الفصل الأول: مصادر أهل السنة وقواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها
المبحث الأول: مصادر أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها
المصدر الأول: القرآن الكريم
الباب الأول: المصادر والقواعد في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها عند أهل السنة ومخالفيهم:
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: مصادر أهل السنة وقواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها.
الفصل الثاني: مصادر المخالفين وقواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها.
الفصل الثالث: معنى الحد عند المنطقيين، ونقده عند أهل السنة.
الفصل الرابع: أشهر المؤلفات في مصطلحات العقيدة؛ عرض وتقويم.
[ ٥٨ ]
الفصل الأول: مصادر أهل السنة وقواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها:
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: مصادر أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها.
المبحث الثاني: قواعد أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها.
[ ٥٩ ]
المبحث الأول: مصادر أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها:
المصدر الأول: القرآن الكريم.
المصدر الثاني: السنة النبوية.
المصدر الثالث: لغة العرب.
المصدر الرابع: آثار السلف.
[ ٦٠ ]
المصدر الأول: القرآن الكريم.
لقد أنزل الله - ﷿ - على نبي هذه الأمة محمد - ﷺ - القرآن الكريم، الذي نسخ به الكتب السابقة، وجعله تبيانًا لكل شيء، فكان المصدر الأول للمسلمين في عقائدهم وشرائعهم، وكان الصحابة - رضوان الله عليهم - يأخذون العقيدة من القرآن بألفاظها، سيما وأنهم مخاطبون في القرآن بلغتهم العربية.
وهكذا كان سلف الأمة ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة، يعتمدون القرآن الكريم مصدرًا أولًا لألفاظ العقيدة، وبيان معانيها، وينصون على ذلك في كتبهم.
يقول الأمام أحمد - ﵀ -: "لست أتكلم إلا ما كان في كتاب الله، وسنة رسول الله - ﷺ -، أو عن أصحابه، أو عن التابعين، وأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود"١. وهذا الإمام ابن خزيمة٢يصنف كتاب التوحيد وما فيه إلا آيات وأحاديث عن الرسول - ﷺ -، يقول - ﵀ -: "فاحتسبت في تصنيف كتاب يجمع هذين الجنسين من العلم بإثبات القول بالقضاء السابق، والمقادير النافذة قبل حدوث كسب العباد، والإيمان بجميع صفات الرحمن الخالق - جل وعلا -، مما وصف الله به نفسه في محكم تنزيله، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وبما صح وثبت عن نبينا - ﷺ - بالأسانيد الثابتة الصحيحة، بنقل أهل العدالة، موصولًا إليه - ﷺ -"٣. ومثل الإمام ابن خزيمة يوجد أيضًا عدد من أئمة السلف المتقدمين، الذين ألفوا في بيان عقيدة أهل السنة، لا يذكرون في كتبهم إلا آيات
_________________
(١) الإبانة لابن بطة ٢/٥٣٨ - ٥٣٩، وانظر المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة جمع عبد الإله الأحمدي ٢/٣٩٨.
(٢) محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي، أبو بكر إمام الأئمة، ولد سنة ٢٢٣للهجرة في نيسابور وكان فقيهًا مجتهدًا محدثًا بارعًا، طاف بالبلدان والأمصار وأكثر من الشيوخ، له مصنفات كثيرة منها التوحيد وصحيح ابن خزيمة. توفي سنة ٣١١للهجرة. انظر: الأعلام ٦/٢٩، طبقات الشافعية للسبكي ٢/١٣٠.
(٣) التوحيد وإثبات صفات الرب لابن خزيمة ١/١٠ - ١١.
[ ٦١ ]
وأحاديث وآثار عن السلف، مزينة بتوضيح يسير منهم، مثل كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للإمام اللالكائي١، وكتاب الشريعة للإمام الآجري، وخلق أفعال العباد للإمام البخاري، وغيرها كثير. وهم يشيرون إلى هذا المنهج في كتبهم التي ألفوها، يقول الإمام ابن عبد البر٢: "ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه، إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله، أو صح عن رسول الله - ﷺ -، أو أجمعت عليه الأمة"٣.
وهذا الإمام الإسماعيلي٤يبين عقيدة أهل السنة والجماعة ويذكر منها: "قبول ما نطق به كتاب الله - تعالى -، وما صحت به الرواية عن رسول الله - ﷺ -، لا معدل عما وردا به، ولا سبيل إلى رده، إذ كانوا مأمورين باتباع الكتاب والسنة"٥.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "فيأخذ المسلمون جميع دينهم من الاعتقادات والعبادات وغير ذلك من كتاب الله، وسنة رسوله، وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، وليس ذلك مخالفًا للعقل الصريح، فإن ما خالف العقل الصريح فهو باطل، وليس في الكتاب والسنة والإجماع باطل"٦.
ويقول - ﵀ - في الرد على من اتهمه بإطلاق لفظ الجهة والتحيز على الله: "بل كلامي فيه ألفاظ القرآن والحديث، وألفاظ سلف الأمة ومن نقل مذاهبهم. أو التعبير
_________________
(١) هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي أبو القاسم اللالكائي من حفاظ الحديث وفقهاء الشافعية، من أهل طبرستان، استوطن بغداد، من مؤلفاته أسماء رجال الصحيحين، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، توفي سنة ٤١٨ هجرية، انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/٤١٩، شذرات الذهب ٣/٢١١، الأعلام ٨/٧١.
(٢) يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، أبو عمر من كبار حفاظ الحديث، مؤرخ أديب بحاثة، من كتبه الدرر في اختصار المغازي والسير، والاستيعاب، توفي بشاطبة سنة ٤٦٣هجرية، انظر: وفيات الأعيان ٧/٦٦، الأعلام ٨/٢٤٠.
(٣) جامع بيان العلم وفضله ص٤١٧.
(٤) أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل، أبو بكر الإسماعيلي حافظ ثبت إمام من أهل جرجان، ولد سنة ٢٩٧ هجرية، وجمع بين الفقه والحديث، له مؤلفات منها المستخرج على صحيح البخاري، توفي سنة ٣٧١ هجرية. انظر: الوافي بالوفيات ٦/٢١٣، الأعلام ١/٨٦.
(٥) كتاب اعتقاد أهل السنة للإسماعيلي ص٣١.
(٦) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١١/٤٩٠ - ٤٩١.
[ ٦٢ ]
عن ذلك تارة بالمعنى المطابق الذي يعلم المستمع أنه موافق لمعناهم"١، ويقول - ﵀ - وهو يتحدث عن الصفات ومسائل العقيدة: "وأنا لا أقول إلا ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة"٢.
ويقول الإمام ابن أبي العز - ﵀ -: "بل الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل، ويتدبر معناه، ويعقله، ويعرف برهانه، ودليله، إما العقلي وإما الخبري السمعي، ويعرف دلالته على هذا وهذا، ويجعل أقوال الناس التي توافقه وتخالفه متشابهة مجملة، فيقال لأصحابها: هذه الألفاظ تحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول قبل، وإن أرادوا بها ما يخالفه رد"٣.
وألفاظ كلام الله –تعالى - ورسوله - ﷺ - لها خاصية ليست لغيرها من الألفاظ، فأهل السنة والجماعة يجزمون بأنه لابد من الإيمان بلفظ نصوص الكتاب والسنة، سواء علم معناها أو لم يعلم، وأنه لا يتوقف الإيمان بالنص وألفاظه إلى حين معرفة معناه، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "إن الناس عليهم أن يجعلوا كلام الله ورسوله هو الأصل المتبع، والإمام المقتدى به، سواء علموا معناه أو لم يعلموه، فيؤمنون بلفظ النصوص وإن لم يعرفوا حقيقة معناها، وأما ما سوى كلام الله ورسوله فلا يجوز أن يجعل أصلًا بحال، ولا يجب التصديق بلفظ له حتى يفهم معناه، فإن كان معناه موافقًا لما جاء به الرسول كان مقبولًا، وإن كان مخالفًا كان مردودًا، وإن كان مجملًا مشتملًا على حق وباطل لم يجز إثباته أيضًا، ولا يجوز نفي جميع معانيه بل يجب المنع من إطلاق نفيه وإثباته، والتفصيل، والاستفسار"٤.
ويجعل هذا قاعدة من قواعد أهل السنة في باب الأسماء والصفات فيقول: "القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول عن ربه - ﷿ - فإنه يجب الإيمان به سواء عرفنا معناه أو
_________________
(١) التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى ٥/٢٦.
(٢) المرجع السابق ٥/٣.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية ١/٢٣٩ - ٢٤٠.
(٤) التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى ٥/١٤، وانظر: درء التعارض ١/٢٤١ - ٢٤٢.
[ ٦٣ ]
لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه. وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصًا في الكتاب والسنة، متفقًا عليه بين سلف الأمة، وما تنازع فيه المتأخرون، نفيًا وإثباتًا، فليس على أحد بل ولا له أن يوافق أحدًا على إثبات لفظ أونفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقًا قبل وإن أراد باطلًا رُدّ، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقًا ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى"١.
فأهل السنة يراعون المعنى الصحيح كما يراعون الألفاظ الشرعية، ويحاولون أن يكون التعبير عن المعنى الصحيح بلفظ شرعي، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل، ويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه، ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقًا وباطلًا نسبوه إلى البدعة أيضًا، وقالوا إنما قابل بدعة ببدعة، ورد باطلًا بباطل"٢.
فهذا هو منهج أهل السنة في استمداد ألفاظ العقيدة، مصدرهم الأول لها كتاب الله - تعالى -.
_________________
(١) التدمرية ص ٦٥ - ٦٦، وانظر: درء التعارض ١/٢٤١ - ٢٤٢.
(٢) درء التعارض ١/٢٥٤.
[ ٦٤ ]
المصدر الثاني: السنة النبوية.
تعتبر السنة النبوية المصدر الثاني من مصادر ألفاظ العقيدة عند أهل السنة والجماعة، وفي الصفحات السابقة ذكرت نصوص أهل السنة في اعتمادهم القرآن الكريم مصدرًا للعقيدة وألفاظها، وكان فيها ذكر السنة واعتمادها مع القرآن الكريم في ذلك.
وهنا سأذكر مزيدًا من النصوص عن أهل السنة تبين مكانة السنة عندهم، واستقاءهم ألفاظ العقيدة منها، فهذا الإمام الدارمي - ﵀ - يقول: "وقد علمتم - إن شاء الله -، أنه لا يستدرك سنن رسول الله - ﷺ - وأصحابه، وأحكامهم، وقضاياهم، إلا هذه الآثار والأسانيد على ما فيها من الاختلاف، وهي السبب إلى ذلك، والنهج الذي درج عليه المسلمون، وكانت إمامهم في دينهم بعد كتاب الله –﷿ -، منها يقتبسون العلم، وبها يقضون، وبها يفتون، وعليها يعتمدون، وبها يتزينون، يورثها الأول منهم الآخر، ويبلغها الشاهد منهم الغائب احتجاجًا بها، واحتسابًا في أدائها إلى من لم يسمعها، يسمونها السنن والآثار، والفقه والعلم، ويضربون في طلبها شرق الأرض وغربها، يحلون بها حلال الله، ويحرمون بها حرامه، ويميزون بها بين الحق والباطل، والسنن والبدع، ويستدلون بها على تفسير القرآن ومعانيه وأحكامه، ويعرفون بها ضلالة من ضل عن الهدى"١. وعن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: "سيأتي أناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فجادلوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله"٢.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "ومن الوجوه الصحيحة أن معرفة الله بأسمائه وصفاته على وجه التفصيل لا تعلم إلا من جهة الرسول - ﵊ -، إما
_________________
(١) الرد على الجهمية للدارمي ص ١٠٦ - ١٠٧، وانظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٣٥٥.
(٢) الإبانة لابن بطة ١/٢٥٠، الشريعة للآجري ص ٧٤، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي ١/١٢٣.
[ ٦٥ ]
بخبره، وإما بخبره وتنبيهه ودلالته على الأدلة العقلية، ولهذا يقولون: لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله - ﷺ -"١.
فأهل السنة يلتزمون ألفاظ الكتاب والسنة في العقيدة ما أمكنهم ذلك، ويردون ما عارضها ويجعلونها الأصل، وقد سبق بيان ذلك، وفي هذا يقول الإمام ابن القيم - ﵀ - وهو يتحدث عن الأدب مع رسول الله - ﷺ -: "ومن الأدب معه أن لا يستشكل قوله، بل تستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس بل تهدر الأقيسة، وتلقى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولًا، نعم هو مجهول وعن الصواب معزول، ولا يوقف قبول ما جاء به رسول الله - ﷺ - على موافقة أحد. فكل هذا من قلة الأدب معه - ﷺ - وهو عين الجرأة"٢.
فمصدر أهل السنة الثاني لألفاظ العقيدة هو كلام رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ١/٢٤٨.
(٢) مدارج السالكين ٢/٣٩٠.
[ ٦٦ ]
المصدر الثالث: لغة العرب.
لقد خاطب الله - ﷿ - الناس في القرآن الكريم بلغة العرب، وكان محمد - ﷺ - أفصح الناس لسانًا، وقد نشأ بين قريش أفصح العرب جميعًا، فكان لابد لبيان معاني كلام الله –تعالى -، وكلام رسوله - ﷺ -، من معرفة بلغة العرب، وفهمٍ لدلالتها على المعاني.
وعلى ضوء فهم لغة العرب وتشعب معانيها يمكن تفسير كلام الله، وكلام رسوله - ﷺ -. يقول الإمام الشافعي - ﵀ -: "وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره؛ لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها "١. ويقول شيخ الإسلام - ﵀ -: ".. الاستدلال بالقرآن إنما يكون على لغة العرب التي أنزل بها، بل قد نزل بلغة قريش، كما قال –تعالى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم –٤] وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء –١٩٥]، فليس لأحد أن يحمل ألفاظ القرآن على غير ذلك من عرف عام أو اصطلاح خاص"٢.
وكذلك ألفاظ السنة لا طريق لبيانها إلا بمعرفة لغة العرب ودلالتها على المعاني، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "والطريق إلى معرفة ما جاء به الرسول أن تعرف ألفاظه الصحيحة، وما فسرها به الذين تلقوا عنه اللفظ والمعنى، ولغتهم التي كانوا يتخاطبون بها، وما حدث من العبارات وتغير من الاصطلاحات"٣.
_________________
(١) الرسالة للإمام الشافعي ص٥٠.
(٢) بيان تلبيس الجهمية ١/٤٩٢.
(٣) المرجع السابق ١/١٥٩.
[ ٦٧ ]
فأهل السنة والجماعة يعبرون عن عقيدتهم بألفاظ الكتاب والسنة، وهي ألفاظ عربية، كما أنهم يعبرون عن المعنى الصحيح بألفاظ عربية، مطابقة لذلك المعنى. يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "بل كلامي فيه ألفاظ القرآن، والحديث، وألفاظ سلف الأمة، ومن نقل مذاهبهم، أو التعبير عن ذلك تارة بالمعنى المطابق، الذي يعلم المستمع أنه موافق لمعناهم"١.
ويقول - ﵀ -: "ونحن إنما نخاطب الأمم بلغتنا العربية، فإذا نقلوا عن أسلافهم لفظ الهيولى والصورة والمادة والعقل والنفس.. ونحو ذلك، بُيّن ما تحتمل هذه الألفاظ من المعاني"٢.
وأهل السنة يردون على المتكلمين وأمثالهم عندما يستخدمون ألفاظًا لمعان غير واردة في لغة العرب، ثم يفسرون بها كلام الله ورسوله، ويجعلونها من الاعتقاد. وكتب أهل السنة مليئة بالردود على مثل هذا الضلال؛ ومن ذلك كتب الإمام الدارمي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن القيم - ﵏ -.
ومن الأمثلة على ذلك الرد على المتكلمين في زعمهم أن الواحد لا يكون جسمًا، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "ومن المعلوم المتواتر في اللغة الشائع بين الخاص والعام أنهم يقولون: درهم واحد، ودينار واحد، ورجل واحد، وامرأة واحدة، وشجرة واحدة، وقرية واحدة، وثوب واحد، وشهرة هذا عند أهل اللغة شهرة سائر ألفاظ العدد، فيقولون رجل واحد ورجلان اثنان، وثلاثة رجال، وأربعة رجال، وهذا من أظهر اللغة وأشهرها وأعرفها؛ فكيف يجوز أن يقال إن الوحدة لا يوصف بها شيء من الأجسام، وعامة ما يوصف بالوحدة في لغة العرب إنما هو جسم من الأجسام؟! وتحريف هؤلاء للفظ الواحد كتحريفهم للفظ المثل"٣.
_________________
(١) التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى ٥/٢٦.
(٢) درء التعارض ١/٢٩٩.
(٣) بيان تلبيس الجهمية ١/٤٩٣، وانظر: ١/٤٨٧ - ٤٨٨ من المرجع نفسه، درء التعارض ١/١١٣.
[ ٦٨ ]
وقال - ﵀ -: "أما في اللغة فإن أهل اللغة مطبقون على أن معنى الواحد في اللغة ليس هو الذي لا يتميز جانب منه عن جانب، ولا يرى منه شيء دون شيء، إذ القرآن ونحوه من الكلام العربي متطابق على ما هو معلوم بالاضطرار في لغة العرب، وسائر اللغات، أنهم يصفون كثيرًا من المخلوقات بأنه واحد، ويكون ذلك جسمًا"١.
ويقول الإمام ابن القيم في الرد على من حرف معنى الاستواء: "هذا الذي قالوه باطل من اثنين وأربعين وجهًا:
أحدها: إن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله –تعالى - بلغتهم، وأنزل بها كلامه "نوعان" مطلق ومقيد، فالمطلق ما لم يوصل معناه بحرف مثل قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص - ١٤] وهذا معناه كمل وتم، يقال استوى النبات واستوى الطعام. أما المقيد فثلاثة أضرب:
- أحدها: مقيد بإلى كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة –٢٩] وهذا بمعنى العلو والارتفاع بإجماع السلف.
- الثاني: مقيد بعلى كقوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف–١٣] ..وهذا أيضًا معناه العلو والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة.
- الثالث: المقرون بواو "مع" التي تعدي الفعل إلى المفعول معه؛ نحو استوى الماء والخشبة، بمعنى ساواها.
وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم، ليس فيها معنى استولى ألبته، ولا نقله أحد من أئمة اللغة الذين يعتمد قولهم، وإنما قاله متأخرو النحاة ممن سلك طريق المعتزلة والجهمية٢.
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ١/٤٨٢، وانظر لأمثلة أخرى: رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد ص ٣٩، ٥٢، ٥٩، ٦٣، ٦٥، ٧٢، درء التعارض ١/١١٦، ٢٢٨، ٣١٤ - ٣١٥، ٦/٧، التوحيد لابن خزيمة ١/٥١ - ٥٣.
