[ ٢ / ٩٥٣ ]
* حديث الباب:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا - ﵁ - عَلَى اليَمَنِ، قَالَ:
«إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ -تعالى- فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاس، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَاب»
* تخريج الحديث:
أخرجه البخاري (٧٣٧٢) باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ- أمته إلى توحيد الله ﵎.
ومسلم (١٩) باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام.
*أهم الفوائد المنتقاة من حديث الباب:
الفائدة الأولى:
قد كان من شأن النبي - ﷺ - أن يبعث أصحابه -﵃- ليعلموا الناس أمر دينهم، ويدعونهم إلى الإسلام، ومن ذلك حديث الباب، حيث بعث النبى -ﷺ - معاذ بن جبلرضي الله عنه- إلى اليمن داعيًا ومعلمًا ومربيًا.
وقد أرسله النبى -ﷺ - إلى اليمن سنة عشر من الهجرة، وذلك قبل حجه ﷺ، فلم يزل على اليمن واليًا وقاضيًا إلى أن قدم في خلافة أبي بكر ﵁، ثم توجَّه معاذ -﵁- إلى الشام فمات بها.
وكان مما قاله -ﷺ - لمعاذ ﵁:
" إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ "، وفى رواية فى الصحيح: " فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة
[ ٢ / ٩٥٥ ]
بيان أول الواجبات على المكلف
مخالفة جماعة المعتزلة والأشاعرة والشيعة الإمامية لذلك
أن لا إله إلا الله "
* فإن قيل:
إن كانوا هم قومًا من أهل الكتاب، فلما يدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله؟ *والجواب:
أن المذكورين في هذا الحديث من كان في اليمن من اليهود والنصارى، وكانوا يقولونها، لكنهم جهلوا معناها الذي دلت عليه من إخلاص العبادة لله وحده، وترك عبادة ما سواه.
فكان قولهم " لا إله إلا الله " لا ينفعهم لجهلهم بمعنى هذه الكلمة، كحال أكثر المتأخرين من هذه الأمة؛ فإنهم كانوا يقولونها مع ما كانوا يفعلونه من الشرك بعبادة الأموات والغائبين والطواغيت والمشاهد، فيأتون بما ينافيها فيثبتون ما نفته من الشرك باعتقادهم وقولهم وفعلهم، وينفون ما أثبتته من الإخلاص كذلك، وظنوا أن معناها القدرة على الاختراع تقليدًا للمتكلمين من الأشاعرة وغيرهم وهذا هو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فلم يدخلهم في الإسلام. (^١).
*الفائدة الثانية:
أول الواجبات على المكلف معرفة الله -تعالى- بالعبادة والتوحيد:
وهذا الذي عليه جماهير السلف من أهل السنة؛ فقد ورد فى حديث الباب قوله ﷺ:
" فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ.. "، وفى رواية: " فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، "، وفى رواية:
" فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى، .. "
فدلت هذه الروايات فى مجموعها على أن أول الواجبات التى تجب على المكلف هي عبادة الله - تعالى- وتوحيده.
*وقد خالف فى ذلك جماعة المعتزلة والأشاعرة والشيعة الإمامية:
فقالت المعتزلة: إن أول واجب على المكلف هو النظر، وعلى هذا عامة المعتزلة،
كما قرر ذلك القاضي عبد الجبار فى كتابه "شرح الأصول الخمسة" (ص/ ١٥ - ٣٧).
_________________
(١) كتاب التوحيد وقرة عيون الموحدين (ص/٣٢)
[ ٢ / ٩٥٦ ]
واختلف قول الأشاعرة فى ذلك:
فمنهم من قال: أول واجب على المكلف هو المعرفة، وهو قول الأشعرى، وهو قول أكثر الأشعرية، كما نص عليه الإيجي فى المواقف (ص/٣٢)، والبيجورى في التحفة (ص: ٨٢).
وقال بعضهم: هو النظر الموصل إلى المعرفة، وهو قول السنوسي والإسفراينى. (^١)
قال الآمدي:
أجمعت الأمة على وجوب معرفة الله تعالى، ووجوب معرفة الله -تعالى - لا يتم إلا بالنظر. (^٢)
وقال بعضهم: القصد إلى النظر، وقال به الباقلاني والشيرازي، كما في الإشارة (ص/١٨١).
وأقبح من هذا وذاك من قال منهم:
إن أول واجب على المكلف هو الشك في الحقائق، فيشك المرء في وجود الله وفي إلهيته، ثم بعد ذلك ينظر في الأدلة، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أن أبا هاشم وطائفة معه قد أوجبوا الشك، وجعلوه أول الواجبات.!! (^٣)
وذهب الأشاعرة إلى أن عوام المسلمين الذين لا يعرفون الله - تعالى - بالأدلة العقلية ليسوا بالمؤمنين في الحقيقة، وإنما تجري عليهم أحكام الشريعة، وهذه المسألة تعرف بمسألة وجوب الاستدلال على معرفة الله تعالى، فأوجبوا ذلك،
_________________
(١) وانظر الإنصاف للباقلاني (ص: ٢٢) والمواقف للإيجي (ص: ٣٢) وأصول الدين للبغدادى (ص/٧٥) وتحقيق المقام على كفاية العوام (ص/٧٣)
(٢) انظر أبكار الأفكار (١/ ٩٢)
(٣) والخلاف بين سائر هذه الأقوال الكلامية خلاف لفظي، كما نص على ذلك الجويني في الشامل (ص/١٢٠) وممن قد صرح بذلك: الرازي وأبو حامد الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية. ومما يؤيد لفظية هذا الخلاف هو اتفاقهم على وجوب البحث والنظر على المكلف، وأكثرهم على القول بصحة إيمان المقلد مع حرمته، وهذا من التناقض البيّن؛ إذ كيف يصح إيمان من لم يأت بما يُبنى عليه الإيمان، = =والذى هو النظر؟!! وانظر درء التعارض (٧/ ٤١٩) وتحفة المريد (ص/٧٨) ونقد جوهرة التوحيد (ص/٦٠).
