[ ١ / ٣٥٥ ]
** نص الحديث **
عن ابْنُ عَبَّاسٍ -﵄- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:
" عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى ﷺ وَقَوْمُهُ، وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي:
انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ الْآخَرِ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللهِ، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَقَالَ: «مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟» فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ:
«هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقَالَ: " ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ؟» ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ».
** تخريج الحديث:
أخرجه البخاري (٦٥٤١) وترجم له: بَابٌ: يَدْخُلُ الجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ. ومسلم (٢٢٠) بَابُ: الدَّلِيلِ عَلَى دُخُولِ طَوَائِفَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ.
[ ١ / ٣٥٧ ]
* قال ابن كثير:
ثبت بالتواتر عن رسول الله -ﷺ- أنه أخبر أن في هذه الأمة سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب. (^١)
** شرح وفوائد الحديث:
الفائدة الأولى: قول الرسول ﷺ:
" عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ ":
أي رآهم النبي -ﷺ - بما سيؤول إليه أمرهم يوم القيامة، فهم مُثَّلِوا له في الرؤيا، ورؤيا الأنبياء وحى، وهذا ما سوف يقع للنبيﷺ - يوم القيامة.
٢ - الفائدة الثانية:
قولهﷺ -: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ:
والرهيط تصغير الرهط، والرهط هم الجماعة دون العشرة.
قوله ﷺ: " إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى - ﷺ- وَقَوْمُهُ ":
* فإن قيل:
كيف لم يعرف أمته حتى ظن أن أمة موسي - ﷺ- هي أمته، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرةرضي الله عنه عند - أنه - ﷺ- يعرفهم من آثار الغرة والتحجيل؟
*والجواب:
الأشخاص التي رآها في الأفق لا يُدرك منها إلا الكثرة من غير تمييز لأعيانهم، وأما ما في حديث أبي هريرة -﵁- فمحمول على ما إذا قربوا منه، وهذا كما يرى الشخص شخصًا على بعد فيكلمه ولا يعرف أنه أخوه، فإذا صار بحيث يتميَّز عن غيره عرفه. (^٢)
* ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
قوله ﷺ: فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ "
قد ورد في غير الصحيحين روايات فيها زيادة عن السبعين ألفًا الوارد ذكرهم عند البخاري ومسلم، ومن ذلك ما يلى:
ففي حديث أبي هريرة﵁- قال سمعت رسول الله -ﷺ -
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٧/ ٥١٩)
(٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري (١١/ ٤٠٨)
[ ١ / ٣٥٨ ]
يقول:
" وعدني ربي أنْ يدخلَ الجنةَ مِنْ أمتي سبعينَ ألفًا لا حسابَ عليهم ولا عذابَ، مع كلِ ألفٍ سبعونَ ألفًا ". (^١)
وفي رواية أبي أمامة - ﵁- مرفوعًا: " إنَّ ربِّي قَدْ وَعَدَنِي سَبْعِينَ ألْفًا، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَزَادَنِي حَثَيَاتٍ من حثيات ربي " (^٢)
ومن مجموع هذه الروايات تبين أن عدد هؤلاء السابقين الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب يزيد عن السبعين ألفًا الوارد ذكرهم في رواية الصحيحين، فيقرب العدد بمجموع الروايات من خمسة ملايين، أضف إلى ذلك ما ورد من رواية " وَزَادَنِي حَثَيَاتٍ من حثيات ربي "، وهذا فضل الله -تعالى- الذى يُوَفَّى بغير حساب.
* عودٌ إلى حديث الباب:
ثُمَّ نَهَضَ النبي -ﷺ - فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللهِ
* وفيه من الفوائد:
قوله: (فخاض الناس): أي تكلموا وتناظروا، وفي هذا إباحة المناظرة في العلم والمباحثة في نصوص الشرع على جهة الاستفادة وإظهار الحق، والله أعلم. (^٣)
** فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِﷺ - فَقَالَ:
«مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟» فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، ولا يَكْتَوون وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»،
تبيه: ورد عند الإمام مسلم لفظة (لَا يَرْقُونَ
وهذه اللفظة مما قد انفرد بها الإمام مسلم في صحيحه، فلم يروها الإمام البخاري، وهي لفظة -على الراجح-
_________________
(١) أخرجه أحمد (٨٧٠٧) والبيهقي في البعث (٣٢٨) قال ابن حجر: سنده جيد، في الباب عن أبي أيوب عند الطبراني وعن حذيفة عند أحمد وعن أنس عند البزار، وعن ثوبان عند بن أبي عاصم، فهذه طرق يقوي بعضها بعضًا. انظرفتح الباري (١١/ ٤١٠)
(٢) أخرجه أحمد (٢٢١٥٦) والترمذي (٢٤٣٧) وابن حبان في صحيحه (٧٢٤٦) وحسَّنه الترمذي، وصححه الألبانى في ظلال الجنة (١/ ٢٦٠).
(٣) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٣/ ٩٥)
[ ١ / ٣٥٩ ]
شاذة من جهة السند والمتن:
* أما من جهة السند:
فإن اللفظ المحفوظ الذى اتفق عليه الثقات الذين رووا هذا الحديث هو:
«هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»، فهذا الذى اتفق عليه الشيخان وغيرهما من أصحاب السنن في حديث ابن عباس ﵄، وإن كان عند البعض تقديم وتأخير.
لكن جاء في رواية سعيد بن منصور عند مسلم قال: " هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ، "، بدلًا من: "لا يكتُوون"، فهى زيادة شاذة. (^١)
* أما من جهة المتن:
فإن النبي -ﷺ - رقى نفسه وغيره، لكنه لم يسترق، فالمسترقي طالب للدعاء من غيره، بخلاف الشخص الذى يرقي غيره فإنه يدعو له في صورة الرقية الشرعية.
فإن الراقي محسن إلى أخيه، وقد قال النبي - ﷺ - وقد سئل عن الرقية فقال:
«مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» (^٢)، وقال: «"اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، وَلَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا
_________________
(١) فإن قيل: ألا يقال أن لفظة "لا يَرقون" زيادة ثقة مقبولة؛ لأنها من رواية سعيد بن منصور، وهو ثقة حافظ تُقبل زيادته؟ والجواب: أما زيادة الثقة فلا شك في قبولها، ولكن هذه اللفظة ليست من هذا الباب؛ لأن الوهم وقع للرواي فخالف الثقات فأبدل لفظة مكان أخري، والوهم قد يقع للثقة كما يقع لغيره، فليس الثقة الذي لا يخطأ قط، إنما الثقة الذى قلَّ خطئه، فوافق الثقات في غالب مروياته. قال الشافعي: "إنما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه أو بأن يأتي بشيء يشركه فيه من لم يحفظ منه ما حفظ وهم عدد "ا. هـ فأشار إلى أن الزيادة متى تضمنت مخالفة الأحفظ أوالأكثر عددًا أنها تكون مردودة. وفي سؤالات السلمي للدارقطني: عن الحديث إذا اختلف فيه الثقات؛ مثل أن يروي الثوري حديثا، ويخالفه فيه مالك، والطريق إلى كل واحد منهما صحيح؟ فقال: ينظر ما اجتمع عليه ثقتان يحكم بصحته، أو جاء بلفظة زائدة تثبت، تقبل منه تلك الزيادة، ويحكم لأكثرهم حفظا وثبتًا على من دونه. وانظر سؤالات السلمي للدارقطني (ص/٣٦٠) والنكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (ص/٦٨٨)
(٢) أخرجه مسلم (٢١٩٩)
[ ١ / ٣٦٠ ]
لَمْ يَكُنْ شِرْكًا"» (^١)، والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مستعطٍ ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن نافع.
وإنما الحديث " «هم الذين لا يسترقون»؛ فهؤلاء دخلوا الجنة بغير حساب، لكمال توحيدهم،
ولهذا نفى عنهم الاسترقاء، وقال في آخر الحديث: «وعلى ربهم يتوكلون»، فلكمال توكلهم على ربهم وسكونهم إليه، وثقتهم به، ورضاهم عنه، وإنزال حوائجهم به لا يسألون الناس شيئًا. (^٢)
** عودٌ إلى حديث الباب: قوله ﷺ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ
والاسترقاء: هو طلب الرقية من الغير، وهذه هي أولى الصفات التى اختص بها السابقين الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ووجه المدح فيها أنهم قد تركوا طلب الرقية من الغير لكمال توكلهم على الله عزوجل.
فلا شك أن الطلب والسؤال من الناس فيه افتقار القلب والتفاته إلى غير الله، وهذا نوع من الفقر للمخلوق، فهم لقوة اعتمادهم على الله -﷿ولعزة نفوسهم عن التذلل لغير الله تركوا الاسترقاء.
فليس محرمًا أن يطلب أحد من شخص أن يرقيه، ولكن من فعل ذلك فقد فاته الكمال والسبق، وقد فعل خلاف الأفضل والأكمل. وعليه يُحمل قوله ﷺ:
" " مَنِ اكْتَوَى، أَوْ اسْتَرْقَى فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ " " (^٣)، والمراد هنا هو نفي كمال التوكل المستحب؛ وما ذلك إلا لفعله ما كان الأولى له التنزه عنه، والذى هو الاحتياج للغير.
وقد يتوجه النفي إلى أصل التوكل، وذلك لمن اكتوى أو
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٢٠٠)
(٢) وانظر لذلك اقتضاء الصراط المستقيم (ص/٣٦٧) ومجموع الفتاوى (٢٨/ ١٢٣) ومفتاح دار السعادة (ص/٥٨٠) وزاد المعاد في هدي خير العباد (١/ ٤٧٦)
(٣) أخرجه أحمد (١٨١٨٠) والترمذي (٢٠٥٥) وقال الترمذي: حسن صحيح. وانظر صحيح الجامع (٦٠٨١)
[ ١ / ٣٦١ ]
استرقى متوجهًا حال ذلك بكلية توكله على غير الله تعالى.
* قال الإمام أحمد:
يشبه أن يكون هذا -أى مدح عدم الاسترقاء- ترغيبًا في التوكل على الله ﷿، وقطع القلوب عن الأسباب التي كانوا في الجاهلية يرجون منها الشفاء دون من جعلها أسبابًا لها. (^١)
* لذا فإن الرقية مندوبة في حق الراقي؛ لأنها من باب الإحسان، ولما فيها من النفع، وهي جائزة في حق المرقي، إلا أنه لا ينبغي له أن يبتدئ بطلبها، فإن من كمال توكل العبد وقوة يقينه أن لا يسأل أحدًا من الخلق لا رقية ولا غيرها، وهذا من أسرار تحقيق التوحيد ومعانيه البديعة التي لا يوفَّق للتفقه فيها والعمل بها إلا الكمَّل من العباد. (^٢)
وهذا إن دل إنما يدل على أثر تفاوت أعمال القلوب على رفعة الدرجات والسبق إلى الجنان، كما قال تعالى " هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ "، فهذا الارتقاء عند الله -تعالى- يكون بأعمال القلوب كما يكون بأعمال الجوارح.
