[ ١ / ٦١٣ ]
عن أبى هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: " وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩]
*تخريج الحديث:
أخرجه البخاري (٣٤٤٨) بَابُ: نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵉.
ومسلم (١٥٥) بَابُ: نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ حَاكِمًا بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
نقول أولًا: مقدمة بين يدى حديث الباب:
لا شك أن قصة المسيح عيسى -﵇- من أعظم القصص الوارد ذكرها في كتاب الله تعالى، وصدق الله - تعالى- حين أجمل هذه القصة فى قوله عزوجل (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ..)، فلقد كان عيسى - ﵇- آية في حمله ومهده ورفعه، ونزوله آخر الزمان.
بل قد صار الإيمان به وبما جرى في قصته من الأيات والمعجزات أحد أصول الإيمان في دين الإسلام.
فعن عُبَادَةَ بن الصامت - ﵁- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ
[ ١ / ٦١٥ ]
لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ» (^١)
ومن خلال هذا الحديث تتجلى وسطية هذه الأمة كما وصفها الله -تعالى - في كتابه؛ فقوله ﷺ (وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ)
قوله ﷺ (وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ)
رد على النصارى، وفي قوله ﷺ: " ورسوله ":
رد على اليهود.
وهكذا تكون شهادة الحق لعيسى - ﵇ - بين المغالاة والمجافاة،
بين غلو النصاري الذين ألَّهوه من دون الله، وبين جفو اليهود الذين كذَّبوه، وزعموا أنهم صلبوه. (^٢)
**وبين هذا وذلك جاءت وسطية أمة الإسلام، أمة الإسلام التي هى أولى
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) واليهود يتفقون مع النصارى في أن المسيح -﵇ - مات مصلوبًا. وإنما موضع الاختلاف بينهما في زعم اليهود أن المسيح كفر بالله؛ لهذا حملوا عليه وطالبوا بدمه وزعموا أنه مات مصلوبًا. والموت على الصليب يستلزم اللعنة عندهم، فقد ورد في سفر التثنية (٢١/ ٢٢) "وإذا كان على إنسان خطيئة حقها الموت فقتل وعلقته على خشبة فلا تبت جثته على الخشبة، بل تدفنها في ذلك اليوم. لأن المعلَّق ملعون من الله". أما النصارى: فهم يعتقدون كذلك أن المسيح مات مصلوبا إلا أنهم يعللون ذلك بأنه: صلب فداءًا للبشر لتخليصهم من خطيئة أبيهم آدم ﵇، وهي أكله من الشجرة التي نهي عنها، فانتقلت تلك الخطيئة إلى أبنائه، وأغضبت الله عليهم أيضًا، فكان لابد من وسيط يتحمل هذا الإثم ويرضى بأن يموت على الصليب، وهذا الوسيط المخلص في زعمهم لابد أن يكون ذا وضع متميز خال من الإثم والخطأ، ولا يكون هذا إلا ابن الله - الذي هو الله في زعمهم - ثم لابد أن يكتسب الخطيئة عن طريق الجسد. فهذا ما جعله يتجسد في صورة عيسى، ويخرج من بطن مريم ثم يموت على الصليب فداءًا للبشر، فيرضى الله بذلك عن بني آدم وترتفع عنهم تلك الخطيئة، لأنهم يزعمون أن الله جل وعلا منذ وقع آدم في الخطيئة، وهو غضبان على بني آدم بسبب الخطيئة، فأنزل ابنه ليكون الوسيط والفداء الذي يقع عليه العدل؛ فيعذب على الصليب حتى الموت فيكون موته فداءًا لبني آدم فيمكن بعد ذلك رحمة بني آدم لأن العقاب قد حل بالوسيط المخلص، فكان بهذا المسيح هو الذي جمع بين عدل الله ورحمته وفتح باب رحمة الله لخلقه مرة أخرى. وانظر دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية (ص/٣٠٤)
[ ١ / ٦١٦ ]
معنى قوله -تعالى - عن عيسى: " وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه"
بكل نبي كذَّبه قومه.
وقد تجلَّت هذه الوسطية في نبي الله عيسى ﵇، وذلك كما ورد في حديث الباب، وذلك بالاعتقاد ببشرية عيسى ﵇، مع الإيمان برسالته إلى بني اسرائيل.
** وما ورد في حديث عبادة بن الصامت -﵁- السابق من الاعتقاد في عيسى -﵇ - قد نص عليه كتاب الله تعالى.
قال تعالى (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) (التحريم/١٢)
فَأَرْسَلْ الله -تعالى- إِلَيْهَا رُوحَه - جبريل ﵇- فنفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت فرجها، فصارت حاملًا من ساعتها.
* قال ابن كثير:
أَمرَاللَّهُ -تعالَى- جبريل أَنْ يَنْفُخَ بِفِيه فِي جَيْب درعهَا، فَنَزَلَت النَّفْخَةُ فَولَجَت في فَرْجها، فَكَانَ مِنْهُ الْحَمْلُ بعِيسى ﵇. (^١)
* قال تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) (النساء/١٧١)
وقوله تعالى (وكلمته ألقاها إلى مريم)
فعيسى كلمة الله، وقد سُمِّيَ عيسى -﵇- كلمة الله لوجوده ولخلقه بكلمة من الله، من غير أب، قال تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (آل عمران/٥٩) فبقوله تعالى ﴿كُن﴾ خُلق عيسى ﵇. فـ (كن) هي كلمة الله ﷿، وهي الكلمة التي ألقاها إلى مريم، وكلمة الله ليست مخلوقة، وعيسى -﵇ - مخلوق.
* قال شاذ بن يحيي في قول الله: ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ قال: ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى. (^٢).
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٨/ ١٧٣)
(٢) تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم (٦٣١٠)
[ ١ / ٦١٧ ]
*قال الإمام أحمد:
الكلمة التي ألقاها الله - تعالى- إلى مريم -﵍- حين قال له:
كن، فكان عيسى: بكن، وليس عيسى هو الكُنُّ، ولَكِنْ بالكُنِّ كَانَ، فالكُنُّ من الله قول، وليس الكن مخلوقًا. وكذبت النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى، وذلك أن الجهمية قالوا:
عيسى روح الله وكلمته، لأن الكلمة مخلوقة، وقالت النصارى: عيسى روح الله من ذات الله. وكلمته من ذات الله. كما يقال:
إن هذه الخرقة من هذا الثوب، وقلنا نحن: إن عيسى بالكلمة كان، وليس عيسى هو الكلمة. (^١)
* تنبيه:
ما ذكره الإمام أحمد في قوله (وقالت النصارى: عيسى روح الله من ذات الله. وكلمته من ذات الله) فهذا هو معتقد القوم في المسيح ﵇، إذ يقول الإنجيل "في البدء كان الكلمة وكان الكلمة الله" (يوحنا ١: ١). ويكمل الإنجيل موضحا أنَّ كلمة الله هذا قد تجسَّد في إنسان، بقوله:
"والكلمة صار جسدًا" (يوحنا ١: ١٤).
أي أن كلمة الله قد حل في جسد المسيح وتجلَّى فيه،، لذلك هم يقولون:
"لا نؤمن بجسد تأَّله، إنما نؤمن بإله تجسَّد". (^٢)
_________________
(١) الرد على الجهمية والزنادقة (١/ ١٢٦) وقال الدارمي في "رده على المريسي الجهمي العنيد" (٦٧٤/ ٢ - ٦٨٥) فيقال لهذا المعارض: فإذا قال: "كن" كان، فهذا المخرج من أنه كان بإرادته وبكلمته، لا أنه نفس الكلمة التي خرجت منه، ولكن بالكلمة كان، فالكلمة من الله " كن " غير مخلوقة، والكائن بها مخلوق.
