل إليه فسأله وأمرني أن انظر فما غيّر حرفا عن حرف" (^٣).
_________________
(١) إسناده منقطع فإن المصنف لم يصرح بصيغة التحديث ولعلها إجازة أو مذاكرة، والأثر صحيح من طريق ابن سعد، المحتضرين (٢١٠) رقم (٣٠٠)، وقبله برقم (٢٨٨) وفيه أن الذي دعا له أبو سلمة التابعي المشهور فقال: "اللهم لا ترجعها، قالها مرتين، ثم قال: إن استطعت أن تموت فمت، فوالذي نفس أبي هريرة بيده ليأتينّ على الناس زمان يكون الموت أحب إلى أحدهم من الذهبة الحمراء، وليأتين على الناس زمان يمرّ الرجل على قبر أخيه المسلم فيتمنى أنه صاحبه"، وابن سعد في الطبقات (٤/ ٣٣٩)، ومن طريق المصنف ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٧/ ٦٨٥)، وذكره الذهبي في السير (٢/ ٦٢٥)، وابن حجر في الإصابة (٤/ ٢١٠).
(٢) هو سالم أبو الزعزعة مولى مروان بن الحكم، وكاتبه وكاتب ابنه عبد الملك بن مروان، وكان على الرسائل لعبد الملك، وولاه الحرس، تاريخ دمشق (٢٠/ ٨٩)، وانظر الوزراء والكتاب للجهشياري (٣٥).
(٣) فيه عمرو بن عبيد الأنصاري أورده البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، التاريخ الكبير (٦/ ٥٣٢)، الجرح والتعديل (٦/ ٢٤٦)، وأورده ابن =
[ ٢ / ٩٥٨ ]
٨٥٨ - حدثني ابن جميل، أنا عبد اللَّه، أنا داود بن قيس، حدثني رجل: "أن أبا هريرة كان إذا غدا من منزله لبس ثيابه ثم وقف على باب أمه فيقول: السلام عليك يا أمتاه ورحمة اللَّه وبركاته، فترد عليه مثل ذلك فيقول: جزاك اللَّه عني خيرا كما ربيتي صغيرا، فتقول: وأنت يا بني، فجزاك اللَّه عني خيرا كما بررتني كبيرة، ثم يخرج فإذا رجع قال مثل ذلك" (^١).
٨٥٩ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرني حماد بن سلمة، عن أبي حازم: "أن أبا هريرة لم يحج حتى ماتت أمه" (^٢).
_________________
(١) = حبان في الثقات (٥/ ٣٤٢)، وشيخه أبو الزعيزعة هو كاتب مروان الخليفة الأموي مجهول كما في الضعفاء لابن الجوزي (٣/ ٢٣١) وغيره، الإشراف (٣٤٠) رقم (٣٤٠)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٥١٠) وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وأورده الذهبي في السير (٢/ ٥٩٨)، والبخاري في الكنى (ص ٣٣) الجزء التاسع من التاريخ الكبير، جميعهم من طريق عمرو بن عبيد عن أبي الزعيزعة، وذكره الحافظ في الإصابة (٤/ ٢٠٥)، وانظر دفاع عن أبي هريرة (٩٣).
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه رجل مبهم، وباقي رجاله ثقات، مكارم الأخلاق (٥٥ - ٥٦) رقم (٢٢٨)، وابن المبارك في البر والصلة رقم (٣٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٧/ ٣٦٩).
(٣) إسناده صحيح إلى أبي حازم، وأبو حازم هو سلمة بن دينار ثقة عابد التقريب (٢٥٠٢) وهو من شيوخ حماد بن سلمة كما في تهذيب الكمال (٣/ ٢٤٥)، مكارم الأخلاق (٥٣) رقم (٢١٩)، ومسلم في صحيحه (١١/ ١٣٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٣٨٤) رقم (٨٦٠٢)، من حديث ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال سمعت سعيد بن المسيب يقول: قال أبو هريرة - ثم ذكر حديث لولا الجهاد وبر أمي. . . - وأردفه بقوله: "قال: وبلغنا أن أبا هريرة. . . " ولا أدري من قائل هذا أهو الزهري كما قال ابن حجر في الفتح (٥/ ١٧٦)، أم أنه ابن المسيب كما قال ابن القيم في حاشية سنن أبي داود (٨/ ٤٧).
[ ٢ / ٩٥٩ ]
المبحث العشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن عامر ابن كريز -﵁-.
٨٦٠ - حدثني أبو زيد النميري، حدثني بدر بن سعيد قال: سمعت عيسى بن يزيد بن بكر قال: "سأل الوليد بن عقبة (^١) مروان وهو على المدينة فاعتلّ عليه، فقدم على المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة فأمر له بعشرين ألفا فأبى أن يقبلها، فأتى ابن عامر فشكا إليه دينه، فقال: كم هو؟ قال: مائة ألف، فقضاه عنه وأعطاه مائة ألف أخرى، فقال الوليد:
ألا جعل اللَّه المغيرةَ وابنه ومروان نعلَي بَذلَةٍ لابن عامر
لكي تَقِياهُ الحَرَّ والقرَّ والأذى ولسع الأفاعي واحتدام الهواجر
يفيض الفرات للذين يلونه وسَيبُكَ يأتي كل باد وحاضر
إذا عبد شمس قدَّموا رِفدَ خيرهم سما فَعَلَا بالمجد فخرُ المفاخر
إن دنست أحساب قوم وجدتَّهُ إذا ما بلوه طاهرا وابن طاهر
قال أبو زيد: البيتان الأخيران ليس مما سمعت من بدر، وقد قيل: صاحب هذا الشعر عبد الرحمن بن الحكم" (^٢).
_________________
(١) هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية القرشي الأموي، أخو عثمان لأمه، له صحبة، وعاش إلى خلافة معاوية، الإصابة (٦/ ٦١٤)، التقريب (٧٤٤٢).
(٢) إسناده ضعيف جدا، فيه عيسى بن يزيد بن بكر وهو ابن داب قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال (٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨): "كان أخباريا علامة نسابة، لكن حديثه واه"، بل اتهم أيضا بوضع الحديث انظر الكشف الحثيث (٢٠٥) تاريخ بغداد =
[ ٢ / ٩٦٠ ]
٨٦١ - أخبرني أبو زيد النميري، أخبرني أيوب بن عمر بن أبي عمرو قال: أخبرني عبد اللَّه بن محمد الفروي قال: "اشترى عبد اللَّه بن عامر بن كريز [بن (^١) خالد بن عقبة بن أبي معيط داره التي في السوق، ليشرع (^٢) بها بابه على السوق بثمانين أو تسعين ألفا فلما كان من الليل حمع بكاءً فقال لأهله: ما لهؤلاء يبكون؟ قالوا: على دارهم، قال: يا غلام، ايتهم وأعلمهم أن الدار والمال لهم" (^٣).
_________________
(١) = (١١/ ١٥٠)، مكارم الأخلاق (١٢٣ - ١٢٤) رقم (٤٥٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٩/ ٢٤٨) البيتين الأولين فقط.
(٢) كذا في الطبعتين وهو خطأ مطبعو واضح، والصواب: "من" كما في شعب الإيمان.
(٣) انظر لسان العرب (٧/ ٨٧).
(٤) رجال إسناده رجال الحسن لولا أيوب فإني لم أقف له على ترجمة وهو مشهور برواية عمر بن شبة أبو زيد النميري عنه، قلت: ثم وقفت على كلام للسخاوي في التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة (٣٣٣) في ترجمة عمر بن أيوب بن عمرو ابن أبي عمر بن نعيم الغفاري المدني، ونقل عن ابن حبان أن الذهبي فرق بينه وبين أيوب بن عمر الغفاري والصواب أنهما واحد وهو ضعيف ضعفه الحاكم وأبو سعيد النقاش وأبو نعيم الأصبهاني، وسيأتي تسميته أبو سلمة الغفاري، وانظر لسان الميزان (٣/ ١٨٣)، مكارم الأخلاق (٨٦) رقم (٣٥١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٤٣٨) رقم (١٠٨٨٧).
[ ٢ / ٩٦١ ]
المبحث الحادي والعشرون: الآثار الواردة في فضائل معاوية -﵁-.
٨٦٢ - دثنا الحسن بن عيسى، دثنا ابن المبارك، أنا حيوة بن شريح، دثنا الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان. . . دثني العلاء بن حكيم أنه كان سيافا لمعاوية -﵁- فدخل عليه رجل فحدثه بهذا الحديث -وهو حديث الثلاثة الذين تسعر بهم النار أولا قبل غيرهم- فقال معاوية -﵁-: "قد فعل بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى بكاء شديدا، حتى ظننا أنه هالك، فقلنا، قد جاءنا هذا الرجل بِشَرٍّ، ثم أفاق ومسح عن وجهه، وقال: صدق اللَّه ورسوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ (^١) " (^٢).
٨٦٣ - حدثني سليمان، حدثني محمد بن عباد بن حبيب بن المهلب (^٣) قال: "بعث مروان وهو على المدينة ابنه عبد الملك إلى معاوية فدخل عليه فقال: إن لنا مالا إلى جنب مالك بموضع كذا وكذا من الحجاز، لا يصلح
_________________
(١) سورة هود، آية (١٥ - ١٦).
(٢) إسناده حسن، والحديث صحيح، الأهوال (٢٠٤) رقم (١٩٤)، والترمذي في سننه (٤/ ٥١٢) رقم (٢٣٨٢) وقال: "حديث حسن غريب"، وابن المبارك في الزهد (١٦٠) رقم (٤٦٩)، والطبري في تفسيره (١٢/ ١٣)، وابن حبان في صحيحه (٢/ ١٣٨) رقم (٤٠٨)، وابن خزيمة (٤/ ١١٦) رقم (٢٤٨٢) جميعهم من طريق ابن المبارك به، وأصل الحديث في صحيح مسلم (٣/ ١٥١٣) رقم (١٩٠٥).
(٣) انظر التخريج الآتي.
[ ٢ / ٩٦٢ ]
مالنا إلا بمالك ومالك إلا بمالنا، فإما تركت لنا مالك فأصلحنا به مالنا، وإما تركنا لك مالنا فأصلحت به مالك، فقال له: يا ابن مروان، إني لا أخدع عن القليل، ولا يتعاظمني ترك الكثير، وقد تركت لكم مالنا فأصلحوا به مالكم" (^١).
٨٦٤ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن مجالد، عن عامر قال: "القضاة أربعة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعري، والدهاة أربعة: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد" (^٢).
_________________
(١) إسناده حسن، ومحمد بن عباد المهلبي ذكره الحافظ في لسان الميزان (٥/ ٢١٤) وقال: "لم يكن بصيرا بالحديث، صحف ابن جابر فقال: ابن حدير"، والظاهر أن هذا لا يمنع من تحسين سند القصة، فهو صاحب القصة ولا مجال للتصحيف بل هي قصة يرويها بأسلوبه وليست نصا يحفظ واللَّه تعالى أعلم، لا سيما وأنه كان جوادا سخيا شريفا له عناية بأخبار الكرم والجود، وأميرا يعرف أخبار الأمراء والملوك، مكارم الأخلاق (١١٨) رقم (٤١٦).
(٢) إسناده ضعيف، فيه مجالد وهو بن سعيد الهمداني ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره التقريب (٦٥٢٠)، الإشراف (١٢٠ - ١٢١) رقم (٣٥)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٦٥) عن الشعبي بلفظ آخر، عن مسروق كلفظ المصنف، وسكت عليه هو والذهبي، وأورده المزي في تهذيب الكمال (٧/ ١٩٥ - ١٩٦) وفيه زيادة تفصيل لمعناه حيث قال: "فأما معاوية فللأناة، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير" وعن الزهري قريبا منه وليس فيه ذكر الأشعري -﵁-، والذهبي في السير (٢/ ٤٣٤).
[ ٢ / ٩٦٣ ]
المبحث الثاني والعشرون: الآثار الواردة في فضائل قيس بن سعد -﵁-.
٨٦٥ - أخبرني أبو زيد، حدثنا أبو عاصم، حدثنا جويرية بن أسماء (^١) -﵁- قال: "كان قيس بن سعد يستدين ويطعمهم، فقال أبو بكر وعمر رضي اللَّه تعالى عنهما: إن تركنا هذا الفتى أهلك مال أبيه، فمشينا في الناس، فصلى النبي -ﷺ- يوما بأصحابه، فقام سعد بن عبادة خلفه فقال: من يعذرني من ابن أبي قحافة وابن الخطاب يُبَخِّلان عليّ ابني" (^٢).
٨٦٦ - حدثنى محمد بن صالح القرشي، أخبرني محمد بن عمر الأسلمي، حدثني محمد بن يحيى بن سهل، عن أبيه عن رافع بن خديج قال: "أقبل أبو عبيدة ومعه عمر بن الخطاب -﵁- فقال لقيس بن سعد: عزمت عليك ألا تنحر، فلما نحر وبلغ النبي -ﷺ- قال: "إنه في بيت جود"، يعني في غزوة الخَبَط (^٣) " (^٤).
_________________
(١) هو جُويرية بن أسماء بن عبيد الضُّبَعي البصري، مات سنة (١٧٣ هـ)، التقريب (٩٨٨).
(٢) قرى الضيف (٢٨) رقم (١٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٩/ ٤١٥)، والقصة أصلها في البخاري انظر فتح الباري (٨/ ٧٨ - ٧٩)، وانظر القصة بسياق أوضح وأتم في السير (٣/ ١٠٦).
(٣) هي سرية أرسل فيها رسول اللَّه -ﷺ- أبا عبيدة في ثلاثمائة راكب قبل الساحل ليرصدوا عير قريش، أصابهم فيها جهد شديد حتى أكلوا الخبط، ثم قذف الساحل بحوت كبير أكلوا منه فصحوا، انظر السيرة النبوية في المصادر التاريخية (٤٧٩ - ٤٨٠).
(٤) إسناده ضعيف جدا؛ محمد بن عمر الأسلمي هو الواقدي وقد سبق (٤٥١)، قرى =
[ ٢ / ٩٦٤ ]
٨٦٧ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، حدثنا أبو أسامة، عن هشام ابن عروة، عن أبيه قال: "أدركت سعد بن عبادة -﵁-، وهو على أكم وهو ينادي: من أحب شحما ولحما فليأت سعد بن عبادة، ثم أدركت ابنه بمثل ذلك يدعو به" (^١).
٨٦٨ - حدثني محمد بن صالح القرشي، أخبرني محمد بن عمر، حدثني عبد اللَّه بن نافع، عن أبيه قال: "مرّ بي ابن عمر على هذه الأطم (^٢) يخبر بخبر ابن سعد، قال: يا نافع هذا دليم جدّه، وكان مناديه ينادي يوما في كل حول، من أردا الشحم واللحم فليأت دار دليم، فمات دليم فنادى منادي عبادة مثل ذلك، ثم مات عبادة فنادى سعد مثل ذلك، ثم قد رأيت قيس بن عبادة وكان من أجود الناس" (^٣).
_________________
(١) = الضيف (٢٨) رقم (١٩)، وانظر ما قبله.
(٢) إسناده صحيح، شيخ المصنف تابعه ابن أبي شيبة، قرى الضيف (٢٩) رقم (٢٢)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٦١٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣٣٣) رقم (٢٦٦٢٠)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٥٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٩٤) رقم (١٢٥٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٩/ ٤١٧) بطرق وسياقات متعددة.
(٣) جمع أطمة، وهو حِصْنٌ مَبْنِيٌّ بحجارة، وقيل هو كل بيت مُرَبَّع مُسَطَّح، لسان العرب (١٢/ ١٩).
(٤) إسناده ضعيف، عبد اللَّه بن نافع مولى ابن عمر ضعيف التقريب (٣٦٨٥)، قرى الضيف (٢٩ - ٣٠) رقم (٢٣)، ومن طريقه ابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ٥٩٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٩/ ٤١٧).
[ ٢ / ٩٦٥ ]
٨٦٩ - حدثني محمد بن صالح، حدثني عبد اللَّه بن محمد المظفري، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز بن سعيد بن سعد بن عبادة: "أن دليما كان يهدي مناة -يعني صنما- كل عام عشر بدنات، فلما كان قيس ابن سعد (^١) في الإسلام قال: لأهدينّها إلى الكعبة فكان يهديها" (^٢).
_________________
(١) هو قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الخزرجي الأنصاري، صحابي جليل، كان سخيا كريما داهية، مات سنة (٦٠ هـ) تقريبا وقيل بعد ذلك، التقريب (٥٥٧٦).
(٢) فيه عبد اللَّه بن محمد المظفري أو الظفري كما في مصدري التخريج، لم أجد له ترجمة ولعله القرشي الذي سبق (١١٧)، وانظر تاريخ دمشق (٥٣/ ٤٠٦) فهو في طبقته، قرى الضيف (٣٠) رقم (٢٤)، ومن طريقه ابن عبد البر في الاستعياب (٢/ ٥٩٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٩/ ٤١٧).
[ ٢ / ٩٦٦ ]
المبحث الثالث والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه ابن عمرو -﵁-.
٨٧٠ - حدثنا ابن جميل، أنا عبد اللَّه، أنا بشير بن سلمان عن مجاهد قال: "كنا عند عبد اللَّه بن عمرو وغلام له يسلخ شاة فقال: يا غلام؛ إذا فرغت فابدأ بجارنا اليهودي، حتى قالها ثلاث مرار، فقال له رجل من القوم: كم تذكر اليهودي، فقال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يوصي بالجار حتى حسبنا -أو رأينا- أنه سييورّثه" (^١).
_________________
(١) إسناده صحيح، مكارم الأخلاق (٨٠) رقم (٣٢٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٨٤) رقم (٩٥٦٣) رقم (٩٥٦٤) وفي هذا الأخير "بشير بن مهاجر" بدل "بشير بن سلمان"، والبخاري في الأدب المفرد (٥٨) رقم (١٢٨) وفيه "بشير بن سليمان"، وقد نبّه محقق تقريب التهذيب أبو الأشبال أنه وقع فيه أيضًا (سليمان) وأن ذلك خطأ مطبعي والصواب (سلمان) وهو ثقة يغرب (٧٢٢)، وانظر الضعفاء للعقيلي (١/ ٨١)، وميزان الاعتدال (١/ ٢٢٤)، ولسان الميزان (١/ ٣٩٦). أما نص الحديث المرفوع فهو صحيح أخرجه مسلم (١٦/ ١٧٦) وغيره.
[ ٢ / ٩٦٧ ]
المبحث الرابع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه ابن الزبير -﵁-.
٨٧١ - حدثني إبراهيم بن عبد اللَّه الهروي قال: أخبرنا هشيم قال: أخبرنا مغيرة، عن قطن بن عبد اللَّه (^١) قال: "رأيت ابن الزبير وهو يواصل من الجمعة إلى الجمعة، قال: فإذا كان عند إفطاره من الليلة المقبلة من ليلة الجمعة، يدعو بقدح يقال له العمري، ويدعو بقعب (^٢) من السمن، فيأمر بلبن، فيحلب عليه، ثم يدعو بشيء من الصَّبِر (^٣) فيدرّه عليه، ثم يشربه، قال: فأما اللبن فيعصمه، وأَما السمن فيقطع عنه العطش، وأما الصَّبِر فيفتق أمعاءه" (^٤).
٨٧٢ - حدثني سريج بن يونس، عن رباح بن خالد، عن عبد السلام
_________________
(١) انظر التخريج الآتي.
(٢) هو القَدَح الضَّخْمُ الغليظُ الجافي، وقيل: قَدَح من خَشَب مُقَعَّر، وقيل: هو قدح إِلى الصِّغَر، لسان العرب (١/ ٦٨٣).
(٣) هو الدواء المرّ، مختار الصحاح (٣٧٥).
(٤) إسناده لين، شيخ المصنف صدوق كما سيأتي (٩٧٨)، وهشيم صرح بالتحديث، أما قطن بن عبد اللَّه فذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٣٢٢)، ولم يذكر فيه البخاري وأبو حاتم جرحا ولا تعديلا، انظر التاريخ الكبير (٧/ ١٨٩)، والجرح والتعديل (٧/ ١٣٧)، الجوع (٩٤ - ٩٥) رقم (١٣٨)، وابن جرير في تهذيب الآثار (٢/ ٧٢١ - ٧٢٢) رقم (١٠٤٤)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (١/ ٢٠٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/ ١٧٦)، وذكره البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ١٨٩) في ترجمة قطن، وابن الأثير في الكامل (٤/ ١٢٨).
[ ٢ / ٩٦٨ ]
ابن حرب، عن ليث، عن مجاهد قال: "ما كان باب من العبادة يعجز عنه الناس إلا تكلّفه عبد اللَّه بن الزبير، ولقد جاءت سيل طبّق البيت، فجعل ابن الزبير يطوف سباحة" (^١).
٨٧٣ - حدثني محمد بن صالح، حدثني علي بن محمد، عن القاسم بن الفضل الحُدَّاني، عن جُلهُمة اليحمدي (^٢) قال: "ذكر مهلب يوما أهل البأس فقال: أشد الناس أحمر قريش وابن الكلبية وصاحب البغلة، فقال شيخ منهم يقال له الحُتات: ما نعرف هؤلاء الذين ذكرت، فقال: أما ابن الكلبية فمصعب بن الزبير، أفردوه فبقي في سبعة فعرضوا عليه الأمان فأبى ومضى على أمره فقتل، وأما أحمر قريش فعمر بن عبيد اللَّه بن معمر لم تلقنا سَرَعان خيل قط إلا ردّها عنا، وأما صاحب البغلة فهذا الحمار من بني تميم عباد بن الحصين لم نكن في كربة قط إلا فرّجها عنا، قال: فقال له الفرزدق بن غالب: ما رأينا كاليوم شيخا أضلَّ، فأين ابن
_________________
(١) مداره على ليث بن أبي سليم وقد سبق (٤٩)، والراوي عنه عبد السلام بن حرب ثقة حافظ له مناكير، التقريب (٤٠٩٥)، والقصة مشهورة واللَّه أعلم، كتاب المطر (٧٤) رقم (٣١)، والفاكهي في أخبار مكة (١/ ٢٥١)، ومن طريق المصنف ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/ ١٧١)، وذكره الحافظ في الإصابة (٦/ ٨٧) وعزاه للمصنف، والذهبي في السير (٣/ ٣٧٠)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٧٦٥)، وابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٣٣٥)، والسيوطي في تاريخ الخلفاء (٢١٣)، والسخاوي في التحفة اللطيفة (٢/ ٣٦).
(٢) انظر التخريج الآتي.
[ ٢ / ٩٦٩ ]
خازم (^١) وعبد اللَّه بن الزبير؟ فقال: يا أبا فراس، إنما جرى الحديث بالإنس، فليس هذان من الإنس" (^٢).
٨٧٤ - أخبرنا العباس بن هشام، عن أبيه، عن زياد بن عبد اللَّه، عن محمد بن إسحاق قال: سأل الحجاج بن يوسف ابنا لعمرو بن أمية الضمري عن عبد اللَّه بن الزبير فقال: "ما أدري كيف أصفه لك إلا أني لم أر جلدا على لحم، ولا لحما على عظم، ولا عظما على قلب مثل عبد اللَّه ابن الزبير ﵁" (^٣).
٨٧٥ - حدثني سليمان بن أبي شيخ قال: حدثنا أبو سفيان الحميري قال: "تكلّم عبد اللَّه بن الزبير، والزبير يسمع فقال له: أي بنيّ ما زلت تكلّم بكلام أبي بكر حتى ظننت أن أبا بكر قائم، فانظر من تزوّج؛ فإن المرأة من أخيها، من أبيها" (^٤).
_________________
(١) انظر ترجمته في الإصابة (٢/ ٣٠١)، وكأن الحافظ مال إلى ترجيح صحبته.
(٢) إسناده لين، والأثر صحيح، فيه جلهمة لم أعرفه، ولعله: جاهمة بن عباس بن مرداس له صحبة، وهو صاحب حديث الجهاد الذي استأذن النبي في الجهاد وله أم، انظر: الإصابة (١/ ٢١٨)، الجرح والتعديل (٢/ ٥٤٤)، مكارم الأخلاق (٤٤) رقم (١٨٧)، والاشراف في منازل الأشراف رقم (١٨١) بسند صحيح، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٥/ ٢٩٢)، والذهبي في تاريخ الإسلام (٦/ ١٦٢)، وأشار إليه الحافظ في تعجيل المنفعة (٣٠١).
(٣) إسناده ضعيف جدا؛ فيه العباس بن هشام وأبوه وقد سبقا مرارا، مكارم الأخلاق (٤٤ - ٤٥) رقم (١٨٩).
(٤) إسناده حسن، وهو منقطع؛ فإن الحميري صدوق وسط كما سبق (٧٦٢)، ولم يدرك عبد اللَّه فضلا عن أبيه الزبير، الإشراف (٢٣١) رقم (٢٧٧)، وابن عساكر (٢٨/ ١٨٠).
[ ٢ / ٩٧٠ ]
المبحث الخامس والعشرون: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه ابن عمر -﵁-.
٨٧٦ - حدثني محمد بن عباد بن موسى قال: أخبرنا زيد بن الحباب قال: أخبرني أبو كعب بيّاع الحرير قال: أخبرنا أنس بن سيرين: "أن عبد اللَّه بن عمر اشتهى سمكا طريا، فأتي به على رأس أميال من المدينة قد شوي له، وجعل له خبز رقاق، فأتي به عند إفطاره على خوان، فجعل ينظر فيه فقال: اذهبوا به إلى يتامى بني فلان، فقالت له صاحبته: خذ منه شهوتك، ثم نذهب به إلى يتامى بني فلان، قال: اذهبوا به إلى يتامى بني فلان، فإنه إذا أخذوا منه شهوتهم فقد أخذت منه شهوتي، فرددت عليه، فكلّ ذلك يقولها مثل ذلك" (^١).
٨٧٧ - حدثنا يحيى بن يوسف الزمّي قال: أخبرنا أبو المليح، عن ميمون بن مهران، عن نافع قال: "كان ابن عمر يجمع أهله على جفنة كل ليلة، فربما جاء سائل، فيأخذ ابن عمر نصيبه من الثريد فيدفعه إليه، ثم يرجع وقد أُكل ما في الجفنة، فإن كنت أكلتُ -أي نافع- منها شيئا فقد
_________________
(١) إسناده لين؛ شيخ المصنف صدوق يخطئ كما سيأتي (٩٧٤)، الجوع (١٧٣ - ١٧٤) رقم (٢٩٠)، وابن سعد في الطبقات (٤/ ١٦٥) بلفظ قريب وهو أعجب منه في الكرم حيث فاوضته زوجته ﵂ على أن يأكل وترضي هي الفقير بشيء بدل السمكة فماكسهم الفقر حتى أخذ دينارا على أن يترك السمكة، وبعدها أعطاه السمكة مع الدينار -﵁-، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣١/ ١٤٢) من طريق حبيب بن أبي مرزوق -وهو ثقة فاضل من السابعة، التقريب (١١١٣) - أن ابن عمر فذكره بنحوه، وهو معضل.
[ ٢ / ٩٧١ ]
أكل منها ابن عمر، ثم يصبح -أي نافع- صائما" (^١).
٨٧٨ - حدثني أبو عبد الرحمن القرشي، حدثني خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب: "ما من أهل ولا مال ولا ولد إلا وأنا أحب أن أقول عليه: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، إلا عبد اللَّه بن عمر؛ فإني أحب أن يبقى في الناس بعدي" (^٢).
٨٧٩ - حدثني سريج، حدثنا هشيم، عن منصور، عن ابن سيرين قال: "جاء رجل إلى ابن عمر فقال: ألا نصنع لك جوارش؟ قال: لأي شيء الجورش؟ قال: شيء إذا كظك الطعام فأكلت منه سهّل عليك ما تجد، قال ابن عمر: ما شبعت منه أربعة أشهر، وما ذاك بأني لا أكون أجده، ولكن عهدت أقواما يجوعون مرة، ويشبعون مرة" (^٣).
_________________
(١) إسناده صحيح، الجوع (٥٧) رقم (٥٠)، وفي هذا المعنى أي أن ابن عمر -﵁- كان لا يأكل حتى يأكل معه المساكين، ولا يردّ سائلا حتى عرف السائلون ذلك عنه فصاروا يترقبون خروجه ليتبعوه على أن يعطيهم، أورد ابن أبي الدنيا عدة آثار فانظر رقم: (٥٢، ٥٣، ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٥٩).
(٢) إسناده حسن، خالد بن سعيد صدوق التقريب (١٦٤٩)، العيال (٣٠٢) رقم (١٤٦).
(٣) إسناده منقطع؛ فإن ابن سيرين لم يسمع من ابن عمر انظر جامع التحصيل (٢٦٤)، والأثر صحيح من طريق البيهقي رواه بإسناد رجاله ثقات، إصلاح المال (١٠٦) رقم (٣٦٥)، والجوع برقم (٥٩) وانظر فيه رقم: (٥٧، ٥٨، ٧٦، ٩١)، وأحمد في الزهد (١٨٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٠٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٨) رقم (٥٦٨٦)، وفي التدوين في أخبار قزوين (٢/ ٩١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣١/ ١٥٠)، وذكره الذهبي في السير (٣/ ٢٢٢).
[ ٢ / ٩٧٢ ]
٨٨٠ - حدثني خالد بن خداش، حدثني مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه قال: "كان لا يعرف البِرُّ في عمر ولا ابن عمر، حتى يقولا أو يفعلا" (^١).
