الفصل الأول: الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بخصائص الربوبية
تمهيد
الباب الثاني: دراسة تطبيقية على ألفاظ توحيد الربوبية ومصطلحاته.
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بخصائص الربوبية.
الفصل الثاني: ألفاظ أدلة توحيد الربوبية ومصطلحاتها.
الفصل الثالث: الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بالشرك في الربوبية.
الفصل الرابع: المصطلحات البدعية المتعلقة بتوحيد الربوبية.
[ ١٣٥ ]
تمهيد:
هذا الباب دراسة تطبيقية على ألفاظ ومصطلحات توحيد الربوبية، وقد قسمته إلى أربعة فصول، معتمدة على الوحدة الموضوعية لكل مجموعة من المصطلحات، وفي كل فصل رتبت المصطلحات وفق التناسب والعلاقة المعنوية بينها، فمثلا لفظ الإحياء يليه لفظ الإماتة، ولفظ الخلق يليه الإبداع ثم التأثير ثم الإيجاد وهكذا، وبدأت كل فصل بأقرب الألفاظ لعنوان الفصل، ففصل خصائص الربوبية بدأته بلفظ الرب، وفصل أدلة الربوبية بدأته بلفظ الدليل، وفصل الشرك في الربوبية بدأته بلفظ الشرك في الربوبية، وهكذا.
وقد حاولت عند وضعي لخطة البحث المبدئية ترتيب المصطلحات وفق حروف الهجاء، لكن هذا الترتيب أخر المهم، وقدم ما دونه، وأبعد المصطلحات المترابطة في المعنى عن بعضها، مع أن بعضها يكمل بعضًا؛ لذا عدلت عنه ورأيت أن الفهارس تغني عن الترتيب وفق حروف الهجاء.
وجمعت في هذه الفصول ما رأيت أهميته من المصطلحات، وما يكثر الحديث عنه في كتب العقائد، وتركت بعض الألفاظ التي يكفي عنها غيرها في المعنى، كلفظ التصرف فهو داخل في معنى الملك، والأمر.
وبدأت كل مصطلح ولفظ ببيان معناه في اللغة، ليتضح أصله اللغوي وما طرأ عليه من التغير في الاصطلاح، وليستخدم كدليل لبيان صحة أو ضعف الاستعمال الاصطلاحي لذلك اللفظ.
ثم بينت إن كان اللفظ قد ورد في الكتاب والسنة، وعقبت ذلك ببيان تعريف أهل السنة له، وذلك غالبًا إذا كان اللفظ شرعيًا، أما إذا كان المصطلح ليس شرعيًا فقد أبدأ بمعناه عند أهل السنة، وتارة بأول من استعمل ذلك اللفظ من الطوائف، مبينة معناه عندهم، ثم عند من أخذه عنهم، ثم أبين موقف أهل السنة من ذلك اللفظ، وما يحويه من باطل.
[ ١٣٦ ]
الرّب
١ - معنى الرّب في اللغة:
الرب في اللغة يراد به المالك، والخالق، والسيد، والمدبر، والمربي، والمصلح، والقيم، والمنعم. يقول ابن فارس: "الراء والباء يدل على أصول. فالأول إصلاح الشيء والقيام عليه. فالرّب: المالك، والخالق، والصاحب. والرّب: المصلح للشيء. يقال ربَّ فلانٌ ضَيعَته؛ إذا قام على إصلاحها.. والله - جل ثناؤه - الرب لأنه مصلح أحوالِ خلقه"١.
وقال الجوهري٢: "ربُّ كل شيء مالكه، والرّب اسم من أسماء الله - ﷿ -، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة..ورَببت القوم سستهم، أي كنت فوقهم..ورَبَّ الضيعة أي أصلحها وأتمها. ورَبَّ فلان ولده يربه ربا، ورببه، وترببه، بمعنىً أي رباه"٣. وقال ابن الأثير٤: "الرّب يطلق في اللغة على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيم والمنعم "٥.
٢ - معنى الرب في الشرع:
ورد لفظ الرب كثيرًا في كتاب الله، وسنة رسوله - ﷺ -، وكان المعنى فيها هو معنى الرب الذي ورد في اللغة. ومن تلك الآيات قوله - تعالى -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة - ٢]، وقوله - تعالى -: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون - ٨٦] وغيرها. يقول الطبري - ﵀ -: "فربنا - جل ثناؤه - السيد الذي لاشبه له ولا مثل في سؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر"٦.
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة ٢/٣٨١ - ٣٨٢، وانظر: الصحاح ١/١٣٠ - ١٣٢، لسان العرب ١/٤٠١ - ٤٠٣.
(٢) الجوهري إمام اللغة، أبو نصر إسماعيل بن حماد التركي، مصنف كتاب الصحاح وأحد من يضرب به المثل في ضبط اللغة، وللجوهري نظم حسن ومقدمة في النحو، وقد مات الجوهري مترديًا من سطح داره بنيسابور في سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة، وقيل مات في حدود سنة أربع مئة. انظر: سير أعلام النبلاء١٧/٨٠ - ٨٢.
(٣) الصحاح ١/١٣٠ - ١٣٢، وانظر: العين ٨/٢٥٧.
(٤) المبارك بن محمد بن محمد الشيباني الجزري، أبو السعادات، مجد الدين المحدث اللغوي الأصولي، من مؤلفاته "النهاية في غريب الحديث والأثر"، و"جامع الأصول في أحاديث الرسول". توفي سنة ٦٠٦ هجرية. انظر: السير٢١/٤٨٨، معجم المؤلفين ٨/١٧٤.
(٥) النهاية في غريب الحديث ٢/١٧٩، وانظر: اللسان ١/٤٠١.
(٦) جامع البيان ١/٦٢.
[ ١٣٨ ]
ومن السنة قوله - ﷺ -: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - نبيًا" ١.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "والرب هو الذى يربى عبده، فيعطيه خلقه، ثم يهديه إلى جميع أحواله، من العبادة وغيرها"٢.
وقال أيضا: "فإن الرب - سبحانه - هو المالك، المدبر، المعطي، المانع، الضار، النافع، الخافض، الرافع، المعز، المذل"٣.
ويقول ابن القيم - ﵀ -: "والرب هو السيد، والمالك، والمنعم، والمربي، والمصلح، والله - تعالى - هو الرب بهذه الاعتبارات كلها"٤.
وقال ابن كثير - ﵀ -: "والرب هو المالك المتصرف"٥.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي - ﵀ -: "الرب هو المربي جميع عباده بالتدبير وأصناف النعم، وأخص من هذا تربيته لأصفيائه؛ بإصلاح قلوبهم، وأرواحهم، وأخلاقهم"٦.
وتعريف المتكلمين للرب مماثل لتعريف أهل السنة، فيقول البغدادي: "والرب بمعنى المالك للمملوكات كلها، وقد يكون بمعنى المصلح للشيء"٧، وقال الرازي: "والرب هو المتصرف بالشيء"٨.
فالرب إذًا صفة ذاتية لله - تعالى -، وهي بمعنى السيد والمالك والمتصرف والمنعم والمربي والمصلح.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد - ﷺ - رسولا فهو مؤمن وإن ارتكب المعاصي ١/٦٢، ح ٥٦.
(٢) مجموع الفتاوى ١/٢٢، وانظر: ١٠/٢٨٤من المصدر نفسه.
(٣) المرجع السابق ١/٩٢.
(٤) بدائع الفوائد ٤/١٣٢، وانظر: المدارج ١/٣٤ - ٣٥.
(٥) تفسير القرآن العظيم ١/٢٥.
(٦) تيسير الكريم الرحمن للسعدي ١/٢١.
(٧) أصول الدين ص١٢٥، وانظر: الأسماء والصفات للبيهقي ص٩٥.
(٨) المطالب العالية ٩/٢٩١.
[ ١٣٩ ]
الإحياء
١ - معنى الإحياء في اللغة:
لفظ إحياء يرجع إلى الكلمة الثلاثية حيى، والحياة في لغة العرب ضد الموت، والإحياء ضد الإماتة، يقول ابن فارس: "الحاء والياء والحرف المعتل أصلان: أحدهما خلاف الموت، والآخر الاستحياء الذي هو ضد الوقاحة.
فأما الأول فالحياة والحيوان، وهو ضد الموت والمَوَتان، ويسمى المطر حيًا لأن به حياة الأرض، ويقال ناقة مُحْي ومُحْيِيَة لا يكاد يموت لها ولد"١.
ويقول الخليل: "حيي يحْيا فهو حيٌّ، ويقال للجميع حَيُّوا..والحيوان كل ذي روح.. والحيا مقصور حيا الربيع، وهو ما تحيا به الأرض من الغيث"٢.
والإحياء البعث بعد الموت، والإحياء الإنشار، أنشر الموتى فنشروا إذا حيوا، وأنشرهم الله أي أحياهم٣.
وأحيا الله الأرض أخرج فيها النبات. وإحياء الأرض مباشرتها بتأثير شيء فيها من إحاطة أو زرع أو عمارة ونحو ذلك٤.
وإحياء الليل: السهر فيه بالعبادة وترك النوم٥.
هذه خلاصة أقوال أهل اللغة في معنى كلمة الإحياء. وفي كتب المتأخرين جاء معنى الإحياء في كشاف اصطلاحات الفنون بأنه: "لغة جعل الشيء حيًا أي ذا قوة احساسية أو نامئة"٦.
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة ٢/١٢٢، وانظر: الصحاح ٦/٢٣٢٣، لسان العرب ١٤/٢١١.
(٢) العين ٣/٣١٧.
(٣) انظر: لسان العرب ٥/٢٠٧، المُغَرِّب في ترتيب المعرب لأبي الفتح المطرزي ص٤٥٢.
(٤) انظر: لسان العرب ١٤ /٢١٤، ٢١٦.
(٥) انظر: المرجع السابق ١٤/٢١٤.
(٦) كشاف اصطلاحات الفنون ١/٤٠١.
[ ١٤٠ ]
وبتأمل معنى الإحياء في اللغة نجد أنه مصدر للفعل أحيا، وأنه يدور على معنيين: الأول هو إحياء الميت بمعنى بعثه بعد الموت وإرجاع الحياة إليه.
الثاني إحياء معنوي كإحياء الأرض بمعنى إخراج النبات فيها، وإحياء الإنسان للأرض بمعنى التأثير فيها بوضع حائط أو زرع ونحو ذلك، وإحياء الليل بمعنى السهر فيه للعبادة.
[ ١٤١ ]
٢ - معنى الإحياء في الشرع:
لقد ورد في الكتاب والسنة فعل الإحياء مثل: أحيا ونحيي ويحيي، وجاء اسم الفاعل من ذلك وهو المحيي، ولوضوح معنى الإحياءلم يعرفه أهل السنة في مؤلفاتهم وإنما تحدثوا عن هذا اللفظ بكلام عام يبين معناه عندهم.
وقد ورد الإحياء في الشرع بمعنى نفخ الروح في الجسد، وإيجاد الحياة فيه، يقول الإمام الطبري عند تفسير قوله - تعالى -: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة - ٢٨]، وقوله: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر - ١١]: "..كانوا نطفًا لا أرواح فيها فكانت بمعنى سائر الأشياء الموات التي لا أرواح فيها، وإحياؤه إياها - تعالى ذكره - نفخه الأرواح فيها، وإماتته إياهم بعد ذلك قبضه أرواحهم، وإحياؤه إياهم بعد ذلك نفخ الأرواح في أجسامهم يوم ينفخ في الصور، ويبعث الخلق للموعود"١. ويقول الإمام ابن القيم في معنى الإحياء أنه:" إحياء الميت وإيجاد الحياة فيه"٢.ويقول ابن كثير في معنى قوله - تعالى -: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ﴾ [الحجر - ٢٣]: "إخبار عن قدرته - تعالى - على بدء الخلق وإعادته، وأنه هو الذي أحيا الخلق من العدم، ثم يميتهم ثم يبعثهم كلهم ليوم الجمع"٢.
كما جاء الإحياء في بعض الآيات بمعنى إحياء الأرض بإنبات النبات فيها نحو قوله - تعالى -: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم _٥٠]، قال الإمام الطبري: " ﴿وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم - ١٩] فينبتها، ويخرج زرعها بعد خرابها وجدوبها"٣.
وأما الإحياء في قوله - تعالى -: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال - ٢٤] فالمراد ما يحييكم من الحق، وقيل الإسلام، وقيل الإيمان٥.
والإحياء المضاف إلى الله - تعالى - في الآيات السابقة صفة فعلية من صفات الرب - سبحانه -، يقول ابن تيمية - ﵀ -:" معلوم بالسمع اتصاف الله - تعالى - بالأفعال
_________________
(١) تفسير الطبري ١/١٨٨، وانظر: تفسير ابن كثير ١/٦٨، تفسير القرطبي ١٢/٩٣، زاد المسير ٥/٤٤٨.
(٢) مفتاح دار السعادة ٣/٢٠٩.
(٣) تفسير ابن كثير ٢/٢٠٩.
(٤) تفسير الطبري ٢١/٣٠ وانظر تفسير ابن كثير ٤/٣٣٣.
(٥) انظر: تفسير الطبري ٩/٢١٣.
[ ١٤٢ ]
الاختيارية القائمة به، كالاستواء إلى السماء، والاستواء على العرش، والقبض والطي والإتيان والمجيء والنزول ونحو ذلك، بل والخلق والإحياء والإماتة"١، وقد ذكر - ﵀ - الآيات والأحاديث التي تدل على اتصاف الله بذلك، ثم دلل من طريق العقل فقال: "وأما من جهة العقل فمن جوز أن يقوم بذات الله - تعالى - فعل لازم له كالمجيء والاستواء، ونحو ذلك لم يمكنه أن يمنع قيام فعل يتعلق بالمخلوق كالخلق والبعث والإماتة والإحياء"٢. كما بين - ﵀ - اختصاص الرب - تعالى - بهذه الصفة فقال: "وكذلك المسيح لما خلق من الطين كهيئة الطير إنما مقدوره تصوير الطين، وإنما حصول الحياة فيه فبإذن الله، فإن الله يحيي ويميت، وهذا من خصائصه، ولهذا قال الخليل: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ "٣. ويقول الطبري - ﵀ -: "وكان إحياء عيسى الموتى بدعاء الله، يدعو لهم فيستجيب له"٤.
كما أطلق الإحياء على إبقاء النفس المعصومة، وعدم قتلها، كما في قوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة - ٣٢] فقد قال المفسرون إن المراد بذلك أي: "من حرم قتل من حرم الله - عز ذكره - قتله على نفسه، فلم يتقدم على قتله فقد حيي الناس منه بسلامتهم منه وذلك إحياؤه إياها"٥.
وكذلك جاء في السنة أحيا ويحيي والمحيي، وكان معنى الإحياء في بعض الأحاديث يعني إحياء الموتى نحو قوله - ﷺ -: "ما كلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وإن الله أحيا أباك فكلمه كفاحًا ٦"٧، وقوله - ﷺ -: "من قال
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل ٢/٣، وانظر: مفتاح دار السعادة ٢ /٢٠٥.
(٢) درء تعارض العقل والنقل ٢ /٥.
(٣) النبوات ص ٤٣٨.
(٤) تفسير الطبري ٣/٢٧٨.
(٥) المرجع السابق ٦/٢٠٤، وانظر: تفسير ابن كثير ٢/٧٥.
(٦) كفاحًا: أي مواجهة من دون حجاب، قال الخليل في كتاب العين ٣/٦٥: "المكافحة مصادفة الوجه بالوجه عن مفاجأة،.. وكافحها قبلها عن غفلة وجاها، والمكافحة في الحرب المضاربة تلقاء الوجوه"، وانظر: الصحاح ١/٣٩٩.
(٧) أخرجه الترمذي في كتاب القراءات عن رسول الله، باب ومن سورة آل عمران ٥/٢٣٠ح ٣٠١٠، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وأخرجه ابن حبان في صحيحه ١٥/٤٩٠، ح ٧٠٢٢، وهو في نوادر الأصول ١/٤٧٥. قال المنذري في الترغيب والترهيب ٢/٣١٤: "رواه الترمذي وحسنه، وابن ماجه بإسناد حسن أيضا، والحاكم وقال صحيح الإسناد".
[ ١٤٣ ]
لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت.." ١. وقوله - ﷺ -: "ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل" ٢.
وجاء إحياء الأرض بمعنى التأثير فيها بزرع أو حائط ونحوه٣، كقوله - ﷺ -: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" ٤. وجاء الإحياء بمعنى إعادة اليقظة بعد النوم، ورد القوة والحركة بعدما أزالهما منا بالنوم٥؛ كقوله - ﷺ -: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" ٦، ونحوها من الأحاديث الواردة في دعاء الاستيقاظ من النوم. كما جاء الإحياء بمعنى إعادة إقامة الدين، والشرع، كما في قوله: "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه" ٧. وجاء بمعنى إحياء الليل بالعبادة والصلاة، قالت عائشة ﵂: "كان النبي - ﷺ - إذا دخلت العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله"٨، قال ابن حجر: "وأحيا ليله: أي سهره فأحياه بالطاعة، وأحيا نفسه بسهره فيه "٩.
ومن خلال الآيات، والأحاديث السابقة، وشرح أهل السنة لها، يمكن تعريف الإحياء بأنه: صفة فعلية قائمة بذات الرب، ومتعلقة بقدرته ومشيئته، اختص بها، وهي تعني إعادة الحياة إلى الميت، أو إيجادها ابتداء ً فيه.
_________________
(١) أخرجه الترمذي كتاب الدعوات، باب ماجاء في فضل التسبيح والتكبيروالتهليل والتحميد ٥ /٥١٢، ح ٣٤٦٨ وقال حديث حسن صحيح.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب الجهاد من الإيمان ١/٢٨، ح ٣٦، وفي كتاب الجهاد والسير، باب تمني الشهادة٢/٣٠٥، ح ٢٧٩٧، كما أخرجه في كتاب التمني، باب ما جاء في التمني ومن تمنى٤/٣٤٩، ح ٧٢٢٦.
(٣) انظر: التمهيد ٢٢/٢٨٦.
(٤) أخرجه الترمذي في كتاب الأحكام عن رسول الله ﷺ، باب ما ذكر في إحياء أرض الموات ٣/٦٦٢، ح ١٣٧٨ وقال: "هذا حديث حسن غريب وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلا والعمل على هذا الحديث"، وأخرجه أبو داود في السنن كتاب الخراج والإمارة والفيء باب في إحياء الموات ٣/١٧٨ ح ٣٠٧٣، والنسائي في السنن الكبرى كتاب إحياء الموات باب الحث على إحياء الموات ٣/٤٠٤ح ٥٧٥٦.
(٥) انظر: شرح النووي على مسلم ١٧/٣٥، عون المعبود ١٣/٢٦٦، تحفة الأحوذي للمباركفوري ٩/٢٥٦، سبل السلام للصنعاني ٤/٢٢٢.
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا نام٤/١٥٥، ح ٦٣١٢، كما أخرجه برقم ٦٣١٤، ٦٣٢٤، ٧٣٩٤، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع ٤/٢٠٨٣، ح ٢٧١١.
(٧) أخرجه مسلم في كتاب الحدود، باب رجم اليهود، أهل الذمة، في الزنى ٣/١٣٢٧ ح ١٧٠٠.
(٨) أخرجه البخاري في كتاب فضل ليلة القدر، باب العمل في العشر الأواخر من رمضان ٢/٦٤، ح ٢٠٢٤.
(٩) فتح الباري ٤ /٣١٦.
[ ١٤٤ ]
٣ - معنى الإحياء عند المتكلمين:
يتبين معنى الإحياء عند الأشاعرة من خلال تعريفهم للمحيي، يقول البيهقي١: "المحيي ويختص بخلق الحياة"٢، ويعرف المحيي مرة أخرى فيقول: "المحيي جاعل الخلق حيًا بإحداث الحياة فيه"٣، كما يعرف الإحياء بقوله: "الإحياء إنما هو إعادة الحياة إلى من كان حيًا فأميت"٤.
وقال الرازي في تعريف المحيي: "واعلم أنه - تعالى - يحيي النطفة والعلقة بخلق الحياة فيهما، ويحيي الأرض بإنزال الغيث.. يحيي الأجسام بالأرواح، ويحيي الأرواح بالمعارف والواردات الغيبية"٥.
ويلاحظ على التعريفات السابقة أنها تجعل الإحياء بمعنى الخلق، والخلق عندهم هو المخلوق، فهو صفة بائنة عن ذات الرب، كما أن "الإحياء عندهم هو وجود الحياة في الحي من غير فعل يقوم بالرب، فقد جعلوه محييًا بوجود الحياة في غيره، وكذلك جعلوه مميتًا، وهذا مما عارضهم به المعتزلة، ولم يجيبوا عنه بجواب صحيح"٦.
يقول عبد القاهر البغدادي وهو يتحدث عن أسماء الله - تعالى -: "أسماء الله - تعالى - على ثلاثة أقسام: قسم منها يستحق لذاته كوصفه بأنه شيء وموجود وذات وغني ونحو ذلك. وقسم منها يستحق لمعنى قام به كالحي والعالم والقادر والمريد والمتكلم والسميع والبصير. وقسم منها يستحقه لفعل من أفعاله كالخالق والغافر ونحو ذلك، وأما ما اشتق منها عن فعله فليس من أسمائه الأزلية"٧.
ويقول البيهقي مبينًا أنواع صفات الله: "ثم صفات الله - عز اسمه - قسمان:
أحدهما: صفات ذاته، وهي ما استحقه فيما لم يزل ولا يزال. والآخر: صفات فعله وهي ما استحقه فيما لا يزال دون الأزل..ثم منه ما اقترنت به دلالة العقل كالحياة والقدرة
_________________
(١) البيهقي هو الحافظ العلامة الثبت الفقيه، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسروجردي الخراساني، له مؤلفات كثيرة منها كتاب السنن، وكتاب الأسماء والصفات، توفي سنة ٤٥٨هـ. انظر: السير ١٨/١٦٣ - ١٦٨، كشف الظنون١/٩، ٢٠، ١٧٥.
(٢) شعب الإيمان للبيهقي ١/٦٦.
(٣) الأسماء والصفات للبيهقي ص ٩٥.
(٤) شعب الإيمان ١ /١٦٨.
(٥) شرح أسماء الله الحسنى للرازي ص ٣٠٥ - ٣٠٦.
(٦) مجموع الفتاوى ٦/٣١٧.
(٧) أصول الدين ١٢١ - ١٢٢.
[ ١٤٥ ]
والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام ونحو ذلك من صفات ذاته، وكالخلق والرزق والإحياء والإماتة والعفو والعقوبة، ونحو ذلك من صفات فعله، ومنه ما طريق إثباته ورود خبر الصادق به فقط كالوجه واليدين والعين في صفات ذاته، وكالاستواء على العرش والإتيان والمجيء والنزول ونحو ذلك من صفات فعله..ونعتقد في صفات ذاته أنها لم تزل موجودة بذاته، ولا تزال موجودة به، ولا نقول فيها أنها هو ولا غيره، ولا هي هي ولا غيرها.. ونعتقد في صفات فعله أنها بائنة عنه - سبحانه -، ولا يحتاج في فعله إلى مباشرة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس - ٨٢] "١.
ويقول الجويني٢: "من أسمائه ما نقول إنه هو هو؛ وهو كل ما دلت التسمية به على وجوده، ومن أسمائه ما نقول إنه غيره؛ وهو كل ما دلت التسمية به على فعل كالخالق والرازق، ومن أسمائه ما لا يقال إنه هو ولا يقال إنه غيره؛ وهو كل ما دلت التسمية به على صفة قديمة كالعالم والقادر"٣. وقال أيضا: "والمرتضى عندنا طريقة شيخنا - ﵁ -، فإن الأسماء تتنزل منزلة الصفات، فإذا أطلقت ولم تقتض نفيا حملت على ثبوت متحقق، فإذا قلنا الله الخالق؛ وجب صرف ذلك إلى ثبوت وهو الخلق، وكان معنى الخالق من له الخلق، ولا ترجع من الخلق صفة متحققة إلى الذات، فلا يدل الخالق إلا على إثبات الخلق، ولذلك قال أئمتنا: لا يتصف الباري - تعالى - في أزله بكونه خالقًا، إذ لا خلق في الأزل، ولو وصف بذلك على معنى أنه قادر كان تجوزًا"٤.
وقالوا: "وصفات الأفعال كالإحياء والإماتة فإنها غير أيضًا، بمعنى أنها منفكة، لأنها هي تعلقات القدرة التنجيزية الحادثة"٥.
فالأشاعرة لا يثبتون صفات الأفعال لله - تعالى - ومنها الإحياء، وقد فسروه في التعريفات السابقة بالخلق، والخلق عندهم هو المخلوق، وليس صفة قائمة بذات الله -
_________________
(١) الأسماء والصفات ص ١٣٧ - ١٣٨.
(٢) هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، الفقيه الشافعي، ولد في جوين من نواحي نيسابور، خرج إلى مكة فجاورفيها أربع سنين، وبالمدينة فلهذا قيل له إمام الحرمين توفي سنة ٤٧٨ هجرية، من مؤلفاته البرهان في الفقه، والإرشاد. انظر: وفيات الأعيان ٣/١٦٧، البداية والنهاية ١٢/١٣٦، الأعلام٤/١٦٠.
(٣) الإرشاد ص ١٤٣ - ١٤٤.
(٤) المرجع السابق ص ١٤٣.
(٥) شرح جوهرة التوحيد ص٨٠.
[ ١٤٦ ]
تعالى - بل هو من متعلقات القدرة عندهم، فالخلق والإحياء والإماتة، بل وجميع صفات الأفعال يقولون إنها بائنة عنه - سبحانه -، وأنها لا تحقق وصفًا في ذاته.
فالخلاصة إذًا هي أن الأشاعرة لا يثبتون صفة الإحياء، وإن كانوا قد عرفوا الإحياء والمحيي بما يوهم أنهم يثبتون هذه الصفة لله.
أما الماتريدية١ فإنهم يرجعون صفة الإحياء، بل وجميع صفات الأفعال، إلى صفة التكوين، والتكوين هو إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود٢. ويقولون في تعريف التكوين أنه: "صفة معنى قديمة قائمة بالذات العلية تسمى التكوين، زيادة على السبع، فإن تعلقت بالحياة سميت إحياء، وبالموت سميت إماتة وغير ذلك"٣.
ويقول ملا علي قاري٤: "فالصفات الأزلية عندنا ثمانية، لا كما زعم الأشعري من أن الصفات الفعلية إضافات، ولا كما تفرد به بعض علماء ما وراء النهر بكون كل من الصفات الفعلية صفة حقيقية أزلية، فإن فيه تكثير القدماء جدًا، وإن لم تكن متغايرة فالأولى أن يقال: إن مرجع الكل إلى التكوين، فإنه إن تعلق بالحياة يسمى إحياءً، وبالموت إماتةً، وبالصورة تصويرًا إلى غير ذلك، فالكل تكوين، وإنما الخصوص بخصوصيات المتعلقات"٥.
وفي دستور العلماء: "والتكوين عند بعض المتكلمين صفة أزلية لله - تعالى -، وهو المعنى الذي يعبر عنه بالفعل، والتخليق، والإيجاد، والإحداث، والاختراع، ونحو ذلك. ويفسر بإخراج المعدوم من العدم إلى الوجود، والمحققون منهم على أنه من الإضافات والاعتبارات العقلية، وعلى أن الحاصل في الأزلي هو مبدأ التخليق، والترزيق، والإماتة، والإحياء، وغير ذلك، وليس ذلك المبدأ سوى القدرة والإرادة"٦.
_________________
(١) أتباع أبي منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي، وهي فرقة قريبة في أصولها الكلامية من مذهب الأشاعرة، وأهم ما تميزت به هو القول بأزلية التكوين، وهي الصفة الثامنة التي تضيفها الماتريدية على الصفات السبع عند الأشاعرة. انظر: الماتريدية دراسة وتقويمًا للشيخ أحمد الحربي.
(٢) انظر: التمهيد لأبي المعين النسفي ص ٢٨، شرح الفقه الأكبر ص ٣٥، موسوعة مصطلحات جامع العلوم ص ٣٤.
(٣) حاشية العدوي على كفاية الطالب ١ /٥٤.
(٤) نور الدين علي بن سلطان محمد الهروي القاري، نزيل مكة المكرمة المتوفى بها سنة أربعة عشر وألف، من علماء الماتريدية، له عدة مؤلفات منها: المرقاة شرح المشكاة، شرح الفقه الأكبر. انظر: البدر الطالع ١/٤٤٥ - ٤٤٦، كشف الظنون ١/٤٤٥، ٦٧١، ٧٣١.
(٥) شرح الفقه الأكبر ص ٣٥.
(٦) موسوعة مصطلحات جامع العلوم المسمى دستور العلماء لأحمد نكري ص٣٤.
[ ١٤٧ ]
ويتضح من خلال النقول السابقة أن الماتريدية لا تثبت صفات الأفعال على أنها أوصاف حقيقية لذات الرب، وتجعلها صفة واحدة أزلية هي التكوين، وهذه الصفة لا تتعلق بمشيئة الرب.
وأما المعتزلة فإنهم ينفون جميع صفات الله - تعالى -، وقد تأولوا الإحياء والإماتة على أنها مخلوق منفصل عن الله - تعالى -، يقول معمر١: " ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك - ٢] إنما معناه خلق الإماتة والإحياء "٢، وعلق ابن حزم٣ عليه بقوله: ".. الموت والحياة هما الإحياء والإماتة بلا شك، لأن الإحياء والحياة هو جمع النفس مع الجسد المركب الأرضي، والموت والإماتة شيء واحد وهو التفريق بين الجسد والنفس المذكورة فقط، وإذا كان جمع الجسد والنفس، وتفريقهما، مخلوقين لله - ﷿ -، فقد صح أن الموت والحياة مخلوقان له - ﷿ - يقينا"٤.
ويتفق المعتزلة، مع الأشاعرة، وطائفة من الفلاسفة المتأخرين، على أن فعل الله هو عين المفعول، وأن التكوين عين المُكَون، وأن الرب - تعالى - لا يقوم به شيء من الأفعال الاختيارية المتعلقة بقدرته ومشيئته.
وقد بين شيخ الإسلام - ﵀ - أصل النزاع في الأفعال اللازمة والمتعدية، وأن ذلك ناشىء عن نزاع الناس في أصلين٥:
الأصل الأول: هل يقوم بالرب - تعالى - فعل من الأفعال، فيكون خلقه للسموات والأرض فعلًا فعله غير المخلوق، أو أن فعله هو المفعول والخلق هو المخلوق؟ على قولين، والأول هو المأثور عن السلف قاطبة، وهو قول جمهور أصحاب أحمد، متقدميهم كلهم وأكثر المتأخرين منهم، وهو قول أئمة المالكية والشافعية وأهل الحديث، وهو مذهب
_________________
(١) معمر بن عباد السلمي، رأس فرقة المعمرية من المعتزلة. انظر مقالاته في: الفرق بين الفرق ص١٥١ - ١٥٥، الملل والنحل١/٦٥ - ٧٠.
(٢) الفصل لابن حزم٢/٩٢.
(٣) أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، عالم الأندلس في عصره، قيل إنه تفقه أولا للشافعي، ثم أداه اجتهاده إلى القول بنفي القياس كله جليه وخفيه، والأخذ بظاهر النص وعموم الكتاب والحديث، له مصنفات كثيرة منها: الفصل في الملل والنحل، و"المحلى"في الفقه، توفي سنة٤٥٦هجرية. انظر: السير١٨/١٨٤ - ١٨٦، الأعلام٤/٢٥٤.
(٤) الفصل٢/٩٢.
(٥) انظر: مجموع الفتاوى ٥ /٥٢٨ - ٥٣٦، الدرء ٢/١٨ - ٢٠، ١٤٧ بتصرف.
[ ١٤٨ ]
الصوفية والحنفية والكرامية١وكثير من الهشامية٢وبعض المعتزلة، وكثير من أساطين الفلاسفة متقدميهم ومتأخريهم.
وذهب آخرون من أهل الكلام كالجهمية وأكثر المعتزلة والأشعرية إلى أن الخلق هو نفس المخلوق، وليس لله عند هؤلاء صنع ولا فعل ولا خلق ولا إبداع إلا المخلوقات أنفسها، وهو قول طائفة من الفلاسفة المتأخرين كابن سينا وأمثاله.
والأصل الثاني: وهو أن الله - سبحانه - هل تقوم به الأمور الاختيارية المتعلقة بقدرته ومشيئته أم لا؟ فمذهب السلف وأئمة الحديث، وكثير من طوائف الكلام، والفلسفة، جواز ذلك. وذهب نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة، والكلابية٣ من مثبتة الصفات إلى امتناع قيام ذلك به. وهو قول الأشاعرة والماتريدية كما سبق ذكر ذلك.
وقد ذكر شيخ الإسلام - ﵀ - شبهتهم في هذين الأصلين ورد عليها. كما ذكر الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال السلف على اتصاف الله - تعالى - بالأفعال الاختيارية وبين أنها متعلقة بقدرته ومشيئته، وأن الفعل غير المفعول٤.
ومن وجوه الرد على من نفى قيام الأفعال الاختيارية بذات الرب - سبحانه - ما يلي:
أولًا: أن كتاب الله - تعالى - مليء بالآيات التي تدل على أن الله - يفعل متى شاء - سبحانه -، وعلى اتصافه - سبحانه - بالأفعال الاختيارية، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾
_________________
(١) الكرامية أتباع أبي عبد الله محمد بن كرام السجستاني المتوفى سنة٢٥٥هـ، وهم يوافقون السلف في إثبات الصفات، ولكنهم يبالغون في ذلك إلى حد التشبيه والتجسيم، وكذلك يوافقون السلف في إثبات القدر، وكذلك يوافقون المعتزلة في وجوب معرفة الله بالعقل، وفي التحسين والتقبيح العقليين، وهم يعدون من المرجئة لقولهم بأن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب. انظر: الملل والنحل١/١٠٨ - ١١٣، الفرق بين الفرق ص٢١٥ - ٢٢٥، لسان الميزان لابن حجر ٥/٣٥٣ - ٣٥٦.
(٢) الهشامية نسبة إلى هشام بن الحكم الكوفي الرافضي المشبه، من كبار متكلمي الرافضة، وله نظر وجدل وتواليف كثيرة في الرد على المعتزلة وفي التوحيد وغير ذلك، وتنسب الهشامية أيضا إلى هشام بن سالم الجواليقي، والفريقان جميعًا يدينون بالتشبيه والتجسيم. انظر: التبصير في الدين للإسفراييني ص٢٣ - ٢٤، الملل والنحل ١/١٨٤، السير١٠/٥٤٣ - ٥٤٤.
(٣) أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان، المتوفى سنة٢٤٠ هـ، من آرائه: القول بأزلية الصفات، وأن صفات الباري لا تتغاير، وأن العلم لا هو القدرة ولا غيرها، وكذلك سائر الصفات، والكلابية هم مشايخ الأشعرية فإن أبا الحسن الأشعري إنما اقتدى بطريقة أبي محمد بن كلاب، وابن كلاب كان أقرب إلى السلف زمنًا وطريقةً. انظر: مقالات الإسلاميين ١/٢٤٩ - ٢٥٠، ٢/٢٢٥، الاستقامة لابن تيمية ١/١٠٥.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى ٥/٥٢٩ - ٥٣٨، ٦ /٢٣٣ وما بعدها ٦ /٣١٧ - ٣١٩، الدرء ٢/٣ - ١٤٦، ٢/١٤٩ وما بعدها، شرح العقيدة الطحاوية ١/٩٧، خلق أفعال العباد للبخاري ص ١٨٦ - ١٩٠.
[ ١٤٩ ]
[الإسراء - ١٦]، وقوله - سبحانه -: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل - ٤٠]، وقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن - ٢٩]، وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة - ١]، إلى غير ذلك من الآيات.
كما دلت الأحاديث الصحيحة على ذلك أيضًا، ومنها ما رواه زيد بن خالد قال: صلى لنا رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف النبي - ﷺ - أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" ١. وقوله - صلى اله عليه وسلم - في حديث الشفاعة: "إن ربى قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله" ٢، ونحوها من الأحاديث.
ثانيًا: "أن يقال إذا عرض على العقل الصريح ذات يمكنها أن تتكلم بقدرتها، وتفعل ما تشاء بنفسها، وذات لا يمكنها أن تتكلم بمشيئتها، ولا تتصرف بنفسها البتة، بل هي بمنزلة الزَّمِن، الذي لا يمكنه فعل يقوم به باختياره، قضى العقل الصريح بأن هذه الذات أكمل، وحينئذ فأنتم الذين وصفتم الرب بصفة النقص، والكمال في اتصافه بهذه الصفات لا في نفى اتصافه بها"٣.
ثالثًا: أنهم يبنون نفي قيام الأفعال الاختيارية بالرب - تعالى - على مسألة نفي حلول الحوادث به - سبحانه -، وهو لفظ فيه إجمال، فان أريد بالنفي أنه - سبحانه - لا يحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن، فهذا نفي صحيح، وإن أريد به نفي الصفات الاختيارية؛ من أنه لا يفعل ما يريد، ولا يتكلم بما
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء، باب قول الله - تعالى -: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ..﴾ [الواقعة - ٨٢] ١/٣٢٦، ح ١٠٣٨، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء ١/٨٣، ح ٧١.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ٣/٢٥٠ - ٢٥١، ح ٤٧١٢، كما أخرجه برقم ٣٣٤٠، ٣٣٦١، ومسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ١/١٨٤ ح ١٩٤.
(٣) مجموع الفتاوى ٦/٢٤٢.
[ ١٥٠ ]
شاء إذا شاء، ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان، كما يليق بجلاله وعظمته، فهذا نفي باطل١.
وقد رد عليهم في مسألة نفي حلول الحوادث فحول النظار من الفلاسفة والمتكلمين؛ أمثال ابن رشد، والفخر الرازي، وسيف الدين أبي الحسن الآمدي، فضلًا عن ردود أهل السنة عليهم في ذلك٢.
لكن الرازي والآمدي بعد إبطالهما لحجج نفاة حلول الحوادث، لم يقولا بقيام الأفعال الاختيارية في ذات الله، بل احتجا على نفيها بحجة الكمال والنقصان، وهي قولهم: أن ما يقوم به إن كان صفة كمال كان عدمه قبل حدوثه نقصًا، وإن كان نقصًا لزم اتصافه بالنقص، والله منزه عن ذلك٣، قال شيخ الإسلام - ﵀ -:" وهذه الحجة ضعيفة، ولعلها أضعف مما ضعفوه، فإن لقائل أن يبطلها من وجوه كثيرة:
أحدها: أن يقال: القول في أفعاله القائمة به، الحادثة بمشيئته وقدرته، كالقول في أفعاله التي هي المفعولات المنفصلة، التي يحدثها بمشيئته وقدرته، فإن القائلين بقدم العالم أوردوا عليهم هذا السؤال، فقالوا: الفعل إن كان صفة كمال، لزم عدم الكمال له في الأزل، وإن كان صفة نقص، لزم اتصافه بالنقائص، فأجابوهم بأنه ليس صفة نقص ولا كمال"٤.
وبهذا يتبين أنه ليس لهم دليل عقلي على نفيهم للصفات الاختيارية، التي يسمونها حلول الحوادث، وأما الكتاب والسنة فيدلان على نقيض قولهم، كما دل العقل على ذلك.
أما قول المعتزلة والأشاعرة ومن وافقهم إن الفعل عين المفعول، والخلق عين المخلوق فباطل أيضًا، ومما يرد عليهم في ذلك:
_________________
(١) انظر: شرح الطحاوية ١/٩٧.
(٢) انظر ردود بعض الفلاسفة والمتكلمين على حجج نفاة حلول الحوادث في: مناهج الأدلة ص ١٤١ - ١٤٤، الأربعين ص ١١٨ - ١٢٠، غاية المرام ص ١٨٧ - ١٩٣، وقد ذكرها شيخ الإسلام في الدرء ٤/٢٧ - ٤٠، ٦٢، ٧١، مجموع الفتاوى ٦/٢٣١ - ٢٣٢، وانظر موقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور عبد الرحمن المحمود ٣/١٢٠٩ - ١٢١٣.
(٣) انظر: درء التعارض ٤/٣، مجموع الفتاوى٦/٢٤٠.
(٤) درء التعارض ٤/٣.
[ ١٥١ ]
أولًا: يقول أبو المعين النسفي: "وقول أكثر المعتزلة، وجميع النجارية، والأشعرية، أن التكوين والمكون واحد قول محال، وهذا لأن القول باتحاد التكوين والمكون كالقول بأن الضرب عين المضروب، والكسر عين المكسور، والأكل عين المأكول، وفساد هذا ظاهر يعرف بالبديهة، فكذا هذا، ولأن التكوين لو كان هو المكون، وحصول المكون بالتكوين، لكان حصول المكون بنفسه لا بالله - تعالى -، فلم يكن الله - تعالى - خالقًا للعالم، بل كان العالم وكل جزء من أجزائه خالقًا لنفسه، إذ حصوله بالخلق، وخلقه نفسه، وكذا يكون عينه خالقًا وعينه مخلوقًا، فهو الخالق وهو الخلق وهو المخلوق، وهذا مع ما فيه من تعطيل الصانع وإثبات الغنية عنه، وإبطال تعلق المخلوقات به، مع هذا كله هو محال"١.
ثانيًا: أن من المعقول أن المفعول المنفصل الذي يفعله الفاعل، لا يكون إلا بفعل يقوم بذاته، وأما نفس فعله القائم بذاته، فلا يفتقر إلى فعل آخر، بل يحصل بقدرته ومشيئته٢، وهذا ظاهر، ومخالفه مغالط.
هذه بإيجاز بعض وجوه الرد على المخالفين في الصفات الاختيارية، ومنها الإحياء والإماتة، والخلق، والرزق وغيرها.
_________________
(١) التمهيد لأبي المعين النسفي ص ٢٩.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ٥/٥٣١ - ٥٣٢.
[ ١٥٢ ]
الإماتة
١ - معنى الإماتة في اللغة:
الموت في اللغة ذهاب القوة من الشيء، قال ابن فارس: "الميم والواو والتاء أصل صحيح يدل على ذهاب القوة من الشيء، منه الموت خلاف الحياة.. والموتان: الأرض لم تحي بعد بزرع، ولا إصلاح "١.
والموت ضد الحياة٢. وأماته الله وموّته شدد للمبالغة٣. وأمَاتت الناقة إذا مات ولدها، فهي مُميت ومُميتة، وأمات فلان إذا مات له ابن أو بنون٤. وقبضه الله: أماته٥. وتوفاه الله: أماته٦.
والموات بالفتح مالا روح فيه٧. وقول العرب ما أموته إنما يراد به ما أموت قلبه٨. ورجل موتان الفؤاد، وامرأة موتانة الفؤاد٩.
والعرب تقول: اشتر الموتان ولا تشتر الحيوان، أي اشتر الأرض والدور، ولا تشتر الرقيق والدواب١٠.
وعلى هذا فالموت في اللغة ضد الحياة، وهو ما لاروح فيه، كما يعني ذهاب القوة من الشيء فتكون الإماتة إذهاب قوة الشيء.
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة ٥/٢٨٣، وانظر: العين ٨/١٤١.
(٢) انظر: الصحاح ١/٢٦٦.
(٣) انظر: المرجع السابق ١/٢٦٧، لسان العرب ٢/٩٣.
(٤) انظر: الصحاح ١/٢٦٧، العين ٨/١٤١، معجم مقاييس اللغة ٥/٢٨٣.
(٥) انظر: المصباح المنير ٢ /٨٠٢ - ٨٠٣.
(٦) انظر: المرجع السابق ٢/٦٦٧.
(٧) انظر: الصحاح ١ /٢٦٧.
(٨) انظر: المرجع السابق ١ /٢٦٧.
(٩) انظر: المرجع السابق ١ /٢٦٧، العين ٨/١٤١، معجم مقاييس اللغة ٥/٢٨٣.
(١٠) انظر: الصحاح ١/٢٦٧، معجم مقاييس اللغة ٥/٢٨٣.
[ ١٥٣ ]
٢ - معنى الإماتة في الشرع:
ورد فعل الإماتة في القرآن الكريم "أمات" بتصريفاته، كما جاء لفظ الموت والموتى والميت ونحوها من تفريعات هذه المادة، والذي يهم هنا هو ما كان قريبًا من المصدر "الإماتة" وهو فعل الإماتة. وقد جاءت الإماتة بمعنى إخراج الروح من الجسد، أو قبض الأرواح كما في قوله - تعالى -: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة - ٢٥٩] وقوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس - ٢١]، يقول الطبري - ﵀ - عند شرح قوله - تعالى -: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة - ٢٨] الإماتة: "هي خروج الروح من الجسد"١، وقال: "ثم يميتكم بقبض أرواحكم، وإعادتكم كالذي كنتم قبل أن يحييكم؛ من دروس ذكركم، وتعفي آثاركم، وخمول أموركم"١.
ويقول ابن القيم - ﵀ -: "موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها، وخروجها منها"٣.
وقوله - تعالى -: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر - ١١] وقوله - تعالى -: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة - ٢٨]، والإماتة هنا تعني جعلهم أمواتًا في أصلاب آبائهم، لم يكونوا شيئًا، يقول ابن القيم - ﵀ -: "فكانوا أمواتًا وهم نطف في أصلاب آبائهم، وفي أرحام أمهاتهم، ثم أحياهم بعد ذلك، ثم أماتهم، ثم يحييهم يوم النشور"٤.
ويذكر الشوكاني - ﵀ - قولين في معنى قوله - تعالى -: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر - ١١] فيقول: "والمراد بالإماتتين أنهم كانوا نطفًا لا حياة لهم في أصلاب آبائهم، ثم أماتهم بعد أن صاروا أحياء في الدنيا..وقيل: معنى الآية أنهم أميتوا في الدنيا عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم الله في قبورهم للسؤال، ثم أميتوا ثم أحياهم الله في الآخرة،
_________________
(١) تفسير الطبري ١/١٨٨، وانظر: تفسير القرطبي ٣/٢٩١.
(٢) تفسير الطبري ١/١٨٨.
(٣) الروح ص ٤٩.
(٤) المرجع السابق ص٥٠، وانظر: تفسير ابن كثير ١/٥٨، تفسير الطبري ١/١٨٦، تفسير القرطبي ١/٢٤٩، مجموع الفتاوى ٤/٢٧٤ - ٢٧٥، شرح الطحاوية ٢/٥٧١.
[ ١٥٤ ]
ووجه هذا القول أن الموت سلب الحياة، ولا حياة للنطفة، ووجه القول الأول أن الموت قد يطلق على عادم الحياة من الأصل، وقد ذهب إلى تفسير الأول جمهور السلف"١.
وما ذهب إليه جمهور السلف هو الصحيح، فقد ورد في القرآن إطلاق لفظ الموت على الجماد، كالأصنام التي كان يعبدها المشركون، قال - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل٢٠ - ٢١] قال المفسرون: "وهي هذه الأوثان التي تعبد من دون الله، أموات لا أرواح فيها "٢.كما وصف الله الأرض بالميتة، قال - تعالى -: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ [يس - ٣٣] .
وقد اختلف في الموت هل هو وجودي أو عدمي، قال شيخ الإسلام - ﵀ -: "وكثير من النزاع في ذلك يكون لفظيًا، فإنه قد يكون عدم الشيء مستلزمًا لأمر وجودي، مثل الحياة مثلًا فإن عدم حياة البدن مثلًا مستلزم لأعراض وجودية، والناس تنازعوا في الموت هل هو عدمي أو وجودي، ومن قال إنه وجودي احتج بقوله - تعالى - ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك - ٢]، فأخبر أنه خلق الموت، كما خلق الحياة. ومنازعه يقول العدم الطارئ يخلق كما يخلق الوجود، أو يقول الموت المخلوق هو الأمور الوجودية اللازمة لعدم الحياة وحينئذ فالنزاع لفظي"٣.
وفي السنة ورد لفظ أمات ويميت ونحوها، فمن ذلك قوله - ﷺ -: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" ٤، "والمراد بأماتنا: النوم "٥. وقوله - ﷺ -: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت.." ٦، والإماتة هنا تعني قبض الأرواح. وفي الحديث أيضًا قوله: "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه" ٧، ومعنى الإماتة هنا إبطال العمل بشرع الله.
_________________
(١) فتح القدير ٤/٤٨٤، وانظر: تفسير الطبري ١/١٨٦ - ١٨٨.
(٢) تفسير الطبري ١٤/٩٣، وانظر: تفسير القرطبي ١٠/٩٤، زاد المسير لابن الجوزي ٤/٤٣٨.
(٣) درء التعارض ٢/٣٨٣.
(٤) سبق تخريجه ص١٤٤من البحث.
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/٣٥.
(٦) سبق تخريجه ص١٤٤من البحث.
(٧) سبق تخريجه ص١٤٤ من البحث.
[ ١٥٥ ]
ومن خلال النقول السابقة يمكن أن نتبين تعريف أهل السنة للإماتة وهو: أن الإماتة صفة فعلية قائمة بذات الرب - تعالى -، متعلقة بقدرته ومشيئته، اختص بها، وتعني إخراج الروح من الجسد، وسلب الحياة منه.
٣ - معنى الإماتة عند المتكلمين:
عرف بعض الأشاعرة المميت بأنه: "جاعل الخلق ميتًا بسلب الحياة، وإحداث الموت فيه "١ وهو قول البيهقي، وقال في شعب الإيمان: "المميت ويختص بخلق الموت"٢، وقال أبو السعود٣ في تفسيره: "الإماتة جعل الشيء عادم الحياة"٤.
وقد سبق أن ذكرت موقف الأشاعرة من صفات الأفعال للرب - تعالى -، وأنهم لا يقولون بقيامها في ذاته - سبحانه - بل يجعلونها هي المخلوق المنفصل. وكذلك الماتريدية لا يجعلون صفات الأفعال تقوم بمشيئة الرب واختياره، بل يجعلونها أزلية، ويجمعونها كلها في صفة واحدة هي التكوين.
وأما المعتزلة فمن يرى الموت عرضًا؛ كالقاضي عبد الجبار، وغيره، عرف الإماتة بأنها: "إبطال الحياة، وإزالتها، وتفريق البنية التي تحتاج هي في الوجود إليها"٥. ومن يرى الموت جسمًا قال: "الإماتة هي إدخال الله - ﷿ - الجسم المضاد للحياة عليها وحسها قائم"٦. والمعتزلة لا يثبتون صفة الإماتة كصفة فعلية لله - تعالى -، بل يجعلونها مخلوقًا منفصلًا عن الله - تعالى -، كما ينفون غيرها من الصفات. وقد سبق الرد عليهم جميعًا في ذلك٧.
_________________
(١) الأسماء والصفات ص ٩٥.
(٢) شعب الإيمان ١/٦٦، وانظر: فيض القدير ٢/٤٨٦، ٤٩٢.
(٣) أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي، له عدة مؤلفات أشهرها تفسيره الذي سماه "إرشاد العقل السليم". توفي سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة. انظر: طبقات المفسرين لأحمد الأدنروي ص ٣٩٨ - ٣٩٩، كشف الظنون١/٦٥، ٢٤٧.
(٤) تفسير أبو السعود ٧/٢٦٩.
(٥) شرح الأصول الخمسة ص ٧٣١.
(٦) مقالات الإسلاميين ٢/١٠٩.
(٧) انظر الرد ص١٤٩ - ١٥٢من البحث.
[ ١٥٦ ]
الأمر
١ - معنى الأمر في اللغة:
قال الخليل: "الأمر نقيض النهي، والأمر واحد من أمور الناس"١.وقال الجوهري: "وأمرته بكذا أمرًا، والجمع الأوامر "٢.
والأمر الحادثة، والأمر بمعنى الحال، والجمع أمور٣.
"والأمر بمعنى الطلب جمعه أوامر"٤.
وأمَّر أَمارة، إذا صَيَّر علمًا، وأُمِّر فلان إذا صُيِّر أميرًا، وآمرت فلانًا ووامرته، إذا شاورته٥.
وقال الراغب: "الأمر الشأن وجمعه أمور، ومصدر أمرته إذا كلفته أن يفعل شيئًا"٦.
وفي الكليات: "الأمر هو في اللغة استعمال صيغة دالة على طلب من المخاطب على طريق الاستعلاء"٧.
فالأمر في اللغة نقيض النهي، كما يأتي بمعنى الشأن، والحادثة، والحال، ويأتي بمعنى الطلب.
_________________
(١) العين ٨/٢٩٧، وانظر: تهذيب اللغة ١٥/٢٨٩، معجم مقاييس اللغة ١/١٣٧، لسان العرب ٤/٢٦ - ٢٧، القاموس المحيط ص ٤٣٩.
(٢) الصحاح ٢/٥٨١.
(٣) انظر: لسان العرب ٤/٢٧.
(٤) المصباح المنير ١/٢٩.
(٥) انظر: تهذيب اللغة ١٥/٢٩٢.
(٦) المفردات ص ٨٨.
(٧) الكليات ص ١٧٦.
[ ١٥٧ ]
٢ - معنى الأمر في الشرع:
ورد لفظ الأمر في كتاب الله في مواضع كثيرة؛ وكان له أكثر من معنى حسب السياق الذي ورد فيه، ومن تلك الآيات قوله - تعالى -: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ [الأعراف - ٥٤]، والأمر في الآية الكلام، وهو صفة من صفاته - سبحانه -، قال الإمام أحمد: "فأخبر - ﵎ - بالخلق، ثم قال والأمر، فأخبر أن الأمر غير الخلق"١.
وعن سفيان بن عيينة قال: "قد بين الله الخلق من الأمر بقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف - ٥٤] فالخلق بأمره، كقوله: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم - ٤] وكقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس - ٨٢] "٢، وفي رواية عنه: "فقال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف - ٥٤] فالخلق هو المخلوقات والأمر هو الكلام"٢.
قال الحافظ في الفتح: "وسبق ابن عيينة إلى ذلك محمد بن كعب القرظي، وتبعه الإمام أحمد بن حنبل، وعبد السلام بن عاصم وطائفة، أخرج كل ذلك ابن أبي حاتم عنهم"٣.
كما استدل الإمام البخاري - ﵀ - بهذه الآية على أن القرآن كلام الله غير مخلوق ومثله الإمام ابن خزيمة - ﵀ - ٥.
ويقول شيخ الإسلام وهو يبين أنواع المضاف إلى الله: "وأما ما كان صفة لا تقوم بنفسها، ولم يذكر لها محل غير الله، كان صفة له؛ فكالقول والعلم والأمر إذا أريد به المصدر كان المصدر من هذا الباب كقوله - تعالى -: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف - ٥٤]، وإن أريد به المخلوق المكون بالأمر كان من الأول كقوله - تعالى -: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل - ١] "٤.
_________________
(١) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ١/١٣٩ وانظر السنة للخلال ٥/١٣٨.
(٢) خلق أفعال العباد ص ٣٨، وانظر: السنة لعبد الله بن أحمد ١/١٦٩، الشريعة للآجري ص ٨٠.
(٣) فتح لباري ١٣/٥٤٢. ٣ المرجع السابق ١٣/٥٤٢.
(٤) انظر: خلق أفعال العباد ص٣٧ - ٣٨، التوحيد لابن خزيمة ١/٣٩١، الإبانة للأشعري ص٣١، رسالة إلى أهل الثغر للأشعري ص ٢٢١ - ٢٢٣، مجموع الفتاوى ٦/١٧.
(٥) شرح العقيدة الأصفهاني ص ٦٦.
[ ١٥٨ ]
كما بين - ﵀ - أن الأمر والنهي والخبر والاستخبار من أنواع الكلام، والجنس ينقسم إلى أنواعه، واسمه صادق على كل نوع من الأنواع، فيجب أن يكون حد الكلام واسمه صادقا على أنواعه ومنها الأمر١.
كما فُسر الأمر بأنه القول، يقول ابن القيم - ﵀ - في قوله - تعالى -: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف - ٥٤]: "فالخلق فعله والأمر قوله"٢.
وفُسر الأمر بأنه التصرف، والتدبير، يقول ابن كثير في معنى هذه الآية: "أي له الملك والتصرف"٣. وقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: "والأمر هو التدبير"٤.
وقد يراد بالأمر المخلوق المكون بالأمر كما في قوله - تعالى -: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل - ١] ٥.
وقوله - تعالى -: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء - ٤٧] قال الطبري: "يعني به: ما أمر الله به، وهو المأمور الذي كان عن أمر الله - ﷿ -"٦.
وقوله - تعالى -: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ [يونس - ٣]، الأمر الشأن وهو أحوال ملكوت السموات والأرض والعرش وسائر الخلق٧، "وقال مجاهد: يقضيه ويقدره وحده، وقال ابن عباس: لا يشركه في تدبير خلقه أحد"٨.
وورد لفظ الأمر في السنة كثيرًا بالمعاني السابقة، ومنه قوله - ﷺ -: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان" ٩.
_________________
(١) انظر: الاستقامة ١/٢١٢.
(٢) شفاء العليل ص١٥٦.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٢/٢٣٠.
(٤) شرح العقيدة الواسطية ١/٢١.
(٥) انظر: شرح العقيدة الأصفهانية ص٦٦.
(٦) تفسير الطبري ٣/٢٦٩، وانظر: تفسير القرطبي ٥/٢٤٥، فتح القدير ١/٤٧٥.
(٧) انظر: فتح القدير ٢/٤٢٣.
(٨) تفسير القرطبي ٨/٣٠٨.
(٩) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب مناقب قريش ٢/٥٠٤، ح ٣٠٥١، ومسلم في كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش ٣/١٤٥٢ح ١٨٢٠.
[ ١٥٩ ]
ومما سبق يتبين أن الأمر في الشرع نوع من أنواع الكلام، وهو صفة من صفات الله الفعلية الذاتية، متعلق بقدرته ومشيئته، ويعني كلامه - سبحانه - في تدبيره لشؤون خلقه وتصرفه - سبحانه - فيهم، ومنه قوله - تعالى -: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف - ٥٤]، وقد يكون بمعنى المخلوق المكون بالأمر، كقوله - تعالى -: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء - ٤٧] .
٣ - معنى الأمر عند المتكلمين:
بما أن الأمر هو الكلام - كما ذكرت قبل قليل - سأبين هنا أقوال الطوائف في صفة الكلام ومنه الأمر، وإذا نظرنا إلى الأشاعرة ومن وافقهم نجد أنهم يقولون إن كلام الله معنى واحد قائم بالنفس، وذلك المعنى هو الأمر بكل مأمور والخبر عن كل مخبر عنه والنهي عن كل منهي عنه، والأصوات والحروف مخلوقة، وهي عبارة عن الكلام، أو حكاية عنه - كما يقول ابن كلاب - فيكون الأمر عندهم معنى قائم بالنفس، وهوعين النهي والخبر١، قال أبو حامد الإسفراييني٢: "وذهب الأشعري ومن تابعه إلى أن الأمر هو معنى قائم بنفس الآمر، لا يفارق الذات ولا يزايلها، وكذلك عنده سائر أقسام الكلام من النهي والخبر والاستخبار وغير ذلك.. وسواء في هذا أمر الله - تعالى - أو أمر الآدميين، إلا أن أمر الله - تعالى - يختص بكونه قديمًا وأمر الآدمي محدث، وهذه الألفاظ والأصوات ليست عندهم أمرًا ولا نهيًا، وإنما هي عبارة عنه..وكان ابن كلاب عبد الله بن سعيد القطان يقول هي حكاية عن الأمر"٣.
ويقرر الرازي أن الأمر مغاير للعبارات والحروف والأصوات، وأن حقيقة الأمر والنهي هي الإخبار! ثم يقول: "فثبت بما ذكرنا أن أمر الله - تعالى - صفة حقيقية قائمة بذاته، وتلك الصفة مدلولة لهذه الحروف والأصوات والعبارات والإطلاقات"٤.
وابن كلاب هو أول من ابتدع القول في أن كلام الله معنى قائم بالنفس ليس بحرف ولا صوت؛ محاولة منه في الرد على المعتزلة، وتبعه على ذلك الأشعري وغيره٥.
_________________
(١) انظر: الإرشاد ص١٠٤، ١٢٠.
(٢) الأستاذ العلامة شيخ الإسلام أبو حامد أحمد بن أبي طاهر محمد بن أحمد الإسفراييني شيخ الشافعية ببغداد. ولد سنة أربع وأربعين وثلاث. وتوفي سنة ست وأربع مائة. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/١٩٣ - ١٩٦.
(٣) درء تعارض العقل والنقل ٢/١٠٧، وكلام أبي حامد في كتابه التعليق في أصول الفقه.
(٤) المسائل الخمسون ص٥٤ - ٥٥، وانظر: الأربعين في أصول الدين ص١٧٨.
(٥) انظر: درء التعارض ٢/٨٤، ١١١، الاستقامة ١/٢١٢، مجموع الفتاوى ٥/٥٣٣، ٥٥٢.
[ ١٦٠ ]
وأما المعتزلة فإنهم يقولون بخلق صفة الكلام ومنه الأمر فهو مخلوق، قال القاضي عبد الجبار:" وأما مذهبنا في ذلك فهو أن القرآن كلام الله - تعالى - ووحيه، وهو مخلوق محدث "١. ويستدلون بقوله - تعالى -: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء - ٤٧] على أن الأمر الذي هو كلام الله مخلوق٢.