(٢) ومما ورد في هذا المعنى من تخاريف القوم، ما رود في إنجيب يوحنا (ابْنَ اللهِ قَدْ جَاءَ إِلَى الأَرْضِ، يَسُوعَ الْمَسِيحِ. هَذَا هُوَ الإِلهُ الْحَقُّ، وَالْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ) (١ يوحنا ٥: ٢٠) وورد في "إنجيل لوقا" (١: ٣٤ - ٣٥): " «فقالت مريم للملاك: كيف يكون هذا وأنا عذراء، لا أعرف رجلًا؟ فأجابها الملاك: الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي تظللك؛ لذلك فالقدوس الذي يولد منك يدعى ابن الله".) ويجدر ملاحظة أن لفظة (كلمة) التي ذكرت في الإنجيل هنا يشار إليها على أنها مذكر فيقول (في البدء كان الكلمة) وليس (كانت الكلمة) وأيضًا في قوله: "والكلمة صار جسدًا" وليس (الكلمة صارت جسدا). فلفظة "الكلمة " هنا إذًا تدل على أنها ليست مجرد كلمة عادية، لأن الكلمة العادية مؤنثة وليست مذكرا. وحيث أن لفظة الكلمة بالإنجيل هنا يشار إليها على أنها مذكر إذن فالمقصود بها هو أنها (الله نفسه) كما جاء في الإنجيل المقدس " وكان الكلمة الله" (يوحنا ١: ١) *ومما جاء فيما يسمى "قانون الإيمان المسيحي" الذي صدرعن " مجمع " نيقية " الذي انعقد سنة ٣٢٥ للميلاد: «يسوع المسيح (عيسى ﵇) (هو) ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسَّد من الروح القدس» [بعد ذلك توالت المجمعات الكنائسية التي أتت بالطامات، والذي تقرر: أن مريم العذراء ولدت إلهنا ربنا يسوع المسيح "الذي هو مع أبيه في الطبيعة الإهية ومع الناس في الطبيعة الإنسانية وشهدوا أن المسيح له طبيعتان، وأنه اتخذ اللاهوت والناسوت فيه أن المسيح إله وقضية الجوهر القديم والابن والآب وروح القدس ا. هـ تعالى الله عما يقول الضآلون علوًا كبيرًا. ** نقول: وأصل هذا المعتقد في النصرانية إنما ينبني على زعمهم الباطل أن الله برحمة منه جسَّد كلمته في صورة بشرية، وهو ابنه المسيح المخلص،، ليكون فداءً للخطيئة الأولى،،، وورد في انجيل يوحنا عن المسيح انه قال قال " لم آت لأدين العالم، بل لأخلص العالم " (يو ١٢: ٤٧) وانظر محاضرات في النصرانية (ص/١٣٦) * نقول: إن أفضل تشبيه لهذه العقيدة الباطلة، ما سطره صاحب كتاب (براهين تحتاج إلى تأمل في ألوهية المسيح)، حيث شبّه الأمر بقصة ملك تمرد عليه شعبه، فأرسل إليهم رسلا يدعونهم إلى الخير فقتلوهم، فقرر الملك أن يبعث ابنه الوحيد ليضربوه ويقتلوه ويهينوه؛ كفارة عن معاصيهم، فمن صدق ذلك فهو عنده الكريم المغفور له، مهما ارتكب من آثام وموبقات وجرائم. *وقد كانت حيثيات هذا القرار: أن الملك عادل، ومن عدله يقتص من المجرمين المخربين المفسدين في مملكته، ولكنه حبًا لهم، وحتى لا يُهلك كل من في المملكة، رضي بأن يقتص من ابنه الوحيد البريء، الذي يعدل القصاص منه كل جرائم شعبه، وأمر بأن يعذب ثم يصلب!!!! فلو قيل لعاقل تجنن وقل هذيًا، لما قال بمثل هذا.
[ ١ / ٦١٨ ]
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
كلام الله قد يراد به الكلام الذي هو الصفة، كقوله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا﴾، وقوله: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾.
ويراد به ما فُعل بالكلمة، كالمسيح الذي قال له (كن) فكان، فخلقه من غير أب على غير الوجه المعتاد المعروف في الآدميين، فصار مخلوقًا بمجرد الكلمة دون جمهور الآدميين، كما خلق آدم وحواء أيضًا على غير الوجه المعتاد، فصار عيسى -﵇- مخلوقًا بمجرد الكلمة دون سائر الآدميين. ا. هـ (^١)
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٢٦٣)
[ ١ / ٦١٩ ]
أما قوله تعالى «وروح منه»:
·والمعنى:
أن روح عيسى﵇- مبتدَأة من الله تعالى، وأن الله خلقها، كما قال الله عما خُلق في السماوات والأرض قال) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) [الجاثية: ١٣]
فكل ذلك من الله تعالى، هو الذي ابتدأ خلقه وأوجده، وأعطاه ووهبه.
فلقد خُلق عيسى - ﵇ - من أثر نفخة جبريل -﵇ - في جيب درع مريم﵍- بأمر الله إياه بذلك، فنسب إلى أنه روح من الله، فنسبت روح عيسى -﵇إلى الله -تعالى-لأنها وصلت إلى مريم -﵍ - في آية من آيات الله، فقد حملت بعيسى من غير أب، فبهذا امتاز عن بقية الأرواح.
في حين أن النصارى يزعمون أن تأويل قوله " روح منه " على معنى التبعيض.
* قال ابن كثير:
قوله تعالى «وروح منه»:
أي من خلقه ومن عنده، وليست "من" للتبعيض، كما تقوله النصارى
بل هي لابتداء الغاية، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله، في قوله: ﴿هذه ناقة الله﴾ [هود: ٦٤] وفي قوله: ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾ [الحج: ٢٦] (^١)
ثم نتنزل معكم:
أن قوله تعالى (وروحٌ مِنه)
من المتشابه الذي يحتمل قولنا وقولكم، فحال أهل العلم عند المتشابه أن يحملوا المتشابه على المُحكم.
فالمُحكم هو قوله تعالى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٧٩) قول ابن كثير (وليست "من" للتبعيض، كما تقوله النصارى..) فهو يشير -﵀إلى زعم النصارى أن عيسى من الله، وأنه المولود من الآب قبل كل الدهور، مستدلين على ذلك أن قوله ""رورح منه " أي جزء منه. وقد ذكر الآلوسي أن طبيبا نصرانيا حاذقا للرشيد قد ناظرعلي بن الحسين الواقدي المروزي ذات يوم فقال له: إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى ﵇ جزء منه تعالى، وتلا هذه الآية، فقرأ الواقدي قوله تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ» [الجاثية: ١٣] فقال: إذن يلزم أن يكون جميع الأشياء جزءا منه، ﷾ علوا كبيرًا. فانقطع النصراني وأسلم، وفرح الرشيد فرحًا شديدًا. وانظر روح المعاني في تفسيرالقرآن العظيم والسبع المثاني (٣/ ٢٠٠)
[ ١ / ٦٢٠ ]
وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤»
والمُحكم هو قوله تعالى (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) (المائدة: ١٧)، المُحكم هو قوله: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) (المائدة: ٧٣)
المُحكم (وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠» (التوبة: ٣٠)
المحكم قوله تعالى (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ)
إذًا: عيسى مخلوق.
