[ ١ / ٢٩١ ]
**نص الحديث **
عن عَائِشَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍرضي الله عنهم- قَالَا:
" لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ - طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا ". (^١)
لا شك أن المستقرأ لأصول هذا الشرع الحنيف يقف على حقيقة مهمة ألا وهي أن نصوص الكتاب والسنة قد عنت عناية كبيرة بمسائل التوحيد، فكانت في ذلك جامعة مانعة؛ جامعة للأصول التى تحقق للمرء اكتمال البناء العقدي التوحيدي، ومانعة من كل الذرائع التي توقعه في حبائل الشرك.
* وهذا مثال فقط للتدليل على صدق ذلك:
عن ثَابِت بْن الضَّحَّاكِ - ﵁- قَالَ: جاء رَجُلٌ إلى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَقَال النَّبِىُّ -ﷺ -:
«هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟، قَالُوا: لَا، قَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ النبيُّ -ﷺ -: أَوْفِ بِنَذْرِكَ. (^٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٣٥) باب بَابُ الصَّلَاةِ فِي البِيعَةِ، ومسلم (٥٣١) باب النهي عن بناء المساجد على القبور.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٣٠٥)، قال ابن تيمية: أصل هذا الحديث فى الصحيحين، وهذا الإِسناد على شرط الصحيحين وإسناده كلهم ثقات مشاهير. وقال ابن الملقن في البدر المنير: كل رجاله أئمة، مجمع على عدالتهم. ونص الحديث من غير هذه القصة قد رواه مسلم (١٦٤١)
[ ١ / ٢٩٣ ]
فتأمل:
قد سأل النبي - ﷺ- عن أمرين: عن الشرك، ووسائله.
فسؤاله عن الشرك في قوله: هل كان فيها وثن؟، وسؤاله عن وسائله في قوله:
هل كان فيها عيد من أعيادهم؟. (^١)
فقوله ﷺ: (فأوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله)
دل على أن مشابهة المشركين في أفعالهم، ولو ظاهرًا إنما هو معصية لله عزوجل، وعندها لايغنى عن المرء صدق نيته، بل لا بد أن يقرن بصدق النية حسن العمل.
ومن هذا الباب فقد سد الشرع الباب على أناس يغالون في الصالحين ويرفعونهم فوق مكانتهم، لئلا يقع منهم شرك في المحبة والدعاء.
وقد وقع المحظور حتي تعلَّقت القلوب بالقبور، وتوجهوا إليها بما لا يُتوجه به إلا لله عزوجل، واعتقدوا فيها ما لا يُعتقد إلا في الله عزوجل.
*وهذا فيه عدة مسائل: المسألة الأولى: كيف بدأ شرك القبور؟؟
عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: ذَكَرَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ وَأُمُّ سَلَمَةَ - ﵄ - لِلنَّبِيِّ - ﷺ - كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَقَالَ:
" إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (^٢)
*فمن هنا جاءت بداية تزيين الشيطان لعبادة وتعظيم الصالحين والتعلق بالقبور.
فكانوا إذا مات منهم الرجل الصالح جاء الشيطان لقومه فأوحى إليهم:
أن اصنعوا له صورة؛ حتي اذا ما رأيتم صورته ذكرتم عبادته وصلاحه وتقواه؛
فيكون هذا حافزًا لكم علي ان تقتضوا بفعله وهديه.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ:
صَارَتْ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ
_________________
(١) القول المفيد شرح كتاب التوحيد (١/ ٢٣٦)
(٢) متفق عليه.
[ ١ / ٢٩٤ ]
بَعْدُ، أَمَّا وَدٌّ فَكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ فَكَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عِنْدَ سَبَإٍ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ، لِآلِ ذِي الْكَلَاعِ، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا، أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ:
أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا، وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ. (^١)
فمن هنا جاءت بداية عبادة القبور ونشأة القبورية، حيث أن الشيطان قد استدرج الناس بحيله ومَكره إلى الشرك بعبادة القبور، وذلك حين قال لهم:
هل لكم أن أصورهم لكم إذا نظرتم إليهم - ذكرتموهم فيذهب حزنكم وتنشطون في العبادة، فقلوا: نعم، فصورهم لهم.
ثم لما تقدَّم الزمن وانقرض الآباء والأبناء وأبناء الأبناء ونُسِي العلمُ، جاء الشيطان في صورة الإنسان وقال لمن بعدهم:
إن من كان قبلكم من سلفكم كانوا يعبدونهم؛ فعبدوهم، ثم صارت سنة في العرب في الجاهلية.
وبذلك فقد صار قوم نوح -﵇- أول فرقة مشركة قبورية وثنية - ظهرت على وجه الأرض في تاريخ البشرية.
وكما نص الحافظ ابن كثير أن أصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها.
* فعبادة القبور هي أصل شرك العالم، وأن المشركين القبوريين قد ظهروا في عهد نوح -﵇ - بسبب عبادة هؤلاء الأولياء الخمسة، وعكوف القبورية في ذلك العهد على قبورهم، وبذلك وجدت القبورية على الأرض، ثم تطورت القبورية حتى انتشرت في العرب وغيرهم. (^٢)
وقد أورد ابن حجرعن السهيلي أن يغوث هو ابن شيث بن آدم فيما نقل،
_________________
(١) رواه البخاري (٤٩٢٠) في كتاب التفسير، بَابُ ﴿وَدًّا وَلَا سُواعًا، وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ [نوح: ٢٣]
(٢) جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية (١/ ٤٠٧)
[ ١ / ٢٩٥ ]
وكذلك سواع وما بعده، وكانوا يتبركون بدعائهم، فلما مات منهم أحد مثلوا صورته فتمسحوا بها إلى زمن مهلائيل فعبدوا بتدريج الشيطان لهم. (^١)
-- وهكذا حاد الشيطان بالناس عن صراط الله المستقيم إلى طريقه السقيم.
