[ ١ / ٤٩١ ]
*نص حديث الباب:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَة: ﴿إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ، إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء/٥٨]، وَيَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ.
*تخريج الحديث:
أخرجه أبوداود (٤٧٢٨) باب: في الجهمية، وقال: «وَهَذَا رَدٌّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ»،
وابن خزيمة في التوحيد (ص/٤٢)، وابن حبان (٢٦٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص/٢٠٩) والحاكم (٢٩٢٥)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
وقال ابن حجر: أخرجه أبو داود بسند قوي على شرط مسلم.
وقال اللالكائي: وهو إسناد صحيح على شرط مسلم يلزمه إخراجه. (^١)
* جملة من الفوائد المهمة: -
١ - الأولى:
في قوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
فهذه الأية تشتمل على إثبات اسمين من أسماء الله الحسنى، كما قال تعالى (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف/١٨٠)
وهما: السميع والبصير.
_________________
(١) قال في " أنيس الساري ": إسناده صحيح، إلا أنّ مسلمًا لم يُخرج رواية أبي عبد الرحمن المقرئ عن حرملة بن عمران، ولا رواية حرملة بن عمران عن سليم بن جُبير. وانظرفتح الباري (١٣/ ٥٢٨) وأنِيسُ السَّاري في تخريج أحاديث فَتح البَاري (٣/ ١٨٢٢) والسلسلة الصحيحة تحت الحديث (٣٠٨١)
[ ١ / ٤٩٣ ]
أدلة الكتاب والسنة والإجماع والعقل على إثبات الأسماء والصفات
فوائد تتعلق بمعتقد أهل السنة في أسماء الله تعالى:
١ - الفائدة الأولى:
- أسماء الله -تعالى - ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والنظر:
قال تعالى (هُوَ اللَّهُ الَّذي لا إِلهَ إِلّا هُوَ عالِمُ الغَيبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحمنُ الرَّحيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذي لا إِلهَ إِلّا هُوَ المَلِكُ القُدّوسُ السَّلامُ المُؤمِنُ المُهَيمِنُ العَزيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبحانَ اللَّهِ عَمّا يُشرِكونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسماءُ الحُسنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ وَهُوَ العَزيزُ الحَكيمُ") (الحشر/٢٤)
*وكذلك الصفات ثابتة لله عزوجل:
فمن أدلة الكتاب:
قال تعالى (وَللهِ المَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)﴾ النحل: ٦٠ ﴿
أي: ولله الوَصفُ الأفضَلُ والأطيَبُ والأحسَنُ، مِن تَوحيدِه، وتنَزُّهِه عن الولَدِ، وأنَّ له جميعَ صِفاتِ الكَمالِ المُطلَقِ مِن جَميعِ الوُجوهِ. (^١)
وقوله (الأعلى) صيغة أفعل التفضيل، أي أعلى من غيره، وهذا إنما يدل عَلَى أن الكمال المطلق في أي صفة من صفات الكمال فهو لله ﷾.
٢ - وقال تعالى (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام) (الرحمن/ ٢٧)
وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات/ ٥٨)
وقال تعالى: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦» (البروج/١٦)
ووجه الشاهد من هذه الآيات على إثبات الصفات في قوله تعالى (ذو الجلال..) وقوله (ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)
ووجه الدلالة:
القاعدة: " الأصل في الكلام التأسيس لا التأكيد "، والمعنى أن ذكر قوله تعالى " ذو القوة " يضيف معنى جديدًا عن قوله " القوي "، فالأول يعطى معنى صفة لله تعالى، وأما الثاني فإنما يُراد به الاسم، فتغير بنية الكلمة يؤسس معنى جديدًا، ولا يؤكد على نفس المعنى.
*وأما أدلة السنة على إثبات الأسماء والصفات:
عن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ -
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ١١٩) وتفسير القرأن العظيم (٤/ ٥٧٨)
[ ١ / ٤٩٤ ]
قَالَ:
" إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ " (^١)
*وعن بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ -﵁- قَالَ:
سَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا يَدْعُو وَهُوَ يَقُولُ:
"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ"، قَالَ: فَقَالَ ﷺ:
"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أعطى. (^٢)
* عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَلَمَّا رَجَعُوا ذكروا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ:
لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ؛ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ. (^٣)
* عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - إِنَّ الْيَهُودَ جَاءَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالُوا:
يَا مُحَمَّدُ صِفْ لَنَا رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَد" (^٤)
*وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:
" بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٧٧) والترمذي (٣٥٠٨)
(٢) أخرجه الترمذى (٣٤٧٥) وأبوداود (١٤٩٤) وصححه الألبانى.
(٣) متفق عليه. وقد ذكر ابن حزم في سياق كلامه عن إنكار الصفات هذا الحديث وأشار إلى ضعفه، حيث غمز في أحد رواته وهو سعيد ابن أبي هلال، ولا شك أن هذا الكلام عارٍ عن الصحة، فقد وثّق هذا الراوي: الذهبي والخطيب وابن حبان والدارقطني وابن خزيمة وابن عبد البر، وأخرج له الشيخان، وقال عنه ابن حجر: "ثقة ثبت، ضعفه ابن حزم وحده ". وانظر الفصل (١/ ٣٧٨) وسير أعلام النبلاء (٦/ ١٢٨) ولسان الميزان (٣١٤١)
(٤) رواه أحمد (٢١٢١٩) والواحدي في "أسباب النزول" (٢٦٢) والترمذي (٣٣٦٤)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" رقم (٦٠٨)، وابن حزيمة في "التوحيد" (٤٥)، الدارمي في "الرد على الجهمية برقم (٢٨) من حديث أبي بن كعب ﵁، والحاكم (٣٩٨٧) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسَّن الحافظ إسناده في الفتح «١٣/ ٣٥٦)، وحسَّنه الألباني في "صحيح سنن الترمذي (٢٦٨).
[ ١ / ٤٩٥ ]
تَرَى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ، وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ ". (^١)
ووجه الدلالة من ذلك:
أن أيوب -﵇- قد أقسم بصفة من صفات الله تعالى، ومعلوم بالنص والإجماع حرمة القسم إلا بالله تعالى، فدل ذلك أن صفاته -تعالى- منه، وقائمة به تعالى.
*وأما الإجماع:
فقد أجمع أهل السنة على إثبات الأسماء والصفات لله - تعالى - على مايليق به
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشوري/١١)
قال ابن عبد البر:
أهل السنة مجموعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيّفون شيئا من ذلك ولا يحدُّون فيه صفة محصورة. (^٢)
*ومن العقل من وجهين:
*الأول:
" كل صفة كمال اتصف بها المخلوق فالله - ﷾ - أولى بالاتصاف بها، وأن كل صفة نقص هي عيب في المخلوق فالله - ﷾ - منزه عنها من باب أولى ". وهذا هو قياس الأولى، فإذا كان الإنسان يُمدح بأن له صفات كمال -على ما يليق به- وهو مخلوق، فمن باب أولى أن يُوصف الخالق -سبحانه - بصفات الكمال كلها. (^٣)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٩١) وأحمد (١٠٦٣٨)
(٢) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٣/ ٣٥١)
(٣) تنبيه: قولنا " كل صفة كمال اتصف بها المخلوق فالله أولى أن يتصف بها..، فهذا متعلق بصفات الكمال المطلق، كالعزة والقوة والحكمة، لا الكمال النسبي، كصفة الولد -مثلًا- صفة كمال في المخلوق، وهي نقص في الخالق. وكذا يقال في صفات: النوم والطعام. وكذلك قولنا "وكل صفة نقص في المخلوق فالله منزه عنها من باب أولى " فهذا متعلق أيضًا بصفات النقص المطلق، كالعجز والفقر، لا الكمال النسبي، كصفة الكبر -مثلًا- فهي صفة كمال لله تعالى، وصفة نقص من ناحية الشرع في حق المخلوق.
[ ١ / ٤٩٦ ]
*الثاني:
أن الذي لا وصف له هو المعدوم، ومن ثم فإن نفاة صفات لله -تعالى - إنما في الحقيقة يعبدون عدمًا.
لذا فهم في الحقيقة لم يثبتوا خالقًا، فقولهم:
بأن الله -تعالى - لا يعلم، ولا يتكلم، ولا يسمع، ولا يرى، وليس له يد، وليس له وجه، ولا قدرة ولا إرادة وليس فوق السماوات ولا تحتها، وقولهم بنفى جميع الأسماء والصفات عن الله -تعالى -هذا في الحقيقة ما أفاد شيئا؛ لأنه لا يوجد شيء مسلوب الأسماء والصفات إلا العدم، فكل موجود لا بد له من صفات، حتى الجماد، لذا فقد آل الأمر بالمعطلة النفاة إلى أن صاروا يعبدون عدمًا، ولا يثبتون خالقًا.
فالجهمية النفاة غالوا في التنزية فعبدوا عدمًا، والمقاتلية والرافضة المجسمة غالوا في التشبية فعبدوا صنمًا. (^١)
وأهل السنة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، بل هم أسعد الناس بقوله تعالى﴾ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿.
قال أبو يوسف القاضي:
صنفان ما على وجه الأرض شر منهما: الجهمية والمقاتلية. (^٢)
٢ - الفائدة الثانية: أسماء الله حسنى:
قال تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ الآية. فأخبر الله -تعالى - أنّ له الأسماء وأنّها حُسنى.
وإنما سُمِّيت بذلك لأنها دالة على معاني
_________________
(١) والمقاتلية: أتباع مقاتل بن سليمان البلخي، قال أبو حنيفة قال: أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطل، ومقاتل مشبّه ". وقال عنه ابن حبان: كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان مشبهًًا يشبّه الرب بالمخلوقين، وكان يكذب مع ذلك الحديث. وانظر "تاريخ بغداد" (١٣/ ١٦٤) و"المجروحين من المحدِّثين " (١٦/ ٣٤٨) *تنبيه: مقاتل بن سليمان الخراساني، إمام مشهور من أئمة التفسير، والخلاف في نسبة مقالة التشبيه إليه طويل، ويحتاج ذلك إلى تحرير ومراجعة تاريخية، وقد نفى بعض الدارسين هذه المقالة عن مقاتل، وذلك بناءً على عدد من الأدلة والشواهد. وانظر العقود الذهبية (١/ ١٧٣)
(٢) السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٠٨).
