وأختم هذه الرسالة العلمية بما توصلت إليه خلال سنوات بحثي من النتائج والتوصيات:
أولًا: نتائج البحث:
١ - أن الإمام ابن أبي الدنيا ﵀ من أئمة السنة الكبار، مشهود له بالتميز والتقدم في ذلك.
٢ - أن كتبه من أهم مصادر العقيدة السلفية بكل فصولها وأبوابها، وهي لا تقل منزلة عن مصادر هذه العقيدة المشهورة كالشريعة للآجري وشرح أصول اعتقاد أهل والجماعة للالكائي ونحوهما.
٣ - أنها كذلك من أهم مصادر من جاء بعده في عدة علوم وللعقيدة من ذلك النصيب المعتبر.
٤ - أن كتب ابن أبي الدنيا من أهم المصادر المعتبرة عند أهل السنة في المسائل التاريخية لا سيما الشائكة منها كالفتن والحروب في القرون الأولى، ومسائل الصحابة في الإمامة.
٥ - أن أسانيد كتبه فيها العالي جدا والنازل جدا، وفيها من الصحيح الشيء الكثير ومن الحسن لغيره أكثر، ثم ما دونهما من الحسن وخفيف الضعف، أما الضعيف جدا والمتروك فهو وإن كان موجودا فليس هو الغالب عليها، لا أغلبه في الرويات التاريخية عن ناس اشتهروا بذلك كالإخباريين والقصاصين وأصحاب الأدب فيما يتناقلونه في
[ ٣ / ١٣٤٣ ]
أحاديثهم، وكثير منهم متهم أو شديد الضعف في الحديث.
٦ - أن الموجود من كتب هذا الإمام لم يلق العناية العلمية المناسبة لمنزلته، سواء المخطوط منها أم المطبوع، فإنك تجد نسخا لبعض كتبه سقيمة فيها تحريف وتصحيف كثير، أما المطبوع فالغالب عليه هذه السمة، بل منه ما لا قيمة له ويحتاج إلى إعادة تحقيق وطباعة، إلا النزر اليسير مما حقق في رسائل علمية، أو بجهود متميزة فردية.
٧ - أن ما ذكر من كونه يروي عن شيوخ مجاهيل وأناس لا يعرفون، لا ينبغي أن لا يتخذ مطية في سرعة الحكم على من لا يوجد منهم في كتب الرجال المشهورة بالجهالة؛ لأنني وقفت على كثير منهم بهذه المثابة، ولم يجده محققو كتبه، ومع ذلك وقفت له على ترجمة أو ذكر يبين حاله أو يقربه للباحث، فيجب إعمال الفكر والنظر واحتمال التصحيف والتدليس وتنويع البحث في غير المظان وهكذا.
٨ - من خلال مروري على آلاف الآثار التي رواها ابن أبي الدنيا عن القرون الأولى المفضلة تبيَّن لي صفاء توحيد العبادة وسلامته من الشوائب في تلك العصور؛ إذ كان هو السائد الغالب على الناس، فلا تكاد تجد مظهرا من مظاهر شركِ العبادة في الأقوال ولا الأعمال، فإن أعمالهم وأدعيتهم وأشعارهم وسائر حديثهم، لا تجد فيه إلا التوحيد الخالص وإفراد اللَّه بكل أنواع العبادة سواء ما روي في ذلك عن خاصتهم أم عامتهم، أو عن أهل حاضرتهم أو باديتهم.
[ ٣ / ١٣٤٤ ]
٩ - أن الجانب التربوي للعقيدة -وهو شقها التطبيقي العملي- وأثرها على النفس البشرية كان له اهتمام كبير وعناية واسعة من أئمة السلف، وقد توصلت من خلال هذا البحث إلى أن كتب الزهد من أهم مصادر العقيدة، وألفها أبرز علماء العقيدة الصحيحة كالإمام ابن المبارك وأحمد وهناد ووكيع وغيرهم.
١٠ - اتفاق السلف على كلمة سواء في باب المعتقد لا سيما أئمتهم، رغم تباعد الأوطان واختلاف الأمصار، وتعدد الشيوخ وتنوع العبارة، ولا يأتي الخلل في هذا الجانب إِلا ممن لم يسبر مذهبهم، ولم تكن له خبرة بأقوالهم وأدلتها وطرق استدلالهم.