(٢) الجهمية هم المنتسبون إلى الجهم بن صفوان أبي محرز مولى بني راسب، وهو من أهل خراسان وتتلمذ على الجعد بن درهم، كما التقى بمقاتل بن سليمان، وقتل بمرو سنة١٢٨هجرية، والجهمية تطلق أحيانا بمعنى عام ويقصد بهم نفاة الصفاة عامة، وتطلق بمعنى خاص على أتباع الجهم بن صفوان في آرائه وأهمها: القول بنفي الصفات، والقول بالجبر، والقول بفناء الجنة والنار. انظر: مقالات الإسلامييين١/٢١٤، ٣٣٨، الملل والنحل١/٨٦ - ٨٨، الفرق بين الفرق ص٢١١ - ٢١٢، مجموعة فتاوى ابن تيمية الكبرى٥/٣١ - ٣٥.
[ ٦٩ ]
الوجه الثالث: إن أهل اللغة لما سمعوا ذلك أنكروه غاية الإنكار، ولم يجعلوه من لغة العرب. قال ابن الأعرابي١وقد سئل: هل يصح أن يكون استوى بمعنى استولى؟ فقال: لا تعرف العرب ذلك، وهذا هو من أكابر أئمة اللغة"٢.
وهذه الأمثلة وغيرها كثير يبين منهج أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، وأنهم يجعلون اللغة العربية معيارًا لقبول أو رد ما يطرح من ألفاظ ومعانٍ ترتبط بالعقيدة.
_________________
(١) محمد بن زياد، أبو عبد الله المعروف بابن الأعرابي، راوية ناسب علامة باللغة، من أهل الكوفة، كان يسأل ويقرأ عليه فيجيب من غير كتاب، توفي سنة ٢٣١ هجرية، له تصانيف منها تاريخ القبائل والنوادر. انظر: وفيات الأعيان ٤/٣٠٦، بغية الوعاة ١/١٠٥ - ١٠٦.
(٢) مختصر الصواعق المرسلة ٢/٣٢٠.
[ ٧٠ ]
المصدر الرابع: آثار السلف
يعتمد أهل السنة على الآثار المنقولة عن السلف؛ من الصحابة والتابعين، في بيان كلام الله ورسوله - ﷺ -، فهم الأعلم بها من غيرهم، وهكذا فألفاظهم في العقيدة مأخوذة من كلام الله ورسوله، أو مبينة لها بعبارات صحيحة، بناءً على لغتهم العربية الفصيحة، وصحة فهمهم للألفاظ الشرعية.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "والطريق إلى معرفة ما جاء به الرسول أن تعرف ألفاظه الصحيحة، وما فسرها به الذين تلقوا عنه اللفظ والمعنى، ولغتهم التي كانوا يتخاطبون بها، وما حدث من العبارات وتغير من الاصطلاحات"١.
ويقول أيضًا: "إن المرجع في ثبوت هذه الأسماء عن الشارع، وفي بيان معناها إلى من نقل عنه القرآن والحديث لفظه ومعناه، وهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، الذين تلقوا الإيمان والقرآن والحديث بعضهم عن بعض حتى يصل إليه، أو أخذ ذلك هو بلغته التي كان يخاطب بها"٢.
وهكذا كان السلف المتقدمون، يأخذون عن سلفهم من الصحابة والتابعين ألفاظهم في العقيدة، يقول الإمام أحمد - ﵀ -: "لست أتكلم إلا ما كان في كتاب الله، وسنة رسول الله - ﷺ - أو عن الصحابة أو عن التابعين، وأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود"٣.
ويقول الإمام ابن القيم - ﵀ -: "فإذا كان الصحابة تلقوا عن نبيهم معاني القرآن كما تلقوا عنه ألفاظه، لم يحتاجوا بعد ذلك إلى لغة أحد، فنقل معاني القرآن عنهم كنقل
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ١/١٥٩.
(٢) المرجع السابق ١/١٩٠.
(٣) الإبانة لابن بطة ٢/٥٣٨ - ٥٣٩.
[ ٧١ ]
ألفاظه سواء، ولا يقدح في ذلك تنازع بعضهم في بعض معانيه، كما وقع من تنازعهم في بعض حروفه، وتنازعهم في بعض السنة لخفاء ذلك على بعضهم"١.
ويقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "إن ما نطق به الكتاب وبينه، أو ثبت بالسنة الصحيحة، أو اتفق عليه السلف الصالح، فليس لأحد أن يعارضه معقولًا ونظرًا أو كلامًا وبرهانًا وقياسًا عقليًا أصلًا، بل كل ما يعارض ذلك فقد علم أنه باطل علمًا كليًا عامًا"٢.
وهو يقول عن نفسه في التزامه ذلك: "وأنا لا أقول إلا ما جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة"٣.
والسلف الصالح يعلمون من مراد الله ورسوله مالا يعلمه غيرهم، وهم الذين نقلوا ألفاظ الرسول، ومعاني ألفاظه، فكانوا أحرى بالاتباع. يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "إن أهل العلم والإيمان يعلمون من مراد الله ورسوله بكلامه، أعظم مما يعلمه الأطباء عن كلام جالينوس، والنحاة من كلام سيبويه.. وجماع هذا أن يعلم أن المنقول عن الرسول - ﷺ - شيئان: ألفاظه وأفعاله، ومعاني ألفاظه ومقاصده بأفعاله، وكلاهما منه ما هو متواتر عند العامة والخاصة، ومنه ما هو متواتر عند الخاصة ومنه ما يختص بعلمه بعض الناس"٤.
فآثار السلف الصالح هي المصدر الرابع لألفاظ العقيدة عند أهل السنة، وانطلاقًا من هذه المصادر بنى أهل السنة قواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، وهي ما سأبينه في المبحث التالي - إن شاء الله -.
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسلة ٢/٤٥٩.
(٢) بيان تلبيس الجهمية ١/٢٤٧.
(٣) التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى ٥/٣، ٢٦.
(٤) درء التعارض ١/١٩٦.
[ ٧٢ ]
المبحث الثاني: قواعد أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها.
- القاعدة الأولى: التزام ألفاظ الشرع.
- القاعدة الثانية: التزام معاني اللغة ودلالاتها.
- القاعدة الثالثة: تجنب الألفاظ البدعية.
- القاعدة الرابعة: تجنب الألفاظ المجملة، والتفصيل فيها.
- القاعدة الخامسة: تجنب التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات.
[ ٧٣ ]
تمهيد:
لما كانت مصادر أهل السنة والجماعة هي الكتاب والسنة ولغة العرب وآثار السلف، فإن المتأمل في كتب أهل السنة والجماعة وأقوالهم يتبين له قواعد عامة لألفاظ العقيدة ومصطلحاتها عندهم، معتمدين في ذلك على طريقة القرآن والسنة في انتقاء الألفاظ ومنهج التعبير عن المعاني وكانت قواعدهم العامة كالآتي:
- القاعدة الأولى: التزام ألفاظ الشرع.
- القاعدة الثانية: التزام معاني اللغة ودلالاتها.
- القاعدة الثالثة: تجنب الألفاظ البدعية.
- القاعدة الرابعة: تجنب الألفاظ المجملة، والتفصيل فيها.
- القاعدة الخامسة: تجنب التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات.
[ ٧٤ ]
القاعدة الأولى: التزام ألفاظ الشرع.
١ - صورة القاعدة:
النصوص الإلهية من الكتاب والسنة فرقان فرق الله به بين الحق والباطل، ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها يجعلون كلام الله ورسوله هو الإمام والفرقان الذي يجب اتباعه، فيثبتون ما أثبته الله ورسوله وينفون ما نفاه الله ورسوله١، وأن هذه النصوص حق يجب قبولها وإن لم يفهم معناها٢.
٢ - فقه القاعدة:
لقد سبق وأن ذكرت أن أهل السنة يجعلون مصدرهم لألفاظ العقيدة كتاب الله وسنة رسوله، ثم آثار السلف، ويستعينون بفهمهم للغة العرب، وقد التزموا ذلك وصار قاعدة لهم في ألفاظ العقيدة بشكل عام، فأما باب الأسماء والصفات فهو توقيفي، وأما سائر المسائل العقدية فإن أهل السنة يستعملون الألفاظ الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، أو ما ورد عن سلف الأمة، ويفضلونها على ما وافق معناها من ألفاظ أخرى، وقد يعبرون عن بعض المعاني بألفاظ أخرى موافقة للمعنى الشرعي، ولدلالات لغة العرب.
فهذا الإمام الأوزاعي٣ - ﵀ - عندما سئل عن الجبر قال: "ما أعرف للجبر أصلًا من القرآن ولا السنة فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر، والخلق والجبل، فهذا يعرف
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٧٦.
(٢) انظر: المرجع السابق ١/٧٦.
(٣) عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، من قبيلة الأوزاع، أبو عمرو، إمام الديار الشامية في الفقه والزهد عرض عليه القضاء فامتنع، له كتاب "السنن" في الفقه، و"المسائل" ويقدر ما سئل عنه بسبعين ألف مسألة أجاب عليها كلها، توفي سنة ١٥٧هجرية، انظر: السير ٧/١٠٧ - ١٣٤، الأعلام ٣/٣٢٠.
[ ٧٥ ]
في القرآن والحديث عن رسول الله - ﷺ -"١. وأنكر سفيان الثوري - ﵀ - لفظ الجبر وقال: الله جبل العباد٢.
وقيل لأبي عبد الله: رجل يقول إن الله أجبر العباد، فقال هكذا لا نقول، وأنكر هذا وقال: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل –٩٣] ٣.
وأهل السنة لا يرفضون الألفاظ غير الشرعية التي قد تحمل معنى صحيحًا، ولا يثبتونها، ويحاولون استبدال الألفاظ الشرعية بدلًا عنها، فالإمام الأوزاعي والإمام أحمد قالوا في لفظ الجبر؛ من قال إنه جبر فقد أخطأ، ومن قال لم يجبر فقد أخطأ بل يقال: إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ونحو ذلك. وقالوا: ليس للجبر أصل في الكتاب والسنة وإنما الذي في السنة لفظ الجبل لا الجبر٤.
وكذلك لما سئل الأوزاعي - ﵀ - عن حديث النزول قال: يفعل الله ما يشاء، وقال حماد بن زيد٥: يدنو من خلقه كيف شاء٦.
ويقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص: فيثبت ما أثبته الله ورسوله باللفظ الذي أثبته، وينفى ما نفاه الله ورسوله كما نفاه، وهو أن يثبت النزول والإتيان والمجيء، وينفي المثل والسمي والكفؤ والند"٧.
ولذلك يقسم أهل السنة الألفاظ إلى نوعين:
_________________
(١) درء التعارض ١/٦٦.
(٢) انظر: المرجع السابق ١/٦٨.
(٣) انظر: المرجع السابق ١/٧٠.
(٤) انظر: المرجع السابق ١/٢٥٥.
(٥) حماد بن زيد بن درهم العلامة الحافظ الثبت، محدث الوقت أبو إسماعيل الأزدي، مولى آل جرير بن حازم البصري الأزرق الضرير، أحد الأعلام، أصله من سجستان، سبي جده درهم منها، من أئمة السلف ومن أتقن الحفاظ وأعدلهم، مولده في سنة ثمان وتسعين، ووفاته سنة تسع وسبعين بعد المائة. انظر: سير أعلام النبلاء ٧/٤٥٦ - ٤٦١.
(٦) انظر: الاستقامة ١/٧٦ - ٧٧.
(٧) بيان تلبيس الجهمية ١/٦٢٢.
[ ٧٦ ]
١ - نوع مذكور في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل الإجماع، فهذا يجب اعتبار معناه، وتعليق الحكم به، فإن كان المذكور به مدحًا استحق صاحبه المدح وإن كان ذمًا استحق صاحبه الذم، وإن أثبت شيئًا وجب إثباته، وإن نفى شيئًا وجب نفيه.
٢ - الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع، فتلك لا يجوز تعليق المدح والذم، والإثبات والنفي على معناها، إلا أن يبين أنه يوافق الشرع١.
فالقاعدة الأولى عند أهل السنة في ألفاظ العقيدة هي التزام ألفاظ الشرع.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١/٢٤٠ - ٢٤١.
[ ٧٧ ]
القاعدة الثانية: التزام معاني اللغة ودلالاتها.
١ - صورة القاعدة:
"إن الله ﷿ أنزل القرآن عربيًا لا عجمة فيه، بمعنى أنه جار في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب"١، ولن يعلم تفسير كتاب الله من جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها٢. لذا يهتم أهل السنة بمعرفة معاني اللغة، ودلالاتها، في ألفاظ العقيدة، ويلتزمونها.
٢ - فقه القاعدة:
يلتزم أهل السنة والجماعة معاني اللغة ودلالاتها؛ لأنهم يلتزمون ألفاظ الكتاب والسنة وقد جاءت تلك على لسان العرب. فهم عندما يريدون أن يبينوا معاني ألفاظ كتاب الله وسنة رسوله يعتمدون على معرفتهم بلغة العرب، وسعة معانيها، وتعدد ألفاظها، وجعلوا ذلك من شرائط الإمامة في الدين." قال علماء السلف: لا يكون الرجل إمامًا في الدين حتى يكون جامعًا لهذه الخصال: يكون حافظًا للغات العرب، واختلافها، ومعاني أشعارها، حافظًا لاختلاف الفقهاء والعلماء، ويكون عالمًا فقيهًا حافظًا للإعراب والاختلاف فيه.."٣.
ويقول الإمام الشاطبي٤ - ﵀ -: "..فعلى الناظر في الشريعة، والمتكلم فيها أصولًا وفروعًا، أمران: أحدهما: أن لا يتكلم في شيء من ذلك حتى يكون عربيًا، أو كالعربي، في كونه عارفًا بلسان العرب، بالغًا فيه مبالغ العرب، أو مبالغ الأئمة المتقدمين.. وليس المراد أن يكون حافظًا كحفظهم، وجامعًا كجمعهم، وإنما المراد أن يصير فهمه عربيًا في الجملة..والأمر الثاني: أنه إذا أشكل عليه في الكتاب، أو في السنة، لفظ أو معنى فلا يقدم
_________________
(١) ١ الإعتصام للشاطبي ٢/٢٩٣.
(٢) انظر: الرسالة ص ٥٠.
(٣) الحجة في بيان المحجة ١/٣٠٦.
(٤) هو الإمام إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشاطبي برع في علم أصول الفقه، من مؤلفاته الموافقات، الاعتصام، الإفادات، توفي سنة ٧٩٠ هجرية. انظر: شجرة النور الزكية ١/٢٣١، نيل الابتهاج ص ٤٦.
[ ٧٨ ]
على القول فيه دون أن يستظهر بغيره ممن له علم بالعربية، فقد يكون إمامًا فيها ولكنه يخفى عليه الأمر في بعض الأوقات"١.
ومن الأمثلة على التزام أهل السنة معاني اللغة، ودلالاتها، أثناء تقريرهم للعقيدة؛ قول الإمام ابن خزيمة - ﵀ - في تقرير صفة اليد لله - تعالى - والرد على من حرف معناها: ".. فزعم أن اليد هي القوة، وهذا من التبديل أيضًا وهو جهل بلغة العرب، والقوة إنما تسمى الأيد في لغة العرب لا اليد، فمن لا يفرق بين اليد والأيد فهو إلى التعليم والتسليم إلى الكتاتيب أحوج منه إلى الترؤس والمناظرة"٢.
ويقول شيخ الإسلام - ﵀ - في بيان معنى الأفول: "والأفول باتفاق أهل اللغة والتفسير هو المغيب والاحتجاب؛ بل هذا معلوم بالاضطرار من لغة العرب التي نزل بها القرآن، وهو المراد باتفاق العلماء"١.
وفي بيان معنى اليد في قوله - تعالى -: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص - ٧٥] والرد على من تأولها بالنعمة يقول الإمام ابن القيم - ﵀ -: "ولا ريب أن العرب تقول لفلان عندي يد، وقال عروة بن مسعود للصديق: لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، ولكن وقوع اليد في هذا التركيب الذي أضاف - سبحانه - فيه الفعل إلى نفسه، ثم تعدى الفعل إلى اليد بالباء التي هي نظير كتبت بالقلم، وهي اليد، وجعل ذلك خاصة خص بها صفيه آدم دون البشرفهذا مما يحيل تأويل اليد في النص بالنعمة، وإن كانت في تركيب آخر تصلح لذلك، فلا يلزم من صلاحية اللفظ لمعنى ما في تركيب، صلاحيته له في كل تركيب"٢.
_________________
(١) الاعتصام ٢/٢٩٧ - ٢٩٩.
(٢) التوحيد لابن خزيمة ١/١٩٩.
(٣) ببيان تلبيس الجهمية ١/٥٢٩.
(٤) الصواعق المرسلة ١/١٩٣.
[ ٧٩ ]
وأهل السنة والجماعة يجعلون التأويل قسمين:
الأول: التأويل الصحيح، وهو حقيقة المعنى وما يؤول إليه في الخارج، أو تفسيره وبيان معناه، وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص، وجاءت به السنة، ويطابقها، هو التأويل الصحيح١.
ولا يقبل التأويل الذي فيه صرف للفظ عن ظاهره إلا إذا توفرت فيه أمور٢:
١ - بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي تأوله في ذلك التركيب الذي وقع فيه.
٢ - تعيين ذلك المعنى إذا كان محتملًا لعدة معان. فلا بد من دليل على تعيينه.
٣ - إقامة الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره.
٤ - الجواب عن المعارض.
الثاني: التأويل الفاسد هو الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة، ومنه ما كان صرف للفظ عن ظاهره مع فقده للشروط السابقة أو بعضها٣.
كما ذكر أهل السنة أنواعًا للتأويل الباطل مما يكون فيه مخالفة للمعروف في لغة العرب، من حيث دلالة التركيب والسياق، فذكروا من التأويل الباطل٤:
١ - مالم يحتمله اللفظ بوضعه، ومثاله قوله - ﷺ -: "حتى يضع رجله فتقول قط قط قط" ٥، بأن الرجل جماعة من الناس فإن هذا لا يعرف في لغة العرب.
٢ - مالم يحتمله اللفظ ببنيته الخاصة من تثنية أو جمع، وإن احتمله مفردًا كتأويل قوله - تعالى -: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص - ٧٥] بالقدرة.
٣ - مالم يحتمله سياقه وتركيبه، وإن احتمله في غير ذلك السياق، كتأويل قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام - ١٥٨] بأن إتيان الرب إتيان بعض آياته.
_________________
(١) انظر: الصواعق المرسلة ١/١٨١ - ١٨٧.
(٢) انظر: المرجع السابق ١/٢٨٨ - ٢٩٣.
(٣) انظر: المرجع السابق ١/١٨٧، ٢٨٨ وما بعدها.
(٤) انظر هذه الضوابط في الصواعق المرسلة ١/١٨٧ - ٢٠١.
(٥) رواه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير "تفسير سورة ق"، باب ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق - ٣٠] ٣/٢٩٦، ح ٤٨٥٠، وفي لفظ "قدمه" ح ٤٨٤٨ ٤٨٤٩، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء ٤/٢١٨٦ - ٢١٨٧، ح ٣٦.
[ ٨٠ ]
٤ - التأويل الذي يوجب تعطيل المعنى الذي هو في غاية العلو والشرف، ويحطه إلى معنى دونه بمراتب كثيرة، مثل تأويل الجهمية قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام - ١٨] ونظائرها بأنها فوقية الشرف، كقولهم الدينار فوق الدرهم.
