[ ١ / ١٩٣ ]
بذل الأمل شرح حديث على ما كان من العمل
نص الحديث:
عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ- أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ»،
وفي رواية: «أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ».
تخريج الحديث، وبيان فضله:
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب أحاديث الأنبياء (٣٤٣٥)، ومسلم في صحيحه - كتاب الإِيمان (٢٨)، وأحمدُ في المسنَد (٢٢٦٧٥)، وابنُ مَنْدَه في كتاب الإيمان (٤٤، ٤٠٥)، والنسائيُّ في سُننه الكبرى (١٠٩٠٤).
قال النووي:
"هذا حديث عظيم الموقع، وهو أجمعُ -أو مِن أجمعِ- الأحاديث المشتملة على العقائد، فإنه -ﷺ- جمعَ فيه ما يُخرج عن جميع ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعُدهم، فاختصرَ -ﷺ- في هذه الأحرُفِ على ما يباين به جميعهم". (^١)
* شرح حديث الباب:
يقول النَّبِيُّ -ﷺ-: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
_________________
(١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١/ ٢٢٧).
[ ١ / ١٩٥ ]
أركان يبنى عليها التوحيد
وَرَسُولُهُ».
وهنا فوائدُ:
الفائدة الأولى: دليل شهادة أن لا إله إلا الله:
من القرآن:
قال تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًَا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]،
وقال -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]،
* ومن السنة:
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «بُنِيَ الْإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». (^١)
*الفائدة الثانية:
في معنى شهادة أن لا إله إلا الله:
أيْ: لا معبود بحقٍّ إلا اللهُ، فكلُّ معبود سِوى الله -تعالى- هو معبود باطل، فمعنى "لا إله إلا الله": نفْي العبادة عمَّن سِوى الله، وإثباتُها لله -﷾-، أيْ: إبطال عبادة كل ما سوى الله، وإثباتُ العبادة لله، فآلهة المشركين قد سمَّاها الله -تعالى- آلهة:
قال -تعالى-: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]، لكنها آلهة معبودة بغير حق، فهي باطلة؛ بل قال -تعالى-: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، فأطلقَ على الهوى اسم "إله"، ولكنها بلا شك آلهة كاذبة خاطئة.
لذلك فإنّ تفسير كلمة التوحيد بأن يقال: "لا إله موجود إلا الله" هو تفسير باطل؛ لأن هذا يَلزمُ منه أنّ كل معبود في الوجود هو الله!
فقوله "لا إله": هذا إبطال لجميع المعبودات مِن دون الله -﷿-، وإنكار لها،
وقوله "إلا اللهُ": هذا إثباتٌ للعبادة لله -تعالى- وحدَه لا شريك له.
قال -تعالى-: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ
_________________
(١) متفق عليه.
[ ١ / ١٩٦ ]
أنواع التوحيد
وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]. (^١)
**الفائدة الثالثة:
مقتضى كلمة "لا إله إلا الله":
المقصود الأعظم من هذه الكلمة إنما هو: تحقيق معناها في القلب، مع النطق بها باللسان، والقيام بمقتضاها بالجوارح.
ولا أدلَّ على ذلك مِنْ: إجماع السلف على أنّ مَن نطقَ الشهادة ولم يعتقدْ معناها ولم يعملْ بمقتضاها، فإنه لا يكون مسلمًا، ويُقاتَلُ على ذلك، حتّى يعملَ بما دلَّت عليه من النفي والإثبات.
*قال عبد الرحمن بن حسن:
فقوله -ﷺ- «مَنْ شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ» أيْ:
مَن تكلّمَ بها عارفًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها باطنًا وظاهرًا؛ فلا بد في الشهادتينِ من العلم واليقين والعملِ بمدلولهما، كما قال الله -تعالى-: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]؛
أمّا النطق بها مِن غير معرفة لمعناها ولا يقينٍ ولا عملٍ بما تقتضيه -مِن: البراءة من الشرك، وإخلاص القول والعمل (قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح) - فغيرُ نافع بالإجماع، وفي الحديث ما يدلّ على هذا، وهو قوله: «مَنْ شَهِدَ»؛ إذْ كيفَ يَشهدُ وهو لا يَعلمُ، ومجرَّدُ النطقِ بالشيء لا يسمَّى شَهادةً به". (^٢)
* الفائدة الرابعة:
"لا إله إلا الله" مركَّبة من: نفي، وإثبات، وهما رُكْنا شهادة التوحيد، فقوله "لا إله" فيه نفي استحقاق العبادة عمَّن سوى الله، وقولُه "إلا الله" فيه إثبات العبادة لله -تعالى- وحده لا شريك له.
** وتحقيق كلمة التوحيد إنما يُبنى على النفي والإثبات، وهذا هو حقيقة التوحيد؛ فالنفي المَحْضُ ليس بتوحيدٍ، وكذلك الإثبات دُونَ نفيٍ لا يمنع المشارَكةَ، فلا يكون
_________________
(١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ٦١).
(٢) انظر فتح المَجيد (٣٩ - ٤١)، والمختصر المفيد في عقائد أئمة التوحيد (ص/٧١).
[ ١ / ١٩٧ ]
التوحيد إلا متضمِّنًا للنفي والإثبات. (^١)
** وهذا ما نستقرئه من مواضعَ عديدةٍ:
فمن القرآن:
قال تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْراهِيمُ لأبيه وَقَوْمِهِ إنني بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِى فَطَرَنِى﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]،
وقوله -تعالى- على لسان إبراهيم -﵇-: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]،
وقال -تعالى-: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]،
وقال -﷿-: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]،
*ومن السنة:
في حديث جبريل -﵇- قَالَ: مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ -ﷺ-:
«الإِسْلَامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ، وَلا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا». (^٢)
** ولا أدلَّ على ذلك مِنْ حرصِ الرسول -ﷺ- على تأكيد هذا الأصل دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ، فكان يقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ». (^٣)
** وهذا الأصل -الذي هو النفي والإثبات- لا يُحقَّق التوحيد إلا به، فالإثبات وحدَه لا يكفي للحكم بإسلام المرء، فمَن أثبتَ العبادة لله قولًا وعملًا، ولكنْ ما نفاها عن غيره، فسوَّغَ لغيره -مثلًا- أن يعبد غيرَ الله -تعالى- فهذا كافرٌ، حتى لو أفردَ العبادة لله -تعالى-؛ لأنّ هذا اعترافٌ منه أنّ غير الله -تعالى- يستحق أن يُعبد.
* ولقد قاتلَ الرسول -ﷺ- المشركين الذين حقّقوا طرفًا من الإثبات على عِوَجٍ منهم في ذلك؛ لأنهم ما حققوا نفي الألوهية عمَّن سوى الله تعالى، وقد حكى الله
_________________
(١) التّخَلّي عن التقليد والتّحلّي بالأصل المفيد (ص/٧٣).
(٢) متفق عليه.
(٣) أخرجه مسلم (٥٩٤).
[ ١ / ١٩٨ ]
عنهم قائلًا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١٢]
فهُم ما أشركوا إلّا لمّا دُعوا إلى تحقيق نفي الألوهية عمَّن سوى الله تعالى ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠]، فهم ما أنكروا على رسلهم أصلَ قضية الدعوة إلى الله، بل كان إنكارهم لتحقيق نفْي الألوهية عمَّن سوى الله تعالى.
* وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «وَيْلَكُمْ، قَدْ قَدْ»، فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ، وَمَا مَلَكَ. (^١)
** عَودٌ إلى حديث الباب
قوله ﷺ: «وأنّ محمدًا عبدُه ورسولُه»:
وهذه مَنزلة التوسُّط بين الإفراط والتفريط في حق النبي -ﷺ-،
وهذا الذي نصَّ عليه كتابُ الله -تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]، فوصْفه -ﷺ- بمقام العبودية والبشرية فيه ردٌّ على الغلاة الذين بالغوا في شأن النبي -ﷺ-، حتى قالوا في حقه ما لا يقال إلا في حق الله تعالى، وحتّى جَوَّزُوا الاستغاثة بالنبي -ﷺ-، وقاموا يسألونه عند المُلِمّات لكَشف الكُرُبات!
