[ ١ / ٥٨٩ ]
* نص حديث الباب:
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ:
بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ، فَقَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا صَحِيفَةٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، فَأْتُونِي بِهَا.
فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْمَرْأَة، فَقُلْنَا لَهَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، فَقَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ، فَقُلْتُ: والذى يُحْلَفُ بِهِ، لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَأُجَرِّدَنَّكِ قَالَ:
فَلَمَّا رَأَتْ الْجِدَّ مِنِّي أَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَإِذَا فِيهِ:
" مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَرَادَ غَزْوَهُمْ "
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: " مَا هَذَا يَا حَاطِبُ؟ "، فَقَالَ:
لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ، يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ غِشًّا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَلَا نِفَاقًا وَلَا ارْتِدَادًا، وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ: لَقَدْ صَدَقَكُمْ، وَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا.
فَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: يَا رَسُولَ اللهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ؛ إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: " أَتَقْتُلُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟، مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
[ ١ / ٥٩١ ]
تخريح الحديث:
أخرجه البخاري (٣٠٠٧) بَابُ الجَاسُوسِ.
ومسلم (٢٤٩٤) باب من فضائل أهل بدر ﵃، وقصة حاطب بن أبي بلتعة.
مقدمة بين يدى الحديث:
لا شك أن قضية الولاء والبراء قد شغلت حيزًا عريضًا من الكتاب والسنة، وهذا إن دل إنما يدل على عظم هذه القضية.
قال الشيخ حمد بن عتيق:
فأما معاداة الكفار والمشركين، فاعلم أن الله - ﷾- أوجب ذلك، وأكد إيجابه، وحرَّم موالاتهم، وشدَّد فيها، حتى إنه ليس في كتاب الله حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم، بعد وجوب التوحيد، وتحريم ضده. (^١)
قال ابن القيم:
الله - سبحانه - يجب أن يعبد بأنواع العبودية، ومن أعلاها وأجلها عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه والحب فيه والبغض فيه والجهاد في سبيله وبذل مهج النفوس في مرضاته ومعارضة أعدائه، وهذا النوع هو ذروة سنام العبودية وأعلى مراتبها وهو أحب أنواعها إليه. (^٢)
قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] وقال الله تعالى: (تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَت لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إلَيهِ مَا اتَّخَذُوهُم أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنهُمْ فَاسِقُونَ) [المائدة: ٨٠، ٨١]
فقد جعل الله -تعالى- من علامات صدق الإيمان به وبرسوله - ﷺ - ترك موالاة الذين كفروا بالله عزوجل.
قال شيخ الإسلام أبوالعباس ابن تيمية:
فإذا قوي ما في القلب من التصديق
_________________
(١) سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشرك (ص/ ٣٦٣) ضمن مجموعة التوحيد.
(٢) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص/٢٢٢)
[ ١ / ٥٩٢ ]
والمعرفة والمحبة لله ورسوله، أوجب بغض أعداء الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾. (^١)
وقال تعالى: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]
فإذا وجدنا من يواد ويوالي ويعظِّم الكافرين المحادِّين لله ورسوله؛ علمنا أنه ليس بمؤمن، لأنَّ المؤمنين لا يكونون كذلك، فالمؤمن يتبرأ من أعداء الله، كما قال تعالى «قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاؤُاْ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: ٤].
إنها سورة كاملة في كتاب لله -تعالى- تؤسس وتؤصل لهذا المعنى الذى هوالتبرؤ من المشركين، وهى سورة براءة الكبرى وهى سورة التوبة، وسورة براءة الصغرى وهى سورة الكافرون.
* قَالَ جَرِيرٌ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﵁: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ يُبَايِعُ، فَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْسُطْ يَدَكَ حَتَّى أُبَايِعَكَ، وَاشْتَرِطْ عَلَيَّ، فَأَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ:
"أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتُنَاصِحَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَبْرَأُ مِنَ الْكَافِرِ ". (^٢)
فدل الحديث أن البراءة من الكافر أحد الأصول التى بُنيت عليها مبايعة الصحابة -﵃- للرسول ﷺ.
* وسدًا وحسمًا لهذه المادة فقد نهى الشرع عن مساكنة المشركين في ديارهم: عن سمرة بن جندب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " «لَا تُسَاكِنُوا الْمُشْرِكِينَ، وَلَا تُجَامِعُوهُمْ، فَمَنْ سَاكَنَهُمْ أَوْ جَامَعَهُمْ فَلَيْسَ مِنَّا». (^٣)
*قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ولأجل هذا الأصل:
وقع التأثَّر والتأثير في بني آدم،
_________________
(١) الإيمان الأوسط (ص/٤٠٢)
(٢) أخرجه أحمد (١٩١٦٥) والنسائي (٤١٧٧) وصححه الألبانى.
(٣) أخرجه الحاكم (٢٦٢٧) وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وقال الذهبي في تلخيصه على شرط الشيخين. وحسَّنه الألبانى في الصحيحة بمجموع الطرق (٢٣٣٠)
[ ١ / ٥٩٣ ]
واكتساب بعضهم أخلاق بعض بالمعاشرة والمشاكلة، وكذلك الآدمي إذا عاشر نوعًا من الحيوان اكتسب بعض أخلاقه، ولهذا صار الخيلاء والفخر في أهل الإبل، وصارت السكينة في أهل الغنم، وصار الجمَّالون والبغالون فيهم أخلاق مذمومة، من أخلاق الجمال والبغال، وكذلك الكلَّابون، وصار الحيوان الإنسي، فيه بعض أخلاق الناس من المعاشرة والمؤالفة وقلة النفرة.
فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة، توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي.
وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين، هم أقل كفرًا من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى، هم أقل إيمانًا من غيرهم ممن جرد الإسلام، والمشاركة في الهدي الظاهر توجب أيضا مناسبة وائتلافًا، وإن بعد المكان والزمان، فهذا أيضا أمر محسوس. (^١)
وقد كره مالك أن يسكن أحد ببلد يسب فيه السلف، فكيف ببلد يكفر فيه بالرحمن وتعبد فيه من دونه الأوثان، لا تستقر نفس أحد على هذا إلا وهو مسلم سوء مريض الإيمان. (^٢)
* بل قد حث الشرع على التمسك بهذا الأصل الذى هو الولاء والبراء حتى بعد موت الكافر، فيبقي الولاء للمسلمين حتى بعد موتهم، ويبقي التبرء من المشركين حتى بعد موتهم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وماتوا وهم فاسقون﴾ (التوبة: ٨٤)
وكذلك فالسنة لمن مر على مقابر المسلمين أن يسلِّم عليهم ويدعو لهم، فقد كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ- يُعَلِّمُ أصحابه إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ أن يَقُولُوا:
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وَإِنَّا إِنْ
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص/٣١٢)
(٢) الْمُقدمَات الممهداَت (ص/٦١٢)
[ ١ / ٥٩٤ ]
شَاءَ اللهُ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ. (^١)
وأما من مر على مقابر المشركين فالسنة أن يبشرهم بالنار، وما ذاك إلا إمعانًا في التبرؤ من سبيلهم ونهجهم:
عن سعدٍ بن أبى الوقاصرضي الله عنه-قالَ: أن النبيِّ - ﷺ - قالَ لأعرابي: «حيثُما مررتَ بقبرِ كافرٍ فبشِّرْه بالنارِ ". (^٢)
* وما أجمل ما سطَّر ابن عقيل قائلًا:
إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة. (^٣)
* عودٌ إلى حديث الباب:
المعنى العام للحديث:
فى العام الثامن من الهجرة النبوية عزم النبي - ﷺ - على فتح مكة، وكان حريصًا على ألا يُعرف ذلك لئلا يصل الأمر إلى قريش، فلما علم حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ - بذلك كاتب كفارَ مكّة سِرًّا، يخبرهم بعزم رسول الله - ﷺ - أن يغزوهم، فعلم النبي - ﷺ بذلك - فأرسل مَن أخذ الكتاب مِمّن خرج ليصل به إلى كفار مكة. ودعا حاطبًا، فقال له ﷺ: يا حاطب، ما هذا؟!
فبيَّن حاطب أنه كان له فى مكة قرابة فخشى أن يلحق بهم أذى من قريش، وتأول إنه يريد أن يضع يدًا عندهم ليحموا بها أهله وعشيرته، فهذا عذره وهو صادق في ذلك، وقال ﵁:
فأحببتُ-إذ فاتني ذلك من النسب فيهم- أن أتّخذَ فيهم يدًا، يحمون بها قرابتي. ولم أفعلْه كُفْرًا، ولا
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٧٥)
(٢) أخرجه الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (١٠٠٥) والبزار في "البحر الزخار" (١٠٨٩) قال: سليم الهلالي في (عُجالةُ الرّاغِب/٢/ ٦٧٣) وهذا سند صحيح؛ رجاله ثقات معروفون. وقال حسين سليم أسد: أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" ١/ ١٩١ - ١٩٢، وابن السنيّ في "عمل اليوم اليوم والليلة" بدون رقم بعد الحديث (٥٩٥) من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص وهذا إسناد صحيح. وانظر مجمع الزوائد وومنبع الفوائد (٢/ ٢٠٩). وقد صحح الألباني إسناده في الصحيحة (١٨)
(٣) الآداب الشرعية (١/ ٢٣٨)
[ ١ / ٥٩٥ ]
ارتدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام.
فقال النبي ﷺ: «لقد صدقكم».
* وهذه من فوائد حدبث الباب: فقوله ﷺ: " لَقَدْ صَدَقَكُمْ ":
فيه أن حكم المتأول في استباحة المحظور خلاف حكم المتعمد؛ لاستحالته من غير تأويل، وأن من أتى محظورًا أو ادَّعى فيه ما يحتمل التأويل قُبل وإن كان غالب الظن خلافه.
وقد أطلق عمررضي الله عنه-على حاطب اسم النفاق؛ لأنه والى كفار قريش، وإنما فعل حاطب -﵁- ذلك متأولًا في غير ضرر لرسول الله - ﷺ - فصدق الله بنيته فنجَّاه من ذلك. (^١)
قال أبو العباس القرطبي:
لكن حاطبًا لم ينافق في قلبه، ولا ارتد عن دينه، وإنما تأول فيما فعل من ذلك: أن إطلاع قريش على بعض أمر رسول الله - ﷺ - لا يضر رسول الله - ﷺ - ويخوِّف قريشًا، ويُحكى أنه كان في الكتاب تفخيم أمر جيش رسول الله ﷺ، وأنهم لا طاقة لهم به، يُخوفهم بذلك ليخرجوا عن مكة، ويفروا منها، وحَسَّنَ له هذا التأويلَ تعلقُ خاطره بأهله وولده، إذ هم قطعة من كبده، ولقد أبلغ من قال: قلَّما يفلحُ من كان له عيالٌ، لكن لطف الله به، ونجاه لما علم من صحة إيمانه، وصدقه، وغفر له بسابقة بدر، وسبقه. (^٢)
* وكما وقع فعل حاطب متأولًا، كذلك فقد أقدم عمر بن الخطاب على رمى حاطب بالنفاق متأولًا، لذا فقد ترجم البخاري: باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا، ثم قال تحته: وقال عمر لحاطب بن أبي بلتعة:
إنه منافق، فقال النبي ﷺ: " وما يدريك، لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر، فقال: قد غفرت لكم "
قال البيهقي:
ومن كفَّر مسلمًا على الإطلاق بتأويل لم يخرج بتكفيره إياه بالتأويل عن الملة، وإنما يكفر من كفَّر مسلمًا بغير تأويل، وقد روينا عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أنه قال في حاطب بن أبي بلتعة حين خان رسول الله ﷺ بالكتابة إلى مكة:
_________________
(١) وانظر معالم السنن (٢/ ٢٥٨) والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٨/ ١٦٥) وكشف المشكل (١/ ١٤١)
(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٦/ ٤٤٠)
[ ١ / ٥٩٦ ]
"توجيهات قوله -ﷺ- عن رب العزة: "اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"
" دعني أضرب عنق هذا المنافق " " فسمَّاه عمر منافقًا، ولم يكن منافقًا فقد صدَّقه النبي - ﷺ - فيما أخبر عن نفسه، ولم يصر به عمر كافرًا لأنه أكفره بالتأويل، وكأنَّ ما ذهب إليه عمر يحتمل. (^١)
* قوله ﷺ:
" لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ "
ولهذا الترجى توجيهان:
أ) الأول:
أن الترجي من الله واقع محقق للنبي ﷺ بدليل ما ذكر الله تعالى في قصة أهل بدر في آل عمران والأنفال من ثنائه عليهم وعفوه عنهم، وبدليل قوله ﷺ للذي قال في حاطب إنه يدخل النار وأقسم عليه:
" كذبت، لا يدخلها؛ فإنه شهد بدرًا "، فهذا إخبار محقق لا احتمال فيه ولا تجوُّز. (^٢)
ب) الثانى:
قد وقع في حديث أبي هريرة -﵁عند بن أبي شيبة بصيغة الجزم. (^٣)
* قوله ﷺ: "اعملوا ما شئتم":
وفي توجيه هذا قولان:
الأول:
قيل ليس هو على الاستقبال، وإنما هو للماضي، تقديره: اعملوا ما شئتم أي عمل كان لكم فقد غفر، ويدل على هذا شيئان:
الأول: أنه لو كان للمستقبل كان جوابه فسأغفر.