وقد رد علماء أهل السنة على المخالفين في صفة الكلام وبينوا مخالفة أقوالهم للكتاب والسنة، وأصول لغة العرب. والذي يهم هنا هو الإشارة إلى ردهم على مخالفتهم في معنى الأمر، فمن ردهم على مذهب الأشاعرة ومن وافقهم:
أولًا: أن مجرد تصور هذا القول يوجب العلم الضروري بفساده، كما اتفق على ذلك سائر العقلاء، فإن أظهر المعارف للمخلوق أن الأمر ليس هو الخبر، وأن الأمر بالسبت لليهود ليس هو الأمر بالحج، وأن الخبر عن الله ليس هو الخبر عن الشيطان الرجيم٣.
ثانيًا: أن من جعل كلام الله بأوامره ونواهيه وأخباره حقيقة واحدة، وجعل الأمر والنهي إنما هي صفات عارضة لتلك الحقيقة العينية، لم يجعل ذلك أقسامًا للكلام الكلي، الذي لا يوجد في الخارج كليًا، إذ ليس في الخارج كلام هو أمر بالحج، وهو بعينه خبر عن جهنم، كما ليس في الخارج إنسان هو بعينه فيل، وإن شملهما اسم الحيوان. ومن جعل الحقائق المتنوعة شيئًا واحدا، فهو يشبه من جعل المكانين مكانًا واحدًا، حتى يجعل الجسم الواحد يكون في مكانين، ويقول إنما هما مكان واحد، أو لا يجعل الواحد نصف الاثنين، أو يقول الاثنان هما واحد، وهذا كله نمط واحد وهو رفع التعدد في الأشياء المتعددة، وجعلها شيئًا واحدًا في الوجود الخارجي بالعين، لا بالنوع٤.
ثالثًا: أن يقال إذا جاز لكم أن تجعلوا هذه الحقائق المختلفة حقيقة واحدة، وأن كونها أمرًا ونهيًا وخبرًا إنما هي أمور نسبية لها، فيقال لكم هذا بعينه يلزمكم في الصفات؛ من العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر، فهلا جعلتم هذه الصفات حقيقة واحدة، وهذه
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة ص٥٢٨، وانظر: المغني ١/٢٨٤، شرح الأصول الخمسة ص٥٤٤.
(٢) انظر: شرح الأصول الخمسة ص٥٤٤.
(٣) انظر: التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى ٥/١٧٥.
(٤) انظر: المرجع السابق ٥/١٧٥ - ١٧٦ بتصرف.
[ ١٦١ ]
الخصائص عوارض نسبية لها، وهم ينفون مثل هذا ويردون عليه، فيلزمهم طرد ذلك في صفة الكلام١.
رابعًا: أن جمهور الناس من أهل السنة والمعتزلة وغيرهم أنكروا ذلك، وقالوا: إن فساد هذا معلوم بصريح العقل، فإن التوراة إذا عربت لم تكن هي القرآن، ولا معنى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص - ١] هو معنى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد - ١] ٢.
أما المعتزلة فيقال لهم:
أولًا: أن الله فرق بين الخلق والأمر بقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف - ٥٤] فالخلق هو المخلوقات والأمر هو الكلام٣.
ثانيًا: يقال لهم إن الله فرق بين الخلق والأمر، فالخلق يكون بأمره كما قال - تعالى -: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس - ٨٢]، ولو كان الأمر مخلوقًا للزم أن يكون مخلوقًا بأمر آخر، والآخر بآخر إلى مالا نهاية له، فيلزم التسلسل وهو باطل٤.
ثالثًا: أن طرد باطلهم هو أن تكون جميع صفات الله مخلوقة، كالعلم والقدرة وغيرهما، وذلك صريح الكفر، حيث يستدلون بقوله - تعالى -: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر - ٦٢]، فإن علم الله شيء وقدرته شيء وحياته شيء، فيدخل ذلك في عموم كل فيكون مخلوقًا بعد أن لم يكن، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا٥.
_________________
(١) انظر: التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى ٥/١٧٦ - ١٧٧ بتصرف.
(٢) انظر: درء التعارض ١/٢٦٧.
(٣) انظر: فتح الباري ١٣/٥٣٢ - ٥٣٣.
(٤) انظر: خلق أفعال العباد ص ٣٨، شرح العقيدة الطحاوية ١/١٧٩.
(٥) انظر: شرح العقيدة الطحاوية ١/١٧٩.
[ ١٦٢ ]
المُلْك
١ - معنى الملك في اللغة:
قال ابن فارس: "الميم واللام والكاف، أصل صحيح، يدل على قوة في الشيء وصحة، يقال: أملَكَ عجينه: قوى عجنه وشدَّه، وملكت الشيء: قويته..والأصل هذا، ثم قيل مَلَكَ الإنسان الشيء يملكه ملْكًا، والاسم الملْك، لأن يده فيه قوية صحيحة. فالمِلْك: ما ملك من مال"١.
وفي العين: "المُلْكُ لله المالك المليك، والملكوت: ملك الله، وملكوت الله سلطانه. والمَلْك: ما ملكت اليد من مال وخول"٢. والمَلْك والمُلْك والمِلْك احتواء الشيء والقدرة على الاستبداد به٣. فالملك في اللغة احتواء الشيء والقدرة عليه، وكونه تحت تصرفك.
٢ - معنى الملك في الشرع:
ورد لفظ المُلْك والمَلِك والمالك ومالك الملك في آيات كثيرة من كتاب الله، منها قوله - تعالى -: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة - ١٠٧]، وقوله - تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ﴾ [يوسف - ١٠١]، وقوله - تعالى -: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه - ١١٤] وغيرها. قال الطبري - ﵀ - في تفسير قوله - تعالى -: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس - ٢]: "وهو ملك جميع الخلق إنسهم، وجنهم، وغير ذلك، إعلامًا منه بذلك من كان يعظم الناس، تعظيم المؤمنين ربهم؛ أنه ملك من يعظمه، وأن ذلك في ملكه وسلطانه، تجري عليه قدرته، وأنه أولى بالتعظيم، وأحق بالتعبد له ممن يعظمه، ويتعبد له، من غيره من الناس"٣.كما ورد لفظ الملك في السنة ومنه قوله - ﷺ -: "يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا المَلِك أين ملوك الأرض" ٥، ومعنى الملك في الكتاب والسنة، هو المعنى الوارد في اللغة، يقول شيخ
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة ٥/٣٥١ - ٣٥٢ وانظر الصحاح ٤/١٦٠٩ - ١٦١١ لسان العرب ١٠/٤٩٥.
(٢) العين ٥/٨٩ وانظر اللسان ١٠/٤٩٣.
(٣) انظر: لسان العرب ١٠/٤٩٢.
(٤) تفسير الطبري ٣٠/٣٥٤.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب قول الله - تعالى -: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس - ٢] ٤/٣٨٠، ح ٧٣٨٢.
[ ١٦٣ ]
الإسلام - ﵀ -:" والمُلك قد يراد به القدرة على التصرف، والتدبير، ويراد به نفسه التدبير، والتصرف، ويراد به المملوك نفسه، الذي هو محل التدبير، ويراد به ذلك كله"١، فالملك يعني التصرف والتدبير، والقدرة على ذلك.
وقال - ﵀ - في معنى المَلك: "المَلك هو الذي يتصرف بأمر فيطاع"٢، وقال - ﵀ -: "الملَك هو الآمرالناهي المطاع"٣. وقال الإمام ابن القيم - ﵀ -:" والمَلك هو المتصرف بفعله وأمره"٤.
وقال ابن كثير في معنى المَلِك: "أي المالك لجميع الأشياء، المتصرف فيها بلا ممانعة، ولا مدافعة "٥. وقال في معنى قوله - تعالى -: ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران - ٢٦]: "أي أنت المتصرف في خلقك الفعال لما تريد"٦.
فالمُلك هو صفة ذاتية للرب - تعالى -، وتعني ملكه لجميع الأشياء، وتصرفه وتدبيره في ملكه بلا مدافعة ولا ممانعة، وقدرته على ذلك. والمَلِك من أسماء الله - تعالى -.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٨/١٩٥.
(٢) المرجع السابق ٦/٢٦٢، وانظر: تفسير ابن كثير ٤/٣٦٧.
(٣) مجموع الفتاوى ٦/٢٦٢.
(٤) بدائع الفوائد ٤/١٦٥.
(٥) تفسير ابن كثير ٤/٣٦٧.
(٦) المرجع السابق ١/٣٥٧.
[ ١٦٤ ]
٣ - معنى الملك عند المتكلمين:
يتأول كثير من متكلمي الأشاعرة، والمعتزلة، الملك بالقدرة، وبعضهم يتأوله بالخلق وبعضهم يقول إنه التصرف.
يقول الجويني: "ثم اختلفوا في الملك، فمنهم من فسره بالخلق، فالمَلِك الخالق، وهو من أسماء الأفعال، وقال بعضهم: الملك القدرة على الاختراع"١. وقال الرازي: "اختلفوا في حقيقة الملك فقال بعضهم: إنه عبارة عن التصرف، وعلى هذا يكون الملك من صفات الأفعال. والقول الثاني أنه القدرة على التصرف لولا المانع، وعلى هذا القول يكون الملك من صفات الذات "٢، ثم ذكر الإشكالات على القولين واختار الثاني٣.
وقال القاضي عبد الجبار: "المِلْك هو القدرة، وأن المَلِك هو القادر"٤.
وتأويلهم صفة الملك بالقدرة على الاختراع، أو الخلق، إنما هو في الحقيقة نفي لصفة الملك، وكذلك قصر بعضهم للملك على القدرة على التصرف، إنقاص لمعنى الملك، فالملك يعني ملكه لجميع الأشياء، وتصرفه وتدبيره في ملكه بلا مدافعة ولا ممانعة، وقدرته على ذلك. فالملك صفة ذاتية تستلزم، وتتضمن، صفات ذاتية وفعلية، مثل علمه، وقدرته، وأنواع تصرفه وتدبيره لملكه - سبحانه -. والأشاعرة لا يثبتون صفات الأفعال قائمة بذات الله، والمعتزلة ينفون معها صفات الذات أيضًا، وقد سبق الرد عليهم في ذلك٥.
٤ - معنى الملك عند الفلاسفة:
قال ابن سينا: "الملك الحق هو الغني الحق مطلقًا، ولا يستغني عنه شيء في شيء، وله ذات كل شيء، لأن كل شيء منه أو مما منه ذاته، فكل شيء غيره فهو له مملوك، وليس له إلى شيء فقر"٦.
_________________
(١) الإرشاد ص١٤٥.
(٢) شرح أسماء الله الحسنى ص١٨٣، وانظر فتح الباري ١٣/٣٧٩.
(٣) انظر: شرح أسماء الله الحسنى ص١٨٦.
(٤) المغني ١١/٢٨.
(٥) انظر الرد في البحث ص١٤٩ - ١٥٢.
(٦) الإشارات والتنبيهات٣/١٢٤، وانظر: بيان تلبيس الجهمية ١/١٨٤.
[ ١٦٥ ]
وهذا الكلام الذي ذكره ابن سينا في معنى الملك، متفق عليه بين المسلمين، وغيرهم من أهل الملل، بل حتى المشركون يقرون بذلك، قال - تعالى -: ﴿قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩] .
ولكن هذا جزء يسير من معنى الملك، فلفظ الملك يتضمن غناه عن كل شيء، وفقر كل شيء إليه، - وهو ما ذكروه - ولكنه يتضمن أكمل من ذلك، من العلم، والقدرة، والتدبير، على وفق المشيئة، والإرادة، وغير ذلك من المعاني التي تبين أن هؤلاء الفلاسفة لا يجعلونه ملكًا حقًا، وكيف يكون ملكًا عندهم من لا يقدر على إحداث شيء، ولا دفع شيء، ولا له تصرف بنفسه، ولا في غيره بوجه من الوجوه. بل ما يصفونه من غناه، وافتقار ما سواه إليه، يتناقضون فيه، فإنهم يصفونه بما يمتنع معه أن يكون غنيًا، وأن يكون شيء ما إليه فقير١.
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/١٨٥.
[ ١٦٦ ]
الرَّزق
١ - معنى الرَّزق في اللغة:
قال ابن فارس: "الراء والزاء والقاف، أصيل واحد، يدل على عطاء لوقت، ثم يحمل عليه غير الموقوت، فالرزق عطاء الله - جل ثناؤه -، ويقال رزقه الله رَزْقًا، والاسم الرِّزْق، والرِّزْق بلغة أزد شنوءة الشكر، من قوله - جل ثناؤه -: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة - ٨٢] "١.
والرِّزق: ما ينتفع به، والجمع الأرزاق، والرَّزق العطاء٢. قال الخليل: "رَزَق الله يرزق العباد، رِزْقًا اعتمدوا عليه، وهو الاسم أخرج على المصدر، وقيل: رَزْق"٣.
فالرَّزق بفتح الراء هو المصدر الحقيقي، والرِّزق الاسم، ويجوز أن يوضع موضع المصدر٤.
فالرَّزق هو المصدر الذي يقع موقع الصفة، والرِّزق هو اسم المفعول ويجوز أن يوضع موضع المصدر، ومدار لفظ الرزق في اللغة على العطاء أو ماينتفع به.
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة ٢/٣٨٨.
(٢) انظر: لسان العرب ١٠/١١٥، القاموس المحيط ١١٤٤.
(٣) العين ٥/٨٩.
(٤) انظر: لسان العرب ١٠/١١٥.
[ ١٦٧ ]
٢ - معنى الرزق في الشرع:
ورد لفظ الرزق كثيرًا في كتاب الله، كما ورد الفعل منه بتصريفاته، ومنها قوله - تعالى -: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ [البقرة - ٦٠]، وقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر - ٣] .
كما ورد لفظ الرزق في السنة المطهرة، وورد الفعل منه، ومن ذلك قوله - ﷺ -: "لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله - ﷿ -، إنه يشرك به، ويجعل له الولد، ثم هو يعافيهم، ويرزقهم" ١.
ومعنى الرزق في الكتاب والسنة هو بمعناه الوارد في اللغة، يقول الحافظ أبو بكر الإسماعيلي - ﵀ - في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة: "وإن الله يرزق كل حي مخلوق، رزق الغذاء الذي به قوام الحياة، وهو ما يضمن الله لمن أبقاه من خلقه، وهو الذي رزقه من حلال أو حرام"٢.
ويقول الإمام أبو حنيفة - ﵀ - في بيانه لصفات الله: "وأما الفعلية؛ فالتخليق، والترزيق، والإنشاء.."٣.
وقال الإمام ابن تيمية - ﵀ -: "وكذلك كونه خالقًا، ورازقًا، ومحسنًا، وعادلًا، فإن هذه أفعال فعلها بمشيئته وقدرته"٤.
وقال ابن القيم - ﵀ - في النونية:
وكذلك الرزاق من أسمائه والرزق من أفعاله نوعان
رزق على يد عبده ورسوله نوعان أيضا ذان معروفان
رزق القلوب العلم والإيمان والرزق المعد لهذه الأبدان
هذا هو الرزق الحلال وربنا رزاقه والفضل للمنان
والثاني سوق القوت للأعضاء فـ ـي تلك المجاري سوقه بوزان
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب القيامة وصفة الجنة والنار، باب لا أحد أصبر على أذى من الله ﷿ ٤/٢١٦٠، ح ٢٨٠٤. وبنحوه البخاري في الأدب، باب الصبر على الأذى ٤/١٠٩ - ١١٠، ح ٦٠٩٩، وفي كتاب التوحيد باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات - ٥٨] ٤/٣٧٩، ح ٧٣٧٨.
(٢) كتاب اعتقاد أهل السنة ص ٥٢.
(٣) شرح الفقه الأكبر ص٣٥.
(٤) مجموع الفتاوى ٦/٢٢٩.
[ ١٦٨ ]
هذا يكون من الحلال كما يكون من الحرام كلاهما رزقان
والله رازقه بهذا الاعتبار وليس بالإطلاق دون بيان١
ولفظ الرزق يقع على الصفة التي هي المصدر، كما يقع على متعلقها الذي هو مسمى المفعول، وهو الشيء المرزوق، كلفظ الخلق يقع تارة على الفعل، وعلى المخلوق أخرى٢.
والرزق من حيث اسم المفعول فيه إجمال: فقد يراد بلفظ الرزق ماينتفع به الحيوان، وإن لم يكن هناك إباحة، ولا تمليك، فيدخل فيه الحرام، كما في قوله - تعالى -: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود - ٦] .
وقد يراد بالرزق ما أباحه الله أو ملكه، فلا يدخل الحرام في مسمى هذا الرزق، كما في قوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ [النحل - ٧٥] وأمثال ذلك.
والعبد قد يأكل الحلال والحرام فهو رزق بالاعتبار الأول، لا بالاعتبار الثاني، وما اكتسبه ولم ينتفع به، هو رزق بالاعتبار الثاني دون الأول. ولأجل هذا الإجمال في لفظ الرزق، منع الأئمة من إطلاق ذلك نفيًا وإثباتًا٣.
فالرزق الذي هو المصدر صفة فعلية من صفات الرب - سبحانه -، قائمة بذاته، متعلقة بقدرته ومشيئته، وهي إعطاء الله - تعالى - خلقه ما ينتفعون به.
_________________
(١) الكافية الشافية ٢/٢٣٤.
(٢) انظر: مجموعة الرسائل ٥/٣٢٢.
(٣) انظر: المرجع السابق ٥/٣٢٦، مجموع الفتاوى ٨/٥٤١، وانظر أيضا: لوائح الأنوار ١/٣٣٥ - ٣٣٦، الحجة في بيان المحجة ١/١٣٧.
[ ١٦٩ ]
٣ - معنى الرزق عند المتكلمين:
قال الجويني في بيان معنى الرازق: "خالق الرزق، ومبدع الإمتاع به "١، وفي الأسماء والصفات للبيهقي: "ومعناه - أي الرازق - المفيض على عباده ما لم يجعل لأبدانهم قواما إلا به، والمنعم عليهم بإيصال حاجاتهم من ذلك إليهم "٢.
وقال الراغب:" والرزاق يقال لخالق الرزق ومعطيه، والمسبب له، وهو الله - تعالى -"٣، وهو من الصفات الفعلية عند المتكلمين، يقول ابن بطال٤: "فالرزق فعل من أفعاله - تعالى - فهو من صفات فعله، لأن رازقًا يقتضي مرزوقًا، والله - ﷾ - كان ولا مرزوق، وكل مالم يكن ثم كان فهو محدث، والله - سبحانه - موصوف بأنه الرازق، ووصف نفسه بذلك قبل خلق الخلق؛ بمعنى أنه سيرزق إذا خلق المرزوقين"٥. فالأشاعرة يجعلون الرزق مخلوقًا منفصلًا غير قائم بذات الرب.
ويقول ملا علي قاري: "وأما الترزيق فهو إحداث رزق الشيء، وجعله قوتًا له"٦. والماتريدية كما سبق يحيلون جميع الأفعال إلى صفة التكوين.
وما سبق أن ذكرته من مواقف المتكلمين في لفظ الإحياء، والإماتة، ينطبق على لفظ الرزق أيضًا، لأنه من الصفات الفعلية، وقد سبق أن بينت موقف المتكلمين من صفات الفعل، وذكرت الرد عليهم٧.
وأما لفظ الرزق من حيث هو مفعول، فقد خالف في ذلك المعتزلة حيث قالوا: إن الحرام ليس برزق٨. ومما يرد به هذا القول أن لفظ الرزق، من حيث اسم المفعول فيه إجمال، فقد يراد بلفظ الرزق ما أباحه الله أو ملكه، فلا يدخل الحرام في مسمى هذا
_________________
(١) الإرشاد ص١٤٩.
(٢) الأسماء والصفات ص٨٧.
(٣) المفردات للراغب ص٣٥١، وانظر: بصائر ذوي التمييز ٣/٦٧، الكليات ص٤٧٣.
(٤) ابن بطال شارح صحيح البخاري، العلامة أبو الحسن علي بن خلف بن بطال البكري، القرطبي، ثم البلنسي، ويعرف بابن اللجام، كان من أهل العلم والمعرفة عني بالحديث العناية التامة شرح الصحيح في عدة أسفار، توفي سنة تسع وأربعين وأربع مئة. انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/٤٧، تذكرة الحفاظ ٣/١١٢.
(٥) فتح الباري ١٣/٣٧٣.
(٦) شرح الفقه الأكبر ص٣٥.
(٧) انظر الرد ص١٤٩ - ١٥٢ من البحث.
(٨) انظر: شرح الأصول الخمسة ص٧٨٤، المغني ١١/٢٧، لوائح الأنوار ١/٣٣٥.
[ ١٧٠ ]
الرزق كما في قوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ [النحل - ٧٥] وأمثال ذلك، وقد يراد بالرزق ما ينتفع به الحيوان، وإن لم يكن هناك إباحة ولا تمليك فيدخل فيه الحرام، كما في قوله - تعالى -: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود - ٦] ١.
_________________
(١) انظر: مجموعة الرسائل ٥/٣٢٦، مجموع الفتاوى ٨/٥٤١، لوائح الأنوار ١/٣٣٥ - ٣٣٦.
[ ١٧١ ]
الخلق
١ - معنى الخلق في اللغة:
يقول ابن فارس: "الخاء واللام والقاف أصلان: أحدهما تقدير الشيء، والآخر ملاسة الشيء. فأما الأول فقولهم: خلقت الأديم للسقاء، إذا قدرته.. وقال زهير١:
ولأنت تفري ماخلقت وبعـ ـض القوم يخلق ثم لا يفري٢
.. والخَلْق خلق الكذب، وهو اختلاقه واختراعه وتقديره في النفس.. وأما الأصل الثاني: فصخرة خلقاء أي ملساء"٣.
والخليقة الخَلْق، والجمع الخلائق، والخِلقة الفطرة٤. "والخالق الصانع"٥، و"خلقه الله خلقًا أوجده"٦.
والخَلْق في كلام العرب على وجهين: أحدهما الإنشاء على مثال أبدعه، والآخر التقدير. وخلق الله الشيء يخلقه خلقا أحدثه بعد أن لم يكن، والخلق يكون المصدر ويكون المخلوق٧.
"والخلق في كلام العرب ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه"٨.
فالخلق في اللغة يعني التقدير، والإنشاء، والإيجاد، والإبداع، وقد يراد به المخلوق.
_________________
(١) هو زهير بن أبي سلمى، ذكره محمد بن سلام الجمحي في طبقات فحول الشعراء ضمن الطبقة الأولى من فحول شعراء الجاهلية. انظر: طبقات فحول الشعراء ١/٦٣.
(٢) ديوان زهير ص٥٦، بلفظ "فلأنت تفري.."وانظر: ديوان الأدب للفارابي ٢/١٢٣. والفري الشق، خلقت الأديم ثم فريته، إذا أعلمت عليه علامات المقاطع ثم قطعته. انظر: العين ٨/٢٨٠.
(٣) معجم مقاييس اللغة ٢/٢١٣ - ٢١٤، وانظر: الصحاح ٤/١٤٧٠ - ١٤٧١، العين ٤/١٥١، لسان العرب ١٠/٨٥ - ٨٩.
(٤) انظر: الصحاح ٤/١٤٧١، العين ٤/١٥١، لسان العرب ١٠/٨٦.
(٥) العين ٤/١٥١.
(٦) المُغَرِّب في ترتيب المعرب لأبي الفتح المطرزي ص١٥٣.
(٧) انظر: لسان العرب ١٠/٨٥.
(٨) المرجع السابق ١٠/٨٥.
[ ١٧٢ ]
٢ - معنى الخلق في الشرع:
الخلق في الشرع هو صفة فعلية قائمة بذات الله - تعالى - متعلقة بقدرته ومشيئته، وتعني إبداع الكائنات وإنشاءها من العدم، وفق تقدير الله - تعالى - لها. كما قد يطلق الخلق على المخلوق كما في قوله - تعالى -: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان - ١١] .
وقد ورد لفظ الخلق في آيات كثيرة من كتاب الله - تعالى -، فورد بمعنى الإبداع والتقدير١ نحو قوله - تعالى -: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف - ٥٤]، وقوله - تعالى -: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف - ٥١]، وقوله - تعالى -: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان - ٢٨]، كما ورد لفظ خلق في السنة بمعنى قضى وقدر، ومنه قوله - ﷺ -: "لما خلق الله الخلق كتب في كتابه - وهو يكتب على نفسه، وهو وضع عنده على العرش - إن رحمتي تغلب غضبي" ٢، وفي رواية "لما قضى الله الخلق" ٣، ومعنى خلق في الرواية الأولى، وقضى في الرواية الثانية، هو: "قدّر"، أي لما فرغ من تقدير الخلق، لأنه قال في رواية أخرى: "إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق" ٤.
يقول البخاري - ﵀ -: "باب ماجاء في تخليق السموات والأرض وغيرهما من الخلائق، وهو فعل الرب - ﵎ - وأمره، فالرب بصفاته وفعله وأمره وهو الخالق المكون غير مخلوق، وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون"٥.وعلق على هذا الكلام ابن القيم - ﵀ - بقوله: "فصرح إمام السنة أن صفة التخليق هي فعل الرب وأمره، وأنه خالق بفعله وكلامه"٦.
_________________
(١) انظر: الصفدية ١/٢٤٠، بغية المرتاد ص٤٢، الصواعق المرسلة٤/١٣٦.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب قول الله - تعالى - ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران - ٢٨، ٣٠] ٤/٣٨٤، ح ٧٤٠٤، وبنحوه مسلم في كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه ٤/٢١٠٧، ح ٢٧٥١.
(٣) جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات - ١٧١] ٤/٣٩٥، ح ٧٤٥٣، ومسلم في كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه ٤/٢١٠٨ح ٢٧٥١.
(٤) جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ*فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج - ٢١ - ٢٢] ٤/٤١٧، ح ٧٥٥٤، وانظر: شرح كتاب التوحيد للشيخ الدكتور عبد الله الغنيمان ٢/٢١٠.
(٥) صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٤٤٧.
(٦) شفاء العليل ص ١٥٥.
[ ١٧٣ ]
وقال ابن حجر - ﵀ - معلقًا أيضا على كلام البخاري - ﵀ -: "وسياق المصنف يقتضي التفرقة بين الفعل، وما ينشأ عن الفعل، فالأول من صفة الفاعل، والباري غير مخلوق فصفاته غير مخلوقة، وأما مفعوله وهو ما ينشأ عن فعله فهو مخلوق، ومن ثم عقبه بقوله: وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه، فهو مفعول مخلوق مكون"١.
وقال البخاري - ﵀ - في كتابه خلق أفعال العباد: "واختلف الناس في الفاعل والمفعول والفعل، فقالت القدرية: الأفاعيل كلها من البشر، ليست من الله، وقالت الجبرية: الأفاعيل كلها من الله، وقالت الجهمية: الفعل والمفعول واحد، ولذلك قالوا لـ "كن" مخلوق، وقال أهل العلم: التخليق فعل الله وأفاعيلنا مخلوقة..ففعل الله، صفة الله، والمفعول غيره من الخلق"٢.
وقال الإمام أبو حنيفة - ﵀ - وهو يبين صفات الله الفعلية: "..وخالقًا بتخليقه والتخليق صفة في الأزل"٣. ويُعرف الإمام ابن مندة - ﵀ - الخالق بقوله: "والخالق هو المقدر الفاعل الصانع، وهو الباري المصور فهذه صفة قدرته. والخلق منه على ضروب: منه خلق بيده ويخلق إذا شاء فقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص - ٧٥]، ومنه ما خلق بمشيئته وكلامه، ويخلق إذا شاء، ولم يزل موصوفًا بالخالق الباري المصور قبل الخلق، بمعنى أنه يخلق ويصور"٤.
وقد بين شيخ الإسلام - ﵀ - اللفظ المقصود بهذا المبحث فقال: "لفظ الخلق المراد به الفعل الذي يسمى المصدر، كما يقال خلق يخلق خلقًا كقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان - ٢٨]، وقوله: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر - ٦]، وقوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ [الكهف - ٥١] وليس الكلام في لفظ خلق المراد به المخلوق ومنه قوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾
_________________
(١) فتح الباري ١٣ /٤٤٨.
(٢) خلق أفعال العباد ص١٨٨.
(٣) شرح الفقه الأكبر ص٣٨.
(٤) كتاب التوحيد لابن مندة ٢/٧٦.
[ ١٧٤ ]
[لقمان - ١١] "١. وعرف - ﵀ - لفظ الخلق بقوله: "الخلق هو إبداع الكائنات من العدم "٢، وقال: "والخلق يجمع معنى الإبداع ومعنى التقدير"٣.
وقال - ﵀ -: "ولفظ الخلق المذكور في القرآن يتضمن معنيين، كلاهما يناقض قولهم٤؛ يتضمن الإبداع والإنشاء المعروف، ويتضمن التقدير"٥. وقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -:"إن الخلق هو الإيجاد"٦.
وقال الإمام ابن تيمية مبينًا قيام صفات الفعل في ذات الله: "وإذا كان الخلق فعله والمخلوق مفعوله، وقد خلق الخلق بمشيئته، دل على أن الخلق فعل يحصل بمشيئته، ويمتنع قيامه بغيره، فدل على أن أفعاله قائمة بذاته، مع كونها حاصلة بمشيئته وقدرته"٧.
وشرح الإمام ابن القيم قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة - ٢١] بقوله: "ثم قال: الذي خلقكم، فنبه بهذا أيضًا على وجوب عبادته وحده، وهو كونه أخرجهم من العدم إلى الوجود، وأنشأهم، واخترعهم وحده بلا شريك"٨.
ويتبين مما سبق أن الخلق - كما ذكرت سابقًا - صفة فعلية، قائمة بذات الله - تعالى -، متعلقة بقدرته ومشيئته، وتعني إبداع الكائنات وإنشاءها من العدم، وفق تقدير الله - تعالى - لها.
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ١/٥٤٦.
(٢) مجموع الفتاوى ٦/٣٥٧.
(٣) الصفدية ١/٢٤٠.
(٤) أي يناقض قول الفلاسفة.
(٥) بغية المرتاد ص٤٢، وانظر: الصواعق المرسلة٤/١٣٦١، شرح الطحاوية ١/١٢٤.
(٦) شرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد العثيمين ١/٢٢.
(٧) مجموع الفتاوى ٦/٢٣٠.
(٨) بدائع الفوائد ٤/١٣٢.
[ ١٧٥ ]
٣ - معنى الخلق عند المتكلمين:
يقول الباقلاني١: "حقيقة الخلق والإحداث، هو إخراج الشيء من العدم إلى الوجود"٢، ويقول أبو المعالي: "والخلق قد يراد به الاختراع، وهو أظهر معانيه، وقد يراد به التقدير"٣. وقال الرازي: "الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين، والإخراج من العدم إلى الوجود"٤. وقال القاضي عبد الجبار: "الخلق هو إحداث الشيء مقدرًا "٥، وقال أيضًا: "الخلق هو الإنشاء والإبداع "٦. وقيل: "الخلق إيجاد الشيء على تقدير واستواء "٧.
ويلاحظ أن هذه التعريفات موافقة للغة، ولمعنى الخلق عند أهل السنة. ولكن هل هذا الخلق الذي عرفوه سابقًا هو صفة قائمة بذات الله - تعالى -؟ أو أن الخلق هو المخلوق؟. يرى كثير من طوائف المتكلمين أن الخلق هو المخلوق، وبعضهم يرى أنه معنى آخر غير المخلوق كالإرادة مثلًا، وليس الخلق - بزعمهم - صفة قائمة بذات الرب، يقول البيهقي: "ونعتقد في صفات فعله أنها بائنة عنه - سبحانه - "٨. ويقول الجويني: "..ولا ترجع من الخلق صفة متحققة إلى الذات، فلا يدل الخالق إلا على إثبات الخلق، ولذلك قال أئمتنا: لا يتصف الباري - تعالى - في أزله بكونه خالقًا، إذ لا خلق في الأزل، ولو وصف بذلك على معنى أنه قادر كان تجوزًا"٩.
والماتريدية كما سبق بيان مذهبهم في الإحياء والإماتة، وسائر صفات الفعل، فإنهم يجعلون الخلق من متعلقات التكوين، وليس صفة حقيقية تعود على الذات بمعنى١٠.
_________________
(١) هو أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر الباقلاني الأشعري، الأصولي المتكلم، صاحب التصانيف الواسعة في الرد على الفرق الضالة، من مؤلفاته الإنصاف، والتمهيد، توفي سنة٤٠٣هـ. انظر: شذرات الذهب ٣/١٦٨، معجم المؤلفين١٠/١٠٩ - ١١٠، الأعلام٦/١٧٦.
(٢) الإنصاف ص١٤٨ - ١٤٩.
(٣) الإرشاد ص١٤٨.
(٤) مفاتيح الغيب ١٩/٣٢، وانظر: المطالب العالية ٩/١٣٧، شرح أسماء الله الحسنى ص٢١١.
(٥) المغني ٨/٢٥٧.
(٦) المرجع السابق ٧/٢٢١.
(٧) الكشاف ١/٩١.
(٨) الأسماء والصفات ص١٣٨.
(٩) الإرشاد ص١٤٣.
(١٠) انظر: شرح الفقه الأكبر ص٣٥، والبحث ص١٤٧ - ١٤٨.
[ ١٧٦ ]
أما المعتزلة فمذهبهم نفي الصفات ومنها الخلق، وقد اختلفوا في معنى الخلق، وهل هو المخلوق أم لا؟ يقول الأشعري: "واختلف الناس في خلق الشيء، هل هو الشيء أم غيره؟ فقال أبو الهذيل: خلق الشيء، الذي هو تكوينه بعد أن لم يكن، هو غيره، وهو إرادته له وقوله له كن..وقال بشر بن المعتمر: خلق الشيء غيره، والخلق قبل المخلوق، وهو الإرادة من الله للشيء، وقال إبراهيم النظام: الخلق من الله - سبحانه -، الذي هو تكوين، هو المكوَّن، وهو الشيء المخلوق"١.
وقال القاضي عبد الجبار: "الخلق إنما هو التقدير، والمخلوق هو الفعل المقدر بالغرض والداعي، المطابق له على وجه لايزيد عليه ولاينقص عنه"٢.
وقد بين شيخ الإسلام - ﵀ - نزاع الطوائف في الخلق هل هو من صفات الله أو لا؟ فقال: "والناس تنازعوا في نفس الخلق، والإحداث، والتكوين، هل هو من صفات الله أم لا؟ وهذا المؤسس٣، وأصحابه، مع المعتزلة، يقولون إن الخلق هو المخلوق، ليس ذلك صفة لله بحال، وأما جمهور الفقهاء، وأهل الحديث، والصوفية، وطوائف من أهل الكلام، فيقولون إن الفعل نفسه، والخلق من صفاته، ولكن المخلوق ليس من صفاته"٤.
وقد ذكر شيخ الإسلام - ﵀ - شبهتهم في ذلك، ورد عليهم، مبينًا فساد قولهم، كما ذكر ابن القيم - ﵀ - شبهاتهم في ذلك، ورد عليها، وقد سبق شيء من هذه الردود عند شرح صفة الإحياء٥.
وعلى هذا فينبغي أن ينتبه إلى حقيقة قول المتكلمين في الخلق، وإن عرفوه بما يوهم أنهم موافقون لأهل السنة في حقيقة الصفة وقيامها بالله - تعالى -.
_________________
(١) مقالات الإسلاميين ٢/٥١ - ٥٢.
(٢) شرح الأصول الخمسة ص ٥٤٦ - ٥٤٨.
(٣) هو الفخر الرازي صاحب أساس التقديس الذي رد عليه شيخ الإسلام في كتابه بيان تلبيس الجهمية.
(٤) بيان تلبيس الجهمية ١/٥٤٦، وانظر: الاستقامة ١/١٨٣.
(٥) انظر: مجموع الفتاوى ٥/٥٢٨ - ٥٣٦، مجموعة الرسائل ٥/٣٢٢، شفاء العليل ص١٥٣، والبحث ص١٤٩ - ١٥٢.
[ ١٧٧ ]
٤ - معنى الخلق عند الفلاسفة:
يقول ابن سينا: "حد الخلق: هو اسم مشترك، فيقال: خلق لإفادة وجود كيف كان، ويقال خلق لإفادة وجود حاصل عن مادة وصورة كيف كان، ويقال خلق لهذا المعنى الثاني، بعد أن يكون لم يتقدمه وجود بالقوة، كتلازم المادة والصورة في الوجود"١.
وذكر هذه المعاني الغزالي، إلا أنه قال في المعنى الثالث: "وقد يقال خلق لهذا المعنى الثاني، لكن بطريق الاختراع، من غير سبق مادة فيها قوة وجوده، وإمكانه"٢.
وبتأمل معاني الخلق التي ذكرها ابن سينا، وذكرها الغزالي على أنها حد للخلق عند الفلاسفة، نجد أنها مبهمة، ليس فيها توضيح لمعنى الخلق، بل فيها أن الخلق يعني إفادة الوجود، دون سبق بالعدم، أو ذكر للخالق، وهذا ظاهر البطلان.
يقول شيخ الإسلام - ﵀ - عن تعريف الفلاسفة للخلق: "وقد فسروا لفظ الخلق بثلاثة معان، ليس فيها واحد هو المراد في كلام الله - تعالى -، ورسوله، والمؤمنين، فإن ما يذكرونه من إفادة وجود الملائكة بالمعنى الأول، وما يذكرونه في اختراع الأفلاك والعناصر بالمعنى "الثالث"٣، لم يُرد واحدًا منها الأنبياءُ، والمؤمنون، وذلك معلوم بالاضطرار والتواتر والإجماع، أما المعنى "الثاني"٤ فكذلك، فليس في كلام الرسل ما يثبت أن الخلق حاصل في أجسام هي مادة وصورة، بل كلامهم ينفي ذلك، وهذا بين"٥.
فهم يريدون بخلق الملائكة وهي التي يسمونها العقول والنفوس، أنها صادرة عن الله ومعلولة له، والمعلول ملازم للعلة غير متأخر عنها، فهي ليست مخلوقة ومسبوقة بالعدم، وهذا مناقض لما ورد عن خلق الملائكة في الكتاب والسنة.
ومن وجوه الرد على الفلاسفة في تحريفهم لمعنى لفظ الخلق ما يلي:
_________________
(١) الحدود لابن سينا ضمن كتاب المصطلح الفلسفي عند العرب ص٢٦٢، وانظر: معيار العلم ص٢٨٤.
(٢) معيار العلم ص٢٨٤.
(٣) هذه اللفظة ساقطة من أصول النسخ الخطية وأضاف المحقق لفظة "الثاني" هنا، والذي يظهر أنه المعنى الثالث كما أثيته.
(٤) هذه اللفظة موجودة في أصول النسخ الخطية للكتاب، وهي صحيحة كما يظهر، وقد عدلها المحقق لتكون الثالث، انظر: بغية المرتاد ص٢٣٨، تحقيق الدكتور موسى الدويش.
(٥) بغية المرتاد ص٢٣٧ - ٢٣٨ تحقيق الدكتور موسى الدويش، وانظر تفصيل الرد في المصدر نفسه ص٢٣٨ - ٢٤٣.
[ ١٧٨ ]
أولًا: أن القرآن والتوراة قد نصا أنه - تعالى - خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وتواترت بذلك الأحاديث، ثم اتفق عليه أهل الملل، فكيف يجوز أن يفسر بالاختراع اللازم لذاته من غير سبق مادة؟ كما ذكروه في المعنى الثالث١.
ثانيًا: أن لفظ الخلق المذكور في القرآن، يتضمن معنيين، كلاهما يناقض قولهم، يتضمن الإبداع والإنشاء المعروف، ويتضمن التقدير، وعندهم العقول والنفوس ليس لها مقدار، ولا هي أيضًا مبدعة الإبداع المعروف، والسماوات ليست مبدعة الإبداع المعروف، وقد قال - تعالى -: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان - ٢]، فذكر لفظ الخلق لكل شيء، وذكر أنه قدر كل شيء تقديرًا، والملائكة عندهم لم تقدر، بل ولم تخلق الخلق المعروف عند المسلمين، وهذا يدل على مناقضتهم للرسل أيضًا، مع كثرة أدلة ذلك باللغة التي خوطبوا بها٢.
ثالثًا: أن المعنى الثاني وهو قولهم: "يقال خلق لإفادة وجود حاصل عن مادة وصورة كيف كان"؛ يشير إلى قولهم بقدم المادة وهو قول باطل، وينفي صفة الخلق عن الله، وهذا تضليل بين، وتحريف ظاهر، يريدون به ستر قولهم بأن العالم قديم، يعني غير مخلوق الخلق المعروف.
فهذا مما يرد به على الفلاسفة في المعاني الفاسدة التي ضمنوها للفظ الخلق، حيث إنه بفهم معنى الخلق في الشرع، يتبين أنه لفظ لا اشتراك فيه، فخلق الملائكة هو نفس معنى خلق الإنسان، وغيره من المخلوقات، وهو إنشاؤها من العدم وفق تقدير الله السابق لها.
_________________
(١) انظر: بغية المرتاد ص٢٣٩.
(٢) انظر: المرجع السابق ص ٢٤٠ - ٢٤١، الصفدية ١/٢٤٠.
[ ١٧٩ ]
الإبداع
١ - الإبداع في اللغة:
قال الخليل: "البَدْع إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق، ولا ذكر، ولا معرفة. والله بديع السموات، والأرض، ابتدعهما، ولم يكونا قبل ذلك شيئًا يتوهمهما متوهم، وبدع الخلق. والبِدْع الشيء الذي يكون أولًا في كل أمر، كما قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف - ٩] أي لست بأول مرسل.. والبدعة اسم ما ابتدع من الدين وغيره، ونقول لقد جئت بأمر بديع، أي مبتدع عجيب، وابتدعت جئت بأمر مختلف لم يعرف"١. وقال الجوهري: "أبدعت الشيء، اخترعته لا على مثال"٢.
فالإبداع إحداث الشيء بعد أن لم يكن له خلق ولا ذكر، وعلى نحو غير مسبوق.
٢ - معنى الإبداع عند أهل السنة:
ورد في كتاب الله - تعالى - قوله - سبحانه -: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة - ١١٧، الأنعام - ١٠١]، والبديع هو المبدع أي المنشيء، والمحدث، مالم يسبقه إلى إنشاء مثله، وإحداثه، أحد. يقول الطبري - ﵀ -:"يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، مبدعها، وإنما هو مفعل صرف إلى فعيل، كما صرف المؤلم إلى أليم، والمسمع إلى سميع، ومعنى المبدع المنشيء، والمحدث، مالم يسبقه إلى إنشاء مثله، وإحداثه، أحد. ولذلك سمي المبتدع في الدين مبتدعًا لإحداثه فيه ما لم يسبقه إليه غيره، وكذلك كل محدث فعلًا أو قولًا لم يتقدمه فيه متقدم فإن العرب تسميه مبتدعا "٣.
ويقول شيخ الإسلام - ﵀ - مبينًا معنى الإبداع أنه: "خلق الشيء على غير مثال"٤،
_________________
(١) العين ٢/٥٤، وانظر: الصحاح ٣/١١٨٣ - ١١٨٤، لسان العرب ٨/٦، المصباح المنير ١/٣٨.
(٢) الصحاح ٣/١١٨٣، وانظر: معجم مقاييس اللغة ١/٢٠٩.
(٣) تفسير الطبري ١/٥٠٨.
(٤) درء التعارض ٧/٣٦٩.
[ ١٨٠ ]
وقال - ﵀ -: "والإبداع خلق الشيء بمشيئة الخالق وقدرته، مع استقلال الخالق به، وعدم شريك له"١.
وقال ابن القيم - ﵀ -:"الإبداع إيجاد المبدع على غير مثال سبق"٢. وقد سبق أن ذكرت أن الخلق هو الإبداع بتقدير٣. فالإبداع يفسر بالخلق والخلق يفسر بالإبداع، أي أنه - سبحانه - يخلق بإبداع.
وقال ابن القيم - ﵀ -:"وكذلك مبدع الشيء، وبديعه، لا يصح إطلاقه إلا على الرب كقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة - ١١٧، الأنعام - ١٠١] "٤.
فالإبداع من خصائص الربوبية٥، وهو صفة فعلية للرب - تعالى - قائمة بذاته، متعلقة بقدرته ومشيئته، وتعني إنشاء الشيء وإحداثه على مثال غير مسبوق.
٣ - معنى الإبداع عند الفلاسفة:
يقول الكندي: "الإبداع هو إظهار الشيء عن ليس"٦.
ويقول ابن سينا: "حد الإبداع هو اسم مشترك لمفهومين؛ أحدهما تأسيس الشيء لا عن شيء ولا بواسطة شيء. والمفهوم الثاني أن يكون للشيء وجود مطلق عن سبب بلا متوسط وله في ذاته أن لا يكون موجودًا وقد أفقد الذي له من ذاته إفقادًا تامًا"٧.
قال الغزالي بعد أن ذكر التعريف السابق:" وبهذا المفهوم العقل الأول مبدع في كل حال، لأنه ليس وجوده من ذاته، فله من ذاته العدم، وقد أفقد ذلك إفقادًا تامًا"٨.
ويقول ابن سينا أيضا في تعريف الإبداع: "الإبداع هو أن يكون من الشيء وجود لغيره، متعلق به فقط، دون متوسط من مادة، أو آلة، أو زمان. وما يتقدمه عدم زماني لم يستغن عن متوسط. والإبداع أعلى مرتبة من التكوين والإحداث"٩.
_________________
(١) درء التعارض ٧/٣٦٩.
(٢) شفاء العليل ص١٣٢.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى ٢/٢١١، والبحث ص١٦٨.
(٤) شفاء العليل ص١٣٢.
(٥) انظر: مجموع الفتاوى ٦/٦٧.
(٦) الحدود للكندي ضمن المصطلح الفلسفي للدكتور الأعسم ص١٩٠.
(٧) الحدود لابن سينا ضمن المصطلح الفلسفي للدكتور الأعسم ص ٢٦٢.
(٨) معيار العلم ص٢٨٩.
(٩) الإشارات لابن سينا ٣ /٩٥.
[ ١٨١ ]
فالإبداع عند الفلاسفة - باختصار - هو إيجاد شيء غير مسبوق بالعدم، وغير مسبوق بمادة أو زمان١.
٤ - نقد تعريف الفلاسفة:
أما تعريف الفلاسفة للإبداع فهو باطل من وجوه:
الوجه الأول: أنه مخالف لمعنى الإبداع في اللغة والقرآن، إذ معنى الإبداع فيهما الإنشاء من العدم.
الوجه الثاني: أن حاصل تعريفهم أن ما يطلقون عليه أنه مبدَع؛ كالعقول، والنفوس، ليس مخلوقًا الخلق المعروف، بل هي عندهم موجودة منذ الأزل، ولم تسبق بعدم فكيف تكون مبدعه؟.
وما المدح الذي يرجع إلى مبدِعها، وهي مساوقة له في الوجود - كما يقولون -؟.
الوجه الثالث: أن الإبداع من خصائص الربوبية، والفلاسفة يصفونه - تعالى - بأنه مبدع، ولكنهم أيضًا يصفون العقول بأنها مبدعة، فهم يقولون إن كل عقل أبدع ما دونه، والعقل العاشر أبدع ما تحت فلك القمر٢، فالعقول إذًا مشاركة لله في صفة الإبداع - تعالى الله عن قولهم -.
_________________
(١) انظر: كشاف اصطلاحات الفنون ١/١٣٤.
(٢) انظر: الدرء ٥/٨٢.
[ ١٨٢ ]
التأثير
١ - معنى التأثير في اللغة:
قال الخليل: "الأثر بقية ما ترى من كل شيء.. وأثر السيف ضربته، وذهبت في إثر فلان أي استقفيته"١.
وفي الصحاح: "والتأثير إبقاء الأثر في الشيء"٢.
وقال في لسان العرب:" والأثر بالتحريك ما بقي من رسم الشيء، والتأثير إبقاء الأثر في الشيء، وأثر في الشيء ترك فيه أثرًا، والآثار الأعلام"٣.
فالتأثير في اللغة إبقاء الأثر في الشيء.
٢ - معنى التأثير في الاصطلاح:
لم يرد لفظ التأثير في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ -، وورد لفظ الآثار نحو قوله - تعالى -: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الروم - ٥٠] قال الراغب: "أثر الشيء حصول ما يدل على وجوده"٤.
والتأثير اسم مشترك، قد يراد به الانفراد بالابتداع، والتوحد بالاختراع٥، وهو التأثير الذي يطلق على الرب - سبحانه - من باب الإخبار، وهو كما قال شيخ الإسلام - ﵀ -:"هو إبداع الشيء، وخلقه، وجعله موجودًا"٦.
وهو بهذا المعنى يخبر به عن الله - تعالى - ولكن لا يشتق منه اسم ولا صفة، حيث لم يرد في الكتاب أو السنة.
_________________
(١) العين ٨/٢٣٦ - ٢٣٧، وانظر: معجم مقاييس اللغة ١/٥٤، الصحاح ٢/٥٧٥.
(٢) الصحاح ٢/٥٧٦.
(٣) لسان العرب ٤/٥.
(٤) المفردات ص٦٢.
(٥) انظر: مجموع الفتاوى ٨/٣٨٩.
(٦) منهاج السنة النبوية ١/٢٧٥، وانظر: الدرء ١/٣٤٨، الصفدية١/٥٣.
[ ١٨٣ ]
وتسمية تأثير الرب في مخلوقاته فعلًا، وصنعًا، وإبداعًا، وإبداءً، وخلقًا، وبرءًا، وأمثال
ذلك من العبارات، هو مما تواتر عن الأنبياء، بل ومما اتفق عليه جماهير العقلاء١.
ولا يصح إطلاقه بهذا المعنى على قدرة العبد، وقد قالت المعتزلة بأن العبد يخلق فعل نفسه، فأثبتوا التأثير بهذا المعنى لقدرة العبد٢، وهذا باطل.
وقد يراد بالتأثير نوع معاونة، إما في صفة من صفات الفعل، أو في وجه من وجوهه - كما قاله كثير من متكلمي أهل الإثبات -، وهذا باطل بما به بطل التأثير في ذات الفعل، إذ لا فرق بين إضافة الانفراد بالتأثير إلى غير الله - سبحانه - في شيء صغير أو كبير، وهل هو إلا شرك دون شرك.
وقد يراد بالتأثير، أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود، كان بتوسط القدرة المحدثة، بمعنى أن القدرة المخلوقة، هي سبب، وواسطة، في خلق الله - ﷾ - الفعل بهذه القدرة، كما خلق النبات بالماء، وكما خلق جميع المسببات، والمخلوقات، بوسائط وأسباب وهذا حق٣.
وبهذا يتضح أن التأثير بمعنى الخلق والإبداع ينفرد به الله - تعالى -، وأن لفظ التأثير لفظ مجمل ينبغي الاستفصال عن معناه.
_________________
(١) انظر: منهاج السنة النبوية ١/٢٧٥.
(٢) انظر: المحيط بالتكليف للقاضي عبد الجبار ص٣٤٠ - ٣٤٧.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى ٨/٣٨٩.
[ ١٨٤ ]
٣ - التأثير التام:
مما يستدل به الفلاسفة على قولهم بقدم العالم، هو أن الله مؤثر تام في الأزل١. والتأثير التام لفظ مجمل، وحينما يقول الفلاسفة عن الله إنه مؤثر تام في الأزل، فلا بد من الاستفصال عن معنى ذلك:
فيقال لهم: قولكم إنه مؤثر تام في الأزل، لفظ مجمل يراد به التأثير العام في كل شيء في الأزل، ويراد به التأثير المطلق في شيء بعد شيء، ويراد به التأثير في شيء معين دون غيره.
فإن أردتم الأول، لزم أن لا يحدث في العالم حادث، وهذا خلاف المشاهدة، فهو ممتنع بضرورة الحس، والعقل، لأن الحوادث مشهودة، وأيضًا فكون الشيء مبدَعًا أزليًا ممتنع.
وإن أردتم الثاني، لزم أن يكون كل ما سوى الله مخلوقًا، حادثًا، كائنًا بعد أن لم يكن، وكان الرب لم يزل متكلمًا بمشيئته، فعالًا لما يشاء. وهذا يناقض قولكم، ويستلزم أن كل ما سواه مخلوق، ويوافق ما أخبرت به الرسل، وعلى هذا يدل العقل الصريح. فتبين أن العقل الصريح يوافق ما أخبرت به الأنبياء.
وإن أردتم الثالث، فسد قولكم، لأنه يستلزم أنه يشاء حدوثها بعد أن لم يكن فاعلًا لها، من غير تجدد سبب يوجب الإحداث، وهذا يناقض قولكم.
فإن صح هذا جاز أن يحدث كل شيء بعد أن لم يكن محدثًا لشيء، وإن لم يصح هذا بطل، فقولكم باطل على التقديرين.
وحقيقة قولكم أن المؤثر التام لا يكون إلا مع أثره، ولا يكون الأثر إلا مع المؤثر التام في الزمن، وحينئذ فيلزمكم أن لا يحدث شيء، ويلزمكم أن كل ما حدث، حدث بدون مؤثر، ويلزمكم بطلان الفرق بين أثر وأثر، وليس لكم أن تقولوا بعض الآثار يقارن المؤثر التام، وبعضها يتراخى عنه٢.
والناس لهم في استلزام المؤثر أثره قولان:
فمن قال إن الحادث يحدث في الفاعل بدون سبب حادث، فإنه يقول المؤثر التام لا يجب أن يكون أثره معه بل يجوز تراخيه، ويقول إن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه
_________________
(١) انظر: الصفدية ١/٣٩.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ١٢/٤٧، الصفدية ١/٥٣، ٢/١٣٦.
[ ١٨٥ ]
بمجرد قدرته التي لم تزل، أو بمجرد مشيئته التي لم تزل، وإن لم يحدث عند وجود الحادث سبب.
والقول الثاني أن المؤثر التام يستلزم أثره، وفي معنى هذا الاستلزام قولان:
أحدهما: أن يكون معه بحيث يكون زمان الأثر المعين زمان المؤثر فهذا هو الذي تقوله المتفلسفة وهو معلوم الفساد بصريح العقل عند جمهور العقلاء.
والثاني: أن يكون الأثر عقب تمام المؤثر، وهذا يقر به جمهور العقلاء وهو يستلزم أن لا يكون في العالم شيء قديم بل كل ما فعله القديم الواجب بنفسه فهو محدث١.
فالمؤثر التام هو الذي يستلزم أثره، بحيث يكون الأثر عقب تمام المؤثر، لا معه.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١/٣٦٦ - ٣٦٧، ٤/٢٩١، ٨/٢٧٢.
[ ١٨٦ ]
الإيجاد - الموجود - الوجود
١ - معنى الإيجاد في اللغة:
يقول ابن فارس: "الواو والجيم والدال يدل على أصل واحد، وهو الشيء يُلفيه، ووجدت الضالة وجدانًا"١. ووَجَدَ مطلوبه يجِده وُجُودًا، وأوجده الله مطلوبه أي أظفره به، وأوجده الله أي أغناه. وُوجِد الشيء عن عدم فهو موجود وأوجده الله٢.
و"خلقه الله خلقًا أوجده"٣. و"كوّن الله الشيء فكان أي أوجده"٤.
و" الوجود خلاف العدم، وأوجَد الله الشيء من العدم فهو موجود، من النوادر"٥.
و"وجَدْتُ الشيء أي أصبته"٦.
والمعاني السابقة تدل على أن الإيجاد في اللغة يعني خلق الشيء بعد أن كان عدمًا، وتكوينه، وأن الموجود خلاف المعدوم، والوجود خلاف العدم، وهو الكون.
_________________
(١) ١ معجم مقاييس اللغة ٦/٨٦.
(٢) انظر: الصحاح ٢/٥٤٧، لسان العرب ٣/٤٤٥ - ٤٤٦، القاموس المحيط ص٤١٣ - ٤١٤، المصباح المنير ٢/٨٩١.
(٣) المغرب ص١٥٣.
(٤) المصباح المنير ٢/٧٤٨.
(٥) المرجع السابق ٢/٨٩١.
(٦) العين ٦/١٦٩.
[ ١٨٧ ]
٢ - معنى الإيجاد في الاصطلاح:
أ - معنى الإيجاد في اصطلاح أهل السنة:
لم يرد لفظ الإيجاد أو الوجود أو الموجود في كتاب الله، وقد ورد الفعل وجدوما تصرف منه في آيات كثيرة، والمعنى فيها قريب من بعض.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "من المعلوم أن لفظ الوجود هو في أصل اللغة مصدر وجدت الشيء أجده وجودًا، ومنه قوله - تعالى -: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء - ٤٣، المائدة - ٦] وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور - ٣٩] وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًاّ فَهَدَى﴾ [الضحى - ٦ - ٧] وأمثال ذلك، فالموجود هو الذي يجده الواجد كنسبة المعلوم إلى العلم، والمذكور إلى الذكر.."١.
ولا يوجد في كلام رسول الله - ﷺ - المنقول إلينا لفظ الإيجاد ولا الموجود ولا الوجود٢.
ولم يتحدث أهل السنة كثيرًا عن لفظ الإيجاد لأن له مرادفًا شرعيًا واردًا في الكتاب والسنة وهو لفظ الخلق، ومما ذكره أهل السنة عن لفظ الإيجاد؛ قول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "ولفظ الوجود قد يعنى به المصدر، إما مصدر وَجَد يَجِد وجودًا، أو مصدر أوجده الله، أو مصدر وجدته أجده وجودًا. لكن ليس المراد في هذا المقام مسمى المصادر فإن إيجاد الله للخلق هو خلقه لهم، وهذا عند الأكثرين هو فعل غير المخلوقين، وعند كثير من النظار الخلق هو المخلوق"٣.
فالإيجاد هو خلق المخلوقات. وقال ابن القيم - ﵀ -: "فالخلق الإيجاد"٤،
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ١/٣٢٨، وانظر: مفردات الراغب ص ٨٥٤ - ٨٥٥.
(٢) وذلك حسب اطلاعي.
(٣) الصفدية ٢/١٩٠.
(٤) شفاء العليل ص٦٥.
[ ١٨٨ ]
وقال: "وأما الجعل فقد أطلق على الله - سبحانه - بمعنيين أحدهما: الإيجاد والخلق، والثاني التصيير "١. وقد فسر ابن كثير - ﵀ - قوله - تعالى -: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك - ٢] فقال: "ومعنى الآية أنه أوجد الخلائق من العدم"٢.
ومن خلال النقول السابقة يمكن القول أن معنى الإيجاد هو الخلق، وأنه من الألفاظ التي يخبر بها عن الله - تعالى - ولكن لا يوصف به، لأن الله - تعالى - لم يصف نفسه به ولم يصفه به رسوله - ﷺ -.
يقول الإمام ابن القيم - ﵀ -: "وأما لفظ الموجد فلم يقع في أسمائه - سبحانه -، وإن كان هو الموجد على الحقيقة، ووقع في أسمائه الواجد وهو بمعنى الغني الذي له الوجد، وأما الموجد فهو مفعل من أوجد وله معنيان: أحدهما أن يجعل الشيء موجودًا وهو تعدية وجده وأوجده.. والمعنى الثاني: أوجده جعل له جدة وغنى"٣.
_________________
(١) شفاء العليل ص١٣٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٤/٤٢٢.
(٣) شفاء العليل ص١٣٢.
[ ١٨٩ ]
ب - معنى الإيجاد عند المتكلمين والفلاسفة:
يفسر كثير من المتكلمين الإيجاد بالخلق، والتكوين، والاختراع، وما في معناه، يقول الرازي: "الإيجاد عبارة عن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود"١.ويقول أيضًا: "أما الخلق بمعنى الإحداث والإيجاد فعندنا أنه - سبحانه - منفرد به"٢. ويقول ابن حزم: "إن الإيجاد هو الخلق نفسه"٣.
ومما قالوا في معنى الإيجاد: "التكوين والاختراع والإيجاد والخلق، ألفاظ تشترك في معنى وتتباين بمعان، والمشترك فيه كون الشيء موجدًا من العدم ما لم يكن موجودًا"٤.
وتفسير الإيجاد بالخلق يتفق أهل السنة فيه مع المتكلمين؛ ولكن يعود النقد إلى معنى الخلق عند المتكلمين وموقفهم من صفات الفعل، وقد سبق بيان رد أهل السنة على المتكلمين في قولهم إن الخلق هو المخلوق٥. وأما الماتريدية فيقول البزدوي٦: "إن التكوين والإيجاد صفة لله - تعالى - غير حادث بل هو أزلي"٧. وذلك لأن الماتريدية ترجع جميع صفات الفعل إلى التكوين، وقد سبق الرد على الماتريدية في قولهم بأزلية صفات الفعل، وعدم تعددها، وعدم تعلقها بمشيئة الرب٨.