والتأويلات التي هي من جنس الأمثلة السابقة واضحة الفساد والبطلان، وذلك لمخالفتها قواعد لغة العرب من حيث احتمال التركيب والسياق للمعنى. وتنبيه أهل السنة على أنواع التأويل الباطل يبين مدى التزامهم معاني اللغة ودلالاتها.
[ ٨١ ]
القاعدة الثالثة: تجنب الألفاظ البدعية.
١ - صورة القاعدة:
طريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل، ويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية، فلا يعبرون في أبواب العقيدة بألفاظ مجملة مبتدعة، ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقًا وباطلًا نسبوه إلى البدعة١.
٢ - فقه القاعدة:
إن من منهج أهل السنة والجماعة في ألفاظ أصول الاعتقاد الاتباع لا الابتداع، والابتداع المقصود هنا هو مخالفة الأدلة السمعية. وأصل كلمة البدعة من الاختراع، وهو الشيء يحدث من غير أصل سبق، ولا مثال احتذي، ولا ألف مثله، وهذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب، وفيما تنطق به الألسنة، وفيما تفعله الجوارح٢.
ويقول الإمام الشاطبي في تعريف البدعة: "فالبدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله - سبحانه -"٣.
وقيل في تعريف البدعة إنها: "ما أحدث على خلاف الحق المتلقى عن رسول الله - ﷺ - من علم أو عمل أو حال، بنوع شبهة أو استحسان، وجعل دينًا قويمًا وصراطًا مستقيمًا"٤.
فأصول الدين قد جاءت موضحة في الكتاب والسنة وكلام السلف، فما كان فيه مخالفة لها فهو من الابتداع في أصول الاعتقاد.
يقول شيخ الإسلام: "وكل قول لم يرد لفظه ولا معناه في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة فإنه لا يدخل في الأدلة السمعية، ولا تعلق للسنة والبدعة بموافقته ومخالفته..
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١/٢٥٤.
(٢) انظر: الحوادث والبدع للطرطوشي ص٣٤ - ٣٥.
(٣) الاعتصام ١/٣٧.
(٤) علم أصول البدع لعلي بن حسن عبد الحميد ص٢٥.
[ ٨٢ ]
وإنما السنة موافقة الأدلة الشرعية، والبدعة مخالفتها. وقد يقال عما لم يعلم أنه موافق لها أو مخالف: إنه بدعة، إذ الأصل أنه ما لم يعلم أنه من الشرع فلا يتخذ شريعة ودينا، فمن عمل عملًا لم يعلم أنه مشروع فقد تذرع إلى البدعة، وإن كان ذلك العمل تبين له فيما بعد أنه مشروع، وكذلك من قال في الدين قولًا بلا دليل شرعي، فإنه تذرع إلى البدعة، وإن تبين له فيما بعد موافقته للسنة"١.
ويذكر الإمام الإسماعيلي في عقيدة أهل السنة أنهم "يرون مجانبة البدعة والآثام"٢.
والإمام أحمد يقول: "كلما ابتدع رجل بدعة اتسع الناس في جوابها"٣، وقال: "يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثة"٤، وأنكر على من رد بشيء من جنس الكلام إذ لم يكن له فيه إمام تقدم٥.
وعندما قيل لأبي حنيفة: "ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام والأعراض والأجسام؟ قال: مقالات الفلاسفة، عليك بالآية وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة"٦.
ويفصل ابن تيمية موقف أهل السنة من الألفاظ المحدثة في النفي والإثبات فيقول: "وأهل السنة وإن كانوا يعرفون بعقولهم من المعاني الصحيحة نقيض ما يقوله النفاة، فلا يعبرون عن صفات الله بعبارات مجملة مبتدعة، ولا يطلقون القول بأن الله جسم، وأنه تحله الحوادث، وأنه مركب، ولا نحو ذلك، ولا يطلقون من نفي ذلك ما يتناول نفي ما أثبته الرسول، ودلت العقول عليه. بل يفسرون المجملات، ويوضحون المشكلات، ويبينون المحتملات، ويتبعون الآيات البينات، ويعلمون موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح"٧.
_________________
(١) درء التعارض ١/٢٤٤.
(٢) اعتقاد أهل السنة للإسماعيلي ص ٥٣.
(٣) درء التعارض ١/٧١.
(٤) المرجع السابق ١/٧١.
(٥) انظر: المرجع السابق ١/٧١.
(٦) الحجة في بيان المحجة ١/١٠٥.
(٧) درء التعارض ٩/٣٣٥.
[ ٨٣ ]
وقد يكون المحدث هو اللفظ ودلالته، كلفظ الهيولى، أو يكون المحدث هو استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى، كلفظ أصول الدين، حيث أدخل فيه كل قوم من المسائل والدلائل ما ظنوه هم من أصول دينهم، وإن لم يكن من أصول الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه١.
وأما التعبير بعبارات صحيحة، وإن لم تكن في الكتاب والسنة، فلا يكره إذا احتيج إليه، فالإمام أحمد لا يكره إذا عرف معاني الكتاب والسنة أن يعبر عنها بعبارات أخرى، إذا احتيج إلى ذلك، بل هو قد فعل ذلك، بل يكره المعاني المبتدعة، مما خاض الناس فيه من الكلام في القرآن، والرؤية، والقدر، والصفات، إلا بما يوافق الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين٢.
أما الجواب على من يطلق ألفاظًا محدثة مجملة، تحتمل حقًا وباطلًا، فيختلف الموقف باختلاف الشخص الذي تناظره على ثلاثة أقسام:
أولًا: إذا كان الشخص ممن يتقيد بالشريعة، فيقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "وأما إذا كان الكلام مع من يتقيد بالشريعة، فإنه يقال له: إطلاق هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا بدعة، وفي كل منهما تلبيس وإيهام، فلا بد من الاستفسار والاستفصال، أو الامتناع عن إطلاق كلا الأمرين في النفي والإثبات"٣.
ثانيًا: إذا كان المناظر في مقام دعوة الناس إلى قوله، وإلزامهم به، أمكن أن يقال له: لا يجب على أحد أن يجيب داعيا إلا إلى ما دعا إليه رسول الله - ﷺ -، فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه، ولا له دعوة الناس إلى ذلك، ولو قدر أن ذلك المعنى حق.
ومثال ذلك ما أجاب به الإمام أحمد - ﵀ - مناظره أبا عيسى محمد بن عيسى برغوث٤حين ألزم الإمام بالتجسيم، وأنه إذا أثبت لله كلامًا غير مخلوق لزم أن يكون
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١/٧٣.
(٢) انظر: المرجع السابق٧/١٥٥.
(٣) المرجع السابق ١/٢٣٢.
(٤) برغوث وهو رأس البدعة أبو عبد الله محمد بن عيسى الجهمي، أحد من كان يناظر الإمام أحمد وقت المحنة، صنف كتاب الاستطاعة، وكتاب المقالات، وكتاب الاجتهاد، وكتاب الرد على جعفر بن حرب، وكتاب المضاهاة، قيل توفي سنة أربعين ومئتين وقيل سنة إحدى وأربعين. انظر: السير١٠/٥٥٤.
[ ٨٤ ]
جسمًا. فأجاب الإمام أحمد بأن هذا اللفظ لا يدرى مقصود المتكلم به، وليس له أصل في الكتاب والسنة والإجماع، فليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به، ولا بمدلوله، بل هو أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد؛ فلا أقول هو جسم وليس بجسم، لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في الإسلام، فليست هذه من الحجج الشرعية التي يجب على الناس إجابة من دعا إلى موجبها، فإن الناس إنما عليهم إجابة الرسول فيما دعاهم إليه، وإجابة من دعاهم إلى ما دعاهم الرسول - ﷺ - إليه، لا إجابة من دعاهم إلى قول مبتدع ومقصود المتكلم بها مجمل لا يعرف إلا بعد الاستفصال والاستفسار، فلا هي معروفة في الشرع، ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها١.
ثالثًا: إذا كان المناظر معارضًا للشرع بما يذكره، أو ممن لا يمكن أن يرد إلى الشريعة أو ممن يدعي أن الشرع خاطب الجمهور، وأن المعقول الصريح يدل على باطن يخالف الشرع، ونحو ذلك فهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلى العبارة الشرعية كان حسنًا، وإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم فبيان ضلالهم، ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم أولى من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ. فيقع في محاورته إطلاق هذه الألفاظ لأجل اصطلاح ذلك النافي ولغته، وإن كان المطلق لها لا يستجيز إطلاقها في غير هذا المقام٢.
فهذا هو الجواب على من يطلق ألفاظًا، أو معان محدثة، حيث يختلف الرد باختلاف حال الشخص.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١/٢٢٩ - ٢٣١.
(٢) انظر: المرجع السابق ١/٢٣١.
[ ٨٥ ]
القاعدة الرابعة: تجنب الألفاظ المجملة، والتفصيل فيها.
١ - صورة القاعدة:
أن أهل السنة والجماعة يمنعون إطلاق العبارات المحدثة، المجملة، المتشابهة، نفيًا وإثباتًا، فلا يثبتون اللفظ ولا ينفونه إلا بعد الاستفسار والتفصيل، فإذا تبين المعنى أثبت حقه، ونفي باطله١. فيوقف اللفظ ويفسر المعنى٢.
٢ - فقه القاعدة:
لما كان أهل السنة يحرصون على الألفاظ الشرعية في مسائل العقيدة، جاءت ألفاظهم خالية من الإيهام والإجمال، ولما بدأ المبتدعة يظهرون ألفاظًا مشتبهة يلتبس فيها الحق بالباطل بسبب ما فيها من الإجمال، كان موقف أهل السنة حازمًا جدًا، حيث امتنعوا عن إطلاق تلك الألفاظ نفيًا وإثباتًا، إلا بعد الاستفسار والتفصيل، لكي يثبت المعنى الحق وينفى المعنى الباطل، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "ولهذا يوجد كثيرًا في كلام السلف والأئمة النهي عن إطلاق موارد النزاع بالنفي والإثبات، وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق، ولا قصور أو تقصير في بيان الحق، ولكن لأن تلك العبارة من الألفاظ المجملة، المتشابهة، المشتملة على حق وباطل، ففي إثباتها إثبات حق وباطل، وفي نفيها نفي حق وباطل، فيمنعمن كلا الإطلاقين"١.
ويقول - ﵀ -: "وما تنازع فيه الأمة من الألفاظ المجملة كلفظ المتحيز والجهة والجسم والجوهر والعرض وأمثال ذلك، فليس على أحد أن يقبل مسمى اسم من هذه الأسماء، لا في النفي ولا في الإثبات، حتى يتبين له معناه، فإن كان المتكلم بذلك أراد معنى صحيحًا، موافقًا لقول المعصوم كان ما أراده حقًا، وإن كان أراد به معنى مخالفًا لقول المعصوم كان ما أراده باطلًا.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١/٧٦.
(٢) انظر: التدمرية ص ٦٥، ٦٦.
(٣) درء التعارض ١/٧٦.
[ ٨٦ ]
ثم يبقى النظر في إطلاق ذلك اللفظ ونفيه، وهي مسألة فقهية، فقد يكون المعنى صحيحًا ويمتنع من إطلاق اللفظ لما فيه من مفسدة، وقد يكون اللفظ مشروعًا ولكن المعنى الذي أراده المتكلم باطل"١.
وهذه قاعدة متبعة عند سلف الأمة، قال شيخ الإسلام - ﵀ -: "والمقصود هنا أن أئمة السنة كأحمد بن حنبل وغيره، كانوا إذا ذكر لهم أهل البدع الألفاظ المجملة كلفظ الجسم والجوهر والحيز ونحوها؛ لم يوافقوهم لا على إطلاق الإثبات، ولا على إطلاق النفي"١، ويقول عن نفسه: "وما يذكر من الألفاظ المجملة فإني أبينه وأفصله"٢.
وهذه الألفاظ المجملة التي تلبس على الناس في عقيدتهم، كانت سبب ذم السلف لعلم الكلام، إذ لم يذموه لمجرد الاصطلاحات المولدة فيه، بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه الألفاظ والعبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه، فهي مشتملة على معانٍ مجملة في النفي والإثبات٤. وهذا يؤدي إلى الالتباس وعدم بيان الحق، فأكثر اختلاف الناس سببه هذه الألفاظ المجملة، والمعاني المشتبهة.
_________________
(١) درء التعارض ١/٢٩٦ - ٢٩٧، وانظر: بيان تلبيس الجهمية ١/١٠٠.
(٢) بيان تلبيس الجهمية ١/٥٢٢ وانظر ١/٢٢، ٤٧، ٥٤ من المرجع نفسه.
(٣) التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى ٥/٢٦.
(٤) انظر: درء التعارض ١/٤٤، ٢٣٢.
[ ٨٧ ]
القاعدة الخامسة: تجنب التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات.
١ - صورة القاعدة:
يقول الإمام الشافعي - ﵀ -: "ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب، وميلهم إلى لسان أرسطاطاليس١"٢. ومن منهج أهل السنة تجنب التشبه بغير المسلمين، ومن ذلك التشبه بهم في الألفاظ والمصطلحات العقدية.
٢ - فقه القاعدة:
إن الله - ﷿ - بين للناس في كتابه وسنة رسوله تفاصيل دينهم، وخاطبهم بما يفهمونه من الألفاظ العربية، فالعدول عنها إلى لغات الأمم يسبب الالتباس والاشتباه على الناس في أمور عقيدتهم، لاسيما إذا كانت تلك الألفاظ من الألفاظ المجملة المشتبهة، كما أن النبي - ﷺ - حذر أمته من التشبه بغير المسلمين فقال: "لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه". قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟! " ٣.
ولذا كان من منهج أهل السنة في ألفاظ العقيدة عدم التشبه بالأمم الأخرى في ألفاظها، ومصطلحاتها العقدية، وهو أمر تميزوا به عن سائر الطوائف. يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "وأرباب المقالات تلقوا عن أسلافهم مقالات بألفاظ لهم؛ منها ما كان أعجميًا فعربت، كما عربت ألفاظ اليونان والهند والفرس وغيرهم، وقد يكون المترجم عنهم صحيح الترجمة، وقد لا يكون صحيح الترجمة، ومنها ما هو عربي. ونحن إنما نخاطب الأمم بلغتنا العربية"١.
_________________
(١) أرسطاطاليس، ويقال أرسطوطاليس بن نيقوماخوس الطبيب، ولد سنة ٣٨٤ ق. م، من متأخري فلاسفة اليونان، وهو مع ذلك المقدم المشهور، ولقب بالمعلم الأول لأنه واضع التعاليم المنطقية ومخرجها من القوة إلى الفعل، وتتلمذ على أفلاطون، وكان أرسطو يلقي دروسه على تلاميذه وهم يمشون، لذا لقب أتباعه بالمشائين. انظر: الملل والنحل ٢/١١٩، قصة الفلسفة لول ديورانت ص٧٣، المعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا ٢/٣٧٣، الموسوعة الفلسفية للدكتور الحفني ص٣٦.
(٢) صون المنطق ص١٥.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب ما ذكر عن بني اسرائيل ٣/١٢٧٤ح ٣٢٦٩، ومسلم في كتاب العلم باب اتباع سنن اليهود والنصارى ٤/٢٠٥٤ح ٢٦٦٩.
(٤) درء التعارض ١/٢٩٩.
[ ٨٨ ]
ثم يبين - ﵀ - الموقف من هذه الألفاظ التي تنقل من اللغات الأخرى فيقول: "فإذا نقلوا عن أسلافهم لفظ الهيولى، والصورة، والمادة، والعقل، والنفس، والصفات الذاتية، والعرضية، والمجرد، والتركيب والتأليف، والجسم، والجوهر، والعرض، والماهية، والجزء، ونحو ذلك، بُيِّن ما تحتمل هذه الألفاظ من المعاني"١.
فأهل السنة لا يقبلون الألفاظ المنقولة عن الأمم الأخرى، بل يتوقفون فيها حتى يتبين اللفظ وما يحتمله من معان، فهم يعاملونها معاملة الألفاظ المبتدعة.
ومن خلال هذه المصادر والقواعد التي اعتمدها أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، تميزوا عن سائر الفرق الأخرى، ومن خلالها حفظوا العقيدة التي جاء بها الرسول - ﷺ - عن التحريف والابتداع.
_________________
(١) درء التعارض ١/٢٩٩.
[ ٨٩ ]
الفصل الثاني: مصادر المخالفين وقواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها
المبحث الأول: مصادر المخالفين في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها
المصدر الأول: العقل
الفصل الثاني: مصادر المخالفين وقواعدهم في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: مصادر المخالفين في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها.
المبحث الثاني: قواعد المخالفين في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها.
[ ٩٠ ]
المبحث الأول: مصادر المخالفين في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها:
المصدر الأول: العقل.
المصدر الثاني: الفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطي.
المصدر الثالث: الملل والديانات الأخرى.
المصدر الرابع: الكشف.
[ ٩١ ]
المصدر الأول: العقل.
يعتمد المخالفون من المتكلمين والفلاسفة على العقل مصدرًا رئيسًا لمسائل العقيدة، بما في ذلك ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، ويقدمونه على الأدلة السمعية؛ لأنها _في نظرهم _دلائل لفظية، والدلائل اللفظية لا تفيد اليقين، وهذه هي الشبهة الأولى، والشبهة الثانية هي قولهم: إن العقل أصل السمع فيجب تقديمه عليه١.
ومن ذلك أنهم زعموا أن معرفة الله لا تنال إلا بالعقل، يقول القاضي عبد الجبار: "أما الثاني وهو الكلام في أن معرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل، فلأن ما عداها فرع على معرفة الله - تعالى - بتوحيده وعدله، فلو استدللنا بشيء منها على الله والحال هذه، كنا مستدلين بفرع للشيء على أصله، وذلك لا يجوز"٢.
ويقول الغزالي: "كل ما دل العقل فيه على أحد الجانبين فليس للتعارض فيه مجال، إذ الأدلة العقلية يستحيل نسخها وتكاذبها، فإن ورد دليل سمعي على خلاف العقل، فإما أن لا يكون متواترًا فيعلم أنه غير صحيح، وإما أن يكون متواترًا، فيكون مؤولًا، ولا يكون متعارضًا، وأما نص متواتر لا يحتمل الخطأ والتأويل وهو على خلاف دليل العقل، فذلك محال، لأن دليل العقل لا يقبل الفسخ والبطلان"١.
ثم وضع الرازي تقديم العقل على النقل في قانون كلي اعتمده المتكلمون، وهو قوله: "اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة:
إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل، فيلزم تصديق النقيضينوهو محال.
وإما أن نبطلهما، فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال.
وإما أن تكذب الظواهر النقلية وتصدق الظواهر العقلية.
_________________
(١) انظر: المطالب العالية ٩/١١٣ - ١١٤، محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين للرازي ص٥١، أساس التقديس للرازي ص ٢٢٠ - ٢٢١، الأربعين في أصول الدين للرازي ص ٤٢٤، معالم أصول الدين للرازي ص ٢٢، المواقف للآيجي ص ٤٠.
(٢) شرح الأصول الخمسة ص ٨٨.
(٣) المستصفى للغزالي ٢/١٣٧، ١٣٨.