[ ١ / ٤٩٧ ]
نفاة الأسماء والصفات الإلهية، وأهم شبهاتهم والرد عليهم
الحسن والجمال والجلال والعظمة، والحسنى: أي: البالغة في الحُسن أعلاه، لا شيء أحسن منها، فالحسنى هي: المتناهِيّة في الحُسن، فكلُّ أسماء الله حسنى.
وهذا هو معنى قول أهل السنة إن أسماء الله -تعالى- مشتقّة، فالمراد أنها ليست أعلامًا محضة كما يقول المعتزلة، بل إن كل اسم يتضمن صفة حسن وعظمة، فكل اسم من أسمائه - تعالى - يدل على الذات المسمَّاة، وعلى الصفة التي تضمنها الاسم، كالعليم يدل على الذات والعلم، والقدير يدل على الذات والقدرة، والرحيم يدل على الذات والرحمة.
قال أبو العباس ابن تيمية:
الله - سبحانه - له الأسماء الحسنى كما سمَّى نفسه بذلك وأنزل به كتبه وعلمه من شاء من خلقه، كاسمه الحيَّ والعليم والرحيم والحكيم والأول والآخر والعليَّ والعظيم والكبير ونحو ذلك، وهذه الأسماء كلها أسماء مدح وحمد تدل على ما يحمد به، ولا يكون معناها مذمومًا. (^١)
*وقد خالف في هذا المعتزلة الذين جعلوا أسماء الله -تعالى- جامدة وليست مشتقة، والمعنى أنهم قالوا إن أسماء الله -تعالى - ليست دالة على أوصاف ومعاني لله تعالى، فقالوا: لفظ الجلالة " الله" مجرد علَم يدل على ذات الله عزوجل، وليس علَمًا متضمنًا لمعاني الكمال والعظمة.
وقالوا: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، فجعلوا دلالة الأسماء مقصورة على الذات فقط دون الصفة. (^٢)
*وفعل المعتزلة هذا إنما يعد من الإلحاد في أسماء الله، فإن الإلحاد في الأسماء
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية (٣/ ٢٩٨)
(٢) وبذلك فالمعتزلة جعلوا أسماء الله -تعالى- في منزلة أسماء البشر، يراد بها الدلالة على الذات فقط دون الوصف، فقد يسمَّى الشخص "كريم"وهو من أشد الناس بخلًا،، وتتلخص شبهة القوم في إنكار صفات الله -عزوجل-في زعمهم أن اتصافه - تعالى- بالصفات يلزم منه إثبات التعدد، لهذا نفوا عن الله -تعالى- سائر الصفات وسمُّوا لذلك أنفسهم أهل التوحيد، ومرادهم بذلك أنهم هم الذين حققوا وصف الله بالواحد بنفي الصفات.
[ ١ / ٤٩٨ ]
الحسنى له عدّة معانٍ منها:
المعنى الأول:
جُحودها ونفيُها كما نفتْها الجهميّة.
وهذا أعظم الإلحاد فيها، فالذي يقول: "إن الله ليس له أسماء، لأنّ الأسماء موجودة في المخلوقين، فإذا أثبتناها صار تشبيهًا".
فهذا جاحدٌ لأسماء الله، ملحِدٌ فيها- والعياذُ بالله- أعظم الإلحاد، وهذا كُفرٌ بالله ﷿.
ب) المعنى الثاني:
تأويلُها عما دلّت عليه، كما فعلت المعتزلة فإنهم يُثبتون الأسماء ولكنّهم ينفون معانيها وما تدل عليه من الصّفات، فالذي لا يُثْبِتُ الصّفات مُلحدٌ في أسماء الله، لأنّه جحد معانيها، وجعلها ألفاظًا مجرَّدة لا تدلّ على شيء. (^١)
جـ) المعنى الثالث:
أن يدخل فيها ما ليس منها.
د) المعنى الرابع:
تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها؛ كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم: إنَّها ألفاظٌ مجردةٌ لا تتضمن صفات ولا معاني.
٣) الفائدة الثالثة:
أسماء الله - تعالى - توقيفية:
وهذا الذى عليه الجمهور من أهل السنة والجماعة، أن أسماء الله -تعالى- لا تُعرف إلا بما ورد به الأثر الصحيح.
فلا نثبت لله -تعالى- اسمًا إلا بدليل من كتاب أو سنة، ومن أدلة ذلك:
أ) قوله تعالى (الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (البقرة /٣)
فأصل من أصول الإيمان هو الإيمان بالغيب، ومن الإيمان بالغيب أن نؤمن بمجمله دون الخوض فيما لا نعلم، وأسماء الله -تعالى- من هذا الباب الغيبي الذى لا سبيل للعلم به إلا بوحى.
ب) قوله تعالى (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)
فقوله: الأسماء: (الـ) هذه تسمى العهدية، أي التي تعهدونها، ونحن لا نعهد من الأسماء إلا ماجاء به الشرع.
_________________
(١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ٥٥٤)
[ ١ / ٤٩٩ ]
كما أن قوله ﷾: ﴿فَادْعُوهُ بِها﴾ يعني ادعوا الله بأسمائه التي سمَّى بها نفسه أو سمَّاه بها رسوله، ففيه دليل على أن أسماء الله تعالى توقيفية لا اصطلاحية.
فمن ادَّعى أن الله -تعالى- من أسمائه اسم كذا فعليه الدليل، وإلا دخل فى قوله تعالى " إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) " (يونس/٦٨ - ٦٩)
وقوله تعالى " وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ " (الإسراء/٣٦).
فتسمية الله بما لم يسمِ به نفسه أو إنكارما سمَّى به نفسه جناية فى حقه تعالى، فوجب سلوك الأدب فى ذلك.
والتوقيف في أسماء الله - تعالى- يقتضى ألا نسميه -تعالى- إلا بما ورد به النص، فإنه يُسَمَّى جَوادا ولا يُسَمَّى سَخِيًّا، وإن كان في معنى الجواد، ويُسَمَّى رَحِيمًا ولا يُسَمَّى رَقيقا، ويُسَمَّى عَالِمًا، ولا يُسَمَّى عاقلًا. (^١)
قال أحمد:
"لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة". (^٢)
قال ابن حزم:
ونرد على من أقدم على أن يسمِّى الله - تعالى - بغير نص، فنقول:
لا تتعد ما جاء به النص. (^٣)
وقال أبو القاسم القشيري:
الأسماء تؤخذ توقيفًا من الكتاب والسنة والإجماع، فكل اسم ورد فيها وجب إطلاقه في وصفه، وما لم يرد لا يجوز، ولو صح معناه. (^٤)
*ومن النظر:
فمن المعلوم أنه لا يجوز تسمية الرسول -ﷺبما ليس من أسمائه،
_________________
(١) لباب التأويل في معاني التنزيل (٢/ ٢٧٦) وتفسير القرآن للسمعاني (٢/ ٢٣٥) والقواعد المثلى (ص/١٣)
(٢) لمعة الاعتقاد (ص/ ٩).
(٣) الفصل والملل (١/ ٤٢١) وممن نص على ذلك من الأئمة: السجزي في رسالته إلى أهل زبيد (ص/١٢٢) وقوام السنة الأصبهانى في " الحجة في بيان المحجة " (٢/ ٣٨٣)
(٤) شرح الكوكب المنير (١/ ٢٨٨) وأبو القاسم القشيري هو عبد الكريم بن هوازن النيسابوري الشافعي، الملقب بـ "زين الإسلام"، قال ابن السبكي: "كان فقيها بارعا، أصوليًا محققًا، متكلمًا سنيًا، محدثًا حافظًا، مفسرًا متقنًا، نحويا لغويًا أديبا. أشهر كتبه " التفسير الكبير" و"الرسالة" وغيرها. توفي سنة ٤٦٥ هـ. انظرترجمته في طبقات الشافعية للسبكي (٥/ ١٥٣)
[ ١ / ٥٠٠ ]
وكذا كل كبير من الخلق، فإذا امتنع ذلك في حق المخلوقين فامتناعه في حق الله تعالى أولى. (^١)
قال السفاريني:
والحق أن أسماءه توقيفية ولنا بذا أدلة وفيِّة " (^٢)
*وقد عدَّ العلماء أن من أنواع الإلحاد التى حذَّر الله -تعالى - منها في قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾
أن يدخل فيها ما ليس منها.
قال البغوي:
قال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله تسميته بما لم يتسم به ولم ينطق به كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ. (^٣)
لأنّ القاعدة في أسماء الله:
" أن لا يُسمّى إلاّ بما سمّى به نفسَه، أو سمّاه به رسولُه ﷺ " فما لم يسمِّ الله به نفسَه ولم يسمِّه به رسولُه ﷺ فلا يجوز أن يُطلَق على الله تعالى.
* تنبيه:
إذا كانت الأسماء والصفات لابد أن تكون توقيفية وأن تكون حسنى، فمثل هذا مما يُغتفر في مقام الإخبار عن الله تعالى.
فالأخبار لا يشترط فيها الحسن، ولكن يشترط ألا تنزل إلى مرتبة السوء والنقص، ومثال ذلك: قولنا - مثلًا - " حرَّم الشارع شرب الخمر "، فالشارع هنا ليس اسمًا لله -تعالى- ولا صفة؛ فإنه لا حُسن فيه، وإنما هو خبرعن الله تعالى.
*ولهذا نظائر في الكتاب والسنة:
فمن الكتاب:
قوله تعالى (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ)
ففي الأية جاء السؤال: أى شيء؟؟،
_________________
(١) شرح الكوكب المنير (١/ ٢٨٩) والمقصد الأسنى (ص/١٠٩)
(٢) لوامع الأنوار البهية (ص/١٢٤)
(٣) معالم التنزيل (٣/ ٣٥٧).