* فوائد تتعلق بمسألة الاسترقاء:
١) من طلب الرقية لزوجته أو لولده مثلًا، فهذا داخل في معنى الاسترقاء، هذا بخلاف من أرشد أولياء المريض أن يسترقوا له، هذا من باب النصح والإرشاد، ودليل ذلك ما روته أُمّ سَلَمَةَ﵂ - عن النَّبِيَّ - ﷺ - أنه رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ، فَقَالَ:
«اسْتَرْقُوا لَهَا، فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ». (^٣)
أى اطلبوا لها من يرقيها، " فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ " أى أصيبت بالعين، والسفعة هي صفرة بالوجه.
* إشكال والرد عليه:
عَنْ عَائِشَةَ -﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ، نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا
_________________
(١) معرفة السنن والآثار (١٤/ ١٢٠)
(٢) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص/٥٠)
(٣) أخرجه البخاري (٥٧٣٩) ومسلم (٢١٩٧)
[ ١ / ٣٦٢ ]
وَجْهَهُ، وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ» قَالَتْ عَائِشَةُ: «فَلَمَّا اشْتَكَى كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ». (^١)
أليس هذا من الاسترقاء؟؟؟
* والرد عليه:
أنه كان -ﷺ - هو الذى ينفث على نفسه، وضعفه ووجعه يمنعه من إمرار يده
على جسده كله، فكان يأمر عائشةرضي الله عنها- أن تمر بيده على جسده بعد نفثه هو، وليس
ذلك من الاسترقاء في شيء. وهي لم تقل " كان يأمرني أن أرقيه "، وإنما ذكرت المسح بيده بعد النفث على جسده، ثم قالت: كان يأمرني أن أفعل ذلك به، أي: أن أمسح جسده بيده، كما كان هو يفعل. (^٢)
شروط الرقية الشرعية:
١) أن تكون من الكتاب والسنة، فلا تتضمن شركًا:
قال النبي - ﷺ-: " اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِا شِرْكٌ. (^٣)
وعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ -﵁- دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ - ﵂- وَهِيَ تَشْتَكِي، وَيَهُودِيَّةٌ تَرْقِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ارْقِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ ". (^٤)
وعليه فإنه ما ورد من أحاديث تنهى عن الرقية فهى تحمل على الرقى الشركية، التى يُستعان فيها بغير الله عزوجل، أو على من كانوا يعتقدون نفعها وتأثيرها بطبعها، كما كان أهل الجاهلية يزعمون.
*قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
الرقى والعزائم الأعجمية هي تتضمن أسماء رجال من الجن يُدعون ويُستغاث بهم ويُقسم عليهم بمن يعظمونه، فتطيعهم الشياطين بسبب ذلك في بعض الأمور من جنس السحر والشرك.
قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) زاد المعاد في هدي خير العباد (١/ ٤٧٨)
(٣) سبق تخريجه قريبًا.
(٤) رواه مالك في الموطأ (١٩٨٢) وسنده صحيح.
[ ١ / ٣٦٣ ]
النَّاسَ السِّحْرَ ﴿. (^١)
٢) أن تكون باللغة العربية: واضحة الألفاظ ومفهومة المعني:
وقد أجاز قوم كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها، لكن قد دل الحديث على أنه مهما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطًا. (^٢) .. فالرقية تكون محرمة إذا حوت على أسماء لا يُفهم معناها؛ لأنها تجر إلى الشرك، ولا يؤمن أن يكون في الكلام الذى لا يُفهم معناه شيء من الشرك، فلا بد أن يكون من الكلام المفهوم.
قال القرافي:
من الرقى ما هو مشروع، كالفاتحة والمعوذتين، ومنها ما هو غير مشروع كرقى الجاهلية والهند وغيرهما، وربما كان كفرًا؛ ولذلك نهى مالك وغيره عن الرقى بالعجمية لاحتمال أن يكون فيه محرَّم. (^٣)
تحدّث شيخ الإسلام ﵀ عنها، وذكر حرمتها في موضع آخر فقال:
"وعامة ما بأيدي الناس من العزائم والطلاسم والرقى التي لا تفقه بالعربية، فيها ما هو شرك بالجنّ. ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرقى التي لا يفقه معناها لأنها مظنة الشرك، وإن لم يعرف الراقي أنها شرك. (^٤)
وأما من كان لا يحسن العربية فرقي بلغة أخري بكلام مفهوم المعنى فلا حرج في ذلك.
٣ - ألا يعتقد المرء أن الرقية تنفع بذاتها:
فالرقية سبب يقع أثره بتقدير الله عزوجل، فلا تأثير لها إلا بإذن الله غير وجل، فقد يتوفر السبب ويتخلف التأثير، وقد يقع التأثير -الذى هو الشفاء-بغير سبب.
_________________
(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص/٣٢٩)
(٢) فتح الباري بتصرف يسير (١٠/ ١٩٥)
(٣) أنوار البروق في أنواء الفروق (٣/ ١٢٩٥)
(٤) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٣)
[ ١ / ٣٦٤ ]
قال البيهقي:
قد نهى عن الرقية إذا كان فيها شرك، أو استعمل شئ من ذلك، على الوجه الذي كانوا يستعملونه في الجاهلية من إضافة الشفاء إليها دون الله ﷿. (^١)
وقد نقل ابن حجر والسيوطى إجماع العلماء على هذه الشروط الثلاثة.
قال ابن حجر:
أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط أن يكون بكلام الله -تعالى- أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى. (^٢)
** فوائد مهمة تتعلق بالرقية:
١) الرقية توفيقية وليست توقيفية:
بمعنى ان الرقى لا يجب فيها الإلتزام بنص أو بذكر معين، بل إن رقى بذكر أو قراءة، فرأى أثرها الطيب، فله أن يكررها ما لم يكن فيها محذور يخالف صحيح العقيدة؛ ذلك لأن التداوي بالرقي من جنس التداوي بالأدوية، فهي مبنية على التجربة، لا على التلقي.
يؤيد ذلك: قوله ﷺ: «اعرضوا علىَّ رقاكم»، فلم يلزمهم بذكر بعينه، مع إرشادهم لأنفع أوراد الرقية الشرعية. (^٣)
٢) من استرقى وهو لا يعلم بحديث السبعين، وأن طلب الرقية مخرج من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وأنه خلاف الأولى، فإذا علم ذلك فأقلع عن الاسترقاء، وحقق الصفات الأخرى المذكورة في الحديث فهو معدود - بإذن الله - في السبعين ألفًا، فالعبرة في ذلك بمن علم الحديث ثم فعل ذلك بعد علمه به.
* ومما يؤيد ذلك أمور منها:
١) عن عمران بن حصينرضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- نَهَى عَنِ الكَيِّ، قَالَ: فَابْتُلِينَا
_________________
(١) معرفة السنن والآثار (١٤/ ١٢٠)
(٢) فتح الباري (١٠/ ١٩٥)
(٣) وتأملوا الفارق بين قوله ﷺ: «اعرضوا على رقاكم» وقوله (صلوا كما رأيتونى صلى) وقوله (خذوا عنى مناسككم) فهذا مما يوضح لنا الفارق بين الأمور التوقيفية، والأمور التوفيقية.
[ ١ / ٣٦٥ ]
فَاكْتَوَيْنَا فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا".
قال أبو داود: وكان يسمع تسليم الملائكة، فلما اكتوى انقطع عنه، فلما ترك رجع إليه". (^١)
٢) أن العبرة بالخواتيم؛ فلقد كان الصحابة - ﵃- قبل إسلامهم كفارًا، فأسلموا وحسن إسلامهم، وصاروا خير أمة أخرجت للناس، وهذا فيمن ترك الإيمان ثم عاد إليه، فمن باب أولى أن الذي يترك كمال التوكل، حين يطلب الإسترقاء، ثم يعود إليه يقبل منه.
٣) مراتب وحالات الرقية:
هناك ثلاث مراتب للرقية:
المرتبة الأولى: أن يطلب من يرقيه، وهذا هو الاسترقاء، وهذا قد فاته الكمال.
المرتبة الثانية: أن يمنع من يرقيه، وهذا خلاف السنة; فإن النبي -ﷺ- لم يمنع جبريل -﵇- أن يرقيه، وكذلك الصحابة -﵃لم يمنعوا أحدًا أن يرقيهم؛ لأن هذا لا يؤثر في التوكل.
المرتبة الثالثة: أن لا يمنع من يرقيه، وهذا لم يفته الكمال; لأنه لم يسترق ولم يطلب. (^٢)
وعليه فلا بأس أن يقبل المرء الرقية ممن يعرضها عليه؛ لأن هذا ليس فيه طلب ولا مسألة، بل عُرِض عليه عرضًا.
فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدريرضي الله عنه- أَنَّ جِبْرِيلَ، أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ:
يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ». (^٣)
_________________
(١) أخرجه أبوداود (٣٨٦٥) والترمذي (٢٠٤٩)، قال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح "، وقال الحافظ في الفتح (١٠/ ١٥٥) سنده قوي.
(٢) القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ١١١)
(٣) أخرجه مسلم (٢١٨٦)
[ ١ / ٣٦٦ ]
* سؤال: إذا طلب منك شخص أن ترقيه، فهل تمتنع من ذلك وتخبره بالحديث أم ترقيه؟
الجواب: ترقيه لأنه طلب بالفعل، ثم تخبره بحديث الاسترقاء، وبيان فضل من ترك الاسترقاء.
٤) جواز أخذ الأجرة على الرقية:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺفِي سَفْرَةٍ، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْقِي، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ:
«وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ»، ثُمَّ قَالَ: «قَدْ أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا. (^١)
وعَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ -﵁- أن عَمَّهِ قد رَقَى رجلًا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَأَعْطَوْهُ شَيْئًا، فَقَالَ له النَّبِيُّ ﷺ: «كُلْ، فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةٍ بَاطِلٍ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةٍ حَقٍّ». (^٢)
فهذا الأثار دالة على جواز أخذ الأجرة على الرقية، بل وأمرهم أن يضربوا له معهم سهمًا، فجمع ﷺ في ذلك بين السنة الفعلية والسنة الإقرارية.
طرق الرقية الشرعية:
١) النفث بالمعوذات على المريض:
بأن يقرأ بالمعوذات بين يديه، ثم يخرج ريقه أثناء القراءة، ويجعله في يديه ويمسح بها على موضع الألم من نفسه أو لغيره.
قالت
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٧٦) ومسلم (٢٢٠١) وقد ترجم له البخاري: بَابُ مَا يُعْطَى فِي الرُّقْيَةِ. وقد ورد في رواية الترمذى (٢٠٦٣) أن الصحابي الذى ذهب لرقية اللديغ هو أبو سعيد الخدري ﵁، وأنه قد قرأ علي اللديغ " الحمد لله " سبع مرات،.