[ ٩٢ ]
وإما أن تصدق الظواهرالنقلية وتكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل، لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية، إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية: إثبات الصانع، وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول - ﷺ -، وظهور المعجزات على يد محمد - ﷺ -. ولو صار القدح في الدلائل العقلية القطعية، صار العقل متهمًا، غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج عن أن يكون مقبول القول في هذه الأصول. وإذا لم تثبت هذه الأصول، خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة.
فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل، يفضي إلى القدح في العقل والنقل معًا، وإنه باطل. ولما بطلت الأقسام الأربعة لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية، القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال إنها غير صحيحة، أو يقال: إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها، ثم إن جوزنا التأويل: اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم تجوز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله - تعالى -. فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات. وبالله التوفيق"١.
وعلى هذا اعتمد المتكلمون في ألفاظهم ومصطلحاتهم في العقيدة، يقول شيخ الإسلام - ﵀ - عن الطوائف المخالفة لأهل السنة في مسائل العقيدة ومصطلحاتها: "ومثل هذا القانون الذي وضعه هؤلاء، يضع كل فريق لأنفسهم قانونًا فيما جاءت به الأنبياء عن الله، فيجعلون الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه هو ما ظنوا أن عقولهم عرفته، ويجعلون ما جاءت به الأنبياء تبعًا له، فما وافق قانونهمقبلوه، وما خالفه لم يتبعوه"٢.
ويقول عن اعتمادهم العقل في إثبات الألفاظ ونفيها: "..فإنكم تدعون أن هذه الأمور معلومة بالعقل لا بالسمع، وإطلاق الألفاظ ونفيها لا تقفون أنتم فيه عند الشرع، فالواجب على أصولكم أن ما علم بالعقل ثبوته، أو انتفاؤه، اتبع من غير مراعاة للفظ"٣.
ويقول الإمام أبو القاسم التيمي٤: "فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقلفإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعًا للمعقول، وأما أهل السنة؛
_________________
(١) أساس التقديس ص ٢٢٠ - ٢٢١ وانظر: المطالب العالية ٩/١١٦ - ١١٧.
(٢) درء التعارض ١/٦.
(٣) المرجع السابق٢/٤٣٢.
(٤) هو الإمام العلامة الحافظ إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي بن أحمد القرشي، التيمي، الطلحي، الأصبهاني، الملقب بقوام السنة، ولد سنة ٤٥٧هجرية، وتوفي سنة ٥٣٥ هجرية. انظر: السير ٢٠/٨٠، شذرات الذهب ٤/١٠٥، الأعلام ١/٣٢٣.
[ ٩٣ ]
قالوا: الأصل في الدين الاتباع والمعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي، وعن الأنبياء، ولبطل الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء، ولو كان الدين بني على المعقول لجاز للمؤمنين أن لا يقبلوا شيئًا حتى يعقلوا"١.
وقد انتقد أهل السنة قانون تقديم العقل، وألفوا المصنفات في إبطاله، ومن ذلك كتاب درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، والصواعق المرسلة للإمام ابن القيم - ﵀ -، وغيرها، وبيّنوا أنه يستحيل تعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح.
_________________
(١) الحجة في بيان المحجة ١/٣٢٠.
[ ٩٤ ]
المصدر الثاني: الفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطي.
لقد أثرت الفلسفة اليونانية على كثير من المتكلمين فأدخلوا بعض المصطلحات التي عربوها من الألفاظ اليونانية في العقيدة، وأبقوها على مدلولها المخالف للعقيدة الصحيحة، وقد عاصروا حركة ترجمة الكتب اليونانية، حيث إنه لما عربت الكتب اليونانية في حدود المئة الثانية وقبل ذلك، أخذها أهل الكلام وأدخلوا فيها من أنواع الباطل في الأمور الإلهية ما ضل به كثير منهم١.
فأبو الحسن الأشعري٢ يقرر أن مذهب أبي الهذيل العلاف٣ في الصفات أخذه عن أرسطاطاليس، والشهرستاني٤ يصل مذهب العلاف بالفلسفة اليونانية، وأنه وافق الفلاسفة في أن الباري - تعالى - عالم بعلم وعلمه ذاته٥. وأبو الهذيل أول من وضع مذهب الجزء الذي لا يتجزأ في الإسلام، وهو مذهب فلسفي اختلف في مصدره٦. وأما النظام٧ فيقول الشهرستاني عنه إنه "طالع كثيرًا من كتب الفلاسفة، وخلط
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٣٢٣.
(٢) هو الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم الأشعري، تنتهي نسبته إلى الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري، ولد سنة ٢٦٠هجرية، متكلم بصري، صاحب مصنفات عديدة، أقام مدة على الاعتزال ثم رجع عنه وسلك طريقةابن كلاب وأيدها بمناهج كلامية، وعليها سار المنتسبون إليه من الأشاعرة، ثم إنه ترك ذلك كله وانتسب إلى الإمام أحمد، وأعلن رجوعه إليه في مؤلفاته الأخيرة كالإبانة. توفي سنة ٣٣٠ هجرية. انظر: تبيين كذب المفتري لابن عساكر ص ٣٤، ١٤٦، شذرات الذهب ٢/٣٠٣، الملل والنحل١ /٣٢، درء التعارض ٢/١٦.
(٣) رأس المعتزلة أبو الهذيل محمد بن الهذيل البصري العلاف، صاحب التصانيف، الذي زعم أن نعيم الجنة وعذاب النار ينتهي، أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل تلميذ واصل بن عطاء الغزال، توفي سنة سبع وعشرين ومئتين، ويقال بقي إلى سنة خمس وثلاثين. انظر: السير١٠/٥٤٢ - ٥٤٣.
(٤) محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستاني، كان إمامًا في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة، ولد سنة ٤٦٧ هجرية، في شهرستان، اتهم بالإلحاد والتشيع ودافع عنه السبكي، له من المؤلفات الملل والنحل، ونهاية الإقدام في علم الكلام وغيرها، توفي في بلده سنة ٥٤٨ هجرية، انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/٣٢٣ - ٣٢٤، سير أعلام النبلاء ٢٠/٢٨٦، الأعلام ٦/٢١٥.
(٥) انظر: مقالات الإسلاميين ص ٤٨٤ - ٤٨٥، الملل والنحل ١/٣٠، نشأة الفكر الفلسفي للدكتور النشار ١/٤٤٤ - ٤٤٥.
(٦) انظر: نشأة الفكر الفلسفي للدكتور علي سامي النشار ١/٤٤٥.
(٧) شيخ المعتزلة صاحب التصانيف أبو إسحاق إبراهيم بن سيار، مولى آل الحارث بن عباد الضبعي البصري المتكلم، تكلم في القدر وانفرد بمسائل وهو شيخ الجاحظ، له تصانيف جمة منها كتاب الطفرة وكتاب الجواهر والأعراض، توفي سنة بضع وعشرين ومئتين. انظر: السير١٠/٥٤١ - ٥٤٢.
[ ٩٥ ]
كلامهم بكلام المعتزلة"١، ويقرر الشهرستاني أن النظاّم أخذ القول بالكمون والظهور٢ عن أصحاب هذا المذهب من الفلاسفة وخاصة الطبيعيين لا الإلهيين٣. كما وافق الفلاسفة في القول بنفي الجزء الذي لا يتجزأ٤.
وعموم نظار المسلمين المتقدمين من المعتزلة، والأشعرية، وغيرهم، لم يلتفتوا كثيرًا إلى الفلسفة اليونانية، ومنطق أرسطو، إلى أن جاء أبو حامد الغزالي فخلط منطق اليونان بأصول المسلمين٥، حيث ألف كتابه معيار العلم في المنطق، وقال في مقدمته: "رتبنا هذا الكتاب معيارًا للنظر والاعتبار، وميزانًا للبحث والافتكار، وصيقلًا للذهن، ومشحذًا لقوة الفكر والعقل، فيكون بالنسبة إلى أدلة العقول، كالعروض بالنسبة إلى الشعر..فكل نظر لا يتزن بهذا الميزان، ولا يعاير بهذا المعيار، فاعلم أنه فاسد العيار، غير مأمون الغوائل والأغوار"٦. وألف المستصفى في أصول الفقه، ووضع في أوله مقدمة منطقية، وزعم أن من لم يحط بها علمًا فلا ثقة بعلومه٧. كما صنف في ذلك محك النظر، والقسطاس المستقيم، وقد تأثر به من جاء بعده من المتكلمين، فتكلموا في الأصول بطريقة أهل المنطق اليوناني٨. مع أن الغزالي قد رجع عن طريقة الفلاسفة ورد عليهم في الإلهيات كما في كتابه تهافت الفلاسفة.
_________________
(١) الملل والنحل ١/٥٣ - ٥٤.
(٢) من مذهب النظام أن الله - تعالى - خلق الموجودات دفعة واحدة، على ما هى عليه الآن، معادن ونباتًا وحيوانًا وإنسانًا، ولم يتقدم خلق آدم - ﵇ - خلق أولاده، غير أن الله - تعالى - أكمن بعضها فى بعض، فالتقدم والتأخر إنما يقع فى ظهورها من مكامنها دون حدوثها ووجودها. انظر: الملل والنحل ١/٥٦.
(٣) انظر: الملل والنحل ١/٥٦، نشأة الفكر الفلسفي للدكتور علي سامي النشار ١/٤٩٦، ٤٨٥، المباحث المشرقية ٢/٣٢٢. والفلاسفة الطبيعيون هم قوم أكثر بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب الحيوان والنبات، وقد قالوا إن النفس تموت ولا تعود فجحدوا الآخرة، وأنكروا الجنة والنار والقيامة والحساب، وقد كفروا بذلك. والفلاسفة الإلهيون وهم المتأخرون مثل سقراط وهو أستاذ أفلاطون، وأفلاطون أستاذ أرسطاطاليس، وأرسطاطاليس هو الذي وضع التعاليم التي يقرونها من المنطق، والطبيعي والإلهي. وأشهر مقولاتهم التي كفروا بها هي القول بقدم العالم. انظر: المنقذ من الضلال ص٢٠ - ٢٢، الصفدية ١/٢٣٦ - ٢٣٧.
(٤) انظر: الملل والنحل ١/٥٦، وانظر كلامه عن الجاحظ ونقله عن الفلاسفة ١/٧٥، وانظر المرجع نفسه ١/٦٠.
(٥) انظر: الرد على المنطقيين ص ٣٣٧، شرح الأصفهانية ص ١٣٢.
(٦) معيار العلم ص ٢٦ - ٢٧.
(٧) انظر: المستصفى ١/١٠.
(٨) انظر: الرد على المنطقيين ص ١٥.
[ ٩٦ ]
ومن المتكلمين الذين تأثروا بالفلسفة اليونانية الفخر الرازي، والآمدي، والإيجي١ وغيرهم، يقول مقدم كتاب المحصل: الدكتور حسين آتاي عن الرازي: "إنه استوعب فلسفة أرسطو التقليدية، ثم كان أول من أدخل هذه الفلسفة في علم الكلام. ونتيجة لما قام به الرازي أصبح علم الكلام فلسفة، ويمكن أن نقول بعبارة أخرى إنه جعل تلك الفلسفة كلامًا. وهكذا امتزج علم الكلام بالفلسفة"٢. فالرازي يعرض أصول الاعتقاد ممزوجة بالفكر الفلسفي اليوناني، الذي روج له ابن سينا وأتباعه.
وقال شيخ الإسلام - ﵀ - عن الرازي: "أبو عبد الله الرازي فيه تجهم قوي، ولهذا يوجد ميله إلى الدهرية أكثر من ميله إلى السلفية، الذين يقولون إنه فوق العرش..يقرر ذلك أنه احتج في مقدمة هذا العلم الشريف بكلام أرسطو معلم المشائين من الدهرية. ولم يكن عنده من أثارة الأنبياء والمرسلين ما يقدمه على كلام الدهرية"٣.
ومع تأثر الرازي والآمدي بمصطلحات الفلاسفة، إلا أنهم كانوا يخالفونهم ويعترضون عليهم في كثير مما يذكرونه عنهم بحسب ما يسنح لهم٤.
أما الفلاسفة المنتسبون للإسلام أمثال الكندي٥، والفارابي٦، وابن سينا، فقد كان لهم السبق في نقل فلسفة أرسطو وأتباعه، وشرحها، وتأييدها. يقول شيخ الإسلام - ﵀ -:"والفلسفة التي ذهب إليها الفارابي وابن سينا إنما هي فلسفة المشائين، أتباع أرسطو صاحب التعاليم"٧.
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، أبو الفضل الإيجي، كان إمامًا في المعقول، قائمًا بالأصول والمعاني والعربية، مشاركًا في الفنون، من مؤلفاته: المواقف في علم الكلام، توفي سنة ٧٥٦هجرية، انظر: الدرر الكامنة ٢/٣٢٢، الأعلام ٣/٢٩٥.
(٢) نقلًا عن د. أحمد حجازي السقا في مقدمة المطالب العالية للرازي ١/٨.
(٣) بيان تلبيس الجهمية ١/١٢٢ - ١٢٣، وانظر: أساس التقديس للرازي ص ٢٥، ١٦، والمطالب العالية ١/٤١، ٥٧، ٥٩، ٢٢٩، ٢/٩٢، وقد أكثر في هذا الكتاب النقل عن الفلاسفة بما يوافقهم فيه تارة، ويعارضهم تارة أخرى.
(٤) انظر: الرد على المنطقيين ص ٣٣٦.
(٥) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الصباح، فيلسوف وأحد أبناء ملوك كندة، اشتهر بالطب والفلسفة والموسيقى والهندسة، ضرب زمن المتوكل وأخذت كتبه لاتهامه في الدين، ثم ردت إليه، وأصاب عند المأمون منزلة عظيمة. من مؤلفاته: رسالة في الحدود، إلهيات أرسطو، توفي سنة ٢٦٠هـ. انظر: لسان الميزان ٦/٣٠٥، الأعلام ٩/٢٥٥ - ٢٥٦، المصطلح الفلسفي عند العرب ص٣٧.
(٦) هو محمد بن محمد بن طرخان، أبو نصر الفارابي، تركي الأصل، ولد في فاراب سنة ٢٦٠ هجرية، وانتقل إلى بغداد فنشأ فيها، يلقب بالمعلم الثاني لشرحه مؤلفات المعلم الأول أرسطو، كان يقول بالمعاد الروحاني وخصه بالأرواح العالمة دون الجاهلة، ويزعم أن الفيلسوف أكمل من النبي؛ وبهذا وغيره كفره شيخ الإسلام، توفي سنة ٣٣٩ هجرية. انظر: البداية والنهاية ١١/٢٢٤، مجموع الفتاوى ٢ /٦٧، ٨٦، الأعلام ٧ /٢٤٢ - ٢٤٣.
(٧) درء التعارض ١/١٢٦، وانظر: الرد على المنطقيين ص٣٣٥، تهافت الفلاسفة ص ١٢.
[ ٩٧ ]
كما كان إعجابهم بمنطق أرسطو كبيرًا، ولهذا ألف كل واحد منهم رسالة في الحدود على قواعد منطق أرسطو ومصطلحاته، وبدءًا من جابر بن حيان المتوفى سنة١٦٠هجرية، يتبين لنا تدرج دخول المصطلحات الفلسفية إلى العرب، بما فيها من مصطلحات تخص العلم الإلهي - كما يسمونه -، ورسالته في الحدود تبين انتساب جابر إلى الفلاسفة، حيث يؤيد ذلك النصوص الفلسفية التي تألفت منها تلك الرسالة، وهي تدل دلالة أكيدة على أن معرفة جابر بالفلسفة اليونانية وثيقة وأكيدة١.
ثم ننتقل إلى رسالة الحدود والرسوم للكندي المتوفى سنة٢٦٠ هجرية، ونجد أن كثيرًا من التعريفات التي ضمنها رسالته يرجع إلى الفلسفة اليونانية٢. أما الفارابي المتوفى سنة ٣٣٩ هجرية فقد امتلأت رسائله الصغيرة، وكتبه المطولة، على السواء بعدد ضخم من الحدود والرسوم للمصطلحات الفلسفية٣. كما نجد الخوارزمي الكاتب المتوفى سنة ٣٨٧ هجرية قد ألف كتاب مفاتيح العلوم، وأفرد فيه بابًا للألفاظ الفلسفية، وبابًا للمنطق. وابن سينا ألف رسالة في الحدود والرسوم على نسق رسالة الكندي في الحدود والرسوم، فهي مأخوذة من الفلسفة الأرسطية٤، كما ألف الشفا والنجاة في المنطق والإلهيات وهي مليئة بالمصطلحات الفلسفية.
يقول ابن سينا في مقدمة كتابه النجاة: "فبدأت بإيراد الكفاية من صناعة المنطق لأنه الآلة العاصمة للذهن عن الخطأ فيما نتصوره ونصدق به، والموصلة إلى الاعتقاد الحق بإعطاء أسبابه ونهج سبله"١.
فهؤلاء الفلاسفة خلطوا علوم المسلمين بعلوم اليونان، وجعلوا فلسفة اليونان هي الأصل الذي تبنى عليه العلوم، فأفسدوا بذلك، وحرفوا كثيرًا من الألفاظ والمصطلحات في أصول الدين وعلوم الشريعة.
_________________
(١) انظر: المصطلح الفلسفي عند العرب للدكتور الأعسم ص ١٧ - ١٨، ٢١، الفهرست لابن النديم ص٤٩٨ - ٤٩٩، كشف الظنون ٢/١٤٥٠، ١٩١١، وانظر رسالة الحدود لجابر بن حيان، وهي مطبوعة ضمن كتاب المصطلح الفلسفي ص ١٦٤ - ١٨٥.
(٢) انظر: المصطلح الفلسفي عند العرب ص٣٧، رسالة الحدود والرسوم للكندي ضمن المصطلح الفلسفي ص ١٨٩ - ٢٠٣.
(٣) انظر: المصطلح الفلسفي عند العرب ص٤٧، وانظر رسالة الألفاظ المستعملة في المنطق للفارابي وغيرها من مؤلفاته.
(٤) انظر: المصطلح الفلسفي عند العرب ص ٦٧.
(٥) النحاة ١/٦.
[ ٩٨ ]
المصدر الثالث: الملل والديانات الأخرى.
كما أخذ بعض المتكلمين عن الفلسفة اليونانية؛ فقد أخذوا أيضًا من فلسفات الأمم الأخرى.
ويذكر البغدادي١أن النظّام كان يغشى في حداثته مجالس أصحاب التثنية٢من الفرس، والسوفسطائية٣ الذين كانوا يقولون بتكافؤ الأدلة، ثم تردد في شبابه على مجالس الفلاسفة الملحدين، وأخذ عن الثنوية قوله بأن فاعل العدل لا يقدر على الجور والكذب.
ومن تأثرهم بالأديان الأخرى تأثر فرقة الخابطية والحدثية٤من المعتزلة بالنصرانية؛ حيث أثبتوا بعض أحكام الألوهية للمسيح - ﵇ -.
يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "وأرباب المقالات تلقوا عن أسلافهم مقالات بألفاظ لهم؛ منها ما كان أعجميًا فعربت، كما عربت ألفاظ اليونان والهند والفرس،
_________________
(١) عبد القاهر بن طاهر بن محمد، الأستاذ أبو منصور التميمي البغدادي، من متكلمي الأشاعرة، له مؤلفات كثيرة منها: فضائح المعتزلة، والفرق بين الفرق، وفضائح الكرامية. توفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة. انظر: طبقات الشافعية ٢/٢١١ - ٢١٢، كشف الظنون١/٢٥٤.
