ورتبتهم بحسب أزمانهم.
الإمام الطحاوي
قال رحمه الله تعالى في عقيدته: ونحب أصحاب رسول الله - ﷺ -، ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الحق يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بالجميل، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان، ونثبت الخلافة بعد رسول الله - ﷺ - أولا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁،
[ ١٥ ]
ثم لعثمان بن عفان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون، وإن العشرة الذين سماهم رسول الله - ﷺ - نشهد لهم بالجنة كما شهد رسول الله - ﷺ -، وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير بن العوام وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، وهو أمين هذه الأمة، رضوان الله عليهم أجمعين. ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله - ﷺ - وأزواجه وذرياته فقد برئ من النفاق. وعلماء السلف من السابقين والتابعين ومن بعدهم من أهل الخير والأثر وأهل العفة والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل. انتهت عبارة الإمام الطحاوي في عقيدته.
الإمام الغزالي
قال رحمه الله تعالى في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد في شرح عقيدة أهل السنة من الصحابة والخلفاء الراشدين ﵃: اعلم أن للناس في الصحابة والخلفاء إسرافا في أطراف، فمن مبالغ في الثناء حتى يدعي العصمة للأئمة، ومنهم متهجم على
[ ١٦ ]
الطعن يطلق اللسان بذم الصحابة. فلا تكونن من الفريقين، واسلك طريق الاقتصاد في الاعتقاد. واعلم أن كتاب الله مشتمل على الثناء على المهاجرين والأنصار، وتواترت الأخبار بتزكية النبي - ﷺ - إياهم بألفاظ مختلفة، كقوله: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وكقوله: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم». وما من واحد إلا ورد عليه ثناء خاص في حقه يطول نقله. فينبغي أن تستصحب هذا الاعتقاد في حقهم ولا تسئ الظن بهم. وما يحكى عن أحوال تخالف مقتضى حسن الظن فأكثر ما ينقل مخترع، وما ثبت نقله فالتأويل متطرق إليه، ولم يجر ما لا يتسع العقل لتجويز الخطإ والسهو فيه وحمل أفعالهم على قصد الخير وإن لم يصيبوه. والمشهور من قتال معاوية مع علي وسير عائشة ﵃ إلى البصرة، فالظن بعائشة أنها كانت تطلب تطفئة الفتنة، ولكن خرج الأمر من الضبط، فأواخر الأمور لا تبقى على وفق طلب أوائلها بل تخرج عن الضبط. والظن بمعاوية أنه كان على تأويل وظن فيما كان يتعاطاه. وما يحكى سوى هذا من روايات الآحاد فالصحيح
[ ١٧ ]
منه مختلط بالباطل، والاختلاق أكثره اختراعات الروافض والخوارج وأرباب الفضول الخائضين في هذه الفنون، فينبغي أن تلازم الإنكار في كل ما لم يثبت، وما ثبت فاستنبط له تأويلا، فما تعذر عليك فقل لعل له تأويلا وعذرا لم أطلع عليه. واعلم أنك في هذا المقام بين أن تسئ الظن بمسلم وتطعن عليه وتكون كاذبا، أو تحسن الظن به وتكف لسانك عن الطعن وأنت مخطئ مثلا، والخطأ في حسن الظن بالمسلم أسلم من الصواب بالطعن فيه. فلو سكت إنسان مثلا عن لعن إبليس أو لعن أبي جهل أو أبي لهب أو من شئت من الأشرار طول عمره لم يضره السكوت؛ ولو هفا هفوة بالطعن في مسلم بما هو بريء عند الله تعالى منه فقد تعرض للهلاك. بل أكثر ما يعلم في الناس لا يحل النطق به لتعظيم الشرع الزجر عن الغيبة؛ مع أنه إخبار عما هو متحقق في المغتاب. فمن يلاحظ هذه الفصول ولم يكن في طبعه ميل إلى الفضول آثر ملازمته السكوت وحسن الظن بكافة المسلمين وإطلاق اللسان بالثناء على جميع السلف الصالحين، هذا حكم الصحابة
[ ١٨ ]
عامة. فأما الخلفاء الراشدون فهم أفضل من غيرهم، وترتيبهم في الفضل عند أهل السنة كترتيبهم في الإمامة، أي الخلافة، وهذا لمكان أن قولنا فلان أفضل من فلان معناه أن محله عند الله تعالى في الآخرة أرفع، وهذا غيب لا يطلع عليه إلا الله ورسوله إن أطلعه عليه، ولا يمكن أن يدعى نصوصا قاطعة من صاحب الشرع متواترة مقتضية للفضيلة على هذا الترتيب، بل المنقول الثناء على جميعهم، واستنباط حكم الترجيحات في الفضل من دقائق ثنائه عليهم رمي في عماية واقتحام أمر خطر أغنانا الله عنه. وتعرف الفضل عند الله تعالى بالأعمال مشكل أيضا وغايته رجم ظن.
فكم من شخص محروم الظاهر وهو عند الله بمكان لسر في قلبه وخلق خفي في باطنه، وكم من مزين بالعبادات الظاهرة وهو في سخط لخبث مستكن في باطنه، فلا مطلع على السرائر إلا الله تعالى. ولكن إذا ثبت أنه لا يعرف الفضل إلا بالوحي، ولا يعرف من النبي إلا بالسماع، وأولى الناس بسماع ما يدل على تفاوت الفضائل الصحابة الملازمون لأحوال النبي - ﷺ -، وهم قد أجمعوا
[ ١٩ ]
على تقديم أبي بكر، ثم نص أبو بكر على عمر، ثم أجمعوا بعده على عثمان، ثم على علي ﵃، وليس يظن منهم الخيانة في دين الله تعالى لغرض من الأغراض. وكان إجماعهم على ذلك من أحسن ما يستدل به على مراتبهم في الفضل. ومن هذا اعتقد أهل السنة هذا الترتيب في الفضل، ثم بحثوا عن الأخبار فوجدوا فيها ما عرف به مستند الصحابة وأهل الإجماع في هذا الترتيب. انتهت عبارة كتاب الاقتصاد.
وقال الإمام الغزالي أيضا في إحياء علوم الدين: الإمام الحق بعد رسول الله. - ﷺ - أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃، ولم يكن نص رسول الله - ﷺ - على إمام أصلا، إذ لو كان لكان أولى بالظهور من نصبه آحاد الولاة والأمراء على الجنود في البلاد ولم يخف ذلك، فكيف خفي هذا، وإن ظهر فكيف اندرس حتى لم ينقل إلينا. فلم يكن أبو بكر إماما إلا بالاختيار والبيعة. وأما تقدير النص على غيره فهو نسبة للصحابة كلهم إلى مخالفة رسول الله - ﷺ - وخرق الإجماع مما لا يجترئ على اختراعه إلا الروافض.
[ ٢٠ ]
واعتقاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة والثناء عليهم كما أثنى الله ﷾ ورسوله - ﷺ -. وما جرى بين معاوية وعلي ﵄ كان مبنيا على الاجتهاد، لا منازعة من معاوية في الإمامة، إذ ظن علي ﵁ أن تسليم قتلة عثمان مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بالعسكر يؤدي إلى اضطراب أمر الإمامة في بدايتها فرأى التأخير أصوب، وظن معاوية أن تأخير أمرهم مع عظم جنايتهم يوجب الإغراء بالأئمة ويعرض الدماء للسفك. وقد قال أفاضل العلماء: كل مجتهد مصيب. وقال قائلون: المصيب واحد. ولم يذهب إلى تخطئة علي ذو تحصيل أصلا. وفضل الصحابة ﵃ على حسب ترتيبهم في الخلافة، إذ حقيقة الفضل ما هو فضل عند الله ﷿، وذلك لا يطلع عليه إلا رسول الله - ﷺ -، وقد ورد في الثناء على جميعهم آيات وأخبار كثيرة، وإنما يدرك دقائق الفضل والترتيب فيه المشاهدون للوحي والتتريل بقرائن الأحوال ودقائق التفصيل. فلولا فهمهم ذلك لما رتبوا
[ ٢١ ]
الأمر كذلك، إذ كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عن الحق صارف. اه كلام الإمام الغزالي.
القاضي عياض
قال رحمه الله تعالى في الشفاء: ومن توقيره - ﷺ - وبره توقير أصحابه وبرهم ومعرفة حقهم، والاقتداء بهم وحسن الثناء عليهم، والاستغفار لهم، والإمساك عما شجر بينهم، ومعاداة من عاداهم، والإضراب عن أخبار المؤرخين وجهلة الرواة وضلال الشيعة والمبتدعين القادحة في أحد منهم، وأن يلتمس لهم فيما نقل عنهم من مثل ذلك فيما كان بينهم من الفتن أحسن التأويلات والمحامل ويخرجه أصوب المخارج، إذ هم أهل ذلك، ولا يذكر أحدا منهم بسوء ولا يغمض عليه أمرا، بل يذكر حسناتهم وفضائلهم وحميد سيرهم ويسكت عما وراء ذلك، كما قال - ﷺ - في حديث الطبراني عن ابن مسعود: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» وقال الله تعالى ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي
[ ٢٢ ]
التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رضي الله عنهمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢) وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٣) وقال الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٤)
ثم ذكر رحمه الله تعالى أحاديث وآثارا كثيرة في فضلهم ﵃. منها قوله - ﷺ - في حديث الترمذي: "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد أذى الله تعالى ومن آذى الله تعالى يوشك أن يأخذه" وأذية الله تعالى عبارة عن
_________________
(١) الفتح: ٢٩
(٢) التوبة: ١٠٠
(٣) الفتح: ١٨
(٤) الأحزاب: ٢٣
[ ٢٣ ]
فعل ما لا يرضاه، إذ معناه الحقيقي لا يتصور في حقه تعالى فهو مشاكلة، قاله الشهاب الخفاجي. ومنها قوله - ﷺ - في حديث مسلم: «لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» ومنها قوله - ﷺ - في حديث الديلمي وأبي نعيم: "من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا" الصرف: النفل، والعدل: الفرض. ومنها قوله - ﷺ - في حديث البزار والديلمي عن جابر: "إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين واختار لي منهم أربعة: أبا بكر وعمر وعثمان وعليا فجعلهم خير أصحابي وفي أصحابي كلهم خير". قال الشهاب الخفاجي في شرح هذا الحديث: فكلهم علماء عدول كما في الحديث: "خير القرون قرني ثم وثم" وهذا سبب ما حكاه إمام الحرمين رحمه الله تعالى في الإجماع على عدالتهم كلهم صغيرهم وكبيرهم، فلا يجوز الانتقاد عليهم بما صدر عن بعضهم مما أدى إليه اجتهاده لما أوجب القطع بأنهم خير الناس بعد النبيين والمرسلين ولما اتصفوا به من الهجرة وترك الأهل والأوطان
[ ٢٤ ]
وبذل النفوس والأموال في نصرة الدين وقتل الآباء والأبناء والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين وغير ذلك من المنح الإلهية. اه. ومنها حديث الطبراني عن خالد بن سعيد أن رسول الله - ﷺ - لما قدم من حجة الوداع إلى المدينة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: "أيها الناس إني راض عن أبي بكر اعرفوا له ذلك. أيها الناس إني راض عن عمر وعن عثمان وعن علي وعن طلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف فاعرفوا لهم ذلك، أيها الناس إن الله قد غفر لأهل بدر والحديبية، أيها الناس احفظوني في أصحابي وأصهاري وأختاني لا يطالبنكم أحد منهم بمظلمة فإنها مظلمة لا توهب في القيامة غدا". ومنها حديث أبي نعيم والديلمي عن أنس إن رسول الله - ﷺ - قال: "احفظوني في أصحابي وأصهاري فإنه من حفظني فيهم حفظه الله في الدنيا والآخرة، ومن لم يحفظني فيهم تخلى الله عنه، ومن تخلى الله عنه يوشك أن يأخذه". ومن الآثار قول الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: من أبغض الصحابة وسبهم
[ ٢٥ ]
فليس له في فيء المسلمين حق، قال في الشفاء: ونزع -أي استدل- بآية سورة الحشر وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. انتهى كلام الشفاء.