[ ٢ / ٩٥٧ ]
وجعلوه شرطًا في كون المرء من أهل القبلة. (^١)
*وأما الشيعة الإمامية فقالوا:
إن النظر في معرفة الله - تعالى- واجب بالاتفاق، وفرض على كل مكلف بحكم العقل أن يتفكر في صفات الله - تعالى- ويعرفه بتلك الصفات وجوبًا. (^٢)
وأصل البلاء عند القوم جميعهم هو إنكارهم للمعرفة الفطرية، بل تصريحهم بأن وجود الله - تعالى - غير معلوم بالاضطرار، وإنما يُعلم بالنظر والاستدلال، وهذا ما قرره وصرح به القاضي المعتزلي عبد الجبار، وتبعه على ذلك الباقلاني. (^٣)
*وأما الأشاعرة ففى تنصيصهم على إيجاب المعرفة أوالنظر فقد حددوا مسالك عقلية ينبنى عليها إثبات وجود الله تعالى.
وهذه المسالك تدور فى جملتها على مسألة الحدوث والإمكان، وأنه لإثبات وجود الخالق لابد من إثبات وجود الأجسام، والأجسام لا تخلو عن الحوادث، وكل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، فكان حدوث العالم هو برهان وجوده تعالى. (^٤)
_________________
(١) كما اختار ذلك السنوسي، فقد نقل الأقوال في إيمان المقلد، وأرجعها إلى ثلاثة: أنه كافر، وأنه عاصٍ، وأنه مؤمن. واختارالقول الأول، وقال بهذا الجوينى، كما في الشامل (ص/٣٣). وقال صاحب الجوهرة: إذ كل من قلّد في التوحيد إيمانه لم يخل من ترديد.
(٢) مختصر التحفة الاثني عشرية (ص/٧٠)
(٣) قال القاضي المعتزلي عبد الجبارفي كتابه شرح الأصول الخمسة (ص /٣٩): «إن سأل سائل فقال: ما أول ما أوجب الله عليك؟ فقل: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى؛ لأنه تعالى لا يُعرف ضرورة ولا بالمشاهدة، فيجب أن نعرفه بالتفكر والنظر» * وقال بعد أن ذكر أنواع الدلالة وقسمها أربعة أنواع: العقل، والكتاب والسنة، والإجماع. قال: "ومعرفة الله لا تنال إلا بححة العقل" ثم علل ذلك بأن ما عدى العقل من الدلالات والحجج فرع على معرفة الله وتوحيده وعدله. ولو استدل بشيء منها على الله لكان ذلك استدلال بفرع للشيء على أصله وذلك لا يجوز". (شرح الأصول الخمسة (ص: ٨٨) وانظر شرح الكبرى مع الحواشي (ص ٣٩) ومنهج الأشاعرة في العقيدة (ص/٢٣)
(٤) وانظر المواقف (ص/٢٤٥) ونهاية الإقدام (ص/١١) وأم البراهين (ص/١٩٤) قلت: من أعظم ما عوَّل عليه الأشاعرة فى إثبات وجود الله-تعالى- هو إثبات حدوث الأجسام، ودليل حدوث الأجسام هو حلول الحوداث. وعلى هذا الأصل بنى الأشاعرة قولهم بنفى الصفات عن الله تعالى، إلا الصفات السبع، بدعوى أن ما سوى هذه السبع إذا قامت بالله -تعالى- فهو يعنى قبوله للحوادث، وبالتالى فهو حادث!! وانظر عقائد الأشاعرة لمصطفى باحو (ص/٣١)
[ ٢ / ٩٥٨ ]
* والراجح الصحيح هو ما ذهب إليه أهل السنة، ومن نصوص السنة الدالة:
١ - الأول: حديث الباب:
فقد نصت روايات حديث الباب أن أول ما يجب على المكلف هو معرفة الله -تعالى- بالتوحيد والعبادة.
قال عبد الرحمن بن قاسم النجدي معلقًا على حديث الباب:
فلا واجب على المكلفين أعظم من التوحيد علمًا وعملًا، ومن أدلته هذا النص وغيره؛ فإن قوله:
" فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله "، مع قوله:
"إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب" يعني أنهم أهل علوم وكتب وحجج، ومع ذلك أمره
أن يدعوهم إلى إفراد الله بالعبادة، لكونهم محتاجين إلى أن تبين لهم ذلك. (^١)
قال ابن حجر:
وفي كتب النبي - ﷺ- إلى هرقل وكسرى وغيرهما من الملوك يدعوهم إلى التوحيد إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة التواتر المعنوي الدال على أنه ﷺ لم يزد في دعائه المشركين على أن يؤمنوا بالله -تعالى- وحده ويصدقوه فيما جاء به عنه، فمن فعل ذلك قُبِل منه، سواء كان إذعانه عن تقدم نظر أم لا. (^٢)
٢ - الثانى:
عَنِ ابْنِ عُمَرَرضي الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ:
«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، " (^٣)
فقد بيَّن النبي - ﷺ - أنه يقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله "، فإذا قالوها كف عن قتالهم وقبل إسلامهم، ولم يقل " حتى يستدلوا على معرفة الله.. "، ولم يؤمر بمطالبتهم بالاستدلال على معرفة معبودهم.
ففي هذا دلالة ظاهرة على ما ذهب إليه المحققون والجماهير من السلف
_________________
(١) حاشية كتاب التوحيد (ص/٥٧)
(٢) وانظر فتح الباري (١٣/ ٥٠١) ومباحث الربوبية (ص/٢٣)
(٣) متفق عليه.
[ ٢ / ٩٥٩ ]
والخلف أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادًا جازمًا لا تردد فيه كفاه ذلك وهو مؤمن من الموحدين، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين.