* وكم كان الرسول -ﷺ- حريصًا على إغلاق باب الغلو فيه -ﷺ-، وسدّ كل الذرائع المُفْضِية إلى ذلك!
* عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: «أَجَعَلْتَنِي لِلهِ نِدًّا؟! بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ». (^٢)
_________________
(١) أخرجه مسلم (١١٨٥).
(٢) أخرجه أحمد (١٨٣٩). انظر السلسلة الصحيحة (١٣٦).
[ ١ / ١٩٩ ]
* ولمّا قَالَتْ جَارِيَةٌ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَد، قالَ لها النَّبِيُّ -ﷺ-:
«لا تَقُولِي هَكَذَا، وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِينَ». (^١)
* وقال رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ». (^٢)
** وقوله -ﷺ- «فإنّما أنا عبدُ الله ورسولُه» هو من أساليب اللغة في الحصر، أي: ما هو -ﷺ- إلا عبدٌ رسولٌ، وجاء هذا الحصرُ بعد فاءِ التعليل؛ لِبيانِ أنّ العلة في عدم الإطْراء هي كَونُه -فحسْبُ- عبدًا رسولًا، فهو عبدٌ لا يُعبد، ورسولٌ لا يكذب. (^٣)
هكذا مقام عدم الإفراط
وأما عدم التفريط فإنّ النبي -ﷺ- هو نبيُّ الله وَرَسُولُهُ، فقد جاءت البِشارة به في: التوراة، والإنجيل، والقرآن.
قال -تعالى-: ﴿الذينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]
وقال -تعالى-: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، وعن عبد الله بن عمرو - ﵄- وقد سُئل عن صِفة رسول الله -ﷺ- المذكورة في التوراة، قال:
"وَرَدَ في التوراة: "يا أيها النبيُّ، إنّا أرسلناك شاهدًا ومبشِّرًا ونذيرًا، وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أنتَ عَبْدي ورسولي، سَمَّيْتُكَ (المُتَوَكِّلَ)، ليسَ بِفَظٍّ ولا غليظٍ ولا صَخّابٍ في الأسواق، ولا يَدفعُ بالسيئةِ السيئةَ، ولكنْ يعفو ويَغفرُ". (^٤)
*وأدلة ذلك في القرآن كثيرة:
قال -تعالى-: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٠٠١).
(٢) أخرجه أحمد (١٦٤)، والبخاري (٣٢٦١).
(٣) التوضيح الرشيد في شرح التوحيد (ص/١٤٧).
(٤) أخرجه أحمد (٦٦٢٢)، والبخاري (٢١٢٥).
[ ١ / ٢٠٠ ]
٢٩]،
وقال -تعالى-: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
** مَعْنَى شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ:
الذي تقتضيه هذه الشهادةُ هو تصديق القلب أنّ محمدَ بنَ عبدِ اللهِ رسولٌ مِن عند الله، والتصديق واليقين بأنّه رسول الله إلى جميع الناس، وكذلك تصديقه في كل ما أخبرَ به عن رب العِزّة.
وهذا التصديق لا ينفع صاحبَه إلا إذا قُرن بطاعته -ﷺ- فيما به أَمَرَ، وفيما عنه نَهى وزَجَرَ.
قال -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وليس مجرَّد التصديق فحسْب، وإلّا فاليهودُ كانوا على يقينٍ أنه رسول الله: قال -﵎-: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]؛ فلم ينفعْهم ذلك!
وقد نفى الله -تعالى- الإيمان عمّن ادّعى تصديق الرسول -ﷺ- ثم أعرضَ عن اتّباعه: قال -تعالى-: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٤٧].
** قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"الله -تعالى- خلقَ الخَلْق لعبادته، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وإنّما تَعَبَّدَهُمْ بطاعته وطاعةِ رسوله -ﷺ-". (^١)
** واعلمْ أنَّ الشهادتين تَشمَلان نوعينِ من التوحيد: (توحيد العبادة)، و(توحيد الاتّباع).
فكما نشهد أنّه "لا معبودَ بحقٍّ إلا اللهُ" -وهذا هو توحيد العبادة- نشهد كذلك
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ٤).
[ ١ / ٢٠١ ]
أنّه "لا متبوعَ بحقٍّ إلا رسولُ الله -ﷺ-".
** وهذا ما ذكره الله -تعالى- في قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وذلك تحقيق الشهادتينِ.
** قال -تعالى-: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
قال الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ:
"أحسنُ العملِ: أخلصُه وأصوبُه، فإنّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبلْ، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبلْ، حتّى يكون خالصًا صوابًا. والخالص: إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السّنّة". (^١)
*قال ابن كَثيرٍ:
"لا يكون العمل حَسَنًا حتى يكون خالصًا لله على شريعة رسول الله، فمتى فقدَ العملُ واحدًا من هذينِ الشرطينِ حَبِطَ وبَطَلَ". ا. هـ (^٢)
* يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وجِماع الدِّين شيئانِ: أحدُهما: ألّا نعبد إلا اللهَ -تعالى-، والثاني: أن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبِدَع، كما قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وكان عمر بن الخطاب يقول في دعائه: اللهم اجعلْ عملي كلَّه صالحًا، واجعلْه لوجهك خالصًا، ولا تجعلْ لأحدٍ فيه شيئًا". (^٣)
* قال ابن القيم:
"العمل بغير إخلاصٍ ولا اقتداءٍ كالمسافر يملأ جِرابَه رَمْلًا، يُثْقله، ولا ينفعُه! ". (^٤)
* قال ابن القيم في نونيّته:
فقِيامُ دِينِ اللهِ: بِالإخلاصِ والإحسانِ، إنَّهُمَا لَهُ أَصْلانِ
لَمْ يَنْجُ مِن غَضَبِ الإلهِ ونارِهِ إلّا الذِي قَامَتْ بِهِ الأَصْلانِ
_________________
(١) تفسير القرآن الكريم لابن القيم (١/ ٧٨).
(٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٥٧٤).
(٣) المجموع (٢٨/ ٢٣).
(٤) الفوائد (ص/٤٩).
[ ١ / ٢٠٢ ]
واللهُ لا يَرضَى بِكَثْرةِ فِعْلِنا لكنْ بأحسَنِهِ معَ الإيمانِ (^١)
*وهُنا فائدة مهمة في قول ابن القيم:
واللهُ لا يَرضى بكثرةِ فعلِنا لكنْ بأحسنِه معَ الإيمانِ
وهي أنّ إصابة السنة خيرٌ من كثرة العمل، وهذا الذي دلَّ عليه حديث أَبِي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁-، قَالَ: "خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ»، وَقَالَ لِلْآخَرِ: «لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ». (^٢)
فقد قال النَّبي -ﷺ- للذى لم يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأتْكَ صَلاتُكَ»، وقال للذي أعاد صلاته: «لكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ»: أجرٌ للصلاة الأولى، وأَجْرٌ للصلاة الثانية؛ ولكنَّ إصابة السنَّة أفضلُ من ذلك. (^٣)
_________________
(١) النونيّة الكافية الشافية (ص/٣٥).
(٢) أبو داود (٣٣٨)، والنسائي (٤٣٣)، وصححه الألباني.