المحكم في أول ما نطق المسيح في المهد (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ)
* عودٌ إلى حديث الباب:
قوله ﷺ): ليوشكنَّ أَن ينزل ابْن مَرْيَم حكمًا مقسطًا..)
الوشيك: القريب، وأراد قرب ذلك الأمر.
ونزول المسيح ثابت بإشارات من القرآن، كما سيأتى بيانه، وبالسنة المتواترة عن النبي ﷺ، كما في حديث الباب، وإجماع الأمة.
*فمن الإشارات القرآنية الدالة على نزول عيسى ﵇:
١) قال تعالى (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (الزخرف/٦١)
والذى عليه جمهور المفسرين أن الهاء في قوله تعالى " وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ " إنما تعود على عيسى ﵇.
قال ابن كثير:
الصحيح أن الضمير في قوله (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) عائد على عيسى ﵇، فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة، كما قال ﵎: ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ أي:
قبل موت عيسى، ﵊. (^١)
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٧/ ٢٣٦) وانظر أصول السنة (ص/٢٣٧) والرسالة الوافية لمذهب أهل السنة في الاعتقادات (ص/٢٤٣) * فائدة: قرأ الجمهور: «لَعِلْمٌ» بكسر العين وتسكين اللام، وقرأ ابن عباس وأبو رزين وأبو عبد الرحمن وقتادة وحميد وابن محيصن بفتحهما. قال ابن قتيبة: من قرأ بكسر العين فالمعنى أنه يُعْلَم به قُرْبُ الساعة، ومن فتح العين واللام فإنه بمعنى العلامة والدليل. زاد المسير في علم التفسير (٤/ ٨٢) وقراءة "لعَلَم للساعة " قراءة الأعمش، وهى شاذة. .
[ ١ / ٦٢١ ]
قال الشنقيطى:
التحقيق أن الضمير في قوله: (وإنه) راجع إلى عيسى لا إلى القرآن، ولا إلى النبي - ﷺ -.
ومعنى قوله: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) على القول الحق الصحيح الذي يشهد له القرآن العظيم والسنة المتواترة - هو أن نزول عيسى في آخر الزمان حيا علم للساعة، أي علامة لقرب مجيئها; لأنه من أشراطها الدالة على قربها. (^١)
* وعن ابن عَبَّاسٍرضي الله عنهما- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قَالَ: " نزول عيسى بن مريم من قبل يوم القيامة ". (^٢)
٢) قال تعالى (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) (النساء/١٥٩)
وهذه الأية تشير إلى نزول المسيح عيسى ﵇، وقد قرأها أبوهريرة -﵁- بعد روايته لحديث الباب الذى نص على نزول عيسى ﵇، وسيأتى مزيد من بيان ذلك في موضعه.
٣) قول الله ﷿، لعيسى ابن مريم ﵇ ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]
وهذه فيها إشارة إلى نزوله؛ فقد دلت الأية على رفع المسيح ﵇، كما دل الإجماع الذى نقله شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال:
وأجمعت الأمة
_________________
(١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٧/ ١٢٨)
(٢) أخرجه ابن حبان (٦٨١٧) وترجم له: ذكر البيان بأن نزول عيسى ابن مريم من أعلام الساعة، وأخرجه والحاكم (٣٠٠٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبى. قال الألبانى في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان: حسن صحيح (٩/ ٤٥١). وصححه سليم الهلالي في الروض الريان (١/ ٨٥٣) وقد رواه الحاكم كذلك موقوفًا على ابن عباس -﵄ (٣٦٧٥)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٦٢٢ ]
على أن الله رفع عيسى إلى السماوات. (^١)
فإذا كان النص والإجماع على رفع المسيح حيًا، فهذه دلالة على نزوله ليكون في الأرض موته ودفنه؛ وذلك لقوله تعالى ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه: ٥٥].
٤) قال تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران/٤٦)، وقال: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ (المائدة/١١٠)
فأشارت هاتان الآيتان إلى آيتين من آيات المسيح ﵇:
الأولى: تكلمه في المهد، والثانية: تكلمه بعد نزوله قبل يوم القيامة وهو في حال الكهولة، وإلا فإن كلام الكهل في معتاد الأحوال أمر مألوف فلا وجه لعطفه على كلام الطفولة. (^٢)
* وكذلك ثبت نزول عيسى -﵇- بالسنة المتواترة:
وممن نص على تواتر أحاديث نزول المسيح:
الطبري والنووى والقاضى عياض وأبو العباس ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن حجر وغيرهم.
وكذلك فقد نص الشوكانى في كتابه " التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح " على تواتر أحاديث نزول المسيح ﵇، وذكر من جملة ذلك تسعة وعشرين حديثًا، ما بين صحيح وحسن وضعيف منجبر. (^٣)
وللإمام الشيخ محمد أنور شاه الكشميري كتاب جمع فيه هذه الأخبار، وسمَّاه:
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ١٢٥)
(٢) انظر جامع البيان (٦/ ٤٢٠) روح المعاني (٤/ ١٧٩) وفصل المقال في نزول عيسى وقتله الدجال (ص/٢٠)
(٣) وانظر تفسير القرآن العظيم (٧/ ٢٣٦) ونظم المتناثر من الحديث المتواتر (ص/٢٣٠) ونظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى قبل الآخرة (ص/٦٩)
[ ١ / ٦٢٣ ]
"التصريح بما تواتر في نزول المسيح "، قد ذكر فيه نحوًا من سبعين حديثًا عن نحو ثلاثين صحابيًا.
قال الألبانى:
وقد تيقَّنت - أنا شخصيًا - بتواتر أحاديث الدجال وعيسى، وقد بلغت الطرق التي تجمعت عندي أكثر من أربعين طريقًا عن نحو أربعين صحابيًّا، بعضها على شرط الصحة، وسائرها أكثر شواهدها معتبرة، ثم ذكر أسماء الصحابة -رضى لله عنهم -الذين رووا أحاديث نزول المسيح، فبلغوا أربعة عشر صحابيًا، ثم قال:
ومن هذا العرض السريع لطرق حديث عيسى ﵇، ورواتها من الصحابة الكرام الصادقين؛ ليتبين لكل ذي عينين أن الحديث متواتر بذلك. (^١)
* ومن أدلة السنة:
حديث أبى هريرةرضي الله عنه- الذى صدَّرنا به الباب.
وعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَرضي الله عنه- قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الدَّجَّالَ، فَقَالَ:
إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ، فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ، فَإِنَّهَا جِوَارُكُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ"، قُلْنَا: وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟
قَالَ ﷺ:
" أَرْبَعُونَ يَوْمًا: يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ "، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؟
قَالَ ﷺ:
" لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ، ثُمَّ يبَعَثَ اللهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللهُ مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللهُ إِلَى عِيسَى:
إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي،
_________________
(١) قصة المسيح الدجال ونزول عيسى ﵇ (ص/٢٥)
[ ١ / ٦٢٤ ]
لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ ". (^١)
*وأما الإجماع:
قال ابن أبي زَمَنِين المالكي:
وأهل السنة يؤمنون بنزول عيسى وقتله الدجال وقال ﷿ " وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ " يعني عيسى. (^٢)
قال المناوى:
وقد حكى في المطامح إجماع الأمة على نزوله، وأنكر على ابن حزم ما حكاه في مراتب الإجماع من الخلاف في نزوله قبل يوم القيامة، وقال: هذا نقل مضطرب، ولم يخالف أحد من أهل الشريعة في ذلك وإنما أنكره الفلاسفة والملاحدة. (^٣) وممن حكى هذا الإجماع:
الأشعري فى المقالات (١/ ٢٩٥) والقاضى عياض فى شرح مسلم (١٨/ ٧٥)
ومما استنبط منه شيخ الإسلام ابن تيمية واستدل به على نزول عيسى - ﵇قوله:
"والمسيح - ﵇ وعلى سائر النبيين- لا بد أن ينزل إلى الأرض كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، ولهذا كان في السماء الثانية، مع أنه أفضل من يوسف وإدريس وهارون، لأنه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة بخلاف غيره ". (^٤)
وقد درج أئمة السنة في مصنفاتهم على ذكر نزول عيسى -﵇ - آخر الزمان، حتى
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٩٣٧) أحمد (١٧٦٢٩) وأبوداود (٤٣٢١) وهذه المنارة هي المنارة البيضاء الموجودة اليوم على الباب الشرقي لمدينة دمشق القديمة، وقد بناها السلطان نور الدين محمود بن زنكي في القرن السادس. وهذه المنارة تقع شرقي دمشق، وتسمى الآن " مئذنة عيسى "، وهي منطقة يسكنها النصارى اليوم وفيها كنائسهم ونزول عيسى - ﵇ - فيها مناسب لأنهم يدَّعون ألوهيته وهو ﵇ عند نزوله سيكسر الصليب ويقتل الحنزير. وقوله صلى الله عيه وسلم " فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ "، وباب لّد الشرقي من أرض فلسطين، بالقرب من الرملة على نحو ميلين منها. وانظر عقيدة عبد الغني المقدسي (ص/٩٥)
(٢) أصول السنة (ص/١٩٢)
(٣) فيض القدير (٥/ ٥١٩) وكذلك ممن نقل هذا الإجماع: ابن عطية في المحرر الوجيز (٣/ ١٠٥) والسفاريني في " لوامع الأنوار" (٢/ ٩٤)، وانظر " منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة " (ص/٨٥٧)
(٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٢٩).
[ ١ / ٦٢٥ ]
صار ذلك من أعلام الاعتقاد التى يمتازون بها. (^١)
* فإن قيل:
وما الحكمة من نزول عيسى -﵇- آخر الزمان دون غيره من الرسل؟
* والجواب هنا ما نص عليه ابن كثير، حيث قال:
أن المقصود إنما تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى -﵇وصلبه، وتسليم من سلَّم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله -تعالى - أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شُبِّه لهم فقتلوا الشبيه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باقٍ حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، يعني لا يقبلها من أحد. (^٢)
وقوله ﷺ): حكمًا مقسطًا..)
والحكم: الحاكم.
قال النووى:
والمعنى أنه ينزل حاكمًا بهذه الشريعة؛ فإن هذه الشريعة باقية لا تنسخ بل يكون عيسى حاكمًا من حكام هذه الأمة. (^٣)
والمقسط: العادل. يقال: أقسط فهو مقسط: إذا عدل، ومنه قوله عزوجل:
﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، ومنه قوله ﷺ:
"إذا حكموا عَدَلوا، وإذا قَسَموا أقسطوا". (^٤)
وأما قسط فهو قاسط: إذا جار، قال تعالى (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) (الجن/١٥)
قوله ﷺ: " فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ ":
وإنما قصد إلى كسر الصليب وقتل الخنزير من أجل أنهما فى دين النصارى المغترين المعتدين فى شريعتهم إليه،
_________________
(١) وانظر أصول السنة أحمد (ص/٣٤) وشرح العقيدة الطحاوية (ص/٤٩٩) ومقالات الإسلاميين (ص/٣٤٥) والشريعة للآجري (٣٨١)
(٢) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٤٥)
(٣) شرح مسلم للنووى (٢/ ١٩٠)
(٤) أخرجه أحمد (١٩٥٤١) بسند حسن. وانظر البحرُ المحيط الثجَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٤/ ٢٧١)
[ ١ / ٦٢٦ ]
فأخبر النبى - ﷺ- أن عيسى - ﵇- سيغير ما نسبوه إليه كما غيَّره محمد ﷺ. (^١)
قال القاضي عياض:
فيه دليلٌ على تغييرآلات الباطل وكسرها، ودليلٌ على تغيير ما نسبته النصارى إلى شرعهم، وترك إقرارهم على شيء منه، وأنه يأتي ملتزمًا لشريعتنا. (^٢)
وأما قتله للخنزير فدليل على أن الخنزير حرام في شريعة عيسى ﵇، وقتله له تكذيب للنصارى أنه حلال في شريعتهم.
* قال ﷺ: وَيَضَع الجزية:
قيل في قوله: (ويضع الجزية) وجوه:
الأول:
أنه يحمل الناس على دين الإسلام، ولا يبقى أحد تجري عليه الجزية، فلا يقبلها ولا يقبل من الكفار إلا الإسلام، ومن بذل الجزية منهم لم يكف عنه بها، بل لا يقبل إلا الإسلام أو القتل. وقال بهذا ورجحه النووى والخطابي وابن حجر. (^٣)
الثاني:
أنه يفرض الجزية على أهل الكتاب، فلا يبقى في الناس فقير يحتاج إلى المال، وإنما كانت تؤخذ الجزية فتصرف في المصالح، فإذا لم يبق للدين خصم عُدمت الوجوه التي تصرف فيها الجزية فسقطت.
الثالث:
وهو أنه يضرب الجزية، أى يفرضها على أهل الكتاب؛ وذلك لأن شرعه نسخ، فلما نزل استعمل شرعنا، ومن شرعنا ضرب الجزية. (^٤)
والراجح الصحيح -والله أعلم- هو الوجه الأول.
*وأما ما ورد أن المراد بوضع الجزية: أي فرضها على أهل الكتاب فيرده أمور:
الأول: رواية أحمد عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا:
" يَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَتَكُونَ الدَّعْوَةُ وَاحِدَةً ". (^٥)
_________________
(١) وانظر التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٤/ ٥٥٥) وشرح صحيح البخارى لابن بطال (٦/ ٦٠٤)
(٢) إكمال المعلم (١/ ٦٠٨).
(٣) وانظر معالم السنن (٣/ ٣٧٤) وشرح النووى على مسلم (١/ ٤٦٨) وفتح الباري (٦/ ٦٨٦)
(٤) كشف المشكل من حديث الصحيحين (٣/ ٣٢٥) والمفهم (١/ ٣٧٠)
(٥) أخرجه أحمد (٩١٢١)، وحسَّنه الأرنؤوط.
[ ١ / ٦٢٧ ]
الثانى: حديث النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ -﵁- قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الدَّجَّالَ.. وورد فيه: فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ ". (^١)
الثالث: ما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَإنِّي أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيُهْلِكُ اللهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ ". (^٢)
وهذه الرواية كالنص في المسألة.
قال العراقي:
" ويظهر لي أن قبول الجزية من اليهود والنصارى لشبهة ما بأيديهم من التوراة والإنجيل، وتعلقهم - بزعمهم - بشرع قديم؛ فإذا نزل عيسى، زالت تلك الشبهة لحصول معاينته؛ فصاروا كعبدة الأوثان في انقطاع شبهتهم، وانكشاف أمرهم؛ فعوملوا معاملتهم في أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام، والحكم يزول بزوال علته ". (^٣)
** وما ذكرناه في الوجه الأول يبين لنا كذلك أمرين:
أولهما: أن المراد بوضع الجزية إنما هو نسخها، وليس فرضها.