٨٨١ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير العبدي قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبدا اللَّه بن عمر، عن زيد بن أسلم قال: "قال رجل لابن عمر: إن فلانا يسبّك، قال: إني وأخي عاصما لا نسابّ الناس" (^٢).
٨٨٢ - حدثني الحسن بن علي بن مالك، نا أحمد بن عمرو بن السرح، أنا ابن وهب، أخبرني حُييّ بن عبد اللَّه، عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: "كنت جالسا مع عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب -﵁- ورجل من أهل اليمن يطوف بأمه يحملها بين كتفيه حتى إذا قضى طوافه بالبيت وضعها بالأرض فدعاه ابن عمر فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: هي
_________________
(١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق يخطئ التقريب (١٦٣٣)، وله متابع عند ابن عساكر، الإخلاص والنية (٦٢) رقم (٣٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣١/ ١١٤) من طريق الزبير بن بكار عن محمد بن الضحاك به، وانظر في ترجمة هذا المتابع التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة (٢/ ٤٨٨).
(٢) إسناده ضعيف، فيه عبد اللَّه بن عمر العمري المكبر ضعيف عابد التقريب (٣٥١٣)، الإشراف (٢٧٦) رقم (٣٦٦)، والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١٤٠) دون القصة، والمزي في تهذيب الكمال (٤/ ١٦) مطولا، وقبله (٤/ ١٥) مختصرا، وابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ٧٨٤)، جميعهم من طريق ابن المبارك بسنده وفيه عبد اللَّه بن سلمة الهذلي لم أقف له على ترجمة.
[ ٢ / ٩٧٣ ]
والدتي، فقال عبد اللَّه: لوددت أني أدركت أمي فطفت بها كما طفت بأمك، وليس لي من الدنيا إلا هذه النعلان" (^١).
٨٨٣ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرني شعبة، عن عبد اللَّه بن عمران قال: سمعت مجاهدا يقول: "صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه، فكان هو الذي يخدمني" (^٢).
_________________
(١) إسناده حسن، رجاله ثقات ما عدا حيي بن عبد اللَّه وهو المعافري متكلم فيه، وقال الحافظ: "صدوق يهم" التقريب (١٦١٥)، لكن الأثر من رواية ابن وهب عنه وهو ثقة، وقد ذكر ابن عدي أنه لا بأس به إذا روى ثقة عنه، انظر ميزان الاعتدال (١/ ٦٢٤)، الكامل (٢/ ٤٥٠)، مكارم الأخلاق (٦٧) رقم (٢٦٤).
(٢) إسناده حسن، وهو أثر مشهور، رجاله ثقات ما عدا عبد اللَّه بن عمران وهو تصحيف ورد كذلك في كلا طبعتي الكتاب، وصوابه عبيد اللَّه بالتصغير وهو القريعي، ثم وجدته غير مصحف عند المصنف في كتابه الإشراف (٣١٧) رقم (٤٥٤)، ذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٨٩) وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ٣٢٩): "شيخ"، إلا أن الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ١٦٩) روى من طريق شعبة عنه حديثا وفيه قول شعبة عنه: "حدثني شيخ كخير الشيوخ"، مكارم الأخلاق (٧٩) رقم (٣١٧)، والإشراف كما سبق، وأحمد في الزهد (١٩٣)، والخلال في السنة (١/ ٢٢٢) رقم (٢٦٢)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٢٤١) رقم (١٧٢٨)، من طرق عن شعبة عن عبد اللَّه بن عمران عن مجاهد به، وذكره الذهبي في السير (٣/ ٢١٤)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٤٥٢)، وذكر الذهبي من أوجه خدمته -﵁- له أنه كان يأخذ له بركاب دابته.
[ ٢ / ٩٧٤ ]
المبحث السادس والعشرون: الآثار الواردة في فضائل طلحة ابن البراء -﵁-.
٨٨٤ - ذكر أبو عبد الملك المدني بن أبي معشر، ذكر أبو معشر، ذكر محمد بن كعب قال: "كان طلحة بن البراء (^١) رجلا من بني أنيف أتى رسول اللَّه -ﷺ- يبايعه، فقال: "أبايعك على أن تقتل أباك"، قال: فأمسك بيده، قال: ثم جاءه مرة أخرى فقال: "أبايعك على أن تقتل أباك"، فأمسك بيده، ثم جاءه مرة أخرى فقال: "أبايعك على أن تقتل أباك"، فبايعه فأمره ألا يقتله، قال: ثم إن طلحة اشتكى شكوى فأدنف، قال: فجاءه رسول اللَّه -ﷺ- يعوده فرأى به الموت، فقال لبعض من عنده: "إذا نزل به الموت فأذنوني حتى أشهده وأصلي عليه"، قال: فنزل به الموت من الليل فقال بعض من عنده: آذنوا رسول اللَّه، فقال: لا تفعلوا، قالوا: ولم يا طلحة والناس يستشفون برسول اللَّه -ﷺ- إذا حضرهم الموت، قال: أخشى أن تصيبه نكبة أو تلدغه عقرب أو تنهشه حية، قال: وألقى اللَّه بذلك، قال: فتركوه حتى أصبح، فلما مات آذنوا رسول اللَّه -ﷺ- فقال: "ألم أقل لكم إذا نزل به الموت فآذنوني؟ "، فقالوا: أردنا يا رسول اللَّه أن نفعل فمنعنا وقال: أخشى أن تصيبه نكبة أو تلدغه عقرب أو تنهشه حية فألقى اللَّه بذاك فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "اللهم ألق طلحة بن البراء تضحك إليه ويضحك إليك" (^٢).
_________________
(١) هو طلحة بن البراء بن عميرة بن وبرة بن ثعلبة بن غنم بن سري بن سلمة بن أنيف البلوي، حليف بني عمرو بن عوف الأنصاري، الإصابة (٣/ ٥٢٤).
(٢) إسناده ضعيف، أبو معشر ضعيف التقريب (٧١٥٠)، الأولياء (٣١ - ٣٢) رقم (٧٤)، والطبراني في الكبير برقم (٣٥٥٤) والأوسط برقم (٨١٦٨)، وأبو داود مختصرا جدا برقم (٣١٥٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، وحسنه الهيثمي في المجمع (٣/ ٣٧) بناء على سكوت أبي داود عليه، وقد ضعف طرقه الألباني في كتاب السنة لابن أبي عاصم (١/ ٢٤٦).
[ ٢ / ٩٧٥ ]
المبحث السابع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل سهل بن سعد -﵁-.
٨٨٥ - حدثنا علي بن إبراهيم اليشكري قال: حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال: حدثنا عبد المهيمن بن عباس قال: حدثنا أبو حازم قال: "انصرفت من العصر إلى سهل بن سعد وكان صائما فلما أمسى قلت لغلامه: هات فطره، قال: . . . (^١)، قال: فتمر، قال: ولا تمر، قال: فجعلت أسبّه وأقول: شيخ من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ضيَّعته؟ قال: وما ذنبي؟ فتح اليوم خزانته فما ترك فيها بُرَّة ولا شعيرة إلا قسمه" (^٢).
_________________
(١) طمس في الأصل.
(٢) إسناده ضعيف؛ فيه عبد المهيمن بن عباس وهو ضعيف التقريب (٤٢٦٣)، الجوع (١٦٥) رقم (٢٧٤).
[ ٢ / ٩٧٦ ]
المبحث الثامن والعشرون: الآثار الواردة في فضائل زيد بن عمر بن الخطاب -﵁-.
٨٨٦ - حدثني محمد بن أبي موسى مولى أكيل بن شماخ العكلي، عن عبيدة بن حميد، عن القاسم بن معن قال: قال عمر بن الخطاب: "رحم اللَّه زيدا هاجر قبلي، واستشهد قبلي، ما هبَّت الرياح من تلقاء اليمامة إلا أتتني برثاه، ولا ذكرتُ قول متمِّم بن نويرة إلا ذكرته، وقال غير محمد: إلا هاج لي شجنا:
وكنا كَنَدْمَانَيْ جذيمة حقبةً من الدهر حتى قيل: لن يتصدّعا
فلما تفرّقنا كأني ومالكًا لطول اجتماع لم نَبِتْ ليلةً معا (^١)
_________________
(١) رجاله ثقات وهو معضل؛ فإن القاسم بن معن لم يسمع من عمر فهو ثقة من السابعة كما في التقريب (٥٥٣٢)، الهم والحزن (٨٨) رقم (١٤٠)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٢٥٢) رقم (١٠٢٠٥)، وكذا ابن عساكر في تعزية المسلم رقم (٢١).
[ ٢ / ٩٧٧ ]
المبحث التاسع والعشرون: الآثار الواردة في فضائل صعصعة -﵁-.
٨٨٧ - حدثني يوسف بن موسى قال: حدثنا جرير، عن مغيرة قال: "لم يكن أحد من أشراف العرب بالبادية كان أحسن دينا من صعصعة جدّ الفرزدق، ولم يهاجر، وهو الذي أحيا الوئيد، وهو الذي افتخر به الفرزدق فقال:
منّا الذي منع الوئيدات فأحيا الوئيد فلم تؤد (^١)
_________________
(١) إسناده حسن، شيخ المصنف هو القطان صدوق التقريب (٧٩٤٤)، وصعصعة -﵁- مشهور بما ذكر عنه في الأثر كما في الإصابة (٢/ ١٨٦)، الإشراف (٢٥٠) رقم (٣٠٩)، والأثر ورد بقصة مرفوعة إلى النبي -ﷺ- في إسلام صعصعة وإخبار النبي -ﷺ- أن له أجر أعماله الخيرية في الجاهلية من فداء وأد البنات إذا أسلم، أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢/ ٤٠٣ - ٤٠٤) رقم (١١٩٩)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٦١٠ - ٦١١)، والطبراني في الكبير (٨/ ٧٧ - ٧٨) رقم (٧٤١٢)، كلهم عن الطفيل بن عمرو التميمي وأعله به الهيثمي في المجمع (١/ ٩٥)، وهذا الحديث لا يعرف إلا به ولا يتابع عليه، كما تفيد عبارات أهل الجرح والتعديل، انظر الضعفاء للعقيلي (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩)، التاريخ الكبير للبخاري (٤/ ٣٦٤) وغيرهما، لكن أخرج النسائي في الكبرى بسند حسن الحديث في تفسير سورة الزلزلة دون قصة وأد البنات (٦/ ٥٢٠) رقم (١١٦٩٤)، والضياء في المختارة (٨/ ١٣ - ١٤).
[ ٢ / ٩٧٨ ]
المبحث الثلاثون: الآثار الواردة في فضائل علبة بن زيد -﵁-.
٨٨٨ - حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال: حدثنا محمد بن طلحة ابن الطويل قال: حدثنا عبد المجيد بن أبي عبس الحارثي، عن أبيه، عن جدّه قال: "حضّ رسول اللَّه -ﷺ- على الصدقة، فقال عُلبة بن زيد -رجل من الأنصار-: اللهم إنه ليس لي مال أتصدّق به، فأيما رجل من المسلمين نال من عرضي شيئا فهو عليه صدقة، فلما كان من الغد جاء الناس إلى رسول اللَّه ﷺ، فجاء كل رجل بما قدر عليه، فقال رسول اللَّه ﷺ: "أين المتصدّق بعرضه البارحة؟ " قال: فقام علبة فقال: أنا يا رسول اللَّه، قال: "قد قبل اللَّه صدقتك" (^١).
_________________
(١) حسن بشواهده، الإشراف (١٠٢) رقم (١)، مداراة الناس (٢٨) رقم (٩)، ومن طريقه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ٢٢٥١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٢٦٢)، وفيهما: علية بالمثناة بدل علبة بالموحدة، والطبراني في الكبير، والبزار في مسنده (٨/ ٣١٦)، من طريقين ضعيفين كما في مجمع الزوائد (٣/ ١١٤)، والعسكري في تصحيفات المحدثين (٢/ ٨٣٤)، وأورده ابن حجر في الإصابة (٢/ ٥٠٠)، وعزاه لابن شاهين والخطيب من طريق أبي قرة الزبيدي في سننه، كما أورده في لسان الميزان (٤/ ٥٥)، وقال العراقي: "رواه أبو نعيم في الصحابة والبيهقي في الشعب، من رواية عبد المجيد بن أبي عبس عن أبيه عن جده بإسناد فيه لين"، والزبيدي إتحاف السادة المتقين (٨/ ٢٩)، وله شاهد صحيح بعده لم يسم فيه الصحابي، وصححه الألباني في تخريج أحاديث فقه السيرة (٤٣٩).
[ ٢ / ٩٧٩ ]
المبحث الحادي والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل النعمان ابن قوقل -﵁-.
٨٨٩ - حدثني محمد بن عبد الرحمن بن سهم الأنطاكي، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، حدثنا جسر بن الحسن، عن أبي ثابت بن شداد بن أوس قال: قال النعمان بن قوقل (^١) يوم أحد: "اللهم إني أقسم عليك أن أُقتل، فأدخل الجنة، فقُتل، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن النعمان أقسم على اللَّه فأبرّه، فلقد رأيته يطأ في خُضَرِها ما به من عرج" (^٢).
_________________
(١) هو النعمان بن قوقل، وقيل: النعمان بن ثعلبة، وثعلبة يدعى قوقلا، شهد بدرا، أسد الغابة (١/ ١٠٦٩)، وانظر الاستيعاب (١/ ٤٧٤).
(٢) إسناده ضعيف، فيه جسر بن الحسن مقبول التقريب (٩٣٠)، مجابو الدعوة (٦٢) رقم (٢٢)، وأبو نعيم في معجم الصحابة (٥/ ٢٦٥٤) بسند ضعيف، وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ١٤٦)، ونقله ابن حجر عن البغوي بسنده في الإصابة (٣/ ٥٦٤) في ترجمة النعمان، ثم نسبه لابن منده وابن قانع من طريق الفزاري به، وانظر فتح الباري (٦/ ٤١) وهذه القصة مروية أيضًا عن عمرو بن الجموح كما قال ابن منده.
[ ٢ / ٩٨٠ ]
المبحث الثاني والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل أبي معلق -﵁-.
٨٩٠ - حدثنا عيسى بن عبد اللَّه التميمي، أخبرني فهير بن زياد الأسدي، عن موسى بن وردان، عن الكلبي -وليس بصاحب التفسير- عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: "كان رجل من أصحاب النبي -ﷺ- من الأنصار يكنى أبا مِعلق (^١)، كان تاجرا يتجر بماله ولغيره يضرب به في الآفاق، وكان يزن بسدد وورع، فخرج مرة فلقيه لصّ مقنع في السلاح، فقال له: ضع ما معك، فإني قاتلك، قال: ما تريد إلى دمي؟ شأنك بالمال، فقال: أما المال فلي، ولست أريد إلا دمك، قال: أما إذ أبيت، فذرني أصلى أربع ركعات، قال: صل ما بدا لك، قال: فتوضأ، ثم صلى أربع ركعات، فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال: يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعّال لما يريد، أسألك بعزّك الذي لا يرام، وملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك، أن تكفيني شرّ هذا اللص، يا مغيث أغثني، ثلاث مرات، قال: دعا بها ثلاث مرات، فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة، واضعها بين أذني فرسه، فلما بصر به اللص أقبل نحوه،، فطعنه، فقتله ثم أقبل إليه، فقال: قم، قال: من أنت بأمي أنت وأمي؟ فقد
_________________
(١) ذكره ابن حجر وابن الأثير في الصحابة بناء على هذا الأثر، ولم يزيدا عليه شيئا، انظر الإصابة (٧/ ٣٧٩)، وأسد الغابة (١/ ١٢٨٤).
[ ٢ / ٩٨١ ]
أغاثني اللَّه بك اليوم، قال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة دعوتَ بدعائك الأول، فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني، فسمعت لأهل السماء ضجّة، ثم دعوتَ بدعائك الثالث فقيل لي: دعاء مكروب، فسألت اللَّه تعالى أن يوليني قتله" (^١).
_________________
(١) إسناده ضعيف لجهالة الكلبي، ولعله ابن صاحب التفسير وهو متروك كأبيه أيضًا واللَّه أعلم، وفيه شيخ المصنف، لم أجد له ترجمة وفي طبقته عيسى بن عبد اللَّه بن سنان بن دلويه، البغدادي الطيالسي، الملقب زغاث، وهو بغدادي صاحب حديث وإتقان، فلا يبعد أن يكون هو، فإن ابن أبي الدنيا كان مكثرا من الشيوخ، وهذا بلديّه وهو صاحب حديث وإتقان، فالظاهر روايته عنه، وقد روى عنه في المنامات برقم (٢٢٠، ١١٨، ٩٩) وذكر في هذا الأخير أنه تميمي ولاء، وروى عنه أيضا في الصمت (١٩٢) وذم الغيبة (٥٥)، والتهجد (٢٢٢)، وفهير ذكره الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. كتاب الهواتف (٢٤ - ٢٥) رقم (١٤)، مجابو الدعوة (٦٣) رقم (٢٢)، واللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٦٦) رقم (١١١)، ورواه في الإصابة من طريق المصنف (٤/ ١٨٢)، وكذا المقدسي في الترغيب في الدعاء رقم (٦١)، أسد الغابة (٦/ ٢٩٥).
[ ٢ / ٩٨٢ ]
المبحث الثالث والثلاثون: الآثار الواردة في فضائل أسماء ﵂.
٨٩١ - حدثنا أبو جعفر التميمي، نا إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن المهاجر، عن أبيه، عن أسماء بنت يزيد الأنصارية (^١): "شهدت اليرموك مع الناس، فقتلت سبعة من الروم بعمود فسطاطاها" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة، الموزعة على المباحث المختلفة، فضائل كثير من الصحابة، ممن لم يسبق ذكرهم في العشرة المبشرين بالجنة، ولا فيمن ذكر من أهل البيت، وهم كمن سبق من إخوانهم من الصحابة، أهل الفضل والمكارم، كما قال ابن حزم: "لكل واحد من الصحابة ﵃، فضائل ومشاهد تعفو عن كل تقصير، وليس ذلك لغيرهم" (^٣).
فقد تضمنت الآثار بيان الصفات العظيمة التي امتازوا بها، كالجود والعطاء، والتضحية بالمال والنفس في سبيل نصرة اللَّه ورسوله، وضرب
_________________
(١) هي أسماء بنت يزيد بن السكن بن رافع بن امرئ القيس الأنصارية الأوسية ثم الأشهلية، بنت عم معاذ بن جبل، الإصابة (٧/ ٤٩٨).
(٢) إسناده ضعيف، مداره على المهاجر مولى أسماء وهو مقبول التقريب (٦٩٧٤)، ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٤٢٧)، مكارم الأخلاق (٣٩) رقم (١٧٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ١٢٨) رقم (٣٣٤٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ١٥٧) رقم (٤٠٣)، وذكرها ابن حجر في الإصابة (٤/ ٢٣٥).
(٣) المحلى (٨/ ١٧).
[ ٢ / ٩٨٣ ]
أروع البطولات في الجهاد في سبيل اللَّه، وبعض الكرامات التي ثبتت لبعضهم، وإقراء الضيف، وما سمع لبعضهم من هواتف تثني عليهم، والتواضع في الزي، والاخشوشان فيه، يأكلون دون الشبع، وحبهم للقرآن، واكتفاء بعض شعرائهم به عن قرض الشعر، حيث لم يقل بعد إسلامه شعرا، يضاعف أحدهم اجتهاده وعبادته، إذا قرب أجله، يصومون من الأيام أحرها، ويختارون من البر لأمهاتهم ما تقر به عينها، ولو أنفقوا من أموالهم أطايبها، يقدمون ذلك على كثير من العبادات كالحج وغيره، يعرف بعضهم حق بعض، ولا ينكر منزلته، ولو كان بينهم ما يكون بين الآدميين، من الخلاف والوحشة، لم يمنعه من ذكر فضل أخيه والاعتراف به، يعدون عدم الإنفاق، وخلوّ فنائهم من طالب حاجة من المصائب، حفظوا سنة نبيهم فلم يبدلوا، ولم يغيّروا، بل أدّوا كما سمعوا، امتحنهم غير واحد في حفظهم فكانوا يؤدون الحرف بعد زمن طويل كما أدوه قبل، يؤدون عن الناس ديونهم، بل ويزيدونهم مثلها عطاء، يشترون الدار بالثمن الغالي، ثم ترق قلوبهم لبكاء أهلها وحاجتهم لها وللمال، فيتنازلون عن البيت والمال، ترق قلوبهم للموعظة فتدمع عيونهم، ولا تمنعهم هيبة الخلافة ورونق العرش والكرسي من إظهار التخشع والخوف من اللَّه، والانكسار بين يديه، لا يخدعون عن القليل، ولا يتعاظمهم الكثير، منهم القضاة، ومنهم الدهاة، اختص بعضهم بالأناة، والآخر بالمعضلات، والآخر بالمبادهة، في حين كان الآخر للصغير والكبير، وكانت بعض بيوتهم بيوت جود، به يعرفون وعنه ينافحون، لا يقبلون في ذلك العذل واللوم، يحسنون لأصحاب الذمة، ويوصون بهم خيرا، ولا ينسونهم من برهم، ويبدأون بهم في الأعطية، اشتهر بعضهم بالمنافسة في أبواب العبادات حتى نسبت إليه عبادات لم تعرف عن غيره كالطواف سباحة، وقد أحسن من عوتب في عدم ذكر
[ ٢ / ٩٨٤ ]
بعضهم لما ذكرت الفضائل، فتعلل بأن السؤال كان عن الإنس، ومن ترك ذكرهم ليسوا من الإنس، لكثرة ما تميزوا به، يصومون طول النهار فإذا جاء الإفطار وجهز الطعام تبرعوا به ليتامى أهلهم وحيِّهم، ويشبعون لشبعهم، بل لا يجد أحدهم ما يأكله عند إفطاره لإنفاقه كل ما عنده، يحرصون من الطعام على أبسطه، عفيفة ألسنتهم عن السب والشتم، ويتصدق أحدهم بعرضه في سبيل اللَّه، تهيج أنفسهم لفعل الخير إذا رأوا من يفعله، فيتمنى أحدهم لو كانت أمه حية ليحملها كما رأى من يحمل أمه، يخافون على نبيهم من أي أذى يصيبه، فيدع دعوته والاستشفاء بدعائه خوفا عليه من لدغ عقرب أو نهش حية، أحيوا الوئيدة، ويقسم أحدهم على اللَّه بأن يقتل في سبيله فيدخل الجنة، فيبر اللَّه قسمه، بل إن نساءهم كن مجاهدات، حصر من قتلته أسماء يوم اليرموك بعمود فسطاطها فبلغ سبعة رجال، قال الغزالي -بعد إيرداه لجملة من أوصافهم-: "فهذه أحوال السلف، ونعتهم، وفيهم من الفضل أكثر مما وصفنا" (^١).
وقد كانت هذه سنة السلف ذكر محاسن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ومن أقوالهم في ذلك: "اذكروا محاسن أصحاب محمد ﵇ تأتلف عليه القلوب" (^٢)، قال الإمام أحمد: "ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- كلهم أجمعين" (^٣).
قال شيخ الإسلام: "الأحاديث مستفيضة، بل متواترة في فضائل الصحابة، والثناء عليهم، وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون،
_________________
(١) وقد جمع كثيرا من صفاتهم الغزالي في إحياء علوم الدين فراجعه (٣/ ٢٦٧).
(٢) السنة للخلال (٣/ ٥١٣).
(٣) السنة (٨٠) رواية مسدد.
[ ٢ / ٩٨٥ ]
فالقدح فيهم قدح في القرآن والسنة" (^١)، ومن جميل ما قاله الهيتمي ﵀ في ذلك -بعد نقله لجملة من الآيات والأحاديث في فضلهم-: "على أنه لو لم يرد من اللَّه ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا عليها؛ من الهجرة، والجهاد، ونصرة الإسلام، ببذل المهج، والأموال، وقتل الآباء، والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطع بتعديلهم، والاعتقاد بتراهتهم" (^٢).
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (١/ ٤٨١).
(٢) الصواعق المحرقة (٢/ ٦٠٧).
[ ٢ / ٩٨٦ ]
الفصل الخامس: الآثار الواردة في مسائل الإمامة والفتن.
وفي أربعة مباحث:
المبحث الأول: الآثار الواردة في الإمامة.
المبحث الثاني: الآثار الواردة في التحذير من الخروج.
المبحث الثالث: الآثار الوادردة في موقف المسلم من الفتنة.
المبحث الرابع: الآثار الواردة في موقف الخوارج من أهل السنة.
[ ٢ / ٩٨٧ ]
المبحث الأول: الآثار الواردة في الإمامة.
وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: الآثار الواردة في وجوب طاعة الحكام.
المطلب الثاني: الآثار الواردة في تحريم طاعة الحكام في المعصية، والإنكار بالقلب عند العجز.
المطلب الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الطعن في الأمراء.
المطلب الرابع: الآثار الواردة في النهي عن منازعة الملوك الأمر.
المطلب الخامس: الآثار الواردة في تحريم الخروج على الحكام.
المطلب السادس: الآثار الواردة في المنهج العام للسلف في الإنكار على الحكام.
المطلب السابع: الآثار الواردة في النهي عن التفرق والتحزب.
[ ٢ / ٩٨٨ ]
المطلب الأول: الآثار الواردة في وجوب طاعة الحكام.
٨٩٢ - حدثنا عمر بن بكير النحوي، أنبأنا أبو عبد الرحمن الطائي، أنبأنا أبو بردة بن عبد اللَّه بن أبي بردة قال: كان يقال: "إن رِبعِيّ بن حِرَاش -﵁- لم يكذب كذبا قط، فأقبل ابناه من خراسان قد تأجلَّا (^١)، فجاء العريف إلى الحجاج، فقال: أيها الأمير، إن الناس يزعمون أن ربعي ابن حراش لم يكذب قط، وقل قدم ابناه من خراسان، وهما عاصيان، فقال الحجاج: عليّ به، فلما جاء قال: أيها الشيخ، قال: ما تشاء؟ قال: ما فعل ابناك؟ قال: المستعان اللَّه، خلفتهما في البيت، قال: لا جرم واللَّه، لا أسوءك فيهما، هما لك" (^٢).
_________________
(١) أي لم يخرجا في بعث الحجاج الذي عيَّنَه تلك السنة.
(٢) إسناده ضعيف جدا؛ فيه أبو عبد الرحمن الطائي وهو الهيثم بن عدي، مؤرخ أخباري من بابة الواقدي، انظر تاريخ الإسلام للذهبي (١/ ١٥٨٣)، والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٣/ ١٧٩)، أما شيخ المصنف فهو أخباري أيضًا نسابة نحوي له ترجمة موجزة في الفهرست لابن النديم (١/ ١٥٦) وانظر (١/ ٥١، ٩٩، ١٠٧)، كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٢٩) رقم (٤٥٢)، مكارم الأخلاق (٢٩) رقم (١٣٥)، وابن حبان في روضة العقلاء (٥٤)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٨/ ٤٤)، وذكره العجلي في الثقات (١/ ٣٥٠) في ترجمة ربعي، وأورد القصة الذهبي في السير (٤/ ٣٦٠ - ٣٦١)، وسياق ابن حبان أوضح حيث بيّن سبب العقوبة فقال: "فإنك ضربت على ابنيه البعث فعصيا، وهما في البيت، وكان عقوبة الحجاج للعاصي ضرب السيف"، وفي السير بيان أنه أكرمه وأعجبه صدقه.
[ ٢ / ٩٨٩ ]
المطلب الثاني: الآثار الواردة في تحريم طاعة الحكام في المعصية، والإنكار بالقلب عنه العجز.
٨٩٣ - حدثنا محمد بن حماد الرازي قال: سمعت عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: "أتى رجل ابن عباس فقال: ألا أقوم إلى هذا السلطان فآمره وأنهاه؟ قال: لا تكن له فتنة، قال أفرأيت إن أمرني بمعصية اللَّه -﷿-؟ قال: ذاك الذي تريد، فكن حينئذ رجلا! " (^١).
٨٩٤ - حدثنا إسماعيل بن عبد اللَّه بن زرارة الرقي قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الربيع بن عميلة، عن ابن مسعود -﵁-: "إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فاخترعوا كتابا من قِبَل أنفسهم فاستهوته قلوبهم، فاستحلته ألسنتهم، فقالوا: تعالوا حتى ندعو الناس إلى كتابنا هذا، فمن تابعنا تركناه، ومن خالفنا قتلناه، فقالوا: انظروا فلانا فإن تابعكم فلن يتخلّف عنكم أحد، وإن خالفكم فاقتلوه، فبعثوا إليه فدخل منزله فأخذ كتابا من كتب اللَّه فجعله في قرن ثم تقلّده تحت ثيابه، فأتاهم فقرأوا عليه كتابهم، فقالوا:
_________________
(١) إسناده صحيح، شيخ المصنف هو الطِّهراني ثقة حافظ، لم يصب من ضعفه التقريب (٥٨٦٦)، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٢٨) رقم (٩٧)، ومعمر في الجامع كما في مصنف عبد الرزاق (١١/ ٣٤٨) رقم (٢٠٧٢٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٩٦) رقم (٧٥٩٣)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٣٢٢).
[ ٢ / ٩٩٠ ]
تؤمن بما هذا الكتاب؟ فقال: وما لي لا أؤمن بهذا الكتاب -وأشار إلى صدره- فرجع إلى منزله فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات، فجاء إخوان من إخوانه فنبشوه فوجدوا ذلك الكتاب في ذلك القرن، فقالوا: كان ايمانه في هذا الكتاب، قال ابن مسعود: فتفرّقت النصارى على سبعين فرقة، فأهداهم فرقة أصحاب ذي القرن، فقال ابن مسعود: يوشك من عاش منكم أن يرى منكرا لا يستطيع فيه غير أن يعلم اللَّه من قلبه أنه له كاره" (^١).