[ ١ / ٥٠١ ]
وجاء الجواب: قل الله
* ومن السنة:
قول النبي ﷺ: " لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ " (^١)
فقد أخبر ﷺ عن الله -تعالى- بلفظ " شخص ".
وعن أبي هُرَيْرَةَ - ﵁- قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ". (^٢)
فالدهر ليس اسمًا لله -تعالى - ولا صفة له؛ وذلك لأمرين: -
١ - أنه لا حُسْن فيه من كل وجه.
٢ - أنه قد ورد فى نص الحديث قوله تعالى:
" وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ"
قال الله "بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" فتبين أن معنى أن الله -تعالى- هو الدهر أي: أن الله هو المتصرف فى أمور الدهر.
* يؤيده:
قوله تعالى" وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ" (الجاثية/٢٤)، فلو كان الدهر اسمًا من أسماء الله -تعالى- لما كفر الدهريون.
* وعليه فالقاعدة: " يُغتفر في باب الأخبار ما لا يُغتفر في غيره "
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فالفرق بين مقام المخاطبة ومقام الإخبار فرق ثابت بالشرع والعقل، وبه يظهر الفرق بين ما يدعى الله به من الأسماء الحسنى، وبين ما يخبر به عنه وجل مما هو حق ثابت، لإثبات ما يستحقه سبحانه من صفات الكمال، ونفي ما تنزه عنه ﷿ من العيوب والنقائص، فإنه الملك القدوس السلام، سبحانه وتعالى عمَّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
وقال تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ [الأعراف: ١٨٠] مع قوله ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم﴾ [الأنعام: ١٩]،
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٤٩٩)
(٢) متفق عليه.
[ ١ / ٥٠٢ ]
ولا يقال في الدعاء: يا شيء. (^١)
قال ابن القيم:
ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفًا، كالقديم والشيء والموجود والقائم بنفسه. (^٢)
سؤال: - كم اسمًا الله تعالى؟
الصحيح فى هذه المسألة أن أسماء الله -تعالى- لا تحصر بعدد معين، بل لله -تعالى- أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وهذا قول جماهير العلماء وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على هذا، وقد نقل النووي اتفاق العلماء على هذا. (^٣)
ومن أدلة ذلك: -
١) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍرضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
"مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ، إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْنٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ بَصَرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا". (^٤)
وبهذا الحديث قد استدل الخطابي وابن كثير وابن القيم وغيرهم على أن اسماء الله -تعالى-لا حصر، فقوله " أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ ":
دليل على أن أسماءه أكثر من تسعة وتسعين، وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها غيره. (^٥)
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٩٨) والنهج الأسمى في شرح الأسماء الحسنى (ص/٣٣)
(٢) بدائع الفوائد (١/ ١٤٥)
(٣) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢) وشرح النووي على مسلم (٩/ ٥)
(٤) أخرجه أحمد (٣٧١٢) والحاكم (١٨٧٧) وصححه، وصححه ابن القيم في شفاء العليل (ص/ ٢٧٤) والألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٣٣٦) وصححه الشيخ أحمدشاكر.
(٥) شفاء العليل (ص/٢٧٧)
[ ١ / ٥٠٣ ]
٢) وروى الشيخان من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍرضي الله عنه- في حديث الشفاعة الطويل: يَقُولُ أهل الموقف: يَا مُحَمَّدُ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ فَلِيَقْضِ بَيْنَنَا " قَالَ:
" فَأَقُولُ: نَعَمْ، فَآتِي بَابَ الْجَنَّةِ، فَآخُذُ بِحَلْقَةِ الْبَابِ فَأَسْتَفْتِحُ، فَيُقَالُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدُ فَيُفْتَحُ لِي فَأَخِرُّ سَاجِدًا، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بِهَا أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي، وَلَا يَحْمَدُهُ بِهَا أَحَدٌ كَانَ بَعْدِي، فَيَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ مِنْكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي ". (^١)
ففي قوله ﷺ: "فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بِهَا أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي "، وفي رواية " فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ الْآنَ، يُلْهِمُنِيهِ اللهُ "
دلالة أنه ﷺ يتعلم تلك المحامد يوم القيامة.
٣) عَنْ عَائِشَةَرضي الله عنها- قَالَتْ:
فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ:
«اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ،
لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ». (^٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فإذا كان أفضل الخلق لا يحصي ثناء عليه ولا يعرف الآن محامده التي يحمده بها عند السجود للشفاعة؛ فكيف يكون غيره عارفًا بجميع محامد الله والثناء عليه، وكل ما له من الأسماء الحسنى فإنه داخل في محامده. (^٣)
*ومن النظر:
كثرة الأسماء تدل على عظم المسمَّى، ولا شيء أعظم من الله -تعالى- بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.
* إشكال والجواب عليه:
-عن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ - قَالَ:
" إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ " (^٤)
استدل البعض بهذا الحديث على حصر أسماء الله -تعالى- في هذا العدد فقط. (^٥)
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) أخرجه مسلم (٤٨٦) والترمذى (٣٤٩٣)
(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٧٤)
(٤) أخرجه مسلم (٢٦٧٧) والترمذي (٣٥٠٨)
(٥) وقد ذهب ابن قدامة فى كتابه (المناظرة فى القرآن الكريم) إلى أن أسماء الله -تعالى - تسعة وتسعين اسمًا فقط؛ وذلك لحديث (إن لله تسعًا وتسعين اسمًا) وأما ابن حزم فزعم أن من زاد شيئًا في الأسماء عن التسعة والتسعين فقد ألحد في أسمائه، وهو مع قوله بهذه الأسماء الحسنى فلم يثبت منها إلا الألفاظ المجردة من المعاني المثبتة للصفات. وانظر (المحلى (١/ ٣٠) ومقدمة "الدرة" (ص/١٦٠)
[ ١ / ٥٠٤ ]
*والجواب:
أن هذا الحديث لم يسق لحصر أسماء الله -تعالى- في هذا العدد، وإنما سيق لبيان مسألة مهمة وهي تفاضل أسماء الله تعالى.
والمعنى أن الله -تعالى-كما فاضل بين خلقه ورسله -﵈- فقال عزوجل (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) (البقرة/٢٥٣)
فكذلك فقد فاضل الله -تعالى- بين أسماءه وصفاته، ولهذا أدلة كثيرة (^١)،
ومنها هذا الحديث، فقد أفاد أن الله -تعالى- مع كثرة أسمائه التى لا حصر لها قد جعل لهذه الأسماء خاصة ميِّزة ليست في غيرها من سائر الأسماء ألا وهي أن من أحصاها دخل الجنة.
قال الخطابي:
قوله ﷺ "إن لله تسعة وتسعين اسمًا ": فيه إثبات هذه الأسماء المحصورة بهذ العدد، وليس فيه نفي ما عداها من الزيادة عليها، وإنما وقع التخصيص بالذكر لهذه الأسماء؛ لأنها أشهر الأسماء، وأبينها معاني وأظهرها، وجملة قوله:
"إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة" قضية واحدة لا قضيتان، ويكون تمام الفائدة في خبر "إن" في قوله: "من أحصاها دخل الجنة"، لا في قوله.: "تسعة وتسعين اسما"، وإنما هو بمنزلة قولك: إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة..
وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم، وإنما دلالته: أن الذي أعده زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم. (^٢)
* أضف إلى ذلك:
أن لفظ الحديث أصالة لم يفد الحصر، ففارق بين قولك
_________________
(١) ومن ذلك قوله تعالى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، وكذلك دعائه ﷺ: " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك"، فالرضا والسخط صفتان لله - تعالى - وقد فاضل بينهما الرسول ﷺ. وقول الرسول ﷺ: يا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (أخرجه مسلم)
(٢) ذكره في شأن الدعاء (ص/٢٤) وقد ذكر مثله ابن القيم " فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى" (ص/٤٠)
[ ١ / ٥٠٥ ]
"أسماء الله تسعة وتسعون اسمًا "، وهو ما قد يكون حجة لمن ادَّعى حصر الأسماء في هذا العدد، وقولك " إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا " وهو نص الحديث.
*وهنا فوائد:
١) الأولى:
لم يصح حديث في تعيين أسماء الله -تعالى- الحسنى، وقد ورد في رواية حديث " إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا " زيادة عند الترمذى وابن ماجه والحاكم فيها سرد هذه الأسماء على التفصيل، ولكن كل طرقها ضعيفة (^١).
قال ابن حجر:
وقد ساق الترمذي وابن حبان الأسماء، والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة. (^٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
لم يرد في تعيين التسعة والتسعين اسمًا حديث صحيح عن النبي ﷺ. (^٣)
_________________
(١) تعيين هذه الأسماء إنما جاء في رواية الوليد بن مسلم عند الترمذي، وفي رواية زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عند ابن ماجه، وفي رواية عبد العزيز بن الحصين عن أيوب عن محمد بن سيرين عند الحاكم في المستدرك، وقد تكلم العلماء في هذه الطرق بما يوجب ضعفها سندًا ومتنًا. *وأما رواية الترمذي في سرد هذه الأسماء فقد ضعفها ابن حزم وابن كثير والبغوى وابن القيم، وذلك للاضطراب الشديد في متنها، من حيث الزيادة والنقص في الأسماء، كما أن في سندها الوليد بن مسلم وهو مدلس. وقد قال الترمذي بعد روايتها: غريب، وقد روي من غير وجه، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -. ولا نعلم في كثير من الروايات ذكرالأسماء إلا في هذا الحديث، وقد روى آدم بن أبي إياس هذا= =الحديث بإسناد غير هذا، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - وليس له إسناد صحيح. * وأما رواية ابن ماجه (٣٨٦١) فهى رواية ضعيفة لضعف عبد الملك بن محمد الصنعاني. قال الذهبي: ليس بحجة. قال ابن حجر: لين الحديث، وقال ابن حبان: وكان يجيب فيما يسئل عنه ينفرد بالموضوعات، لا يجوز الاحتجاج بروايته. *أما رواية الحاكم ففي سندها العزيز بن حصين الترجمان، قال البخاري: ليس بالقوي، وقال مسلم وابن معين: ذاهب الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث، وضعفه ابن عدي. وقال الحافظ: أورد له العقيلي في الضعفاء " حديث الأسماء " وحديثًا آخر، وقال: لا يتابع عليهما وكلاهما فيه لين واضطراب. وانظر الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة (١/ ٦٦٩) وتهذيب التهذيب (٣/ ٥١٢) والمجروحين من المحدّثين (٢/ ١٣٨) ولسان الميزان (٥/ ٢٠٢)
(٢) بلوغ المرام (ح/١٣٨٢)
(٣) الفتاوى الكبرى (٢/ ٣٨٠)
[ ١ / ٥٠٦ ]
٢) الثانية:
معنى من أحصاها: ورد فيها أقوال وأرجحها أنَّ أحصاها:
أي عدَّها وحفظها وتعرَّف على معانيها، وأثنى على الله -تعالى- بها، ودعاه بها، وتعبَّد لله بمقتضاها. فإذا علمتَ أنه رحيم تتعرض لرحمته، وإذا علمتَ أنه غفور تتعرض لمغفرته، وإذا علمتَ أنه سميع اتقيت القول الذي يغضبه، وإذا علمتَ أنه بصير اجتنبت الفعل الذي لا يرضاه. (^١)
* ومما يدخل في معنى الإحصاء:
الاتصاف بما تضمنه أسماء الله -تعالى- من المعاني، إلا ما خصه دليل التحريم.