(٢) أخرجه أحمد (٢١٨٣٥) وأبوداود (٣٤٢٠) وصححه الألبانى.
[ ١ / ٣٦٧ ]
عائشة - ﵂كان النبي -ﷺ - في مرضه يرقي نفسه بالمعوذات وينفث، فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن، وأمسح بيد نفسه؛ رجاء بركتها» (^١)
٢) المسح مع القراءة لمن به وجع:
عن عثمان بن أبي العاص - ﵁ - أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺوَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
««ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ». " قَالَ: «فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ ﷿ مَا كَانَ بِي، فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهِ أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ». (^٢)
٣) الرقية من تربة الأرض:
عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ، قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا، وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَهَا «بِاسْمِ اللهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا». (^٣)
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٠٢) وأبوداود (٣٨٩١)
(٣) متفق عليه. ومعنى الحديث: أنه يأخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شيء فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل، ويقول هذا الكلام في حال المسح. وليس هذا مخصوصًا بريقه ﷺعلى الراجح- لقوله " بِرِيقَةِ بَعْضِنَا "؛ فهذا عام في ريق المؤمنين. * قال جمهورالعلماء المراد بقوله ﷺ " تُرْبَةُ أَرْضِنَا " جملة الأرض، وليس أرض المدينة خاصة. * قال ابن القيم: وهل المراد بقوله تربة أرضنا جميع الأرض أو أرض المدينة خاصة؟؟ فيه قولان: ولا ريب أن من التربة ما يكون فيه خاصية ينفع بها من أدواء كثيرة ويشفي بها أسقاما ردية. قال جالينوس: رأيت بالإسكندرية أناسًا يستعملون طين مصر على سوقهم وأفخاذهم، فينتفعون به منفعة بينة. وإذا كان هذا في هذه التربات فما الظن بأطيب تربة على وجه الأرض وأبركها وقد خالطت ريق رسول الله وقاربت رقيته باسم ربه وتفويض الأمر إليه. قال القاضى عياض: هذا من فعله - ﵇ - حقيقة الطب مع التبرك باسم الله والتشفى به، وذلك أن تراب الأرض لبرده ويبسه يقوِّى الموضع الذى به الألم، ويمنع انصباب المواد إليه يبسه وتجفيفه مع منعته فى تجفيف الجراح وإدمالها. وانظرزاد المعاد (٤/ ١٧٢) وحاشية ابن القيم على سنن أبي داود (١٠/ ٢٦٦) وإِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِد مسلم (٧/ ٩٠)
[ ١ / ٣٦٨ ]
٤) القراءة مع جمع البزاق والتفل:
كما مر بنا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ حين رقي سيد القوم الذي لُدغ،
قال أبوسعيد -﵁ -: فقرأت فاتحة الكتاب، وجعلت أجمع بزاقي وأتفل، فبرأ الرجل.
٥) الرقية بالأدعية والأذكار:
كما مر بنا في حديث رقية جبريل -﵇ - للنبي ﷺ، حيث قال له:
يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ». (^١)
٦) القراءة على الماء وشربه:
قال ابن القيم:
ولقد مر بي وقت بمكة سقمت فيه، وفقدت الطبيب والدواء، فكنت أتعالج بالفاتحة آخذ شربة من ماء زمزم وأقرؤها عليها مرارًا، ثم أشربه فوجدت بذلك البرء التام، ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع فأنتفع بها غاية الانتفاع. (^٢)
* تنبيه مهم:
من طرق الرقية البدعية التى تنتشر بين الناس، وليس لها أصل:
الرقية بالبخور وخز الورقة بالإبرة ثم إحراقها بغرض دفع الحسد والعين، وعقد العقد.
نعود إلى أصل الحديث:
قوله ﷺ: " ولا يكتوون»
_________________
(١) سبق تخريحه قريبًا.
(٢) زاد المعاد في هدي خير العباد (٤/ ١٦٤) * قلت: لا يشترط أن يكون الماء المقروء عليه ماء زمزم، بل أي ماء، وإن كان زمزم هو أفضل ماء على وجه الأرض، ونفعه أبلغ. ** ويتفرع على ذلك: كتابة آيات من القرآن في طبق أو ورق بمادة طاهرة غير مضرة كالزعفران أو ماء الورد، ثم شرب هذا الماء أو وضعه على موضع الألم، لورود ذلك عن جماعة من السلف. وقد نص عليه الإمام أحمد ونقله عن ابن عباس ﵄ أنه كان يكتب كلمات من القرآن والذكر ويأمر بأن تسقى لمن به داء، وهذا يقتضي أن لذلك بركة. وجوَّزه شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال ﵀: وإذا كتب شيء من القرآن أو الذكر في إناء أو لوح ومحي بالماء وغيره وشرب ذلك فلا بأس به ا. هـ وانظرمجموع الفتاوى (١٢/ ٥٩٩) وزاد المعاد (٤/ ١٧٠)
[ ١ / ٣٦٩ ]
فهاهي الصفة الثانية من صفات السابقين الأولين الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب أنهم لا يكتوون؛ وذلك لكمال توكلهم على الله ﷿، واستسلامهم لقضائه، وصبرًا عليه.
فقد استغنوا عن الخلق، ولجؤوا إلى الخالق، ولما في الاكتواء من شدة الألم مع ضعف احتمال الشفاء.
سؤال: ما هو حكم الكي؟
الجواب أولا: وردت أحاديث تشير إلى جواز الكي، نذكر منها ما يلي:
١ - عَنْ جَابِرٍرضي الله عنه- قَالَ: رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذ -﵁فِي أَكْحَلِهِ، قَالَ:
«فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ - ﷺ- بِيَدِهِ بِمِشْقَصٍ، ثُمَّ وَرِمَتْ فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ» (^١)
٢ - قال ابن عباس -﵄-: قال الرسُولَ - ﷺ -:
إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ. (^٢)
ثانيًا: قد وردت أحاديث في النهي عن الكي منها:
١) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -﵁أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ - نَهَى عَنِ الكَيِّ. قَالَ: فَابْتُلِينَا فَاكْتَوَيْنَا فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا. (^٣)
وعن ابن عباس -﵄- أنَّ النبي -ﷺ - قال: ، وأنا أنهي أمتي عن الكي ". (^٤)
* فكيف الجمع بين هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض؟
نقول: اختلفت مسالك العلماء في الجمع بين هذه الآثار، على أقوال:
١ - القول بالنسخ: أن أحاديث الإباحة قد نسخت أحاديث النهي عن الكي. (^٥)
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٢٠٨) وأحمد (١٤٣٤٣) والحسم هو الكي. والمشقص: "هو نصل السهم الطويل غير العريض. وجمعه: مشاقص. وانظر مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٦/ ٧٣)
(٢) متفق عليه.
(٣) أخرجه أبوداود (٣٨٦٥) والترمذى (٢٠٤٩) وقال الترمذى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(٤) متفق عليه.
(٥) شرح معاني الآثار (٤/ ٣٢١)
[ ١ / ٣٧٠ ]
٢ - حمل أحاديث النهي على من فعل ذلك قبل نزول البلاء؛ وذلك دفعًا للقدر قبل نزوله. (^١)
٣ - حمل أحاديث النهي على نهي التنزيه، وذلك لما ورد من أحاديث قد أباحت الكي لمن به علة؛ وإنما قد نُهى عن الكى لما في الإكتواء من الألم الشديد مع ضعف احتمال الشفاء، ولهذا وصفه النبي - ﷺ - ونهى عنه؛ وإنما كرهه لما فيه من الألم الشديد والخطر العظيم، ولهذا كانت العرب تقول في أمثالها " آخر الدواء الكي ".
وهذا -والله أعلم-هو الصحيح في الجمع بين تلك الأحاديث. (^٢)
قال ابن القيم:
فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع، أحدها: فعله، والثاني: عدم محبته له، والثالث: الثناء على من تركه، والرابع: النهي عنه، ولا تعارض بينها بحمد الله تعالى، فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه. وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه فعلى سبيل الكراهة، أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه، بل يفعل خوفًا من حدوث الداء. (^٣)
وتنقسم حالات الكي إلى عدة أحكام:
١) من استعمل الكي لغير علة، بل دفعا لنزول البلاء، فهذا حكمه التحريم؛ لأنه
_________________
(١) فقد ذكر ذلك ابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث"، فقال: وقد رأيت بخراسان رجلًا من أطباء الترك يعالج بالكي، يكوى العليل لعلته، ويكوى الصحيح لئلا يسقم؛ فتطول صحته. وانظرتأويل مختلف الحديث (ص/٤٦٣)
(٢) أما القول بالنسخ فهذا يرده عدم العلم بالتاريخ وإمكانية الجمع بين الأدلة، وأما حمل أحاديث النهي على من فعله قبل نزول البلاء، فليس هذا هو الأغلب في أفعال الناس، بل إنهم في الأغلب لا يكتوون إلا لعلة.
(٣) الزاد (٤/ ٦٠)
[ ١ / ٣٧١ ]
إيلام للبدن بغير سبب، كما أن فاعله ظن أن الاكتواء يدفع عنه قدر الله، ولو توكل على الله ﷿ لما فعل ذلك.
٢) من استعمل الكي لعلة قد غلب على ظنه نفع الكي في علاجها، فلا يكره الكي هنا، مثل الكي من ذات الجنب.
٣) أن يكون العلاج بالكي مترددًا بين النفع وعدمه، فلا يشرع الكي، لأنه ايلام بالنار، وربما حصل مضاعفات أكثر من المرض.
٤) ما لا يظن نفعه، ولكن يغلب فيها ضرر الكي، فالأقرب التحريم، لأنه تعدي على البدن. (^١) عودٌ إلى حديث الباب: وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
وها هي الصفة الثالثة التى ارتقت بالقوم إلى منازل السابقين: أنهم لا يتطيرون:
والتطير: أصله من زجر الطير، ومروره سانحًا أو بارحًا (السانح ما تيمّن، والبارح عكس ذلك)، ومنه اشتقوا التطير، ثم استعملوا ذلك في كل شيء من الحيوان وغيره. (^٢)
كان العرب في الجاهلية إذا همَّ الواحد منهم بأمر ما أتى بطير فأطلقه، فإن تيمّن الطائر تفاءل المرء ومضى في حاجته، وإن طار الطائر ناحية الشمال تشاءم المرء ورجع عن حاجته، ومنه جاء التطير وصار يطلق على: التشاؤم بمسموع أو مرئي أو معلوم.
* حكم التطير في الشرع:
نهى الشرع عن التطير بكل صوره، بل وعدَّه النبى -ﷺشركًا، والمتتبع لآيات القرآن وأحاديث السنة يجد أن التطير ما ورد إلا مذمومًا، أو على لسان المشركين.
فأما من القرآن فقد قال الله تعالى ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾ (الاعراف: ١٣١)
_________________
(١) ذكر هذا التقسيم الشيخ محمد بن صالح العثيمين في تعليقه على صحيح البخاري.