والثانى: أن العلة من نسخ مشروعية الجزية إنما هو سيادة شريعة الإسلام وسقوط خيار الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام أو القتل، وهذا مثال لنسخ القرآن -الذى ثبتت به الجزية - بالسنة المتواترة التي دلت على نزول عيسى -﵇- ووضعه للجزية. (^٤)
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٩٣٧)
(٢) أخرجه أحمد (٩٢٧٠) وأبو داود (٤٣٢٤) وابن حبان (٦٨٢١) صححه الحافظ ابن حجرفي "الفتح (٦/ ٤٩٣) وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" (١/ ١٨٨): هذا إسناد جيد قوي. وأخرجه الحاكم (٢/ ٥٩٥) عن عفان بن مسلم، بهذا الإسناد وصححه، ووافقه الذهبي.
(٣) طرح التثريب (٧/ ٢٦٦)
(٤) وبهذا يتبين لنا أن العلة من نسخ الجزية إنما هو عدم قبول إلا الإسلام أو القتل، خلافًا لما ذهب إليه الطحاوى من أن العلة من نسخها هو أن المال إذا عاد في الناس آخر الزمان إلى أن صار لا يقبله أحد، صاروا بذلك جميعًا أغنياء وذهب الفقر والمسكنة، وعليه فإن الجزية التى جعلها الله - تعالى-على من جعلها عليه لتصرف فيما يحتاج إليه من قتال ومما سواه مما يجب صرفها فيه، فإذا ذهب ذلك ولم يكن لها أهل= =تصرف إليهم سقط فرضها. فكلامه هذا خلاف ما دل عليه النص والمعنى. وانظر مشكل الأثار (١/ ١٠٠)
[ ١ / ٦٢٨ ]
الرد على القول بأن أحاديث نزول المسيح -﵇أحاديث آحاد
*وهنا شبهات تتعلق بنزول عيسى ﵇:
ذهب الجهمية وجماعة من المعتزلة إلى إنكار نزول المسيح -﵇- آخر الزمان، وقد استدلوا على ذلك بجملة من الشبهات (^١)، نذكر منها مايلى:
١) الشبهة الأولى:
أن أحاديث نزول المسيح -﵇أحاديث آحاد متعلقة بأمر اعتقادي، فلا يؤخذ بها؛ لأن مسائل الاعتقاد لا تؤخذ إلا بالقطعي المتواتر النقل.
لذا فقد ادَّعى الشيخ محمود شلتوت بعدم صحة القول بنزول المسيح -﵇آخر الزمان، بزعم أن الأثار الواردة فى ذلك من أخبار الآحاد ظنية الدلالة، فلا ينبنى عليها مسائل
_________________
(١) والمخالفون لأهل السنة في قضية نزول عيسى -﵇- تدور أقوالهم بين الإنكار والتحريف: أ) أما أهل التحريف: فهم الذين يدَّعون نزولًا لأشخاص وفق عقائدهم الباطلة، ومثال ذلك " القاديانية ": أتباع ميرزا غلام أحمد (ت: ١٩٠٨ م)، الذي ظهر في شبه القارة الهندية، وادَّعى النبوة، وأنه هو المسيح الذي ينزل في آخر الزمان، وادَّعى أن الأحاديث التي فيها إخبار بنزول عيسى إنما المقصود بها نزول مثيله، وأنه هو ذلك المثيل، وأن عيسى ﵇ قد مات ودُفن في كشمير! ب) أما المنكرون لنزول المسيح: فيمثلهم ما يسمى بالمدرسة العقلية الحديثة، وهي مدرسة محمد عبده وتلاميذه ومنهم الشيخ رشيد رضا والشيخ المراغي والشيخ شلتوت رحم الله الجميع. فهؤلاء قد تمهَّروا في نهج المدرسة العقلية القديمة «المعتزلة»، وفي فلسفة القرن الثامن عشر والتاسع عشر، فلم تتسع الفلسفات المادية في تفكيرللإيمان بالمعجزات والخوارق من انشقاق البحر لموسى والعصا له، وآيات عيسى بن مريم -﵇ - ورفعه للسماء ونزوله وخروج الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها وانشقاق القمر وغيرهما من الآيات. لذا فقد عمدوا إلى تأويلها في القرآن والتشكيك في أحاديثها. فتأولوا نزول المسيح بغلبة روحه وسر رسالته على الناس. بل قال صاحب مجلة المنار: " أن القول بنزول المسيح هى عقيدة أكثر النصارى، وقد حاولوا بثها في المسلمين " ومع هذا فلا بد من الاذعان للشيخ رشيد -﵀- رضا في ذبه عن حياض الدين ضد الطاعنين فيه. وانظرلذلك: منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة (ص/٨٦٢)
[ ١ / ٦٢٩ ]
الاعتقاد، بل قد زعم الإجماع على أن أحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة، ولا يصح الاعتماد عليها فى شأن المغيَّبات.
فهذا هو المسلك الأول: أنها غير قطعية الورود، وأما المسلك الثانى:
فقد ذكر الشيخ شلتوت أن الأثار فى ذلك ظنية الدلالة، وعليه فلا يجب حملها على ظاهرها، ولا يمتنع تأويلها.
ثم قال:
ومن ذلك أحاديث نزول المسيح، ولذا فقد أوَّلها بعض العلماء بأن المراد بها هو اندفاع الشر وظهور الخير!!
وقد نقل كذلك هذين المسلكين الشيخ رشيد رضا عن شيخه محمد عبده فى المنار وأقره عليهما. (^١)
*والرد على ذلك أن يقال:
١ - أما الزعم أن الأثار الواردة فى نزول المسيح -﵇- من أخبار الآحاد:
فكلام مردود على قائله؛ فقد سبق البيان قريبًا أن هذه الأحاديث متواترة.
*ولو تنزلَّنا بأنها أحاديث آحاد فيقال:
أ- إن القول بأن أحاديث الآحاد لا ينبنى عليها مسائل الاعتقاد ونقل الإجماع على ذلك لا شك أنه كلام مردود بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
ب- إن أحاديث نزول المسيح - مروية فى الصحيحين، وتلقتها الأمة بالقبول خلفًا عن سلف، فتحتم الأخذ بها. (^٢)
وسيأتى مزيد بيان عن اعتبار أخبار الآحاد فى الاعتقاد عند شرحنا للحديث الثالث والثلاثين "حديث بعث معاذ -﵁- إلى اليمن".
٢ - وأما القول بتأويل بعض العلماء أن المراد بأحاديث نزول المسيح هو اندفاع الشر وظهور الخير، فلا شك أن هذا من التحريف البيِّن المخالف لصريح أحاديث
_________________
(١) وانظر كتاب "الفتاوى " للشيخ شتلوت (ص/٥٢) وتفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) (٣/ ٢٦١) ونظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى - ﵇ - قبل الآخرة (ص/٥٢)
(٢) نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ﵇ قبل الآخرة (ص/١١٤)
[ ١ / ٦٣٠ ]
نزول المسيح ﵇؛ فإن هذه الأحاديث لم تقتصر على ذكر مجرد النزول، بل قد ذكرت تفاصيل ذلك من حياة المسيح -﵇- على الأرض وصلاته مع المسلمين، ثم وفاته وصلاة المسلمين عليه، فكل هذا يبطل القول بهذا التحريف الباطل.
وما أجمل قول القائل:
إذا وصل التقوُّل على النصوص والتحريف للأدلة إلى هذا الحد، فلا نقول إلا:
"نحمدك ربنا على سلامة الدين والعقل "، ونسكت.