وهذا الأمر دل عليه ما ثبت من قول النبي ﷺ: (إن الله جميل يحب الجمال) (^٢).
ومثال ذلك:
تعلم أن الله -﷿رحيم كريم: فتكن أنت كذلك رحيمًا كريمًا. (^٣)
* فرع:
باب الصفات أوسع من باب الأسماء؛ لأن الصفات تتعلق بأفعال الله، وأفعاله -تعالى- لا حصر لها.
٢ - كل اسم ثبت لله -عزوجل- فهو متضمن لصفة، ولا عكس.
فكل اسم يشتق منه صفة: اسم الرحمن يتضمن صفة الرحمة، واسم العظيم يتضمن صفة العظمة، وأما الصفات والأفعال فلا يشتق منهما أسماء لله تعالى.
_________________
(١) القول المفيد شرح كتاب التوحيد (٣/ ٩٠)
(٢) أخرجه مسلم (٩١)
(٣) ويستثنى من ذلك الصفات التى اختص الله -تعالى- بها نفسه، فجعلها -سبحانه - مما يحرم على العبد أن يتصف بها: ومن ذلك صفات: الكبر والمَن، فالقائل سبحانه عن نفسه ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر / ٢٣] قد ذم من وُصف من بعض المخلوقين بأنه جبار متكبر قال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ [غافر / ٣٥] وقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: " قَالَ اللهُ - ﷿ -: الْعِزُّ إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي فَمَنْ نَازَعَنِي بِشَيْءٍ مِنْهُمَا عَذَّبْتُهُ) (أخرجه مسلم (٢٦٢٠) وقال ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» (أخرجه مسلم /١٠٦) قال أبو العباس ابن تيمية: من أسمائه وصفاته ما يحمد العبد على الاتصاف به كالعلم والرحمة والحكمة وغير ذلك، ومنها ما يذم العبد على الاتصاف به كالإلهية والتجبروالتكبر. (الصفدية (٢/ ٣٣٨»
[ ١ / ٥٠٧ ]
فصفة الإرادة مثلًا لا يشتق منها صفة المريد، وكذلك صفة الإستواء والإتيان والكتابة (^١)
قال ابن القيم:
وقد أخطأ - أقبح خطأ - من اشتق له من كل فعل اسمًا، وبلغ بأسمائه زيادة على الألف، فسمَّاه الماكر، والمخادع، والفاتن، والكائد ونحو ذلك، وكذلك باب الإخبار عنه بالاسم أوسع من تسميته به، فإنه يخبر عنه بأنه شيء، وموجود، ومذكور، ومعلوم، ومراد، ولا يسمَّى بذلك. (^٢)
* ومثال لما ذكره ابن القيم من التوسع فى باب الاشتقاق:
قد ذكر الأصبهانى اسم "الباقي " ضمن أسماء الله تعالى، واستدل بقوله تعالى (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧» (الرحمن: ٢٧)
وعقَّب بابطين فى "لوامع الأنوار" أن إطلاق اسم "الباقي "على الله -تعالى - فيه نظر؛ فالتعبير عن الصفة بالفعل لا يعنى أن يشتق له اسم منها. (^٣)
*تقسيم الصفات:
تنقسم الصفات الإلهية إلى ثبوتية وسلبية: -
١ - أولًا الصفات السلبية: - وضابطها أن تبدأ بـ (لا، ما)، ومن أمثلة ذلك:
قوله تعالى (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)، وقوله تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)، وقوله تعالى (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ)
وقول النبي ﷺ (إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ) (^٤)، وقوله ﷺ:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (^٥)
فمثل هذه الصفات السلبية ننفيها عن الله -تعالى - مع
_________________
(١) بدائع الفوائد (١/ ١٦٢) وصفات الله في الكتاب والسنة (ص/٢٢)
(٢) مدارج السالكين (٣/ ٣٤٨) وقد ذكر - ﵀فى كتابه طريق الهجرتين (ص/٣٣٠) عدة وجوه في بيان خطأ اشتقاق أسماء لله -تعالى- من الأفعال، فليرجع إليه من شاء.
(٣) وانظر الحجة على تارك المحجة (١/ ٤٥) وتعليق الشيخ بابطين على لوامع الأنوار (١/ ٣٩)
(٤) متفق عليه.
(٥) متفق عليه. وإن كان البعض يتحرج من تسمية مثل هذا النوع من صفات الله بالسلبية، ويقول نسميها المنفية؛ لأن من معاني السلب: نزع الشئ على سبيل القهر، إلا أن هذا لا يمنع أن أحد معاني السلب النفي، وعليه فلا بأس أن نسميها سلبية؛ فإنه هناك من الصفات التى وصف الله بها نفسه وهي تقتضي النقص علي بعض المعانى، والكمال على المعنى الاخر، فوصف الله بها نفسه على معنى الكمال، فإن جاز في ذلك، فهو فيما دونه أولى بالجواز.
[ ١ / ٥٠٨ ]
إثبات كمال الضد، وإنما يقال " مع إثبات كمال الضد ": لأن النفي المحض ليس بكمال، ونظير ذلك قوله تعالى
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) (فاطر/٤٤) فقد نفي الله -تعالى- العجز عن نفسه وأثبت كمال قدرته، وكذلك (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) فالله -تعالى- قد نفي عن نفسه -تعالى السِنة والنوم لكمال قيوميته.
وكذلك يقال في قوله ﷺ: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا) (^١)
قال أبو العباس ابن تيمية:
وينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال؛ لأن النفي المحض عدم محض. (^٢)
* كذلك فالصفات السلبية تكون على الإجمال لا التفصيل؛ لأن هذا هو الأدب مع الله -تعالى-والأبلغ في تعظيم الله، أما الثبوتية فتكون على التفصيل، كما تجد بيان ذلك في آية الكرسي وأواخر سورة الحشر وفواتح سورة الحديد.
*ثانيًا: الصفات الثبوتية: وهى تنقسم إلى (ذاتية -فعلية - خبرية)
١ - الصفات الذاتية:
وهي الصفات التي لا تنفك عن الله تبارك وتعالى، كالقدرة والعلم والعزة والعلو،
فلم يزل ولا يزال متصفًا بها ﷾. فمثل هذه الصفات لا يمكن أن تتعلق بالمشيئة.
٢ - الصفات الفعلية:
وهذه الصفات هى التى تتعلق بالمشيئة، يفعلها عزوجل إذا شاء، ولا يفعلها إذا شاء.
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٥)
[ ١ / ٥٠٩ ]
مثال: (الضحك - الإستواء - النزول - الغضب - المجئ - الإتيان - الكلام - الكتابة) وضابطها " إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل "
٣ - الخبرية:
وهى الصفات التى مسمَّاها عندنا أبعاض وأجزاء، وهى لله -تعالى-صفات تليق بكماله وعظمته مثال: (الساق - اليد - الوجه - الكف - الأنامل - الأصابع - القدم - الرْجل)
* نفاة الصفات الإلهية، وأهم شبهاتهم:
والقول بنفي الصفات الإلهية قول محدث فى أمة الإسلام، كما نص على ذلك أبو العباس ابن تيمية بقوله:
ومن له عناية بآثار السلف يعلم علمًا يقينًا أن قول النفاة إنما حدث فيهم في أثناء المائة الثانية، وأن أول من ظهر ذلك عنه الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وقد قتلهما المسلمون. (^١)
وقد ذهب الجهمية إلى نفي الصفات الإلهية بدعاوى باطلة وشبهات ساقطة.
قال عبد القادر الجيلاني:
أنكر الجهمية جميع صفات الحق عزوجل، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. (^٢)
بل قد نفى جهم بن صفوان عن الله -تعالى - كل صفة قد يتصف بها البشر، بدعوى نفى المشابهة، فنفى كونه حيًا أو عالمًا أو موجودًا أو مريدًا. (^٣)
* وأما المعتزلة:
فلم يثبتوا من الصفات إلا ثلاثة فقط، وهى من الصفات الذاتية:
" الحياة والعلم والقدرة "، ولكنهم ما جعلوها معانٍ قائمة بذات الله تعالى، بل هى صفات أزلية ملازمة للذات.