عن عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍرضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ - خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ:
(إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ، مِمَّا عَلَّمَنِي فِي يَوْمِي هَذَا:
، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَأَضَلَّتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ). (^٢)
*وعن ابن عباس - ﵄- قال في تفسير قوله الله ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة﴾
[البقرة: من الآية ٢١٣]: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام" (^٣)
-- ومما سبق نخلص بقضية مهمة:
" "أن أول شرك وقع في الأرض إنما كان سببه تعظيم الصالحين والغلو فيهم ".
فالمبالغة في مدح الصالحين قد أدت بكثير منهم في آخر الأمر إلى الوقوع في شرك الربوبية ومن ثَم شرك الألوهية وشرك الأسماء والصفات:
أ) شرك الربوبية:
وذلك باعتقاد أن بعض الأولياء يتصرفون في الكون، وأنهم يسمعون كلام من دعاهم ولو من بعد، وأنهم يجيبون دعاءه، وأنهم ينفعون ويضرون، وأنهم يعلمون الغيب.
ب) شرك الألوهية:
فترتب على وقوعوهم في شرك الربوبية قيامهم بدعاء الأموات من دون الله، والإستغاثة بهم، وهذا والعياذ بالله من أعظم الشرك.
ج) شرك الأسماء والصفات:
قال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى (٢٠) ﴿فسمَّوا "اللات" من "الإله " المستحق للعبادة، و"العزّى" من "العزيز" و"مناة"
_________________
(١) فتح الباري (٨/ ٦٦٨)
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٦٥)
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٢/ ٣٣٤)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٤٢)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٢٩٦ ]
من "المنان" إلحادًا في أسماء الله وتجريًا على الشرك به. (^١)
لذا فقد حذَّر النبي -ﷺ- من الغلو في مدحه، فقال: «لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ». (^٢)
ولما قال رجل لرسول الله - ﷺ- " ما شاء اللُه وشئتَ "، عقَّب عليه، وقال: «أجعلتني لله ندًا بل ما شاء الله وحده» (^٣)
وإذا كان هذا في حقه ﷺ، فغيره من البشر أولى. (^٤)
وصدق شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال:
"والنفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، فلأن يُشرَك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه، أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجرعلى تمثاله. (^٥)
* وتأمل في فعل صحابة النبى - ﷺ - في سد الذرائع الموصلة إلى شرك الغلو في الصالحين:
لما فتح الصحابة -﵃- مدينة تستر وجدوا جسد النبي دانيال -﵇- الذى قُدّر أنه مات قبل ثلاثمائة سنة من البعثة النبوية تقريبًا، وجدوه وما تغير منه شئ، فحفروا بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلما كان الليل دفنوه، وقاموا بتسوية القبور كلها، لتعمية قبره على الناس؛ فقد رأوا أنَّ السماء كانت إذا حبست عن الناس أبرزوا السرير فيمطرون، فأراد الصحابة -﵃- غلق هذا الباب من الفتنة. (^٦)
قال ابن القيم﵀- تعقيبًا على ذلك:
ففى هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به الناس، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به،
_________________
(١) جامع البيان في تأويل القرآن (٢٢/ ٥٢٢) وتيسير الكريم الرحمن (ص/٨١٩)
(٢) رواه البخاري (٣٤٤٥)
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص/١١٦) وحسنه الألباني في الصحيحة (١/ ٥٦ - ٥٧)
(٤) الدرر السنية (٣/ ٢٤٧)
(٥) اقتضاء الصراط المستقيم (ص/١٩٢)
(٦) قال صاحب كتاب التوضيح الرشيد في شرح التوحيد " وهو أثر صحيح. أورده الربعي -﵀ - في كتاب فضائل الشام، انظر تخريج كتاب فضائل الشام (ص ٥١)، وصححه الشيخ الألباني ﵀ في أشرطة فتاوى سلسلة الهدى والنور (ش/ ٣٠٤).
[ ١ / ٢٩٧ ]
ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف، ولعبدوه من دون الله، فهم قد اتخذوا من القبور أوثانًا من لا يداني هذا ولا يقاربه، وأقاموا لها سدنة، وجعلوها معابد أعظم من المساجد. (^١)
المسألة الثانية: وعلى درب السابقين سار اللاحقون:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:
لَتَتَّبِعُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بَاعًا بِبَاعٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَشِبْرًا بِشِبْرٍ، حَتَّى لَو أَنَّ أَحَدَهُمْ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ. (^٢)
وصدق النبى - ﷺ - فيما حدَّث ووقع ما به تنبأ، فقد سار على درب اليهود والنصارى فئام من المسلمين فاتخَذوا قبور الصالحين مساجد، فهذه كانت
سنة اليهود والنصارى؛ فعن ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَال:
لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ:
" لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ". (^٣)
فظهرت جملة من البدع والشركيات من النذروالذبح للمقبور والطواف حول القبر، ودعاء الموتى وطلب الشفاعة منهم والتوسل بهم.
والذي تسبب في كل ذلك ليس إلا الغلو في تعظيم الصالحين، فكهذا فعل الغلو في أهله.
* قال ابْنُ عَبَّاسٍرضي الله عنهما- قَالَ لى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - غَدَاةَ الْعَقَبَةِ،
"هَاتِ الْقُطْ لي حَصَيَاتٍ هِيَ حَصَا الْخَذْفِ "، فَلَمَّا وُضِعْنَ فِي يَدِهِ، قَالَ:
"بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ". (^٤)
_________________
(١) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ٢٠٤)
(٢) متفق عليه.
(٣) متفق عليه.