الغوث الجيلاني
قال رحمه الله تعالى في غنية الطالبين: ويعتقد أهل السنة أن أمة محمد ﵊ خير الأمم أجمعين، وأفضلهم أهل القرن الذين شاهدوه وآمنوا به وصدقوه وبايعوه وتابعوه وقاتلوا بين يديه وفدوه بأنفسهم وأموالهم وعزروه ونصروه، وأفضل أهل القرن أهل الحديبية الذين بايعوه بيعة الرضوان وهم ألف وأربعمائة رجل، وأفضلهم أهل بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا عدد أصحاب طالوت، وأفضلهم الأربعون أهل دار الخيزران الذين كملوا بعمر بن الخطاب، وأفضلهم العشرة الذين شهد لهم النبي - ﷺ - بالجنة، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وأبو عبيدة بن الجراح، وأفضل هؤلاء العشرة الأبرار الخلفاء
[ ٢٦ ]
الراشدون الأربعة الأخيار، وأفضل الأربعة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضى الله تعالى عنهم. ولهؤلاء الأربعة الخلافة بعد النبي - ﷺ - ثلاثون سنة، ولي منهم أبو بكر ﵁ سنتين وشيئا، وعمر ﵁ عشرا، وعثمان ﵁ اثنتي عشرة، وعلي ﵁ ستا، ثم وليها معاوية ﵁ تسع عشرة سنة؛ وكان قبل ذلك ولاه عمر الإمارة على أهل الشام عشرين سنة.
وخلافة الأئمة الأربعة كانت باختيار الصحابة واتفاقهم ورضاهم، ولفضل كل واحد منهم في عصره وزمانه على من سواه من الصحابة. ولم تكن بالسيف والقهر والغلبة والأخذ ممن هو أفضل منه.
أما خلافة أبي بكر الصديق ﵁ فباتفاق المهاجرين والأنصار كانت، وذلك لما توفى رسول الله - ﷺ - قامت خطباء الأنصار فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فقام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن النبي - ﷺ - أمر أبا بكر أن يؤم بالناس؟ قالوا: بلى، قال: فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟
[ ٢٧ ]
قالوا: معاذ الله أن نتقدم أبا بكر، وفي لفظ قال عمر ﵁: فأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله - ﷺ -؟ فقالوا كلهم: كلنا لا تطيب أنفسنا، نستغفر الله. فاتفقوا مع المهاجرين فبايعوا بأجمعهم وفيهم علي والزبير. ولهذا قيل في النقل الصحيح: لما بويع أبو بكر الصديق ﵁ قام ثلاثا يقبل على الناس فيقول: يا أيها الناس أقلتكم بيعتي، هل من كاره؟ فيقوم علي ﵁ في أوائل الناس يقول: لا نقيلك ولا نستقيلك أبدا، قدمك رسول الله - ﷺ - فمن يؤخرك؟ وبلغنا عن الثقات أن عليا ﵁ كان أشد الصحابة قولا في إمامة أبي بكر ﵁، وروي أن عبد الله بن الكواء دخل على علي بعد قتال الجمل وسأله: هل عهد إليك رسول الله - ﷺ - في هذا الأمر شيئا؟ فقال: نظرنا في أمرنا فإذا الصلاة عضد الإسلام فرضينا لدنيانا بما رضي الله ورسوله لديننا فولينا الأمر أبا بكر. وذلك أن النبي - ﷺ - استخلف أبا بكر الصديق ﵁ في إقامة الصلاة المفروضة أيام
[ ٢٨ ]
مرضه فكان يأتيه بلال وقت كل صلاة فيؤذنه بالصلاة، فيقول ﵊: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، وكان النبي - ﷺ - يتكلم في شأن أبي بكر ﵁ في حال حياته بما يتبين للصحابة أنه أحق الناس بالخلافة بعده، وكذلك في حق عمر وعثمان وعلي ﵃ أن كل واحد منهم أحق بالأمر في عصره وزمانه. من ذلك ما روى ابن بطة بإسناده عن علي ﵁ أنه قال: قيل: يا رسول الله من نؤمر بعدك؟ قال - ﷺ -: "إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه قويا أمينا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تولوا عليا تجدوه هاديا مهديا" فلذلك أجمعوا على خلافة أبي بكر.
وقد روى عن إمامنا أبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ رواية أخرى: أن خلافة أبي بكر ﵁ ثبتت بالنص الجلي والإشارة. وهو مذهب الحسن البصري وجماعة من أصحاب الحديث ﵏. وجه هذه الرواية ما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لما عرج بي إلى السمآء سألت ربي
[ ٢٩ ]
﷿ أن يجعل الخليفة من بعدي علي بن أبي طالب فقالت الملائكة: يا محمد إن الله يفعل ما يشاء، الخليفة من بعدك أبو بكر" وقال ﵊ في حديث ابن عمر ﵄: "الذي بعدي أبو بكر لا يلبث بعدي إلا قليلا" وعن مجاهد ﵀: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ما خرج النبي - ﷺ - من دار الدنيا حتى عهد إلي أن أبا بكر يلي من بعدي، ثم عمر، ثم عثمان من بعده ثم علي من بعده.
فأما خلافة عمر بن الخطاب ﵁ فإنها كانت باستخلاف أبي بكر ﵁، فانقادت الصحابة إلى بيعته وسموه أمير المؤمنين، فقال عبد الله بن عباس ﵄: قالوا لأبي بكر ﵁: ما تقول لربك غدا إذا لقيته وقد استخلفت علينا عمر وقد عرفت فظاظته؟ قال: أقول استخلفت عليهم خير أهلك.
وأما خلافة عثمان بن عفان ﵁ فكانت أيضا عن اتفاق الصحابة ﵃، وذلك أن عمر ﵁ أخرج أولاده عن الخلافة وجعلها شورى بين ستة نفر، وهم طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن
[ ٣٠ ]
لعلي وعثمان: أنا أختار أحدكما لله ورسوله وللمؤمنين، فأخذ بيد علي ﵁، فقال: يا علي عليك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله إذا أنا بايعتك لتنصحن لله ورسوله وللمؤمنين ولتسيرن بسيرة رسوله وأبي بكر وعمر، فخاف علي أن لا يقوى على ما قووا عليه فلم يجبه، ثم أخذ بيد عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، فأجابه عثمان على ذلك، فمسح يد عثمان فبايعه وبايعه علي ﵁ ثم بايع الناس أجمع، فصار عثمان بن عفان خليفة بين الناس باتفاق الكل، فكان إماما حقا إلى أن مات ولم يوجد فيه أمر يوجب الطعن فيه ولا فسقه ولا قتله؛ خلاف ما قالت الروافض، تبا لهم.
وأما خلافة علي ﵁ فكانت عن اتفاق الجماعة وإجماع الصحابة، كما روى أبو عبد الله بن بطة عن محمد بن الحنفية قال: كنت مع علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان محصور، فأتاه رجل فقال إن أمير المؤمنين مقتول الساعة، قال: فقام علي ﵁ فأخذت بوسطه تخوفا عليه، فقال: خل لا أم لك، قال: فأتى علي الدار وقد قتل عثمان ﵁، فأتى داره ودخلها فأغلق بابه، فأتاه
[ ٣١ ]
الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه فقالوا إن عثمان قد قتل ولا بد للناس من خليفة، ولا نعلم أحدا أحق بها منك، فقال لهم علي: لا تريدوني فإني لكم وزيرا خير من أمير، قالوا والله لا نعلم أحدا أحق بها منك، قال ﵁: فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سرا، ولكن أخرج إلى المسجد فمن شاء أن يبايعني بايعني، قال: فخرج ﵁ إلى المسجد فبايعه الناس، فكان إماما حقا إلى أن قتل، خلاف ما قالت الخوارج إنه لم يكن إماما قط، تبا لهم.
وأما قتاله ﵁ لطلحة والزبير وعائشة ومعاوية فقد نص الإمام أحمد ﵀ على الإمساك عن ذلك وجميع ما شجر بينهم من منازعة ومنافرة وخصومة، لأن الله تعالى يزيل ذلك من بينهم يوم القيامة، كما قال ﷿: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين﴾ ولأن عليا ﵁ كان على الحق في قتالهم، لأنه كان يعتقد صحة إمامته على ما بينا من اتفاق أهل الحل والعقد من الصحابة على إمامته وخلافته. فمن خرج عن ذلك بعد وناصبه حربا كان باغيا خارجا على الإمام فجاز قتاله. ومن قاتله
[ ٣٢ ]
من معاوية وطلحة والزبير طلبوا ثأر عثمان خليفة الحق المقتول ظلما، والذين قتلوه كانوا في عسكر علي ﵁. فكل ذهب إلى تأويل صحيح، فأحسن أحوالنا الإمساك في ذلك وردهم إلى الله ﷿ وهو أحكم الحاكمين وخير الفاصلين؛ والاشتغال بعيوب أنفسنا وتطهير قلوبنا من أمهات الذنوب وظواهرنا من موبقات الأمور.
وأما خلافة معاوية بن أبي سفيان فثابتة صحيحة بعد موت علي ﵁ وبعد خلع الحسن بن علي ﵄ نفسه عن الخلافة وتسليمها إلى معاوية، لرأي رآه الحسن ومصلحة عامة تحققت له، وهي حقن دماء المسلمين وتحقيق قول النبي - ﷺ - في الحسن ﵁: «إن ابني هذا سيد يصلح الله تعالى به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» فوجبت إمامته بعقد الحسن له. فسمي عامه عام الجماعة لارتفاع الخلاف بين الجميع، واتباع الكل لمعاوية ﵁، لأنه لم يكن هناك منازع ثالث في الخلافة، وخلافته مذكورة في قول النبي - ﷺ -، وهو ما روي عن
[ ٣٣ ]
النبي - ﷺ - أنه قال: «تدور رحى الإسلام خمسا وثلاثين سنة أو ستا وثلاثين أو سبعا وثلاثين» والمراد بالرحى في هذا الحديث القوة في الدين، والخمس السنين الفاضلة من الثلاثين فهي من جملة خلافة معاوية إلى تمام تسع عشرة سنة وشهور، لأن الثلاثين كملت بعلي ﵁ كما بينا.