فجمهور المعتزلة يرون أن الله -تعالى-عالم بذاته، أوعالم بعلم وعلمه ذاته، لا بعلم زائد على ذاته، وقادر بقدرة، وقدرته ذاته، وحي بحياة، وحياته ذاته "، وهكذا في سائر الصفات. (^٤)
_________________
(١) درء التعارض (٧/ ٦٣)
(٢) وانظر الغنية (ص/١١٤) ومقالات الجهم بن صفوان (ص/٣٨٥)
(٣) انظر التبصير في الدين (١/ ١٠٨) والملل والنحل (١/ ٧٣)
(٤) والفرق بين هذين الرأيين أن القول بأن " الله عالم بذاته لا بعلم "، هو نفي للصفة، أما القول أن الله عالم بعلم، وعلمه ذاته فقد أثبت صفةً هي بعينها الذات "، فالخلاف لا يتعدَّى أن يكون خلافًا لفظيًا. وانظر الملل والنحل (١/ ٥٣) ومختصر التحفة االاثنى عشرية (ص/٨٠) والتأويل في الصفات الإلهية (ص/١٦٩)
[ ١ / ٥١٠ ]
قال القاضي عبد الجبار وهو يبيّن معنى التوحيد عند المعتزلة:
وأجمع مشايخنا أن الله واحد فى صفاته، وأن كل صفات الله أنها للذات، أوترجع إلى الذات، وقالوا قادر لذاته؛ وليس قادرًا بقدرة، فهذا قول مشايخنا فى التوحيد. (^١)
وقد نقل ابن المرتضى تلميذ القاضي عبد الجبار إجماع المعتزلة على قولهم في الصفات، فقال:
"وأما ما أجمعت عليه المعتزلة، فقد أجمعوا على أن للعالَم مُحدِثًا، قديمًا، قادرًا، عالمًا، حيًا، لا لمعانٍ. (^٢)
ومعنى هذا الإجماع:
أن هذه الصفات ليست معاني تقوم بذات الله، وإنما هي أحكام تضاف إلى الله عزوجل.
وأما الأسماء التى أثبتوها فقد جعلوها أسماءً جامدة لا تدل على أية معانٍ، فقالوا سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر.
* نقول:
والقول المؤيد بالأدلة العقلية والنقلية أن صفات الله- تعالى - داخلة في مسمَّى أسمائه، فمن استعاذ بصفة من صفات الله-عزوجل - أو حلف بها فإنما استعاذ بالله، وحلف به تعالى، ويشهد لهذا الاستعاذة التي علمها النبي - ﷺ - أمته، كما في قوله:
" أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ "، ومنه قوله ﵊: " اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ ". (^٣)
*كما أن إنكارالصفات يعد من الإلحاد في أسماء الله -تعالى - وصفاته.
قال ابن القيم في بيان أنواع الإلحاد في أسمائه وصفاته:
ورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها؛ كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم: إنَّها ألفاظٌ مجردةٌ لا
_________________
(١) الأصول الخمسة (ص/٣٦٣)
(٢) وانظر المنية والأمل في شرح الملل والنحل (٥٦).
(٣) الصفات الإلهية في الكتاب والسنة (ص/٣٤٣)
[ ١ / ٥١١ ]
تتضمن صفات ولا معاني، فيطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد، ويقولون:
لا حياة له ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة تقوم به.
وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلًا وشرعًا ولغة وفطرة، وهو يقابل إلحاد المشركين؛ فإنَّ أولئك أعطوا أسمائه وصفاته لآلتهم، وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها وعطلوها فكلاهما ملحدٌ في أسمائه. (^١)
*ومن شبهات نفاة الصفات:
١ - الشبهة الأولى: قالوا:
تعدَّد الصفات يلزم منه تعدَّد الذوات، فالقول بالتوحيد عندالمعتزلة مستلزم لنفي الصفات! (^٢)
وفي ذلك يقول أبو الثناء اللامشى:
فلو كان شيء من هذه الصفات ثابتة لله - تعالى - لكانت غير الله، لا ذاته، وإذا كانت غيره فلا يخلو إما أن تكون قديمة أو محدثة:
والأول يلزم منه القول بتعدد القدماء، والثاني غير جائز على الله تعالى؛ لأن ذات
_________________
(١) فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى (ص/٤٨)
(٢) فالتوحيد هو أحد الأصول الخمسة للمعتزلة، ومعناه عندهم لا يتحقق إلا بنفي الصفات، ويعد واصل بن عطاء رأس المعتزلة في ذلك، فهو من أصل وأسس للقول بنفي الصفات، وكان يقول في إشارات منه إلى ذلك: "إن من أثبت لله معنى وصفة قديمة فقد أثبت إلهين". = =وانظر "الصواعق المرسلة" (١/ ١٣٦) و"الملل والنحل" (١/ ٦٧) وقد نص أبوالحسن الأشعري على أن المعتزلة لم تقدر أن تفصح بذلك خوفًا من السيف فأتت بمعناه، وقالت: إن الله عالم قادر حي سميع بصير من طريق التسمية، من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم والقدرة والسمع والبصر". وقال البيجورى وهو يبين شبهة المعتزلة فى نفيهم للصفات: وإذا كانت قديمة فيلزم تعدد القدماء، وهو كفر بإجماع المسلمين، وقد كفرت النصارى بزيادة قديمين على الذات العلية، كما قال تعالى (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) (المائدة: ٧٣)، فكيف بالأكثر؟!! وانظرالإبانة (ص/١٤٣) وتحفة المريد (ص/١٤١) وحاصل هذا الإشكال عند المعتزلة زعمهم أنهم إذا أثبتوا أن الله -﷿ - متصف بصفة زائدة على ذاته، فإن ذلك يستلزم أن تكون هذه الصفة قديمة، وهذا يؤدي إلى تعدد القدماء، وهو محال.
[ ١ / ٥١٢ ]
البارى حينئذ تكون محلًا للحوادث، وقبول الحوداث من أمارات الحدوث. (^١)
*وعلى الجانب الأخر ترى الشيعة الإمامية يفرون من هذا اللازم الذى التزمه المعتزلة، حيث نص الشيعة على أن صفات الله هي عين ذاته، وليست زائدة على الذات، فقدرته هي حياته، وحياته هي قدرته. (^٢)
*والرد:
١ - قد توسَّط أهل السنة في هذا الباب، فلم يقولوا أن الصفات هى عين الذات، ولم يقولوا هي غيرها، بل الصفات في الحقيقة إنما هى معانٍ وأعراض قائمة بالذات، فليست هى عين الذات، فيكون لازم ذلك وحقيقته هو نفي الصفات، وليست أعيانًا قائمة بذاتها حتى يقال إنَّ إثباتها منافٍ لحقيقة التوحيد.
فإنما يصح قولكم إذا كانت الصفة عينًا قائمة بذاتها منفصلة عمن يتصف بها. وأنت ترى وتقبل أن تتعدد صفات المخلوق الواحد على ما فيه من ضعف وعجز، فكيف لا تقبل ذلك في خالق هذا الشخص على كماله وعلو قدره سبحانه؟؟!!
*وقد ضرب الإمام أحمد مثلًا بديعًا للرد عليهم فقال ﵀:
إذا قلنا: إن الله لم يزل بصفاته كلها، أليس إنما نصف إلهًا واحدًا بجميع صفاته؟! وضربنا لهم في ذلك مثلًا.
فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة؟ أليس لها جذع وكرب، وليف وسعف وخوص وجمار؟ .. واسمها اسم شيء واحد، وسميت نخلة بجميع صفاتها فكذلك الله، وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد. (^٣)
وقال ﵀:
وقد سمَّى الله رجلا كافرًا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدًا﴾، وقد كان هذا الذي سمَّاه الله وحيدًا له عينان وأذنان ولسان
_________________
(١) التمهيد لقواعد التوحيد (ص/٦٦)
(٢) عقائد الإمامية الأثنى عشرية (ص/٢٧)
(٣) الرد على الجهمية والزنادقة (ص/٢٨٣)
[ ١ / ٥١٣ ]
وشفتان ويدان ورجلان، وجوارح كثيرة. قد سمَّاه الله وحيدا بجميع صفاته. فكذلك الله، وله المثل الأعلى، هو بجميع صفاته إله واحد. (^١)
* وتأمل في قول أحمد:
" لا نقول: إن الله لم يزل وقدرته، ولم يزل ونوره، ولكن نقول: لم يزل بقدرته ونوره ".
فالصفة لا تضاف إلى الموصوف على سبيل العطف الذى يتقتضى المغايرة، وإنما
تضاف إليه من باب إضافة الصفة إلى موصوف.
قال أبوالعباس ابن تيمية:
فلا يوجد في كلام الله ورسوله واللغة اسم الواحد على ما لا صفة له، فإن لا صفة له لا وجود له في الوجود. (^٢)
وهذا كلام من شيخ الإسلام - ﵀- من الأهمية بمكان ومفاده أن إثبات الواحدانية لا يفيد شرعًا ولا لغةً نفي الصفات.
ولا يتصور بحال من الأحوال أن تخلوا ذات عن الصفات، فالمعدوم هو الذى لا صفة له، فلا بد إذا كانت الذات موجودة أن تكون موصوفة ولو بصفة الوجود فقط، لهذا لا مفر للمعتزلة ولا غيرهم من أن يثبتوا ذاتًا موصوفة بالصفات.
وهم أثبتوا صفة الوجود الأزلي وهو ما يعبرون عنه بالقديم، وهذه صفة للذات وليست هي الذات، فيلزمهم من ذلك قبول هذا الأصل الذى هو إن القول بالصفات لا ينافي القول بالتوحيد.
ومن العقل:
أن الصفات ليست ذوات قائمة بنفسها حتى يلزم من تعددها تعدد الذوات، بل هى نعوت قائمة بالموصوف.
*ومن اللغة:
فإن الصفة: ليست ذاتًا مستقلة، بل هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات، وذلك نحو طويل وقصير وعاقل وأحمق، وغيرها، وهي الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يعرف بها. (^٣)
_________________
(١) المصدر السابق (ص/٢٨٤)
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٨٢)
(٣) وانظرالتعريفات (ص/١٣٣) والمصباح المنير (ص/٣٩٣)
[ ١ / ٥١٤ ]
* ثم نقول:
قولكم إن إثبات الصفات لازمه تعدد الذوات لازم متناقض؛ إذ إنكم قلتم بإثبات الأسماء لله تعالى، فلمَ لم تقولوا إن تعدَّد الأسماء يلزم منه تعدد الذوات؟
أليس هذا من التناقض البيِّن؟!!