٨٩٥ - حدثنا عبد اللَّه بن عمر بن محمد القرشي، وعبد الرحمن بن صالح العتكي (^٢) قالا: حدثنا حسين الجعفي، عن الحسن بن الحر، عن ميمون بن أبي شبيب (^٣) قال: "قعدت أكتب كتابا فمررت بحرف، إن أنا كتبته زيَّنت الكتاب، وكنت قد كذبت، فعزمت على تركه، فناداني مناد من جانب البيت: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ
_________________
(١) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق التقريب (٤٦١)، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١١١) رقم (٧٤)، وانظر رقم (١٠٥)، وابن أبي حاتم في التفسير -جمع المحقق- (١٠/ ٣٣٣٩)، وعنه ابن كثير في تفسيره (٤/ ٣١٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٩٦) رقم (٧٥٨٩).
(٢) الأزدي، أبو محمد العتكي الكوفي، نزيل بغداد، صدوق يتشيع، كما في التقريب (٣٩٢٣)، وانظر الجرح والتعديل (٥/ ٢٤٦)، الثقات لابن حبان (٨/ ٣٨٠)، تاريخ بغداد (١٠/ ٢٦١)، التهذيب (٢/ ٥١٧).
(٣) هو ميمون بن أبي شبيب الربعي، أبو نصر الكوفي، صدوق كثير الإرسال، مات سنة (١٨٣ هـ) في وقعة الجماجم، التقريب (٧٠٤٦).
[ ٢ / ٩٩١ ]
الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (^١)، فقال: وتهيأت للجمعة في زمن الحجاج، فجعلت أقول: أذهب، لا أذهب، فناداني منادٍ من جانب البيت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٢)، قال: فذهبت" (^٣).
٨٩٦ - حدثني علي بن مسلم قال: حدثنا سيار بن حاتم قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: حدثنا مالك بن دينار قال: "كنا إذا صلّينا خلف الحجاج فإنما نلتفت ما بقى علينا من الشمس، فيقول: إِلَامَ تلتفتون، أعمى اللَّه أبصاركم؟ إنا لا نسجد لشمس ولا لقمر ولا لحجر ولا لوثن" (^٤).
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآية (٢٧).
(٢) سورة الجمعة، الآية (٩).
(٣) إسناده حسن، شيخ المصنف عبد الرحمن بن صالح صدوق كما سبق في التعليق السابق. كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٥٦) رقم (٥٣٥)، وفي كتاب الهواتف من طريق شيخ آخر (٩٠) رقم (١٢٤ - ١٢٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٤٦٧) رقم (٥٤٠٣)، واللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ٢٢٠) رقم (١٩١)، وعزاه الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٢٠) إلى المصنف، وأبي نعيم في الحلية (٤/ ٣٧٥)، وأورده المزي في تهذيب الكمال (٧/ ٢٩١) في ترجمة ميمون بلفظ أكمل وأوضح في بيان سبب الترددّ، فقال: "وقال الحسن بن الحر، عن ميمون بن أبي شبيب: أردت الجمعة في زمان الحجاج فتهيأت للذهاب، ثم قلت: أصلي خلف هذا؟ فقلت مرة أذهب ومرة لا أذهب، قال: فأجمع رأيي على الذهاب، فناداني مناد من جانب البيت. . .".
(٤) إسناده حسن، وسيار صدوق له أوهام التقريب (٢٧٢٩) إلا أنه راوية جعفر بن سليمان وقد أكثر عنه أحمد كما في ميزان الاعتدال (٢٥٣ - ٢٥٤)، الإشراف (٣٢٢) رقم (٤٦٨).
[ ٢ / ٩٩٢ ]
٨٩٧ - حدثنا علي بن مسلم قال: حدثنا سعيد بن عامر، عن كثير أبي الفضيل (^١) قال: "شهدت الوليد بن عبد الملك بدمشق صلى الجمعة والشمس كالشرف (^٢) ثم صلى العصر" (^٣).
٨٩٨ - حدثنا القاسم بن هاشم قال حدثني عمر بن حفص العسقلاني قال حدثني إبراهيم بن أدهم قال حدثنا أبو عيسى المروزي قال: سمعت سعيد بن المسيب في خلافة عبد الملك بن مروان يقول: "لا تملأوا أعينكم من أئمة الجور وأعوانهم إلا بالإنكار عليهم من قلوبكم، لكي لا تحبط أعمالكم" (^٤).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار الواردة في المطلبين السابقين، بيان وجوب طاعة الحكام، والنهي عن معصيتهم، وأن هذه القاعدة العامة، لا يخرمها إلا أن يؤمر العبد بمعصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق حينئذ.
فطاعة الحاكم المسلم واجبة متعينة ولو كان فيها ضرر على الطائع، كما فعل ربعي بن حراش حين بلّغ عن ابنيه لما سأله عنهما الحجاج وكانا فارَّين من العسكر.
_________________
(١) انظر التخريج الآتي.
(٢) كذا، ولعلها: تَشَّرَّف.
(٣) فيه كثير أبو الفضيل لم أجده، الإشراف (٣٢٣) رقم (٤٦٩).
(٤) إسناده لين، فيه أبو عيسى المروزي لم أعرفه، كتاب الورع (٦٦) رقم (٧٣)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٧٠) (٨/ ٥٧) من طريق أبي عيسى كذلك.
[ ٢ / ٩٩٣ ]
لكن هذا لا يعني أنها طاعة مطلقة، بل هي مقيّدة بأن لا تكون طاعة في معصية اللَّه؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذا ما تضمنته الآثار الواردة في المطلب الثاني، حيث بيّن ابن عباس -﵁- لمن سأله عن طاعة الأمير إذا أمره بمعصية، فأجابه بأنه يتعين عليه أن يكون حينئذ رجلا ولا يطيعه، ونهاه قبل ذلك أن يقوم إليه فيأمره وينهاه لكى لا يكون له فتنة، وهكذا فعل الصحابة مع أمراء الجور والظلم، الذين كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، كالحجاج والوليد بن عبد الملك، فلم يتركوا الصلاة وراءهم بسبب هذه المعصية، وذكر بعضهم أنه يأتي زمان على الرجل لا يستطيع من الإنكار إلا أن يعلم اللَّه من قلبه أنه كاره.
هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، نصوا عليها في مختلف كتبهم، بل جسّدوها في مواقف عملية في حياتهم، وأمروا بها غيرهم، وناظروا عليها مخالفيهم، قال أبو الحسن الأشعري: "أجمعوا على السمع والطاعة لأئمة المسلمين" (^١)، وقال ابن قدامة: "من السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمر بمعصية اللَّه؛ فإنه لا طاعة لأحد في معصية اللَّه" (^٢)، وقال ابن تيمية: "طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم واجب على الإنسان وإن لم يعاهدهم عليه، وإن لم يحلف لهم الأيمان المؤكدة. . . وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يرخصون لأحد فيما نهى اللَّه عنه من معصية ولاة
_________________
(١) رسالة إلى أهل الثغر (٢٩٦).
(٢) لمعة الاعتقاد (١٨١).
[ ٢ / ٩٩٤ ]
الأمور، وغشِّهم، والخروج عليهم، بوجه من الوجوه، كما عرف من عادات أهل السنة والدين قديما وحديثا ومن غيرهم" (^١).
وقال شيخ الإسلام مبينا مذهب أهل السنة في طاعة الحكام: "لا يوجبون طاعة الإمام في كل ما يأمر به، بل لا يوجبون طاعته إلا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة، فلا يجوزون طاعته في معصية اللَّه، وإن كان إماما عادلا. . . فأهل السنة لا يطيعون ولاة الأمور مطلقا، إنما يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول -ﷺ-، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (^٢)، أمر بطاعة اللَّه مطلقا، وأمر بطاعة الرسول؛ لأنه لا يأمر إلا بطاعه اللَّه، ومن يطع الرسول فقد أطاع اللَّه، وجعل طاعة أولي الأمر داخلة في ذلك، فقال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ولم يذكر لهم طاعة ثالثة؛ لأن ولي إلأمر لا يطاع طاعة مطلقة إنما يطاع في المعروف" (^٣)، قال ابن عبد البر: "أجمع العلماء على أن من أمر بمنكر لا تلزم طاعته" (^٤)، وقال شيخ الإسلام: "المؤمن من أمة محمد يختار الأذى في طاعة اللَّه على الإكرام مع معصيته، كأحمد بن حنبل اختار القَيْد والحبس
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٥)، وطبع باسم قاعدة مختصرة في وجوب طاعة اللَّه ورسوله -ﷺ- وولاة الأمور، بتحقيق الدكتور عبد الرزاق العباد.
(٢) سورة النساء، الآية (٥٩).
(٣) منهاج السنة (٣/ ٣٨٧)، وانظر (٣/ ٣٩١).
(٤) التمهيد (٢٣/ ٢٧١).
[ ٢ / ٩٩٥ ]
والضرب على موافقة السلطان وجنده على أن يقول على اللَّه غير الحق في كلامه، وعلى أن يقول ما لا يعلم أيضًا؛ فإنهم كانوا يأتون بكلام يُعْرَف أنه مخالف للكتاب والسنة فهو باطل، وبكلام مجمل يحتاج إلى تفسير، فيقول لهم الإمام أحمد: ما أدري ما هذا، فلم يوافقهم على أن يقول على اللَّه غير الحق، ولا على أن يقول على اللَّه ما لا يعلم" (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٣٧).
[ ٢ / ٩٩٦ ]
المطلب الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الطعن في الأمراء.
٨٩٩ - حدثنا الحسن بن يحيى العنبري، ثنا الهيثم بن عبيد الصيد قال: لا أعلمه إلا سهيل أخو حزم، حدثني قال: "سمع ابن سيرين رجلا يسبّ الحجاج فقال: "مه أيها الرجل؛ إنك لو وافيت الآخرة كان أصغر ذنب عملته قط أعظم عليك من أعظم ذنب عمله الحجاج، واعلم أن اللَّه حكم عدل؛ إن أخذ من الحجاج لمن ظلم شيئا فسيأخذ للحجاج ممن ظلمه، فلا تشغلنّ نفسك بسبِّه" (^١).
٩٠٠ - حدثنا الحسين بن جنيد، حدثنا شعيب بن حرب حدثنا علي بن مسعدة حدثنا رياح بن عبيدة قال: "كنت عند عمر بن عبد العزيز ﵁، فذكر الحجاج، فشتمته ووقعت فيه، قال: فنهاني عمر وقال: "مهلا يا رياح، فإنه بلغني: أن الرجل يُظلم بالمظلمة، فلا يزال المظلوم يشتم الظالم وينتقصه، حتى يستوفي حقَّه، ويكون للظالم الفضل عليه" (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ سهيل هو بن مهران ضعيف التقريب (٢٦٨٧)، وتابعه أبو جعفر عند ابن أبي شيبة ولم أعرفه، التوبة (٦٠ - ٦١) رقم (٤١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ١٩١) رقم (٣٠٥٨٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٧١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ١٦١).
(٢) إسناده حسن، علي بن مسعدة صدوق له أوهام التقريب (٤٨٣٢)، كتاب الصمت وآداب اللسان (٣٠٢ - ٣٠٣) رقم (٧١١)، وسبق نحوه عند المصنف برقم (٥٨١) وليس فيه قصة الحجاج، =
[ ٢ / ٩٩٧ ]
٩٠١ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني قدامة بن محمد الخشرمي، حدثني الحجاج بن صفوان بن أبي زيد قال: "وشى رجل ببسر بن سعيد (^١) إلى الوليد بن عبد الملك أنه يطعن على الأمراء، أو يعيب بي مروان، قال: فأرسل إليه الوليد، والرجل عنده، قال: فجيء به ترعد فرائصه، فأدخل عليه، فسأله عن ذلك فأنكره بسر، وقال: ما فعلت، قال: فالتفت الوليد إلى الرجل، فقال: يا بسر هذا يشهد عليك بذلك، فنظر إليه بسر وقال: أهكذا؟ قال: نعم، فنكّس رأسه وجعل ينكث في الأرض، ثم رفع رأسه فقال: اللهم قد شهد بما قد علمت أني لم أقله، فإن كنت صادقا فأريني به آية على ما قال، قال: فانكبّ لوجهه، فلم يزل يضطرب حتى مات" (^٢).
_________________
(١) = والجامع لابن وهب (١/ ٦٨)، والزهد لابن المبارك (٢٣٧ - ٢٣٨) رقم (٦٨١).
(٢) هو بسر بن سعيد المدني العابد، مولى بن الحضرمي، ثقة جليل، مات سنة (١٠٠ هـ)، التقريب (٦٦٦).
(٣) إسناده ضعيف، فيه قدامة وهو صدوق يخطئ التقريب (٥٥٦٤)، والحجاج بن صفوان بن أبي زيد مقبول، التقريب (٢٩٦٠)، مجابو الدعوة (١١٨) رقم (٩٤)، ومن طريقه اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ١٨٦) رقم (١٢٢)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (١/ ٣٤١).
[ ٢ / ٩٩٨ ]
المطلب الرابع: الآثار الواردة في النهي عن منازعة الملوك الأمر.
٩٠٢ - حدثنا الهيثم بن خارجة، نا عبد اللَّه بن عبد الرحمن قال: سمعت عمير بن هانئ العنسي قال: قلت لابن عمر: "كيف تقول فينا وفي هؤلاء؟ قال: ما أنا لكم بحامد، ولا لهم بغادر، أنتم أصحاب دنيا تنافستموها بينكم، تهافتون في النار تهافت الذباب في المرق، قال: قلت: أرأيت (^١)؟ قال: إن شئت، قلت: أرأيت، أرأيت؟ ألك رحل؟ انطلق إلى رحلك" (^٢).
_________________
(١) وقع في رواية البيهقي أنه سأله عن البيعة التي أخذها عليهم عبد الملك بن مروان، وعند تمام أنه صرح له بأن المقصود من تلك البيعة هي السمع له والطاعة وأنه بعث في هذا البعث وهو مكره، وكان السائل غير عمير واللَّه أعلم، وعند ابن عساكر أنه أتاه بمعراض من الكلام، كأنه يريد أن يأخذ منه فتوى على جواز قتال ابن الزبير -﵁-، كل ذلك يجيب ابن عمر أن السمع فيما يستطيع وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد ذكر في ترجمته أنه كان قدريا فلعله لذلك لم يفتح ابن عمر -﵁- مجال النقاش بالرأي، وهذا من أهم الأساليب التي يواجه بها أمثال هؤلاء بأن لا يمكنوا من نشر شبههم واللَّه أعلم.
(٢) إسناده حسن؛ شيخ المصنف صدوق التقريب (٧٤١٤)، ذم الدنيا (١٣٦) رقم (٤١١)، وتمام في فوائده رقم (١٥٦٠)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ١٢١) رقم (٥٠٨٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤/ ٣٦٤) (٤٦/ ٤٩٧).
[ ٢ / ٩٩٩ ]
المطلب الخامس: تحريم الخروج على الحكام.
٩٠٣ - حدثني إبراهيم بن عبد اللَّه، حدثنا قبيصة بن ليث أبو معاوية الأسدي، حدثني مطرف، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال: "رأيت في المنام كأن السماء انفرجت، فاطلع منها رجل، فقلت: ما أنت؟ قال: أنا ملك، قلت: أسألك عن شيء؟ قال: سل عما شئت، قلت: أخبرني عن أهل الجمل (^١)؟ قال: فئتان مؤمنتان اقتتلوا، قلت: أخبرني عن أهل صفين (^٢)؟ قال: فئتان مؤمنتان اقتتلوا، قلت: أخبرني عن أهل النهروان (^٣)؟ قال: خلعوا إمامهم، ونكثوا بيعتهم، فلقوا ترحا" (^٤).
_________________
(١) هي الوقعة الشهيرة التي خرجت فيها عائشة ﵂ ومعها طلحة والزبير للمطالبة بدم عثمان، فساروا إلى البصرة، ووقعت وقعة عظيمة اقتتلت فيها طائفتان من المسلمين، قتل فيها طلحة والزبير وخلق عظيم، كانت سنة (٣٦ هـ)، البداية والنهاية (٧/ ٢٣٠)، تاريخ الخلفاء (١٥٥).
(٢) وقعت سنة (٣٧ هـ) بعد منصرف علي بن أبي طالب من وقعة الجمل، بينه وبين معاوية وعسكر أهل الشام، فاقتتلوا في صفين عدة أيام ثم تصالحوا وحكموا الحكمين على أن يلتقوا من قابل وينظروا أمر الأمة، تاريخ الخلفاء (١٥٥).
(٣) لما تصالح على مع معاوية وانصرف كل منهما إلى بلده، رجع على إلى الكوفة، فخرج عليه الخوارج وأنكروا عليه التحكيم، فعسكروا بحروراء، فأرسل إليهم ابن عباس فناظرهم فرجع منهم الكثير، وانحاز الباقون إلى النهروان، ثم عرضوا للسبيل فسار إليهم على وقتل منهم ذو الثدية، وذلك سنة (٣٨ هـ).
(٤) إسناده حسن؛ قبيصة بن الليث صدوق التقريب (٥٥٤٩)، المنامات (١١٧) رقم (٢٤٥).
[ ٢ / ١٠٠٠ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار الواردة في المطالب السابقة، بيان تحريم الخروج على الحكام، وكل ما يؤدّي إلى ذلك من الأسباب، كالطعن فيهم ومنازعتهم الأمر.
فالطعن في الحكام: هو كما يقال دق لطبول الخروج، ونذير بقرب وقوعه، ولذلك حرص السلف على غلق هذا الباب، وذكروا توجيهات كثيرة، وأبرزوا حِكَمًا متنوعة لذلك، فمن ذلك: أن اللَّه حكم عدل (^١)، وقد بيّن ابن سيرين لمن سمعه يسب الحجاج، فكما سيأخذ من الحجاج أو الحاكم الظالم عموما ممن ظلمه، فسيأخذ للحجاج أيضا ممن ظلمه، فالأولى أن يشغل المرء نفسه بما يصلحها، وذكر عمر بن عبد العزيز أمرا آخر، وهو أن المظلوم قد يستوفي حقَّه بكثرة نيله من الظالم، ويكون للظالم الفضل عليه، ولهذا تبرَّأ بسر بن سعيد من تهمة تنقص الخلفاء، فلما أصرَّ الواشي به، دعا عليه فوقع ميتا.
ومنازعتهم الأمر: مذموم غير محمود أبدا، وأنكر ابن عمر -﵁- القتال على الملك فلم يحمد الخارج، ولم يغدر بالمبايع، قال ابن عبد البر: "وأما قوله: "وأن لا ننازع الأمر أهله" فاختلف الناس في ذلك؛ فقال
_________________
(١) وهذا من أعظم الفقه في باب الأسماء والصفات الذي فقهه سلف هذه الأمة، فأين هذا ممن نسب إليهم زورا مذهب التفويض، فانظر ماذا فهم من صفتي العدل والحكمة، وكيف عصمه ذلك، من الوقوع في الفتن.
[ ٢ / ١٠٠١ ]
قائلون: "أهله" أهل العدل والإحسان، والفضل والدين، فهؤلاء لا ينازَعُون؛ لأنهم أهله.
وأما أهل الجور والفسق والظلم فليسوا له بأهل، ألا ترى إلى قول اللَّه -﷿- لإبراهيم ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (^١)، وإلى منازعة الظالم الجائر ذهبت طوائف من المعتزلة وعامة الخوارج.
وأما أهل الحق وهم أهل السنة فقالوا: هذا هو الاختيار أن يكون الإمام فاضلا عدلا محسنا؛ فإن لم يكن فالصبر على طاعة الجائرين من الأئمة أولى من الخروج عليه؛ لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، ولأن ذلك يحمل على هراق الدماء، وشن الغارات، والفساد في الأرض، وذلك أعظم من الصبر على جوره وفسقه، والأصول تشهد والعقل والدين، أن أعظم المكروهين أولاهما بالترك، وكل إمام يقيم الجمعة والعيد، ويجاهد العدو، ويقيم الحدود على أهل العداء، وينصف الناس من مظالمهم بعضهم لبعض، وتسكن له الدهماء، وتأمن به السبل، فواجب طاعته في كل ما يأمر به من الصلاح أو من المباح" (^٢).
فحرم الخروج عليهم: وهو أخطر من القتال في الفتنة، حيث إن أهل النهروان مذمومين مطلقا، بخلاف أهل الجمل وصفين، قال شيخ
_________________
(١) سورة البقرة، من الآية (١٢٤).
(٢) التمهيد (٢٣/ ٢٧٨).
[ ٢ / ١٠٠٢ ]
الإسلام: "الذي عليه أكابر الصحابة والتابعين أن قتال الجمل وصفِّين لم يكن من القتال المأمور به، وأن تركه أفضل من الدخول فيه، بل عدوه قتال فتنة، وعلى هذا جمهور أهل الحديث، وجمهور أئمة الفقهاء. . . وكذلك مذهب أعيان فقهاء المدينة، والشام، والبصرة، وأعيان فقهاء الحديث. . . وغيرهم، أنه لم يكن مأمورا به، وأن تركه كان خيرا من فعله، وهو قول جمهور أئمة السنة، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة في هذا الباب، بخلاف قتال الحرورية والخوارج أهل النهروان، فإن قتال هؤلاء واجب بالسنة المستفيضة عن النبي -ﷺ- وباتفاق الصحابة وعلماء السنة" (^١).
ونصوص السلف في هذا المعنى كثير جدا، مبثوثة في كتبهم ورسائلهم، بل إن كثيرا منهم نصوا على أنها من مسائل الأصول، قال الإمام أحمد ﵀: "أصول السنة عندنا. . . السمع والطاعة للأئمة. . . والغزو ماضٍ مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك، وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماضٍ، ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائزة ونافذة، ومن دفعها إليهم أجزأ عنه برا كان أو فاجرا، وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولي جائزة تامة ركعتين، من أعادها فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنة. . . ومن خرج على إمام المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه، وأقروا له بالخلافة، بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة، فقد شق هذا الخارج عصا
_________________
(١) منهاج السنة (٨/ ٥٢٣)، وانظر مجموع الفتاوى (٧/ ٤٨١).
[ ٢ / ١٠٠٣ ]
المسلمين، وخالف الآثار عن رسول اللَّه -ﷺ-، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية، ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق" (^١)، وقال شيخ
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٦١)، وهو في باب سياق ما روي من المأثور عن السلف في جمل اعتقاد أهل السنة بدأها بسفيان الثوري ثم الأوزاعي ثم ابن عيينة ثم أحمد بن حنبل ثم علي ابن المديني ختمهم بابن جرير الطبري لا يكاد يخلو اعتقاد أحدهم من ذكر السمع والطاعة وتحريم الخروج على الحكام، وانظر قول الإمام أحمد خاصة في الرسائل والمسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة (٢/ ٣ - ١٠)، وانظر المراجع الآتية: الإيمان للعدني (١١٥)، والإبانة لأبي الحسن الأشعري (٦١)، مع مقالات الإسلاميين (١/ ٣٤٨)، ورسالة إلى أهل الثغر (٢٩٦)، والسنة لابن أبي عاصم (٣/ ٤٧٨ - فما بعدها)، والشريعة للآجري (١/ ٣٧٣ - ٣٨٤)، والسنة للخلال (١/ ٧٣ - ٨٩)، أصول السنة لابن أبي زمنين (٢٧٥ - ٢٩٢)، التبصير في الدين لابن جرير (١٥٤ - ١٥٨)، شعار أصحاب الحديث أبي أحمد الحاكم (٣١)، والتنبيه والرد للملطي (١٥، ١٧)، اعتقاد أئمة الحديث للإسماعيلي (٧٥ - ٧٦)، الرسالة الوافية للداني (٩٧)، والسنن الواردة في الفتن (٢/ ٣٨١)، عقيدة أصحاب الحديث للصابوني (٩٢، ٩٣)، شرح السنة للبربهاري (٥١)، الشرح والإبانة لابن بطة (١٧٥، ٢٧٦ - ٢٨١)، والحجة في بيان المحجة للتيمي (١/ ٢٣٥ - ٢٤٢)،، وشرح العقيدة الطحاوية (٣٧٩)، وقطف الثمر لصديق حسن خان (١٣٣)، بل لأهمية هذه المسألة فقد ذكرت في كتب الفقه أيضًا بتفاصيل كثيرة، انظر: الشرح الميسر على الفقهين الأبسط والأكبر (١٠٨)، المغني لابن قدامة (١٠/ ٤٦)، المهذب (٣/ ٢٤٩)، مغني المحتاج (٤/ ١٢٣)، منار السبيل (٢/ ٣٩٨)، الدراري المضية للشوكاني (٥٠٥)، وشرحه الروضة الندية لصديق حسن خان (٢/ ٧٧٨)، السيل الجرار (١/ ٢٨١) (٤/ ٥١١، ٥٥٦)، المدخل لابن بدران (٧٨).
[ ٢ / ١٠٠٤ ]
الإسلام: "من الأصول التي دلت عليها النصوص، أن الإمام الجائر الظالم يؤمر الناس بالصبر على جوره وظلمه وبغيه، ولا يقاتلونه كما أمر النبي -ﷺ- بذلك في غير حديث" (^١)، ولذلك فإن بعض السلف امتنع من التحديث بما ظاهره يؤيد الخروج قال ابن حجر: "وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمدُ في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان. . . وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب واللَّه أعلم" (^٢)، وهكذا تجد في كل فتنة حصلت في الأمة: "كان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج، والقتال في الفتنة، كما كان عبد اللَّه ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وعلي بن الحسين وغيرهم، ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث، ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة، للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي -ﷺ-، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم" (^٣).
_________________
(١) الاستقامة (١/ ٣٢) وانظر (٢٨/ ١٢٨).
(٢) فتح الباري (١/ ٢٢٥).
(٣) منهاج السنة (٤/ ٥٢٨).
[ ٢ / ١٠٠٥ ]
المطلب السادس: الآثار الواردة في المنهج العام للسلف في الإنكار على الحكام.
٩٠٤ - حدثني علي بن الحسن قال: قال فضيل بن عياض: "لا تنظروا إلى مراكبهم، فإن النظر إليها يطفئ نور الإنكار عليهم" (^١).
٩٠٥ - حدثنا محمد بن بكار قال: حدثنا حفص بن عمر، عن معاوية ابن إسحاق، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: "آمر السلطان بالمعروف وأنهاه عن المنكر؟ قال: إن خفت أن يقتلك فلا، قال: ثم عدت فقال لي مثل ذلك، ثم عدت فقال لي مثل ذلك، وقال: إن كنت لا بدّ فاعلا ففيما بينك وبينه" (^٢).
٩٠٦ - حدثنا محمد بن حماد الرازي قال: سمعت عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: "أتى رجل ابن عباس فقال: ألا أقوم إلى هذا السلطان فآمره وأنهاه؟ قال: لا تكن له فتنة، قال أفرأيت إن
_________________
(١) فيه علي بن الحسن سبق (١٥٤)، كتاب الورع (٦٧) رقم (٧٥).
(٢) إسناده ضعيف؛ والأثر حسن، فيه حفص بن عمر هو قاضي حلب، ذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (١/ ١٢٢)، وانظر لسان الميزان (٢/ ٣٢٦)، لكن تابعه غير واحد سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١١٣) رقم (٧٦)، وسعيد بن منصور في سننه (٤/ ١٦٥٩) رقم (٨٤٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٧٠) رقم (٣٧٣٠٧)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٣٢٢)، انظر أثرا للزهري جميلا في الحلية (٦/ ٣٧٩).
[ ٢ / ١٠٠٦ ]
أمرني بمعصية اللَّه -﷿-؟ قال: ذاك الذي تريد، فكن حينئذ رجلا! " (^١).
٩٠٧ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه قال: حدثنا سيار بن حاتم قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: حدثنا علي بن زيد بن جدعان قال: حدثنا الحسن قال: "أتيت قدامة بن عنزة العنبري -قال جعفر: وهو جد سوار ابن عبد اللَّه بن عنزة- فوافقت عنده مرداسا أبا بلال (^٢)، ونافع بن الأزرق (^٣)، وعطيّة بن الأسود (^٤) قال: فتكلّم مرداس أبو بلال، فذكر الإسلام -قال الحسن: فما سمعت ناعتا للإسلام كان أبلغ منه- ثم ذكر السلطان فنال منهم، وذكر ما أحدث الناس ثم سكت، ثم تكلّم نافع بن الأزرق فذكر الإسلام فوصفه فأحسن، وذكر السلطان فنال منهم، ثم ذكر ما أحدث الناس، ثم تكلّم عطية بن الأسود فذكر الإسلام فوصفه فأحسن، ولم يبلغ ما بلغ نافع بن الأزرق، وذكر السلطان فنال منهم، ثم ذكر ما أحدث الناس، قال: فقال قدامة بن عنزة لبعض أهله: ساندني،
_________________
(١) سبق (٧٤٩).
(٢) هو مرداس بن ادية أبو بلال تابعي يعد من كبار الخوارج، لسان الميزان (٦/ ١٤)، وانظر أخباره الكثيرة في الكامل للمبرد (٢/ ٣١٥).
(٣) هو نافع بن الأزرق الحروري، من رؤوس الخوارج، وإليه تنسب طائفة الأزارقة، وكان قد خرج في أواخر دولة يزيد بن معاوية، وكان يطلب العلم، وله أسئلة عن ابن عباس، لسان الميزان (٦/ ١٤٤).
