[ ١ / ٤٧١ ]
منحة الغافر شرح حديث أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر
نص حديث الباب:
عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ - ﵁ - قَالَ:
صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِي ﷺ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ"
* تخريج الحديث:
أخرجه البخاري (١٠٣٨) بَابُ: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
ومسلم (٧١) بَابُ بَيَانِ كُفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ.
،
* أهم الفوائد التى نستنبطها من حديث الباب:
أولًا: عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ - ﵁ - قَالَ:
صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ
وكان ذلك لما خرج النبى -ﷺ - هو وأصحابه إلى عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ٦ هـ، ومعه زوجته أم سلمة، في ألف وأربعمائة، ويقال: ألف وخمسمائة.
ولما علم المشركون بمقدم الرسول -ﷺ - عزموا على صده عن البيت الحرام، ولكن انتهى الأمر إلى صلح الحديِّبية الذى سمَّاه الله -عزوجل- فتحًا مبينًا.
وكان من بنود هذا الصلح أن يرجع الرسول -ﷺ - من عامه، فلا يدخل مكة إلا في العام الذى بعده.
*قول زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ - ﵁ - قَالَ:
صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ:
قوله «عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ»:
والإثر: هو ما يعقب الشيء، والسماء المطر، كما في
[ ١ / ٤٧٣ ]
اختلاف أحوال العباد عند نزول المطر
قوله ﷺ: " وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ "، وسُمِّي المطر سماءً لنزوله من جهة السماء، وهو العلو، وذلك من باب استعارة اسم الشيء لغيره إذا كان مجاورًا له.
قال الشاعر:
إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا. (^١)
فالمعنى العام:
أن الصحابي زيد بن خالد - ﵁- يخبر أن رسول الله -ﷺ - قد صلَّى بالمسلمين صلاة الصبح على إثر سماء، أى أن ذلك قد صادف سقوط المطر.
*ثم قال ﵁:
" فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ:
«هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ:
*وهنا فوائد:
١) الأولى:
قوله: فلما انصرف من صلاته ﷺ أقبل على الناس:
فقد كان من هدي النبي - ﷺ - أن يُعلْم أصحابه -﵃- ويُخبرهم بما استُجد من أمور الوحي.
٢) الثانية:
فَقَالَ ﷺ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟
وهذا سؤال بدأ به النبي - ﷺ - حديثه للصحابة ﵃. وكان هذا من هدي النبي - ﷺ - في تعليمه لأصحابه - ﵃ - أن يبدأ حديثه بسؤال للفت الإنتباه وجذب الأسماع فيطرح سؤالًا على السامعين، ولهذا نظائر كثيرة، نذكر منها:
حديث المفلس، يقول ﷺ: أتدرون من المفلس؟
وقوله ﷺ: أتدرون ما الغيبة؟
ويقول ﷺ: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟
ويقول ﷺ: أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟
*ومن هذا الباب حديث الباب: يقول النبى - ﷺ - فى بدء كلامه: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟
_________________
(١) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٦/ ٤٠٦) مطالع الأنوارعلى صحاح الآثار (٥/ ٥١١)
[ ١ / ٤٧٤ ]
٣) الثالثة:
قوله ﷺ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟
وهذا حديث يروى فيه النبي - ﷺ - حديثًا قدسيًا عن رب العزة، والأحاديث القدسية من أدلة أهل السنة على إثبات صفة الكلام لله عزوجل؛ وذلك لما فيها من نسبة الكلام وإضافته إلى الله -تعالى- إضافة صفة إلى موصوف.
لذا فقد أخرج البخاري -﵀- حديث الباب في صحيحه كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١١٥]
قال ابن بطال:
أراد بهذه الترجمة وأحاديثها أن كلام الله -تعالى- صفة قائمة به، وأنه لم يزل متكلمًا ولا يزال. (^١)
* وقد ورد فى رواية النسائي قوله ﷺ:
أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ؟ (^٢)
وهذه فيها زيادة فائدة في صفة كلام الله تعالى؛ فهي تدل على أن الله -تعالى- يتكلم بمشيئته واختياره، فصفة الكلام لله -تعالى- صفة ذاتية فعلية، ذاتية باعتبار الأصل، وفعلية باعتبار تجدّد آحاد الكلام.
فهذا معنى ما قعَّده العلماء فى كلام الله تعالى بقولهم أنه:
" قديم النوع، حادث الأفراد "، وقولهم " حادث الأفراد ":
ليس معناه أن كلامه مخلوق؛ بل كلامه - تعالى - متعلق بمشيئته، فإذا شاء تكلم، وإذا شاء لم يتكلم سبحانه. (^٣)
فالله -عزوجل- إنما قال لموسى (لَنْ تَرَانِي)، في وقت بعينه وذلك (َ لَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ)، وليس من الأزل يقول ذلك.