أما الفلاسفة فيقول ابن رشد في كتاب تفسير ما بعد الطبيعة: "الإيجاد هو إخراج ما بالقوة إلى الفعل، فإن الكائن بالفعل هو فاسد بالقوة، وكل قوة فإنما تصير إلى الفعل من قِبَل مخرج لها هو بالفعل، فلو لم تكن القوة موجودة لما كان هاهنا فاعل أصلا، ولو لم يكن الفاعل موجودًا لما كان هاهنا شيء هو بالفعل أصلًا"٩، وقال في كتاب تهافت
_________________
(١) المسائل الخمسون ص ٢٢.
(٢) المطالب العالية ٩/١٣٧.
(٣) الفصل ٥/٥٥.
(٤) تلخيص المحصل للطوسي ص ٣١٢، وانظر الكليات ص٢٩.
(٥) انظر البحث ص ١٤٩ - ١٥٢.
(٦) هو العلامة شيخ الحنفية بعد أخيه الكبير أبو اليسر محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم بن موسى بن مجاهد البزدوي، من مؤلفاته: كتاب المبسوط في الفقه، وكتاب أصول الدين، توفي في بخارى في تاسع رجب سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة. انظر: السير١٩/٤٩، كشف الظنون٢/١٥٨١.
(٧) أصول الدين ص ٦٩ - ٧٠.
(٨) انظر: البحث ص١٤٩ - ١٥٢.
(٩) تفسير ما بعد الطبيعة لابن رشد ص١٥٠٤، وانظر: موسوعة مصطلحات الفلسفة عند العرب للدكتور جيرار جهامي ص١٤٢.
[ ١٩٠ ]
التهافت: "ليس الإيجاد شيئا إلا قلب عدم الشيء إلى الوجود"١، وهذا يشبه قول من قال إن المعدوم شيء، حيث يرون أن الشيء قبل أن يوجد فيه قوة للوجود، فإن العدم عندهم ذات ما٢، فهم يفرقون بين الوجود والثبوت، وهذا باطل، فالمعدوم ليس بشيء، فضلا عن أن يكون فيه قوة للوجود، بل وجود الشيء هو ثبوته.
وفي كتاب دستور العلماء: "الإيجاد إعطاء الوجود، وفي الإشارات إشارة إلى أنه يرادف الإبداع"٣.
وتعريف الإبداع عند ابن سينا - كما سبق -: "هو اسم مشترك لمفهومين؛ أحدهما تأسيس الشيء لا عن شيء، ولا بواسطة شيء، والمفهوم الثاني أن يكون للشيء وجود مطلق عن سبب بلا متوسط، وله في ذاته أن لا يكون موجودا وقد أفقد الذي له من ذاته إفقادا تاما "٤. والإبداع بهذا المعنى أعلى رتبة عند الفلاسفة من الإحداث والتكوين٥.فالإبداع عند الفلاسفة - باختصار - هو إيجاد شيء غير مسبوق بالعدم، وغير مسبوق بمادة أو زمان، وهذا المعنى الذي ذكره ابن سينا للإبداع باطل، يقول شيخ الإسلام - ﵀ - معلقا عليه: "ومعلوم أن هذا المعنى ليس هو المعروف من لفظ الإبداع في اللغة التي نزل بها القرآن، كما في قوله - تعالى -: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة - ١١٧، الأنعام - ١٠١] ونحو ذلك، ولفظ الخلق أبعد عن هذا المعنى، فإن هذا المعنى يعلم بالاضطرار أنه ليس هو المراد بلفظ الخلق في القرآن والسنة"٦.
كما يفسر الفلاسفة الإحداث بالإيجاد، وهو أقل رتبة من الإبداع، ويتبين أنواع الإيجاد عندهم إذا نظرنا إلى معنى الإحداث الذي ذكروه، فالإحداث عندهم نوعان٧:
١ - الإحداث الزماني: وهو إيجاد شيء بعد أن لم يكن له وجود في زمان سابق.
_________________
(١) تهافت التهافت ص٩١.
(٢) انظر: المرجع السابق ص٧٧.
(٣) موسوعة مصطلحات دستور العلماء ص١٩١.
(٤) الحدود ضمن كتاب المصطلح الفلسفي ص٢٦٢، وانظر: معيار العلم ص٢٨٤.
(٥) انظر: الإشارات لابن سينا ٣/٩٥.
(٦) بغية المرتاد ص٢٣٧.
(٧) انظر: الحدود لابن سينا ضمن كتاب المصطلح الفلسفي ص٢٦٢.
[ ١٩١ ]
٢ - الإحداث غير الزماني: وهو إفادة الشيء وجودًا، وليس له في ذاته ذلك الوجود لا بحسب زمان دون زمان، بل في كل زمان.
والإحداث بالمعنى الأول هو إيجاد المخلوقات المشاهد حدوثها. ويقصدون بالنوع الثاني العقول فإنها مبدعة عندهم، كما أن العالم مبدع عندهم، وهو يعني قدم العالم، وقدم العقول، وهذا المعنى ظاهر البطلان، فقدم العالم يناقض كون الله أوجده؛ لأن الإيجاد للشيء لابد أن يكون مسبوقا بالعدم.
٣ - معنى الموجود والوجود:
الموجود يطلقه أهل العلم والنظر على ما هو كائن ثابت؛ لكونه يجده الواجد. وتارة يطلقونه من غير أن يستشعر فيه وجود واجد له لا بالفعل ولا بالاستحقاق. والوجود عندهم يراد به الكون والثبوت والحصول، وتارة يراد به الموجود١.
يقول الباقلاني: "والموجود هو الشيء الكائن الثابت "٢. أما الوجود فيعرفه الرازي بأنه: "حصول الشيء وتحققه وثبوته"٣. قال شيخ الإسلام - ﵀ -:" والوجود هو الثبوت"٤.
ويبين شيخ الإسلام - ﵀ - المراد بهذا اللفظ فيقول: "من المعلوم أن لفظ الوجود هو في أصل اللغة مصدر وجدت الشيء أجده وجودا، ومنه قوله - تعالى -: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء - ٤٣، المائدة - ٦] ..فالموجود هو الذي يجده الواجد، كنسبة المعلوم إلى العلم، والمذكور إلى الذكر..وهذا الاسم إنما يستحقه من يكون موجودا لواجد يجده؛ لكن هم في مثل هذا قد يقولون مشهود ومرئي وموجود، ونحو ذلك: لما يكون بحيث يشهده الشاهد، ويراه الرائي، ويجده الواجد؛ وإن تكلموا بذلك في الوقت الذي لا يكون فيه يشهده، ويراه، ويجده غيره. وقد لا يقولون هذا إلا في الوقت الذي يشهده الشاهد ويراه الرائي، ويجده الواجد، وكثيرًا ما يقصدون به المعنى الأول، فيطلقون الموجود على ما هو كائن ثابت لكونه بحيث يجده الواجد.
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهميه ١/٣٢٩، الصفدية ١/١١٩.
(٢) الإنصاف ص١٥، وانظر: شرح الأصول الخمسه ص١٧٥، الصحايف الإلهية ص٩٦.
(٣) المباحث المشرقية ١/١٣٣، وانظر: شرح المقاصد ١/٢٩٥.
(٤) الجواب الصحيح ٤/٣٠٠.
[ ١٩٢ ]
وكذلك لفظ الوجود يريدون بها تارة المصدر الذي هو الأصل فيها، ويريدون بها تارة المفعول: أي الموجود، كما في لفظ الخلق ونحوه، وكذلك لفظ الفعل؛ فإنهم يقولون وجد هذا، وهذا صيغة فعل مبني للمفعول، فقد يريدون بذلك أنه وجده واجد، وقد يريدون بذلك أنه كان وحصل حتى صار بحيث يجده الواجد، ثم لما صار هذا المعنى هو الغالب في قصدهم، صار لفظ الموجود عندهم، والوجود، يراد به الثبوت، والكون، والحصول، من غير أن يستشعر فيه وجود واجد له لا بالفعل ولا بالاستحقاق، فهذه ثلاثة معان، لكن غروب هذا المعنى عن الذهن إنما كان لما لم يقصد الناطق إلا نفس الكون والثبوت، وإن كان المعنى الآخر لازم له"١.
فلا يجوز أن يسمى بالموجود ما يكون حيث لا يجده الواجد، ولا يستعمل لفظ موجود ووجدته فيما لا يحس ولا يمكن الإحساس به ألبتة٢.
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية ١/٣٢٨ - ٣٢٩. وانظر: الصفدية ١/١١٩.
(٢) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٣٢٩ - ٣٣٠.
[ ١٩٣ ]
٤ - الوجود المطلق:
الوجود المطلق الذي قال به الفلاسفة المتأخرون، وملاحدة الصوفية أنواع:
الأول: الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وهو الذي لا يتعين، ولا يتخصص بحقيقة يمتاز بها عن سائر الموجودات، بل حقيقته وجود محض مطلق، بشرط نفي جميع القيود والمعينات والمخصصات١. وذلك كإنسان مطلق بشرط الإطلاق، وحيوان مطلق بشرط الإطلاق، وهذا لا يكون إلا في الأذهان دون الأعيان٢.
الثاني: الوجود المطلق بشرط سلب الأمور الثبوتية، كما هو قول ابن سينا وأتباعه، ويعبرون عن هذا بأن وجوده ليس عارضًا لشيء من الماهيات والحقائق٣.
الثالث: الوجود المطلق لا بشرط الإطلاق، وهو قول ملاحدة الصوفية، حيث جعلوا الله هو الوجود من حيث هو هو، مع قطع النظر عن كونه واجبًا وممكنًا، وواحدًا وكثيرًا٤.
٥ - الرد على القائلين بأن الوجود الواجب هو الوجود المطلق:
عندما قسم ابن سينا الوجود إلى واجب وممكن، ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، فلم يمكنه أن يجعل هذا الوجود المنقسم إلى واجب وممكن، هو الوجود الواجب، فجعل الوجود الواجب، هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، أو بشرط سلب الأمور الثبوتية، وقوله هذا يعني نفي وجود الله، وبيان ذلك من وجوه:
أولًا: أن يقال الوجود المطلق بشرط الإطلاق، أو بشرط سلب الأمور الثبوتية، أو لا بشرط، مما يعلم بصريح العقل انتفاؤه في الخارج، وإنما يوجد في الذهن. وهذا مما قرروه في منطقهم اليوناني، وبينوا أن المطلق بشرط الإطلاق؛ كإنسان مطلق بشرط الإطلاق، وحيوان مطلق بشرط الإطلاق، لا يكون إلا في الأذهان دون الأعيان. ولما أثبت قدماؤهم الكليات المجردة عن الأعيان، التي يسمونها المثل الأفلاطونية، أنكر ذلك حذاقهم، وقالوا هذه لا تكون إلا في الذهن٥.
_________________
(١) انظر: شرح العقيدة الأصفهانية ص ٥٢، درء التعارض ٣/٤٣٩.
(٢) انظر: درء التعارض ١/٢٨٦.
(٣) انظر: المرجع السابق ١/٢٨٧.
(٤) انظر: المرجع السابق ١/٢٩٠.
(٥) انظر: المرجع السابق ١/٢٨٦.
[ ١٩٤ ]
ثانيًا: أن الذين ادعوا ثبوت هذه الكليات في الخارج مجردة، قالوا إنها مجردة عن الأعيان المحسوسة، ويمتنع عندهم أن تكون هذه هي المبدعة للأعيان، بل يمتنع أن تكون شرطًا في وجود الأعيان، فإنها إما أن تكون صفة للأعيان، أو جزءًا منها، وصفة الشيء لا تكون خالقة للموصوف، وجزء الشيء لا يكون خالقًا للجملة١.
ثالثًا: أنه إذا جعل وجود الرب مطلقًا بشرط الإطلاق، لم يجز أن ينعت بنعت يوجب امتيازه، فلا يقال هو واجب بنفسه، ولا ليس بواجب بنفسه، فلا يوصف بنفي، ولا إثبات، لأن هذا نوع من التمييز والتقييد، وهذا حقيقة قول القرامطة الباطنية الذين يمتنعون عن وصفه بالنفي والإثبات. ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنع، كما أن الجمع بين النقيضين ممتنع، وأما إذا قيد بسلب الأمور الثبوتية، دون العدمية، فهو أسوأ حالًا من المقيد بسلب الأمور الثبوتية والعدمية، فإنه يشارك غيره في مسمى الوجود، ويمتاز عنه بأمور وجودية، وهو يمتاز عنها بأمور عدمية، فيكون كل من الموجودات أكمل منه. فلزمهم أن يكون الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم، هو الممتنع الذي لا يتصور وجوده في الخارج، وإنما يقدره الذهن تقديرًا، كما يقدر كون الشيء موجودًا معدومًا، أو لا موجودًا ولا معدومًا. فلزمهم الجمع بين النقيضين والخلو عن النقيضين، وهذا من أعظم الممتنعات باتفاق العقلاء٢.
رابعًا: أن المطلق لا بشرط، كالإنسان المطلق لا بشرط، يصدق على هذا الإنسان، وهذا الإنسان، وعلى الذهني والخارجي، فالوجود المطلق لا بشرط يصدق على الواجب والممكن، والواحد والكثير، وحينئذ فهذا الوجود المطلق ليس موجودًا في الخارج مطلقًا بلا ريب٣.
فمن وصف الله بأنه وجود مطلق، فقد جعل الله ممتنع الوجود - تعالى الله عن قولهم -.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١/٢٨٦ - ٢٨٧.
(٢) انظر: المرجع السابق ١/٢٨٨ - ٢٨٩.
(٣) انظر: المرجع السابق ١/٢٩٠.
[ ١٩٥ ]
الماهية
١ - معنى الماهية في اللغة:
الماهية في تحليلها اللغوي، مأخوذة عن ما هو، بإلحاق ياء النسبة، وحذف إحدى اليائين للتخفيف، ثم التعليل، وإلحاق التاء للنقل من الوصفية إلى الإسمية. وقيل: ألحق ياء النسبة بما هو، وحذف الواو، وألحق تاء التأنيث١.
والماهية من الأسماء المولدة، وهي المقول في جواب ما هو؟ بما يصور الشيء في نفس السائل٢. وفي المعجم الوسيط: "ماهية الشيء كنهه وحقيقته، أخذت من النسبة إلى ما هو أو ما هي "٣.
فالماهية هي ما يصور الشيء في نفس السائل، وهي كنه الشيء وحقيقته.
_________________
(١) انظر: كشاف اصطلاحات الفنون ٢/١٣١٣، موسوعة مصطلحات جامع العلوم ص٧٨٩.
(٢) انظر: الرد على المنطقيين ص٦٥.
(٣) المعجم الوسيط ٢/٨٩٢.
[ ١٩٦ ]
٢ - معنى الماهية في الاصطلاح:
أ - معنى الماهية عند أهل السنة، وسائر أهل الإثبات:
لم يرد لفظ الماهية في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ -، ولم ينقل عن أحد من الصحابة، والتابعين، استخدامهم هذا اللفظ.
والماهية - كما يقول شيخ الإسلام - هي: "المقول في جواب ما هو، بما يصور الشئ في نفس السائل، وهو الثبوت الذهني"١، أو "هي ما يرتسم في النفس من الشيء"٢، وهذا هو الغالب على لفظ الماهية، سواء كان ذلك المقول موجودًا في الخارج، أو لم يكن، فصار بحكم الاصطلاح أكثر ما يطلق الماهية على ما في الذهن، ويطلق الوجود على ما في الخارج، وهذا أمر لفظي اصطلاحي.
وقد يراد بالماهية ما هو موجود في الخارج٣، فتكون بمعنى ذات الشيء، ووجوده في الخارج، وحقيقته الثابتة في نفس الأمر٤.
وإذا قيد وقيل الوجود الذهني، كان هو الماهية التي في الذهن. وإذا قيل ماهية الشيء في الخارج، كان هو عين وجوده الذي في الخارج. فوجود الشيء في الخارج، عين ماهيته في الخارج، كما اتفق على ذلك أئمة النظار المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة، وسائر أهل الإثبات، من المتكلمة الصفاتية، وغيرهم، كأبي محمد بن كلاب، وأبي الحسن الأشعري، وأبي عبد الله بن كرام، وأتباعهم٥.
فلفظ الماهية يراد به ما في النفس والموجود في الخارج، ولفظ الوجود يراد به بيان ما في النفس والموجود في الخارج. فمتى أريد بهما ما في النفس، فالماهية هي الوجود. وإن أريد بهما ما في الخارج، فالماهية هي الوجود أيضا. وأما إذا أريد بأحدهما ما في النفس، وبالآخر ما في الوجود الخارج، فالماهية غير الوجود٦.
_________________
(١) الرد على المنطقيين ص ٦٥.
(٢) المرجع السابق ص٦٧.
(٣) انظر: المرجع السابق ص٦٧.
(٤) انظر: درء التعارض ١/٢٩٣.
(٥) انظر: الرد على المنطقيين ص٦٥بتصرف، مجموعة الرسائل ٤/١٩، التدمرية ص١٢٩، درء التعارض ٥/١٠٢ - ١٠٣.
(٦) انظر: الرد على المنطقيين ص٦٧بتصرف، التدمرية ص١٢٩، مجموع الفتاوى ٩/٩٨ - ٩٩.
[ ١٩٧ ]
فالماهية إذًا بحكم الاصطلاح الغالب هي الثبوت الذهني، أو ما يرتسم في النفس من الشيء، وقد يراد بها ماهية الشيء في الخارج فتكون عين وجوده، وحقيقته الثابتة في نفس الأمر. وبناء على ذلك لا يوجد ماهية قائمة بنفسها في الخارج، زائدة على وجود الشيء.
ب - معنى الماهية عند الفلاسفة:
الماهية عند الفلاسفة مابه يجاب عن السؤال بما هو، وربما تفسر بما به الشيء هو هو١، وهذا التعريف يتفق جزؤه الأول مع تعريف أهل السنة السابق. قال الغزالي: "والماهية إنما تتحقق بمجموع الذاتيات المقومة للشيء"٢.
والماهية عندهم هي الحقيقة المعراة عن الأوصاف في اعتبار العقل٣. حيث يرى الفلاسفة أن الماهية لها حقيقة ثابتة في الخارج غير وجودها٤.
يقول ابن سينا في الإشارات: "قد يجوز أن تكون ماهية الشيء سببًا لصفة من صفاته، وأن تكون صفة له سببًا لصفة أخرى، مثل الفصل للخاصة، ولكن لا يجوز أن تكون الصفة التي هي الوجود للشيء، إنما هي بسبب ماهيته التي ليست هي الوجود، أو بسبب صفة أخرى، لأن السبب متقدم في الوجود، ولا متقدم بالوجود قبل الوجود "٥.
وكلامه هذا مبني على أصل فاسد، وهو الفرق بين الماهية ووجودها. وقولهم إن الماهية لها حقيقة ثابتة في الخارج غير وجودها، شبيه بقول من يقول المعدوم شيء، وهو من أفسد ما يكون، وأصل ضلالهم أنهم رأوا الشيء قبل وجوده يعلم ويراد، ويميز بين المقدور عليه والمعجوز عنه، ونحو ذلك، فقالوا لو لم يكن ثابتًا لما كان كذلك. والتحقيق أن ذلك كله أمر ثابت في الذهن، والمقدر في الأذهان أوسع من الموجود في الأعيان، فالتفريق بين الوجود والثبوت، وكذلك التفريق بين الوجود والماهية، مع دعوى أن كليهما في الخارج غلط عظيم٦.
_________________
(١) انظر: موسوعة مصطلحات جامع العلوم ص٧٨٩، كشاف اصطلاحات الفنون ٢/١٣١٣.
(٢) معيار العلم ص٧٣.
(٣) انظر: موسوعة مصطلحات جامع العلوم ص٧٩٠.
(٤) انظر: الرد على المنطقيين ص٦٤.
(٥) الإشارات ٣/٣٠ - ٣٤، وانظر: الدرء ٥/١٠١ - ١٠٢.
(٦) انظر: مجموع الفتاوى ٩/٩٧ - ٩٨، المواقف ص٥٠.
[ ١٩٨ ]
ومن هنا فرقوا في منطقهم بين الماهية والوجود، وهم لو فسروا الماهية بما يكون في الأذهان، والوجود بما يكون في الأعيان، لكان هذا صحيحًا لا ينازع فيه عاقل، وهذا هو الذي تخيلوه في الأصل، لكن توهموا أن تلك الماهية التي في الذهن، هي بعينها الموجود الذي في الخارج، فظنوا أن في هذا الإنسان المعين، جواهر عقلية قائمة بأنفسها، مغايرة لهذا المعين، مثل كونه حيوانًا، وناطقًا، وحساسًا، ومتحركًا بالإرادة، ونحو ذلك. والصواب أن هذه كلها أسماء لهذا المعين، كل اسم يتضمن صفة، ليست هي الصفة التي يتضمنها الاسم الآخر، فالعين واحدة، والأسماء والصفات متعددة. وأما إثباتهم أعيانًا قائمة بنفسها، في هذه العين المعينة، فمكابرة للحس والعقل والشرع. فهذا الموجود المعين في الخارج هو هو، ليس هناك جوهران اثنان، حتى يكون أحدهما عارضا للآخر، أو معروضًا، بل هناك ذات وصفات١.
فحقيقة قول الفلاسفة في الماهية هو إثبات حقيقة في الخارج، معراة عن الأوصاف، وهذا ممتنع، إذ أقل ما يوصف به الشيء ليتحقق في الخارج، هو صفة الوجود، وهم يفرقون بين الماهية والوجود مطلقًا، وهذا باطل.
ج - معنى الماهية عند المتكلمين:
يعرف كثير من متأخري المتكلمين ماهية الشيء بأنها "مابه يجاب عن السؤال بما هو، ويفسره بما به الشيء هو هو"٢، وهذا موافق لتعريف الفلاسفة السابق، ويتضح هذا التعريف بقول الرازي عن الماهية: "إعلم أن لكل شيء حقيقة هو بها هو، وتلك الحقيقة مغايرة لجميع صفاتها، لازمة كانت، أو مفارقة..وهي في نفسها لا واحدة ولا كثيرة، ولا موجودة ولا معدومة"٣.
وفي التعريفات: "الماهية تطلق غالبا على الأمر المتعقل، مثل المتعقل من الإنسان، وهو الحيوان الناطق، مع قطع النظر عن الوجود الخارجي"٤.
_________________
(١) انظر: الدرء١/٢٨٨.
(٢) شرح المقاصد١/٣٩٩، وانظر: الكليات ص٧٥٢، ٨٦٣، كشاف اصطلاحات الفنون ٢/١٣١٣، التعريفات ص٢٤٧.
(٣) المباحث المشرقية ١/١٣٩ - ١٤٠، وانظر: المواقف ص٥٩، شرح المقاصد ١/٤٠٠ - ٤٠١.
(٤) التعريفات ص٢٤٧، وانظر: المعجم الفلسفي للدكتور صليبا ٢/٣١٥.
[ ١٩٩ ]
ويخص المتكلمون الماهية بحقيقة الشيء الكلي، وأما حقيقة الجزئي فتسمى هوية١. والماهية وفقا لهذه التعريفات زائدة على الوجود، ومغايرة له وهو مذهب الفلاسفة. في حين يرى أبو الحسن الأشعري وأبو الحسين البصري٢ أن الوجود نفس الماهية٣.
يقول شيخ الإسلام - ﵀ - معلقًا على هذه الأقوال: "فمن قال إن وجود كل شيء عين ماهيته كما يقوله متكلمو أهل الأثبات، فقد أصاب، إذا أراد أن الوجود الثابت في الخارج، هو الماهية الثابتة في الخارج، ومن قال إن وجود كل شيء غير ماهيته، كما يقوله أبو هاشم بن الجبائي وأمثاله، فقد أصابوا إن أرادوا أن الوجود الثابت في الخارج، مغاير للماهية الثابتة في الذهن، وأما إن أرادوا ما هو المعروف من مذهبهم، أن في الخارج ماهيات ثابتة، وهو المعدوم الثابت في حال عدمه، وأن الوجود صفة لتلك الماهية، فهذا خطأ "٤.
٣ - ثبوت الماهية لله:
إن لكل موجود حقيقة تخصه يتميز بها عما سواه، ويباين بها غيره، وهذه الحقيقة هي حقيقة الربوبية، وبنفيها ضل الجهمية من المعتزلة، والفلاسفة، وأمثالهم، وهي الماهية التي أثبتها ضرار، وأبو حنيفة، وغيرهما من الكوفيين، وخالفهم في ذلك معتزلة البصرة، وعلى إثباتها أئمة السنة والجماعة، من السلف والخلف، ولهذا ينفون العلم بماهيه الله وكيفيته فيقولون لا تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته ببال.
ومن نفاها من المنتسبين إلى السنة وغيرهم قال ليس له ماهية فتجري في مقال، ولا له كيفيه فتخطر ببال. والأول هو المأثور عن السلف والأئمة، ويدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول٥.
_________________
(١) انظر: شرح المقاصد ١/٤٠٠، الصحايف الإلهية ص٩٧.
(٢) أبو الحسين محمد بن علي الطيب البصري، من متأخري المعتزلة ومن أئمتهم، توفي سنة ٤٣٦هـ، انظر ترجمته في: وفيات الأعيان ٣/٤٠١ - ٤٠٢، شذرات الذهب ٣/٢٥٩.
(٣) انظر: المواقف ص٤٨.
(٤) الصفدية ١/١٢٠، وانظر: الدرء ٥/١٠٢ - ١٠٣.
(٥) انظر: جامع الرسائل تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم ص١٧٢ - ١٧٣، بيان تلبيس الجهمية ١/٣٤٧.
[ ٢٠٠ ]
وإذا كان المخلوق المعين، وجوده الذي في الخارج، هو نفس ذاته، وحقيقته، وماهيته، التي في الخارج، ليس في الخارج شيئان، فالخالق - تعالى - أولى أن تكون حقيقته، هي وجوده الثابت، الذي لا يشركه فيه أحد، وهو نفس ماهيته، التي هي حقيقته الثابتة في نفس الأمر١.
وقد ذهب جمهور المتكلمين إلى امتناع إطلاق الماهية على الله - تعالى - لإشعاره بالجنسية٢. كما نفى الفلاسفة الماهية عن الله - تعالى - لاستلزامها التركيب - بزعمهم - ٣، وشبهة الفريقين باطلة، لأن الماهية هي الحقيقة والوجود، فنفيها يستلزم نفي وجود الشيء. وعلى أصل الفلاسفة، وجمهور المتكلمين، فإن إثبات الصفات عمومًا، يستلزم التركيب، ولهذا قالوا بنفي الصفات، وهو قول ظاهر الفساد.
_________________
(١) انظر: الدرء١/٢٩٣.
(٢) انظر: شرح المقاصد ٤/٥٣، الكليات ص٨٦٤.
(٣) انظر: النجاة ٢/١٠٨، موسوعة مصطلحات جامع العلوم ص٧٩٠.
[ ٢٠١ ]
القِدَم
١ - معنى القِدَمُ في اللغة:
جاء في العين: "القَدَم ما يطأ عليه الإنسان، من لدن الرسغ فما فوقه، والقُدْمة والقَدَم أيضا السابقة في الأمر.. والقِدَم مصدر القديم من كل شيء، وتقول قَدُمَ يَقْدُم، وقَدَم فلان قومه، أي يكون أمامهم..والقُدُم المضي أمام أمام، وتقول يمضي قدما أي لا ينثني، والقُدوم الرجوع من السفر "١.
وقال ابن فارس: "القاف والدال والميم، أصل صحيح، يدل على سبق ورعف٢، ثم يفرع منه ما يقاربه، يقولون: القِدم خلاف الحدوث، ويقال: شيء قديم، إذا كان زمانه سالفًا"٣.والمُقَدَّم نقيض المؤخر، وقُدَّام: نقيض وراء٤.
فالقِدَم، مصدر القديم، وهو يعني السبق، والتقدم على الغير، كما يأتي في مقابل الحدوث.
٢ - معنى القدم في الشرع:
ورد لفظ القديم في القرآن الكريم، والقَدَم، والفعل منه بتصريفات عدة، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس - ٣٩]، وقوله - تعالى -: ﴿وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس - ٢]، ونحوها. قال الراغب: "وأكثر ما يستعمل القديم باعتبار الزمان نحو ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس - ٣٩]، وقوله ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس - ٢] أي سابقة فضيلة "٥. ومن السنة قوله - ﷺ -: "إن النذر لا يقدم شيئًا، ولا يؤخر، وإنما يستخرج بالنذر من البخيل" ٦.
_________________
(١) العين ٥/١٢٢، وانظر: الصحاح ٥/٢٠٠٦، لسان العرب ١٢/٤٦٧.
(٢) الرعف يعني السبق والتقدم، انظر: معجم مقاييس اللغة ٢/٤٠٥.
(٣) معجم مقاييس اللغة ٥/٦٥، وانظر: الصحاح ٥/٢٠٠٧، لسان العرب ١٢/٤٦٥.
(٤) انظر: الصحاح ٥/٢٠٠٨، لسان العرب ١٢/٤٦٦، ٤٦٩.
(٥) المفردات ص٦٦١.
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب الوفاء بالنذر ٤/٢٢٧، ح ٦٦٩٢، ومسلم في كتاب النذر باب النهي عن النذر وأنه لا يرد شيئًا ٣/١٢٦١، ح ١٦٣٩.
[ ٢٠٢ ]
فالقديم في الكتاب والسنة، يدل على السبق، والتقدم في الزمان، قال شيخ الإسلام عن لفظ القديم: "وأما لفظ القديم فهو في اللغة المشهورة، التي خاطبنا بها الأنبياء، يراد به ما كان متقدمًا على غيره تقدمًا زمانيًا، سواء سبقه عدم، أو لم يسبقه"١.
والأول الذي لم يزل موجودًا هو أحق بلفظ القدم من المسبوق بالعدم٢.
وقال شيخ الإسلام - ﵀ -: "ولفظ القديم والأزلي فيه إجمال؛ فقد يراد بالقديم الشيء المعين، الذي ما زال موجودًا ليس لوجوده أول، ويراد بالقديم الشيء الذي يكون شيئًا بعد شيء، فنوعه المتوالي قديم وليس شيء منه بعينه قديمًا، ولا مجموعه قديم، ولكن هو في نفسه قديم بهذا الاعتبار "٣.
فالقديم إذًا لفظ مجمل، قد يراد به الذي مازال موجودًا ليس لوجوده أول، المتقدم على غيره مطلقًا دون أن يسبقه عدم، وقد يراد به المتقدم على غيره، وإن غيرًا آخر متقدم عليه، وهذا يكون مسبوقًا بالعدم. وهو بالمعنى الأول يخبر به عن الله - ﷿ -، ولكن لا يعتبر من أسمائه وصفاته التي يدعى بها، لأن الله لم يسم نفسه به، ولم يصفه به رسوله - ﷺ
_________________
(١) الجواب الصحيح ٤/٤٨٣، وانظر: الدرء ١/٣٧٤، شرح الطحاوية ١/٧٧ - ٧٨.
(٢) انظر: الصفدية٢/٨٤.
(٣) المرجع السابق ٢/٤٧.
[ ٢٠٣ ]
٣ - معنى القدم في اصطلاح المتكلمين:
القديم في اصطلاح المتكلمين هو الذي لا أول لوجوده، أو الشيء الذي لم يسبق بعدم، وتنازعوا في المتقدم على غيره هل يسمى قديم حقيقةً، أم مجازًا؟ على قولين١.
يقول الباقلاني: "فالقديم هو المتقدم في الوجود على غيره، وقد يكون لم يزل، وقد يكون مستفتح الوجود"٢. وقال الجويني: "ذهب بعض الأئمة إلى أن القديم هو الذي لا أول لوجوده، وقال شيخنا - رحمة الله عليه - كل موجود استمر وجوده وتقادم زمنًا متطاولًا، فإنه يسمى قديمًا في إطلاق اللسان، قال الله - تعالى -: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس - ٣٩] "٣.
وقال القاضي في معنى القديم: "وأما في اصطلاح المتكلمين: فهو ما لا أول لوجوده "٤.
وقال الرازي: "واعلم أن القديم هو الذي لا أول لوجوده، وقد يراد به: الذي طالت مدة وجوده"٥.
ويرى كثير من المعتزلة أن القديم هو أخص وصف للإله٦.كما أن كثيرًا من المتكلمين أدخلوا لفظ القديم في أسماء الله٧.
أما المتأخرون من المتكلمين أمثال الرازي والآمدي، فقد وافقوا الفلاسفة في تعريف القديم، وسيأتي شرح ذلك عند لفظ قدم العالم.
٤ - نقد تعريف المتكلمين، وموقفهم من لفظ القديم:
يرى بعض المتكلمين أن القديم هو المتقدم الذي لم يسبقه عدم، كما جعله عموم المتكلمين من أسماء الله - تعالى، ويرى المعتزلة أن لفظ القديم أخص صفات الإله، وبنوا
_________________
(١) انظر: الصفدية ٢/٨٤، الشامل لأبي المعالي ص١٣٧، الجواب الصحيح لابن تيمية ٣/٢٦٩، مجموع الفتاوى ١/٢٤٥.
(٢) التمهيد ص٤١.
(٣) الإرشاد ص٣٢، وانظر: الأسماء والصفات للبيهقي ص٢٣.
(٤) شرح الأصول الخمسة ص١٨١، وانظر: المغني ٤/٢٥٠.
(٥) المطالب العالية ٣/٢٤٧.
(٦) انظر: شرح الأصول الخمسة ص١٨١، مجموع الفتاوى ٣/٧٠، درء التعارض ٥/٤٩ - ٥٠، شرح المقاصد ٢/٩.
(٧) انظر: شرح أسماء الله الحسنى ص٣٥٨.
[ ٢٠٤ ]
على ذلك شبهتهم في نفي الصفات، حيث قالوا إن إثبات الصفات يستلزم تعدد القدماء، وهذا باطل. وقد رد عليهم أهل السنة في ذلك، ومن الوجوه التي ردوا بها عليهم:
أولًا: لقد أخطأ بعض المتكلمين عندما حصروا معنى القدم في الذي لم يسبقه عدم، أو الشيء الذي لا أول له. إذ لفظ القديم في اللغة يراد به المتقدم على غيره، وإن كان مسبوقا بالعدم. يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "والواجب على من أراد أن يعرف مراد المتكلم أن يرجع إلى لغته، وعادته التي يخاطب بها، لا يفسر مراده بما اعتاده هو من الخطاب، فما أكثر ما دخل من الغلط في ذلك على من لا يكون خبيرا بمقصود المتكلم ولغته، كما أصاب كثيرا من الناس في قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء - ٢] فإنهم ظنوا أن المحدث والقديم في لغة العرب، التي نزل بها القرآن، هو المحدث والقديم في اصطلاح المتكلمين، هو ما لا أول لوجوده وما لم يسبقه عدم، فكل ما كان بعد العدم فهو عندهم محدث، وكل ما كان لوجوده ابتداء فهو عندهم محدث، ثم تنازعوا فيما تقدم على غيره، هل يسمى قديمًا حقيقةً، أو مجازًا، على قولين لهم. وأما اللغة التي نزل بها القرآن، فالقديم فيها خلاف المحدث، وهما من الأمور النسبية، فالشيء المتقدم على غيره قديم بالنسبة إلى ذلك المحدث، والمتأخر محدث بالنسبة إلى ذلك القديم، وإن كانا كلاهما محدثين بالنسبة إلى من تقدمهما، وقديمين بالنسبة إلى من تقدماه، ولم يوجد في لغة القرآن لفظ القديم مستعملًا إلا فيما يقدم على غيره، وإن كان موجودًا بعد عدمه، لكن ما لم يزل موجودًا هو أحق بالقدم"١. فإطلاق القديم على الأول الذي لم يسبق بعدم إطلاق صحيح، لكن لا يحصر لفظ القديم على هذا المعنى وحده.
ثانيًا: يصف كثير من المتكلمين الله بأنه قديم٢، كما أدخل المتكلمون في أسماء الله - تعالى - القديم، وليس هو من الأسماء الحسنى، فإن القديم في لغة العرب، التي نزل بها القرآن، هو المتقدم على غيره، فيقال هذا قديم للعتيق، وهذا حديث للجديد، ولم يستعملوا هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم. وقد أنكر ذلك على أهل الكلام كثير من السلف والخلف منهم ابن حزم. ولا ريب أنه إذا كان لفظ القديم مستعملًا في نفس التقدم، فإن ما تقدم على الحوادث كلها، فهو أحق بالتقدم من غيره،
_________________
(١) الصفدية ٢/٨٤ وانظر مجموع الفتاوى ١٢/١٠٥.
(٢) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي ص٢٣، المفردات للراغب ص٦٦١.
[ ٢٠٥ ]
لكن أسماء الله - تعالى - هي الأسماء الحسنى، التي تدل على خصوص ما يمدح به، والتقدم في اللغة مطلق، لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، فلا يكون من الأسماء الحسنى، وجاء الشرع باسمه الأول، وهو أحسن من القديم، لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه وتابع له، بخلاف القديم، والله - تعالى - له الأسماء الحسنى، لا الحسنة١.
ثالثًا: أن المعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات، يقولون كل من أثبت لله صفة قديمة، فهو مشبه ممثل، فمن قال إن لله علمًا قديمًا، أو قدرةً قديمةً، كان عندهم مشبهًا ممثلًا، لأن القديم عند جمهورهم هو أخص وصف الإله، ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا، بل يقولون أخص وصفه، ما لا يتصف به غيره، مثل كونه رب العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه إله واحد، ونحو ذلك، والصفة لا توصف بشيء من ذلك، ثم من هؤلاء الصفاتية من لا يقول في الصفات أنها قديمة، بل يقول الرب بصفاته قديم، ومنهم من يقول هو قديم، وصفته قديمة، ولا يقول هو وصفاته قديمان، ومنهم من يقول هو وصفاته قديمان، ولكن يقول: ذلك لا يقتضى مشاركة الصفة له في شيء من خصائصه، فإن القدم ليس من خصائص الذات المجردة، بل من خصائص الذات الموصوفة بصفات، وإلا فالذات المجردة لا وجود لها عندهم، فضلا عن أن تختص بالقدم، وقد يقولون الذات متصفة بالقدم، والصفات متصفة بالقدم، وليست الصفات إلهًا ولا ربًا، كما أن النبي محدث، وصفاته محدثة، وليست صفاته نبيًا٢.
وبهذا يتبين ما لدى المتكلمين من أخطاء حول مفهومهم للفظ القديم.
_________________
(١) انظر: شرح الطحاوية ١/٧٧ - ٧٨، الصفدية ٢/٨٥.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ٣/٧٠، الدرء ٥/٤٩ - ٥٠، الصواعق المرسلة ٣/٩٣٨.
[ ٢٠٦ ]
الأبدية
١ - معنى الأبدية في اللغة:
يقول ابن فارس: "الهمزة والباء والدال يدل بناؤها على طول المدة وعلى التوحش، قالوا: الأبد الدهر، وجمعه آباد..والأبْدة الفَعلة تبقى على الأبد"١.
والأبد الدائم، والتأبيد التخليد، وأَبَد بالمكان يأْبِد أي أقام به، وجاء فلان بآبدة، أي بداهية يبقى ذكرها على الأبد ٢.
وقال الخليل: "وآباد الدهر طوال الدهر، والأبيد مثل الآباد"٣.
فالأبد في اللغة هو الدائم، وهو يدل على طول المدة والدوام في المستقبل.
٢ - معنى الأبدية في الشرع:
لقد ورد لفظ الأبد في القرآن الكريم في آيات كثيرة تذكر التخليد في الجنة، والتخليد في النار، ومنها قوله - تعالى -: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء - ٥٧] وآيات أخرى تذكر معنى التأبيد في أمور مختلفة نحو قوله - تعالى -: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة - ٩٥] . يقول الإمام الطبري في معنى الآية الأولى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: يقول: باقين في الجنات التي أعطاهموها أبدًا دائمًا، لهم فيها نعيم لا ينتقل عنهم ولا يزول"٤.
وجميع الآيات التي ورد فيها لفظ "أبدًا" كانت تدل على معنى الدوام في المستقبل وطول المدة، وبهذا المعنى جاءت بعض الأحاديث عن الرسول - ﷺ -، ومن ذلك قوله - ﷺ - في حديث الحوض: "ومن شرب لم يظمأ أبدًا" ٥.
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة ١/٣٤ وانظر لسان العرب ٣/٦٨ المصباح المنير ١/١.
(٢) انظر: الصحاح ٢/٤٣٩، لسان العرب ٣/٦٨ - ٦٩.
(٣) تفسير الطبري ٧/١٤٢.
(٤) قطعة من حديث أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب في الحوض ٥/٢٤٠٦، ح ٦٢١٢، ومسلم في كتاب الفضائل باب إثبات حوض رآه ﷺ وصفاته ٤/١٧٩٣ح ٢٢٩٠.
[ ٢٠٧ ]
٣ - معنى الأبدية في الاصطلاح:
تعريف الأبد في الاصطلاح موافق لمعناه في اللغة والشرع، فيعرف شيخ الإسلام الأبد بقوله: "الأبد هو الدوام في المستقبل..والأبدي هو الذي لا يزال كائنًا"١، وقال أيضًا: " الأبد عبارة عن عدم الآخرية"٢.
ويعرفه الجرجاني بتعريف موافق له في المعنى حيث يقول: "الأبد هو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب المستقبل"٣. كما يعرفه أيضًا بقوله: "الأبد هو الشيء الذي لا نهاية له"٤.
ويذكر الرازي لفظ الأبدي على أنه من أسماء الله ويقول: "ومعناه أنه لا آخر له، ولا يصير معدومًا بعد وجوده ألبتة"٥.
وفي معجم ألفاظ الصوفية: "الأبد هو ما لا نهاية له ولا آخر"٦، ويجعله الصوفية اسمًا من أسماء الله - تعالى - ٧؛ وهذا ليس بصحيح لأنه لم يرد نص بتسمية الله - تعالى - بهذا الاسم، ولكن يخبر به عن الله، فباب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات٨، ولفظ الأبد يحمل معنى الآخر الذي ليس بعده شيء.
_________________
(١) درء التعارض ٢/٢٢٥.
(٢) الصفدية ١/٦٥.
(٣) التعريفات ص ٢٧ وانظر المطالب العالية ٥/١٠٥.
(٤) التعريفات ص ٢٧ وانظر: الكليات ص ٨٠.
(٥) المطالب العالية ٣/٢٨٤.
(٦) معجم ألفاظ الصوفية للدكتور الشرقاوي ص ٢١ وانظر المعجم الصوفي للدكتور الحفني ص ١٠.
(٧) معجم ألفاظ الصوفية ص٢١.
(٨) انظر: بدائع الفوائد ١/١٦١.
[ ٢٠٨ ]
الأزلية
١ - معنى الأزلية في اللغة:
"الأزَل بالتحريك: القدم، يقال أزلي. ذكر بعض أهل العلم أن أصل هذه الكلمة قولهم للقديم: لم يزل، ثم نسب إلى هذا فلم يستقم إلا باختصار فقالوا: يزلي، ثم أبدلت الياء ألفًا لأنها أخف فقالوا: أزلي، كما قالوا في الرمح المنسوب إلى ذي يزن أزني"١.
فالأزل في اللغة يعني القدم، ولم يرد لفظ الأزل في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ -.
٢ - معنى الأزلية في الاصطلاح:
أ - معناه في اصطلاح أهل السنة:
الأزل كما يعرفه شيخ الإسلام - ﵀ - هو: "الدوام في الماضي الذي لا ابتداء له، الذي لم يسبق بعدم، الذي ما زال"١، وقال عن الأزلي: هو" الذي لم يزل كائنًا"٢. وهو بمعنى القدم، قال شيخ الإسلام: "بل معنى الأزل هو معنى القدم، ومعناه ما لا ابتداء لوجوده"٣.
ويطلق أهل السنة لفظ الأزلي على الله - تعالى - من باب الإخبار٥، لأنه يحمل معنى حسن، وهو معنى اسمه الأول، ولا يجعلونه من أسماء الله - تعالى - أو صفاته، لأنه لم يرد بذلك نص عن الله، أو عن رسوله - ﷺ -.
_________________
(١) الصحاح ٤/١٦٢٢، وانظر: معجم مقاييس اللغة ١/٩٧، لسان العرب ١١/١٤، القاموس المحيط ص١٢٤١.
(٢) الصفدية ١/٢٨٣ وانظر الدرء ٢/٢٢٥ مجموعة الرسائل ٥/٣٧١ مدارج السالكين ٢/٧٢.
(٣) درء التعارض ٢/٢٢٥.
(٤) المرجع السابق ٣/٥٨.
(٥) انظر: المرجع السابق ١/١٢٢، ١٢٥، ٣١١، ٨/١٣٣، الصفدية ٢/٢٩٥.
[ ٢٠٩ ]
ب - معنى الأزلية عند الفلاسفة والمتكلمين:
يعرف الفلاسفة والمتكلمون مصطلح الأزل بنفس المعنى الذي عرفه به أهل السنة، مع اختلاف في العبارة، إذ يعرف الكندي الأزلي بقوله: "الأزلي هو الذي لم يكن ليس، وليس بمحتاج في قوامه إلى غيره؛ والذي لا يحتاج في قوامه إلى غيره فلا علة له، وما لا علة له فدائم أبدًا"١.
ويقول ابن رشد: "ما ليس له مبدأ أول فهو أزلي ضرورة"٢. إلا أن الفلاسفة يرون أن العالم أزلي لا بداية لوجوده، وأبدي لا نهاية لآخره، ولا يتصور فساده ولا فناؤه٣، وهذا من أصول الضلال الذي ضلت به الفلاسفة، وهو مما كفروا به٤.
أما المتكلمون فيقول الرازي مبينًا معنى الأزل: "هو عبارة عن نفي الأولية"٣، وقال في معنى الأزلي: "إن الأزلي هو الذي لا يكون مسبوقًا بالعدم"٤. ويقول التفتازاني:"معنى الأزلية الاستمرار في الأزمنة المقررة الماضية غير المتناهية"٥.
ويجعل الرازي لفظ الأزلي من أسماء الله، ويدخله ضمن أسماء الذات٨، كما يجعله الصوفية من أسماء الله، ويعرفونه بمثل تعريف أهل السنة والمتكلمين، إذ يقولون في معنى الأزل: "ما لا بداية له ولا أول"٦، وأنه بمعنى القدم أيضًا١٠.
وجَعْلُ لفظ الأزل من أسماء الله ليس بصحيح، إذ لم يرد تسمية الله بالأزلي في شيء من الكتاب أو السنة، ولكن يخبر به عن الله، لأن معناه حسن إذ هو بمعنى الأول الذي ليس قبله شيء.
_________________
(١) الحدود للكندي ص ١٩٤ ضمن المصطلح الفلسفي عند العرب للدكتور الأعسم وانظر تعريفات الجرجاني ص ٣٨ موسوعة مصطلحات الفلسفية عند العرب ص ٤٠ - ٤١.
(٢) تفسير ما بعد الطبيعة لابن رشد ص ٣٠ وانظر موسوعة مصطلحات الفلسفية عند العرب ص ٤٠.
(٣) انظر: التهافت ص٥٣، فصل المقال ص٤٠ - ٤١، موسوعة الفلسفة ٦٢٢ - ٦٢٣.
(٤) سيأتي توضيح ذلك عند مصطلح قدم العالم ص ٣٧٣وما بعدها.
(٥) المباحث المشرقية ١/٧٨١ - ٧٨٢.
(٦) المطالب العالية ٤/٢٦٩ - ٢٧٠.
(٧) شرح المقاصد ٣/١١٠ وانظر التعريفات ص ٣٨.
(٨) انظر: شرح أسماء الله الحسنى للرازي ص٣٥٧ - ٣٥٩.
(٩) معجم ألفاظ الصوفية للدكتور الشرقاوي ص ٢١.
(١٠) انظر: المعجم الصوفي للدكتور الحفني ص٢٠.
[ ٢١٠ ]
الواحد بالعين
"الواحد بالعدد"
١ - معنى الواحد بالعين في اللغة:
سبق تعريف الواحد في اللغة١، أما العين فهي في اللغة حاسة الرؤية، والعين عين الماء، وعين الشمس، والعين الدينار، والعين المال الناض، والعين الجاسوس٢.
وعين الشيء خياره، وعين الشيء نفسه، يقال هو هو عينًا، وهو هو بعينه، ولا آخذ إلا درهمي بعينه، والعين حرف من حروف المعجم٣.
وعين القبلة حقيقتها، والعين عند العرب حقيقة الشيء، وعين الشيء نفسه وشخصه٤.
ومن خلال العرض السابق لمعاني العين يتبين أن العين من الألفاظ المجملة، التي تحتمل معان كثيرة متغايرة، وأقرب هذه المعاني للمعنى الاصطلاحي هو المعنى الأخير، وهو أن العين هي حقيقة الشيء، ونفسه، وشخصه.
٢ - معنى العدد في اللغة:
قال الجوهري:" عددت الشيء إذا أحصيته، والاسم العدد والعديد"٥، والعدُّ إحصاء الشيء، والعدد مقدار ما يعد، والعديد الكثرة٦.
_________________
(١) انظر البحث ص١١ - ١٣.
(٢) انظر: العين ٢/٢٥٤ - ٢٥٥، الصحاح ٦/٢١٧٠، معجم مقاييس اللغة ٤/١٩٩ - ٢٠٣.
(٣) انظر: العين ٢/٢٥٤ - ٢٥٥، الصحاح ٦/٢١٧٠، معجم مقاييس اللغة ٤/١٩٩ - ٢٠٣، المغرب ص٣٣٤، المصباح المنير ٢/٤٤٠، لسان العرب ١٣/٣٠١ - ٣٠٥.
(٤) انظر: لسان العرب ١٣/٣٠٤ - ٣٠٥، ٣٠٩.
(٥) الصحاح ٢/٥٠٥، وانظر: معجم مقاييس اللغة ٤/٢٩.
(٦) انظر: معجم مقاييس اللغة ٤/٢٩.
[ ٢١١ ]
٣ - الواحد بالعدد في الاصطلاح:
مصطلح الواحد بالعدد، أو الواحد بالعين، مصطلح مركب، وهو بهذا التركيب لم يرد في الكتاب، أو السنة، أو كلام الصحابة، وهو مصطلح حادث من قِبَل الفلاسفة، وذلك عند حديثهم عن الكثرة والوحدة، ثم استخدمه بعدهم المتكلمون، ونجد لفظ الواحد بالعدد هو المستعمل كثيرًا عند الفلاسفة والمتكلمين، بينما يعبر عنه شيخ الإسلام - ﵀ - بلفظ أكثر دقة وهو الواحد بالعين.
يعرف ابن سينا الواحد بالعدد بأنه الذي لا ينقسم إلى أعداد لها معانيه١. أما ابن رشد فيقول: "وبالجملة فإنما يقال الواحد بالعدد على كل ما انحاز بذاته، وانفرد عن غيره، إما بالحس، وإما بالوهم، وإما بذاته"١.
ويقول الآمدي: "فأما الواحد بالعدد مطلقًا، ويسمى الواحد بالذات، فعبارة عما لايقبل الانقسام والتجزئة في نفسه"٢.
كما يعرف هذا المصطلح بالواحد بالشخص؛ وعرفوه بأنه الذي يكون تصوره مانعًا من وقوع الشركة فيه كزيد٤.
_________________
(١) انظر: النجاة ٢/٧٦، معيار العلم ص ٣٢٩، شرح المقاصد٢/٣٢.
(٢) رسالة النحاة ٢/٧٦ معيار العلم ص ٣٢٩ شرح المقاصد ٢/٣٢.
(٣) المبين ص ١١٤ وانظر موسوعة مصطلحات الفلسفية عند العرب ص ٩٨٢.
(٤) انظر: كشاف اصطلاحات الفنون ٢/١٤٦٥، المعجم الفلسفي للدكتور الحفني ص٣٧٤، موسوعة مصطلحات جامع العلوم ص٩٦٦.
[ ٢١٢ ]
الواحد بالنوع
١ - معنى النوع في اللغة:
يقول الخليل بن أحمد: "النوع والأنواع جماعة كل ضرب، وصنف، من الثياب، والثمار، والأشياء، حتى الكلام"١. والنوع كلمة تدل على طائفة من الشيء، مماثلة له، والنوع من الشيء، الضرب منه٢.
والنوع أخص من الجنس، وقد تنوع الشيء أنواعًا ٣.
أما الجنس فيقول الخليل: "الجنس كل ضرب من الشيء، والناس، والطير، وحدود النحو، والعروض، والأشياء، ويجمع على أجناس"٢.
فالنوع كلمة تدل على طائفة من الشيء مماثلة له، والنوع أخص من الجنس.
_________________
(١) العين ٢/٢٥٧ وانظر المصباح المنير ٢/٦٣١ لسان العرب ٨/٣٦٤ القاموس المحيط ٩٩٣.
(٢) انظر: معجم مقاييس اللغة ٥/٣٧٠ - ٣٧١.
(٣) انظر: الصحاح ٣/١٢٩٤، لسان العرب ٨/٣٦٤.
(٤) العين ٦/٥٥ وانظر المغرب ص ٩٣.
[ ٢١٣ ]
٢ - تعريف الواحد بالنوع في الاصطلاح:
مصطلح الواحد بالنوع لم يرد في الكتاب أو السنة، وأول من استخدمه الفلاسفة، عند شرحهم لمعنى الوحدة والكثرة، واستخدمه المتكلمون من بعدهم، كما استخدمه أهل السنة للرد عليهم فيما وقعوا فيه من شبهات.
ويعرف ابن سينا الواحد بالنوع: بأنه الذي لا ينقسم في النوع١.
ويقول ابن رشد: "إن ما هو واحد بالنوع فليس هو واحد بالعدد أصلا، لأن الواحد بالنوع مما يصدق أقل ذلك على اثنين بالعدد"١.
وقال الآمدي: "وأما الواحد بالنوع، فقد يقال على ما كان تحت كلي هو نوع له؛ كما يقال على زيد وعمرو هما واحد بالنوع"٢.
ويسمى الواحد لا بالشخص، ويعرف بأنه من حيث مفهومه واحد، ولكنه كثير من جهة الانطباق على الأفراد؛ كإنسان٤.
وقد اضطرب مفهوم الواحد بالنوع، والواحد بالعدد، على بعض الطوائف، مما أدى إلى أقوال فاسدة في توحيد الربوبية، وقد رد أهل السنة من خلال التفريق بين الواحد بالعين والواحد بالنوع على هؤلاء، ومن هذه الطوائف:
١ - أصحاب القول بوحدة الوجود، حيث اشتبه عليهم وجود الخالق بوجود المخلوق حتى ظنوا وجودها وجوده، وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود، فرأوا الوجود واحدًا بالعين، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع ٥.
٢ - الأشاعرة والكلابية ومن وافقهم في قولهم إن الأمر هو عين الخبر والنهي، حيث اشتبه عليهم الكلام فظنوه واحدًا لا أنواع له، وأن الأمر والنهي والخبر صفات له. واعتقدوا أن الكلام واحد بالعين لا بالنوع، مما أفضى بهم إلى هذا القول الفاسد٦.
_________________
(١) انظر: النجاة ٢/٧٦، معيار العلم ص٣٢٨.
(٢) تفسير ما بعد الطبيعة لابن رشد ص ٥٥٠ وانظر موسوعة مصطلحات الفلسفية عند العرب ٩٨٥.
(٣) المبين ص ١١٤ وانظر: المفردات ص ٨٥٧ بصائر ذوي التمييز ٥/١٧١.
(٤) انظر: كشاف اصطلاحات الفنون ٢/١٤٦٥، المعجم الفلسفي للدكتور الحفني ص٣٧٤.
(٥) انظر: التدمرية ص١٠٧، الدرء ٣/٤٤٦، مجموع الفتاوى ١٢/٥٩٦ - ٥٩٧، ١٣/١٩٧.
(٦) انظر: الدرء ٧/١٢٥، مجموع الفتاوى ١٢/٢٦٨.
[ ٢١٤ ]
الوحدة في الأفعال
١ - معنى الأفعال في اللغة:
الفَعْلُ بالفتح مصدر فعل يفعل، والفِعْل بالكسر الاسم، والجمع الفِعَال١. ويقول ابن فارس: "الفاء والعين واللام، أصل صحيح، يدل على إحداث شيء من عمل وغيره؛ من ذلك فعلت كذا أفعله فَعْلا "٢.
وقال الأزهري: "والفَعَال فعل الواحد خاصة في الخير والشر..فإذا كان من فاعلين فهو فِعَال"٣.
فالفعل إحداث الشيء من عمل ونحوه.
٢ - معنى توحيد الأفعال عند المتكلمين:
لم يرد مصطلح توحيد الأفعال في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ -، وعامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر، يذكرون هذا المصطلح كنوع من أنواع التوحيد، فهم يقولون إن الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وهذا الأخير هو توحيد الأفعال وهو أشهر الأنواع عندهم، وهو الذي يطيلون في تقريره، وقد تابعهم في ذلك طوائف من المتصوفة وأهل الوحدة.
ويشرح الرازي معنى "أنه واحد في أفعاله" فيقول: "وأما أنه واحد في أفعاله، فهو أنه ليس في الوجود موجود، يكون مبدءًا لجميع الممكنات، إما بغير واسطة، وإما بواسطة، إلا هو"٤.
وفي موضع آخر يقول الرازي: "وأما أنه - ﷾ - واحد في أفعاله، فالأمر ظاهر، لأن الموجود إما واجب وإما ممكن، فالواجب هو هو، والممكن ما عداه، وكل ما
_________________
(١) انظر: الصحاح ٥/١٧٩٢، العين ٢/١٤٥.
(٢) معجم مقاييس اللغة ٤ /٥١١.
(٣) تهذيب اللغة ٢/٤٠٤ - ٤٠٥.
(٤) المطالب العالية ٣/٢٥٨.
[ ٢١٥ ]
كان ممكنًاً فإنه يجوز ألا يوجد، ما لم يتصل بالواجب، ولا يختلف هذا الحكم باختلاف أقسام الممكنات..فثبت أن كل ما عداه فهو مُلْكه ومَلكه، وتحت تصرفه، وقهره، وقدرته، واستيلائه"١.
ويبين هذا المعنى الثاني أبو البقاء في كلياته، حيث يقول: "ومرتبة توحيد الأفعال، وهو أن يتحقق ويعلم بعلم اليقين، أو بعين اليقين، أو بحق اليقين، أن لا مؤثر في الوجود إلا الله، وقد انكشف ذلك على الأشعري، وتحقيق مذهب الحكماء أيضا هو هذا، فالسالك بهذه المرتبة يكل أموره كلها إلى الفاعل الحقيقي"٢.
وينتقد أهل السنة منهج المتكلمين في توحيد الأفعال من جانبين:
الأول: إطالتهم في تقرير هذا التوحيد، والاستدلال له، مع أن الخلق مفطورون على الإقرار بوحدانية الله وربوبيته؛ مؤمنهم وكافرهم.
بل ويظن المتكلمون" أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا لا إله إلا الله، حتى قد يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع، ومعلوم أن المشركين من العرب، الذين بعث إليهم محمد - ﷺ - أولًا، لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر أيضا، وهم مع هذا مشركون"٣.
ومع اهتمام المتكلمين بتوحيد الأفعال، أهملوا تمامًا توحيد الألوهية، والعبادة، مع أنه المقصود الأعظم للرسالة.
الثاني: اعتقاد متكلمي الأشاعرة والصوفية، أن تحقيق توحيد الأفعال يكون بنفي الأسباب، والقول بالجبر، "وأصل هذه البدعة من قول جهم، فإنه كان غاليًا في نفي الصفات، وفي الجبر، فجعل من تمام توحيد الذات نفي الصفات، ومن تمام توحيد الأفعال نفي الأسباب، حتى أنكر تأثير قدرة العبد، بل نفى كونه قادرًا، وأنكر الحكمة والرحمة"٤.
_________________
(١) مفاتيح الغيب ٤/١٧٢. وانظر: موسوعة مصطلحات الفخر الرازي ص٨٥٧.
(٢) الكليات ص ٩٣٢.
(٣) التدمرية ص ١٧٩ - ١٨٠، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٨٥٤ - ٨٥٥.
(٤) رسالة في تحقيق التوكل لابن تيمية، ضمن جامع الرسائل جمع محمد رشاد سالم ص ٨٨.
[ ٢١٦ ]
الفصل الثاني: ألفاظ أدلة توحيد الربوبية ومصطلحاتها
مقدمة:
لما كانت طرق معرفة الله، والإقرار به، كثيرة متنوعة، صار كل طائفة من النظار تسلك طريقًا إلى إثبات معرفة الله، وقد تنوعت هذه الطرق؛ تارة بتنوع أصل الدليل، وتارة بزيادة مقدمات فيه يستغني عنها آخرون. فهذا يستدل بالإمكان، وهذا بالحدوث، وهذا بالآيات، وهذا يستدل بحدوث الذوات، وهذا بحدوث الصفات، وهذا بحدوث المعين كالإنسان، إلى غير ذلك من الطرق١.
وبعض تلك الطرق موافق لطريقة القرآن. وبعضها محدث، مبتدع، أحدثها الفلاسفة، والمعتزلة، والجهمية، وتبعهم عليها من وافقهم من الأشعرية، وغيرهم، وقد طعن فيها جمهور العقلاء٢، وبينوا فسادها، وعدم إيصالها للمطلوب، وأن الأدلة الواردة في القرآن العزيز فيها غنية عن تلك الطرق. وفي هذا الفصل سأتناول الألفاظ، والمصطلحات التي ترد في هذه الأدلة والطرق.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ٣ /٣٣٣.