(٢) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٤/ ٢٤٣)
[ ١ / ٣٧٢ ]
هل الطيرة شرك أكبر أم أصغر؟
وقال تعالى (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (يس: ١٨)
*وأما في السنة:
١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ -
: "مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ ". (^١)
٢) عن أَنَسٍ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ -ﷺقَالَ: " لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ. (^٢) والنفى المذكور للطيرة في الحديث ليس نفيًا لوجودها، فهى موجودة في اعتقاد الكثير، وإنما النفي هنا هو إبطال لهذا الاعتقاد الباطل؛ فإن الطيرة لا تأثير لها، لا بذاتها ولا بسببها.
٣) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ -﵁- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كُنَّا نَتَطَيَّرُ فى الجاهلية. قَالَ: "ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ، فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ " (^٣)
فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالتطير إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطير به، فوهمه هو الذي يطيره ويصدّه، لا ما رآه وسمعه، فالله-سبحانه- لم يجعل لهم عليها علامة ولا فيها دلالة، ولا نصبها سببًا لما يخافونه ويحذرونه، لتطمئن قلوبهم ولتسكن نفوسهم إلى وحدانيتة تعالى. (^٤)
** فرع في: حكم التطير:
هناك أحاديث صرحت بأن الطيرة شرك، فهل هي شرك أكبر أم أصغر؟
نقول: الأصل أن الطيرة شرك أصغر، ودليل هذه المسألة ما يلي:
- الأحاديث التي صرحت بأن الطيرة شرك؛ جاء فيها لفظ (شرك) نكرة، والقاعدة التي قعَّدها العلماء في هذا الباب: " كل كفر أو شرك جاء نكرة فهو شرك أصغر "
_________________
(١) أخرجه أحمد (٧٠٤٥)، وصححه الألبانى في صحيح الجامع (٦٢٦٤)
(٢) متفق عليه.
(٣) أخرجه مسلم (١٢١) وأبوداود (٣٩٠٩)
(٤) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٣٤)
[ ١ / ٣٧٣ ]
ودليل هذه القاعدة هو التتبع والاستقراء للأدلة الشرعية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
الشرك " شركان ": شرك في التوحيد ينقل عن الملة، وشرك في العمل لا ينقل عن الملة وهو الرياء، وقال النبي ﷺ ﴿الطيرة شرك﴾. (^١)
-يؤيده: أن النبي -ﷺ - قدجعل للطيرة كفَّارة، والشرك الأكبر ليس له كفَّارة، لأن الشرك الأكبر تجب فية التوبة والنطق بكلمة التوحيد، ودليل الكفَّارة في الطيرة؛ ما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو -﵄قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ -:
"مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟،
قَالَ: أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: "اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ ". (^٢)
-يؤيده:
أن الذى يتطير بشيء ما فإنه -في الأغلب- لا يعتقد فيه ضرًا ولا نفعًا، وإنما يعتقد أنه سبب في ذلك، وهذا الاعتقاد شرك أصغر، لأن كل من اتخذ سببًا لم يشرِّعه الله -تعالى- سببًا فقد وقع في الشرك الأصغر.
لكن قد يصل التطير إلى الشرك الأكبر، وذلك إن اعتقد المرء أن الشيء الذي يتطير به بذاته يجلب له ضرًا أويمنع عنه نفعًا، ومن اعتقد أن شيئًا سوى الله -تعالى- ينفع أو يضر بالاستقلال، فقد أشرك شركًا جليًا.
قال العظيم آبادي:
وإنما كانت الطيرة شركًا لاعتقادهم أن الطيرة تجلب لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًا، فمن اعتقد أن شيئًا سوى الله -تعالى- ينفع أو يضر بالاستقلال فقد أشرك شركًا جليًا. (^٣)
* ومن صور التشاؤم المعاصرة:
١ - من يتشاءم برقم معين أو شخص معين أو ساعة معينة، كالجهال الذين
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٢٩)
(٢) أخرجه أحمد (٧٠٤٥) وصححه الألبانى في صحيح الجامع (٦٢٦٤) قوله ﷺ: (لا طير إلا طيرك): أى أن كل ما يحدث للإنسان من الحوادث المكروهة؛ فإنها واقعة بقدر الله وجل، كما قال تعالى (أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ) (الأعراف/ ١٣١)
(٣) عون المعبود (١٠/ ٢٨٨)
[ ١ / ٣٧٤ ]
يقولون أن في الجمعة ساعة نحس، وكذبوا بل في يوم الجمعة ساعة إجابة. (^١)
٢ - حال كثير من النساء اللاتي يتشائمن بحدوث اضطراب في العين، وهو ما يسمى (عيني بترف). (^٢)
٣ - فتح المصحف على صفحة دون سابق تحديد، والنظر في أول سطر يخرج منها، فإن كانت آية رحمة وبشرى أقدم على ما يريد، وإن كانت آية عذاب ونحوه أحجم ورجع، ولا شك أن هذا من البدع المحدثة، وهو من نوع الاستسقام بالأزلام. (^٣)
_________________
(١) عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله خيرًا إلا أعطاه» (متفق عليه) وعن جابر بن عبدالله - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: (يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، فيها ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله شيئًا إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر»؛ أخرجه أبو داود والنسائي، وصححه جمع من العلماء، منهم: المنذري، وابن حجر، ومن المعاصرين: الألباني والذى عليه جمهور العلماء انها الساعة الأخيرة قبل الغروب.
(٢) وما هذا إلا فعل الشيطان الذي ينخس عين ابن آدم ليتشاءم، كما جاء في حديث امرأة ابن مسعود -﵂- قالت: كانت عيني تقذف وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيني فإذا رقاني سكنت، فقال عبد الله: إنما ذاك عمل الشيطان كان ينخسها بيده فإذا رقاها كفَّ عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله - ﷺ- يقول: "أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما " أخرجه أبوداود (٣٨٨٣)، وأصله في الصحيحين.
(٣) وحكي أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك تفاءل يومًا في المصحف فخرج له قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥] فمزق المصحف، وأنشأ يقول: أتوعد كل جبار عنيد فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب مزقني الوليد فلم يلبث إلا أياما حتى قتل شر قتلة، وصلب رأسه على قصره، فنعوذ بالله من البغي ومصارعه، والشيطان ومكائده، وهو حسبنا وعليه توكلنا. وانظر "أدب الدنيا والدين" (ص/٣١٧) و"مسائل العقيدة قررها أئمة المالكية " (ص/١٠٨)
[ ١ / ٣٧٥ ]
اختلاف العلماء في تأويل حديث (إنما الشؤم في ثلاثة)
*وفي هذا الموضع من البحث إشكال:
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ﵄- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺيَقُولُ:
" إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الفَرَسِ، وَالمَرْأَةِ، وَالدَّارِ. (^١)، فإذا كان الشؤم محرَّمًا، فما تأويل هذا الحديث؟
*نقول: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على أقوال:
القول الأول: نفي الشؤم والتطير مطلقًا؛ لقوله ﷺ: (لا طيرة)، وحملوا حديث: «الشؤم في ثلاثة..» على رواية أخرى للحديث بلفظ (إن كان الشؤم ففي ثلاثة) (^٢)
فقالوا: هذه الرواية الثانية للحديث توافق النهي العام عن التطير، لذا فإن رواية الإثبات ليست على ظاهرها، بل لها محامل أخرى. (^٣)
القول الثاني:
قالوا: بالنسخ، أي أن أحاديث إثبات الشؤم قد نُسخت بأحاديث النهي عن الطيرة والشؤم. (^٤)
٣) القول الثالث:
وهو الراجح -والله أعلم-: في هذه المسألة وهو القول بظاهر حديث الإثبات: (إنما الشؤم في ثلاثة..)، ولكنَّ الفرق بيَّنٌ واضح بين تشاؤم الجاهلية الذى بُنى على الظنون والهواجس العارية عن الواقع، وأنها مؤثرة بذاتها، وبين الشؤم الذى أثبته النص في هذه الثلاثة لأسباب ظاهرة متحققة فيها.
وهو قول مالك وابن قتيبة والشوكاني. (^٥)
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) متفق عليه.
(٣) ومن هذه المحامل ما قد ذهبت إليه عائشةرضي الله عنها- حين خطّأت أبا هريرة -﵁في روايته للحديث بإثبات الشؤم في هذه الثلاثة، فَغَضِبَتْ غَضَبًا شَدِيدا وقالت: لم يسمع أبو هريرة، إنما قال النبي ﷺ (كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة والدار والدابة) رواه أحمد (٢٦٠٨٨) وإسناده صحيح، وهذا القول ذهب إليه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٢٥١)
(٤) قال ابن عبدالبر: وقد يحتمل أن يكون قول رسول الله ﷺ الشؤم في ثلاثة في الدار والمرأة والفرس كان في أول الإسلام خبرا عما كانت تعتقده العرب في جاهليتها على ما قالت (عائشة) ثم نسخ ذلك وأبطله القرآن والسنن. وانظرالتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٤/ ٢٤٣)
(٥) فيض القدير (٢/ ٥٦٠) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٦٠٢) والمعلم بفوائد مسلم (٣/ ١٠٤) وأحاديث يوهم ظاهرها التعارض (ص/١٣٣)
[ ١ / ٣٧٦ ]
* قلت:
ومما يرجح ذلك: أنه إذا تعارضت روايات الإثبات مع روايات النفي، قدمنا روايات الإثبات، فالمثبَت مقدَّم على المنفي.
* ثم يقال:
إن هذه رواية أبي هريرة -﵁وهو حافظ الأمة، الذى لو انفرد برواية لفظ لكان حجة، كيف وقد وافقه على رواية الحديث بالإثبات غيره من الصحابة: مثل ابن عمر وسعد بن أبي وقاص وجابر ﵃. ولذلك قال الحافظ ابن حجر بعد ذكره الرواية عن عائشة -﵂بإنكار ذلك: ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة، مع موافقة من ذكرنا من الصحابة. (^١)
قال ابن الجوزي:
الخبر رواه جماعة ثقات فلا يعتمد على رد عائشة ﵂، والصحيح أن المعنى إن خيف من شئ أن يكون سببًا لما يخاف شره ويتشاءم به، فهذه الأشياء لا على السبيل التي تظنها الجاهلية من العدوى والطيرة، وإنما القدر يجعل للأسباب تأثيرًا. (^٢)
* ويكون تأويل الحديث: أن هذه الأعيان الثلاثة المذكورة قد يقع منها من الأمور المحسوسة المشاهدة ما يجعل المرء يتضرر إذا ما قارنها، وليس لمجرد هواجس وظنون كاذبة لا أساس لها كما هو في التطير المحرم، لذا يلزمه أن يفارق هذه الثلاثة التى ذكرها الحديث درءأً لشؤمها وشرها. (^٣)
_________________
(١) وانظر مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٥٤) وفتح الباري (٦/ ٦١)
(٢) كشف المشكل من حدبث الصحيحين (٢/ ٢٦٨) والإجابة لما استدركت عائشة على الصحابة (١/ ١٠٧)
(٣) وهذه الأمور المحسوسة قد ذكرها معمر في قوله: سمعت من تفسير الحديث: شؤم المرأة إذا كانت غير ولود، وشؤم الفرس إذا لم يغز عليها، وشؤم الدارفي جار السوء، أخرجه البيهقي في الكبري (١٦٥٢٧) وسنده صحيح. وانظر المعارج القبول (٢/ ٣١٤) وقد سئل الشيخ ابن العثيمين في " لقاءات الباب المفتوح": كيف التوفيق بين النهي عن الشؤم وقوله ﷺ (الشؤم في ثلاثة)؟ = =فقال: مراد النبيﷺأن نفس هذه الأشياء قد يكون فيها شؤم، مثل أن يشتري سيارة فتكثر حوادثها، والمرأة تكون سليطة اللسان، والدار يضيق صدره إذا دخلها، فهذا هو شؤم هذه الأشياء، فليس هذا من الشؤم المنهي عنه الذي ليس له أصل.