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٦٦٠)
(٢) السنن الكبرى (١٨٤٧) والطبرانى في الكبير (٥٢١٣) وانظر صحيح الجامع (٢٣٦٢)
(٣) وفارق بين المخلوق والحادث، فالمخلوق هو ما جاء أصله من العدم، كحال الإنسان، قال تعالى (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ..)، فلأن الإنسان مخلوق، فقبل خلقه لم يكن شيئًا يُذكر، وأما الحادث فهو المتجدد الوقوع مع وجود أصله للمتصف به. فمن هذا الباب يقال أن كلام الله -عزوجل - حادث وليس بمخلوق، وبيان ذلك يقال: كلامه -سبحانه- قديم من حيث أنه تعالى لم يزل متصفًا به من الأزل، حادث في آحاده وأفراده، قال تعالى (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ)
[ ١ / ٤٧٥ ]
وقال تعالى (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ) لما طلب الحواريون المائدة من عيسى -﵇ - فقالوا (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
كلام أحمد وغيره من الأئمة صريح في أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، وأنه لم يزل يتكلم إذا شاء، ولم يقل أحد من السلف أن الله تكلم بغير مشيئته وقدرته، ولا قال أحد منهم أن نفس الكلام المعين كالقرآن أو ندائه لموسى أوغير ذلك من كلامه المعين أنه قديم أزلي. (^١)
* عودٌ إلى حديث الباب: فَقَالَ ﷺ:
«هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ
وهذا من أدب الصحابة -﵃- حيث وقفوا عن الخوض فيما لا يعلمون، وهذا مما أدَّبهم القرآن وربَّاهم عليه، كما ورد في الأية قوله تعالى
(وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)
*فإن قيل:
قول الصحابة ﵃: " اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ "، أليس قد ورد النهي عن مثل هذه الصيغ التى يُجمع فيها بين الله -تعالى- ورسوله ﷺ؟؟
كما في قوله - ﷺ - لمن قال له: مَا شَاءَ اللهُ، وَشِئْتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ:
" أَجَعَلْتَنِي وَاللهَ عَدْلًا، بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ ". (^٢)
* والرد أن يقال:
أن النبي - ﷺ- أنما أراد في باب النهي عن ذلك حسم المادة وسد الذريعة، وغلق باب المغالاة في شخص الرسول ﷺ.
فمثل هذه العبارات قد تُوهم أن مشيئةَ العبد في درجة مشيئة الرب ﷾، مع كون العبد له مشيئة، ولكنها تابعة لمشيئة الله تعالى، كما قال تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)
وأما ما يتعلق بحديث الباب:
ففي إقراره ﷺ للصحابة -﵃- على قولهم:
" اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ "، بيانٌ أن ذلك جائز من حيث الأصل لمن يُؤمَن عليه الوقوع في علة النهي.
*وقيل في الجمع وجه آخر:
أن النهي إنما يتوجه في الأمور الكونية، ومنها المشيئة، وأما الأمور الشرعية المتعلقة بالوحي والتشريع فهذه ممَّا علَّمه الله -تعالى- لنبيه - - ﷺ - فلا
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل (٣/ ٦٨)
(٢) أخرجه أحمد (١٨٣٩) وصححه الألبانى في الصَّحِيحَة (١٣٩)
[ ١ / ٤٧٦ ]
حرج عندها أن يقال:
" اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ".
*عودٌ إلى حديث الباب:
لما قَالَ النبي ﷺ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟
قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:
" أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ..
فيذكر النبي - ﷺاختلاف حال العباد عند نزول المطر، فتراهم بين قسمين:
١) القسم الأول:
حال المؤمنين الذين ينسبون الفضل لله تعالى، فالمطر إنما هو من فضل الله -تعالى- ومن رحمته بالعباد، قال تعالى (أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) (النمل/٦٣)، وقال تعالى
(وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) (الشوري/٢٨)
لذا صار من السنن القولية التى تقال إثر سقوط المطر:
"مُطرنا بفضل الله ورحمته "، وهذا من شكر الله تعالى.
قال النووي:
ويُستحبّ أن يشكر الله - ﷾على هذه النعمة، أعني نزول المطر. (^١)
وكذلك كان ﷺ كان إذا رأى المطر قال:
" اللَّهُمَّ صَيِّبًا نافِعًا ". (^٢)، "والصيِّب هو المطر"
*وكان ﷺ إذا ما قلَّ نزول المطر قَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا ".
وأما إذا زاد نزول المطر إلى حد الهلكة فكان ﷺ يرَفَعَ يدَيْهِ ويقول:
«اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالجِبَالِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ». (^٣)
* كما يشرع الدعاء عند نزول المطر:
أخرج ابْن الْمُنْذر عَن ثَابت -﵁ - قَالَ:
بلغنَا
_________________
(١) الأذكار (ح/٤٦٧)
(٢) رواه البخاري (١٠٣٢) بَابُ مَا يُقَالُ إِذَا مَطَرَتْ.
(٣) متفق عليه. وقال النووي: قال أهل اللغة الإكام بكسر الهمزة جمع أكمة، ويقال في جمعها آكام، وهي دون الجبل وأعلى من الرابية، وقيل دون الرابية، (والظراب) واحدها ظرب، وهي الروابي الصغار.