(٢) انظر: المرجع السابق ٧ /٢٤٢.
[ ٢١٨ ]
الدليل
١ - معنى الدليل في اللغة:
قال ابن فارس: "الدال واللام أصلان: أحدهما إبانة الشيء بأمارة تتعلمها، والآخر اضطراب في الشيء، فالأول قولهم: دللت فلانًا على الطريق، والدليل: الأمارة في الشيء"١.
وقال الجوهري: "الدليل ما يستدل به، والدليل: الدال. وقد دله على الطريق، يدله، دَلالة، ودِلالة، ودُلولة، والفتح أعلى"١.
فالدليل في اللغة بمعنى المرشد، والموضح، والمبين.
٢ - معنى الدليل في الشرع:
لقد ورد لفظ الدليل في القرآن الكريم، كما ورد الفعل منه، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ﴾ [سبأ - ١٤]، وقوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان - ٤٥]، قال الطبري - ﵀ -: "ثم دللناكم أيها الناس، بنسخ الشمس إياه عند طلوعها عليه، أنه خلق من خلق ربكم، يوجده إذا شاء، ويفنيه إذا أراد"٣. وقال القرطبي: "فالشمس دليل، أي حجة وبرهان، وهو الذي يكشف المشكل ويوضحه"٤.
وهذا يبين أن الدليل في القرآن، بمعنى الدليل في اللغة. وورد الفعل منه في السنة كثيرًا، ومن ذلك قول رسول الله - ﷺ -: "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم" ٥.
_________________
(١) معجم مقايس اللغة ٢/٢٥٩.
(٢) الصحاح ٤/١٦٩٨ وانظر لسان العرب ١١/٢٤٨ - ٢٤٩.
(٣) تفسير الطبري ١٩/١٩.
(٤) تفسير القرطبي ١٣/٣٧.
(٥) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وأن محبة المؤمنين من الإيمان، وأن إفشاء السلام سبب لحصولها ١/٧٤، ح ٥٤.
[ ٢١٩ ]
٣ - معنى الدليل في الاصطلاح:
يعرف المتكلمون الدليل بعدة تعريفات، لكنها تدور بمجملها على أن الدليل هو ما أمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى معرفة المطلوب، أو أنه ما يلزم من العلم به العلم بشيء آخر.
يقول الباقلاني في تعريف الدليل أنه: "المرشد إلى معرفة الغائب عن الحواس، وما لا يعرف باضطرار، وهو الذي ينصب من الأمارات، ويورد من الإيماء والإشارات، مما يمكن التوصل به إلى معرفة ما غاب عن الضرورة والحس"١. وقال في الإنصاف: "الدليل هو ما أمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى معرفة ما لا يعلم باضطراره"٢.
وبعض المتكلمين يخص لفظ الدليل بما يوصل إلى العلم، ويسمى ما يوصل إلى الظن أمارة، وهذا اصطلاح بعض المعتزلة ومن تلقاه عنهم٣.
يقول الرازي: "الدليل هو الذي يلزم من العلم به العلم بوجود المدلول، والأمارة هو الذي يلزم من العلم بها ظن وجود المدلول"٣.
ويقول القاضي عبد الجبار: "الدليل هو ما إذا نظر الناظر فيه أوصله إلى العلم بالغير"٥.
أما عند الفلاسفة والمنطقيين فيطلق الدليل مرادفًا للبرهان، فهو القياس المركب من مقدمتين يقينيتين، فالبرهان قياس يقيني المادة. وقد يطلق مرادفًا للقياس، فهو حجة مؤلفة من قضيتين، يلزم عنها لذاتها مطلوب نظري. وقد يطلق الدليل مرادفًا للحجة فهو معلوم تصديقي موصل إلى مجهول تصديقي٦؛ والحجة تنقسم إلى قياس واستقراء وتمثيل، يقول الغزالي في تعريف الحجة: "والحجة هي التي يؤتى بها في إثبات ما تمس الحاجة إلى إثباته، من العلوم التصديقية؛ وهي ثلاثة أقسام: قياس واستقراء وتمثيل"٤.
_________________
(١) التمهيد ص ٣٩.
(٢) الإنصاف ص ١٥ وانظر: المواقف ص ٣٤ التوقيف ص ٣٤٠ الكليات ص ٤٣٩.
(٣) انظر: الرد على المنطقيين ص٢٥٠.
(٤) المحصل ص ٥٠ - ٥١ وانظر: المواقف ص ٣٥.
(٥) شرح الأصول الخمسة ص٨٨، وانظر: التعريفات ص١٣٩، الحدود الأنيقة ص٨٠، التوقيف ص٣٤٠، الكليات ص٤٣٩.
(٦) انظر: موسوعة مصطلحات دستور العلماء ص٤٢٧، المبين ص٨٩ - ٩٠.
(٧) معيار العلم ص ١١١.
[ ٢٢٠ ]
وعرف القياس فقال: "وحد القياس أنه قول مؤلف، إذا سلم ما أورد فيه من القضايا لزم عنه لذاته قول آخر اضطرارًا"١، أما الاستقراء فيعرفه بقوله: "هو أن تتصفح جزئيات كثيرة، داخلة تحت معنى كلي، حتى إذا وجدت حكمًا في تلك الجزئيات، حكم على ذلك الكلي به"٢، وأما التمثيل فهو: "أن يوجد حكم في جزئي معين واحد، فينقل حكمه إلى جزئي آخر يشابهه بوجه ما"٣.
ويعرف ابن سينا الدليل بأنه: "قياس إضماري، حده الأوسط شيء واحد، إذا وجد للأصغر، تبعه وجود شيء آخر للأصغر دائمًا كيف كان ذلك التبع"٤، ثم مثل له فقال: "ومثاله قولك: هذه المرأة ذات لبن، وكل ذات لبن قد ولدت، فهي إذًا قد ولدت"٥.
ويقول الآمدي وهو يشرح مصطلحات الحكماء والمتكلمين: "وأما الدليل فعبارة عن قياس كبراه مقدمة محمودة، يميل إليها السامعون كقولنا: فلان منعم، وكل منعم محبوب"٦.
والخلاصة أن الفلاسفة يحصرون الدليل في القياس والاستقراء والتمثيل. يقول شيخ الإسلام عن أقوال المنطقيين في الدليل، والقياس: "وأيضا فإنهم قسموا جنس الدليل إلى القياس، والاستقراء، والتمثيل"٧، وقالوا: إن الاستدلال لابد فيه من مقدمتين، بلا زيادة ولا نقصان٨.
ويتفق أهل السنة مع المتكلمين في تعريف الدليل، حيث يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "الدليل هو المرشد إلى المطلوب؛ وهو الموصل إلى المقصود؛ وهو ما يكون العلم به مستلزمًا للعلم بالمطلوب، أو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلًا إلى المطلوب؛ وهو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلًا إلى علم، أو إلى اعتقاد راجح"٩.
_________________
(١) معيار العلم ص١١١.
(٢) المرجع السابق ص١٤٨.
(٣) المرجع السابق ص١٥٤.
(٤) النجاة ١/٧٥.
(٥) المرجع السابق١/٧٥، وقد وجد ذات لبن لم تلد، بسبب اضطراب في هرمون الحليب، في حالات متعددة. مما يضعف هذا المثال.
(٦) المبين ص٨٩، وانظر: التعريفات ص١٣٩.
(٧) الرد على المنطقيين ص ٩ ٥.
(٨) انظر: المرجع السابق ص١٦٧.
(٩) المرجع السابق ص١٦٥، وانظر: النبوات ص٣٠٧، الجواب الصحيح ٦/٥٠٣.
[ ٢٢١ ]
- وكما سبق - فهناك نزاع اصطلاحي بين النظار، فيما يوصل النظر فيه إلى الاعتقاد الراجح، هل يسمى دليلًا؟ أو يخص باسم الأمارة؟. والجمهور يسمون الجميع دليلًا، ومن أهل الكلام من لا يسمي بالدليل إلا ما أوصل إلى العلم بوجود المدلول١.
٤ - الرد على الفلاسفة:
يحصر الفلاسفة الدليل في القياس، والاستقراء، والتمثيل. كما يقول بعضهم إن العلم المطلوب لا يحصل إلا بمقدمتين، لا يزيد ولا ينقص. وقد رد شيخ الإسلام على الفلاسفة في معنى الدليل عندهم، مبينًا بطلانه، ومن وجوه الرد عليهم:
أولًا: أن هذا الذي قالوه إما أن يكون باطلًا، وإما أن يكون تطويلًا يبعد الطريق على الطالب المستدل، فلا يخلو عن خطأ يصد عن الحق، أو طريق طويل يتعب صاحبه، حتى يصل إلى الحق، مع إمكان وصوله بطريق قريب٢.
ثانيًا: بطلان حصر الأدلة في القياس، والاستقراء، والتمثيل، وبيان ذلك أن ما ذكروه من حصر الدليل في القياس، والاستقراء، والتمثيل، حصر لا دليل عليه، بل هو باطل. واستدلالهم على الحصر بقولهم إما أن يستدل بالكلي على الجزئي، أو بالجزئي على الكلي، أو بأحد الجزأين على الآخر؛ والأول هو القياس، والثاني هو الاستقراء، والثالث هو التمثيل، يقال لم تقيموا دليلًا على انحصار الاستدلال في هذه الثلاثة، فإنكم إذا عنيتم بالاستدلال بجزئي على جزئي قياس التمثيل، لم يكن ما ذكرتموه حاصرًا.
وقد بقي الاستدلال بالكلي على الكلي الملازم له، وهو المطابق له في العموم والخصوص، وكذلك الاستدلال بالجزئي على الجزئي الملازم له، بحيث يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر، ومن عدمه عدمه، فإن هذا ليس مما سميتموه قياسًا، ولا استقراءً، ولا تمثيلًا، وهذه هي الآيات٣.
ثالثًا: قولهم إن الاستدلال لا بد فيه من مقدمتين، لا يزيد ولا ينقص، قول لا دليل عليه، بل هو باطل، فإن كان الدليل مقدمة واحدة، قالوا الأخرى محذوفة، وسموه قياس الضمير. وإن كان مقدمات، قالوا هي أقيسة مركبة، ليس هو قياسًا واحدًا، فهذا قول
_________________
(١) انظر: الرد على المنطقيين ص١٦٥.
(٢) انظر: المرجع السابق ص١٦١ - ١٦٢.
(٣) انظر: المرجع السابق ص١٦٢ - ١٦٣.
[ ٢٢٢ ]
باطل طردًا وعكسًا. وذلك أن احتياج المستدل إلى المقدمات مما يختلف فيه حال الناس، فمن الناس من لا يحتاج إلا إلى مقدمة واحدة، لعلمه بما سوى ذلك، كما أن منهم من لا يحتاج في علمه بذلك إلى الاستدلال، بل قد يعلمه بالضرورة، ومنهم من يحتاج إلى مقدمتين، ومنهم من يحتاج إلى ثلاث، ومنهم من يحتاج إلى أربع وأكثر١.
رابعًا: أن الضابط في الدليل أن يكون مستلزمًا للمدلول، فكل ما كان مستلزمًا لغيره، أمكن أن يستدل به عليه، فإن كان التلازم من الطرفين، أمكن أن يستدل بكل منهما على الآخر، فيستدل المستدل مما علمه منهما على الآخر الذي لم يعلمه. ثم إن كان اللزوم قطعيًا، كان الدليل قطعيًا، وإن كان ظاهرًا وقد يتخلف، كان الدليل ظنيًا٢.
خامسًا: أن لفظ البرهان لفظ شرعي، ورد في آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [انساء - ١٧٤]، وقوله - تعالى - في أكثر من آية: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة - ١١١] وهو الدليل القطعي، ولكن تخصيصه - كما يقول الفلاسفة - بمقدمتين غير صحيح كما سبق.
كما قد يطلق البرهان على ما يفيد العلم اليقيني، وإن لم يكن قياسًا، حيث إن" لفظالبرهان في اللغة أعم من ذلك، كما سمى الله آيتي موسى برهانين ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص - ٣٢] "٣.
_________________
(١) انظر: الرد على المنطقيين ص١٦٧ - ١٦٨.
(٢) انظر: المرجع السابق ص١٦٥، مجموع الفتاوى ٩/١٥٦.
(٣) درء التعارض ١/٢٩.
[ ٢٢٣ ]
العلم الضروري
١ - معنى العلم في اللغة:
قال الخليل: "علم يعلم علمًا نقيض جهل، ورجل علامة وعلام وعليم..وما علمت بخبرك، أي ما شعرت به، وأعلمته بكذا، أي أشعرته، وعلمته تعليمًا "١.
وقال الجوهري: "وعلمت الشيء أعلمه علمًا: عرفته "٢.
وفي اللسان: "وعلم بالشيء شعر، يقال: ما علمت بخبر قدومه، أي ما شعرت..وعلم الأمر وتعلمه أتقنه،.. ويجوز أن تقول علمت الشيء بمعنى عرفته وخبرته"٣.
فالعلم هو نقيض الجهل، والعلم بالشيء الشعور به، ومعرفته.
٢ - معنى الضروري في اللغة:
قال الخليل: "الضرورة اسم لمصدر الاضطرار، تقول حملتني الضرورة على كذا، وقد اضطر فلان إلى كذا وكذا "٤. والاضطرار الاحتياج إلى الشيء، وقد اضطره إليه أمر، والاسم الضرة، والضرورة كالضرة٥. والضرورة اسم من الاضطرار٦.
فالضرورة تعني الاحتياج والاضطرار. ولم يرد مصطلح العلم الضروري بهذا التركيب في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ -.
٣ - معنى العلم الضروري في الاصطلاح:
ينقسم علم الخلق إلى قسمين: علم ضروري، وعلم نظري، أما تعريف العلم الضروري فيقول الباقلاني في تعريفه: "فالضروري ما لزم أنفس الخلق، لزومًا لا يمكنهم دفعه، والشك في معلومه"٧.
_________________
(١) العين ٢/١٥٢، وانظر: معجم مقاييس اللغة ٤/١١٠، لسان العرب ١٢/٤٢٠.
(٢) الصحاح ٥/١٩٩٠.
(٣) لسان العرب ١٢/٤١٨.
(٤) العين ٧/٧، وانظر: لسان العرب ٤/٤٨٤.
(٥) انظر: لسان العرب ٤/٤٨٣، الصحاح ٢/٢٠، معجم مقاييس اللغة ٣/٣٦٠.
(٦) انظر: المصباح المنير ٢/٣٦٠.
(٧) الإنصاف ص١٤.
[ ٢٢٤ ]
ويذكر القاضي عبد الجبار بعض تعريفات المعتزلة للعلم الضروري، ومنها حده بأنه: "العلم الذي يحصل فينا، لا من قبلنا، ولا يمكننا نفيه عن النفس بوجه من الوجوه"١، وقال أيضا: "وقد حد العلم الضروري بأنه العلم الذي لا يمكن العالم نفيه عن نفسه بشك، ولا شبهة، وإن انفرد"٢.
ويقول شيخ الإسلام: "حد العلم الضروري، وهو الذي يلزم نفس العبد لزومًا لا يمكنه معه دفعه عن نفسه"٣.
ويذكر التفتازاني أن العلوم الضرورية تنحصر في ست:
بديهيات يحكم العقل بها بمجرد تصور الطرفين وتسمى الأوليات، ومشاهدات يحكم بها بواسطة حس ظاهر، وتسمى الحسيات، أو باطن وتسمى الوجدانيات، وفطريات ويحكم بها بواسطة لا تغرب عن الذهن، ومجربات يحكم بها بواسطة تكرر المشاهدة، ومتواترات يحكم بها بمجرد خبر جماعة يمتنع تواطؤها على الكذب، وحدسيات يحكم بها بواسطة حدس من النفس٤.
ويرجع بعض المتكلمين هذه الأنواع إلى قسمين: البديهيات والحسيات٥.
وقال شيخ الإسلام: "البديهي هو ما إذا تصور طرفاه جزم العقل به"٦. والقضايا البديهية قد تتفاوت فالبديهي هو ما إذا تصور طرفاه جزم العقل به، والمتصوران قد يكونان خفيين، فالقضايا تتفاوت في الجلاء، والخفاء، لتفاوت تصورها، كما تتفاوت لتفاوت الأذهان، وذلك لا يقدح في كونها ضرورية٧.
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة ص٤٨.
(٢) المرجع السابق ص٤٨.
(٣) درء التعارض ٦/١٠٦، وانظر: الدرء ٧/٤٣٠، بيان تلبيس الجهمية ١/٢٦٦.
(٤) انظر: شرح المقاصد ١/٢١٠، وانظر اختلاف الناس حول بعض هذه الأنواع في الدرء ٧/٤٢٩ - ٤٣١.
(٥) انظر: شرح المقاصد ١/٢١٣ - ٢١٤، أصول الدين ص٨، المواقف ص١٤.
(٦) درء التعارض ١/٣١.
(٧) انظر: المرجع السابق ١/٣١.
[ ٢٢٥ ]
العلم النظري
١ - معنى العلم والنظر في اللغة:
سبق التعريف بلفظ العلم، فهو في اللغة نقيض الجهل، وهو المعرفة١، أما النظر فيقول ابن فارس: "النون والظاء والراء أصل صحيح، يرجع فروعه إلى معنى واحد، وهو تأمل الشيء، ومعاينته"٢.
وقال الخليل بن أحمد: "نظر إليه ينظر نظرًا..وتقول نظرت إلى كذا، وكذا، من نظر العين، ونظر القلب"٣. والنظر حس العين٤.
وقال الجوهري: "النظر تأمل الشيء بالعين، وكذلك النظران بالتحريك، وقد نظرت إلى الشيء. والنظر الانتظار"٥. والنظر الفكر في الشيء تقدره وتقيسه٦.
فالنظر في اللغة، هو تأمل الشيء بالعين، ومعاينته، وقد يكون بالقلب، بمعنى التفكر في الشيء، كما يعني الانتظار.
ولم يرد مصطلح العلم النظري بهذا التركيب في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ -.
٢ - معنى العلم النظري في الاصطلاح:
يقول الباقلاني في تعريف العلم النظري أنه: "ما احتيج في حصوله إلى الفكر والروية، وكان طريقه النظر والحجة، ومن حكمه جواز الرجوع عنه والشك في متعلقه"٧. وقال
_________________
(١) انظر ص٢٢٤من البحث.
(٢) معجم مقاييس اللغة ٥/٤٤٤.
(٣) العين ٨/١٥٤.
(٤) انظر: لسان العرب ٥/٢١٥.
(٥) الصحاح ٢/٨٣٠، وانظر: لسان العرب ٥/٢١٥ - ٢١٦.
(٦) انظر: لسان العرب٥/٢١٧.
(٧) الإنصاف ص١٤.
[ ٢٢٦ ]
شيخ الإسلام: "العلم النظري الكسبي هو ما يحصل بالنظر في مقدمات معلومة بدون النظر"١.
والعلم النظري يعتمد على العلم الضروري، فالبرهان الذي ينال بالنظر فيه العلم، لا بد أن ينتهي إلى مقدمات ضروية فطرية، فإن كل علم ليس بضروري لا بد أن ينتهي إلى علم ضروري، إذ المقدمات النظرية لو أثبتت بمقدمات نظرية دائمًا، لزم الدور القبلي، أو التسلسل في المؤثرات في محل له ابتداء، وكلاهما باطل بالضرورة واتفاق العقلاء. فإن العلم النظري الكسبي، هو ما يحصل بالنظر في مقدمات معلومة، بدون النظر، إذ لو كانت تلك المقدمات أيضًا نظرية؛ لتوقف على غيرها، فيلزم تسلسل العلوم النظرية في الإنسان، والإنسان حادث كائن بعد أن لم يكن، والعلم الحاصل في قلبه حادث، فلو لم يحصل في قلبه علم إلا بعد علم قبله؛ للزم أن لا يحصل في قلبه علم ابتداء، فلا بد من علوم بديهية أولية يبتدؤها الله في قلبه وغاية البرهان أن ينتهي إليها٢.
_________________
(١) درء التعارض ٣/٣٠٩.
(٢) انظر: المرجع السابق نفس الجزء والصفحة.
[ ٢٢٧ ]
الشك
١ - معنى الشك في اللغة:
قال الخليل بن أحمد: "الشك نقيض اليقين"١. والشك: اللزوم واللصوق٢.
والشك الارتياب. وقول أئمة اللغة: الشك خلاف اليقين، هو التردد بين شيئين، سواء استوى طرفاه، أو رجح أحدهما على الآخر٣.
"ويقال: أصل الشك اضطراب القلب والنفس "٤.
فالشك في لغة العرب هو نقيض اليقين، وهو الارتياب، كما يعني اللزوم واللصوق.
٢ - معنى الشك في الشرع:
لقد ورد لفظ الشك في كتاب الله، في خمس عشرة آية، منها قوله - تعالى -: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء - ١٥٧] وقوله - تعالى -: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود - ١١٠]، والآيات توضح المعنى المقصود بالشك، فهو يعني كما في اللغة؛ الارتياب، وعدم اليقين، والاضطراب، والبعد عن العلم. قال الراغب: "الشك اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما..والشك ضرب من الجهل "٥. وورد لفظ الشك في السنة، ومنه قوله - ﷺ -: "نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى، قال: أولم تؤمن.، قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي.." ٦.
_________________
(١) العين ٥/٢٧٠، وانظر: الصحاح ٤/١٥٩٤، معجم مقاييس اللغة ٣/١٧٣، لسان العرب١٠/٤٥١، القاموس المحيط ص١٢٢٠، المصباح المنير ١/٤٣٦.
(٢) انظر: الصحاح ٤/١٥٩٤، لسان العرب١٠/٤٥١، معجم مقاييس اللغة ٣/١٧٣.
(٣) انظر: المصباح المنير ١/٤٣٦.
(٤) المرجع السابق نفس الجزء والصفحة.
(٥) المفردات ص٤٦١.
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب قوله ﷿: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحجر - ٥١] وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة - ٢٦٠] ٢/٤٦٧، ح ٣٣٧٢، ومسلم في كتاب الإيمان باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة ١/١٣٣، ح ١٥١.
[ ٢٢٨ ]
وقد اختلفوا في معنى قوله - ﷺ - "نحن أحق بالشك" فقيل: معناه إذا لم نشك نحن فإبراهيم أولى أن لا يشك، أي لو كان الشك متطرقًا إلى الأنبياء، لكنت أنا أحق به منهم، وقد علمتم أني لم أشك، فاعلموا أنه لم يشك. وإنما قال ذلك تواضعًا منه، أو من قبل أن يعلمه الله بأنه أفضل من إبراهيم١.
وقال بعض أهل العلم: إن المراد بالشك في الحديث السابق الخواطر التي لا تثبت، وأما الشك المصطلح، وهو التوقف بين الأمرين، لا مزية لأحدهما على الآخر، فهو منفي عن الخليل قطعًا؛ لأنه يبعد وقوعه ممن رسخ الإيمان في قلبه، فكيف بمن بلغ رتبة النبوة٢.
وقال القاضي عياض٣: لم يشك إبراهيم بأن الله يحيى الموتى، ولكن أراد طمأنينة القلب، وترك المنازعة لمشاهدة الإحياء، فحصل له العلم الأول بوقوعه، وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته. ويحتمل أنه سأل زيادة اليقين، وإن لم يكن في الأول شك، لأن العلوم قد تتفاوت في قوتها، فأراد الترقي من علم اليقين، إلى عين اليقين، والله أعلم٤.
وقال شيخ الإسلام: "لفظ الشك يراد به تارة ما ليس بيقين، وإن كان هناك دلائل وشواهد عليه، حتى قد قيل في قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" أنه جعل ما دون طمأنينة القلب التي طلبها إبراهيم شكًا، وإن كان إبراهيم موقنًا ليس عنده شك يقدح في يقينه، ولهذا لما قال له ربه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ "٥.
فالشك المراد في الحديث هو ما دون طمأنينة القلب، فإن ذلك قد يسمى شكًا. وقيل الحديث مبني على نفي الشك، فيكون الشك هو الخواطر التي لا تثبت.
_________________
(١) انظر: فتح الباري ٦/٤٧٥، شرح السنة للبغوي ١/١١٦.
(٢) انظر: تفسير القرطبي ٣/٢٩٨، فتح الباري ٦/٤٧٥.
(٣) الإمام العلامة الحافظ الأوحد، شيخ الإسلام، القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض اليحصبي، الأندلسي، ثم السبتي، المالكي، ولد في سنة ست وسبعين وأربع مئة، أكثر من التأليف، من مؤلفاته كتاب الشفا، وكتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك، توفي في سنة أربع وأربعين وخمس مئة. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٠/٢١٢ - ٢١٧.
(٤) انظر: فتح الباري ٦/٤٧٥.
(٥) انظر: مجموع الفتاوى ٢٣/١١.
[ ٢٢٩ ]
٣ - معنى الشك في الاصطلاح:
تعريف الشك في الاصطلاح موافق لمعناه في اللغة، والقرآن، وإن اختلفت العبارات مابين زيادة ونقص.
ومن هذه التعريفات قول أبي المعالي: "الشك وهو الاسترابة في معتقدين فصاعدًا، من غير ترجيح أحدهما على الثاني"١. وقال الكندي: "الشك هو الوقوف على حد الطرفين من الظن، مع تهمة ذلك الظن"٢. وقال الجرجاني: "الشك هو التردد بين النقيضين، بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك، وقيل الشك ما استوى طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين، لا يميل القلب إلى أحدهما"٣، هذا هو الشك في الاصطلاح وقد يطلق على ما دون ذلك، يقول شيخ الإسلام: "لفظ الشك يراد به تارة ما ليس بيقين وإن كان هناك دلائل وشواهد عليه"٤، فقد يطلق الشك إذا على التردد بين أمرين وإن كان لأحدهما دلائل وشواهد تؤيده، فالشك يطلق على "مطلق التردد"٥.كما قد يطلق الشك على ما دون طمأنينة القلب٦. وقد يطلق على الخواطر التي لا تثبت٧. فالشك إذًا درجات مختلفة.
ويرد لفظ الشك في كتب أهل الكلام عند الحديث عن أول واجب على المكلف، وهم متنازعون في أن أول الواجبات معرفة الله، أو النظر المفضي إلى العلم بحدوث العالم، أو القصد إلى النظر، أو الشك السابق على القصد٨. وباستثناء القول بالشك، فإن النزاع هنا لفظي، فإن النظر واجب وجوب الوسيلة، من باب ما لا يتم الواجب إلا به، والمعرفة واجبة وجوب المقاصد. فأول واجب وجوب الوسائل هو النظر، وأول
_________________
(١) الإرشاد ص١٤ - ١٥.
(٢) الحدود ضمن كتاب المصطلح الفلسفي عند العرب ص١٩٩.
(٣) التعريفات ص١٦٨، وانظر: ضوابط المعرفة للميداني ص١٢٥.
(٤) مجموع الفتاوى ٢٣/١١.
(٥) كشاف اصطلاحات الفنون ١/٧٨٠.
(٦) انظر: مجموع الفتاوى ٢٣/١١.
(٧) انظر: تفسير القرطبي ٣/٢٩٨، فتح الباري ٦/٤٧٥.
(٨) انظر: درء التعارض ٥/٢٩٢.
[ ٢٣٠ ]
واجب وجوب المقاصد هو المعرفة. ومن هؤلاء من يقول أول واجب هو القصد إلى النظر، وهو أيضا نزاع لفظي، فإن العمل الاختياري مطلقًا مشروط بالإرادة١.
أما القول بأن أول الواجبات هو الشك، وهو منسوب إلى أبي هاشم٢، فهو قول باطل لفظًا ومعنى؛ قال أبو المعالي بعد ذكره لقول أبي هاشم: "وهذا خروج منه من قول الأمة وتوصل منه إلى هدم أصله، وذلك أن كل واجب مأمور به، وتقدير الأمر بالشك متناقض إذ يثبت العلم بالأمر، واعتقاد ثبوته والعلم به مع التشكك فيه متناقضان"٣.
ومن لم يوجب الشك من المعتزلة قال إنه لا بد من حصوله وإن لم يؤمر به٤.
والقول بالشك قبل الاعتقاد باطل، ومن وجوه بطلانه أن هذا القول مبني على أصلين: أحدهما: أن أول الواجبات النظر المفضي إلى العلم.
والثاني: أن النظر يضاد العلم، فإن الناظر طالب للعلم، فلا يكون في حال النظر عالمًا. وكلا الأصلين باطل٥. فمن فرق بين النظر في الدليل، وبين النظر الذي هو طلب الدليل، تبين له الفرق. والنظر في الدليل لا يستلزم الشك في المدلول، بل قد يكون القلب ذاهلًا عن الشيء ثم يعلم دليله، فيعلم المدلول، وإن لم يتقدم ذلك شك وطلب، وقد يكون عالمًا به، ومع هذا ينظر في دليل آخر لتعلقه بذلك الدليل، فتوارد الأدلة على المدلول الواحد كثير، لكن هؤلاء لزمهم المحذور، لأنهم إنما أوجبوا النظر لكون المعرفة لا تحصل إلا به، فلو كان الناظر عالمًا بالمدلول، لم يوجبوا عليه النظر، فإذا أوجبوه لزم انتفاء العلم بالمدلول، فيكون الناظر طالبًا للعلم، فيلزم أن يكون شاكًا، فصاروا يوجبون على كل مسلم أنه لا يتم إيمانه حتى يحصل له الشك في الله، ورسوله، بعد بلوغه، سواء أوجبوه، أو قالوا هو من لوازم الواجب٦. فالقول بوجوب الشك قبل الاعتقاد قول ظاهر الفساد.
_________________
(١) انظر: درء التعارض٧/٣٧٣.
(٢) انظر: الشامل ١/٣٢، الدرء ٧/٣٥٣، المواقف ٣٢، شرح المقاصد ١/٢٧٢. وأبو هاشم عبد السلام بن الأستاذ أبي علي محمد ابن عبد الوهاب بن سلام الجبائي المعتزلي من كبار الأذكياء، أخذ عن والده الاعتزال، له كتاب الجامع الكبير وكتاب العرض، توفي سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة، وله عدة تلامذة. انظر: سير أعلام النبلاء ١٥/٦٣ - ٦٤.
(٣) الشامل ١/٣٢.
(٤) انظر: درء التعارض ٧/٤١٩.
(٥) انظر: المرجع السابق ٧/٤١٩.
(٦) انظر: المرجع السابق ٧/٤٢٠ - ٤٢١.
[ ٢٣١ ]
المعرفة
١ - معنى المعرفة في اللغة:
قال الخليل: "عرفت الشيء معرفة وعرفانًا، وأمر عارف، معروف، عريف.. والتعريف أن تصيب شيئًا فتعرفه، إذا ناديت من يعرف هذا، والاعتراف الإقرار بالذنب والذل والمهانة والرضى به"١.
وقال ابن فارس: "العين والراء والفاء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تتابع الشيء، متصلًا بعضه ببعض، والآخر على السكون والطمأنينة، فالأول العرف: عرف الفرس، وسمي بذلك لتتابع الشعر عليه، ويقال جاءت القطا عُرْفا عُرْفا، أي بعضها خلف بعض..والأصل الآخر المعرفة والعرفان، تقول عرف فلان فلانًا، عِرفانًا، ومعرفة، وهذا أمر معروف، وهذا يدل على ما قلناه من سكونه إليه، لأن من أنكر شيئًا، توحش منه، ونبا عنه"٢. "والعرف والعارفة والمعروف واحد؛ وهو كل ما تعرفه النفس من الخير وتَبْسأ به٣ وتطمئن إليه"٤.
وقال الجوهري: "والتعريف الإعلام، والتعريف أيضا إنشاد الضالة. والتعريف: التطييب من العرف..واعترفت القوم، إذا سألتهم عن خبر لتعرفه"٥.
وفي القاموس: "عرفه يعرفه معرفة وعرفانًا وعِرفة بالكسر، وعِرِفّانًا بكسرتين مشددة الفاء: علمه"٦.
فالمعرفة في اللغة تدل على السكون إلى الشيء، والطمأنينة إليه.
_________________
(١) العين٢/١٢١، وانظر: الصحاح٤/١٤٠٠ - ١٤٠٢.
(٢) معجم مقاييس اللغة٤/٢٨١.
(٣) بسأ بهذا الأمر مرن عليه، واستمر فلم يكترث لقبحه، وما قيل له فيه، وبَسَأ به يَبْسأُ بَسْأ وبُسُوءًا، وبَسِىء يَبْسَأ بَسَأً إذا أنس به. انظر: العين ٧/٣١٦.
(٤) تهذيب اللغة ٢/٣٤٤.
(٥) الصحاح٤/١٤٠٢، وانظر: القاموس المحيط ص١٠٨٢.
(٦) القاموس المحيط ص١٠٨٠.
[ ٢٣٢ ]
٢ - معنى المعرفة في الشرع:
لم يرد مصطلح المعرفة بهذا اللفظ في كتاب الله، وورد الفعل عرف بتصريفاته وبعض اشتقاقاته، نحو قوله - تعالى -: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد - ٣٠]، وقوله - تعالى -: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة - ١٤٦]، وورد الفعل عرف بتصريفاته في السنة، ومنه قوله - ﷺ -: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام، على من عرفت، وعلى من لم تعرف" ١.
أما في حقه - سبحانه - فقد وصف نفسه بالعلم، ولم يصف نفسه بالمعرفة، وأمر عباده أن يعلموا أنه إله واحد، كما أمرهم بالعلم في صفاته، وليس مجرد المعرفة. قال ابن القيم - ﵀ -: "واختار - سبحانه - لنفسه اسم العلم، وما تصرف منه، فوصف نفسه بأنه عالم، وعليم، وعلام، وعَلِمَ، ويعلم. وأخبر أن له علمًا، دون لفظ المعرفة في القرآن. ومعلوم أن الاسم الذي اختاره الله لنفسه، أكمل نوعه المشارك له في معناه.
وإنما جاء لفظ المعرفة في القرآن، في مؤمني أهل الكتاب خاصة، كقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٨٢ - ٨٣]، وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة - ١٤٦] "٢.
وأما الفرق المعنوي بين لفظ المعرفة والعلم فمن وجوه٣:
أحدها: أن المعرفة تتعلق بذات الشيء، والعلم يتعلق بأحواله، فتقول عرفت أباك، وعلمته صالحًا عالمًا، ولذلك جاء الأمر في القرآن بالعلم دون المعرفة، كقوله - تعالى -: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد - ١٩] وقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة - ٩٨]، فالمعرفة حضور صورة الشيء، ومثاله العلمي في النفس، والعلم حضور أحواله، وصفاته، ونسبتها إليه. فالمعرفة تشبه التصور، والعلم يشبه التصديق.
الثاني: أن المعرفة في الغالب تكون لما غاب عن القلب بعد إدراكه، فإذا أدركه قيل عرفه، أو تكون لما وصف له بصفات قامت في نفسه، فإذا رآه وعلم أنه الموصوف بها
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب السلام للمعرفة وغير المعرفة ٤/١٣٧، ح ٦٢٣٦.
(٢) مدارج السالكين ٣/٣٣٤ - ٣٣٥.
(٣) انظر: المرجع السابق ٣/٣٣٦ - ٣٣٧.
[ ٢٣٣ ]
قيل عرفه. قال الله - تعالى -: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس - ٤٥]، وقال - تعالى -: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [يوسف - ٥٨] فالمعرفة تشبه الذكر للشيء، وهو حضور ما كان غائبًا عن الذكر.
الفرق الثالث: أن المعرفة تفيد تمييز المعروف عن غيره، والعلم يفيد تمييز ما يوصف به عن غيره. فإذا قلت علمت زيدًا، لم يفد المخاطب شيئًا، لأنه ينتظر بعد أن تخبره على أي حال علمته، فإذا قلت كريمًا أو شجاعًا، حصلت له الفائدة، وإذا قلت عرفت زيدًا، استفاد المخاطب أنك أثبته، وميزته عن غيره، ولم يبق منتظرًا لشيء آخر. وهذا الوجه قريب من الفرق الأول.
الفرق الرابع: قيل: إن المعرفة علم بعين الشيء مفصلًا عما سواه، بخلاف العلم فإنه قد يتعلق بالشيء مجملًا. وعلى هذا الحد فلا يتصور أن يعرف الله ألبتة. بل حقيقة هذا الحد انتفاء تعلق المعرفة بأكبر المخلوقات، حتى بأظهرها وهو الشمس، والقمر، بل لا يصح أن يعرف أحد نفسه، وذاته، ألبتة.
أما الصوفية فعندهم أن المعرفة أرفع من العلم، فلا تجدهم يتحدثون عن العلم بل عن المعرفة والعارف. يقول الإمام ابن القيم عنهم: "وهذه الطائفة ترجح المعرفة على العلم جدًا، وكثير منهم لا يرفع بالعلم رأسًا. ويعده قاطعًا وحجابًا دون المعرفة. وأهل الاستقامة منهم أشد الناس وصية للمريدين بالعلم"١.
فالمعرفة تتعلق بصورة الشيء وشكله، بينما العلم أعمق من ذلك فهو معرفة الصفات والأحوال. فالعالم عارف لكن العارف قد لا يكون عالمًا.
٣ - معنى المعرفة عند المتكلمين:
يذكر كثير من المتكلمين المعرفة كمرادف للعلم، فالباقلاني يعرف العلم ويقول: "..حده أنه معرفة المعلوم على ما هو به، فكل علم معرفة، وكل معرفة علم"٢، وقال: "وقد ثبت أن كل علم تعلق بمعلوم، فإنه معرفة له؛ وكل معرفة لمعلوم فإنها علم به"٣.
_________________
(١) مدارج السالكين٣/٣٣٥.
(٢) الإنصاف ص١٣، وانظر: التمهيد ص٣٤، الإرشاد١٢.
(٣) التمهيد ص٣٤.
[ ٢٣٤ ]
وقال القاضي عبد الجبار: "..المعرفة والدراية والعلم نظائر، ومعناها: ما يقتضي سكون النفس، وثلج الصدر، وطمأنينة القلب"١، وقال في تعريف المعرفة أنها: "الاعتقاد الذي تسكن به النفس، إلى أن معتقده على ما اعتقده عليه"٢.
ويرى الراغب أن المعرفة أخص من العلم فيقول: "المعرفة والعرفان: إدراك الشيء بتفكر وتدبر لأثره، وهو أخص من العلم، ويضاده الإنكار "٣.
وقال الجرجاني: "والمعرفة أيضًا إدراك الشيء على ما هو عليه، وهي مسبوقة بجهل، بخلاف العلم "٤. وقد اختلف أهل الكلام في أول واجب على المكلف، هل هو المعرفة، أو النظر، أو الشك؟ فقال بعضهم: إن أول واجب هو المعرفة٥، وقال بعضهم المعرفة لا تحصل إلا بالنظر فيكون النظر أول واجب. فقد أعطوا المعرفة هذه المكانة، رغم أنها بهذا اللفظ لم ترد في الكتاب أو السنة. ومن وجوه ضعف قولهم:
أولًا: أنه لم يرد مصطلح المعرفة، بهذا اللفظ، في الكتاب أو السنة، ولم يرد الأمر بها.
ثانيًا: أن مجرد المعرفة بالصانع لا يصير به الرجل مؤمنًا، بل ولا يصير مؤمنًا بأن يعلم أنه رب كل شيء، حتى يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله٦.
ثالثًا: أن القول بأن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر في طريقة الأعراض، والتركيب، ونحو ذلك من الطرق المبتدعة قول باطل، فالرسول - ﷺ - لم يأمر أحدًا بهذه الطرق، ولا علق إيمانه، ومعرفته بالله، بهذه الطرق، بل القرآن وصف بالعلم، والإيمان، من لم يسلك هذه الطرق، ولما ابتدع بعض هذه الطرق من ابتدعها، أنكر ذلك سلف الأمة وأئمتها، ووسموا هؤلاء بالبدعة والضلالة٧.
فالمعرفة إذًا ليست أول واجب على المكلف، بل أول واجب هو الشهادتان.
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة ص٤٦.
(٢) المرجع السابق ص٤٦، وانظر مناقشة هذه التعريفات في أصول الدين ص٥ - ٦، المواقف ص١٠.
(٣) المفردات ص٥٦٠.
(٤) التعريفات ص٢٧٥
(٥) انظر: درء التعارض ٨/٣ - ٥.
(٦) انظر: المرجع السابق ٨/١١ - ١٢.
(٧) انظر: المرجع السابق ٨/١٢.
[ ٢٣٥ ]
النظر
١ - معنى النظر في اللغة:
سبق تعريف النظر في اللغة وأنه تأمل الشيء بالعين، ومعاينته، وقد يكون بالقلب، بمعنى التفكر في الشيء، كما يعني الانتظار١.
٢ - معنى النظر في الشرع:
لقد جاء الفعل نظر بتصريفاته في القرآن الكريم، وكان على عدة معان، فمن ذلك نظر العين، قال - تعالى -: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف - ١٤٣] وهو صريح في نظر العين، حيث قال - تعالى - بعد ذلك: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف - ١٤٣]، وقوله - تعالى -: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف - ١٨٥]، قال الطبري - ﵀ -: "يقول - تعالى ذكره - أولم ينظر هؤلاء المكذبون بآيات الله في ملك الله، وسلطانه، في السماوات، وفي الأرض، وفيما خلق - جل ثناؤه - من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك ويعتبروا به، ويعلموا أن ذلك ممن لا نظير له ولا شبيه "٢.
وجاء النظر بمعنى الانتظار، قال - تعالى -: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد - ١٣] قال الطبري: "واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿انْظُرُونَا﴾، فقرأت ذلك عامة قراء المدينة، والبصرة، وبعض أهل الكوفة ﴿انْظُرُونَا﴾، موصولة بمعنى انتظرونا"٣. وهذه المعاني التي وردت في القرآن الكريم قد وردت في اللغة.
كما ورد لفظ النظر، والفعل منه، في السنة كثيرًا، ومنه قوله - ﷺ -: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا
_________________
(١) انظر ص٢٢٦، من البحث.
(٢) تفسير الطبري ٩/١٣٦.
(٣) المرجع السابق ٢٧/٢٢٤.
[ ٢٣٦ ]
اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه" ١. فالنظر في الشرع جاء بمعاني النظر في اللغة.
٣ - معنى النظر في الاصطلاح:
يقول الجويني: "النظر في اصطلاح الموحدين، هو الفكر الذي يطلب به من قام به، علمًا، أو غلبة ظن، ثم ينقسم النظر قسمين؛ إلى الصحيح، وإلى الفاسد، والصحيح منه كل ما يؤدي إلى العثور على الوجه الذي منه يدل الدليل، والفاسد ما عداه"٢.
ويقول الرازي: "النظر والفكر عبارة عن ترتيب مقدمات علمية، أو ظنية، ليتوصل بها إلى تحصيل علم، أو ظن"٣، وقال: "النظر ترتيب تصديقات، ليتوصل بها إلى تصديقات أخر"٤.
ويقسم القاضي عبد الجبار النظر في أمور الدين إلى قسمين: "أحدها النظر في الشبه لتحل، والثاني النظر في الأدلة ليتوصل بها إلى المعرفة"٥.
فالنظر إذًا عند المتكلمين هو التفكر، والانتقال من المقدمات العلمية، أو الظنية، إلى ما يترتب عليها من نتيجة علمية أو ظنية. ويرى كثير من المتكلمين أن النظر في طريق معرفة الله أول واجب على العبد. يقول الباقلاني: "وأن يعلم أن أول ما فرض الله - ﷿ - على جميع العباد، النظر في آياته، والاعتبار بمقدوراته، والاستدلال عليه بآثار قدرته، وشواهد ربوبيته"٦.
ويقول الجويني: "أول ما يجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ، أو الحلم، شرعًا، القصد إلى النظر الصحيح، المفضي إلى العلم بحدث العالم"٧، فهم يقيدون النظر بدليل حدوث العالم كما هو ظاهر من كلام الجويني.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان باب زنا الجوارح دون الفرج ٤/١٣٩، ح ٦٢٤٣، وبنحوه مسلم في كتاب القدر، باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره ٤/٢٠٤٦، ح ٢٦٥٧.
(٢) الإرشاد ص٣.
(٣) معالم أصول الدين ص٢٠.
(٤) محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص٤٠.
(٥) شرح الأصول الخمسة ص٤٥.
(٦) الإنصاف ص٢٢، وانظر: شرح الأصول الخمسة ص٤٥، المحصل ص٤٧.
(٧) الإرشاد ص٣.
[ ٢٣٧ ]
وقد خالف أهل السنة المتكلمين في إيجابهم النظر، وجعله أول واجب، ودللوا على بطلان مذهب المتكلمين من وجوه عدة منها:
أولًا: أن النبي - ﷺ - لم يدع أحدًا من الخلق إلى النظر ابتداء، ولا إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دعاهم إليه الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه، كما قال في الحديث المتفق على صحته لمعاذ بن جبل - ﵁ -، لما بعثه إلى اليمن: "إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم" ١.
والقرآن ليس فيه أن النظر أول الواجبات، ولا فيه إيجاب النظر على كل أحد، وإنما فيه الأمر بالنظر لبعض الناس. وهذا موافق لقول من يقول إنه واجب على من لم يحصل له الإيمان إلا به، بل هو واجب على كل من لا يؤدي واجبًا إلا به وهذا أصح الأقوال٢. كما أن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ، لم يؤمر بتجديد ذلك عقب البلوغ. والشهادة تتضمن الإقرار بالصانع - تعالى - وبرسوله٣.
ثانيًا: أن هؤلاء المتكلمين بنوا دينهم على النظر، وهو لفظ مجمل، يدخل فيه الحق والباطل، فالحق هو النظر الشرعي، والنظر الشرعي هو النظر فيما بعث به الرسول من الآيات، والهدى كما قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة - ١٨٥]، ولكن لما ظهرت البدع والتبس الحق بالباطل، صار اسم النظر يطلق على ثلاثة أمور: النظر البدعي؛ فيريدون بالدليل ما ابتدعوه من الأدلة الفاسدة والنظر فيها. ومنهم من يريد مطلق الدليل والنظر من غير تقييدها، لا بشرعي، ولا ببدعي، وهؤلاء أوسطهم، وهم أحسن حالًا من الذين قيدوا ذلك بالبدعي. وأما القسم الثالث فهم صفوة الأمة، وخيارها، المتبعون للرسول علمًا وعملًا،
_________________
(١) سبق تخريج الحديث ص ١٦من البحث.
(٢) انظر: درء التعارض ٨/٦ - ٨.
(٣) انظر: المرجع السابق ٨/٨ - ١١.
[ ٢٣٨ ]
يدعون إلى النظر، والاستدلال، والاعتبار بالآيات، والأدلة، والبراهين التي بعث الله بها رسوله، وتدبر القرآن، وما فيه من البيان١.
ثالثًا: أنه قد تنازع النظار في مسألة وجوب النظر، المفضي إلى معرفة الله - تعالى - على ثلاثة أقوال؛ فقالت طائفة من الناس إنه يجب على كل أحد، وقالت طائفة لا يجب على أحد، وقال الجمهور إنه يجب على بعض الناس دون بعض، فمن حصلت له المعرفة أو الإيمان - عند من يقول إنه يحصل بدون المعرفة - بغير النظر، لم يجب عليه، ومن لم تحصل له المعرفة، ولا الإيمان، إلا به وجب عليه٢.
رابعًا: أنه لما كان في لفظ النظر إجمال كثر اضطراب الناس في هذا المقام، وتناقض من تناقض منهم، فيوجبون النظر لأنه يتضمن العلم، ثم يقولون النظر يضاد العلم؛ فكيف يكون ما يتضمن العلم مضادًا له لا يجتمعان؟ فمن فرق بين النظر في الدليل، وبين النظر الذي هو طلب الدليل، تبين له الفرق. والنظر في الدليل لا يستلزم الشك في المدلول، بل قد يكون القلب ذاهلًا عن الشيء، ثم يعلم دليله، فيعلم المدلول، وإن لم يتقدم ذلك شك وطلب. وقد يكون عالمًا به، ومع هذا ينظر في دليل آخر لتعلقه بذلك الدليل، فتوارد الأدلة على المدلول الواحد كثير، لكن هؤلاء لزمهم المحذور؛ لأنهم إنما أوجبوا النظر لكون المعرفة لا تحصل إلا به، فلو كان الناظر عالمًا بالمدلول لم يوجبوا عليه النظر، فإذا أوجبوه لزم انتفاء العلم بالمدلول، فيكون الناظر طالبًا للعلم، فيلزم أن يكون شاكًا، فصاروا يوجبون على كل مسلم، أنه لا يتم إيمانه حتى يحصل له الشك في الله، ورسوله بعد بلوغه، سواء أوجبوه، أو قالوا هو من لوازم الواجب٣.
خامسًا: أن إيجاب النظر مطلقًا، غير إيجاب النظر في الطريق المعين؛ كطريقة حدوث الأعراض ولزومها للأجسام، فإن هذه لا يقول بوجوبها على المسلمين أحد من الأئمة الذين يعرفون ما جاء به الرسول - ﷺ - ويتبعونه، إذ كان معلومًا بالاضطرار لكل من عرف ذلك أن الرسول - ﷺ - لم يوجب النظر في
_________________
(١) انظر: النبوات ٨٩ - ٩١.
(٢) انظر: درء التعارض ٧/٤٠٥، ٣٥٢ - ٣٥٧.
(٣) انظر: المرجع السابق ٧/٤٢٠ - ٤٢١.
[ ٢٣٩ ]
هذه الطريقة، بل ولا دل على صحتها، بل ما أخبر به يناقض موجبها١. فقول هؤلاء مخالف لما أجمع عليه أئمة الدين، ولما تواتر عن الرسول - ﷺ -.
سادسًا: أن كثيرًا من المتكلمين قد تراجعوا في نهاية الأمر عن إيجاب النظر٢، وهذا من أدلة بطلانه أيضًا، إذ تراجعهم عن إيجابه، يدل على أنه لم يحصل المقصود.
فما أوجبوه من النظر على الجميع غير صحيح، وكذلك حصرهم النظر في طريق معين غير صحيح أيضًا.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ٨/٣٥٨.
(٢) انظر: المرجع السابق٧/٤٤٠ - ٤٤١.
[ ٢٤٠ ]
التسلسل
١ - معنى التسلسل في اللغة:
التسلسل مصدر من الفعل تسلسل، يقول الجوهري: "وتسلسل الماء في الحلق جرى، وسَلْسَلتُه أنا صببته فيه، وماء سَلْسَلٌ وسَلْسال: سهل الدخول في الحلق لعذوبته وصفائه.. ويقال معنى يتسَلْسل أنه إذا جرى، أو ضربته الريح، يصير كالسلسلة"١.
وقال ابن فارس: "قال بعض أهل اللغة: السَّلسلة اتصال الشيء بالشيء، وبذلك سميت سلسلة الحديد"٢. فالسلسلة سميت بذلك لأنها ممتدة في اتصال٣.
وفي العين: "وبرق ذو سلاسل، ورمل مثله، وهو تسلسله الذي يرى في التوائه"٤.
ويظهر مما سبق أن معنى التسلسل في اللغة يعني التتابع والاتصال والامتداد.
_________________
(١) الصحاح ٥/١٧٣١ - ١٧٣٢، وانظر: العين ٧/١٩٣، معجم مقاييس اللغة ٣/٦٠، لسان العرب ١١/٣٤٣ - ٣٤٤.
(٢) معجم مقاييس اللغة ٣/٦٠، وانظر: الصحاح ٥/١٧٣٢، لسان العرب ١١/٣٤٣ - ٣٤٤.
(٣) انظر: معجم مقاييس اللغة ٣/٦٠، لسان العرب١١/٣٤٥.
(٤) العين ٧/١٩٤.
[ ٢٤١ ]
٢ - معنى التسلسل في الاصطلاح:
لفظ التسلسل من الألفاظ الاصطلاحية التي لم ترد في القرآن الكريم أو السنة النبوية، إذ ورد فيهما لفظ السلسلة والسلاسل فقط، قال - تعالى -: ﴿إِذْ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر - ٧١]، وقال - سبحانه -: ﴿سَلاسِلاْ وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان - ٤] وقال - تعالى -: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة - ٣٢] .ومن السنة قوله - ﷺ -: "عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل" ١، والسلاسل جمع سلسلة، والسلسة سبق بيان معناها في اللغة، وهو المراد في القرآن والسنة.
ولفظ التسلسل من الألفاظ المجملة، التي أحدثها المتكلمون ويراد به عند الإطلاق: "ترتيب أمور غير متناهية"٢، مع أن معناه اللغوي لا يدل على عدم الانتهاء، بل ما ورد من الأمثلة في اللغة هو مما ينتهي.
ويختلف أهل السنة، والمتكلمون، والفلاسفة، في نظرتهم إلى أنواع التسلسل وما يجوز منه وما يمتنع، فعند التقييد ينقسم لفظ التسلسل إلى ثلاثة أنواع: واجب وممتنع وممكن، وتفصيلها كما يلي:
النوع الأول: التسلسل الممتنع، وهو التسلسل في المؤثرات، والفاعلين، والعلل، "بأن يكون للفاعل فاعل، وللفاعل فاعل إلى ما لا نهاية له"٣، وهذا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء، ومنه التسلسل في تمام كون المؤثر مؤثرًا؛ كأن يقال الحادث لابد له من سبب حادث، وذلك السبب لابد له من سبب حادث٤.
النوع الثاني: التسلسل الممكن وهو التسلسل في المفعولات، والآثار المتعاقبة، "بأن يكون الحادث الثاني موقوفًا على حادث قبله، وذلك الحادث موقوف على حادث قبل
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب الأسارى في السلاسل ٢/٣٦١، ح ٣٠١٠.
(٢) التعريفات للجرجاني ص٨٤، وانظر: العين والأثر لعبد الباقي الحنبلي ص٥١، توضيح المقاصد لابن عيسى١/٣٧٠.
(٣) درء التعارض ١/٣٢١.
(٤) انظر: المرجع السابق ٢/٢٨٢ - ٢٨٣، ١/٣٢١ - ٣٢٢، ٩/٢٢٨، الصفدية ١/٤٩ - ٥٣، مجموعة الرسائل ٥/٣٤١ - ٣٤٢، بدائع الفوائد ٤/١٢٧.
[ ٢٤٢ ]
ذلك وهلم جرا"١. وهو التسلسل في الحوادث، وقد وقع فيه خلاف، والناس فيه على ثلاثة أقوال:
الأول: قيل يجوز مطلقًا، وهذا قول أئمة السنة والحديث، وأساطين الفلاسفة، لكن المسلمين، وسائر أهل الملل، وجمهور العقلاء من جميع الطوائف يقولون أن كل ما سوى الله مخلوق حادث بعد أن لم يكن، بينما قالت الفلاسفة بقدم العالم.
الثاني: أنه لا يجوز لا في الماضي ولا في المستقبل. وهو قول الجهم بن صفوان، وأبي الهذيل العلاف.
الثالث: أنه يجوز في المستقبل دون الماضي، وهو قول أكثر أتباع جهم، وأبي الهذيل، من الجهمية والمعتزلة والأشعرية والكرامية ومن وافقهم٢.
وقد منع المتكلمون التسلسل في المفعولات من طرف الأزل، وقالوا باستحالته، وقد اعتقدوا أن القول بجوازه يفضي إلى القول بقدم العالم. وقد اعتُرض عليهم في قولهم بجواز دوام الحوادث في المستقبل دون الماضي، بأنه لا دليل لهم على التفريق بينهما٣.
وأما الفلاسفة فقالوا بجواز تسلسل المفعولات، بل قال بعضهم إن ذلك واجب؛ وأخذوا من ذلك دليلًا للقول بقدم العالم، ولم يفرقوا بين الآحاد والنوع.
وكلا القولين باطل، وقد رد عليهم أهل السنة وبينوا أن ذلك لا يعني القول بقدم العالم، فكل ما سوى الله - تعالى - مخلوق حادث بعد أن لم يكن، وإن تسلسل في الأزل والأبد. ومن هذه الردود:
أولًا: أن هؤلاء المتكلمين، والدهرية من الفلاسفة، اشتركوا في أصل فاسد تفرعت عنه مقالاتهم؛ وهو أن تسلسل الحوادث، ودوامها، يستلزم قدم العالم، بل قدم السماوات والأفلاك، والفلاسفة الدهرية أعظم إقرارًا ببطلانه من المعتزلة، فإن تسلسل الحوادث ودوامها لا يقتضي قدم أعيان شيء منها، ولا قدم السماوات، والأفلاك، ولا شيء من العالم، والفلاسفة يسلمون أن تسلسل الحوادث لا يقتضي قدم شيء من أعيانها٤. فليس
_________________
(١) درء التعارض١/٣٢١.
(٢) انظر: الصفدية١/١٠ - ١١، منهاج السنة ١/٤٣٧ - ٤٣٨، ٢/٣٩٣، درء التعارض ١/٣٢١ - ٣٢٢، شرح الطحاوية ١/١٠٥.
(٣) انظر: درء التعارض ٢/٣٥٨ - ٣٩٥، ٩/١٨٦.
(٤) انظر: درء التعارض ٩/١٤٧ - ١٤٨، ٩/١٤٩ومابعدها، مجموعة الرسائل ٥/٣٥٧ - ٣٦١، شفاء العليل ص ١٥٦، شرح الطحاوية ١/١٠٣ - ١٠٨.
[ ٢٤٣ ]
مع الله شيء من مفعولاته قديم معه، بل هو خالق كل شيء، وكل ما سواه مخلوق له، وكل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن.
ثانيًا: يقال للفلاسفة: هب أن الحوادث لم تزل تحدث شيئًا بعد شيء، فمن أين لكم أن الأفلاك قديمة؟ وهلا جاز أن تكون حادثة بعد حوادث قبلها؟ بل يقال هذا يبطل قولكم، فإنها إذا كانت متسلسلة، امتنع أن تكون صادرة عن علة تامة موجبة، فإن العلة التامة لا يتأخر عنها شيء من معلولها، والحوادث متأخرة، فيمتنع صدورها عن علة تامة بوسط أو بغير وسط١.
النوع الثالث: التسلسل الواجب وهو "ما دل عليه العقل والشرع من دوام أفعال الرب - تعالى - في الأبد، وأنه كلما انقضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيمًا آخر لا نفاد له، وكذلك التسلسل في أفعاله - سبحانه - من طرف الأزل، وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر"٢، ولم يكن ربنا - تعالى - قط في وقت من الأوقات معطلًا عن كماله، من الكلام والإرادة، والفعل٣.
وجمهور أهل السنة يقولون لم يزل الله خالقًا فاعلًا، كما قال الإمام أحمد لم يزل الله عالمًا متكلمًا غفورًا، بل يقولون لم يزل يفعل إما بناء على أن الفعل قديم، وإن كان المفعول محدثًا، أو بناء على قيام الأفعال المتعاقبة بالفاعل، وإذا عرضنا على صريح العقل من يقدر على الأفعال المتعاقبة الدائمة، ويفعلها دائمة متعاقبة، ومن لا يقدر على الدائمة المتعاقبة، كان الأول أكمل٤.
والمتكلمون من المعتزلة والأشاعرة ينفون أن تقوم صفات الأفعال بالله؛ لتعلقها بقدرته ومشيئته، وهي التي يطلقون عليها نفي حلول الحوادث، كما ينفون تسلسلها، وهذا باطل، فقولهم إن الرب في الأزل لم يكن قادرًا ثم صار قادرًا، ونحوه، ليس بصحيح، بل هذا فيه سلب للرب صفة الكمال، وإثبات التغير بلا سبب يقتضيه، وذلك مخالفة لصريح المعقول والمنقول٥.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ٩/١٤٨.
(٢) شفاء العليل ص١٥٦، وانظر: شرح الطحاوية ١/١٠٧.
(٣) انظر: شرح الطحاوية ١/١٠٧.
(٤) انظر: درء التعارض ٢/٢٦٨، ٢٢٠.
(٥) انظر: المرجع السابق ٩/١٨٥.
[ ٢٤٤ ]
والذي دفع المتكلمين إلى هذا القول؛ هو خشيتهم أن يفسد عليهم دليل حدوث العالم.
فيقال لهم: إن قدم أفعال الرب لا تستلزم قدم شيء من مفعولاته، "فليس مع الله شيء من مفعولاته قديم معه، لا بل هو خالق كل شيء، وكل ما سواه مخلوق له، وكل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن، وإن قدر أنه لم يزل خالقًا فعالًا، وإذا قيل إن الخلق صفة كمال لقوله - تعالى -: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل - ١٧] أفلا أمكن أن تكون خالقيته دائمة، وكل مخلوق له محدث مسبوق بالعدم، وليس مع الله شيء قديم، وهذا أبلغ في الكمال من أن يكون معطلًا غير قادر على الفعل، ثم يصير قادرًا والفعل ممكنًا له بلا سبب، وأما جعل المفعول المعين مقارنًا له أزلًا وأبدًا، فهذا في الحقيقة تعطيل لخلقه وفعله، فإن كون الفاعل مقارنًا لمفعوله أزلًا وأبدًا، مخالف لصريح المعقول"١.