ونحسن الظن بنساء النبي - ﷺ - أجمعين، ونعتقد أنهن أمهات المؤمنين، وأن عائشة ﵂ أفضل نساء العالمين، وبرأها الله تعالى من قول الملحدين فيها بما نقرؤه ويتلى في كتاب الله إلى يوم الدين. وكذلك فاطمة بنت نبينا محمد - ﷺ - رضى الله تعالى عنها وعن بعلها وأولادها أفضل نساء العالمين، ويجب موالاتها ومحبتها كما يجب ذلك في حق أبيها - ﷺ -. قال النبي - ﷺ -: «فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها»
فهؤلاء أهل القرآن هم الذين ذكرهم الله في كتابه وأثنى عليهم، فهم المهاجرون الأولون والأنصار الذين صلوا إلى القبلتين، قال الله تعالى فيهم: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً
[ ٣٤ ]
مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (١) وقال جلا وعلا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾. (٣) انتهى كلام سيدي عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى.
شهاب الدين السهروردي
قال رحمه الله تعالى في رسالته المسماة أعلام الهدى وعقيدة أرباب التقى كما نقله عنه شارح الإحياء: وأما أصحابه ﵊ فأبو بكر ﵁ وفضائله لا تنحصر وعمر وعثمان وعلي ﵃. ثم قال: ومما ظفر به الشيطان من هذه الأمة وخامر العقائد منها دنس وصار في الضمائر خبث ما ظهر من المشاجرة وأورث أحقادا وضغائن في البواطن ثم استحكمت تلك الصفات وتوراثها الناس فتكثفت وتجسدت وجذبت إلى أهواء استحكمت أصولها وتشعبت فروعها. فأيها المبرأ من الهوى
_________________
(١) الحديد: ١٠
(٢) النور: ٥٥
(٣) الفتح: ٢٩
[ ٣٥ ]
والعصبية، اعلم أن الصحابة مع نزاهة بواطنهم وطهارة قلوبهم كانوا بشرا وكانت لهم نفوس وللنفوس تظهر بصفة وقلوبهم منكرة لذلك فيرجعون إلى حكم قلوبهم وينكرون ما كان من نفوسهم، فانتقل اليسير من آثار نفوسهم إلى أرباب نفوس عدموا القلوب فما أدركوا أي أرباب النفوس قضايا قلوبهم أي الصحابة وصارت صفات نفوسهم أي الصحابة مدركة عندهم أي أرباب النفوس للجنسية النفسية فبنوا أي أرباب النفوس تصرف النفوس أي نفوس الصحابة على الظاهر المفهوم عندهم ووقعوا في بدع وشبه أوردتهم كل مورد رديء وجرعتهم كل شرب وبيء واستعجم عليهم صفاء قلوبهم ورجوع كل أحد إلى الإنصاف وإذعانه لما يجب من الاعتراف، وإنما كان غير مؤثر عندهم اليسير من صفات نفوسهم لأن نفوسهم كانت محفوفة بأنوار القلوب، فلما توارث ذلك أرباب النوس المتسلطة الأمارة بالسوء القاهرة للقلوب المحرومة أنوارها أحدث عندهم العداوة والبغضاء فإن قبلت النصح. فأمسك عن
[ ٣٦ ]
التصرف في أمرهم واجعل محبتك للكل على السواء وأمسك عن التفضيل. وإن خامر باطنك فضل أحدهم على الآخر فاجعل ذلك من جملة أسرارك فما يلزمك إظهاره ولا يلزمك أن تحب أحدهم أكثر من الآخر بل يلزمك محبة الجميع والاعتراف بفضل الجميع. ويكفيك في العقيدة السليمة أن تعتقد صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. اه كلام السهروردي.
الإمام النووي
قال رحمه الله تعالى في شرح مسلم: قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة على الترتيب المذكور ثم تمام العشرة ثم أهل بدر ثم أحد ثم بيعة الرضوان. وممن له مزية أهل العقبتين من الأنصار. وكذلك السابقون الأولون، وهم من صلى إلى القبلتين في قول ابن المسيب وطائفة، وفي قول الشعبي أهل بيعة الرضوان، وفي قول عطاء ومحمد بن كعب أهل بدر. قال القاضي عياض: وذهبت طائفة منهم ابن عبد البر إلى أن من توفي من الصحابة في حياة النبي - ﷺ - أفضل ممن بقي بعده،
[ ٣٧ ]
وهذا الإطلاق غير مرضي ولا مقبول. واختلف العلماء في أن التفضيل المذكور قطعي أم لا، وهل هو في الظاهر والباطن أم في الظاهر خاصة. وممن قال بالقطع أبو الحسن الأشعري، قال: وهم في الفضل على ترتيبهم في الإمامة. وممن قال بأنه اجتهادي ظني أبو بكر الباقلاني، وذكر ابن الباقلاني اختلاف العلماء في أن التفضيل هل هو في الظاهر أم في الظاهر والباطن جميعا. وكذلك اختلفوا في عائشة وخديجة أيتهما أفضل وفي عائشة وفاطمة ﵃ أجمعين. وأما عثمان ﵁ فخلافته صحيحة بالإجماع وقتل مظلوما وقتلته فسقة لأن موجبات القتل مضبوطة ولم يجر منه ﵁ ما يقتضيه، ولم يشارك في قتله أحد من الصحابة وإنما قتله همج ورعاع من غوغاء القبائل وسفلة الأطراف والأرذال، تحزبوا وقصدوه من مصر فعجزت الصحابة الحاضرون عن دفعهم فحصروه حتى قتلوه ﵁. وأما علي ﵁ فخلافته صحيحة بالإجماع وكان هو الخليفة في وقته لا خلافة لغيره. وأما معاوية ﵁ فهو من العدول الفضلاء والصحابة
[ ٣٨ ]
النجباء ﵁. وأما الحروب التي جرت فكانت لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب أنفسها بسببها وكلهم عدول ﵃ ومتأولون في حروبهم وغيرها ولم يخرج شيء من ذلك أحدا منهم عن العدالة، لأنهم مجتهدون اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء وغيرها ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم. واعلم أن سبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام: قسم ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف وأن مخالفه باغ فوجب عليهم نصرته وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده، وقسم عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه، وقسم ثالث اشتبهت عليهم القضية وتحيروا فيها ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين فاعتزلوا الفريقين وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم لأنه لا يحل الإقدام
[ ٣٩ ]
على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك ولو ظهر لهؤلاء رجحان أحد الطرفين وأن الحق معه لما جاز لهم التأخر عن نصرته في قتال البغاة عليه. فكلهم معذورون ﵃. ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم ﵃ أجمعين. اه كلام النووي.
شيخ الإسلام ابن تيمية
قال رحمه الله تعالى في عقيدته:
ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله - ﷺ -، كما وصفهم الله به في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. وطاعة النبي - ﷺ - في قوله: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهالا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه». ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم، فيفضلون من ﴿أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ وهو صلح الحديبية على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين
[ ٤٠ ]
على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، وبأنه «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة»، كما أخبر به النبي - ﷺ -، بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله - ﷺ - بالجنة، كالعشرة، وكثابت بن قيس بن شماس، وغيرهم من الصحابة.
ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق ثم عمر، ثم يثلثون بعثمان، ويربعون بعلي كما دلت عليه الآثار، وكما أجمعت الصحابة على تقديم عثمان في البيعة. مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا، أو ربعوا بعلي، وقدم قوم عليا، وقوم توقفوا. لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي، وإن كانت هذه المسألة مسألة عثمان وعلي ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة
[ ٤١ ]
التي يضلل المخالف فيها مسألة الخلافة. وذلك بأنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة فهو أضل من حمار أهله.
ويحبون أهل بيت رسول الله - ﷺ -، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله - ﷺ - حيث قال يوم غدير خُمّ: «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي»، وقال أيضا للعباس عمه وقد شكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم فقال: "والذي نفسي بيده، لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي"، وقال - ﷺ -: «إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».
ويتولون أزواج رسول الله - ﷺ - أمهات المؤمنين، ويقرون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصا وخديجة ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العلية، والصديقة بنت الصديق ﵄ التي قال فيها النبي - ﷺ -: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد
[ ٤٢ ]
على سائر الطعام».
ويتبرؤون من طريقة الروافض، الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، ومن طريقة النواصب، الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.
ويمسكون عما شجر بين الصحابة. ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون. وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله - ﷺ - إنهم «خير القرون» وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ممن بعدهم. ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد - ﷺ - الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلى ببلاء في
[ ٤٣ ]
الدنيا كفر به عنه. فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم.
ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر، مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح.
ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما مَنَّ الله به عليهم من الفضائل، علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة، التي هي خير الأمم وأكرمها على الله تعالى. اه كلام ابن تيمية.
الكمال بن الهمام
قال رحمه الله تعالى في كتاب المسايرة: وفضل الصحابة الأربعة على حسب ترتيبهم في الخلافة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃. إذ حقيقة الفضل ما هو فضل عند الله تعالى، وذلك لا يطلع عليه إلا رسول الله - ﷺ - بإطلاع الله تعالى. وقد ورد عنه ثناؤه عليهم كلهم، ولا يتحقق إدراك حقيقة تفضيله ﵊
[ ٤٤ ]
لبعضهم على بعض إلا الشاهدون لذلك الزمان زمان الوحي والتنزيل وأحوال النبي - ﷺ - معهم وأحوالهم معه لظهور قرائن الأحوال الدالة على التفضيل لهم دون من لم يشهد ذلك. ولكن قد وصل إلينا سمعيات ثبت ذلك التفضيل بها لنا صريحا من بعضها ودلالة واستنباطا من بعضه كما في صحيح البخاري ومسلم من حديث عمرو بن العاص حين سأل النبي - ﷺ - قال: قلت أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة» فقلت: من الرجال؟ فقال: «أبوها» قلت: ثم من؟ قال: «عمر بن الخطاب»، فعدّ رجالا. وتقديمه في الصلاة على ما قدمناه، مع أن الاتفاق واقع على أن السنة أن يتقدم على القوم أفضلهم علما وقراءة وخلقا وورعا، فثبت بمجموع ما ذكر أنه كان أفضل الصحابة ﵃. وصح من حديث ابن عمر في صحيح البخاري قال: كنا في زمن النبي - ﷺ - لا نعدل بأبي بكر أحدا ثم عمر ثم عثمان ثم نترك أصحاب النبي - ﷺ - لا نفاضل بينهم. وصح في البخاري أيضا من حديث محمد بن الحنفية: قلت لأبي:
[ ٤٥ ]
أي الناس خير بعد رسول الله - ﷺ -؟ فقال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا واحد من المسلمين. فهذا على نفسه مصرح بأن أبا بكر أفضل الناس. وأفاد بعض ما ذكرنا تفضيل أبي بكر وحده على الكل وفي بعضه ترتيب الثلاثة في الفضل. ولما أجمع الصحابة ﵃ على تقديم علي بعد الثلاثة دل على أنه كان أفضل من بحضرته من الصحابة أي من كان موجودا منهم وقت تقديمه، وكان منهم الزبير وطلحة، فثبت أنه كان أفضل الخلق بعد الثلاثة. هذا واعتقاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة والثناء عليهم كما أثنى ﷾ عليهم إذ قال: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وسطا أي عدولا خيارا، والصحابة هم المشافهون بهذا الخطاب على لسان النبي - ﷺ - حقيقة. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ
[ ٤٦ ]
بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ وكذا رسول الله - ﷺ - روي عنه: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" رواه الدارمي وابن عدي وغيرهما.