[ ١ / ٤٧٧ ]
أَنه يُسْتَجَاب الدُّعَاء عِنْد الْمَطَر ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة ﴿وَهُوَ الَّذِي ينزل الْغَيْث من بعد مَا قَنطُوا﴾ (^١)
وقد نصَّ على استحباب الدعاء عند المطر غير واحد من الأئمة، ومنهم:
شيخ الإسلام ابن تيمية والشافعي والقرطبي. (^٢)
وأما الأحاديث الواردة في استحباب الدعاء عند نزول المطر فلا تخلوا أسانيدها من المقال.
* ومن السنن الفعلية عند نزول المطر"التعرض لماء المطر ":
لا شك أن ماء المطر ماء مبارك، قال تعالى (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ) (ق/٩)
وبركة المطر ظاهرة بيِّنة في آثاره على البلاد والعباد، قال تعالى بعد ذكره لنزول المطر (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) (الروم/٥٠)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- عَنْ رَسُولِ اللهِﷺقَالَ:
" مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يُنْزِلُ
اللهُ الْغَيْثَ فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا ". (^٣)
لذا كان من هدى النبي -ﷺ- التعرُّض لماء المطر:
قَالَ أَنَسٌ ﵁:
أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ، فَقُلْنَا:
يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟
قَالَ ﷺ: «لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى». (^٤)
*والمعنى:
أنه ﷺ قد حسر- أي كشف بعض بدنه - لماء المطر؛ لأنه (حديث عهد بربه): أي بتكوين ربه إيَّاه، ومعناه أن ماء المطر قريب العهد بخلق الله - تعالى - لها؛ فيتبرك به.
قال النووي:
هذا الحديث دليل لقول أصحابنا أنه يستحب عند أول المطر أن يكشف غير عورته ليناله المطر. (^٥)
_________________
(١) الدر المنثور (٧/ ٣٥٤)
(٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٢٩) والجامع لأحكام القرآن (٣/ ١٨٤) شعب الإيمان (٢/ ٣٧٥)
(٣) أخرجه مسلم (٧٢)
(٤) أخرجه مسلم (٨٩٨)
(٥) شرح مسلم للنووي (٦/ ١٩٦)
[ ١ / ٤٧٨ ]
*وعن أنس بن مالك - ﵁ - في استسقاء النبي -ﷺ- المطر على المنبر، قال ﵁:
" ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ ". (^١)
وقد ترجم له البخاري، باب: من تَمَطَّرَ في المطر حتى يتحادر على لحيته.
قال ابن حجر:
كأن المصنف أراد أن يبين أن تحادُرَ المطر على لحيته - ﷺ- لم يكن اتفاقًا، وإنما كان قصدًا، فلذلك ترجم بقوله:
" من تمطَّر "، أي: قصد نزول المطر عليه؛ لأنه لو لم يكن باختياره لنزل عن المنبر أول ما وكف السقف، لكنه تمادى في خطبته حتى كثر نزوله بحيث تحادر على لحيته ﷺ. (^٢)
*وعن ابن أبي مليكة قال:
كان ابن عباس -﵄- إذا مطَّرت السماء يقول: يَا جَارِيَةُ! أَخْرِجِي سَرْجِي، أَخْرِجِي ثِيَابِي، وَيَقُولُ:
﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾. (^٣)
٢) القسم الثاني:
حال من ينسب المطر إلى النوء، فيقول مُطرنا بنوء كذا وكذا
فما حكم هذا القائل بنسبة المطر إلى النوء؟
نقول أولًا:
كان من عادة أهل الجاهلية أنهم ينسبون كثيرًا من الأحداث التى تقع في الأرض بحركة النجوم والكواكب، ومما يدل على ذلك:
ما رواه ابْنَ عَبَّاسٍ -﵄قَالَ:
أنه قد رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ- لأصحابه:
«مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟»
قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، كُنَّا نَقُولُ وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«فَإِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ رَبُّنَا ﵎ اسْمُهُ، إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ:
" الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٣٣)
(٢) فتح الباري (٢/ ٥٢٠)
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٢٢٨)، وصححه الألبانى في صحيح الأدب المفرد (ص/٢٩٨) والسرج ما يوضع على ظهر الفرس.
[ ١ / ٤٧٩ ]
قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ:
قَالَ فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ بَعْضًا، حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَتَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَيُرْمَوْنَ بِهِ ". (^١)
*وفي رواية المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁قَالَ:
كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا، وَادْعُوا اللَّهَ». (^٢)
* نقول:
ومن هذا الباب قد كان أهل الجاهلية ينسبون المطر إلى النوء، كما قد ورد في حديث الباب.
وعن أبي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّرضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ. (^٣)
وقد ترجم البخاري باب: قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
[الواقعة: ٨٢]، ثم روي حديث الباب: " أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ ".
وكذلك روي مسلم بَابُ: بَيَانِ كُفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِالنَّوْءِ:
عن ابْنُ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ- فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ:
" أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ، قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةُ اللهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا " قَالَ:
فأنزل الله قوله ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]. (^٤)
* والمعنى:
أى أن هذا الرزق الذى ساقه الله إليكم، والذى هو المطر كان يستحق منكم أن تشكروا الله - تعالى- عليه، ولكنكم جعلتم موضع الشكر التكذيب؛ وذلك لما نسبتم المطر إلى النوء، وهو قول جمهور المفسرين. (^٥)
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٢٢٩)
(٢) متفق عليه. و(إبراهيم) وهو ابن النبي - ﷺ - من مارية القبطية، توفي وعمره ثمانية عشر شهرًا.