(٣) توضِيح الأحكام مِن بُلوغ المَرام (١/ ٤٢٥). ** قال الشيخ ابن العثيمين -﵀-: "ومِن فوائد هذا الحديث: أنّ الإنسان إذا فعلَ العبادة يَظنُّ أنّ فِعلها واجبٌ عليه، فإنّه يُثابُ على ذلك ولو أخطأَ؛ لأنه عَمِلَ طاعةً لله، وتقرُّبًا إليه، فيؤجرُ على هذا. ومن فوائد هذا الحديث: أنّ إصابة السنة خيرٌ من كثرة العمل؛ لقول النبي -ﷺ- للرجل الذي لم يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنّةَ»، ومعلومٌ أنّ إصابة السنة خيرٌ من كثرة العمل. فإن قال قائل: وهل لو أعاد أحدٌ الآنَ بعد أن تبيّنت السنةُ، لو أعاد الصلاةَ بعد وجود الماء، هل يؤجر أو لا يؤجر؟ نقول: إنه لو كان عَلِمَ بالسنة فإنه لا يؤجرُ، بل لو قيل: إنه يأثم لَكانَ له وجهٌ؛ لأنه إذا وجدَ الماء بعد انتهاء الصلاة، فإنه ليس عليه إعادة؛ لكنه لو لم يَعلم بالسنة وأعادَ بناءً على أنّ ذلك هو الواجب عليه، فإنّ الحُكم واحد، بمَعنى: أنّ الحُكم الذي حكمَ به الرسولُ -ﷺ- للرجل الذي أعاد ينطبقُ تمامًا على مَن جَهِلَ السنّة في عصرٍ وأعادَ". ا. هـ وانظر فتْح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المَرام (١/ ٣٧٠).
[ ١ / ٢٠٣ ]
** عَودٌ إلى حديث الباب
قوله -ﷺ-: «وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ»:
في قوله -ﷺ- «وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ» رد على النصارى، وفي قوله -ﷺ- «ورَسولُهُ» رد على اليهود.
وهكذا تكون شهادة الحق لعيسى -﵇- بين المغالاة والمجافاة، بين غلوّ النصارى الذين أَلَّهُوه مِن دُون الله، وبين جفوِّ اليهود الذين كذَّبوه، وزعَموا أنهم صلَبوه!
**وبَيْنَ هذا وذاك جاءت وسطية أمّة الإسلام، أمة الإسلام التي هي أَوْلى بكلِّ نبيٍّ كذَّبَه قومُه، وقد تجلَّت هذه الوسطية في نبي الله عيسى -﵇- كما ورد في حديث الباب، وذلك باعتقاد بَشَرية عيسى -﵇-، مع الإيمان برسالته إلى بني إسرائيل.
** وما ورد في حديث الباب من الاعتقاد في عيسى -﵇- قد نص عليه كتاب الله -تعالى-: قال -تعالى-: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]، فَأَرْسَلَ اللهُ -تعالى- إِلَيْهَا رُوحَه جبريلَ -﵇- فنَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها، فنزلت النَّفْخةُ حتى وَلَجَتْ فَرْجَها، فصارت حاملًا مِن ساعَتِها.
* قال ابن كثيرٍ:
"أَمَرَ اللَّهُ -تعالَى- جِبريلَ أَنْ يَنْفُخَ بِفِيهِ فِي جَيْب دِرْعِها، فَنَزَلَت النَّفْخَةُ، فَوَلجتْ في فَرْجِها، فَكَانَ مِنْهُ الْحَمْلُ بعِيسَى -﵇-". (^١)
* وقوله تعالى: «وكَلِمتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ»:
فعيسى كلمةُ الله، وقد سُمِّيَ عيسى -﵇- "كلمةَ الله"؛ لوُجوده ولخَلْقه بكلمةٍ من الله مِن غيرِ أبٍ: قال -تعالى-: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]؛ فبقوله -تعالى- ﴿كُن﴾ خُلِقَ عيسى -﵇-، فإنّ "كن" هي كلمة الله -﷿-، وهي الكلمة التي ألقاها إلى مريم، وكلمةُ الله ليست مخلوقة، وعيسى -﵇- مخلوقٌ.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٨/ ١٧٣).
[ ١ / ٢٠٤ ]
* أمّا قولُه -تعالى- «ورُوحٌ مِنْهُ»:
فالمعنى: أنّ رُوح عيسى -﵇- مبتدَأة من الله -تعالى-، وأنّ الله خلقَها، كما قال الله عما خلقَ في السماوات والأرض: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، فكلُّ ذلك من الله -تعالى-، هو الذي ابتدأ خلْقه وأوجدَه وأعطاه ووهبَه، فلقدْ خُلق عيسى -﵇- مِن أثر نَفخة جبريل -﵇- في جَيب دِرع مريم -﵍- بأمْر الله إياه بذلك، فنُسِبَ إلى أنه رُوح من الله، فنُسبت رُوح عيسى -﵇- إلى الله -تعالى-؛ لأنها وصلت إلى مريم -﵍- في آيةٍ من آيات الله، فقدْ حَملتْ بعيسى من غير أب؛ فبهذا امتاز عن بقيّة الأرواح.
عَودٌ إلى حديث الباب
«والجَنّةُ حقٌّ، والنارُ حقٌّ»:
أيْ: وشَهِدَ أنّ الجنة التي أخبر الله -تعالى- بها في كتابه حقٌّ، مخلوقةٌ موجودةٌ الآنَ، لا شكَّ فيها، وشَهِدَ أنّ النار التي أخبر الله -تعالى- بها في كتابه حقٌّ مخلوقةٌ موجودةٌ الآنَ لا شكَّ فيها.
قال -تعالى-: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]، وقال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥]، وقال -تعالى-: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال -تعالى-: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١].
وهذا الفعل ﴿أُعِدَّتْ﴾ في الآيات هو فعلٌ ماضٍ، دلَّ على أنّ الجنة مخلوقة موجودة الآنَ، وكذلك النارُ.
[ ١ / ٢٠٥ ]
أدلة الكتاب والسنة علي وجود الجنة والنار
** ومن السنة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لِبِلَالٍ:
«يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدَكَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْفَعَةً، فَإِنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ خَشْفَ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ»، قَالَ بِلَالٌ: "مَا عَمِلْتُ أُصَلِّيَ". (^١)
** وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَنَا بِقَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَمَا مَنَعَنِي أَنْ أَدْخُلَهُ -يَا بْنَ الْخَطَّابِ- إِلَّا مَا أَعْلَمُ مِنْ غَيْرَتِكَ»، قَالَ: "وَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! ". (^٢)
**وعن أنسٍ -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ رَأَيْتُمْ ما رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»، قالوا: "وما رَأَيْتَ يا رَسُولَ اللهِ؟ " قال: «رَأَيْتُ الْجَنَّةَ والنّارَ». (^٣)
وعن عِمْرانِ بنِ حُصَينٍ عن النبي -ﷺ- قال: «اطَّلَعْتُ فِي النّارِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِها النِّساءَ». (^٤)
وقد عقدَ البخاريُّ في صحيحه بابًا قال فيه: "باب: ما جاء في صفة الجَنة، وأنها مخلوقة"، وذكرَ أحاديثَ، منها: ما تقدَّمَ مِن أنّ الله يُري الميتَ مَقعدَه من الجنة والنار بعدَ أن يُوضعَ في قَبْرِهِ. (^٥)
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) أخرجه أحمد (١٢٠٠٨).
(٣) صحيح مسلم (٦٤٦).
(٤) متفق عليه.