وقال - ﷺ - في حديث الصحيحين: «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدا أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» وفي رواية الترمذي: «لو أنفق أحدكم» وقال - ﷺ -: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم» أخرجه الشيخان. وما جرى بين معاوية وعلي ﵄ من الحروب بسبب طلب تسليم قتلة عثمان ﵁ كان مبنيا على الاجتهاد لا منازعة من معاوية ﵁ إذ ظن علي ﵁ أن تسليم قتلة عثمان مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بالعسكر يؤدي إلى اضطراب أمر الإمامة العظمى خصوصا في بدايتها فرأى التأخير أصوب إلى أن يتحقق التمكن ويلتقطهم فإن بعضهم عزم على الخروج على علي وقتله لما نادى يوم الجمل بأن يخرج عنه قتلة
[ ٤٧ ]
عثمان على ما نقل في القصة من كلام الأشتر النخعي إن صح ذلك والله أعلم. انتهى كلام الكمال بن الهمام مع قليل من شرحه للكمال بن أبي شريف الشافعي.
الإمام القطب الشعراني
قال رحمه الله تعالى في المنن الكبرى: ومما أنعم الله ﵎ به علي رؤيتي أولاد أصحاب رسول الله - ﷺ - بالعين التي كنت أرى بها والدهم لو أدركته، حتى كأني بحمد الله صحبت جميع أصحاب رسول الله - ﷺ - في تفاوت حياتهم مع تفاوت مراتبهم التي ظهرت من رسول الله - ﷺ - دون ما يقع في نفوسنا نحن من التعظيم، فربما أدخل علينا العصبية في محبتنا، بخلاف من كان محبته للصحابة تبعا لما بلغه عن رسول الله - ﷺ - فإنه يكون سالما من العصبية في عقيدته.
وحكى عن المحب الطبري مفتي الحرمين أن الشريف أبا نمي قال له: بأي طريق قدمتم أبا بكر على علي مع غزارة علمه وقربه من رسول الله - ﷺ -؟ فقال له: يا سيدي، إننا لم نقدم أبا بكر برأينا وما لنا في ذلك أمر، وإنما جدك - ﷺ - قال: «سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي
[ ٤٨ ]
بكر» وقال - ﷺ -: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» وقرأنا هذا الحديث بالسند الصحيح إلى رسول الله - ﷺ -، وقبض رسول الله - ﷺ - فقالت الصحابة: "من رضيه رسول الله - ﷺ - وقدمه لديننا قدمناه ورضيناه لدنيانا" فقال الشريف أبو نمي: نعم، فعمر؟ فقال المحب الطبري: وأما عمر فإن أبا بكر عند موته اختاره للمسلمين، قال الشريف: نعم، فعثمان؟ فقال المحب الطبري: إن عمر جعل الأمر شورى بين من توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض فقدموا عثمان، فقال الشريف: فمعاوية؟ فقال المحب الطبري: هو مجتهد كما أن عليا مجتهدا، فقال الشريف: فتقاتل مع من لو كنت أدركتهما؟ فقال: مع علي ﵁، فقال الشريف: فجزاك الله تعالى عنا خيرا.
قال الإمام الشعراني: فانظر يا أخي هذا الكلام النفيس من هذا العالم الذي لا يخرج عن التبعية في شيء، فإنه لم يجعل لنفسه اختيارا في ذلك كله، فعلم أن الواجب علينا أن نحب أصحاب رسول الله - ﷺ - تبعا لحب رسول الله - ﷺ - ونحب أولادهم كذلك لحب رسول
[ ٤٩ ]
الله - ﷺ - لا بحكم الطبع، ونقدم أولاد فاطمة على أولاد أبي بكر الصديق كما كان أبو بكر يقدمهم على أولاده عملا بحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وولده والناس أجمعين» وقيل مرة للإمام علي بن أبي طالب ﵁: لم قدموا عليك أبا بكر وعمر؟ فقال: إن الله هو الذي قدمهما علي لقوله تعالى: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ وقد ركن رسول الله - ﷺ - إلى أبي بكر وعمر وتزوج ابنتيهما، ولو كانا ظالمين لما تزوج رسول الله - ﷺ - ابنتيهما ولا ركن إليهما.
ثم قال الإمام الشعراني: وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول: لا يكفي في محبة رسول الله - ﷺ - أن نحبهم المحبة العادية إنما الواجب علينا أن لو كنا نعذب من جهتهم لمحبتنا لهم لا نرجع عن محبتهم كما لا نرجع عن محبة إيماننا بالتعذيب كما وقع لبلال وصهيب وعمار وكما وقع للإمام أحمد بن حنبل في مسئلة خلق القرآن، فمن لا يحتمل في حب الصحابة مثل ما حمل هؤلاء فمحبته مدخولة.
[ ٥٠ ]
انتهى.
وقال الإمام الشعراني في كتاب اليواقيت والجواهر: المبحث الرابع والأربعون في بيان وجوب الكف عما شجر بين الصحابة ووجوب اعتقاد أنهم مأجورون، وذلك لأنهم كلهم عدول باتفاق أهل السنة سواء من لابس الفتن ومن لم يلابسها كفتنة عثمان ومعاوية ووقعة الجمل، كل ذلك وجوبا لإحسان الظن بهم وحملا لهم في ذلك على الاجتهاد، فإن تلك أمور مبناها عليه، وكل مجتهد مصيب أو المصيب واحد والمخطئ معذور بل مأجور. قال ابن الأنباري: وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية منهم وإنما المراد قبول رواياتهم لنا أحكام ديننا من غير تكلف ببحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية، ولم يثبت لنا إلى وقتنا هذا شيء يقدح في عدالتهم ولله الحمد، فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله - ﷺ - حتى يثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره بعض أهل السير فإن ذلك لا يصح وإن صح فله تأويل صحيح. وما أحسن قول عمر بن عبد العزيز ﵁: تلك دماء طهر الله تعالى منها سيوفنا فلا نخضب بها ألسنتنا. وكيف يجوز الطعن
[ ٥١ ]
في حملة ديننا وفيمن لم يأتنا خبر عن نبينا إلا بواسطتهم؟ فمن طعن في الصحابة فقد طعن في نفس دينه، فيجب سد الباب جملة واحدة لا سيما الخوض في أمر معاوية وعمرو بن العاص وأضرابهما. ولا ينبغي الاغترار بما نقله بعض الروافض عن أهل البيت من كراهيتهم، فإن مثل هذه المسئلة منزعها دقيق ولا يحكم فيها إلا رسول الله - ﷺ -، فإنها مسئلة نزاع بين أولاده وأصحابه. وقال الكمال بن أبي شريف: وليس المراد بما شجر بين علي ومعاوية المنازعة في الإمارة كما توهمه بعضهم، وإنما المنازعة كانت بسبب تسليم قتلة عثمان إلى عشيرته ليقتصوا منهم، لأن عليا ﵁ رأى أن تأخير تسليمهم أصوب إذ المبادرة بالقبض عليهم مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بعسكر علي يؤدي إلى اضطراب أمر الإمامة العامة، فإن بعضهم عزم على الخروج على الإمام علي وعلى قتله لما نادى يوم الجمل بأن يخرج عنه قتلة عثمان، ورأى معاوية أن المبادرة إلى تسليمهم للاقتصاص منهم أصوب. فكل منهما مجتهد مأجور. فهذا هو
[ ٥٢ ]
المراد بما شجر بينهم. اه كلام الشعراني.
الإمام ابن حجر الهيتمي
قال رحمه الله تعالى في كتاب الزواجر: قال أبو أيوب السختياني من أكابر السلف: من أحب أبا بكر فقد أقام منار الدين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب عليا فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الخير في جميع أصحاب رسول الله - ﷺ - فقد برئ من النفاق. ومناقبهم وفضائلهم أكثر من أن تذكر. قال: وأجمع أهل السنة والجماعة على أن أفضلهم العشرة المشهود لهم بالجنة على لسانه نبيه - ﷺ - في سياق واحد، وأفضل هؤلاء أبو بكر فعمر، قال أكثر أهل السنة: فعثمان فعلي. ولا يطعن في واحد منهم إلا مبتدع منافق خبيث. وقد أرشد - ﷺ - إلى التمسك بهدي هؤلاء الأربعة بقوله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» والخلفاء الراشدون هم هؤلاء الأربعة بإجماع من يعتد به. اه
وقال في الزواجر أيضا:
[ ٥٣ ]
قد نص الله تعالى على أنه رضي الله عن الصحابة في غير آية، قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ (١) فمن سبهم أو واحدا منهم فقد بارز الله بالمحاربة، ومن بارز الله بالمحاربة أهلكه وخذله. ومن ثم قال العلماء: إذا ذكر الصحابة بسوء كإضافة عيب إليهم وجب الإمساك عن الخوض في ذلك، بل ويجب إنكاره باليد ثم اللسان ثم القلب على حسب الاستطاعة كسائر المنكرات، بل هذا من أشرها وأقبحها، ومن ثم أكد النبي - ﷺ - التحذير من ذلك بقوله: "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه" رواه الترمذي. أي احذروا الله أي عقابه وعذابه على حد قوله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ وكما تقول لمن تراه مشرفا على الوقوع في نار عظيمة: النار النار، أي احذرها. وتأمل أعظم فضائلهم ومناقبهم التي نوه بها - ﷺ -
_________________
(١) التوبة: ١٠٠
[ ٥٤ ]
حيث جعل محبتهم محبة له وبغضهم بغضا له، وناهيك بذلك جلالة لهم وشرفا، فحبهم عنوان محبته وبغضهم عنوان بغضه - ﷺ -. وإنما يعرف فضائل الصحابة من تدبر سيرهم معه - ﷺ - وآثارهم الحميدة في الإسلام في حياته وبعد مماته، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأكمله وأفضله، فقد جاهدوا في الله حق جهاده حتى نشروا الدين وأظهروا شرائع الإسلام، ولولا ذلك منهم ما وصل إلينا قرآن ولا سنة ولا أصل ولا فرع. فمن طعن فيهم فقد كاد أن يمرق من الملة لأن الطعن فيهم يؤدي إلى انطماس نورها، ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾ وإلى عدم الطمأنينة والإذعان لثناء الله ورسوله عليهم، وإلى الطعن في الله وفي رسوله إذ هم الوسائط بيننا وبين رسول الله - ﷺ -. والطعن في الوسائط طعن في الأصل، والإزراء بالناقل إزراء بالمنقول عنه. وهذا ظاهر لمن تدبره وقد سلمت عقيدته من النفاق والغلول والزندقة. فالواجب على من أحب الله ورسوله حب من قام بما أمر الله ورسوله
[ ٥٥ ]
به وأوضحه وبلغه لمن بعده وأداء جميع حقوقه، والصحابة هم القائمون بأعباء ذلك كله. اه
وقال في الزواجر أيضا: والأحاديث في ذلك كثيرة. وقد استوفيتها وما يتعلق بها في كتاب حافل لم يصنف في هذا الباب فيما أظن مثله، ومن ثم سميته: الصواعق المحرقة لإخوان الشياطين أهل الابتداع والضلال والزندقة، فاطلبه إن شئت لترى ما فيه من محاسن الصحابة وثناء أهل البيت عليهم لا سيما الشيخان، ومن افتضاح الشيعة والرافضة في كذبهم وتقولهم وافترائهم عليهم بما هم بريئون منه - رضوان الله عليهم أجمعين. انتهت عبارته في الزواجر.