(٣) أخرجه مسلم (٩٣٤)
(٤) أخرجه مسلم (٧٣)
(٥) وقال ابن القيم في تفسير الأية: أي تجعلون حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم - يعني القرآن - التكذيب به، وهو قول الحسن. والراجح هو ما ذهب إليه جمهور المفسرين؛ وذلك لقول ابن عباس -﵄- أن سبب نزول الأية إنما هو نسبة المطر للأنواء، وهذا مما يأخذ حكم الرفع. وانظر التبيان في أقسام القرآن (ص/٢٣٦) وفتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص/٤٢٩)
[ ١ / ٤٨٠ ]
قال أبوعمر:
الرزق في هذه الآية بمعنى الشكر، كأنه قال: وتجعلون شكركم لله على ما رزقكم من الماء أن تنسبوا ذلك الرزق إلى الكوكب. (^١)
والظاهر من فعل المشركين -والله أعلم- أنهم كانوا يقصدون بقولهم:
«مطرنا بنوء كذا وكذا»:
أن حركة النوء هى التى تسببت في إسقاط المطر، لا أنها هي الفاعلة بذاتها لذلك؛ يدل عليه قوله تعالى
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (العنكبوت/٦٣)
* أصل الأنواء:
أنْوَاء: جمع نَوء، وناء النجم أى طلع ونهض، والمعنى:
سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع رقيبه، وهو نجم آخر يقابله من ساعته في المشرق في كل ليلة، وإنما سُمي نوءًا؛ لأنه إذا سقط الغارب ناء الطالع - أي: نهض وطلع- وذلك الطلوع هو النوء، وبعضهم يجعل النوء السقوط، كأنه من الأضداد. (^٢)
وقد كان أهل الجاهلية ينسبون نزول المطر إلى النجوم، فيقولون:
مُطرنا بنوء كذا، ويعتقدون أنه إذا سقط النجم الفلاني جاء المطر، وإذا طلع النجم الفلاني جاء المطر. (^٣)
_________________
(١) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٦/ ٤٠٧)
(٢) الإتحافات السنية للمناوى (ص/٤٠) وشرح السنة (٤/ ٤٢٠) والنهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٢٢)
(٣) والأنواء هي: منازل تُعرف للنجوم كانت معروفة عند العرب وهذه المنازل ينزل كل واحد من هذه النجوم أو يسقط في الشرق ينوءُ -أي يصعد - في مقابله نجمٌ في الغرب، كل ثلاثة عشر يومًا فسميَ النجم بالنوء لأنه يصعد فيكون في مقابل ما سقط من النجم، وهم ثمانيةُ وعشرون منزلًا، وهي المعروفة بمنازل القمر الثمانية والعشرين، كل منزلًا فى ثلاثة عشر يومًا، فإذا ضربت ثماني وعشرون في ثلاثة عشر كان المحصلة عدد أيام السنة ثلاثمائة وأربع وستون يومًا. *ولذلك كانوا يترقبون هذه الأنواء ويتابعونها حتى يعلموا النجم الذي سقط وما يتبعه من نجم ينئو أو يرتفع ويعلو بمقابله، وكانوا يرون أنه عند حدوث ما يكون من سقوط نجم ونوء نجم أخر أن ذلك يكون سبب في سقوط المطر، ويقولون مُطرنا بنوء كذا.
[ ١ / ٤٨١ ]
حكم من نسب المطر إلى النوء
لذا فقد أخبرالنَّبِيُّ - ﷺ - عن خصال أهل الجاهلية، والتى كان منها: " الْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ ".
فتعلَّقت نفس القائل بهذا السبب، ونسي نعمة الله عزوجل، وهذا الكفر لا يخرج من الملة، لأن المراد نسبة المطر إلى النوء على أنه سبب، وليس إلى النوء على أنه فاعل، وهذا مما يُطلق عليه " كفر النعمة ". (^١)
* ومما يدل على ما ذكرناه:
من القرآن:
قال تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢» (النحل: ١١٢)
*ومن السنة:
ما رواه أبو هُرَيْرَةَ -﵁- أنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: " إِنَّ اللهَ ﷿ لَيُبَيِّتُ الْقَوْمَ بِالنِّعْمَةِ، ثُمَّ يُصْبِحُونَ، وَأَكْثَرُهُمْ كَافِرُونَ، يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا ". (^٢)
* وهنا نطرح سؤالًا:
ما حكم هذا القائل بنسبة المطر إلى النوء؟؟
* وجواب هذا السؤال على تفصيل: (^٣)
١ - نسبة المطر إلى النوء على سبيل الاستقلالية:
وأما من نسب المطر إلى النوء على أنه الخالق له المنزل له فلا شك في كفر هذا القائل لذلك، وهذا شرك في الربوبية، وهو من كفر التشريك، والقاعدة عند أهل العلم في ذلك:
" كل من اعتقد في غير الله -تعالى- ما لا يُعتقد إلا في الله -تعالى - فقد وقع في الكفر الأكبر "
فالله -عزوجل- هو الخالق والمنزل للمطر، قال تعالى (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ) (الواقعة/٦٩).