(٢) الثنوية من المجوس وهم أشهر الناس قولا بإلهين، وهم متفقون على أن الإله الخير المحمود هو النور الفاعل للخيرات، وأما الظلمة التي هي فاعل الشرور، فلهم فيها قولان: أحدهما أنه محدث حدث عن فكرة رديئة من النور، والقول الآخر قولهم إن الظلمة قديمة كالنور. وهم قد أثبتوا قديمين لكن لم يجعلوهما متماثلين ولا مشتركين في الفعل، بل يمدحون أحدهما ويذمون الآخر، والثنوية أربع فرق: المانوية والمرقونية والديصانية والمزدكية. انظر: درء التعارض٩/٣٤٦، التمهيد ص٧٨، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص١٠٤ - ١٠٧، تلبيس ابليس لابن الجوزي ص٥٧، وسيأتي تفصيل الكلام عنهم في البحث ص ٣١٠وما بعدها.
(٣) السوفسطائية مأخوذة من كلمة يونانية هي سوفسطيقا، ومعناها المغالطات التي قصد مستعملوها أن يظن بها علمًا أو فلسفة من غير أن يكونوا كذلك، وسوفسطس معناها حكمة مموهة، وكل من اقتنى القدرة على استعمال ما يظن به بسبب ذلك أنه ذو حكمة، من غير أن يكون كذلك بالحقيقة فهو يسمى السوفسطائي. انظر: الألفاظ المستعملة في المنطق للفارابي ص١٠٥، بيان تلبيس الجهمية١/٣٢٢ - ٣٢٤.
(٤) الخابطية أصحاب أحمد بن خابط، وكذلك الحدثية أصحاب الفضل الحدثي، كانا من أصحاب النظام، وطالعا كتب الفلاسفة أيضا، ومن بدعهم إثبات حكم من أحكام الإلهية في المسيح - ﵇ - موافقة للنصارى على اعتقادهم أن المسيح الذي يحاسب الخلق في الآخرة، وزعم أحمد بن خابط أن المسيح تدرع بالجسد الجسماني، وهو الكلمة القديمة المتجسدة كما قالت النصارى. انظر: الملل والنحل ١/٦٠، الفرق بين الفرق ص٢٧٧.
[ ٩٩ ]
وغيرهم، وقد يكون المترجم عنهم صحيح الترجمة، وقد لا يكون صحيح الترجمة، ومنها ما هو عربي"١.
وكان الفخر الرازي ينقل عن بعض أتباع الصابئة المشركين؛ أمثال أبي معشر البلخي المنجم٢، وأكثر نقله عن الصابئة، والمجوس، ومشركي الهند، وبابل، عند كلامه عن السحر والكواكب٣.
يقول شيخ الإسلام - ﵀ - عن تقليد هؤلاء المتكلمين للأمم السابقة: "وهؤلاء المحرفة المبدلة في هذه الأمة، من الجهمية، وغيرهم، اتبعوا سنن من كان قبلهم من اليهود والنصارى وفارس والروم، فغيروا فطرة الله - تعالى -، وبدلوا كتاب الله"٤.
_________________
(١) درء التعارض ١/٢٩٩.
(٢) أبو معشر المنجم جعفر بن محمد البلخي صاحب التصانيف في النجوم والهندسة، قيل كان محدثًا فمكر به ودخل في النجوم وقد صار ابن نيف وأربعين ثم جاوز المئة، ومات في رمضان سنة اثنتين وسبعين ومئتين. انظر: السير١٣/١٦١، الفهرست ص٣٨٦.
(٣) انظر: أساس التقديس ص ٢٨، بيان تلبيس الجهمية ١/١٢٣، ٤٥٠، المطالب العالية ٨/١٤٩، ١٦٠، ١٦٤، ١٧٢، ١٧٣، ١٧٦، ١٩١، ١٩٥، ١/٢٥٠ - ٢٥٢.
(٤) بيان تلبيس الجهمية ١/٣٧٣.
[ ١٠٠ ]
المصدر الرابع: الكشف.
يعد الكشف المصدر الرئيس للمعرفة عند الصوفية، ومن دخل في التصوف من فلاسفة ومتكلمين، وما وافق الكشف عندهم من الكتاب والسنة أقروه، وما خالف كشفهم تأولوه!!.
والكشف عند الصوفية: هو الاطلاع على ما وراء الحجاب، من المعاني الغيبية والأمور الخفية الحقيقية وجودًا أو شهودًا١.
وكما نصب المتكلمون العقل حاكمًا على النقل، ينصب هؤلاء الصوفية الكشف حاكمًا على النقل. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض رده على من قدم العقل على النقل: "وهذا الذي ذكره هذا في العقل، ذكره طائفة أخرى في الكشف، كما ذكرهأبو حامد في كتابه الإحياء، في الفرق بين ما يتأول وما لا يتأول، وذكر أنه لا يستدل بالسمع على شيء من العلم الخبري، وإنما الإنسان يعرف الحق بنور إلهي يقذف في قلبه، ثم يعرض الوارد في السمع عليه، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه، وما خالف أولوه"٢.
قال أبو حامد في بيان الكشف الذي يحصل لبعض الخواص: "القلب مثل المرآة، واللوح المحفوظ مثل المرآة أيضًا، لأن فيه صورة كل موجود؛ وإذا قابلت المرآة بمرآة أخرى حلت صور ما في إحداهما في الأخرى، وكذلك تظهر صور ما في اللوح المحفوظ إلى القلب إذا كان فارغًا من شهوات الدنيا، فإن كان مشغولًا بها كان عالم الملكوت محجوبًا عنه، وإن كان في حال النوم فارغًا من علائق الحواس طالع جواهر عالم الملكوت، فظهر فيه بعض الصور التي في اللوح المحفوظ، وإذا أغلق باب الحواس كان بعده الخيال، لذلك يكون الذي يبصره تحت ستر القشر، وليس كالحق الصريح مكشوفًا، فإذا مات أي
_________________
(١) انظر: التعريفات للجرجاني ص ٢٣٥، التوقيف ص ٦٠٤، المعجم الصوفي د. الحفني ص ٢٠٨، ٢٣٨، معجم الكلمات الصوفية لأحمد النقشبندي ص ١٨٤، وانظر البحث ص ٤٦١وما بعدها.
(٢) درء التعارض ٥/٣٣٩ - ٣٤٠، وانظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٢١٢، الرد على المنطقيين ص ٥١٠.
[ ١٠١ ]
القلب بموت صاحبه، لم يبق خيال ولا حواس، وفي ذلك الوقت يبصر بغير وهم وغير خيال، ويقال له: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق - ٢٢] "١.
ويبين أنه عن طريق الرياضة والمجاهدة ينفتح له ذلك وأنه يبصر في اليقظة الذي يبصره في النوم فتظهر له أرواح الملائكة والأنبياء والصور الحسنة الجميلة الجليلة، وينكشف له ملكوت السموات والأرض، ويرى ما لا يمكن شرحه ولا وصفه - كما يقول -٢.
وهذا الذي يقع في قلوب الأولياء هنا يقع في قلوبهم بلا واسطة من حضرة الحق - تعالى - كما يقول الغزالي - فهم مثل علم الأنبياء٣. وهو هنا يقترب من الفلاسفة في تعريفهم للنبوة؛ وهو مما أغلظ فيه كثير من العلماء على الغزالي٤.
وهذا الكشف هو الحاكم على السمع، فما وافق الكشف أخذوه، وما خالف الكشف أولوه، يقول الغزالي: "وحد الاقتصاد بين هذا الانحلال كله وبين جمود الحنابلة دقيق غامض، لا يطلع عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنور إلهي، لا بالسماع، ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هي عليه، نظروا إلى السمع والألفاظ الواردة، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه، وما خالف أولوه. فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد، فلا يستقر له فيها قدم، ولا يتعين له موقف"٥.
ويقول الرازي في بيان الطريق للكشف وأنه من الطرق الموصلة إلى المعارف المقدسة: "اعلم أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن الطريق إليه من وجهين: أحدهما: طريق أصحاب النظر والاستدلال. والثاني: طريق أصحاب الرياضة والمجاهدة"٦.
وقال في الطريق الثاني: "وأما الطريق الثاني، وهو طريق أصحاب الرياضة فهو طريق عجيب أكيد قاهر، فإن الإنسان إذا اشتغل بتصفية قلبه عن ذكر غير الله، وداوم بلسان جسده، ولسان روحه على ذكر الله، وقع في قلبه نور وضوء وحالة قاهرة وقوة عالية،
_________________
(١) كيمياء السعادة للغزالي ص ٢٤، وانظر: إحياء علوم الدين ٣/٢١.
(٢) انظر: كيمياء السعادة ص ٢٥.
(٣) انظر: المرجع السابق ص٢٥ - ٢٧.
(٤) انظر: الرد على المنطقيين ص ٥١٠.
(٥) إحياء علوم الدين ١/١٠٤، وانظر تعليق ابن تيمية في الدرء ٥/٣٣٩ - ٣٤٠.
(٦) المطالب العالية ١/٥٣.
[ ١٠٢ ]
ويتجلى لجوهر النفس أنوار عالية علوية، وأسرار إلهية، وهي مقامات ما لم يصل الإنسان إليها، لا يمكنه الوقوف عليها على سبيل التفصيل"١. وقال أيضًا: "عند الرياضة الشديدة يحصل للنفس كمالات عظيمة، وتلوح لها الأنوار وتتكشف لها المغيبات"٢.
والنفس قد يحصل لها نوع من الكشف، بالزهد والعبادة والرياضة والتصفية والخلوة، وغير ذلك٣، لكن ينبغي أن يربط بالكتاب والسنة، وأن يعلم أن المعارف التي تحصل بالكشف متى خالفت الكتاب والسنة، أو خالفت العقل الصريح، فهي باطلة.
فالكشف إذًا من مصادر المعرفة عند الصوفية، وقد سلطوه على ألفاظ الشرع، فما خالف كشفهم تأولوه وحرفوه عن معناه الصحيح إلى ما يوافق كشفهم.
_________________
(١) المطالب العالية ١/٥٤.
(٢) معالم أصول الدين ص ٨٥.
(٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٢٦٦ - ٢٦٧، مجموع الفتاوى ١١/٣١٣.
[ ١٠٣ ]
المبحث الثاني: قواعد المخالفين في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها
الأولى: عدم التزام ألفاظ الشرع، وإعمال المجاز والتأويل فيها
المبحث الثاني: قواعد المخالفين في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها:
١ - عدم التزام ألفاظ الشرع، وإعمال المجاز والتأويل فيها.
٢ - عدم التزام معاني اللغة ودلالاتها.
٣ - استعمال الألفاظ البدعية.
٤ - استعمال الألفاظ المجملة.
٥ - التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات.
[ ١٠٤ ]
١ - عدم التزام ألفاظ الشرع، وإعمال المجاز والتأويل فيها.
يتخذ المتكلمون والفلاسفة العقل مصدرًا رئيسًا لمسائل العقيدة؛ بما في ذلك ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، وهم يقصون السمع بعيدًا في أمور العقيدة؛ لأنهم يزعمون أن الدلائل اللفظية - وهي السمع - لا تفيد اليقين، يقول الفخر الرازي في تقرير ذلك: "إن التمسك بالدلائل اللفظية، موقوف على أمور عشرة، وكل واحد منها ظني، والموقوف على الظني: ظني، ينتج أن التمسك بالدلائل اللفظية لا يفيد إلا الظن"١. ثم بين تلك الأمور العشرة وهي:
نقل مفردات اللغة، ونقل النحو والتصريف، وعدم الاشتراك، وعدم إرادة المجاز، وعدم الإضمار والحذف، وعدم التقديم والتأخير، وعدم المخصص، وعدم المعارض النقلي، وعدم المعارض العقلي، وأن يكون الدليل النقلي قطعي الدلالة والمتن، وأن تكون دلالته مانعة من النقيض٢.
وبهذا طرحوا دلالة السمع لأنها في نظرهم ظنية. وإذا تعارض العقل والنقل - في نظرهم - قدموا العقل لأنه قطعي الدلالة، وأما النقل فإما أن يرفضوه لأنه غير صحيح - بزعمهم - أو يشتغلوا بتأويله لأن ظاهره غير مراد! ٣. يقول الغزالي: "كل خبر مما يشير إلى إثبات صفة للباري - تعالى - يشعر ظاهره بمستحيل في العقل، نظر: إن تطرق إليه التأويل قبل وأول، وإن لم يندرج فيه احتمال تبين على القطع كذب الناقل"١.
_________________
(١) المطالب العالية ٩/١١٤ - ١١٨، وانظر: المحصل ص ٥١، المواقف ص٤٠.
(٢) انظر: أساس التقديس ص ٢٢٠ - ٢٢١، المستصفى ٢/١٣٧ - ١٣٨.
(٣) المنخول للغزالي ص ٢٨٦.
[ ١٠٥ ]
ويقول أبو المعين النسفي١: "إن حمل الآيات على ظواهرها والامتناع عن صرفها إلى ما يحتمله من التأويل، يوجب تناقضًا فاحشًا في كتاب الله - تعالى -"٢.
ومن الأمثلة لذلك قول الرازي: "لما ثبت بالدليل أنه - سبحانه - منزه عن الجهة والجسمية، وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار محملًا صحيحًا، لئلا يصير ذلك سببًا للطعن فيها"٣.
وتأويلهم تحريف للفظ عن معناه الصحيح، وهم يستعينون على ذلك بغرائب المجازات، وبعيد اللغة، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "وأما أهل التحريف والتأويل فهم الذين يقولون إن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال إلا ما هو الحق في نفس الأمر، وإن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه بعقولنا، ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات، التي يحتاجون فيها إلى إخراج اللغات عن طريقتها المعروفة، وإلى الاستعانة بغرائب المجازات والاستعارات"١.
ومن مظاهر عدم التزامهم ألفاظ الشرع واستبدالهم غيرها من الألفاظ؛ أن كتب العقائد التي يؤلفونها مليئة بألفاظ لم تجيء في الشرع، ومع ذلك هي عمدة مسائلهم، كحديثهم عن الجوهر والعرض والجسم والواجب والتحيز والجهة والمركب والمنقسمونحوها، فمثل هذه المسائل ليست هي أصول الدين - كما زعموا -، لأن أصول الدين هي ما بينه الرسول - ﷺ - ٥، أما هذه الألفاظ فلم يذكرها الرسول - ﷺ - ولا صحابته من بعده في مسائل أصول الدين، مما يدل على أنها محدثة مبتدعة، وكل بدعة ضلالة.
وهناك من يذهب إلى أبعد من ذلك وهم الذين يطرحون النصوص، ولا يرون حجيتها في العقائد، وهم الذين يرون أن الأنبياء قصدوا ظواهر النصوص لإفهام العامة، وإن كان هذا الظاهر باطلًا ولكن للمصلحة فقط، وهؤلاء يسميهم ابن تيمية - ﵀ - أهل
_________________
(١) الشيخ أبو المعين ميمون بن محمد النسفي الحنفي، من أشهر علماء الماتريدية، له مؤلفات كثيرة منها تبصرة الأدلة، وبحر الكلام توفي سنة ثمان وخمسمائة. انظر: الجواهر المضية٣/٥٢٧، كشف الظنون١/٢٢٥، ٣٣٧، ٤٨٤، ٥٦٣، ٥٦٩.
(٢) أساس التقديس ص ١٠٩.
(٣) درء التعارض ١/١٢ وانظر بيان تلبيس الجهمية ١/٥٢٣.
(٤) انظر: درء التعارض ١/٢٤.
[ ١٠٦ ]
الوهم والتخييل١، ومنهم ابن سينا فهو يقول: "أما أمر الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد، وهو أن الشرع والملل الآتية على لسان نبي من الأنبياء، يرام بها خطاب الجمهور كافة، ثم من المعلوم الواضح أن التحقيق الذي ينبغي أن يرجع إليه في صحة التوحيد؛ من الإقرار بالصانع موحدًا، مقدسًا عن الكم، والكيف، والأين، والمتى، والوضع، والتغير.. ممتنع إلقاؤه إلى الجمهور"٢. ويستبعد إرادة المجاز والاستعارة في آيات التوحيد لأنه لا يرى حجيتها مطلقًا، بل يرى أنها جاءت لإفهام الجمهور، وإن كان كذبًا، فيقول: "ثم هب الكتاب العربي جائيًا على لغة العرب، وعادة لسانهم من الاستعارة والمجاز، فما قولهم في الكتاب العبراني كله، وهو من أوله إلى آخره تشبيه صرففظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة لخطاب الجمهور بما يفهمون، مقربًا ما لا يفهمون إلى أفهامهم بالتشبيه، والتمثيل..فكيف يكون ظاهر الشرع حجة في هذا الباب؟! "١، وهذا كفر بكتاب الله - تعالى -.
وهؤلاء وأولئك جعلوا الألفاظ المبتدعة المجملة هي ألفاظ العقيدة التي لا يعرفها إلا الخواص، وأعرضوا عن ألفاظ الشرع، يقول شيخ الإسلام: "وهؤلاء جعلوا هذه الألفاظ المبتدعة المجملة أصلًا أمروا بها، وجعلوا ما جاء به الرسول من الآيات والأحاديث فرعًا يعرض عنها ولا يتكلم بها فكيف يكون تبديل الدين إلا هكذا! "٤.
فالمتكلمون والفلاسفة لا يلتفتون إلى ألفاظ الشرع، وإن استعملوها أعملوا فيها التأويل والمجاز.
_________________
(١) درء التعارض ١/٨ - ٩.
(٢) الأضحوية في المعاد ص ٩٧ - ٩٨.
(٣) المرجع السابق ص ١٠٢ - ١٠٣.
(٤) التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى ٥/١٤.
[ ١٠٧ ]
الثانية: عدم التزام معاني اللغة ودلالاتها
٢ - عدم التزام معاني اللغة ودلالاتها.
لا يلتزم كثير من المتكلمين والفلاسفة معاني اللغة ودلالاتها في أبواب العقائد، وذلك لأن العقل عندهم إذا دل على شيء، وجب تأويل الألفاظ التي في النصوص، وتطويعها لتوافق عقولهم، وإن كان مخالفًا لدلالة اللغة.
يقول ابن عقيل١في بيان مذهبه في قبول أخبار الآحاد: "يجب قبولها حيث تلقاها أصحاب الحديث بالقبول، ويجب تأويلنا لبعضها على ما يدفعها عن ظاهرها، وإن كان من بعيد اللغة ونادرها، وهذا هو اعتقادنا "١. فهم يفسرون اللفظ بمعنى بعيد جدًا ولا يحتمله اللفظ في ذلك الموضع، بل هو كما قال من بعيد اللغة ونادرها.
وبعض المتكلمين يحمل اللفظ معنى ليس هو من معانيه في لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "وهم اصطلحوا بتلك العبارات على معان غير معانيها في لغة العرب، فتبقى إذا أطلقوا نفيها لم تدل في لغة العرب على باطل، ولكن تدل في اصطلاحهم الخاص على باطل"٣.