ولأن النبي - ﷺ - اكتفى بالتصديق بما جاء به ﷺ ولم يشترط المعرفة بالدليل، وقد تظاهرت بهذا أحاديث في الصحيحين يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم القطعي. (^١)
* والواقع أننا إذا نظرنا في النصوص الواردة نجد أن الرسول -ﷺ- ما كان يأمر من يرد الدخول في الإسلام بالنظر والاستدلال ابتداءً، وما كان يدعو الناس إلى ذلك عندما يغزوهم ويدعوهم للإسلام، بل كانت أول ما يدعوهم إليه الشهادتان.
* الثالث:
عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَرضي الله عنه- قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ:
عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ. (^٢)
فأمر ﷺ بالتمسك بسنة الخلفاء الراشدين دون البحث أو النظر، ويدخل في ذلك مسائل الاعتقاد. (^٣)
* الرابع:
أن النبي -ﷺ - قد أنكرعلى أسامة بن زيد - ﵄ -
قتله الرجل بعد تلفظه بالشهادة، وقال له ﷺ:
" ﷺ، فَقَالَ: يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ. (^٤)
فدل ذلك على أن من تلفظ بكلمة التوحيد دخل في الإسلام وحرم دمه، وإن لم
يستدل.
* الخامس:
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍرضي الله عنه- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ - وهو ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ- مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَكَ، قَالَ:
_________________
(١) وانظرالمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١/ ٢٤٣) وشرح الأربعين النووية لابن دقيق (ص/٥٥)
(٢) أخرجه أحمد (١٧١٤٤) والترمذى (٢٦٧٦) وصححه الترمذى.
(٣) نقد جوهرة التوحيد (ص/٥٩)
(٤) متفق عليه. وترجمة الحديث عند مسلم " باب: تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله "
[ ٢ / ٩٦٠ ]
«صَدَقَ» ، فقال في آخره: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ». (^١)
قال ابن الصلاح:
وفي هذا الحديث دلالة على صحة ما ذهب إليه أئمة العلماء في أن العوام المقلِّدين مؤمنون، وأنه يكتفي منهم بمجرد اعتقادهم الحق جزمًا من غير شك وتزلزل، خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة.
وذلك أنه ﷺ قرر ضمامًا على ما اعتمد عليه في تعرف رسالته وصدقه ﷺ من مناشدته ومجرد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك قائلا له إن الواجب عليك أن تستدرك ذلك من النظر في معجزاتي والاستدلال بالأدلة القطعية التي تفيدك العلم، والله أعلم. (^٢)
*الإجماع:
قال أبو العباس ابن تيمية:
وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وجمهور العلماء من المتكلمين وغيرهم على خطأ هؤلاء في إيجابهم هذا النظر المعين وفي دعواهم أن المعرفة موقوفة عليه.
إذ قد علم بالاضطرار من دين الرسول -ﷺ- أنه لم يوجب هذا
على الأمة ولا أمرهم به بل ولا سلكه هو ولا أحد من سلف الأمة في تحصيل هذه المعرفة. (^٣)
قال أبو المظفر السمعاني:
وإنما أنكرنا طريقة أهل الكلام على ما أسسوا فإنهم قالوا:
أول ما يجب على الإنسان النظر المؤدي إلى معرفة الباري، وهذا قول مخترع لم يسبقهم إليه أحد من السلف، وأئمة الدين، ولو أنك تدبرت جميع أقوالهم وكتبهم لم تجد هذا في شيء منها، لا منقولًا من النبي - ﷺ -، ولا من الصحابة - ﵃ -، وكذلك من التابعين بعدهم. (^٤)
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) صيانة صحيح مسلم (ص/١٤٤)
(٣) مجموع الفتاوى (١٦/ ٣٢٩)
(٤) وانظر الانتصار لأصحاب الحديث (ص/٦٠) والحجة في بيان المحجة (٢/ ١٢٠)
[ ٢ / ٩٦١ ]
* والصحابةرضي الله عنهم- الذين فتحوا البلدان لم يؤثر عنهم أنهم كانوا يدعون الناس إلى النظر والاستدلال، وإنما كانوا يدعونهم إلى الشهادتين أولًا ويكتفون منهم بها، ويكفُّون عن قتال من قالها.
وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على بطلان هذه الدعوى الكلامية، وأبان اللوازم الباطلة لمن قال بها. (^١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والقرآن العزيز ليس فيه أن النظر أول الواجبات، ولا فيه إيجاب النظر على كل
أحد، والنبي -ﷺ - لم يدع أحدًا من الخلق إلى النظر ابتداءً، ولا
إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دعاهم إليه الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه ﵃. (^٢)
قال ابن حزم:
فمن الباطل المتيقن أن يكون الاستدلال فرضًا لا يصح أن يكون أحد مسلمًا إلا به ثم يغفل الله -﷿ - أن يقول لا تقبلوا من أحد أنه مسلم حتى يستدل.
وما قال قط رسول الله - ﷺ - لأهل قرية لا أقبل إسلامكم حتى أعلم المستدل من غيره، وكذلك أجمع الصحابة - ﵃على الدعاء إلى الإسلام وقبوله من كل واحد دون ذكر استدلال. (^٣)
*وها هو الغزالي - رغم سلوكه لهذا النهج- ينفض عن نفسه غبار هذا الطريق والطريقة، فيقول:
" فليت شعري متى نُقل عن رسول الله -ﷺ - أو الصحابة -﵃- إحضار أعرابي أسلم، وقوله له: " الدليل على أن العالم حادث:
أنه لا يخلو من الأعراض، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ". (^٤)
* والفطرة دالة على نقض مذهب المتكلمين:
يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية:
"وأما الرب تعالى فهو معروف بالفطرة، ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكّ﴾، فالمشركون
_________________
(١) وللإطلاع على المزيد من أوجه الرد والدلالات على بطلان دعوى إيجاب النظر على المكلف يراجع نقد الجوهرة (ص/٦٥) ودرء التعارض (٨/ ١٦) ونقض أساس التقديس (٢/ ٤٧٢)
(٢) درء التعارض (٨/ ٢٣٢)
(٣) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٢٩٢)
(٤) وانظر فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة (ص/١٢٧)
[ ٢ / ٩٦٢ ]
من عباد الأصنام وغيرهم من أهل الكتاب معترفون بالله مقرُّون به أنه ربهم وخالقهم ورازقهم وأنه رب السماوات والأرض والشمس والقمر. (^١)
قال ابن القيم:
وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية - قدَّس الله روحه - يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟!، وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
ومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار، ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما. (^٢)
** كما يقال إن المتكلمين مع ولوجهم التام غير المنقوص فى العقليات فما استطاعوا الفرار من شهادة الفطرة السليمة بمعرفة الله تعالى.