والمطر مربوب لله تعالى، كما ورد في قوله - ﷺ - عن المطر: (أنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ نسبة)، وعليه فإن نسبة المطر إلى النوء على سبيل
_________________
(١) الفروع لابن مفلح (١/ ٥٦٨)
(٢) أخرجه أحمد (١٠٨٠٠) وحسَّنه الأرنؤوط.
(٣) هذا التفصيل قد ورد بمعناه في عدة مواضع من كلام أهل العلم، منها ما نقله البيهقي عن الشافعى في " السنن الكبري" (٣/ ٤٩٩) ونص عليه الباجي في " المنتقى" (١/ ٣٣٥)
[ ١ / ٤٨٢ ]
الاستقلالية إنما هو شرك في الربوبية.
* وكذلك هو شرك في الأسماء والصفات:
فقد قال تعالى (ِإنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (لقمان/٣٤)
وقال النَّبِيُّ - ﷺ:
«مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللهُ، لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلاَّ اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلاَّ اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلاَّ اللهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلاَّ اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ اللهُ». (^١)
فقد أخبر ﷺ أنه لا يعلم متى يجيء المطر إلا الله، فلو كان المطر من قبل الأنواء -على ما زعموا - لما اختص الله -تعالى- بعلم وقت سقوط المطر، ولكان النوء شريكًا لله -تعالى- في صفة علمه عزوجل للغيب. (^٢)
* ومما يدل أيضًا على أن ذلك من الشرك الأكبر:
أن هذا من الإلحاد فى آيات الله، فآيات الله نوعان:
(١) آيات كونية. (٢) آيات شرعية.
فمن يحرِّف آيات الله -تعالى- فهذا من الإلحاد في آياته الشرعية، قال تعالى
(مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) (النساء: ٤٦)
وأما الإلحاد فى آيات الله الكونية:
فذلك بأن يربطها بغير فعل الله تعالى، كمن يقول: «غضب الطبيعة»، هذا من الإلحاد فى آيات الله الكونية؛ لأن الطبيعة مخلوقة لله عزوجل.
ويدخل في الإلحاد في آيات الله -تعالى-الكونية:
نسبة المطر إلى غير الله تعالى.
قال ابن رجب:
فإضافة نزول الغيث إلى الأنواء، إن اعتقد أن الأنواء هي الفاعلة لذلك،
المدبرة له دون الله ﷿، فقد كفر بالله وأشرك به كفرًا ينقله عن ملة
الإسلام. (^٣)
٢) نسبة المطر إلى النوء على سبيل السببية:
كأن يقول " مُطرنا بنوء كذا وكذا "،
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٠٣٩)
(٢) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٨/ ٢٩٤)
(٣) فتح الباري لابن رجب (٩/ ٢٦٠)
[ ١ / ٤٨٣ ]
معتقدًا أن النوء إذا ما ظهر أو تحرك تسبَّب ذلك في نزول المطر، فهنا يكون قد نسب نزول المطر إلى سبب لم يجعله الله سببًا، لا شرعًا ولا قدرًا.
وقاعدة الباب هنا:
" كل من اعتقد في سبب لم يقدَّره الله -تعالى- سببًا، لا شرعًا ولا قدرًا فقد وقع في الشرك الأصغر"؛ وعلة ذلك أنه شارك الله - تعالى - من الحكم لهذا الشيء بالسببية مع أن الله -تعالى - لم يجعله سببًا.
فمن المعلوم بالقطع شرعًا وقدرًا أن حركة النوء ظهورًا أو اختفاءً لا علاقة لها بنزول المطر، فلا نصوص الشرع قالت بهذا، ولا كلام علماء الأرصاد والمناخ نص على ذلك.
٣) نسبة المطر إلى النوء على سبيل الموافقة الزمنية:
وتوصيف هذه الحالة أن القائل بها لا يعتقد علاقة الاستقلالية ولا السببية بين المطر والنوء، وإنما هى علاقة الظرفية، حيث يرى القائل بها حدوث الموافقة الزمنية بين ظهور النجم الفلانى ونزول المطر، وهذا قاله بناءً على جريان العادة، وما توافق عند القائل وتواتر من تكرر نزول المطر في أوقات بعينها يصعد فيها نجم أو يسقط.
وعليه صارت الباء في قوله " مُطرنا بنوء كذا " هي باء الظرفية، كما ورد في قوله تعالى (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨»
وأما حكم هذه الحالة فمحل خلاف بين العلماء بين المجوِّز لها والمانع.
قال الشافعي:
أما من قال: مُطرنا بنوء كذا على معنى مُطرنا بوقت كذا، فإنما ذلك كقوله مُطرنا في شهر كذا، ولا يكون هذا كفرًا، وغيره من الكلام أحب إليَّ منه، أحب أن يقول مُطرنا في وقت كذا. (^١)
وحجة الشافعى فى ذلك ما ذكره البيهقى بقوله:
قال الشافعي:
وقد روي عن عمر﵁- أنه قال وهو على المنبر:
" كم بقي من نوء الثريا؟
_________________
(١) الأم (٢/ ٢٢٢) وهذا ما رجحه أيضًا ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٢٢)، فقد قال ﵀: أما من جعل المطر من فعل الله -تعالى- وأراد بقوله: «مطرنا بنوء كذا» أي في وقت كذا، وهو هذا النوء الفلاني، فإن ذلك جائز: أي إن الله قد أجرى العادة أن يأتي المطر في هذه الأوقات.
