[ ٢ / ٩٠٥ ]
*نص حديث الباب:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ:
جَاءَ حَبْرٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَوْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ
إِنَّ اللهَ - تَعَالَى - يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ.
قال ابن مسعود:
فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ»: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] إِلَى قَوْلِهِ ﴿يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]
- تخريج الحديث:
أخرجه البخارى (٤٨١١)، باب قوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الأنعام: ٩١] ومسلم (٢٧٨٦) كتاب صفة القيامة والجنة والنار.
.
* أهم الفوائد المستنبطة من حديث الباب:
قد دل حديث الباب على إثبات صفة من صفات الله - تعالى - الخبرية، وهى صفة الأصابع، فهى صفة ثابته بالسنة وإجماع الأمة، على ما يليق بالله -عزوجل- من غير تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف ولا تفويض.
- ووجه الشاهد من حديث الباب:
فى قول ابن مسعود ﵁:
" فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ "
- ووجه الدلالة:
قد روت عَائِشَةَ - ﵂- أن رَسُول اللَّهِ - ﷺ - مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي
[ ٢ / ٩٠٧ ]
أدلة إثبات صفة اليدين لله ﷿
شَيْءٍ قَطُّ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ، فلما بيَّن ابن مسعود -﵁- أنه ﷺ ضْحَك تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِ اليهودى
كان هذا منه إقرارًا بثبوت صفة الأصابع لله تعالى.
* ومما يؤيد ثبوت صفة الأصابع لله عزوجل:
عن عَبْد اللهِ بْنَ عَمْرِو -﵄- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ- يَقُولُ:
«إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ». (^١)
*وكذلك مما ثبت لله عزوجل فى هذا الباب صفة اليدين:
أدلة الكتاب:
١ - قال تعالى (قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (٧٥)] ص: ٧٥ [
وجه الدلاله من الآية:
أضاف الله تعالى صفه اليدين إلى نفسه إضافة صفة إلى موصوف، فدل أنها صفه لله تعالى.
٢ - قال تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) (٧١» (يس/٧١)
٣ - قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» الفتح/ ١٠)
وجه الدلالة من هذه الآيات:
أضاف الله - تعالى -صفه اليدين إلى نفسه إضافة صفة إلى موصوف، فدل أنها صفه لله تعالى.
وقال تعالى) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ قال) (المائدة /٦٤)
وجه الدلالة:
أن الله - تعالى - قد أنكر على اليهود زعمهم بأن يده مغلولة، ولم ينكر عليهم إثباتهم لأصل صفة اليد لله عزوجل.
*أما أدلة السنة:
فقد بلغت بعض الأحاديث درجة التواتر المعنوي في إثبات صفة اليدين.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٥٤)
[ ٢ / ٩٠٨ ]
١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَرَأَ هَذِهِ - الْآيَةَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ:
﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ- يَقُولُ هَكَذَا بِيَدِهِ، وَيُحَرِّكُهَا، يُقْبِلُ بِهَا وَيُدْبِرُ:
" يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ:
أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْعَزِيزُ، أَنَا الْكَرِيمُ " فَرَجَفَ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - الْمِنْبَرُ حَتَّى قُلْنَا: لَيَخِرَّنَّ بِهِ " (^١)
٢ - وعَنْ أَنَسٍرضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
" يَجْمَعُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ، أَمَا تَرَى النَّاسَ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ. (^٢)
٣ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ القِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلًا لِأَهْلِ الجَنَّةِ». (^٣)
٤ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - ﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ- قَالَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: " يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. (^٤)
٥ - وقد روى أصحاب الصحيح أن رَسُول اللَّهِ - ﷺ - كثيرًا ما كان يقسم بقوله " " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ".
* الإجماع:
قال أبو بكر الإسماعيلي:
اعلموا - رحمكم الله - أن مذاهب أهل الحديث يعتقدون بأن الله مدعو بأسمائه الحسنى، وموصوف بصفاته التي وصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه، خلق آدم بيديه، ويداه مبسوطتان، بلا اعتقاد كيف. (^٥)
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) متفق عليه.
(٣) متفق عليه.
(٤) متفق عليه.
(٥) سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٣٩)
[ ٢ / ٩٠٩ ]
إثبات الأنامل والكف واليمين لله ﷿
وممن نقل الإجماع على ذلك:
أبو العباس ابن تيمية وأبو الحسن الأشعرى وأبو العباس ابن سريج والآجري والسجزى. (^١)
* معتقد أهل السنة والجماعة بأن لله-تعالى- يدين اثنتين:
قال أبو الحسن الأشعري:
وأجمعوا على أنه ﷿ يسمع ويرى، وأنَّ له تعالى يدين مبسوطتين.
وممن نقل هذا الإجماع:
أبو زيد القيرواني وابن القطان. (^٢)
* ومما ثبت لله -تعالى- فى هذا الباب: إثبات الأنامل:
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁ - قَالَ:
أن رَسُول اللَّهِ - ﷺ- قال:
نَعَسْتُ فِي صَلَاتِي فَاسْتَثْقَلْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي ﵎ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ، قَالَهَا ثَلَاثًا " قَالَ: " فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ. (^٣)
قال ابن منده:
روي هذا الحديث عن عشرة من أصحاب النبي ﷺ، ونقلها عنهم أئمة البلاد، من أهل الشرق والغرب. (^٤)
* ومما ثبت لله -تعالى- فى هذا الباب: إثبات الكف لله عزوجل:
عن أبى هُرَيْرَة -﵁ - قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
"مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ
_________________
(١) وانظر مجموع الفتاوى (٤/ ١٧٤) ورسالة إلى أهل الثغر (ص/٧٢) والعلو للذهبى (٢/ ١٢١٦) والشريعة (٣/ ١١٧٨)
(٢) رسالة إلى أهل الثغر (ص/ ٢٢٥) الجامع في السنن (ص/ ١٠٧) والإقناع في مسائل الإجماع (ص/٨٩)
(٣) أخرجه أحمد (٢٢١٠٩) والترمذى (٣٢٣٥) وقال الترمذى: «هذا حديث حسن صحيح»، سألت محمد بن إسماعيل، عن هذا الحديث، فقال: «هذا حديث حسن صحيح».