ومن الأمثلة على عدم التزامهم معاني اللغة في ألفاظ العقيدة، تفسيرهم الاستواء بالاستيلاء، وقد رد الإمام ابن القيم على هذا التحريف من اثنين وأربعين وجهًا، ومما قال في بيان مخالفتهم للغة: "إن أهل اللغة لما سمعوا ذلك أنكروه غاية الإنكار ولم يجعلوه من لغة العرب. قال ابن الأعرابي وقد سئل: هل يصح أن يكون استوى بمعنى استولى؟ فقال: لا تعرف العرب ذلك. وهذا هو من أكابر أئمة اللغة"٢.
ومن الأمثلة كذلك تعريفهم للواحد بأنه الذي لا ينقسم، أو أنه ما ليس بجسم، قال أبو المعالي: "الواحد في اصطلاح الأصوليين الشيء الذي لا ينقسم، ولو قيل الواحد هو
_________________
(١) الإمام العلامة البحر شيخ الحنابلة، أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظفري الحنبلي، المتكلم صاحب التصانيف، أخذ علم العقليات عن شيخي الاعتزال أبي علي بن الوليد وأبي القاسم بن التبان، صاحبي أبي الحسين البصري فانحرف عن السنة، له كتاب الفنون، وهو كتاب ضخم يقع في مجلدات عديدة. توفي سنة ٥١٣هـ. انظر: السير١٩/٤٤٣ - ٤٤٧.
(٢) المسودة في أصول الفقه لآل تيمية ص ٢٤٨ - ٢٤٩.
(٣) درء التعارض ١/٢٢٣. ٢ مختصر الصواعق المرسلة ٢/٣٢٠.
[ ١٠٨ ]
الشيء لوقع الاكتفاء بذلك، والرب - ﷾ - موجود، فرد، متقدس عن قبول التبعيض والانقسام"١.
وقد علق شيخ الإسلام - ﵀ - على تعريفاتهم مبينًا مخالفتها للشرع والعقل واللغة، وقد سبق بيان ذلك، ونوضح هنا مخالفتهم للغة، قال - ﵀ -: "أما في اللغة، فإن أهل اللغة مطبقون على أن معنى الواحد في اللغة ليس هو الذي لا يتميز جانب منه عن جانب، ولا يرى منه شيء دون شيء، إذ القرآن ونحوه من الكلام العربي، متطابق على ما هو معلوم بالاضطرار في لغة العرب، وسائر اللغات، أنهم يصفون كثيرًا من المخلوقات بأنه واحد، ويكون ذلك جسمًا، إذ المخلوقات إما أجسام، وإما أعراض عند من يجعلها غيرها وزائدة عليها. وإذا كان أهل اللغة متفقين على تسمية الجسم الواحد واحدًا، امتنع أن يكون في اللغة معنى الواحد الذي لا ينقسم، إذا أريد بذلك أنه ليس بجسم، وأنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء..بل لا يوجد في اللغة اسم واحد إلا على ذي صفة ومقدار"٢.
وهكذا هم في أغلب اصطلاحاتهم التي اصطلحوا عليها في العقائد، فهم كما قال شيخ الإسلام - ﵀ -: "عامة ألفاظهم الاصطلاحية لا يريدون بها ما هو المعروف في اللغة من معناها، بل معاني اختصوا هم بالكلام فيها نفيًا وإثباتًا، ولهذا قال الإمام أحمد فيهم: يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يشبهون عليهم"٢.
_________________
(١) الإرشاد ص ٥٢٠ وانظر الإنصاف ص ٣٣ - ٣٤ لمع الأدلة ص ٩٨.
(٢) بيان تلبيس الجهمية ١/٤٨٢ - ٤٨٣، وانظر: ١/٤٩٢ - ٤٩٣ من المرجع نفسه.
(٣) المرجع السابق ١/٤٧٤ وانظر درء التعارض ١/٢٢٢ - ٢٢٣.
[ ١٠٩ ]
الثالثة: استعمال الألفاظ البدعية
٣ - استعمال الألفاظ البدعية.
لما استغنى المتكلمون والفلاسفة عن ألفاظ الشرع وقدحوا في إفادتها القطع في العقائد؛ استحدثوا ألفاظًا ومصطلحات في مسائل العقيدة، وذلك كتسميتهم الصفات أعراضًا، وكاستعمالهم لفظ الجسم، والجهة، والتحيز، والأحوال، والعقل، والنفس، والمادة، والتركيب، والجزء، والعلة، والمعلول، ونحوها، وإطلاقها نفيا أو إثباتا على الله - تعالى -.
ومن ذلك أن المعتزلة جعلوا أصول الدين خمسة وهي التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين والوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأرادوا بها معان أخرى غير ما جاء في الشرع١، بل استحدثوا مسألة المنزلة بين المنزلتين، إذ لا وجود لها في كتاب الله ولا سنة رسوله.
كما نجد أن أهم المسائل التي يتحدث عنها المتكلمون هي نفي الجسم عن الله، ونفي الأعراض عنه، وأنه ليس بجوهر، ولا متحيز ولا في جهة٢.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "وإثبات لفظ الجسم ونفيه بدعة لم يتكلم به أحد من السلف والأئمة، كما لم يثبتوا لفظ التحيز ولا نفوه، ولا لفظ الجهة ولا نفوه، ولكن أثبتوا الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة ونفوا مماثلة المخلوقات"١.
ومن المصطلحات التي يهتمون بها ويُعنون بشرحها في كتبهم دليل الحدوث والأعراض٤، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "وكذلك الاستدلال على حدوث العالم بطريق الجسم والعرض، إنما ابتدعها في الإسلام هؤلاء، وهذا أصل علم الكلام الذي
_________________
(١) انظر: شرح الأصول الخمسة ص١٢٨ - ١٤٨، شرح الطحاوية ٢/٤٠٣.
(٢) انظر: الإرشاد ص٤٢ - ٤٧، التمهيد ص٤١ - ٤٣، الشامل لأبي المعالي ١/٤٨، ٥٩، ٦١، ٦٨، أساس التقديس ص٣٠ وما بعدها، المطالب العالية ٢/٢٥ - ٥٧، ١١٥.
(٣) بيان تلبيس الجهمية ١/٩.
(٤) انظر على سبيل المثال: شرح الأصول الخمسة ص ٩٢ - ٩٥، المحيط بالتكليف للقاضي عبد الجبار ص ٣٥ وما بعدها، الإنصاف للباقلاني ص ١٦ - ١٨، الإرشاد ص١٧ - ٢٠، الشامل ١/٣٤ - ١١٢، المطالب العالية ١/٢٠٠، ٤/١٣ - ٢٩، ٢٤١ وما بعدها.
[ ١١٠ ]
أطبق على ذمه أئمة الإسلام الأولين والآخرين، ولما ابتدع هؤلاء القول بأنه ليس بجسم ولا جوهر، عارضهم الطائفة الأخرى من الشيعة وغيرهم فقالوا: بل هو جسم"١.
هذه أهم المسائل التي يبحثها المتكلمون في كتبهم، ويلاحظ أنها مسائل تبحث مصطلحات مبتدعة ليست هي من أصول الدين الذي جاء به الرسول - ﷺ -، وهذا غاية بحث المتكلمين، ولذا اعترف كثير منهم في لحظاته الأخيرة بعدم جدوى البحث الذي أضاع عمره فيه٢.
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ٢/٤٩٩.
(٢) انظر: نهاية الإقدام للشهرستاني ص ٣، درء التعارض ١/١٥٩ - ١٦٢، مجموع الفتاوى ٤/٧٢ - ٧٣.
[ ١١١ ]
الرابعة: استعمال الألفاظ المجملة
٤ - استعمال الألفاظ المجملة.
استعمل المتكلمون والفلاسفة ألفاظًا مبتدعة، حيث وضعوا لها معنى لم يرد في الشرع، وكان من هذه الألفاظ المبتدعة ألفاظ فيها إجمال وإبهام فهي تحتمل معنى حقًا، وتحتمل أيضا معنى باطلًا، وهم يلبسون من خلالها على عوام الناس.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "وهذا الكلام المتشابه الذي يخدعون به جهال الناس، هو الذي يتضمن الألفاظ المتشابهة المجملة التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة، وتلك الألفاظ تكون موجودة مستعملة في الكتاب والسنة وكلام الناس، لكن بمعان أخر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فيقصدون هم بها معاني أخر فيحصل الاشتباه والإجمال"١. ثم بين - ﵀ - بعض الأمثلة لهذه الألفاظ التي يستخدمون فقال: "كلفظ العقل، والعاقل، والمعقول، فإن لفظ العقل في لغة المسلمين إنما يدل على عرض إما مسمى مصدر عقل يعقل عقلًا، وإما قوة يكون بها العقل وهي الغريزة، وهم يريدون بذلك جوهرًا مجردًا قائمًا بنفسه.
وكذلك لفظ المادة والصورة، بل وكذلك لفظ الجوهر والعرض، والجسم والتحيز، والجهة والتركيب والجزء، والافتقار والعلة والمعلول، والعاشق والعشق والمعشوق، بل ولفظ الواحد في التوحيد، بل ولفظ الحدوث والقدم، بل ولفظ الواجب والممكن، بل ولفظ الوجود والموجود والذات وغير ذلك من الألفاظ"٢.
فهذه الألفاظ بعضها قد ورد في الشرع، ولكنهم وضعوا له معنى يخالف ما ورد في الشرع، وبعضها ألفاظ مجملة مشتبهة، ومع ذلك جعلوها أصول الدين، واعتنوا بها، وتركوا ما جاء به الرسول - ﷺ -، وحرفوه عن معناه الصحيح، وهذه سمة ظاهرة لما يستعملونه من ألفاظ ومصطلحات في العقيدة.
_________________
(١) درء التعارض ١/٢٢٢ وانظر النسعينية ضمن الفتاوى الكبرى ٥/٢٦.
(٢) درء التعارض ١/٢٢٢.
[ ١١٢ ]
الخامسة: التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات
٥ - التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات.
سبق أن ذكرت مصادر المتكلمين والفلاسفة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، وأن منها الفلسفة اليونانية، والملل والديانات الأخرى، وهكذا وقعوا في التشبه بغير المسلمين في الألفاظ والمصطلحات من وجوه:
الأول: أنهم أخذوا بعض المناهج العامة للألفاظ من الأمم الأخرى كأخذهم التأويل عن اليهود والنصارى١.
الوجه الثاني: أنهم أخذوا من ألفاظ الأمم الأخرى، ومصطلحاتهم، بحروفها مع تغيير يسير مثل لفظ الفلسفة والهيولى والأسطقس والسفسطة.
الوجه الثالث: أنهم أخذوا ألفاظ الأمم الأخرى ثم ترجموها إلى ألفاظ عربية وجعلوها ترمز إلى معان باطلة ليست هي معانيها في لغة العرب، كتسمية الملائكة عقول، وتسمية الأفلاك بالنفوس، وكلفظ الجوهر والعرض ونحوها.
هذه مصادر وقواعد المخالفين في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، ويلاحظ تعارضها مع قواعد ومصادر أهل السنة، وبعدها عن الاعتماد على ألفاظ القرآن والسنة والمعاني الواردةفيها؛ لذلك ضلوا وأضلوا.
_________________
(١) انظر: دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية للدكتور عرفان عبد الحميد ص ٢١٦ - ٢١٧.
[ ١١٣ ]
الفصل الثالث: معنى الحد عند المنطقيين ونقده عند أهل السنة
المبحث الأول: معنى الحد في اللغة
الفصل الثالث: معنى الحد عند المنطقيين ونقده عند أهل السنة.
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: معنى الحد في اللغة.
المبحث الثاني: معنى الحد عند المنطقيين.
المبحث الثالث: نقد أهل السنة لمعنى الحد عند المنطقيين.
[ ١١٤ ]
المبحث الأول: معنى الحد في اللغة.
للحد في اللغة معان منها:
١- أنه المانع والحاجز بين الشيئين: يقول الخليل بن أحمد: "فصل ما بين كل شيئين حدٌّ بينهما"١، وهذا يعني المنع.
ويقول ابن فارس: "فالحد الحاجز بين الشيئين، وفلان محدود إذا كان ممنوعًا، ويقال للبواب حداد؛ لمنعه الناس من الدخول، وسمي الحديد حديدًا لامتناعه وصلابته وشدته، ويقال حدت المرأة على بعلها وأَحدّت، وذلك إذا منعت نفسها الزينة والخضاب"٢. ويرتبط بهذا المعنى" تمييز الشيء عن الشيء"٢، إذ أنه يحصل بالفصل بين الشيئين ووضع الحاجز بينهما.
٢- والحد طرف الشيء ومنتهاه: يقول الخليل: "ومنتهى كل شيء حده..وحدُّ كل شيء طرف شباته كحد السنان والسيف ونحوه"٤.
٣- والحد بأس الرجل ونفاذه في نجدته٥.
٤- والحد الصرف عن الشيء من الخير والشر٦.
والمعنى الأول والثاني هما الأكثر استعمالًا للفظ الحد؛ ولذا جعلهما ابن فارس المعنيين اللذين تدور عليهما هذه الكلمة.
_________________
(١) العين ٣/١٩ وانظر الصحاح ٢/٤٦٢ لسان العرب ٣/٤٠ القاموس المحيط ص ٣٥٢.
(٢) معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٢/٣ - ٤، وانظر: الصحاح ٢/٤٦٢، لسان العرب ٣/٤٠، القاموس المحيط ص ٣٥٢.
(٣) القاموس المحيط ٣٥٢.
(٤) العين ٣/١٩ - ٢٠، وانظر: معجم مقاييس اللغة ٢/٣ - ٤، الصحاح ٢/٤٦٢.
(٥) انظر: العين ٣/١٩ - ٢٠، القاموس المحيط ص ٣٥٢.
(٦) انظر: العين ٣/١٩ - ٢٠.
[ ١١٥ ]
المبحث الثاني: معنى الحد عند المنطقيين.
يعرف أهل المنطق الحد بأنه قولٌ دالٌ على ماهية الشيء١. ويوضح هذا التعريف ابن سينا بقوله عن الحد أنه: "القول الدال على ماهية الشيء؛ أي كمال وجوده الذاتي، وهو ما يتحصل له من جنسه القريب٢وفصله٣"١. ولذلك يعرف بعضهم الحد بأنه ما ألف من جنس وفصل٥.
ويقول ابن سينا:" فالحدود تفيد تصور ما لا يكون بين التصور من موضوعات الصناعة، ومن عوارض الصناعة"٦. والتصور عندهم هو العلم بذوات الأشياء٧.
فالحد عند المنطقيين اسم جامع لكل ما يعرف التصور، وهو القول الشارح٢. فلا بد أن يكون الحد مصورًا لِكُنْه الشيء، ومبينًا لحقيقته من خلال ذاتياته٩، لذا كان من شروط الحد عندهم أن يأتي بالجنس القريب، وجميع الفصول الذاتية. يقول الغزالي: "والمخلصون إنما يطلبون من الحد تصور كنه الشيء، وتمثل حقيقته في نفوسهم، لا لمجرد التمييز"١٠.
وقالوا إن الغرض من الحد "هو الإحاطة بجوهر المحدود على الحقيقة، حتى لا يخرج منه ما هو فيه، ولا يدخل فيه ما ليس منه"٣.
_________________
(١) انظر: منطق أرسطو ٢/٤٤٩ - ٤٥٠، الحدود والرسوم لابن سينا ضمن كتاب المصطلح الفلسفي عند العرب ص ٢٣٢ - ٢٣٣، معيار العلم ص ٢٥٥، محك النظر للغزالي ص ١٠٤ - ١٠٥، الفارابي في حدوده ورسومه للدكتور جعفر آل ياسين ص ٢٠٣ - ٢٠٤، الرد على المنطقيين ص ٨، درء التعارض ٣/٣٢٠، روضة الناظر لابن قدامة ٢/١٠، التعريفات ص ١١٦.
(٢) الجنس سبق التعريف به ص٢٨من البحث.
(٣) الفصل كلي يحمل على الشيء في جواب أي شيء هو في جوهره. انظر: معيار العلم ص ٧٧.
(٤) الحدود والرسوم لابن سينا ص ٢٣٩.
(٥) الفارابي في حدوده ورسومه ص ٢٠٤، وانظر: رسالة الحدود لجابر بن حيان ضمن المصطلح الفلسفي عند العرب ص ١٦٥، رسالة الحدود للخوارزمي ضمن المصطلح الفلسفي عند العرب ص ٢١٦، ١٧٠، المبين للآمدي ص ٧٤.
(٦) النجاة ١/٩٠.
(٧) انظر: معيار العلم ص٢٥٣. ٢ انظر الرد على المنطقيين ص ٥.
(٨) الذاتي هو الذي يقوم ماهية ما يقال عليه، فهو عبارة عما يقال على شيء وهو سابق في الفهم على فهم ذلك الشيء المقول عليه، من ضرورة فهمه؛ كالحيوان والناطق بالنسبة للإنسان. انظر: النجاة ١/١٢، المبين ص٧٢.
(٩) معيار العلم ص ٢٥٤ - ٢٥٥. ٣ رسالة الحدود لجابر بن حيان ضمن المصطلح الفلسفي عند العرب ص ١٦٥.
[ ١١٦ ]
المبحث الثالث: نقد أهل السنة لمعنى الحد عند المنطقيين.
قبل أن نبين نقد أهل السنة لمعنى الحد عند المنطقيين، يحسن أن نبين معنى الحد عند جماهير أهل النظر والكلام من المسلمين.
أولًا - معنى الحد عند جماهير أهل النظر والكلام من المسلمين:
جماهير أهل النظر والكلام من المسلمين على خلاف أهل المنطق في تعريفهم للحد وفائدته، فالحد عندهم هو ما يحصل به التمييز للمحدود من غيره١.
وقالوا: "إن حد الشيء وحقيقته خاصته التي تميزه"٢.
وقالوا: الحد تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال٣.
والحد: "ما أحاط بالمحدود بحيث لا يدخل فيه ما ليس منه ولا يخرج منه ما هو منه"٤.
وقيل: "هو الجامع المانع، ويقال: المطرد المنعكس"٥، وهو يحصل بالخواص اللازمة التي لا تحتاج إلى ذكر الصفات المشتركة بينه وبين غيره٦.
والخلاصة أنهم يرون أن الحد يفيد تمييز المحدود لا تصوير حقيقته، وهذا التعريف واضح الارتباط بالمعنى اللغوي للحد والذي سبق بيانه.
_________________
(١) انظر: الرد على المنطقيين ص ١٤ - ١٥، الصفدية ٢/٢٩٥، التمهيد ص ٣٤، شرح الأصول الخمسة ص ٤٠، التعريفات ص ١١٦، التوقيف ص ٢٧١.
(٢) الرد على المنطقيين ص ١٥.
(٣) انظر: الصفدية ٢/٢٩٥، الدرء ٣/٣٢٠.
(٤) التمهيد ص ٣٤، وانظر: الرد على المنطقيين ص ١٩.
(٥) الحدود الأنيقة للأنصاري ٢/٦٥.
(٦) انظر: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام للدكتور علي سامي النشار ١/٣٩.