وأما الفلاسفة فكما سبق في بيان توحيدهم أنهم ينفون عن الله كل صفة، ويثبتونه وجودًا مطلقًا، لا صفة له ولا فعل، وقد أضافوا إلى ذلك قولهم بقدم العالم، وهؤلاء هم أتباع أرسطو من المتقدمين والمتأخرين، وأما أساطين الفلاسفة قبل أرسطو فلم يحفظ عنهم القول بقدم العالم، والمنقول عنهم هو حدوث الأفلاك، ونقل أصحاب المقالات عن غير واحد من أئمتهم القول بإثبات الصفات لله، وبإثبات الأمور الاختيارية القائمة بذاته، وهذا قول من يقرب إلى صريح المعقول، وصحيح المنقول من الأوائل والأواخر منهم٢.
_________________
(١) مجموعة الرسائل ٥/٣٦٢ وانظر: شفاء العليل ص ١٥٦.
(٢) انظر: درء التعارض ٨/٢٨٦.
[ ٢٤٥ ]
الدور
١ - معنى الدور في اللغة:
قال ابن فارس: "الدال والواو والراء أصل واحد، يدل على إحداق الشيء بالشيء من حواليه"١. وقال الخليل: "والدائرة: الحلقة، والشيء المستدير"٢.
دار الشيء يدور دورًا ودورانًا، وتدوير الشيء جعله مدورًا٣. ويقال: دار يدور، واستدار يستدير، بمعنى إذا طاف حول الشيء، وإذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه، والدائرة، والدارة، كلاهما: ما أحاط بالشيء٤. "ومنه قولهم دارت المسألة، أي كلما تعلقت بمحل توقف ثبوت الحكم على غيره، فينقل إليه، ثم يتوقف على الأول وهكذا"٥.
والدور قد يكون مصدرًا في الشعر، ويكون دورًا واحدًا من دور العمامة ودور الخيل وغيره٦.
وعلى هذا فيغلب على لفظ الدور أنه يحمل معنى الإحداق بالشيء، والاستدارة، والرجوع إلى الموضع الذي ابتدأ منه.
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة ٢/٣١٠.
(٢) العين ٨/٥٧.
(٣) انظر: الصحاح ٢/٦٦٠، معجم مقاييس اللغة ٢/٣١٠، لسان العرب ٤/٢٩٦.
(٤) انظر: لسان العرب ٤/٢٩٦، المصباح المنير ١/٢٠٢.
(٥) المصباح المنير ١/٢٨٦.
(٦) انظر: العين ٨/٥٦، لسان العرب ٤/٢٩٥.
[ ٢٤٦ ]
٢ - معنى الدور في الاصطلاح:
لم يرد لفظ الدور في القرآن الكريم، وإنما ورد لفظ الدار، والدائرة، والدوائر، ونحوها، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب - ١٩] وقال - تعالى -: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام - ١٢٧] وقال - تعالى -: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة - ٩٨] .
ولم يرد لفظ الدَوْر بهذا الضبط في السنة، وإنما ورد لفظ الدُور، واستدار ونحوها، قال - ﷺ -: "ألا أخبركم بخبر دُور الأنصار" ١.
قال الراغب: "الدار: المنزل اعتبارًا بدورانها الذي لها بالحائط، وقيل: دارة، وجمعها ديار، ثم تسمى البلدة دارًا، والصقع دارًا، والدنيا كما هي دارًا، والدار الدنيا، والدار الآخرة..قال - تعالى -: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام - ١٢٧] أي الجنة، و﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم - ٢٨] أي الجحيم،..والدائرة: عبارة عن الخط المحيط، يقال: دار يدور دورانًا..والدورة والدائرة في المكروه، كما يقال دولة في المحبوب، وقوله - تعالى -: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة - ٥٢] "٢.
أما الدَوْر في الاصطلاح فيعرفه الرازي بقوله: "الدور هو أن يحتاج الأول إلى الثاني، والثاني إلى الأول، إما بواسطة أو بغير واسطة "٣.
ويقول الجرجاني: "الدور هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه، ويسمى الدور المصرح. كما يتوقف أعلى ب، وبالعكس، أو بمراتب ويسمى الدور المضمر كما يتوقف أعلى ب، وب على ج، وج على أ"٤.
وفي الكليات: "الدور هو توقف كل واحد من الشيئين على الآخر"٥.
ويقسم شيخ الإسلام الدور إلى نوعين، فيقول: "والدور نوعان: أحدهما الدور القبلي السبقي، فهذا ممتنع باتفاق العقلاء، مثل أن يقال لا يكون هذا إلا بعد ذاك، ولا يكون
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب خرص التمر١/٤٥٩، ح ١٤٨١، وبنحوه مسلم في كتاب الفضائل باب في معجزات النبي ﷺ ٤/١٧٨٥، ح ١٣٩٢.
(٢) المفردات ص٣٢١.
(٣) المباحث المشرقية ١/٥٩٦، وانظر: المواقف ص٨٩.
(٤) التعريفات ص١٤٠ - ١٤١، وانظر: الصحايف الإلهية ص١٤١.
(٥) الكليات ص ٤٤٧.
[ ٢٤٧ ]
ذاك إلا بعد هذا، فهذا ممتنع باتفاق العقلاء، ونفس تصوره يكفي في العلم بامتناعه؛ فإن الشيء لا يكون قبل كونه، ولا يتأخر كونه عن كونه..
وأما الدور المعي الاقتراني مثل أن يقال لا يكون هذا إلا مع ذاك، لا قبله ولا بعده، فهذا جائز، كما إذا قيل لا تكون الأبوة إلا مع البنوة "١.
فالمحال هو دور التقدم؛ لاستلزام تقدم الشيء على نفسه، وأما دور المعية فليس بمحال، بل جائز واقع، لأنه لا يقتضي إلا حصولهما معا في الخارج، أو الذهن٢.
فالدور الممتنع إذًا هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه.
_________________
(١) الصفدية ١/١٢، وانظر: درء التعارض ٣/١٤٣، منهاج السنة ١/٤٣٨.
(٢) انظر: موسوعة مصطلحات دستور العلماء ص٤٣٣.
[ ٢٤٨ ]
الجسم
١ - معنى الجسم في اللغة:
قال الخليل: "الجسم يجمع البدن، وأعضاءه، من الناس، والإبل، والدواب، ونحوه مما عظم من الخلق الجسيم، والفعل جسم جسامة"١.
وفي الصحاح: "الجسم الجسد، وكذلك الجسمان والجثمان..والجثمان: الشخص، قال: وجماعة جسم الإنسان أيضًا يقال له الجسمان"٢. والجسم كل شخص مُدْرَك٣.
وعلى هذا فالجسم في اللغة هو البدن والجسد والجثمان والشخص.
٢ - معنى الجسم في الشرع:
ورد لفظ الجسم في آيتين من كتاب الله، هما: قوله - تعالى -: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة - ٢٤٧]، وقوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون - ٤] وهو بمعنى الجسم في اللغة، أي بمعنى الجسد والبدن.
وورد لفظ جسيم في السنة، في قوله - ﷺ -: "وأما موسى، فآدم، جسيم، سبط" ٤. وقوله - صلى الله عله وسلم - يصف الدجال: "فإذا رجل أحمر، جسيم، جعد الرأس، أعور" ٥، والجسيم هو الضخم العظيم الجسم، قال في اللسان: "وقد جسم الشيء أي عظم، فهو جسيم، وجُسام بالضم"٦.
_________________
(١) العين ٦/٦٠، وانظر: معجم مقاييس اللغة ١/٤٥٧، لسان العرب ١٢/٩٩، المصباح المنير ١/١٠١.
(٢) الصحاح ٥/١٨٨٧، وانظر: لسان العرب ١٢/٩٩، المصباح المنير ١/١٠١.
(٣) انظر: الجمهرة ٢/٩٤، معجم مقاييس اللغة ١/٤٥٧، المصباح المنير ١/١٠١.
(٤) جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ..﴾ [مريم - ١٦] ٢/٤٨٨، ح ٣٤٣٨.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ..﴾ [مريم - ١٦] ٢/٤٨٩، ح ٣٤٤١، ومسلم في كتاب الإيمان باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال ١/١٥٦، ح ١٧١.
(٦) لسان العرب ١٢/٩٩.
[ ٢٤٩ ]
٣ - معنى الجسم في اصطلاح الفلاسفة والمتكلمين:
من المصطلحات التي يكثر ذكرها في كتب الفلاسفة والمتكلمين لفظ الجسم، يقول الخوارزمي في بيان معناه عندهم: "فالجسم مؤلف من الهيولى والصورة"١.
ويقول ابن سينا: "الجسم اسم مشترك، يقال على معان: فيقال جسم لكل كم، متصل، محدود، ممسوح، فيه أبعاد ثلاثة بالقوة. ويقال جسم لصورة ما يمكن أن يفرض فيه أبعاد كيف شئت طولًا، وعرضًا، وعمقًا، ذات حدود متعينة. ويقال جسم لجوهر مؤلف من هيولى، وصورة"٢.
ويذكر شيخ الإسلام قول الفلاسفة فيقول: "والقول بأن الجسم مركب من المادة والصورة، قول الفلاسفة المشائين"٣.
وقد تأثر المتكلمون بالفلاسفة، فأخذوا عنهم مصطلح الجسم، وتأثروا بتعريفهم له، فعند المعتزلة الجسم هو الطويل، العريض، العميق، قال النظام: "الجسم هو الطويل، العريض، العميق"٤، ويقول القاضي عبد الجبار: "الجسم هو ما يكون طويلًا، عريضًا، عميقًا، ولا يحصل فيه الطول، والعرض، والعمق، إلا إذا تركب من ثمانية أجزاء"٥، وهذا أحد التعريفات التي يذكرها الفلاسفة.
أما الجسم عند الأشاعرة فيدور تعريفه على أنه المؤلف المركب، فيكون هو الذي يقبل الانقسام، وهذا تأثر منهم بتعريف الفلاسفة. قال الباقلاني: "الجسم هو المؤلف المركب"٤.
ويقول التفتازاني في شرح المقاصد: "الجسم عندنا القابل للانقسام، فيتناول المؤلف من الجزئين فصاعدًا"٥.
_________________
(١) ١ – الحدود للخوارزمي ضمن المصطلح الفلسفي عند العرب للدكتور الأعسم ص٢١٠، وانظر: الصحايف الإلهية ص٢٥٥. ٢ – الحدود لابن سينا ضمن المصطلح الفلسفي عند العرب للدكتور الأعسم ص ٢٤٨، وانظر: معيار العلم ص ٢٩٠، الكليات ص٣٤٥. ٣ – بغية المرتاد ص٤١٢.
(٢) مقالات الإسلاميين ٢/٦.
(٣) شرح الأصول الخمسة ص٢١٧، وانظر: مقالات الإسلاميين ٢/٦، المطالب العالية ٦/٩، شرح المقاصد ٣/١٢، الصحايف الإلهية ص٢٥٣، التوقيف على مهمات التعاريف ص٢٤٥. ٤ – الإنصاف ص١٦، وانظر: المبين ص١١٠، التعريفات للجرجاني ص١٠٨. ٥ – شرح المقاصد ٣/١٠.
[ ٢٥٠ ]
ويقول الرازي: "الجسم ما يكون مؤلفًا من جزئين فصاعدًا"١.
وفي الصحايف الإلهية: "وقالت الأشاعرة أنه "أي الجسم" متحيز قابل للقسمة، فعلى هذا يكون المركب من جوهرين فردين جسمًا عندهم"٢.
وبمثل قول الأشاعرة قالت الماتريدية، حيث يقول النسفي في تعريف الجسم أنه: "اسم للمتركب، يقال هذا أجسم من هذا، أي أكثر تركيبًا منه"٣.
وقال بعض المتكلمين: الجسم ما احتمل الأعراض٤.
وانقسم الروافض٥ إلى أقسام: فبعضهم عرف الجسم بتعريف المعتزلة، وبعضهم عرفه بتعريف الأشاعرة٦.
وأما الكرامية فقد قال المقاربون منهم: نعني بكونه جسمًا أنه قائم بنفسه٧.
والنظار كلهم متفقون على أن الجسم يشار إليه، وإن اختلفوا في كونه مركبًا من الأجزاء المنفردة، أو من المادة والصورة، أو لا من هذا ولا من هذا٨.
وقد قال المتكلمون من الأشاعرة، والمعتزلة، والكلابية، والماتريدية، وبعض الرافضة، والفلاسفة أيضًا، بنفي الجسم عن الله، من باب التنزيه بزعمهم، حتى جعلوا انتفاء الجسمية عن الله، ذريعة لانتفاء الصفات عنه؛ لأنه لو قامت به الصفات لكان جسمًا، وهو منزه عن الجسم؛ لأنه يعني المركب، والمؤلف من الجواهر المفردة. كما أن الأجسام
_________________
(١) الأربعون في أصول الدين ص٤، وانظر: موسوعة مصطلحات الرازي ص٢١٤، المسائل الخمسون ص٣٣.
(٢) الصحايف الإلهية ص٢٥٣.
(٣) التمهيد ص١٣٨، وانظر: تبصرة الأدلة ٥٦.
(٤) انظر: مقالات الإسلاميين ٢/٤، ٧.
(٥) الرافضة تطلق على بعض فرق الشيعة، وقد اختلف كتاب المقالات، في مسمى الفرق التي يطلق عليها اسم الرفض، فالأشعري خص الرافضة بالإمامية الإثني عشرية، وجعل الشيعة ثلاث طوائف؛ ١ - الغلاة، ٢ - الروافض الإمامية، ٣ - الزيدية. والملطي جعل الرافضة مصطلح يعم الإمامية والغلاة والزيدية، وأما البغدادي والإسفراييني فقد جعلوا الرافضة مصطلح يشمل الزيدية، والكيسانية والإمامية، وأخرجوا الغلاة من فرق الإسلام. ولعل الأقرب ما ذهب إليه الأشعري أن لقب الرافضة يطلق على الإمامية، ويدخل في هذا الإسماعيلية. وقد ظهر هذا المصطلح لما كان الشيعة في عسكر زيد ضد جيوش الخلافة، فسألوه عن رأيه في الشيخين، فأثنى عليهما، فرفضوه ونقضوا بيعته، فقال رفضتموني، فسموا الرافضة، وانقسمت الشيعة إلى رافضة إمامية، وإلى زيدية. انظر: مقالات الإسلاميين١/٦٦، ٨٨، ١٣٦، التنبيه والرد ص ١٨، الفرق بين الفرق ص٢٣، التبصير في الدين ص١٧، مجموع الفتاوى ١٣/٣٥ - ٣٦.
(٦) انظر: مقالات الإسلاميين ١/١٣١.
(٧) انظر: الملل والنحل للشهرستاني ١/١٠٩.
(٨) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٥٠٥ - ٥٠٦، الدرء ٤/١٣٤.
[ ٢٥١ ]
متماثلة، ولو كان جسمًا لكان مماثلًا لغيره من الأجسام، وهذا باطل، لذلك فالصفات ممتنعة عليه، لأنها لاتقوم إلا بجسم، وهذا قول المعتزلة والفلاسفة.
أما الأشاعرة، والماتريدية، والكلابية، فقد جعلوا هذه الشبهة ذريعة لنفي الصفات باستثناء الصفات السبع، أو الثمان، التي يقولون بإثباتها١. في حين قال بعض الرافضة الأوائل كالهشامية بأن الله جسم ٢، وكذلك قالت الكرامية٣.
وخلاصة أقوال الفلاسفة والمتكلمين أن الجسم هو المؤلف المركب، إما من المادة والصورة، أو من الجواهر المفردة. وقال بعضهم الجسم هو الطويل العريض العميق، وقيل الجسم ما احتمل الأعراض. بينما قالت الكرامية الجسم هو القائم بنفسه.
٤ - نقد معنى الجسم عند الفلاسفة والمتكلمين:
يعرف أهل السنة والجماعة لفظ الجسم بمعناه الذي جاء في اللغة، والقرآن الكريم، وكلام الرسول - ﷺ -، وهو أن الجسم هو الجسد والبدن، وقد تبين في الصفحات السابقة، أن لفظ الجسم في اصطلاح المتكلمين والفلاسفة يحمل عدة معان، تختلف عن معناه في اللغة.
وقد اختلف النظار في الأجسام - كما سبق - هل هي مركبة من الجواهر المفردة، أم من المادة والصورة، أم ليست مركبة منهما، على ثلاثة أقوال أصحها الثالث، أنها ليست مركبة لا من الجواهر المفردة ولا من المادة والصورة، وهذا قول كثير من طوائف أهل الكلام؛ كالهشامية، والضرارية، والنجارية، والكلابية، وكثير من الكرامية، وهو قول جمهور الفقهاء، وأهل الحديث، والصوفية، وغيرهم، بل هو قول أكثر العقلاء٤.
وتعريفات المتكلمين، والفلاسفة، للفظ الجسم، باطلة من الوجوه التالية:
أولًا: أن تعريفهم الجسم بالمعاني التي ذكروها، غير وارد في كتب اللغة، وليس هو معناه الذي قد ورد في كتاب الله٥. فهم إذا قالوا إن الجسم هو المؤلف، والمركب، لا
_________________
(١) انظر: شرح الأصول الخمسة ص٢١٨ - ٢٢١، المسائل الخمسون ص٣٣، التدمرية ص١١٩ - ١٢٣.
(٢) انظر: التبصير في الدين للإسفراييني ص٢٣ - ٢٤، الملل والنحل ١/١٨٤.
(٣) انظر: الملل والنحل ١/١٠٩.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى ٩/٢٩٩.
(٥) انظر: الدرء ١/١١٨ - ١١٩، ١٠/٢٩٢، الجواب الصحيح ٤/٤٢٩، مجموع الفتاوى ١٢/٣١٦.
[ ٢٥٢ ]
يعنون به ما كان مفترقًا فاجتمع، ولا ما يقبل التفريق، بل يعنون به ما تميز منه جانب عن جانب، كالشمس، والقمر، وغيرهما من الأجسام.
وأما المتفلسفة فالمؤلف والمركب عندهم أعم من هذا، فهم يدخلون في ذلك تأليفًا عقليًا، لا يوجد في الأعيان، ويدعون أن النوع مؤلف من الجنس، والفصل، فإذا قلت الإنسان حيوان ناطق، قالوا إن الإنسان مؤلف من هذين، وإنما هو موصوف بهما.
وأما لفظ الجسم، فإن الجسم عند أهل اللغة كما ذكره الأصمعي، وأبو عبيد، وغيرهما، هو الجسد والبدن، قال - تعالى -: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون - ٤]، وقال - تعالى -: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة - ٢٤٧]، فهو يدل في اللغة على معنى الكثافة، والغلظ، كغلظ الجسد، ثم يراد به نفس الغليظ، وقد يراد به غلظه، فيقال لهذا الثوب جسم، أي غلظ وكثافة، ويقال هذا أجسم من هذا، أي أغلظ وأكثف. ثم صار لفظ الجسم في اصطلاح أهل الكلام، أعم من ذلك، فيسمون الهواء، وغيره، من الأمور اللطيفة جسمًا، وإن كانت العرب لا تسمى هذا جسمًا١.
وكذلك الذين قالوا إن الجسم هو الموجود، أو القائم بنفسه، أو ما يمكن الإشارة إليه، فإن هذا المعنى غير صحيح، فليس كل شيء موجود، أو قائم بنفسه، أو يمكن الإشارة إليه، يصح أن يسمى جسمًا في لغة العرب، فالهواء والنار ليست جسمًا، وهي في اصطلاحهم جسم٢.
ثانيًا: أن قولهم محدث مبتدع لم يرد عن الرسول - ﷺ -، ولا عن أحد من صحابته، أو من التابعين لهم.
ثالثًا: إذا قيل هو جسم بمعنى أنه مركب من الجواهر المنفردة، أو المادة والصورة، فهذا باطل، بل هو أيضًا باطل في المخلوقات، فكيف في الخالق - ﷾٣.
رابعًا: أن أهل الكلام الذين تنازعوا في إثبات الجسم ونفيه، كالهشامية، والكرامية، ونحوهم ممن أثبته، وكالجهمية، والمعتزلة، ونحوهم ممن نفاه، قد يدخل كل منهم في ذلك
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٥٠٥ - ٥٠٦.
(٢) انظر: الدرء ٧/١١٢، ١٠/٢٥٨ - ٢٥٩.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى ٥/٤٢٨ - ٤٢٩.
[ ٢٥٣ ]
ما يخالف النصوص، فمن المثبتة من يدخل في ذلك ما يجب تنزيه الله عنه من صفات النقص، ومن مماثلته بالمخلوقات، والنفاة يدخلون في ذلك ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال١، وهذا باطل.
خامسًا: أن القائلين بأن الأجسام مركبة من الجواهر، يقولون: إن الله لا يحدث شيئًا قائمًا بنفسه، وإنما يحدث الأعراض، التي هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون، وغير ذلك من الأعراض. ثم من قال منهم بأن الجواهر محدثة، قال إن الله أحدثها ابتداء، ثم جميع ما يحدثه إنما هو إحداث أعراض فيها، لا يحدث الله بعد ذلك جواهر، وهذا قول أكثر المعتزلة، والجهمية، والأشعرية، ونحوهم. ومن أكابر هؤلاء من يظن أن هذا مذهب المسلمين، ويذكر إجماع المسلمين عليه، وهو قول لم يقل به أحد من سلف الأمة. بل جمهور الأمة حتى من طوائف أهل الكلام ينكرون الجوهر الفرد٢.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١٠/٢٥٨.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ١٧/٢٤٤.
[ ٢٥٤ ]
٥ - حكم إطلاق لفظ الجسم على الله:
لما كان لفظ الجسم في اصطلاح المتكلمين، والفلاسفة، فيه إجمال، وإبهام، امتنع طوائف من أهل الإثبات، عن إطلاق القول بنفيه، أو إثباته، على الله، ولم ينقل عن أحد من السلف، والأئمة، لا إثباته، ولا نفيه، كما لا يوجد مثل ذلك في لفظ المتحيز، والجوهر، ونحوهما، وذلك لأنها ألفاظ مجملة، يراد بها حق وباطل، وعامة من أطلقها في النفي أو الإثبات، أراد بها ما هو باطل لاسيما النفاة؛ فإن نفاة الصفات كلهم، ينفون الجسم والجوهر والمتحيز، ونحو ذلك، ويدخلون في نفي ذلك نفي صفات الله، وحقائق أسمائه، ومباينته لمخلوقاته. بل إذا حقق الأمر عليهم، وجد نفيهم متضمنًا لحقيقة نفي ذاته، إذ يعود الأمر إلى وجود مطلق، لا حقيقة له إلا في الذهن والخيال، أو ذات مجردة، لا توجد إلا في الذهن والخيال، أو إلى الجمع بين المتناقضين، بإثبات صفات ونفي لوازمها١.
يقول أبو العباس بن سريج - ﵀ -: "توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتوحيد أهل الباطل، الخوض في الأعراض والأجسام، وإنما بعث النبي - ﷺ بإنكار ذلك"٢.
والخوض في الأعراض والأجسام كما خاض فيه المتكلمون، كقولهم ليس بجسم ولا عرض ونحو ذلك، أول من ابتدعه في الإسلام الجهمية، وأتباعهم من المعتزلة٣، وكذلك بعض قدماء الشيعة٤.
والجواب على إطلاق هذه الألفاظ المجملة على الله، يكون بأن يستفصل السائل، ويقول له: ماذا تريد بهذه الألفاظ المجملة؟ فإن أراد بها حقًا، وباطلًا، قبل الحق، ورد الباطل.
فلفظ الجسم فيه إجمال؛ قد يراد به المركب الذي كانت أجزاؤه مفرقة فجمعت، أو ما يقبل التفريق والانفصال، أو المركب من مادة وصورة، أو المركب من الأجزاء المفردة، التي تسمى الجواهر الفردة، والله - تعالى - منزه عن ذلك كله. وقد يراد بالجسم ما يشار
_________________
(١) انظر: الدرء ٥/٥٧.
(٢) الحجة في بيان المحجة ١/٩٦ - ٩٧، وانظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٤٨٧.
(٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية ٢/٢٩٨، الدرء ٦/٢٨٨ - ٢٨٩، ٧/١٨٥.
(٤) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٩، ٥٤، ١٠٠، الصفدية ٢/٣٣، منهاج السنة النبوية ٢/١٣٥، مجموع الفتاوى ٥/٢٩٨، ٤٢٤، مقالات الإسلاميين ١٠٦ - ١٠٩.
[ ٢٥٥ ]
إليه، أو ما يرى، أو ما تقوم به الصفات، والله يرى في الآخرة، وتقوم به الصفات، ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم، وقلوبهم، ووجوههم، وأعينهم، فإن أراد بقوله ليس بجسم هذا المعنى، قيل له هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ، معنى ثابت بصحيح المنقول، وصريح المعقول، وأنت لم تقم دليلًا على نفيه.
وأما اللفظ، فبدعة نفيًا، وإثباتًا، فليس في الكتاب، ولا السنة، ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها، إطلاق لفظ الجسم في صفات الله - تعالى -، لا نفيًا، ولا إثباتًا١.
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٤٩٦، ٥٠٣ - ٥٢٣، ٥٥٠، منهاج السنة النبوية ٢/١٣٤، شرح الأصفهانية ص٣٧، الدرء ١/٢٣٨، ٦/١٣١، ١٠/٢٥٨ - ٢٥٩، ٣٠٧ - ٣١١، مجموع الفتاوى ٥/٢١٥، ٤٢١.
[ ٢٥٦ ]
الجوهر
١ - معنى الجوهر في اللغة:
جاء في الصحاح: "والجوهر معرب، الواحدة جوهرة"١. و"الخرز فصوص من جيد الجوهر، ورديئه، من الحجارة ونحوها"٢.
وفي لسان العرب: "الجوهر معروف، الواحدة جوهرة، والجوهر كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به"٣.
فالجوهر لفظ معرب، ومعناه هو كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به، وقد يكون حجرًا ثمينًا، وقد يكون رديئًا.
ولم يرد لفظ الجوهر في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ -.
_________________
(١) الصحاح ٢/٢١٦.وانظر: لسان العرب ٤/١٥٣.
(٢) العين ٤/٢٠٧.
(٣) لسان العرب ٤/١٥٢، وانظر: المصباح المنير١/١١٣، القاموس المحيط ص٤٦٨.
[ ٢٥٧ ]
٢ - معنى الجوهر في الاصطلاح:
الجوهر من المصطلحات التي يكثر استعمالها في كتب الفلسفة والكلام، ومعناه عند الفلاسفة - كما يقول الكندي -: "الجوهر هو القائم بنفسه، وهو حامل للأعراض لا تتغير ذاتيته؛ موصوف لا واصف، ويقال هو غير قابل للتكوين والفساد"١.
ويقول ابن سينا في حد الجوهر: "هو اسم مشترك؛ يقال جوهر لذات كل شيء كان كالإنسان، أو كالبياض. ويقال جوهر لكل موجود لذاته، لا يحتاج في الوجود إلى ذات أخرى يقارنها، حتى يقوم بالفعل؛ وهذا معنى قولنا الجوهر قائم بذاته. ويقال جوهر لما كان بهذه الصفة، وكان من شأنه أن يقبل الأضداد، بتعاقبها عليه. ويقال جوهر لكل ذات وجوده ليس في محل. ويقال جوهر لكل ذات وجوده ليس في موضوع٢، وعليه اصطلح الفلاسفة القدماء منذ عهد أرسطوطاليس، في استعمالهم اسم الجوهر"٣.
ويقول الآمدي: "وأما الجوهر فعلى أصول الحكماء ما وجوده لا في موضوع. والمراد بالموضوع: المحل المتقوم بذاته المقوم لما يحل فيه"٤. ويوافق الرازي الفلاسفة في تعريف الجوهر حيث قال في المباحث المشرقية: "الجوهر هو الموجود لا في موضوع"٥.
وأما عند المتكلمين فيقول الباقلاني: "والجوهر الذي له حيز، والحيز هو المكان، أو ما يقدر تقدير المكان، عن أنه يوجد فيه غيره"٦.
ويقول أبو المعالي: "الجوهر قد ذكرت له حدود شتى، غير أنا نقتصر على ثلاثة منها، فنقول: الجوهر، المتحيز، وقيل: الجوهر ماله حجم، وقيل: الجوهر ما يقبل العرض"٧. ويقول الآمدي: "وأما على أصول المتكلمين، فالجوهر عبارة عن المتحيز، وهو ينقسم إلى
_________________
(١) الحدود للكندي ضمن كتاب المصطلح الفلسفي ص١٩١، وانظر: مفاتيح العلوم ص١٦٧.
(٢) الموضوع هو المحل المتقوم بذاته، المقوم لما يحل فيه، وينقسم إلى بسيط ومركب، أما البسيط فهو العقل والنفس والمادة والصورة، وأما المركب فهو الجسم. انظر: المبين ص١٠٩.
(٣) الحدود لابن سينا ضمن كتاب المصطلح الفلسفي ص٢٤٩، وانظر: معيار العلم ص٢٩١.
(٤) المبين ص١٠٩.
(٥) المباحث المشرقية ١/٢٤٠
(٦) الإنصاف ص١٦.
(٧) لمع الأدلة ص٨٧، وانظر: الشامل ١/٤٨ - ٤٩، المطالب العالية ٢/٣٥.
[ ٢٥٨ ]
بسيط، ويعبر عنه بالجوهر الفرد، وإلى مركب وهو الجسم"١.وقال الغزالي: "والجوهر على اصطلاح المتكلمين عبارة عما ليس في محل"٢.
ويذكر الأشعري عن بعض المعتزلة، تعريفهم الجوهر بأنه ما احتمل الأعراض٣.
وقال الجويني: "وقال المعتزلة الجوهر ما تحيز في الوجود"٤.
ويعرف النصارى الجوهر بأنه القائم بذاته٥.
ويطلق الفلاسفة المتقدمون؛ كأرسطو، وأمثاله، لفظ الجوهر على الله - تعالى -، وعنهم أخذت النصارى هذه التسمية، فإن أرسطو كان قبل المسيح بأكثر من ثلاثمائة سنة، كما أن بعض النصارى يحتج على هذا الإطلاق بأنه موجود في كتب الفلسفة٦.
وأما المتأخرون من الفلاسفة؛ كابن سينا، فقد منع من إطلاق لفظ الجوهر على الله؛ لأنه يقول الجوهر ما إذا وجد كان وجوده لا في موضوع، وهذا إنما يكون فيما وجوده زائد على ذاته، وواجب الوجود وجوده عين ذاته، فلا يكون جوهرا، ونفى الجوهر عن الله نفاة الصفات، الذين يقولون إن الجوهر ما شغل الحيز، وحمل الأعراض، قالوا: والله - ﷾ - ليس كذلك٧.
٣ - موقف أهل السنة من لفظ الجوهر:
لا يختلف موقف أهل السنة من لفظ الجوهر، عن موقفهم من لفظ الجسم، إذ كلها ألفاظ محدثة، مجملة، مغايرة لمعناها في لغة العرب، وعامة من أطلقها في النفي أو الإثبات أراد بها ما هو باطل، فنفاة الصفات كلهم ينفون الجسم، والجوهر، والمركب، ونحوها، ويدخلون في نفي ذلك، نفي صفات الله - تعالى -.
ولذلك ينبغي الاستفسار عن المعنى المراد بلفظ الجوهر، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "وما تنازع فيه المتأخرون نفيًا وإثباتًا فليس على أحد، بل ولا له أن يوافق أحدًا
_________________
(١) المبين ص١٠٩.
(٢) معيار العلم ص٣٠٥.
(٣) انظر: مقالات الإسلاميين ٢/٨.
(٤) الشامل ١/٤٩.
(٥) انظر: مقالات الإسلاميين ٢/٨، الشامل ١/٤٩.
(٦) انظر: الجواب الصحيح ٥/٨ - ٩، الدرء ٤/١٤٢، هداية الحيارى ص١٤٤.
(٧) انظر: الجواب الصحيح ٥/٩، الإرشاد لأبي المعالي ص٤٦ - ٤٧، التمهيد ص٧٨ - ٧٩، المطالب العالية ٢/٣٥.
[ ٢٥٩ ]
على إثبات لفظه أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقًا قبل، وإن أراد باطلًا رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل، لم يقبل مطلقًا، ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى"١.
وقول المتكلمين والفلاسفة في معنى الجوهر باطل من عدة وجوه:
الأول: أن لفظ الجوهر لفظ محدث، لم يرد في كلام الله، ولا كلام رسوله - ﷺ -، ولم ينطق به الصحابة - ﵃ - لا نفيًا ولا إثباتًا، ومثل هذا اللفظ يستحيل أن تبنى عليه المسائل المهمة في أصول الدين. يقول شيخ الإسلام عن لفظ الجوهر: "والشريعة لم تتعرض لهذا الاسم، وأمثاله، لا بنفي ولا بإثبات، فليس له في الشريعة ذكر، حتى يحتاج أن ينظر في معناه، والنظر العقلي إنما يكون في المعاني، لا في مجرد الاصطلاحات، فلم يبق فيه بحث علمي؛ لا شرعي ولا عقلي"٢.
الثاني: أن لفظ الجوهر بمعناه الذي يريده الفلاسفة والمتكلمون، غير وارد في اللغة، فليس في اللغة أن معنى الجوهر؛ المتحيز، أو الموجود لا في موضوع، أو ما يقبل العرض. ولفظ الجوهر من العربية المعربة، لا من العربية العرباء، فهو كلفظ سجيل، واستبرق، وأمثال ذلك من الألفاظ المعربة. ولما عرب كان معناه في اللغة هو الجوهر المعروف، وتسمية القائم بنفسه، أو الشاغل للحيز جوهرًا، أمر اصطلاحي، ليس هو من الأسماء اللغوية، ولا العرفية العامة، ولا من الأسماء الشرعية٣.
الثالث: أن نفاة الصفات من المتكلمين والفلاسفة كلهم ينفون الجوهر، والجسم، ونحو ذلك. ويدخلون في نفيها نفي صفات الله، وحقائق أسمائه، ومباينته لمخلوقاته، بل قد يتضمن ذلك نفي حقيقة ذاته - سبحانه - كما سبق ذكر ذلك عند لفظ الجسم، وهذا باطل شرعًا وعقلًا.
الرابع: أن في بعض تعريفات الفلاسفة للجوهر ما يدل على قولهم بقدمه، وأبديته، وهذا يشبه قول بعض المتأخرين عن المادة إنها لا تفنى ولا تستحدث من العدم. وهو من تفريعات قول الفلاسفة بقدم العالم.
_________________
(١) التدمرية ص ٦٥ - ٦٦، وانظر: درء التعارض ٤/١٤٦.
(٢) درء التعارض ١٠/٢٣٩.
(٣) انظر: الجواب الصحيح ٥/١١.
[ ٢٦٠ ]
٤ - معنى الجوهر الفرد:
يخصص المتكلمون اسم الجوهر، بالجوهر الفرد المتحيز، الذي لا ينقسم، ويسمون المنقسم جسمًا لا جوهرًا١، فالجوهر عند المتكلمين هو الجزء الذي لا يتجزأ. وقد قال بإثبات الجوهر الفرد، وهو الجزء الذي لا يتجزأ كثير من المتكلمين.
وزعم أبو المعالي أن المسلمين متفقون على ذلك، حيث قال: "اتفق الإسلاميون على أن الأجسام تتناهى في تجزيها حتى تصير أفرادًا، وكل جزء لا يتجزأ، فليس له طرف واحد شائع لا يتميز "٢.
وظنوا أن القول بإثبات الصانع، وبأنه خلق السماوات والأرض، وبأنه يقيم القيامة، ويبعث الناس من القبور، لا يتم إلا بإثبات الجوهر الفرد، فجعلوه أصلًا للإيمان بالله واليوم الآخر٣.
٥ - الرد على مثبتي الجوهر الفرد:
إن مصطلح الجوهر الفرد لم يقل به أحد من سلف الأمة، بل جمهور الأمة حتى من طوائف أهل الكلام، ينكرون الجوهر الفرد، وينفون تركب الأجسام منه، وابن كلاب إمام أتباعه هو ممن ينكره٤.
ونفى الجوهر الفرد كثير من طوائف أهل الكلام، وأهل الفلسفة، كالهشامية٥
والنجارية٦، والضرارية٧، وكثير من الكرامية٨.
_________________
(١) انظر: معيار العلم ص٢٩١.
(٢) الشامل ١/٤٩.
(٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٢٨٠، مجموع الفتاوى ٩/٢٩٩.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى ١٧/٢٤٤
(٥) سبق التعريف بالهشامية ص١٤٩ من البحث.
(٦) النجارية أصحاب الحسين بن محمد النجار، أحد كبار المتكلمين، له مناظرة مع النظام أغضب النظام فيها فرفسه فيقال مات منها بعد تعلل، وأكثر معتزلة الري وما حواليها على مذهبه وافقوا المعتزلة في مسائل الصفات، والقرآن، والرؤية، ووافقوا الصفاتية في خلق الأعمال، وهم فرق كثيرة منها البرغوثية والزعفرانية والمستدركة، انظر: الملل والنحل ١/٨٨ - ٨٩، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٧٠، سير أعلام النبلاء١٠/٥٥٤.
(٧) الضرارية أتباع ضرار بن عمرو الكوفي، وكان في أول أمره تلميذًا لواصل بن عطاء، ثم خالفه في خلق الأعمال وإنكار عذاب القبر، وله تصانيف كثيرة تؤذن بذكائه وكثرة إطلاعه على الملل والنحل، وبعض القصص عنه تدل على موته في زمن الرشيد. انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص٧٢، الملل والنحل١/٩٠ - ٩١، سير أعلام النبلاء١٠/٥٤٤.
(٨) انظر: درء التعارض١/٣٠٣.
[ ٢٦١ ]
وقال النظام، والفلاسفة، بأن الأجزاء تتجزأ إلى ما لا نهاية١.
والذين نفوا الجوهر الفرد من الكلابية، والكرامية، وغيرهم، لا يقولون بقول النظّام والفلاسفة٢.
والتحقيق كما يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "أن كلا المذهبين باطل، والصواب ما قاله من قاله من الطائفة الثالثة، المخالفة للطائفتين، أن الأجسام إذا تصغرت أجزاؤها، فإنها تستحيل، كما هو موجود في أجزاء الماء، إذا تصغر فإنه يستحيل هواءًا أو ترابًا، فلا يبقى موجود ممتنع عن القسمة - كما يقوله المثبتون له - فإن هذا باطل، بما ذكره النفاة من أنه لا بد أن يتميز جانب له عن جانب، ولا يكون قابلًا للقسمة إلى غير نهاية، فإن هذا أبطل من الأول، بل يقبل القسمة إلى حد، ثم يستحيل إذا كان صغيرًا، وليس استحالة الأجسام في صغرها محدودًا بحد واحد، بل قد يستحيل الصغير وله قدر يقبل نوعًا من القسمة، وغيره لا يستحيل حتى يكون أصغر منه، وبالجملة فليس في شيء منها قبول القسمة إلى غير نهاية، بل هذا إنما يكون في المقدرات الذهنية، فأما وجود مالا يتناهى بين حدين متناهيين فمكابرة، وسواء كان بالفعل أو بالقوة، ووجود موجود لا يتميز جانب له عن جانب مكابرة، بل الأجسام تستحيل مع قبول الانقسام، فلا يقبل شيء منها انقسامًا لا يتناهى، كما أنها إذا كثرت وعظمت تنتهي إلى حد تقف عنده، ولا تذهب إلى أبعاد لا تتناهى"٣.
وهذا ما أثبته العلم الحديث، حيث إن الذرة في العلم الحديث تقابل الجوهر الفرد عند المتكلمين، وقد أثبت أن لهذه الذرة نواة أصغر منها بآلاف المرات، وأن هذه النواة تنقسم، ويولد انقسامها طاقة هائلة٤.
ومثبتو الجوهر الفرد قولهم باطل من وجوه:
الأول: أنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام، أن الرسول، والصحابة، والتابعين، وأئمة المسلمين، لم يبنوا شيئًا من أمر الدين على ثبوت الجوهر الفرد، ولا انتفائه، وليس المراد
_________________
(١) انظر: الشامل ١/٤٩.
(٢) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٢٨٤ - ٢٨٥.
(٣) المرجع السابق ١/٢٨٥.
(٤) انظر: المعجم الفلسفي للدكتور الحفني ص ١٢٨.
[ ٢٦٢ ]
بذلك أنهم لم ينطقوا بهذا اللفظ، فإنه قد تجدد بعدهم ألفاظ اصطلاحية، يعبر بها عما دل عليه كلامهم في الجملة، وذلك بمنزلة تنوع اللغات، وتركيب الألفاظ المفردات، وإنما المقصود أن المعنى الذي يقصده المثبتة، والنفاة، بلفظ الجوهر الفرد، لم يبن عليها أحد من سلف الأمة، وأئمتها، مسألة واحدة من مسائل الدين، ولا ربطوا بذلك حكمًا علميًا ولا عمليًا. وقد أطبق أئمة الإسلام على ذم من بنى دينه على الكلام في الجواهر والأعراض١.
الوجه الثاني: أن "هؤلاء الذين ادعوا توقف الإيمان بالله، واليوم الآخر، على ثبوته، قد شكوا فيه، وقد نفوه في آخر عمرهم؛ كإمام المتأخرين من المعتزلة أبي الحسين البصري، وإمام المتأخرين من الأشعرية أبي المعالي الجويني، وإمام المتأخرين من الفلاسفة والمتكلمين أبي عبد الله الرازي، فإنه في كتابه٢بعد أن بين توقف المعاد على ثبوته، وذكر ذلك غير مرة في أثناء مناظرته للفلاسفة، قال في المسألة لما أورد حجج نفاة الجوهر الفرد:..واعلم أنا نميل إلى التوقف في هذه المسألة، بسبب تعارض الأدلة، فإن إمام الحرمين صرح في كتاب التلخيص في أصول الفقه أن هذه المسألة من محارات العقول، وأبو الحسين البصري هو أحذق المعتزلة توقف فيها، فنحن أيضا نختار التوقف"٣.
الوجه الثالث: دعواهم أن هذا قول جمهور متكلمي المسلمين غير صحيح، بل هو قول أبي الهذيل العلاف، ومن اتبعه من متكلمي المعتزلة، والذين أخذوا ذلك عنهم.
وقد نفى الجوهر الفرد من أئمة المتكلمين من ليسوا دون من أثبته، بل الأئمة فيهم أكثر من الأئمة في أولئك، فنفاه حسين النجار٤وأصحابه، وضرار بن عمرو٥ وأصحابه،
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٢٨٣.
(٢) لم أتمكن من معرفة هذا الكتاب.
(٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٢٨٣.
(٤) رأس فرقة النجارية، سبق التعريف به عند التعريف بفرقة النجارية ص ٢٦١من البحث.
(٥) رأس فرقة الضرارية، سبق التعريف به عند التعريف بفرقة الضرارية ص٢٦١من البحث.
[ ٢٦٣ ]
ونفاه أيضا هشام بن الحكم١ وأتباعه، وهو المقابل لأبي الهذيل، فإنهما متقابلان في النفي والإثبات، ونفته الكلابية، ونفاه أيضا طائفة من الكرامية ونفاه ابن الراوندي٢.
فهذا يدل بجلاء على بطلان القول بالجوهر الفرد، وبطلان ما بنوا عليه من مسائل في العقيدة.
_________________
(١) سبق التعريف به عند التعريف بفرقة الهشامية ص ١٤٩من البحث.
(٢) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٢٨٤، أما ابن الراوندي فقد قال الذهبي في ترجمته: "الملحد عدو الدين أبو الحسن أحمد بن يحيى بن إسحاق الريوندي صاحب التصانيف في الحط على الملة، وكان يلازم الرافضة والملاحدة فإذا عوتب قال إنما أريد أن أعرف أقوالهم، ثم إنه كاشف وناظر وأبرز الشبه والشكوك.. مات سنة ثمان وتسعين ومئتين": السير١٤/٥٩ - ٦١.
[ ٢٦٤ ]
العرض
١ - معنى العَرَض في اللغة:
قال الجوهري: "عَرَض له أمر كذا يعرض؛ أي ظهر، وعرضت عليه أمر كذا، وعرضت له الشيء، أي أظهرته له وأبرزته إليه"١.
وعَرَض الدنيا ماكان من مال، قل أو كثر٢. وعرضت الجند عرض العين: أي أمررتهم، لأنظر ما حالهم، ومن غاب منهم، وعرض الفرس في عدوه، إذا مر عارضًا على جنب واحد يعرض عرضًا، وعرض له خير أو شر بدا ٣.والعرض من أحداث الدهر؛ كالمرض ونحوه، سمي عرضًا لأنه يعترض، أي يأخذه فيما عرض من جسده، ورأيت فلانًا عرض العين أي لمحة٤.
ويلاحظ أن الفعل "عَرَض" يكون بمعنى ظهر أو بدا أو مر. وأما الاسم "عَرَض" فقد جاء بمعنى المال، أو المرض، ونحوه.
٢ - معنى العرض في الشرع:
لقد ورد لفظ العرض في كتاب الله، وفي سنة رسوله - ﷺ -، أما وروده في كتاب الله؛ فمثل قوله - تعالى -: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء - ٩٤] وقوله - تعالى -: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف - ١٦٩] .
وأما في السنة فمنه قوله - ﷺ -: "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس" ٥، والعَرَض في هذا الحديث، وفي الآيات السابقة، متاع الدنيا وحطامها٦.
_________________
(١) الصحاح ٣/١٠٨٢، وانظر: العين١/٢٧١.
(٢) انظر: معجم مقاييس اللغة ٤/٢٧٠ - ٢٧٦، الصحاح ٣/١٠٨٢ - ١٠٨٣، لسان العرب ٧/١٦٩ - ١٧٠.
(٣) انظر: العين ١/٢٧١ - ٢٧٦، معجم مقاييس اللغة ٤/٢٧٠، لسان العرب ٧ /١٦٧.
(٤) انظر: معجم مقاييس اللغة ٤/٢٧٦، ٢٨٠، لسان العرب ٧/١٦٩ - ١٧٠، المصباح المنير ٢/٤٠٢.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب الغنى غنى النفس ٤م١٨٢، ح ٦٤٤٦، ومسلم في كتاب الزكاة باب ليس الغنى عن كثرة العرض ٢/٧٢٦، ح ١٠٥١.
(٦) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم٧/١٤٠، فتح الباري١١/٢٧٢.
[ ٢٦٥ ]
٣ - معنى العرض في اصطلاح الفلاسفة والمتكلمين:
إن تقسيم الموجودات إلى عرض، وجوهر، كان من ابتداع أرسطو، وأتباعه من الفلاسفة١، وقد جعلوا للفظ العرض معنى زائدًا عما هو معروف في لغة العرب، وعما جاء في الكتاب والسنة، يبين ذلك قول ابن سينا في معنى العرض: "العرض اسم مشترك، يقال عرض لكل موجود في محل، ويقال عرض لكل موجود في موضوع، ويقال عرض للمعنى المفرد الكلي المحمول على كثيرين، حملًا غير مقوم، وهو العرضي، ويقال عرض لكل معنى موجود للشيء، خارج عن طبعه، ويقال عرض لكل معنى يحمل على الشيء، لأجل وجوده في آخر يقارنه. ويقال عرض لكل معنى وجوده في أول الأمر لا يكون"٢.
ويقول الفارابي: "والعرض معناه هو الذي في موضوع"٣. ويبين سبب تسميته عرضًا فيقول: "وليس يسمى عرضًا لدوام وجوده، ولا لسرعة زواله، بل معنى أنه عرض هو أنه لا يكون داخلًا في ماهية موضوعه"٤.
ويشرح البغدادي، صاحب المعتبر، التعريف المختار عند الفلاسفة، فيقول: "والعرض هو الموجود في موضوع، وفسروا الموجود في موضوع؛ بالموجود في شيء ليس هو جزء منه، أعني من الشيء الذي هو فيه، ولا يصح وجوده دون ماهو فيه، أعني لا يصح وجود الشيء الواحد المعين منه، إلا في الشيء المعين الذي هو موجود فيه"٥.
فالعرض عند الفلاسفة هو الذي لا يقوم بنفسه بل يحتاج إلى موضوع يحل فيه.
وقد أخذ المتكلمون لفظ العرض عن الفلاسفة، كما أخذوا معناه عنهم، وجعلوا تقسيم الأشياء إلى جوهر وعرض - كما يقول الإمام أبو المظفر السمعاني -، أصل قاعدة علومهم٦.
_________________
(١) انظر: الصفدية ١/١٢٥، الجواب الصحيح ٥/٤٤، الحروف للفارابي ص ٩٣، ٩٥، المعتبر في الحكمة ١/٧٣.
(٢) الحدود لابن سينا ص٢٥٠، وانظر: معيار العلم ص٢٩٢.
(٣) الحروف ص ٩٣، وانظر: تفسير ما بعد الطبيعة لابن رشد ص ٥٥٩، ٨١٩.
(٤) الحروف ص٩٦.
(٥) المعتبر ١/٧٣.
(٦) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/١٣٢.
[ ٢٦٦ ]
يقول عبد القاهر البغدادي: "الأعراض هي الصفات القائمة بالجواهر؛ من الحركة والسكون والطعم والرايحة "١. ويقول الباقلاني: "العرض هو الذي يعرض في الجوهر، ولا يصح بقاؤه وقتين"٢.
ويقول القاضي عبد الجبار، مبينًا معنى العرض في الاصطلاح: "وأما في الاصطلاح فهو ما يعرض في الوجود، ولا يجب لبثه كلبث الجواهر والأجسام"٣.
ويقول الرازي: "العرض هو الموجود في موضوع"٤.
وفي التعريفات للجرجاني: "العرض الموجود، الذي يحتاج في وجوده إلى موضع، أي محل يقوم به، كاللون المحتاج في وجوده إلى جسم يحله، ويقوم به"٥.
وتقسيم الموجودات إلى جواهر وأعراض قال به النصارى أيضًا، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "ولفظ العرض في اصطلاح النظار يراد به ما قام بغيره، سواء كان صفة لازمة، أو عارضة، وهذا موجب تقسيم النصارى، كما هو قول الفلاسفة"٦.
فمدار لفظ العرض عند الفلاسفة والمتكلمين، هو ما قام بغيره، وقد يكون صفة لازمة أو قد يكون صفة عارضة.
_________________
(١) أصول الدين ص ٣٣، وانظر: لمع الأدلة ص٨٧.
(٢) الإنصاف ص ١٦، وانظر: لمع الأدلة ص٨٧.
(٣) شرح الأصول الخمسة ص ٢٣٠.
(٤) المباحث المشرقية ١/٢٣٦، وانظر: المبين للآمدي ص١١٠.
(٥) التعريفات ص١٩٣، وانظر: التوقيف على مهمات التعاريف ص٥١٠، الكليات ص ٦٢٥.
(٦) الجواب الصحيح ٥/٤٤، وانظر: الإنصاف للباقلاني ص٧٨ - ٧٩، الإرشاد لأبي المعالي ص ٤٦ - ٤٧.
[ ٢٦٧ ]
٤ - إطلاق العرض على صفات الله:
لقد تبين في الصفحات السابقة المعنى الوارد في الكتاب والسنة للفظ العرض، وتبين مغايرة المعنى الشرعي له عن المعنى الذي يريده الفلاسفة والمتكلمون بهذا اللفظ. كما اتضح بعد المخالفين عن دلائل اللغة، وتحريفهم لمعاني الألفاظ وتقليد بعضهم بعضًا في ذلك.
والسلف والأئمة لم يطلقوا لفظ العرض في حق الله، لا بنفي، ولا بإثبات، بل بدّعوا أهل الكلام بذلك، وذموهم غاية الذم١.
بينما يطلق نفاة الصفات لفظ الأعراض على صفات الله، قالوا: والأعراض لا تقوم إلا بجسم، مركب، والمركب ممكن محتاج، وذلك عين النقص، ولذلك قالوا بنفي الصفات عن الله، اعتمادًا على هذه الشبهة، وغيرها من شبهاتهم الباطلة.
وللمثبتة للصفات ثلاث طرق في إطلاق لفظ العرض على صفات الله - تعالى -:
منهم من يمنع أن تكون أعراضًا، ويقول بل هي صفات، وليست أعراضًا، كما يقول ذلك الأشعري، وكثير من الفقهاء، من أصحاب الإمام أحمد وغيره.
ومنهم من يطلق عليها لفظ الأعراض، كهشام، وابن كرام وغيرهما.
ومنهم من يمتنع من الإثبات والنفي، كما قالوا في لفظ الغير، وكما امتنعوا عن مثل ذلك في لفظ الجسم ونحوه، فإن قول القائل العلم عرض بدعة، وقوله ليس بعرض بدعة، كما أن قوله الرب جسم بدعة، وقوله ليس بجسم بدعة٢.
والجواب لمن يطلق هذا اللفظ، أن يقال: أتعني بقولك أنها أعراض، أنها قائمة بالذات، أو صفة للذات، ونحو ذلك، من المعاني الصحيحة، أم تعني بها أنها آفات ونقائص، أم تعني بها أنها تعرض، وتزول، ولا تبقى زمانين. فإن عنيت الأول فهو صحيح، وإن عنيت الثاني فهو ممنوع، وإن عنيت الثالث فهذا مبني على قول من يقول العرض لا يبقى زمانين، فمن قال ذلك وقال: هي باقية، قال: لا أسميها أعراضًا، ومن قال: بل العرض يبقى زمانين، لم يكن هذا مانعا من تسميتها أعراضًا٣.
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/١٠٠.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ٦/١٠٢.
(٣) انظر: المرجع السابق ٦/١٠٣.
[ ٢٦٨ ]
ويقال له: ما تعني بقولك هذه الصفات أعراض لا تقوم إلا بجسم؟ أتعني بالجسم المركب، الذي كان مفترقًا فاجتمع، أو ما ركبه مركب، فجمع أجزاءه، أو ما أمكن تفريقه، وتبعيضه، وانفصال بعضه عن بعض، ونحو ذلك، أم تعني به ما هو مركب من الجواهر الفردة، أو من المادة والصورة، أو تعني به ما يمكن الإشارة إليه، أو ما كان قائمًا بنفسه، أو ما هو موجود، فإن عنيت الأول لم نسلم أن هذه الصفات التي سميتها أعراضًا، لا تقوم إلا بجسم، بهذا التفسير، وإن عنيت به الثاني لم نسلم امتناع التلازم فإن الرب - تعالى - موجود، قائم بنفسه، مشار إليه عندنا، فلا نسلم انتفاء التلازم على هذا التقدير١.
فالعرض إذًا من الألفاظ المجملة عند أهل الكلام والفلسفة، وهم يريدون من خلاله نفي صفات الله، لذا يجب الاستفصال عن مراد المتكلم بهذا اللفظ نفيًا وإثباتًا.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ٦/١٠٣ - ١٠٤.
[ ٢٦٩ ]
المعدوم
١ - معنى المعدوم في اللغة:
قال الخليل: "العَدم فقدان الشيء، وذهابه، والعُدم لغة، إذا أرادوا التثقيل فتحوا العين، وإذا أرادوا التخفيف ضموها. عدمت فلانا أعدمه عدمًا أي فقدته، أفقده، فقدًا، وفقدانًا؛ أي غاب عنك بموت، أو فقد، لا يقدر عليه، وأعدمه الله مني كذا، أي أفاته، ورجل عديم لا مال له، وقد عدم ماله، وفقده، وذهب عنه، والعديم الفقير"١.
فالعدم إذًا يدل على الفقدان والانتفاء.
ولم يرد لفظ المعدوم في كتاب الله، وورد في كتب السنة قول خديجة لرسول الله - ﷺ -: "كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"٢. قيل: أرادت تكسب الناس الشيء المعدوم الذي لا يجدونه مما يحتاجون إليه، وقيل: أرادت بالمعدوم الفقير الذي صار من شدة حاجته كالمعدوم نفسه٣.
٢ - معنى المعدوم في الاصطلاح:
يعرف أهل السنة، وكثير من المتكلمين، المعدوم بتعريفات متقاربة، فيقول شيخ الإسلام: "المعدوم الذي لا وجود له"٢.
ويقول الباقلاني في تعريف المعدوم: "هو المنتفي الذي ليس بشيء" ٥.
ويقول الرازي عن المعدوم أنه: "نفي محض"٣.
_________________
(١) ١ – العين ٢/٥٦، وانظر: الصحاح ٥/١٩٨٢، لسان العرب ١٢/٣٩٢، القاموس المحيط ص١٤٦٧.
(٢) جزء من حديث أخرجه البخاري في مواضع كثيرة منها في كتاب بدء الوحي، الباب الثالث ١/١٤، ح ٣، وبنحوه مسلم في كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ١/١٣٩ - ١٤١، ح ١٦٠.
(٣) انظر: لسان العرب ١٢/٣٩٣.
(٤) درء التعارض ٦/١١٩، ٣/٤٠٩.
(٥) الإنصاف ص١٥.
(٦) محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص٥٥.
[ ٢٧٠ ]
ويذكر الباقلاني أنواع المعدوم فيقول: "والمعدوم منتف ليس بشيء، فمنه معلوم معدوم لم يوجد قط، ولا يصح أن يوجد، وهو المحال الممتنع الذي ليس بشيء، وهو القول المتناقض، نحو اجتماع الضدين، وكون الجسم في مكانين، وما جرى مجرى ذلك مما لم يوجد قط ولا يوجد أبدًا. ومنه معدوم لم يوجد قط ولا يوجد أبدًا، وهو مما يصح ويمكن أن يوجد، نحو ما علم الله أنه لا يكون من مقدوراته..ومعلوم معدوم في وقتنا هذا وسيوجد فيما بعد نحو الحشر والنشر"١.
ويرى كثير من المعتزلة، والرافضة، أن المعدوم شيء، يقول ابن رشد: "وهذا المعدوم الممكن، ليس هو ممكنًا من جهة ما هو معدوم، ولا من جهة ما هو موجود بالفعل، وإنما هو ممكن من جهة ماهو بالقوة. ولهذا قالت المعتزلة إن المعدوم هو ذات ما؛ أعني المعدوم في نفسه، من جهة ما هو بالقوة، أعني أنه من جهة القوة، والإمكان، الذي له، يلزم أن يكون ذاتًا ما في نفسه، فإن العدم ذات ما"٢.
ويقول الرازي: "المعدوم إما أن يكون ممتنع الثبوت، ولا نزاع في أنه نفي محض، وإما أن يكون ممكن الثبوت، وهو عندنا، وعند أبي الهذيل، وأبي الحسين البصري من المعتزلة، نفي محض، خلافًا للباقين من المعتزلة"٣.
والقول بأن المعدوم شيء ثابت في العدم، هو مذهب باطل بالعقل الموافق للكتاب والسنة والإجماع. فالعدم يضاد الوجود والثبوت، فكيف يكون المعدوم شيء ثابت في العدم؟ فهذا قول ظاهر التناقض.
وإنما غلط هؤلاء من حيث لم يفرقوا بين علم الله بالأشياء قبل كونها، وأنها مثبتة عنده في أم الكتاب، في اللوح المحفوظ، وبين ثبوتها في الخارج عن علم الله - تعالى -، ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله - ﷾ - كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق، قبل أن يخلقها، فيفرقون بين الوجود العلمي، وبين الوجود العيني٤. وبفهم ذلك يتضح حقيقة المعدوم، وأنه يعني المنتفي الذي لا وجود له.
_________________
(١) التمهيد ص٤٠.
(٢) تهافت التهافت ص٧٧.
(٣) المحصل ص٥٥، وانظر: الكليات ص٦٥٥، درء التعارض ٥/١٠٢.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى ٢/٤٦٩ - ٤٧٠، الجواب الصحيح ٤/٣٠٠، الدرء ٢/٢٨٩.
[ ٢٧١ ]
الممتنع
١ - معنى الممتنع في اللغة:
يقول الخليل بن أحمد: "مَنَعْتُه أَمْنَعُه مَنْعًَا فامتنع، أي حُلتُ بينه وبين إرادته، ورجل منيع لا يخلص إليه، وهو في عز ومَنعَةٍ، ومنعة يخفف ويثقل، وامرأة منيعة، متمنّعة، لا تؤاتى على فاحشة، قد مَنُعَت مناعة، وكذلك الحصن ونحوه، ومَنُعَ مَناعةً إذا لم يُرَمْ"١.
وقال ابن فارس: "الميم والنون والعين أصل واحد، هو خلاف الإعطاء"٢.
فمادة منع تدل على عدم حصول الشيء، وعدم وقوعه، فمنعت الرجل فلم تحصل إرادته، والمرأة المتمنعة لاتقع منها فاحشة، ولا يحصل منها ذلك، والرجل المتمنع لا يمكن أن يخلص إليه، والحصن المنيع لا يمكن الحصول على من بداخله، والرجل المناع هو الذي لا يحصل منه العطاء.
٢ - معنى الممتنع في الشرع:
لم يرد لفظ الممتنع في الكتاب أو السنة، وورد الفعل منع وبعض اشتقاقاته، قال - تعالى -: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة - ١١٤]، وقال - تعالى -: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة - ٣٢ - ٣٣]، ومن السنة قوله - ﷺ -: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" ٣، وهو على معناه في اللغة.
_________________
(١) العين ٢/١٦٣، وانظر: لسان العرب٨/٣٤٣.
