[ ٢ / ٩٧٧ ]
إثبات الحوض النبي وبيان أول من يرد عليه
* نص حديث الباب:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسعودرضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
" أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَلَأُنَازِعَنَّ أَقْوَامًا ثُمَّ لَأُغْلَبَنَّ عَلَيْهِمْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ "
* تخريج الحديث:
أخرجه البخاري (٦٥٧٦) كتاب الرِّقَاق، " بابٌ في الحوض ".
ومسلم (٢٢٩٧) كتاب الفضائل، باب " إثبات حوض نبينا -ﷺ - وصفاته " * أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
فيه إثبات حوض النبي - ﷺ - وأنه حوض حقيقي على ظاهره، مخلوق موجود اليوم وهو كذلك عند أهل السنة والجماعة لا يتأولونه، ويجعلون الإيمان به فرضًا، وأحاديثه قد بلغت التواتر *وممن نص على تواتر أحاديث الحوض:
ابن حجر والقرطبي والقاضي عياض والسيوطي وابن كثير وابن أبي عاصم والسفَّاريني والطحاوي والكتاني، وغيرهم كثير. (^١)
_________________
(١) وانظر النكت على صحيح البخاري (٢/ ٢١٥) والأزهار المتناثرة (١٠٨) ونظم المتناثر من الحديث المتواتر (ص/٢٣٦) والسنة لابن أبي عاصم (٢/ ٣٦٠) والعقيدة الطحاوية (ص/٣٤٣) وممن استقصى طرق أحاديث الحوض: ابن كثير في البداية (١٩/ ٤٢٣) والبيهقي في "البعث والنشور" (ص/١١٠)، وفي بعض ذلك ما يقتضي كونها متواترة لفظًا ومعنى؛ لأنها رويت من طريق أكثر من خمسين صحابيًا. بل من العلماء من سرد رواة أحاديث الحوض فأوصلها إلى ثمانين صحابيا. انظر: تهذيب سنن أبي داود (١٣/ ٥٦) وعمدة القاري (٣٣/ ٣٩٦)
[ ٢ / ٩٧٩ ]
وقد تضافرت الأدلة من السنة على إثبات الحوض، فقد بوَّب البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق، باب في الحوض، وكذا مسلم عقد بابًا في كتاب الفضائل في إثبات حوض نبينا محمد ﷺ.
قال ابن عبد البر:
الأحاديث في حوضه - ﷺ - متواترة صحيحة ثابتة كثيرة، والإيمان بالحوض عند جماعة علماء المسلمين واجب، والإقرار به عند الجماعة لازم. (^١)
قال القرطبي:
الحوض المصرَّح باسمه، وصفته، وشرابه وآنيته في الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة يحصل بمجموعها العلم القطعي، واليقين التواتري، إذ قد روى ذلك عن النبي -ﷺ - من الصحابة -﵃نيف على الثلاثين.
في الصحيحين منهم نيف على العشرين، وباقيهم في غيرهما، مما صح نقله، واشتهرت روايته، ثم قد رواها عن الصحابة -﵃- من التابعين أمثالُهم. (^٢)
* ذكر طرف من أحاديث الحوض:
١ - حديث الباب:
وفيه قوله ﷺ: " أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ ":
والفارط هو الذي يتقدم الوارد ليصلح لهم الحياض والدلاء ونحوها من أمور الاستقاء، فمعنى: " فَرَطُكُمْ علي الحوض " سابقكم إليه، كالمهييء له. (^٣)
٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلا يَظْمَأُ أَبَدًا». (^٤)
٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ:
«مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ
_________________
(١) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١/ ٥٨٣)
(٢) وانظر المُفْهِم لما أَشْكَلَ من تلخيص كتاب مسلم (٦/ ٩٠) ولوامع الأنوار البهية (٢/ ١٩٥)
(٣) وانظرالمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٨/ ٦٨) والنهاية في غريب الحديث (٣/ ٣٤٣)
(٤) متفق عليه.
[ ٢ / ٩٨٠ ]
رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» (^١)
٤ - وعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍرضي الله عنه- أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ خَلَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا؟ فَقَالَ النبيُ ﷺ:
«إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ» (^٢)
٥ - عَنْ أَبِي ذَرٍّرضي الله عنه- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا آنِيَةُ الْحَوْضِ؟
قَالَ ﷺ:
«وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا، أَلَا فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْمُصْحِيَةِ، آنِيَةُ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ مَا عَلَيْهِ، يَشْخَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ، عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ، مَا بَيْنَ عَمَّانَ إِلَى أَيْلَةَ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ». (^٣)
٦ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَرضي الله عنه- قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ: "مَا أَنْتُمْ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّنْ يَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ" قَالَ:
قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "سَبْعُ مِائَةٍ أَوْ ثَمَانِ مِائَةٍ". (^٤)
٧ - وعَنْ أَنَسٍ بنِ مَالكٍ -﵁قَالَ:
«لَقَدْ تَرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ لَعَجَائِزَ يُكْثِرْنَ أَنْ يَسْأَلْنَ اللَّهَ -تعالى- أَنْ يُورِدَهُنَّ حَوْضَ مُحَمَّدٍ ﷺ». (^٥)
*الإجماع:
قال أبو العباس ابن تيمية:
وفتنة القبر والحوض وشفاعة النبي - ﷺ - في أهل
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) متفق عليه.
(٣) أخرجه مسلم (٢٣٠٠)
(٤) أخرجه أبوداود (٤٧٤٦) والحاكم (٢٥٧) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وحسنه ابن حجر في "هداية الرواة " (٥/ ١٩٢)، وقال الشيخ مقبل الوادعى فى " الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (١/ ٢٩٢): "هذا حديث صحيحٌ"
(٥) أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (٦٩٨) والحاكم (٢٦٠) وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ". وقال الألباني فى الظلال (ص/٢٨٤): إسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٢ / ٩٨١ ]
صفة الحوض وبيان موضعه يوم القيامة
الكبائر، فإن هذه الأصول كلها متفق عليها بين أهل السنة والجماعة. (^١)
* أول من يرد الحوض:
عن ثَوْبَانَرضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ:
«حَوْضِي مِنْ عَدَنَ إِلَى عَمَّانَ البَلْقَاءِ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وَأَكْوَابُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، أَوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا عَلَيْهِ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ، الشُّعْثُ رُءُوسًا، الدُّنْسُ ثِيَابًا الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ المُتَنَعِّمَاتِ وَلَا تُفْتَحُ لَهُمُ أَبْوَابُ السُّدَدِ». (^٢)
*صفة حوض النبي ﷺ:
١ - الحوض مخلوق الآن:
عن عقبة بن عامر - ﵁- أن النَّبي - ﷺ - خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف على المنبر فقال:
"إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي- وَاللَّهِ - لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ ". (^٣)
رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «وَأَنَّ عَرْضَهُ كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إلَى الْجُحْفَةِ»، وَفِي رِوَايَةٍ «بَيْنَ نَاحِيَتَيْهِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ»، وَفِي رِوَايَةٍ «عَرْضُهُ مِثْلُ طُوُلهُ مَا بَيْنَ عُمَانَ إلَى الْمَدِينَةِ»، وَفِي رِوَايَةٍ «مِنْ مَقَامِي إلَى عُمَانَ» وَفِي رِوَايَةٍ «قَدْرَ حَوْضِي مَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءِ الْيَمَنِ»، وَفِي رِوَايَةٍ «مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ»،
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٨٦) وممن نقل هذه الإجماع: ابن بطة في الإبانة الكبرى (ص/٢٠٣) وأبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر (ص ٢٩٨)
(٢) رواه الترمذي (٢٤٤٤)، وابن ماجه (٤٣٠٣)، وأحمد (٥/ ٢٧٥) (٢٢٤٢١)، والبزار (١٠/ ١٠٣)، والطبراني (١٤٣٧)، والحاكم (٤/ ٢٠٤). قال البزار: إسناده حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في " صحيح سنن الترمذي ": صحيح المرفوع منه.