٢ - الشبهة الثانية:
قد روى الشيخان عن النبي -ﷺ - أنه قال: " إِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، " فهو خاتم النبيين، وشريعته ناسخة لشرائع من قبله من الرسل، فكيف ينزل عيسي -﵇ - بعده، بل وينسخ الجزية؟ (^١)
* وجواب ذلك أن يقال:
أولًا:
نزول عيسى -﵇- في آخر الزمان يختلف عن وجوده وقت أن بعثه الله -تعالى- إلى بني إسرائيل، فقد كان بين بني إسرائيل رسولًا بشريعة الإنجيل، أما نزوله في آخر الزمان فسيكون فيه تابعًا لشريعة النبي ﷺ، وحاكمًا بما يُستجد وقتها من أحكام الشريعة الإسلامية، من كسر الصليب ورفض الجزية، ومما يؤيد هذا ما يلي:
*أولًا:
أنه يأبى عند أول نزوله أن يؤم المسلمين في الصلاة، وفي هذا إشارة منه لهذا المعنى الذى ذكرناه.
فقد روى جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ -﵄ - قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ:
«يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ ". (^٢)
_________________
(١) وهذا الذى حدا بابن حزم أن ينقل الخلاف فى مراتب الإجماع (ص/٣٤٤) فى مسألة نزول المسيح -﵇- ظنًا بوجود معارضة بين قوله ﷺ: "لا نبي بعدي "، وبين أحاديث نزول المسيح ﵇. مع أنه نص فى المحلى (١/ ١١) وفىالفصل (١/ ٩٥) على نزول عيسى ﵇، فلنا قوله الذى يوافق فيه جماهير أهل السنة، وأما ما نقله من خلاف فمردود؛ إذ لا معارضة بين الأثار فى هذا الباب كما ذكرنا ذلك فى الرد على الشبهة الثانية أعلاه.
(٢) أخرجه مسلم (١٥٦) *تنبيه: قد ورد في الأثار أن أميرالمسلمين الذى يصلى خلفه عيسى -﵇عند نزوله هو محمد بن عبدالله المهدى، فقد روى الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ جَابِرٍرضي الله عنه- قَالَ قال رسول الله ﷺ: "يَنْزِلُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمُ الْمَهْدِيُّ تَعَالَ صَلِّ بِنَا، فَيَقُولُ: " لا، إِنَّ بَعْضَهُمْ أَمِيرُ بَعْضٍ؛ تَكْرِمَةُا للَّهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ". قال ابن القيم: وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ. وخروج المهدى ثابت بالسنة المتواترة وإجماع الأمة، وقد روى أحاديث خروجه ما يقرب من ستة وعشرين صحابيًا، ورواها أئمة الصحاح والمسانيد. وانظر تنبيه الغافلين شرح علامات يوم الدين (ص/١٩٩) *وأما ما يُروى مرفوعًا "لا مهدي إلا عيسى ابن مريم""، فهو مما تفرد به محمد بن خالد. وقد ذكره ابن الجوزي في " العلل المتناهية في الأحاديث الواهية " (ح/ ١٤٤٧) =قال محمد بن الحسين الآبري: محمد بن خالد الجندي غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل، وقد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺيعني في المهدي ا. هـ. وقال البيهقى: محمد بن خالد الجندي مجهول، عن أبان بن أبي عياش وهو متروك عن الحسن عن النبي - ﷺ - وهو منقطع، والأحاديث على خروج المهدي أصح إسنادًا ". قال ابن القيم: لا يصح حديث " لا مهدي إلا عيسى ابن مريم "، ولو صح لم يكن فيه حجة؛ لأن عيسى أعظم مهدي بين يدي رسول الله ﷺ وبين الساعة. ا. هـ وقد حكم الذهبي في "الميزان" في ترجمة محمَّد بن خالد على حديث: "لا مهدي إلا عيسى ابن مريم" بالنكارة. وانظر مناقب الشافعى (ص/٩٥) والمنار المنيف (ص/١٤٨) وميزان الاعتدال في نقد الرجال (٣/ ٣٥٣)
[ ١ / ٦٣١ ]
قال ابن الجوزى:
اعلم أنه لو تقدَّم عيسى -﵇لوقع في النفوس إشكال، ولقيل:
أتراه تقدم على وجه النيابة أم ابتدأ شرعًا؟، فيصلي مأمومًا لئلًا يتدنس بغبار الشبهة، وجه قوله: (لا نبي بعدي). (^١)
قال ابن العربي:
إن ذلك- أى امتناع عيسى من التقدم للإمامة - إبقاء لشريعة النبى - ﷺ- واتباع له، وإسخان لأعين النصارى، وإقامة الحجة عليهم. (^٢)
*الثانى:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ:
" كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ ". (^٣)
قال ابن أبي ذئب: «فأمَّكم بكتاب ربكم ﵎، وسنة نبيكم ﷺ»
_________________
(١) كشف المشكل من حديث الصحيحين (٣/ ٨٨) وانظر الروض الرَّيان (١/ ٨٤٥)
(٢) عارضة الأحوذي (٩/ ٧٨)
(٣) أخرجه مسلم (١٥٥)
[ ١ / ٦٣٢ ]
* ثم يقال:
وإذا كان من هو أفضل من عيسى -﵇- وهو موسى -﵇ - لو كان حيًا لما وسعه إلا إتباع النبي -ﷺ- كما قال ﵊:
" وَلَوْ كَانَ حَيًّا وَأَدْرَكَ نُبُوَّتِي، لَاتَّبَعَنِي» (^١)، فلأن يقال ذلك في حق عيسى -﵇- من باب أولى.
ثانيًا:
أن الجزية وإن كانت مشروعة في هذه الشريعة فقبولها ليس بحكم مستمر إلى يوم القيامة، بل إن ذلك مقيد بنزول عيسى ﵇، كما في حديث الباب، وليس عيسى -﵇- بناسخ لحكم الجزية، بل - نبينا ﷺ - هو المبين للنسخ بقوله وإخباره بنزول عيسى. (^٢)
قال بدر الدين العيني:
فإن قلتَ: هذا يدل على أن عيسى، ﵊، ينسخ الحكم الذي كان في شرعنا، والحال أنه تابع لشرع نبينا ﷺ.
قلتُ: ليس هو بناسخ، بل نبينا ﷺ هو الذي بين بالنسخ. وأن عيسى، ﵊، يفعل ذلك بأمر نبينا ﷺ. (^٣)
* وبناءً على ما سبق:
من كون المسيح عيسى -﵇ - سوف ينزل إلى الأرض آخر الزمان، كما سبق بيانه، ويحكم بشريعة النبي محمد - ﷺ - بإسقاط الجزية وقتل الخنزير، أنه رفع حيّا، وأنه اجتمع بالنبيّ -ﷺ - ببيت المقدس فقد نص ابن حجر على كون عيسى -﵇ - صحابيًا، وترجم له في كتابه " الإصابة في تمييز الصحابة"، وقال ﵀:
ذكره الذّهبيّ «في التّجريد»، مستدركًا على من قبله، فقال: عيسى ابن مريم رسول اللَّه، رأى النبيّ - ﷺليلة الإسراء، وسلم عليه، فهو نبيّ وصحابيّ، وهو آخر من يموت من الصحابة، وألغزه القاضي تاج الدين السبكي في قصيدته في آخر القواعد له، فقال:
_________________
(١) أخرجه الدارمي (٤٩٩) وحسنه الألبانى.