(٤) الرد على الجهمية (ص/٢٢٧)
[ ٢ / ٩١٠ ]
هل لله - تعالى- شمال؟ مع بيان الراجح فى ذلك
الْجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ ". (^١)
* ومما ثبت لله -تعالى- فى هذا الباب: إثبات اليمين لله عزوجل:
قال تعالى (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧» (الزمر/٦٧)
عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَرضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
" يَطْوِي اللهُ ﷿ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ:
أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ. ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ". (^٢)
*سؤال: هل لله - تعالى- شمال؟
الجواب:
روى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ -﵄ - أن النبى - ﷺ - قال: " يَطْوِي اللهُ ﷿ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ:
أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ. ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ " (^٣)
* وذهب فريق من العلماء إلى عدم جواز إطلاق لفظة "الشمال" فى حق الله، ومن هؤلاء:
ابن خزيمة والخطابى والبيهقى، وذهبوا إلى تضعيف لفظة " الشمال " من ناحية السند والمتن. (^٤)
أ) من ناحية السند:
أن ذكر الشمال قد تفرد به عمر بن حمزة عن سالم، وقد روى هذا الحديث نافع وعبيد الله بن مقسم عن ابن عمر، لم يذكرا فيه الشمال،
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٠١٤) ومالك فى الموطأ (٣٦٥١) وأحمد (٩٤٢٣) قوله ﷺ: «فصيله» أي: ولد الناقة المفصول عن رضاعتها؛ «يربيها» أي: ينميها لصالح بها بمضاعفة الأجر. وقوله: «فلوه» أي: مهره.
(٢) أخرجه مسلم (١٨٢٧).
(٣) رواه مسلم (٢٧٨٨)
(٤) الأسماء والصفات للبيهقي (ص/٣٤١) وأعلام الحديث للخطابي (٤/ ٢٣٤٦)
[ ٢ / ٩١١ ]
ورواه أبو هريرة - ﵁ - وغيره عن النبي - ﷺ - فلم يذكر فيه أحد منهم الشمال، ب) من ناحية المتن:
أنه قد صح عن النبي - ﷺ- أنه قال: " وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ " (^١) وممن نص على ذلك ابن خزيمة فى كتاب التوحيد (ص/٦٦)
* والراجح -والله أعلم - هو إثبات لفظة "الشمال "، وهو قول ابن جرير والدارمى وأبى يعلى؛ وذلك لورود ذلك فى الصحيح. (^٢)
* ومما يؤيد ذلك:
ما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- قَالَ:
" يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَقَالَ: عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ " (^٣)
فقوله: " وَبِيَدِهِ الأُخْرَى"، بعد أن ذكر اليمين يدل على أنها الأخرى ليست يمينًا من ناحية الإسم.
*وأما ما ورد من قوله ﷺ: "كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ ":
فالمراد به أن يديه - ﷾ - الثنتين من حيث الوصف، لا من حيث الاسم، فهما من حيث الوصف يمين مباركة، فيهما بركة فى العطاء والإنفاق والجود والسخاء، فلا نقص قد يتوهم فى شماله -عزوجل- كما هو حاصل في شمائل البشر.
ولذا فجاء النص بقوله ﷺ: " كلتا يديه يمين "؛ لئلا يتوهم نقص في صفة الله تعالى، فإن الشمال في حقنا أضعف من اليمين وأنقص.
*يؤيده:
ما ورد عن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
" لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، قَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ ". (^٤)
_________________
(١) رواه مسلم (١٨٢٧)
(٢) وانظر نقض الدارمى على المريسي (ص/ ١٥٥) وإبطال التأويلات لأبى يعلى (ص/ ١٧٦)؛
(٣) متفق عليه.
(٤) أخرجه الترمذى (٣٣٦٨) والحاكم (١/ ٦٤) وصحَّحَه الحاكم.
[ ٢ / ٩١٢ ]
فقوله: " وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ ":
يدل على أن تسمية اليدين باليمين متعلق بحصول البركة والخير فى كليهما. وقد كانت العرب تحب التيامن، وتكره التياسر، لما في اليمين من التمام، وفي اليسار من النقص ولذلك قالوا: "اليمن والشؤم".
فإذا كانت اليدان يمينين، كان العطاء بهما، أي تصب العطاء ولا ينقصها ذلك. ووصف اليدين بأن كلتيهما يمين لا يعني عند العرب أن الأخرى ليست يسارًا، بل قد يوصف الإنسان بأن يديه كلتيهما يمين، كما قال المرَّار:
وإِنَّ عَلَى الأمانَةِ مِنْ عَقِيلٍ فَتىً كِلْتَا اليدَيْنِ لَهُ يَمِينَ. (^١)
ولا يعني أن لا شمال له، بل هو من كرمه وعطائه شماله كيَمِينه.