فقد أقر بهذا كبار رموز الأشاعرة، وهو الفخر الرازي، وهو من أكثر المتكلمين إغراقًا في المعقولات، فقد ذهب خلافًا لمعظم الأشاعرة إلى أن معرفة الله -تعالى- فطرية لا تحتاج إلى نظر.
فيقول في تفسيره:
" وأقول من الناس من ذهب إلى أنه قبل الوقوف على الدلائل الدقيقة فالفطرة شاهدة بوجود الصانع المختار، ويدل على أن الفطرة الأولية شاهدة بذلك من وجوه:
الوجه الأول: قال بعض العقلاء: إن من لطم على وجه صبي لطمة فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار، فلأنَّ الصبي العاقل إذا وقعت اللطمة على وجهه يصيح ويقول:
من الذي ضربني؟
وما ذاك إلا أن شهادة فطرته تدل على أن اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل فعلها، فبأن تشهد بافتقار
_________________
(١) الرسائل الكبرى ٢ (/٣٣٧)
(٢) مدارج السالكين (١/ ٦٠)
[ ٢ / ٩٦٣ ]
أنواع التقليد فى الواجبات الشرعية
جميع حوادث العالم إلى الفاعل كان أولى. (^١)
قال الغزالي:
بعث الأنبياء صلوات الله عليهم لدعوة الخلق إلى التوحيد ليقولوا لا إله إلا الله، وما أمروا أن يقولوا: " لنا إله وللعالم إله "؛ فإن ذلك كان مجبولًا في فطرة عقولهم من مبدأ نشوئهم وفي عنفوان شبابهم، ولذلك قال تعالى ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾. (^٢)
*والمقصود:
أن النظر مشروع، بل مندوب إليه، لكن لا يقال: إنه أول واجب، بل أول واجب يختلف باختلاف أحوال الناس.
فأول الواجبات على الكافر هو الشهادتان، وأما المسلم فعليه القيام بلوازم الشهادتين ومقتضياتها العملية والقولية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وأول الواجبات الشرعية يختلف باختلاف أحوال الناس، فقد يجب على هذا ابتداءً ما لا يجب على هذا ابتداءً، فيخاطب الكافر عند بلوغه بالشهادتين، وذلك أول الواجبات الشرعية التي يؤمر بها.
وأما المسلم فيخاطب بالطهارة إذا لم يكن متطهرًا، وبالصلاة وغير ذلك من الواجبات الشرعية التي لم يفعلها، فمن كان يحسن الوضوء وقراءة الفاتحة ونحو ذلك من واجباتها أمر بفعل ذلك، ومن لم يحسن ذلك أمر بتعلمه ابتداء. (^٣)
* إذا كان كذلك فليعلم أن التقليد في هذا الباب نوعان:
١) الأول:
التقليد الذى ذمه الأشاعرة والمتكلمون والذى ينبنى - كما زعموا- على معرفة الله والعلم به من غير نظر ولا إعمال للعقل، وقد سبق الرد على بطلان ذلك.
٢) الثانى:
التقليد الذى ذمه أهل السنة والذى ينبنى على نطق الشهادتين دون العلم بمعانيهما، فالشارع قد اشترط في صحة الشهادتين العلم بمعانيهما، فهذا هو الذى يكون
_________________
(١) وانظر مفاتيح الغيب (١٩/ ٩١) وشرح الوسطى (ص/١٥٨) والمسائل التى حكى فيها ابن تيمية الإجماع (ص/٢٤٢)
(٢) قواعد العقائد (ص/١٥٢)
(٣) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ١٦)
[ ٢ / ٩٦٤ ]
شرطًا في عصمة الدم والمال.
أما النطق بها من غير معرفة لمعناها فغير نافع بالإجماع.
قال تعالى (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)
فلابد أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله تعالى.
وقال تعالى (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
قال القرطبي:
إلا لمن شهد بالحق وآمن على علم وبصيرة، قاله سعيد بن جبير وغيره. وشهادة الحق: " لا إله إلا الله ".. (وَهُمْ يَعْلَمُونَ). حقيقة ما شهدوا به، فالشفاعة بالحق غير نافعة إلا مع العلم، والتقليد لا يغني مع عدم العلم بصحة المقالة. (^١)
*وعن عثمان بن عفان -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: "مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ " (^٢)
قال سليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب:
قوله: "من شهد أن لا إله إلا الله". أي من تكلم بهذه الكلمة عارفًا لمعناها عاملًا بمقتضاها باطنًا وظاهرًا كما دل عليه قوله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) [محمد: ٢٠]. وقوله: (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [الزخرف: ٨٧].
أما النطق: بها من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها فإن ذلك غير نافع بالإجماع.
وفي الحديث ما يدل على ذلك وهو قوله: "من شهد"؛ إذ كيف يشهد وهو لا يعلم ومجرد النطق بشيء لا يسمى شهادة به. (^٣)
*الفائدة الثالثة:
خبر الآحاد حجة فى الاعتقاد:
وهو مذهب أهل السنة، وقد دل حديث الباب على ذلك؛ حيث بعث النبي -ﷺ - معاذ بن جبل - ﵁- داعيًا الناس إلى الشهادتين.