[ ١ / ٤٨٤ ]
فقام العباس -﵁- فقال:
لم يبق منه شيء إلا العواء، فدعا ودعا الناس حتى نزل عن المنبر، فمطر مطرًا أحيا الناس منه "
فقال الشافعي:
وقول عمر - ﵁- هذا يبين ما وصفتُ؛ لأنه إنما أراد كم بقي من وقت الثريا، لمعرفتهم بأن الله - تعالى - قدَّر الأمطار في أوقات فيما جرَّبوا، كما علموا أنه قدَّر الحرَّ والبرد فيما جرَّبوا في أوقات. (^١)
قال ابن الجوزي:
وأما قول عمر - ﵁ - كم بقي من نوء الثريا؟ ":
فإنه أراد كم بقي من الوقت الذي جرت العادة أنه إذا تم أتى الله بالمطر؟
ومن لم يكن اعتقاده أن الكوكب يفعل لم يضره هذا القول، وقد أجاز العلماء أن يقال: مطرنا في نوء كذا، ولا يقال بنوء كذا. (^٢)
* والراجح -والله أعلم- المنع من هذه العبارة.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن:
وإما أن يقول: مُطرنا بنوء كذا مثلًا، لكن مع اعتقاده أن المؤثر هو الله وحده، ولكن أجري العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم، والصحيح أنه يحرم نسبة ذلك إلى النجم ولو على طريق المجاز. (^٣)
* ومما يؤيد ذلك أمور:
١) الأول:
سد ذريعة الوصول إلى العبارات الأخري الموافقة لها في اللفظ، وإن اختلف المقصد عند القائل.
وهذا أصل معتبر في الشرع، قال تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا
_________________
(١) معرفة السنن والآثار (٣/ ١٠١) وأثر عمر -﵁- قد أخرجه الطبري في "جامع البيان في تأويل القرآن " (٢٣/ ١٥٥) بإسناد فيه مجهول، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلس، فالإسناد ضعيف. وذكره ابن قتيبة في كتابه "الأنواء" (ص/١٤) وابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ١١٤٩) من غير سند. وانظر الموافقات بتحقيق: أبى عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان (٢/ ١١٧)
(٢) كشف المشكل من حديث الصحيحين (٢/ ٢٦٢) وهذا أيضًا ما وجَّه به قال الحافظ ابن كثير كلام عمر - رضى الله الله عن- حيث قال: وهذا محمول على السؤال عن الوقت الذي أجرى الله فيه العادة بإنزال المطر، لا أن ذلك النوء مؤثّر بنفسه في نزول المطر، فإن هذا هو المنهيّ عن اعتقاده. "تفسير ابن كثير" (٤/ ٢٩٩)
(٣) : الشرك في القديم والحديث (ص/٤٥٧)
[ ١ / ٤٨٥ ]
رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا) (البقرة/١٠٤)
ففي الأية دلالة بيَّنة على النهي عن اللفظ ولو كان جائزًا، لئلا يُتوصل به إلى ما هو غير جائز.
* وقد كان أبوهريرة - ﵁ - يقول إذا أصبح وقد مُطر الناس:
مُطرنا بنوء الفتح، ثم يتلو هذه الآية ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] (^١)
أي: فتح ربنا علينا، فاستعمل النوء في الفتح الإلهي للإشارة إلى رد معتقد الجاهلية من إسناده للكواكب، كأنه يقول:
إذا لم تعدلوا عن لفظ نوء فأضيفوه إلى الفتح، وهذا منه - ﵁ - تأكيدًا لما ذكرنا من غلق هذا الباب سدًا للذريعة، وهذ نفسه مما يؤخذ من قول الشافعي السابق: " وغيره من الكلام أحب إليّ "، فإنما قصد به حسم المادة.
" أما إن قال ذلك -أى مُطرنا بنوء كذا -على معنى أن العادة نزول المطر عند نوء من الأنواء، وأن ذلك النوء لا تأثير له في نزوله، وأن المنفرد بإنزاله الله، فلا يكفر مع أن هذا اللفظ لا يجوز إطلاقه بوجه، وإن لم يعتقد ما ذكرنا لورود الشرع بالمنع منه، ولما فيه من إيهام السامع، كما أنه يُنهى عن إطلاق ذلك لئلا يعتقد أحد اعتقاد أهل الجاهلية، ولا يتشبه بهم في نُطقهم. (^٢)
٢) الثانى:
لم يُعرف لا بالنصوص الشرعية ولا بالأسباب القدرية الكونية ولا حتى بمجرد الموافقة الزمنية أية علاقة بين نزول المطر وحركة النجوم والأنواء.