(٤) لعله الذي ذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٣٨١)، والبخاري في تاريخه (٧/ ٩)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٣٨١) ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا.
[ ٢ / ١٠٠٧ ]
فقال: إخواني كل الذي قلتم منذ اليوم أعرف منه مثل ما تعرفون، وأنكر منه مثل ما تنكرون، وأنا مثل (كذا) الذي أنتم عليه، ما لم تشهروا علينا السلاح، فإذا شهرتم علينا السلاح فأنا منكم بريء" (^١).
٩٠٨ - حدثنا الصلت بن مسعود الجحدري قال: حدثنا بشر بن المفضّل قال: حدثنا المغيرة بن محمد قال: قال عمر بن عبد العزيز: "لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيا حتى تكون فيه خمس خصال؛ أيتهن أخطاته كان فيه خللا: حتى يكون عالما قبل أن يستعمل، مستشيرا لأهل العلم، ملقيا للرَّثَع (^٢)، منصفا من الخصم، محتملا للأئمة" (^٣).
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه ابن جدعان وهو ضعيف وقد سبق (٦٤٤)، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٢٩) رقم (٩٨).
(٢) الطمع والحرص الشديد، ذكره في لسان العرب (٥/ ١٣٦)، وأشار إلى أثر عمر هذا.
(٣) إسناده ضعيف، فيه المغيرة بن محمد لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحا ولا تعديلا انظر الجرح والتعديل (٨/ ٢٣٠) ولم أجد له ترجمة عند غيره اللهم إلا كتب الكنى وليس فيها إلا التعريف به، الإشراف (١٤٦) رقم (٨٥)، وأخرجه أيضًا وكيع في أخبار القضاة (١/ ٧٨، ٧٩)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١١٧) من طريق سعيد بن منصور، وذكر ابن قدامة في المغني (٤/ ١٨) أن محل الشاهد وهو "محتملا للأئمة" ورد في رواية عند سعيد بن منصور، قلت: ولعله لذلك لم يورده الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق بهذا اللفظ (٥/ ٢٩٣) وإنما أورده عن سعيد بلفظ آخر واللَّه أعلم، وقد ورد الأثر بعدة ألفاظ.
[ ٢ / ١٠٠٨ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان منهج السلف العام في التعامل مع حكام الجور والظلم، وطريقتهم في الإنكار عليهم، ويمكن إجمال ما تضمنته هذه الآثار في منهجهم في أنهم كانوا يحرصون على إبقاء الإنكار القلبي والحفاظ عليه، وقطع الأسباب التي تضعفه أو تميته، كالاسترسال في النظر إلى مراكبهم الفخمة، ثم الإنكار حسب الإمكان، فإن كان ولا بد ففيما بينك وبين الأمير، وألا يكون له فتنة بقيامه له أمام الناس، ومن صفاتهم التحمل للأئمة، ولا يعني هذا أنهم يداهنون الحكام أو يبررون لهم أفعالهم النكرة، وإنما هم يعرفونها ويقرون لمن ذكرها إنكاره، لكن ينكرون أسلوب معالجتها، ولذلك أجاب قدامة بن عترة الخوارج لما ذكروا ما ينقمونه على السلطان: "أنا مثل الذي أنتم عليه، ما لم تشهروا علينا السلاح، فإذا شهرتم علينا السلاح فأنا منكم بريء"، فهذه هي القاعدة العامة، معرفة المنكر، وإنكاره بالقلب، والتحمل وعدم التسرع بالقيام والتشهير، ثم محاولة الإصلاح بالنصيحة، وذلك سرا فيما بينه وبينه، قال ابن رجب: "دلت هذه الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه، وأما إنكاره بالقلب فلا بد منه، فمن لم ينكر قلبه المنكر دل على ذهاب الإيمان من قلبه. . . وأما الإنكار باللسان واليد فإنما يجب بحسب الطاقة. . . الإنكار بالقلب فرض على كل مسلم، في كل حال، وأما الإنكار باليد واللسان، فبحسب القدرة. . . - ثم تكلم على التغيير باليد
[ ٢ / ١٠٠٩ ]
وما ورد في في جوازه وبيّن وجهه وهو أن- التغير باليد ليس بالسيف والسلاح، فحينئذ جهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل: أن يريق خمورهم، أو يكسر آلات اللهو التي لهم، أو نحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم، إن كان لي قدرة على ذلك، وكل ذلك جائز وليس هو من باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه، فإن هذا أكثر ما يخشى منه أن يقتله الأمراء وحده، وأما الخروج عليهم بالسيف فيخشى منه الفتن، التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين" (^١).
قال ابن رجب مبينا طريقة نصيحة الولاة: "النصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولين، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق، وحث الأغيار على ذلك" (^٢)، وقال الشوكاني: "ينبغى لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل، أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد، بل كما ورد في الحديث أنه يأخذ بيده، ويخلو به، ويبذل له النصيحة، ولا يذل سلطان اللَّه، وقد قدمنا في أول كتاب السير هذا أنه لا يجوز الخروج على الأئمة، وإن بغوا في الظلم أي مبلغ، ما أقاموا الصلاة، ولم يظهر
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٢٢)، وانظر العلوم من واجب علاقة الحاكم والمحكوم (١٧).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٨٠).
[ ٢ / ١٠١٠ ]
منهم الكفر البواح، والأحاديث الواردة في هذا المعنى متواترة" (^١).
وقد قال الشيخ ابن باز ﵀ لما سئل عمن يعتبر هذه العقيدة انهزامية ومتخاذلة: "يجب أن يسيروا على مذهب أهل السنة والجماعة على مقتضى الأدلة الشرعية، فيقفون مع النصوص كما جاءت، وليس لهم الخروج على السلطان من أجل معصية أو معاص وقعت منه، بل عليهم المناصحة للسلطان من أجل معصية أو معاص وقعت منه، بل عليهم المناصحة بالكتابة والمشافهة، بالطرق الطيبة الحكيمة، بالجدال بالتي هي أحسن، حتى ينجحوا وحتى يقل الشر أو يزول، ويكثر الخير، . . . فالواجب على الغيورين للَّه وعلى دعاة الهدى أن يلتزموا بحدود الشرع، وأن يناصحوا من ولاهم اللَّه الأمور بالكلام الطيب، والحكمة والأسلوب الحسن، حتى يكثر الخير ويقل الشر، وحتى يكثر الدعاة إلى اللَّه وحتى ينشطوا في دعوتهم بالتي هي أحسن لا بالعنف والشدة، ويناصحوا من ولاهم اللَّه بشتى الطرق الطيبة السليمة مع الدعاء لهم في ظهر الغيب، أن اللَّه يهديهم ويوفقهم ويعينهم على الخير. . . ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف النصيحة فيما بينهم وبين السلطان والكتابة إليه أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير" (^٢).
_________________
(١) السيل الجرار (٤/ ٥٥٦)، وانظر الروضة الندية (٢/ ٧٧٦).
(٢) المعلوم من واجب العلاقة بين الحاكم بالمحكوم (١٢ - ٢٢) بتصرف، وانظر العقيدة الطحاوية شرح وتعليق الألباني (٦٩).
[ ٢ / ١٠١١ ]
المطلب السابع: الآثار الواردة في النهي عن التفرق والتحزب.
٩٠٩ - كتب إليّ أبو عبد اللَّه محمد بن خلف بن صالح الكوفي التيمي قال: نا شعيب بن إبراهيم التيمي، حدثني سيف بن عمر الأسيدي، عن بدر بن عثمان، عن عمة قال: "آخر خطبة خطبها عثمان في جماعة: "إن اللَّه إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى، والآخرة تبقى، لا تبطرنّكم الفانية، ولا تشغلنّكم عن الباقية، آثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدنيا منقطعة، وإن المصير إلى اللَّه -﷿-، واتقوا اللَّه، فإن تقواه جُنة من بأسه، ووسيلة عنده، واحذروا أمر اللَّه، والزموا جماعتكم، ولا تصيروا أحزابا، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ (^١) إلى آخر الآيتين" (^٢).
_________________
(١) سورة آل عمران، الآيتان (١٠٣ - ١٠٤).
(٢) إسناده حسن؛ والأثر صحيح، شيخ المصنف صدوق كما سبق (٣٦٢)، لكن تابعه السري بن يحيى عند ابن عساكر وابن جرير، وهو ثقة أخطأ الأزدي في تضعيفه التقريب (٢٢٣٦)، ذم الدنيا (٦١) رقم (١٤٦)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٦٩) رقم (١٠٦١٢)، وابن جرير في التاريخ (٢/ ٦٧٢، ٦٩٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٢٣٨)، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٧/ ٢١٦).
[ ٢ / ١٠١٢ ]
التحليل والتعليق
تضمن أثر عثمان -﵁- الحث على لزوم جماعة المسلمين، والنهي عن الفرقة والتحزب، وكأنه -﵁- تفرّس فيهم ما سيحدث بعد وفاته، ومن فقهه أنه جعل التحزب والتفرق، مقابلا للجماعة؛ فإن لزوم الجماعة عصمة من التفرق والتحزب، وظهور الجماعات والأحزاب في الأمة نذير فرقة وذهاب قوتهم، وتلاشي دولتهم، وهو من الاختلاف: "الذي يوجب الفرقة، والاختلاف، وفساد ذات البين، ويوقع التحزب والتباين. . . ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري، لا بد منه لتفاوت إرادتهم، وأفهامهم، وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض، وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب، وكل من المختلفين قصده طاعة اللَّه ورسوله، لم يضر ذلك الاختلاف؛ فإنه أمر لا بد منه في النشأة الانسانية، ولكن إذا كان الأصل واحدا، والغاية المطلوبة واحدة، والطريق المسلوكة واحدة، لم يكد يقع اختلاف، وإن وقع كان اختلافا لا يضر -كما تقدم من اختلاف الصحابة- فإن الأصل الذي بنوا عليه واحد، وهو كتاب اللَّه وسنة رسوله، والقصد واحد وهو طاعة اللَّه ورسوله، والطريق واحد وهو النظر في أدلة القرآن والسنة، وتقديمها على كل قول، ورأي، وقياس، وذوق، وسياسة" (^١)، وقد حصل ما تفرسه -﵁- وذلك: "لما توفي عثمان لم يبق لها
_________________
(١) الصواعق المرسلة (٢/ ٥١٤ - ٥٢٠) بتصرف، ذكره في معرض بيان الاختلاف المحمود =
[ ٢ / ١٠١٣ ]
معين -الخلافة- إلا علي -﵁-، وإنما وقع الشر بسبب قتل عثمان، فحصل بذلك قوة أهل الظلم والعدوان، وضعف أهل العلم والإيمان، حتى حصل من الفرقة والاختلاف ما صار يطاع فيه مَنْ غَيْرُهُ أولى منه بالطاعة، ولهذا أمر اللَّه بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، ولهذا قيل: ما يكرهون في الجماعة، خير مما يجمعون من الفرقة" (^١)، والمراد بالجماعة المأمور لزومها كما قال الطبري: "الصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة، قال وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابا فلا يتبع أحدا في الفرقة، ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك، خشية من الوقوع في الشر، وعلى ذلك يتنزل ما جاء في سائر الأحاديث، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف منها" (^٢)، قال الشاطبي معلقا على كلامه: "هذا تمام كلامه، وهو منقول بالمعنى، وتحَرٍّ في أكثر اللفظ، وحاصله: أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام، الموافق للكتاب والسنة، وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة، خارجٌ عن معنى الجماعة المذكور في الأحاديث المذكورة، كالخوارج ومن جرى مجراهم، فهذه خمسة أقوال
_________________
(١) = والمذموم.
(٢) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٧٤).
(٣) فتح الباري (١٣/ ٣٦).
[ ٢ / ١٠١٤ ]
دائرة على اعتبار أهل السنة والاتباع، وأنهم المرادون بالأحاديث فلنأخذ ذلك أصلا" (^١).
قال القرطبي: "من بدَّل، أو غَيَّر، أو ابتدع في دين اللَّه ما لا يرضاه اللَّه، ولم يأذن به اللَّه، فهو من المطرودين عن الحوض، المبتعدين منه، المسودِّي الوجوه، وأشدهم طردا وإبعادا من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدِّلون، ومبتدعون، وكذلك الظلمة، المسرفون في الجور والظلم، وطمس الحق، وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر، المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ، والأهواء والبدع، كل يخاف عليهم أن يكونوا عنوا بالآية" (^٢)، وقال الطحاوي: "ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة"، قال شارحه ابن أبي العز: "السنة: طريقة الرسول -ﷺ-، والجماعة: جماعة المسلمين، وهم الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، إلى يوم الدين فاتباعهم هدًى، وخلافهم ضلالٌ" (^٣)، وقال الغزنوي: "لا نخالف جماعة المسلمين، ونرى الجماعة حقا وصوابا، والفرقة زيغا وعذابا" (^٤)، وقال
_________________
(١) الاعتصام (١/ ٤٧٦).
(٢) تفسير القرطبي (٤/ ١٦٢)، وانظر التمهيد لابن عبد البر (٢٠/ ٢٦٢).
(٣) شرح العقيدة الطحاوية (٣٨٢).
(٤) أصول الدين (٣٠٠).
[ ٢ / ١٠١٥ ]
الشوكاني: "وردت آيات وأحاديث كثيرة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي الأمر بالكون في الجماعة، والنهي عن الفرقة" (^١)، ومن هنا كان الخروج عن جماعة المسلمين من سمات أهل البدع قال شيخ الإسلام: "الخوارج دينهم المُعَظَّم مفارقة جماعة المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم، والشيعة تختار هذا، لكنهم عاجزون، والزيدية تفعل هذا، والإمامية تارة تفعله، وتارة يقولون: لا نقتل إلا تحت راية إمام معصوم، والشيعة استتبعوا أعداء الملة من الملاحدة والباطنية وغيرهم" (^٢).
_________________
(١) فتح القدير (١/ ٥٥٩)، وانظر: الشريعة للآجري (١/ ١٠)، الانتصار للسمعاني (٤)، تلبيس إبليس (١٣)، أصول الإيمان لمحمد بن عبد الوهاب (٣٢)، فقد عقدوا جميعا بابا مستقلا في ذلك، ومجلس مناظرة شيخ الإسلام على العقيدة الواسطية في المجموع (٣/ ١٨١)، تفسير القرطبي (٤/ ١٥٥).
(٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٠٩).
[ ٢ / ١٠١٦ ]
المبحث الثاني: الآثار الواردة في التحذير من الخروج.
وفيه تسعة مطالب:
المطلب الأول: الآثار الواردة في التحذير من الفتن والدماء، والتنازل عن الأمر خشية وقوعها.
المطلب الثاني: الآثار الواردة في الخوف من فتح باب الخروج على الأمة.
المطلب الثالث: الآثار الواردة في علاقة الغوغاء بالخروج.
المطلب الرابع: الآثار الواردة في مآل الخروج إلى الفرقة والاختلاف.
المطلب الخامس: الآثار الواردة في عدم الجدوى من الخروج.
المطلب السادس: الآثار الواردة في خوف العواقب السيئة المترتبة على الخروج.
المطلب السابع: الآثار الواردة في الخوف من الانتكاس وعدم الصبر على الابتلاء بعد الخروج.
المطلب الثامن: الآثار الواردة في أن ظلم الحكام عقوبة لا تستقبل بالسيف، بل بالتوبة والتضرع.
المطلب التاسع: الآثار الواردة في توبة الخارج على الحكام.
[ ٢ / ١٠١٧ ]
المبحث الثاني: الآثار الواردة في التحذير من الخروج.
تقدم في المبحث السابق بمختلف مطالبه بيان النهي عن الخروج على الحكام ومنازعتهم الأمر، ومنهج السلف العام في الإنكار عليهم، والصبر والتحمل رغبة في بقاء بيضة المسلمين منيعة قوية، وإقفال الأبواب الموصلة لهذا المحذور الشرعي كالطعن في الحكام والتفرق والتحزب، مع إنكار المنكر والتحذير منه، ولو بالقلب حتى لا يطمس الدين، وتتغير معالمه، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وتأكيدا لهذا الذي سبق، فإن للسلف عدَّة ملاحظ لاحظوها في هذه العقيدة، وذلك أن الخروج على الحاكم المسلم يترتب عليه كثير من المفاسد، ومن هنا كانت المقاصد الشرعية، والأمور المرعية في تحريمه كثيرة ومتنوعة، ذكرتها في المطالب التالية، لإبراز فقه السلف في هذه المسألة، وبعد نظرهم، وعمق إدراكهم لمآلات الأمور ومسبباتها ووسائلها.
[ ٢ / ١٠١٨ ]
المطلب الأول: الآثار الواردة في التحذير من الفتن والدماء، والتنازل عن الأمر خشية وقوعها.
٩١٠ - حدثنا هارون بن أبي يحيى السلمي قال: أنبأنا أبو الجوّاب الضبي قال: "كتب عمرو بما عبيد إلى ابن شبرمة (^١) يحضّه ويحثّه على الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكتب إليه ابن شبرمة:
الأمر يا عمرو بالمعروف نافلة (^٢) والقائمون للَّه أنصار
والتاركون له عجزا لهم عذر واللائمون لهم يا عمرو أشرار (^٣)
الأمر والنهي لا بالسيف يشهره على الخليفة، إن القتل ضرار (^٤)
_________________
(١) هو عبد اللَّه بن شُبْرمة بن الطفيل بن حسان الضبي، أبو شبرمة الكوفي القاضي، ثقة فقيه، مات سنة (١٤٤ هـ)، التقريب (٣٣٨٠).
(٢) الذي يبدو لي من خلال تام الأثر، أن مراده أنه نافلة على الأفراد؛ لأنه واجب كفائي يقوم به رجال الهيئة والحسبة، فيبقى في حق سائر المسلمين نافلة لقيام بعضهم بالواجب، والواجب الكفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقي.
(٣) إذا علمت هذه الصفة في الخوارج وهي أنهم أشرار، فلا تتعقَّد وتنهزم ببارق قولهم، وزخارف كلامهم؛ فإنهم يحرصون على بث الخور، والانهزامية في نفوس مخالفيهم، رجاء تهييجهم وإيغار صدورهم على المسلمين؛ وكم غرّروا بهذه الخدعة بعض حديثي الالتزام بالدين، بتصورهم لكل مخالفيهم بأنهم متخاذلون وخَوَرَة وجَبَنَة، وأنهم هم أصحاب البطولات والجهاد والناصرون لدين اللَّه، ولهذا كان ابن شبرمة رابط الجأش، على يقين من دينه، خبيرا بطرق الشر وأهله، وإنا للَّه وإنا إليه راجعون.
(٤) فيه شيخ المصنف لم أجد له ترجمة وإنما ذكره المزي فقط في شيوخه (١٦/ ٧٤)، =
[ ٢ / ١٠١٩ ]
٩١١ - كتب إليّ أبو سعيد، حدثنا محمد بن يحيى بن الحارث الجعفي، عن حفص بن غياث قال: "قيل للأعمش أيام زيد: ألا تخرج؟ قال: ويلكم واللَّه ما أعرف أحدا أجعل عرضي دونه، فكيف أجعل دمي دونه" (^١).
٩١٢ - حدثنا هاشم بن الوليد قال: حدثنا أبو بكر بن عياش قال: حدثنا عاصم قال: "قال مروان لعبد اللَّه بن عمر -﵀- هَلُمَّ نبايعك فإنك سيّد العرب، وابن سيّدها، فقال ابن عمر: فكيف أصنع بأهل المشرق؟ قال: نقاتلهم، قال: واللَّه ما يسرّني أن العرب دانت لي سبعين عاما، وأنه قتل في سيي رجل واحد، فقال مروان:
_________________
(١) = الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٣٠) رقم (٩٩).
(٢) فيه محمد بن يحيى بن الحارث الجعفي لم أعرفه، والأثر صحيح عن الأعمش من الطرق الأخرى، الإشراف (٢٧٨ - ٢٧٩) رقم (٣٧٤)، سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود (١٣٩) رقم (٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٠)، والذهبي في السير (٦/ ٢٣٤) من طريق المصنف بلفظ: "ديني"، و(٦/ ٢٤٦) من طريق أبي داود بلفظ قيل للأعمش: "لو أدركت عليا قاتلت معه؟ قال: لا، ولا أسأل عنه، لا أقاتل مع أحد أجعل عرضي دونه فكيف ديني دونه"، واستظهر فضيلة الأستاذ أكرم ضياء العمري أن قائل هذا هو زبيد اليامي ولا داعي لذلك، فزبيد امتنع من الخروج والأعمش كذلك، ولكل جوابه في ذلك، والغريب أنه استشهد بأن الأعمش دعا زبيدا إلى الخروج مع زيد بن علي، لكنه لم يحل على مصدر لهذه المعلومة، وقد سبق عن الأعمش نهيه عن الخروج في هذه الفتنة بالذات، بل ورد عنه كما سبق في السير أنه ما كان ليقاتل مع علي -﵁- لو أدركه فاللَّه أعلم.
[ ٢ / ١٠٢٠ ]
إني أرى فتنة تغلي مراجلها فالملك بعد أبي ليلى لمن غلبا" (^١)
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان ملحظ من ملاحظ السلف في تحريم الخروج على الحاكم المسلم، وهو الفتن والدماء، والتنازل عن الأمر خشية وقوعها، فقد كتب عمرو بن عبيد إلى ابن شبرمة (^٢)، يحثه على الجهاد
_________________
(١) إسناده حسن، عاصم هو بن أبي النجود المقرئ المشهور صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون التقريب (٣٠٧١)، الإشراف (١٠٥) رقم (٧)، وابن سعد في الطبقات (٤/ ١٦٩) ونسب الأبيات في (٥/ ٣٩) لأزنم الفزاري، وكذلك ابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٢٣٨) وعلق بقوله: "فكان الأمر كما قال"، والطبري في تاريخه (٥/ ٥٠٠)، والذهبي في السير (٣/ ٢١٦)، وابن قتيبة في المعارف (٣٥٢)، وابن عساكر في تاريخه، وقال ابن الأثير: "يريد لما نزل معاوية بن يزيد عن الخلافة، واختصم عليها مروان بن الحكم، والضحاك بن قيس الفهري، وعبد اللَّه بن الزبير".
(٢) وهذا أسلوب من أساليب الخوارج والمنحرفين وهو اكتساب الشرعية من علماء الأمة الذين لهم لسان صدق فيها، أن يحاولوا توريطهم، بأن يجروهم إليهم أو يأخذوا على أقل تقدير بفتوى تؤيدهم، فيطيرون بها لتكثير سوادهم، وهم أشد حرصا على مثل هذا التأييد إما بالفعل وإما بالقول، وقد يلاقون من بعض عوام علماء أهل السنة، أو ممن أصابتهم غفلة الصالحين، أو من غرروا به بقلب الحقائق وتقليب الواقع، شيئا من مرادهم، فيقع بذلك شر عظيم، والخبير بمجريات الفتن في العصر الحديث في عدة بلدان إسلامية يرى من ذلك العجب، لكن الأعجب هو مثل هذه الآثار التي يجب التفقه فيها والتأمل في معانيها كيف تعامل السلف مع =
[ ٢ / ١٠٢١ ]
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو فقيه أهل الكوفة وقاضيها، فبيّن له أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بإشهار السيف على الخليفة، ثم علّل ذلك بأن القتل ضرار، وأن من عجز عن الأمر والنهي فهو معذور وعاذلوه أشرار، وهكذا بلدِيُّه وعصرِيُّه الأعمش طلب منه الخروج، فأجاب بقاعدة عامة هامة بأنه لا يعرف أحدا يجعل عرضه دونه، فكيف يجعل دمه دونه، وقبلهما ابن عمر -﵁- لما طلب منه يزيد المبايعة بعد معاوية -﵁- وكان قد حصل نزاع عليها، أبي خشية أن لا يجتمع عليه المسلمون، وقال قولة عظيمة: ما يسرّني أن العرب دانت لي سبعين عاما، وأنه قتل في سيي رجل واحد، وهكذا كان السلف حريصين على حقن الدماء، ويتخذون في ذلك كل الوسائل، ويسدون عنه كل المنافذ، وقد ذكر هذا الأمر غير واحد من العلماء عند كلامهم على الأحاديث التي تنهى عن الخروج ونكث البيعة، قال ابن بطال: "في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة
_________________
(١) = هؤلاء الأغمار، ولكل قوم وارث فانظر من ترث، ولا يغرنّك أن بعضهم قد يكون على السنة في غير هذه المسألة؛ فإن الذين دخلوا على الإمام أحمد يستشيرونه في أمر الخروج كانوا من فقهاء بغداد، ولما خرجوا من عنده قال بعضهم لابنه: "امض معنا إلى منزل فلان، رجل سمَّوْه، حتى نوعده لأمر نريده، فقال الإمام لابنه: "لا تذهب، واعتل عليهم، فإني لا آمن أن يغمسوك معهم، فيكون لأبي عبد اللَّه في ذلك ذكر" انظر ذكر محنة الإمام أحمد (٧٠ - ٧٢)، وقد سبق في الباب الأول مطلب في الحذر من الكلام الذي يكون للمبتدع فيه حجة.
[ ٢ / ١٠٢٢ ]
السلطان المتغلب، والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء، وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها" (^١)، وقال ابن حجر: "في الحديث وعيد شديد في نكث البيعة، والخروج على الإمام، لما في ذلك من تفرق الكلمة، ولما في الوفاء من تحصين الفروج، والأموال، وحقن الدماء" (^٢)، ولهذا: "مدح الحسن، وأثني عليه بما أصلح اللَّه به بين الطائفتين، حين ترك القتال، وقد بويع له، واختار الأصلح، وحقن الدماء، مع نزوله عن الأمر، فلو كان القتال مأمورا به لم يمدح الحسن، ويثنى عليه بترك ما أمر اللَّه به، وفعل ما نهى اللَّه عنه" (^٣)، وقال القرطبي: "كره الحسن القتال لعلمه أن إحدى الطائفتين لا تغلب حتى تهلك أكثر الأخرى، فيهلك المسلمون، فسلم الأمر إلى معاوية" (^٤)، وقال ابن حجر: "ترك الملك لا لقِلَّة، ولا لذِلَّة، ولا لعِلَّة، بل لرغبته فيما عند اللَّه، لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة" (^٥)، وقال شيخ الإسلام: "الذي جاءت به النصوص النبوية خير الأمور. . . ما أمر به النبي -ﷺ- من
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ٧).
(٢) المصدر السابق (١٣/ ٢٠٣)، وانظر عمدة القاري (١٤/ ٢٢١).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥١٣).
(٤) تفسير القرطبي (٤/ ٧٧).
(٥) فتح الباري (١٣/ ٦٦).
[ ٢ / ١٠٢٣ ]
الصبر على جور الأئمة، وترك قتالهم، والخروج عليهم، هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمدا، أو مخطئا، لم يحصل بفعله صلاح بل فساد، ولهذا أثنى النبي -ﷺ- على الحسن. . . ولم يثن على أحد لا بقتال في فتنة، ولا بخروج على الأئمة، ولا نزع يد من طاعة، ولا مفارقة للجماعة، وأحاديث النبي -ﷺ- الثابتة في الصحيح كلها تدل على هذا. . . وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه، التي أثنى بها عليه النبي -ﷺ-، ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لم يثن النبي -ﷺ- على أحد بترك واجب أو مستحب" (^١).
ومن درر كلام الإمام أحمد في هذا جوابه لمن أراد الخروج على السلطان بقوله: "سبحان اللَّه! الدماء الدماء، لا أرى ذلك، ولا آمر به، الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة، يسفك فيها الدماء، ويستباح فيها الأموال، وينتهك فيها المحارم، أما علمت ما كان الناس فيه يعني أيام الفتنة؟ قلت: والناس اليوم أليس هم في فتنة يا أبا عبد اللَّه؟ قال: وإن كان؛ فإنما هي فتنة خاصة، فإذا وقع السيف عمت الفتنة، وانقطعت السبل، الصبر على هذا، ويسلم لك دينك خير لك، ورأيته ينكر الخروج على الأئمة، وقال: الدماء لا أرى ذلك ولا آمر به" (^٢).
_________________
(١) منهاج السنة (٤/ ٥٣٠).
(٢) السنة للخلال (١/ ١٣٢).
[ ٢ / ١٠٢٤ ]
المطلب الثاني: الآثار الواردة في الخوف من فتح باب الخروج على الأمة.
٩١٣ - حدثنا داود بن عمرو قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم، عن أبي وائل قال: "قيل لأسامية بن زيد (^١): ألا تركب إلى هذا الرجل فتأمره وتنهاه؟ -يعنون عثمان بن عفان -﵁-، فقال: لا أفتح بابا أكون أول من فتحه. . . " (^٢).
٩١٤ - حدثني علي بن الحسن، عن مطرف أبي مصعب قال: سمعت عبد العزيز بن الماجشون قال: قال أبو حازم لبعض أولئك الأمراء: "واللَّه لولا تبعة لساني، لأشفيت منكم اليوم صدري" (^٣).
٩١٥ - أخبرني محمد بن أبي معشر قال: حدثنا أبو معشر، عن أبي كثير مولى لآل الزبير قال: "جاء كتاب من معاوية إلى مروان وهو على المدينة: إن سيّد المسلمين وشبه أمير المؤمنين يزيد بن أمير المؤمنين، وإنا قد بايعنا له، قال: فمسح مروان إحدى يديه على الأخرى، فقال له عبد الرحمن
_________________
(١) هو أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي الأمير، أبو محمد وأبو زيد، الحِبُّ ابن الحب، صحابي مشهور، مات سنة (٥٤ هـ) وهو ابن خمس وسبعين بالمدينة، الإصابة (١/ ٤٩)، التقريب (٣١٦).