[ ١١٧ ]
ثانيًا - نقد أهل السنة لمعنى الحد عند المنطقيين:
لقد أخطأ المنطقيون في دعواهم أن الحدود تفيد تصوير الحقائق، ولم يكن قولهم في ذلك دقيقًا، ولا مطابقًا للواقع، بل غاية الحد أنه يفيد تمييز المحدود عن غيره، وشرح معناه، ومن وجوه الرد عليهم في ذلك ما يلي:
الوجه الأول:
أن الحد مجرد قول الحاد ودعواه، فإنه إذا قال: حد الإنسان مثلًا: إنه الحيوان الناطق أو الضاحك، فهذه قضية خبرية، ومجرد دعوى خلية عن حجة. فإما أن يكون المستمع لها عالمًا بصدقها بدون هذا القول، وإما أن لا يكون. فإن كان عالمًا بذلك ثبت أنه لم يستفد هذه المعرفة بهذا الحد. وإن لم يكن عالمًا، فمجرد قول المخبر الذي لا دليل معه، لا يفيده العلم. كيف وهو يعلم أنه ليس بمعصوم في قوله؟ فقد تبين أنه على التقديرين ليس الحد هو الذي يفيده معرفة المحدود. فإن قيل الحد مفرد، قيل التكلم بالمفرد لا يفيد، ولا يكون جوابًا لسائل، ثم إذا قدر أن الحد هو المفرد فالمفردات أسماء، وغاية السائل أن يتصور مسماها، لكن من أين له إذا تصور مسماها أن هذا المسمى هو المسؤول عنه، وأن هذا المسمى هو حقيقة المحدود؟.
فإن قيل يفيده مجرد تصور المسمى من غير أن يحكم أنه هو ذلك أو غير ذلك، قيل فحينئذ يكون هذا كمجرد دلالة اللفظ المفرد على معناه، وهو دلالة الاسم على مسماه، وهذا يحقق أن دلالة الحد كدلالة الاسم. وهذا قول أهل الصواب الذين يقولون: "الحد تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال "، وحينئذ فيقال: لا نزاع بين العقلاء أن مجرد الاسم لا يوجب تصوير المسمى لمن لم يتصوره بدون ذلك، وإنما الاسم يفيد الدلالة عليه والإشارة إليه١.
_________________
(١) انظر: الرد على المنطقيين ص ٣٢ - ٣٤، مجموع الفتاوى٩/٩١.
[ ١١٨ ]
الوجه الثاني:
أن يقال: لو كان الحد مفيدًا لتصور المحدود، لم يحصل ذلك إلا بعد العلم بصحة الحد، فإنه دليل التصور وطريقه وكاشفه، فمن الممتنع أن نعلم صحة المعرَّف المحدود قبل العلم بصحة المعرِّف. والعلم بصحة الحد لا يحصل إلا بعد العلم بالمحدود، إذ الحد خبر عن مخبر هو المحدود، فمن الممتنع أن يعلم صحة الخبر وصدقه قبل تصور المخبَر عنه، من غير تقليد المخبِر وقبول قوله فيما يشترك في العلم به المخبَر١.
الوجه الثالث:
أن من المعلوم أن أغلب الحقائق والمعلومات، يستقبلها الناس عن طريق الحواس الخمس، وهي التي تساهم في تشكيل التصورات والخرائط المختلفة للأشياء، ويؤثر على هذا التصور مجموعة من العوامل، منها ثقافة الشخص، وخلفيته المعرفية، وقناعاته الخاصة، وبيئته التي نشأ فيها، كما أن لكل واحد منا حاسته الخاصة التي يعتمد عليها أكثر من غيرها. لذلك فكل شخص له صورته الخاصة لذلك الشيء المحدود، والتي قد تختلف عن الصور التي رسمها الآخرون، فالحد إذًا لا يفيد تصوير حقيقة المحدود كما هي عليه، بل تمييزها عن غيرها.
الوجه الرابع:
أنهم يحدون المحدود بالصفات التي يسمونها الذاتية، ويسمونها أجزاء الحد، وأجزاء الماهية، والمقوّمة لها، والداخلة فيها، ونحو ذلك من العبارات، فإن لم يعلم المستمع أن المحدود موصوف بتلك الصفات امتنع أن يتصوره، وإن علم أنه موصوف بها كان قد تصوره بدون الحد. فثبت أنه على تقدير النقيضين لا يكون قد تصوره بالحد وأما فائدة الحد فهي من جنس فائدة الاسم، وهو التمييز بين الشيء المحدود وغيره. وأئمة المصنفين
_________________
(١) انظر: الرد على المنطقيين ص ٣٨ - ٣٩، مجموع الفتاوى٩/٩٢ - ٩٣.
[ ١١٩ ]
في صناعة الحدود على طريقة المنطقيين يعترفون بهذا عند التحقيق كأبي حامد الغزالي١، والفارابي٢ وابن سينا٣.
الوجه الخامس:
أن التصورات المفردة يمتنع أن تكون مطلوبة، فيمتنع أن تطلب بالحد، وذلك لأن الذهن إما أن يكون شاعرًا بها، وإما أن لا يكون شاعرًا بها، فإن كان شاعرًا بها، امتنع طلب الشعور وحصوله، لأن تحصيل الحاصل ممتنع، وإنما قد يطلب دوام الشعور وتكراره أو قوته. وإن لم يكن شاعرًا بها امتنع من النفس طلب ما لا تشعر به، فإن الطلب والقصد مسبوق بالشعور.
وإذا لم تكن التصورات المفردة مطلوبة، فإما أن تكون حاصلة للإنسان، فلا تحصل بالحد، فلا يفيد الحد التصوير، وإما أن لا تكون حاصلة، فمجرد حصول الحد لا يوجب تصور المسميات لمن لا يعرفها، فالحاصل أن فائدة الحد من جنس فائدة الاسم٤.
الوجه السادس:
أن يقال: المفيد لتصور الحقيقة عندهم هو الحد التام، وهو الحقيقي المؤلف من الجنس والفصل، ومن الذاتيات المشتركة والمميزة، دون العرضيات التي هي العرض العام٥، والخاصة٦. وهذا الكلام مبني على الفرق بين الذاتي والعرضي.
وقد ذكروا فروقًا ثلاثة بينهما، وقد طعن محققوهم في كل واحد من هذه الفروق، وبينوا أنه لا يحصل بها الفرق بين الذاتي وغيره٧.
_________________
(١) انظر: معيار العلم ص ٢٧٠ - ٢٧٢، الرد على المنطقيين ص ٤٠ - ٤١.
(٢) انظر: الألفاظ المستعملة في المنطق ص ٨٨ - ٩٠، ٧٨، ٨١، الرد على المنطقيين ص ٤١ - ٤٢.
(٣) انظر: الرد على المنطقيين ص ٣٩ - ٤٠، مجموع الفتاوى ٩/٩٣.
(٤) انظر: الرد على المنطقيين ص ٦١ - ٦٢، مجموع الفتاوى٩/٩٦ - ٩٧.
(٥) العرض العام هو ما يقال على كثيرين مختلفين بالحقائق قولا غير ذاتي؛ كالأسود والأبيض بالنسبة للإنسان. انظر: المبين ص٧٣.
(٦) الخاصة عبارة عما يقال على كلي واحد قولًا عرضيًا؛ كالكاتب بالنسبة إلى الإنسان. انظر: المبين ص٧٣.
(٧) انظر: الرد على المنطقيين ص ٦٢ - ٦٣، ٦٤ - ٧٣، مجموع الفتاوى ٩/٩٧ - ٩٨.
[ ١٢٠ ]
الوجه السابع:
أن يقال: قولهم "إن الحد التام يفيد تصوير الحقيقة"، واشتراطهم أن يكون مؤلفًا من الذاتي المميز والذاتي المشترك، إن أريد بالحد التام ما يصور الصفات الذاتية على التفصيل - مشتركها ومميزها -، فالجنس القريب مع الفصل لا يحصل ذلك، وإن أريد بما يدل على الذاتيات ولو بالتضمن أو الالتزام، فالفصل بل الخاصة يدل على ذلك.
وإذا عارضهم من يوجب ذكر جميع الأجناس، أو يحذف جميع الأجناس لم يكن لهم عنه جواب إلا أن هذا وضعهم واصطلاحهم. ومعلوم أن العلوم الحقيقية لا تختلف باختلاف الأوضاع. فقد تبين أن ما ذكروه هو من باب الوضع والاصطلاح، الذي جعلوه من باب الحقائق الذاتية والمعارف. وهذا عين الضلال والإضلال١.
الوجه الثامن:
هو أن اشتراطهم ذكر الفصول التي هي الذاتيات المميزة مع تفريقهم بين الذاتي والعرضي اللازم للماهية غير ممكن. إذ ما من مميز هو من خواص المحدود المطابقة له في العموم والخصوص إلا ويمكن شخصًا أن يجعله ذاتيًا مميزًا، ويمكن الآخر أن يجعله عرضيًا لازمًا٢.
الوجه التاسع:
أن يقال: هذا التعليم دوري قبلي، فلا يصح. وذلك أنهم يقولون: إن المحدود لا يتصور أو لا يحد حدًا حقيقيًا إلا بذكر صفاته الذاتية. ثم يقولون: الذاتي هو ما لا يمكن تصور الماهية بدون تصوره. فيفرقون بين الذاتي وغير الذاتي أن الذاتي ما يتوقف عليه تصور الماهية، فلابد أن يتصور قبلها.
ويقولون تارة: لابد أن يتصور معها. فلا يمكن عندهم أن يتأخر تصوره عن تصور الماهية، وبذلك يعرف أنه وصف ذاتي.
_________________
(١) انظر: الرد على المنطقيين ص ٧٣ - ٧٥، مجموع الفتاوى ٩/١٠٠ - ١٠١.
(٢) انظر: الرد على المنطقيين ص ٧٦ - ٧٧، مجموع الفتاوى ٩/١٠١.
[ ١٢١ ]
فحقيقة قولهم أنه لا يعلم الذاتي من غير الذاتي حتى تعلم الماهية، ولا تعلم الماهية حتى تعلم الصفات الذاتية التي منها تؤلف الماهية وهذا دور.
فإذا كان المتعلم لا يتصور المحدود حتى يتصور صفاته الذاتية، ولا يعرف أن الصفة ذاتية حتى يتصور الموصوف الذي هو المحدود، فيتوقف معرفتها على معرفتها، فلا يعرف هو ولا يعرف الذاتيات. وهذا كلام متين يجتاح أصل كلامهم، ويبين أنهم متحكمون فيما وضعوه، لم يبنوه على أصل علمي تابع للحقائق١.
الوجه العاشر:
أن الحدود إنما هي أقوال كلية، كقولنا حيوان ناطق، فتصور معناها لا يمنع من وقوع الشركة فيها، وإن كانت الشركة ممتنعة لسبب آخر، فهي إذن لا تدل على حقيقة معينة بخصوصها، وإنما تدل على معنى كلي. والمعاني الكلية وجودها في الذهن لا في الخارج، فما في الخارج لا يتعين، ولا يعرف بمجرد الحد، وما في الذهن ليس هو حقائق الأشياء، فالحد لا يفيد تصور الحقيقة أصلا٢.
الوجه الحادي عشر:
أن الحد من باب الألفاظ، واللفظ لا يدل المستمع على معناه إن لم يكن قد تصور مفردات اللفظ بغير اللفظ. لأن اللفظ المفرد لا يدل المستمع على معناه إن لم يعلم أن اللفظ موضوع للمعنى، ولا يعرف ذلك حتى يعرف المعنى. فتصور المعاني المفردة يجب أن يكون سابقًا على فهم المراد بالألفاظ. فلو استفيد تصورها من الألفاظ لزم الدور، وهذا أمر محسوس، فإن المتكلم باللفظ المفرد إن لم يبين للمستمع معناه حتى يدركه بحسه أو بنظره، وإلا لم يتصور إدراكه له بقول مؤلف من جنس وفصل٣.
_________________
(١) انظر: الرد على المنطقيين ص ٧٧ - ٧٨، مجموع الفتاوى ٩/١٠١ - ١٠٢.
(٢) انظر: نقض المنطق ص ١٨٦ - ١٨٧.
(٣) انظر: المرجع السابق ص ١٨٧.
[ ١٢٢ ]
الوجه الثاني عشر:
أن العلم بوجود صفات مشتركة ومختصة حق، لكن التمييز بين تلك الصفات بجعل بعضها ذاتيًا تتقوم منه حقيقة المحدود، وبعضها لازمًا لحقيقة المحدود تفريق باطل، بل جميع الصفات الملازمة للمحدود طردًا وعكسًا هي جنس واحد؛ فلا فرق بين الفصل والخاصة، ولا بين الجنس والعرض العام.
وذلك أن الحقيقة المركبة من تلك الصفات إما أن يعني بها الخارجة، أو الذهنية، أو شيء ثالث. فإن عنى بها الخارجة فالنطق والضحك في الإنسان حقيقتان لازمتان يختصان به، وإن عنى الحقيقة التي في الذهن؛ فالذهن يعقل اختصاص هاتين الصفتين به دون غيره.
وإن قيل: بل إحدى الصفتين يتوقف عقل الحقيقة عليها، فلا يعقل الإنسان في الذهن حتى يفهم النطق، وأما الضحك فهو تابع لفهم الإنسان. وهذا معنى قولهم: الذاتي ما لا يتصور فهم الحقيقة بدون فهمه، أو ما تقف الحقيقة في الذهن والخارج عليه.
قيل: إدراك الذهن أمر نسبي إضافي. فإن كون الذهن لا يفهم هذا إلا بعد هذا؛ أمر يتعلق بنفس إدراك الذهن، ليس هو شيئًا ثابتًا للموصوف في نفسه. فلا بد أن يكون الفرق بين الذاتي والعرضي بوصف ثابت في نفس الأمر، سواء حصل الإدراك له أو لم يحصل، إن كان أحدهما جزءًا للحقيقة دون الآخر وإلا فلا١.
الوجه الثالث عشر:
أن الحد إذا كان له جزءان فلا بد لجزئيه من تصور كالحيوان والناطق، فإن احتاج كل جزء إلى حد لزم التسلسل أو الدور. فإن كانت الأجزاء متصورة بنفسها بلا حد - وهو تصور الحيوان، أو الحساس، أو المتحرك بالإرادة - فمن المعلوم أن هذه أعم. وإذا كانت أعم يكون إدراك الحس لأفرادها أكثر. فإن كان إدراك الحس لأفرادها كافيًا في التصور فالحس قد أدرك أفراد النوع. وإن لم يكن كافيًا في ذلك لم تكن الأجزاء معروفة، فيحتاج المعرِّف إلى معرِّف، وأجزاء الحد إلى حد٢.
_________________
(١) انظر: نقض المنطق ص ١٨٩.
(٢) انظر: المرجع السابق ص ١٩٢ - ١٩٣.
[ ١٢٣ ]
الوجه الرابع عشر:
أنه لو كان الحد يفيد تصوير حقيقة الشيء، ويدل على كنهه وماهيته، لاتفق الناس في تصورهم للأشياء قبل رؤيتها، ولكن الواقع يثبت خلاف ذلك، فلكل شخص تصوره الخاص عما يُحد له، ويتدخل في ذلك الخلفية المعرفية لكل شخص، ومستوى الفهم، والقدرة على التصور والتخيل. فثبت أن الحد لا يصور المحدود.
هذه بعض الردود التي يمكن الرد بها على المنطقيين في تعريفهم للحد، وتضخيمهم لشأنه، ومن خلال هذه الردود يتبين لنا فساد معنى الحد عند المنطقيين، وبطلانه، وأنه غير ممكن، وقد تعسر عليهم تحصيله وفق شروطهم، مع أنهم واضعوه.
[ ١٢٤ ]
الفصل الرابع: أشهر المؤلفات في مصطلحات العقيدة عرض وتقويم
المبحث الأول: كتاب: المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين
التعريف بالمؤلف والكتاب
الفصل الرابع: أشهر المؤلفات في مصطلحات العقيدةعرض وتقويم.
وفيه مباحث:
المبحث الأول: كتاب: المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين.
المبحث الثاني: كتاب: التعريفات.
المبحث الثالث: كتاب: التوقيف على مهمات التعاريف.
[ ١٢٥ ]
المبحث الأول: كتاب: المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين.
١ - التعريف بالمؤلف والكتاب:
كتاب المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين لسيف الدين، أبي الحسن علي ابن أبي علي محمد بن سالم الثعلبي، وقيل التغلبي، ثم الحموي، ثم الدمشقي، المعروف بالآمدي، ولد في آمد١سنة ٥٥١هـ، وانتقل منها بعد ذلك إلى بغداد، ثم مصر، ثم حماة ودمشق، وكانت تنقلاته تلك بسبب ما يتعرض له من مضايقات فقهاء عصره؛ لغلوه في الفلسفة.
ألف الآمدي في الأصول والمنطق والجدل، ومن مؤلفاته الإحكام في أصول الأحكام، واختصره في كتابه منتهى السول، وله كتاب أبكار الأفكار ولا يزال مخطوطًا، وقد اختصره في كتابه غاية المرام في علم الكلام، وقد توفي الآمدي سنة ٦٣١ هجرية٢.
ظهر كتاب المبين لأول مرة مطبوعًا عام ١٩٥٤م في مجلة المشرق البيروتية الكاثوليكية، في العدد الثاني من المجلد الثامن والأربعين، بعناية ولهلم كوتش وأغناطيوس عبده خليفة. ولكنه لم يظهر كاملًا، إذ النسخة الخطية المعتمدة ينقصها قرابة نصف الكتاب٣.
ثم طبع ضمن كتاب بعنوان "الفيلسوف الآمدي، مع تحقيق كتاب المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين" للدكتور عبد الأمير الأعسم، وكانت طبعته الأولى عام ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م. كما طبع بتحقيق الدكتور حسن محمود الشافعي، وكانت طبعته الثانية عام ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م. وطبع مع مجموعة رسائل في الحدود، بتحقيق الدكتور عبد الأمير الأعسم، في كتابه المصطلح الفلسفي عند العرب، وكانت طبعته الثانية عام١٩٩٧م.
_________________
(١) آمد أعظم مدن ديار بكر في العراق، وهو بلد قديم حصين ركين، مبني بالحجارة السود على نشز دجلة، محيطة بأكثره مستديرة به كالهلال. انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي ١/٥٦.
(٢) انظر: وفيات الأعيان ٣/٢٩٣، البداية والنهاية لابن كثير ١٣/١٥١، شذرات الذهب ٥/١٤٤، سير أعلام النبلاء ٢٢/٣٦٤.
(٣) انظر: مقدمة كتاب المبين للدكتور حسن محمود الشافعي ص٤٨، المصطلح الفلسفي عند العرب للدكتور عبد الأمير الأعسم ص١١٠.
[ ١٢٦ ]
٢ - عرض محتوى الكتاب:
ألف الآمدي كتاب المبين بناء على طلب من وسمه بأنه رئيس العلماء، وسيد الفضلاء، حيث ذكر الآمدي أنه أشار عليه بوضع مختصر جامع لشرح الألفاظ المتداولة في اصطلاح الحكماء والمتكلمين. فألف الآمدي كتاب المبين لهذا الغرض١.
وقد عرّف الآمدي في كتابه المبين بكثير من ألفاظ ومصطلحات الفلاسفة والمتكلمين، وغلب على الكتاب مصطلحات الفلاسفة، وهي التي استعملها كثير من المتكلمين المتأخرين حيث امتزجت الفلسفة بعلم الكلام في القرن الذي عاش فيه الآمدي، لذلك نجد أن الألفاظ الفلسفية تغلب على كتابه، بل نجد أن الآمدي في بعض المواضع يعرض المعنى الذي يستخدمه الفلاسفة، ولا يذكر المعنى الذي يستخدمه المتكلمون لذلك اللفظ٢.