[ ١ / ٣٧٧ ]
قال ابن القيم:
فإخباره بالشؤم أنه يكون في هذه الثلاثة ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها وإنما غايته أن الله -سبحانه -قد يخلق منها أعيانًا مشؤومة على من قاربها وسكنها، وكل ذلك بقضائه وقدره كما خلق سائر الأسباب وربطها بمسبباتها، فهذا لون والطيرة الشركية لون آخر. (^١)
*ومما يؤيد هذا القول:
ما رواه سعد بن أبي وقاصرضي الله عنه- عن الرسول -ﷺ- أنه قال:
" " مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ، مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ: الْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ ". (^٢)
*وأما الرد على القول الأول:
الذى عارض رواية الإثبات بالحديث النافى الذى نصه (لا طيرة) فإن الشرع يؤخذ من مجموعه، فتحمل رواية النفى على العموم، ويُخص منها راوية الإثبات، فلا تعارض بين العام والخاص عند الجمع بين الأدلة، فكل طيرة محرمة لأنها مبنية على الظنون إلا ما خصه الدليل.
* وأما القول بالنسخ فلا يصار إليه إلا عند تعذّر الجمع والعلم بالتاريخ، وكلا الأمرين قد انتفى في مسألة الباب.
* ونختم مسألة الطيرة بمبحث مهم وهو " الفأل الحسن"
إذا كان الشرع قد حرّم الشؤم والتطير وعدَّه شركًا، لكنه فقد فتح بابًا آخر من الفأل الحسن الذي يدخل السرور والانشراح على الصدر، ويجعل المرء مستبشرًا بما سيمضي له في قدر الله غير وجل.
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٥٧)
(٢) أخرجه أحمد (١٤٤٥) والحاكم (٢/ ١٤٤) وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي، وانظرالصحيحة (٢٨٢)
[ ١ / ٣٧٨ ]
عن أبي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺيَقُولُ:
«لَا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الفَأْلُ» قَالُوا: وَمَا الفَأْلُ؟ قَالَ: «الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ». (^١)
*ومن صور تفاؤل الرسولﷺ- بالكلم الطيب:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍرضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺكَانَ يُعْجِبُهُ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَنْ يَسْمَعَ: يَا رَاشِدُ، يَا نَجِيحُ. (^٢)
*وعن عبد الله بن السائب -﵁- أَنَّ سُهَيْلًا قَدْ أَرْسَلَهُ قومه عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فقال ﷺ: (أَتَى سُهَيْلٌ، سَهَّلَ اللَّهُ أَمْرَكُمْ) (^٣)
-قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والفأل الذي يحبه الله هو أن يفعل الأمر أو يعزم عليه متوكلًا على الله فيسمع الكلمة الحسنة التي تسره، مثل أن يسمع: "يا نجيح، يا مفلح، ياسعيد، يا منصور "، ونحو ذلك، كما لقى ﷺ في سفر الهجرة رجلًا فقال: ما اسمك؟ قال: بريدة، قال: " يا أبا بكر بَرُدَ أمْرُنا ". (^٤)
* سؤال: ما الفرق بين الطيرة المحرمة والفأل الحسن؟؟
١ - أما الطيرة فهى شرك حرَّمه الشرع لما فيه من سوء ظن بالله -﷿وتوقع للبلاء والسوء بناءً على الأوهام والظنون الكاذبة.
أما الفأل الحسن: فهو حسن ظن بالله ﷿، والعبد مأمور أن يحسن الظن بربه ﷿.
٢ - المتطير قد ضعف تعلُّق قلبه بالله وتوكله عليه، فترى قلبه مشوّشًا مشغولًا بما يتطير به من مسموع أو مرأي، معتقدًا في أسباب هى من ظن الجاهلية.
أما صاحب الفأل الحسن: فقلبه متوكل على الله -عزوجل- متعلِّق به، معتقد في حسن تدبير الله له، مستأنسًا في ذلك بما يرد على سمعه من الكلم الطيب.
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) أخرجه الترمذى (١٦١٦) انظر صحيح الجامع (٤٩٧٨) ومعني يا راشد: يا واجد الطريق المستقيم، ومعني يا نجيح: يا من قضيت حاجته.
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٩١٥) قال الألبانى: حسن لغيره.
(٤) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٦٧)
[ ١ / ٣٧٩ ]
قال العلامة السعدي:
والفأل الحسن لا يخل بعقيدة الإنسان ولا بعقله، وليس فيه تعليق القلب بغير الله، بل فيه تقوية النفوس على المطالب النافعة، أما الطيرة ففيها تعلق القلب بسماع أو رؤية ما يكره، فتراه يترك ما عزم عليه، وهذا من ضعف التوحيد والتوكل ومن طرق الشرك ووسائله. (^١)
*لذا فإن الفأل والطيرة يتفقان ويفترقان:
١ - يتفقان: في التأثير إقدامًا أو إحجامًا، حيث أن المتطير يقدم على الشيء أو يحجم عنه لرؤية الشيء أو لسماع الصوت، كذلك صاحب الفأل يقدم على الشيء بسماع كلمة طيبة، فالأول محرم والثاني جائز محمود.
٢ - يفترقان: أما المتطير فيمضي أو يحجم متوكلا على حركة الطير، وقلبه معلق بما رأي أو سمع، أما صاحب الفأل الحسن فيضي متوكلا على الله ﷿، يعلم أن شأنه معلق بقدر الله لا بأحد سواه.
وبعد ذكر الداء الذي هو التطير يأتيك الدواء، وذلك بأمور:
١ - الأول: ذكر كفارة التطير:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ -: "مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟، قَالَ:
أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ. (^٢)
٢ - الثاني: حسن التوكل على الله ﷿:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍرضي الله عنه-عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺقَالَ:
"الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، ثَلَاثًا، وَمَا مِنَّا إِلَّا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ". (^٣)
_________________
(١) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص/١٠٦)
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٧١٠) وأبوداود (٣٩١٠) والترمذي (١٦١٤)، قال الترمذي: حسن صحيح. وانظر الصحيحة (٤٢٩) تنبيه مهم: جملة «وما منا، ولكن يذهبه الله بالتوكل»، هي مدرجة في الحديث من كلام ابن مسعود، قاله أحمد، كما نقله البيهقي في «الشعب»، قال الخطابي: قال البخاري: كان سليمان بن حرب ينكر هذه الجملة، ويقول: هذا عندي من كلام ابن مسعود. ذكر الترمذي ذلك في العلل الكبير (٢/ ٦٩٠ - ٦٩١) وصوَّبه ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" (٣/ ٢٨٤) وابن حجر فى الفتح (١٠/ ٢١٣). وإليه مال جمع من الحفاظ كالبخاري والترمذي والمنذري وغيرهم. كما أن النبي -ﷺمعصوم من أن يقع في الطيرة. ومن العلماء من جعل جملة: (وما منا) من كلام النبي ﷺ، وتأولها بمعني: وما من أمة المسلمين، والراجح الأول، والله أعلم. وانظررسالة الشرك ومظاهره (ص/٢٢١)
[ ١ / ٣٨٠ ]
٣) الثالث: أن يمضي في أمره بلا تردد:
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ -﵁- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كُنَّا نَتَطَيَّرُ فى الجاهلية. قَالَ: "ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ، فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ ". (^١)
والطيرة الشركية هي الانقباض القلبي الذي يستتبع عملًا بموجبه من إمضاء أو رد؛ ولهذا علَّق النهي بالعمل بموجب الطيرة، فقال: " فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ "، أما مجرد الانقباض القلبي فهو انفعال لا يتعلق به التكليف، ولا يكاد يسلم منه أحد، لذا قال ابن مسعود ﵁:
" وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ".
يقول ابن الأثير: في هذا الكلام محذوف تقديره " وما منا إلا ويعتريه التطير، ويسبق إلى قلبه الكراهة له "، فحذف ذلك اختصارًا، واعتمادًا على فهم السامع ". (^٢)
قال ابن القيم:
فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالتطير إنما هو في نفسه وعقيدته، لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لا ما رآه وسمعه. (^٣)
* عودٌ إلى حديث الباب: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
وهي الصفة الرابعة من صفات هؤلاء السابقين إلى الجنة بلا حساب ولا سابقة عذاب، وهي التوكل على الله ﷿، فما هو التوكل؟؟
التوكل: هو صدق اعتماد القلب على الله -عز جل- في استجلاب المنافع ودفع المضار، من أمور الدنيا والآخرة مع الأخذ بالأسباب.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٢١) وأبوداود (٣٩٠٩)
(٢) جامع الأصول (٧/ ٦٣٠)
(٣) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٣٤)
[ ١ / ٣٨١ ]
حكم التوكل على غير الله ﷿
والتوكل على الله واجب من أعظم الواجبات، كما أن الإخلاص لله -تعالى- واجب، وقد أمر الله عباده بالتوكل عليه في كل أمر من أمورهم.
وهو عبادة من أعظم العبادات، قال تعالى: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) (المائدة: ٢٣)
فقد أمر الله -﷿- عباده بالتوكل، والله لا يأمر إلا بما يحب، فلما كان التوكل محبوبًا لله دل ذلك أنه عباده.
*ومن السنة: قوله ﷺ في صفات السبعين الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب: (وعلى ربهم يتوكلون).
ووجه الدلالة:
لما عدَّ النبي -ﷺ- التوكل على الله من صفات أهل الجنة، دل ذلك على أنه عبادة لله ﷿، فالعبادات هي الأسباب الموصلة إلى جنة الله ﷿، بعد أن يتغمدنا الله -تعالى-برحمته.