(٥) تنبيه: مِن العلماء مَن استدل على مسألة الباب بقوله -تعالى-: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، حيثُ ذكرَ الله -تعالى- قصة آدمَ وحوّاءَ -﵉-، وإسكانهما الجَنّةَ، فلو لم تكُن الجنةُ موجودةً لَمَا كانَ هناك مَعنًى لإسكانهما بها، وإذا ثبتَ خلْقُ الجنة ثبتَ خلْقُ النار؛ لأنه لا قائلَ بالفَصْل. قالوا: ومما يدل على أنها جنة الخُلْد: أنّ الله -تعالى- ذكرَ لآدم -﵇- أوصافَ هذه الجنة عندَ إدخالِه إياها، وهذه الأوصاف لا تكون إلا في جنة الخلد، وهذه الأوصاف لا تُعقل إلا في الجنة الموعودة، قال -تعالى-: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا= =يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٧ - ١١٩]، أخبرَ أنه لو خرجَ من الجنة يَشقى، وأنه في الجنة لا يجوع ولا يعرى ولا يظمأ ولا يضحى، وهذا من صفات جناتِ عَدْنٍ، لا مِن صفات جنّات الدنيا؛ فدلّتْنا هذه الآية أنّ آدم -﵇- كان في جنات عدنٍ. *يؤيّده: أنّ اللام في لفظ "الجنة" هي لام العَهْد، فقوله -تعالى- لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ذكرَ الجنة بلام التعريف، فيَنصرفُ إلى ما هو المعلومُ عند المسلمينَ، وليس ذلك إلا دارَ الثوابِ". وانظر لذلك [خلْق الجنة والنار بين (أهل السنة والجماعة) و(المعتزلة)] - د. محمد النويهي (ص/١٤٠).
[ ١ / ٢٠٦ ]
*الإجماع:
قال القاضي عِياضٌ:
"مَن أنكرَ الجنة أو النار فهو كافرٌ بإجماعٍ؛ للنَّصِّ عليه، وإجماعِ الأمة على صِحّة نَقلِه متواتِرًا، وكذلك مَن اعترفَ بذلك ولكنه قال: إنّ المراد بالجنة والنار معنًى غيرُ ظاهِرِه، وإنّها لَذّاتٌ روحانية ومعانٍ باطنةٌ، كقول النصارى والفلاسفة والباطنية وبعضِ المتصوِّفة". (^١)
الدليل العقلي على خلق الجنة والنار:
دليل الإمكان:
يُقصد بهذا الدليل: أنّ العقل لو تُرك ونفْسه دُونَ مؤثِّرٍ خارجيٍّ لَحَكَمَ بجواز خلْق الجنة والنار، فلا يُرتَّبُ على خَلْقِهما أيُّ مُحالٍ.
وفي ذلك يقول القيروانيُّ: "واعلمْ أنّه لا إحالة في خلْق الجَنّة". (^٢)
الشاهد من ذلك: أنَّ الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآنَ بإجماع أهل السنة.
* ولَمْ يَزَلْ على ذلك أهلُ السنة حتى ظهرَ المخالفون في ذلك، ومنهم:
١) الجهمية والمعتزلة:
لم يقعْ خلاف بين أهل السنة والجماعة والمعتزلة في حقيقة الجنة والنار
_________________
(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ٢٩٠).
(٢) وانظر النُّكَتُ المفيدة في شرح الخُطبة والعقيدة (ص/ ١٣٢). بل إنّ الرازيّ يجعل دليل الإمكان مع ورود النص ضابطًا لثُبوتِ مِثلِ هذه القضية العقدية الغيبية، فيقول: "والضابط في جميع هذه الأبواب: أنّ كل ذلك مُمْكِنٌ، وقد وردَ الخبرُ الصِّدْقُ به؛ فوجبَ تصديقُه". وانظر الإشارة في أصول الدين (ص/٣٥٢).
[ ١ / ٢٠٧ ]
وثُبوتهما؛ لأنَّها من المسائل العقدية التي لا تحتمل الخلاف، لوُرودها بأدلة قطعية الثبوت، وقطعية الدلالة.
* يقول القاضي عبدُ الجبّار:
"فإنّ الأمة أجمعتْ على أنْ لا دارَ غيْر الجنة والنار". (^١)
وإنما خالف أهل البدع جماهير أهل السنة في وجودهما، فقد أنكر الجهمية وأكثرُ المعتزلة أن تكون الجنة والنار مخلوقتينِ الآنَ، وقالوا: إنهما تُخلقانِ يوم الجزاء، بل قد زاد في الضلالة مدًا ذلك الذي وصف من يقول بوجودهما الآن بالكفر، وهو هشام بن عمرو الفوطي، وكان من جملة القدرية وزاد عليهم في بدع كثيرة.
والذي حملَهم على هذا: إنما هو القياس الفاسد؛ حيث قاسوا أفعال الله -تعالى- على أفعال خلقه، وقالوا: إن الله ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا!!
** فقالوا:
خلْق الجنة والنار قبلَ الجزاء عَبَثٌ؛ لأنهما تَصيرانِ معطَّلتينِ مُدَدًا مُتطاوِلة!!
فردُّوا من النصوص ما خالفَ هذه الشريعةَ الباطلةَ التي وضعوها للرب -تعالى-، وحرَّفوا النصوص عن مواضعها، وضلّلوا مَن خالفَ قولَهم وبدَّعوه. (^٢)
* والصحيح الذي عليه جماهير أهل السنة، والذي قد دل عليه الكتاب والسنة:
أنّ الجنة والنار مخلوقتانِ الآن؛ فهذا ما أفادَه النقلُ، وأمّا العقلُ فسواءٌ في ذلك
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة (ص/٦٢٣).
(٢) وانظر التبصير في الدين (ص/٢٦٥) وشرح العقيدة الطحاوية (١/ ٤٢٠)، والفصل في المِلَل والأهواء والنِّحَل (٤/ ٦٨). وممن قال بذلك من رُءوس المعتزلة: أبو هاشم، وعبد الجبار. وقد خالفهم في ذلك: أبو علي الجبائي، وأبو الحسين البصريّ، وبِشْر بن المعتمر، فقالوا بقول أهل السنة والجماعة في هذه المسألة. وانظر شرح العقائد النسفية" (ص/٢٥٣)، و"خلق الجنة والنار بين أهل السنة والجماعة، والمعتزلة " (ص/١٤٨).
[ ١ / ٢٠٨ ]
أعَلِمَ الحِكمة من وُجودهما أم لَمْ يَعلم، فمَدارُ الأمر على التسليم.
وقد نصَّ البيجوري على انعقاد الإجماع على أن الجنة والنار مخلوقتانِ الآنَ، وذلك قَبْلَ ظُهور المُخالِف. (^١)
قال الغزالي:
"قوله -تعالى- عن الجنة ﴿أُعِدَّتْ﴾: دليلٌ على أنها مخلوقة، فيجب إجراؤه على الظاهر؛ إذْ لا استحالةَ فيه، ولا يُقال: لا فائدةَ في خلْقهما قبلَ يومِ الجزاء؛ لأن الله -تعالى- ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ". (^٢)
٢) الفلاسفة، والمَلاحدة:
قالوا: ليس عندنا جنة ولا نار، إنما الربُّ يذكُر ذلك في القرآن من باب زجْر الناس فحسْب.
** فرعٌ: مكانُ الجنة والنار:
أمّا الجنة: فهي فوقَ السماء السابعة، وتحتَ عَرْشِ الرحمنِ.
قال -تعالى-: ﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى (١٤) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٤ - ١٥]،
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا سَأَلْتُمُ اللهَ فاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ؛ فإنَّهُ أَوْسَطَ الجَنّةِ، وأعلى الجَنّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنْهُ تفَجَّرُ أَنْهارُ الجَنّةِ». (^٣)
فثبتَ بهذا الحديث أنّ: الجنة تحت عرش الرحمن.
وقد ثبتَ في حديث قصة الإسراء في صحيح مسلم (١٦٢): أنّ سِدْرة المنتهَى فوقَ السماء السابعة؛ وعليه فالجنةُ يقينًا -والعلمُ الحق عند الله- فوقَ السماء السابعة، وتحتَ عرش الرحمن، كما دل عليه هذانِ الحديثانِ.
* أمّا مكانُ النار:
ففي الأرض السابعة: قال -تعالى-: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ* كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٧ - ٩].
_________________
(١) تُحفة المريد على جوهرة التوحيد (ص/٥٠٢).
(٢) قواعد العقائد (ص/٢٢٧).
(٣) البخاري (٧٤٢٣).
[ ١ / ٢٠٩ ]
و"سِجِّينٌ": الأرض السُّفْلَى؛ فالنَّار: في الأرض.