*ومن أدلة الكتاب على ذلك:
١ - قوله تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُل فِرْقَةٍ مِنْهُمْ
_________________
(١) وانظرالجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٢٣) والعذر بالجهل تحت المجهر الشرعي (ص/٧٩)
(٢) أخرجه مسلم (٢٦) وأحمد (٤٦٤)
(٣) انظر تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد (ص/ ٥٣) والعقائد الإسلامية لابن باديس (ص/٣٢)
[ ٢ / ٩٦٥ ]
طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
(التوبة / ١٢٢)
أوجه الدلالة من الأية:
أ-قوله تعالى" فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُل فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ "
الطائفة فى اللغة تطلق على الواحد فصاعدًا، فلما اعتبر الشارع إنذاره دل على أن قوله حجة معتبرة، وإلا فلم يكن لإنذاره فائدة.
ب- قوله تعالى (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِينِ):
الدين: اسم جنس محلى بـ " الـ " الاستغراقية، التي تفيد العموم، فتعم أبواب
الاعتقاد وأبواب الفقه وغير ذلك، ففيه رد على من فرَّق في حجية خبر الآحاد بين مسائل الاعتقاد وغيرها.
وقد بوَّب البخاري لهذه الأية: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام.
٢ - قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥» (الإسراء: ١٥)، وقوله تعالى
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل: ٣٦)
وجه الدلالة:
قد علَّق الله -تعالى- نفي التعذيب على إقامة الحجة، وجعل إقامة الحجة حاصلة ببعثة الرسول، وهو واحد فقط.
قال الشافعي:
أقام جل ثناؤه حجته على خلقه في أنبيائه - ﵇- في الأعلام التي باينوا بها خلقه سواهم، وكانت الحجة بها ثابتة، وكان الواحد في ذلك وأكثرُ منه سواءً، تقوم الحجة بالواحد منهم قيامًا بالأكثر. (^١)
_________________
(١) الرسالة (ص/٣٤٦)
[ ٢ / ٩٦٦ ]
٣ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وفي قراءة: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ [الحجرات: ٦]
وجه الدلالة:
أنه لو لم يقبل خبر الواحد لما علِّل بالفسق؛ وذلك لأن خبر الواحد على هذا التقدير، يقتضي عدم القبول لذاته، وهو كونه خبر واحد، فيمتنع تعليل عدم قبوله بغيره.
، إذ لو كان معللًا بالغير لاقتضى حصوله به، فعلَّل عدم قبول قول الفاسقين بالتبيين؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب بالفاء يدل على العلِّية، فيكون التبيين معللًا بالفسق، فإذا انتفى الفسق الذي هو علة التبيين، بقي كون الخبر الواحد مقبولًا لذاته. (^١) أضف إلى ذلك أن قوله تعالى (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا):
فيه دلالة على حجية خبر الواحد فى مسائل الاعتقاد؛ لأنه قوله " بنبأ ":
يعم ما كان فى أمر الأصول وما كان في الفروع.
٤ - قَال تعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]
فأمر من لم يعلم أن يسأل أهل الذكر، وهم أولو الكتاب والعلم، ولولا أن أخبارهم تفيد العلم لم يأمر بسؤال من لا يفيد خبره علمًا، وهو سبحانه لم يقل سلوا عدد التواتر، بل أمر بسؤال أهل الذكر مطلقًا، فلو كان واحد لكان سؤاله وجوابه كافيًا. (^٢)
* ومن أدلة السنة:
١ - ما تواتر من فعل النبي - صلى الله ﵇- أنه كان يبعث بآحاد أصحابه - ﵃- إلى الملوك ليدعوهم إلى دين الإسلام، ومن ذلك:
أ - ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب " كتاب أخبار الآحاد"، باب
"باب ما كان يبعث النبي - ﷺ - من الأمراء والرسل، واحدًا بعد واحد "، ثم قال البخاري:
"وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: بَعَثَ
_________________
(١) تيسير الوصول إلى منهاج الأصول (٤/ ٣٠٨)
(٢) وانظر مختصر الصواعق المرسلة (ص/٥٧٨) وقدوم كتائب الجهاد لغزو أهل الإلحاد القائلين بعدم الأخذ بحديث الآحاد فى مسائل الاعتقاد (ص/١٢٦)
[ ٢ / ٩٦٧ ]
النَّبِيُّ - ﷺ - دِحْيَةَ الكَلْبِيَّ بِكِتَابِهِ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى قَيْصَرَ". (^١)
وعن ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى، مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى. (^٢)
وعن عبد الرحمن بن حاطب أن رسول الله - ﷺ - بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية. (^٣)
فهذه أدلة قاطِعة على أنَّ العقيدة تَثْبُت بخبر الواحد، وتقوم به الحجَّة على الناس، وإلا لما اكتفى النبي - ﷺ - بإرسال آحاد الصحابة ﵃، ولأرسل معه من يَتواتر به النقل.
قال ابن حزم:
وبعثه هؤلاء الرسل مشهورة بلا خلاف، منقولة نقل الكواف، فقد ألزم النبي - ﷺ - كل ملك ورعيته قبول ما أخبرهم به الرسول الموجَّه نحوهم من شرائع دينهم. (^٤)
* وفى حديث الباب ما يدل على حجية ذلك:
١ - فقد بعث الرسول -ﷺمعاذ بن جبل -﵁ - إلى اليمن داعيًا أهلها إلى أصل الاعتقاد، الذى هو الشهادتان.
قال الشافعي:
ومن زعم أن الحجة لا تثبت بخبر المخبر الصادق عند من أخبره فما يقول في معاذ -﵁- إذ بعثه رسول الله - ﷺ - إلى اليمن واليًا، ومحاربًا من خالفه، ودعا قومًا لم يلقوا النبي - ﷺ - إلى أخذ الصدقة منهم وغيرها؟ (^٥)
٢ - قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍرضي الله عنه- سمعت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُول:
«نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ
هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ
_________________
(١) قال ابن حجر في التغليق (٥/ ٣١٧): أسنده المؤلف في " العلم "، وفي "المغازي ".