والثاني:
أنه كأن يكون إطلاقًا في الذنوب، ولا وجه لذلك، ويوضحه أن القوم خافوا من العقوبة فيما بعد؛ فلهذا كان عمر يقول: يا حذيفة أنا منهم؟
وقال به ابن الجوزي.
القول الثانى:
أن هذا الخطاب خطاب إكرام وتشريف يضمن أن هؤلاء القوم حصلت لهم حالة غفرت لهم بها ذنوبهم السالفة وتأهلوا أن يغفر لهم ذنوب مستأنفة إن وقعت منهم، لا أنهم نجزت لهم في ذلك الوقت مغفرة الذنوب اللاحقة، بل لهم صلاحية أن يُغفر لهم ما عساه أن يقع، ولا يلزم من وجود
_________________
(١) شعب الإيمان (١/ ١٧٥)
(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٦/ ٤٤٠)
(٣) فتح الباري (٨/ ٦٨٧)
[ ١ / ٥٩٧ ]
الصلاحية لشيءٍ ما وجود ذلك الشيء، إذ لا يلزم من وجود أهلية الخلافة وجودها لكل من وجدت له أهليتها، وكذلك القضاء وغيره، وعلى هذا فلا يأمن من حصلت له أهلية المغفرة من المؤاخذة على ما عساه أن يقع منه من الذنوب. (^١)
*قوله ﷺ: (لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ):
وهذه بشارة لأهل بدر بمغفرة الذنوب وما ذلك إلا لسبقهم في البذل والجهاد، ولهذا فقد اتفق جمهورالعلماء أن أفضل الصحابة هم على الترتيب:
الخلفاء الراشدون ثم بقية العشرة المشهود لهم بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان.
قال ابن القيم:
من قواعد الشرع والحكمة ايضا أنّ من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يحتمل له مالا يحتمل لغيره ويعفي عنه مالا يعفي عن غيره؛ فإن المعصية خبث والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل فإنه لا يحمل أدنى خبث، ومن هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر:
"وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". (^٢)
وقال ﵀:
أن الكبيرةَ العظيمَةَ مما دون الشركِ قد تُكَفَّرُ بالحسنةِ الكبيرةِ الماحية، كما وقع الجَسُّ مِن حاطب مكفرًا بشهوده بدرًا. (^٣)
* وقوله تعالى (فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) فيه أمور:
١) الأول:
أن هذا الوعد بالغفران لهم إنما يكون في الآخرة، وإلا فإنْ توجه على أحد منهم حد أو غيره أقيم عليه في الدنيا، وقد نقل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحد على أن من ثبت عليه، وقد ضرب النبي - ﷺ - مِسطحًا الحد وكان بدريًا، وأقامه عمر - ﵁- على بعضهم. (^٤)
_________________
(١) المفهم (٦/ ٤٤١)
(٢) مفتاح دار السعادة (١/ ٥٢٩)
(٣) زاد المعاد (٣/ ٤٢٤)
(٤) وانظر المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٨/ ٢٩٣) وإكمال المعلم (٧/ ٥٣٩)
[ ١ / ٥٩٨ ]
قال ابن بطال:
أجمعت الأمة أن كل من ركب من أهل بدر ذنبًا بينه وبين الله فيه حد، أو بينه وبين الخلق من القذف أو الجرح أو القتل فإنه عليه فيه الحد والقصاص. (^١)
* وقد ذكر الطحاوى إشكالًا قال فيه:
فقال قائل:
كيف تقبلون عن رسول الله -ﷺ - في تركه العقوبة على حاطب فيما كان منه، فإن قلتم: لأنه قد كان من أهل بدر، وقد سبق لهم من الله ما سبق، قيل لكم: فقدامة قد كان له من بدر في شهوده إياها كما كان لحاطب في مثل ذلك، ولم ير عمر ولا عليُّ ولا من كان بحضرتهما دفع العقوبة عنه لذلك على جرمه الذي كان منه!! (^٢)
فكان جوابنا له في ذلك:
أن من سنة رسول الله - ﷺ - أمره بإقالة ذوي الهيئات عثراتهم إلا في حد من حدود الله تعالى، وكان حاطب لشهوده بدرًا، ولما كان عليه من الأمور المحمودة من ذوي الهيئة، ولم يكن الذي أتى مما يوجب حدًا، إنما يوجب عقوبة ليست بحد، فرفعها عنه رسول الله - ﷺ - لما كان معه من الهيئة، وكان الذي كان من قدامة فيه حد لله فلم يرفعه عمر ولا عليُّ، ولا من سواهما لهيئته؛ لأن الهيئة إنما ترفع العقوبات التي ليست حدودًا، ولا ترفع العقوبات التي هي حدود. (^٣)
* يؤيده:
ما ورد عَنْ عَائِشَةَ - ﵂- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: " أَقِيلُو ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ ". (^٤)