وقد رُوِيَ في هذا أحاديثُ، لكنها ضعيفة، ورُوِيَ آثارٌ عن السَّلف كابن عباس وابن مسعود، وهو ظاهر القرآن: قال -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، والذين كذَّبوا بالآيات واستكبروا عنها "لا شَكَّ أنّهم في النّار". (^١)
* وفي حديث البراء -﵁- في حق الكافر، يقول الله: «اكْتُبُوا كِتابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الأَرْضِ السُّفْلَى، فتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا». (^٢)
* قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى (كلا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧» (المطففين: ٧):
والصحيح أن "سجينا" مأخوذ من السجن، وهو الضيق؛ فإنَّ المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق، وكل ما تعالى منها اتسع، فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها، حتى ينتهي السفول المطلق، والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة. (^٣)
والحاصلُ: أنّ الجنة فوقَ السماء السابعة، وسَقْفُها العرشُ، وأنّ النار في الأرض السابعة على الصحيح المعتمَد، والله أعلم. (^٤)
مسألة: هل تَفْنَى الجنة والنار؟
ذهبَ الجهمية إلى القول بفناء الجنة والنار.
وهو قول الجَهْم بن صَفوانَ، ووافقه عليه أبو الهذيل العلّاف شيخُ المعتزلة، وبعضُ الروافض.
وقالوا: إذا كانت الجنة والنار حادثتينِ، فما ثبتَ حُدوثُه استحال بقاؤه، وزاد على
_________________
(١) الشرح الممتع (٣/ ١٧٤ - ١٧٥ (.
(٢) أخرجه أحمد (١٨٥٣٤)، وسنده صحيح.
(٣) : تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٩٨)
(٤) لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٣٩).
[ ١ / ٢١٠ ]
ذلك غيرهم فقالوا: بل يتحول عذابها إلى نعيم، كما قال بذلك ابن عربي وعبد الكريم الجيلي. (^١)
وقد حكى الإمام أحمد في آخر كتابه [الرد على الزنادقة] مذهبَ الجهمية أنّ النار والجنة تَفنيانِ، وردَّ عليهم ذاكرًا النصوصَ الدالة على عدم فنائهما. (^٢)
قال ابن القيم:
"وأما القول بفناء الجنة والنار فهو قولٌ قالَهُ جهمُ بنُ صفوانَ إمامُ المعطِّلة الجهمية، وليس له فيه سلفٌ قَطُّ من الصحابة ولا من التابعين ولا أحد من أئمة الإسلام، ولا قال به أحدٌ من أهل السنة، وهذا القول مما أنكره عليه وعلى أتْباعه أئمةُ الإسلام، وكفّروهم به". (^٣)
*مذهب أهل السنة والجماعة:
الجنة والنار حق، وهما موجودتانِ الآن، ولا يفنيان.
وقد تَضافرتْ أدلة الكتاب والسنة على تقرير هذا المعتقَد، فمِن أدلة القرآن:
قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩» (النساء: ١٦٨ - ١٦٩)، وقال عزوجل ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]، وقال تعالى ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥]،
وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]، وقال تعالى ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحِجْر: ٤٨].
** ومن أدلة السنة:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-، قَالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يُؤْتَى
_________________
(١) وانظر [مقالات الجَهْم] (ص/٦٥٩)، وإبطال القول بوحدة الوجود (ص/٧١) والتبصير في الدين (ص/٣٠٩) وتفسير المنار (٨/ ٦٠)
(٢) قال الإمام أحمد: "تأوّلت الجهميةُ مِن قول الله: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]، فقالوا: يكون الله الآخِرَ بعدَ الخَلْق، فلا يبقى شيء ولا أرض ولا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب ولا عرش ولا كرسيّ". [الرد على الزنادقة] (ص/١٦٨)
(٣) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص/٣٤٨).
[ ١ / ٢١١ ]
بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: وهَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ»، ثُمَّ قَرَأَ:
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ [مريم: ٣٩]. (^١)
** وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:
«أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ». (^٢)
* الإجماع:
قال أبو منصور البغدادي:
أجمع أهل السنة وكل من سلف من أخيار الأمة على دوام بقاء الجنة والنار، وعلى دوام نعيم أهل الجنة، ودوام عذاب الكفرة في النار. (^٣)
قال ابن حزم:
"اتفقت فِرق الأمة كلُّها على أنّه لا فَناءَ للجنة ولا لنعيمها، ولا للنار ولا لِعذابها، إلا الجهمَ بنَ صَفوانَ، وأبا الهذيل العلّافَ، وقومًا من الروافض". (^٤)
وممن نقل هذا الإجماع:
الإمامان الحافظان الرازيَّان أبو حاتم وأبو زرعة كما في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (١/ ١٩٩)، ومرعي بن يوسف الحنبلي في رسالته " توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين" (ص/٦٤)، وصدِّيق حسن خان في " يقظة أولي الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار " (ص/١١٧)
** مسألة فناء نار الكافرين:
قد نُسبت هذه المقالة لعدد من الصحابة -﵃-، ومنهم:
عمر وابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ أجمعين، وهنا
_________________
(١) رواه البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٥٠٨٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٨٥).
(٣) أصول الدين (ص/٢٣٨)
(٤) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ١٤٥).
[ ١ / ٢١٢ ]
أمران:
١ - الأول:
أنه لم يصحَّ ذلك عن أحد من الصحابة -﵃- من ذلك شيء. (^١)
الثاني:
ما روي في ذلك واحتمل سنده الصحة، مثل ما ذكره ابن القيم عن أبي هريرة - ﵁ أنه - قال:
ما أنا بالذي لا أقول أنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد وقرا قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ الآية. (^٢)
فيقال فيه أمور:
١ - الأول:
أن يتم تأويله ليكون موافقًا لما هو محكم من أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة على عدم فناء نار الكافرين، فيؤول كما قال عبيد الله -وهو أحد رواة أثر أبي هريرة السابق -:
" كان أصحابنا يقولون يعني به الموحدين"، فحمل هذا الأثر على الطبقة الي فيها عصاة المسلمين متعيّن؛ وذلك لأنه به يحصل الجمع بين الأدلة.
ونص على مثل صاحب الزواجر، وذكر توجيه الكلام على التنزل بصحة سنده، فقال:
" لم يصح عن الصحابة -﵃- من ذلك شيء، وعلى التنزل فمعنى كلامهم كما قاله العلماء ليس فيها أحد من عصاة المؤمنين، أما مواضع الكفار فهي ممتلئة بهم، لا يخرجون عنها أبدًا، كما ذكره الله -تعالى- في آيات كثيرة ". (^٣)
ونص على مثل هذا التوجيه الخازن في تفسيره، وزاد عليه قائلًا:
"وهذا إن صح عن ابن مسعود وأبي هريرة﵃- فمحمول عند أهل السنة على إخلاء أماكن المؤمنين الذين استحقوا النار بعد إخراجهم منها، لأنه ثبت بالدليل الصحيح القاطع إخراج جميع الموحدين وخلود الكفار فيها، أو يكون محمولًا على إخراج الكفار من حر
_________________
(١) وقد ذكرَ طرفًا من ذلك تقيُّ الدين السبكي في رسالته [الاعتبار ببقاء الجنة والنار]، ثم ردَّ عليها، وبيَّن ضعف الآثار الواردة عن الصحابة -﵃- في هذا الباب. *وممن صنَّف في ذلك: سليمان بن ناصر العلوان في رسالة "تنبيه المحتار على عدم صحة القول بفناء النار عن الصحابة الأخيار"، فقد أتى على كل الأثار التي نُسبت للصحابة -﵃وبيّن ضعفها.