(٤) أخرجه مالك مرسلًا (٤١٤)، وقال ابن عبد البر: " هذا الحديث صحيح عند من قال بمراسيل الثقات، وعند من قال بالمسند لإسناد عمر بن محمد له وهو ممن تقبل زيادته " (التمهيد (٥/ ٤١» ورواه أحمد (٧٣٥٢) وابن حبان (٣٨٧١)، وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية فى "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص/ ٢٨٨) وقال: هدا إسناد صحيح على شرط مسلم، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. وصححه الألباني في حجة النبي (ص/٨٠)
[ ١ / ٢٩٨ ]
تأمل:
يحذِّر النبيﷺ - أمته من الغلو في الدين، ولو كان الأمر في بضع حصيات، فكيف بالغلو المؤدي إلى الشركيات؟؟!!!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقوله: «إياكم والغلو في الدين» عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، والغلو: مجاوزة الحد، بأن يزاد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق ونحو
ذلك. ا. هـ (^١)
* وهل سلك اليهود طريق الكفر إلا من باب الغلو في الأحبار والرهبان، قال تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]
* وهل سلك النصارى طريق الكفر إلا من باب الغلو في المسيح ﵇، قال الله ﷿ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١].
* لذا فقد أغلق الشرع كل السبل وسد كل الذرائع الموصلة إلى الغلو في الصالحين،
فنهى عن اتخاذ القبور مساجد، ونهى عن الصلاة عند القبور، وعن تعليتها:
* قال ﷺ قال: "اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" (^٢)
- قال ابن عبدالبر:
وكانت العرب تصلي إلى الأصنام وتعبدها، فخشي رسول اللهﷺ- على أمته أن تصنع كما صنع بعض من مضى من الأمم: كانوا إذا مات لهم نبي عكفوا حول قبره كما يصنع بالصنم، وذلك الشرك الأكبر فكان النبيُّ - ﷺ - يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه، وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم امتثال طرقهم. (^٣)
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص/٢٨٩)
(٢) أخرجه أحمد (٧٣٥٨) وصححه الألباني في فقه السيرة (ص ٥٣) الوثن: الصنم، وهو الصورة من ذهب كان أو من فضة، أو غير ذلك من التمثال، وكل ما يعبد من دون الله فهو وثن، صنما كان أو غير صنم.
(٣) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٥/ ٤٥)
[ ١ / ٢٩٩ ]
صور اتخاذ القبور مساجد
* وعن عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قال:
بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ لَا أدعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ ". (^١)
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
نهى عن بناء المساجد على القبور ولعن من فعل ذلك، ونهى عن تكبير القبور وتشريفها وأمر بتسويتها، ونهى عن الصلاة إليها وعندها، وعن إيقاد المصابيح عليها لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانًا، وحرَّم ذلك على من قصد هذا ومن لم يقصده بل قصد خلافه سدًا للذريعة. (^٢)
- قال الصنعاني:
اتفق الناس، سابقهم ولاحقهم، وأوَّلهم وآخرهم من لدن الصحابة﵃- إلى هذا الوقت: أنَّ رفعَ القبور والبناء عليها بدعةٌ من البدع التي ثبت النهيُ عنها، واشتدَّ وعيدُ رسول الله لفاعلها. (^٣)
المسألة الثالثة: قَوله - ﷺ - في حديث الباب:
" أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ "
قد نهي النبي -صلي الله عليه وسلم - عن اتخاذ القبور مساجد، فما هي صور اتخاذ القبور مساجد؟
الجواب:
إنما يُتخذ القبر مسجدًا بواحدة من هذه الصور:
الصورة الأولى:
١ - أن يأتي المرء إلى الصلاة فيكون القبر بينه وبين القبلة؛ وهذا مما قد ورد النهى عنه؛ فعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
«لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا» (^٤)
والنهى عن الصلاة إلى القبورإنما ورد تحذيرًا للأمة عن التذّرع إلى عبادة الموتى من تعظيم القبور، والظاهر أن النهي يشمل الصلاة في محل فيه قبر، سواء تأخر عن المصلي أو تقدم كالصلاة في القباب والمشاهد والنهي للتحريم. (^٥)
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٣)
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ١٤١)
(٣) تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد (ص/١٠٢)
(٤) أخرجه مسلم (٩٧٢)
(٥) التنوير شرح الجامع الصغير (٥/ ٥٤٨)
[ ١ / ٣٠٠ ]
* ومن ذلك ما ذكرته عائشة -﵂- تعقيبًا على قوله - ﷺ - " لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ "، قَالَتْرضي الله عنها-:
يُحَذِّرُهُمْ مِمَّا صَنَعُوا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا ".
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ومن ذلك الصلاة عندها (القبور)، وإن لم يبن هناك مسجد، فإن ذلك أيضًا اتخاذها مسجدًا، كما قالت عائشة: «ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجدًا».
ولم تقصد عائشة - ﵂ - مجرد بناء مسجد، فإن الصحابة -﵃ - لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وإنما قصدت أنهم خشوا أن الناس يصلون عند قبره،
وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يصلي فيه فإنه يسمى
مسجدًا، وإن لم يكن هناك بناء، كما قال النبي ﷺ:
«جعلتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا» (^١)
- قال القرطبي:
قوله ﷺ "لا تصلوا إلى القبور"؛ أى لا تتخذوها قبلة، وكلّ ذلك لقطع الذريعة أن يعتقد الجهَّال في الصلاة إليها أو عليها الصلاة لها، فيؤدِّي إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام. (^٢)
الصورة الثانية:
أن يأتي شخص إلى قبر فيسجد عليه، عن أبي سعيد الخدري ﵁:
«أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلي عليها. (^٣)
* قال ابن حجر الهيتمي:
«واتخاذ القبر مسجدًا معناه: الصلاة عليه أو إليه» (^٤).