_________________
(١) شرح صحيح البخارى لابن بطال (٨/ ٥٩٨)
(٢) وكان قدامة -﵁- قد شر الخمر متأولًا قوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]
(٣) شرح مشكل الآثار (١١/ ٢٧٦)
(٤) أخرجه أحمد (٢٥٤٧٤) وأبو داود (٤٣٧٥) قال ابن حجر: الحديث المشهور من طرق ربما يبلغ درجة الحسن، بل صححه ابن حبان بغير استثناء. وانظرالصحيحة (٦٣٨) المقصود بالإقالة: رفع العقوبة، والعثرات: الزلات والسقطات. قال أحمد: وإنما أراد بهذا، والله أعلم، الأئمة يقيلون ذوي الهيئات عثراتهم ما لم يكن حد، فإذا كان حدا وبلغ الإمام فلا يدعه، ولا ينبغي لأحد أن يشفع فيه. قال ابن الأثير: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم: هم الذين لا يُعرَفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة. انظر معرفة السنن والآثار (٦/ ٤٧١) والنهاية (٥/ ٢٨٥)
[ ١ / ٥٩٩ ]
٢) الثانى:
قوله تعالى (فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ):
وهذه المغفرة إنما حصلت لهم بذات العمل الذى أسلفوه والذى هو شهود بدر، لذا فما وقعوا فيه بعد ذلك إنما هو مغفور لهم بذلك وإن لم يحدثوا لذلك توبة، وهذا المعنى يقرره شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:
والله - تعالى- لم يشترط في الأمر بالعفو عنهم والصفح والإحسان إليهم التوبة، وكذلك حاطب بن أبي بلتعة كاتب المشركين بأخبار النبي - ﷺ -، فلما أراد عمر - ﵁- قتله قال النبي - ﷺ -: "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، وكذلك ثبت عنه - ﷺ - في الصحيح أنه قال: " لا يدخل النارَ أحدٌ بايعَ تحت الشجرةِ ".
وهذه النصوص تقتضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات، ولم يشترط مع ذلك توبة، وإلا فلا اختصاص لأولئك بهذا، والحديث يقتضي المغفرة بذلك العمل. (^١) * الثالث:
قوله ﷺ: (وما يدريك أنَّ الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
فإذا سأل سائل:
هل المراد بقوله تعالى (فقد غفرتُ لكم) مغفرة الكبائر أم الصغائر فقط؟
فالجواب:
أن من شهد بدرًا فإنه يُغفر له الكبائر؛ إذ لو قيل تُغفر لهم الصغائر إذا تاب،
فلا فرق إذن بين أهل بدر وغيرهم، فمن المعلوم أن كل واحد تغفر له الصغائر باجتناب الكبائر، وكل واحد يُغفر له بالتوبة، ولما كان ثمة خصيصة بهذا لأهل بدر، فدل على أن المراد بالمغفرة إنما هو ما يتعلق بالكبائر، والله أعلم.
_________________
(١) الإيمان الأوسط (ص/٣٣٥)
[ ١ / ٦٠٠ ]
* ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
الرد على المرجئة والكرامية الذين قالوا بحصر الإيمان في القول دون العمل، وقالوا لا يضر مع الإيمان ذنب، وأنه لا كفر إلا بالجحود أو الاستحلال. (^١)
وحديث الباب قد بيَّن أن الإيمان كما يُنقض بالقول فكذلك يُنقض بالعمل، فقد ذكر عمر بن الخطاب - ﵁- نفاق من والى أعداء الله - تعالى- وأنه عمل مستحق لضرب العنق فما أنكر عليه الرَسُولَ ﷺ.
كذلك في قول حاطب ﵁: (وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ غِشًّا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَلَا نِفَاقًا وَلَا ارْتِدَادًا..) فجعل الردة حاصلة بفعل الجوارح كما تحصل بعمل القلب.
*وإنما جاء الاستثناء في شأن حاطب - ﵁ - لأمرين:
١) أنه ما فعل ذلك نِفَاقًا وَلَا ارْتِدَادًا، وَلَا رِضًا بالْكفر بعد الْإسلَام، بل كان متأولًا، مع صدق نيته؛ ولذلك فقد عفا الله -تعالى- عنه.
٢) كونه بدريًا، وقد قال رسول الله ﷺ:
" لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم "
وعليه فإن الحكم العام فيمن أظهر نفاقًا أكبر، كحال موالاة أعداء الله - تعالى- نِفَاقًا وَارْتِدَادًا، وَرِضًا بالْكفر بعد الْإسلَام، فهذا كفر مخرج من الملة، وإن كان ينطق الشهادتين.