(٣) أخرجه البخاري (١٣٤٤) ومسلم (٢٢٩٦)
[ ٢ / ٩٨٢ ]
وَفِي رِوَايَةٍ «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ»
قال القرطبي:
وقد اختلفت الألفاظ الدَّالة على مقدار الحوض، وقد ظن بعض القاصرين: أن ذلك اضطراب، وليس كذلك، وإنما تحدَّث النبي -ﷺبحديث الحوض مرات عديدة، وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة إشعارًا بأن ذلك تقدير، لا تحقيق، وكلها تفيد أنه كبير متسع، متباعد الجوانب والزوايا، ولعل سبب ذكره للجهات المختلفة في تقدير الحوض: أن ذلك إنما كان بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات، فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها. (^١)
فرع: أين يكون الحوض من مواقف يوم القيامة؟
ذهب فريق من العلماء إلى أن الحوض بعد الصراط:
وذلك لما روى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍرضي الله عنه- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا " (^٢)
فدل ذلك أن الشرب من الحوض يقع بعد الحساب، والنجاة من النار؛ لأن انتفاء الظمأ الدائم صفة من نجا من النار، ومثل هذا لا يكون إلا لمن اجتاز الصراط.
* يؤيده:
قول النبي -ﷺ - وقد سُئِلَ عَنْ شَرَابِ الحوض فَقَالَ:
«أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ، وَالْآخَرُ مِنْ وَرِقٍ». (^٣)
فدل ذلك على أن مادة الحوض من الجنة، فناسب ذلك أن يكون الحوض بجانب الجنة لينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها.
وهذا ما رجحه البخاري
_________________
(١) انظر المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٦/ ٩٢) وفيض القدير (٢/ ٥٧٩)
(٢) متفق عليه.
(٣) أخرجه مسلم (٢٣٠١) قال الأصبهاني: وقوله: يغت فيه ميزابان أي يسيل الماء فيه بكثرة، يقال: غت على وزن غل يغل بالغين المعجمة والتاء المنقوطة بنقطتين، وقيل: الغت الدفق. الحجة في بيان المحجة (١/ ٤٩٠)
[ ٢ / ٩٨٣ ]
والقاضي عياض وابن حجر والسيوطي. (^١)
* والراجح -والله أعلم-أن الحوض قبل الصراط:
وهذا ما رجَّحه الغزالي وابن القيم والطحاوي، وهو قول جمهور أهل العلم. (^٢)
يدل عليه:
ما رواه أَبوهُرَيْرَةَرضي الله عنه-عَنِ النَّبِيِّ ﷺ - قَالَ:
" بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ إِذَا زُمْرَةٌ، حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَقُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ:
إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمْ القَهْقَرَى. " (^٣)
وهذا من أظهر الأدلة على أن الحوض قبل الصراط؛ فإنه من جاز الصراط نجا، وأما الحوض فسوف يُصرف عنه بعض وارديه إلى النار، فدل ذلك على أنهم لن يجاوزوا الصراط قطعًا.
قال ابن القيم: فهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط؛ لأن الصراط إنما هو جسر ممدود على جهنم، فمن جازه سلم من النار. (^٤)
* ومما ناسب أن يكون الحوض قبل الصراط ما ذكره القرطبي بقوله:
والمعنى يقتضي تقديم الحوض على الصراط؛ فإن الناس يخرجون من قبورهم عِطَاشًا فناسب تقديمه لحاجة الناس إليه. (^٥)
_________________
(١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٨/ ٦٨) وفتح الباري (١١/ ٦٥٠)
(٢) وانظر شرح الطحاوية (ص/٣٤٤) وحاشية البيجوري على الجوهرة (ص/٣٠٣) والوعد الأخروي (١/ ١٢٧)
(٣) أخرجه البخاري (٦٥٨٧)
(٤) وانظر زاد المعاد (٣/ ٥٩٦) والوعد الأخروي (١/ ١٣٠)
(٥) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص/٢٦٩) * تنبيه: من العلماء رأى الجمع بين القولين بقول ثالث بأن للنبي - ﷺ - حوضين، أحدهما في الموقف قبل الصراط، والثاني في الجنة، وكلاهما يسمى كوثرًا، وهذه طريقة القرطبي وابن كثير. ولكنَّ الجمع إنما يقدَّم على الترجيح إذا كان مستندًا على دليل صحيح، ولم يثبت دليل على وجود حوضين فى العرصات. والله أعلم. وانظر فتح الباري (١١/ ٦٥٠) ولوامع الأنوار (٢/ ١٩٥)
[ ٢ / ٩٨٤ ]
تحريف الخوارج والرافضة لحديث الباب والرد عليهم
* المخالفون لأهل السنة في هذا الباب:
أول من نُقل عنه الخوض فى رد أحاديث الحوض هو عبيد الله بن زياد والي العراق ليزيد بن معاوية، قال فعن عَبْدُ اللَّهِ بْن بُرَيْدَةَ:
شَكَّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ فِي الْحَوْضِ، وَكَانَتْ فِيهِ حَرُورِيَّةٌ، فَقَالَ أَرَأَيْتُمُ الْحَوْضَ الَّذِي تَذْكُرُونَ مَا أَرَاهُ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عِنْدَكَ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَرْسَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ -﵁- فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَوْضِ، فَحَدَّثَهُ حَدِيثًا مَوَثَّقًا أَعْجَبَهُ، فَقَالَ أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا من رسول الله؟
قَالَ: لا، وَلَكِنْ حَدَّثَنِيهِ أَخِي، قَالَ: " لا حَاجَةَ لَنَا فِي حديث أخيك". (^١)
قال عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ:
شَهِدْتُ أَبَا بَرْزَةَ الأسلميرضي الله عنه- دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فقال له عُبَيْدُ اللَّهِ:
بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِأَسْأَلَكَ عَنِ الْحَوْضِ، سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ - يَذْكُرُ فِيهِ شَيْئًا؟
فَقَالَ لَهُ أَبُو بَرْزَةَ ﵁:
" نَعَمْ، لَا مَرَّةً، وَلَا ثِنْتَيْنِ، وَلَا ثَلَاثًا، وَلَا أَرْبَعًا، وَلَا خَمْسًا، فَمَنْ كَذَّبَ بِهِ فَلَا سَقَاهُ اللَّهُ -تعالى- مِنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ مُغْضَبًا ". (^٢)
* وكذلك فقد أنكر الحوض الخوارج وبعض المعتزلة، فقد ردوها بالعقل فقالوا:
أن وجود الحوض لا يُعقل، فكيف يكون الحوض قبل الصراط، وهو يُغذَّى من الجنة، ومن المعلوم أن أن الصراط قد ضُرب على جهنم، يمر عليه الناس قبل دخولهم الجنة؟!