(٢) إسناده حسن؛ عاصم صدوق له أوهام وقد سبق (٩١٢)، صفة النار (١٤٤) رقم (٢٣٠)، والأثر والحديث الذي معه في صحيح البخاري (١٣/ ٤٩ فتح) رقم (٧٠٩٨)، ومسلم (٤/ ٢٢٩٠) رقم (٢٩٨٩).
(٣) إسناده صحيح.
[ ٢ / ١٠٢٥ ]
ابن أبي بكر الصدّيق: يا مروان إنما هي هرقلية؛ كلما مات هرقل كان هرقل مكانه، ما لأبي بكر لم يستخلفني، وما لعمر لم يستخلف عبد اللَّه؟ فقال له مروان: أنت الذي أنزل اللَّه فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ. . .﴾ (^١) الآية، قال: فقام عبد الرحمن حتى دخل على عائشة فأخبرها، فضربت بستر على الباب، فقالت: يا ابن الزرقاء أعلينا تأوّل القرآن؟ لولا أني أرى الناس كأنهم أيدٍ يرتعشون لقلت قولا يخرج من أقطارها، فقال مروان: ما يومنا منك بواحد" (^٢).
٩١٦ - حدثني سلمة بن شبيب قال حدثنا سهل بن عاصم قال: قال صالح المري: كان يقال: "المتورع في الفتن كعبادة النبيّين في الرخاء" (^٣).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان الخوف والحذر الشديدين من فتح باب الخروج على الحكام، والتسبب في ذلك ولو بأدنى سبب، كالطعن فيهم
_________________
(١) سورة الأحقاف، من الآية (١٧).
(٢) إسناده ضعيف، فيه أبو معشر ضعيف وهو نجيح المدني التقريب (٧١٥٠)، والأثر صحيح، الإشراف (٢١٨ - ٢١٩) رقم (٢٥٠)، وأصل القصة في صحيح البخاري (١٦٦ - ١٦٧) واعتنى الحافظ في الفتح (٥٧٧١٨) بطرقها وتخريجها وذكر ألفاظها، وابن كثير في البداية والنهاية (٨/ ٨٩)، وابن الأثير في الكامل (٣/ ٣٥١)، وابن الجوزي في المنتظم (٥/ ٢٩٩)، وذكره القرطبي في التفسير (١٦/ ١٩٧).
(٣) إسناده حسن إلى صالح؛ فيه سهل بن عاصم ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٢٩٣)، وقال فيه أبو حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٢٠٢): "شيخ"، كتاب الورع (٥١) رقم (٣١).
[ ٢ / ١٠٢٦ ]
وذكر شيء من منكراتهم على العامة، حيث إن كل الآثار السابقة تفيد أن السلف رغم ما يحملون على بعض الحكام في نفوسهم من أشياء، أو ينكرون عليهم من أمور؛ فإنهم كهانوا لا يجاهرون بذلك أمام عامة الناس خوفا من فتح باب الفتنة والخروج، كما قال أسامة بن زيد وعائشة وأبو حازم، جميعهم خافوا من تبعة لسانهم وتأثيره على عامة الناس، فتورعوا من ذكر ما في نفوسهم خشية وقوع الفتن، ولهذا ورد في آخر أثر عن صالح المري انتشار مقولة: "تورع في الفتن كعبادة النبيين في الرخاء"، قال -ابن حجر معلقا- على أثر أسامة بن زيد: "لا أفتح بابا أكون أول من فتحه": "يعني لا أكلمه إلا مع مراعاة المصلحة بكلام لا يهيج به" (^١)، وقال النووي: "يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ، كما جرى لقتلة عثمان -﵁-، وفيه الأدب مع الأمراء، واللطف بهم، ووعظهم سرا، وتبليغهم ما يقول الناس فيهم لينكفوا عنه، وهذا كله إذا أمكن ذلك، فإن لم يمكن الوعظ سرا والإنكار فليفعله علانية؛ لئلا يضيع أصل الحق" (^٢)، بل إن نفس الكلمة التي قالها أسامة بن زيد قالها عبد اللَّه بن مسعود -﵁-: "لما بعث عثمان إلى ابن مسعود يأمره بالقدوم إلى المدينة، اجتمع الناس فقالوا: أقم ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه، فقال: إن له عليَّ حقَّ الطاعة، ولا أحب أن أكون أول من فتح باب الفتن" (^٣).
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ٧٥)، وانظر (١٣/ ٥٢).
(٢) شرح مسلم (١٨/ ١١٨)، وكلامه الأخير فيه نظر وليس على إطلاقه.
(٣) الإصابة (٤/ ٢٣٥).
[ ٢ / ١٠٢٧ ]
المطلب الثالث: الآثار الواردة في علاقة الغوغاء بالخروج.
٩١٧ - حدثني الحسن بن علي البزاز قال: حدثنا أبو عمر بن النحاس، عن ضمرة، عن ابن شوذب قال: "كان الحسن إذا نظر إلى الغوغاء قال: هؤلاء قتلة الأنبياء" (^١).
٩١٨ - حدثني القاسم بن هاشم قال: حدثنا الحجاج بن محمد الخولاني قال: حدثنا توبة بن النعمان اليزني، ومهدي بن الوليد بن عامر كلاهما عن الليد بن عامر اليزني، عن بريد بن حمير، عن عمير بن سعد (^٢) صاحب النبي -ﷺ- قال: كان يقول (^٣): "ليذهبن خياركم، حتى لا يبقى في مجالسكم إلا الأغمار الأحداث، الذين لا عقول لهم ولا رأي، يغلبونكم على أموركم" (^٤).
التحليل والتعليق
تضمن الأثران السابقان بيان الأثر الخطير للغوغاء من الناس على
_________________
(١) فيه شيخ المصنف لم أعرفه إلا أن يكون الهذلي الخلال كما استظهره محقق الإشراف وهو ثقة حافظ له تصانيف التقريب (١٢٧٢)، الإشراف (٣٢٤) رقم (٤٧٥)، وبحشل في تاريخ واسط (١/ ٨٩) رقم (٣٥٩)، وذكره الخطابي في العزلة (٧٩)، ويروى عن غيره انظر الحلية (٩/ ٢٤٠).
(٢) هو عمير بن سعد الأنصاري الأوسي، صحابي كان عمر يسميه نَسِيج وَحْدِه، الإصابة (٤/ ٧١٨)، التقريب (٥١٨١).
(٣) ذكر المحقق أنها كذلك في المخطوط.
(٤) العقوبات (٢٢٣ - ٢٢٤) رقم (٣٥٤).
[ ٢ / ١٠٢٨ ]
مجريات أمور الحياة، واستقرار الدولة، فإنهم هم قتلة الأنبياء كما قال الحسن، وإذا كانوا هم أصحاب المجالس غلبوا خيار الأمة على أمورها، ولهذا حرص السلف على تسكين الدهماء وعدم إثارتهم، قال ابن عبد البر: "أجمع المسلمون أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، على حسب طاقته؛ من قول وعمل، على ما تقدم شرطنا، ما لم يكن انطلاق الدهماء وإراقة الدماء" (^١)، وقال ابن القيم عند شرحه كلام علي بن أبي طالب -﵁- عند كلامه على أقسام الناس فذكر ثلاثة أقسام الثالث منها: "همجٌ رعاعٌ، أتباع كل ناعق": أي من صاحَ بهم ودعاهم تبعوه، سواء دعاهم إلى هدى أو إلى ضلال؛ فإنهم لا علم لهم بالذي يُدْعَوْن إليه، أحقٌّ هو أم باطل، فهم مستجيبون لدعوته، وهؤلاء من أضر الخلق على الأديان؛ فإنهم الأكثرون عددا، الأقَلُّون عند اللَّه قدرا، وهم حطب كل فتنة، بهم توقد، ويشب ضرامها، فإنها يهتز لها أولو الدين، ويتولاها الهمج الرعاع" (^٢)، ومن هنا تعيّن الحذر من العوام وعدم الانسياق وراء حماساتهم، والانزلاق وراء معاناتهم، فضلا عن تهييجهم والمشاركة في توجيههم نحو الفتن، ومن الأمثلة الحكيمة في هذا قولهم: يجمعهم طبل، وتفرقهم عصى (^٣).
_________________
(١) الاستذكار (٥/ ١٧).
(٢) مفتاح دار السعادة (١/ ٤١٣).
(٣) هداية الحيارى (١/ ١٣٢).
[ ٢ / ١٠٢٩ ]
المطلب الرابع: الآثار الواردة في أن مآل الخروج إلى الفرقة والاختلاف.
٩١٩ - كتب إليّ أبو سعيد، حدثنا القاسم بن محمد بن علي الكندي، عن حميد بن عبد الرحمن قال: "جاء عيسى بن زيد بن علي (^١) إلى الحيّ إلى منزلهم فاجتمع إليه أبي، وحسن بن صالح، وجعفر الأحمر (^٢)، فذكروا الخروج، فقال عيسى: "إن الخروج لا يستقيم إلا باجتماع، والاجتماع لا تضبطه، والسلطان قد ضبط أمر الناس، وإن نحن خرجنا شُغل بنا وشغلنا به، فقتل امرؤ ونحن سبب في قتله، وانتهب مال امرئ ونحن سبب انتهابه، لن نفرغ ولم يفرغ السلطان للنظر في أمره، هذا خلق ليس يجتمعون على كتاب ولا سنّة تفرّقوا" (^٣).
التحليل والتعليق
تضمن أثر حميد بن عبد الرحمن بيان مآل الخروج، وهو أنه لا يحقق شيئا سوى أنه لن يزيد الأمة إلا فرقة وتمزُّقا، فالسلطان قد اجتمع الناس عليه، وضبط أمورهم ودانوا له بالطاعة، ولو كان فيه تقصير وظلم
_________________
(١) لم أجد له ترجمة، وله ذكر في خروج حسن بن صالح على المهدي، واختفائهما معا بالكوفة، وهو زوج ابنته، الطبقات الكبرى (٦/ ٣٧٥).
(٢) هو جعفر بن زياد الأحمر الكوفي، صدوق يتشيع، مات سنة (١٦٧ هـ)، التقريب (٩٤٠).
(٣) فيه القاسم بن محمد بن علي الكندي لم أعرفه، الإشراف (٢٧٩ - ٢٨٠) رقم (٣٧٥)، انظر مقاتل الطالبيين (٤٠٥).
[ ٢ / ١٠٣٠ ]
وجور، لكن الخارج عليه، لم يضبط الناس كضبط السلطان لهم ولو كان ظاهر أمره منضبطا في بداية الأمر، لكنه سرعان ما يتلاشى ذلك وتصير الأمور إلى الفوضى، لا سيما إذا كان أصحابها مشبوهين أصلا، ومن هنا قال الإمام أحمد ﵀: "هذا عليٌّ ﵀ لم يضبط الناس، فكيف اليوم والناس على هذا الحال ونحوه، والسيف لا يعجبني أيضًا" (^١)، وقد علق شيخ الإسلام ابن تيمية على قيام الحسين بن علي ﵄ بقوله: "لم يكن في الخروج لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا، بل تمكن أولئك الظلمة الطغاة من سبط أسول اللَّه -ﷺ-، حتى قتلوه مظلوما شهيدا، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن حصل لو قعد في بلده؛ فإن ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشر لم يحصل منه شيء، بل زاد الشر بخروجه وقتله، ونقص الخير بذلك، وصار ذلك سببا لشر عظيم، وكان قتل الحسين مما أوجب الفتن، كما كان قتل عثمان مما أوجب الفتن" (^٢)، وبيّن القاعدة الاستقرائية العامة في مآل الخروج فقال: "من استقرأ أحوال الفتن التي تجري بين المسلمين، تبيَّن له أنه ما دخل فيها أحد فحمد عاقبة دخوله، لما يحصل له من الضرر في دينه ودنياه، ولهذا كانت من باب المنهي عنه، والإمساك عنها من المأمور به" (^٣).
_________________
(١) السنة للخلال (١/ ١٤١).
(٢) منهاج السنة (٤/ ٥٢٩ - ٥٣٢).
(٣) منهاج السنة (٤/ ٤١٠).
[ ٢ / ١٠٣١ ]
المطلب الخامس: الآثار الواردة في عدم الجدوى من الخروج.
٩٢٠ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: حدثنا المعلى بن زياد (^١) قال: "لما ولي يزيد بن المهلّب خشيت أن أوخذ فأُجعل عريفا، فأتيت الحسن في أهله وخادم له يقال له برزة: يناوله ثيابه، فقلت: يا أبا سعيد: كيف بهذه الآية في كتاب اللَّه ﷿؟ قال: أية آية؟ قال: قلت: قول اللَّه ﷿: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾ (^٢)، يا أبا سعيد فسخط اللَّه على هؤلاء بقولهم السحت وأكلهم السحت، وذمّ هؤلاء حيث لم ينهوا، فقال الحسن: يا عبد اللَّه إن القوم عرضوا على السيف، فحال السيف دون الكلام، قلت: يا أبا سعيد هل تعرف لمتكلّم فضلا؟ قال: ما أعرفه، ثم حدثنا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ألا لا يمنعنّ أحدكم هيبة الناس أن يقول بحقّ إذا رآه أو شهده؛ فإنه لا يقرّب من أجل، ولا يباعد من رزق أن يقال بحقّ أو يذكّر بعظيم" (^٣)، ثم حدثنا حديثا آخر فقال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ليس لمؤمن أن يذلّ نفسه"، قيل:
_________________
(١) انظر التخريج الآتي.
(٢) سورة المائدة، آية (٦٢).
(٣) أخرجه أحمد في المسند، انظر مسند الإمام أحمد برقم (١١٠١٧) ثم (١١٤٧٤)، وقد صححه المحققون دون قوله: "فإنه. . . . ".
[ ٢ / ١٠٣٢ ]
يا رسول اللَّه وما إذلال نفسه؟ قال: "يتعرّض من البلاء ما لا يطيق" (^١)، قال: فقلت: يا أبا سعيد، فيزيد الضبّي حيث قام فتكلّم؟ فقال الحسن: أما إنه لم يخرج من السجن حتى ندم على مقالته؟، قال المعلى بن زياد: فأقوم من عند الحسن فإلى يزيد الضبّي من وجهي ذاك، فدخلت عليه فقلت: يا أبا مودود قد كنت عند الحسن آنفا فذكرتك له، فنصبتك له نصبا، قال: مه يا أبا الحسن، قال: قلت: قد فعلتُ، قال: فما قال الحسن؟ قلت: قال: أما إنه لم يخرج من السجن حتى ندم على مقالته تلك، قال يزيد: ما ندمت عليها وأيم اللَّه، لقد قمت مقاما أخطر على نفسي، ثم قال يزيد: أتيت الحسن ثلاث مرات فقلت: يا أبا سعيد غُلبنا على كل شيء، وعلى صلاتنا نغلب؟ قال جعفر: يعني فتنة الحجاج، قال: يقول الحسن: يا عبد اللَّه إنك لم تصنع شيئا، إنما تعرّض نفسك لهم، قال: فقمت والحكم بن أيوب ابن عم الحجاج يخطب فقلت: الصلاة يرحمك اللَّه، قال: فجاءتني الزبانية فسعوا إليّ من كل جاليب فأخذوا تلبيي وأخذوا بلحيتي ويدي وكل شيء، وجعلوا يضربوني بنعال نفوسهم، قال: وسكت الحكم بن أيوب، وكدت أن أقتل دونه، قال: فمشوا بي إليه حتى إذا بلغوا باب المقصورة فتح، فأدخلت عليه، فقال: أمجنون أنت؟ فقلت: أصلحك اللَّه، ما بي من جنون، قال: أو ما كنا في صلاة؟ قلت: أصلحك اللَّه، هل كتاب أفضل من كتاب اللَّه؟ قال: لا، قلت: أرأيت لو أن رجلا نشر مصحفه
_________________
(١) انظر السلسلة الصحيحة رقم (٦١٣).
[ ٢ / ١٠٣٣ ]
فقرأه غدوة حتى يمسي ولا يصلي فيما بين ذلك، كان ذلك قاضيا عنه صلاته؟ قال: فقال الحكم: واللَّه إني لأحسبنك مجنونا، قال: وأنس بن مالك جالس قريب من المنبر على وجهه خرقة خضراء، قال: قلت: يا أنس يا أبا حمزة أذكرك اللَّه؛ فإنك قد صحبت رسول اللَّه -ﷺ- وخدمته: الحقَّ قلت أم الباطل؟ قال: فلا واللَّه ما أجابني بكلمة، قال: يقول الحكم: يا أنس، قال: لبيك أصلحك اللَّه، قال: وقد كان فات ميقات الصلاة؟، قال: يقول أنس: قد كان بقي من الشمس بقيّة، قال: احبساه، قال: فحبست فذهب بي إلى الشمس، قال: فشهدوا أني مجنون، قال جعفر: إنما نجا من القتل بذلك، فكتب الحكم إلى الحجاج: أصلح الأمير، إن رجلا من بني ضبّة قام فتكلّم في الصلاة، قد قامت البيّنة العدول عندي أنه مجنون، قال: فكتب إليه الحجاج: إن كانت قامت البيّنة العدول عندك أنه مجنون فخلِّ سبيله، وإلا فاقطع يديه ورجليه ولسانه، قال جعفر: وأحسبه: واسمر عينيه. . . " (^١).
_________________
(١) إسناده حسن، المعلى بن زياد هو القردوسي صدوق قليل الحديث زاهد التقريب (٦٨٥٢)، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٧٩ - ٨١) رقم (٣٥)، وبقية القصة تفيد تعرضه للبلاء مرة أخرى وصدق فراسة الحسن فيه، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ٥٣٦) رقم (١٤١١)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٧٢): "رجاله رجال الصحيح"، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٩٧٦) رقم (١٠٦٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٥/ ٦).
[ ٢ / ١٠٣٤ ]
التحليل والتعليق
تضمن أثر المعلى بن زياد بيان خطورة القيام على حكام الجور، وعدم جدواه، وأن غاية المرء منه أن يعرض نفسه للبلاء الذي قد لا يصبر عليه، وقد ذكر شيخ الإسلام أن ذلك من حكمة الشرع في النهي عن الخروج فقال: "إذا قال القائل: إن عليا والحسين إنما تركا القتال في آخر الأمر للعجز؛ لأنه لم يكن لهما أنصار، فكان في المقاتلة قتل النفوس، بلا حصول المصلحة المطلوبة، قيل له: وهذا بعينه هو الحكمة التي راعاها الشارع -ﷺ- في النهي عن الخروج على الأمراء" (^١)، وذكر ابن القيم أن النهي عن الخروج: "سدا لذريعة الفساد العظيم، والشر الكبير بقتالهم، كما هو الواقع؛ فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم من الشرور أضعاف أضعاف ما هم عليه، والأمة في تلك الشرور إلى الآن" (^٢)، ولهذا ذكر حنبل أن الذين نهاهم الإمام أحمد عن الخروج: "لم يُحْمَدوا، ولم ينالوا ما أرادوا، اختفوا من السلطان وهربوا، وأُخذ بعضهم فحبس، ومات في الحبس" (^٣)، وقال شيخ الإسلام: "الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته" (^٤).
_________________
(١) منهاج السنة (٤/ ٥٣٦).
(٢) إغاثة اللهفان (١/ ٣٦٩)، وانظر إعلام الموقعين (٣/ ١٥٩).
(٣) ذكر محنة الإمام أحمد (٧٠ - ٧٢).
(٤) منهاج السنة (٣/ ٣٩١).
[ ٢ / ١٠٣٥ ]
المطلب السادس: الآثار الواردة في خوف العواقب السيئة المترتبة على الخروج.
٩٢١ - حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم، عن أبي يزيد الرقي قال: قلت للفضيل بن عياض: "أرأيت إن رأيت شرطيا أو مسلحا أو سلطانا يظلم، أنهاه؟ قال: إن قدرت فافعل، قلت: أما الكلام. . . (^١)، ولكن أخاف العاقبة، قال: إن قدرت على أن تدفع عن نفسك فتكلّم، من غير أن تدخل على أحد من المسلمين ضررا، ولا آمرك أن تتكلّم وتدخل على أهلك وجيرانك ومن يعرفك الخوف، وعسى أن يكون من جيرانك من ليست له (كذا) إلا من عمل يديه، فتدخل عليه الخوف فتضيع عياله، ولعل كلامك لا يكون منفعة للمسلمين، تلقي كلمة ثم تلقى بيدك فتوضع في عنقك فيصنع بك ما تقدم عليه" (^٢).
٩٢٢ - حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم، عن أبي زيد الرقي قال: قال الفضيل بن عياض: "إنما تأمر من يقبل منك، أرأيت إن لقيت سلطانا أكنت تقول له اتق اللَّه؟ لو قلت هذا لهلكت أهل بيتك ونفسك وجيرانك، ولكن احفظ نفسك وأَخف مكانك" (^٣).
_________________
(١) فراغ، وعلق المحقق بأنها كلمة غير واضحة بالأصل، قلت: ولعلها: فأقدر عليه.
(٢) إسناده حسن، شيخ المصنف والرقي وهو الفيض بن إسحاق سبقا (١٥٤) (٢٠٤)، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٣٣) رقم (١٠١).
(٣) إسناده حسن، شيخ المصنف سبق (١٥٤)، الأمر بالمعروف والنهي عن =
[ ٢ / ١٠٣٦ ]
التحليل والتعليق
تضمن الأثران السابقان بيان خوف السلف من العواقب السيئة المترتبة على إظهار الإنكار على السلطان ونحوه، قال ابن رجب: "متى خاف على نفسه السيف، أو السوط، أو الحبس، أو القيد، أو النفي، أو أخذ المال، أو نحو ذلك من الأذى، سقط أمرهم وفيهم، وقد نص الأئمة على ذلك، منهم: مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم. . . فإن خاف السب، أو سماع الكلام السيِّء، لم يسقط عنه الإنكار بذلك" (^١)، قال الطبري: "اختلف السلف في الأمر بالمعروف، فقالت طائفة: يجب مطلقا. . .، وقال بعضهم: يجب إنكار المنكر، لكن شرطه أن لا يلحق المنكر بلاء لا قبل له به، من قتل ونحوه، وقال آخرون: ينكر بقلبه. . . والصواب اعتبار الشرط المذكور" (^٢)، هذا في خاصة نفسه، وفي اعتبار شرط عدم أذية غيره قال ابن رجب: "إن خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك أن يؤذي أهله، أو جيرانه، لم ينبغ له التعرض لهم حينئذ، لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره، كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره" (^٣)، وقال شيخ الإسلام: "يفرَّق بين
_________________
(١) = المنكر (٩٤) رقم (٥٠)، وذكر السيوطي في الدر (٢/ ٥٩٢) قولا لعبد اللَّه بن عبد العزيز العمري أنه يقول ذلك معذرة إلى اللَّه ولو لم يقبل منه.
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٢٣).
(٣) فتح الباري (١٣/ ٥٣).
(٤) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٢٣)، وانظر تفسير القرطبي (٤/ ٤٩).
[ ٢ / ١٠٣٧ ]
ما يفعل في الإنسان ويأمر به ويبيحه، وبين ما يسكت عن نهي غيره عنه وتحريمه عليه، فإذا كان من المحرمات ما لو في عنه حصل ما هو أشد تحريما لم ينه عنه، ولم يبحه أيضا، ولهذا لا يجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه، ولهذا حرم الخروج على ولاة الأمر بالسيف؛ لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن ما يحصل بذلك من فعل المحرمات، وترك واجب أعظم مما يحصل بفعلهم المنكر والذنوب" (^١)، وقال: "قتال اللصوص ليس قتال فتنة؛ إذ الناس كلهم أعوان على ذلك، فليس فيه ضرر عام على غير الظالم، بخلاف قتال ولاة الأمور؛ فإن فيه فتنة وشرا عاما أعظم من ظلمهم، فالمشروع فيه الصبر" (^٢)، وبيّن وجه ذلك فقال: "فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستلزما من الفساد أكثر مما فيه من الصلاح، لم يكن مشروعا، وقد كره أئمة السنة القتال في الفتنة التي يسميها كثير من أهل الأهواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن ذلك إذا كان يوجب فتنة هي أعظم فسادا مما في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لم يدفع أدنى الفسادين بأعلاهما بل يدفع أعلاهما باحتمال أدناهما" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٧٢).
(٢) الاستقامة (١/ ٣٦).
(٣) الاستقامة (١/ ٣٣٠).
[ ٢ / ١٠٣٨ ]
المطلب السابع: الآثار الواردة في الخوف من الانتكاس وعدم الصبر على الابتلاء بعد الخروج.
٩٢٣ - حدثنا علي بن الحسن، عن محمد بن إسحاق الموصلي قال: "وعظ سيار أبو تراب أميرا كان بالمدينة فحُبِس، فلما كان وقت الحج بعث إلى خالصة فكلمت له الوالي فخرج، فبلغ الخبران كلاهما الفضيل بن عياض قبل أن يجيء سيار، فلما قدم من مكة جاء الفضيل فلما رآه من قريب قال: هيه، وما عليك لو فاتك الحج، أما بلغك ما لقي يوسف ﵇ حين استشفع بغيره، قال: فصاح سيّار ثم انقلب، قال: وأصحاب الحديث عند الفضيل، فجعلوا يلحظونه بأبصارهم، قال الفضيل: أي شيء تنظرون إليه؟ فواللَّه لو خرجت نفسه لما عجبت منه" (^١).
٩٢٤ - حدثني علي بن الحسن، عن الفيض بن إسحاق قال: سألت فضيل بن عياض عن الأمر والنهي قال: "ليس هذا زمان كلام، هذا زمان بكاء وتضرّع واستكانة، ودعاء لجميع أمة محمد -ﷺ-، لو أوثقك في رجلك في هذه -وأشار إلى أسفل الركبة- جزعت ولم تصبر، ولو ابتليت لكفرت، قد ابتُلي قوم فكفروا من الشدّة" (^٢).
_________________
(١) فيه محمد بن إسحاق مذكور بطلب الحديث، وحضور المجالس والرحلة، ولم أجد له ترجمة، انظر لسان الميزان (٢/ ٢٢٢)، وتاريخ بغداد (٧/ ٣٧١)، وتاريخ دمشق (٤٣/ ٢٠٦)، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٣٥) رقم (١٠٤).
(٢) إسناده حسن، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١٣٤) رقم (١٠٢)، وينظر =
[ ٢ / ١٠٣٩ ]
٩٢٥ - حدثني علي بن الحسن، عن أبي يزيد الرقي، عن فضيل بن عياض: "أنه سئل عن الأمر والنهي فلم يأمر بذلك، ثم قال: إن صبرت كما صبر الإسرائيلي فنعم، قيل: فكيف كما صبر الإسرائيلي؟ قال: كان ثلاثة نفر اجتمعوا فقالوا: إن هذا الرجل يفعل ويفعل -يعنون ملكهم- فقالوا: فيأتيه واحد منا فيخلو به في السر فيأمره وينهاه، فذهب واحد منهم فدخل عليه فأمره وفاه، فقال: لا أراك هاهنا، فأمر به فحبس، فبلغ الخبر الآخرين، فقالا: الآن وجب، فجاءه واحد منهما فقال: يا هذا جاءك رجل يأمرك وينهاك فأمرت به فحبس، فقال: ألا أراك صاحبه، أما إني لا أفعل بك ما فعلت به، فأمر به فضرب حتى مات، فجاء الخبر إلى الثالث، فقال: الآن وجبت، فأتاه فقال: يا هذا جاءك رجل فأمرك ونهاك فحبسته، وجاءك الآخر فضربته حتى قتلته، فقال: ألا أراك صاحبه، أما إني لا أصنع بك ما صنعت به، فأمر به فضرب وتدا في أذنه في الشمس، فحرّ الشمس من فوقه ومن تحته، وأرادوه على أن يتكلّم بشيء -أي شبه الاعتذار- إلى الملك فأبى، قال أبو القاسم -رجل من أصحاب الفضيل-: وأحدكم لو انتهر قال: جعلني اللَّه فداك" (^١).
_________________
(١) = (١٠٣) من نفس الكتاب، وابن حبان في الثقات (٨/ ٣٧٨)، وفيه: "عليكم بالقرآن عليكم بالعبادة عليكم بالطواف. . . ".
(٢) إسناده حسن، أبو يزيد الرقى هو الفيض بن إسحاق سبق (٢٠٤)، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٩٢) رقم (٤٧).
[ ٢ / ١٠٤٠ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان خوف السلف من الانتكاس لمن تعرض لعقوبة السلطان بسبب قيامه عليه، وذلك أن سيف السلطان مشهور كما قال الإمام أحمد لمن سأله عن أمره ونهيه (^١)، ولذلك تعيّن اتخاذ الوسائل التي يؤدّي فيها المسلم ما وجب عليه من الأمر والنهي دون تعريض نفسه إلى ما لا يطيق من البلاء، قال ابن عبد البر: "لا يلزم التغيير إلا من القوة والعزة والمنعة، وأنه لا يستحق العقوبة إلا من هذه حاله، وأما من ضعف عن ذلك فالفرض عليه التغيير بقلبه والإنكار والكراهة" (^٢)، وقال القاضي عياض: "إن غلب على ظنه أن تغييره بيده يسبب منكرا أشد منه؛ من قتله، أو قتل غيره بسببه كفَّ يده، واقتصر على القول باللسان، والوعظ والتخويف، فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك غَيَّر بقلبه وكان في سعة. . . هذا هو فقه المسألة، وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين، خلافا لمن رأى الإنكار بالتصريح بكل حال، وإن قُتِل، ونِيل منه كل أذى" (^٣).