بل الذى ورد في أدلة الشرع هو نفى علاقة النوء بسقوط المطر؛ وذلك كما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا عَدْوَى وَلَا هَامَةَ وَلَا نَوْءَ وَلَا صَفَرَ" (^٣)
*والنفي يرد على أربعة أنواع:
(١) نفي وجود. (٢) نفي تأثير. (٣) نفي صحة. (٤) نفي كمال.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (٦٥٥) في الاستسقاء، باب الاستمطار بالنجوم، بلاغًا، وإسناده منقطع.
(٢) وانظر شرح الزرقاني على موطأ مالك (١/ ٦٥٦) والكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (٢/ ٥٤٦)
(٣) أخرجه أحمد (٩١٦٥) ومسلم (٢٢٢٠)
[ ١ / ٤٨٦ ]
*ومثال النوع الأول:
قوله ﷺ " لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ " (^١)، فهذا نفي لوجود أى شخص أغير من الله تعالى، وكذلك قولنا "لا إله إلا الله "، فهذا في حقيقته نفي لوجود أي إله بحق إلا الله عزوجل.
*ومثال النوع الثانى:
قوله ﷺ: (لاعدوى ولاطيرة). (^٢) هذا نفي للتأثير، والمعنى:
أنه لا عدوى مؤثرة بذاتها كما كان يعتقد أهل الجاهلية، وكذلك قوله: " لا طيرة " مؤثرة في دفع ضر أو جلب نفع فالنفي هنا نفى تأثير لا نفى وجود.
*ومثال النوع الثالث:
قوله ﷺ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ». (^٣)
والمعنى: لا صلاة صحيحة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.
*ومثال النوع الرابع:
قوله ﷺ: (لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ) (^٤)
فهذا نفي لكمال الإيمان الواجب، وليس لأصله، كما ذهب إليه الخوارج.
*فإذا سألت:
قوله ﷺ: " لَا نَوْءَ " يتبع أى قسم؟
* فالجواب:
هو تابع للقسم الثانى؛ حيث كان أهل الجاهلية عند سقوط مطر ينسبونه إلى النجم الساقط والنجم الغارب، يقولون: مُطرنا بنوء كذا، فقيل لهم:
" لا نوء ": أي لا أثر لنجم في نزول المطر، وإنما المطر من الله تعالى.
*تنبيه:
ما يتم تدواله في المطبوعات من تقسيم السنة إلى النوَّات، كنوَّة الغطاس والمَكنسة وأعياد الميلاد، وكذلك ما يتناقله البعض من قولهم نوَّة كذا أو كذا، فينسبون المطر إلى هذه النوَّات، فهذا مما يتبع القسم الثالث الذى ذكرناه في نسبة المطر إلى النوء من باب الموافقة الزمنية لا غير، وقد وضحنا حكم هذه الصورة، وذكرنا الراجح فيها.
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) متفق عليه.
(٣) متفق عليه.
(٤) أخرجه أحمد (١٢٤٠٦)، انظر صَحِيح الْجَامِع (٧١٧٩)
[ ١ / ٤٨٧ ]
* فرع:
الله -تعالى- قد قدَّر الأسباب:
أ) وجعل ﷾ الالتفات إليها إعتمادًا وتوكلًا عليها قدحًا في التوحيد. لأنه ليس هناك شيء يستقل بالتأثير بدون مشيئة الله تعالى، قال الله تعالى في السحرة: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) (البقرة/١٠٢).
ب) وجعل سبحانه الإعراض عنها بالكلية من القدح في الشرع.
ج) وجعل سبحانه الأخذ بها علامة من علامات التوحيد الصحيح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد. ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع. (^١)
* ومن هذا الباب نقول:
إذا تحقق إنتفاء العلاقة بين النوء ونزول المطر من كل وجه بقي أن يُعلم أن الله -تعالى -قد قدَّر لنزول المطرأسبابًا، وهي إرسال الرياح.
قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الأعراف/٥٧)
فقوله تعالى (فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ) هذه باء السببية، والضمير بعدها يعود إلى قوله الأول (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ)
* وتأمل قوله تعالى ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢]
وهو أن الرياح تُلِّقح السحاب بما ينزل بسببه المطر. (^٢)
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٦٩) فالله -عزوجل- خالق الأسباب والمسببات، والمسبب هو الأثر المترتب على وجود السبب. ومن حكمة الله - تعالى - أنه ربط الأسباب بمسبباتها، ولكن لا يلزم من وجود الأسباب وجود المسببات، وقد توجد المسبّبات مع غياب الأسباب، فالأمر ليس معادلة رياضية، فقد يتواجد السبب ويتخلَّف الأثر، كما وقع لإبراهيم - ﵇- لما أُلقي في النار، وقد يوجد الأثر مع تخلُّف السبب، كما وقع لمريم - ﵍ - لما حملت بلا مس من البشر. وقد توسعنا في بسط ذلك في رسالة مستقلة سمَّيناها "إيقاف الطالبين على فوائد حديث السبعين"
(٢) أشار القرآن الكريم إلى وظيفة هامة تقوم بها الرياح، هذه الوظيفة هي عملية التلقيح، يقول تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢] فتقوم الرياح بالتلقيح الريحي للنباتات، وكشف العلم عن نوع آخر من التلقيح هو تلقيح السحاب، فالرياح بمشيئة الله تعالى تثير السحاب بتزويد الهواء بالرطوبة اللازمة، وإن إرسال الرياح بنوى التكثف المختلفة يعين بخار الماء الذي بالسحاب على التكثف، كما يعين قطيرات الماء المتكثفة في السحاب على مزيد من النمو حتى تصل إلى الكتلة التي تسمح لها بالنزول مطرًا أو ثلجًا أو بردًا بإذن الله تعالى. (ذكره عادل الصعدي نقلًا من موقع: " جامعةالإيمان"
[ ١ / ٤٨٨ ]
حكم توقعات نشرات الطقس لنزول الأمطار
* سؤال وجواب:
هل معرفة توقعات نزول الأمطار من نشرة أحوال الطقس تدخل في ادعاء علم الغيب؟
* الجواب:
معرفة أحوال الطقس لا تدخل في ادعاء علم الغيب، وإنما تبنى على توقعات بهبوب رياح جرت العادة على مجيئها نفس هذا لتوقيت من كل عام مثلًا، فتسبب نزول الأمطار.