فقال المنكرون للحوض: " إنما المراد بالحوض الوارد في الأحاديث إنما هو الكوثر، وأن الكوثر هو الخير الكثير"
لذا فقد ردوا أحاديث هذا الباب؛ لأنها لا تتناسب مع الوصف الذي تخيَّلوه.
والمعتزلة كما هو معلوم في قاعدتهم يؤولون الغيبيات:
فأنكروا الصراط وأولوا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم (٧٠٠) وصححه الألباني.
(٢) أخرجه أحمد (١٩٧٦٣) وأبوداود (٤٧٤٩) والبيهقي في البعث والنشور (١٥٤) وصححه الأرنؤوط.
[ ٢ / ٩٨٥ ]
الميزان وأولوا الصحف وأولوا الحوض إلى غير ذلك، على أساس قاعدتهم من تسليط العقل على النقل. (^١)
وممن نقل إنكار الجهمية والمعتزلة للحوض: ابن بطة العكبري وابن حجر والجيلاني. (^٢)
قال السفَّاريني:
خالفت المعتزلة فلم تقل بإثبات الحوض مع ثبوته بالسنة الصحيحة الصريحة، فكل من خالف في إثباته فهو مبتدع، فمنكره زائغ عن الثواب مستحق للطرد والعذاب، ويكفيه من الخزي والنكال أنه يذاد عنه ويطرد، ويمنع من الشرب منه ويرد. (^٣)
قال ابن أبي عاصم:
والأخبار التي ذكرناها في حوض النبي -ﷺتوجب العلم، أن يَعلم كنه حقيقته، أنها كذلك وعلى ما وصف به نبينا ﵇ حوضه، فنحن به مصدِّقون غير مرتابين ولا جاحدين، ونرغب إلى الذي وفقنا للتصديق به - وخذل المنكرين له والمكذبين به عن الإقرار به والتصديق به ليحرمهم لذة شربه- أن يوردنا فيسقينا منه شربة نعدم لها ظمأ الأبد بطوله، ونسأله ذلك بتفضله. (^٤) *وهنا نقول:
لا شك أن رد أحاديث الحوض هو ضلال بيِّن، ومثال واضح لمدى تسلُّط هوى العقول على المنقول، فمثل هذه الأحاديث التي أثبتت وجود
_________________
(١) إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل (١/ ٣٥٥) قال الشيخ حسن أبو الأشبال: وللأسف الشديد قبل عدة أسابيع سمعت أن أحد الفضلاء في الأزهر ينكر الحوض والميزان، وكان يلقي محاضرة في المقطم، فلما أتى عند الحوض قال كلامًا هو إلى الكفر أقرب، بل إنه زاد على الإنكار استهزاء وتهكمًا، فقال: كيف يُعد الله تعالى في الآخرة حوضًا لعباده؟ أهم بهائم؟ وهل الصفات الواردة في صفة الحوض هي نفس الصفات الواردة في الحياض التي تردها أنت مع البهائم وتشرب منها؟ (دروس للشيخ حسن أبي الأشبال مفرغة على الشاملة (١٦/ ١٢»
(٢) وانظر الإبانة الكبرى (٦/ ١٩٣) وفتح الباري (١١/ ٦٥٠) والغنية (١/ ٨٥)
(٣) لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٠٢)
(٤) كتاب السنة (٢/ ٣٦٠)
[ ٢ / ٩٨٦ ]
الحوض هي فى الحقيقة أحاديث متواترة قد أفادت العلم اليقيني القطعي بوجود حوض النبي ﷺ، فماذا بعد النقل إلا الضلال؟!
*وممَّن خاض في حديث الحوض بالتحريف الباطل:
الخوارج والرافضة الذين تذرَّعوا بحديث الباب للقول بالحكم بالردة على الصحابة ﵃.
فأما الخوارج فقد ذهبوا إلى تكفيرعلى بن أبي طالب وعثمان وعمرو بن العاص ومعاوية وأبا موسى ﵃، وجميع أصحاب قضية التحكيم وأهل الجمل وصفين.
وأما الروافض فقد كفَّروا جمهور الصحابة ﵃، ولم يستثنوا من ذلك الحكم إلا القليل، ذكروا منهم:
"علي بن أبي طالب، المقداد بن الأسود، أبا ذر الغفاري، عمَّار بن ياسر، حذيفة بن اليمان"، مستدلين على ذلك بحديث الباب.
قال عبد القاهر البغدادي:
وأما الإمامية من الروافض فقد زعم أكثرهم أن الصحابة ارتدت بعد وفاة النبي - ﷺ - سوى علي وابنيه، ومقدار ثلاثة عشر منهم. (^١)
*ومن الروايات الواردة في حديث الباب، والتى عضَّدوا بها مذهبهم:
قوله ﷺ:
" لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ أَقْوَامٌ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّي أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي، فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ"
وفي رواية أبي بكرة -﵁- يرفعه:
" لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِجَالٌ مِمَّنْ صَحِبَنِي وَرَآنِي، حَتَّى إِذَا رُفِعُوا إِلَيَّ وَرَأَيْتُهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَلَأَقُولَنَّ رَبِّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ". (^٢)
* والجواب على ذلك من وجوه:
١ - الوجه الأول:
قد مدح الله -عزوجل - الصحابة -﵃- فى مواضع عدة من كتابه الكريم،
_________________
(١) الفرق بين الفرق (ص/٢٧٧) ومن افتراءتهم في هذا ما يرونه عن جعفر الصادق أنه قال: " كان الناس بعد موت النبي -صلى الله عليه - أهل ردة إلا ثلاثة: "المقداد وأبو ذر وسلمان" وانظر لذلك: الكافي للكلينى (٨/ ٢٠٠) ودراسات فى الكافي للكلينى، هاشم الحسينى (١٢/ ١)
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٤٩٤) وابن أبي عاصم في "السنة" (٧٦٥)، وحسنه ابن حجر في الفتح (١١/ ٥٣٧)
[ ٢ / ٩٨٧ ]
وأثنى على جهادهم وبذلهم في سبيل الله تعالى، فكيف يكون هذا من الله -تعالى- لقوم ارتدوا جميعًا إلا ستة فقط؟!
وتأمل في قوله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾
(الفتح: ١٨)
قال ابن حجر الهيتمي:
فصرح تعالى برضاه عن أولئك وهم ألف ونحو أربعمائة، ومن ﵁ تعالى لا يمكن موته على الكفر؛ لأن العبرة بالوفاة على الإسلام، فلا يقع الرضا منه تعالى إلا على من علم موته على الإسلام، وأما من علم موته على الكفر فلا يمكن أن يخبر الله - تعالى - بأنه رضي عنه. (^١)
وفيهم قد قال النَّبِيّ ﷺ:
«لَا يَدْخُلُ النَّارَ، إِنْ شَاءَ اللهُ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا». (^٢) فكيف يرضى الله -﷿- عن أصحاب البيعة، وقد قيل أنهم كانوا خمس عشرة مائة، ويحمدهم ويضرب لهم مثلًا في التوراة والإنجيل، وهو يعلم أنهم يرتدون على أعقابهم بعد رسول الله ﷺ؟!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
كتاب الله نوعان: خبر وأمر:
أما الخبر فلا يجوز أن يتناقض، ولكن قد يفسر أحد الخبرين الآخر ويبيِّن معناه.