(٢) أخرجه البخاري (٤٤٢٤) ومسلم (١٧٧٤)، واللفظ للبخاري.
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٢٦٠) وابن حجر في" الإصابة " (١/ ٣٠٠)، وسنده حسن، وانظر " صحيح السيرة النبوية " للعلي (ص/٣٨٥) وعيون الأثر في فنون المغازي والسير (٢/ ٣٣٣)
(٤) وانظر الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٥٢) والأراء الشاذة فى أصول الفقه (١/ ٤١٦)
(٥) كتاب اختلاف الحديث بهامش الأم (١٠/ ١٢)
[ ٢ / ٩٦٨ ]
لَيْسَ بِفَقِيهٍ». (^١)
قال الشافعي:
فلما ندب رسول الله -ﷺ- إلى استماع مقالته وحفظها، وأدائها امرأً يؤديها، والامرؤ واحد، دل على أنه لا يأمر أن يُؤدَّى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه. (^٢)
٣ - عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ -﵁- قَالَ:
أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ - رَحِيمًا رَقِيقًا، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، فَسَأَلَنَا عَنْ مَنْ تَرَكْنَا مِنْ أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ:
«ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ، وَمُرُوهُمْ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (^٣)
فقد أمر الرسول - ﷺ - كل واحد من هؤلاء الشببة أن يعلم كل واحد منهم أهله، والتعليم يعم العقيدة، بل هي أول ما يدخل في العموم فلو لم يكن خبر الآحاد تقوم به الحجة لم يكن لهذا الأمر معنى.
*الإجماع:
قال ابن عبد البر:
وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعًا ودينًا في معتقده، على ذلك جميع أهل السنة. (^٤)
وقد علَّق أبو العباس ابن تيمية تعليقًا لطيفًا على تقرير ابن عبد البر بما يشبه هذا السؤال فقال:
هذا الإجماع الذي ذكره - أي في قبول خبر الواحد العدل في الاعتقادات - يؤيد قول من يقول:
إنه يوجب العلم، وإلا فما لا يفيد علمًا ولا عملًا كيف يجعل شرعًا ودينًا، يوالى عليه ويعادى؟! (^٥)
قال أبو المظفر السمعاني:
إن الخبر إذا صح عن رسول الله - ﷺ - ورواه الثقات والأئمة، وأسندوه خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله - ﷺ - وتلقته الأمة بالقبول، فإنه
_________________
(١) أخرجه الترمذىي (٢٦٥٦) وقال: حديث حسن.
(٢) الرسالة (ص/٣٢٦)
(٣) متفق عليه.
(٤) التمهيد (١/ ١٥)
(٥) المسودة (١/ ٤٩٢)
[ ٢ / ٩٦٩ ]
يوجب العلم فيما سبيله العلم، وهذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة. (^١) قال ابن القيم:
أجمع أهل الإسلام على رواية الأحاديث في صفات الله - تعالى- وفي مسائل القدر والرؤية وأصول الإيمان والشفاعة والحوض وإخراج الموحدين من المذنبين من
النار، فإذا قلنا خبر الواحد لا يجوز أن يوجب العلم، حملنا أمر الأمة في نقل هذه الأخبار على الخطأ. (^٢)
والناظر فى كتب أصحاب الصحاح وغيرها يراهم قد أثبتوا في مصنفاتهم وكتبهم أحاديث الآحاد معتقدين موجبها على ما يليق بجلال الله تعالى.
فمن نظر في كتب المحدِّثين الأعلام، كالبخاري ومسلم وأبي داود وأحمد وابن خزيمة، علم يقينًا أن مذهبهم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد.
* المخالفون لأهل السنة فى هذا الباب:
قد خالف فى ذلك المعتزلة فلم يقبلوا خبر الآحاد في العقائد، وتابعهم عليه الأشاعرة والماتردية وجمهور المتكلمين.
فقالوا بعدم حجية خبر الواحد فى أبواب الاعتقاد، وذهبوا إلى القول بأن مسائل الاعتقاد لا تثبت إلا بما تواتر نقله، وأن أحاديث الآحاد لا تفيد اليقين والقطع، والعقائد لا تبنى إلا على اليقين، والله - جل وعلا- قد ذم في كتابه الآخذين بالظن والمتبعين له.
* نقول:
ولا شك أن هذا القول من محدثات الأمور؛ إذ أن الإجماعات التى
_________________
(١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٢٨)
(٢) مختصر الصواعق المرسلة (ص/٥٥٩) ومن عجيب القول ما ادَّعاه الشيخ محمود شلتوت في " الفتاوى " (ص/٥٤) أن العلماء قد أجمعوا على أن أحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة، وأنه لا يصح الاعتماد عليها في شأن المغيَّبات"!! وهذا الذي ادعاه إنما هو مذهب جماعة من المتكلمين، وبعض من سار على نهجهم من المتأخرين. والحق أن دعوى الإجماع ليست صحيحة؛ فقد خالفهم كثير من العلماء المحققين والأئمة المرضيين. وقد رد عليه جماعة من العلماء منهم الشيخ مصطفى صبري في كتابه القيّم (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين) والشيخ محمد الكوثري في كتابه (نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى - ﵇ - قبل الآخرة)
[ ٢ / ٩٧٠ ]
اللوازم الباطلة لرد خبر الآحاد في مسائل الاعتقاد
تتابعت من أهل العلم على حجية خبر الواحد لم تفرق في حجيته بين اعتقاد وعمل.