(٢) معجم مقاييس اللغة ٥/٢٧٨، وانظر: الصحاح ٣/١٢٨٧، لسان العرب٨/٣٤٣.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب رقم ١٣، ١/٢٨٦ ح ٩٠٠، ومسلم في كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة ١/٣٢٧، ح ٤٤٢.
[ ٢٧٢ ]
٣ - معنى الممتنع في الاصطلاح:
يتفق أهل السنة، مع الفلاسفة، والمتكلمين، في تعريف الممتنع مع اختلاف في العبارة، فيقول شيخ الإسلام في تعريف الممتنع: "الممتنع الذي لا يتصور وجوده في الخارج، وإنما يقدره الذهن تقديرًا"١.
وقال: "الممتنع هو ما لا يمكن وجوده في الخارج"٢.
ويعرف ابن سينا الممتنع بأنه ضروري العدم ٣.
ويقول الرازي: "..ولا استحقاق الوجود يصدق على أمرين أحدهما: الممتنع وهو واجب العدم"٣.
يقول الآمدي: "وأما الممتنع فما لو فرض موجودًا، لزم عنه المحال"٤.
وفي الصحايف: "والممتنع بالذات ما يقتضي لذاته عدمه"٥.
والممتنع نوعان: الأول الممتنع لنفسه مثل كون الشيء موجودًا معدومًا، والثاني: الممتنع لغيره مثل ما علم الله - تعالى - أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون، وكتب أنه لا يكون، فهذا لا يكون، وقد يقال إنه يمتنع أن يكون، لأنه لو كان للزم أن يكون علم الله بخلاف معلومه، وخبره بخلاف مخبره، لكن هذا هو ممكن في نفسه، والله قادر عليه كما قال: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة - ٤] ٧.
وعليه فتعريف الممتنع لنفسه هو: ما لا يمكن وجوده في الخارج، لأن ذاته تقتضي العدم.
_________________
(١) ١ – درء التعارض ١/٢٨٩. ٢ – منهاج السنة ٢/٢٨٩.
(٢) انظر: النجاة ١/٣٠، معيار العلم ص٣٣١. ٣ – المباحث المشرقية ١/٢٠٨. ٤ – المبين ص٧٩. ٥ – الصحايف الإلهية ص١٢٤.
(٣) انظر: منهاج السنة النبوية ٢/٢٨٩، معيار العلم ص٣٣٣، موسوعة مصطلحات دستور العلماء ص٨٩٠.
[ ٢٧٣ ]
المستحيل
١ - معنى المستحيل في اللغة:
ورد لفظ المستحيل في كتب اللغة ضمن مادة حول، قال في العين: "وكل شيء استحال عن الاستواء إلى العوج يقال له مستحيل"١.
وفي الصحاح: "وحال الشيء بيني وبينك أي حجز، وحال إلى مكان آخر أي تحول"٢. ورجل محوال كثير محال الكلام، والمحال من الكلام ما حول عن وجهه، وكلام مستحيل محال٣.
فلفظ المستحيل يدل على التغير من الاستواء إلى العوج، والكلام المستحيل هو الذي قد غير عن وجهه. ومن المادة نفسها حال أي حجز ومنع، وهنا تقارب لغوي بين لفظ حال ومنع.
٢ - معنى المستحيل في الشرع:
لم يرد لفظ المستحيل في كتاب الله، وقد ورد الفعل حال وبعض تصريفاته، قال - تعالى -: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾ [هود - ٤٣]، وقال - تعالى -: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ - ٥٤] . ومن السنة قوله - ﷺ -: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار" ٤. وهو على معناه في اللغة.
٣ - معنى المستحيل في الاصطلاح:
مصطلح المستحيل مرادف للممتنع٥، فيمكن تعريفه بتعريف الممتنع، حيث يقول الشهرستاني في تعريفه: "المستحيل هو ضروري العدم، بحيث لو قدر وجوده لزم منه محال"٦.وقال الغزالي: "فكل ما قدر العقل وجوده فلم يمتنع عليه تقديره سميناه ممكنا، وإن امتنع سميناه مستحيلا "٧. وهذه التعريفات تطابق تعريف الممتنع كما سبق.
_________________
(١) العين ٣/٢٩٨، وانظر: الصحاح ٤/١٦٨١، لسان العرب ١١/١٨٥.
(٢) الصحاح ٤/١٦٧٩، وانظر: العين ٣/٢٩٨.
(٣) انظر: العين ٣/٢٩٨، الصحاح ٤/١٦٨٠ - ١٦٨١، لسان العرب ١١/١٨٦.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ١/٣٢٠، ح ٤٢٧.
(٥) انظر: المعجم الفلسفي للدكتور صليبا ٢/٤٢٣.
(٦) نهاية الإقدام ص١٥.
(٧) تهافت الفلاسفة ص٤٩.
[ ٢٧٤ ]
الممكن
١ - معنى الممكن في اللغة:
قال الخليل: "..المكان في أصل تقدير الفعل مفعل، لأنه موضع للكينونة، غير أنه لما كثر أجروه في التصريف، مجرى الفعال، فقالوا مكنا له، وقد تمكن"١.
وقال الجوهري: "مكنه الله من الشيء، وأمكنه منه، بمعنى. واستمكن الرجل من الشيء، وتمكن منه، بمعنى. وفلان لا يمكنه النهوض، أي لا يقدر عليه"٢.
وتمكّن من الشيء، واستمكن، ظفر، والاسم من كل ذلك المكانة، ويقال أمكنني الأمر يمكنني فهو ممكن، ولا يقال أنا أمكنه بمعنى أستطيعه٣. و" مكّنه من الشيء، وأمكنه منه، أقدره عليه"٤.
ومكن فلان عند السلطان مكانة، عظم عنده وارتفع فهو مكين، ومكّنته من الشيء تمكينًا، جعلت له عليه سلطانًا، وقدرة، فتمكّن منه، واستمكن قدر عليه، وله مكنة أي قوة وشدة٥.
ويتبين مما سبق أن معنى الممكن في اللغة المقدور عليه، والإمكان القدرة على الشيء. والمكان موضع الكينونة.
٢ - معنى الممكن في الشرع:
لم يرد لفظ الممكن في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ -. وورد الفعل مكّن وأمكن ونحوها، قال - تعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ﴾ [يوسف - ٢١] وقال - تعالى -: ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال - ٧١] .
_________________
(١) العين ٥/٣٨٧.
(٢) الصحاح٦/٢٢٠٥.
(٣) انظر: لسان العرب ١٣/٤١.
(٤) المغرب ص٤٣٢.
(٥) انظر: المصباح المنير ٢/٧٩٤.
[ ٢٧٥ ]
قال القرطبي: "مكنا له في الأرض أي أقدرناه على ما يريد"١. وورد في السنة لفظ أمكن، قال رسول الله - ﷺ -: "إن عفريتًا من الجن جعل يفتك علي البارحة، ليقطع علي الصلاة، وإن الله أمكنني منه" ٢، أي أقدرني عليه.
٢ - معنى الممكن في اصطلاح الفلاسفة:
إن تقسيم الموجودات إلى ممكن وواجب هو مستحدث من ابن سينا، ومن جاء بعده من الفلاسفة المتأخرين٣. ويقول ابن سينا في تعريف الممكن: "الممكن هو الذي ليس يمتنع أن يكون، أو لا يكون، أو الذي ليس بواجب أن يكون، وأن لا يكون"٤. وقال أيضًا: "الممكن الوجود هو الذي متى فرض غير موجود، أو موجودًا، لم يعرض منه محال..والممكن الوجود هو الذي لا ضرورة فيه بوجه"٥، ثم تناقض في قوله حيث جعل ممكن الوجود بذاته، واجب الوجود بغيره، مع تناقض معنييهما، حيث قال: "وكل ما هو واجب الوجود بغيره، فإنه ممكن الوجود بذاته"٦، ومثله الفارابي٧.
ويقول ابن باجه: "الممكن وجوده صنفان: أحدهما الضروري، وهو ما لا يمكن عدمه، والآخر الموجود المطلق، وهو ما هو موجود وقتًا ما"٨.
وقال الغزالي مبينًا ما يعنيه الفلاسفة بممكن الوجود، وواجب الوجود: "لفظ الممكن والواجب لفظ مبهم، إلا أن يراد بالواجب ما لا علة له، ويراد بالممكن ما لوجوده علة زائدة على ذاته"٩.
وقال: "لا يفهم لفظ واجب الوجود، وممكن الوجود، فكل تلبيساتهم مخبأة في هاتين اللفظتين، فلنعدل إلى المفهوم، وهو نفي العلة وإثباتها"١٠.
_________________
(١) تفسير القرطبي ٩/٢١٧.
(٢) جزء من حديث أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة ١/٣٨٤، ح ٥٤١.
(٣) انظر: الصفدية ٢/١٨٠، منهاج السنة النبوية ٢/١٣٢.
(٤) الشفا قسم الإلهيات ١/٣٦.
(٥) النجاة ٢/٧٧.
(٦) المرجع السابق ٢/٧٨.
(٧) انظر: معجم المصطلحات الفلسفية لوهبة ص٦٦٧.
(٨) كتاب النفس ص٤٣، نقلا عن موسوعة مصطلحات الفلسفة عند العرب ص٨٤٩.
(٩) التهافت ص٨١.
(١٠) المرجع السابق ص١١٧.
[ ٢٧٦ ]
٣ - الممكن في اصطلاح المتكلمين، وأهل السنة:
يقول الغزالي: "الممكن هو الذات الذي لا يلزم ضرورة وجوده، ولا عدمه"١.
وقال الرازي: "الممكن لذاته هو الذي لا يلزم من فرض وجوده، ولا من فرض عدمه، من حيث هو محال"٢.
وقال "الممكن هو الذي يقبل الوجود، ويقبل العدم"٣.
وقال الشهرستاني: "والممكن معناه أنه جايز الوجود، وجايز العدم"٤.
وقال الآمدي: "وأما الممكن فعبارة عن ما لو فرض موجودًا أو معدومًا، لم يلزم عنه لذاته محال، ولا يتم ترجيح أحد الأمرين له إلا بمرجح من خارج. وفي المصطلح العامي عبارة عن ما ليس بممتنع الوجود"٥.
وتعريف أهل السنة للممكن موافق للتعريفات السابقة، فيعرف شيخ الإسلام الممكن بقوله: "الممكن هو الذي يقبل الوجود والعدم"٦.
وقال: "فإن الممكن هو الذي لا يوجد إلا بموجد يوجده" ٧.
وقال أيضًا: "فإن حقيقة الممكن هو الذي لا يوجد إلا بغيره لا بنفسه"٨.
فالتعريف المختار للممكن هو أنه الذي يقبل الوجود والعدم، ولا يوجد إلا بموجد يوجده.
إلا أن متأخري المتكلمين كالرازي، والآمدي، وافقوا الفلاسفة في إطلاق الواجب على الممكن، وأن الممكن يتناول ما يكون قديمًا أزليًا، وأن الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح، وفي طريقتهم في الاستدلال بتقسيم الوجود إلى ممكن وواجب، لإثبات وجود الله، مع أنه لا يوصل إلى المطلوب٩.
_________________
(١) مقاصد الفلاسفة ص٢٠٤.
(٢) المحصل ص٧١، وانظر: المطالب العالية ١/٨١.
(٣) المطالب العالية ١/٨١، ٧٢.
(٤) نهاية الإقدام ص١٨.
(٥) المبين ص٧٩ - ٨٠.
(٦) الاصفهانية ص٣٤.
(٧) درء التعارض ٤/٢٢٦، وانظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٥٤١.
(٨) درء التعارض ٩/١٤٦
(٩) انظر: محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص٦٩ - ٨١، المطالب العالية ١/٧٢ - ١٣٠، المبين ص٧٩.
[ ٢٧٧ ]
٤ - الرد على الفلاسفة:
لقد اضطرب الفلاسفة في تعريفهم للمكن، حيث جعلوه ممكنًا ثم أطلقوا لفظ الواجب عليه، وقالوا إن الممكن ما لوجوده علة، وجعلوه ملازمًا لهذه العلة فكان الممكن أزليًا كعلته، وهذا ظاهر البطلان، ويتضح بطلانه من خلال الوجوه الآتية:
أولًا: أن الفلاسفة تناقضوا حيث جعلوا العالم ممكن الوجود، مع قولهم بأنه قديم لم يزل، فقول القائل إن الممكن هو الذي يقبل الوجود والعدم، مع قوله بأنه لم يزل موجودًا، جمع بين قولين متناقضين، وإذا قيل هو ممكن باعتبار ذاته كان قوله أيضًا متناقضًا، سواء عنى بذاته الوجود في الخارج، أو شيئًا آخر يقبل الوجود في الخارج، فإن تلك الذات إذا لم تزل موجودة ووجودها واجب، لم تكن قابلة للعدم أصلًا، ولم يكن عدمها ممكن أصلًا١.
ثانيًا: أن القائلين بأن العالم ممكن وهو قديم كابن سينا، وأمثاله، من متأخري الفلاسفة، قد خالفوا معلمهم أرسطو، كما خالفوا سائر العقلاء، فلم يقل أرسطو أن الفلك قديم، وهو ممكن بذاته، بل كان عندهم ما عند سائر العقلاء، أن الممكن هو الذي يمكن وجوده وعدمه، ولا يكون كذلك إلا ما كان محدثًا، والفلك عندهم ليس بممكن، بل هو قديم لم يزل، وحقيقة قولهم أنه واجب لم يزل، ولا يزال٢.
فالممكن هو المحدث عند عامة العقلاء من الفلاسفة وغيرهم، والمحدث لا بد له من فاعل وهذا أيضًا معلوم، بين، مسلّم عند عامة العقلاء٣.
ثالثًا: أن حقيقة قولهم أنهم قدروا أمورًا متسلسلة كل منها واجب الوجود، ضروري يمتنع عدمه، وكل منها معلول وسموه باعتبار ذلك ممكنًا، وقالوا إنه يقبل الوجود والعدم، وحينئذ فلا يمكنهم إثبات افتقار واحد منها إلى علة، فضلًا عن افتقارها كلها، ويعود الأمر إلى الممكن الذي أثبتوه، وهو الضروري الواجب الوجود القديم الأزلي، هل يفتقر إلى فاعل ومرجح يرجح وجوده على عدمه، وقد عرف أنه ليس لهم على ذلك دليل، بل جميع العقلاء يقولون إن هذا لا يفتقر إلى فاعل، ولهذا لما بنوا إثبات واجب الوجود على
_________________
(١) انظر: منهاج السنة ١/٣٧٧.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ٥/٥٤٠.
(٣) انظر: الدرء ٨/١٧٢.
[ ٢٧٨ ]
إثبات هذا الممكن، كما فعله ابن سينا، والرازي، والآمدي، وغيرهم، لم يمكنهم إقامة دليل على أن هذا الممكن بهذا التفسير يفتقر إلى فاعل، وورد على هذا الممكن من الأسئلة ما لم يمكنهم الجواب عنه١.
وبهذا يتضح فساد قول الفلاسفة في الممكن، وما ستروه تحت هذا اللفظ من معان باطلة.
وخلاصة القول أن تعريف الفلاسفة المتأخرين للممكن متناقض، وغير مقبول عقلًا. بينما يتفق أهل السنة مع المتكلمين في تعريفهم للممكن بأنه الذي يقبل الوجود والعدم، ولا يوجد إلا بموجد يوجده.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ٨/١٧٨.
[ ٢٧٩ ]
واجب الوجود
١ - معنى واجب الوجود في اللغة:
سبق بيان معنى الوجود في اللغة١، وأما لفظ واجب فيقول الجوهري: "وجب الشيء أي لزم، يجب وجوبًا، وأوجبه الله..ووجب الميت إذا سقط ومات، ويقال للقتيل واجب"٢.
وقال ابن فارس: "الواو والجيم والباء أصل واحد، يدل على سقوط الشيء ووقوعه، ثم يتفرع"٣، وفي اللسان: "وجب الشيء يجب وجوبًا أي لزم، وأوجبه هو، أو استوجبه أي استحقه"٤. فالوجوب في اللغة هو اللزوم، كما يأتي بمعنى السقوط.
ولم يرد لفظ واجب الوجود في القرآن الكريم، ولم يرد في أحاديث الرسول - ﷺ -. وورد لفظ وجب في القرآن في قوله - تعالى -: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج - ٣٦] .
وورد لفظ الواجب في السنة نحو قوله - ﷺ -: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" ٥، أي لازم وثابت٦.
_________________
(١) انظر: البحث ص١٨٧.
(٢) الصحاح ١/٢٣٢، وانظر: العين ٦/١٩٣.
(٣) معجم مقاييس اللغة ٦/٨٩.
(٤) لسان العرب١/٧٩٣.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان ١/٢٨٥، ح ٨٩٥، ومسلم في كتاب الجمعة، باب وجوب غسل الجمعة ٢/٥٨٠، ح ٨٤٦.
(٦) النهاية في غريب الحديث ٥/١٥٢.
[ ٢٨٠ ]
٢ - معنى واجب الوجود في اصطلاح الفلاسفة والمتكلمين:
قد بينت فيما سبق أن تقسيم الموجودات إلى واجب وممكن مستحدث من ابن سينا ومن جاء بعده، وفي تعريف الواجب يقول ابن سينا: "إن الواجب الوجود، هو الموجود الذي متى فرض غير موجود، عرض منه محال..والواجب الوجود هو الضروري الوجود"١.
ويقسم واجب الوجود إلى قسمين فيقول: "ثم إن الواجب الوجود قد يكون واجبًا بذاته، وقد لا يكون بذاته، أما الذي هو واجب الوجود بذاته فهو الذي بذاته، لا لشيء آخر، أي شيء كان يلزم محال من فرض عدمه. وأما الواجب الوجود لا بذاته، فهو الذي لو وضع الشيء مما ليس هو، صار واجب الوجود"٢. وتابعه على هذا التقسيم بعض متأخري المتكلمين كالرازي٣.
ويقول الرازي: "..فسرنا واجب الوجود بذاته، بأنه الموجود الذي تكون حقيقته غير قابلة للعدم البتة"٤.
وعرفه الرازي أيضًا بأنه الذي يكون غنيًا في وجوده عن السبب٥. وقال التفتازاني: "الوجوب ضرورة الوجود أو اقتضاؤه أو استحالته العدم"٦. وفي الصحايف: "الواجب بالذات ما يقتضي لذاته وجوده في الخارج"٧.
٣ - موقف أهل السنة من لفظ واجب الوجود:
لفظ واجب الوجود غير وارد في كلام الله - تعالى -، ولا في كلام رسوله - ﷺ - كما أسلفت، وقد استحدثه الفلاسفة المتأخرون، يقول شيخ الإسلام: "وأما الكلام بلفظ الواجب الوجود، وممكن الوجود، فهذا من كلام ابن سينا وأمثاله، الذين اشتقوه من كلام المتكلمين المعتزلة ونحوهم، وإلا فكلام سلفهم، إنما يوجد فيه لفظ العلة والمعلول"٨.
_________________
(١) النجاة ٢/٧٧، وانظر: معيار العلم ص٣٣١، المبين ص٧٩.
(٢) النجاة ٢/٧٧، وانظر: معيار العلم ص٣٣١ - ٣٣٢، المبين ص٧٩، التعريفات ص٣٠٤.
(٣) انظر: المباحث المشرقية١/٢١٤.
(٤) المطالب العالية ١/١٣٤.
(٥) انظر: المرجع السابق ١/١٣٤.
(٦) شرح المقاصد ١/٤٥٨.
(٧) الصحايف الإلهية ص١٢٤.
(٨) الصفدية ٢/١٨٠، وانظر: منهاج السنة النبوية ٢/١٣٢.
[ ٢٨١ ]
فالفلاسفة المتأخرون غالب ما يسمون الرب - تعالى - بواجب الوجود١، وقلدهم في ذلك متأخرو الأشاعرة٢، وهذا غير صحيح؛ لعدم ورود هذا اللفظ، فضلًا عن أن يكون من الأسماء الحسنى.
وأهل السنة قد يطلقون واجب الوجود على الله، من باب الإخبار عن الله، وذلك في المناظرات، والمناقشات، مع من يستخدم هذا اللفظ. كما أنهم يرون أن الوجوب الذي دل عليه الدليل هو وجوده - سبحانه - بنفسه، واستغناؤه عن موجد. بينما يضيف الفلاسفة إلى هذا اللفظ معاني أخرى غير صحيحة.
يقول شيخ الإسلام عن ابن سينا: "فسلك طريق تقسيم الوجود إلى الواجب والممكن، كما يقسمونه هم إلى القديم والمحدث٣. وتكلم على خصائص واجب الوجود بكلام بعضه حق وبعضه باطل، لأن الوجوب الذي دل عليه الدليل، إنما هو وجوده بنفسه، واستغناؤه عن موجد، فحمل هو هذا اللفظ ما لا دليل عليه، مثل عدم الصفات، وأشياء غير هذه. وهذا اشتقه من كلام المعتزلة في القديم، فلما أثبتوا قديمًا، وأخذوا يجعلون القدم مستلزمًا لما يدعونه من نفي الصفات، جعلوا الوجود٤ الذي ادعاه، كالقدم الذي ادعوه، وليس في واحد منهما ما يدل على مقصود الطائفتين"٥.
ولفظ واجب الوجود فيه إجمال؛ فقد يراد به الموجود بنفسه، الذي لا فاعل له، ولا علة فاعلة له، وذات الرب - ﷿ - وصفاته واجبة الوجود بهذا الاعتبار. ويراد به مع ذلك المستغني عن محل يقوم به، والذات بهذا المعنى واجبة دون الصفات. ويراد به ما لا تعلق له بغيره، أو ما لا يلازم غيره لينفوا بذلك صفاته اللازمة له وهذا باطل٦. ولذلك لابد من الاستفصال عن المراد بهذا اللفظ.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ٢/٣٩١.
(٢) انظر: شرح أسماء الله الحسنى ص٣٥٩.
(٣) أي كما يقسمه المتكلمون من المعتزلة وأمثالهم.
(٤) لعلها الوجوب.
(٥) الصفدية ٢/١٨١، وانظر: منهاج السنة النبوية ٢/١٣١ - ١٣٢.
(٦) انظر: الجواب الصحيح ٣/٢٨٩ - ٢٩٠، منهاج السنة ٢/١٣١ - ١٣٢، درء التعارض٨/١٢٣ - ١٢، الصفدية٢/٢٨ - ٢٩.
[ ٢٨٢ ]
العالَم
١ - معنى العالم في اللغة:
جاء التعريف بلفظ العالم في اللغة تحت مادة علم، وفي معنى العالم يقول الخليل:
"والعالَم الطّمْش، أي الأنام، يعني الخلق كله، والجمع عالمون "١. والطّمْش الناس٢، والأنام ما على ظهر الأرض من جميع الخلق٣.
وقال الجوهري: "العالَم: الخلق، والجمع العوالم، والعالمون: أصناف الخلق"٤.
ويقول ابن فارس:"وقال قوم: العالم سمِّي لاجتماعه، قال الله - تعالى -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة - ٢] قالوا الخلائق أجمعون"٥.
وقيل: العالم هو ما احتواه بطن الفلك، ولا واحد للعالم من لفظه لأن عالمًا جمع أشياء مختلفة٦.
وفي المصباح المنير: "العالَم بفتح اللام، الخلق، وقيل مختص بمن يعقل"٧.
وعلى هذا فمعنى العالم في اللغة هو الخلق كله، وقيل إنه مختص بمن يعقل.
_________________
(١) العين ٢/١٥٣.
(٢) انظر: العين ٦/٢٤١، لسان العرب ٦/٣١٢.
(٣) انظر: العين٨/٣٨٨.
(٤) الصحاح ٥/١٩٩١، وانظر: لسان العرب ١٢/٤٢٠.
(٥) معجم مقاييس اللغة ٤/١١٠.
(٦) انظر: لسان العرب ١٢/٤٢٠، القاموس المحيط ص ١٤٧٢.
(٧) المصباح المنير ٢/٥٨٤، وانظر: لسان العرب١٢/٤٢١.
[ ٢٨٣ ]
٢ - معنى العالم في الاصطلاح:
أ - معنى العالم عند أهل السنة:
لفظ العالم لا يوجد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ -، ولا في كلام الصحابة - ﵃ -، والموجود هو لفظ العالمين، قال - تعالى -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة - ٢]، وقال - سبحانه -: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران - ٤٢] وغيرها من الآيات. وورد لفظ العالمين في السنة ومنه قوله - ﷺ -: "حتى يضع فيها رب العالمين قدمه" ١.
ويذكر أهل السنة في معنى العالمين روايتين: الأولى قول ابن عباس - ﵁ -: "رب العالمين: الجن والإنس "٢، وهذا منقول عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وجماعة من المفسرين٣. والرواية الثانية: عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الحمد لله الذي له الخلق كله، السماوات، والأرض، ومن فيهن، وما بينهن، مما يعلم ولا يعلم"٤.
ويرجح الأزهري الرواية الأولى فيقول: "والدليل على صحة قول ابن عباس قول الله - جل وعز -: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان - ١] وليس النبي - ﷺ - نذيرًا للبهائم، ولا للملائكة، وهم كلهم خلق الله، وإنما بعث محمد - ﷺ - نذيرًا للجن والإنس"٥.
ويقول الطبري - ﵀ -: "والعالمون جمع عالم، والعالم جمع لا واحد له من لفظه؛ كالأنام والرهط والجيش، ونحو ذلك من الأسماء التي هي موضوعات على جمع لا واحد له من لفظه، والعالم اسم لأصناف الأمم، وكل صنف منها عالم، وأهل كل قرن من كل صنف منها عالم ذلك القرن، وذلك الزمان "٦. وقال ابن كثير - ﵀ -: "والعالمين جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله - ﷿ -، والعالم جمع لا واحد له من لفظه،
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب قول الله تعالى "وهو العزيز الحكيم"٤/٣٨٠ - ٣٨١، ح ٧٣٨٤.
(٢) تفسير الطبري ١/٦٣.
(٣) انظر: تفسير الطبري ١/٦٣، تفسير ابن كثير ١/٢٥، تفسير القرطبي ١/١٣٨.
(٤) تفسير الطبري ١/٦٣، وانظر: تفسير ابن كثير ١/٢٥.
(٥) تهذيب اللغة للأزهري ٢/٤١٦.
(٦) تفسير الطبري ١/٦٢ - ٦٣.
[ ٢٨٤ ]
والعوالم أصناف المخلوقات في السماوات وفي البر والبحر، وكل قرن منها وجيل يسمى عالمًا"١.
وقال الفراء٢وأبو عبيدة٣: "العالم عبارة عمن يعقل، وهم أربعة أمم: الإنس، والجن، والملائكة، والشياطين، ولا يقال للبهائم عالم "٤.
وقد جمع شيخ الإسلام - ﵀ - بين الأقوال السابقة، حيث قال: "ولفظ العالم ليس في القرآن، ولا يوجد في كلام النبي - ﷺ -، ولا كلام أحد من الصحابة، والتابعين، وإنما الموجود لفظ العالمين، وفيه عموم كقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة - ٢] وقد يقال فيه خصوص كقوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية - ١٦] وقوله: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران - ٤] ..عند من يجعل ذلك المراد به الآدميون، أو أهل عصرهم"٥. لكن عند الإطلاق فإن لفظ العالم عام، قال شيخ الإسلام: "والمراد بالعالم في الاصطلاح هو كل ما سوى الله"٦.
فالعالم إذًا هو كل ما سوى الله - تعالى -، وقد يأتي خاصًا فيخص الآدميون، أو من يعقل، أو أهل عصر معين.
_________________
(١) تفسير ابن كثير ١/٢٥.
(٢) العلامة صاحب التصانيف أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسدي، مولاهم الكوفي النحوي، قال بعضهم الفراء أمير المؤمنين في النحو، له عدة مؤلفات منها معاني القرآن، توفي سنة سبع ومائتين وله ثلاث وستون سنة. انظر: سير أعلام النبلاء ١٠/١١٨ - ١٢٠، كشف الظنون ٢/١٧٣٠، ١٧٠٣، ١٤٤٧، ١٤٥٧، ١٤٦١، ١٥٧٧.
(٣) معمر بن المثنى التيمي بالولاء، البصري، أبو عبيدة النحوي، من أئمة العلم بالأدب واللغة، وكان شعوبيا، وقيل: كان يرى رأي الخوارج الإباضية، من مؤلفاته مجاز القرآن، توفي سنة ٢١٠ هجرية، انظر: سير أعلام النبلاء٩/٤٤٥، بغية الوعاة ٢/٢٩٤، شذرات الذهب ٢/٢٤.
(٤) تفسير القرطبي ١/١٣٨، وانظر: تفسير ابن كثير ١/٢٥.
(٥) بيان تلبيس الجهمية ١/١٥٩.
(٦) درء التعارض ١/١٢٥.
[ ٢٨٥ ]
ب - معنى العالم عند المتكلمين:
يعرف كثير من المتكلمين لفظ العالم، بتعريف موافق لتعريف أهل السنة، فيقول البغدادي: "العالم عند أصحابنا، كل شيء هو غير الله - ﷿ - "١، ويقول الرازي: "العالم كل موجود سوى الله"٢، وفي الصحايف الإلهية: "العالم عند المتكلمين كل ما يوجد سوى الله - تعالى - "٣، ويقول الآمدي: "وأما العالم فعبارة عما عدا الباري - ﷾ - من الموجودات"٤، وقال الراغب: "والعالم اسم للفلك وما يحويه من الجواهر والأعراض"٥.
إلا أن الجويني قد زاد في تعريفه للعالم حيث قال: "العالم وهو كل موجود سوى الله - تعالى - وصفة ذاته"٦، وفي هذا إشارة إلى أن صفات الفعل ليست قائمة في ذات الله، وأنها مخلوقة، وهو مذهب كثير من المتكلمين، وقد سبق بيان رد أهل السنة عليهم في ذلك، ويتبين هنا مغايرة تعريف بعض المتكلمين، لتعريف أهل السنة في جزء من معناه، حيث يجعلون الصفات الفعلية للرب - تعالى -، جزءًا من هذا العالم المحدث المخلوق.
جـ - معنى العالم عند الفلاسفة:
يعرف ابن سينا العالم فيقول: "حد العالم مجموع الأجسام الطبيعية البسيطة كلها، ويقال عالم لكل جملة موجودات متجانسة كقولنا عالم الطبيعة"٧.
ويذكر التهانوي أن العالم في عرف الحكماء: "اسم لكل ما وجوده ليس من ذاته من حيث هو كل، وينقسم إلى روحاني وجسماني، وقد يقال العالم اسم لجملة الموجودات الجسمانية من حيث هي جملة، وهي ما حواه السطح الظاهر من الفلك الأعلى"٨.
_________________
(١) ١ – أصول الدين ص٣٥. ٢ – المطالب العالية ٩/٢٩١. ٣ – الصحايف الإلهية ص٣٩٩، والصحايف الإلهية لشمس الدين محمد بن أشرف السمرقندي، ويرجح محقق الصحايف الدكتور أحمد الشريف أن السمرقندي عاش حتى سنة٦٩٠ هجرية. انظر: الصحايف ص٣٠. ٤ – المبين ص٩٩، وانظر: التعريفات للجرجاني ص١٨٩. ٥ – المفردات للراغب الأصفهاني ص٥٨١، وانظر: الكليات ص٦٣٧، بصائر ذوي التمييز ٤/٩٥. ٦ – الإرشاد ص١٧. ٧ – كتاب الحدود لابن سينا ضمن المصطلح الفلسفي عند العرب ص٢٥٢، وانظر: معيار العلم ص٢٩٣، المعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا ٢/٤٥-٤٧، معجم المصطلحات الفلسفية لمراد وهبة ص٤٣٩، المعجم الفلسفي للدكتور الحفني ص١٩٨. ٨ – كشاف اصطلاحات الفنون٢/١٠٥٣.
[ ٢٨٦ ]
فالعالم عند الفلاسفة يراد به مجموع الأجسام الطبيعية البسيطة، فتخرج العقول والنفوس عن مسمى العالم عندهم، فلا يكون العالم هو كل ما سوى الله. وإذا خصص وقيل عالم الطبيعة أو عالم العقل أو عالم النفس، فإنه يراد به جملة موجودات متجانسة. فتعريفهم مغاير لتعريف أهل السنة وطوائف المتكلمين. بل ومغاير لمعنى العالم في اللغة.
د - معنى العالم عند أهل الوحدة:
يرى أهل الوحدة أن العالم هو عين وجود الرب - تعالى عن قولهم -، لذا يقولون في تعريف العالم: "العالم هو الظل الثاني، وليس إلا وجود الحق الظاهر بصور الممكنات كلها، فلظهوره بتعيناتها سُمّي باسم السوى، والغير، باعتبار إضافته إلى الممكنات، إذ لا وجود للممكن إلا بمجرد هذه النسبة، وإلا فالوجود عين الحق..فالعالم صورة الحق، والحق هوية العالم وروحه"١.
ويذكر هذا المعنى صاحب دستور العلماء فيقول عن العالم عند أهل الوحدة: "هو الحق المتجلي بصفاته، لأنه اسم لما سوى الله - تعالى - وسواه منتف عندهم، فبالضرورة هو الحق المتجلي بصفاته"٢.
وقولهم ظاهر الفساد، وحقيقته تعطيل الصانع، وأنه ليس وراء الأفلاك شيء فلو عدمت السماوات والأرض، لم يكن ثم شيء موجود، وقد صرح بهذا كبار محققيهم، وعارفيهم، كما بين ذلك شيخ الإسلام في ردوده عليهم٣.
_________________
(١) معجم كلمات الصوفية لأحمد النقشبندي ص٥٥.
(٢) موسوعة مصطلحات جامع العلوم ص٥٧٢.
(٣) انظر: الصفدية ٢/٢٤٤، بيان تلبيس الجهمية١/٢١٢ - ٢١٣، التدمرية ص١٠٨، مجموعة الرسائل ١/٨٠، ٤/٦ - ٧.
[ ٢٨٧ ]
العالم حادث
"حدوث العالم"
١ - معنى الحدوث في اللغة:
يقول الخليل:"والحديث الجديد من الأشياء، ورجل حدث كثير الحديث، والحَدَث الإبْداء"١.
وقال ابن فارس: "الحاء والدال والثاء أصل واحد؛ وهو كون الشيء لم يكن، يقال حدث أمر بعد أن لم يكن "٢.
وفي الصحاح: "والحدوث كون الشيء لم يكن، وأحدثه الله فحدث، وحدث أمر أي وقع"٣.
وحدث الشيء حدوثًا تجدد وجوده فهو حادث وحديث، ومنه يقال حدث به عيب إذا تجدد وكان معدومًا٤.
والحديث نقيض القديم، والحديث الخبر، واستحدثت خبرًا أي وجدت خبرًا جديدًا٥.
ويتضح مما سبق أن لفظ الحدوث يعني كون الشيء لم يكن، كما يعني تجدد وجود الشيء، والحديث نقيض القديم، والحديث الجديد.
٢ - معنى الحدوث عند أهل السنة:
لم يرد لفظ الحدوث أو الحادث في كتاب الله، وإنما ورد لفظ أُحْدِث ويحدث ومحدث وحديث ونحوها، قال - تعالى -: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق - ١] وقال - تعالى -: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء - ٢] ومعنى محدث هنا: "أي جديد إنزاله"٦، وأما معنى قوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق - ١]
_________________
(١) العين ٣/١٧٧.
(٢) معجم مقاييس اللغة ٢/٣٦.
(٣) الصحاح ١/٢٧٨، وانظر: لسان العرب ٢/١٣١.
(٤) انظر: المصباح المنير ١/١٢٤.
(٥) انظر: الصحاح ١/٢٧٨. ٦ – تفسير ابن كثير ٣/١٨١، وانظر: تفسير الطبري ٢٨/١٣٥، مجموع الفتاوى ١٢/٥٢٢.
[ ٢٨٨ ]
فيقول الطبري: "يقول - جل ثناؤه - لا تدري ما الذي يحدث، لعل الله يحدث بعد طلاقكم إياهن رجعة"١.
ولم يرد لفظ الحدوث أو الحادث في السنة٢، ولكن ورد الفعل منه وبعض مشتقاته كمحدث وحديث ونحوها، ومن ذلك قوله - ﷺ -: "إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة" ٣. وهذا الحديث موافق لقوله - تعالى -: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء - ٢]، قال شيخ الإسلامابن تيمية - ﵀ -: "لما قال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [الأنبياء - ٢] علم أن الذكر منه محدث، ومنه ما ليس بمحدث، لأن النكرة إذا وصفت ميز بها بين الموصوف وغيره، كما لو قال: ما يأتينى من رجل مسلم إلا أكرمته، وما آكل إلا طعامًا حلالًا، ونحو ذلك، ويعلم أن المحدث في الآية ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمي، ولكنه الذي أنزل جديدًا، فإن الله كان ينزل القرآن شيئًا بعد شيء، فالمنزل أولًا هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخرًا، وكل ما تقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب، كما قال: ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس - ٣٩]، وقال: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف - ٩٥]، وقال: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف - ١١] "٤.
فالمحدث في الشرع جاء بمعنى جديد الإنزال. كما قد يراد بالمحدث المخلوق المسبوق بالعدم.
_________________
(١) تفسير الطبري ٢٨/١٣٥، وانظر: تفسير ابن كثير ٤/٤٠٣.
(٢) وذلك حسب إطلاعي.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب "كل يوم هو في شأن" ٤/٤١٠.
(٤) مجموع الفتاوى ١٢/٥٢٢.
[ ٢٨٩ ]
٣ - معنى حدوث العالم في الاصطلاح:
أ - معنى "حدوث العالم" عند أهل السنة:
ذكرت فيما سبق أن لفظ العالم لا يوجد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ -، ولا في كلام الصحابة، والمعنى الصحيح المفهوم من هذه العبارة "العالم حادث" أن كل ما سوى الله مخلوق، حادث كائن بعد أن لم يكن، وأن الله وحده القديم الأزلي، وهذا المعنى هو المعروف عن الأنبياء، وأتباع الأنبياء، من المسلمين، واليهود، والنصارى، وهو مذهب كثير من الفلاسفة وغيرهم١، يقول ابن تيمية - ﵀ -: "والمشهور من مقالة أساطين الفلاسفة، قبل أرسطو، هو القول بحدوث العالم، وإنما اشتهر القول بقدمه عنه، وعن متبعيه كالفارابي، وابن سينا، والحفيد، وأمثالهم"٢.
ب - معنى "حدوث العالم" عند المتكلمين:
معنى الحدوث عند المتكلمين هو الخروج من العدم إلى الوجود، أو هو حصول الشيء بعد أن لم يكن٣، وفي التعريفات للجرجاني:"الحدوث عبارة عن وجود الشيء بعد عدمه"٤.
وعندما يقال: العالم حادث، يُضَمّن المتكلمون معنى غير صحيح لهذا المصطلح؛ فالمعتزلة يرون أن صفات الله مخلوقة، بائنة عنه، وكثير من المتكلمين من الأشاعرة يجعل صفات الله الفعلية، بائنة عن ذات الله، وأنها مخلوقة داخلة في مسمى العالم٥، ومن ضمن ما يعنونه بقولهم "العالم حادث": أن كل ما سوى الله مخلوق كائن بعد أن لم يكن، وأن الله لم يزل لا يفعل شيئًا، ولا يتكلم بمشيئته، ثم حدثت الحوادث من غير سبب يقتضي ذلك، وأنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها. فهذا المعنى هو الذي يعنيه أهل الكلام من الجهمية، والمعتزلة، ومن اتبعهم من الأشاعرة، بحدوث العالم. وهذا المعنى الذي أضافوه معنى باطل لا يوجد في كتاب الله، ولم يعرف عن الأنبياء، ولا يوجد في حديث عن النبي
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١/١٢٥.
(٢) انظر: الصفدية ١/١٣٠.
(٣) انظر: الكليات ص٤٠٠، موسوعة مصطلحات دستور العلماء ص٣٤٥.
(٤) التعريفات ص١١٦.
(٥) انظر: الإرشاد ص١٧، الأسماء والصفات ص١٣٨، شرح الأصول الخمسة ص١٥١، ١٨٣، ٥٢٨.
[ ٢٩٠ ]
- ﷺ -، ولا أثر عن صحابته - ﵃١. وقد جعلوا حدوث العالم الدليل الأكبر على وجود الله، لكن طريقة تقريرهم لهذا الدليل لم تكن صحيحة، ولذلك رد عليها كثير من النظار من أهل السنة، ومن المتكلمين أنفسهم، ومن الفلاسفة٢.
ج - معنى "حدوث العالم" عند الفلاسفة المتأخرين:
لقد أحدث الفلاسفة المتأخرون؛ كابن سينا، وأمثاله، لهذه العبارة معنى مبتدعًا باطلًا، حيث قالوا: العالم محدث: أي معلول لعلة قديمة، أزلية، أوجبته فلم يزل معها، وأن العالم معلول، ممكن بنفسه، واجب بغيره، وأن وجوده من غيره، لا من نفسه٣.
يقول الآمدي مبينًا معنى حدوث العالم عند الفلاسفة: "وأما الحادث فقد يطلق ويراد به ما يفتقر إلى العلة، وإن كان غير مسبوق بالعدم كالعالم، وعلى ما لوجوده أول وهو مسبوق بالعدم. فعلى هذا العالم إن سمي عندهم قديمًا فباعتبار أنه غير مسبوق بالعدم، وإن سمي حادثًا فباعتبار أنه مفتقر إلى العلة في وجوده"٤.
وقسموا الحدوث إلى نوعين:
١ - حدوث ذاتي: وهو كون الشيء مفتقرًا في وجوده إلى الغير، وهي العلة عندهم٥.
٢ - حدوث زماني: وهو كون الشيء مسبوقًا بالعدم سبقًا زمانيًا٦.
فحقيقة قولهم هي أن العالم قديم غير مخلوق، وكونه محدثًا يعني افتقاره إلى العلة وإن لم يسبق بالعدم.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١/١٢٥ - ١٢٦.
(٢) انظر في الرد على براهينهم في حدوث العالم: درء التعارض ٢/٣٤٤وما بعدها، ٣/٣ - ٢٣، ٤٤٨ - ٤٤٩، ٤/١٩، ٢٦٧ - ٢٦٨ نقض التأسيس ١/١١٧، التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى ٥/٢٥٤ - ٢٥٥، شرح الأصفهانية ص٧٠ - ٧٣، مناهج الأدلة ص٤٧ - ٤٨.
(٣) انظر: درء التعارض ١/١٢٥ - ١٢٦، الصفدية ١/٢٤٠.
(٤) المبين ص١١٩، وانظر: موسوعة مصطلحات دستور العلماء ص٣٤٥.
(٥) انظر: الحدود لابن سينا ضمن المصطلح الفلسفي للدكتور الأعسم ص٢٦٢، النجاة لابن سينا ٢/٧٥، تعريفات الجرجاني ص١١٦، موسوعة مصطلحات دستور العلماء ص ٣٤٥.
(٦) انظر: الحدود لابن سينا ضمن المصطلح الفلسفي للدكتور الأعسم ص٢٦٢، النجاة لابن سينا ٢/٧٠ - ٧١، تعريفات الجرجاني ص١١٦، موسوعة مصطلحات دستور العلماء ص٣٤٥.
[ ٢٩١ ]
يقول شيخ الإسلام - ﵀ - مبينًا حقيقة مذهبهم: "وحقيقة الخلق منتفية عندهم عن العقل الأول، بل عن العالم وإنما هو عندهم معلول ومبدع، لكنهم يحرفون الكلم عن مواضعه فيقولون العالم محدث ومخلوق، ويعنون بقولهم محدث أنه معلول ممكن بنفسه واجب بغيره، وأن وجوده من غيره لا من نفسه، وكذلك يعنون بقولهم مخلوق، لكن من المعلوم بالاضطرار أن أهل اللغة لا يريدون بقولهم هو محدث، ومخلوق، هذا المعنى المتضمن أنه قديم أزلي لم يزل ولا يزال، بل الحدوث عندهم يناقض القدم، وكذلك الخلق، ولا تحتمل اللغة بوجه من الوجوه أن القديم الذي لم يزل ولا يزال يقال له محدث ومخلوق. والمخلوق عندهم أبلغ من المحدث والحادث؛ فكل مخلوق فهو محدث وحادث باتفاق أهل اللغة وأهل الكلام، وأما أن كل حادث ومحدث فهو مخلوق فهذا مما تنازع فيه أهل الكلام، والنظر، واللغة، لا يوجب أن كل ما كان حادثًا يسمى مخلوقًا؛ لأن المخلوق هو الذي خلقه غيره، والخلق يجمع معنى الإبداع ومعنى التقدير، وأما لفظ حادث فلا يقتضي أنه مفعول، ولو قيل محدث فمعنى الخلق أخص من معنى الحدوث"١.
وقولهم في معنى الحدوث باطل لأمور:
أولًا: لمخالفته للغة العرب، فمن المعلوم بالاضطرار أن أهل اللغة لا يريدون بقولهم هو محدث، ومخلوق، هذا المعنى، المتضمن أنه قديم أزلي، لم يزل ولا يزال، بل الحدوث عندهم يناقض القدم، وكذلك الخلق، ولا تحتمل اللغة بوجه من الوجوه أن القديم الذي لم يزل ولا يزال يقال له محدث ومخلوق٢.
ثانيًا: القول بأن العالم محدث بالمعنى الذي ذكروه، ليس قول أحد من الأنبياء، ولا أتباعهم، ولا أمة من الأمم العظيمة، ولا طائفة من الطوائف المشهورة، التي اشتهرت مقالاتها في عموم الناس، بحيث كان أهل مدينة على هذا القول، وإنما يقول هذا طوائف قليلة مغمورة في الناس، وهذا القول إنما هو معروف عن طائفة من المتفلسفة المليينكابن سينا، وأمثاله، وقد يحكون هذا القول عن أرسطو، وقوله الذي في كتبه أن العالم قديم، وجمهور الفلاسفة قبله يخالفونه ويقولون إنه محدث٣.
_________________
(١) الصفدية ١/٢٤٠.
(٢) انظر: المرجع السابق نفس الجزء والصفحة، درء التعارض ١/١٢٦.
(٣) انظر: درء التعارض ١/١٢٦.
[ ٢٩٢ ]
ثالثًا: أنهم جعلوا العالم معلول لعلة تامة أزلية، والعلة التامة الأزلية، يلزم مقارنة معلولها لها، وكل ما سواه معلول له، فيلزم أن لا يكون في الوجود حادث، أو أن لا يكون للحوادث محدث، وكلاهما معلوم الفساد بالضرورة١.
هذا مجمل ما يمكن أن يرد به قولهم هذا إذ المقام لا يقتضي تفصيل الرد والمناقشة.
_________________
(١) انظر: الصفدية ١/٢٨٠.
[ ٢٩٣ ]
الأفول
١ - معنى الأفول في اللغة:
قال الخليل بن أحمد: "أفلت الشمس، تأفل، أفولًا، وكل شيء غاب فقد أفل، وهو آفل، وإذا استقر اللقاح في قرار الرحم قيل قد أفل، والآفل في هذا المعنى هي التي حملت، ويقولون لبوءة آفل، وآفلة، إذا حملت"١.
ويقول الأزهري: "وكذلك القمر يأفُِل إذا غاب، قال الله - تعالى -: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: ٧٦]، أي غاب وغرب..وفي النوادر: أفِل الرجل، إذا نشط، فهو أَفِل"٢.
وفي المصباح المنير: "أَفَل الشيء أَفْلًا وأُفُولًا من بابي ضرب، وقعد، غاب. ومنه قيلأفل فلان عن البلد، إذا غاب عنها"٣.
وقد أجمعت كتب اللغة على أن معنى الأفول: الغياب.
_________________
(١) العين ٨/٣٣٧، وانظر: معجم مقاييس اللغة ١/١١٩، الصحاح ٤/١٦٢٣، لسان العرب ١١/١٨ - ١٩، المصباح المنير ١/١٧، القاموس المحيط ص ١٢٤٢.
(٢) تهذيب اللغة للأزهري ١٥/٣٧٨.
(٣) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، لأحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، المتوفى سنة٧٧٠هـ. ١/١٧.
[ ٢٩٤ ]
٢ - معنى الأفول في الشرع:
لقد ورد لفظ أفل، وأفلت، والآفلين، في سورة الأنعام، في ثلاث آيات متتالية، وهي قوله - تعالى -: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٦ - ٧٨] .
قال ابن جرير الطبري: "قال ابن اسحاق: الأفول الذهاب، يقال منه أَفَل النجم، يأفُل، ويأفِل، أفُولًا، وأفْلًا، إذا غاب..ويقال أين أفلت عنا؟ بمعنى أين غبت عنا"١.وفي المفردات للراغب: "الأفول: غيبوبة النيرات، كالقمر، والنجوم"٢.
وقد أطبقت جميع التفاسير على أن معنى أفل: أي غاب، ويذكرون أن هذا هو معناه في لغة العرب٣، إلا أن بعض المفسرين ممن تأثر بعلم الكلام، يزيد على هذا المعنى تعقيبًا من عنده؛ هو أن الغياب يعني التغير والانتقال، وهذه إضافة منهم، ليس لها دليل من لغة العرب، ولا من تفسير الصحابة.
فالأفول في الشرع، هو بمعناه الذي ورد في اللغة، وهو المغيب والاحتجاب، وهذا بإجماع أهل اللغة والتفسير٤.
_________________
(١) تفسير الطبري ٧/٢٥٠ - ٢٥١، وانظر: تفسير ابن كثير ٢/١٩٢، تفسير الواحدي ١/٣٦٢، زاد المسير ٣/٧٥، تفسير البغوي ٢/١٠٩.
(٢) المفردات ص ٨٠، وانظر: التوقيف على مهمات التعاريف ص ٨١.
(٣) انظر: تفسير الطبري ١/٢٤٨ - ٢٥١، معاني القرآن للنحاس ٢/٥٣٦، تفسير الواحدي ١/٣٦٢، زاد المسير ٣/٧٥، تفسير البغوي ٢/١٠٩، تفسير ابن كثير ٢/٢٤٢، تفسير البيضاوي ٢/٤٢٣، تفسير الثعالبي ١/٥٣٦، الدر المنثور ٣/٣٠٤ - ٣٠٥، فتح القدير ٢/١٣٤.
(٤) انظر: درء التعارض ١/١٠٩، ٣١٣، مجموع الفتاوى ٥/٥٤٧، ٦/٢٥٤.
[ ٢٩٥ ]
٣ - معنى الأفول في اصطلاح المتكلمين والفلاسفة:
ذهبت الجهمية، والمعتزلة، ومن اتبعهم من الأشاعرة، والماتريدية، إلى تفسير الأفول بالحركة والانتقال والتغير، وجعلوا ذلك دليلًا على الحدوث، ونفوا صفات الأفعال عن الله بناء على هذه الشبهة، واعتمدوا في بدعتهم هذه، على قول الخليل - ﵇ -: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام - ٧٦] ١، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "ومن عجائب الأمور، أن كثيرًا من الجهمية، نفاة الصفات والأفعال، ومن اتبعهم على نفي الأفعال، يستدلون على ذلك بقصة الخليل - ﷺ -، كما ذكر ذلك بشرًا المريسي، وكثير من المعتزلة، ومن أخذ ذلك عنهم، أو عمن أخذ ذلك عنهم؛ كأبي الوفاء بن عقيل، وأبي حامد، والرازي، وغيرهم، وذكروا في كتبهم أن هذه الطريقة هي طريقة إبراهيم الخليل عليه - صلوات الله وسلامه -، وهو قوله ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام - ٧٦] قالوا فاستدل بالأفول، الذي هو الحركة والانتقال، على حدوث ما قام به ذلك كالكوكب، والقمر، والشمس "٢.
قال الرازي في استدلاله على نفي صفات الأفعال: "الثالث قول الخليل: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام - ٧٦] يدل على أن المتغير لا يكون إلهًا "٣. ويقول النسفي في تفسيره لقوله - تعالى -: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام - ٧٦]: " ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ غاب، ﴿قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ أي لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين عن حال إلى حال، لأن ذلك من صفات الأجسام "٤. وقال القرطبي: "فلما أفل النجم، قرر الحجة، وقال ما تغير لا يجوز أن يكون ربًا، وكانوا يعظمون النجوم، ويعبدونها، ويحكمون بها"٥. وقال أبو السعود: " ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي غرب، ﴿قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ أي الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان، المتغيرين من حال إلى حال، المحتجبين بالأستار، فإنهم بمعزل من استحقاق الربوبية"٦.
_________________
(١) انظر: رد الدارمي على بشر المريسي ص ٥٥، درء التعارض ١/٣١٠، بيان تلبيس الجهمية ١/٥٢٨ - ٥٢٩.
(٢) درء التعارض ١/٣١٠.
(٣) المرجع السابق ٢/٢١٦، وقد نقله شيخ الإسلام عن الرازي في لباب العقول.
(٤) تفسير النسفي٢/٢٠.
(٥) تفسير القرطبي ٧/٢٦.
(٦) تفسير أبي السعود ٣/١٥٣، وانظر: روح المعاني ٧/٢٠٠.
[ ٢٩٦ ]
ويلاحظ أن هؤلاء المفسرين، من متكلمة الصفاتية، يذكرون أن معنى الأفول هو المغيب، ثم يضيفون إليه معنى زائدًا، وهو التغير والحركة والانتقال، وهو ما قرره أهل الكلام في كتبهم.
أما ابن سينا فإنه يجعل الأفول بمعنى الإمكان، كما قال في إشاراته: "قال قوم إن هذا الشي المحسوس، موجود لذاته، واجب لنفسه، لكنك إذا تذكرت ما قيل لك في شرط واجب الوجود، لم تجد هذا المحسوس واجبًا، وتلوت قوله - تعالى -: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [سورة الأنعام - ٧٦] فإن الهُوِىَّ في حظيرة الإمكان، أفول ما "١.
٤ - نقد معنى الأفول عند المتكلمين والفلاسفة:
لقد رد أئمة أهل السنة على من حرف معنى الأفول؛ من المعتزلة، والجهمية، وأتباعهم. حيث زعموا أن معنى الأفول هو الحركة، والانتقال، وأنه يعني التغير، وهو تحريف ظاهر لمعنى الأفول، مخالف لدليل السمع واللغة، ومن وجوه الرد عليهم في ذلك ما يلي:
الوجه الأول: أنه من المعلوم باتفاق أهل اللغة والمفسرين، أن الأفول ليس هو الحركة، ولا هو التغير، فلا يسمى في اللغة كل متحرك، أو متغير، آفلًا، ولا أنه أفل، فلا يقال للمصلي، أو الماشي، إنه آفل. ولا يقال للتغير الذي هو استحالة؛ كالمرض، واصفرار الشمس، إنه أفول. ولا يقال للشمس إذا اصفرت إنها أفلت. وإنما يقال أفلت إذا غابت واحتجبت. وهذا من المتواتر المعلوم بالاضطرار من لغة العرب، أن آفلًا بمعنى غائب، وقد أفلت الشمس، تأفل، أفولًا، أي غابت٢.
الوجه الثاني: أنه لو كان احتجاجه بالحركة، والانتقال، لم ينتظر إلى أن يغيب، بل كان نفس الحركة التي يشاهدها، من حين تطلع، إلى أن تغيب الأفول. وأيضا فحركتها بعد المغيب، والاحتجاب، غير مشهودة، ولا معلومة٣.
_________________
(١) الإشارات ٣ /١٠٢ - ١٠٣، وانظر: درء التعارض ١/٣١٤.
(٢) انظر: درء التعارض ١/١٠٩، ٢/٢١٦، ٨/٣٥٥ - ٣٥٦ بغية المرتاد ٣٥٩، مجموع الفتاوى ٥/٥٤٧ - ٥٤٨، ٦/٢٥٤، ٢٨٤ - ٢٨٦، الصواعق المرسلة ١/١٩٠.
(٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٥٢٨ - ٥٢٩، درء التعارض ٤/٧٧.
[ ٢٩٧ ]
الوجه الثالث: أنه قد ظن طائفة من الجهمية، والمعتزلة، وغيرهم، أن مراد إبراهيم - ﵇ - بقوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام - ٧٦] أن هذا خالق العالم، وأنه استدل بالأفول، وهو الحركة والانتقال، على عدم ربوبيته، وزعموا أن هذه الحجة هي الدالة على حدوث الأجسام، وحدوث العالم، وهذا غلط من وجوه:
أحدها: أن هذا القول لم يقله أحد من العقلاء، لا من قوم إبراهيم ولا غيرهم، ولا توهم أحدهم أن كوكبًا، أو القمر، أو الشمس، خلق هذا العالم، وإنما كان قوم إبراهيم مشركين، يعبدون هذه الكواكب، زاعمين أن في ذلك جلب منفعة، أو دفع مضرة، ولهذا قال الخليل: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام - ٧٨]، وقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء - ٧٥ - ٧٧]، وأمثال ذلك١.
الثاني: أنه لو كان قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام - ٧٦]، هذا رب العالمين، لكانت قصة إبراهيم - ﵇ - حجة عليهم؛ لأنه حينئذ لم تكن الحركة عنده مانعة من كونه رب العالمين، وإنما المانع هو الأفول، وقد أخبر الله في كتابه، أنه من حين بزغ الكواكب والقمر والشمس، وإلى حين أفولها، لم يقل الخليل لا أحب البازغين، ولا المتحركين، ولا المتحولين، ولا أحب من تقوم به الحركات، ولا الحوادث. والأفول باتفاق أهل اللغة والتفسير هو المغيب والاحتجاب، بل هذا معلوم بالاضطرار من لغة العرب التي نزل بها القرآن، وهو المراد باتفاق العلماء، فلم يقل إبراهيم لا أحب الآفلين، إلا حين أفل وغاب عن الأبصار، فلم يبق مرئيًا ولا مشهودًا، فحينئذ قال لا أحب الآفلين، وهذا يقتضي أن كونه متحركًا منتقلًا تقوم به الحوادث، بل كونه جسمًا متحيزًا تقوم به الحوادث، لم يكن دليلًا عند إبراهيم على نفي محبته٢.
أما من فسر الأفول بالإمكان من الفلاسفة، فإن قولهم أبعد بكثير عن الصحة، ممن فسر الأفول بالحركة، وأفسد منه، ووجوه الرد عليه كثيرة منها:
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٥٢٨.
(٢) انظر: المرجع السابق ١/٥٢٩.
[ ٢٩٨ ]
أولًا: أنه من المعلوم بالضرورة من لغة العرب، أنهم لا يسمون كل مخلوق، موجود، آفلًا، ولا كل موجود بغيره، آفلًا، ولا كل موجود يجب وجوده بغيره، لا بنفسه، آفلًا، ولا ما كان من هذه المعاني، التي يعنيها هؤلاء بلفظ الإمكان، بل هذا أعظم افتراء على القرآن، واللغة، من تسمية كل متحرك آفلًا١.
ثانيًا: لو كان الخليل - ﵊ - أراد بقوله: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام - ٧٦] هذا المعنى، لم ينتظر مغيب الكوكب، والشمس، والقمر، ففساد قول هؤلاء المتفلسفة في الاستدلال بالآية، أظهر من فساد قول المتكلمين٢.
ثالثًا: أن هؤلاء من أعظم الناس تحريفا للفظ الأفول، ولفظ الإمكان، فإنهم وسائر العقلاء يسلمون أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم، لا يكون إلا ما كان معدومًا. فأما القديم الأزلي الذي لم يزل، فيمتنع عندهم، وعند سائر العقلاء، أن يكون ممكنًا، يقبل الوجود والعدم. ولكنهم يتناقضون تناقضًا بينًا، فقالوا الفلك ممكن، يقبل الوجود والعدم، وهو مع ذلك قديم أزلي٣.
رابعًا: لو كان معنى الأفول هو الإمكان، لما قال الله - ﷿ -: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ [الأنعام - ٧٨]، لأنها آفلة منذ وجودها، بمعنى ممكنة، لكن لما قال - تعالى -: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ [الأنعام - ٧٨]، دل على أن هذا شيء يطرأ عليها في وقت دون وقت، وهو المغيب والاحتجاب، فيمتنع كون الأفول بمعنى الإمكان.
ومما سبق من الردود - على إيجازها - يتبين مدى تحريف المتكلمين والفلاسفة لمصطلح الأفول، وبعدهم عن معاني اللغة والقرآن.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١/٣١٥، ١١١، ٤/٧٦ - ٧٧.
(٢) انظر: المرجع السابق ١/٣١٤ - ٣١٥، ٤/٧٦، بيان تلبيس الجهمية ١/٥٣١، مجموع الفتاوى ٥/٥٥٠، منهاج السنة ١/٢٠١ - ٢٠٢، ٢/١٩٧.
(٣) انظر: درء التعارض ٤/٧٦.
[ ٢٩٩ ]
دليل التغير
١ - معنى التغير في اللغة:
يقول ابن فارس: "قولنا هذا غير ذاك، أي هو سواه وخلافه. ومن الباب الاستثناء بغير، تقول: عشرة غير واحد، ليس هو من العشرة"١.
وقال الجوهري: "والغير أيضا الاسم من قولك غيرت الشيء فتغير..وتغايرت الأشياء، اختلفت، والغيار البدال"٢.