وأما الأمر فيدخله النسخ، ولا ينسخ ما أنزل الله-تعالى- إلا بما أنزل الله تعالى، فمن أراد أن ينسخ شرع الله - تعالى - الذي أنزله برأيه وهواه كان ملحدًا، وكذلك من دفع خبر الله -تعالى- برأيه ونظره كان ملحدًا. (^٣)
والأبين من ذلك ما ورد في قوله تعالى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: ٢٩)
فقوله عزوجل (وَالَّذِينَ مَعَهُ..) هذه من صيغ الجمع، فكيف يقال بردة جمهور الصحابة -﵃- إلا خمسة منهم؟!
_________________
(١) الصواعق المحرقة (ص/٥٧٠)
(٢) أخرجه مسلم (٢٤٩٦)
(٣) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٠٣)
[ ٢ / ٩٨٨ ]
قال ابن حزم:
فمن أخبرنا الله -﷿- أنه علم ما في قلوبهم ﵃، وأنزل السكينة عليهم فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم ولا الشك فيهم البتة، ثم نقطع على أن كل من صحب رسول الله - ﷺ - بنية صادقة - ولو ساعة - فإنه من أهل الجنة؛ وَذَلِكَ لقَوْل الله ﷿ (وكلًا وَعدَ اللهُ الْحسنى). (^١)
*فإذا حَرُمَ التوقف في أمرهم والشك فيهم البته، فكيف بمن يقع في أعراضهم، بل ويجزم لهم بالردة عن دين الإسلام؟!
٢ - الوجه الثاني:
قال تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠» (الحشر: ١٠)
فإن الله -عزوجل- قد أمرالتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أن يستغفروا للصحابة ﵃، وهذا ما فهمه الصحابة - ﵃- من هذه الأية:
قَالَ ابنُ عباس -﵄-:
لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ فَإِنَّ اللَّهَ - تعالى- قَدْ أَمَرَ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ سَيَقْتَتِلُون. (^٢)
وقالت عائشةُ ﵂:
«أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَبُّوهُمْ» (^٣)،
فالأمر بالاستغفار الذي أشاروا إليه هو ما ورد في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾
وهنا وجه الدلالة:
فقد أمر الله -تعالى- كل من جاء بعد الصحابة -﵃- أن يستغفروا لهم، فكيف يكون ذلك مع قوم يزعم الرافضة أنهم قد ارتدوا إلا قليلًا منهم؟!!
ولا يتردد من له أدنى علم في أن الشيعة الرافضة لم يترحموا على الصحابة -﵃- ولم
_________________
(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٧٢)
(٢) رواه الآجري في "الشريعة" (١٩٧٩)، واللالكائي في "أصول الاعتقاد" (٢٣٣٩). وصححه شيخ الإسلام فى "منهاج السنة النبوية" (٢/ ١١)
(٣) أخرجه مسلم (٣٠٢٢) قال القاضي عياض: والظاهرأن عائشة -﵂- قالت هذا عندما سمعت أهل مصر يقولون في عثمان ما قالوا، وأهل الشام في علي بن أبي طالب ما قالوا، والحرورية في جميع الصحابة ما قالوا. وانظر إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ٥٧٨)
[ ٢ / ٩٨٩ ]
يستغفروا لهم، بل سبُّوهم وحملوا لهم الغل في قلوبهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر آيات الحشر الثلاث من قوله تعالى: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ [الحشر: ٨] إلى قوله: رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: ١٠].
قال ﵀:
وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار وعلى الذين جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم، ولا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة، فإنهم لم يستغفروا للسابقين، وفي قلوبهم غل عليهم، ففي الآيات الثناء على الصحابة ﵃، وعلى أهل السنة الذين يتولونهم، وإخراج الرافضة من ذلك، وهذا نقيض مذهب الرافضة. (^١)
٣ - الوجه الثالث:
أن الصحابة -﵃- هم سدنة هذا الدين وأمناءه، فهم الذين قاموا على حفظ حياضه من ولوغ أهل البغى الافتراء والنفاق؛ لذا فإن الطعن فيهم هو طعن في كل ما تناقلوه من ميراث النبوة ومشاكي الوحى المنزَّل.
قال عمر بن حبيب:
حضرت مجلس الرشيد، فاحتج البعض بحديث يرويه أبو هريرة عن النبي ﷺ، فدفع بعضهم الحديث بأن أبا هريرة -﵁ - متهم فيما يرويه، وصرَّحوا بتكذيبه.
ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم، فقلت يا أمير المؤمنين:
إن الَّذِي قلته وجادلت عَلَيْهِ فِيهِ إزراء عَلَى رسول اللَّهِ ﷺ، وعلى ما جاء بِهِ، إِذَا كَانَ أصحابه -﵃- كذَّابين فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام فِي الصلاة والصيام والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول. فرجع إِلَى نفسه، ثُمَّ قال لي:
أحياك اللَّه كما أحييتني، ثُمَّ أمر لي بعشرة آلاف درهم. (^٢)
* ومما تناقض فيه الروافض في هذه المسألة:
أن الذين نقلوا أحاديث الحوض عن
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٢/ ١٠)
(٢) وانظر تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٢١/ ٢٩٥) ونواقض الإيمان القولية والعملية (ص/٤٢٨)
[ ٢ / ٩٩٠ ]
النبي - ﷺ - هم الذين زعمت الرافضة أنهم كفروا، وهم جمع كبير أكثر من خمسين صحابيًا.
فإن كنتم صدَّقتم بما نقله هؤلاء من صفة الحوض وأحاديثه وأنها صحيحة، فكيف تقبلون أحاديث من كفر عندكم؟!
وإن كان النقل عندكم إنما هو للتكاثر، فكيف ينقل هؤلاء الجلة من الصحابة -﵃والعدد الغفير أحاديث فيها تكفيرهم؟
لا شك أن فهم عامة الصحابة -﵃ - لأحاديث الحوض، وكونهم رووها وتناقلوها جميعًا، مع ترضيهم عن الخلفاء الأربعة وعن العشرة المبشَّرين بالجنة ما يدل دلالة قاطعة على أن هذا الفهم لتلك الأحاديث -القائم على القول بردة الصحابة -لم يكن معروفًا عند الصحابة ﵃.
وكون فهم في الأحاديث يكون غائبًا عن الصحابة جميعا ﵃، وعن التابعين وعن تبع التابعين، ولا يظهر هذا الفهم إلا بعد مائتي سنة يدل على أن هذا الفهم مردود؛ لأنه لم يفهمه أجيال من المسلمين. (^١)
قال ابن القيم:
ثم قام بالفتوى بعده بَرْك الإسلام وعصابة الإيمان وعسكر القرآن وجند الرحمن، أولئك أصحابه - ﷺ - ألين الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا وأقلها تكلَّفًا، وأحسنها بيانًا، وأصدقها إيمانًا وأعمها نصيحة، وأقربها إلى الله وسيلة. (^٢)
٤ - الوجه الرابع:
لو تدبروا حديث الباب وغيره من الأحاديث الواردة في هذا المعنى وفهموا ألفاظه، كما في قوله ﷺ:
" لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ أَقْوَامٌ "، وقوله ﷺ: "يا رب، أصيحابي" بالتصغيرالذي يراد به تقليل العدد، لاستدلوا على أنه لم يُرد بذلك إلا القليل
ممن ثبت على الردة بعد وفاة الرسول ﷺ.