قال أبو العباس ابن تيمية:
قال غير واحد من العلماء لما كانت صفات المخلوقين متضمنة للنقص فكانت يسار أحدهم ناقصة في القوة ناقصة في الفعل بيَّن النبي - ﷺ - أن كلتا يمين الرب مباركة ليس فيها نقص ولا عيب بوجه من الوجوه، كما في صفات المخلوقين، مع أن اليمين أفضلهما. (^٢)
وقال الشيخ محمد خليل هرَّاس:
يظهر أنَّ المنع من إطلاق اليسار على الله ﷿ إنما هو على جهة التأدب فقط؛ فإنَّ إثبات اليَمِين وإسناد بعض الشؤون إليها كما في قوله تعالى: وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، وكما في قوله ﵇: " إنَّ يَمِين الله ملأى سحاء الليل والنهار"، يدل على أنَّ اليد الأخرى المقابلة لها ليست يَمِينًا. (^٣)
* تنبيه مهم:
قول ابن خزيمة: ولا يسار لخالقنا ﷿، إذ اليسار من صفة المخلوقين، فجل ربنا عن أن يكون له يسار! (^٤)
نقول: والتعليل بهذا فيه نظر؛ إذ أننا لو طردنا مثل هذه القاعدة فى صفات الله -عزوجل -
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث (ص/٢٤٧)
(٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٩٢)
(٣) ذكره فى تعليقه على (كتاب التوحيد) لابن خزيمة (ص/٦٦)
(٤) التوحيد (ص/٦٦)
[ ٢ / ٩١٣ ]
شبهات المخالفين في تحريفهم لليد أنها النعمة أو القدرة، والرد على ذلك
لاستوجب ذلك نفى صفات: " العين والوجه والساق واليد.. " بدعوى أنها من صفات المخلوقين، ولكنَّ مدار الإثبات والنفى لا يقوم على مثل هذا
التعليل، وإنما مداره على ثبوت الدليل، فإذا ثبت الدليل فى صفة ما توهم تشبيهًا فالقول بها فرضٌ مُحتَّم، ثم بعد ذلك يلزم الرجوع إلى قبلة هذا الباب التى ورد بها محكم التنزيل فى قوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١» (الشورى/١١)
* المخالفون لأهل السنة والجماعة في إثبات صفة اليدين:
قد خالف المعتزلة وكثير من الأشعرية والماتريدية أهل السنة فى إثبات صفة اليد لله عزوجل، فقالوا:
إن اليد بمعنى القدرة، وأحيانًا يفسرونها بمعنى النعمة!!
وقد نص على ذلك القاضى عبد الجبار، ونص التلمسانى على أن أكثر أئمة الأشعرية على تفسير اليدين بالقدرة. (^١)
ومنهم من أوَّل اليدين على أنهما القدرة والنعمة، كما هو قول الرازى، بل ومن غرائب التأويلات ما ذهب إليه السنوسي فى تفسير قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فجعل المراد بالتثنية فى الأية هى القدرة والنعمة، وأن إبليس قد خُلق بيد القدرة، دون يد النعمة!! (^٢)
ولم يقف الأمرعند ذلك، بل قام الأشاعرة ومن على نحلتهم يرمون المثبتين لها من أهل السنة بأنهم حشوية مجسمة، كما نص على ذلك البيجورى وغيره!!
يقول ابن جزى:
وورد في القرآن والحديث ألفاظ يوهم ظاهرها التشبيه، كقوله
_________________
(١) وانظر شرح الأصول الخمسة (ص/٢٢٨) وبغية الطالب (ص/٢٧٥) وتحفة المريد (ص/١٣٢) وأبكار الأفكار (١/ ٣٥٩) *ومن التأويل المذموم قول السيوطى عند قوله تعالى ﴿وما قدروا الله حق قدره): (ما عرفوه حق معرفته، أو ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره، ﴿والأرض جميعا﴾ حال؛ أي: السبع؛ ﴿قبضته﴾ أي: مقبوضة له: أي: في ملكه وتصرفه!!! ﴿يوم القيامة والسماوات مطويات﴾ مجموعات؛ ﴿بيمينه﴾ بقدرته!!! تفسير الجلالين (ص/١٧٧)
(٢) وانظر أساس التقديس (ص/١٠٤) وشرح الوسطى (ص/٢٧٥) ومشكل الحديث وبيانه (ص/٤٣٧)
[ ٢ / ٩١٤ ]
تعالى (بل يداه مبسوطتان) فحملها قوم على ظاهرها فلزمهم التجسيم، ويعزى ذلك إلى الحنبلية وبعض المحدثين!! (^١)
* وقد دلل الأشاعرة على ما ذهبوا إليه من تأويلاتهم بما يلى:
أ- قالوا اليد هى القدرة:
فالعرب تقول " ما لي بهذا الأمر من يد "، أي من قوة وطاقة، قال تعالى " (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) [البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى عن أنبيائه (أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥» [ص: ٤٥]
ب) وقالوا اليد هى النعمة:
فالعرب تقول: " لفلان عندي يد أشكره عليها " أى نعمة، ويقال " أيادي فلان في حق فلان ظاهرة " والمراد النعم. (^٢)
* الرد على المخالف:
فأما الأشاعرة فقد خالفوا فيما ذهبوا إليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
بل قد خالفوا أئمتهم من كبار الأشاعرة الذين أثبتوا الصفات الخبرية لله عزوجل، ومنها اليد لله عزوجل.