وعليه نقول: لما ثبت أن التوكل عبادة، فإنه تجري عليه القاعدة التي تسير على كل العبادات:
(كل ما ثبت بالكتاب والسنة أنه عبادة، فصرفه لله توحيد، وصرفه لغير الله شرك)
*فإن قيل: التوكل على غير الله ﷿، هل هو شرك أكبر أم شرك أصغر؟؟
فجوابه على تفصيل:
١ - الحالة الأولى: أن يكون شركًا أكبر، وهو أن يتوكل على أحد من الخلق فيما لا يقدر عليه إلا الله عزوجل، كجلب نفعٍ أو دفع ضرٍ.
٢ - الحالة الثانية: أن يكون شركًا أصغر:
إن اعتمد على مخلوق في أمر أقدره الله ﷿ عليه من جلب رزق أو دفع أذي أو قضاء حاجة من مصالح الدنيا، مع اعتقاده أن الأمر كله لله ﷿، ولكن صرف جزءًا من توكله إلى هذا المخلوق، فهو شرك أصغر.
*سؤال: هل التوكل ينافي الأخذ بالأسباب؟
التوكل على الله -﷿- لا يعني ترك الأسباب ولا ينافي الأخذ بها، فإن الله الذي أمر بالتوكل عليه هو الذي أمر بالأخذ بالأسباب وتعاطيها، قال تعالى (وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ
[ ١ / ٣٨٢ ]
أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ)، وقال عزوجل (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)
فالتوكل عمل القلب والأخذ بالأسباب عمل الجوارح، وكلاهما طاعة أمر العبد بها، لذا فإن الذي يطعن في التوكل إنما هو يطعن في الإيمان، والذي يطعن في الأسباب يطعن في السنة. فلا تعارض بين الأمرين، فالذى قال (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) هو -تعالى- الذى قال (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)
قال أبو العباس ابن تيمية:
التوكل لا يعني ترك الأخذ بالأسباب، فمن ترك الأسباب المأمور بها فهو عاجز مفرط وإن كان متوكلًا على الله، ومن ظن أن التوكل يغني عن الأسباب فهو ضال. (^١)
- عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -﵁- قال: قال النَبِيّ -ﷺ -
" لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا " (^٢)
فتأمل في هذا الحديث:
فلقد جعل النبي -ﷺ - كمال التوكل على الله -تعالى- في الأخذ بالأسباب، حيث جعل كمال التوكل عند الطير أنها تغدو وتروح ولا تنتظر رزقها في أعشاشها.
* عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. (^٣)
*قال ابن الجوزي: سئل أحمد: ما تقول في رجل جلس في بيته أو مسجده، وقال لا أعمل شيئًا، وسوف يأتي رزقي؟؟
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٢٨)
(٢) أخرجه أحمد (٢١٥) والترمذى (٢٣٤٤) وصححه الألبانى. وانظر: صحيح الجامع (٢٢٥٤) قوله: تغدو خماصا: أى ضامرة البطون من الجوع، (تروح بطانًا): ترجع آخر النهار ممتلئة البطون.
(٣) أخرجه البخاري (١٥٢٣)
[ ١ / ٣٨٣ ]
فأجاب:
هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي ﷺ: (وجُعل رزقي تحت ظل رمحي)، وقوله ﷺ: (تغدو خماصًا وتروح بطانًا). (^١)
قال الغزالي:
قد يظن الجهَّال أن شرط التوكل ترك الكسب وتركُ التداوي والاستسلامُ للمهلكات، وذلك خطأ؛ لأنَّ ذلك حرام في الشرع، والشرع قد أثنى على التوكل، وندب إِليه، فكيف يُنال ذلك بمحظوره؟! (^٢)
*قال ابن القيم:
من أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل، ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه بالله، وحال بدنه قيامه بالأسباب. (^٣)
* ولقد كان النبي -ﷺأعظم المتوكلين، ومع ذلك كان -ﷺيأخذ بالأسباب، ومن ذلك:
١ - لما خرج النبي -ﷺإلى غزوة أحد ظاهر بين درعين. (^٤)
٢ - لما خرج النبيﷺ- مهاجرًا إلى المدينة استأجر دليلًا يدله على الطريق، واختبأ في الغار.
٣ - عَنْ عُمَرَ -﵁أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ. (^٥)
_________________
(١) الآداب الشرعية والمنح المرعية (٣/ ١٦٨) وفي رواية قال المروذي: قلت لأحمد: هؤلاء المتوكلة يقولون نقعد وأرزاقنا على الله ﷿؟!! فقال: ذا قول خبيث، قال تعالى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (الجمعة/ ٩) فإيش هذا إلا البيع والشراء. وانظر "الحث على التجارة والصناعة والعمل والإنكار على من يدعي التوكل في ترك العمل والحجة عليهم في ذلك (ص/٢٦)
(٢) الأربعين في أصول الدين (ص/٤٢١)
(٣) مدارج السالكين (٢/ ١٢٠)
(٤) أخرجه أحمد (١٥٧٢٢) والحاكم في المستدرك (٤٣١٢) وصححه الحاكم والذهبي، قال شعيب الأرنؤوط: صحيح على شرط الشيخين. قال السندي: قوله: "ظاهر بين درعين" أي أوقع الظهار بينهما، بأن جعل أحدهما ظِهارًا للأخرى، والظهار بمعنى المعاونة، والمراد أنه لبسهما، وفيه أن التوكل لا يقتضي ترك مراعاة الأسباب.
(٥) متفق عليه.
[ ١ / ٣٨٤ ]
هذا هو فعله في توكله ﷺ، وهكذا جاء وصفه في التوراة عنه:
قال عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرِو﵄- وقد سئل عن صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺفِي التَّوْرَاةِ؟: " أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا صخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ. (^١)
* وهذا داود -﵇ - كان يسعى ويأكل من عمل يده. قال ﷺ:
«وإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ». (^٢)
*ومريم -﵍- رغم ما كانت عليه من الضعف، حال نفاسها، تؤمر أن تأخذ بالأسباب بأن تهز جذع النخلة، وكان من الممكن أن يسقط التمر بلا سعى منها، ولكنه درس بليغ، فتأمل.
وتوكل على الرحمن في كل حاجة ولا تؤثرنَّ العجز يومًا على الطلب
ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليكِ الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزها لجنته ولكن كل شي له سبب. (^٣)
هكذا انقسم الناس في باب التوكل إلى ثلاثة أقسام:
١ - قسم أفرطوا: كحال أهل التصوف الذين قالوا " نتوكل على الله فهو كافينا " فقعدوا عن الأخذ بالأسباب، بل جعلوا أن الأخذ بالأسباب قدحٌ في التوكل. (^٤)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢١٢٥)
(٢) أخرجه البخاري (٢٠٧٢)
(٣) الأداب الشرعية والمنح المرعية (٣/ ١٧٨)
(٤) وهكذا حال الصوفية، كما ذكر ذلك القرطبي فقال: قالت طائفة من الصوفية لا يستحق اسم المتوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف غير الله، حتى لو هجم عليه أسد لم ينزعج، وحتى لا يسعي في طلب الرزق لضمان الله تعالى لذلك الأمر. وقد أحسن الحسن البصري حين قال -للمخبر عن عامر بن عبد الله أنه نزل مع أصحابه على ماء حال الأسد بينهم وبين الماء، فجاء عامر إلى الماء فأخذ منه حاجته، فقيل له: لقد خاطرت بنفسك! قال: لأن تختلف الأسنة في جوفي أحب إلى أن يعلم الله أني أخاف شيئا سواه. فقال الحسن البصري: قد خاف من كان خيرًا من عامر، موسى - ﵇، قال تعالى ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾، وقال ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى)، فالمخبر عن نفسه بخلاف ما طبع الله عليه نفوس بني آدم كاذب، وقد طبعهم الله على الهرب مما يضرهم. وانظر المُفهم لما أشكل من صحيح مسلم (١/ ٤٦٧) والكوكب الوَّهاج شرح صحيح مسلم (٥/ ١٤٤) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٧/ ٤١١)
[ ١ / ٣٨٥ ]
٢ - قسم فرَّطوا: وهم المعتزلة والجهمية، نفاة القدر الذين جعلوا العبد مستقلًا بعمله، فلا سلطان لله عليه، لذا فلا يتوكل على الله تعالى.
٣ - قسم ثالث:
وهم الذين توسّطوا بين الفريقين، كما قال الله -﷿- عنهم: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)، وهم أهل السنة والجماعة الذين قالوا: نتوكل على الله ونأخذ بالأسباب، فلا توكل مجرد عن الأسباب، ولا اعتماد على الأسباب بلا توكل، وهذا هو معنى هذه القاعدة:
"والالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد والإعراض عن الأسباب قدح في الشرع"
ويجمع هذا قول النبي -ﷺ - الذي أوتي جوامع الكلم: «استعن بالله، ولا تعجز» (^١)
فقوله ﷺ: «استعن بالله»: هذا هو التوكل. وقوله ﷺ:
(ولا تعجز): هذا هو الأخذ بالأسباب.
- وقال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: "اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ". (^٢)
قال الطبري:
من وثق بالله وايقن أن قضاءه عليه ماضٍ، لم يقدح في توكله تعاطيه
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٦٤)
(٢) أخرجه الترمذى (٢٥١٧) وابن حبان (٧٣١) قال الألباني: حسن لغيره.
[ ١ / ٣٨٦ ]
للأسباب إتباعًا لسنة الرسول ﷺ، فلقد قال للرجل: «اعقلها وتوكل»، فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل. (^١)
تنبيهات:
١ - التوكل عبادة قلبية، مبناها على تفويض الأمر لله عزوجل، فالمخلوق ليس له نصيب من التوكل عليه؛ فإن التوكل إنما هو تفويض الأمر والالتجاء بالقلب إلى من بيده الأمر، وعليه فلا يجوز قول القائل لشخص ما: (توكلت على الله ثم عليك).
يؤيد ذلك:
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كنتم مؤمنين﴾، فقوله "على الله" متعلقة بقوله: "فتوكلوا"، وتقديم المعمول يدل على الحصر; أي: على الله، لا على غيره. (^٢)
٢ - يدخل في معنى التوكل الذي لا يصرف إلا الله: "الحسب "، فإنه لا يجوز صرفه لغير الله عزوجل، قال تعالى آمرًا نبيه ﷺ: (قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُون) (الزمر ٣٨)
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الأنفال: ١٤)
قال ابن القيم:
قيل في معنى الآية أي حسبك الله وحسبك المؤمنون، وهذا خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده كالتوكل، وعليه فإن معنى الآية: أي الله وحده كافيك وكافي أتباعك. (^٣)
_________________
(١) فتح الباري (١٠/ ٢١٢)
(٢) ومن أهل العلم من قال: إن هذه العبارة لا بأس بها؛ وذلك باعتبارأن العامة لا تقصد بها التوكل التعبدى، وإنما تريد معنى "اعتمدت عليك"، ومثل وكَّلْتُك ونحو ذلك، لكن مع ذلك فالأولى المنع لأن هذا الباب ينبغي أن يُسد. وإذا كان هذا فى قولهم " توكلت على الله ثم عليك "، فكيف بمن يقول: توكلت على الله وعليك، بل كيف بمن يقول: توكلت عليك يا فلان؟!