** الصورة الثالثة:
أن يُعْمد إلى قبر لمعظِّم فيُبنى عليه مسجد، كما ورد في قوله - ﷺ - عن النصارى:
" إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص/١٨٩)
(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢/ ٦٢٨) وانظر أحكام المقابر في الشريعة الإسلامية (ص/٣٣٧)
(٣) رواه أبو يعلى (٦٦/ ٢) وصححه الألبانى.
(٤) الزواجر (١/ ١٢١) وانظر تحذيرالساجد للعلامة الألبانى (ص/٢٩)
[ ١ / ٣٠١ ]
مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". (^١)
وقد ترجم البخاري -﵀- لحديث (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا) بقوله: (باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور)؛ فجعل من معنى الاتخاذ البناء على القبور المساجد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
اتخاذ القبور مساجد يتناول شيئين: أن يبني عليها مسجدًا، أو يصلي عندها من غير بناء، وهو الذي خافه النبيﷺ - وخافته الصحابة إذا دفنوه بارزا: خافوا أن يُصلي عنده فيتخذ قبره مسجدًا. (^٢)
المسألة الرابعة: حكم المساجد التي بنيت علي القبور:
والمعنى:
هذه المساجد التى بها قبور ويؤمها الناس للصلاة فيها، هل ينبش هذا القبر وينقل إلى المقابر العامة، أم يُهدم المسجد نفسه؟؟
*نقول أولًا:
قال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) فالأصل في المسجد أن يُبنى لله - تعالى- وحده لا شريك له. وقال عزوجل (وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا..) فما أُسست المساجد ولا شرعت في الإسلام إلا لإقامة ذكر الله.
وقال ﵎ (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ)
عن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺقَاعِدًا فِي الْمَسْجِدِ وَأَصْحَابُهُ مَعَهُ، إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: مَهْ مَهْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ»، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ:
«إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنَ الْقَذَرِ وَالْبَوْلِ وَالْخَلَاءِ؛ إِنَّمَا هِيَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ». (^٣)
تأمل:
إذا كانت المساجد لا تصلح للقذر والنجس الحسي، وهذه أشياء يطهرها
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٠٦)
(٣) رواه مسلم (٢٨٥)
[ ١ / ٣٠٢ ]
حكم المساجد التي بنيت علي القبور، وحكم الصلاة فيها
مثل الدلو من الماء، فكيف تصلح لأن تكون محلًا للنجس المعنوى، من الشركيات، والتقرب إلى غير الله بما لا
يُتقرب به إلا لله تعالى؟!!!
عودٌ إلى الجواب عن سؤال الباب في حكم المساجد التى بها قبور، وجواب ذلك على تفصيل:
أ) الصورة الأولى:
إن كان القبر قد وضع أولًا ثم بُنى عليه المسجد، وهذا فعل محرم باتفاق الأئمة الأربعة، فيجب هدم المسجد باتفاق أهل العلم؛ وذلك لأن هذا المسجد مما لم يُرد به وجه الله تعالى، فقد أُسس على غير تقوى من الله -تعالى - ولا رضوان.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقد اتفق أئمة الدين على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ويجب هدم كل مسجد بني على قبر كائنًا من كان الميت؛ فإن ذلك من أكبر أسباب عبادة الأوثان. (^١)
- وقال ﵀:
ليس لأحد أن يصلي في المساجد التي بنيت على القبور ولو لم يقصد الصلاة عندها. فلا يقبل ذلك لا اتفاقا ولا ابتغاء لما في ذلك من التشبه بالمشركين والذريعة إلى الشرك. (^٢)
* قال ابن القيم:
لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها يوما واحدًا، فإنها شعائر الكفر، وهذا حكم المشاهد التي بُنيت على القبور التي اتخذت أوثانا وطواغيت تُعبد من دون الله، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركًا عندها، وبها. (^٣)
* وتأمل:
قال تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ
_________________
(١) وانظر مجموعة الرسائل والمسائل (١/ ٥٤) وكشَّاف القناع عن متن الإقناع (٢/ ١٤١)
(٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٨٨)
(٣) زاد المعاد (ص/٤٤٣)
[ ١ / ٣٠٣ ]
الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) (التوبة/١٠٧/ ١٠٨)
فقد نهى الله -تعالى- النبيَ -ﷺ- عن الصلاة في مسجد الضرار لكونه أُسس لتفريق كلمة المسلمين وللكفر بالله - تعالى -ورسوله ﷺ، فيقاس عليه المساجد التى أُسست على الأضرحة تعظيمًا لها، والتى يُفعل عندها من الشركيات الموبقة ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
* قال ابن حجر الهيتمي:
ويجب المبادرة لهدمها -أي المساجد التى على القبور - إذ هي أضر من مسجد الضرار؛ لأنها أسست على معصية رسول الله - ﷺ -، لأنه نهى عن ذلك وأمر - ﷺ - بهدم القبور المشرفة. (^١)
* قال ابن القيم:
حرق رسول الله - ﷺ - مسجد الضرار وأمر بهدمه؛ لما كان بناؤه ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين ومأوى للمنافقين، وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله، إما بهدم وتحريق، وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار، فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادا من دون الله أحق بالهدم وأوجب. (^٢)
* أقول:
وإذا كان الشرع قد أمر بتسوية القبور المشرفة (أى المرتفعة)؛ منعًا من التشبه بمن كان يعظّم القبور ويعبدها، فتسوَّى سدًا للذريعة، فلأن تُهدم هذه المساجد التى يُتقرب فيها إلى صاحب الضريح بما لا يُتقرب به إلا إلى الله -تعالى -فهذا من باب أولى.