قال الباقلانى:
وقد بيَّنا دين الأئمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف ولا تحديد ولا تجنيس ولا تصوير، كما روي عن الزهري وعن مالك في الاستواء، فمن تجاوز هذا فقد تعدى وابتدع وضل. (^٣)
_________________
(١) القوانين الفقهية (ص/١٣)
(٢) وانظر مفاتيح الغيب (٢٦/ ٤١٢) وتحفة المريد (ص/١٥٧) ومتشابه القرآن للقاضى عبد الجبار (١/ ٢٣٠) والمنحة الإلهية فى أدلة الصفات الربانية (ص/٦١١)
(٣) وانظر العلو للعلى الغفار (ص/٢٥٩) ومنهاج السنة (١/ ٢٧٧) أبو بكر الباقلاني هو محمد بن الطيب بن محمد البصري ثم البغدادي القاضي المشهور بالباقلاني. ناظر النصارى والروافض والمعتزلة والخوارج فألجمهم.. وكان في ذلك آية.. يَعُده عدد من أهل العلم بالمؤسس الثاني لمذهب الأشاعرة، ونظرًا للبيئة التي عاش بها هذا الإمام فقد تأثر بأهل التأويل وعلم الكلام، وغرق معهم في بحر التحريف، ثم انتهى به الأمر إلى الرجوع إلى مذهب السلف، التأويلات التي يستعملها المؤولة. وله كتاب (الإبانة عن إبطال مذهب أهل الكفر والضلالة) وكتاب " التمهيد" نص فيهما على إثبات الكثير من الصفات الإلهية. وانظر موسوعة أهل السنة ١ (١/ ٤٤٥).
[ ٢ / ٩١٥ ]
وكذلك قد حكى التلمسانى في بغية الطالب (ص/٢٧٨) القول بإثبات صفة اليد عن ابن كلاب والقلانسي والجويني.
قال أبو المعالي:
ذهب بعض أئمتنا إلى أن اليد والعين والوجه صفات ثابتة للرب، والسبيل إلى إثباتها السمع دون قضية العقل. (^١)
*أما دعوى أن المراد باليد هى القدرة فمردود من أوجه:
١ - الوجه الأول:
قال تعالى (يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [ص: الأية ٧٥]
قد دل على تشريف وتكريم خُص به آدم - ﵇- دون غيره، وهذا التشريف لا يحصل إلا إذا كان قد خُلق بيد الله -تعالى- التى هى صفة من صفاته؛ إذ لو كانت اليد هى القدرة:
أ- لما تحقق هذا التكريم والتشريف لآدم ﵇؛ إذ أن الجميع مخلوق بقدرته تعالى.
ب- ولكانت الحجة لإبليس على ربه عزوجل؛ إذ أنه مخلوق بقدرة الله عزوجل، فلما حاد إبليس عن هذا الطريق إلى قوله (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)، دل ذلك أنه فهم أن آدم - ﵇- قد خُص بما لم يقع لغيره، وهو أنه خُلق بيد الله تعالى.
٢ - الوجه الثانى:
ما ورد عن أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- قَالَ: " يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَقَالَ: عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ " (^٢)
وفي هذا الحديث: إبطال لكل تأويل قيل في يد الله ﵎؛ لأنه ذكر اليمين
_________________
(١) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١/ ٢٢٣)
(٢) متفق عليه.
[ ٢ / ٩١٦ ]
وأنها ملأى لا يغيضها نفقة، ثم ذكر اليد الأخرى. فهل يقال: قدرته الأخرى أو قوته الأخرى؟!! (^١)
فإن قيل:
إنما أضيف ذلك إلى آدم ليوجب له تشريفا وتعظيما على إبليس، ومجرد النسبة في ذلك كاف في التشريف، كناقة الله، وبيت الله، فهذا كاف في التشريف، وإن كانت النوق والبيوت كلها لله؟
فالرد على ذلك:
التشريف بالنسبة إذا تجردت عن إضافة إلى صفة اقتضى مجرد التشريف، فأما النسبة إذا اقترنت بذكر صفة أوجب ذلك إثبات الصفة التي لولاها ما تمت النسبة، فإن قولنا: خلق الله الخلق بقدرته، لمَّا نُسب الفعل إلى تعلقه بصفة الله اقتضى ذلك إثبات الصفة، فكذلك هنا لما كان ذكر التخصيص مضافًا إلى صفة وجب إثبات تلك الصفة على وجه يليق بجلال الله وعظمته. (^٢)
٣ - الوجه الثالث:
لما أسندت بعض الأعمال إلى يد الله -عزوجل- على سبيل التشريف، كما فى قول موسى لآدم (خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ)، وقول آدم لموسى (كَتَبَ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ) دل ذلك على أنها يد حقيقية، فلو كانت اليد هى القدرة لم يكن لذكر هذه الفضائل فائدة؛ إذ أن كل شيء واقع ومتحقق بقدرة الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
*أما دعوى أن المراد باليد هى النعمة، فيقال:
قد قَالَ تعالى (يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (ص/٧٥)، فقد وردت اليد بصيغة التثنية، فيمتنع أن تكون على معنى النعمة، إذ أن نعم الله لا تحصى بعدد، قال تعالى (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل /١٨)
قال الميموني: قال الإمام أحمد: من زعم أن يديه: نعمتاه، كيف يصنع بقوله
﴿خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥]، مشددة؟! (^٣)
_________________
(١) تذكرة المؤتسي (ص/١٠٥)
(٢) لوامع الأنوار البهية (١/ ٢٣١)
(٣) إبطال التأويلات (١/ ١٦٩)
[ ٢ / ٩١٧ ]
قال أبو الحسن الأشعرى:
وإذا كان الله -﷿- إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوما في كلامها، ومعقولًا في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل:
فعلت بيدي، ويعني النعمة؛ بطل أن يكون معنى قوله تعالى: (بيدي) النعمة. (^١)
قال أبو العباس ابن تيمية:
فقوله: ﴿لما خلقت بيديَّ﴾ لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة واحدة ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد. ولا يجوز أن يراد به النعمة لأن نعم الله لا تحصى؛ فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية. (^٢)
*فإن قلتم:
قد ورد فى لغة العرب استعمال اليد بمعنى النعمة، كما فى قول عروة بن مسعود لأبي بكر﵁- في يوم الحديبية:
" أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ "
فجوابه من وجوه:
١ - نعم تستعمل اليد فى لغة العرب على معنى " النعمة"، وهذا من باب السَّببيَّة: وهي كون الشيء المنقول عنه سببًا، ومؤثرًا في غيره؛، فالمرء إنما يعطى الخير ويبذل العطاء بيده، ولكن لا يتصور إطلاق اليد ويراد بها النعمة إلا لمن كانت له يد على الحقيقة، كما أنه غير متصور أن يقال لشخص:
" اجعلنى بعينك "، ويقصد اجعلنى برعايتك، إلا إذا كان هذا الشخص ذا عينين حقيقيتين.