(٢) شرح مسلم للنووى (١/ ٤٦٩)
(٣) عمدة القاري (١٣/ ٢٨)
[ ١ / ٦٣٣ ]
الرد على شبهة من يقول أن الله -تعالى - قد توفى عيسى -﵇- قبل رفعه إليه
من باتّفاق جميع الخلق أفضل من خير الصّحاب أبي بكر ومن عمر
ومن عليّ ومن عثمان وهو فتى من أمّة المصطفى المختار من مضر. (^١)
* الشبهة الثالثة:
قال تعالى (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) (آل عمران/٥٥) وَقَوْلِهِ (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) [المائدة / ١١٧]
أفادت هذه الأيات أن الله -تعالى - قد توفى عيسى -﵇- قبل رفعه إليه، في حين أن الأحاديث قد أفادت أن عيسى -﵇- سينزل آخر الزمان وسيموت ويصلى عليه المسلمون، فكيف الجواب؟
* وجواب ذلك من وجوه:
١) قيل أن: المراد بالتوفي هنا النوم، وكأن عيسى -﵇- قد نام فرفعه الله -تعالى- نائمًا إلى السماء، ويطلق على النوم وفاة، كما قال الله تعالى: " وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ" (الأنعام: ٦٠)
وعَنْ حُذَيْفَةَ -﵁- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ قَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ». (^٢)
وهذا القول مروي عن الحسن، ومال إليه ابن كثير. (^٣)
٢) وقيل أن قوله تعالى (مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ) يحمل على الوفاة بمعنى الموت على الحقيقة، ولكنَّ الله -تعالى- عطف الرفع على الوفاة، والعطف إنما يفيد مطلق الجمع دون الترتيب، وكأنَّ المعنى: أنى رافعك إلىّ ومتوفيك بعد ذلك.
ويروى هذا القول عن ابن عباس وقتادة ووهب بن منبه، وهو قول ابن حزم ومحمد بن اسحاق. (^٤)
_________________
(١) الإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ٦٣٣)
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٢٤)
(٣) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٨)
(٤) وانظر تنزيه القرآن عن المطاعن (ص/٨٨) والدرة (ص/١٠٩) وفصل المقال للهرَّاس (ص/١٠)
[ ١ / ٦٣٤ ]
قوله تعالى: ﴿قبل موته﴾ هل يعود على عيسى ﵇، أم على الكتابى؟
٣) أن قوله: متوفيك حقيقة لغوية في استيفاء الشيء وأخذه كاملًا غير ناقص،، والعرب تقول: توفى فلان دينه يتوفاه فهو متوفٍ له إذا قبضه وحازه إليه كاملًا من غير نقص.
فمعنى: إني متوفيك في الوضع اللغوي، أي حائزك ومستوفيك إليَّ كاملًا بروحك وجسمك. (^١)
وهذا هو الراجح، والله أعلم، وهذا ما رجَّحه الطبري والقرطبي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن عبد البر وابن الجوزي. (^٢)
قال الألوسي:
والصحيح كما قاله القرطبي أن الله -تعالى - رفعه من غير وفاة ولا نوم، وهو اختيار الطبري والرواية الصحيحة عن ابن عباس ﵄. (^٣)
* عودٌ إلى حديث الباب:
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: " وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩]
ومعنى الأية: أي لا يبقى أحد من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى إذا نزل عيسى -﵇- إلا آمن به، وهذا مصير من أبي هريرة - ﵁ - إلى أن الضمير في قوله تعالى (إلا ليؤمنن به..) وكذلك في قوله تعالى (قبل موته..) يعود على عيسى ﵇
وإن كانت هذه الأية مما قد اختلف المفسرون في تفسيرها، وذلك في توجيه الضمير في قوله تعالى: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ هل يعود على عيسى ﵇، أم على الكتابىِّ؟
على قولين:
القول الأول:
أنه يعود على عيسى ﵇، أي: لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ بعيسى -﵇قبل موته، أى موت عيسى ﵇، وذلك بعد نزوله من السماء،
_________________
(١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٧/ ١٣١)
(٢) وانظر الجامع لأحكام القرآن (٤/ ٦٥) وزاد المسير في علم التفسير (١/ ٢٨٧) والتمهيد (٥/ ٤٤٢)
(٣) روح المعاني (٢/ ١٧٢)، ولمزيد بيان لذلك: ينظر في: جامع البيان في تأويل القرآن (٦/ ٤٥٨) والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١٤/ ٢٠٢)
[ ١ / ٦٣٥ ]
وهذا قول أبي هريرة -﵁- راوي الحديث، حيث قال بعد روايته لحديث نزول المسيح ﵇: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾
وقال به ابن عباس، ولا مخالف لهما من الصحابة ﵃.
قال ابن حجر: وبهذا جزم ابن عباس -﵄- فيما رواه ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عنه بإسناد صحيح. (^١)
قال الحسن في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾
قال: قبل موت عيسى، والله إنه الآن لحيٌّ عند الله تعالى، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون. (^٢)
وقال به قتادة وابن زيد واختاره الطبري وشيخ الإسلام ابن تيمية وأبو حيَّان وابن كثير والشوكاني والقاسمي والشنقيطي. (^٣)
قال ابن كثير:
ولا شك أن الذي قاله ابن جرير هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي، في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى -﵇- وصلبه، وتسليم من سلَّم لهم من النصارى الجهلة ذلك. (^٤)
* القول الثاني:
أن الضمير في قوله تعالى: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعود على على الكتابىِّ، والمعنى:
وما من كتابيِّ إلا ليؤمننَّ بعيسى -﵇قبل موت الكتابيِّ، وذلك عند المعاينة والاحتضار، فيؤمن بما أنزل الله -تعالى -من الحق، وبالمسيح عيسى ابن مريم ﵇، وهذه منّة مَنّ الله -تعالى -بها على عيسى ﵇، إذ جعل أعداءه لا يخرجون من الدنيا إلاّ وقد آمنوا به جزاء له على ما لقي من تكذيبهم، لأنّه لم يتمتّع
_________________
(١) نص عليه ابن حجر في الفتح (٦/ ٦٨٦) والرواية فى ذلك عن ابن عباس -﵄- مستفيضة من عدة طرق.
(٢) جامع البيان في تأويل القرآن (٩/ ٣٨٠) وسنده صحيح. وانظرالصحيح المسند من الملاحم والفتن (ص/٥١٥)
(٣) وانظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٢/ ٢٨٣) وفتح القدير (١/ ٧١٣)
(٤) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٠٢)
[ ١ / ٦٣٦ ]
بمشاهدة أمّةٍ تتبعه. وهذا قول مجاهد، والضحاك، وابن سيرين، وجويبر، وذهب إلى ذلك ابن عاشور وابن عطية والرازي والألوسي.
وقد استدل أصحاب القول الثانى بما ورد في قراءة أبَي بن كعب (إلا ليؤمننَّ به قبل موتهم). (^١)
* والراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ سيِّما أن ما ورد في قراءة أبَي بن كعب
(إلا ليؤمننَّ به قبل موتهم) فهذه ليست قراءة سبعية، بل هى قراءة شاذة. (^٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
عند أكثر العلماء معناه " قبل موت المسيح "، وقد قيل: قبل موت اليهودي، وهو ضعيف. (^٣)
ثم بيِّن أوجه الضغف فى ذلك، فكان مما قال:
فقوله ﴿وَإِن من أهل الْكتاب إِلَّا ليُؤْمِنن بِهِ قبل مَوته﴾ هذا يعم اليهود والنصارى،
فدل ذلك على أن جميع أهل الكتاب اليهود والنصارى يؤمنون بالمسيح قبل موت المسيح، وذلك إذا نزل آمنت اليهود والنصارى بأنه رسول الله ليس كاذبًا، كما يقول اليهود، ولا هو الله، كما تقوله النصارى.