_________________
(١) الزواجر (١/ ٣٢٨)
(٢) المصدر السابق (ص/٥٠٠) *فائدة: ذكر الشيخ الألبانى﵀- أن حديث: " أن النبى -ﷺحرق مسجد الضرار، وأمر بهدمه " = =هو حديث مشهور فى كتب السيرة، وليس له إسناد يصح. وقال: أورده الحافظ ابن كثير من طريق ابن إسحاق عن الزهرى عن الجماعة المذكورين مرسلًا، وهو فى السيرة لابن هشام بدون إسناد. ا. هـ إرواء الغليل (٥/ ٣٧١)
[ ١ / ٣٠٤ ]
ب) الصورة الثانية:
أن يُبنى المسجد أولًا في محلة ما ثم يُؤتى بقبر فيُدخل في المسجد، فهنا لا بد من نبش القبر وإخراجه إلى مقابر المسلمين؛ فإن المساجد ليست محلًا للدفن، وإنما قد أذن الله -تعالى-
للمساجد أن تُرفع لإقامة الصلاة وليذكر فيها اسم الله تعالى.
* وعليه فإنه يُهدم المسجد إذا بُني على قبر، كما يُنبش الميت إذا دُفن في المسجد، نص على ذلك الإمام أحمد وغيره، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر مُنع منه، وكان الحكم للسابق. (^١)
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
لا يجوز دفن ميت في مسجد، فإن كان المسجد قبل الدفن غُيِّرَ: إما بتسوية القبر وإما بنبشه، إن كان جديدًا. وإن كان المسجد بُني بعد القبر: فإما أن يزال المسجد وإما أن تزال صورة القبر فالمسجد الذي على القبر لا يصلي فيه فرض ولا نفل فإنه منهي عنه. (^٢)
المسألة الخامسة: ما حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور؟
وللصلاة في مسجد فيه قبر داخل حدوده حالتان:
١ - إذا كان ذلك بقصد التبرك بالقبر:
فقد اتفق أهل العلم على منع الصلاة عند القبر إذا كان ذلك بقصد التبرك، واعتقاد فضيلة الصلاة في مسجد به قبر عن غيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وكل من قال: إنَّ قصد الصلاة عند قبر أحد أو عند مسجد بني على قبر أو مشهد أو غير ذلك: أمر مشروع بحيث يستحب ذلك ويكون أفضل من الصلاة في المسجد الذي لا قبر فيه:
فقد مرق من الدين، وخالف إجماع المسلمين. (^٣)
* قال الآلوسي:
قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركًا به، عين المحادة لله تعالى
_________________
(١) زاد المعاد (٣/ ٥٠١)
(٢) مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٩٥)
(٣) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٨٨)
[ ١ / ٣٠٥ ]
ورسوله ﷺ، وإبداع دين لم يأذن به الله ﷿؛ للنهي عنها، ثم إجماعًا، وتجب المبادرة لهدمها وهدم
القباب التي على القبور؛ إذ هي أضر من مسجد الضرار؛ لأنها أسست على معصية رسوله ﷺ. (^١)
• وتبطل صلاته إن قصد التبرك بالصلاة عند القبر على الصحيح من أقوال أهل العلم، كما هو مذهب الحنابلة، لنهي النبي - ﷺعن ذلك، والأصل أن النهي في مثل هذه الحالة يقتضي فساد المنهي عنه.
الحالة الثانية:
ألا يقصد التبرك بالقبر: وهذه المسالة مما اختلفت فيها أقوال العلماء:
القول الأول:
ذهب الحنابلة والظاهرية إلى تحريم الصلاة في المقبرة مطلقًا، وأن الصلاة فيها باطلة.
* لقول النبي ﷺ "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، ومطلق النهى يقتضى الفساد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
تكره الصلاة في المساجد المبنية على القبور من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب؛ لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك. (^٢)
- قال ابن حزم: قال أحمد بن حنبل: من صلى في مقبرة أو إلى قبر أعاد أبدًا. (^٣)
* القول الثانى:
والذي عليه جمهور أهل العلم وهو صحة الصلاة في المسجد الذى به قبر. (^٤)
وهذا هو الراجح، والله أعلم.
قال البخاري:
رَأَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - ﵁أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -﵁- يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ:
«القَبْرَ القَبْرَ، قال أنس: فَجَعَلْتُ أَرْفَعُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهُ يَقُولُ
_________________
(١) روح المعاني (٨/ ٢٢٦) وانظر جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية (٣/ ١٦٤٢) وقد نص على مثل هذا شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٨٠)
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (ص/١٨٧) وانظر الإنصاف (١/ ٤٨٩،) والمحلى (٢/ ٣٤٥) والفروع (٢/ ٢١٣)
(٣) المحلي (٢/ ٣٥٠)
(٤) مواهب الجليل (١/ ٤١٩) والمجموع (٣/ ١٥٨).
[ ١ / ٣٠٦ ]
شبهات المجوزين لبناء المساجد على القبور والرد عليها
الْقَمَرَ.
فَقَالَ: إِنَّمَا أَقُولُ الْقَبْرَ، لَا تصل إليه. قال البخاري: وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعَادَةِ». (^١)
- قال ابن بطال:
نهى عُمر أنسًا عن الصلاة إلى القبر، وكان له مندوحة عن استقباله وكان يمكنه الانحراف عنه يمنة أو يسرة، ولمَّا لم يأمره بإعادة الصلاة علم أن صلاته جائزة. (^٢)
المسألة السادسة: شبهات المجوِّزين لبناء المساجد علي القبور:
الشبهة الأولى:
قال تعالى﴾ إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴿(الكهف/٢١)
قالوا: ففي ذلك دلالة على مشروعية بناء المسجد على القبر؛ لأن الله - تعالى- لم يذم طلبهم هذا في كتابه، بل ذُكِرِ دون استنكار، ولو كان في ذلك شيء من الباطل لكان من المناسب أن تشير إليه.