٢ - ما ورد من متعلقات ذكر اليد فى حق الله تعالى، من ذكر القبض والبسط والهز والأصابع والأنامل والكف، فمثل هذا لايكون إلا ليد على الحقيقة، على ما يليق به سبحانه.
_________________
(١) الإبانة عن أصول الديانة (ص/٩٨)
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦٥)
[ ٢ / ٩١٨ ]
قال عثمان بن سعيد الدارمي:
قد علمتَ أيها المريسي أن هذه تفاسير مقلوبة، خارجة من كل معقول لا يقبله إلا كل جهول.
فإذا ادعيت أن اليد عرفت في كلام العرب أنها نعمة، وقوة، قلنا لك: أجل، ولسنا بتفسيرها منك أجهل، غير أن تفسير ذلك يستبين في سياقة كلام المتكلم حتى لا يحتاج له من مثلك إلى تفسير (^١)
*فترتب على ذلك:
أن القول بتأويل اليدين بالقدرتين أو النعمتين غير جائز، لأن التثنية في ﴿بِيَدَيّ﴾ يبطل القول بالتأويل؛ لأن التشديد تحقيق في التثنية، وتخصيص التثنية في نعم الله وقدرته ليس له معنى يصح، لأن قدرة الله واحدة لا حدود لها، ونعمه كثيرة لا تحصى، فلا يصح تأويل ﴿بِيَدَيّ﴾ بقدرتي أو بنعمتي، لعدم جواز انحصار قدرة الله ونعمه في عدد.
* كذلك مما يرد تأويل اليدين على معنى القدرة والنعمة:
١ - قوله تعالى عن آدم -﵇ - لمَّا ذكر خلقه (قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
إذا أضاف الفعل إلى الفاعل، وعدِّى الفعل إلى اليد بحرف الباء، كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فإنه نص في أنه فعل الفعل بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلت هذا بيديك، ويقال: هذا فعلته يداك؛ لأن مجرد قوله: فعلت، كافٍ في الإضافة إلى الفاعل، فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة، ولست تجد في كلام العرب ولا العجم إن شاء الله تعالى أن فصيحًا يقول: فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه، إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها. (^٢)
_________________
(١) نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد (ص/٣٩)
(٢) وانظرالرسالة المدنية (ص/١١) والتأويل خطورته وآثاره (ص/٥٢)
[ ٢ / ٩١٩ ]
٢ - ما ورد فى قول ابن عمر ﵄- لما قرأ النبى ﷺ (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)، قال ابن عمر:
" وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ- يَقُولُ هَكَذَا بِيَدِهِ، وَيُحَرِّكُهَا، يُقْبِلُ بِهَا وَيُدْبِرُ "، وفى رواية "ويقبض أصابعه ويبسطها ":
فقد أشار النبي -ﷺ - بيده قبضًا وبسطًا، والقدرة لا تقبض ولا تبسط، وكذا يقال فى النعمة.
فإشارته ﷺ أفادت تحقيق الصفة المذكورة، ودلت على أن يده - ﷾- صفة له على الحقيقة، على ما يليق به، دون أن يوجب ذلك لأصحابه -﵃- شبهة التمثيل.
قال ابن القيم:
ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مائة موضع مقرونًا بما يدل على أنها يد حقيقية، من الإمساك والطي والقبض والبسط، والخلق باليدين وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده، وكون المقسطين عن يمينه. (^١)
* وأما قولهم:
بالإمساك عن الأحاديث التى نصت على إثبات صفة اليدين، مع الإيمان بها، واعتقاد أن الظاهر منها غير مراد!! (^٢)
فجوابه:
نعم، يؤمن أهل السنة بصفات الله تعالى، وأما القول بأن الظاهر منها غير المراد ففيه تفصيل:
أ) فإن كان المقصود بالظاهر هنا هو إثبات الصفة على ما يليق بالله تعالى، فهذا القول - الذى هو أن الظاهر منها غير المراد - مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ فقد دلت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة على إثبات صفة اليدين لله تعالى، وأن ظاهرها مراد.