وقد رأيت أنت أنتخب من كلامه في الصواعق جملا شاملة شافية ولفضل الصحابة والذب عنهم كافلة كافية.
قال رحمه الله تعالى في كتاب الصواعق: اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل مسلم تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم والكف عن الطعن فيهم والثناء عليهم، فقد أثنى الله ﷾ عليهم في آيات من كتابه. منها قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ فأثبت الله لهم
[ ٥٦ ]
الخيرية على سائر الأمم ولا شيء يعادل شهادة الله لهم بذلك لأنه تعالى أعلم بعباده وما انطووا عليه من الخيرات وغيرها بل لا يعلم ذلك غيره تعالى فإذا شهد تعالى فيهم بأنهم خير الأمم وجب على كل أحد اعتقاد ذلك والإيمان به وإلا كان مكذبا لله في إخباره. ولا شك أن من ارتاب في حقية شيء مما أخبر الله أو رسوله به كان كافرا بإجماع المسلمين. ومنها قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس﴾ والصحابة في هذه الآية والتي قبلها هم المشافهون بهذا الخطاب على لسان رسول الله - ﷺ - حقيقة. فانظر إلى كونه تعالى خلقهم عدولا وخيارا ليكونوا شهداء على بقية الأمم يوم القيامة، وحينئذ فكيف يستشهد الله تعالى بغير عدول أو بمن ارتدوا بعد وفاة نبيهم إلا نحو ستة أنفس منهم كما زعمته الرافضة قبحهم الله ولعنهم وخذلهم ما أحمقهم وأجهلهم وأشهدهم بالزور والافتراء والبهتان. ومنها قوله تعالى: ﴿يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى يبن أيديهم وبأيمانهم﴾ فأمنهم الله من خزيه ولا يأمن من خزيه في ذلك اليوم إلا الذين ماتوا والله
[ ٥٧ ]
سبحانه ورسوله عنهم راض، فأمنهم من الخزي صريح في موتهم على كمال الإيمان وحقائق الإحسان وفي أن الله لم يزل راضيا عنهم وكذلك رسوله - ﷺ -. ومنها قوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ فصرح تعالى برضاه عن أولئك وهم ألف ونحو أربعمائة. ومن ﵁ تعالى لا يمكن موته على الكفر لأن العبرة بالوفاة على الإسلام، فلا يقع الرضا منه تعالى إلا على من علم موته على الإسلام. وأما من علم موته على الكفر فلا يمكن أن يخبر الله تعالى بأنه رضي عنه. فعلم أن كلا من هذه الآية وما قبلها صريح في رد ما زعمه وافتراه أولئك الملحدون الجاحدون حتى للقرآن العزيز إذ يلزم من الإيمان به الإيمان بما فيه وقد علمت أن الذي فيه أنهم خير الأمم وأنهم عدول أخيار وأن الله لا يخزيهم وأنه رضي عنهم. فمن لم يصدق بذلك فيهم فهو مكذب لما في القرآن، ومن كذب بما فيه مما لا يحتمل التأويل كان كافرا جاحدا ملحدا مارقا.
ومنها قوله تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ولذين اتبعوهم بإحسان رضي
[ ٥٨ ]
الله عنهم ورضوا عنه﴾ وقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ وقوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون * والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون * والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾. فتأمل ما وصفهم الله به من هذه الآية تعلم به ضلال من طعن فيهم من شذوذ المبتدعة ورماهم بما هم بريئون منه. ومنها قوله تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ
[ ٥٩ ]
بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما﴾ فانظر إلى عظيم ما اشتملت عليه هذه الآية فإن قوله تعالى: ﴿محمد رسول الله﴾ جملة مبينة للمشهود به في قوله: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا﴾ ففيها ثناء عظيم على رسوله، ثم ثنى بالثناء على أصحابه بقوله: ﴿والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ كما قال تعالى: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾ فوصفهم الله تعالى بالشدة والغلظة على الكفار وبالرحمة والبر والعطف على المؤمنين والذلة والخضوع لهم، ثم أثنى عليهم بكثرة الأعمال مع الإخلاص وسعة الرجاء في فضل الله ورحمته بابتغائهم فضله ورضوانه وبأن آثار ذلك الإخلاص وغيره من أعمالهم الصالحة ظهرت على وجوههم حتى إن من نظر إليهم بهره حسن سمتهم وهديهم. ومن ثم قال مالك ﵁: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين
[ ٦٠ ]
فتحوا الشام قالوا: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا. وقد صدقوا في ذلك فإن هذه الأمة المحمدية خصوصا الصحابة لم يزل ذكرهم معظما في الكتب كما قال الله تعالى في هذه الآية: ﴿ذلك مثلهم﴾ أي وصفهم في التوراة ﴿ومثلهم﴾ أي وصفهم ﴿في الإنجيل كزرع أخرج شطأه﴾ أي فراخه ﴿فآزره﴾ أي شده وقواه ﴿فاستغلظ﴾ أي شب فطال، فكذلك أصحاب محمد آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾. ومن هذه الآية أخذ الإمام مالك في رواية عنه قوله بكفر الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: لأن الصحابة يغيظونهم ومن غاظه الصحابة فهو كافر. وهو مأخذ حسن يشهد له ظاهر الآية. ومن ثم وافقه الشافعي رضي الله تعالى عنهما في قوله بكفرهم ووافقه أيضا جماعة من الأئمة. والأحاديث في فضل الصحابة كثيرة.
قال: وقد قدمنا معظمها في أول هذا الكتاب -يعني الصواعق- ويكفيهم شرفا أي شرف ثناء الله عليهم في تلك الآيات كما ذكرناه وفي غيرها ورضاه عنهم وأنه تعالى وعدهم جميعهم
[ ٦١ ]
لا بعضهم إذ من في ﴿منهم﴾ لبيان الجنس لا للتبعيض ﴿مغفرة وأجرا عظيما﴾ ووعد الله صدق وحق لا يتخلف ولا يخلف، لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم.
قال رحمه الله تعالى: فعلم أن جميع ما قدمناه من الآيات هنا ومن الأحاديث الكثيرة الشهيرة في المقدمة يقتضي القطع بتعديلهم ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق. على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام ببذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع بتعديلهم والاعتقاد بنزاهتهم وأنهم أفضل من جميع من بعدهم. هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله. ولم يخالف فيه إلا شذوذ من المبتدعة الذين ضلوا وأضلوا فلا يلتفت إليهم ولا يعول عليهم. وقد قال إمام عصره أبو زرعة الرازي من أجل شيوخ مسلم: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله - ﷺ - فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به
[ ٦٢ ]
حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة فيكون الجرح به ألصق والحكم عليه بالزندقة والضلالة والكذب والفساد هو الأقوم الأحق. وقال ابن حزم: الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعا، قال تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى﴾ وقال تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ فثبت أن جميعهم من أهل الجنة وأنه لا يدخل أحد منهم النار لأنهم المخاطبون بالآية الأولى التي أثبت لكل منهم الحسنى وهي الجنة. اه
ثم قال الإمام ابن حجر: ومما يشهد لما عليه الجمهور من السلف والخلف من أنهم خير خلق الله وأفضلهم بعد النبيين وخواص الملائكة والمقربين ما قدمته من فضائل الصحابة ومآثرهم أول الكتاب وهو كثير فراجعه. ومنه حديث الصحيحين: «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدا أنفق مثل أحد ما بلغ مثل أمد أح دهم ولا نصيفه» وروى الدارمي وابن عدي وغيرهما أنه قال: "أصحابي كالنجوم
[ ٦٣ ]
بأيهم اقتديتم اهتديتم". ومن ذلك أيضا الخبر المتفق على صحته: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم». والقرن أهل زمن واحد متقارب اشتركوا في وصف مقصود والمراد بقرنه في هذا الحديث الصحابة. وآخر من مات منهم على الإطلاق بلا خلاف أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي كما جزم به مسلم في صحيحه وكان موته سنة مائة على الصحيح.
ثم قال الإمام ابن حجر: وقال - ﷺ -: "من أحب الله أحب القرآن ومن أحب القرآن أحبني ومن أحبني أحب أصحابي وقرابتي" رواه الديلمي. وقال - ﷺ -: "يا أيها الناس احفظوني في أختاني وأصهاري وأصحابي لا يطالبنكم الله بمظلمة أحد منهم فإنها ليست مما يوهب" رواه الخلعي. وقال - ﷺ -: "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي من أحبهم فقد أحبني ومن أبغضهم فقد أبغضني ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه" رواه المخلص الذهبي. فهذا الحديث وما قبله خرج مخرج الوصية بأصحابه على طريق التأكيد والترغيب في حبهم والترهيب عن
[ ٦٤ ]
بغضهم. وفيه أيضا إشارة إلى أن حبهم إيمان وبغضهم كفر لأن بغضهم إذا كان بغضا له كان كفرا بلا نزاع لخبر «لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه». وهذا يدل على كمال قربهم منه من حيث أنزلهم منزلة نفسه حتى كأن أذاهم واقع عليه - ﷺ -. وفيه أيضا أن محبة من أحبه النبي - ﷺ - كآله وأصحابه رضي الله تعالى عنهم علامة على محبة رسول الله - ﷺ - كما أن محبته - ﷺ - علامة على محبة الله تعالى، وكذلك عداوة من عاداهم وبغض من أبغضهم وسبهم علامة على بغض رسول الله - ﷺ -، وعدواته وسبه وبغضه - ﷺ - علامة على بغض الله تعالى وسبه، فمن أحب شيئا أحب من يحب وأبغض من يبغض. قال الله تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ فحب أولئك -أعني آله - ﷺ - وأزواجه وذرياته وأصحابه- من الواجبات المتعينات، وبغضهم من الموبقات المهلكات. ومن محبتهم توقيرهم وبرهم
[ ٦٥ ]
والقيام بحقوقهم والاقتداء بهم بالمشي على سنتهم وآدابهم وأخلاقهم والعمل بأقوالهم مما ليس للعقل فيه مجال، ومزيد الثناء عليهم وحسنه بأن يذكروا بأوصافهم الجميلة على قصد التعظيم، فقد أثنى الله عليهم في آيات كثيرة من كتابه المجيد ومن أثنى الله عليه فهو واجب الثناء. انتهى.