(٢) وانظر حادي الأرواح (ص/٣٥٩) والدر المنثور (٤/ ٤٧٨)
(٣) وانظر "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (١/ ٣٧)
[ ١ / ٢١٣ ]
النار إلى برد الزمهرير ليزدادوا عذابًا فوق عذابهم، والله أعلم. (^١)
٢ - الوجه الثاني:
إن أبي المخالف إلا أن يحمل ما هذا الأثر على فناء النار، فإنه يقال: هذا قول صحابي، وقول الصحابي إذا خالف القرآن أو خالف السنة لا يقبل، بل نقل ابن عقيل الإجماع على أن قول الصحابي على صحابي مثله ليس بحجة، فكيف إذا خالف القرآن والسنة وإجماع الأمة؟!!
* تنبيه مهم:
قد نُسب لشيخ الإسلام ابن تيمية ولتلميذه ابن القيّم القولُ بفناء نار الكافرين. (^٢)
قال الشيخ مقبل الوادعي:
"ورَدِّي على الإمام الشَّوكاني لا يُنقص مِن قَدْره، وليس هو أوّلَ واحدٍ أخطأ، فذَلِكُمْ شيخُ الإسلام ابنُ تيمية، وتلميذُه ابنُ القيّم زَلّتْ أقدامُهما في القول بفناء النار، وقد ردَّ عليهما الصَّنعانيُّ في كتاب " رفع الأستار في الرد على القائلين بفناء النار "!! (^٣)
*نقول أولًا: أما نسبة هذا القول إلى شيخ الإسلام ابن تيمية فهي باطلة؛ وذلك لأمورٍ:
١ - الأول:
أن شيخ الإسلام -﵀- قد سئل عن حديث أنس بن مالك عن النبي -ﷺ-، أنه قال: «سبعة لا تموت ولا تفنى ولا تذوق الفناء: النار وسكانها واللوح والقلم والكرسي والعرش»، أهذا الحديثُ صحيح أم لا؟
فأجاب:
"هذا الخبر بهذا اللفظ ليس من كلام النبي -ﷺ-، وإنما هو من كلام بعض العلماء، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتُها وسائرُ أهل السنة والجماعة على أنّ من المخلوقات ما لا يعدم ولا يَفنى بالكُلّيّة، كالجنة والنار والعرش، وغير ذلك". (^٤)
_________________
(١) وانظر" لباب التأويل في معاني التنزيل " (٢/ ٥٠٤) ونص على مثله البغوي في تفسيره (٢/ ٤٠٣)
(٢) وممن نسب ذلك لشيخ الإسلام ابن تيمية ولتلميذه ابن القيّم السفَّاريني في لوامع الأنوارالبهية (٢/ ٢٣٥) والصنعاني في رسالة سمَّاها" رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار".
(٣) انظر مقدمة [تحفة الشاب الربّاني في الرد على الشوكاني] (ص/١١)، وهي رد على كتاب الشوكاني [بلوغ المُنَى في حُكم الاستمناء].
(٤) مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٠٧)، وقد نص على مثله في "نقض التأسيس" (١/ ٥٨١)، وانظر "توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين" (ص/٣٥)
[ ١ / ٢١٤ ]
٢ - الثاني:
أن شيخ الإسلام قد ذكرَ قول الجهم بن صفوان إنّ الجنة والنار تَفنيانِ ويَفنَى أهلُهما، فقال معقِّبًا: "وقال أهل الإسلام جميعًا: ليس للجنة والنار آخِرٌ، وإنهما لا تزالان باقيتينِ، وكذلك أهل الجنة لا يزالون في الجنة يتنعَّمون، وأهل النار في النار يُعذَّبون، ليس لذلك آخِرٌ". (^١)
*ويقول رحمه اللهوهو يقرر شذوذ هذا القول:
" يقول هؤلاء: لا نسلم أن ما كان وعدم أو ما سيكون، إذا قدّر أن بعضه أقل من بعض يجب أن يكون متناهيًا، والمؤمنون بأن نعيم الجنة دائم لا ينقضي من المسلمين وأهل الكتاب يسلّمون ذلك، ولم ينازع فيه من أهل الكلام إلا الجهم ومن وافقه على فناء النعيم، وأبو الهذيل القائل بفناء الحركات، وهما قولان شاذان قد اتفق السلف والأئمة وجماهير المسلمين على تضليل القائلين بهما، ومن أعظم ما أنكروه السلف والأئمة على الجهمية: قولهم بفناء الجنة. (^٢)
٣ - الأمر الثالث:
أن شيخ الإسلام ابن تيمية لمّا ذكرَ طرفًا ممّا سيكون يوم القيامة من قبض الأرض وطيّ السماوات، قال:
" ثمَّ أخبرَ ببقاء الجنة والنار بقاءً مُطلَقًا ". (^٣)
ويقول ﵀:
وكذلك لم يقل أحد من سلف الأمة وأئمتها، أن السماوات والأرض لم تخلقا من مادة، بل المتواتر عنهم أنهما خلقتا من مادة وفي مدة، كما دل عليه القرآن، قال الله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢]
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ
_________________
(١) دَرْء تعارُض العقل والنقل (٢/ ٥٠٣).
(٢) المصدر السابق (٢/ ٥٠٢)
(٣) بيان تلبيس الجهمية (١/ ١٥٧).
[ ١ / ٢١٥ ]
عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
وهذا الذي يذكره كثير من أهل الكلام، الجهمية ونحوهم في الابتداء، نظير ما يذكرونه في الانتهاء، من أنه تفنى أجسام العالم حتى الجنة والنار، أو الحركات، أو ينكرون وجود النفس، وأن لها نعيمًا وعذابًا، ويقولون: إن ذلك إنما هو للبدن بلا نفس، ويزعمون أن الروح عرَض من أعراض البدن، ونحو ذلك من المقالات التي خالفوا فيها الكتاب والسنة، إذ كانوا فيها هم والفلاسفة على طرفي نقيض، وهذا الذي ابتدعه المتكلمون باطل باتفاق سلف الأمة وأئمتها. (^١)
* ومما يُثبت أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية لا يقول بفناء نار الكافرين:
أنّ النصوص التي يستدل بها القائلون إنّ أبا العباس ابنَ تيمية يرى فناء النار- هي نصوصٌ مجملة، غير صريحة في ذلك،
أمّا النصوص التي يستدل بها القائلون إنه يرى أبدية النار- فهي صريحة في أنه يرى أبديّتها.
ومن القواعد المقرّرة عند أهل العلم أن "المجمل مِمّا في نصوص الكتاب والسنة يُرَدُّ إلى المُحْكَم"، فلا يَتعلق بالمتشابِه والمُجمل ويَتركُ المُحْكَمَ والمُبينَ إلا أهلُ الزَّيغ والضلال.