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسلة (ص/٤٠٥)
(٢) وقد نص القاضى عبد الجبار فى كتابه متشابه القرآن (ص/١٩) على أن أخذ نصوص الصفات على ظاهرها كفر. وانظرالمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٩/ ١٤٢) وكشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح (٥/ ٤)
[ ٢ / ٩٢٠ ]
ب) وإن كان المقصود بالظاهر هنا ما قد يفهم من إثبات الصفات لله -عزوجل- على نحو المشابهة لصفات المخلوقين فلا شك أننا ننفى ونرد هذا الظاهر، مع إثبات أصل الصفة لله -تعالى-على ما يليق به، فلا يحملنا هذا الظاهر الفاسد على نفى الصفات، كما هى طريقة النفاة. (^١)
* وأما قولكم: " واعتقاد أن الظاهر منها غير مراد "!!
فهذا مما يخالف إجماع الأمة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
بلغك أن في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ، أو عن أحد من أئمة المسلمين: أنهم قالوا: المراد باليد خلاف ظاهره، أو الظاهر غير مراد. (^٢)
قال الذهبي:
المتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولَّدة، ما علمت أحدًا سبقهم بها.
قالوا: هذه الصفات تمر كما جاءت ولا تؤول، مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد. (^٣)
لقد كان السلف يعلمون معاني الصفات، ويفرِّقون بينها، بحسب ما دلت عليه مما تعرفه العرب في لسانها، فالعلم غير الحياة، والإتيان غير الإستواء على العرش، واليد غير الوجه، وهكذا سائر الصفات، فمعاني الصفات معلومة من لسان العرب ولغتها، كما هو متواتر النقل عن الإمام مالك وغيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ولو كانوا يؤمنون باللفظ المجرّد من غير فهم لمعناه لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول. (^٤)
_________________
(١) ونظير ذلك ما قاله ابن الجوزى وهو يبرر نفيه لهذه الصفات: " فهل ظاهر الاستواء إلا القعود، وظاهر النزول إلا الانتقال ". وانظر دفع شبه التشبيه (ص/١٠٥)
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦٧)
(٣) مختصر العلو (ص/٢٧٠)
(٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٤١، ٤٢) لذا فمن الغلط البيِّن ما نص عليه السيوطى بقوله: "وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها، وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها!! وانظر الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٢٠) ومسالك أهل السنة فيما أُشكل من نصوص العقيدة (٢/ ٧٣)
[ ٢ / ٩٢١ ]
وقد خاطبنا الله - تعالى - بلسان عربي مبين وبما نفهمه ونعقل معناه.
والأصل في الكلام أن يجري على ظاهره، فنحن نعلم معاني صفات الرب سبحانه، ولا نعلم كيفيتها ونقطع بأنها لا تماثل صفات المخلوقين، ولم يزل الأئمة يذكرون كلمة الإمام مالك، والتى تقال فى كل صفة من صفات الله عزوجل:
فمعانيها غير مجهولة، وكيفيتها غير معقولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة. فهذا هو منهج أهل السنة في صفات الباري تعالى. والله أعلم.
*وكذا يقال هنا:
أن القول بحمل الأيات التى أثبتت صفة اليدين لله - تعالى- على المجاز، فهذا وإن استقام مع ظاهر الأدلة التى أثبتت اليد، فكيف يستقيم ذلك مع الأدلة الأخرى التى ذكرت متعلقات هذه اليد من ذكر البسط بها والقبض والهز، كما هو وارد فى حديث الباب، وكذلك ذكر الأصابع والأنامل والكف واليمين والشمال؟!!
فكل ذلك لا يكون إلا ليد حقيقية لله -عزوجل- على ما يليق بجلاله وعظمته.
* وأما تأويلهم صفة الأصابع: أنها " النعمة "؛ استنادًا إلى قول الرَّاعِي يَصِفُ رَاعِيًا:
ضَعِيفُ العَصَا بادِي العُرُوقِ تَرَى لَه عَلَيْهَا إِذا مَا أجْدَبَ الناسُ إصْبَعًا
والاصبع الأثر الحسن، يقال للراعي الحسن الرعية للإبل الجميل الأثر فيها:
إن له عليها إصبعًا. (^١)
* فجوابه:
قد روى أَنَس -﵁ - أن رَسُول اللَّهِ - ﷺ - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: "يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ:
"نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ ". (^٢)
فلو كانت الأصابع هى النعمة، لكان قلب المؤمن بين نعمتين من نعم الله، ولكان
_________________
(١) البيت فى اللآلئ (٥٠، ٧٦٤)، وانظر لسان العرب (٨/ ١٩٣) ومجمل اللغة (٥٤٩)
(٢) رواه الترمذى (٢١٤٠) وقال: هذا حديث حسن.
[ ٢ / ٩٢٢ ]
الرد على الذين يرمون أهل السنة بأنهم حشوية مجسمة
القلب محفوظًا بتينك النعمتين، فلأي شيء دعا بالتثبيت؟! (^١)
* ومما يؤيده أنها أصابع على الحقيقة:
ما روى جَابِر﵁ - قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يَقُولُ بِهِ هَكَذَا» (^٢)
وفى رواية ابن منده قال:
وصف سفيان الثوري بالسبابة والوسطى فحركهما، وهذا حديث ثابت باتفاق. (^٣) *قلت:
فى إشارة النبي - ﷺ- حال ذكره للأصابع دلالة على أنها صفة لله على الحقيقة، على ما يليق به سبحانه، فتصان الأذهان عن الخيالات الباطلة، وتقف الأفكار عن الظنون العاطلة. (^٤)
ولذا تراهم لما عجزوا عن توجيه حديث (يحمل الأرض على إصبع، وكذا على إصبع) على ما يوافق تأويلهم؛ لأن الإصبع هنا لا يستقيم أن يكون بمعنى النعمة، فقد عمدوا إلى إنكار الحديث.