_________________
(١) إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل (١/ ٣٥٦)
(٢) إعلام الموقعين (١/ ٩)
[ ٢ / ٩٩١ ]
وفيهم قال الله ﵎:
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾، فهؤلاء هم الذين يختلجون دونه.
فلم يرتد من الصحابة -﵃- أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين.
وأما جميع أصحابه، إلا الستة الذين ذكروا فكيف يختلجون، وقد تقدَّم قول الله-تعالى- فيهم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾؟!
كما أنه لو كان أراد جميع أصحابه -إلا من ذكروا- لقال:
" لَتَرِدُنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ، ثُمَّ لَتَخْتَلِجُنَّ دُونِي ". (^١)
قال الخطابي:
لم يرتد من الصحابة -﵃- أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحًا في الصحابة -﵃- المشهورين، ويدل قوله " أصيحابي " بالتصغير. (^٢)
٥ - الوجه الخامس:
أما استدلالهم بما ورد من ألفاظ في الحديث مثل: "أصحابي ":
فنقول:
كلمة "أصحابي" قد تُحمل على المعنى الشرعي:
" وهو كل من لقي النبي مؤمنًا به، ومات على الإيمان "
وقد تُحمل على المعنى اللغوي: فأصحاب الرجل هم أتباعه، وكل من تبع الرجل أو لازمه في أمر فهو صاحب له، وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب، وهو اسم لكل من عبد شجرة الأيكة منهم ولازمها، ومنه قوله: " اللهم أنت الصاحب في السفر" أي ملازم لنا في سفرنا لا يغيب عنا، وقوله ﷺ لعائشة ورضى الله عنها:
" فإنكنَّ صواحبُ يوسفَ "، وقوله لعمر بن الخطاب عندما أراد أن يقطع عنق عبد الله بن أبيّ بن سلول: " دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه "
فسمَّاه صحابيًا، ومعلوم أن عبد الله بن سلول كان من المنافقين.
فحمل معنى "أصحابي" في حديث الباب على المعنى اللغوي هو الأقرب؛ لقول النبي -ﷺ - عن عبد الله
_________________
(١) وانظر تأويل مختلف الحديث (ص/٣٤٢) والوعد الأخروي (١/ ١٢٠)
(٢) فتح الباري (١١/ ٥٣٧)
[ ٢ / ٩٩٢ ]
بن سلول: " دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابة " فسمَّاه صحابيًا. (^١)
* وعليه فالصحيح الراجح، والله أعلم:
أن المراد بالأصحاب أو الأصيحاب في هذا الحديث وأمثاله:
أنهم بعضُ من كان أسلم على عهد النبي - ﷺ - من جفاة الأعراب كبني أسد وبنى حنيفة وبني تميم وغيرهم، ورأوا رسول الله -ﷺ- المرةَ والمرتين، ولم تكن بشاشة الإيمان قد خالطت قلوبهم، فارتدوا بعد وفاته ﷺ على أعقابهم، وقد قاتلهم أبو بكر الصديق ﵁. *وكذلك يندرج فيهم:
من كان يظهرالإيمان ويُبطن النفاق على عهد النبي ﷺ. قال عبد القاهر البغدادي:
أجمع أهل السنة على أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبى -ﷺ - من كندة وحنيفة وفزارة وبنى أسد وبنى قشير وبنى بكر ابن وائل، لم يكونوا من الأنصار ولا من المهاجرين. (^٢)
فإن قيل:
إن النبي - ﷺ- كان يعرف المنافقين، فكيف يناديهم على الحوض بلفظ الصحبة؟
فالرد على ذلك:
أنه ﷺ كان يعرف بعضهم، ولم يكن يعرفهم كلهم؛ ولذلك قال الله ﵎ لنبيه محمد ﷺ ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ (التوبة: ١٠١)
فبيَّن أن النبي - ﷺ - لم يكن يعلم جميع المنافقين، وكان يظن أن أولئك من أصحابه وليسوا كذلك بل هم من المنافقين.
* ثم يقال:
إن زعمتم أيها الروافض أن في حديث الحوض دلالة على ردة أصحاب النبي -ﷺ- الذين ارتدوا من بعده، إلا ما استثنيتم، كعلي بن أبي طالب والسبطين وأبي ذر وسلمان والمقداد، لماذا لم يشملهم تعميم هذا الحديث؟
فإن قلتم:
قد ثبتت الأحاديث في كتب السنة بفضل هؤلاء الخمسة وصدقهم،
_________________
(١) نقض استدلال الرافضة بحديث الحوض (ص/٣٩)
(٢) الفرق بين الفرق (ص/٣١٠)
[ ٢ / ٩٩٣ ]
فنقول:
وكذلك ثبتت الأحاديث بفضل أبي بكر وعمر وعثمان، وسائر الصحابة ﵃﴾ أفتؤمنون ببعض السنن وتكفرون ببعض.. ﴿؟!!
* وإن تعجب فعجب فعلهم:
١ - أن الروافض نسوا أوتناسوا كل المرتدين عن الإسلام من العرب من الذين حاربهم الصديق ﵁، ولم يصرِّحوا إلا بردة الصحابة ﵃، رغم أن الصحابة -﵃- هم الذين بقوا على الإسلام وحملوا رايته.
٢ - أن الروافض قد حملوا حديث الحوض على صحابة النبي ﷺ، مع أنهم ومن على شاكلتهم هم المعنيون بهذا الحديث؛ لأن الصحابة -﵃- ما بدَّلوا ولا غيِّروا ولا أحدثوا، بل كما قال تعالى:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: ٢٣).
وأما الذين بدَّلوا وحرَّفوا فهم الروافض، فهم الذين ما أبقوا من الإسلام إلا اسمه، وعليه فهم قد رموا الصحابة -﵃- بما هم أهله. (^١).
* وهنا وقفة مهمة:
فليعلم أن المنقول من المطاعن في صحابة النبي ﷺ، في سيرتهم، وفيما شجر بينهم بعد عصر النبوة إنما يرويها الكذّابون المعروفون بالافتراء والوضع، مثل أبي مخنف لوط بن يحيى الشيعي (^٢)، وهشام بن محمد بن السائب الكلبي (^٣)، وأمثالهم وعلى شاكلتهم كثير.
فمثل هذه
_________________
(١) التحفة السنية شرح المنظومة الحائية (ص/٨٢)
(٢) قال عنه ابن حبان: «رافضي يشتم الصحابة ويروي الموضوعات عن الثقات». لسان الميزان (٤/ ٣٦٦). قال عنه الذهبي (٣/ ٤١٩): «إخباري تالف لا يوثق به، تركه أبو حاتم وغيره». ومثله قال بن حجر في لسان الميزان (٤/ ٤٩٢).