* ومما يؤيِّد ذلك:
أن ابن حزم لما ذكر في كتابه " مراتب الإجماع " هذه المسألة فقال:
"وأن النار حقٌّ، وأنها دار عذاب أبدًا، لا تفنى، ولا يفنى أهلها أبدًا بلا نهاية"، فإن شيخ الإسلام لم يتعقَّب هذا الإجماع كما تعقَّب غيرها من المسائل في نقده لهذه المراتب. (^٢)
*ثم يقال:
لو تنزلنا مع الخصم - تجوّزًا - وسلّمنا بصحة نسبة هذا القول لشيخ الإسلام -ولم يُنقل عنه نصٌّ صريحٌ على ذلك- فإنّ غاية ما فيه:
أن يكون رأيًا رآه في أول حياته، ثم تبيَّن له خلافُه؛ وذلك جَمْعًا بين ما ثبتَ عنه من نقل الاتفاق على عدم فناء النار، وما يُنسب له من القول بفنائها،
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ١٥٢)
(٢) انظر مراتب الإجماع (ص/٣٤٣) و"توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين" (ص/٣٥)
[ ١ / ٢١٦ ]
ولا يمكن أن يَنقل الاتفاق على ذلك ثم يقولَ بخلافه! وقد قال شيخ الإسلام بحياة الخَضِر -﵇-، ثم تبيَّن له الصوابُ في خلافه. (^١)
أما نسبة هذا القول -الذي هو فناء نار الكافرين- إلى ابن القيم:
فالذي يَظهر -بعد البحث في هذه المسألة- أنّ ابن القيم له في مسألة فناء النار ثلاثة أقوال:
*القول الأول:
ذكر فيه الخلاف في مسألة القول بفناء النار، ونقلَ جملة من الآثار عن الصحابة -﵃- في ذلك، ومال إلى تصحيحها، كما نَفَى دلالة القرآن على عدم فناء نار الكافرين، فقال:
"فأينَ في القرآن دليلٌ واحدٌ يدل على بقاء النار وعدم فنائها؟ نعم، الذي دل عليه القرآن:
أنّ الكفار خالدون في النار أبدًا، وأنهم غيرُ خارجينَ منها، وأنه لا يُفَتَّرُ عنهم عذابُها،
وأنهم لا يموتون فيها؛ وهذا كلُّه مِمّا لا نزاع فيه بين الصحابة -﵃- والتابعين
وأئمة المسلمين، وليس هذا مَوْرِدَ النزاع، وإنما النزاعُ في أمرٍ آخرَ، وهو أنّه هل النار أبَديّة، أو مما كتب الله عليه الفناءَ؟
وأمّا كونُ الكفار لا يخرجون منها، ولا يفتَّر عنهم من عذابها، ولا يُقضى عليهم فيموتوا،
ولا يدخلون الجنة حتى يَلِجَ الجملُ في سَمِّ الخِياط، فلم يختلف في ذلك الصحابة ولا التابعون ولا أهل السنة، وإنما خالف في ذلك مَن قد حَكَيْنا أقوالهم من اليهود والاتّحادية، وبعض
أهل البدع". (^٢)
*القول الثاني:
وقد ذكر فيه التوقُّف في هذه المسألة، فقال:
"إنْ قيل: إلى أين انتهى قدمك في هذه المسألة العظيمة؟ قيل: إلى قوله -تعالى-:
﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:
_________________
(١) قد قال شيخ الإسلام بحياة الخَضِر -﵇- وأنه اجتمع بالنبي -ﷺ- [مجموع الفتاوى (٤/ ٣٣٩)]، ثم لمّا تبيَّن له أن الصواب في خلافه قال: "والصواب الذي عليه المحقِّقون: أنه ميتٌ، وأنه لم يدرك الإسلامَ، ولو كان موجودًا في زمن النبي -﵌- لَوجبَ عليه أن يؤمنَ به، ويجاهدَ معه". [مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٠٠)]
(٢) حادي الأرواح (ص/٣٦٣). وتلاحظ هنا أنّ ابن القيم يفرِّق -لِرأيٍ رآهُ- بينَ مسألة خلود الكفار في النار، والقول بفناء النار.
[ ١ / ٢١٧ ]
١٠٧]، وإلى هُنا انتهى قدم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب -﵁-". (^١)
*القول الثالث:
وهو القول بما أجمع عليه أهل السنة، وهو دوام نار الكافرين، فقال فى كتابه [الوابل الصَّيِّب] -وهو من أواخر ما ألّفَ:
"ولمّا كان الناس على ثلاث طبقاتٍ: طيِّبٌ لا يَشِينُهُ خبثٌ، وخَبيثٌ لا طيبَ فيه، وآخَرونَ فيهم خبثٌ وطيبٌ- كانت دُورُهم ثلاثًا:
دار الطيب المَحْضِ، ودار الخبيث المحض، وهاتان الداران لا تَفنيانِ، ودارٌ لِمَنْ معه خبثٌ وطيبٌ، وهي الدار التي لا تفنى، وهي دار العصاة، فإنه لا يبقى في جهنّمَ مِن عُصاة الموحِّدينَ أحدٌ، فإنّهم إذا عُذِّبوا بقدر جزائهم أُخْرِجوا من النار فأُدْخِلُوا الجنةَ، ولا يبقى إلا دارُ الطيب المحض، ودارُ الخبث المحض". (^٢)
وقال في كتابه "طريق الهجرتينِ ":
"فاقتضتْ حكمتُه -سبحانه- أنْ خلقَ دارًا لِطالِبي رِضاهُ، العاملينَ بطاعته، المُؤْثِرِينَ لِأَمْره، القائمينَ بمَحابِّه، وهي الجنة، وجعلَها محلَّ كلِّ طيِّبٍ من الذوات والصفات والأقوال، وخلقَ دارًا أخرى لِطالبي أسبابِ غَضَبه وسَخَطه، المُؤْثِرينَ لأغراضهم وحُظوظهم على مَرْضاته، العاملينَ بأنواع مخالَفته، القائمينَ بما يَكره من الأعمال والأقوال، وهي جهنّمُ، وأودَعَها كلَّ شيء مكروهٍ، وجعلَ الشر بحَذافيره فيها، وجعلَها محلَّ كل خبيث من الذوات والصفات والأقوال والأعمال، فهاتان الداران هما دارا القَرار". (^٣)
*وقال في النونية وهو يسرد عقيدة جهم:
وقضى بأنّ النَّار لَم تُخْلَقْ وَلا جنّاتُ عدْنٍ بلْ هُمَا عَدَمَانِ
فإذا هُمَا خُلِقَا ليومِ معادِنَا فهُما عَلى الأوقاتِ فانِيَتانِ. (^٤)
* نقول:
ولقد غلَّبَ بعضُ الباحثينَ الظنَّ أنّ ما قاله ابن القيم في [الوابل الصيِّب]
_________________
(١) المصدر السابق (ص/٣٨٧).
(٢) الوابل الصيِّب (ص/٢٠)
(٣) طريق الهجرتين (ص/١٦١)
(٤) الكافية الشافية بشرح الهرَّاس (١/ ٣٩)
[ ١ / ٢١٨ ]
و[طريق الهجرتينِ] -وهو الذي يوافق فيه جماهيرَ أهل السنة مِن عدم فناء نار الكافرين، وهو الناسخُ لِما ذكرَه في [حادي الأرواح] و[شفاء العَليل]. (^١)
*يدل عليه:
أن كتابه "الوابل الصيّب"، والذي يقرر فيه القول بعدم فناء نار الكافرين، قد صنَّفه عندما كان مسجونًا مع شيخه أبي العباس ابن تيمية، وذلك قبل بوفاة ابن القيم بفترة قليلة، وعليه يقال أن كل كلام له في هذه المسألة جاء مجملًا فهو مردود إلى ما ذكره في "الوابل الصيّب"، فيكون كلامه هذا المتأخر-ولو على أقل احتمال- ناسخًا لما ذكره في كتبه المتقدمة.
* والخلاصة هذا المبحث:
أن القول بعدم فناء النار هو أقرب الأقوال لمذهب ابن القيم؛ وذلك لأنه مِن آخرِ ما كَتَبَ،
والمقرَّر عند أهل العلم:
" أنّ العالِم إذا كان له قولان لم يتبين المتأخِّر منهما، فإنّه يرجَّحُ منهما ما كان موافقًا لمذهب السلف، وقد قُرِّرَ أنّ مذهبَهم: عدمُ فناء النار -أعاذنا الله منها وجميعَ المسلمينَ! -.
* ثم نقول:
أمّا الآثارُ التي استدل بها من يقول بفناء النار، فإنّ الصنعانيّ -في كتابه [رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار] - ومحقِّقَه العلّامة الألبانيّ قد بيَّنا أنها آثارٌ لا تصحُّ، والصحيح منها غير صريح؛ فكيف يخالَفُ بها الإجماعُ المنقول عن سلف الأمة وأئمتها؟!
ثم نقول:
ومما يؤيد أن ابن تيمية وابن القيم لم يقولا بفناء النار:
أنه لم يَنقل أحدٌ من تلامذتهما عنهما هذا القولَ، وتلاميذهما علماءُ محقِّقونَ، وهم كُثْرٌ، أمثال الذهبي، وابن رجب، وابن كثير، والمزّيّ، وابن مُفلح.