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٢٣).
(٢) الاستذكار (٨/ ٥٨٤).
(٣) شرح مسلم للنووي (٢/ ٢٥).
[ ٢ / ١٠٤١ ]
المطلب الثامن: الآثار الواردة في ظلم الحكام عقوبة لا تستقبل بالسيف، بل بالتوبة والتضرع.
٩٢٦ - حدثنا محمد بن إدريس قال: حدثنا موسى بن أيوب البجلي قال: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب قال: قال حذيفة بن اليمان: "ما استخفّ قوم بحق اللَّه ﷿، إلا بعث اللَّه ﷿ عليهم من يستخفّ بحقّهم" (^١).
٩٢٧ - حدثني محمد بن الحارث الخرّاز قال: حدثنا سيار قال: حدثنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: "إن اللَّه ﷿ إذا غضب على قوم سلّط عليهم صبيانهم" (^٢).
٩٢٨ - أخبرنا أحمد بن إبراهيم العبدي قال: سمعت رجلا من أهل أصبهان يحدث عن عبد الرحمن بن مهدي قال: "كتب أخو محمد بن يوسف إليه يشكو إليه جَوْر العمال، فكتب إليه (^٣): يا أخي بلغني كتابك تذكر ما أنتم فيه، وإنه ليس ينبغي لمن عمل بالمعصية أن ينكر العقوبة، وما أرى ما أنتم فيه إلا من شؤم الذنوب" (^٤).
_________________
(١) إسناده ضعيف؛ فيه ابن لهيعة وقد سبق (١٤٩)، العقوبات (١٧٦) رقم (٢٦٣).
(٢) سبق (٤٢٨) في صفة الغضب.
(٣) لعله محمد بن يوسف مولى عمرو بن عثمان، ثقة من أهل المدينة، سؤالات البرقاني فقرة (٤٦٦).
(٤) إسناده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن مهدي، العقوبات (٥٨) رقم (٦٩)، وأبو =
[ ٢ / ١٠٤٢ ]
٩٢٩ - حدثني أزهر بن مروان قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: حدثنا هشام بن حسان قال: سمعت الحسن يقول: "إن الفتنة واللَّه ما هي إلا عقوبة من اللَّه ﷿ تحل بالناس" (^١).
٩٣٠ - حدثني علي بن الحسن، عن الفيض بن إسحاق قال: سألت فضيل بن عياض عن الأمر والنهي قال: "ليس هذا زمان كلام، هذا زمان بكاء وتضرّع واستكانة، ودعاء لجميع أمة محمد -ﷺ-، لو أوثقك في رجلك في هذه -وأشار إلى أسفل الركبة- جزعت ولم تصبر، ولو ابتليت لكفرت، قد ابتُلي قوم فكفروا من الشدّة" (^٢).
٩٣١ - أخبرني علي بن مسلم قال: أخبرنا سيار قال: أخبرنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: سمعت الحسن يقول: "إن الحجاج عقوبةٌ من اللَّه ﷿ لم تكُ، فلا تستقبلوا عقوبة اللَّه بالسيف، ولكن استقبلوها بتوبة وتضرّع واستكانة، وتوبوا تكفوه" (^٣).
_________________
(١) = نعيم في الحلية (٨/ ٢٣٦)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٢/ ٢٤)، كلاهما جعل شيخ المصنف هو أحمد بن الحسين وهو الحذاء عن أحمد بن إبراهيم العبدي، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٨١).
(٢) إسناده لين؛ لأن في رواية هشام عن الحسن مقال وهو ثقة التقريب (٧٣٣٩)، لكن يشهد له ما بعده وهذا كلام مشهور عن الحسن ﵀، العقوبات (٣٤) رقم (٢٥).
(٣) سبق (٧٩١) في المطلب الذي قبله.
(٤) إسناده حسن، سيار هو ابن حاتم العنزي صدوق له أوهام التقريب (٢٧٢٩)، وله طرق أخرى كثيرة، العقوبات (٥٠) رقم (٥٢)، واللطيف أن كون الحجاج =
[ ٢ / ١٠٤٣ ]
٩٣٢ - حدثنا الحسن بن عبد العزيز، عن ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، عن الحسن قال: "دعونا اللَّه منذ سبعين سنة أن يولّي أمرنا خيارنا، فإن كان استجاب لنا فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، وإن كان لم يستجب لنا فإنا للَّه وإنا إليه راجعون" (^١).
٩٣٣ - حدثني أبو حاتم، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثني محمد ابن كامل العبسي قال: "أتيت عراك بن خالد (^٢) وهو جالس في مجلس ابن مرة في فتنة ابن محرز فقلت له: يا أبا الضحاك، طاب الموت، قال: يا ابن أخي لا تفعل، لساعة تعيش فيها تستغفر اللَّه خير لك من موت الدهر" (^٣).
_________________
(١) = عقوبة يروى عنه نفسه أنه قاله فانظر رقمي (٥١، ٥٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٩ رقم (٣٠٧١٢)، وفي الهندية برقم (١٠٧٦١) بلفظ مخالف للمعنى الذي أراده الحسن: "فليستقبل عقوبة بالسيف!؟ " وهذا تحريف واضح لم ينبه عليه المحقق بل أحال على الطبقات لابن سعد وهو فيها على الصواب، وابن سعد في الطبقات (٧/ ١٦٤) بسياق أطول وأتم فيه محاورة بين الحسن ومن رأى الخروج، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ١٧٧)، وذكره السيوطي في الدر (٤/ ٦١٨) ونسبه لأبي الشيخ، وذكره ابن قتيبة في غريب الحديث (٢/ ٦٠٨).
(٢) إسناده حسن؛ ضمرة وابن شوذب سيأتي (١٠٢٧) أنهما صدوقان، الإشراف (٣٢٠) رقم (٤٦٢)، واسترجاعه في الأولى من جهة أنه إن كان أولئك خيارهم، فهو أمر عظيم، فلا خيار لهم، فما بال شرارهم.
(٣) هو عِرَاك بن خالد بن يزيد بن صالح بن صبيح المُري، أبو الضحاك الدمشقي، ليِّن، التقريب (٤٥٤٨).
(٤) فيه محمد بن كامل العبسي لم أجد له ترجمة، العمر والشيب (٥٧) رقم (٢٧)، =
[ ٢ / ١٠٤٤ ]
٩٣٤ - حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير قال: "حبس الحجاج مورّقا، قال: فطلبنا فأعيانا، فلقيني مطرف فقال: ما فعلتم في صاحبكم؟ قلنا: ما صنعنا شيئا، طلبنا فأعيانا، قال: تعالى فلندع، فدعا مطرف وأمَّنَّا، فلما كان من العشيّ، أذن الحجاج للناس، فدخلوا ودخل أبو مورّق فيمن دخل، فلما رآه الحجاج قال لحرسه: اذهب مع هذا الشيخ إلى السجن، فادفع إليه ابنه" (^١).
٩٣٥ - حدثني إسحاق بن إسماعيل، ثنا جرير، عن حصين، عن الشجي: "أنه كان جالسا عند زباد فجيء برجل إلى زياد يُحمل ما يشكّ في قتله، فحرّك شفتيه بشيء ما ندري ما هو، فخلي سبيله، فقلت له: ما قلت؟ قال: قلت: اللهم رب إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ورب جبريل وميكائل وإسرافيل، ومنزل التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم، ادرأ عني شرّ زياد فدرئ عنه شرّه" (^٢).
_________________
(١) = وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٥/ ١١٦).
(٢) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق، مجابو الدعوة (١١٥) رقم (٩٠)، ومن طريقه اللالكائي في كرامات الأولياء (١/ ٢٣٩) رقم (١٧٤)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ٢١٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٠٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٨/ ٣٢٤).
(٣) إسناده صحيح، الفرج بعد الشدة (٩٧ - ٩٨) رقم (٧٢)، وابن فضيل في الدعاء (٢٣٥ - ٢٣٦) رقم (٦٤)، ومن طريقه كل من ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٢٣) رقم (٢٩١٧٨)، والطبراني في الدعاء (٣٢٥) رقم (١٠٦٥)، والتنوخي في الفرج =
[ ٢ / ١٠٤٥ ]
٩٣٦ - حدثت عن الفضل بن يعقوب، ثنا الفريابي قال: "لما أخذ أبو جعفر إسماعيلَ بن أمية (^١) أمر به إلى السجن، فمرّ على حائط مكتوب: يا ولِيَّ نعمتي، ويا صاحبي في وحدتي، وعدّتي في كربتي، فلم يزل يدعو بها حتى خلّي سبيله، فمرّ على ذلك المكان فنظر فلم يجد شيئا مكتوبا" (^٢).
٩٣٧ - حدثني عيسى بن أبي حرب الصفار والمغيرة بن محمد قالا: ثنا عبد الأعلى بن حماد، حدثني الحسن بن الفضل بن الربيع قال: حدثني عبد اللَّه بن الفضل بن الربيع قال: حدثني أبي قال: "حج أبو جعفر سنة سبع وأربعين ومائة، فقدم المدينة فقال: ابعث إلى جعفر بن محمد (^٣) من يأتيني به تعبا، قتلني اللَّه إن لم أقتله، فأمسكت عنه رجاء أن ينساه، فأغلظ بي في الثالثة، فقلت جعفر بن محمد بالباب يا أمير المؤمنين، قال: ائذن له، فقلت له، فدخل فقال: السلام عليكم يا أمير المؤمنين ورحمة اللَّه وبركاته، فقال: لا سلّم اللَّه عليك يا عدو اللَّه، تلحد في سلطاني، وتبغيني الغوائل في
_________________
(١) = بعد الشدة (١/ ٢٦٨) من طريق المصنف.
(٢) هو إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، ثقة ثبت، مات سنة (١٤٤ هـ) وقيل قبلها، التقريب (٤٢٥).
(٣) إسناده منقطع لجهالة شيخ المصنف، والأثر وصله البيهقي بسند حسن، الفرج بعد الشدة (٩٨) رقم (٧٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٣٢) رقم (١٠٨٩).
(٤) هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد اللَّه، المعروف بالصادق، صدوق فقيه إمام، من سادات أهل البيت، وعباد أتباع التابعين، وعلماء أهل المدينة، مات سنة (١٤٨ هـ)، الكاشف (١/ ١٢٧)، التقريب (٩٥٠).
[ ٢ / ١٠٤٦ ]
ملكي، قتلني اللَّه إن لم أقتلك، قال جعفر: يا أمير المؤمنين إن سليمان أعطى فشكر، وإن أيوب ابتلي فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر، وأنت أسمح من ذلك، فنكس طويلا ثم رفع رأسه وقال: إليَّ وعندي يا أبا عبد اللَّه البريء الساحة، السليم الناحية، القليل الغائلة، جزاك اللَّه من ذي رحم أفضل ما يجزي ذوي الأرحام عن أرحامهم، ثم تناول بيده فأجلس معه على مفرشه، ثم قال: يا غلام عليّ بالمتحفة، والمتحفة مدهن كبير فيه غاية، فأتي به فغلفه بيده حتى خلت لحيته قاطرة، ثم قال له: في حفظ اللَّه وكلاءته، يا ربيع الحَق أبا عبد اللَّه جائزته وكسوته، فانصرف فلحقته، فقلت: إني قد رأيت قبل ذلك ما لم ير، ورأيت بعد ذلك ما قد رأيت، وقد رأيت تحرك شفتيك فماذا قلت؟، قال: نعم إنك رجل منا أهل البيت، ولك محبّة وودّ، قلت: اللهم احرسني بعينيك التي لا تنام، وبرّك الذي لا يرام، واغفر لي بقدرتك عليّ لا أهلَكُ، وأنت رجائي، رب كم من نعمة أنعمت بها عليّ قلّ لك عندها شكري، وكم من بليّة ابتليتني بها قلّ عندها صبري، فيا من قلّ عند نعمته شكري فلم يحرمني، ويا من قلّ عند بلائه صبري فلم يخذلني، ويا من رآني على الخطايا فلم يفضحني، يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبدا، ويا ذا النعم التي لا تحصى عددا، أسألك أن تصلي على محمد وعلى آل محمد أبدا، وبك أدرأ في نحره وأعوذ بك من شره، اللهم أعني على ديني بالدنيا، وأعني على آخرتي بالتقوى، واحفظني فيما غبت عنه، ولا تكلني إلى نفسي فيما حضرته، يا من لا
[ ٢ / ١٠٤٧ ]
تضره الذنوب، ولا تنقصه المغفرة، اغفر لي ما لا يضرك، وأعطني ما لا ينقصك، إنك أنت الوهاب، أسألك فرجا قريبا، وصبرا جميلا، ورزقا واسعا، والعافية من جميع البلاء، وشكر العافية" (^١).
٩٣٨ - نا إسحاق بن إسماعيل قال: نا أبو أسامة، عن مسعر، عن معن، عن عون بن عبد اللَّه قال: "بينا رجل في بستان، بمصر في فتنة ابن الزبير مكتئبا، معه شيء ينكت به في الأرض، إذ رفع رأسه، فسنح له صاحب مسحاة، فقال له: يا هذا ما لي أراك مكتئبا حزينا؟ قال: فكأنه ازدراه، فقال: لا شيء، فقال صاحب المسحاة: ألِلدُّنيا؟ فإن الدنيا عَرَضٌ حاضر يأكل منها البَّرُّ والفاجر، والآخرة أَجَلٌ صادقٌ يحكم فيها ملك قادر يفصل بين الحق والباطل، حتى ذكر أن لها مفاصل كمفاصل اللحم (^٢)، من أخطأ شيئا أخطأ الحق، فلما سمع ذلك منه كأنه أعجبه، قال: فقال: لِمَا فيه المسلمون، قال: فإن اللَّه سينجِّيك بشفقتك على المسلمين، وسَل فمن ذا الذي سأل اللَّه فلم يعطه، ودعاه فلم يجبه، وتوكَّلَ عليه فلم يكفه، أو وَثِقَ به فلم ينجه؟ قال: فَعَلِقتُ الدُّعَاءَ: "اللهم سَلِّمنِي وسَلِّم مني، فَتَجَلَّت الفتنة ولم تصب منه أحد" (^٣).
_________________
(١) إسناده فيه ابني الفضل بن الربيع لم أقف لهما على ترجمة، الفرج بعد الشدة (٩٩ - ١٠١) رقم (٧٤)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٣/ ٤١)، وكذا ابن الجوزي في المنتظم (٨/ ١٠٦)، وفي صفة الصفوة (٢/ ١٧١).
(٢) لعله من قولهم: أصاب المحك إذا قطعه من المفصل.
(٣) إسناده صحيح، ومعن هو ابن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود الهذلي المسعودي =
[ ٢ / ١٠٤٨ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان أسباب الفتن التي تنال الأمة، وبيان الوسيلة الشرعية لعلاجها، حيث ورد فيها أن أهم أسباب الفتن وتسلُّط حكام الجور على الأمة هو ذنوب العباد، فالاستخفاف بحق اللَّه يقابله استخفاف اللَّه بحق العباد، فيغضب عليهم ويسلط عليهم صبيانهم، وجور العمال بشؤم ذنوبهم، وحدوث الفتن، ولذلك تعين أن تقابل هذه العقوبات بالتوبة والتضرع والاستكانة، كما قاله غير واحد من السلف كالفضيل بن عياض والحسن البصري، ولأهمية موضوع الدعاء في دفع الفتن، فقد حمل همّه السلف وتوجهوا به إلى اللَّه في رفع الفتن، حتى إن الحسن ذكر أنهم دعوا للَّه منذ سبعين سنة أن يولي أمرهم خيارهم، ولما رأى الأمر لم يتغير كبير شيء تحسّر من ذلك، فإن كان استجيب لهم فهي مصيبة وأي مصيبة أن يكون أولئك الظلمة هم خيارهم، وإن لم يكن استجيب لهم فهى مصيبة أيضًا فإنهم ليسوا أهلا لذلك، وعدم استجابة الدعاء يوجب النظر في تحقق شروطه، ومن هنا كان هذا منهج السلف في الفتن فإنهم بين ناصح له وداع إليه كما نصح عراك بن خالد من قال له طاب الموت، بقوله: "لساعة تعيش فيها تستغفر اللَّه خير لك من موت الدهر"، وكذا مطرف لما حبس الحجاجُّ مورِّقا، وطلبوا له طرقا لإخراجه فلم يفلحوا، لم يكن منه إلا أن دعا وأمَّن أصحابه فخُلي سبيله، وهكذا من كان يظلم
_________________
(١) = الكوفي، ثقة، كما في التقريب (٦٨٦٧)، وانظر التهذيب (٤/ ١٢٩).
[ ٢ / ١٠٤٩ ]
ويحبس منهم يلتجئ إلى الدعاء فيفرج اللَّه عنه، بل إنهم كانوا يعتزلون الفتن لما تموج بالناس ويتوجهوا إلى اللَّه بالتضرع والدعاء، فلا تصيبه بشيء ولا يصيب المسلمين منه شيء يكرهونه وللَّه الفضل والمنة.
وقد نبّه العلماء على أهمية التوبة والتضرع والاستغفار في دفع العقوبات، وعلاقة ذلك بالذنوب والمعاصي قال شيخ الإسلام: "الفتن سببها الذنوب والخطايا فعلى كل من الطائفتين أن يستغفر اللَّه ويتوب إليه فإن ذلك يرفع العذاب وينزل الرحمة" (^١)، وقال ابن القيم: "ومن آثار الذنوب والمعاصي أنها تحدث في الأرض أنواعا من الفساد؛ في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن. . . فكلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم عقوبة، كما قال بعض السلف: كلما أحدثتم ذنبا أحدث اللَّه لكم من سلطانه عقوبة. . . ومن تأثير معاصي اللَّه في الأرض ما يحل بها من الخسف والزلازل، ويمحق بركتها. . . وكذلك شؤم تأثير الذنوب في نقص الثمار وما ترى به من الآفات، وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده في ضمن حديث قال: وجدت في خزائن بعض بني أمية حنطةً، الحبة بقدر نواة التمرة، وهي في صرة مكتوب عليها: كان هذا ينبت في زمن من العدل، وكثير من هذه الآفات أحدثها اللَّه ﷾ بما أحدث العباد من الذنوب، فإذا أراد اللَّه أن يطهر الأرض من الظلمة والخونة والفجرة، ويخرج عبدا من عباده من أهل بيت نبيه فيملأ الأرض قسطا كما ملئت جورا، ويقتل المسيح اليهود والنصارى، ويقيم الدين الذي بعث اللَّه به رسوله، وتخرج
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (٤/ ٢٣٨).
[ ٢ / ١٠٥٠ ]
الأرض بركاتها وتعود كما كانت، حتى إن العصابة من الناس ليأكلون الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويكون العنقود من العنب وقر بعير، ولبن اللقحة الواحدة يكفى الفئام من الناس، وهذا لأن الأرض لما طهرت من المعاصي ظهرت فيها آثار البركة من اللَّه تعالى التي محقتها الذنوب والكفر. . . والمقصود أن الذنوب إنما ترتب عليها العقوبات الشرعية والقدرية، أو يجمعها اللَّه لعبد، وقد يرفعها عمن تاب وأحسن. . . وعقوبات الذنوب نوعان: شرعية وقدرية، فإذا أقيمت الشرعية رَفَعت العقوبات القدرية أو خففتها. . . وإذا عطلت العقوبات الشرعية استحالت قدرية، وربما كانت أشد من الشرعية، وربما كانت دونها، ولكنها تعم والشرعية تخص؛ فإن الرب ﵎ لا يعاقب شرعا إلا من باشر الجناية، أو تسبب إليها، وأما العقوبة القدرية فإنها تقع عامة وخاصة" (^١).
وقد ذكر ابن القيم بعض ورد في هذا المعنى فقال: "ذكر عن مالك بن دينار قال: قرأت في الحكمة يقول اللَّه ﷿: أنا اللَّه مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي؛ فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم، وفي مراسيل الحسن: إذا أراد اللَّه بقوم خيرا جعل أمرهم إلى حلمائهم، وفيأهم عند سمحائهم، وإذا أراد بقوم شرا جعل أمرهم إلى سفهائهم، وفيئهم عند بخلائهم، وذكر الإمام أحمد وغيره عن قتادة قال يونس: يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض، فما علامة غضبك من
_________________
(١) الجواب الكافي (١/ ٤٢ - ٤٣، ٧٧).
[ ٢ / ١٠٥١ ]
رضاك؟ قال: إذا استعملت عليكم خياركم فهو من علامة رضائي عليكم، وإذا استعملت عليكم شراركم فهو من علامة سخطي عليكم، وذكر ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض قال: أوحى اللَّه إلى بعض الأنبياء: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني، وذكر أيضًا من حديث ابن عمر يرفعه: والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يبعث اللَّه أمراء كَذَبَة، ووزراء فجرة، وأعوانا خونة، وعرفاء ظلمة، وقرَّاء فسقة، سيماهم سيما الرهبان، وقلوبهم أنتن من الجيف، أهواؤهم مختلفة، فيتيح اللَّه لهم فتنة غبراء مظلمة، فيتهاوكون فيها، والذي نفس محمد بيده لينقضن الإسلام عروة عروة حتى لا يقال: اللَّه اللَّه، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن اللَّه عليكم أشراركم، فيسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليبعثن اللَّه عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم" (^١)، وكان من دعاء ابن حمش: "اللهم بما كسبت أيدينا سلطت علينا من لا يعرفنا ولا يرحمنا" (^٢)، وقال إسماعيل المزني في معتقد: "الطاعة لأولي الأمر فيما كان عند اللَّه ﷿ مرضيا، واجتناب ما كان مسخطا، وترك الخروج عند تعديهم وجورهم، والتوبة إلى اللَّه ﷿ كيما يعطف بهم على رعيتهم" (^٣).
_________________
(١) الجواب الكافي (٣١).
(٢) شعب الإيمان (٦/ ٢٣)، وانظر منهاج السنة (٤/ ٥٢٩).
(٣) اجتماع الجيوش الإسلامية (٩٧).
[ ٢ / ١٠٥٢ ]
المطلب التاسع: الآثار الواردة في توبة الخارج على الحكام.
٩٣٩ - أخبرني عمر بن شبَّة قال: حدثني أيوب بن أبي محمد بن سلمة الغفاري قال: حدثني قطن بن معاوية الغلابي (^١) قال: "كنت ممن سارع إلى إبراهيم واجتهد معه، فلما قُتل طلبني أبو جعفر فاختفيت، فقبض أموالي ودوري، ولحقت بالبادية، فجاورت في بني نضر بن معاوية، ثم في بني كلاب، ثم في بني فزارة، ثم في بني سلم، ثم انطلقت في بوادي قيس أجاور فيهم، ثم ضقت ذراعا بالاختفاء، فأزمعت على القدوم على أبي جعفر والاعتراف له، فقدمت البصرة فنزلت في طرف منها، ثم أرسلت إلى أبي عمرو بن العلاء وكان بي وادًّا، فشاورته في الذي أزمعت عليه فقَبَّل رأسي وقال: واللَّه إذًا ليقتلنّك، وإنك لتعين على نفسك، فلم ألتفت إليه، وشخصت حتى قدمت بغداد وقد بنى بها أبو جعفر مدينته ونزلها، فليس أحد من الناس يركب فيها ما خلا المهدي، فنزلت دارًا، ثم قلت لغلماني أنا ذاهب إلى أمير المؤمنين فأمهلوا ثلاثا؛ فإن جئتكم وإلا فانصرفوا، حتى دخلت المدينة فجئت دار الربيع والناس ينتظرونه، وهو حينئذ ينزل داخل المدينة في الدار الشارعة على قصر الذهب، فلم ألبث أن خرج يمشي فقام إليه الناس فقمت معهم، فسلمت عليه فردّ عليّ السلام وقال: من أنت؟ قلت: قطر بن معاوية، قال: انظر ما تقول، قلت:
_________________
(١) لم أجد له ترجمة، ولا يعرف إلا بهذه القصة، ووقع في بعض المراجع: "الكلابي" بالكاف بدل الغين.
[ ٢ / ١٠٥٣ ]
أنا هو، فأقبل على سودة معه فقال: احتفظوا هذا، قال: فلما حرست لحقتني الندامة، وذكرت رأي أبي عمرو بن العلاء، فتأسّفت عليه، ودخل الربيع فلم يطل حتى خرج خصيّ فأخذ بيدي فأدخلني قصر الذهب، ثم أتى بي بيتا حصيئا فأدخلنيه، ثم أغلق الباب عليّ وانطلق فاشتدّت ندامتي، وأيقنت بالهلاك وخلوت بنفسي ألومها، فلما كان الظهر أتاني الخصيّ بماء فتوضّأت وصلّيت، وأتاني الطعام فأخبرته أني صائم، فلما كان المغرب أتاني بماء فتوضّأت وصلّيت، وأرخى عليّ الليل سدوله يئست من الحياة، فسمعت أبواب المدينة تغلق وأقفالها تشدّد، فامتنع مني النوم فلما ذهب صدر من الليل أتاني الخصيّ، ففتح عني ومضى بي فأدخلني صحن الدار، ثم أدناني من ستر مسدول فخرج علينا خادم فأدخلنا فإذا أبو جعفر وحده وإذا الربيع قائم ناحية، فأكبّ أبو جعفر هنيهة مطرقا ثم رفع رأسه فقال: هيه؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أنا قطر بن معاوية، فقد واللَّه جهدت عليك جهدي، فعصيت أمرك، وواليت عدوّك، وحرصت على أن أسلبك ملكك، فإن عفوت فأهل ذلك أنت، وإن عاقبت فبأصغر ذنوبي تقتلني، قال: فسكت هنيهة ثم قال: هيه؟ فأعدت مقالتي، قال: فإن أمير المؤمنين قد عفا عنك، يا أمير المؤمنين إني امرؤ من وراء بابل لا أصل إليك، وضياعي ودوري مقبوضة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يردّها فعل، قال: فدعا بالدواة ثم أمر خادما له يكتب بإملائه: إلى عبد الملك بن أيوب النميري -وهو يومئذ بالبصرة- إن أمير المؤمنين قد رضي عن قطر بن
[ ٢ / ١٠٥٤ ]
معاوية، ورد عليه ضياعه ودوره وجميع ما قبض له، فاعلم ذلك وأنفذه له إن شاء اللَّه، قال: ثم ختم الكتاب ودفعه إليّ، قال: فخرجت من ساعتي لا أدري أين أذهب، فإذا الحرس بالباب، فجلست جانب أحدهم أحدثه، فلم ألبث أن خرج الربيع فقال: أين الرجل الذي خرج آنفا؟ فقمت إليه فقال: انطلق أيها الرجل واللَّه سلمت، فانطلق بي إلى منزله فعشّاني وأقرشني، فلما أصبحت ودعله فأتيت غلماني وأرسلتهم يكترون لي فوجدوا صديقا لي من الدهاقين من أهل ميسان قد اكترى سفينة لنفسه، فحملني معه فقدمت على عبد الملك بن أيوب بكتاب أمير المؤمنين فأقعدني عنه فلم أقم حتى ردّ عليّ جميع ما استصفى لي" (^١).
٩٤٠ - حدثني واصل بن عبد الأعلى قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين قال: "أتيت سعيد بن جبير بمكة فقلت: إن هذا الرجل قادم -يعني خالد بن عبد اللَّه- ولم يقدم، ولا آمنه عليك فأطعني واخرج، فقال: واللَّه لقد فررت حتى استحييت من اللَّه، قال: قلت: واللَّه لأراك (^٢)
_________________
(١) إسناده فيه الغفاري مختلف في اسمه وهو غير واضح في المخطوط، والذي ترجح لي أنه أيوب بن عمرو الغفاري كما في مصادر التخريج، ولم أهتد إلى ترجمته اللهم إلا ما ذكره السخاوي في التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة (٢/ ٣٣٣) فإن كان هو ذاك فهو متهم، الفرج بعد الشدة (٨٦ - ٨٩) رقم (٩٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ٥٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٢/ ٣١٧).
(٢) وفي تاريخ الطبري كما سيأتي في التخريج "أظنك واللَّه سعيدا كما سمتك أمك" وليس فيه تصحيف -كما قد يظن- من (لا أراك سعيدا).
[ ٢ / ١٠٥٥ ]
كما سمّتك أمك" (^١).