وفي اللسان: "وتغير الشيء عن حاله تحول. وغَيَّره: حوله وبدله، كأنه جعله غير ما كان، وفي التنزيل العزيز: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال - ٥٣]، قال ثعلب: معناه حتى يبدلوا ما أمرهم الله. والغير: الاسم منالتغير"٣.فالتغير في اللغة هو التحول من شيء إلى آخر.
٢ - معنى التغير في الشرع:
ولم يرد دليل التغير في الكتاب أو السنة، وقد ورد في كتاب الله لفظ يغير ومغير ويتغير، قال - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد - ١١]، قال الطبري: "يقول - تعالى ذكره - إن الله لا يغير ما بقوم من عافية، ونعمة، فيزيل ذلك عنهم ويهلكهم، حتى يغيروا ما بأنفسهم من ذلك، بظلم بعضهم بعضًا، واعتداء بعضهم على بعض، فتحل بهم حينئذ عقوبته وتغييره"٤.
وقال - تعالى -: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد - ١٥]، ويبين الراغب معنى التغيير فيقول: "والتغيير يقال على وجهين: أحدهما: لتغيير صورة الشيء دون ذاته. يقال غيرت
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة ٤/٤٠٤، وانظر: العين ٨/٤٤١.
(٢) الصحاح ٢/٧٧٦.
(٣) لسان العرب ٥/٤٠.
(٤) تفسير الطبري ١٣/١٢١.
[ ٣٠٠ ]
داري: إذا بنيتها بناء غير الذي كان. والثاني: لتبديله بغيره. نحو: غيرت غلامي ودابتي، إذا أبدلتهما بغيرهما. نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد - ١١] "١.
٣ - معنى دليل التغير في اصطلاح المتكلمين والفلاسفة:
يقول الرازي: "وأما الخليل - ﷺ -، فقد حكى الله - تعالى - عنه في كتابه، أنه استدل بحصول التغير في أحوال الكواكب، على حدوثها"٢.
ويستدل كثير من المتكلمين بقصة إبراهيم، ويقولون إن إبراهيم استدل بالأفول على الحدوث. كما أن ابن سينا استدل بالأفول على الإمكان، ويقولون: الحادث والممكن ليس بواجب. يقول شيخ الإسلام مبينًا كلامهم: "ثم إنه لما قال هؤلاء إن الأفول هو الحدوث، والأفول هو التغير، فبنى ابن سينا وأتباعه من الدهرية على هذا، وقالوا: ما سوى الله ممكن، وكل ممكن فهو آفل، فالآفل لا يكون واجب الوجود.. فيستدلون بالتغير على الإمكان، كما استدل الأكثرون من هؤلاء بالتغير على الحدوث، وكل من هؤلاء يقول: هذه طريقة الخليل"٣.
٤ - مناقشة الدليل:
أولًا: أن استدلالهم بقصة إبراهيم الخليل - ﵇ - باطل، فقد علم باتفاق أهل اللغة والمفسرين أن الأفول ليس هو الحركة، سواء كانت حركة مكانية وهي الانتقال، أو حركة في الكم كالنمو، أو في الكيف كالتسود والتبيض، ولا هو التغير، فلا يسمى في اللغة كل متحرك أو متغير آفلًا، ولا أنه أفل، لا يقال للمصلي أو الماشي إنه آفل، ولا يقال للتغير الذي هو استحالة؛ كالمرض، واصفرار الشمس، إنه أفول، وإنما يقال للشمس أفلت إذا غابت
_________________
(١) المفردات ص٦١٩.
(٢) أساس التقديس ص١/٥٢٧، وانظر: الإنصاف ص٣٠.
(٣) درء التعارض ١/١٠٢ - ١٠٣.
[ ٣٠١ ]
واحتجبت، وهذا من المتواتر المعلوم بالاضطرار من لغة العرب، أن آفلًا بمعنى غائب، وقد أفلت الشمس، تأفِلُ، وتأفُلُ، أفولًا، أي غابت١.
ثانيًا: أن قول القائل: "كل متحرك محدث، أو كل متحرك ممكن يقبل الوجود والعدم"، فهذه المقدمة ليست ضرورية فطرية باتفاق العقلاء، بل من يدعي صحة ذلك يقول إنها لا تعلم إلا بالنظر الخفي، ومن ينازع في ذلك يقول إنها باطلة عقلًا وسمعًا، ويمثل من مثل بها في أوائل العلوم الكلية لقصوره وعجزه، وأما قوله: "كل متغير محدث أو ممكن" فإن أراد بالتغير ما يعرف من ذلك في اللغة، مثل استحالة الصحيح إلى المرض، والعادل إلى الظلم، والصديق إلى العداوة، فإنه يحتاج في إثبات هذه الكلية إلى دليل، وإن أراد بالتغير معنى الحركة، أو قيام الحوادث مطلقًا، حتى تسمى الكواكب حين بزوغها متغيرة، ويسمى كل متكلم ومتحرك متغيرًا، فهذا مما يتعذر عليه إقامة الدليل فيه على دعواه٢.
فدليل التغير الذي زعموه دليلًا، فاسد، لأنهم بنوه على أن معنى الأفول هو التغير، وهذا ليس بصحيح، كما بنوه على أن التغير هو التحرك، والتكلم، ونحو ذلك، وهذا ظاهر الفساد؛ بل ويتعذر عليهم إقامة الدليل عليه. ومن لوازمه الفاسدة نفي الصفات الفعلية المتعلقة بالقدرة والمشيئة.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ١/١٠٩.
(٢) انظر: المرجع السابق ١/١١٢ - ١١٣.
[ ٣٠٢ ]
دليل إمكان الذوات
"إمكان الأجسام"
١ - معنى إمكان الذوات والأجسام في اللغة:
سبق تعريف الممكن في اللغة، وقد بينت أن الإمكان في اللغة القدرة على الشيء١، كما سبق تعريف الجسم٢.
أما الذوات في اللغة فهي جمع ذات، وهي تأنيث ذو الذي بمعنى صاحب، قال الجوهري: "وأما ذو الذي بمعنى صاحب فلا يكون إلا مضافًا، فإن وصفت به نكرة، أضفته إلى نكرة، وإن وصفت به معرفة، أضفته إلى الألف واللام"٣. وقال الراغب: "ذو على وجهين: أحدهما: يتوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس والأنواع، ويضاف إلى الظاهر دون المضمر، ويثنى ويجمع، ويقال في المؤنث ذات، وفي التثنية ذواتا، وفي الجمع ذوات، ولا يستعمل شيء منها إلا مضافًا، قال - تعالى -: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة - ٢٥١]، وقال: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم - ٦] " ٤.
وقد اختلف بعض العلماء في لفظ ذات هل هو من العربية أم هو لفظ مولد، ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما أنه لفظ مولد، قال شيخ الإسلام - ﵀ -: "وفصل الخطاب أنها ليست من العربية العرباء، بل من المولدة، كلفظ الموجود، ولفظ الماهية، والكيفية، ونحو ذلك، فهذا اللفظ يقتضي وجود صفات، تضاف الذات إليها، فيقال ذات علم، وذات قدرة، وذات كلام، والمعنى كذلك، فإنه لا يمكن وجود شيء قائم بنفسه في
_________________
(١) انظر: البحث ص٢٧٥.
(٢) انظر: البحث ص٢٤٩.
(٣) الصحاح ٦/٢٥٥١.
(٤) المفردات ص٣٣٣.
[ ٣٠٣ ]
الخارج، لا يتصف بصفة ثبوتية أصلًا، بل فرض هذا في الخارج، كفرض عرض يقوم بنفسه لا بغيره"١.
وقد ورد في السنة عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات، ثنتين منهن في ذات الله - ﷿ -؛ قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات - ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء - ٦٣] .."٢، ومعنى في ذات الله أي "في جهة الله وناحيته، أي لأجل الله ولابتغاء وجهه، ليس المراد بذلك النفس، ونحوه في القرآن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال - ١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران - ١١٩] أي الخصلة والجهة التي هي صاحبة بينكم، وعليم بالخواطر، ونحوها، التي هي صاحبة الصدور، فاسم الذات في كلام النبي - ﷺ -، والصحابة، والعربية المحضة بهذا المعنى، ثم أطلقه المتكلمون وغيرهم على النفس بالاعتبار الذي تقدم، فإنها صاحبة الصفات، فإذا قالوا الذات فقد قالوا التي لها الصفات"٣. وقال الراغب: "وقد استعار أصحاب المعاني الذات، فجعلوها عبارة عن عين الشيء، جوهرًا كان أو عرضًا، واستعملوها مفردة، ومضافة إلى المضمر بالألف واللام، وأجروها مجرى النفس، والخاصة، فقالوا ذاته، ونفسه، وخاصته، وليس ذلك من كلام العرب"٤. فالذوات جمع ذات، وهي تأنيث ذو، فتكون بمعنى صاحبة.
ولم يرد دليل إمكان الذوات في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ -.
_________________
(١) مجموع الفتاوى٦/٩٩، وانظر: المصدر نفسه ٥/٢٨٣، درء التعارض١٠/١٥٧، الصواعق المرسلة٤/١٣٨١ - ١٣٨٥، بدائع الفوائد ٢/٦ - ٨.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء - ١٢٥] ٢/٤٦١، ح ٣٣٥٨، ومسلم في كتاب الفضائل باب من فضائل إبراهيم الخليل ﵊ ٤/١٨٤٠، ح ٢٣٧١.
(٣) مجموع الفتاوى ٦/٣٤٢.
(٤) المفردات ص٣٣٣.
[ ٣٠٤ ]
٢ - معنى إمكان الذوات في اصطلاح الفلاسفة والمتكلمين:
هذا الدليل هو عمدة الفلاسفة أمثال ابن سينا وأتباعه، وهو من الأدلة التي استدل بها متأخرو المتكلمين في إثبات وجود الله، وقد أخذوا هذا الدليل عن الفلاسفة، وهي طريقة لم يسلكها أرسطو، بل ولا سلكها جماهير الفلاسفة قبل ابن سينا١.
يقول الرازي: "الناس قد توصلوا إلى إثبات واجب الوجود بطرق. فمن الناس من توصل بطريقة الإمكان، وهي معتمد الحكماء"١. وقوله الحكماء هنا يحتاج إلى تعقيب، إذ كما أسلفت لم يسلك هذه الطريقة غير ابن سينا ومن جاء بعده. أما تعريف الإمكان فيقول الرازي: "إن مرادنا من لفظ الإمكان، هو كون الشيء بحيث يجوز أن يستمر على ما كان عليه قبل ذلك، ويجوز أن لا يبقى على ما كان عليه قبل ذلك"٣.
وهذا الدليل يعتمد على تقسيم الموجودات إلى واجب وممكن، وفي شرح هذا الدليل يقول الرازي: "نقول لا شك في وجود موجود، وكل موجود فإما أن تكون حقيقته مانعة من قبول العدم، وإما أن لا تكون. فالأول هو الواجب لذاته، والثاني هو الممكن لذاته. فثبت أنه لابد من الاعتراف بوجود موجود، وثبت أن كل موجود، فهو إما واجب لذاته وإما ممكن لذاته، ينتج أن في الوجود إما موجود واجب الوجود لذاته، وإما موجود لذاته ممكن لذاته، إن كان الأول فهو المطلوب، وإن كان الثاني فنقول الممكن لذاته لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح، وذلك المرجح إن كان واجبا لذاته فهو المطلوب. وإن كان ممكنًا لذاته عاد التقسيم الأول فيه، فإما أن يتسلسل، أو يدور، وهما محالان، وإما أن ينتهي إلى أن ينتهي إلى موجود، واجب الوجود لذاته، وهو المطلوب"٢.
ويعلق شيخ الإسلام - ﵀ - على هذا الدليل فيقول: "وأما القول بإمكان الأجسام فهو مبني على أن الموصوف ممكن، بناء على أن المركب ممكن، وعلى نفي الصفات، وهي
_________________
(١) انظر: درء التعارض ٥/٢٩٢، ٣/٣٣٤ - ٣٣٥، الصفدية ٢/١٨٠ - ١٨١.
(٢) المباحث المشرقية ٢/٤٦٧ - ٤٦٨.
(٣) المطالب العالية ١/٢٠٥.
(٤) المرجع السابق ١/٧٢، وانظر: معالم أصول الدين ص٣٣، النجاة ص ٦٤، ٧٧ - ٧٨، الإشارات ٣/٤٨٢ - ٤٨٣، الدرء ٣/١٦٦- ١٦٧، الفتاوى ١/٤٩.
[ ٣٠٥ ]
طريقة أحدثها ابن سينا وأمثاله، وركبها من مذهب سلفهم، ومذهب الجهمية "١. فالمعتزلة قسموا الوجود إلى محدث وقديم، وبينوا ثبوت القديم، فأخذ ابن سينا يقسمه إلى واجب وممكن، وغرضه إثبات وجود الواجب، بدون إثبات حدوث العالم، وجعل وجود العالم ممكنًا، وخالف بذلك طريقة سلفه الفلاسفة، فإن الممكن عندهم لا يكون موجودًا٢.
٣ - مناقشة هذا الدليل:
دليل إمكان الذوات الذي يعتمده ابن سينا وأتباعه، باطل من وجوه:
الوجه الأول: أنه قد علم بالاضطرار من دين الرسول، والنقل المتواتر، أنه دعا الخلق إلى الإيمان بالله ورسوله، ولم يدع الناس بهذه الطريق، ولم يدع بها أحد من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، الذين هم خير هذه الأمة، وأفضلها علما وإيمانا. فهي طريق مبتدعة، فكيف يجوز أن يقال: إن تصديق الرسول موقوف عليها٣.
الوجه الثاني: أن هذا الدليل مبني على نفي الصفات، ومعلوم أن أكثر العقلاء ينازعونهم في هذا، ويقولون هذا قول باطل، فيمتنع أن يكون العلم بالصانع موقوفا على طريق فاسد٤.
الوجه الثالث: أن جماهير العقلاء من المسلمين واليهود والنصارى، والفلاسفة القدماء والمتأخرين، يقدحون في موجب هذا الدليل، وليس هو طريقة أرسطو وقدماء الفلاسفة، ولا طريقة ابن رشد وأمثاله من المتأخرين، بل هذا المسلك عند جمهور العالم من أعظم الأقوال فسادا في الشرع والعقل٥، يقول الغزالي: "وأما الفلاسفة فقد رأوا أن العالم قديم، ثم أثبتوا له صانعا مع ذلك، وهذا المذهب بوضعه متناقض، لا يحتاج فيه إلى إبطال"٦. فابن سينا في هذا الدليل، قد قسم الوجود إلى واجب وممكن، وأثبت الواجب بهذا الطريق، ولكن هذا بناء على
_________________
(١) درء التعارض ١/٩٨ - ٩٩.
(٢) انظر: الصفدية ٢/١٩.
(٣) انظر: درء التعارض١/٩٧ - ٩٨.
(٤) انظر: المرجع السابق١/٩٨ - ٩٩.
(٥) انظر: المرجع السابق ٥/٢٩٣.
(٦) تهافت الفلاسفة ص٧٩.
[ ٣٠٦ ]
أن القديم ممكن، وله ماهية تقبل الوجود والعدم، وهذا مما خالفه فيه جمهور العقلاء من الفلاسفة، والمتكلمين وغيرهم، حتى أنه هو تناقض في ذلك فوافق سلفه وجميع العقلاء، وصرح بأن الممكن لا يكون إلا ما يقبل الوجود والعدم، ثم تناقض بقوله أن ذات الممكن قد تكون قديمة أزلية واجبة بغيرها١. والقدم ووجوب الوجود متلازمان عند عامة العقلاء، الأولين والآخرين، ولم يعرف عن طائفة منهم نزاع في ذلك إلا ما أحدثه هؤلاء، فإنا نشهد موجودات كثيرة، حدثت بعد أن لم تكن، ونشهد عدمها بعد أن كانت، وما كان معدوما أو سيكون معدوما لا يكون واجب الوجود، ولا قديما أزليا٢.
الوجه الرابع: أن هؤلاء إذا قدر أنهم أثبتوا واجب الوجود، فليس في دليلهم أنه مغاير للسماوات والأفلاك، وهذا مما بين تهافتهم فيه الغزالي وغيره، لكن عمدتهم أن الجسم لا يكون واجبا، لأنه مركب، والواجب لا يكون مركبا، هذا عمدتهم وهو قول باطل، وما زال النظار يبينون فساد هذا القول، كل بحسبه، كما بين الغزالي فساده بحسبه٣.
فهذا الدليل الذي اعتمده الفلاسفة في إثبات وجود الله باطل عقلا وشرعا، وهو غير محصل للمقصود، كما أنهم قد تناقضوا في أهم مصطلحات هذا الدليل وهو لفظ الإمكان، إذ قد جعلوا الممكن قديما أزليا، وهذا يدل بجلاء على تخبط وفساد مذهب الفلاسفة في الإلهيات.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ٣/٣٣٥ - ٣٣٧.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ١/٤٩.
(٣) انظر رد الغزالي في تهافت الفلاسفة ص٧٩ - ٨٢. وانظر: مجموع الفتاوى ١/٤٩ - ٥٠.
[ ٣٠٧ ]
إمكان الصفات "إمكان الأعراض"
١ - معنى إمكان الصفات في اللغة:
سبق التعريف بلفظ الإمكان، والعرض١، أما الصفات في اللغة فهي جمع صفة، والصفة الحلية والنعت، قال الخليل: "الوصف وصفك الشيء بحليته، ونعته"٢.
وفي الصحاح: "وصفت الشيء وصفًا، وصفةً، والهاء عوض من الواو..والصفة كالعلم والسواد،"٣. وقال ابن فارس: "الواو والصاد والفاء أصل واحد، هو تحلية الشيء، ووصفته أصفه وصفًا. والصفة الأمارة اللازمة للشيء"٤، وقال ابن منظور: "والصفة الحلية"٥. فالصفة هي الحلية والنعت.
ولم يرد مصطلح إمكان الصفات في كتاب الله - تعالى -، ولا في سنة رسوله - ﷺ -
_________________
(١) انظر: البحث ص٢٧٥، ٢٦٥.
(٢) العين ٧/١٦٢.
(٣) الصحاح ٤/١٤٣٩، وانظر: لسان العرب ٩/٣٥٦ - ٣٥٧.
(٤) معجم مقاييس اللغة ٦/١١٥.
(٥) لسان العرب ٩/٣٥٦.
[ ٣٠٨ ]
٢ - دليل إمكان الصفات في اصطلاح المتكلمين:
دليل إمكان الصفات عند المتكلمين مبني على أن الأجسام متماثلة في الماهية، التي يرون أنها مغايرة لصفات الجسم، وأما صفات الأجسام فمختلفة، وهي ممكنة، وقد استنتج المتكلمون من تخصيص كل جسم بصفته، وجوب المخصص وأنه ليس بجسم. يقول الرازي: "الطريق الثالث الاستدلال بإمكان الصفات، فنقول: قد دللنا على أن الأجسام بأسرها متساوية في تمام الماهية، وإذا كانت كذلك، كان اختصاص جسم الفلك بما به صار فلكًا، واختصاص جسم الأرض بما به صار أرضًا، أمرًا جائزًا، فلا بد له من مخصص، وذلك المخصص؛ إن كان جسمًا افتقر في تركبه، وتألفه، إلى نفسه، وهو محال، وإن لم يكن جسمًا، فهو المطلوب"١.
وقال في تتمة شرح هذا الدليل: "ثم قال المتكلمون في هذا المقام: ذلك المؤثر، إما أن يكون موجبًا بالذات، أو فاعلًا بالاختيار، والأول باطل، لأن ذلك الموجود لما لم يكن جسمًا، ولا جسمانيًا، كانت نسبة حقيقته إلى جميع الأجسام نسبة واحدة، ولما كانت الأجسام بأسرها متساوية في تمام الماهية، كانت بأسرها متساوية في قبول الأثر عن ذلك المباين، وإذا كان الأمر كذلك، كان قبول كل واحد من تلك الأجسام، لأثر خاص من ذلك المباين، المفارق، رجحانًا لأحد طرفي الممكن، على الآخر، لا لمرجح، وهو محال، ولما بطلت هذه الأقسام، ثبت أن إله العالم موجود، ليس بجسم ولا بجسماني، وأنه فاعل مختار، وليس موجبًا بالذات، فهذا تمام تقرير هذه الحجة"٢.
٣ - مناقشة الدليل:
أولًا: أن هذا الدليل غير وارد في الكتاب والسنة - كما أسلفت_، والمتكلمون يقولون عنه إنه مقدمة شريفة، يفرع عنها القول في الإله، والقول بالنبوة، والقول بأحوال الآخرة،
_________________
(١) معالم أصول الدين ص٣٤، وانظر: المطالب العالية ١/١٨٤.
(٢) المطالب العالية ١/١٨٦.
[ ٣٠٩ ]
والقيامة١، فكيف لا يذكر الرسول شيئًا في غاية الأهمية - كما يزعمون -، بل يكون الرسول لم يبلغ البلاغ الكامل، وهذا أمر بين البطلان.
ثانيًا: هذا الدليل مبني على القول بتماثل الأجسام، ولا ريب أن قولهم بتماثل الاجسام قول باطل سواء فسروا الجسم بما يشار إليه، أو بالقائم بنفسه، أو بالموجود، أو بالمركب من الهيولى والصورة، ونحو ذلك، فأما إذا فسروه بالمركب من الجواهر المفردة، وعلى أنها متماثلة، فهذا يبنى على صحة ذلك، وعلى إثبات الجوهر الفرد، وعلى أنه متماثل، وجمهور العقلاء يخالفونهم فى ذلك٢. وقد أثبت العلم الحديث اختلاف ذرات الأجسام، وأنها غير متماثلة فذرات الماء ليست مماثلة لذرات الحديد، وذرات الحديد لا تماثل ذرات النحاس ولا الذهب وغيرها. فكل جسم له ذراته الخاصة به.
ثالثًا: أن هذا الدليل مبني على مقدمتين، إحداهما: أن اختصاص كل جسم بما له من الصفات، لا يكون إلا لسبب منفصل. والثانية: أن ذلك السبب لا يكون إلا مخصصًا، ليس بجسم، وهاتان المقدمتان قد عرف نزاع العقلاء فيهما، وما يرد عليهما من النقض والفساد ومخالفة أكثر الناس لموجبهما٣. وهم لم يقيموا على ذلك دليلًا صحيحًا يؤيد ما ذهبوا إليه.
فهذا الدليل فاسد وباطل، ولا أدل على بطلانه من اضطراب منظريه في كثير مما يبنى عليه هذا الدليل كالقول بتماثل الأجسام، وتعريف الممكن، والجسم، كما لم يمكنهم إقامة دليل صحيح على ما ادعوه.
_________________
(١) انظر: المطالب العالية ١/١٨٦.
(٢) انظر: التدمرية ص١٢١ - ١٢٢.
(٣) انظر: المرجع السابق ٥/٢٩٣، وتفصيل نقض هاتين المقدمتين في الدرء٣/٧٨ - ٧٩.
[ ٣١٠ ]
حدوث الذوات
"حدوث الأجسام"
١ - معناه في اللغة:
سبق بيان معنى الحدوث والذوات والجسم في اللغة١. ولم يرد هذا الدليل في كتاب الله ولا في سنة رسوله - ﷺ -.
٢ - معنى هذا الدليل في اصطلاح المتكلمين:
هذا الطريق في الاستدلال هو طريق أكثر المعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية٢، حيث إن"جمهور المتكلمين لا يعولون إلا على هذا الطريق، وذلك لأنهم يقيمون الدلالة على كون الأجسام محدثة. وحينئذ يقولون: كل جسم محدث، وكل محدث فله علة وصانع، ينتج أن كل جسم فله فاعل وصانع. ثم هذا الدليل إنما يتم إذا قلنا: وذلك الفاعل إن كان محدثًا لزم التسلسل أو الدور، وإن كان قديمًا فهو واجب الوجود لذاته، وهو المطلوب.. وأما الكلام في قولنا: كل محدث فلابد له من فاعل، وصانع، فموضعه ههنا وهو أن يقال: كل محَدث فهو ممكن الوجود لذاته، وكل ما كان ممكن الوجود لذاته، فله فاعل وصانع، ينتج أن كل محدث فله فاعل. وفي هذا الطريق يستدل بحدوث الأجسام على كونها ممكنة الوجود، ثم يستدل بإمكانها هذا، على افتقارهما إلى الفاعل"٣.
وقد استدلوا على حدوث الأجسام بحدوث الأعراض٤. يقول الباقلاني في شرح ذلك: "جميع العالم العلوي، والسفلي، لا يخرج عن هذين الجنسين، أعني الجواهر والأعراض، وهو محدث بأسره؛ والدليل على حدثه ما قدمناه من إثبات الأعراض. والأعراض حوادث؛
_________________
(١) انظر: البحث٢٨٨، ٣٠٣، ٢٤٩.
(٢) انظر: درء التعارض٥/٢٩٢.
(٣) المطالب العالية ١/٢٠٠، وانظر: معالم أصول الدين ص٣٤، شرح الأصول الخمسة ص٩٤ - ٩٥.
(٤) انظر: التمهيد ص٤٤، الإنصاف ص١٧، درء التعارض٣/٧٢.
[ ٣١١ ]
والدليل على حدوثها بطلان الحركة عند مجيء السكون؛ لأنها لولم تبطل عند مجيء السكون، لكانا موجودين في الجسم معًا، ولوجب لذلك أن يكون متحركًا ساكنًا معًا؛ وذلك مما يعلم فساده ضرورة. والدليل على حدوث الأجسام أنها لم تسبق الحوادث، ولم توجد قبلها؛ وما لم يسبق المحدث محدث كهو؛ إذ كان لا يخلو أن يكون موجودًا معه أو بعده؛ وكلا الأمرين يوجب حدوثه. والدليل على أن الجسم لا يجوز أن يسبق الحوادث أنا نعلم باضطرار أنه متى كان موجودًا فلا يخلو أن يكون متماس الأبعاض مجتمعًا، أو متباينًا مفترقًا؛ لأنه ليس بين أن تكون أجزاؤه متماسة، أو متباينة منزلة ثالثة؛ فوجب ألا يصح أن يسبق الحوادث؛ وما لم يسبق الحوادث، فواجب كونه محدثًا؛ إذ كان لا بد أن يكون إنما وجد مع وجودها، أو بعدها؛ فأي الأمرين ثبت، وجب به القضاء على حدوث الأجسام"١.
٣ - مناقشة الدليل:
هذا الدليل باطل من عدة أوجه:
أولًا: أنهم يقولون إن الإيمان بالرب موقوف على هذا الدليل، مع أنه لم يستدل به أحد من الصحابة والتابعين، ولا من أئمة المسلمين، فلو كانت معرفة الرب - ﷿ - والإيمان به موقوفة عليه، للزم أنهم كانوا غير عارفين بالله، ولا مؤمنين به، وهذا من أعظم الكفر باتفاق المسلمين٢.
كما أن الأنبياء والمرسلين لم يأمروا أحدا بسلوك هذا السبيل، فلو كانت المعرفة موقوفة عليه، وهي واجبة، لكان واجبًا، وإن كانت مستحبة، كان مستحبًا، ولو كان واجبًا، أو مستحبًا، لشرعه رسول الله - ﷺ -، ولو كان مشروعًا لنقلته الصحابة٣.
ثانيًا: أن الطريقة المذكورة في القرآن هي الاستدلال بحدوث الإنسان وغيره من المحدثات، المعلوم حدوثها بالمشاهدة ونحوها؛ على وجود الخالق - ﷾ -، فحدوث الإنسان
_________________
(١) التمهيد ص٤٤.
(٢) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٦١٩.
(٣) انظر: المرجع السابق نفس الجزء والصفحة.
[ ٣١٢ ]
يستدل به على المحدث، لا يحتاج أن يستدل على حدوثه بمقارنة التغير أو الحوادث له، والفرق بين الاستدلال بحدوثه، والاستدلال على حدوثه بين، والذي في القرآن هو الأول لا الثاني؛ كما قال - تعالى -: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور - ٣٥]، فنفس حدوث الحيوان، والنبات، والمعدن، والمطر، والسحاب، ونحو ذلك معلوم بالضرورة، بل مشهود لا يحتاج إلى دليل، وإنما يعلم بالدليل ما لم يعلم بالحس وبالضرورة١.
ثالثًا: أنهم بنوا دليلهم على أن أجسام العالم محدثة، وكل محدث فله محدث، أما المقدمة الأولى فقد تبين تناقضهم فيها، وأنهم التزموا لأجلها أما جحد صفات الله، وأفعاله القائمة به، وإما جحد بعض ذلك، وأنهم اشترطوا في خلق الله - تعالى - للعالم، ما ينافي خلق العالم، فسلطوا عليهم أهل الملل، والفلاسفة جميعا٢. فقد سبق خلافهم في تعريف الجسم، وفيما يتركب منه الجسم، وأنهم رتبوا عليه نفي الصفات أو بعضها عن الله - تعالى -.
رابعًا: أن المقدمة الثانية في دليلهم "وكل محدث فله محدث" أظهر وأعرف وأبْده في العقول من أن تحتاج إلى بيان، فبنوها على أن كل محدث، فهو ممكن الوجود، وأن الممكن يحتاج في وجوده إلى مؤثر موجود، وكل من هاتين المقدمتين صحيحة في نفسها، مع أن القول بافتقار المحَدث، إلى المحِدث أبين وأظهر في العقل، من القول بافتقار الممكن، إلى المؤثر الموجود، فبتقدير بيانهم للمقدمتين، يكونون قد طولوا، وداروا بالعقول، دورة تبعد على العقول معرفة الله - تعالى -، والإقرار بثبوته، وقد يحصل لها في تلك الدورة من الآفات ما يقطعها عن المقصود٣.
خامسًا: أن بعض الفلاسفة قد بينوا فساد هذا الدليل، ومنهم ابن رشد، يقول في نقد هذا الدليل: "وطريقتهم التي سلكوا في بيان حدوث الجزء الذي لا يتجزأ - وهو الذي يسمونه الجوهر الفرد -، طريقة معتاصة، تذهب على كثير من أهل الرياضة في صناعة الجدل، فضلا
_________________
(١) انظر: درء التعارض ٧/٢١٩.
(٢) انظر: المرجع السابق ٣/٧٣.
(٣) انظر: المرجع السابق ٣/٧٣، ٢٨٦.
[ ٣١٣ ]
عن الجمهور. ومع ذلك فهي طريقة غير برهانية، ولا مفضية بيقين، إلى وجود الباري - سبحانه -"١.
وبهذا يتبين أن دليل حدوث الأجسام، الذي يعول عليه جمهور المتكلمين في إثبات وجود الله، دليل غير صحيح، وذلك بالنظر في مقدماته، فالمقدمة الأولى قد حوت مصطلحات مجملة لا يمكن تمييز الخالق فيها عن المخلوق، كما تناقضوا فيها، وقد أفضت بهم إلى لوازم فاسدة كنفي الصفات. والثانية مقدمة بديهية لا تحتاج إلى هذا التعقيد، والإطالة، كما فعلوا. وخلاصة دليلهم وهو أن المُحدَث يحتاج إلى مُحدِث أمر معروف بالضرورة، لا يحتاج إلى نظر. وقد سلكوا في إثبات ذلك طريقة لم تأت في الشرع، ومع ذلك جعلوا معرفة الرب والإيمان به موقوفة عليه!.
_________________
(١) مناهج الأدلة ص ١٣٥.
[ ٣١٤ ]
حدوث الصفات
"حدوث الأعراض"
١ - معناه في اللغة:
سبق بيان معنى الحدوث، ومعنى الصفات، والأعراض، في اللغة١.
٢ - معنى هذا الدليل في اصطلاح المتكلمين:
يقول الرازي في بيان هذا الدليل: "الاستدلال بحدوث الصفات، والأعراض، على وجود الصانع - تعالى -، مثل صيرورة النطفة المتشابهة الأجزاء إنسانًا، فإذا كانت تلك التركيبات أعراضًا حادثة، والعبد غير قادر عليها، فلا بد من فاعل آخر، ثم من ادعى العلم بأن حاجة المحدث إلى الفاعل ضروري، ادعى الضرورة هنا، ومن استدل على ذلك بالإمكان، أو بالقياس على حدوث الذوات، فكذلك يقول أيضًا في حدوث الصفات"٢. فاستدلالهم بهذا الدليل من ثلاثة طرق:
١ - بعضهم يقول الصفات حادثة، والحادث لابد له من محدث ضرورة.
٢ - وبعضهم يقول الصفات حادثة، والحادث ممكن، والممكن لابد له من واجب.
٣ - وبعضهم يقول الصفات حادثة، فلابد لها من محدث قياسًا على حدوث الذوات.
٣ - مناقشة الدليل:
أولًا: هذه الطريقة جزء من الطريقة المذكورة في القرآن، وهي التي جاءت بها الرسل، وكان عليها سلف الأمة، وأئمتها، وجماهير العقلاء من الآدميين. فإن الله - سبحانه - يذكر في آياته ما يحدثه في العالم؛ من السحاب والمطر والنبات والحيوان، وغير ذلك من الحوادث، ويذكر في آياته خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، ونحو ذلك، لكن القائلين بإثبات الجوهر الفرد من المعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية، وغيرهم، يسمون هذا استدلالًا
_________________
(١) انظر: البحث ص ٢٨٨، ٣٠٨، ٢٦٥.
(٢) الدرء ٣/٨٢، وانظر: معالم أصول الدين ص٣٤، المطالب العالية ١/٢١٥.
[ ٣١٥ ]
بحدوث الصفات؛ بناء على أن هذه الحوادث المشهود حدوثها لم تحدث ذواتها، بل الجواهر، والأجسام، التي كانت موجودة قبل ذلك؛ لم تزل من حين حدوثها، بتقدير حدوثها، ولا تزال موجودة، وإنما تغيرت صفاتها، بتقدير حدوثها، كما تتغير صفات الجسم إذا تحرك بعد السكون، وكما تتغير ألوانه، وكما تتغير أشكاله، وهذا مما ينكره عليهم جماهير العقلاء من المسلمين، وغيرهم١.
ثانيًا: أن الاستدلال بحدوث الصفات على طريقتهم، أخفى من الاستدلال بحدوث الأجسام، إذ حدوث الأجسام ظاهر، كما أن الصفة تبع للجسم، فإذا ثبت حدوث الجسم، ثبت حدوث الصفة.
ثالثًا: أن حقيقة قول الجهمية، والمعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية، وغيرهم، أن الرب لم يزل معطلًا فلا يفعل شيئًا، ولا يتكلم بمشيته وقدرته، ثم إنه أبدع جواهر من غير فعل يقوم به، وبعد ذلك ما بقي يخلق شيئًا، بل إنما تحدث صفات تقوم بها، ويدعون أن هذا قول أهل الملل الأنبياء وأتباعهم٢، وهذا باطل.
رابعًا: أن من اعتمد في حدوث الصفات، على أن هذا يدل على الإمكان، والممكن لابد له من واجب، فقد أطال الدليل بدون حاجة، واستدل على الأظهر بالأخفى، وهذا بلاشك يبعد عن المقصود.
فالصواب إذًا هو الاستدلال بحدوث المخلوقات على الخالق العظيم، وليس الاقتصار على حدوث صفاتها، كما ينبغي أن يكون الدليل خاليًا من الألفاظ المجملة؛ لأنها سبب الاضطراب والاختلاف.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ٣/٨٣، مجموع الفتاوى١٧/٢٤٦.
(٢) انظر: درء التعارض ٣/٨٤.
[ ٣١٦ ]
الإحكام والإتقان
١ - معنى الإحكام والإتقان في اللغة:
قال الخليل: "الحكمة مرجعها إلى العدل والعلم والحلم، ويقال أحكمته التجارب، إذا كان حكيمًا، وأحكم فلان عني كذا، أي منعه.. وكل شيء منعته من الفساد فقد حكَمته، وحكَّمته وأحكمته"١.
وقال ابن فارس: "الحاء والكاف والميم أصل واحد، وهو المنع. وأول ذلك الحكم، وهو المنع من الظلم. وسميت حكمة الدابة لأنها تمنعها، يقال حكمت الدابة وأحكمتها. ويقال حكمت السفيه، وأحكمته، إذا أخذت على يديه"٢.
وقال الجوهري: "والحكم أيضا الحكمة من العلم. والحكيم العالم، وصاحب الحكمة، والحكيم المتقن للأمور..وأحكمت الشيء فاستحكم، أي صار محكمًا"٣، والإتقان في اللغة - كما قال الخليل - الإحكام٤، وفي اللسان: "وأتقن الشيء أحكمه، وإتقانه إحكامه، والإتقان الإحكام للأشياء" ٥.
٢ - معنى الإحكام والإتقان في الشرع:
فالإحكام والإتقان معناهما واحد، وهو ضبط الشيء ومنع وقوع الفساد والخلل فيه. وقد ورد الفعل من لفظ الإحكام، والإتقان، في كتاب الله - تعالى - ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود - ١] وقوله - سبحانه -: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل - ٨٨] . وهو بمعناها في اللغة.
_________________
(١) العين ٣/٦٧.
(٢) معجم مقاييس اللغة ٢/٩١.
(٣) الصحاح ٥/١٩٠١.
(٤) انظر: العين ٥/١٢٩.
(٥) لسان العرب ١٣/٧٣.
[ ٣١٧ ]
٣ - معنى هذا الدليل في الاصطلاح:
من الآيات الواضحة التي جعلها الله - ﷿ - دليلًا لعباده على معرفة وحدانيته، انتظام صنعته، وبدائع حكمته في خلق السماوات والأرض، وما أحكم فيها، وخلق الإنسان، والأرواح، وما ركب فيها، قال - تعالى -: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُور﴾ [الملك - ٣] ١.
يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "أفعاله المحكمة المتقنة دلت على علمه، وهذا مما وقع الاتفاق عليه من هؤلاء، فإنهم يسلمون أن الإحكام والإتقان يدل على علم الفاعل، وهذا أمر ضروري عندهم وعند غيرهم، وهو من أعظم الأدلة العقلية التي يجب ثبوت مدلولها، والإحكام والإتقان إنما هو أن يضع كل شيء في محله المناسب، لتحصل به الحكمة المقصودة منه..وحكمة الرب في جميع المخلوقات باهرة، قد بهرت العقلاء، واعترف بها جميع الطوائف، والفلاسفة من أعظم الناس إثباتًا لها، وهم يثبتون العناية والحكمة الغائية، وإن كان فيهم من قصر في أمر الإرادة والعلم، وكذلك المتكلمون كلهم متفقون على إثبات الحكمة في مخلوقاته، وإن كانوا في الإرادة وفعله لغاية متنازعين"٢.
ويقول الرازي في شرح هذا الدليل: "وهي الاستدلال بما في العالم من الإحكام والإتقان على علم الفاعل، والذي يدل على علم الفاعل هو بالدلالة على ذاته أولى"٣.
فإتقان الخلق وإحكامه من أعظم الأدلة على وجود الله، يتفق في هذا الدليل أهل السنة والفلاسفة والمتكلمون، وهو يدل على علم الفاعل وحكمته، والفلاسفة والمتكلمون يلزمهم الإقرار بثبوت ذلك لله من غير تقصير في مدلول العلم والحكمة، لأنه من لوازم هذا الدليل.
_________________
(١) انظر: كتاب التوحيد لابن منده ١/٩٧.
(٢) النبوات ص٣٧٦ - ٣٧٧، وانظر: الصواعق المرسلة ٤/١٥٦٧ - ١٥٧٤، شفاء العليل ص٢٣٣.
(٣) نقله ابن تيمية في درء التعارض ٣/٨٧، وانظر: المطالب العالية ١/٢٣٣.
[ ٣١٨ ]
دليل التمانع
١ - معنى التمانع في اللغة:
سبق التعريف بلفظ الممتنع في اللغة، وقد بينت أن مادة منع تدل على عدم حصول الشيء وعدم وقوعه١.
ولم يرد مصطلح دليل التمانع في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله - ﷺ -، وورد معناه في قوله - تعالى -: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون - ٩١] . كما سيأتي بيانه.
٢ - معنى دليل التمانع في الاصطلاح:
يستدل المتكلمون بدليل التمانع على وحدانية الله، يقول الرازي: "اعلم أنهم ذكروا أنواعًا من الدلائل، أقواها دليل التمانع "٢.
ويقول الباقلاني شارحًا دليل التمانع: "وليس يجوز أن يكون صانع العالم اثنين، ولا أكثر من ذلك، والدليل على ذلك أن الاثنين يصح أن يختلفا، ويوجِد أحدهما ضد مراد الآخر؛ فلو اختلفا، وأراد أحدهما إحياء جسم، وأراد الآخر إماتته، لوجب أن يلحقهما العجز، أو واحدًا منهما؛ لأنه محال أن يتم ما يريدان جميعًا لتضاد مراديهما. فوجب أن لا يتما، أو يتم مراد أحدهما، فيلحق من لم يتم مراده العجز. أو لا يتم مرادهما، فيلحقهما العجز. والعجز من سمات الحدث، والقديم الإله لا يجوز أن يكون عاجزًا"٣.
_________________
(١) انظر: البحث ص٢٧٢.
(٢) المطالب العالية ٢/١٣٥.
(٣) التمهيد ص٤٦، وانظر: الإنصاف ص٣٤، أصول الدين ص٨٥ - ٨٦، الإرشاد ص٥٣ - ٥٤، شرح الأصول الخمسة ص٢٧٧، منهاج السنة ٣/٣٠٤ - ٣٠٥.
[ ٣١٩ ]
وقد ورد معنى هذا الدليل في كتاب الله قال - تعالى -: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون - ٩١] .
قال ابن القيم - ﵀ -: "فتأمل هذا البرهان الباهر، بهذا اللفظ الوجيز البين، فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقًا فاعلًا، يوصل إلى عابده النفع، ويدفع عنه الضر، فلو كان معه - سبحانه - إله، لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضى بشركة الإله الآخر معه، بل إن قدر على قهره، وتفرده بالإلهية دونه فعل. وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه، وذهب به، كما ينفرد ملوك الدنيا عن بعضهم بعضًا بممالكهم.
وإذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر، والعلو عليه فلا بد من أحد أمور ثلاثة:
إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه، وإما أن يعلو بعضهم على بعض،
وإما أن يكون كلهم تحت قهر إله واحد، وملك واحد، يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه، ويمتنع من حكمهم عليه، ولا يمتنعون من حكمه عليهم، فيكون وحده هو الإله الحق وهم العبيد المربوبون المقهورون"١.
ودليل التمانع برهان تام على مقصود المتكلمين، وهو امتناع صدور العالم عن اثنين، وهذا هو توحيد الربوبية، وقد اعترض بعض النظار على هذا الدليل٢، وليس الأمر كما ظنه هؤلاء بل هو برهان صحيح عقلي، كما قدره فحول النظار٣.
ولكن من وجوه غلط المتكلمين في ذلك أنهم يدللون على التمانع بقوله - تعالى -: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء - ٢٢]، بينما الآية التي تدل على التمانع هي قوله - تعالى -: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون - ٩١] كما سبق بيان ذلك.
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٢/٤٦٣ - ٤٦٤، وانظر: شرح الطحاوية ١/٣٨ - ٣٩، درء التعارض٩/٣٥٥ - ٣٥٩.
(٢) انظر بعض الاعتراضات في المطالب العالية ٢/١٣٥ - ١٤٤.
(٣) انظر: درء التعارض ٩/٣٥٤.
[ ٣٢٠ ]
الفطرة
١ - معنى الفطرة في اللغة:
قال الخليل:" وفطر الله الخلق، أي خلقهم، وابتدأ صنعة الأشياء، وهو فاطر السماوات والأرض، والفطرة التي طبعت عليها الخليقة من الدين، فطرهم الله على معرفته بربوبيته..وانفطر الثوب وتفطر أيانشق، وتفطرت الجبال والأرضانصدعت"١.
وقال الجوهري: "والفِطْرة بالكسر الخلقة، وقد فطره يفْطُرُه بالضم فطرًا، أي خلقه. والفَطْر أيضا الشق، يقال فطرته فانفطر.. وتفَطَّر الشيء تشقق..والفَطْر الابتداء والاختراع، قال ابن عباس - ﵁ -: كنت لا أدري ما فاطر السماوات حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي أنا ابتدأتها"٢.
وعلى هذا فلفظ فطر يدور معناه على الشق والابتداء والخلق.
٢ - معنى الفطرة في الشرع:
لقد ورد لفظ الفطرة في كتاب الله، في آية واحدة، هي قوله - تعالى -: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم - ٣٠]، كما ورد الفعل منه وهو فطر، ولفظ فاطر، وفطور، ومنفطر، في آيات كثيرة يدور معنى الفطر فيها على الخلق، والابتداء، والانشقاق.
وفي سنة الرسول - ﷺ - ورد لفظ الفطرة في أحاديث كثيرة، يهمنا منها حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة
_________________
(١) العين ٧/٤١٨.
(٢) الصحاح ٢/٧٨١، وانظر: العين ٧/٤١٧ - ٤١٨، لسان العرب ٥/٥٥ - ٥٨، المغرب ص٣٦٢، المصباح المنير ٢/٤٧٦ - ٤٧٧.
[ ٣٢١ ]
جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء"، ثم يقول أبو هريرة - ﵁ -: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآية [الروم - ٣٠] "١.
وقد اختلف العلماء في معنى الفطرة في حديث أبي هريرة، وهي المذكورة في الآية السابقة على عدة أقوال منها:
القول الأول: أن الفطرة هي الإقرار بمعرفة الله - تعالى -، وهي العهد الذي أخذه عليهم في أصلاب آبائهم، حين مسح ظهر آدم فأخرج من ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى، فليس أحد إلا وهو يقر بأن له صانعًا ومدبرًا وإن سماه بغير اسمه، قال - تعالى -: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف - ٨٧] فكل مولود يولد على ذلك الإقرار٢.
القول الثاني: أن معنى كل مولود يولد على الفطرة، أي أن الله فطرهم على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان٣.
القول الثالث: أن الفطرة هي الإسلام لكنها خاصة بالمؤمنين؛ لأنه لو فطر الناس جميعًا على الإسلام لما كفر أحد منهم، وهذا خلاف ما دلت عليه النصوص من أنه - تعالى - خلق أقوامًا للنار، وأن غلام الخضر طبع كافرًا٤.
القول الرابع: أن الفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود، من المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه، إذا بلغ مبلغ المعرفة، يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم، التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك، ومثل هذا القول من قال: المراد بالفطرة، أن كل مولود يولد على السلامة خلقة، وطبعا، وبنية، ليس معها كفر ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار، ثم يعتقد الكفر أو الإيمان بعد البلوغ٥.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ وهل يعرض على الصبي الإسلام ١/٤١٦، ح ١٣٥٨، وبنحوه مسلم في كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة ٤/٢٠٤٧، ح ٢٦٥٨.
(٢) انظر: تأويل مختلف الحديث ص٧٣ - ٩٥، التمهيد لابن عبد البر ١٨/٩٠ - ٩١، الدرء ٨/٣٥٩ - ٣٦٠، شفاء العليل ص٢٨٣.
(٣) انظر: التمهيد لابن عبد البر ١٨/٨٨، شفاء العليل ص٢٩٣، أحكام أهل الذمة ٢/٥٧٥ - ٥٧٦.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٤/٢٦.
(٥) انظر: التمهيد ١٨/٦٨ - ٧٠، درء التعارض ٨/٤٤٢، شفاء العليل ص٢٨٩ - ٢٩٩، أحكام أهل الذمة ٢/٥٦٨ - ٥٦٩.
[ ٣٢٢ ]
القول الخامس: الفطرة يعني البدأة التي ابتدأهم عليها، يريد أنه مولود على ما فطر الله عليه خلقه، من أنه ابتدأهم للحياة والموت، والسعادة والشقاء، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم عن آبائهم اعتقادهم. قالوا والفطرة في كلام العرب البداءة، والفاطر المبدئ والمبتدىء١.
القول السادس: أن الفطرة ها هنا الإسلام، قالوا وهو المعروف عند عامة السلف أهل التأويل، وقد أجمعوا في تأويل قوله - ﷿ -: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم - ٣٠] على أن قالوا فطرة الله، دين الله الإسلام٢. واستدل أصحاب هذا القول بأدلة كثيرة منها٣:
١ - قول أبي هريرة في هذا الحديث: "اقرأوا إن شئتم: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم - ٣٠] "، وذكروا عن عكرمة، ومجاهد، والحسن، وإبراهيم، والضحاك، وقتادة، في قول الله - ﷿ -: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم - ٣٠]، قالوا: فطرة الله، دين الله الإسلام.
٢ - ومما احتج به من ذهب إلى أن الفطرة في هذا الحديث الإسلام، قوله - ﷺ -: "خمس من الفطرة" ٤، يعني فطرة الإسلام.
٣ - والدلائل الدالة على أنه أراد على فطرة الإسلام كثيرة، كألفاظ الحديث التي في الصحيح مثل قوله "على الملة"، و"على هذه الملة" ٥.
٤ - ومثل قوله في حديث عياض بن حمار: "خلقت عبادي حنفاء كلهم" ٦، ومثل تفسيرأبي هريرة، وغيره، من رواة الحديث، ذلك، وهم أعلم بما سمعوا.
_________________
(١) انظر: التمهيد ١٨/٧٨، درء التعارض ٨/٣٨٦، شفاء العليل ص٢٨٤، أحكام أهل الذمة ٢/٥٦٩.
(٢) انظر: التمهيد ١٨/٧٢، الدرء ٨/٣٧٣، شفاء العليل ص٢٨٥، أحكام أهل الذمة ٢/٥٣٥، فتح الباري ٣/٢٤٨.
(٣) انظر: درء التعارض٨/٣٦٧ - ٣٧١.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب اللباس باب قص الشارب ٤/٧٢، ح ٥٨٨٩، ومسلم في كتاب الطهارة باب خصال الفطرة ١/٢٢١؛ ح ٢٥٧.
(٥) الروايتان أخرجهما مسلم في كتاب القدر، باب معنى "كل مولود يولد على الفطرة" ٤/٢٠٤٨، ح ٢٦٥٨.
(٦) جزء من حديث أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الخصال التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ٤/٢١٩٧، ح ٢٨٦٥.
[ ٣٢٣ ]
وأيضا فإنه لو لم يكن المراد بالفطرة الإسلام؛ لما سألوا عقب ذلك: أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟ لأنه لو لم يكن هناك ما يغير تلك الفطرة لما سألوا، والعلم القديم وما يجري مجراه لا يتغير.
وهذا القول هو الراجح في تفسير معنى الفطرة والله - تعالى - أعلم، وذلك لصراحة الأدلة التي استدلوا بها. والفطرة بهذا المعنى هي دليل من أدلة الربوبية التي غرسها الله - ﷿ - في بني آدم وخلقهم عليها، وهي توحيده - سبحانه - وعدم الشرك به، ثم تتغير هذه الفطرة بما يجتالها من شياطين الجن، والأهواء والشهوات.
وفي نهاية هذا الفصل أرجو أن أكون قد رسمت صورة واضحة عن أدلة توحيد الربوبية، من خلال شرح المصطلحات المتعلقة بها، والتي بفهمها يمكن فهم تلك الأدلة والحكم عليها.
[ ٣٢٤ ]
الفصل الثالث: الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بالشرك في الربوبية
الشرك في الربوبية
الفصل الثالث: الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بالشرك في الربوبية.
[ ٣٢٥ ]
الشرك في الربوبية
١ - معنى الشرك في اللغة:
يقول ابن فارس: "الشين والراء والكاف أصلان، أحدهما يدل على مقارنة وخلاف انفراد، والآخر يدل على امتداد واستقامة.
فالأول الشركة، وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما."١
وفي الصحاح: "..وشركته في البيع والميراث أشركه شركة، والاسم الشرك..والشرك أيضًا الكفر. وقد أشرك فلان بالله فهو مشرك ومشركي"٢.
فالشرك لفظ يدل على اقتسام الشيء بين اثنين فأكثر، دون أن ينفرد به واحد.
وقد سبق بيان معنى الرب في اللغة وهو المالك والمصلح والمربي٣.
٢ - معنى الشرك في الشرع:
ورد لفظ الشرك في كتاب الله، وفي كلام رسوله - ﷺ - في مواضع كثيرة، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان - ١٣] وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن - ٢٠]، وغيرها كثير، ومن السنة مارواه أنس بن مالك - ﵁ - قال: ذكر رسول الله - ﷺ - الكبائر، أو سئل عن الكبائر، فقال: "الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين.." ٤، إلى غير ذلك من الأحاديث.
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة ٣/٢٦٥.
(٢) الصحاح ٤/١٥٩٣ - ١٥٩٤.
(٣) انظر البحث ص١٣٨.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر ٤/٨٨، ح ٥٩٧٧، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها ١/٩٢، ح ٨٨.
[ ٣٢٦ ]
يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "وأصل الشرك أن تعدل بالله - تعالى - مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده"١. وهذا التعريف شامل لأنواع الشرك، فمن عدل بالله غيره في بعض ما يستحقه وحده بأن اعتقد شريكًا لله في التصرف، أو الخلق، أو نحوه من صفات الربوبية، فهو مشرك، ومن عدل بالله غيره في بعض أنواع العبادة فهو مشرك، ومن عدل بالله غيره في بعض ما يستحقه وحده من الصفات فهو مشرك. فالشرك نوعان شرك في الربوبية وشرك في الألوهية.
ويقول الإمام ابن القيم - ﵀ - معرفا الشرك بتعريف جامع: "بأن يجعل لله عدلًا بغيره في اللفظ أو القصد أو الاعتقاد"٢.
وقال شيخ الإسلام - ﵀ -: "الشرك وهو اتخاذ إله مع الله"٣، سواء في الاعتقاد أو الفعل. وقال: "الشرك عبادة غير الله"٤. وهذا نوع من أنواع الشرك وهو الشرك في الألوهية، كما ذكر الشرك في بعض أضرب العبادة في موضع آخر، حيث يقول: "الشرك بالله وهو أن يدعو مع الله إلها آخر إما الشمس، وإما القمر، أو الكواكب..أو غير ذلك مما يدعى من دون الله - تعالى -، أو يستغاث به، أو يسجد له"٥.
فالشرك ينقسم إلى قسمين:
الأول: شرك بتعلق بذات المعبود، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله. وهذا هو الشرك في الربوبية.
الثاني: شرك في عبادته، ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه - سبحانه - لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله٦.وهذا هو الشرك في العبادة والألوهية.
_________________
(١) الاستقامة ١/٣٤٤.
(٢) إعلام الموقعين ١/٣٣٤.
(٣) مجموع الفتاوى ٤/٧٤، وانظر: الجواب الكافي ص٩٠.
(٤) مجموع الفتاوى ١١/٦٨٢.
(٥) المرجع السابق ٣/٤٢٤.
(٦) انظر: الجواب الكافي ص١١٤، مدارج السالكين ١/٦٢ - ٦٣.
[ ٣٢٧ ]
٣ - معنى الشرك في الربوبية في الشرع:
يقول شيخ الإسلام - ﵀ - أن معنى الشرك في الربوبية هو:" إثبات فاعل مستقل غير الله"١، ويمثل لذلك بقوله: "كمن يجعل الحيوان مستقلًا بإحداث فعله، ويجعل الكواكب، أو الأجسام الطبيعية، أو العقول، أو النفوس، أو الملائكة، أو غير ذلك مستقلًا بشيء من الإحداث، فهؤلاء حقيقة قولهم تعطيل الحوادث عن الفاعل"٢. كما عرف الشرك في الربوبية بقوله: "بأن يجعل لغيره معه تدبيرًا ما"٣.
والشرك في الربوبية نوعان٤:
الأول: شرك التعطيل.
الثاني: شرك من جعل مع الله إلهًا آخر، ولم يعطل أسماءه، وربوبيته، وصفاته.
ومثال النوع الأول شرك أهل وحدة الوجود، وشرك القائلين بقدم العالم، وشرك المعطلة من الجهمية وأمثالهم.
ومثال النوع الثاني شرك النصارى القائلين بالتثليث، وشرك المجوس الثنوية، وشرك الصابئة٥، وعباد الشمس والنار ونحوها.
فالشرك في الربوبية هو أن تجعل لغير الله قدرة على الخلق، أو التصرف، والتدبير في الكون مع الله.
_________________
(١) درء التعارض ٧/٣٩٠.
(٢) المرجع السابق ٧/٣٩٠.
(٣) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٧١٠.
(٤) انظر: الجواب الكافي ١١٤ - ١١٥.
(٥) الصابئة نوعان: صابئة مشركون، وصابئة حنفاء. والصابئة المشركون هم الذين يشركون بالكواكب العلويات ويجعلونها أربابا مدبرة لأمر هذا العالم. انظر: أحكام أهل الذمة لابن القيم ١/٩٠ - ٩٤، إغاثة اللهفان٢/٢٥٢.
[ ٣٢٨ ]
التعطيل
١ - معنى التعطيل في اللغة:
قال الخليل: "العطل فقدان القلادة، عطلت تعطل عطلًا وعطولًا، فهي عاطل وهن عواطل"١.
وجاء في الصحاح:" والعطل أيضًا، مصدر عطلت المرأة، وتعطلت، إذا خلا جيدها من القلائد..وقد يستعمل العطل في الخلو من الشيء، وإن كان أصله في الحلي"٢.
وقال ابن فارس: "العين والطاء واللام أصل صحيح واحد، يدل على خلو وفراغ. تقول: عطلت الدار، ودار معطلة. ومتى تركت الإبل بلا راع، فقد عطلت"٣. وجاء في القرآن الكريم قوله - تعالى -: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج - ٤٥] .
فالتعطيل يدل على خلو الشيء وفراغه مما ينبغي له.
٢ - معنى التعطيل في الشرع:
أصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام - كما يقول الإمام ابن القيم -: "تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وتعطيل الصانع - سبحانه - عن كماله المقدس، بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد"٤. والنوع الأول والثاني من أنواع التعطيل هي من الشرك في الربوبية، ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود، ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم، ومن هذا شرك من عطل أسماء الرب - تعالى - وأوصافه، وأفعاله، من غلاة الجهمية والقرامطة.
_________________
(١) العين ٢/٩.
(٢) الصحاح ٥/١٧٦٧.
(٣) معجم مقاييس اللغة٤/٣٥١.
(٤) الجواب الكافي ص٩٠، وانظر: نهاية الإقدام ص١٢٣.
[ ٣٢٩ ]
يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "فمن نفى ما لا بد منه كان معطلًا"١.
وقيل: "المعطلة الذين يزعمون أن الأشياء كائنة من غير تكوين، وأنه ليس لها مكون ولا مدبر"٢.
وفي مفاتيح العلوم: "المعطلة: الذين لا يثبتون الباري - ﷿ -"٣.
فالتعطيل هو نفي وإنكار الخالق، أو نفي شيء من صفات الربوبية، أو عدم القيام بما يجب له من العبادة.
_________________
(١) الصفدية ١/١٠١.
(٢) التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع للملطي ص٩١ - ٩٢.
(٣) مفاتيح العلوم للخوارزمي ص ٥٥.
[ ٣٣٠ ]
الزندقة
١ - معنى الزندقة في اللغة:
قال الخليل: "الزنديق ألاّ يؤمن بالآخرة وبالربوبية"١.
وقال الجوهري:" الزنديق من الثنوية، وهو معرب، والجمع الزنادقة، والهاء عوض من الياء المحذوفة، وأصله الزناديق، وقد تزندق والاسم الزندقة"٢.
وفي لسان العرب: "الزنديق القائل ببقاء الدهر، فارسي معرب، وهو بالفارسية زند كراي، يقول بدوام بقاء الدهر، والزندقة الضيق وقيل الزنديق منه لأنه ضيق على نفسه"٣.
فلفظ الزندقة إذًا فارسي معرب، وهو يعني إنكار الربوبية، والقول ببقاء الدهر.
٢ - معنى الزندقة في الاصطلاح:
لفظ الزندقة لا يوجد في القرآن، كما لا يوجد في كلام النبي - ﷺ -، وهو لفظ أعجمي معرب أخذ من كلام الفرس بعد ظهور الإسلام، وعرب، وقد تكلم به السلف والأئمة في توبة الزنديق ونحو ذلك، فأما الزنديق الذي تكلم الفقهاء في قبول توبته في الظاهر، فالمراد به عندهم المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر٤، وإن كان مع ذلك يصلي ويصوم ويحج ويقرأ القرآن، وسواء كان في باطنه يهوديًا أو نصرانيًا أو مشركًا أو وثنيًا، وسواء كان معطلًا للصانع وللنبوة أو للنبوة فقط أو لنبوة نبينا فقط، فهذا زنديق وهو منافق٥.
_________________
(١) العين ٥/٢٥٥.
(٢) الصحاح ٤/١٤٨٩.
(٣) لسان العرب١٠/١٤٧.
(٤) انظر: المغني لابن قدامة ٢/٢٦٦، الكافي لابن قدامة ٤/١٥٩، المبدع لابن مفلح ٦/٢٣٥، الإنصاف للمرداوي ٧/٣٥٢، كشاف القناع للبهوتي ٦/١٧٧.
(٥) انظر: بغية المرتاد - ٣٣٩ - ٣٣٨، الاستغاثة ٢/٦٨٨.
[ ٣٣١ ]
وسئل مالك - ﵀ - عن الزندقة فقال: ما كان عليه المنافقون على عهد رسول الله - ﷺ - من إظهار الإيمان وكتمان الكفر هو الزندقة عندنا اليوم١.