(٣) زاد المعاد (١/ ٣٨) وتأمل في قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ) [التوبة: ٥٤]. فهنا جعل الله -﷿الإيتاء له تعالى ولرسوله ﷺ، أما الحسب والرغبة فخصهما لنفسه تعالى ولم يشرك فيهما رسوله، مع عظم قدره ﷺ، فلأن يخرج غيره من باب أولى.
[ ١ / ٣٨٧ ]
عودٌ إلى حديث الباب:
فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقَالَ: " ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ؟»
فما أن سمع الصحابة -﵃- بتلك البشارة النبوية حتى اشرأبت قلوبهم وآمالهم أن يدخلوا في زمرة هؤلاء السبعين، لذا قام عكَّاشة بن محصنرضي الله عنه-فقال يارسول الله: ادع الله أن أكون منهم، قال ﷺ: (أنت منهم). (^١)
* وهنا فوائد هامة:
١ - حرص الصحابة -﵃على الخير، لذا بادروا إلى طلب السبق إلى المعالي.
٢ - وردت بشارة النبي -ﷺ- لعكَّاشة -﵁- في الصحيحين بصيغة الخبر، فعند البخاري لما سأله: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، وفي رواية مسلم قال ﷺ لعكاشة:
" أنت منهم "، وأما ما جاء في رواية في الصحيحين أيضًا أن النبي ﷺ قال: «اللهم اجعله منهم» بصيغة الدعاء لا الخبر، فهنا يقال:
١ - إما أن يحمل قوله ﷺ: (أنت منهم) على أنه خبر بمعنى الدعاء أي:
(اللهم اجعله منهم» (^٢).
٢ - وإما أن يقال أن ما ورد بصيغة الدعاء كان في أول الأمر، فلما جاء الوحي
_________________
(١) عكَّاشة بن محصن: بتشديد الكاف وتخفيفها، وقد ترجم الذهبي لعكاشة فقال: الشهيد السعيد، أبو محصن الأسدي، من السابقين الأولين البدربين أهل الجنة، قد أبلى بلاء حسنا يوم بدر وانكسر سيفه في يده، فأعطاء النبي -ﷺ- عرجونا من نخل أو عود، فعاد بإذن الله في يده سيفًا، فقاتل به. قاتل مع خالد بن الوليد في حروب الردة، فقتل يوم اليمامة، قتله طليحة الأسدي، وكان طليحة قد ارتد بعد وفاة النبي -ﷺ - ثم أسلم بعد ذلك وحسن اسلامه واستشهد في موقعة الجسر. وانظر سير أعلام النبلاء (٣/ ١٨٩) قلت: وفي مثل هذا يصدق قول النبي ﷺ): يضحك الله إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة، يقاتل هذا قيُقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم، فيقاتل في سبيل الله فيستشهد) (متفق عليه)
(٢) حيث أن الخبر قد يطلق ويراد به الدعاء، كما في قولنا "صلى الله على محمد"فهي جملة خبرية، لكنها تتضمن معنى الدعاء والطلب، أى: اللهم صل على محمد. وكما في قولنا عن الصحابة "﵃ ".
[ ١ / ٣٨٨ ]
بإجابة الدعوة، قال النبي -ﷺ- له: "أنت منهم "
** عودٌ إلى حديث الباب: ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ ﷺ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ».
*وقد اختلف العلماء في سبب قول النبي ﷺ للرجل الثاني: (سبقك بها عكاشة)، فلم يدع له كما فعله مع عكاشة ﵁؟؟
اختلفوا في ذلك على أقوال:
١ - القول الأول: كان الرجل الثاني منافقًا، لذا رد النبي -ﷺ- طلبه، وهو توجيه ضعيف. (^١)
٢ - القول الثاني: رد النبي -ﷺ - الرجل الثاني لئلا ينفتح الباب، فيقوم الثاني والثالث والرابع، إلى ما لا نهاية، وليس كل الناس يصلح لذلك. (^٢)
٣ - القول الثالث: وهو الأقرب -والله أعلم-أن النبي -ﷺقد علم من حال عكاشة -﵁ما يؤهله لأن يدعو له، وأما الآخر فلم يكن في منزلة عكاشة، فعلم -ﷺ - أنه يُجاب في عكاشة ولا يجاب في الثاني فلذا رده. (^٣)
*ومن فوائد ذلك: جواز استخدام المعاريض:
وهذا يتضح في قوله ﷺ: (سبقك بها عكاشة) حيث أنه -ﷺلم يظهر للرجل الثاني أن سبب رده هو سبق عكاشة -﵁وعلو منزلته مما أَهَلَه لأن يجاب، بل أظهر له أن سبب رده هو أن الإيجاب إنما وقع لعكاشة لمجرد السبق في
_________________
(١) وهذا أضعف الأقوال، بل وأبطلها وذلك لوجهين:
(٢) الأصل في الصحابة -﵃- صدق الإيمان، فلا يثبت ما يخالف ذلك إلا بنقل صحيح.
(٣) قلَّ أن يصدر هذا من منافق، بل لا يصدر إلا عن قصد صحيح ويقين وتصديق للنبي ﷺ، وإلى هذا مال شيخ الإسلام ابن تيمية. انظرفتح الباري (١١/ ٤١٢) والمفهم (١/ ٤٦٩)
(٤) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٢١/ ٣١٢)
(٥) وهذا الوجه أختاره القرطبي والقاضي عياض والنووي، وهو الأقرب، والله اعلم
[ ١ / ٣٨٩ ]
الطلب، وهذا من حسن خلق النبي ﷺ حيث رد بكلام لا كراهة فيه ولا غضاضة.
والمعاريض من الأمور التي جوَّزها الشرع، ودليل ذلك:
ما صح من أقوال الصحابة -﵃قالوا: «إن المعاريض لمندوحة عن الكذب» (^١)
*والمعنى: المعاريض من التعريض: ضد التصريح، وهو التورية بالشيء عن الشيء، وهو إفهام المعني بالشيء المحتمل له ولغيره، وهو من عرض الشيء وهو جانبه، كأنه يحوم به على الشيء ولا يظهره.
ومعنى: مندوحة: متسع، يقال: منه: انتدح فلان بكذا ينتدح به انتداحًا؛ إذا اتسع به. (^٢)
*أمثلة من المعاريض التي ورد بها الشرع:
١ - قال تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ) (البقرة: ٢٣٥).
وذلك بأن يقول لمن يريد الزواج منها: إنكِ لنافقه، وإن حاجتي في النساء أو إن الله لسائق إليكِ خيرًا.
٢ - عن عائشة -﵂قالت: قال النبي ﷺ: (إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف) (^٣)
قال الخطابي: إنما أمره النبي -ﷺ - بذلك؛ ليوهم القوم أن به رعافًا وذلك من باب
_________________
(١) قد روي هذا الأثرمرفوعًا من عدة طرق كلها ضعيفة، فقد رواه مرفوعًا ابن الجوزي في منهاج القاصدين (١/ ١٨٧) والبيهقي في السنن الكبري (٢٠٨٨١) وابن الأعرابي في معجمه (١/ ٩٧) قال البيهقي: قد تفرد برفعه داود بن الزبرقان. وقد تركوا الرواية عنه. فالحاصل أن الحديث لا يصح مرفوعًا، بل قد صح موقوفًا، فقد رواه البيهقي موقوفًا على عمر بن الخطاب وعمران بن حصين، وصححه وقفه. قال الحافظ: أثر عمران رجاله ثقات. وقد صححه الألباني موقوفًا على عمران في صحيح الأدب المفرد (ص/٣١٩)، وانظر السنن الكبرى للبيهقي (٢٠٨٨٠) والسلسلة الضعيفة (١٠٩٩)
(٢) انظرالجامع لأحكام القرآن (٣/ ١٨٨) والفائق في غريب الحديث (٢/ ٤١٩) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (باب/١١٦)
(٣) أخرجه أبوداود (١١١٤) وصححه الحاكم والذهبي. وانظرالسلسلة الصحيحة (٢٩٧٦)
[ ١ / ٣٩٠ ]
هل الرؤى المنامية تصلح أن تكون مصدرا للأحكام الشرعية؟
إخفاء القبيح، والتورية بما هو أحسن، وليس من باب الكذب. (^١)
٣ - عن أبي هريرة -﵁قال النبي ﷺ: لم يكذب إبراهيم -﵇- في شئ قط إلا في ثلاث: قوله: إني سقيم؛ ولم يكن سقيمًا، وقوله لسارة: أختي؛ وقوله:
(بل فعله كبيرهم هذا). (^٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وتباح المعاريض عند الحاجة الشرعية، وهي قد تسمى كذبًا بإعتبار الإفهام؛ فإنها ليست على ما يفهمه المخاطب، وإن كانت لا تعد كذبًا بإعتبار الغاية السائغة، ومن ذلك قوله ﷺ: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات. (^٣)
٤ - قال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ -﵁- أَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺإِلَى المَدِينَةِ وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ، وَنَبِيُّ اللَّهِ -ﷺشَابٌّ لَا يُعْرَفُ، قَالَ:
فَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ فَيَقُولُ يَا أَبَا بَكْرٍ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ، قَالَ: فَيَحْسِبُ الحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ، وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الخَيْرِ. (^٤)
** ومن الفوائد المهمة التي اشتمل عليها حديث الباب:
ما جاء في قوله ﷺ: (عُرِضَتْ علىَّ الأُممُ)
وهذا الذي عُرض على النبي -ﷺ - إنما كان في رؤيا منامية، فهل الرؤى المنامية تصلح أن تكون مصدرًا للأحكام الشرعية؟؟
الجواب على تفصيل:
١ - القسم الأول:
أما رؤيا الأنبياء فهي وحي وشرع؛ مثله مثل ما يأتيهم حال اليقظة، وعليه فهي مصدر للأحكام الشرعية.
_________________
(١) وانظر معالم السنن (١/ ٢٥٠)
(٢) متفق عليه.
(٣) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٢٣)
(٤) أخرجه البخاري (٣٩١١)
[ ١ / ٣٩١ ]
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ (الصافات: ١٠٢).
* وجه الدلالة من أمرين:
١ - لو لم تكن رؤيا الأنبياء وحيًا لما جاز لإبراهيم -﵇ - أن يقدم على ذبح ولده.
٢ - قول إسماعيل ﵇ (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) دل أنه من أمر الله ﷿.
قال عبيد بن عمير: (رؤيا الأنبياء وحي)، ثم قرأ هذه الآية ﴿إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (^١)
قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن رؤيا الأنبياء وحي لهذه الآية، وهذا واضح والحمد لله. (^٢)
*ومن السنة:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵄- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- يَقُولُ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ». (^٣)
٢ - القسم الثاني:
رؤيا غير الأنبياء وهي على تفصيل:
١ - رؤيا بعض الصحابة -﵁- على عهد النبي ﷺ؛ وهي التي تحمل أحكامًا شرعية؛ فهي مصدر للأحكام بإقرار النبي -ﷺ - لها، ومن ذلك:
(أ) حديث عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍرضي الله عنه- لما طَافَ به رجل وَهو نَائِمٌ، فَلَمَّا أَصْبَح أَتَيْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْه بِمَا رَأَيْ، فَقَالَ النبي ﷺ:
" إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ " (^٤)
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٨)
(٢) الاستذكار (٨/ ٤٥٦)
(٣) متفق عليه.