وقد جعل ابن القيم هذا القول المحدث أحد طواغيت أهل البدع، فقال:
الطواغيت الأربع التي هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين، وانتهكوا بها حرمة القرآن، ومحوا بها رسوم الإيمان: ومنها قولهم:
" إن أخبار رسول الله - ﷺ - الصحيحة التي رواها العدول وتلقتها الأمة بالقبول لا تفيد العلم، وغايتها أن تفيد الظن ". (^١)
قال ابن عبد البر:
أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة -﵃- إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع شرذمة لا تعد خلافًا. (^٢)
* فرع: اللوازم الباطلة لهذا القول:
١ - قد انبنى على ذلك القول الفاسد رد الكثير من أصول ومسائل الاعتقاد، وإن شئت فقل إن العكس هو الصواب؛ وذلك لأن أهل البدع لما خالفت مسائل الاعتقاد وأصولها أهواءهم فقدعمدوا إلى ردها بأدنى الحيل الفاسدة المخترعة، والتى منها الزعم بعدم قبول مسائل الاعتقاد إلا إذا كانت متواترة النقل. (^٣)
وقد أبان الإمام السمعاني أصل تشغيب أهل البدع فى هذه القضية فقال:
قولهم إن أخبار الآحاد لا تقبل فيما طريقه العلم هذا رأس شغب المبتدعة في رد الأخبار، وهو شيء اخترعته القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار، وتلقفه منهم بعض
_________________
(١) الصواعق المرسلة (٢/ ٦٣٢)
(٢) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١/ ١١)
(٣) ومن أمثلة ذلك ما ادعاه القاضي عبد الجبار في "شرح الأصول الخمسة" (ص/٦٩٠) من إنكار الشفاعة لأهل الكبائر، بدعوى أن قوله ﷺ: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، منقول بنقل الآحاد، فلا يتحج به!! ونظيره أيضًا: قول الشيخ محمود شلتوت فى "الفتاوى " (ص/٥٢) بانكار نزول المسيح -﵇- آخر الزمان، بزعم أن الأثار الواردة فى ذلك من أخبار الآحاد التى لا ينبنى عليها مسائل الاعتقاد!!
[ ٢ / ٩٧١ ]
الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول. (^١)
٢ - يحدث البلبلة فى الدين، والتفريق بين المتماثلين فى الشرائع:
ومثال ذلك:
ما روى أَبو هُرَيْرَةَ﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدْعُو وَيَقُولُ:
" اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ ". (^٢)
فهذا الحديث يشتمل على عقائد وعلى أحكام، وهو حديث آحاد، فهل على قولكم نقبل به فى الأحكام فنتعوذ من الأربع، ولا نقبل به فى العقائد فلا نؤمن بالدجال ولا بعذاب القبر؟!
٣ - فى التفريق فى قبول خبر الواحد بين الاعتقاد والعمل مخالفة لجمهور الصحابة ﵃:
وذلك أن القائلين بإفادة خبر الآحاد للعلم، والقائلين بإفادته للظن اتفقوا على نقل إجماع الصحابة -﵃- والتابعين على العمل به، ولم يرد عن أحد منهم أن أحدًا من الصحابة -﵃- منع الاستدلال بخبر الواحد العدل في العقائد لكونه لا يفيد إلا الظن، وأن العقائد لا يحتج فيها إلا بما يفيد القطع.
بل الوارد عنهم قبول الخبر متى صح مطلقًا، وتخصيص ذلك بالأحكام دون العقائد يحتاج إلى دليل من: كتاب، أو سنة، أو إجماع قطعي. (^٣)
٤ - يستلزم أن تكون أحاديث الآحاد في الاعتقاد حجة على الصحابة -﵃- فقط دون غيرهم؛ إذ أنهم أخذوا عن النبي -ﷺ - المعصوم الذي لا يجري عليه الخطأ ولا النسيان، وأما من جاء بعده فلن يقبل قوله، ولو كان صحابيًا؛ لكونه منقولًا بنقل الآحاد.
٤ - إسقاط رؤوس الأبواب العقدية التي هي من أصول الدين بدعوى أنها منقولة بنقل الآحاد،
_________________
(١) الانتصار لأصحاب الحديث (ص/٣٥)
(٢) متفق عليه.
(٣) خبر الواحد وحجيته (ص/٢٠٤)
[ ٢ / ٩٧٢ ]
ومن ذلك:
أحاديث الشفاعة العظمى للرسول -ﷺ-، وشفاعته لأصحاب الكبائر.
أحاديث أفضلية الرسول -ﷺ- على جميع الأنبياء، ومعجزاته الواردة في السنة.
أحاديث العشرة المبشرين بالجنة، وأحاديث بدء الخلق والجنة والنار، ووصف الجن والملائكة وأشراط الساعة.
* ثم نتنزل فنقول:
إن أحاديث الاعتقاد لو سُلم أنها أخبار آحادٍ؛ لكن لا نسلم أنها ظنيةٌ لا تفيد اليقين ولا
تثبت بها العقيدة؛ لأنها ليست أخبار آحادٍ مجردةً من قرائن الصحة، بل هي محتفة بالقرائن؛ ومن المقرر عند جماهير أهل العلم أن أخبار الآحاد المحتفة بقرائن الصحة
مفيدة للعلم اليقيني النظري. (^١)
وقد صرح بهذا كبار أئمة الأمة، وكثيرٌ من أئمة الماتريدية والأشعرية والمعتزلة.