وقال في الصواعق أيضا: ومما يجب أيضا الإمساك عما شجر أي وقع بينهم من الاختلاف والاضطراب صفحا عن أخبار المؤرخين، سيما جهلة الروافض وضلال الشيعة والمبتدعين القادحين في أحد منهم، فقد قال - ﷺ -: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا». والواجب أيضا على كل من سمع شيئا من ذلك أن يثبت فيه ولا ينسبه إلى أحدهم بمجرد رؤيته في كتاب أو سماعه من شخص بل لا بد أن يبحث عنه حتى يصح عنده نسبته إلى أحدهم فحينئذ الواجب أن يلتمس لهم أحسن التأويلات وأصوب المخارج، إذ هم أهل لذلك كما هو مشهور في مناقبهم ومعدود من مآثرهم مما يطول إيراده. وما وقع بينهم من المنازعات والمحاربات فله محامل وتأويلات وأما سبهم
[ ٦٦ ]
والطعن فيهم فإن خالف دليلا قطعيا كقذف عائشة ﵂ أو إنكار صحبة أبيها كان كفرا وإن كان بخلاف ذلك كان بدعة وفسقا. ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن ما جرى بين معاوية وعلي ﵄ من الحروب فلم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة للإجماع على حقيتها لعلي ﵁ كما مر فلم تهج الفتنة بسببها؛ وإنما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من علي تسليم قتلة عثمان إليهم لكون معاوية ابن عمه فامتنع علي ظنا منه أن تسليمهم إليهم على الفور مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بعسكر علي يؤدي إلى اضطراب وتزلزل في أمر الخلافة التي بها انتظام كلمة أهل الإسلام سيما وهي في ابتدائها لم يستحكم الأمر فيها، فرأى علي ﵁ أن تأخير تسليمهم أصوب إلى أن يرسخ قدمه في الخلافة ويتحقق التمكن من الأمور فيها على وجهها ويتم له انتظام شملها واتفاق كلمة المسلمين ثم بعد ذلك يلتقطهم واحدا فواحدا ويسلمهم إليهم. ويدل لذلك أن بعض قتلته عزم على الخروج على علي ومقاتلته لما نادى يوم الجمل بأن يخرج
[ ٦٧ ]
عنه قتلة عثمان، وأيضا فالذين تمالؤا على قتل عثمان كانوا جموعا كثيرة كما علم مما قدمته في قصة محاصرتهم له إلى أن قتله بعضهم جمع من أهل مصر قيل سبعمائة وقيل ألف وقيل خمسمائة وجمع من الكوفة وجمع من البصرة وغيرهم قدموا كلهم المدينة وجرى منهم ما جرى. بل ورد أنهم هم وعشائرهم نحو من عشرة آلاف. فهذا هو الحامل لعلي ﵁ على الكف عن تسليمهم لتعذره كما عرفت.
ثم ذكر حديث البخاري عن أبي بكرة ﵁ قال: رأيت رسول الله على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». وقد حصل ذلك فسلمها لمعاوية بعد وفاة علي ﵁ على شروط قام له بها معاوية. وقد سمى النبي فئته المسلمين وساواهم بفئة الحسن في وصف الإسلام، فدل على بقاء حرمة الإسلام للفريقين وأنهم لم يخرجوا بتلك الحروب عن الإسلام وأنهم فيه على حد سواء. فلا فسق ولا نقص يلحق أحدهما لما قررناه من أن كلا منهما متأول تأويلا غير قطعي البطلان.
[ ٦٨ ]
وفئة معاوية وإن كانت هي الباغية لكنه بغي لا فسق به لأنه إنما صدر عن تأويل يعذر به أصحابه. انتهى كلام ابن حجر في الصواعق.
وذكر في كتابه المذكور أحاديث كثيرة في فضل الصحابة ولا سيما الخلفاء الراشدين وبسط الكلام على فضل آل البيت الكرام ونقل في ذلك أحاديث كثيرة وذكر شبها للروافض لا يلتفت إليها ولا يعول عليها وأجاب عنها بأجوبة كثيرة وأطال النفس في ذلك في الفصل الخامس من كتابه المذكور. فمن شاء فليراجعه فإنه مطبوع وسهل الحصول لكل من أراده.
البرهان اللقاني
قال رحمه الله تعالى في شرحه على جوهرة التوحيد المسمى هداية المريد عند قوله:
وصحبه خير القرون فاستمع فتابعي فتابع لمن تبع
مما يجب اعتقاده أن أصحابه ﵊ وهم الذين آمنوا به وصحبوه ولو قليلا أفضل من غيرهم من جميع القرون للأحاديث البالغة مبلغ التواتر وإن كانت تفاصيلها آحادا كحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله - صلى الله عليه
[ ٦٩ ]
وسلم -: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده أن أحدا أنفق ملء أحد ذهبا -وفي رواية: مثل أحد ذهبا- ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» وكحديث: "إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين" وفي القرآن: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، وفيه أيضا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ الآية. ومن لازمه - ﷺ - منهم وقاتل معه أو قتل تحت رايته أفضل من غيره ممن قصر عن تلك الرتبة كمن لم يلازمه أو لم يشهد معهد مشهدا أو رآه على بعد وإن كان شرف الصحبة حاصلا للجميع. والمراد بالأفضلية أكثرية الثواب لما أنهم أووا ونصروا وجاهداو وصبروا وتصدقوا بأموالهم على فاقة وباعوا النفوس لله ﷾ رغبة في محبته. وخيرهم من ولي الخلافة وأمرهم في الفضل كالخلافة. ومما يجب اعتقاده أن أفضل الصحابة ﵃ الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وهم في الفضل على ترتيبهم في الخلافة. قال أبو منصور الماتريدي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة على الترتيب المذكور ثم
[ ٧٠ ]
تمام العشرة ثم أهل بدر ثم أهل أحد ثم أهل بيعة الرضوان. وممن له مزية أهل العقبات من الأنصار وكذلك السابقون الأولون. اه. فشأن الخلفاء الأربعة في تفاوتهم في الفضل على حسب تفاوتهم في الخلافة، فالأسبق فيها أكثرهم فضلا ثم الثاني فالثالث، كذلك عند أهل السنة وإماميهم أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي. فالأفضل منهم بعد الأنبياء أبو بكر ثم يليه عمر ثم يليه عثمان ثم يليه علي على الأصح من تقديم عثمان عليه. ورجع الإمام مالك إليه. قال السعد: على هذا وجدنا الخلف والسلف. والظاهر أنه لو لم يكن لهم دليل على ذلك لما حكموا به وهو فيه تابع لقول الغزالي: "حقيقة الفضل ما هو فضل عند الله ﷿، وذلك لا يطلع عليه إلا رسول الله - ﷺ -، وقد ورد في الثناء عليهم في أخبار كثيرة، ولا يدرك دقائق الفضل والترتيب فيه إلا المشاهدون للوحي والتتريل بقرائن الأحوال. فلولا فهمهم ذلك لما رتبوا الأمر كذلك، إذ كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عن الحق صارف" اه. قلت: ونحوه قول السعد أيضا في شرح
[ ٧١ ]
المقاصد يدل لنا إجمالا أن جمهور عظماء الملة وعلماء الأمة أطبقوا على ذلك وحسن الظن بهم يقضي بأنهم لو لم يعرفوه بدلائل وأمارات لما أطبقوا عليه وتفصيلا الكتاب والسنة والأثر والأمارات وسردها رحمه الله تعالى. ولا يخفى صحة شمول الفضل لسائر أسبابه من علم وشجاعة وحسن رأي وقرب من الله ورسوله ومحبة لهما ومنهما. والله أعلم.
يليهم قوم كرام بررة عدتهم ست تمام العشرة
فأهل بدر العظيم الشأن فأهل أحد فبيعة الرضوان
وقال بعضهم: أفضل الصحابة أهل الحديبية وأفضل أهل الحديبية أهل أحد وأفضل أهل أحد أهل بدر وأفضل أهل بدر الشعرة وأفضل العشرة الخلفاء الأربعة وأفضل الأربعة أبو بكر ﵃ أجمعين.
وأوِّل التشاجر الذي ورد إن خضت فيه واجتنب داء الحسد
لما حكم على الأصحاب المكرمين بأنهم خير القرون أجمعين، فكانت بينهم منازعات ومحاربات لو كانت بين غيرهم لم تقصر عن التفسيق، أجاب عن ذلك بأنه واجب التأويل بعد ثبوت وروده بمتصل صحيح الأسانيد، وإلا كان مردودا.
[ ٧٢ ]
فمقاولة علي مع العباس لم تشتمل على شيء من الأدناس. ووقوف علي عن مبايعة أبي بكر إنما كانت عبتا عليه، ثم لما أعتبه أبو بكر بايعه على رؤس الأشهاد. ووقوفه عن الاقتصاص من قتلة عثمان لخشية تزايد الفاسد، وقد نصره وأعانه فلم يمكنه ثعمان توكلا على الرحمن. وكان معاوية وعائشة والزبير وطلحة ومن تبعهم ما بين مجتهد ومقلد في جواز محاربة علي. قال السعد: والذي اتفق عليه أهل الحق أن المصيب في جميع ذلك علي ﵁ والتحقيق أنهم كلهم عدول متأولون في تلك الحروب وغيرها من المخاصمات والمنازعات لم يخرج شيء منها أحدا منهم عن عدالتهم إذ هم مجتهدون اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء وغيرها ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم. اه. قال الغزالي: واعلم أن المصيب عند أهل السنة علي ﵁ والمخطئ معاوية وأصحابه. فإن قلنا كل مجتهد في الفروع مصيب فلا إشكال، وإن قلنا المصيب واحد فالمخطئ في الاجتهاد في الفروع مع انتفاء التقصير عنه
[ ٧٣ ]
مأجور غير موزور، وسبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام: قسم ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف وأن مخالفه باغ فوجب عليهم نصرته وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده، وقسم عكسه سواء بسواء، وقسم ثالث اشتبهت عليهم القضية وتحيروا فيها ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين فاعتزلوا الفريقين وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه استحقاقه، وبالجملة فكلهم معذورون مأجورون. ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وتحقق عدالتهم. والبحث عن أحوال الصحابة ﵃ أجمعين وعما جرى بين الموافقة والمخالفة ليس من العقائد الدينية ولا من القواعد الإسلامية وليس مما ينتفع به في الدين، بل ربما أضر باليقين، وإنما ذكر القوم منها نتفًا في كتبهم صونا
[ ٧٤ ]
للقاصرين عن التأويل عن اعتقاد ظواهر حكايات الرافضة ورواياتها. والخوض في ذلك إنما يباح للتعليم أو للرد على المتعصبين أو لتدريس كتب تشتمل على تلك الآثار، فلا يحل ذلك للعوام لفرط جهلهم بالتأويل كما قاله المحققون. انتهى كلام اللقاني باختصار.