(٤) أخرجه أحمد (١٦٤٧٨) وصححه ابن حجر والترمذى، وقال الترمذى في علله الكبير: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: هو عندي صحيح، وانظر نصب الراية (١/ ٢٥٩) وإرواء الغليل (٢٤٦)
[ ١ / ٣٩٢ ]
(ب) وعن ابْنِ عُمَرَ - ﵄- أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺأُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي المَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ». (^١)
فمثل هذه المنامات مصدر للأحكام الشرعية بالإتفاق؛ وذلك لإقرار النبيﷺلها.
٢) الرؤيا المنامية بعد عهد النبي ﷺ:
فهذه قد اتفق أهل العلم على أنها لا تصلح أن تكون مصدرًا للأحكام الشرعية، وإنما هي تبشير وتنبيه تصلح للإستئناس بها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة.
ومثال ذلك: ما ذكره أَبَو جَمْرَةَ الضُّبَعِيَّ قال:
تَمَتَّعْتُ فَنَهَانِي نَاسٌ عَنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَنِي بِهَا، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْبَيْتِ فَنِمْتُ، فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي، فَقَالَ: عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، وَحَجٌّ مَبْرُورٌ، قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي رَأَيْتُ، فَقَالَ:
«اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ». (^٢)
أما ما سوى ذلك من الرؤى التي يراها آحاد الناس فليست بالاتفاق مصدرًا للأحكام الشرعية.
قال الشوكاني:
ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله -﷿- لنا على لسان نبينا -ﷺقد كمل كما في قوله تعالى" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ " (المائدة: ٣)، ولم يأتنا دليل على أن رؤيته في النوم بعد موته -ﷺإذا قال فيها بقول يكون دليلًا وحجة، وبهذا تعلم أن لو قدّرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله -ﷺأو فعله حجة عليه، ولا على غيره من الأمة. (^٣)
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) أخرجه مسلم (١٢٤٢)
(٣) إرشاد الفحول (٢/ ٢٠٢)
[ ١ / ٣٩٣ ]
حكم التداوي
وقال الحافظ زين الدين العراقي:
لو أخبر صادق عن النبي -ﷺ - في النوم بحكم شرعي مخالف لما تقرر في الشريعة لم نعتمده، وقد حكى القاضي حسين أن شخصًا قال له ليلة الشك: رأيتُ النبيَ -ﷺ - وقال لي صم غدًا، فقال القاضي له: قد قال لنا في اليقظة لا تصوموا غدًا، فنحن نعتمد ذلك.
وقد حكى القاضي عياض الإجماع على عدم اعتماد المنام في الأحكام الشرعية. (^١)
ومن الفوائد المهمة التى تتعلق بحديث الباب: حكم التداوي:
قد يفهم من سياق حديث السبعين أنه يفضل ترك التداوي على الإطلاق، وأن المرء إذا ما تداوي فقد خرج من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهذا خلاف الصحيح.
نقول: قد دلت الأدلة العامة على مشروعية التداوي، ومن ذلك:
، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: عَادَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ - رَجُلًا بِهِ جُرْحٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
" ادْعُوا لَهُ طَبِيبَ بَنِي فُلَانٍ "، قَالَ: فَدَعَوْهُ فَجَاءَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَيُغْنِي الدَّوَاءُ شَيْئًا؟ فَقَالَ: " سُبْحَانَ اللهِ، وَهَلْ أَنْزَلَ اللهُ مِنْ دَاءٍ فِي الْأَرْضِ، إِلَّا جَعَلَ لَهُ شِفَاءً. (^٢)
_________________
(١) وانظر طرح التثريب (٨/ ٢١٥) قلت: وفيما ذكرناه من أقوال العلماء الكفاية في رد أباطيل الصوفية الذين يدَّعون رؤية النبي -ﷺ- في المنام، وأنه قد أمرهم بجملة من الأحكام الشرعية!!! فإن قيل: ألم يقل النبي ﷺ: من رآني في المنام فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي؟ قلنا: بلى، فالممتنع على الشيطان أن يتمثل بشخص النبي -ﷺوصورته، أما أن يتمثل في صورة حسنة مغايرة لشخص النبي -ﷺ- ثم يقول: أنا رسول الله، فمثل هذا لا يمتنع أن يفعله الشيطان مع هؤلاء المخدوعين من أرباب الصوفية، وخاصة أنهم لا يعرفون الصورة الحقيقة لشخص النبي. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا قد وقع كثيرًا لطوائف جهَّال العبَّاد يظن أحدهم أنه رأى النبي -ﷺ - أو الخضر، وإنما هو شيطان. وانظر " مجموع الفتاوي" (١/ ١٧٢)
(٢) أخرجه أحمد (٢٣١٥٦) قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحبح.
[ ١ / ٣٩٤ ]
*وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ -﵁قَالَ: جاءت الْأَعْرَابُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَتَدَاوَى؟
قَالَ: " نَعَمْ، تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ". (^١)
قال الإمام ابن القيم:
في هذه الأحاديث الأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر، والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا، بل إن تعطيل هذه الأسباب يقدح في التوكل. (^٢)
* أقوال العلماء في حكم التداوي:
ذهب الحنفية والمالكية إلى أن التداوي مباح. وذهب الشافعية إلى استحبابه، لقول النبي ﷺ:
"إنَّ الله ﷿ أنْزَلَ الدَّاءَ والدَّواء، وجَعَلَ لِكُل داءٍ دَوَاءً، فَتَداووا، ولا تَدَاووا بحرَام". (^٣)
وغير ذلك من الأحاديث الواردة، والتي فيها الأمر بالتداوي، ومحل الاستحباب عند الشافعية عند عدم القطع بإفادته، أما لو قُطِع بإفادته (كعَصْب الجُرح) فإنه واجب (ومن أمثلة ذلك في عصرنا نقل الدم في بعض الحالات.).
* وذهب الحنابلة إلى أن تركه أفضل، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال:
" أحب لمن اعتقد التوكل وسلك هذا الطريق ترك التداوي، من شرب الدواء وغيره "، واستدلوا لذلك بأدلة منها حديث الباب.
وكذلك قد علَّلوا رأيهم: بأن تركه تفضلًا واختيارًا لما اختاره الله تعالى، ورضًا بما قدَّر وتسليمًا له.
* واعلم أن التداوي على أقسام:
١ - من غلب على ظنه أو تيقن الهلاك إذا ما ترك التداوي؛ صار التداوي في حقه
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٨٤٥٤) وابن حبان (١٣٩٥) وانظر صحيح الجامع (٢٩٣٠)
(٢) زاد المعاد (٤/ ١٤)
(٣) أخرجه أحمد (٣٥٧٨) وأبوداود (٣٨٧٤) وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر.
[ ١ / ٣٩٥ ]
واجبًا، يأثم بتركه. فيدخل في ذلك إيقاف النزيف، وخياطة الجروح، وبتر العضو التالف المؤدي إلى تلف بقية البدن، ونحو ذلك مما يجزم الأطباء بنفعه وضرورته، وأن تركه يؤدي إلى التلف أو الهلاك.
٢ - من غلب على ظنه أو تيقن عدم نفع التداوي لمرضه؛ فهنا يشرع له ترك التداوي. (^١)
٣ - إذا ما تداوي بفعل يخاف منه حدوث مضاعفات أشد من العلة المراد إزالتها، عندها يكون التداوي مكروهًا، كما هو الحال في التداوي بالكى.
٤ - إذا ما أدى ترك التداوي إلى ضعف في البدن وهزال، عندها يكون ترك التداوي مستحبًا.
٥ - إذا ما تداوي بدواء محرم؛ صار التداوي محرمًا. (^٢)
*وعليه فإن حديث السبعين لا يشير إلى أن كمال التوحيد في ترك التداوي مطلقًا، فهذا غلط، لأن النبي -ﷺقد تداوي وأمر بالتداوي، فليس في الحديث أن أولئك لا يباشرون الأسباب مطلقًا، أو لا يباشرون أسباب الدواء، وإنما خص الحديث الإسترقاء والكي لأنه يكثر تعلَّق القلب والتفاته إلى الراقي أو الكاوي ففيها إنقاص من مقام التوكل. (^٣)
*قلت:
وعليه فإن الاستدلال بحديث الباب على القول باستحباب ترك التداوي مطلقًا فهذا مما يقال فيه أن "الدليل أخص من الدعوى "، بل غاية ما فيه أن هؤلاء
_________________
(١) ومثال ذلك ما رواه الشيخان من حديث عَائِشَةُ -﵂- قالت: لَدَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺفِي مَرَضِهِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: «لَا تَلُدُّونِي» قَالَ: فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ بِالدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: «أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي». = = فهنا قد نهاهم -ﷺ- لأن هذا الدواء لم يكن ملائما لدائه، حيث ظن الصحابةرضي الله عنهم- أن النبي -ﷺ - به ذات الجنب، ولم يكن الأمر كذلك. ومعنى " لد المريض ": أن يؤخذ بلسانه فيمد إلى أحد شقي الفم وصب الدواء في الشق الآخر.
(٢) الفِقْه الإسلامي وأدلَّته (٧/ ٥٢٠٤)
(٣) التمهيد شرح كتاب التوحيد (١/ ٤٠)
[ ١ / ٣٩٦ ]
المعنيين في حديث الباب لما كمل عندهم صدق توجه القلب إلى الرب فقد أغناهم ذلك عن الإنشغال والالتفات إلى مباشرة الأسباب. فلما كمل توكلهم فى ذلك فقد ارتقوا إلى هذه المنزلة العليَّة. (^١)
قال ابن القيم:
وإذا ثبت أن التداوي مباح بالإجماع مندوب إليه عند بعض العلماء، فلا يلتفت إلى قول قوم قد رأوا أن التداوي خارج من التوكل؛ لأن الإجماع على أنه لا يخرج من التوكل، وقد تداوى الرسول -ﷺوأمر بالتداوي، ولم يخرج بذلك من التوكل. (^٢)
تم بحمد الله
_________________
(١) ونظير ذلك ما ورد في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فهؤلاء لما حققوا الإيمان المطلق الذى لا تشوبه شائبة شرك تحقق لهم الأمن المطلق.
(٢) تلبيس إبليس (ص/٢٥٥) وقد بوَّب ابن القيم باب: "ذكر تلبيس إبليس عَلَى الصوفية فِي ترك التداوي "، ثم ذكر الكلام المذكور أعلاه.
[ ١ / ٣٩٧ ]