** والرد على ذلك من وجوه:
الأول:
أن الله ﷿ لم يصف أولئك المتغلبين، بوصف يمدحون لأجله، وإنما وصفهم بالغلبة! وإطلاقها دون قرنها بعدل أو حق: يدل على التسلط والهوى والظلم، ولا يدل على علم ولا هدى، ولا صلاح ولا فلاح. (^٣)
وعلى مثل هذا نص ابن رجب ﵀، حيث قال:
قال ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ فجعل اتخاذ القبور على المساجد
من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بان مستند القهر والغلبة واتباع الهوى، وانه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما انزل الله على رسله من الهدى. (^٤)
وممَّن نص على ذلك ابن كثير والقرطبي، وحكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين:
_________________
(١) الجامع المسند الصحيح المختصر (١/ ٩٣) ووصله ابن حجر في التغليق (٢/ ٢٣٠)
(٢) شرح صحيح البخارى لابن بطال (٢/ ٧٩)
(٣) مجانبة أهل الثبور المصلين في المشاهد والقبور (ص/١٢٨)
(٤) فتح الباري شرح صحيح البخاري (٣/ ١٩٣)
[ ١ / ٣٠٧ ]
أحدهما:
إنهم المسلمون منهم، والثاني: أهل الشرك منهم. (^١)
ومما يؤيد ما ذهب إليه ابن رجب:
أن اتخاذ القبور مساجد لم يكن جائزًا حتي في شرع من كان قبلنا، كما دلت على ذلك الأحاديث المصرحة بلعن اليهود والنصارى على ذلك الفعل. (^٢)
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فهؤلاء الذين اتخذوا على أهل الكهف مسجدًا كانوا من النصارى، الذين لعنهم النبي - ﷺ - حيث قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. (^٣)
الثانى:
لماذا يُحتج بقول الطائفة الثانية التي علامتها الغلبة، ولا يُحتج بالأولى - وهي المنازعة للثانية
﴿إذ يتنازعون بينهم﴾ وقد جاء من صفتها تسليم العلم بحال أهل الكهف إلى الله تعالى ﴿ربهم أعلم بهم﴾ وهذا أولى بالاقتداء من الذين وصفوا بالغلبة فقط. (^٤)
الثالث:
غاية ما في الأمر أن هذه الأية من المتشابه الذي أتت المحكمات برده، فأما طريقة أهل الزيغ فكما قال الله تعالى﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴿فالمحكمات في ذلك هى أدلة السنة الصريحة الصحيحة في حرمة اتخاذ القبور مساجد، (^٥) وإجماع الأمة على ذلك.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
بناء المساجد على القبور ليس من دين المسلمين. بل
_________________
(١) جامع البيان في تأويل القرآن (١٧/ ٦٣٩) وتفسير القرآن العظيم (٥/ ١٤٧) والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٣٥١)
(٢) وعليه فلا يقال أن الأية محمولة على أنه كان أمرًا مشروعًا في شرع من قبلنا، فإن اتخاذ القبور مساجد أمر محرم في شرع من قبلنا. مستفاد من "مجانبة أهل الثبور" لعبد العزيز الراجحي (ص/١٣١)
(٣) الاستغاثة في الرد على البكري (ص/٣١١)
(٤) المصدر السابق (ص/١٦٢)
(٥) وقد نص ابن حزم أن أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد أحاديث متواترة، وتعقبه الحافظ العراقي بأنها متواترة مشهورة من حيث المعنى. وانظر التوضيح الرشيد في شرح التوحيد (ص/١٦٠)
[ ١ / ٣٠٨ ]
هو منهي عنه بالنصوص الثابتة عن النبي ﷺ، واتفاق أئمة الدين.
بل لا يجوز اتخاذ القبور مساجد، سواء كان ذلك ببناء المسجد عليها، أو بقصد الصلاة عندها، بل أئمة الدين متفقون على النهي عن ذلك. (^١)
الرابع:
بل يقال أن هذه الأية قد استدل العلماء على بطلان هذا الفعل، فهى حجة على المستدل بها.
فقد بوَّب الشيخ محمد بن عبدالوهاب: باب: " ما جاء أن بعض هذه الأمة تعبد الأوثان "
ثم ذكر قوله تعالى ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾.
٢) الشبهة الثانية: قولهم " المسجد النبوي - ثانى أعظم المساجد بعد المسجد الحرام - به قبر النبي ﷺ:
والجواب على هذه الشبهة من جوانب ثلاثة:﴾ رد تاريخي، ورد عقدي، ورد أصولي ﴿أولًا الرد التاريخي:
عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ- لَمْ يَدْرُوا أَيْنَ يَقْبُرُونَهُ، حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - شَيْئًا مَا نَسِيتُهُ، قَالَ:
" مَا قَبَضَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ، ادْفِنُوهُ فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ. فَأَخَّرُوا فِرَاشَهُ وَحَفَرُوا لَهُ تَحْتَ فِرَاشِهِ. (^٢)
لذا فقد دُفن النبيُ -صلي الله عليه وسلم - في حجرته في بيت عائشة ﵂.
وقد كانت حجرتها ملاصقة للمسجد النبوى.
وفي عهد الخلفاء الأربعة -﵃- زاد عدد المسلمين واحتيج إلي توسعة المسجد النبوي، فقاموا بتلك التوسعات وكانوا لعلمهم وفقههم يتجنبون ادخال الحجرة التى بها قبر الرسول - صلي الله عليه وسلم - في المسجد.
- ففي خلافة عثمان -﵁- لما أراد توَسعة المسجد النبوي الشريف احترز مِن أن يكون ذلك مِن جِهة الحُجرات، ولم يُدخلها فيه، وهذا عَيْن ما صَنَعه سَلَفُه عمر بن
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٨٨)
(٢) أخرجه أحمد (٢٧) وصححه الألبانى في صَحِيح الْجَامِع (٥٦٠٥)
[ ١ / ٣٠٩ ]
الخطاب -﵃.