١١ - أن خلفاء المسلمين وحكامهم وأمراءهم في تلك العصور كان لهم دور بارز في نشر الدين والانتصار للسنة، ودحض البدع وقمع أهلها ولهم في ذلك مواقف مشهودة.
١٢ - أن أئمة السلف الصالح كان لهم حضور في مسائل عصرهم، ونصرة لدين اللَّه في كل صغيرة وكبيرة تمس الدين، وتذهب بهاءه وتكدر صفوه، فتجد كلامهم مبثوثا في كل مسألة حدثت في الإسلام، سواء تعلق الأمر بالحفاظ على التراث الصافي، أو تعلق برد زحف البدع وجحافل الإحداث في الدين، فاحتضنوا الدين علما وعملا، وبلغوه بكل أمانة مهما كبر أو صغر، وألقموا المبتدعة جميعا في أفواههم الحجر.
[ ٣ / ١٣٤٥ ]
ثانيًا: التوصيات والاقتراحات:
١ - من أهم التوصيات التي أرى ضرورة إثباتها زيادة العناية بكتب هذا الإمام العظيم، ضبطا وتحقيقا وخدمة لنصوصها، وصونها من عبث التحقيق التجاري، ولعل أبرز ذلك الاجتهاد في إخراج جميع كتبه في موسوعة متكاملة سندا ومتنا.
٢ - العناية بالدراسات العلمية المختلفة المتعلقة بتراث هذا الإمام كالعناية يحمع شيوخه، وأقواله في الجرح والتعديل ونحو ذلك.
٣ - الجد في البحث والتتبع لمخطوطاته المعدودة في المفقودات؛ فإن كثيرا من كتبه يعتبر مفقودا بل لعل جميع المطبوع لم يبلغ ربع كتبه.
٤ - العناية بتحقيق بعض كتبه تحقيقا متخصصا في أقسام العقيدة لتعلقها المباشر بها، وحاجتها للتعليق وإبراز الفوائد العلمية منها، نظرا لطبيعة تأليفه السردية النصية الخالية من التحليل والتعليق.
٥ - التنبه إلى بعض الكتب المنسوبة إليه وليست من تأليفه، بل من جمع بعض الباحثين وإخراجهم لها تحت عنوان من عناوين كتب ابن أبي الدنيا المفقودة مثل: مكائد الشيطان الذي أخرجه مجدي السيد، وذكر الموت الذي أخرجه مشهور حسن.
٦ - التنبه إلى ما قد يحدث من تغيير لعنوان بعض كتبه كما فعل ياسين السواس لما غيّر عنوان كتابه ذم الدنيا، إلى عنوان: الزهد، وهو عنوان لكتاب آخر لابن أبي الدنيا يعتبر مفقودا.
[ ٣ / ١٣٤٦ ]
٧ - كما ألفت انتباه الإخوة الباحثين إلى العناية بكتب الزهد المسندة واستخراج الكنوز العقدية المبثوثة فيها، فهي جديرة بذلك، وقد كانت من أهم مصادري في تخريج آثار في هذه الرسالة.
وبعد هذا العمل المتواصل لما يزيد عن أربع سنوات أسأل اللَّه حسن الختام، وأن لا يبعد عن الكمال والتمام، فهو عمل البشر، بذلت فيه الجهد وأمعنت النظر، وجلت في ميادين كتبٍ جليلة القدر، متنوعة المناهل والفكر، فتارة مع أهل الحديث والأثر، وأخرى بين أهل الفقه والنظر، فوصلت الرواية والخبر، بلطيف ما فيها من أحكام وعبر، ونظمت علم هذا الإمام وما بثّه في كتبه وسطّر، في قلادة من الياقوت والدر المحبّر، فما كان فيه من صواب وتوفيق فمن اللَّه العلي الأكبر، وما كان فيه من تقصير وزلل فيا فوز من أناب واستغفر، وحسبي أني سرت وراء ركب أئمة الإسلام واقتفيت الأثر، لعلي أحشر في زمرتهم يوم المعاد والمحشر.
[ ٣ / ١٣٤٧ ]