* وأما رمى المخالفين لأهل السنة المثبتين للصفات بأنهم حشوية مجسمة!! (^٥)
فجوابه:
كما قال ابن القيم:
كم ذَا توسلتم بِلَفْظ الْجِسْم والتـ؛؛؛ جسيم للتعطيل والكفران
_________________
(١) وانظر الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية (١/ ٥٢) وتأويل محتلف الحديث (ص/٣٠٢)
(٢) أخرجه الحاكم (٤١٣٠)، وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبى.
(٣) وانظر الرد على الجهمية (ص/٤٧) ومذهب أهل التفويض (ص/٤٣٠)
(٤) قلت: وأما حكم الإشارة في أحاديث الصفات فقد بيَّناه وفصَّلناه فى شرحنا على حديث "البشارة شرح حديث الإشارة "
(٥) الجهمية والمعتزلة إلى اليوم يسمُّون من أثبت شيئًا من الصفات مشبهًا - كذبًا منهم وافتراء - حتى إن منهم من غلا ورمى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بذلك، حتى قال ثُمَامة بن أشرس من رؤساء الجهمية: «ثلاثة من الأنبياء مشبهة، موسى حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، وعيسى حيث قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، ومحمد حيث قال: «ينزل ربنا». وانظر الفتوى الحموية الكبرى ضمن مجموع الفتاوى (٥/ ١١٠)
[ ٢ / ٩٢٣ ]
وجعلتموه الترس ان قُلْنَا لكم؛؛؛؛ الله فَوق الْعَرْش والأكوان.
قال خليل هرَّاس:
فلقد كانت شبهة التجسيم من أعظم أسباب الضلال في باب الصفات.
فقد جعلها المعطلة عرضة مانعة لهم من القول بالإثبات، ونصبوها صخرة
عاتية يحطِّمون عليها صريح الأحاديث ومحكم الأيات، واتخذوا منها ترسًا يحتمون به مما يوجه إليهم من طعنات. (^١)
* ثم يقال لهؤلاء الذين ينفون عن الله -عزوجل - صفة اليد خشية التجسيم والتشبيه: - أى تشبيه يتصور فى يد تطوي السماوات، وتقبض على الأرضين؟!!
- أى تشبيه يتصور فى يدٍ ما السماوات السبع والأرضين السبع إليها إلا كخردلة
في يد شخص؟!! (^٢)
* أى تشبيه يتصور فى يد ورد فيها أن الله -عزوجل- يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ؟!!
حقًا وصدقًا ويقينًا نقول ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾
وهذا يجسِّد لنا جناية أهل التحريف على نصوص الاعتقاد، حينما يلبّسون التحريف ثوب التنزيه، ويُرمون أهل
_________________
(١) الكافية الشافية فى الانتصار للفرقة الناجية (٢/ ٥٤٥)
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٣٠٢١٢) وعبد الله فى السنة (١٠٩٠) عن ابن عباس -﵄قال: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم). وقد نقل الألباني تصحيحه عن ابن تيمية ولم يتعقبه. وقال الشيخ سليمان بن عبد الله; كما في "إبطال التنديد" (ص/ ١٧٠) ; "وهذا الإسناد في نقدي صحيح". وقال الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه (تنبيهات على كتب تخريج كتاب التوحيد) (ص/٩٤): " الحديث حسن على أقل الأحوال ". * وهذا موقوف له حكم الرفع، فمثل هذا مما لا يُعرف بالرأى، وهذا تشبيه للنسبة بالنسبة، وليس تشبيهًا للكف بالكف؛ لأن الله لا يشبه صفاته شيء كما لا يشبه ذاته شيء، ونظير ذلك قوله ﷺ: " سترون ربكم كما ترون القمر "
[ ٢ / ٩٢٤ ]
الإثبات بالتجسيم والتشبيه، فترى عطب الفهم في مسلاخ تأصيل وتأسيس.
* ومن شبهاتهم:
أن اليدين جوارح وأعضاء، فلو أثبتنا ذلك لله - تعالى - للزم أن يكون متبعضًا متركبًا ذا أبعاض وجوارح وأعضاء!!
*وجواب ذلك من وجوه:
١ - إذا كانت اليد جزءًا وبعضًا للمخلوق فمثل هذا مما لا يقال فى حق الله عزوجل؛ لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، قال تعالى) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ﴿الشورى: ١١﴾ وقال تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) ﴿مريم: ٦٥﴾
وقياس صفاته على صفات المخلوق قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه قد صادم الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
٢ - أن نفى صفة اليد بدعوى أن إثباتها مستلزم للأبعاض والأجزاء فى حق الله - تعالى- هو نفى مبنى على دعوى باطلة؛ لأنه خوض فى تصور كيفية الصفة، والسلف إنما تعاملوا مع نصوص الصفات من ناحية تفسير معانيها، دون الخوض فى كيفيتها، ونصوصهم فى ذلك متكاثرة متواترة.