التحليل والتعليق
تضمن الأثران السابقان بيان ندم من حمل السلاح على الحاكم المسلم، وتركه الخروج والقتال، ثم البقاء متخفيا لمدة طويلة، ثم عدم احتماله لهذا الهروب والاستمرار فيه، وبالتالي اتخاذ قرار وقف التخفي أو الاستسلام للخليفة المسلم، وفي ضمن ذلك من نصحه من العلماء بأن لا يلقي نفسه للتهلكة، ليقينه بأنه سيقتل، كما أن الخليفة المنصور كان له موقف رائع بالعفو والصفح وإرجاع الحقوق إلى أهلها، وتسليم ما صودر منه وتأمينه على ماله ونفسه، ولا شك أن هذا هو المتعيّن في أيام الفتن والخروج، أن تكف الفئة الباغية، والطائفة الخارجة، الحاملة للسلاح، والشاقة لعصا المسلمين، وترجع إلى رشدها بكف أذاها عن المسلمين، وجمع الكلمة، وتأمين الخائفين، وترك ترويع الآمنين، كما يجب على الحاكم والسلطان أن يقابل فعلهم بالترحيب، وعملهم بالقبول والتأييد، وتيسير سبل الصلح والألفة والتراحم بين العبيد، وأن لا يقابله بالحبس
_________________
(١) إسناده صحيح، الإشراف (١٣٦) رقم (٦٤)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٧٤)، ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال (٣/ ١٤٣)، والأزدي في المتوارين (٥٧ - ٥٨)، والطبري في تاريخه (٤/ ٢٣) وفيه قصة خروجه وأماكن تخفيه مطولا، والذهبي في السير (٤/ ٣٣٧) وذكر أن اختفاءه طال حوالي ثلاث عشرة سنة، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٨٠)
[ ٢ / ١٠٥٦ ]
والاعتقال وبالتعذيب، بله القتل والتشريد، قال شيخ الإسلام: "الشارع أمر كل إنسان بما هو المصلحة ليه وللمسلمين، فأمر الولاة بالعدل والنصح لرعيتهم. . . وأمر الرعية بالطاعة والنصح. . . وأمر بالصبر على استئثارهم ونهى عن مقاتلتهم ومنازعتهم الأمر مع ظلمهم؛ لأن الفساد الناشئ من القتال في الفتنة، أعظم من فساد ظلم ولاة الأمر فلا يزال أخف الفسادين بأعظمهما" (^١)، والمراد أن كل واحد عليه أن يقوم بما أمر اللَّه به ولا يدفعه حظ نفسه وهواها أن يجاوز حكم اللَّه، كما فعل قتلة الحسين -﵁- حين أبوا إلا أن يستأسر لهم، رغم مرضه عليهم أن يرجع إلى بيته أو يذهب إلى الثغر أو يذهبوا به إلى ابن عمة يزيد، فلم يمكنوه من كل ذلك وأبوا إلا أن يستأسر لهم، قال شيخ الإسلام: "ومعلوم باتفاق المسلمين أن هذا لم يكن واجبا عليه، وأنه كان يجب تمكينه مما طلب، فقاتلوه ظالمين له، ولم يكن حينئذ مريدا لتفريق الجماعة، ولا طالبا للخلافة، ولا قاتل على طلب خلافة، بل قاتل دفعا عن نفسه لمن صال عليه وطلب أسره" (^٢)، والمراد أن منهج أهل السنة والجماعة في هذا هو المنهج الوسط، وطريق العدل بجمع الكلمة وتأليف القلوب، وبهذا أفتى العلماء المعاصرون لما حدث من فتن وقلاقل في بعض البلدان الإسلامية، ومن ذلك النصيحة الذهبية لفضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀ لمن حمل السلاح في الجزائر
_________________
(١) منهاج السنة (٤/ ٥٤١ - ٥٤٢)، وانظر (٤/ ٥٦٠).
(٢) منهاج السنة (٨/ ١٤٧).
[ ٢ / ١٠٥٧ ]
بقوله: "نصيحتي لإخواني الذين حملوا السلاح، ويحملونه الآن: أن يضعوا السِّلاح، وأن يدخلوا من هذا الباب الذي فتحته الحكومة.
ونصيحتي للحكومة ألَّا تؤذي هؤلاء الذين وضعوا السلاح، وألَّا تمسَّهم بعذاب، وألَّا تحرمهم من حقوقهم الوظيفية والاجتماعية ما داموا أهلًا لذلك، بمعنى أنَّها تعفو عن كلِّ ما سلف، وكأن شيئًا لم يكن، حتى تطيب النفوس، وتهدأ الأمور، فما من قلب من قلوب بني آدم إلَّا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، يُصرِّفه تعالى كيف يشاء، فلا ييأس هؤلاء المقاتِلون، والحكومة يجب أن ترحمهم، وأن تعفو عنهم ما سلف، حتى تهدأ الأمور وتستقرَّ إن شاء اللَّه" (^١)، بل استمر ﵀ في النصح لعامة المسلمين والدعاة وتوجيههم لأمثل طريق يقضوا به على الفتن ويقطعوا دابرها، حتى لا تعاود الظهور، وتقصم الظهور، وكيف يتعاملوا مع الذي ألقوا السلاح فقال: "بالنسبة للآخرين: أن يتلقَّوا هؤلاءِ بوجهٍ طلْقٍ وصدرٍ مُنشرِحٍ، وأن يفرحوا بهم، وأن يُكرموهم، وألَّا يروهم جفاءً أو كراهيةً أو عبوسًا في وجوههم؛ لأنَّ الحالَ بعد وضع السِّلاح ليس كالحال قبل وضع السِّلاح، وأن يتناسَوا كلَّ ما جرى.
سادسًا: بالنسبة للدُّعاة أيضًا: يَحثُّون الناسَ على أن يتآلفوا ويتقاربوا، ويتعاونوا على البرِّ والتقوى، ويتناسَوا ما سبق، وتبدأ الحياة
_________________
(١) فتاوى العلماء الأكابر (١٦٢).
[ ٢ / ١٠٥٨ ]
من جديد"، "ونحن نشكرُ الدولةَ على العفوِ العام، ونشكرُ مَن ألقى السِّلاحَ على استجابتِه" (^١).
كما أنه ﵀ أشار إلى أمر مهم تضمنه الأثران السابقان وهو ما يتعلق بتململ قطن بن معاوية وسعيد بن جبير من الاختفاء والهروب من الحاكم، وعدم رضاهم بالحالة التي يعيشونها، رغم تركهم القتال والخروج، فعلّل ذلك تعليل فقيه بصير بالمصالح والمفاسد ومدرك لعواقب الأمور وهذا نص سؤال المقاتلين وجواب الشيخ عليهم: "السائل: شيخنا بعض الإخوة عندنا - بعد أن سلَّموا بأنَّ هذا ليس بجهاد على وفق ما ذكرتم؛ يعني لم يثقوا في الحكومة؛ يعني نسبيًّا، فيسألون هل يجوز لهم المكث في الجبال دون الرجوع إلى الحياة المدنية، بدون قتال يعني يبقون بأسلحتهم في الجبال ويتوقَّفون عن القتال، لكن لا يرجعون إلى الحياة المدنية؟
الشيخ: أقول: إنَّهم لن يبقوا على هذه الحال، مهما كان الحال، ولا بدَّ أن تحرِّكهم نفوسُهم في يوم من الأيام حتى ينقضُّوا على أهل القرى والمدن؛ فالإنسانُ مدنيٌّ بالطبع، يبقى في رؤوس الجبال وفي تلالها وشعابها، ومعه السلاح؟ !، في يوم من الأيام لا بدَّ أن تُهيِّجهم النفوسُ حتى يكونوا قطَّاعَ طرق!
_________________
(١) فتاوى العلماء الأكابر (١٨٧).
[ ٢ / ١٠٥٩ ]
السائل: إذًا لا يجوز لهم المكث على هذه الحال؟
الشيخ: هذا ما أراه، أرى أن ينزلوا للمدن والقرى ولأهليهم وذويهم وأصحابهم" (^١)، ومصداق كلامه ﵀ ما وقع لمرداس بن أدية الخارجي، وكان خارجيا لا يرى حمل السيف واستحلال الدماء، قال عنه المبرد: "لما خرج من حبس ابن زياد ورأى جِدَّ ابن زياد في طلب الشراة عزم على الخروج، فقال لأصحابه: إنه واللَّه ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم، مجانبين للعدل، مفارقين للفصل، واللَّه إن الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم، ولكنا ننتبذ عنهم، ولا نجرد سيفًا، ولا نقاتل إلا من قاتلنا" (^٢)، فكان هذا شعاره لكنه ما لبث أن بدأ يقطع سبيل قوافل الخليفة فيأخذ بزعمه نصيبه ونصيب أصحابه من الفيء، وانتهى به الأمر إلى القتال فقتل وصُلب.
_________________
(١) المصدر السابق (١٧٢).
(٢) الكامل لابن المبرد (٢/ ٢٨٤).
[ ٢ / ١٠٦٠ ]
المبحث الثالث: الآثار الواردة في موقف المسلم من الفتنة.
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: الآثار الواردة في لزوم البيوت في الفتن.
المطلب الثاني: الآثار الواردة في ندم من حضر في قتال فتنة.
المطلب الثالث: الآثار الواردة في الارتحال عن بلد الفتنة.
المطلب الرابع: الآثار الواردة في التعوذ من الفتن وتمني الموت قبل وقوعها.
[ ٢ / ١٠٦١ ]
المطلب الأول: الآثار الواردة في لزوم البيوت في الفتن.
٩٤١ - حدثنا أبو بكر بن عمرو الباهلي، حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال: سمعت يحيى بن سعيد قال: سمعت عبد اللَّه بن عامر (^١) يقول: "قام عامر بن ربيعة يصلي من الليل، وذلك حين سعى الناس في الطعن علي عثمان -﵁- فصلى من الليل، ثم نام، فأري في منامه فقيل له: قم فاسأل اللَّه أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام فصلى، ثم اشتكى فما خرج قط إلا جنازةً" (^٢).
٩٤٢ - ثنا محمد بن أبي حاتم، ثنا موسى بن داود، ثنا ابن لهيعة، عن سيَّار بن عبد الرحمن قال: قال لي بكير بن الأشج (^٣): "ما فعل عمك؟ قال: قلت: لزم البيت منذ كذا وكذا، فقال: إن رجالا من أهل بدر لزموا
_________________
(١) هو عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة العنزي، حليف بني عدي، أبو محمد المدني، ولد على عهد النبي -ﷺ- ولأبيه صحبة مشهورة، وثقه العجلي مات سنة بضع وثمانين، التقريب (٣٤٠٣).
(٢) إسناده صحيح، المنامات (١٠٥) رقم (٢١٠)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٨٧)، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ١٩٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٧٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥/ ٣٢٨)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٤/ ٢٥)، وابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ٢٧١)، وابن حجر في تهذيب التهذيب (٢/ ٢٦٣)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٤٤٩).
(٣) هو بكير بن عبد اللَّه بن الأشج، مولى بني مخزوم، أبو عبد اللَّه أو أبو يوسف، المدني نزيل مصر، ثقة مات سنة (١٢٠ هـ) وقيل بعدها، التقريب (٧٦٠).
[ ٢ / ١٠٦٢ ]
بيوتهم بعد قتل عثمان نضّر اللَّه وجهه، فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم" (^١).
٩٤٣ - حدثني داود بن عمرو الضبي، ثنا عبد اللَّه بن المبارك، أخبرني عاصم الأحول، عن رجل من بني سدوس، عن أبي موسى الأشعري قال: ". . . إن بعدكم فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسى مؤمنا ويصبح كافرا، قالوا: فما تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: كونوا أحلاس البيوت" (^٢).
٩٤٤ - ثنا محمد بن حماد قال: سمعت مسلم بن إبراهيم، ثنا بشير بن عقبة قال: قلت ليزيد بن عبد اللَّه بن العلاء: "ما كان يصنع مطرّف إذا هاج في الناس هيج؟ قال: كان يلزم قعر بيته، ولا يأتي لهم صَفّا ولا جماعة، حتى تنجلي عما انجلت" (^٣).
_________________
(١) إسناده ضعيف، مداره على عبد اللَّه بن لهيعة وقد سبق (١٤٩)، العزلة والانفراد (٥٣) رقم (٩)، وانظر رقم (٥٧ - ٥٨) ففيه أن منهم سعد بن أبي وقاص وسعيد ابن زيد، وابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٢٦٤)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٤٤٢)، وذكره في الاستذكار (٨/ ٥٠١)، وابن تيمية في منهاج السنة (٦/ ٢٣٧)، وابن كثير في البداية النهاية (٧/ ٢٥٤).
(٢) إسناده ضعيف؛ لجهالة الرجل المبهم من بني سدوس، وسمي في طرق الأثر عند غيره وهو أبو كبشة السدوسي وهو مقبول التقريب (٨٣٨٤)، العزلة والانفراد (١٤٤ - ١٤٥) رقم (١٦٢)، وابن المبارك في الزهد رقم (٣٥٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٤٨) رقم (٣٧١٢٠)، وهناد في الزهد (٢/ ٥٨٣) رقم (١٢٣٧)، ونعيم بن حماد في الفتن (١/ ١٧١) رقم (٤٤٩)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ١٦٠).
(٣) إسناده صحيح، العزلة والانفراد (١٦٦) رقم (٢٠٠)، وابن سعد في الطبقات =
[ ٢ / ١٠٦٣ ]
٩٤٥ - ثنا إبراهيم بن سعيد، حدثني يحيى بن صالح، ثنا مالك بن أنس، ثنا يحيى بن سعيد قال: "كان أبو جهيم الأنصاري (^١) بدريّا، وكان لا يجالس الناس، وكان يعتزل في بيته، فقالوا له: لو جالست الناس وجالسوك، فقال: وجدت مقارفة الناس شرا، وكان عبد اللَّه بن عمرو أكثر الناس مجالسة له، وكان يحدثه عن الفتن، فلما كان من أمر عبد اللَّه ابن عمرو ما كان بالشام (^٢)، قال: تحدثني ما تحدثني -وكان هذا من أمره- للَّه عليّ ألا أكلمه أبدا" (^٣).
٩٤٦ - حدثني محمد بن هارون، حدثنا الفريابي، حدثنا سفيان قال:
_________________
(١) = (٧/ ١٤٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٨/ ٣١٤)، وذكره الذهبي في السير (٤/ ١٩١).
(٢) هو أبو جُهَيم بن الحارث بن الصِّمَّة بن عمرو الأنصاري، مختلف في اسمه، صحابي معروف، وهو ابن أخت أبيّ بن كعب، بقي إلى خلافة معاوية، الإصابة (٧/ ٧٣)، التقريب (٨٠٢٥).
(٣) وذلك أنه -﵁- قاتل مع معاوية، وكان حامل رايته، في صفين، ثم ندم ندما شديدا، وكان يقول: "ما لي ولقتال المسلمين، واللَّه لوددت أني مت قبل هذا بعشر سنين، ثم يقول: أما واللَّه ما ضربت فيها بسيف، ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم، ولوددت أني لم أحضر شيئا منها، وأستغفر اللَّه ﷿ عن ذلك وأتوب إليه"، انظر الاستيعاب (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣).
(٤) إسناده حسن؛ يحيى بن صالح هو الوحاظي صدوق التقريب (٧٦١٨)، العزلة والانفراد (٥٤) رقم (١٠) ورقم (٢٨)، ونحوه رقم (٧)، وابن المبارك في الزهد رقم (١٧)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١/ ٧٠٧).
[ ٢ / ١٠٦٤ ]
"كان طاووس يجلس في البيت، فقيل له: لِمَ تجلس في البيت؟ قال: حيف الأئمة، وفساد الناس" (^١).
٩٤٧ - حدثني محمد بن عباد بن موسى قال حدثنا كثير بن هشام قال: كان سفيان الثوري قاعدا بالبصرة فقيل له: هذا مساور بن سوار يمر -وكان على شرطة محمد بن سليمان- فوثب فدخل داره، وقال: "أكره أن أرى من يعصي اللَّه ولا أستطيع أن أغيّر عليه" (^٢).
٩٤٨ - حدثنا روح بن حاتم، حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن شريك، عن ليث، عن الحكم، عن أبي البختري، عن عليّ قال: "طوبى لكل عبد نُوَمَة (^٣)، عرف الناس ولم يعرفه الناس، وعرفه اللَّه منه برضوان، أولئك مصابيح الدجى، تُجلى عنهم كل فتنة مظلمة، أولئك ليسوا بالمذاييع (^٤) البُذُر (^٥)، ولا الجفاة المرائين، قال سمعت ابن الأعرابي يقول: النومة: الذي
_________________
(١) إسناده صحيح، مداراة الناس (١٠٥) رقم (١٢٧)، العزلة والانفراد رقم (١٠٨) وانظر الذي بعده، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٤)، والمزي في تهذيب الكمال (٣/ ٤٩٦)، وابن كثير في البداية والنهاية (٩/ ٢٤٢).
(٢) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق يخطئ التقريب (٦٠٣٣)، كتاب الورع (٦٧) رقم (٧٤).
(٣) هو الخامِلُ الذِّكْر الذي لا يُؤْبَه له، وقيل: الغامض في الناس الذي لا يَعْرِف الشَّر وأهلَه، انظر النهاية في غريب الحديث (٥/ ٢٧٣).
(٤) جمع مِذْياع، مِن أَذاعَ الشيءَ إِذا أَفْشاه، وقيل: أَراد الذين يُشِيعون الفواحِش وهو بِناءُ مبالغة، لسان العرب (٨/ ٩٨).
(٥) رجل بَذورٌ وبَذِيرٌ يُذيعُ الأَسرارَ ولا يكتم سرًّا، والجمع بُذُرٌ، يبذرون الكلام =
[ ٢ / ١٠٦٥ ]
لا يدخل مع الناس فيما هم فيه" (^١).
٩٤٩ - وبه حدثنا يحيى بن سليم قال: سمعت شب بن عبّاد قال: سمعت أبا الطفيل قال: سمعت علي بن أبي طالب -﵁- يقول: "أظلّتكم فتنة عمياء متسكِّنة، لا ينجو منها إلا النومة، قيل: يا أبا الحسن، وما النومة؟ قال: الذي لا يعرف الناس ما في نفسه" (^٢).
٩٥٠ - حدثني محمد بن إسحاق الباهلي، حدثنا سفيان ﵀ قال: كنا عند الأعمش، فذكروا قتل زيد بن علي، فقال: "أنا لكم النذير العريان، كَفَّ رجل يده، وأمسك لسانه، وعالج قلبه" (^٣).
_________________
(١) = وينشرونه ويفشونه كما تبذر الحبوب، لسان العرب (٤/ ٥٠).
(٢) إسناده لين، فيه ليث بن أبي سليم، والأثر حسن بطرقه، التواضع والخمول (١٠٥ - ١٠٦) رقم (١٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٠٠) رقم (٣٤٤٩٧)، وهناد في الزهد (٢/ ٤٣٧) رقم (٨٦١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٧٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ١١٠) رقم (٩٦٧١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٩٢)، وانظر سنن الدارمي في تفسير النومة أيضًا (١/ ٧٠).
(٣) إسناده لين؛ يحيى بن سليم صدوق سيء الحفظ التقريب (٧٦١٣)، وانظر الذي قبله، التواضع والخمول (١١٥) رقم (٢٧)، وذلك لشدة تحفظه في منطقه واعتزاله عن الناس، حتى لا يعرف ما في نفسه.
(٤) إسناه لين؛ شيخ المصنف لم أجده إلا ضمن الرواة عن محمد بن عبد اللَّه بن عثمان الخزاعي في تهذيب الكمال (٦/ ٣٧٧)، كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٧٩) رقم (٦٢٢)، وأخرجه الخلال في السنة (١/ ١٣٤) رقم (٩١) من طريق سفيان عن الأعمش لكن بلفظ مخالف، وهو أن ذلك كان لما قتل الوليد بن يزيد، حيث قال =
[ ٢ / ١٠٦٦ ]
٩٥١ - حدثني علي، عن محمد بن الحسين قال: حدثني حكيم بن جعفر قال: حدثني عصام بن طليق، عن شيخ من أهل البصرة، عن أبي الجلد قال: "لقيني رجل من أهل العجم، فشكا إلي سلطانه وما يلقى منه من الظلم، فقلت له: ألا أدلك على أمر إن أخذت به وتركت ما سواه كفيت أمر السلطان وغيره، قاله: بلى، قلت: ارجع إلى أهلك وتوكل على اللَّه في أمرك كله؛ فإنك إن تفعل تجد ما أقول لك، قال: فلقيني بعد ذلك فجعل يشكرني ويقول: إني واللَّه رجعت يومئذ إلى أهلي وتوكلت
_________________
(١) = لخلف بن حوشب: اجمع بقيَّةَ من بَقِي، واصنع طعاما، فجمعهم فقال لهم ذلك، وذكر بعده عن أحمد قوله: "انظروا إلى الأعمش ما أحسن ما قال، مع سرعته وشدّة غضبه"، والذي يظهر لي واللَّه أعلم أن رواية المصنف أولى فإن الوليد كان خليفة يوم قتل، وكان بالشام مقر ملك بني أمية، وقد تولى عزله والخروج عليه بعض أولاده، وهذا يجعل كونه المراد في القصة بعيدا، أما زيد بن علي فقد كانت الحادثة في الكوفة كما في السير (٥/ ٣٨٩)، وهي الأقرب إلى موطن الأعمش فهو كوفي، لا سيما وأنه ذكر عنه أنه فيه تشيع كما في تهذيب الكمال (٣/ ٣٠٣)، فلعله فعل ذلك حتى يقطع دابر الفتنة، ويخمد محاولة الثأر، ويحقن دماء المسلمين فلا يقول متقول أو يتمنى متمنٍّ أن يصدر من الأعمش شيئا، ولهذا كان تعليق الإمام أحمد -الذي عرف عنه نهيه الشديد عن السيف- تعليقا قوِّيا فيه إشادة بهذا الموقف الحاسم في مثل هذا الوقت العصيب، وأن شدة غضب الأعمش وسرعته لم تمنعه أن يلجمها بلجام الشرع، ويحكمها بحكم الدين، وهكذا العلماء الربّانيون يضبطون عاطفتهم ويحكِّمون فيها شرع اللَّه، ولا يجعلونها تسوقهم سوق ناقة هو جاء بلا زمام ولا خطم.
[ ٢ / ١٠٦٧ ]
على اللَّه فلم ألبث أن جاءني ما أحب" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة موقف المسلم عند هيجان الفتن، واضطراب أمور الناس، أو استشراء ظلم الحكام وبطشهم بالرعية، وانتشار المنكرات العلنية، ويتلخص هذا الموقف في:
لزوم البيوت: وهو ما عبرت عنه الآثار عن كثير من البدريين الذين لم يخرجوا من بيوتهم بعد موت عثمان -﵁- إلا إلى المقابر والجنازات، ووصية بعضهم لمن سأله عن المخرج بأن يكونوا أحلاس بيوتهم، وإذا اشتدَّ الخطب لم يحضروا ترك الجمعة والجماعات، وهكذا الأمر عند حيف الأئمة وانتشار الظلم والمنكرات كانوا يلزمون بيوتهم خشية التأثم من رؤية المنكر وعدم إنكاره.
عدم الخوض ففي شيء من الفتن: ومن هنا مدحوا النُّوَمَة، وفسروه بأنه الذي لا يدخل مع الناس فيما هم فيه، أو الذي لا يعرفون ما في نفسه، وكلاهما متلازمان، وأمروا بكفّ اليد، وإمساك اللسان، ومعالجة القلب، بل هذه نصيحتهم حتى لغير المسلمين.
ولا شك أن هذين المسلكين من أهم ما المسلم به نفسه من الفتن، فيَسلم ويُسلم منه، فلا يكون وقودا لنارها، ولو سلك الناس هذان
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه عصام بن طليق ضعيف كما في التقريب (٤٦١٤)، كتاب التوكل (٩١) رقم (٥٦).
[ ٢ / ١٠٦٨ ]
المسلكان لماتت الفتن في مهدها، ولوُئدت قبل استهلالها، ولهذا عقد العلماء في كتبهم عدة أبواب في لزوم البيوت في الفتن وذكروا النصوص الواردة فيه، فقد عقد الآجري باب فضل القعود في الفتنة عن الخوض فيها، وتخويف العقلاء على قلوبهم أن يهووا ما يكرهه اللَّه ﷿، ولزوم البيوت والعبادة للَّه ﷿ وقال: "ليكون المؤمن العاقل يحتاط لدينه؛ فإن الفتن على وجوه كثيرة؛ قد مضى منها فتن عظيمة، نجا منها أقوام، وهلك فيها أقوام باتباعهم الهوى، وإيثارهم للدنيا، فمن أراد اللَّه تعالى به خيرا فتح له باب الدعاء، والتجأ إلى مولاه الكريم، وخاف على دينه، وحفظ لسانه، وعرف زمانه، ولزم الحجة الواضحة السواد الأعظم، ولم يتَلَوَّن في دينه، وعبد ربَّه ﷿ فترك الخوض في الفتنة؛ فإن الفتنة يفتضح عندها خلق كثير" (^١)، قال القرطبي -بعد ذكره من اعتزل الفتنة من الصحابة والتابعين-: "هذا وكانت تلك الفتنة والقتال بينهم على الاجتهاد منهم، فكان المصيب منهم له أجران، والمخطئ له أجر، ولم يكن قتال على الدنيا، فكيف اليوم الذي تسفك فيه الدماء باتباع الهوى، طلبا للملك والاستكثار من الدنيا، فواجب على الإنسان أن يكف اليد واللسان عند ظهور الفتن، ونزول البلايا والمحن" (^٢)، وكلما كان المسلم أعلم بهذه النصوص كان أقرب إلى العصمة من الوقوع في الفتن، وهذا ما حصل لمن
_________________
(١) الشريعة (١/ ٥٠)، وانظر السنن الواردة في الفتن (١/ ٣٦٣).
(٢) التذكرة (٦٢٩) تحت باب الأمر بلزوم البيوت.
[ ٢ / ١٠٦٩ ]
اعتزل القتال من الصحابة فمن بعدهم كما قال شيخ الإسلام: "الذين رووا هذه الأحاديث من الصحابة مثل: سعد بن أبي وقاص، وأبي بكرة، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وأبي هريرة وغيرهم، جعلوا قتال الجمل وصفين من ذلك، بل جعلوا ذلك أول قتال فتنة كان في الإسلام، وقعدوا عن القتال، وأمروا غيرهم بالقعود عن القتال، كما استفاضت بذلك الآثار عنهم" (^١).
_________________
(١) منهاج السنة (٨/ ٥٢٥ - ٥٢٦).
[ ٢ / ١٠٧٠ ]
المطلب الثاني: الآثار الواردة في ندم من حضر في قتال فتنة.
٩٥٢ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا نجدة بن المبارك السلمي قال: سمعت مالك بن مغول قال: كان طلحة اليامي (^١) يقول: "ليت أنها قطعت من ها هنا -يعني يديه من المرفقين- وأني لم أكن شهدت يوم الجماجم (^٢) " (^٣).
٩٥٣ - حدثني خالد بن خداش، حدثنا حماد بن زيد، عن مجالد بن سعيد: "أن عليا -﵁- قال يوم الجمل: ليتني مت قبل هذا اليوم بكذا وكذا" (^٤).
_________________
(١) هو طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب اليامي الكوفي، ثقة قارئ فاضل، مات سنة (١١٢ هـ) أو بعدها، التقريب (٣٠٣٤).
(٢) هي وقعة مشهورة وقعت بين عبد الرحمن بن الأشعث والحجاج بن يوسف، سنة (١٨٢ هـ) هزم فيها ابن الأشعث وقتل خلق عظيم من المسلمين، تاريخ الإسلام (١/ ٦٨٤).
(٣) إسناده لين، والأثر حسن بطرقه، فيه نجدة بن المبارك السلمي مقبول التقريب (٧١٤٨)، المتمنين (٥٨) رقم (٨٩)، وانظر رقم (١٣٢، ١٣٩) وفيه أبو جناب ضعفوه لكثرة تدليسه، التقريب (٧٥٨٧)، وهو عن طلحة بن مصرف وفيه: أنه لم يرم بسهم، ولا طعن برمح، ولا ضرب بسيف، ومع هذا يتمنى ذلك، وابن الجعد في مسنده (١/ ٣٩٩) رقم (٢٧٢٥)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٣٧)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٧)، وفيه جابر بن نوح الحماني ضعيف، التقريب (٨٨٤).
(٤) إسناده ضعيف، شيخ المصنف صدوق يخطئ، ومجالد بن سعيد ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره التقريب (٦٥٢٠)، والأثر حسن بطرقه الكثيرة، المتمنين (٤٢) رقم (٥٠)، ثم برقم (٩٧) لما عاتب سليمان بن صرد، ورقم (٩٨) جعل يمسح التراب عن طلحة بن مصرف، ورقم (١٥٤)، والبخاري في التاريخ الكبير =
[ ٢ / ١٠٧١ ]
٩٥٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا أبو معاوية، حدثنا إسماعيل، عن قيس، قال: قالت عائشة ﵂: "لوددت أني كنت ثكلتُ عشرة كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأني لم أسر مسيري الذي سرت" (^١).
٩٥٥ - حدثني عبد الرحمن بن صالح الأزدي، عن أبي بكر بن عياش قال: قال المختار (^٢) لما أحيط به: "ذهبت الدنيا والآخرة" (^٣).
_________________
(١) = (٦/ ٣٨٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٤٥ - ٥٤٦) رقم (٣٧٨٣٢، ٣٧٨٣٥)، ونعيم في الفتن (١/ ٨٠ - ٨١)، والطبراني في الكبير (١/ ١١٣ - ١١٤) رقم (٢٠٢ - ٢٠٣)، وقال الهيثمي في المجمع: "رواه الطبراني وإسناده حسن"، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (١/ ١٠٥)، وابن ماكولا في تهذيب مستمر الأوهام (١/ ٧١ - ٧٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥/ ١١٥).
(٢) إسناده صحيح، المتمنين (٤٨) رقم (٦٤)، والذي بعده بلفظ مقارب جدا، والحاكم في المستدرك (٣/ ١١٩)، وانظر تحفة التحصيل (٢٨) حيث ذكر عن يحيى ابن معين أن أبا معاوية أخطأ في روايته عن إسماعيل عن قيس والصواب عن رجل آخر غير قيس، قلت: ولعله يشير إلى الطريق الثانية عن إسماعيل بن أبي خالد عن علي بن عمرو الثقفي وقد أخرجه بها ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٤٢) رقم (٣٧٨١١)، والحاكم جعله عن إسماعيل عن هشام وقيس.