(٣) قال عنه ابن عساكر: «رافضي ليس بثقة». ميزان الاعتدال (٤/ ٣٠٤). وقال عنه بن حبان في كتاب "المجروحين من المحدثين والمتروكين" (٣/ ٩١): «يروي العجائب والأخبار التي لا أصول لها. وكان غاليًا في التشيع. = =وأخباره في الأُغلوطات، أشهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفها». قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية "منهاج السنة" (٥/ ٣٩): "شيعي، من أكذب الناس"
[ ٢ / ٩٩٤ ]
ثبوت عدالة الصحابة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة
الأثار المنكرة والموضوعة لا يُدفع بها ما ثبت نقله من فضائل الصحابة ﵃.
قال ابن حجر الهيتمي:
ومما يوجب أيضا الإمساك عمَّا شجر - أي وقع بينهم من الاختلاف - الإضراب صفحًا عن أخبار المؤرخين، سيَّما جهلة الروافض وضلال الشيعة والمبتدعين القادحين في أحد منهم. (^١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ما علم بالكتاب والسنة والنقل المتواتر، من محاسن الصحابة -﵃- وفضائلهم، لا يجوز أن يُدْفَعَ بنُقولٍ بعضها منقطعٌ وبعضها محرَّف وبعضها يقدح فيما عُلِم.
فإنّ اليقين لا يزول بالشك، ونحن تيقنّا ما ثبت في فضائلهم، فلا يقدح في هذا أمور مشكوك فيها، فكيف إذا عُلِمَ بطلانها؟! (^٢)
* فكيف لهذه الأباطيل المكذوبة أن تشوِّش على الصحابة ﵃؛ وهم قوم ثبت عدالتهم ورفعتهم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة:
* أما أدلة القرآن:
قال تعالى) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩» (الفتح: ٢٩)
وقال تعالى (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ
لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩» (التوبة: ٨٨ - ٩٨)
قال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠» (التوبة: ١٠٠)
_________________
(١) الصواعق المحرقة (ص/٥٨٤)
(٢) منهاج السنة النبوية (٦/ ١٦٥)
[ ٢ / ٩٩٥ ]
* وأما أدلة السنة:
عَنْ أَبِي بُرْدَة -﵁- قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (^١)
وعن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵄- أن رَسُول- اللَّهِ ﷺ - قال:
" خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ ". (^٢)
- وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ﵁- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ، ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ،
وَلَا نَصِيفَهُ». (^٣)
* عقيدتنا في آل البيت والصحب الكرام:
١ - أهل السنَّة يوالون أهل بيت النبي - ﷺ - ويحبُّونهم، ويحفظون وصية النبي - ﷺ - بهم.
كما يوالون أصحاب النبي - ﷺ - ويحبُّونهم ويترضون عنهم.
فطريقة أهل السنة هي لا إلى هؤلاء النواصب الذين نصبوا العداء لأهل البيت، ولا إلى هؤلاء الروافض الذين نصبوا العداء لأصحاب النبي ﷺ.
٢ - أهل السنة يؤمنون بأن خيرَ هذه الأمة بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر الصِّدِّيق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب ﵃ جميعًا. (^٤)
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٥٣١)
(٢) متفق عليه.
(٣) متفق عليه.
(٤) وقد شذ ابن حزم في هذا الباب وخرق إجماع الأمة فقدَّم عائشة -﵂- في الفضل على أبيها أبي بكر﵁ - وعلى جمهور الصحابة، بدعوى أنها ستكون في مرتبة النبي -ﷺ- في الجنة. قال الذهبي: ومن عجيب ما ورد أن أبا محمد بن حزم، مع كونه أعلم أهل زمانه، ذهب إلى أن عائشة أفضل من أبيها، وهذا ما خرق به الإجماع. (تاريخ الإسلام (٤/ ٢٤٦» ولشيخ الإسلام ابن تيمية ردود على هذه المسألة وإلزمات قوية لابن حزم. فليرجع إليه من شاء في مجموع الفتاوى (٤/ ٣٩٥)
[ ٢ / ٩٩٦ ]
كما يقدِّمون مَن أنفق من قبل الفتح، وهو صُلح الحديبية، وقاتل في سبيل الله، على مَن أنفق من بعد وقاتل، وكلًّا وعَد الله الحسن، ويقدِّمون المهاجرين على الأنصار. كما يشهَدون بالجنة لمَن شهد لهم رسولُ الله ﷺ؛ كالعشَرة المبشَّرين بالجنة وغيرهم ممن عيَّنهم رسول الله ﷺ.
٣ - أهل السنَّة والجماعة لا يعتقدون أن كل واحدٍ من الصحابة -﵃- معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجُوز عليهم الذنوبُ في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم، إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم مِن الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم. (^١)
٤ - اتفق أهل السنة على أن جميع صحابة النبي - ﷺ - وآل بيته عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة، فقد ثبتت عدالتهم بإجماع أهل الحق من المسلمين، وهم أهل السنة والجماعة. (^٢)
٥ - من منهج أهل السنة والجماعة الإمساك عن ذكر هفوات الصحابة ﵃، وعدم الخوض فيما شجر بينهم ويتأكد هذا الإمساك عند من يخشى عليه الالتباس والتشويش والفتنة، وقد نقل الإجماع على ذلك أبو العباس ابن تيمية وغيره. (^٣)
قال ابن أبي زيد:
الإمساك عمَّا شجر بينهم، وأنهم أحقّ الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج،
ويظنّ بهم أحسن المذاهب. (^٤)
وقال ابن دقيق العيد:
وما نُقل عنهم فيما شجر بينهم واختلفو فيه، فمنه ما هو باطلٌ وكذب، فلا يُلتفت إليه، وما كان صحيحًا أوَّلناه تأويلًا حسنًا، لأنّ الثناء عليهم
_________________
(١) العقيدة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٥)
(٢) وممن نقل هذا الإجماع: النووي وابن الصلاح والجوينى وغيرهم. وانظرالإصابة في تمييز الصحابة (١/ ٢٢) والاستيعاب (١/ ٨) والحديث والمحدثون (ص/١٢٩)
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٦)
(٤) مقدمة أبي زيد القيرواني (ص/٦١)
[ ٢ / ٩٩٧ ]
من الله - تعالى- سابق،
وما ذكِرَ من الكلام اللاحق محتمل للتأويل، والمشكوك والموهوم لا يبطل الملحق المعلوم. (^١)
* وأما إذا دعت الحاجة إلى ذكر ما شجر بينهم، فلابد من التحقيق والتثبت في الروايات المذكورة حول الفتن بين الصحابة، قال ﷿:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ (الحجرات: ٦).
وهذه الآية تأمر المؤمنين بالتثبت في الأخبار المنقولة إليهم عن طريق الفسَّاق؛ لكيلا يحكموا بموجبها على الناس فيندموا.
فوجوب التثبت والتحقيق فيما نقل عن الصحابة ﵃، وهم سادة المؤمنين أولى وأحرى، خصوصًا ونحن نعلم أن هذه الروايات دخلها الكذب والتحريف، أما من جهة اصل الرواية أو تحريف بالزيادة والنقص يخرج الرواية مخرج الذم والطعن.
وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب، يرويها الكذَّابون والوضاعون.