السيد مرتضى الزبيدي
قال رحمه الله تعالى في شرح الإحياء: قول الروافض بوجود النص على علي والزيديين بوجود النص على العباس ﵄ باطل، لأنه لو كان ثابتا لادّعى المنصوص عليه ذلك واحتج بالنص وخاصم من لم يقبل ذلك منه، ولما لم يرو عنه الاحتجاج عند تفويض الأمر إلى غيره علم أنه لا نص على أحد، ولأنهم لما ادعوا من النص صاروا طاعنين على الصحابة على العموم حيث زعموا أنهم اتفقوا بعد رسول الله - ﷺ - على مخالفة نصه واستمروا على ذلك وفوضا الأمر إلى غير المنصوص عليه وأعانوا المبطل وخذلوا المحق مع أن الله وصفهم بكونهم ﴿خير أمة﴾ جعلهم ﴿أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس﴾ وعلى علي والعباس ﵄ على الخصوص
[ ٧٥ ]
فإنه اشتهر أنهما بايعا أبا بكر ﵁ جهرا، ولو كان الحق لهما ثابتا لكان أبو بكر عاصيا ظالما، ومن زعم أن عليا ﵁ مع قوة حاله وعلمه وكماله وعز عشيرته وكثرة متابعيه ترك حقه واتبع ظالما عاصيا ونصر باغيا مطيعا فقد وصفه بالجبن والضعف وقلة التوكل على الله تعالى وعدم الثقة بوعد الرسول ﵊ المفوض إليه الأمر الناصّ عليه بذلك، كيف وهو موصوف بالصلاة في الدين والتعصب له موسوم بالشجاعة والبسالة ورباط الجأش وشدة الشكيمة وقوة الصريمة مشهود له بالظفر في معادن المصاولة وأماكن المبارزة والمقاتلة على المشهورين من الفرسان والمعروفين من الشجعان، وهو القائل في كتاب إلى عامله عثمان بن حنيف: لو ارتدت العرب عن حقيقة أحمد - ﷺ - لخضت إليها حياض المنايا ولضربتهم ضربا يقض الهام ويرض العظام حتى يحكم الله بيني وبينهم وهو خير الحاكمين. فلو كان عرف من النبي - ﷺ - فيه أو في عمه العباس نصا وعرف أنه لا حق لغيرهما لما انقاد لغيره بل اخترط سيفه
[ ٧٦ ]
وخاض المعركة وطلب حقه أو حق عمه، ولم يرض بالذل والهوان، ولم ينقد لأحد على غير الحق، ولم يتابعه في أموره ولم يخاطبه بخلافة الرسول - ﷺ -، ولم يساعد أيضا من تولى الأمر بعده بتقليده ولم يزوجه ابنته وهو ظالم عليه لغصبه حقه وعاص لله تعالى بالإعراض عن نص رسول الله - ﷺ - كما شهر سيفه وقت خلافته، بل كان في الأمر أحق وأولى إذ كان عهد رسول الله - ﷺ - أقرب وزمانه أدنى. وقد روي أن العباس قال لعلي: امدد يدك أبايعك حتى يقول الناس بايع عم رسول الله - ﷺ - ابن عم رسول الله - ﷺ -، فلا يختلف عليك اثنان. والزبير وأبو سفيان لم يكونا راضيين بإمامة أبي بكر والأنصار كانوا كارهين خلافته حيث قالوا: منا أمير ومنكم أمير. وحيث لم يجرد سيفه ولم يطلب حقه دل أنه إنما لم يفعل ذلك لأنه علم أن لا نص له ولا لغيره، ولكن الصحابة اجتعت على خلافة أبي بكر إما استدلالا بأمر الصلاة، فإنه ﵊ قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» وهي من أعظم أركان الدين، فاستدلوا
[ ٧٧ ]
بهذا على أنه أولى بالخلافة منهم. ولهذا قال عمر ﵁: رضيك رسول الله - ﷺ - لأمر ديننا أفلا نرضاك لدنيانا.
وأمر الحج فإنه - ﷺ - أمره بأن يحج بالناس سنة تسع حين إقامته بنفسه لشغل. ولأن اللطيف الخبير جل ثناؤه نظر لأمة حبيبه ومتبعي صفيه - ﷺ - فجمع أهواءهم المشتتة وأراءهم على خلافة قرشي شجاع موصوف بالعلم والديانة والصلابة ورباطة الجأش والعلم بتدابير الحروب والقيام بتهيئة الجيوش وتنفيذ السرايا ومعرفة سياسة العامة وتسوية أمور الرعية، بل هو أكثرهم فضلا وأغزرهم علما وأوفرهم عقلا وأصوبهم تدبيرا وأربطهم عند الملمات جأشا وأشدهم على عدو الله إنكارا وإنكالا وأيمنهم نقيبة وأطهرهم سريرة وأعودهم على اقتناء الخلق نفعا وأطلقهم عن الفواحش نفسا وأصوبهم عن القبائح عرضا وأجودهم كفا وأسمحهم ببذل ما احتوى من المال يدا وأجلهم في ذات الله مبالغة. والإجماع حجة موجبة للعلم قطعا. انتهى كلام السيد مرتضى رحمه الله تعالى.
هذا ما أردت نقله هنا من كلام أئمة
[ ٧٨ ]
المذاهب الأربعة أهل السنة والجماعة ﵃. وقد رأيت أن أعزز ذلك بفوائد مهمة ذكرتها في آخر كتابي الشرف المؤبد تتعلق بفضل الآل والأصحاب وبيان أن الجمع بين محبتهما هو الحق والصواب. وهي قولي فيه مع زيادات قليلة قد ظهر لذهني القاصر معنى شريف وحجة قوية في تأييد مذهب أهل السنة الجامعين بين حب الصحابة والآل وتزييف مذهب المفرقين بينهم من أهل الرفض والضلال. وذلك أن جميع ما ثبت من فضل الصحابة رضوان الله عليهم هو في الحقيقة من فضائل بيت النبوة زيادة على ما نالوه بانتسابهم إلى حضرة صاحب الرسالة من الفضل فإنهم صحابة جدهم الأعظم - ﷺ - لا صحابة نبي سواه، وهم وإن كانوا في أنفسهم فضلاء نبلاء حائزين من كل وصف جميل محضه ولبابه إلا أن أفضليتهم على من سواهم من الأمة إنما هي لفوزهم بتلك الصحبة الشريفة التي لا يواز بها علم عامل ولا اجتهاد مجتهد وما يلزمها من اقتباس الأنوار والأسرار فضلا عن فدائهم له - ﷺ - بكل ما قدروا عليه من نفس ومال وولد
[ ٧٩ ]
ووالد وخوض كثير منهم أمامه في غمار الحروب ومخالطتهم المنايا حتى ظهر دين الله المبين وخفقت أعلامه في العالمين. وإلا فإنا نجد في التابعين فمن بعدهم من هو أعلم وأعبد وأورع وأزهد وأكثر حربا وجهادا وطعانا وجلادا من بعض صغار الصحابة الذين لم تطل صحبتهم له - ﷺ - ولم يلازموه في كثير من مواطنه الشريفة وغزواته المظفرة، ومع هذا فأقلهم فضلا أفضل من أفضل التابعين فمن بعدهم إلى يوم القيامة. فتلخص أنه - ﷺ - هو الأصل الذي تفرع عنه فضل الصحابة رضوان الله عليهم، وكذا جميع ما ثبت لأهل البيت من الفضل هو أيضا يحسب من فضائل الصحابة الكرام زيادة على ما اتصفوا به من الفضل والفخر بصحبتهم له - ﷺ -، فإنهم ذرية نبيهم الذي استنقذهم من ظلمات الشرك وزجهم في أنوار التوحيد وفازوا بما فازوا به بسببه من السيادة الدنيوية والسعادة الأبدية، وذريته - ﷺ - بعضه، فكما أن فضل الكل وهو النبي ﵊ هو زيادة في فضل أصحابه
[ ٨٠ ]
الذي هو متفرع عن فضله فكذلك بعضه وهم الذرية الطاهرة فإن فضلهم فرع عن فضله - ﷺ -، فقد علمت أن أصل الفضلين فضل الذرية وفضل الصحابة هو رسول الله - ﷺ -، وهما فرعان عن أصل واحد، فمهما حصل لأحدهما من مدح أو ذم لا بد وأن يتعدى إلى الآخر. فلعنة الله على من فرق بينهما بولاء بعضهم ومعاداة البعض، فإن من عادى أحدهما لم ينفعه ولاء الآخر وكان عدوا لله ورسوله ولمن التزم ولاءه أيضا. وانظر إلى سيدنا زيد بن علي زين العابدين ﵄ حين خرج على هشام بن عبد الملك فقد بايعه وقتئذ ناس كثير من أهل الكوفة وطلبوا منه أن يتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر لينصروه فقال: كلا بل أتولاهما، فقالوا: إذا نرفضك، فقال: اذهبوا فأنتم الرافضة. فسموا رافضة من حينئذ.
وجاءت طائفة وقالوا: نحن نتولاهما ونتبرأ ممن يتبرأ منهما، فقبلهم وقاتلوا معه، فسموا الزيدية، غير أنهم خلف من بعدهم خلف خرجوا عن مذهب زيد وبقي عليهم الاسم فقط. فمن أراد سعادة الدارين فعليه بمحبة الطرفين
[ ٨١ ]
ملتزما في ذلك الطريق الشرعي غير حائد عن سنن السلف والخلف، وهو مذهب أهل السنة السنية وهداة الملة الحنيفية، أماتنا الله على ذلك غير مبدلين ولا مغيرين ولا فاتنين ولا مفتونين.