(٣) هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي، ذكره ابن عبد البر فقال: يكنى أبا إسحاق، ولم يكن بالمختار، كان أبوه من جلة الصحابة، وُلد المختار عام الهجرة، وليست له صحبة ولا رؤية، وأخباره غير مرضية، حكاها عنه ثقات مثل الشعبي وغيره، وكان قد طلب الإمارة وغلب على الكوفة حتى قتله صعب بن الزبير بالكوفة، سنة (٦٧ هـ)، وكان قبل ذلك معدودا في أهل الفضل والخير، إلى أن فارق ابن الزبير، وكان يتزين بطلب دم الحسين، ويسر طلب الدنيا، فيأتي بالكذب والجنون، وكانت إمارته ستة عشر شهرا، الإصابة (٦/ ٣٤٩).
(٤) إسناده صحيح إلى أبي بكر بن عياش، الإشراف (١٢٥) رقم (٤٥).
[ ٢ / ١٠٧٢ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة بيان ندم من حضر قتال فتنة، سواء من حضر الجماجم أو صفين والجمل، ولما ذكر شيخ الإسلام مكفرات الذنوب ذكر أولها التوبة ثم قال: "عائشة ﵂ ندمت على مسيرها إلى البصرة، وكانت إذا ذكرته تبكي حتى تبل خمارها، وكذلك طلحة ندم على ما ظن من تفريطه في نصر عثمان، وعلى غير ذلك، والزبير ندم على مسيره يوم الجمل، وعلي بن أبي طالب -﵁- ندم على أمور فعلها من القتال وغيره. . . وقد روى هذا عن علي -﵁- من وجهين أو ثلاثة، وتواترت الآثار بكراهته الأحوال في آخر الأمر، ورؤيته اختلاف الناس وتفرقهم، وكثرة الشر الذي أوجب أنه لو استقبل من أمره ما استدبر ما فعل ما فعل" (^١)، وقد عقد المروزي في كتابه الفتن باب ما يذكر من ندامة القوم من أصحاب النبي -ﷺ- وغيرهم في الفتنة وبعد انقضائها، وما تقدم إليهم فيها (^٢)، ولما تكلم شيخ الإسلام عن الفرق بين قتال الخوارج وقتال الفتنة قال: "أما قتال الجمل وصفين فكان قتال فتنة، كرهه فضلاء الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وسائر العلماء، كما دلت عليه النصوص، حتى الذين حضروه كانوا كارهين له، فكان كارهه في الأمة أكثر وأفضل من حامده" (^٣)، ولما ذكر البيهقي ما حصل بين على
_________________
(١) منهاج السنة (٦/ ٢٠٨ - ٢٠٩)، وانظر (٨/ ١٤٥).
(٢) (٧٨ - ٩١).
(٣) منهاج السنة (٥/ ١٥٣).
[ ٢ / ١٠٧٣ ]
-﵁- ومن قاتله قال: "جرى الشيطان بين الفريقين حتى اقتتلوا، ثم ندموا على ما فعلوا، وتاب أكثرهم" (^١)، وقال ﵀: "إن عائشة لم تقاتل، ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبيَّن لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها، وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة، والزبير، وعلي ﵃ أجمعين، ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في الاقتتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم" (^٢)، وهنا تنبيه مهم جدا يدل على خطورة القتال في الفتنة، وأن النية الحسنة لا تبرر فعل من فعله، فإن الذين ندموا عن قتالهم هم من أفاضل الصحابة وكبارهم، ومن هنا فإن من بعدهم "ليسوا أفضل من علي وعائشة وطلحة والزبير وغيرهم، ومع هذا لم يحمدوا ما فعلوه من القتال، وهم أعظم قدرا عند اللَّه وأحسن نية من غيرهم" (^٣).
_________________
(١) الاعتقاد (٣٧٣).
(٢) منهاج السنة (٤/ ٣١٦).
(٣) منهاج السنة (٤/ ٥٢٩).
[ ٢ / ١٠٧٤ ]
المطلب الثالث: الآثار الواردة في الارتحال عن بلد الفتنة.
٩٥٦ - كتب إليّ أبو نصر قال: سمعت عبد اللَّه بن خبيق يقول: قال محمد بن يوسف (^١): "استشرت سفيان الثوري في المقام بالشام فقال: لا أرى لك ذلك؛ لأنها بلاد فتنة، ولكن إن صح عزمك فعليك ببعض السواحل، ثم استفد مائة صديق، فإذا استقصيت أمرهم فاطرح تسعة وتسعين، وكن من الواحد في شك، واعلم أنه لم يكن في الأرض إلا وزيرين -ولدي آدم- غضب أحدهما على الآخر فقتله" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمن أثر الزهري ﵀ مشروعية الانتقال من بلد الفتنة إلى البلاد الأكثر استقرارا، خوفا على الدين وعدم الثبات، قال ابن كثير -لما تكلم عن أصحاب الكهف-: "المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفا على دينه" (^٣)، وقال ابن عبد البر تعليقا على قول أبي هريرة -﵁-: "والذي نفسي بيده ليوشك أن يأتي على الناس زمان تكون
_________________
(١) هو محمد بن يوسف بن واقد بن عثمان الضبي مولاهم الفِرْيابي، نزيل قيسارية من ساحل الشام، ثقة فاضل، مات سنة (٢١٢ هـ)، التقريب (٦٤١٥).
(٢) إسناده حسن، فيه عبد اللَّه بن خبيق وهو الأنطاكي، ذكره ابن أبي حاتم (٥/ ٤٦) ولم يذكر في جرحا ولا تعديلا، وله ترجمة ضافية في الحلية (١٠/ ١٦٨)، ومختصرة في صفة الصفوة (٤/ ٢٨٠)، مداراة الناس (١٠٧ - ١٠٨) رقم (١٣٢).
(٣) تفسير ابن كثير (٣/ ٧٥).
[ ٢ / ١٠٧٥ ]
الثلة من الغنم أحب إلى صاحبها من دار مروان" قال: "في هذا الخبر. . . دليل أيضًا على أن المدن تكثر فيها الفتن، والتقاتل على الدنيا، حتى تفسد وتهلك، ويكون الفرار منها إلى القفار والشعاب بقطائع الغنم" (^١)، ولما تكلم ابن حجر ﵀ عن أحكام العزلة وأقوال السلف فيها، علق بقوله: "وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة؛ فإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة، لما ينشأ فيها غالبا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أهلها" (^٢).
وقد عقد البخاري ﵀ في مشروعية الانتقال عن بلد الفتنة بابين في صحيحه الأول في كتاب الإيمان وهو باب من الدين الفرار من الفتن، والآخر في كتاب الفتن وهو باب التعرب في الفتنة (^٣).
_________________
(١) الاستذكار (٨/ ٣٨٤).
(٢) فتح الباري (١٣/ ٤٣).
(٣) صحيح البخاري (١/ ١٥)، (٦/ ٢٥٩٦).
[ ٢ / ١٠٧٦ ]
المطلب الرابع: الآثار الواردة في التعوذ من الفتن وتمني الموت قبل وقوعها.
٩٥٧ - ثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن الأسود بن شيبان قال: "كان عمار بن ياسر (^١) -﵁- رجلا طويل الحزن والكآبة، وكان عامة كلامه: عائذ بالرحمن من فتنة" (^٢).
٩٥٨ - حدثني يعقوب بن عبيد قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هشام، عن الحسن قال: قال حذيفة في مرضه: "حبيب جاء على فاقة، لا أفدح من ندم، السرُّ بعدي ما أعلمُ، الحمد للَّه الذي سبق بي الفتنة، قادتها وعلوجها" (^٣).
_________________
(١) هو عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي، أبو اليقظان مولى بني مخزوم، صحابي جليل، مشهور من السابقين الأولين، بدري قتل مع علي بصفين سنة (٣٧ هـ)، الإصابة (٤/ ٥٧٥)، التقريب (٤٨٣٦).
(٢) إسناده منقطع فإن الأسود لم يدرك عمارا، وبينهما راو ذكره غير المصنف، والأثر صحيح بطرقه، الهم والحزن (٤٤) رقم (٣٤)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٥٦) عن الأسود عن أبي نوفل، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١/ ٢٠٨) رقم (٢٧٤) مثله، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٤٢) بإسناد حسن عن الأسود عن خالد ابن سمير، ورجاله ثقات كلهم غير خالد هذا، وهو صدوق يهم قليلا، التقريب (١٦٥٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧) وتعقب المصنف بقوله: "كذا قال وقد أسقط منها أبو نوفل بن أبي عقرب" ثم ذكر طريقه، وذكره الذهبي في السير (١/ ٤٢٤) وفيهما تتمة: "ثم عرضت له فتنة عظيمة"، وأصل استعاذة عمار من الفتن في صحيح البخاري رقم (٢٦٥٧).
(٣) إسناده لين؛ والأثر حسن، فيه هشام وهو ابن حسان، متكلم في روايته عن الحسن =
[ ٢ / ١٠٧٧ ]
التحليل والتعليق
تضمن الأثران السابقان تعوّذ السلف من الفتن، وتمنّي بعضهم الموت قبل حلولها، فقد كان عامة كلام عمار: عائذ باللَّه من فتنة، وحمد اللَّه حذيفة على موته قبل وقوع الفتن قادتها وعلوجها، وقد سبق التعليق على تمني الموت قبل وقوع البدع والفتن في الباب الأول (^١)، وقد عقد المروزي في كتاب الفتن بابا فيمن رخص في تمنى الموت لما يفشوا في
_________________
(١) = كما سبق (٢٧٩)، لكن تابعه السري بن يحيى عند أبي نعيم وهو ثقة التقريب (٢٢٣٦)، وتابع الحسن هارون المدني عند الربعي كذا ولعله أبو هارون المدني الحناط فهو الذي يروي عنه ابن عيينة وهو ثقة، التقريب (٧٠٧٩)، المحتضرين (١١٢) رقم (١٣٠)، وانظر كذلك رقم (٣٥٥)، والربعي في وصايا العلماء (٥٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٨٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٢/ ٢٩٧)، و(٣٩/ ٤٧٩) وفيه أن هذا الكلام قاله حين قتل عثمان -﵁- ولفظه: "أن حذيفة بن اليمان في مرضه الذي هلك فيه كان عنده رجل من إخوانه وهو يناجي امرأته، ففتح عينيه فسألهما فقالا: خير، فقال: إن شيئا تسرانه دوني ما هو بخير، قال: قتل الرجل يعني عثمان، قال: فرجع ثم قال: اللهم إن كنت من هذا الأمر بمعزل فإن كان خيرا فهو لمن حضره وأنا منه بريء، وإن كان شرا فهو لمن حضره وأنا منه بريء، اليوم نفرت القلوب بأنفارها، الحمد للَّه الذي سبق بي الفتن قادتها وعلوجها، الحظي من تردى بعيره فشيع شحما وقل عمله"، وذكره الذهبي في السير (٢/ ٣٦٨).
(٢) المطلب الثاني: تمني الموت قبل وقوع البدع.
[ ٢ / ١٠٧٨ ]
الناس من البلاء والفتن (^١)، وعلق ابن حجر على استعاذة عمار -﵁- من الفتن بقوله: "فيه دليل على استحباب الاستعاذة من الفتن، ولو علم المرء أنه متمسك فيها بالحق؛ لأنها قد تفضي إلى وقوع من لا يرى وقوعه، قال ابن بطال: وفيه رد للحديث الشائع: لا تستعيذوا باللَّه من الفتن؛ فإن فيها حصاد المنافقين" (^٢)، ولما شرح ابن حجر حديث استعاذة النبي -ﷺ- في آخر الصلاة من أربع ومنها فتنة المحيا والممات نقل عن ابن بطال قوله: "هذه كلمة جامعة لمعان كثيرة، وينبغي للمرء أن يرغب إلى ربه في رفع ما نزل، ودفع ما لم ينزل، ويستشعر الافتقار إلى ربه في جميع ذلك، وكان -ﷺ- يتعوذ من جميع ما ذُكر؛ دفعا عن أمته، وتشريعا لهم، ليبين لهم صفة المهم من الأدعية" (^٣).
_________________
(١) (١/ ٧٠ - ٧٧).
(٢) فتح الباري (١/ ٥٤٣)، وانظر (١٣/ ٤٤).
(٣) فتح الباري (١١/ ١٧٧).
[ ٢ / ١٠٧٩ ]
المبحث الرابع: الآثار الواردة في موقف الخوارج من أهل السنة.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الآثار الواردة في تكفيرهم لخيار المسلمين.
المطلب الثاني: الآثار الواردة في تقربهم إلى اللَّه -بزعمهم- بقتل المسلمين.
المطلب الثالث: الآثار الواردة في أذيتهم لأهل السنة.
[ ٢ / ١٠٨٠ ]
المطلب الأول: الآثار الواردة في تكفيرهم لخيار المسلمين.
٩٥٩ - حدثني أبي ﵀، عن هشام بن محمد قال: حدثني رجل من النخع، عن صالح بن ميثم قال: "بينا عليّ بن أبي طالب قبل تلك الليلة بليلة يوقظ الناس للفجر، إذ أتاه ابن ملجم (^١) بصحيفة ملفوفة، يدعوه فيها أو ينابذه، ففتحها عليّ فلم ينظر فيها، فأمسكها حتى صلى، ثم فتحها فإذا فيها: أدعوك إلى التوبة من الشرك وأنابذك (^٢) وإن اللَّه لا يهدي كيد الخائنين، فقال عليّ: من صاحب هذه الصحيفة؟ فلم يكلّمه أحد، فبصق عليها فمحاها، ثم رمى بها، وقال: عليه لعنة اللَّه" (^٣).
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن ملجم المرادي، كان عبادا قانتا للَّه لكنه ختم له بشر فقتل أمير المؤمنين عليا -﵁- متقربا إلى اللَّه بدمه بزعمه، فقطعت أربعته، ولسانه، وسملت عيناه، ثم أحرق، نسأل اللَّه العفو والعافية، لسان الميزان (٣/ ٤٣٩)، والإصابة (٥/ ١٠٩).
(٢) كذا ولعلها: أو أنابذك، كما سبق في السياق.
(٣) إسناده ضعيف جدا؛ لكن معناه صحيح كما سيأتي في الآثار المقبلة، فيه هشام بن محمد وقد سبق مرارا، وجهالة الرجل النخعي المبهم، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٣٥) رقم (٢١).
[ ٢ / ١٠٨١ ]
المطلب الثاني: الآثار الواردة في تقربهم إلى اللَّه -بزعمهم- بقتل المسلمين.
٩٦٠ - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال: حدثنا عبد اللَّه بن سعيد، عن زياد بن عبد اللَّه، عن عوانة بن الحكم (^١): "أن ثلاثة تبايعوا على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص، فخرج إلى عمرو بن العاص (^٢)، وآخر إلى معاوية يقال له: البُرَك، رجل من بني تميم من بني سعد ثم من بني صُرَيم، وآخر إلى علي وهو ابن ملجم، فجاء ابن ملجم إلى الكوفة، فخطب قطام، وكانت من بني التيم، وكانت ترى رأي المحكمة، فقالت: لا واللَّه لا أتزوّجك إلا على ثلاثة آلاف وقتلِ عليّ، فأعطاها ذلك، وبنى بها" (^٣).
_________________
(١) هو عوانة بن الحكم بن عوانة بن عياض، الأخباري المشهور الكوفي، هو كثير الرواية عن التابعين، وقد روي أنه كان عثمانيا، فكان يضع الأخبار لبني أمية، مات سنة (١٥٨ هـ) لسان الميزان (٤/ ٣٨٦).
(٢) نقصٌ، تمامه: (رجل يقال له: عمرو بن بكير التميمي)، من المحقق.
(٣) إسناده حسن؛ عوانة بن الحكم أخباري وكان صدوقا في نقله كما في السير (٧/ ٢٠١)، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٣٢ - ٣٣) رقم (١٨)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٦)، والحاكم في المستدرك مختصرا (٣/ ١٤٣) وفيه أبيات للفرزدق يصف فيها ما حدث من ابن ملجم، والطبراني في الكبير مطولا جدا (١/ ٩٨ - ١٠٣) رقم (١٦٨)، وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٤٤): "رواه الطبراني وهو مرسل وإسناده حسن"، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٥٥٨)، وقال ابن =
[ ٢ / ١٠٨٢ ]
٩٦١ - حدثنا سعيد بن يحيى قال: نا عبد اللَّه بن سعيد الأموي، عن زياد بن عبد اللَّه البكّائي، عن عوانة بن الحكم الكلبي قال: فحدثني مزاحم بن زفر التيمي، عن وجيه (^١): "أن ابن ملجم كان يجلس في قومه من صلاة الغداة إلى ارتفاع النهار، والقوم يهضبون (^٢)، وهو لا يتكلّم بكلمة، وبلغني أنه كان يوما جالسا في السّوق متقلِّدا السيف، فمرّت به جنازة فيها المسلمون والقسِّيسون فقال: ويلكم ما هذا؟ قالوا: أبجر بن [جابر، أبو (^٣) حجار العجلي، وابنه سيد بكر بن وائل، فاتّبعه المسلمون لمكان ابنه، وتبعه النصارى لنصرانيته، فقال ابن ملجم: أما واللَّه لولا أني أستبقي نفسي لأمر هو أعظم من هذا أجرا عند اللَّه، لاستعرضته بالسيف" (^٤).
_________________
(١) = حجر في التلخيص الحبير (٤/ ٤٧): "قصة قتله لعلي وسببها؛ فقد رواها الحاكم في المستدرك في ترجمة علي بإسناد فيه انقطاع، وهي مشهورة بين أهل التاريخ وساقه ابن عبد البر في الاستيعاب مطولا"، وانظر تاريخ الطبري (٣/ ١٥٥)، والبداية والنهاية (٧/ ٣٢٧).
(٢) لم أستطع تحديد المراد به.
(٣) هضب في الحديث أفاض فيه كما في القاموس (١/ ١٨٤).
(٤) قال المحقق: الزيادة لازمة من مصادر الخبر، لأن الجنازة لأبجر بن جابر العجلي، وكان نصرانيا، وابنه حجار بن أبجر العجلي سيد بكر بن وائل يمشي مع الناس ومعه شقيق بن ثور وغير من المسلمين والنصارى.
(٥) إسناده حسن كسابقه كأنه تتمة له واللَّه أعلم، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٣٣ - ٣٤) رقم (١٩)، والطبراني في الكبير (١/ ١٠٢)، وانظر ما قاله من الشعر في تاريخ الطبري (٥/ ١٤٦).
[ ٢ / ١٠٨٣ ]
٩٦٢ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا مهدي بن ميمون، عن محمد ابن عبد اللَّه بن أبي يعقوب، عن ابن أبي نعم قال: "كنت جالسا عند ابن عمر، فسأله رجل عن دم البعوض، فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: انظروا إلى هذا، يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول اللَّه -ﷺ-، سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "ابناي هذان ريحانتي من الدنيا" (^١).
_________________
(١) إسناده صحيح، ابن أبي نعم هو عبد الرحمن وهو صدوق التقريب (٤٠٥٥)، والظاهر أن درجته أعلا فانظر تهذيب التهذيب (٦/ ٢٥٦)، العيال (٣٨٧) رقم (٢٢٢)، والبخاري في صحيحه (٧/ ٩٨ فتح)، وانظر (١٠/ ٤٢٧).
[ ٢ / ١٠٨٤ ]
المطلب الثالث: الآثار الواردة في أذيتهم لأهل السنة.
٩٦٣ - حدثني أبي ﵀، عن هشام بن محمد قال: قال لي أبو بكر ابن عياش: سألت أبا حصين وعاصم بن بهدلة والأعمش وغيرهم، فقلت: "أخبركم أحد أنه صلَّى على عليٍّ، أو شهد دفنه؟ قالوا: لا، فسألت أباك محمد بن السائب فقال: أُخرج به ليلا، خرج به الحسن والحسين وابن الحنفيّة وعبد اللَّه بن جعفر، وعددٌ من أهل بيتهم، فدُفن في ظهر الكوفة، قال: فقلت لأبيك: لِمَ فُعل به ذلك؟ قال: خافوا أن تنبشه الخوارج أو غيرهم" (^١).
٩٦٤ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني راشد أبو يحيى بن راشد، حدثني عصام بن زيد -رجل من مزينة- قال: "كان رجل من الخوارج يغشى مجلس الحسن فيؤذيهم، فقيل للحسن: يا أبا سعيد ألا تكلّم الأمير حتى يصرفه عنا؟ قال: فسكت عنهم، قال: فأقبل ذات يوم والحسن جالس مع أصحابه، فلما وافى قال: اللهم قد علمت أذاه لنا، فاكفناه بما شئت، قال: فخرّ واللَّه الرجل من قامته، فما حمل إلى أهله إلا ميتا على سرير، فكان الحسن إذا ذكره بكى،
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا؛ فيه الكلبي وقد سبق مرارا، مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- (٧٢) رقم (٨١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٥٦٦)، وذكره ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة (١/ ١٢٠).
[ ٢ / ١٠٨٥ ]
وقال: ما كان أغرّه باللَّه" (^١).
٩٦٥ - أخبرني العباس بن هشام، عن أبيه، عن عوانة بن الحكم قال: قال عبد الملك بن مروان لجلسائه: "من كان أشجع العرب؟ فقالوا: عمير -شبث- فعدوا فرسانا من فرسان العرب، فقال عبد الملك: أشجع العرب رجل جمع بين سكينة وعائشة، وأمه أحمد بنت سيّد كلب، ولي العراق فأصاب ألف ألفٍ وألف ألفٍ، فخذله أهل العراق، وعرضنا عليه الأمان فأبى أن يقبله ومضى حتى قتل، مصعب بن الزبير، لا من قطع الجسور هاهنا مرة، وهاهنا مرة (^٢)، ثم قال: متى تغدو حواضن قريش مثل مصعب" (^٣).
_________________
(١) فيه راشد أبو يحيى لعله راشد بن يحيى المعافري انظر تعجيل المنفعة (١٢٣)، وأما عصام بن زيد المزيني فهو مقبول، التقريب (٤٦١٣) لكن ذكر البخاري في الأدب المفرد (٢٢٤) أن عبد الرحمن بن شيبة أثنى عليه خيرا، مجابو الدعوة (١١٧) رقم (٩٣)، ومن طريقه اللالكائي في كرامات الأولياء (٩/ ٢٣٢) رقم (١٦٦)، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٣٦٨).
(٢) فيه إشارة إلى أن ما يقوم به بعض الجهلة من الخارجين على الحكام في زمننا هذا من قطع الطريق، والسطو على الضعفة، والعمل في الظلام ليس من شيم العرب، ولا من عمل الأبطال، ناهيك عن حكم الشرع فيه، فلا يغترن أحد من شقشقتهم بأن فلانا بطل ورجل! يغرّون به صغار العقول وحدثاء الأسنان والغوغاء من الناس، ولذلك تجدهم سرعان ما ينهارون ويضعفون بل ويتخلّون عن أبسط مبادئهم عند القبض عليهم وتعرضهم لأدنى محنة وابتلاء واللَّه المستعان على تقلبات الزمان.
(٣) إسناده ضعيف جدا؛ فيه العباس وأبوه الكلبي وقد سبقا مرارا، مكارم الأخلاق (٤٥ - ٤٦) =
[ ٢ / ١٠٨٦ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة الموزعة على المطالب الثلاثة بيان بعض أهم صفات الخوارج، وهي:
تكفيرهم للمسلمين، بل لخيارهم فقد كفّروا علي بن أبي طالب -﵁-، وقد كانوا معه وفي عسكره.
وتقربهم إلى اللَّه بزعمهم بقتلهم، فتجدهم يتبايعون على ذلك كما تبايع الثلاثة على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص ﵃، بل شرطت قطام خطيبة أحدهم وهو ابن ملجم أن يكون من مهرها رأس علي -﵁-، فاستفرغ جهده كله، واستبقى نفسه للقيام بهذه الجريمة المنكرة لأنه عدها أعظم أجرا، وكان هذا الأمر عندهم من الوضوح بمكان بحيث لم يستشكلوه أبدا، ولذلك أنكر عليهم ابن عمر -﵁- سؤالهم عن دم البعوض، مع عدم تورعهم عن دماء خيار المسلمين وخاصتهم.
وأقلُّ ذلك أذيتهم بأي نوع من الإيذاء، وذلك عندما تعجز سيوفهم عن النيل من أهم السنة والمسلمين عموما؛ يبسطون عليهم ألسنتهم بالسوء، وينالون منهم كلما استطاعوا من أنواع الأذية والنكال.
وهذه الصفات هي من أهم صفات الخوارج تكفير المسلمين ثم قتالهم، وكل أذية أو مضايقة ونحوها فإنما ناشئة عما سبق، وهذا الأمر مما
_________________
(١) = رقم (١٩٣)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٤٩٧)، وابن الجوزي في المنتظم (٢/ ٢٤٥) وغيرهم.
[ ٢ / ١٠٨٧ ]
باينوا به جميع الأمة الإسلامية، قال شيخ الإسلام: "الخوارج أيضًا باينوا جميع المذاهب فيما اختصوا به من التكفير بالذنوب، ومن تكفير على -﵁-. . . وأمثال ذلك" (^١)، ثم نقل قول الأشعري: "أجمعت الخوارج على إكفار علي بن أبي طالب -﵁- إذ حكم، وهم مختلفون هل كفره شرك أم لا؟ قال: وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر إلا النجدات؛ فإنها لا تقول بذلك، وأجمعوا على أن اللَّه يعذب أصحاب الكبائر عذابا دائما إلا النجدات أصحاب نجدة" (^٢)، وقال: "الخوارج هم أول من كفر المسلمين، يكفرون بالذنوب، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم، ويستحلون دمه وماله، وهذه حال أهل البدع، يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم فيها، وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة، ويطيعون اللَّه ورسوله، فيتبعون الحق ويرحمون الخلق" (^٣).
وليس المقصود أن فرقة الخوارج فقط هم الموسومون بهذه الصفات، فضلا أن يكون المقصود الخوارج الذين قاتلهم عليٌّ -﵁-، بل كل من كفّر المسلمين وقاتلهم وخرج على إمامهم فله من هذا نصيب، قال شيخ الإسلام: "هؤلاء أصل ضلالهم اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل، وأنهم ضالون، وهذا مأخذ الخارجين عن السنة من الرافضة ونحوهم، ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفرا، ثم يرتبون
_________________
(١) منهاج السنة (٣/ ٤٦٠).
(٢) مقالات الإسلاميين (١/ ٨٦).
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٧٩).
[ ٢ / ١٠٨٨ ]
على الكفر أحكاما ابتدعوها، فهذه ثلاث مقامات للمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم في كل مقام تركوا بعض أصول دين الإسلام" (^١)، ولهذا فقد تكون بعض الفرق أسوأ من الخوارج وتشملها النصوص الواردة في الخوارج كما قال شيخ الإسلام لما تكلم عن الرافضة: "إنهم خارجون عن الطاعة والجماعة، يقتلون المؤمن والمعاهد، لا يرون لأحد من ولاة المسلمين طاعة، سواء كان عدلا أو فاسقا، إلا لمن لا وجود له، وهم يقاتلون لعصبية شر من عصبية ذوى الأنساب، وهي العصبية للدين الفاسد؛ فإن في قلوبهم من الغل والغيظ على كبار المسلمين وصغارهم وصالحيهم وغير صالحيهم ما ليس في قلب أحد، وأعظم عبادتهم عندهم لعن المسلمين من أولياء اللَّه، مستقدمهم ومستأخرهم، وأمثلهم عندهم (^٢) الذي لا يلعن ولا يستغفر. . . أعظم أصولهم عندهم التكفير واللعن والسب لخيار ولاة الأمور؛ كالخلفاء الراشدين، والعلماء المسلمين، ومشايخهم لاعتقادهم أن كل من لم يؤمن بالإمام المعصوم الذي لا وجود له فما آمن. . . وإنما كان هؤلاء شرا من الخوارج الحرورية وغيرهم من أهل الأهواء لاشتمال مذاهبهم على شر مما اشتملت عليه مذاهب الخوارج" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢/ ٤١٧)، وانظر فتح الباري (١٢/ ٣٠٠).
(٢) كذا في المطبوع ولعله سقط حرف (الذي) فيصير المعنى: "وأمثل الذي عندهم"، أو: "أمثل من عندهم" واللَّه أعلم.
(٣) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٨٧ - ٤٨٩).
[ ٢ / ١٠٨٩ ]
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي - الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
عمادة البحث العلمي - رقم: (١٣٠)
الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة
من خلال كتب ابن أبي الدنيا «جمعًا ودراسة»
تأليف
الدكتور حميد بن أحمد نعيجات
[الجزء الثالث]
[ ٣ / ١٠٦٧ ]
(ح) الجامعة الإسلامية ١٤٣١ هـ
فهرس مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
نعيجات، حميد بن أحمد
الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا جمعًا ودراسة / حميد أحمد نعيجات. - المدينة المنورة، ١٤٣١ هـ.
٣ مج.
ردمك: ٥ - ٦٢٧ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)
٥ - ٦٣٠ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٣)
١ - ابن أبي الدنيا، عبد اللَّه بن محمد، ت ٢٨١
٢ - العقيدة الإسلامية
أ. العنوان
ديوي: ٢٤٠ ٤٠٢٠/ ١٤٣١
رقم الإيداع: ٤٠٢٠/ ١٤٣١
ردمك: ٥ - ٦٢٧ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)
٥ - ٦٣٠ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٣)
أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراه نوقشت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وحصلت على تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى.
الآراء الواردة في هذا الكتاب تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الجامعة
جميع حقوق الطبع محفوظة للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
[ ٣ / ١٠٦٨ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٣ / ١٠٦٩ ]