- فلمَّا كان في خلافة الوليد بن عبد الملك في السَّنَة الثامِنة والثَّمانين من الهجرة، فقد أراد الوليد أن يوسِّع المسجد النبوي، فأمر عامله علي المدينة - عمر بن عبد العزيز- أن يدخل جميع حجرات زوجات النبي -صلي الله عليه وسلم - في المسجد بما في ذلك حجرة عائشة ﵂.
فاجتمع عمر بن العزيز﵀- بعلماء المدينة ليشاورهم في الأمر، وكان عامَّةُ الصحابة -﵃- قد ماتوا، وكان آخرهم موتًا جابر بن عبد الله -﵁-، فشَقَّ ذلك على الفقهاء والعلماء، وكان فيهم سعيدُ بنُ المُسَيَّب، فلم يرض سعيد بن المسيَّب بذلك؛ لئلا يدخل القبر في المسجد النبوي. (^١)
قال ابن كثير:
جمع عمربن عبد العزيزالفقهاء العشرة وأهل المدينة وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين الوليد، فشق عليهم ذلك، فعند ذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد بما أجمع عليه الفقهاء العشرة المتقدم ذكرهم، فأرسل إليه يأمره ببناء المسجد على ما ذكر. (^٢)
ومع إصرار الوليد بن عبد الملك علي ذلك فقد تم إدخال جميع حجرات أمهات المؤمنين إلي المسجد، بما في ذلك حجرة عائشة ﵂. (^٣)
_________________
(١) قال ابن كثير: ويُحكى أن سعيد بن المسيب أنكر إدخال حجرة عائشة في المسجد- كأنه خشي أن يتخذ القبر مسجدًا - والله أعلم. وانظر البداية والنهاية (١٢/ ٤١٥) وتنبيه الأفهام شرح عمدة االأحكام (ص/٤١٩)
(٢) انظر البداية والنهاية (١٢/ ٤١٥)
(٣) ومما ذكره المؤرخون في التوسعة التى أحدثها الوليد بن عبد الملك أنه أول من غالى في أمور الزخرفة والنقوش، حيث نقش حيطانه بالفسيفساء والمرمر وعمل سقفه من الساج وحلاه بماء الذهب، ونقش رؤوس الأساطين والأعتاب بالذهب. وفي صدد المقارنة بين ما حدث في عهد عثمان -﵁وما حدث في عهد الوليد يمكن الاستفادة من الخبر التالي: "لمّا حج الوليد وقدم إلى المدينة بعد فراغ عمر من عمارة المسجد، أخذ ينظر في جدره وسقفه ونقوشه وجميل شكله، حتى إذا تم النظر، التفت إلى أبان بن عثمان وقال: أين بناؤنا من بنائكم؟ قال أبان: بنيناه بناء المساجد، وبنيتموه بناء الكنائس.. " يقصد المغالاة في ذلك. وهذا يدل على أن زخرفة عثمان كانت أمرًا يسيرًا. وانظر تاريخ مكة المشرفة والمدينة الشريفة (ص/٢٨٣) والعناصر المعمارية في المسجد النبوي لصالح الشامى.
[ ١ / ٣١٠ ]
لذا لنا أن نقول في هذا الجانب أن ما فعله الوليد بن عبدالملك في هذا الباب يشبه ما ذكره الله - تعالى- في قصة فتية الكهف﴾ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴿وبهذا يتضح لنا أمر مهم:
أن القبر الشريف -على صاحبه الصلاة والسلام- إنما دخل في المسجد من جرَّاء التوسعات. ** وعليه يقال:
لا بُنى المسجد النبوى على القبر الشريف، ولا قُبِرَ النبيُ -ﷺ- في المسجد النبوى.
٢ - الرد الأصولي:
اذا كان النبي -ﷺ - قد نهي عن اتخاذ القبور مساجد سدًا للذريعة وحسمًا لمادة الفتنة التى تتمثل في الغلو في الصالحين، فالقاعدة الأصولية تنص على أن:
"ما منع سدًا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة"
فالمصلحة العظيمة للصلاة في المسجد النبوى، حيث تتضاعف أجر الصلاة فيه ألف صلاة عن الصلاة في غيره، تترجح على منع ذلك سدًا للذرائع المذكورة.
وكلا الأمرين منتفٍ في حق المساجد الأخرى التى بها أضرحة؛ فلا الصلاة فيها متضاعفة حتى نرجَّح جانب المصلحة بالصلاة فيها، ولا نحن أمنا وقوع البدع الشركية كما هو واقع عند المشاهد والأضرحة.
٣ - الرد العقدي:
قد نهي النبي - ﷺ - عن اتخاذ القبور مساجد سدًا لذريعة الشرك، كما سبق بيانه آنفًا،
وهذه العلة انتفت عن المسجد النبوي؛ وذلك من وجوه:
١) الأول:
القبر النبوي الشريف ليس ظاهرًا كما هو حال الأضرحة في المساجد الأخري، والتى تراها.
قال النووي وهو يذكر وضع القبر الشريف:
قد بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي المحذور، ثم بنوا
[ ١ / ٣١١ ]
جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا؛ حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر.
ولهذا قال في الحديث " ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا " (^١).
فأين هذا من تلك الأضرحة التى أبرزت في المساجد، فأخذت زخرفها وأزيَّنت تسر الناظرين.
٢ ا-الأمر الثاني:
النبي -ﷺ - قد دعا ربه فقال: " اللهم لا تجعلْ قبرى وثنًا يُعبد" (^٢)
وهذه الدعوة - بفضل الله- استجيبت للنبي ﷺ؛ فقد وضعت التحصينات والحواجز التى تحول دون الوصول للقبر الشريف، ويُطرد عن القبر كل من يظهر أمرًا من المغالاة أو المبالغة عند القبر النبوى.