_________________
(١) وقد أيَّد هذا الاستنتاجَ ببعض الحُجَج الدكتور عليُّ بن علي جابر الحربي اليماني المدرس بجامعة أمّ القرى في جزء سمَّاه [كشف الأستار لإبطال ادّعاء فناء النار]، وهي رسالة في تبرئة أبي العباس ابن تيمية وتلميذِه ابن القيم مِن القول بفناء النار.
[ ١ / ٢١٩ ]
* وهنا تنبيه:
أنه لم يحصل إجماع على تخطئة القول بفناء نار الكافرين وعَدِّه من البدع -كما زعم بعضُهم، فالمسألة خلافية، وإن كان الجمهور لا يرَوْن القول بذلك، لكنه لم يتمَّ إجماعٌ على إنكاره، وإنما هو من المسائل الخلافية التي لا يُبتدع فيها.
فالقول بفناء النار وَحْدَها - وإنْ كان مخالفًا للصواب ومجانِبًا للحق ولكنّ وصْفُه بالبدعة فضلًا عن وصفه بالكفر محلُّ نظرٍ؛ لاعتماد القائلين به على اجتهادٍ في فَهْم بعض النصوص الشرعية وآثارٍ تُروَى عن السلف في ذلك.
* عَودٌ إلى حديث الباب:
قوله -ﷺ-: «أدخلَه اللهُ الجنةَ على ما كان من عملٍ»:
قوله: «على ما كان من العمل» يحتمل أمرينِ:
أ) الأول:
أن يدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، على حَسَبِ أعمال كلِّ واحد منهم تكون الدرجات (^١)، كما قال -تعالى-: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩].
ب) الثاني:
يعني أنّ: مآل العبد هو الجنة ما دام آتيًا بهذه الشهادات الخَمْس مَهْما وقع في ذنوب، وإنْ أصابه قَبْلَ ذلك ما أصابه.
قال القرطبيّ:
"قوله «على ما كان من عمل» أيْ: يُدخله الجنَّة -ولا بُدَّ- سواءٌ كان عمله صالحًا أو سيئًا، وذلك بأن يغفر له السيّئَ بسبب هذه الأقوال، أو يُربيَ ثوابَها على ذلك العملِ السيئِ، وكلُّ ذلك يحصل إن شاء الله -تعالى- لِمن مات على تلك الأقوال، إمّا مع السلامة المطلَقة، وإمّا بَعْدَ المؤاخَذةِ بالكبائر". اهـ (^٢)
في قَوْلِهِ -ﷺ- «أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ على ما كانَ منَ الْعَمَلِ»:
فيه ردٌّ على الخوارج والمعتزلة الذين يكفِّرون صاحب الكبيرة، ويخلِّدونه في النار إنْ مات مُصِرًّا عليها،
_________________
(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري (٦/ ٤٧٥).
(٢) الكوكب الوَهّاج شرح صحيح مسلم بن الحَجّاج (٢/ ٢٦١).
[ ١ / ٢٢٠ ]
الرد على الفرق المخالفة في حديث الباب
وكذلك فيه ردٌّ على الجهمية وغُلاة المرجئة القائلين: إنه لا يضر مع الإيمان ذنبٌ.
فالحديث يمثل وسطية أهل السنة والجماعة بين هاتينِ الطائفتينِ.
وبيان ذلك: أنّ حديث الباب ردّ على المعتزلة في مقامينِ:
أحدهما: أنّ العصاة من أهل القِبْلة لا يخلَّدون في النار؛ لِعُموم قوله -ﷺ-: «مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ».
الثاني: أنّ الله -تعالى- قد يعفو عن السيئات قَبْلَ التوبة واستيفاءِ العقوبة؛ فإنّ قولَه: «عَلَى ما كانَ مِنَ الْعَمَلِ» حالٌ مِن الهاء في قولِه: «أَدخلَهُ الجنةَ». (^١)
** وأمّا المرجئة:
فكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: إنه مِن العُمومات التي يحتجُّ بها المرجئة: قولُه «مَن شَهِدَ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، وأنّ عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ، ورُوحٌ منه- أدخلَهُ اللهُ الجَنّةَ»، ونحوُ ذلك من النصوص. (^٢)
** ولكنّ حديث الباب فيه ردٌّ عليهم:
حيث ورد في معنى قوله -ﷺ- «أدخلَهُ اللهُ الجَنّةَ على ما كانَ مِنَ الْعَمَلِ»: أنّ المرء قد يؤاخَذُ على ذنوبه التي مات مصرًّا عليها، ثم يكونُ مآلُه إلى الجنة.
قَالَ البقاعي:
" (لا إلَهَ إلَّا اللهُ) أَي: انْتَفَى انْتِفَاءً عَظِيمًا أَنْ يكونَ معبودًا بِحَقٍّ غيرُ الْمَلِكِ الْأَعْظَمِ، فَإِنّ هَذَا الْعِلمَ هُوَ أعظمُ الذِّكْرَى المُنجيةِ من أهوال السَّاعَة، وَإِنَّمَا يكونُ عِلمًا إِذا كَانَ نَافِعًا، وَإِنَّمَا يكونُ نَافِعًا إِذا كَانَ مَعَ الْإِذعانِ وَالْعَمَلِ بِمَا تَقْتَضِيهِ، وَإلّا فَهُوَ جهلٌ صِرْفٌ". (^٣)
-- قال الشيخ العلامة حمد بن محمد بن عتيق -﵀- معلقًا على قوله -ﷺ- «مَنْ شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ»:
"أيْ: مَن شهد أنْ لا معبودَ بحقٍّ إلا اللهُ، وقامَ بوظائف هذه الكلمة من إخلاص
_________________
(١) فيض القدير شرح الجامع الصغير (٦/ ١٥٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٦١٣، ٦١٤).
(٣) فتح الْمَجِيد (ص/ ٣٨)، وتيسير الْعَزِيز الحميد (ص/ ٥٦).
[ ١ / ٢٢١ ]
العبادة بجميع أنواعها لله، وتبرَّأَ مِن كل المعبودات سِواهُ، سواءٌ كان ذلك المعبودُ نبيًّا أو غيرَه، وأنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، الصادقُ المصدوقُ، أفضلُ الرسلِ، فهو عبدُ اللهِ ورسولُه، أوجبَ اللهُ -تعالى- على الخلْق طاعتَه، ونهى عن عبادته، وأمرَ بإخلاص العبادة لله بجميع أنواعها، كما قال: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وليس المُرادُ أنّ الإنسان إذا شهِد بهذا من غيرِ عملٍ بمقتضاه يحصل له دخولُ الجنة، بل المراد به: الشهادة لله بالتوحيد، والعمل بما تقتضيه شهادةُ أنْ لا إله إلا الله من الإخلاص، وما تقتضيه شهادة أنّ محمدًا عبده ورسوله من الإيمان به، وتصديقه، واتّباعه". (^١)
وعليه، إنما تقوم الشهادتانِ على أركانٍ ثلاثة:
العلم، والعمل، والصدق.
بالعلم يباين طريقة النصارى، وبالعمل يباين طريقة اليهود، وبالصدق يباين طريقة المنافقين.
فهذه الطوائف الثلاث هي شر الطوائف على وجه الأرض، اليهود والنصارى والمنافقون.
بالعلم يُباين طريقة النصارى، وبالعمل يباين طريقة اليهود، وبالصدق يباين طريقة المنافقين. (^٢)
تمَّ بحمد الله
_________________
(١) إبطال التنديد باختصار كتاب التوحيد (ص ٢١)، والموسوعة العقدية (٤/ ٤٧٩).
(٢) شرح كتاب التوحيد للحازميّ (دروس صوتية - الدرس السابع والتسعون).
[ ١ / ٢٢٢ ]