الوليد بن مسلم قال: سئل الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث: فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيفية. (^١)
وقولهم: "أمروها كما جاءت بلا كيف ":
إنما هو نفى للعلم بكيفية الصفات، دون نفى حقيقة الصفة.
إذن فالكلام فى الكيف على سبيل التفصيل والتوصيف من القول على الله - تعالى - بغير علم.
قال أبو العباس ابن تيمية:
واعتقاد الفرقة الناجية المنصورة أهل السنة والجماعة: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ، لا يكِّيفون ولا يمثِّلون صفات الله -تعالى- بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سميَّ له ولا كفو له ولا ند له،
_________________
(١) انظر الاعتقاد للبيهقى (ص/١١٨) وشرح السنة للبغوي (١/ ١٧١)
[ ٢ / ٩٢٥ ]
ولا يقاس بخلقه - ﷾. (^١)
*ومن عجيب تأويلهم:
١ - قالوا عَنْ حديث الباب:
ليس ضحكه - ﷺ - وتعجبه وتلاوته للآية تصديقًا لكلام الحبروإقرارًا له على إثبات صفة الأصابع لله تعالى، بل هو استخفاف باليهودي وإنكارلما قاله، وتعجب من سوء اعتقاده؛ فإن مذهب اليهود التجسيم، ففهم منه ذلك! (^٢)
* وجواب ذلك من وجوه:
١ - روي البخاري عن ابن مسعود -﵁ - أنه قال:
«فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ " (^٣)، ولا شك أن الراوى أعلم بما روى.
وقال ابن أبى عاصم: قلت لأبي الربيع: فضحك تصديقًا؟ قال: نعم.
وقال يحيى بن سعيد: وكان فضيل بن عياض يزيد فيه عن منصور:
" فضحك رسول الله ﷺ تصديقا لقول الحبر؟ قال: نعم. (^٤)
٢ - أن النبي -ﷺ- إنما ضحك تعجبًا، لأن ما قاله اليهودى جاء موافقًا لما هو ثابت فى شريعة الإسلام من إثبات الصفات -ومنها الأصابع- على ما يليق بالله - عزوجل - من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تكييف ولا تفويض.
فجاء خبر الحبر دالًا على اتفاق الشرائع المنزلة من عند الله -تعالى- على إثبات الصفات على ظاهرها، على ما يليق بعظمة الله.
* وأما ما تأوله المتأولون لهذا النص فهو نتاج ومثال لمن يعتقد ثم يستدل، لذا تجده مضطرًا لمثل هذه التأويلات التى يغنى ذكرها عن الرد عليها.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٣٠)
(٢) وانظرإكمال المعلم (٨/ ٣١٦) وإيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل (ص/٢٢٣)
(٣) رواه البخارى (٧٥١٣)
(٤) السنة لابن أبى عاصم (ص/٢٢٣)
[ ٢ / ٩٢٦ ]
فهى - وللأسف- عقول أنهكها داء عضال وهو أن:
" لازم إثبات الصفات مشابهة الخالق للذوات "، فراحت تتبع نصوص الصفات الواضحة للي أعناقها حسب ما جرهم إليه منهج التنزيه القائم على تعطيل ما وصف الله - تعالى- به نفسه.
وكم يمتطون مراكب التأويل قاصدين سراب التنزيه، حتى تحط رحالهم فى ظلمات التعطيل (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)
* ثم يقال:
كان الرسول - ﷺ - لا يغضب لنفسه قط، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله ﷿، فأنَّى له - على ما زعمتم - أن يسمع الباطل ولا يغضب لله عزوجل، وينكر هذا المنكر؟!!
* ومن عجيب تأويلهم:
ما نص عليه الرازى تأويلًا لقول النبي ﷺ:
«إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ " قال:
ويدل على تأويله وجوه: أنه يلزم أن يكون أصبعاه فى أجوافنا مع أنه على العرش عند المجسمة!! (^١)
* والرد عليه أن يقال:
أولًا:
أن أهل السنة فى حلٍ من هذه الإلزامات الباطلة، لأنهم أحسنوا فهم المراد من دلالات النصوص الشرعية، وإنما العيب فيمن كان معطوبًا فى فهمه ثم يأتى ليلزم الناس بإلزامات لم يقل بها أنس قبله ولا جآن.
قال شارح الطحاوية:
ويجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك منه فهو لقصور فهمه ونقص علمه. (^٢)
وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا وآفتهُ مِنْ الفهم السّقيم.
٢ - ثانيًا: أن قوله ﷺ: " بين أصبعين " لا يلزم من البينية المماسة، فنظير ذلك قوله تعالى عن السحاب ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، إذًا
_________________
(١) وانظرأساس التقديس (ص/١٣٦) وجناية التأويل على الفاسد العقيدة الإسلامية (ص/٥٢)
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص/٢٥٦)
[ ٢ / ٩٢٧ ]
السحاب بين السماء والأرض، والسحاب ليس ملاصقًا للسماء وليس ملاصقًا للأرض، ولم يلزم من ذكر البيَّنية أن يكون السحاب مماسًا للأرض ولا مماسًا للسماء.
ويقال: بدر بين مكة والمدينة رغم تباعد ما بينها وبينهما، وإذا كان هذا واقعًا فى شأن المخلوقات دون أن يستلزم مماسة، فكيف فى شأن الخالق عزوجل؟؟!!
فقلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن حقيقة، ولا يلزم من ذلك مماسة ولا حلول.
تم بحمد الله.
[ ٢ / ٩٢٨ ]