قال الذهبي:
ويُكف عن كثير مما شجر بين الصحابة، وقتالهم - ﵃ أجمعين -
وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين، والكتب، والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع، وضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه، لتصفو القلوب، وتتوفر على حب الصحابة، والترضي عنهم، وكتمان ذلك مُتَعَيِّنٌ عن العامة، وآحاد العلماء، وقد يُرَخَّصُ في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف، العري من الهوى. (^٢)
* فرع: حكم سب الصحابة ﵃:
اتفق جماهير أهل العلم بلا خلاف بينهم على حرمة سب الصحابة ﵃،، وأن ذلك من كبائر الأمور.
_________________
(١) بديع المعاني على عقيدة الشيباني (ص/١٤٥)
(٢) وانظر سير أعلام النبلاء (١٠/ ٩٢) والإبانة الكبرى (١٢٨٢)
[ ٢ / ٩٩٨ ]
قال أبو زرعة:
إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله -ﷺ - فاعلم أنه زنديق؛ وإنما أدى إلينا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح أولى بهم، وهم زنادقة. (^١)
وقد اختلفوا في حكم فاعل ذلك:
١ - القول الأول:
أن من سبَّ الصحابة -﵃- يُقتل، وهو رواية عن مالك.
٢ - القول الثاني:
وقال به جمهورأهل العلم أن فاعل ذلك يُحبس ويعزر، ولا يكفر.
قال النووي:
واعلم أن سب الصحابة - ﵃ - حرام من فواحش المحرمات، سواء من لابس الفتن منهم وغيره؛ لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون، ..
قال القاضي: وسب أحدهم من المعاصي الكبائر، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يعزر، ولا يقتل. (^٢)
* ومن أدلة الجمهور على ذلك:
١ - عَنْ أَبِي بَرْزَةَ -﵁- قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ ﵁،
فَتَغَيَّظَ عَلَى رَجُلٍ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ:
تَأْذَنُ لِي يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟
، قَالَ: «لَا وَاللَّهِ، مَا كَانَتْ لِبَشَرٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ» (^٣)
وقد روى ابن حزم بسنده عن أبي برزة -﵁- قال:
أغلظ رجل لأبي بكر الصديق ﵁، قلت: ألا أقتله؟ فقال أبو بكررضى الله عنه: ليس هذا إلا لمن شتم النبي ﷺ.
ثم قال ابن حزم:
فبيِّن أبو بكر الصديق - ﵁ - أنه لا يقتل من شتمه، لكن يقتل من
_________________
(١) تهذيب الكمال (١٩/ ٩٦)
(٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٨/ ٣٣٤)
(٣) أخرجه أبو داود (٤٣٦٣) وأخرجه النسائي في "الكبرى" (٣٥٢٦) وقال النسائي: " هذا أحسن هذه الأحاديث وأجودها"، وأخرجه الحاكم (٨٠٤٥) وقال: " صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي. وقد أخرجه أحمد (٥٤) والنسائي (٣٥٢٠) من طريق آخرعن أبي برزة الأسلمي قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق ﵁، فقلت: أقتُله؟ فانتهرني، وقال: ليس هذا لأحد بعد رسول الله - ﷺ. صححه الشيخ أحمد شاكر.
[ ٢ / ٩٩٩ ]
شتم النبي ﷺ. (^١)
٢ - أن الله - تعالى- قد فرَّق بين الذين يؤذون الله ورسوله، فأخبر تعالى أن الله -عزوجل- قد لعنهم في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابًا مهينًا، وبين والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات فهؤلاء قد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا.
ووجه الدلالة:
أن مطلق البهتان والإثم يوجب العقوبة في الجملة، ولا يوجب القتل. (^٢)
٣ - وعَنْ ابن عمر -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ ". (^٣)
ووجه الدلالة:
أن الأصل هو عصمة الدم إلا ما خصه دليل الحل، فلا نخرج عن هذا الأصل إلا بدليل ينقض هذه العصمة، ولا دليل على قتل من سبَّ واحدًا من الصحابة ﵃.
* والراجح -والله أعلم- في ذلك التفصيل الذى ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية:
١ - من اقترن بسبه دعوى أنَّ عليًا -﵁- إله، أو أنه كان هو النبي -ﷺوإنما غلط جبريل في الرسالة فهذا لاشك في كفره، بل لاشك في كفر من توقف في تكفيره.
٢ - من سبَّهم سبًا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك، فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم.
٣ - من لعن وقبَّح مطلقًا فهذا محل الخلاف فيهم؛ لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد.
_________________
(١) المحلى بالآثار (١١/ ٥٢٤)
(٢) انظر " نقض استدلال الرافضة بحديث الحوض " (ص/٢٠)
(٣) متفق عليه.
[ ٢ / ١٠٠٠ ]
٤ - من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله -ﷺ - إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم فهذا لا ريب أيضًا في كفره؛ فإنه مكذِّب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم.
بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين؛ فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فسَّاق، وأن هذه الأمة التي هي: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وخيرها هو القرن الأول كان عامتهم كفارًا أو فسَّاقًا. ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام. (^١)
* وعليه يقال:
أن من سبّهم سبًا يقدح في عدالتهم ودينهم، فهذا كفر مخرج من الملة؛ لأنه تكذيب للأحاديث الشريفة الدالة على فضلهم ومكانتهم وتزكيتهم، ومن ظن أن هذا السب لا يعد كفرًا فقد خالف الكتاب والسنة والإجماع.
قال القرطبي:
لا خلاف في وجوب احترامهم، وتحريم سبِّهم، ولا يختلف في أن من قال: إنَّهم كانوا على كفر أو ضلال كافر يقتل، لأنَّه أنكر معلومًا ضروريًا من الشرع، فقد كذَّب الله -تعالى- ورسوله -ﷺ- فيما أخبرا به عنهم. . (^٢)
تنبيه:
من سبّ أم المؤمنين عائشة - ﵂ - خاصة، وقذفها بما برأها الله -تعالى- منه، على ما جرت أحداث قصتها في غزوة المريسيع فإنه يكفر بالاتفاق. وأما إن سبَّها بغير ما برأها الله -تعالى- منه، مما لا يقدح في عدالتها ولا دينها فقد جنى جناية عظيمة، واستحق التأديب والتعزير، ولكنه لا يكفر.
قال ابن العربي:
إن أهل الإفك رموا عائشة -﵂- المطهَّرة بالفاحشة فبرَّأها الله تعالى، فكل من سبَّها بما برأها الله - تعالى - منه فهو مكذِّب لله عزوجل، ومن كذَّب الله فهو كافر. (^٣)
وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم، نذكر منهم:
شيخ الإسلام
_________________
(١) الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص/٤٣٧)
(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٦/ ٤٩٣)
(٣) وانظرأحكام القرآن (٣/ ١٣٥٦) والإصابة في الذب عن الصحابة (ص/١٣٧)
[ ٢ / ١٠٠١ ]
ابن تيمية وابن القيم والنووي وابن كثير، وغيرهم كثير. (^١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
قال القاضي أبو يعلى "من قذف عائشة -﵂- بما برأها الله -تعالى- منه كفر بلا خلاف"، وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم. (^٢)
* عودٌ إلى حديث الباب:
وممن يُرد عن الحوض:
ما ورد فى حديث ابْنِ عُمَرَرضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
" سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَأْمُرُونَكُمْ بِمَا لَا يَفْعَلُونَ، فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكِذْبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَنْ يَرِدَ عَلَيَّ الْحَوْضَ " (^٣)
قال ابن عبد البر:
وكل من أحدث في الدين ما لا يرضاه الله -تعالى- ولم يأذن به فهو من المطرودين عن الحوض والمبعدين والله أعلم.