فإما أن تخرجوا من هذا التناقض البيّن فتقولوا بنفي الأسماء وتلحقوا في ذلك بركب الجهمية، وإما أن تقولوا بإثبات الأسماء وما يتبعها من إثبات الصفات وتنضووا تحت راية أهل السنة والأثر.
* ثم يقال: قولكم "ولا يمكن أن يكون علمًا قديمًا؛ لأنه يوجب تعدد القدماء. . ".
ونقول:
"إن قولكم هذا فيه إجمال، لا نجيبكم عليه حتى نعرف مرادكم منه؛ إن أردتم بقولكم ". . علمًا قديمًا" بمعنى القائم بنفسه المستقل عن موصوفه؛ فصفة العلم ليست قديمة بهذا الاعتبار، بل هي صفة القديم.
وإن أردتم بقولكم " قديمًا ": بمعنى أنه لا ابتداء له، ولم يسبقه عدم مطلق، فصفة العلم قديمة بقدم موصوفها، وإذا كان قدمها تابعا لقدم موصوفها:
فليس هناك تعدد قدماء كما تزعمون، بل هناك قديم وصفته، ولا يلزم من كون الصفة قديمة لقدم موصوفها أن يكون هناك تعدد، وإلا للزم أن تكون صفة الإله إلهًا، وصفة الإنسان إنسانًا. (^١)
وشبهة المعتزلة هذه ولّدت شبهة وبدعة أخرى، وهي:
*هل الصفات هي الله - تعالى - أم غيره؟
والجواب:
أنه لا يقال إن الصفات غير الله تعالى؛ لأنه يفُهم من ذلك أن الصفات أعيان قائمة بذاتها منفصلة عن الله تعالى، ولا يقال إن الصفات هي الله؛ لأنه يُفهم من ذلك نفيها بالكلية.
فلا يقال هى الله ولا يقال غيره، بل نقول: هى معانٍ قائمة بالله تعالى، مضافة إليه - سبحانه - إضافة صفة إلى موصوف.
قال ابن القيم:
ليست صفاته وأسماؤه غيره، وليست هي نفس الإله، فلفظة الغير
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٢/ ٩٥)، بتصرف.
[ ١ / ٥١٥ ]
يراد بهما معنيين: أحدهما المغاير لتلك الذات المسماة بالله، وكل ما غاير الله مغايرة محضة بهذا الاعتبار فلا يكون إلا مخلوقًا، ويراد به مغايرة الصفة للذات إذا خرجت عنها، فإذا قيل علم الله وكلام الله غيره بمعنى أنه غير الذات المجردة عن العلم والكلام كان المعنى صحيحًا، ولكن الإطلاق باطل، وإذا أريد أن العلم والكلام مغاير لحقيقته المختصة التي امتاز بها عن غيره كان باطلًا لفظًا ومعنى. (^١)
٢ - الشبهة الثانية:
قالوا: لقول بالصفات يلزم منه تشبيه الله -تعالى- بخلقه، ووصفه بالجسمية" (^٢)
*والرد عليهم من وجوه:
*أولًا:
أما دعواهم أن القول بالصفات يلزم منه تشبيه الله بخلقه:
فهى دعوى باطلة، فإن نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة دالة على إثبات ما أثبته الله -تعالى- لنفسه من غير تمثيل ولا تشبيه.
وقد اتخذا نفاة الصفات دعوى التشبيه مطيَّة لنفي الصفات الإلهية، بل وكفَّروا مخالفيهم من أهل السنة المثبتين للصفات، ومثال ذلك ما صنَّفه بشر المريسي وسمَّاه (كفر المشبهة)
وتأمل الفرق بين تكفير أهل السنة للمشبهة، كما فى قول نعيم من حماد:
"من شبَّه الله بخلقه فقد كفر"، وبين تكفير الجهمية ومن على نحلتهم للمشبهة:
أ) فأما تكفير أهل السنة للمشبهة:
فإنما يكفِّرون من أثبت صفات الله - تعالى- على نحو يشابه صفات البشر.
ب) وأما تكفير الجهمية ومن على نحلتهم للمشبهة:
فإنما يكفِّرون من أثبت
_________________
(١) بدائع الفوائد (١/ ١٩)
(٢) قال القاضي عبد الجبار: كل ما كان مما لا يجوز إلا على الأجسام يجب نفيه عن الله تعالى، وإذا ورد في القرآن آيات تقتضي بظاهرها التشبيه، وجب تأويلها؛ لأن الألفاظ معرضة للاحتمال، ودليل العقل بعيد عن الاحتمال.!! (المحيط بالتكليف (ص/٢٠٠»
[ ١ / ٥١٦ ]
أصل الصفات الإلهية، وحتى لو قال المثبت لها أنا أثبت صفات الله - تعالى- على ما يليق به، وعلى نحو لا يشابه ولا يماثل صفات البشر. * وأما دعواهم أن القول بالصفات يلزم منه تشبيه الله -تعالى- بخلقه:
فهو كلام بيِّن البهتان وظاهر البطلان، مخالف للكتاب والسنة والإجماع والعقل والحس: نقول أولًا:
قد أثبتت الأدلة المحكمة نفي المماثلة بين الله وخلقه:
قال تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١» (الشورى: ١١)
وقال عزوجل (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥» (مريم: ٦٥)، وقال تعالى (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤» (الإخلاص: ٤) وعن هَانِئٍ بْنِ يَزِيدَ - ﵁ - قَالَ:
سَمِعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُمْ يَكْنُونِي أَبَا الْحَكَمِ، فَدَعَانِي ﷺ - فَقَالَ لِي:
إِنَّ اللهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟
فَقُلْتُ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنْ الْوُلْدِ؟
"، فَقُلْتُ: لِي شُرَيْحٌ، وَعَبْدُ اللهِ، وَمُسْلِمٌ، قَالَ: " فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟
قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: " فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ ". (^١)
ووجه الدلالة:
أن النبي - ﷺ- قد عمد إلى تغيير كنية الرجل لما رأى نوع مشابهة بين فعل الرجل في حكمه بين الناس وبين فعل الله تعالى.
فقد يُظن أن إطلاق ذلك أن يكون المخلوق مماثلًا للخالق، فيقال له: هذا باطل؛ فإن الله -تعالى- موجود حقيقة والعبد موجود حقيقة، وله تعالي ذات حقيقة والعبد له ذات حقيقة، وليس ذاته تعالى كذات المخلوقات.
وكذلك له علم وسمع وبصر حقيقة، وللعبد سمع وبصر وعلم حقيقة، وليس علمه وسمعه وبصره مثل علم العبد وسمعه وبصره، ولله كلام حقيقة، وليس كلام الخالق مثل كلام المخلوقين. (^٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٨١١) وأبو داود (٤١٤٥) وصححه الألباني.
(٢) الانتقاد الرجيح (ص/٨١)
[ ١ / ٥١٧ ]
* ثانيًا: قد أثبتت الأدلة المحكمة ثبوت الصفات لله عزوجل:
قال تعالى (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦»
فلا سبيل للجمع بين هذه المحكمات إلا بالقول بثبوت الصفات الإلهية على ما يليق به عزوجل.
فالذي قال الله عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. وقال عن الإنسان: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢]. قد نفي أن يكون السميع كالسميع والبصير كالبصير فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]
فعلمنا من ذلك أن:
" الاشتراك في الأسماء والصفات لا يستلزم تماثل المسمَّيات والموصوفات "
* وأما العقل:
فمن المعلوم بالعقل أن المعاني والأوصاف تتقيد وتتميز بحسب ما تضاف إليه، فكما أن الأشياء مختلفة في ذواتها فإنها كذلك مختلفة في صفاتها وفي المعاني المضافة إليها، فإن صفة كل موصوف تناسبه لا يفهم منها ما يقصر عن موصوفها أو يتجاوزه.
ولهذا نصف الإنسان باللين، والحديد المنصهر باللين، ونعلم أن اللين متفاوت المعنى بحسب ما أضيف إليه.
* وأما الحس:
فإننا نشاهد للفيل جسمًا وأقدامًا وقوة، وللبعوضة جسمًا وأقدامًا وقوة، ونعلم الفرق بين جسميهما، وأقدامهما، وقوتيهما.
فإذا علم أن الاشتراك في الاسم والصفة في المخلوقات لا يستلزم التماثل في الحقيقة مع كون كل منها مخلوقًا ممكنًا، فانتفاء التلازم في ذلك بين الخالق والمخلوق أولى وأجلى، بل التماثل في ذلك بين الخالق والمخلوق ممتنع غاية الامتناع؛ والاشتراك في أصل المعنى لا يستلزم المماثلة في الحقيقة.
* وأما زعمهم أن القول بالصفات يلزم وصف الله -تعالى - بالجسمية:
فهذا لازم باطل؛ لأن هناك من الأشياء ما لها صفات وليست بجسم، كقولك
" الليل طويل "، فالليل
[ ١ / ٥١٨ ]
ليس له جسم، ومع ذلك وُصف بالطول. (^١)
*ثالثًا:
أن لفظ الجسمية من الألفاظ المحدثة التى لم يقل به السلف، وقد توقَّف فيه أهل السنة والجماعة نفيًا وإثباتًا؛ حيث أنه لم يأت دليل يثبت ولا دليل ينفي.
*رابعًا:
إن كان إثبات الصفات البشرية على إختلافها يستلزم الجسمية فهذا مما ينتفى وقوعه في حق الخالق سبحانه؛ فقد وصف الله -تعالى- نفسه بالسمع والبصر كما ورد في حديث الباب من قوله تعالى (إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)
، وقد وصف بعض الحوادث بالسمع والبصر، قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، فالسمع والبصر لله -تعالى - حقيقيان على ما يليق به سبحانه. وهما كذلك للمخلوق على ما يليق بعجزه وضعفه.
وكذلك قد وصف الله -تعالى -نفسه بالحياة قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، ووصف بعض المخلوقين بالحياة قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ﴾، وحياة الله - تعالى- حياة حقيقية لائقة بكماله وجلاله. كما أن حياة المخلوق مناسبة لحاله وعجزه وفنائه.