*ومثال القرائن التى تحتف بالخبر فتجعله مفيدًا للعلم: أن تتلقاه الأمة بالقبول:
قال أبو العباس ابن تيمية:
جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن " خبر الواحد " إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقا له أو عملا به أنه يوجب العلم. (^٢)
قال الشيخ محمد بن العثيمين:
جوابنا على من يرى أن أحاديث الآحاد لا تثبت بها العقيدة لأنها تفيد الظن، والظن لا تبنى عليه العقيدة أن نقول:
هذا رأي غير صواب لأنه مبني على غير صواب وذلك من عدة وجوه:
١. القول بأن حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن ليس على إطلاقه، بل في أخبار الآحاد ما يفيد اليقين إذا دلت القرائن على صدقه، كما إذا تلقته الأمة بالقبول:
مثل حديث عمر
_________________
(١) وانظر جمع الجوامع مع شرح للجلال المحلي (٢/ ١٣٠) والإبهاج في شرح المنهاج (٢/ ١٠٢) * تنبيه مهم: لم يقل أحد من العلماء إن حديث الآحاد حجة بنفسه في العقائد والأحكام سوى القلة القليلة، وعلى رأسهم ابن حزم من الأقدمين والألباني من المعاصرين، وهو قول مخالف لما عليه جمهور العلماء. وعامة العلماء الذين قالوا بوجوب أخذ حديث الآحاد في الاعتقاد يشترطون أن يحتفي بالقرائن، أي أن تجتمع معه قرينة تنقله إلى درجة اليقين، أي أنه بنفسه يفيد الظن ولا يفيد اليقين.
(٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٥١)
[ ٢ / ٩٧٣ ]
التناقض البين عند القوم في رد خبر الآحاد
بن الخطاب ﵁ " إنما الأعمال بالنيات "، فإنه خبر آحاد ومع ذلك فإننا نعلم أن النبي - ﷺ - قاله، وهذا ما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر وغيرهما.
٢. أن النبي - ﷺ- يرسل الآحاد بأصول العقيدة شهادة " أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله "، وإرساله حجة ملزمة، كما بعث معاذًا إلى اليمن واعتبر بعثه حجة ملزمة لأهل اليمن بقبوله.
٣. إذا قلنا بأن العقيدة لا تثبت بأخبار الآحاد أمكن أن يقال:
والأحكام العملية لا تثبت بأخبار الآحاد؛ لأن الأحكام العملية يصحبها عقيدة أن الله - تعالى- أمر بهذا أو نهى عن هذا، وإذا قبل هذا القول تعطل كثير من أحكام الشريعة، وإذا رد هذا القول فليرد القول بأن العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد إذ لا فرق.
٤. أن الله - تعالى- أمر بالرجوع إلى قول أهل العلم لمن كان جاهلًا فيما هو من أعظم مسائل العقيدة وهي الرسالة فقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) (النحل: ٤٣ - ٤٤). وهذا يشمل سؤال الواحد والمتعدد. (^١)
*ولوسلمنا أيضا أنها لا تفيد اليقين ولا تفيد إلا العمل فقط، لكن لا نسلم أن لفظ "العمل" مقصور بعمل الجوارح فقط، بل المراد من "العمل" أعم من "عمل الجوارح" فيشمل "عمل القلب"، فيصح الاحتجاج بخبر الواحد في باب الاعتقاد؛ لأنه من "عمل القلب "، فكيف يصح إبعاد أخبار الآحاد عن حيز الاحتجاج بها في باب العقيدة؟!
* ومن التناقض البيِّن عند القوم فى هذه القضية أمور:
١ - الأمر الأول:
ردهم لخبر الآحاد فى أبواب الاعتقاد بزعم أن جميعها يفيد الظن، ثم تراهم يبنون الكثير من عقائدهم على أخبار آحاد:
- فترى أصحاب القدر يستدلون بقول النبي ﷺ:
"مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ ". (^٢)،
_________________
(١) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (١/ ٣٢)
(٢) متفق عليه.
[ ٢ / ٩٧٤ ]
وبقوله ﷺ:
" إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَأَضَلَّتْهُمْ عَنْ دِينِهِم" (^١)
- وترى أهل الإرجاء يستدلون بقوله ﷺ:
أن جِبْرِيل - ﵇ - قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ؟، وَإِنْ زَنَى؟، قَالَ: نَعَمْ ". (^٢)
-وترى الرافضة يستدلون بقوله ﷺ:
" يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ". (^٣)
- وترى الخوارج يستدلون بقوله ﷺ:
«سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (^٤)، وقوله ﷺ:
«لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، (^٥)، إلى غير هذا من الأحاديث التي يستدل بها أهل الفرق.
قال أبو المظفر السمعاني:
ولو أنصفت الفرق من الأمة لأقروا بأن خبر الواحد يوجب العلم؛ فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد. (^٦)
٢ - الأمر الثاني:
الزعم أن مسائل الاعتقاد لا تثبت إلا بما كان قطعيًا بالنقل المتواتر، ثم تراهم يردُّون الكثير من الأصول العقدية المتواترة النقل بشبهات واهية.
ومثال ذلك:
أحاديث الرؤية، فقد رواها ما يزيد عن عشرين صحابيًا، ومع ذلك تراهم لا يقولون بها بزعم أنها مستلزمة لإثبات الحيز والجهة.
وعندها يتبين أن الأمر ليس المقصود فيه ما كان متواترًا أو آحادًا، إنما هو الهوى
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٨٦٥) وأحمد (١٧٥١٩)
(٢) متفق عليه.
(٣) متفق عليه.
(٤) متفق عليه.
(٥) متفق عليه.
(٦) الانتصار لأصحاب الحديث (ص/٣٥)
[ ٢ / ٩٧٥ ]
المحض، فى قبول ما وافق العقل ولو كان بنقل الآحاد، ورد ما خالف العقل -زعموا - ولو كان متواتر النقل.
٣ - الأمر الثالث:
أن الأدلة التي يُستدل بها على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في الأحكام العملية هي أدلة على وجوب الأخذ بها في الأحكام العلمية؛ لعمومها وشمولها لكل ما جاء به رسول الله -ﷺ- عن ربه، سواء كان عقيدة أم حكمة، فتخصيص هذه الأدلة بالأحكام دون العقائد تخصيص بدون مخصص، ذلك باطل، وما لزم منه باطل فهو باطل. (^١)
تم بحمد الله.
_________________
(١) تيسير الوصول إلى معاقد الفصول (ص/١٠٦)
[ ٢ / ٩٧٦ ]