وقد سرد المؤلف في بداية كتابه الألفاظ التي عرف بها في كتابه، والتي تصل إلى مايزيد على المئتي مصطلح وجعل ذلك الفصل الأول من كتابه.
وفي الفصل الثاني قام بشرح تلك الألفاظ بإيجاز غير مخل، حيث ركز على الألفاظ الفلسفية والكلامية، وذكر معناها الاصطلاحي، ولم يتعرض لذكر المعنى اللغوي للألفاظ، لذلك استطاع أن يشرح عددًا كبيرًا من المصطلحات في مجلد صغير.
وبتصفح كتاب المبين نجد أن الآمدي قد بدأ بشرح المصطلحات المنطقية، ثم انتقل إلى المصطلحات التي يستخدمها الفلاسفة والمتكلمون في العلم الطبيعي، ثم ما يستخدمونه في العلم الإلهي. ويلاحظ قلة المصطلحات المتعلقة بالعلم الإلهي - كما يسمونه - وهو العلم الناظر في ذات الإله - تعالى - وصفاته.
ولم يلتزم الآمدي بترتيب المصطلحات على حروف الهجاء. بل رتبها حسب الترابط الموضوعي.
وكتاب المبين أوسع من الكتب التي تقدمته في الحدود، كالحدود لجابر بن حيان ومثله للكندي وابن سينا والغزالي، من حيث عدد الألفاظ المشروحة. وإن كانت بعض هذه الرسائل أكثر توسعًا من المبين في شرح اللفظ الواحد.
_________________
(١) انظر: المبين ص٦١ - ٦٢.
(٢) انظر على سبيل المثال: المبين للآمدي ص ٧٤، وانظر مقدمة المحقق الدكتور حسن الشافعي ص ٤٧.
[ ١٢٧ ]
وقد تميزت شخصية الآمدي في هذا الكتاب، حيث نجد أنه عند شرحه للألفاظ التي تكررت عند من سبقه، لم ينقل تعريفاتهم؛ بل غيّر كثيرًا منها واختصر بعضها ونقحه.
[ ١٢٨ ]
٣ - المآخذ على الكتاب:
١ - مما يؤخذ على الكتاب أن مؤلفه سرد التعريفات دون تعليق على المعاني التي تحويها بعض تلك التعريفات، مثل تعريف القديم، والنبوات، والحادث١، وذلك لأنه لايرى بطلانها فهي تمثل مذهبه الكلامي الفلسفي.
٢ - أن مؤلف الكتاب متكلم أشعري٢؛ لذا جاءت بعض التعريفات على المذهب الأشعري مثل تعريف الكلام، القدرة، الإرادة، الجوهر الفرد٣، كما أن الكتاب عموما جاء لعرض معاني ألفاظ الفلاسفة والمتكلمين، لذا أغفل معنى تلك المصطلحات عند أهل السنة.
٣ - عدم شمول الكتاب لألفاظ المتكلمين، وغلبة الألفاظ المنطقية عليه، بل إنه عرف بعض الألفاظ بمعناها عند الفلاسفة، ولم يذكر المعنى الذي عند المتكلمين كما في لفظ الاسم، الحد٤. كما أنه لم يتطرق لألفاظ مهمة في العقيدة عند المتكلمين كلفظ الأحد والتوحيد، والخلق، والإيجاد، والرب، والإله، وأبواب العقيدة الأخرى كالقدر والحكمة والتعليل، وألفاظ الأدلة كدليل التمانع ودليل الحدوث ونحوها. وبالجملة فكتاب المبين يشرح المصطلحات الفلسفية والكلامية، من منظور اختلطت فيه الفلسفة بعلم الكلام، ولا يخدم مذهب أهل السنة. وإن كان قد خدم الباحثين بتقديم تلك المصطلحات لهم.
_________________
(١) انظر: المبين ص ١١٨ - ١١٩، ١٢١.
(٢) الأشاعرة نسبتهم إلى أبي الحسن الأشعري المتوفى سنة ٣٢٤هـ، والمتقدمون منهم يثبتون صفات الله تعالى دون تفريق بين الخبرية والعقلية، وينفون الصفات الاختيارية، أما المتأخرون منهم فلا يثبتون من صفات الله إلا سبعًا وهي: السمع والبصر والعلم والكلام والقدرة والإرادة والحياة، ويؤولون الصفات الخبرية أو يفوضونها، وينفون الصفات الاختيارية، ويقولون بالكلام الأزلي، ويتمسكون بدليل الحدوث، وتقديم العقل على النقل، ونفي حجية خبر الآحاد، والتوحيد عندهم هو توحيد الربوبية، ويقولون بالكسب وإنكار التعليل، والتحسين والتقبيح الشرعي فقط، وهم مرجئة في باب الإيمان. وقد كان أبو الحسن في أول أمره على مذهب الاعتزال، ثم خرج منه إلى مذهب وسط بين أهل الحديث والمعتزلة تابع فيه ابن كلاب، وهذا هو الذي عليه جمهور الأشاعرة، ثم رجع أبو الحسن إلى معتقد السلف وأصحاب الحديث وأعلن انتسابه إلى الإمام أحمد - ﵀ -، وذلك في كتبه المتأخرة كالإبانة، ومقالات الإسلاميين. انظر: الملل والنحل١/٩٤وما بعدها، مجموع الفتاوى ٣/٢٢٨، و٤/١٦٧، رسالة في الرد على الرافضة لأبي حامد المقدسي ص١٦٦ - ١٦٧، موقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور عبد الرحمن المحمود.
(٣) انظر: المبين ص ١٢٠، ١١٠.
(٤) انظر: المرجع السابق ص ٧٠، ٧٤، ومقدمة المبين ص ٤٧.
[ ١٢٨ ]
المبحث الثاني: كتاب: التعريفات.
١ - التعريف بالمؤلف والكتاب:
مؤلف كتاب التعريفات هو علي بن محمد بن علي الحسيني الجرجاني الحنفي، المعروف بالسيد الشريف، ولد بجرجان سنة٧٤٠هـ، وهو متكلم مشارك في أنواع من العلوم، ذو فصاحة وطلاقة، ومعرفة بطرق المناظرة، والاحتجاج. من مؤلفاته شرح المواقف في علم الكلام، وحاشية على أنوار التنزيل، وغيرها، توفي بشيراز سنة٨١٦هـ١.
وكتابه التعريفات كتاب مشهور، اعتمد عليه كثير من طلاب العلم، وقد ألفه الجرجاني بطريقة تسهل الرجوع إليه، حيث رتبه على حروف الهجاء.
وقد طبع كتاب التعريفات طبعات كثيرة، فقد طبع في استانبول سنة ١٨٣٧م٢، وطبع في القاهرة سنة١٣٠٦هـ - ١٨٨٨م، كما طبع عام١٣٠٨هـ - ١٨٩٠م، وأعيد طبعه بعد ذلك مرات عديدة، وبتحقيقات مختلفة منها طبعة بتحقيق إبراهيم الأبياري عام ١٤٠٥هـ. وطبعة بتحقيق الدكتور عبد الرحمن عميرة عام ١٤٠٧هـ، وغيرها.
_________________
(١) انظر: الضوء اللامع للسخاوي٥/٣٢٨ - ٣٣٠، الأعلام للزركلي٥/٧، معجم المؤلفين لعمر كحالة ٧/٢١٦.
(٢) انظر: مقدمة التعريفات للدكتور عبد الرحمن عميرة ص١٨.
[ ١٢٩ ]
٢ - عرض محتوى الكتاب:
كتاب التعريفات للجرجاني من الكتب الشاملة لمصطلحات كثير من العلوم، فلم يقتصر على مصطلحات فن بعينه، بل تناول مصطلحات اللغة بفنونها من بلاغة ونحو وعروض، ومصطلحات العقيدة والفقه وأصوله، والفلسفة، والكلام، ومصطلحات الصوفية، ومصطلحات الحديث، وعلوم القرآن، كما تعرض لشيء من مصطلحات الحساب والهندسة والفلك، وعرف بكثير من الفرق.
وقد نقل جل تعريفاته من كتب متفرقة، وزاد عليها، وقد جمعها ورتبها ليسهل على طلاب العلم الوصول إلى معاني تلك المصطلحات، فهو يقول: "وبعد فهذه تعريفات
[ ١٢٩ ]
جمعتها، واصطلاحات أخذتها من كتب القوم، ورتبتها على حروف الهجاء، من الألف والباء إلى الياء، تسهيلًا تناولها للطالبين، وتيسيرًا تعاطيها للراغبين"١.
وقد أوجز في تعريفاته للمصطلحات، وفصّل في الألفاظ التي تحتاج إلى تفصيل، وكان يذكر المعنى اللغوي ثم المعنى الاصطلاحي لبعض الألفاظ.
كما أن الجرجاني قد رتب الألفاظ في كتابه على ترتيب حروف الهجاء، دون إرجاع الكلمة إلى أصلها، مما يسهل عملية البحث عن لفظ معين فيه، حيث قسم الكتاب إلى أبواب مرتبة على حروف الهجاء، كل باب خاص بالألفاظ التي تبدأ بحرف واحد، ثم قسم كل باب إلى فصول مراعيًا في الفصول الحرف الثاني من الكلمة ثم رتب هذه الفصول على حروف الهجاء، فصار الكتاب مرتبًا الألفاظ على حروف الهجاء مراعيًا الحرف الأول والثاني فقط.
ويلاحظ استشهاد الجرجاني في كتابه بكثير من الآيات والأحاديث مفرقة في كتابه.
_________________
(١) التعريفات ص٢٥.
[ ١٣٠ ]
٣ - المآخذ على الكتاب:
١ - مما يؤخذ على كتاب التعريفات أن مؤلفه قد أكثر فيه من مصطلحات الصوفية الباطلة، والتي تحوي معاني فاسدة دون تعليق عليها وبيان ما فيها من باطل١، بل في بعضها التصريح بالوحدة٢، كما نقل عن ابن عربي ولم يرد على ما في كلامه من القول بوحدة الوجود٣.
٢ - أن الجرجاني من متكلمي الأشاعرة، لذا فقد عرف كثيرًا من المصطلحات وفق تعريف المتكلمين لها، ومن ذلك - على سبيل المثال - تعريفه للسحر٤، وتعريفه للتوحيد٥، والإيمان٦.
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: التعريفات ص٣٤، ٥٣، ٥٧، ٦٠، ٦٢، ٦٨، ٧٠، ٧٨، ٨١، ٩٩، ٢٠٩، ٢١٣، ٢١٧، ٢٢٧، ٢٥٥، ٢٦٢، ٢٩١، ٢٩٤، ٣٠١، ٣٠٤، ٣١٢، ٣١٤، ٣١٥.
(٢) انظر: التعريفات ص ١٤٣ - ١٤٤، ١٥٨.
(٣) انظر: المرجع السابق ص ١٤٣.
(٤) انظر: المرجع السابق ص ١٥٦.
(٥) انظر: المرجع السابق ص٩٩.
(٦) انظر: المرجع السابق ص ٦٤.
[ ١٣٠ ]
٣ - جعل آيات الصفات من قبيل المتشابهات وأن فيها إيهام١!.
٤ - كما يؤخذ على الكتاب أن مؤلفه استشهد بأحاديث ضعيفة وموضوعة٢.
٥ - أتى المؤلف بكلمات ليست من قبيل المصطلح، وليست تحمل مدلولًا له خصوصية معينة - حسب تعريفه الذي ذكره -، بحيث يؤتى بها في كتاب مصطلحي؛ كلفظ التبشير والتبذير والفخر والكرم ونحوها٣، حيث ذكر دلالتها اللغوية.
وبرغم هذه السلبيات إلا أنه قد أفاد الباحثين كثيرًا، لاسيما في المصطلحات التي لا تتقيد بمذهب معين.
_________________
(١) انظر: التعريفات ص ٦٤.
(٢) انظر: المرجع السابق ص ٥٣، ٨٨، ١٠٥، ١٨٠، ٢١٦، ٢١٧.
(٣) انظر: المرجع السابق ص ٧٧، ٢١٢، ٢٣٤.
[ ١٣١ ]
المبحث الثالث: كتاب: التوقيف على مهمات التعاريف.
١ - التعريف بالمؤلف والكتاب:
مؤلف كتاب التوقيف على مهمات التعاريف هو زين الدين، محمد عبد الرؤوف، بن تاج العارفين، بن علي بن زين العابدين، الحدادي، المناوي، القاهري، الشافعي. الصوفي ولد سنة ٩٥٢هـ، وتوفي سنة ١٠٣١هـ، له مشاركات في عدة علوم، اشتهر بلقب المحقق، ومن مؤلفاته "كنوز الحقائق" في الحديث، و"التيسير" في شرح الجامع الصغير، وشرح قصيدة النفس "العينية" لابن سينا١.
وكتاب التوقيف معجم لغوي مصطلحي، طبع بتحقيق الدكتور محمد رضوان الداية، وكانت طبعته الأولى عام ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م.
_________________
(١) انظر: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، للمحبي ٢/٤١٦، المنجد في اللغة والأعلام ص٥٤٧.
[ ١٣٢ ]
٢ - عرض محتوى الكتاب:
كتاب التوقيف من كتب المصطلحات الشاملة لأكثر من فن، ويغلب عليه التعريف بمصطلحات الصوفية. كما عرف بكثير من مصطلحات الفقه، واللغة، والحديث، وعلوم القرآن، والعقيدة، والمنطق، وببعض الفرق، وبعض ألفاظ الطب.
وقد رتب المصطلحات في كتابه على حروف الهجاء مراعيًا الحرف الأول والثاني، وفي بعض المواضع قد يراعي الحرف الثالث والرابع، حيث قسم كتابه إلى أبواب بالنظر إلى الحرف الأول من الكلمة، ثم داخل كل باب رتب الألفاظ على فصول مراعيًا الحرف الثاني كترتيب الألفاظ في كتاب التعريفات للجرجاني.
وقد جمع المصنف في كتابه - كما يقول في مقدمته - زُبَدَ ثلاثة كتب: الذريعة إلى معرفة ما أصلت عليه الشريعة ولم يسم مؤلفه، ولم أقف على كتاب بهذا العنوان١،
_________________
(١) حسب اطلاعي، وانظر مقدمة التوقيف للمحقق الدكتور محمد رضوان الداية ص١٩.
[ ١٣٢ ]
وتعريفات ابن الكمال١، والمفردات للراغب الأصفهاني. ومن الذين أكثر المناوي النقل عنهم الحرالّي٢.
وقد رجع المؤلف إلى كتب أخرى، نجد الإحالة عليها في ثنايا كتاب التوقيف، كشرح العقائد للتفتازاني، وشرح العقائد العضدية للسيد الشريف الجرجاني، وغيرها.
_________________
(١) جاء في كشف الظنون ١/٤٢٢، بعد ذكر التعريفات للجرجاني: "وللمولى الفاضل أحمد بن سليمان بن كمال باشا المتوفى سنة أربعين وتسعمائة زاد فيه بعض زيادات مفيدة". فهو يشير إلى أن في تعريفات ابن الكمال زيادات لطيفة على ما في تعريفات الجرجاني، ولم يتيسر لي الحصول على هذا الكتاب.
(٢) قال الذهبي في السير ٢٣/٤٧: "الحرالي هو العلامة المتفنن، أبو الحسن علي بن أحمد بن حسن التجيبي، الأندلسي، وحرالة قرية من عمل مرسية، ولد بمراكش، وأخذ النحو عن ابن خروف، ولقي العلماء، وجال في البلاد ولهج بالعقليات، وسكن حماة، وعمل تفسيرًا عجيبًا ملأه باحتمالات لا يحتملها الخطاب العربي أصلا، وتكلم في علم الحروف والأعداد، وزعم أنه استخرج منه وقت خروج الدجال، ووقت طلوع الشمس من مغربها..وصنف في المنطق وفي شرح الأسماء الحسنىمات سنة سبع وثلاثين وست مئة".
[ ١٣٣ ]
٣ - المآخذ على الكتاب:
١ - مما يؤخذ على الكتاب إكثاره من مصطلحات الصوفية، التي تحمل معاني باطلة، دون تعليق عليها بما يشعر بفساد المعنى الذي تحويه، ومخالفته للعقيدة١، فهو يعرض المعاني عرضًا مجردًا عن النقد، ومثل ذلك عرضه لألفاظ أهل الوحدة٢.
٢ - كما نجد المؤلف يثني على الصوفية في هذا الكتاب، ويسميهم أهل الحق وأهل الحقيقة، وهذا لا يستغرب من المؤلف لكونه صوفيًا.
٣ - يذكر المؤلف بعض التأويلات الباطلة ولا يرد عليها٣، وعند تعريفه لصفة الكلام ذكر مذهب المعتزلة والأشاعرة ولم يذكر مذهب أهل السنة٤.
٤ - منهج العرض المجرد عن النقد وهو منهج الجرجاني والآمدي - كما سبق -، ومنهج غيرهم من المؤلفين في المصطلح؛ وهو منهج سلبياته كثيرة: منها أنه يلبس على القارئ قليل العلم فيعتقد أن هذا المعنى الباطل حق، كما أنه يوهم أن هذا المؤلف يتبنى هذا المصطلح والفكر الذي يحمله ذلك المصطلح؟!.
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: التوقيف ص ٢٩، ١٠٢، ١٥٢، ٢٥٢، ٢٨٣، ٣٥٩، ٣٧٨، ٦٤٤، ٦٤٨، ٦٧٢، ٦٩٢، ٧٢٣، ٧٤٤، ٧٤٨.
(٢) انظر على سبيل المثال: المرجع السابق ص ٢٩٠، ٥٤٣، ٥٤٩، ٥٥٤، ٥٥٥، ٥٦٩، ٥٧٠.
(٣) انظر على سبيل المثال: المرجع السابق ص ٤٨، ١٣٨، ١٩٨، ٣٦٠، ٤٠٠، ٥١٧، ٥٢٥.
(٤) انظر: المرجع السابق ص ٦٠٧.
[ ١٣٣ ]
٥ - ومما يؤخذ على كتاب التوقيف إطالته في عرض المعنى اللغوي للكلمة، مع أن الغاية من هذا الكتاب هو التعريف الاصطلاحي أو الشرعي للكلمة.
٦ - أتى المؤلف بكلمات كثيرة ليست من قبيل المصطلح، وليست تحمل مدلولًا له خصوصية معينة بحيث يؤتى بها في كتاب مصطلحي؛ وذلك مثل كلمة الإخبات، الإدام، الأذى، الأرج، الإزاء، الاستبرق، الجذع، الجذوة، السير، ونحوها.
وهذه الكتب التي عرضتها من أهم كتب المصطلحات المتأخرة، وقد خدمت الباحثين كثيرًا، ولكن يلاحظ قصورها عن بيان معاني ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها عند أهل السنة، وعدم نقد التعريفات التي تحوي معاني باطلة، مما يؤكد ضرورة العمل في هذا المجال، وإيجاد موسوعة مصطلحات لأهل السنة تبين معاني ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها عندهم، وموقفهم من تحريف المتكلمين لها.
[ ١٣٤ ]