* خامسًا:
من الجهل البيّن وصف أهل السنة بالمجسمة، وهم يثبتون صفات الله -تعالى- على ما يليق به سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ويقولون عن صفات الله - تعالى: المعنى غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة، وقد أجمعوا على تكفير من شبَّه الله -تعالى - بخلقه، فهل بعد ذلك يقال عنهم مجسمة؟!!
قال أبو العباس ابن تيمية:
اتفاق المسمّيَين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل، الذي نفته الأدلة السمعيات والعقليات، وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق، مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز
_________________
(١) تقريب التدمرية (ص/٢١)
[ ١ / ٥١٩ ]
أن يَشركه فيه مخلوق، ولا يُشركه مخلوق في شيء من خصائصه ﷾.
وأما ما نفيتَه فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك تشبيهًا وتجسيمًا تمويه على الجهال، الذين يظنون أن كل معنى سماه مسمٍّ بهذا الاسم يجب نفيه. ولو ساغ هذا لكان كل مبطل يسمي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس، ليكذب الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل. (^١)
فلو كان الإنصاف منهجهم حقًا لكان الأولى بتهمة التجسيم أصحاب المعتقدات المنحرفة في عقيدتها، كالهشامية وهم أتباع هشام بن الحكم الرافضي، الذين زعموا أن معبودهم (جسم وله نهاية، وله حد، طوله كعرضه وعمقه) إلى آخر كلام طويل كله تشبيه وتجسيم. وهشام بن الحكم هو أول من أظهر إطلاق لفظ (التجسيم) من متكلمة الرافضة.
وتوجد هشامية أخرى أتباع هشام بن سالم الجواليقي، التي تزعم أن معبودها على صورة الإنسان، وينكرون أن يكون لحمًا ودمًا، إلى آخر تلك الأوصاف الكفرية، فهما طائفتان جمعهما الإلحاد بالتشبيه والتجسيد وفرقتهما كيفية ذلك التشبيه والصورة. (^٢)
*ومن الفوائد المهمة المتعلقة بحديث الباب:
١) الأولى:
أن النبي -ﷺ- لما قرأ في حديث الباب قوله تعالى﴾ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء/٥٨]، وضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ. وهذه الإشارة من النبي - ﷺ - فيها دلالة بيِّنة واضحة على إثبات صفتي السمع والبصر لله - تعالى - على ما يليق به سبحانه، فليس السمع والبصر هما الذات أو العلم.
وحديث
_________________
(١) رسالة التدمرية (ص/٣٦)
(٢) وقد حكى أبو الحسن الأشعري في "مقالات الإسلاميين " (ص/١٣٢) طرفًا من أقوال المجسمة الهشامية، وانظر الفرق بين الفِرق (ص/٦٥) والموسوعة الميسرة (٢/ ١٠١١)
[ ١ / ٥٢٠ ]
الباب يدل على بطلان زعم الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم أن معنى كونه سميعًا بصيرًا: أى أنه عالم بالمسموعات والمبصرات؛ إذ أنه لو كان السمع والبصر بمعنى العلم لأشار في تحقيقه إلى القلب؛ لأنه محل العلوم منا، ولما أشار إلى محليِّ السمع والبصر. (^١)
قال أبوالعباس ابن تيمية:
ووصفه بأنه سميع بصير لا يجوز أن يراد بذلك مجرد العلم بما يسمع ويرى؛ لأن الله -تعالى- فرّق بين العلم وبين السمع والبصر، وفرّق بين السمع والبصر وهو لا يفرق بين علم وعلم لتنوع المعلومات، ووضعه -ﷺ- إبهامه على أذنه وسبابته على عينه، ولا ريب أن مقصوده بذلك تحقيق الصفة لا تمثيل الخالق بالمخلوق، فلو كان السمع والبصر: العلم لم يصح ذلك. (^٢)
*يؤيده:
فهْم رواة الحديث، فلما قال أبو هريرة ﵁:
«رأيت رسول الله -ﷺ- يقرؤها ويضع إصبعيه»، قال عبد الله بن يزيد المقرئ -أحد رواة الحديث- يعني: إن الله سميع بصير، يعني أن لله سمعًا وبصرًا.
قال أبو داود: «وهذا رد على الجهمية» (^٣)
قال ابن القيم:
قرأ النبيﷺ - قوله تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤] وضع إبهامه على أذنه وعينه؛ رفعًا لتوهم متوهم أن السمع والبصر غير الصفتين المعلومتين. (^٤)
فدل حديث الباب على ثبوت صفتي السمع والبصر لله - تعالى- حقيقة، وبطلان تأويلهما بالعلم.
* وأدلة الكتاب والسنة طافحة بالتنصيص على هاتين الصفتين، صفتي السمع والبصر، ومنها حديث الباب.
_________________
(١) وانظر الأسماء والصفات للبيهقى (ص/٢٠٩) والفصل في الملل (١/ ٣٩٨)
(٢) شرح العقيدة الأصفهانية (ص/١٢٣)
(٣) وإن تعجب فعجب تحريفهم: قالوا عن إشارة النبي - ﷺ- في حديث الباب: " يحتمل لو صح أن يكون النبي -ﷺ - وضع يده الكريمة عليها اتفاقًا؛ لحكة أو مسح عليها.!! وانظر إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل (ص/٢٨١)
(٤) مختصر الصواعق المرسلة (١/ ٦٧)
[ ١ / ٥٢١ ]
كما نقل الإجماع عليهما شيخ الإسلام ابن تيمية وأبو الحسن الأشعري وابن بطة العكبري، وغيرهم كثير. (^١)
والعقل كذلك يثبتهما لله تعالى:
قال الغزالي:
وأما المسلك العقلي، فهو أن نقول: معلوم أن الخالق أكمل من المخلوق، ومعلوم أن البصير أكمل ممن لا يبصر، والسميع أكمل ممن لا يسمع، فيستحيل أن يثبت وصف الكمال للمخلوق ولا نثبته للخالق. (^٢)
وقد ذهب المعتزلة إلى القول بأن السمع والبصر ليست صفات قائمة بذاته تعالى. (^٣)
قال الدارمي:
وادَّعى المريسي في قول الله تعالى ﴿إن الله سميع بصير (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥]، ﴿والله بصير بالعباد (١٥)﴾ [آل عمران: ١٥]: أنه يسمع الأصوات، ويعرف الألوان، بلا سمع ولا بصر، وأن قوله: ﴿بصير بالعباد (١٥)﴾ يعني: عالم بهم، لا أنه يبصرهم ببصر، ولا ينظر إليهم بعين، فقد يقال لأعمى: ما أبصره، أي:
ما أعلمه، وإن كان لا يبصر بعين. (^٤)
قال ابن بطال:
غرضه فى هذا الباب أن يرد على من يقول: إن معنى سميع بصير
_________________
(١) مجموع الفتاوي (٥/ ١٩٦) ورسالة إلى أهل الثغر (ص/١٢٧) والإبانة (١/ ٥٥٧)
(٢) الاقتصاد في الاعتقاد (ص/٧٢)
(٣) وقد اختلف قول المعتزلة فى تأويل صفتى السمع والبصر بين البصريين أتباع الجبائي والبغداديين أتباع النظَّام، فأما البصريون منهم فقالوا: معنى أن الله سميع بصير، أى أنه حي لا آفة به تمنعه من إدراك المسموع والمرئي إذا وجدا. قال أبوعلى الجبائي في نهاية الإقدام (ص/٣٤٤): إنَّ الحى إذا سلمت نفسه عن الآفة سُمَّى سمعيا بصيرًا. وأما البغداديون فقالوا: أن الله تعالى لا يسمع، ولا يبصر شيئًا على الحقيقة، وتأولوا وصفه بالسميع والبصير، على معنى العلم بالمسموعات والمرئيات. وانظرالمنحة الإلهية في الصفات الربانية (ص/٦٣٠)
(٤) النقض على بشر المريسي (ص/١٦٠) وهو من أهم الكتب في الرد على أهل التعطيل للإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي المتوفى سنة ٢٨٠ هـ، وله أيضًا كتاب "الرد على الجهمية "، وهذان الكتابان هما اللذان قال عنهما الإمام ابن القيم: كتاباه من أجل الكتب المصنفة في السنة وأنفعها، وينبغي لكل طالب سنة مراده الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة أن يقرأ كتابيه، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يوصي بهذين الكتابين أشد الوصية ويعظمهما جدًا، وفيهما من تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما. انظر اجتماع الجيوش الإسلامية (١/ ٣٤٨)
[ ١ / ٥٢٢ ]
معنى عليم لا غير؛ لأن كونه كذلك يوجب مساواته تعالى للأعمى والأصم الذى يعلم أن السماء خضراء ولا يراها، وأن فى العالم أصواتًا ولا يسمعها. (^١)
٢) الثانية:
جوازالإشارة في الصفات:
ورد في حديث الباب أن أَبا هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ:
" رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَة: ﴿إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ، إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء/٥٨]، وَيَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ.
ففي هذا الحديث قد أشار النبي - ﷺ - بالسبابة والإبهام إلى العين والأذن، وليس ذلك لأثبات صفتى العين والأذن، وإنما لإثبات صفتي السمع والبصر، وهى من صفات الله -تعالى- الذاتيه. (^٢)
* وهنا السؤال: هل تُشرع الإشارة في أحاديث الصفات؟؟
الصحيح أن الإشارة في أحاديث الصفات الإلهية إنما تكون بضوابط:
*الضابط الأول: أن تكون الإشارة على سبيل التوقيف:
بمعنى أنها تكون فقط في الأحاديث التى وردت فيها الإشارة، ومن ذلك ما يلى:
١) عن ابْنِ عُمَرَ -﵄ - أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: " يَأْخُذُ اللهُ ﷿ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ، فَيَقُولُ: أَنَا اللهُ - وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا - أَنَا الْمَلِكُ "، قال ابن عمر:
حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ:
أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ؟ (^٣)
٢) عَنْ ابن عمر -﵄- قَالَ: ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ- فَقَالَ:
«إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى
_________________
(١) ذكره تعليقًا على قول البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه: باب قوله تَعَالَى: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [النساء: ٥٨]، وانظر شرح صحيح البخارى لابن بطال (١٠/ ٤١٦)
(٢) وأما صفة العين لله -تعالى- في ثابتة له عزوجل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وأما صفة الأذن فهذه مما نتوقف فيها لعدم ورود أدلة الشرع بإثباتها ولا نفيها.