والمحافظة على هذا العموم أولى من أن يدَّعي أن كل كتابيّ ليؤمنن به قبل أن يموت الكتابي، فإن هذا يستلزم إيمان كل يهودي ونصراني، وهذا خلاف الواقع. (^٤)
وقال صاحب الأضواء:
وكون الضمير راجعًا إلى عيسى -﵇ - فهذا مما يجب المصير إليه، دون القول الآخر; لأنه أرجح منه من أربعة أوجه:
الوجه الأول:
أنه هو ظاهر القرآن المتبادر منه، وعليه تنسجم الضمائر بعضها مع بعض.
والقول الآخر بخلاف ذلك.
_________________
(١) وانظر قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور (ص/٦٣٥)
(٢) وهذه القراءة (إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ،) قد ذكرها ابن حيان في البحر المحيط (٤/ ١٣٠) ونسبها لأبى بن كعب، وهي قراءة شاذة من المرتبة الثالثة، والتى تُنقل على سبيل القراءات التفسيرية، كما ورد في قراءة ابن عباس وابْنِ مَسْعُودٍ: «وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا». ذكره الدكتور محمد سكر حفظه الله.
(٣) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٢/ ٢٨٥)
(٤) دقائق التفسير (٢/ ٩٥)
[ ١ / ٦٣٧ ]
وإيضاح هذا أن الله - تعالى - قال: (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله..) ثم قال - تعالى -) وما قتلوه) أي عيسى، (وما صلبوه) أي عيسى، (ولكن شُبِّه لهم..) أي عيسى، (وإنْ الذين اختلفوا فيه..) أي عيسى، (لفي شك منه..) أي عيسى، (ما لهم به من علم..) أي عيسى، (وما قتلوه يقينًا) أي عيسى، (بل رفعه الله..) أي عيسى، (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننَّ به)، أي عيسى، (قبل موته..) أي عيسى، (ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا)، أي يكون هو - أي عيسى - عليهم شهيدًا.
الوجه الثاني:
أنه على القول الراجح فإن مفسر الضمير ملفوظ مصرح به في قوله تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ).
وأما على القول الآخر فمفسر الضمير ليس مذكورا في الآية أصلًا، بل هو مقدر، تقديره: ما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به قبل موته، أي موت أحد أهل الكتاب المقدر.
ومما لا شك فيه أن ما لا يحتاج إلى تقدير أرجح وأولى مما يحتاج إلى تقدير.
الوجه الثالث:
أن النبي - ﷺ - قد تواترت عنه الأحاديث بأن عيسى -﵇حي الآن، وأنه سينزل في آخر الزمان حكمًا مقسطًا. ولا ينكر تواتر السنة بذلك إلا مكابر، وممن نص على تواتر أحاديث نزول عيسى -﵇- ابن كثير في تفسير قوله تعالى (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ) (الزخرف/٦١)
وأما القول بأن الضمير في قوله: قبل موته راجع إلى الكتاب فهو خلاف ظاهر القرآن، ولم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة.
الوجه الرابع:
هو أن القول الأول الصحيح واضح لا إشكال فيه، ولا يحتاج إلى تأويل ولا تخصيص، بخلاف القول الآخر، فهو مشكل لا يكاد يصدْق إلا مع تخصيص، كمن فاجأه الموت من أهل الكتاب، كالذي يسقط من عالٍ إلى أسفل، والذي يقطع رأسه بالسيف وهو غافل، والذي يموت في نومه ونحو ذلك، فلا يصدق
[ ١ / ٦٣٨ ]
هذا العموم المذكور في الآية على هذا النوع من أهل الكتاب، إلا إذا ادَّعى إخراجهم منه بمخصص. (^١)
*وفاة المسيح ﵇:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه - أَنَّ- النَّبِيَّ ﷺ - قَالَ:
" الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَإنِّي أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ: رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيُهْلِكُ اللهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَيُهْلِكُ اللهُ فِي زَمَانِهِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، ثُمَّ تَقَعُ الْأَمَنَةُ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى تَرْتَعَ الْأُسُودُ مَعَ الْإِبِلِ، وَالنِّمَارُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبَ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ، لَا تَضُرُّهُمْ، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ " (^٢)
*وصية النبي صلى الله ﵇:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّهُ قَالَ:
" إِنِّي لَأَرْجُو إِنْ طَالَ بِي عُمُرٌ أَنْ أَلْقَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنْ عَجِلَ بِي مَوْتٌ، فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ " (^٣)
* تنبيهات:
١) ما ينقل من أن عيسى - ﵇ - قد رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فهذا مما لا دليل عليه قال ابن القيم:
وأما ما يذكر عن المسيح أنه رفع إلى السماء وله ثلاث وثلاثون
_________________
(١) بتصرف يسير من أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٧/ ١٣٠)
(٢) أخرجه أحمد (٩٢٧٠) وأبو داود (٤٣٢٤) وابن حبان (٦٨٢١) صححه الحافظ ابن حجرفي "الفتح (٦/ ٤٩٣) وقال ابن كثير في "البداية والنهاية " (١/ ١٨٨): هذا إسناد جيد قوي.
(٣) أخرجه أحمد (٧٩٧٠) واختُلف في وقفه ورفعه، فرفعه محمد بن جعفر في روايته له عن شعبة، بينما رواه يزيد بن هارون عن شعبة فوقفه على أبي هريرة -﵁- كما عند أحمد برقم (٧٩٧١) و(٧٩٧٨)، محمد بن جعفر أثبت في روايته عن شعبة من غيره. وقد رجَّح الشيخ أحمد شاكر رفعه باعتباره زيادة ثقة، وشعبة كثيرًا ما يقف المرفوعات، ثم إنه في حكم المرفوع؛ إذ هو من الغيبيات. وقال شعيب الأرنؤوط عن رفعه: إسناده صحيح على شرطهما. وانظر الصحيحة (٢٣٠٨)
[ ١ / ٦٣٩ ]
سنة فهذا لا يعرف له أثر متصل يجب المصير إليه. (^١).
٢) ما ورد أن المسيح عيسى -﵇ - يُدفن بجوار النبي - ﷺ - فهذا مما لا دليل عليه.
قال ابن كثير:
قيل في الحجرة النبوية عند رسول الله - ﷺ - وصاحبيه. وقد ورد في ذلك حديث ذكره ابن عساكر في آخر ترجمة المسيح - ﵇ - في كتابه عن عائشة -﵂- مرفوعا أنه يُدفن مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر في الحجرة النبوية، ولكن لا يصح إسناده. (^٢)
تنبيه:
وقد روى عن عبد الله بن سلام -﵁- أنه قال:
(مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَه)، ولكن ضعفه البخارى. (^٣).
_________________
(١) زاد المعاد (١/ ٨٤)
(٢) البداية والنهاية (٢/ ١١٧)
(٣) وقد أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٢٦٣)، والترمذي (٣٦١٧) - واللفظ له- والمزي في "تهذيب الكمال" (١٩/ ٣٩٥) من طريق عثمان بن الضحاك، عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن جده، فذكره. قال البخاري: وهذا لا يصح عندي ولا يتابع عليه.
[ ١ / ٦٤٠ ]