فإن قلت: تفريعك هذين الفرعين أهل البيت والصحابة رضوان الله عليهم عن الأصل الواحد وهو النبي - ﷺ - بالصفة التي ذكرتها يشعر بتفضيل الذرية الطاهرة على الصحابة الكرام رضوان الله على الجميع؟ قلت: نعم، وهو كذلك من حيث أنهم ذريته - ﷺ - لا من كل حيثية، وهذا مما لا يشتبه فيه عاقل، فإن الذرية الطاهرة من هذه الحيثية أفضل العالمين على الإطلاق، فإن ذلك يرجع لتفضيله ﵊. ولا يشك مؤمن بأنه أفضل الخلق كافة، وهو بمنزلة قولك جدهم ﵊ أفضل من كل جد، وهل يرتاب في هذا مؤمن؟ ومن هنا قال الإمام السبكي وغيره في حق فاطمة ﵂: لا نفضل على بضعة رسول الله - ﷺ - أحدا، فأنت تراهم وصفوها بالبضعية التي هي داعية التفضيل على أمها خديجة
[ ٨٢ ]
ومريم وعائشة ولم يقولوا لا نفضل على زوجة علي أو أم الحسنين أو غير ذلك من أوصافها الشريفة. وهذا المعنى موجود في سائرة أولاده وبناته - ﷺ - وأولاد فاطمة خصوصية منه - ﷺ -، فهم من تلك الحيثية أفضل الناس. وصرح بأفضلية فاطمة على جميع الصحابة الشيخين فمن عداهما الشمس العلقمي وقيده المناوي بحيثية البضعية، قال: فإن الشيخين أفضل منها من حيث المعرفة والعلم ورفع منار الإسلام، وهذا نبه العلاقة اللقاني في شرح الجوهرة بعد ذكر أفضلية الخلفاء الأربعة على من سواهم بقوله: لا يشكل الحكم المذكور بالذرية الشريفة لأنه من حيث البضعية المكرمة، فالذرية أفضل. فاعلم ذلك واعرف منزلة أهل بيت النبوة وما خولهم الله من الفضل الوهبي واختصهم به من الشرف القربي، قال الشاعر وأظنه سيدي محيي الدين بن العربي ﵁:
هم القوم من أصفاهم الود مخلصا تمسك في أخراه بالسبب الأقوى
[ ٨٣ ]
هم القوم فاقوا العالمين مناقبا محاسنهم تحكى وآياتهم تروى
موالاتهم فرض وحبهم هدى وطاعتهم ود وودهم تقوى
قال في الإسعاف: واعلم أن المحبة المعتبرة الممدوحة هي ما كانت مع اتباع لسنتهم المحبوبة، إذ مجرد محبتهم من غير اتباع لسنتهم كما تزعمه الشيعة والرافضة من محبتهم مع مجانبتهم للسنة لا تفيد مدعيها شيئا من الخير بل تكون عليه وبالا وعذابا في الدنيا والآخرة، على أن هذه ليست محبة في الحقيقة، إذ حقيقة المحبة الميل إلى المحبوب وإيثار محبوباته ومرضياته على محبوبات النفس ومرضياتها والتأدب بأخلاقه وآدابه، ومن ثم قال علي كرم الله وجهه: لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر وعمر. أي لأنهما ضدان وهما لا يجتمعان. وأخرج الدارقطني مرفوعا: "يا أبا الحسن، أما أنت وشيعتك في الجنة، وإن قوما يزعمون أنهم يحبونك يصغرون الإسلام ثم يلفظونه، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية لهم نبز يقال لهم الرافضة فإذا أدركتهم فقاتلهم فإنهم مشركون".
[ ٨٤ ]
قال الدارقطني: ولهذا الحديث عندنا طرقات كثيرة. اه كلام الإسعاف للصبان.
وقوله الشيعة والرافضة، أراد غلاة الشيعة فيكون عطف مرادف أو عطف تفسير، أما شيعتهم الذين لم يفارقوا سنتهم من محبة الصحابة ومعرفة منازلهم في الفضل فهم القوم الأخيار المبرؤون من كل عار وعم الذين عناهم رسول الله - ﷺ - بقوله: "يا أبا الحسن، أما أنت وشيعتك في الجنة". قال الإمام موسى بن علي بن الحسين بن علي، وكان فاضلا، عن أبيه عن جده: إنما شيعتنا من أطاع الله وعمل عملنا، كأصحاب علي ﵁ مدة خلافته وجميع من نصره وخاض معه غمرات الحروب في جميع وقائعه كوقعة الجمل وصفين والنهروان، ما عدا قتلة عثمان عليه الرضوان، فإنه ﵁ وكرم وجهه هو المصيب في جميعها وغيره مخطئ والكل على هدى لاجتهادهم في طلب الحق ما عدا الخوارج الذين منهم أهل النهوران فإنهم كفرة فجرة لأنهم كانوا يعتقدون معاذ الله كفره ﵁ بالتحكيم وكفر كثير من الصحابة والمسلمين الذين رضوا بذلك. وتكفير
[ ٨٥ ]
الخوارج ذهب إليه أكثر العلماء ك الطبري والسبكي كما ذكره الشهاب الخفاجي في شرح الشفاء، وإن كان مذهب الشافعي وجماعة من الفقهاء عدم تكفيرهم لقوله ﵁: لا أكفر أحدا من أهل القبلة إلا الخطابية، كما حكاه النووي في الروضة، ذكر ذلك الشهاب في شرح الشفاء أيضا. وهناك طائفة من الشيعة يقال لهم المفضلة يقولون بتفضيل علي كرم الله وجهه على سائر الصحابة مع اعتقاد فضلهم وعدلهم والاعتراف بما خولهم الله من الشرف وعلو المنزلة، وهؤلاء وإن خالفوا ما انعقد عليه الإجماع من تفضيل الشيخين على علي وذهب إليه جمهور أهل السنة من تفضيل عثمان عليه فهم أهل بدعة خفيفة لا يتفرع لعيها خطل في الدين، فقد ذكرهم الحافظ السيوطي ولم يطعن في عقيدتهم، ونقل عن الحافظ الذهبي وغيره أنهم عدول ثقات وأن رواياتهم مقبولة شهادتهم غير معلولة؛ هذا مع تدقيق الذهبي في رجال الحديث إلى درجة أدته للطعن في بعض الثقات الذين زكاهم غيره. قال: ومن هذه الطائفة كثيرة من السلف والخلف وإذا أطلق لفظ الشيعة في
[ ٨٦ ]
الكتب فالمراد منه هؤلاء ما لم يقيد بالغلو كأن يقال: شيعي غال أو غلاة الشيعة. ومع ذلك فقد نقل في شرح الإحياء عن كتاب القوت لأبي طالب المكي قال: كان أحمد بن حنبل قد أكثر عن عبد الله بن موسى الكاظم ثم بلغة عنه أدنى بدعة، قيل إنه كان يقدم عليا على عثمان فانصرف أحمد ومزق جميع ما حمل عنه ولم يحدث منه شيئا. اه. أما الروافض فهم ما بين كافر وفاسق لأنهم رفضوا موالاة كثير من الصحابة ﵃، والكافر منهم يطعن في السيدة عائشة أم المؤمنين وينكر صحبة أبيها ﵄. ولا تشتبه بما سأتلوه عليك من كلام العارف الشعراني فإنه إنما قصد من الروافض مفضلة الشيعة كما تصرح به عبارته.
قال ﵁ في كتابه العهود: أخذ علينا العهود أن لا نسب الروافض الذين يقدمون عليا في المحبة على أبي بكر وعمر ﵃ لا الذين يسبونهمما لا سيما إن كانوا اشرافا من أولاد فاطمة ﵂ أو من أهل القرآن، فإياك يا أخي من قولك: "فلان رافضي كلب" فإن ذلك لا ينبغي والذي نعتقده أن التغالي في محبة علي والحسن والحسين
[ ٨٧ ]
وذريتهما مطلوب بنص القرآن في قوله تعالى: ﴿قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ والود ثبات المحبة ودوامها، فنسكت عن سب من قدم جده في المحبة على غيره ما لم يعارض النصوص، وذلك لأن تعصب الإنسان لأجداده الذين حصل له بهم الشرف أمر واقع في كثير من العلماء فضلا عن آحاد الناس من الشرفاء، ولذلك قالوا: من النوادر شريف سني يقدم أبا بكر وعمر على جده علي ﵃، وكان الإمام الشافعي ينشد:
إن كان رفضا حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي
فاعذر يا أخي كل من قامت له شبهة ما لم تهدم شيئا من أصول الدين الصريحة كإنكار صحبة أبي بكر لرسول الله - ﷺ - أو براءة عائشة ﵂ واترك أمر الروافض غلى الله يفصل بينهم يوم القيامة. انتهى كلام الإمام الشعراني.
وهو كلام عارف كبير منصف خبير ﵁ ونفعنا به. وقوله: "من النوادر شريف سني" ليس هو مقابل الرافضي بمعناه الحقيقي وإنما هو مقابل الشيعي المفضل، ولذلك قال بعده: "يقدم أبا بكر وعمر على جسده علي"
[ ٨٨ ]
والرافضي لا يقر لأبي بكر وعمر بفضل لا مقدما ولا مؤخرا بل يصفهما بما لا ينبغي. ومعاذ الله أن يقول بذلك أحد ممن صحت نسبته إلى رسول الله - ﷺ -. وحاصل معنى العبارة أن الشريف السني الموصوف بتقديم أبي بكر وعمر على جده علي من النوادر وأكثرهم سنيون لا يقولون بالتقديم مع حب الشيخين والصحابة جميعا والاعتراف بفضلهم. وهذا لا يضرهم في دينهم شيئا ولا سيما إذا كان التقديم في المحبة لا التفضيل، وهو الذي ينبغي حمل العبارة عليه فافهم. والله ﷾ أعلم. انتهى ما ذكرته في الشرف المؤبد مع زيادة قليلة.
ويؤيد أن أكثر الأشراف بمقتضى عبارة الشعراني وإن قدموا جدهم عليا بالمحبة على أبي بكر وعمر لا يقدمونه عليهما بالتفضيل ما عليه أكثر علماء الأشراف ولا سيما ساداتنا آل باعلوي من ملازمة مذهب أهل السنة والجماعة في تفضيل الشيخين على جدهم علي ﵁. وتقرير ذلك في كتبهم ودروسهم. فمن توفيق الله لهم أنه غلب عليهم التزام الشرع عن اقتضاء الطبع، ولا غرابة في ذلك فإن الأشراف على
[ ٨٩ ]
الإطلاق لا شك أنهم يفضلون الأنبياء والمرسلين على جدهم علي ﵁، وكذلك غيرهم من سائر المؤمنين يفضلون الأنبياء على أجدادهم مهما كانوا صالحين، وما ذاك إلا من حسن الانقياد إلى الشرع ومخالفة الهوى والطبع، وحيث قد ثبت بإجماع الأمة من أهل السنة والجماعة أفضلية الشيخين على علي ﵁ كان من حسن الانقياد للشرع وسلامة الدين تفضيلهما عليه ولو عند سلالته الطيبين الطاهرين، بل هم أولى من سائر المؤمنين باتباع هذا الحق المبين ﵃ ونفعنا ببركاتهم أجمعين.
قال الإمام القسطلاني في المواهب اللدنية: فإن قلت من اعتقد في الخلفاء الأربعة الأفضلية على الترتيب المعلوم ولكن محبته لبعض تكون أكثر، هل يكون آثما به أم لا؟ أجاب شيخ الإسلام الولي بن العراقي بأن المحبة قد تكون لأمر ديني وقد تكون لأمر دنيوي، فالمحبة الدينية لازمة للأفضلية، فمن كان أفضل كانت محبتنا الدينية له أكثر، فمتى اعتقدنا في واحد منهم أنه أفضل ثم أحببنا غيره من جهة الدين أكثر كان تناقضا، نعم إن أحببنا غير
[ ٩٠ ]
الأفضل أكثر من محبة الأفضل لأمر دنيوي كقرابة وإحسان ونحوه فلا تناقض في ذلك ولا امتناع. فمن اعترف بأن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي لكنه أحب عليا أكثر من أبي بكر مثلا، فإن كانت المحبة المذكورة محبة دينية فلا معنى لذلك إذ المحبة الدينية لازمة للأفضلية كما قررنا، وهذا لم يعترف بأفضلية أبي بكر إلا بلسانه وأما بقلبه فهو مفضل لعلي لكونه أحبه محبة دينية زائدة على محبة أبي بكر وهذا لا يجوز، وإن كانت المحبة المذكورة محبة دنيوية لكونه من ذرية علي أو لغير ذلك من المعاني فلا امتناع فيه. والله أعلم. انتهى.
ونقل هذه الفتوى عن الولي العراقي أيضا ابن حجر في الصواعق. (١)
انتهى القسم الأول ويليه القسم الثاني.