* والكتاب والسنة قد دلا على ذلك:
قال تعالى (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١» (المنافقون: ١)
وكذلك فقد أمر الله -تعالى - رسوله - ﷺ - بقتال أمثال هؤلاء، قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ
_________________
(١) والإيمان عند الكرامية هو قول اللسان، دون اشتراط تصديق القلب أوعمل الجوارح في أحكام الدنيا، فمن تكلم به فهو مؤمن كامل الإيمان؛ لأن النبي - ﷺ - قَبِل إسلام الناس بمجرد قولهم للشهادتين. * لذا فالمنافق - وإن أظهر نفاقًا واضحًا - فهو عندهم مؤمن، إلا إنه يخلد فى النار. وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا القول هو الذي اختصت به الكرامية وابتدعته، ولم يسبقها أحد إلى هذا القول، وهو آخر ما أحدث من الأقوال في الإيمان. وانظر لتفصيل ذلك رسالتنا الفرقان في بيان حقيقة الإيمان (ص/١٣)
[ ١ / ٦٠١ ]
جَاهِدِ الْكُفَّارَوَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التحريم/٩)
وقال تعالى (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا) (الأحزاب/٦٠)
* ومن السنة:
ما ورد عن عبدالله بن سلول الذي كان يؤذي النبي -ﷺ - كثيرًا، كما روى أبو هُرَيْرَةَ - ﵁- قالَ:
مَرَّ رَسول الله - ﷺ- عَلَى عَبْدِ الله بْنِ أَبَيّ ابْن سَلُولٍ فَقَالَ:
قَدْ غَبَّرَ عَلَيْنَا ابْنُ أبى كَبْشَةَ، فَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله:
وَالَّذِي أَكْرَمَكَ وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَئِنْ شئْتَ لأتِيَنَّكَ بِرَأْسِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: لا، وَلكِن بِرَّ أَبَاكَ، وَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُ. (^١)
وفي حديث جَابِر﵁ - قال:
غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وفيه: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا، لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَقَالَ عُمَرُ:
أَلَا نَقْتُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الخَبِيثَ؟ لِعَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» (^٢)
فجعل الرسول - ﷺ - العلة المانعة من قتله ليس أنه غير مستحق للقتل، بل لعلة أخرى وهى ألا يتناقل الناس أن النبي - ﷺ - يقتل أصحابه، فينفر ذلك الناس عن دين الله عزوجل.
* ويتفرع على هذا فرع مهم:
في حكم موالاة الكافرين: وموالاة الكافرين تنقسم بحسب القصد والنية إلى قسمين:
١) القسم الأول: الموالاة الصغرى: (^٣)
وذلك إذا كانت موالاتهم لمصلحة دنيوية، لأجل منصب أو مال أو دفعًا لأذاهم، وليس رغبة في نصرة دينهم، فمثل هذا لا يكون
_________________
(١) أخرجه ابن حبان (٤٢٨) وانظر الصحيحة (٣٢٢٣) وقال الحافظ ابن حبان: أبو كبشة هذا والد أم أم رسول الله - ﷺ- كان قد خرج إلى الشام فاستحسن دين النصارى، فرجع إلى قريش وأظهره، فعاتبته قريش حيث جاء بدين غير دينهم، فكانت قريش تعير النبي - ﷺ- وتنسبه إليه، يعنون به أنه جاء بدين غير دينهم كما جاء أبوكبشة بدين غير دينهم. (صحيح ابن حبان (٢/ ١٧٠)
(٢) متفق عليه.
(٣) تسميتها صغرى ليس لأنها من الصغائر؛ ولكن للتفريق بينها وبين الكبرى، وإلا فإن الموالاة الصغرى شأنُها عظيم كما تقدَّم فهو باب لا يُستهان به.
[ ١ / ٦٠٢ ]
كفرًا، بل كبيرة من كبائر الذنوب، لأنها لا تتضمن ما ينافي أصل الإيمان من محبة الكفر والرضا به.
وفى مثل نزل قوله تعالى في قصة حاطب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) إلى قوله (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) (الممتحنة/١)
ومما يدل على أنَّ فاعل مثل هذا لا يكفر بما وقع منه: أن الله - تعالى- خاطب حاطبًا باسم الإيمان بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ (^١)
فحصل بذلك وجود أصل الإيمان ولم يسلب عن فاعله مع وجود الموالاة، فدل على على عدم الكفر بمثل هذا النوع من الموالاة، وإنما يستحق فاعل هذا النوع من الموالاة القتل، أوالتعزير، حسب ما يرى الإمام، وإنما اندفعت العقوبة عن حاطب - ﵁ - لكونه من أهل بدر، كما بيَّن النبي - ﷺ - ذلك، والله أعلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقد يحصل من الرجال نوع من موادتهم لرحم أو حاجة، فيكون ذنبًا ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافرًا، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي - ﷺ -، وأنزل الله فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ
الْحَقِّ﴾ الآية. [الممتحنة: ١] (^٢)
قال القرطبى:
من كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه عليهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرًا إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين. (^٣)
*وهنا إشكالات:
١) إن قيل:
فعل حاطب - ﵁- لم يكن مظاهرة للمشركين، بل غاية ما فيه أنه
_________________
(١) وانظر الاستيعاب في بيان الأسباب (٣/ ٣٧٥) والوعد الأخروي (٢/ ٧٩٦)
(٢) الإيمان الأوسط (ص/٤٠٣)
(٣) الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٥٢)
[ ١ / ٦٠٣ ]
حكم موالاة الكافرين، وتفصيل الحكم في ذلك
المظاهرة منها ما هو ردة، ومنها ما يكون كبيرة
هل حديث الباب قد يكون فيه موافقة للمرجئة؟
جَسَّ على المسلمين، وعليه فلا يستدل به على كون المظاهرة منها ما هو ردة ومنها ما يكون كبيرة؟
*والرد عليه:
إذا ثبت أن ما فعله حاطب - ﵁- ليس ردة، وهذا مجمع عليه مع أن رسالته لو وصلت إلى مشركي مكة لاستعدَّت قريش للحرب، وهذا خلاف ما قصد إليه النبي - ﷺ - من تعمية خبر غزوه لهم، فما عمله حاطب - ﵁- إعانةٌ عظيمة للكفار في حربهم للمسلمين في غزوة من أهم الغزوات الفاصلة في الإسلام، إذا ثبت ذلك عُلم أن الإعانة لا تكون كفرًا حتى يكون الحامل عليها محبة الكفار والرغبة في انتصارهم على المسلمين، وعلم
أن القول بأن إعانة الكفار على المسلمين كفر وردة مهما كان الحامل عليها كما
هو ظاهر كلام ابن حزم في المحلى مستدلًا ببعض أحاديث الوعيد فيه نظر ظاهر. (^١)
* كما يقال هنا أن التجسس على أخبار المسلمين في حقيقته هو نوع مظاهرة للمشركين، فكل ما كان مؤديًا لأن يكون للكافرين على المؤمنين سبيلًا فهو من المظاهرة التى حرَّمها الشرع.