- قال أبو العباس ابن تيمية:
وقد استجاب الله دعاء نبيه ﷺ، فلم يُتخذ - ولله الحمد - قبره وثنًا يعبد، ولا يمكن أن يفعل عنده ما هو دون هذا وذريعة إليه مما نهى عنه، فلا يستطيع أحد أن يفعل عند قبره منكرًا. (^٣)
- لذا قال ابن القيم:
فأجاب ربُ العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى غدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصيان. (^٤)
* نقول:
فأين هذا مما يفعل عند الأضرحة من البدع الشركية مما يعجز القلم عن حصره، ويستحي من ذكره
حيث الافتتان بالقبور وتحبيس الأموال عليها وطلب الدعاء منها والاستغاثة بها عند الضراء، وتقديم النذور لهم. (^٥)
_________________
(١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٥/ ١٤)
(٢) سبق تخريجه.
(٣) قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق (ص/١٠٣)
(٤) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص/٢٦١)
(٥) ويُذكر أن رجلًا نذر خروفًا للبدوي إن نجح ابنه في الثانوية -والنذر لغير الله شرك- فشاء الله أن يمرض ويموت الخروف، فإذا بالرجل يقول: يا بدوي لم استعجلت عليه؟!! كنت سآتيك به بعد أيام!!! فأثبت له أنه يحيي ويميت من دون الله ﷿. وكذلك هذه قصة أخرى تدل على جهل هؤلاء الذين يطوفون بالقبور: يُذكر أن رجلين جاءا بجحش ودفناه، وأعدا له مقامًا ليطوف الناس به، وفعلًا عندما كان الناس يأتون إلى المسجد يطوفون بالقبر، وتقول: مقام سيدي جحش! فاختلف الرجلان على صندوق النذور -لأنه يجلب الكثير- فقال أحدهما للآخر: ما تنساش إن إحنا دافنينه سوا! وانظر التعليق على العدة شرح العمدة لأسامة سليمان (١٢/ ٧) وكم من هذه الأضرحة التى هي في الحقيقة أضرحة مكذوبة، كما هو الحال في ضريح الحسين ﵇. * كذلك فقد كشفت قناة العاصمة المصرية عن سر عمره ٤٠ عامًا؛ وذلك أن شجارا وقع بين عائلتين بمحافظة السويس حول أحقية رعاية مقام "سيدي أبوسريع" واقتسام النذور التي تصل إلى نحو مليون جنيه سنويًا. فبعد أن اعتاد مواطنون من أبناء السويس وخارجها على زيارة المقام، مقدمين له النذور ومتبركين به، تبين حين حاولت العائلتان نقل رفاته، وبعد هذه الأعوام، أن ما دُفن داخل المقام هو رأس عجل، ولا يوجد أي أثر للمدعو.
[ ١ / ٣١٢ ]
* وتأمل في قول الشيخ محمد بن عبدالوهاب:
وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم (^١)
فسمَّي هذه الأضرحة أصنامًا، وسمَّى أفعالهم لها عبادة. وصدق ﵀؛ فالعبرة في الأفعال بالمقاصد والمعانى، وليست بالألفاظ والمبانى.
يقول حافظ إبراهيم -﵀- وهو يصور لنا حقيقة هذا الواقع المرير:
أحياؤُنا لا يُرزَقونَ بِدِرهَمٍ وَبِأَلفِ أَلفٍ تُرزَقُ الأَمواتُ
مَن لي بِحَظِّ النائِمينَ بِحُفرَةٍ قامَت عَلى أَحجارِها الصَلَواتُ
يَسعى الأَنامُ لَها وَيَجري حَولَها بَحرُ النُذورِ وَتُقرَأُ الآياتُ
وَيُقالُ: هَذا القُطبُ بابُ المُصطَفى وَوَسيلَةٌ تُقضى بِها الحاجاتُ. (^٢)
أقول:
ومما سبق من هذه الوجوه كله فى الرد على شبهة وجود القبر النبوي
_________________
(١) الدرر السنية (١/ ٦٦)
(٢) ديوان حافظ إبراهيم (١/ ٣١٨)
[ ١ / ٣١٣ ]
الشريف بالمسجد فقد كره العلماء كثرة تردد المصلِّين على زيارة القبر الشريف.
فقد سئل مالك -﵀ - عن الغريب يأتي قبر النبي كل يوم، فقال:
ما هذا من الأمر، وذكر حديث: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد)
قال ابن رشد:
فيُكره أن يُكثر المرور به، والسلام عليه، والإتيان كل يوم إليه لئلا يُجعل القبر بفعله ذلك كالمسجد الذي يؤتى كل يوم للصلاة فيه، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك بقوله: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا) ". (^١)
وسئل القاضي عياض عن أناس من أهل المدينة يقفون على القبر في اليوم مرة أو أكثر، ويسلمون ويدعون ساعة، فقال:
" لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه، ولا يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولَها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ". (^٢)
* وختامًا:
وبعد ذكر هذه الوجوه التى ذكرناها في الرد على شبهة المسجد النبوي، فإن الاستدلال بوجود القبر الشريف في المسجد على مشروعية وجود الأضرحة في المساجد هو نوع من ركوب الهوى الذي أعمى القلب عن الهداية والعقل عن الفهم.
قال تعالى (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢»
(سورة فاطر: ١٩ - ٢٢)
تم بحمد الله.
_________________
(١) البيان والتحصيل (١٨/ ٤٤٤ - ٤٤٥):
(٢) " الشفا بتعريف حقوق المصطفى " (٢/ ٦٧٦)
[ ١ / ٣١٤ ]