فهذه أمور حسية وتجارب لها مقدمات ونتائج بنيت على علوم تطبيقية عُرف من خلالها أوقات الكسوف والخسوف وأوقات هبوب الرياح ونزول الأمطار.
وهذا النوع من العلوم مما يُحتاج إليه لمعرفة ما يدرك بالمشاهدة كمعرفة ظل الشمس وجهة القبلة، ونحو ذلك، فلا يدخل تحت النهي، وهو ما يسمَّى "علم التسيير".
وقد رخَّص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق، وروى ابن المنذر عن مجاهد: "أنه كان لا يرى بأسا أن يتعلم الرجل منازل القمر".
* وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية:
في قول أهل التقاويم في أن الرابع عشر من هذا الشهر يخسف القمر، وفي التاسع والعشرين تكسف الشمس، فهل يُصدَّقون في ذلك؟؟
الجواب:
الحمد لله الخسوف والكسوف لهما أوقات مقدرة كما لطلوع الهلال وقت مقدر، وذلك مما أجرى الله عادته بالليل والنهار والشتاء والصيف، وسائر ما يتبع جريان الشمس والقمر، وذلك من آيات الله تعالى.
وقد أجرى الله العادة أن الشمس لا تكسف إلا وقت الاستسرار، وأن القمر لا يخسف إلا وقت الإبدار، ووقت إبداره هي الليالي البيض التي يستحب صيام أيامها.
والعلم بالعادة في الكسوف والخسوف، فإنما يعرفه من يعرف حساب جريانهما،
[ ١ / ٤٨٩ ]
وليس خبر الحاسب بذلك من باب علم الغيب، ولا من باب ما يخبر به من الأحكام التي يكون كذبه فيها أعظم من صدقه، فإن ذلك قول بلا علم ثابت وبناء على غير أصل صحيح. (^١)
قال ابن رجب:
المأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير، فإنه -أي علم التأثير- باطل محرم قليله وكثيره، وأما علم التسيير فيتعلم ما يحتاج إليه من الاهتداء ومعرفة القبلة، والطرق، جائز عند الجمهور. (^٢)
* وعلى هذا يقال:
ما يُنقل عن أحوال الطقس كل يوم ليس من ادَّعاء علم الغيب؛ بل هي من علم الشهادة؛ لأنَّ الأقمار الصناعية تصور السحاب وحركة المنخفضات والمرتفعات والرياح، وليس في ذلك شبهة بدعوى علم الغيب؛ فهو يستند إلى أمور حسية. (^٣)
تم بحمد الله.
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (٤/ ٤٢٤)
(٢) وانظر لذلك فتح الباري شرح صحيح البخاري (٣/ ٦٩) والزواجر للهيتمي (٢/ ١٩٣)
(٣) وجاء في بحث عن ذلك كتبه الدكتور عبد الشكورالعروسي الأستاذ بقسم العقيدة - كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى قال فيه: فإن قيل: إذا كان الخلق لا يعلمون ما يستقبل من الحوادث، فكيف استطاع الفلكيون معرفة تواريخ الكسوف وساعاته، واستطاع مراقبو أحوال الطقس عن طريق المراصد الجوية الإخبار بأخباره قبل حدوثه؟ قيل: إن ذلك من التجارب البشرية المتكررة التي مكنت العلماء الذين يقومون بالرصد المتواصل من توقع تلك الحوادث على سبيل التوقع والظن، لا على سبيل العلم واليقين، فكما يستنتج أحدنا تقابل قطارين في نقطة معينة إذا كان انطلاقها في وقت واحد وسرعة واحدة سائرًا كلًا منهما في الاتجاه المواجه للآخر. فكذلك توقع الفلكيين مرور القمر بين الأرض والشمس في موضع معين في ساعة معينة لا يدل على علم الغيب، وإنما هو توقع مبني على التجارب والملاحظات المتواصلة، والاختبارات المتكررة. وهذا مما لا يجزم بحدوثه ووقوعه، والعلم بالشيء هو الجزم بما هو عليه، أو بما سيقع لا محالة، فليتأمل. اهـ
[ ١ / ٤٩٠ ]