٢) فإن قيل:
القول بحمل حديث الباب على أن فعل حاطب -﵁- كان من الموالاة العملية التى لا تُخرج من الملة، قد يكون فيه موافقة للمرجئة القائلين بحصر الكفر الأكبر في أعمال القلوب، وأنه لا كفر إلا بالحجود أو الاستحلال!!!
* والرد عليه أن يقال:
لا يستدل بترجيحٍ في مسألة ما على كون ذلك منهجًا عامًا للقائل، فلو أن إمامًا من أئمة السنة يثبت صفات الله -تعالى- ثم رأيناه قد تأول أية من أيات الصفات على غير ظاهرها فلا يقال عندها بنسبته للنفاة أو المحرَّفة.
وكذلك هنا نقول، " أن عدم الذكر ليس ذكرًا للعدم "، بمعنى أن عدم حمل حديث الباب على الكفر الأكبر لا يعنى أننا نحصر الكفر في أعمال القلوب، كما يدعى المنازع، ولكنَّا حملناه على ذلك للقرائن والمقدمات التى تم ذكرها آنفا.
_________________
(١) تسهيل العقيدة الإسلامية (ص/٥٧١)
[ ١ / ٦٠٤ ]
* أضف إلى ذلك:
أن النبي - صلى لله عليه وسلم - لما وقف على أمر حاطب قال له:
ما حملك على ذلك؟
فلو كان أصل فعله بذاته لا يحتمل التفصيل لما استفصل النبي ﷺ، فإذا كان " ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال "، فإن الاستفصال في مقام الاحتمال لا ينزل منزلة العموم في المقال، بل يكون الحكم فيه تفصيل وتبيين.
(٣ فإن قيل:
ألا يستدل بقوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧» (النحل/١٠٧) على كفر من والى أعداء الله -تعالى- ولو لغرض دنيوى؟؟؟
والرد على ذلك:
أن الاستدلال بهذه الأية كفر كل من قدَّم أمر الدنيا على الآخرة مما يقال فيه إنَّ " الدليل أخص من الدعوى"؛ فقد ورد سياق هذه الأية فيمن أُكره على كلمة الكفر، حيث رُخص له في ذلك مادام قلبه مطمئنًا بالإيمان، ثم ذكر الله -تعالى- في مقابل ذلك " مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا " فاختاره وآثره على الإيمان، وباح به طائعًا، فعليهم غضب من الله، ولهم عذاب عظيم.
قال ابن كثير:
لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا، ولم يهد الله - تعالى - قلوبهم ويثبتهم على الدين الحق، فطبع على قلوبهم. (^١)
٢) القسم الثانى: الموالاة الكبرى:
أن تكون موالاتهم لنصرة دينهم وتسلطهم على دين الإسلام والمسلمين، فمثل هذا يكون كفرًا أكبر مخرجًا من دين الإسلام. فمن ظاهر المشركين وعاونهم على المسلمين لأجل دينهم فلاشك في كفره.
وفى مثل هذا قال الله تعالى (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٦٠٥)
[ ١ / ٦٠٥ ]
الْمَصِيرُ (٢٨» [آل عمران: ٢٨]
قال ابن جرير الطبرى قوله تعالى: (فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ)
يعني:، يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر. (^١)
وقال تعالى ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
قال القرطبي في قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) أي:
من يعاضدهم ويناصرهم على المسلمين، فحكمه كحكمهم في الكفر والجزاء، وهذا الحكم باقٍ إلى يوم القيامة، وهو قطع الموالاة بين المسلمين والكافرين. (^٢)
قال ابن حزم:
وصح أن قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾
إنما هو ظاهره، بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين. (^٣)
*قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن:
إن الموالاة تنقسم إلى قسمين:
١) موالاة مطلقة عامة:
وهذه كفر صريح، وهي بهذه الصفة مرادفة لمعنى التولي لأجل الدين، وعلى ذلك تُحمل الأدلة الواردة في النهي الشديد عن موالاة الكفار، وأن من والاهم فقد كفر.
٢) موالاة خاصة:
وهي موالاة الكفار لغرض دنيوي مع سلامة الاعتقاد، وعدم إضمار نية الكفر والردة كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة في إفشاء سر رسول الله - ﷺ - في غزو مكة كما هو مذكور في سبب نزول سورة الممتحنة. (^٤)
ومثل هذا الكلام في تقسيم الموالاة إلى عامة مطلقة وخاصة منقول عن القرطبي وابن الجوزى وابن العربي وسليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب وصاحب الأضواء. (^٥)
_________________
(١) انظر جامع البيان في تأويل القرآن (٦/ ٣١٣)
(٢) انظر الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٢١٧) وأحكام القرآن لابن العربي (٤/ ١٧٨٢)
(٣) انظرالمحلى (١١/ ١٣٨) أحكام أهل الذمة (١/ ٦٧)
(٤) انظر الدرر السنّية (١/ ٢٣٥، ٢٣٦)
(٥) وانظر زاد المسير (ص/٣٩٠) ونوافض الإيمان القولية والعملية (ص/ ٢٧٧) وأضواء البيان (٢/ ١١١)
[ ١ / ٦٠٦ ]
قال الشيخ السعدى:
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان توليًا تامًا، صار ذلك كفرًا مخرجًا عن دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ، وما هو دون ذلك. (^١)
* وعليه نقول:
*وعليه فلابد من التنبيه على مسألة:
أن الاستدلال بحديث حاطب على أن كل موالاة لأعداء الإسلام لا تخرج من الملة فهذا مما يقال فيه إنَّ الدليل أخص من الدعوى.