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٨٨)
[ ١ / ٥٢٣ ]
عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ - وَإِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ»». (^١)
٢) الضابط الثاني: "أن تكون الإشارة لتحقيق المعنى، دون الكيف":
فقوله تعالى (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ) وقوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، مع ما ورد في غير ما موضع من السنة من أحاديث الإشارة لا يدل إلا على حقيقة واحدة وهى أن المراد بالإشارة في أحاديث الصفات -ومنها حديث الباب -إنما هو لإثبات المعنى، دون أن يتعلق ذلك بتشبيه ولا تمثيل لصفات الله - تعالى- بشيء من خلقه.
ومحل التمثيل فيها ما كان من نطقها، أما ما كان بالإشارة فلا يسمى تمثيلًا.
والإشارة إلى ذلك يقصد بها تفهيم الناس معنى الصفة، ولا يقصد بها تشبيه ذلك بالمخلوق، فالتمثيل معناه:
ذكر المثال أو المِثل، فالمثال منفي عن الله قطعًا؛ لأنه لا مثل له، والمثل منه ما هو منفي، ومنه ما هو مثبت، فهو ينقسم إلى قسمين: الأول: مثل للتشبيه وهو منفي عنه قطعًا، والثاني: مثَل للتفهيم. (^٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وفي السنن عن النبيّ - ﷺ- أنه قرأ على المنبر (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) ووضع إبهامه على أذنه وسبابته على عينه، ولا ريب أن مقصوده بذلك تحقيق الصفة، لا تمثيل الخالق بالمخلوق. (^٣)
٣ - الضابط الثالث "الأمن من وقوع الفتنة":
وذلك بأن نأمن على السامعين ألا يقعوا في فتنة التشبيه، بحيث أنك إذا ما ذكرت أحاديث الإشارة عند البعض فقد يظن أن صفات الخالق تشابه صفات المخلوقين.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٤٠٧)
(٢) سلسلة الأسماء والصفات للددو (٣/ ٥)
(٣) شرح العقيدة الأصفهانية (ص/١٣٣)
[ ١ / ٥٢٤ ]
*فالقاعدة هنا: " ليس كل ما يُعرف يُقال "
وهى قاعدة مستنبطة من عدة أدلة شرعية:
منها حديث معاذرضي الله عنه- لما استأذن النبيَّ -ﷺ - أن يحدِّث بحديث فضل الشهادتين، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟
قَالَ ﷺ: «إِذًا يَتَّكِلُوا» (^١)
وقد بوَّب البخاري لهذا الحديث بقوله: باب " مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا"، ثم ذكر تحته أيضًا قول عَلِيّ بن أبي طالب ﵁: (حَدِّثُوا النَّاسَ، بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) (^٢)
ثم ذكربعده حديث معاذرضي الله عنه- السابق، وإنما لم يذكره معاذ إلا عند موته؛ لأن النبيﷺ- لم يأذن له في ذلك؛ لمَّا خشي من تنزيله غير منزلته، وَعَلَّمَهُ معاذًا لأنه من أهله.
قال ابن حجر:
وقول عليِّ فيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوِّي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب، والله أعلم. (^٣)
وعند مسلم باب: " بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحَدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمِعَ"،
وقد أسند تحته قول عَبْد اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁:
«مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً». (^٤)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁ - قَالَ:
حَفِظْتُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ -ﷺ- وِعَاءيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ فِي النَّاسِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ، لَقُطِعَ هَذَا البُلْعُوْمُ. (^٥)
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) ذكره البخاري معلقًا (١٢٧) ووصله مسندًا القاضي المحدث المهلب بن أبي صفرة التميمي المالكي الأندلسي في " المختصر النصيح في تهذيب الكتاب الجامع الصحيح": أنبانَا عُبَيْدُ الله بن موسي، عَنْ مَعْرُوفٍ بْنُ خَرَّبُوذَ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: (حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ الله ﷿ وَرَسُولُهُ ﷺ)
(٣) فتح الباري (١/ ٣٣٠)
(٤) صحيح مسلم (١/ ١٠٧)
(٥) رواه البخاري (١٢٠) وقد حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم. وقد كان أبو هريرة -﵁- يكني عن بعضه، ولا يصرح به خوفًا على نفسه منهم، كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية، لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة، فمات قبلها بسنة. وقال ابن المنير: جعل بعضهم هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم حيث اعتقدوا أن للشريعة ظاهرا وباطنا، وذلك الباطل، إنما حاصله الانحلال من الدين، وإنما أراد أبو هريرة -﵁- بقوله: قطع، أي: قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم، وتضليله لسعيهم، ويؤيد ذلك أن الأحاديث المكتومة لو كانت من الاحكام الشرعية ما وسعه كتمانها. قال القرطبي: " قال علماؤنا: وهذا الذي لم يبثه أبو هريرة -﵁- وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن، والنص على أعيان المرتدين، والمنافقين، ونحو هذا مما لا يتعلق بالبينات والهدى، والله تعالى أعلم " انتهى. وانظر كوثَر المَعَاني كَشْفِ خَبَايا صَحِيحْ البُخَاري (٤/ ٧٦) وفتح الباري (١/ ٢١٧) و"الجامع لأحكام القرآن " (٢/ ١٨٦)
[ ١ / ٥٢٥ ]
وقال الذهبي - معلقًا على قول أبي هريرة -:
هذا دالٌّ على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرّك فتنة في الأصول أو الفروع، أو المدح أو الذم، أما حديث يتعلّق بحِلٍّ أو حرام فلا يجوز كتمانه بوجه" (^١).
ولَمَّا طعن بعض المغرضين في شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان من جملة ما شنَّعوا به عليه أنه يحدِّث الناسَ بدقائق المسائل التي لا تتحملها عقولهم؛ ردّ ﵀ عن نفسه هذه الفرية قائلًا:
"وأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: لا يَتَعَرَّضُ لأحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَآيَاتِهَا عند الْعَوَامِّ: فأَنا ما فاتَحْت عَامِّيًّا في شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَطُّ ". (^٢)
قال الشاطبي:
التحدُّث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل مغزاه هو من باب وضع الحكمة غير موضعها، فسامعها إما أن يفهمها على غير وجهها، وهو الغالب، وذلك فتنة تؤدي إلى التكذيب بالحق، وإلى العمل بالباطل، وإما لا يفهم منها شيئًا، وهو أسلم، ولكن المحدِّث لم يعطِ الحكمة حقها من الصون، بل صار التحدُّث بها
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٩٧)
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٦٦)
[ ١ / ٥٢٦ ]
كالعابث بنعمة الله، ومقتضى الحكمة لا تعلَّم الغرائب إلا بعد إحكام الأصول، وإلا دخلت الفتنة. (^١)
فالضابط الثالث هذا أهم هذه الضوابط؛ وذلك حسمًا لمادة التشبيه التى نفتها أدلة الكتاب والسنة والإجماع والنظر.
* فإن قيل:
قول الإمام مالك:
من وصف شيئًا من ذات الله مثل قوله ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾ فأشار بيده إلى عنقه، ومثل قوله ﴿وهو السميع البصير﴾ فأشار إلى عينه وأذنه أو شيئا من يديه قطع ذلك منه؛ لأنه شبَّه الله بنفسه. (^٢)، فهو يمنع الإشارة عند الحديث عن الصفات الإلهية.
*والجواب من وجوه:
١ - الأول:
هذه الرواية عن مالك منقطعة، لذا فثبوتها عن مالك غير متحقق.
٢ - على فرض صحة سندها فإن النصوص الشرعية التي أفادت جواز الإشارة بالضوابط السابقة لا شك أنها مقدَّمة على ما سواها من أقوال.
٣ - أن غير مالك من الأئمة في زمنه وبعد زمنه رووا هذه الأحاديث، فكانوا يشيرون بأيديهم لتقريب المعنى، ومن دلائل ذلك:
أ) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَخَافُ عَلَيْنَا وَقَدْ آمَنَّا بِكَ، وَصَدَّقْنَاكَ بِمَا جِئْتَ بِهِ، فَقَالَ:
«إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ ﷿ يُقَلِّبُهَا»، وَأَشَارَ الْأَعْمَشُ بِإِصْبَعَيْهِ. (^٣)
ب) قال عبد الله بن أحمد:
سمعت أبي ﵀، ثنا يحيى بن سعيد، بحديث سفيان عن الأعمش، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ عَلَى أُصْبُعٍ»،
_________________
(١) الاعتصام (ص/٢٧٢)
(٢) الفتاوى الكبرى (٦/ ٤١٦) والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٣/ ٣٥١)
(٣) اخرجه ابن ماجه (٣٨٣٤) وصححه الألبانى.
[ ١ / ٥٢٧ ]
قَالَ أَبِي ﵀:
جَعَلَ يَحْيَى يُشِيرُ بِأَصَابِعِهِ، وَأَرَانِي أَبِي كَيْفَ جَعَلَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ يَضَعُ أُصْبُعًا أُصْبُعًا، حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهَا. (^١)
ج) قال ابن منده بعد أن روى حديث: «إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن» هكذا، قال:
ووصف سفيان الثوري بالسبابة والوسطى فحركهما، وهذا حديث ثابت باتفاق، وكذلك حديث النواس بن سمعان حديثًا ثابتًا رواه الأئمة المشاهير ممن لا يمكن الطعن على واحد منهم. (^٢)
وصلى الله على النبي وعلى آله وصحبه وسلم.
_________________
(١) السنة (٤٨٩)
(٢) وانظر الرد على الجهمية (٤٧) والعقود الذهبية (١/ ١٧٦)
[ ١ / ٥٢٨ ]