وأشدهم طردًا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم، مثل الخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها وجميع أهل الزيغ والبدع فهؤلاء كلهم مبدِّلون.
وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق وقتل أهله وإذلالهم، كلهم مبدل، يظهر على يديه من تغيير سنن الإسلام أمر عظيم فالناس على دين الملوك.
ورحم الله ابن المبارك فإنه القائل:
وَهَلْ بَدَّلَ الدِّينَ إِلَّا الْمُلُوكُ وَأَحْبَارُ سُوءٍ وَرُهْبَانُهَا. (^٤)
* فبقدر ما تنهل من سنة النبي - ﷺ- وهديه في الحياة الدنيا بقدر ما ترد وتشرب من حوضه يوم القيامة، لذا فإن الفرق الضالة الشاردة عن الهدي النبوي ممن سيسير في
_________________
(١) وانظر زاد المعاد (١/ ١٠٣) والمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٩/ ١١٥) وتفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٢)
(٢) الصارم المسلول (ص/٤٢٢)
(٣) أخرجه أحمد (٥٧٠٢) والترمذي (٢٢٥٩) وقال: صحيح غريب. انظر صحيح الترغيب والترهيب (٢٢٤٢)
(٤) وانظر الاستذكار (١/ ١٩٤) والتذكرة (ص/٢٧٣)
[ ٢ / ١٠٠٢ ]
ركاب المطرودين عن الحوض الشريف.
يقول ابن القيم في النونية:
وَرَأَيْت أكوازًا هُنَاكَ كَثِيرَة
مثل النُّجُوم لوارد ظمآن
وَرَأَيْت حَوْض الْكَوْثَر الصافي
الَّذِي لَا زَالَ يشخب فِيهِ مِيزَابَانِ
ميزاب سنته وَقَول إلهِهِ
وهما مدى الايام لَا ينِيان
وَالنَّاس لَا يردونه إِلَّا من الا
لآف أفرادًا ذَوُي إِيمَان
وردوا عَذَاب مناهل أكْرم بهَا
ووردتم أَنْتُم عَذَاب هوانِ.
فيصف ابن القيم وروده للمدينة، مدينة العلم فيحكي كيف وجد
هناك نبع الشريعة صافيًا، لم يختلط بما يكدره من الكيزان ما قد يعد بنجوم السماء، وقد أُعِدتْ لمن يرده ويطلب ريَّه من الظماء، ورأى هنالك حوض الكوثر الصافي، وهو علمه -ﷺ- الذي تركه في أمته لا زال يصب فيه ميزابان:
ميزاب الكتاب الكريم، والسنة المطهرة، كما أن حوضه في الموقف يوم فيه ميزابان من نهر الكوثر الذي في الجنة، فمن شرب من حوض علمه الصافي في الدنيا؛ فهو الجدير أن يرد حوضه في الآخرة، ومن صد عنه، وآثر عليه هذه الموارد الآسنة؛ فسيذاد عن حوضه ويبعد جزاءً وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد. ومن المؤسف أن الناس لا يردون حوض علمه في الدنيا من الآلاف المؤلفة إلا الفرد بعد الفرد من هداهم الله - تعالى- ووفقهم، وهم الذين وردوا أكرم المناهل وأعذبها، وأما أنتم أيها المعرضون المخذولون فقد وردتم موارد العذاب المهين تبقون فيها خزايا نادمين. (^١)
* فرع: هل الحوض هو الكوثر؟
قيل في ذلك أن المراد بالكوثر هو الحوض، وقيل المراد بالكوثر هو الخير
_________________
(١) الكافية الشافية لابن القيم بشرح خليل هراس (١/ ٣٣٢)
[ ٢ / ١٠٠٣ ]
الفرق بين الحوض والكوثر
الكثير، والراجح -والله أعلم- هو التفريق بينهما، فإن الكوثر:
هو نهر في الجنة، أعطاه الله -تعالى- للنبي ﷺ، كما قال الله تعالى (إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) ﴿الكوثر: ١﴾.
وعَنْ أَنَسٍ - ﵁- قَالَ: لَمَّا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: " أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ، حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ مُجَوَّفًا، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ " (^١)
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَرضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الجَنَّةِ، حَافَّتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَجْرَاهُ عَلَى الدُّرِّ وَاليَاقُوتِ، تُرْبَتُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وَمَاؤُهُ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وَأَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ». (^٢)
*وأما الحوض:
فإنه فى العرصات خارج الجنة، يرده المسلمون قبل دخولهم الجنة، ويستمد الحوض مائه من نهرين من داخل الجنة، كما ورد عَنْ أَبِي ذَرٍّرضي الله عنه - أن رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قال عن الحوض:
، يَشْخَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ". (^٣)
*فإن قيل:
قد روى أَنَسرضي الله عنه - أن رَسُول اللهِ - ﷺ - قَرَأَ:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٢] ثُمَّ قَالَ:
«أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟»، فَقُلْنَا: "اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ "، قَالَ:
" فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي ﷿، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ ". (^٤)
فظاهر ذلك أن الكوثر هو نفسه حوض النبي ﷺ.
* فجوابه من وجهين:
١ - الأول:
الكوثر نهر داخل الجنة، ويأتي وماؤه يصب في الحوض ويطلق على
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٩٦٤)
(٢) أخرجه الترمذي (٣٣٦١) وقال: "حسن صحيح"
(٣) أخرجه مسلم (٢٣٠٠)
(٤) أخرجه مسلم (٤٠٠)
[ ٢ / ١٠٠٤ ]
الحوض كوثر لكونه يُمَدُّ منه. (^١)
٢ - الثاني:
أن حديث أنس -﵁- هذا قد ورد فيه تفسير الحوض بالكوثر على المعنى اللغوي الذي هو الخير الكثير، وليس المعنى الاصطلاحي الذي هو الكوثر الذي هو نهر في الجنة، وهو المراد في حديث ابن عمر -﵄- السابق.
*وختامًا: من كذَّب بكرامة لم ينلها:
ونختم بما سطَّره الإمام ابن كثير ردًا على من ينكر الحوض، قال ﵀: ذكر ما ورد في الحوض النبوي المحمدي - سقانا الله منه يوم القيامة - من الأحاديث المتواترة المتعددة من الطرق الكثيرة المتضافرة؛ وإن رغمت أنوف كثيرة من المبتدعة المعاندة المكابرة، القائلين بجحوده، المنكرين لوجوده،
وأخلق بهم أن يحال بينهم وبين وروده، كما قال بعض السلف:
" من كذَّب بكرامة لم ينلها ". (^٢)
تم بحمد الله تعالى.
_________________
(١) وانظر فتح الباري (١١/ ٦٥٠) وخصائص المصطفى بين الغلو والجفاء (ص/٥٢)
(٢) النهاية في الفتن والملاحم (ص/٣١٣)
[ ٢ / ١٠٠٥ ]