ومن المعلوم أن قضايا الأعيان لا ترد نقضًا على الكلّيات لاحتمالها.
فقد تقرّر في القرأن أنّ نصرة أهل الكفر على أهل الإسلام كفر ونفاق، وتواردت الآيات والآثار وإجماع العلماء على ذلك حتى صار أصلًا مطردًا في الباب؛ فما وَرَد مُوهِمًا خلافَ الأصل مثل قصة حاطب -﵁- فلا يرد نقضًا على الأصل؛ لأنّ قضايا الأعيان لا تقدح في الأصول، إما لاحتمالها في ذاتها، أو لإمكان ردّها إلى الأصل المعلوم بتأويل يمنع التخلّف عن الأصل، أو يجزم بعدم دخولها في الأصل لمأخذٍ آخر فلا تكون الواقعة من أفراد الأصل.
لذا فالقول بأن كل موالاة لأعداء الله - تعالى- نفاق أكبر مخرج من الملة فليس هذا على عمومه، فقد دلَّ حديث الباب أن النصرة العملية ذنب، لكنها ليست كفرًا وحدها؛ لأن ما وقع من حاطب لم يكن حُبًّا ولا تفضيلًا، ولا فعل ذلك عن تَمَنٍّ لنصرة دين الكفار على الإسلام.
بل إن شيخ الإسلام مع تكفيره للتتار، قال عمَّن يقاتل المسلمين مع التتار:
" وأيضًا لا يقاتل معهم - غير مكره - إلا فاسق، أو مبتدع، أو زنديق. . ".
فها هو فصل أصناف المقاتلين معهم، ولم يجعلهم قسمًا واحدًا، ولم يكفر بمجرد القتال معهم. (^٢)
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن (ص/٨٥٦)
(٢) انظر مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٥٢) والولاء والبراء بين الغلو والجفاء (ص/١٦)
[ ١ / ٦٠٧ ]
* ويتبين لنا مما سبق أمور:
الأول:
مناط التكفير في باب الولاء والبراء إنما هو على عمل القلب لا على آثاره وثمراته، فإذا اجتمعا حكم به، وإذا اختلفا فالحكم لعمل القلب دون عمل الجوارح.
فحب الكافر لكفره أو تمني انتصار دين الكفار على دين المسلمين هذا هو الكفر في باب الولاء والبراء. (^١)
الثانى:
مظاهرة الكافرين لنصرتهم على المسلمين لا يجيزه حتى حال الإكراه المعتبر،
قال الطبرى تعليقًا على قوله تعالى " إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ":
إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مُسلم بفعل. (^٢)
وقد أجمع أهل العلم على أن الإكراه لا يبيح الاعتداء على المسليمن، فمن أكره على قتل مسلم فقتله فإنه يُقتل به.
ولذا فالإكراه لا يغير حكم المظاهرة، ومهما بلغ هذا الإكراه فلا يجيز إعانة الكفار على المسلمين بحال لما في ذلك من ظهور دينهم وتسلطهم على ديار المسلمين. (^٣)
*ومما يُلحق بالموالاة المخرجة من الملة:
أن يلحق المسلم بدار الكفر المحاربة لدارالإسلام ويظاهرهم في عداء أهل الإسلام.
قال ابن حزم:
من لحق بدار الكفر والحرب مختارا محاربا لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها: من وجوب القتل عليه، متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه، وغير ذلك، لأن رسول الله - ﷺ - لم يبرأ من مسلم. (^٤)
_________________
(١) الولاء والبراء والعداء في الإسلام (ص/٣٩)
(٢) جامع البيان في تأويل القرآن (٦/ ٣١٣)
(٣) البيان الثاقب شرح حديث حاطب (ص/٥)
(٤) المحلى (١١/ ٢٥١)
[ ١ / ٦٠٨ ]
أمور مستثناه من الموالاة التى حرمها الشارع
* فوائد في الختام:
١) يستثنى من الموالاة التى حرَّمها الشارع أمور:
الأول: المعاملات العامة:
لا يدخل في موالاة الكافرين التى حرَّمها الشرع معاملتهم بالتجارة والبيع والشراء، ففارق بين الموالاة والمعاملة، فالمعاملات مع المشركين في المتاجرات لا شيء فيها؛ وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]
وقد روت عَائِشَةُ - ﵂ - أن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺتُوُفِّيَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. (^١)
وقد ترجم البخاري باب: باب مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة، ثم روى تحته حديث عَبْدِ اللَّهِ بن عمر﵁ - قَالَ:
«أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ اليَهُودَ، أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا». (^٢)
*الثانى: الحب الجبلِّى:
الموالاة التى حرَّمها الشرع إنما تكون بمحبتهم لأجل دينهم، فلا شك أن محبة غير دين الإسلام إنما هى يتفرع على تسويغ ذلك الدين والرضا به، فلا شك في كفر من فعل ذلك ولو كان مبتغيًا لدين الإسلام شرعة ودينًا؛ يدل على ذلك قوله ﷺ، يَقُولُ " مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مَنْ دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ، وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ " (^٣)، وعليه فمن أحب الكفر وأهله، أو سوَّغ لغيره دينًا غير الإسلام فهذا لم يكفر بما يُعبد من دون الله تعالى.
وأما من أحب كافرًا حبًا جبليًا لقرابته مثلًا، أو كمن تزوج كتابية فكان حبه لها من هذا الباب فلا يدخل هذا من الموالاة المحرمة.
وقد ورد في قول الله تعالى لنبيه ﷺ (إنك لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (القصص/٥٦)
قال الطبري:
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: (إِنَّكَ) يا محمد (لا تَهْدِي مَنْ
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) أخرجه البخارى (٢٤٩٩)
(٣) أخرجه مسلم (٢٣)
[ ١ / ٦٠٩ ]
أَحْبَبْتَ) هدايته (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) أن يهديه من خلقه، بتوفيقه للإيمان به وبرسوله. ولو قيل: معناه: إنك لا تهدي من أحببته لقرابته منك، كان مذهبًا. (^١) ويستأنس لذلك بحديث الباب؛ حيث إن النبي - ﷺ - لم ينكر على حاطب حرصه وخوفه على ألا يلحق الأذى بقرابته بمكة، وإنما توجه الإنكار على مراسلته للحربيين من قريش الذين نصبوا الحرب والعداء لله - تعالى- ورسوله ﷺ.
٣) الثالث: الإحسان إليهم بالهبة والصلة:
وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ولعموم حديث " في كل كبد رطبة أجر" (^٢).
قال اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]
والمعنى: لم يمنعكم من الإكرام وحسن الصلة لغير المسلمين طالما أنهم لم يناصبوكم العداء ولم يسعوا في إيذائكم ولم يقاتلوكم بسبب دينكم لا سيما إن كانوا أقرباء وذوي رحم.
قال ابن القيم:
إن الله - سبحانه - لما نهى في أول السورة -سورة الممتحنة-عن اتخاذ المسلمين الكفار أولياء وقطع المودة بينهم وبينهم، تَوَهَّم بعضهم أن برهم والإحسان إليهم من الموالاة والمودة، فبين الله سبحانه أن ذلك ليس من الموالاة المنهي عنها، وأنه لم ينه عن ذلك بل هو من الإحسان الذي يحبه ويرضاه، وكتبه على كل شيء. (^٣)
وقد ترجم البخاري باب: بَابُ الهَدِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ (٢٦٢٠)، وفي موضع آخرقال بَابُ صِلَةِ الوَالِدِ المُشْرِكِ (٥٩٧٨)، ثم روى عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - ﵄- قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قُلْتُ: وَهِيَ
_________________
(١) جامع البيان في تأويل القرآن (١٩/ ٥٩٨)
(٢) متفق عليه.
(٣) أحكام أهل الذمة (١/ ٢١٣)
[ ١ / ٦١٠ ]
رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: «نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ». (^١)
عَنِ ابْنِ عُمَرَ﵄- قَالَ: رَأَى عُمَرُ حُلَّةً عَلَى رَجُلٍ تُبَاعُ، فَقَالَ
لِلنَّبِيِّ ﷺ: ابْتَعْ هَذِهِ الحُلَّةَ تَلْبَسْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَإِذَا جَاءَكَ الوَفْدُ؟
فَقَالَ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ»، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْهَا، بِحُلَلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ مِنْهَا بِحُلَّةٍ، فَقَالَ عُمَرُ:
كَيْفَ أَلْبَسُهَا وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ؟ قَالَ:
«إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا تَبِيعُهَا، أَوْ تَكْسُوهَا»، فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَرُ إِلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ. (^٢)
* وكذا يقال في قبول الهدية من المشرك:
إذ الأصل هو جواز قبول الهدية من الكافر، تأليفًا لقلبه وترغيبًا له في الإسلام، كما قبل النبي - ﷺ - هدايا بعض الكفار، كهدية المقوقس وغيره.
وقد بوَّب البخاري في صحيحه: باب قبول الهدية من المشركين، قال ﵀: " وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ - ﵇ - بِسَارَةَ فَدَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ أَوْ جَبَّارٌ فَقَالَ أَعْطُوهَا آجَرَ.
* وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﵁- أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا فَقِيلَ: أَلَا نَقْتُلُهَا، قَالَ: «لَا»، فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. (^٣)
وختامًا:
فإذا أردنا أن نعطِّرالمجلس بكلمة في حق الصحابي الجليل حاطب -﵁ - فلن نجد أفضل ما قاله ابن القيم، ولنعم ما قال:
فتأمل قوة إيمان حاطب التي حملته على شهود بدر، وبذله نفسه مع رسول الله - ﷺ - وإيثاره الله ورسوله على قومه وعشيرته وقرابته وهم بين ظهراني العدو وفي بلدهم، ولم يثن ذلك عنان عزمه، ولا فَل من حد إيمانه ومواجهته للقتال لمن أهله وعشيرته وأقاربه عندهم، فلما جاء
_________________
(١) متفق عليه. وقولها (راغبة) أي في الإسلام وقيل عنه أي كارهة له.
(٢) رواه البخاري (٢٦١٩) بَابُ الهَدِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ.
(٣) متفق عليه. وكلمة (لهوات) جمع لهاة، وهي ما يبدو من الفم عند التبسم، وقيل هي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم.
[ ١ / ٦١١ ]
مرض الجسِّ برزت إليه هذه القوة، وكان البُحرانُ صالحًا فاندفع المرض، وقام المريض كأن لم يكن به قلبة، ولما رأى الطبيب قوة إيمانه قد استعلت على مرض جسِّه وقهرته، قال لمن أراد فصده: لا يحتاج هذا العارض إلى فصاد:
«وما يدريك لعل الله اطَّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»
وعكس هذا ذو الخويصرة التميمي وأضرابه من الخوارج الذين بلغ اجتهادهم في الصلاة والصيام والقراءة إلى حد يحقر أحد الصحابة عمله معه كيف قال فيهم: " «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» " وقال:
" «اقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم» ". وقال:
" «شر قتلى تحت أديم السماء» " فلم ينتفعوا بتلك الأعمال العظيمة مع تلك المواد الفاسدة المهلكة واستحالت فاسدة.
وتأمل في حال إبليس لما كانت المادة المهلكة كامنة في نفسه، لم ينتفع معها بما سلف من طاعاته، ورجع إلى شاكلته وما هو أولى به، وكذلك الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، وأضرابه وأشكاله، فالمعول على السرائر، والمقاصد، والنيات، والهمم، فهي الإكسير الذي يقلب نحاس الأعمال ذهبًا، أو يردها خبثًا، وبالله التوفيق. (^١)
تم بحمد الله تعالى.
_________________
(١) زاد المعاد (٣/ ٣٧٦)
[ ١ / ٦١٢ ]