وذكر الخوارزمي في مفاتيح العلوم أن الزنادقة هم المانوية، وكانت المزدكية يسمون بذلك، ومزدك هو الذي ظهر في أيام قباذ، وكان قاضي قضاة المجوس، وزعم أن الأموال والحرم مشتركة، وأظهر كتابًا سماه زند، وهو كتاب المجوس الذي جاء به زرادشت، الذي يزعمون أنه نبيهم، فنسب أصحاب مزدك إلى زند، فقيل زندي، وأعربت الكلمة فقيل للواحد زنديق، وللجماعة زنادقة٢.
وقيل: "الزنديق هو الذي لا يتمسك بشريعة، ويقول بدوام الدهر"٣.
ويقسم الغزالي الزندقة إلى قسمين:
زندقة مطلقة: وهو أن ينكر أصل المعاد عقليًا وحسيًا وينكر الصانع للعالم أصلًا.
زندقة مقيدة: وهي إثبات المعاد بنوع عقلي مع نفي الآلام واللذات الحسية، وإثبات الصانع مع نفي علمه بتفاصيل الأمور. فهي زندقة مقيدة بنوع اعتراف بصدق الأنبياء.
واستدل على هذا التقسيم بحديث موضوع وهو "ستفترق أمتي نيفًا وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا الزنادقة"٤.وجعل الزندقة المقيدة هي معنى زنادقة هذه الأمة٥.
قال شيخ الإسلام: "أما هذا الحديث فلا أصل له، بل هو موضوع كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولم يروه أحد من أهل الحديث المعروفين بهذا اللفظ"٦.
وتقسيمه المذكور غير صحيح، والتحقيق أن أصل الزنادقة هم من الفرس الثنوية، وظهر الإسلام والزنديق يطلق على من يعتقد ذلك، وأظهر جماعة منهم الإسلام خشية القتل،
_________________
(١) انظر: التمهيد لابن عبد البر ١٠/١٥٤، الموطأ ٢/٧٣٦.
(٢) انظر: مفاتيح العلوم ص٥٦.
(٣) المصباح المنير١/٢٥٦.
(٤) ذكره ابن الجوزي في كتابه الموضوعات١/٢٦٧ - ٢٦٨.وقال هذا الحديث لا يصح عن رسول الله. أما الحديث الصحيح فهو في سنن أبي داود كتاب السنة باب شرح السنة٤/١٩٧، ح ٤٥٩٦، والترمذي في الإيمان باب ما جاء في افتراق هذه الأمة ٥/٢٥، ح ٢٦٤٠وابن ماجة في باب افتراق الأمم ٢/١٣٢١، ح ٣٩٩١.
(٥) انظر: بغية المرتاد ص٣٣٦.
(٦) المرجع السابق ص٣٣٧.
[ ٣٣٢ ]
ومن ثم أطلق الاسم على كل من أسر الكفر وأظهر الإسلام، حتى قال مالك: الزندقة ما كان عليه المنافقون، وكذا أطلق جماعة من الفقهاء الشافعية وغيرهم أن الزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر١.
فلفظ الزنديق في الاصطلاح يعني المنافق الذي يبطن الكفر، ويظهر الإسلام.
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١٢/٢٧٠ - ٢٧١.
[ ٣٣٣ ]
الإلحاد
١ - معنى الإلحاد في اللغة:
قال الخليل: "..والرجل يلتحد إلى الشيء: يلجأ إليه ويميل، يقال: ألحد إليه ولحد إليه بلسانه أي مال، ويُقرأ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ﴾ [النحل - ١٠٣] و﴿يَلْحَدون﴾ . وألحد في الحرم، ولا يقال لحد إذا ترك القصد ومال إلى الظلم"١.
وقال الجوهري: "ألحد في دين الله، أي حاد عنه وعدل، ولحد لغة فيه. وقريء ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل - ١٠٣]، والتحد مثله. وألحد الرجل أي ظلم في الحرم، وأصله من قوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج - ٢٥] "٢.
وقال ابن فارس: "اللام والحاء والدال أصل يدل على ميل عن استقامة، يقال: ألحد الرجل، إذا مال عن طريقة الحق والإيمان"٣، واللحد الشق الذي يكون في جانب القبر موضع الميت، لأنه قد أميل عن وسط إلى جانبه٤.
وعلى هذا فلفظ الإلحاد في اللغة يعني الميل، والظلم، والعدول عن الاستقامة أو الدين أو الحق، وهو معناه في كتاب الله - تعالى -.
_________________
(١) العين ٣/١٨٢ - ١٨٣.
(٢) الصحاح ٢/٥٣٤، وانظر: العين٣/١٨٢ - ١٨٣، لسان العرب٣/٣٨٨ - ٣٨٩.
(٣) معجم مقايس اللغة ٥/٢٣٦.
(٤) لسان العرب ٣/٣٨٨ - ٣٨٩.
[ ٣٣٤ ]
٢ - معنى الإلحاد في الشرع:
ورد لفظ الإلحاد في كتاب الله - تعالى -، قال - ﷿ -: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج - ٢٥] كما ورد الفعل منه في قوله - تعالى -: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل - ١٠٣] . ومعنىالإلحاد هو الشرك والميل والتكذيب، يقول الطبري - ﵀ -: "عن ابن عباس في قوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف - ١٨٠] قال: الإلحاد التكذيب، وقال آخرون: معنى ذلك يشركون"١.
ويذكر الطبري - ﵀ - معنى الإلحاد فيقول: "الإلحاد في الدين وهو المعاندة بالعدول عنه والترك له"٢.
وقال الراغب: "وألحد فلان مال عن الحق، والإلحاد ضربان: إلحاد إلى الشرك بالله، وإلحاد إلى الشرك بالأسباب، فالأول ينافي الإيمان ويبطله، والثاني: يوهن عراه ولا يبطله"٣.
فلفظ الإلحاد يقتضى ميلًا عن شيء إلى شيء بباطل٤.
ويقول الإمام ابن القيم - ﵀ - في تعريف الإلحاد في أسماء الله: "والإلحاد في أسمائه هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها"٥، وقال أيضًا في بيان معنى هذا اللفظ: "الإلحاد في أسماء الله تارة يكون بجحد معانيها وحقائقها، وتارة يكون بإنكار المسمى بها، وتارة يكون بالتشريك بينه وبين غيره فيها"٦.
وشرح هذا التعريف يكون ببيان أنواع الإلحاد في أسماء الله، فالإلحاد في أسمائه - تعالى - أنواع:
أحدها: أن تسمى الأصنام بها، كتسميتهم اللات من الإلهية، والعزى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلهًا، وهذا إلحاد حقيقة، فإنهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم، وآلهتهم الباطلة.
_________________
(١) تفسير الطبري ٩/١٣٤.
(٢) المرجع السابق ١٥/٢٣٣.
(٣) المفردات ص٧٣٧.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى١٢/١٢٤.
(٥) بدائع الفوائد١/١٦٩.
(٦) الصواعق المرسلة١/٢١٧.
[ ٣٣٥ ]
الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية الفلاسفة له موجبًا بذاته، أو علة فاعلة بالطبع، ونحو ذلك.
وثالثها: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص؛ كقول أخبث اليهود إنه فقير، وقولهم إنه استراح بعد أن خلق خلقه.
ورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني.
وخامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه - تعالى الله عما يقول المشبهون علوًا كبيرًا - ١.فهذا كله من الإلحاد في أسمائه - سبحانه -.
٣ - الإلحاد المعاصر:
الإلحاد المصطلح عليه في هذا العصر يعني إنكار وجود الله، والقول بأن الكون وجد بلا خالق، وأن المادة أزلية أبدية، واعتبار تغيرات الكون قد تمت بالمصادفة، أو بمقتضى طبيعة المادة وقوانينها، واعتبار ظاهرة الحياة، وما تستتبع من شعور وفكر عند الإنسان، من أثر التطور الذاتي في المادة٢.
ولم يكن الإلحاد في التاريخ الإنساني ظاهرة بارزة، ذات تجمع بشري، أو مذهبًا مدعمًا بمنظمات ودول، وإنما كان ظاهرة فردية شاذة، وربما اجتمع عليه فئات قليلة، وانتشر الإلحاد منذ القرن التاسع عشر، حيث صيغت العلوم الإنسانية، وجذور العلوم البحتة، على أسس الإلحاد بالله، والتفسيرات المادية٣، وانتشر انتشارًا لا سابق له في الجاهليات القديمة.
إلا أنه في أواخر القرن العشرين، وبداية الحادي والعشرين، عمت موجة من التدين في الأوساط الغربية الملحدة، وشهد العالم سقوط الشيوعية، ثم بدأنا نشاهد عودة مايسمى باليمين المسيحي المتطرف، كل ذلك بعد أن ذاقوا ويلات البعد عن الدين، والعيش في ظلمة
_________________
(١) انظر: بدائع الفوائد١/١٦٩ - ١٧٠، مدارج السالكين١/٢٩ - ٣٠، المفردات ص٧٣٧.
(٢) كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة للأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني ص ٤٠٩، وانظر: مذاهب فكرية معاصرة للأستاذ محمد قطب ص٦٠٥، الموسوعة الفلسفية ص٤٢٦.
(٣) انظر: كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة ص٤١١.
[ ٣٣٦ ]
الإلحاد. إلا أن هذا لم يعني نهاية الإلحاد، بل قد بقي الإلحاد متغلغلًا في تلك الأوساط، مرتديًا عباءة العلم، والحضارة.
٤ - أئمة ومذاهب فكرية إلحادية:
أئمة الإلحاد من الفلاسفة كثيرون، منذ عهد الإغريق، حتى عصرنا الحاضر، وهم الذين كانت لهم آراء ظاهرة، حاولوا فيها تفسير الوجود، والكون، وظاهراته، والتغيرات التي تجري فيه، تفسيرات تستبعد استبعادًا كليًا فكرة وجود خالق، ومن هؤلاء:
١ - ديموقريطس، وهو فيلسوف إغريقي "٤٧٠ - ٣٦١ق. م".
٢ - أبيقور، وهو فيلسوف إغريقي "٣٤١ - ٢٧٠ق. م".
٣ - توماس هوبز، فيلسوف إنجليزي، وهو أول الماديين المحدثين "١٥٨٨ - ١٦٧٩م".
٤ - دافيد هيوم، فيلسوف اسكتلندي "١٧١١ - ١٧٧٦م".
٥ - شوبنهور، فيلسوف ألماني "١٧٨٨ - ١٨٦٠م".
٦ - كارل ماركس، يهودي ألماني مؤسس الشيوعية "١٨١٨ - ١٨٨٣م".
٧ - بخنر، فيلسوف ألماني "١٨٢٤ - ١٨٩٩م".
٨ - نيتشة، فيلسوف ألماني "١٨٤٤ - ١٩٠٠م".
٩ - سبنسر، فيلسوف إنجليزي "١٨٢٠ - ١٩٠٣م".
١٠ - برتراند رسل، فيلسوف إنجليزي "١٨٧٣ - ١٩٧٠م"١.
أما المذاهب التي بنيت على الإلحاد فمنها:
أولًا: الشيوعية:
الشيوعية مذهب اقتصادي اجتماعي، وضع له أساس اعتقادي فكري، قائم على إنكار وجود رب خالق لهذا الكون، وأن المادة هي كل الوجود، وأن أحداثها، وتغيراتها، مع أحداث التاريخ الإنساني، تخضع لقانون جبري مزعوم في المادة، على أنها صفة من صفاته الذاتية، أساسه فكرة فلسفية عنوانها "المادية الجدلية". والمذهب الاقتصادي وهو الاشتراكية
_________________
(١) انظر: كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة ص٤١٩ - ٤٢٠، قصة الفلسفة تأليف ول ديورانت ص٣٨٨ وما بعدها، قضية العناية والمصادفة في الفكر الغربي للدكتورة سارة بنت عبد المحسن ص٣٧وما بعدها، ص١٧٣وما بعدها، ص٧٦٣وما بعدها.
[ ٣٣٧ ]
العلمية، أو الشيوعية، يقوم على إلغاء الملكية الفردية إلغاءً كاملًا، وتطبيق القاعدة "من كل حسب طاقته، ولكل حسب حاجته"١٠
- المادية الجدلية:
الجدلية، أو "الديالكتيك"، مأخوذة من الكلمة اليونانية "دياليغو"، ومعناها المجادلة والمناظرة. ثم صارت مصطلحًا علميًا عند فلاسفة الإغريق، يدل على حركة التغير والتطور الملاحظة في أشياء هذا الكون، وكأن عناصر الكون تتجادل فيما بينها في حركة دائمة٢.
ويضيف الفيلسوف الألماني هيجل على ذلك تصورًا خاصًا لهذه الحركة الدائمة في الكون، حتى ظن هذا التصور قانونًا ثابتًا، تخضع له العمليات المنطقية الفكرية، وعمليات الكون، وحركة التاريخ الإنساني، لكنه اعتبر هذا القانون نظامًا للقوة الغيبية، المهيمنة على الكون والمتصرفة فيه.
أما التصور الذي رآه هيجل فهو أن الحركة الجدلية تكون في المطلق تصوره، وهو الذات الكلية التي تنتظم كل شيء، وكل الأشياء إنما هي تطور ونمو جدلي لهذه الذات الكلية، وأن حركة التغير تكون وفق دورات لولبية صاعدة، كل دورة على ثلاث مراحل، هي الوضع الأول، ثم انقلابه إلى نقيضه، ثم مركب الوضع ونقيضه بعد توحدهما بسقوط التناقض بينهما، وارتفاعهما بهذا التوحد إلى ما هو أسمى من الوضع ونقيضه.
وهكذا دواليك تتكرر حركة الجدلية، فيكون في الأشياء كلها تطور. وهيجل من فئة المثاليين الذين يؤمنون بالغيبي المجرد من الحسيات، لا من فئة الماديين، إلا أن كارل ماركس حذف من جدلية هيجل نظرتها المثالية المرتبطة بالله، وأضاف إليها نظرته المادية ليصبح مذهبه الفلسفي "المادية الجدلية"٣.
_________________
(١) انظر: كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة ص٤٣٩ - ٤٤٠، مذاهب فكرية معاصرة ص٢٦٠، المعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا ص١/٧١٥، الموسوعة الفلسفية للدكتور عبد المنعم الحفني ص٢٦٩، المعجم الفلسفي إعداد مجمع اللغة العربية ص١٠٤.
(٢) انظر: كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة ص٥٤٠ - ٥٤١، الموسوعة الفلسفية للدكتور عبد المنعم الحفني ص١٥٣ - ١٥٤.
(٣) انظر: كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة ص٥٤٠ - ٥٤٥، بتصرف، الموسوعة الفلسفية للدكتور عبد المنعم الحفني ص١٥٣ - ١٥٤، المعجم الفلسفي، مجمع اللغة ص١٦٤.
[ ٣٣٨ ]
ثانيًا: الداروينية:
الداروينية نسبة إلى تشارلز داروين "١٨٠٨ - ١٨٨٢م" الباحث الإنجليزي، مؤلف كتاب أصل الأنواع. وهو مذهب التحول أو التبدل، ويتلخص في أن الكائنات الحية في تطور دائم على أساس من الانتخاب الطبيعي، وبقاء الأصلح، فتنشأ الأنواع بعضها من بعض، ولاسيما النوع الإنساني الذي انحدر عن أنواع حيوانية١.
وهو ينفي يد الله من عملية الخلق كله، ويقرر أن الحياة وجدت على الأرض بالصدفة، في ظروف معينة. ومن مقولات داروين:"إن الطبيعة تخلق كل شيء، ولا حد لقدرتها على الخلق"، كما قال: "إن الطبيعة تخبط خبط عشواء"٢.
ثالثًا: الوجودية:
مذهب يقوم على إبراز قيمة الوجود الفردي، وخصائصه وجعله سابقًا على الماهية، فهو ينظر إلى الإنسان على أنه وجود لا ماهية، وأن الإنسان مطلق الحرية في الاختيار، يصنع نفسه بنفسه، ويملأ الوجود على النحو الذي يلائمه٣.
ويرى سارتر - وهو من رواد الوجودية الإلحادية - أن قوله: "الإنسان حر" مرادف لقوله: "إن الله غير موجود"، لأن وجود الإنسان لا يخضع لماهية، أو طبيعة محددة، بل هو إمكان مستمر على الإنسان أن يحققه، فليس هناك طبيعة بشرية فرضت من الأزل، وليس الإنسان إلا ما يختاره لنفسه٤.
رابعًا - المذهب العقلي:
العقلانية أو المذهب العقلي هو القول إن المعرفة تنشأ عن المباديء العقلية القبلية والضرورية، لا عن التجارب الحسية، لأن هذه التجارب لا تفيد علمًا كليًا.
_________________
(١) انظر: كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة ص٣١٧ - ٣١٨، المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية ص٨٣، المعجم الفلسفي للدكتور صليبا ١/٥٥٦، الموسوعة الفلسفية للدكتور الحفني ص١٧٧ - ١٧٨، مذاهب فكرية معاصرة ص٩٣ - ٩٤، العلمانية للدكتور سفر الحوالي ص١٧٧ - ٢٠٦.
(٢) انظر: مذاهب فكرية معاصرة ص ٩٤، ٩٥.
(٣) انظر: المعجم الفلسفي للدكتور صليبا ٢/٥٦٥، المعجم الفلسفي لمجمع اللغة ص٢١١، كواشف زيوف ص٣٦١ - ٣٦٤.
(٤) انظر: كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة ص ٣٦٤، الموسوعة الفلسفية للدكتور الحفني ص٥٢٥.
[ ٣٣٩ ]
كما يطلق على الإيمان بالعقل وبقدرته على إدراك الحقيقة، وذلك لأن قوانين العقل مطابقة لقوانين الأشياء الخارجية، وأن كل موجود معقول، وكل معقول موجود، والعقل قادر على الإحاطة بكل شيء دون عون خارجي يأتيه من القلب أو الغريزة أو الدين١.
فهو منهج فكري يعتمد أحكام العقل، من غير الاستناد إلى الدين أو التجربة، فكل ما يحيط بنا مردود إلى مبادىء عقلية.
خامسًا - العلمانية:
بعد تيار العقلانية، جاءت النهضة العلمية الغربية المعاصرة، حيث ساد المذهب الحسي التجريبي، وكشفت التجارب التطبيقية كثيرًا من الأغاليط التي كانت في المرحلة السابقة من ثمرات المذهب العقلي. فكانت العلمانية هي دعوة إلى إقامة الحياة على العلم الوضعي والعقل، ومراعاة المصلحة بعيدًا عن الدين٢.
ولفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة Secularism في الإنجليزية، وهي كلمة لاصلة لها بلفظ العلم ومشتقاته على الإطلاق، والترجمة الصحيحة للكلمة هي اللادينية، أو الدنيوية، وهو ما لا صلة له بالدين، أو ماكانت علاقته بالدين علاقة تضاد٣.
ويبين معجم أكسفورد معنى كلمة " Secularism " فيقول: " Secularism الاعتقاد بأن القوانين، والتعليم، وغيرها من الأنظمة، يجب أن تبنى على الحقائق والعلم بدلًا عن الدين.
Secular ١ - ليس مهتمًا بالشؤون لا الروحية ولا الدينية لهذا العالم، التعليم اللاديني، الفن والموسيقى اللاديني، القوى اللادينية للدولة.
٢ - لا ينتمي إلى مجتمع العُباَّد."٤.
فالعلمانية منهج للحياة لا يعترف بالدين، ولا يؤمن بما وراء الحياة الدنيا.
_________________
(١) انظر: المعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا ٢/٩٠ - ٩١، المعجم الفلسفي لمجمع اللغة ص١٧٨.
(٢) انظر: كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة ص١٦١، بتصرف. الموسوعة الميسرة للأديان والمذاهب المعاصرة ٢/٦٧٩، مذاهب فكرية معاصرة ص ٤٤٥.
(٣) انظر: العلمانية للدكتور سفر الحوالي ص٢١.
(٤) Oxford Advanced Learner’s Dic. Of current English: p.١٠٦٢
[ ٣٤٠ ]
العلة
١ - معنى العلة في اللغة:
قال الخليل:"العَلَلُ الشربة الثانية.. والعِلَّة المرض، وصاحبها معتل، والعلة حدثٌ يشغل صاحبه عن وجهه"١.
وقال ابن فارس: "العين واللام أصول ثلاثة صحيحة، أحدها تكرر أو تكرير، والآخر عائق يعوق، والثالث ضعف في الشيء"٢. وهذا علة لهذا، أي سبب٣.
فالعلة في اللغة هي المرض، والحدث الذي يشغل صاحبه عن حاجته، وذكر ابن منظور اطلاق العلة على السبب.
٢ - معنى العلة في الشرع:
لم يرد لفظ العلة في كتاب الله، وورد لفظ العلة بمعنى المرض في السنة، ومنه قوله - ﷺ -: "لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزمًا من حطب، ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم، ليست بهم علة، فأحرقها عليهم" ٤.
وقد استخدم الأصوليون لفظ العلة وهي عندهم: ما يجب به الحكم٥.
ويقول شيخ الإسلام - ﵀ -:"لفظ العلة يعبر به عن العلة التامة، وهو مجموع ما يستلزم الحكم.. ويعبر به عن المقتضي للحكم، الذى يتوقف اقتضاؤه على ثبوت الشروط وانتفاء
_________________
(١) العين ١/٨٨، وانظر: الصحاح ٥/١٧٧٣، معجم مقاييس اللغة ٤/١٣ - ١٤، لسان العرب ١١/٤٧١.
(٢) معجم مقاييس اللغة ٤/١٢.
(٣) انظر: لسان العرب ١١/٤٧١.
(٤) أخرجه البيهقي في الكبرى في جماع أبواب فضل الجماعة، باب ما جاء من التشديد في ترك الجماعة ٣/٥٦، ح ٤٧١٥، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب في التشديد في ترك الجماعة ١/١٥٠، ح ٥٤٩، والحديث بنحوه مخرج في الصحيحين من غير لفظ علة.
(٥) انظر: المعجم الفلسفي للدكتور صليبا ٢/٩٥.
[ ٣٤١ ]
الموانع"١. فالعلة التامة يجب ثبوت الحكم بها، أما العلة بالمعنى الثاني فيتوقف ثبوت الحكم على وجود الشروط وانتفاء الموانع. وهذا المعنى الثاني قد يعبر عنه بلفظ السبب٢. فالعلة قد ترادف السبب، إلا أنها قد تغايره، فيراد بالعلة المؤثر، وبالسبب ما يفضي إلى الشيء في الجملة، أو ما يكون باعثًا عليه، وقيل السبب ما يتوصل به إلى الحكم من غير أن يثبت به، أما العلة فهي ما يثبت به الحكم٣.
٣ - معنى العلة في اصطلاح الفلاسفة:
العلة مصطلح فلسفي، ذكره الفلاسفة المتقدمون أمثال أرسطو، وقد تلقف هذا المصطلح الفلاسفة المنتسبون إلى الإسلام، كابن سينا، والفارابي، وغيرهم، وتناولوه بالشرح والإضافة.
يقول ابن سينا: "حد العلة هي كل ذات وجود ذات آخر بالفعل، من وجود هذا بالفعل، ووجود هذا بالفعل، ليس من وجود ذلك بالفعل"٤.
ودخلت تعريفات أهل الفلسفة للعلة إلى كتب المتأخرين من المتكلمين، فنجد الرازي يحد العلة بحد يجمع أنواعها فيقول: "العلة ما يحتاج إليه الشيء في حقيقته، أو وجوده"٥.
وينتقد الرازي تعريف ابن سينا بأنه لا يتناول إلا العلة الفاعلية، قال: "فإن تكلفنا حتى أدخلنا العلة الغائية والصورية، فالعلة المادية على كل حال خارجة عنه"٦.
ويقول التفتازاني: "العلة ما يحتاج إليه الشيء، وإن كان إطلاقها ينصرف إلى ما يصدر عنه الشيء"٧.
ومعظم الفلاسفة المنتسبين للإسلام كالكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد يفضلون استعمال لفظ العلة على لفظ السبب، أما الغزالي وعلماء الكلام فإنهم يستعملون لفظ السبب
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٨/٢٧٣، وانظر:٢١/٣٥٦من المرجع نفسه.
(٢) المرجع السابق ٢١/٣٥٦.
(٣) انظر: المعجم الفلسفي للدكتور صليبا ٢/٩٦، التعريفات ص١٥٥.
(٤) الحدود لابن سينا ضمن كتاب المصطلح الفلسفي ص٢٦٠، وانظر: معيار العلم ص٢٨٣.
(٥) المباحث المشرقية ١/٥٨٦.
(٦) المرجع السابق ١/٥٨٦.
(٧) شرح المقاصد ٢/٧٧، وانظر: الصحايف الإلهية ص ١٣١، التعريفات ص١٩٩.
[ ٣٤٢ ]
للدلالة على العلة١. بينما نجد المتأخرين من المتكلمين كالرازي، والتفتازاني، ونحوهم قد تابعوا الفلاسفة في استخدام لفظ العلة.
٤ - أقسام العلة:
العلة عند أرسطو أربعة أقسام: العلة المادية، والعلة الصورية، والعلة الفاعلة، والعلة الغائية٢. وهناك من قسم العلة إلى تامة، وناقصة. والعلة الناقصة إلى علة الماهية وعلة الوجود. والعلة الماهية تنقسم إلى العلة المادية، والعلة الصورية. وعلة الوجود تنقسم إلى العلة الفاعلية والعلة الغائية٣. وفيما يلي التعريف بهذه الأنواع:
"١" - العلة التامة:
العلة التامة جميع ما يحتاج إليه الشيء، سواء كان هو الفاعل وحده، أو مع الغاية، أو مع غيرها٤.
"٢" - العلة الناقصة:
العلة غير التامة أو الناقصة هي بعض ما يحتاج إليه الشيء٥، وهي تنقسم إلى قسمين:
١ - علة الماهية: وهي جزء لذلك الشيء، وهي ما يكون بها الشيء بالقوة أو الفعل، وتنقسم إلى العلة المادية، والعلة الصورية٦.
أ - العلة المادية:
العلة المادية هي ما به الشيء بالقوة كالخشب للسرير٧. وقال الرازي: "وعلة مادية وهي الجزء الذي لا يجب عند حصوله الشيء، بل إمكان حصوله"٨. وقد يسمى العلة القابلية٩.
_________________
(١) انظر: المعجم الفلسفي للدكتور صليبا ٢/٩٦.
(٢) انظر: المرجع السابق ٢/٩٦.
(٣) انظر هذه التقسيمات في النجاة ٢/٦٢، الصحايف الإلهية ص١٣٩.
(٤) انظر: شرح المقاصد ٢/٨٠ - ٨١، التعريفات ص١٩٩.
(٥) انظر: شرح المقاصد ٢/٨١، التعريفات للجرجاني ص١٩٩ - ٢٠٠.
(٦) انظر: النجاة ٢/٦٢، معيار العلم ص٣١٩ - ٣٢٠، الصحايف الإلهية ص١٣١ - ١٣٢، شرح المقاصد ٢/٧٨.
(٧) انظر: النجاة ٢/٦٢، الصحايف الإلهية ص١٣٩.
(٨) المباحث المشرقية ١/٥٨٦.
(٩) انظر: معيار العلم ص٣١٩ - ٣٢٠.
[ ٣٤٣ ]
ب - العلة الصورية:
العلة الصورية هي جزء يصير الكل به بالفعل؛ كالصورة السريرية للسرير١. وقال الرازي: "علة صورية وهي جزء الشيء الذي يجب عند حصوله الشيء"٢.
٢ - علة الوجود: وهي ليست جزءًا من الشيء، بل خارجة عنه، وتنقسم إلى العلة الفاعلية، والعلة الغائية٣.
أ - العلة الفاعلية:
العلة الفاعلية هي ما به وجود الشيء٤. وقال الرازي:"وعلة فاعلية وهي التي تكون سببا لحصول شيء آخر"٥. وقال الآمدي: "فأما العلة الفاعلية فعبارة عما وجود غيره مستفاد من وجوده، ووجوده غير مستفاد من وجود ذلك الغير؛ كالنجار بالنسبة إلى السرير"٦.
ب - العلة الغائية:
العلة الغائية هي ما لأجله الإيجاد، وهي علة بماهيتها إذ تقدمها إنما يكون في العقل، ومعلولة بوجودها؛ إذ وجودها يتوقف على تحقق المعلول٧.
"٣" - العلة الأولى:
العلة الأولى هي العلة التي لا علة لها، أو علة العلل، أو العلة النهائية، أو علة لكل وجود، ولعلة حقيقة كل وجود في الوجود٨. وهي المبدأ الأول عندهم، وهو الله - سبحانه -، والعلة الأولى عند ابن سينا وأتباعه هي علة فاعلية، أما أرسطو فقد أثبت العلة الأولى كعلة غائية يتحرك الفلك للتشبه بها، فلم يثبت علة فاعلية٩.
_________________
(١) انظر: النجاة ٢/٦٢، الصحايف الإلهية ص١٤٠.
(٢) المباحث المشرقية ١/٥٨٦.
(٣) انظر: النجاة ٢/٦٢، معيار العلم ص٣١٩ - ٣٢٠، الصحايف الإلهية ص١٣١ - ١٣٢، شرح المقاصد ٢/٧٨.
(٤) انظر: النجاة ٢/٦٢، الصحايف الإلهية ص١٣٣.
(٥) المباحث المشرقية ١/٥٨٦.
(٦) المبين ص١١٧.
(٧) انظر: النجاة ٢/٦٢، الصحايف الإلهية ص١٤١، المباحث المشرقية ١/٥٨٦.
(٨) انظر: الإشارات والتنبيهات ٢/١٨، المعجم الفلسفي للدكتور صليبا ٢/٩٧.
(٩) انظر على سبيل المثال: الصفدية ١/٨٥، ٢/١٥٩، مجموع الفتاوى ٩/١٣٥.
[ ٣٤٤ ]
وحيث يذكر لفظ العلة مطلقًا يراد به الفاعلية، ويذكر البواقي بأوصافها١.
٥ - معنى المعلول عند الفلاسفة والمتكلمين:
المعلول هو كل ذات وجوده بالفعل من وجود غيره، ووجود ذلك الغير ليس من وجوده٢. وقيل: المعلول ما يحتاج إلى الشيء٣.
٦ - نقد أهل السنة لعقيدة الفلاسفة في العلة:
يتركز موقف أهل السنة في الإنكار على الفلاسفة في معنى العلة عندهم، وقولهم بأن الله هو العلة الأولى، وأن العالم معلول لعلة أزلية تامة، ومن الوجوه التي رد بها أهل السنة على الفلاسفة ما يلي:
أولًا: أن قولهم بالعلة التامة القديمة باطل، لأن العلة التامة القديمة يمتنع أن يحدث عنها شيء، فإنه يجب مقارنة معلولها لها في الأزل، والحادث ليس بمقارن لها في الأزل، وإذا قيل حدث عنها بحدوث الاستعداد والشرائط، قيل الكلام في كل ما يقدر حدوثه عن علة تامة مستلزمة لمعلولها، فإن حدوث حادث عن علة تامة مستلزمة لمعلولها محال، وهذا الإلزام صحيح لا محيد للفلاسفة عنه. وإذا قالوا حدث عنها أمور متسلسلة، واحد بعد واحد، قيل لهم الأمور المتسلسلة يمتنع أن تكون صادرة عن علة تامة؛ لأن العلة التامة القديمة، تستلزم معلولها، فيكون معها في الأزل، والحوادث المتسلسلة ليست معها في الأزل٤.
ثانيًا: أن العلة الأولى التي يثبتها أرسطو لهذا العالم، إنما هي علة غائية، يتحرك الفلك للتشبه بها، وتحريكها للفلك من جنس تحريك الإمام المقتدى به للمؤتم المقتدي، ولفظ الإله في لغتهم يراد به المتبوع، والإمام الذي يتشبه به، فالفلك عندهم يتحرك للتشبه بالإله، ولهذا جعلوا الفلسفة العليا، والحكمة الأولى، إنما هي التشبه بالإله على قدر الطاقة. وهذا القول من أعظم
_________________
(١) انظر: الصحايف الإلهية ص١٣٢، شرح المقاصد ٢/٧٨.
(٢) انظر: الحدود لابن سينا ص٢٦٠ - ٢٦١، معيار العلم ص٢٨٣.
(٣) انظر: شرح المقاصد ٢/٧٨.
(٤) انظر: درء التعارض ١/٣٣٥، الصفدية ١/٨٥.
[ ٣٤٥ ]
الأقوال كفرًا، وضلالًا، ومخالفةً لما عليه جماهير العقلاء من الأولين والآخرين، ولهذا عدل متأخرو الفلاسفة عنه، وادعوا موجِبًا، وموجَبًا، كما زعمه ابن سينا وأمثاله١.
ثالثًا: إذا كان الصانع قديمًا، وعلة تامة أزلية، لزم ألا يتأخر عنه شيء من معلوله، كما ذكروا، لأن المتأخر إن كان قد وجدت علته التامة في الأزل؛ لزم أن يكون أزليًا لا يتأخر، وإن لم يوجد فقد وجدت علته التامة بعد أن لم تكن. ثم القول في علة تلك العلة، كالقول في العلة التي هي معلول هذه، فيلزم ألا يكون لشيء من الحوادث علة تامة في الأزل، وهذا لازم لقولهم لا محيد عنه، فلا يكون لشيء من الحوادث فاعل، ولا محدث، وهذا غاية الجهل، والتعطيل، والسفسطة، وهم يعترفون بفساده. وإن كان المبدع، العلة التامة الأزلية، قد صدرت عنه الحوادث المتعاقبة، فهذا جمع بين النقيضين، إذ العلة التامة يقارنها معلولها ولا يتأخر عنها٢.
رابعًا: قول الفلاسفة أن النفوس والعقول معلولة له، ومتولدة عنه، أعظم كفرًا من قول من قال من مشركي العرب أن الملائكة بنات الله، قال الله - تعالى -: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام - ١٠٠] وهؤلاء المتفلسفة يقولون العقل بمنزلة الذكر، والنفس بمنزلة الأنثى، وكلاهما متولد عن الله - تعالى -، وأولئك كانوا يقولون إنه خلق الملائكة بمشيئته وقدرته، وأنه هو رب السماوات والأرض، وأما هؤلاء فيقولون إن العقول التي يسميها من يتظاهر بالإسلام منهم ملائكة، يقولون إنها معلولة متولدة عن الله، لم يخلقها بمشيئته وقدرته، ويقولون إنها هي رب العالم، فالعقل الأول أبدع كل ما سوى الله عندهم، والثاني أبدع ما سوى الله وسوى العقل الأول، حتى ينتهي الأمر إلى العقل العاشر الفعال، المتعلق بفلك القمر، فيقولون إنه أبدع ما تحت الفلك، فهو عندهم المبدع لما تحت السماء، من هواء وسحاب وجبال وحيوان ونبات ومعدن، ومنه يفيض الوحي والعلم على الأنبياء وغيرهم٣.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ١٢/٣٢٩، منهاج السنة١/٢٣٦.
(٢) انظر: الصفدية ١/١٨ - ٢٠بتصرف، منهاج السنة النبوية ١/١٤٨.
(٣) انظر: الصفدية ١/٨ - ٩.
[ ٣٤٦ ]
خامسًا: أن الذي أخبرت به الرسل، ودلت عليه العقول، واتفق عليه جماهير العقلاء من الأولين والآخرين، أن الله خالق كل شيء، وأن كل ما سواه مخلوق له، وكل مخلوق محدث مسبوق بالعدم، وأما تغيير هولاء للفظ المحدث، وقولهم إنا نقول إنه محدث حدوثًا ذاتيًا، بمعنى أنه معلول، فهذا من تحريف الكلم عن مواضعه، فإن المحدث معلوم أنه قد كان بعد أن لم يكن، وأنه مفعول أحدثه محدث إحداثًا. وما لم يزل ولا يزال فلا يسميه أحد من العقلاء في لغة من اللغات محدثًا١.
سادسًا: أن ما يذكرونه من اقتران المعلول بعلته، فإذا أريد بالعلة ما يكون مبدعًا للمعلول، فهذا باطل بصريح العقل، وبهذا تقر جميع الفطر السليمة، فالإقرار بأنه خالق كل شيء يوجب أن يكون كل ما سواه محدثًا مسبوقًا بالعدم. وإن قدر دوام الخالقية لمخلوق بعد مخلوق، فهذا لا ينافي أن يكون خالقًا لكل شيء، وكل ما سواه محدث مسبوق بالعدم. وأما إذا أريد بالعلة ما ليس كذلك كما يمثلون به من حركة الخاتم بحركة اليد، وحصول الشعاع عن الشمس، فليس هذا من باب الفاعل في شيء، بل هو من باب المشروط، والشرط قد يقارن المشروط، وأما الفاعل فيمتنع أن يقارنه مفعوله المعين، وإن لم يمتنع أن يكون فاعلًا لشيء بعد شيء٢.
سابعًا: أن العلة أصلها التغيير كالمرض الذي يحيل البدن عن صحته، والعليل ضد الصحيح، وقد قيل إنه لا يقال معلول إلا في الشرب، يقال شرب الماء علًا بعد نهل، وعللته إذا سقيته مرة ثانية، ولم يرد في لغة العرب المعنى الذي يذكره الفلاسفة للعلة والمعلول٣.
وبهذا يتبين ما يعنيه الفلاسفة بلفظ العلة والمعلول، ومقارنة المعلول لعلته، وأنهم يريدون بذلك أن العالم قديم أزلي، وهذا ينفي الخالق، والردود السابقة تبين شيئًا من ضلالهم، وباطلهم.
_________________
(١) انظر: الرد على المنطقيين ٣٨١.
(٢) انظر: المرجع السابق ص١٤٧ - ١٤٩.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى ٤/١٣٣.
[ ٣٤٧ ]
العقل
١ - معنى العقل في اللغة:
يقول الخليل في معنى العقل: "العقل نقيض الجهل، عقل يعقل عقلًا فهو عاقل، والمعقول ما تعقله في فؤادك.. وعقل بطن المريض بعدما استطلق، استمسك، وعقل المعتوه ونحوه، والصبي، إذا أدرك وزكا، وعقلت البعير عقلًا، شددت يده بالعقال أي الرباط.. وعقلت القتيل عقلًا، أي وديت ديته من القرابة لا من القاتل..والعقل في الرجل اصطكاك الركبتين، وقيل التواء في الرجل، والعقل ثوب تتخذه نساء الأعراب.. ويقال هي ضربان من البرود.. والعقل الحصن وجمعه العقول"١.
وقال ابن فارس عن العقل:" وهو الحابس عن ذميم القول والفعل"٢.
وقال الجوهري: "العقل الحجر والنهى ضد الحمق..رجل عاقل وهو الجامع لأمره ورأيه، مأخوذ من عقلت البعير إذا جمعت قوائمه، وقيل العاقل الذي يحبس نفسه، ويردها عن هواها، أخذ من قولهم قد اعتقل لسانه، إذا حبس ومنع الكلام..والعقل التثبت في الأمور، والعقل القلب..وعقل الشيء يعقله عقلًا فهمه..والعقل ضرب من المشط، يقال عقلت المرأة شعرها عقلًا"٣.
فالعقل إذًا يدل على الحبس والمنع والإمساك.
_________________
(١) العين١/١٥٩ - ١٦٠، وانظر: معجم مقاييس اللغة ٤/٦٩ - ٧٠، الصحاح٥/١٧٦٩ - ١٧٧١.
(٢) معجم مقاييس اللغة ٤/٦٩.
(٣) الصحاح٥/١٧٦٩ - ١٧٧١، وانظر: لسان العرب١١/٤٥٨ - ٤٦٥، المصباح المنير ٢/٤٢٢ - ٤٢٣.
[ ٣٤٨ ]
٢ - معنى العقل في الشرع:
لم يرد لفظ العقل في القرآن، وإنما ورد الفعل منه نحو يعقلون، وتعقلون، قال - تعالى -: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت - ٤٣]، وفي القرآن الأسماء المتضمنة له كاسم الحجر والنهى والألباب ونحو ذلك. وكذلك في الحديث لا يكاد يوجد لفظ المصدر في كلام النبي، في حديث صحيح، إلا الحديث الذي في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: "خرج رسول الله في أضحى، أو فطر، إلى المصلى فمر على النساء فقال: "يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار"، فقلن: وبم يا رسول الله؟ فقال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل، ودين، أذهب للب الرجل الحازم، من إحداكن" ١.
وورد العقل في السنة بمعنى الدية، وبمعنى الإمساك، والربط، وهذا ليس هو محل البحث، بل محل البحث هو لفظ العقل الوارد في الحديث السابق.
وقد ذكر شيخ الإسلام - ﵀ - بعض التعريفات للعقل ثم بين القول الصواب حيث يقول: "من الناس من يقول العقل هو علوم ضرورية، ومنهم من يقول العقل هو العمل بموجب تلك العلوم، والصحيح أن اسم العقل يتناول هذا وهذا، وقد يراد بالعقل نفس الغريزة التي في الإنسان، التي بها يعلم، ويميز، ويقصد المنافع دون المضار"٢.
وعلى هذا فتعريف لفظ العقل هو أنه لفظ يراد به الغريزة التي بها يعلم، ويراد به أنواع من العلم، ويراد به العمل بموجب ذلك العلم.
_________________
(١) انظر: بغية المرتاد ص ٢٤٨ - ٢٤٩. والحديث أخرجه البخاري في كتاب الحيض باب ترك الحائض الصوم ١/١١٤، ح ٣٠٤، وبنحوه مسلم في كتاب الإيمان باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات ١/٨٦، ح ٧٩.
(٢) مجموع الفتاوى ٩/٢٨٧، وانظر: بغية المرتاد ص٢٥١، الصفدية٢/٢٥٧.
[ ٣٤٩ ]
٣ - معنى العقل في اصطلاح المتكلمين:
يقتصر المتكلمون في تعريفهم للعقل على أحد معانيه، فيقول الجويني: "العقل علوم ضرورية"١، وقال القاضي عبد الجبار: "العقل هو عبارة عن علوم مخصوصة"٢، وقال الرازي عن العقل أنه: "عبارة عن علوم كلية بديهية"٣. وقال أيضا: "العقل هو التصورات والتصديقات الحاصلة للنفس بالفطرة"٤، وهذا بمعنى التعريف السابق إلا أنه بألفاظ الفلاسفة. وقد وافق الرازي الفلاسفة في شرحه لأنواع العقول وتعدادها بل ورد على من يخالف ذلك، مخالفًا بذلك أئمة المتكلمين قبله. وهو كما قال شيخ الإسلام: "وكثير من الناس تجده تارة مع أهل الكلام، وتارة مع أهل الفلسفة؛ كالرازي، والآمدي، وغيرهما"٥.
وتعريف المتكلمين للعقل فيه نقص، فهو يقتصر على تعريف العقل بأنه علوم ضرورية، والعقل كما سبق غريزة بها يعلم، كما أنه العمل بالعلم، بالإضافة إلى كونه علوم ضرورية.
٤ - العقل في اصطلاح الفلاسفة:
اسم العقل عند الفلاسفة يطلق على ثمانية معان مختلفة:
أحدها: العقل الذي هو التصورات، والتصديقات، الحاصلة للنفس بالفطرة. وهذا المعنى هو الذي حد المتكلمون العقل به.
الثاني: العقل النظري، وهو قوة للنفس تقبل ماهيات الأمور الكلية، من جهة ما هي كلية.
الثالث: العقل العملي، وهو قوة للنفس هي مبدأ لتحريك القوة الشوقية، إلى ما يختار من الجزئيات، من أجل غاية معلومة، أو مظنونة.
وهذه قوة محركة، وليست من جنس العلوم، وإنما سميت عقلية لأنها مؤتمرة للعقل، مطيعة لإشاراته بالطبع.
_________________
(١) الإرشادص١٥، وانظر: المواقف ص١٤٦.
(٢) المغني ١١/٣٧٥.
(٣) المحصل ص١٠٤.
(٤) المباحث المشرقية١/٣٦٦.
(٥) الصفدية ١/٢٣٨.
[ ٣٥٠ ]
ثم يقال لقوى كثيرة من العقل النظري عقل؛ فمن ذلك العقل الهيولاني، والعقل بالملكة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد، والعقول الفعالة.
الرابع: العقل الهيولاني، وهو قوة للنفس، مستعدة لقبول ماهيات الأشياء، مجردة عن المواد، وبها يفارق الصبي الفرس وسائر الحيوانات، لا بعلم حاصر، ولا بقوة قريبة من العلم. وهي المرتبة الأولى للنفس الإنسانية، التي يسمونها الناطقة.
الخامس: العقل بالملكة، وهو استكمال العقل الهيولاني، حتى يصير بالقوة القريبة من الفعل، كما في الصبي عندما ينتهي إلى حد التمييز. وهي المرتبة الثانية للنفس الناطقة.
السادس: العقل بالفعل، وهو استكمال للنفس بصورة ما، أي صورة معقولة، حتى متى شاء عقلها، أو أحضرها بالفعل. وهي المرتبة الثالثة للنفس الناطقة.
السابع: العقل المستفاد، وهو ماهية مجردة عن المادة، مرتسمة في النفس على سبيل الحصول من خارج. وذلك بأن تكون المعلومات حاضرة في ذهنه، وهو يطالعها ويلابس التأمل فيها، وهو العلم الموجود بالفعل، الحاضر، وهي المرتبة الرابعة للنفس الناطقة١.
فالعقل الهيولاني، والعقل بالملكة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد، هي مراحل العقل للنفس الإنسانية التي يسمونها الناطقة، وهي عبارة عن قوة للنفس وقدرة على تصور الأشياء تبدأ من مجرد مفارقة الإنسان للحيوان، ثم تترقى إلى أن تصل إلى وجود المعلومات في الذهن والقدرة على تأملها ومطالعتها. وأما العقل العملي فهو القوة التي تحرك نحو الاختيار والعمل بأمر العقل النظري.
الثامن: العقل الفعال، وهو نمط آخر، وهو كل ماهية مجردة عن المادة أصلًا. وحده من جهة ما هو عقل أنه جوهر صوري، ذاته ماهية مجردة في ذاتها - لا بتجريد غيرها لها - عن المادة، وعن علائق المادة، بل هي ماهية كلية موجودة.
_________________
(١) انظر: الحدود لابن سينا ضمن المصطلح الفلسفي للدكتور الأعسم ص٢٤٠ - ٢٤١، معيار العلم ٢٧٧ - ٢٧٩، موسوعة مصطلحات جامع العلوم ص٦٠٠ - ٦٠١.
[ ٣٥١ ]
وحده من جهة ما هو فعال أنه جوهر بالصفة المذكورة، من شأنه أن يخرج العقل الهيولاني من القوة إلى الفعل، بإشرافه عليه١. والعقول الفعالة هي العقول المفارقة.
والموجودات عند الفلاسفة ثلاثة أقسام:
أجسام وهي أخسها، وعقول فعالة وهي أشرفها؛ لبراءتها عن المادة وعلاقة المادة، حتى إنها لا تحرك المواد أيضًا إلا بالشوق، وأوسطها النفوس وهي تنفعل من العقل، وتفعل في الأجسام، وهي واسطة، ويعنون بالملائكة السماوية نفوس الأفلاك؛ فإنها حية عندهم، وبالملائكة المقربين، العقول الفعالة٢، وهي العقول المجردة التي هي جواهر قائمة بأنفسها، لا تتحيز ولا تتصرف في الأجسام، والصور الجزئية تفيض على النفوس السماوية منها٣.
العقل الكلي: هو المعنى المعقول، المقول على كثيرين مختلفين بالعدد، من العقول التي لأشخاص الناس، فلا وجود له في القوام، بل في التصور.
عقل الكل: يقال لمعنيين، لأجل أن الكل يقال لمعنيين: أحدهما: جملة العالم، والثاني: الجرم الأقصى، أي الفلك التاسع الذي يدور في اليوم والليلة، فيتحرك كل ما هو حشوه من السماوات كلها، فيقال لجرمه جرم الكل، ولحركته حركة الكل، وهو المراد بالعرش عندهم.
فعقل الكل باعتبار المعنى الأول، هو جملة الذوات المجردة عن المادة من جميع الجهات، التي لا تتحرك لا بالذات، ولا بالعرض، ولا تحرك إلا بالشوق. وآخر رتبة هذه الجملة، هو العقل الفعال، المخرج للنفس الإنسانية، في العلوم العقلية، من القوة إلى الفعل٤. وهم يقولون إن المبدأ لجميع الحوادث في هذا العالم إنما هو العقل الفعال٥.
_________________
(١) انظر: الحدود لابن سينا ضمن المصطلح الفلسفي للدكتور الأعسم ص٢٤٠ - ٢٤١، معيار العلم ٢٧٧ - ٢٧٩، موسوعة مصطلحات جامع العلوم ص٦٠٠ - ٦٠١.
(٢) انظر: معيار العلم ص ٢٨١ - ٢٨٢.
(٣) انظر: تهافت الفلاسفة ص١٤٢.
(٤) انظر: الحدود لابن سينا ضمن المصطلح الفلسفي للدكتور الأعسم ص٢٤٢ - ٢٤٣، معيار العلم ص٢٨٢ - ٢٨٣.
(٥) انظر: شرح الإشارات للرازي ١/١٨٦، نقلا عن موسوعة مصطلحات الرازي ص٤٦١.
[ ٣٥٢ ]
وعقل الكل باعتبار المعنى الثاني، فهو العقل الذي هو جوهر، مجرد عن المادة من كل الجهات، وهو المحرك بحركة الكل على سبيل التشويق لنفسه، ووجوده أول وجود مستفاد عن الموجود الأول١.
وهم يقولون عن الله بأنه عقل وعاقل ومعقول، فهو عقل لأنه واجب الوجود، مجرد عن المادة، وعوارض المادة. وبما يعتبر له من أن هويته المجردة لذاته، فهو معقول لذاته، وبما يعتبر له من أن ذاته لها هوية مجردة، هو عاقل ذاته٢.
فالله - عند الفلاسفة - عقل، صدر عنه عقل الكل وهو العقل الأول، وهو جوهر مجرد عن المادة، وهو المحرك بالحركة الشوقية. وهناك عقول أخرى تسمى عقل الكل، وهي العقول الفعالة، وهي الملائكة المقربون، وهي جواهر مجردة عن المادة، وهي تتحرك بالشوق.
وعدد العقول بعد المبدأ الأول عشرة، وهو المشهور، وقيل أحد عشر، وذهب المعلم الأول إلى أنها خمسون٣.
٥ - الرد على الفلاسفة:
تقسيم الفلاسفة للعقول بهذه الطريقة هو اصطلاح لهم بعباراتهم وهو غير ملزم، وإنما نناقشهم فيما اخطأوا فيه، أما تعريف العقل بأنه التصورات والتصديقات، فكما سلف هذا تعريف ناقص، فالعقل غريزة بها يعلم، وهي كذلك العلوم الضرورية، كما أنه العمل بالعلم.
وأما قول الفلاسفة في العقول الفعالة المفارقة، وإطلاقهم لفظ العقل على الله - تعالى -، وتسمية النفس البشرية عقلًا، فباطل من وجوه:
الأول: أن العقل في الكتاب، والسنة، وكلام الصحابة، والأئمة، ليس ملكًا من الملائكة، ولا جوهرًا قائمًا بنفسه بل هو العقل الذي في الإنسان. ولم يسم أحد من المسلمين قط
_________________
(١) انظر: الحدود لابن سينا ضمن المصطلح الفلسفي للدكتور الأعسم ص٢٤٢ - ٢٤٣، معيار العلم ص٢٨٢ - ٢٨٣.
(٢) انظر: النجاة ٢/٩٩.
(٣) انظر: تهافت الفلاسفة ص٨٩، المطالب العالية ٧/٣٨٣، موسوعة مصطلحات جامع العلوم ص٥٩٩.
[ ٣٥٣ ]
أحدًا من الملائكة عقلًا، ولا نفس الإنسان الناطقة عقلًا بل هذه من لغة اليونان، ومن المعلوم أن حمل كلام رسول الله، أو كلام الله - تعالى - على ما لا يوجد في لغته التي خاطب بها أمته، ولا في لغة أمته، وإنما يوجد في لغة أمة لم يخاطبهم بلغتهم١، أمر باطل.
الثاني: أن هؤلاء المتفلسفة يقولون إن العقول، التي يسميها من يتظاهر بالإسلام منهم ملائكة، يقولون إنها معلولة، متولدة، عن الله، لم يخلقها بمشيئته وقدرته، ويقولون إنها هي رب العالم، فالعقل الأول أبدع كل ما سوى الله عندهم، والثاني أبدع ما سوى الله وسوى العقل الأول، حتى ينتهي الأمر إلى العقل العاشر الفعال، المتعلق بفلك القمر، فيقولون إنه أبدع ما تحت الفلك، فهو عندهم المبدع لما تحت السماء من هواء، وسحاب، وجبال، وحيوان، ونبات، ومعدن، ومنه يفيض الوحي، والعلم، على الأنبياء وغيرهم، وهذا من أعظم الأقوال منافاة لأقوال الرسل، وهو من أعظم الكفر في دين الله٢.
الثالث: أن ما يدعونه من المجردات، والمفارقات؛ كالعقول، والنفوس، إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان٣. فما تدعي الفلاسفة إثباته من الجواهر العقلية، لا حقيقة لها في الخارج، وإنما هي أمور معقولة في الذهن، يجردها العقل من الأمور المعينة، كما يجرد العقل الكليات المشتركة بين الأصناف، كالحيوانية الكلية، والإنسانية الكلية، والكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان٤. وهذا يفضي إلى إنكار وجود الملائكة.
الرابع: أن إطلاقهم على الله لفظ العقل، إطلاق مبتدع، وهو يحمل معنى باطل، لأنه يتضمن نفي صفات الله - تعالى -، بل نفي وجوده.
_________________
(١) انظر: بغية المرتاد ص٢٥١ - ٢٦١، مجموع الفتاوى٩/٢٧١.
(٢) انظر: الصفدية ١/٨ - ٩، ٢/٢٥١ - ٢٥٢، بغية المرتاد ص٣٥٧، منهاج السنة١/٣٤٢.
(٣) انظر: الرد على المنطقيين ص٢٧٨، الصفدية١/٢٤٣.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى١٧/٣٢٨.
[ ٣٥٤ ]
النفس
١ - معنى النفس في اللغة:
قال الخليل: "النَّفْس وجمعها النفوس لها معان: النفس الروح الذي به حياة الجسد، وكل إنسان نفس، حتى آدم - ﵇ -، الذكر والأنثى سواء. وكل شيء بعينه نفس، ورجل له نفْس أي خلق وجلادة وسخاء، والنَّفَس التنفس أي خروج النسيم من الجوف، وشربت الماء بنفس وثلاثة أنفاس، وكل مستراح منه نفَس، وشيء نفيس متنافس فيه، ونفست به علي نفسًا، ونفاسة، ضننت، ونَفُس الشيء نفاسة أي صار نفيسًا"١.
فالنفس في اللغة الروح، والنفس الدم، والجسد، والعين، ونفس الشيء عينه، وذاته، يؤكد به، يقال رأيت فلانًا نفسه، وجاءني بنفسه٢.
٢ - معنى النفس في الشرع:
ورد لفظ النفس في كتاب الله - تعالى - في عدة مواضع، فورد بمعنى الروح كما في قوله - تعالى -: ﴿أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الأنعام - ٩٣]، فالنفس هنا بمعنى الروح٣، كما جاءت النفس بمعنى الذات، قال - تعالى -: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة - ٢٣٥]، وقال - تعالى -: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة - ١١٦]، وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران - ٢٨]، فالنفس هنا بمعنى الذات٤، قال شيخ الإسلام: "ومعلوم أن نفس الله، التي هي ذاته المقدسة، الموصوفة بصفات الكمال، ليست مثل نفس أحد من المخلوقين، وقد ذهب طائفة من المنتسبين إلى السنة، من أهل الحديث، وغيرهم، وفيهم طائفة من أصحاب الشافعي،
_________________
(١) العين ٧/٢٧٠ - ٢٧١.
(٢) انظر: الصحاح ٣/٩٨٤، لسان العرب ٦/٢٣٣ - ٢٣٤.
(٣) انظر: المفردات ص٨١٨.
(٤) انظر: المرجع السابق نفس الصفحة.
[ ٣٥٥ ]
وأحمد، وغيرهما، إلى أن النفس صفة من الصفات، والصواب أنها ليست صفة، بل نفس الله هي ذاته - سبحانه -، الموصوفة بصفاته - سبحانه -"١.
وفي السنة ورد لفظ النفس كثيرًا بمعنى الذات، ومن ذلك قوله - ﷺ -: "من حلف على يمين الإسلام كاذبًا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر في شيء لا يملكه" ٢.
كما ورد لفظ النفس بمعنى الروح٣، ومنه قوله - ﷺ -: "ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره؟ " قالوا: بلى، قال: "فذلك حين يتبع بصره نفسه" ٤.
كما جاءت النفس بمعنى العين، ففي الحديث أن جبريل أتى النبي - ﷺ - فقال: "يا محمد اشتكيت فقال: "نعم"، قال: "باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك" ٥، قال النووي - ﵀ -: "وقوله: "من شر كل نفس"، قيل يحتمل أن المراد بالنفس نفس الآدمي، وقيل يحتمل أن المراد بها العين، فإن النفس تطلق على العين، ويقال رجل نفوس إذا كان يصيب الناس بعينه، كما قال في الرواية الأخرى "من شر كل ذي عين" ٦، ويكون قوله "أو عين حاسد" من باب التوكيد بلفظ مختلف، أو شك من الراوي في لفظه والله أعلم"٧. فالنفس في الشرع جاءت بمعانيها في اللغة.
_________________
(١) درء التعارض ١٠/٣٠٨.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ١/١٠٤، ح ١١٠، وبنحوه البخاري في كتاب الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعن٤/٩٩، ح ٦٠٤٧.
(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٦/٢٢٤.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز باب في شخوص بصر الميت يتبع نفسه ٢/٦٣٥، ح ٩٢١.
(٥) أخرجه مسلم في كتاب السلام باب الطب والمرض والرقى٤/١٧١٨، ح ٢١٨٦.
(٦) أخرجه مسلم في كتاب السلام باب الطب والمرض والرقى٤/١٧١٨، ح ٢١٨٥.
(٧) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/١٧٠.
[ ٣٥٦ ]
٣ - معنى النفس في اصطلاح الفلاسفة:
يقول ابن سينا: "النفس اسم مشترك، يقع على معنى يشترك فيه الإنسان، والحيوان، والنبات، وعلى معنى يشترك فيه الإنسان، والملائكة. فحد المعنى الأول أنه كمال جسم طبيعي، آلي، ذي حياة بالقوة. وحد النفس بالمعنى الآخر أنه جوهر غير جسم هو كمال محرك له بالاختيار، عن مبدأ نطقي - أي عقلي - بالفعل، أو بالقوة، والذي بالقوة هو فصل النفس الإنسانية، والذي بالفعل هو فصل، أو خاصة، للنفس الملاكية"١.
ومن خلال هذا التعريف يتضح أن النفس عند الفلاسفة تطلق على أمرين:
"الجوهر المفارق عن المادة في ذاته دون فعله، وهو على قسمين: نفس فلكية، ونفس إنسانية.
وعلى ما ليس بمجرد بل قوة مادية، وهو على قسمين أيضًا: نفس نباتية، ونفس حيوانية"٢.
والنفس الكلية هي المعنى المقول على كثيرين مختلفين بالعدد في جواب ما هو، التي كل واحد منها نفس خاصة لشخص.
ونفس الكل هي جملة الجواهر غير الجسمانية، التي هي كمالات مدبرة للأجسام السماوية، المحركة لها على سبيل الاختيار العقلي. ونفس الكل هو مبدأ قريب لوجود الأجسام الطبيعية، ومرتبته في نيل الوجود بعد مرتبة عقل الكل، ووجوده فائض عنه٣، وهي الملائكة السماوية٤.
ويوضح ذلك أن النفس الإنسانية، وهي التي يسمونها النفس الناطقة، مقارنة للمادة في أفعالها، يعني لا تفعل إلا إذا كانت في المادة، ولكنها مجردة عنها في ذاتها - كما يرون -٥. وكذلك النفس الفلكية عندهم أنها مجردة عن المادة في ذاتها، ولكن لا تفعل إلا بواسطة
_________________
(١) الحدود ضمن كتاب المصطلح الفلسفي ص٢٤١ - ٢٤٢، وانظر: معيار العلم ص٢٨٠.
(٢) كشاف اصطلاحات الفنون ٢/١٣٩٧.
(٣) انظر: الحدود لابن سينا ضمن كتاب المصطلح الفلسفي ص٢٤٣، معيار العلم ص٢٨٣.
(٤) انظر: معيار العلم ص ٢٨٢.
(٥) انظر: موسوعة مصطلحات جامع العلوم ص٩٤٣.
[ ٣٥٧ ]
أجسامها من الأفلاك، قالوا: كل نفس فإنما جعلت خاصة بجسم، بسبب أن فعلها بذلك الجسم وفيه١. فالنفوس عند من يثبتها من المتفلسفة لا تفارق الأجسام، بل النفس عندهملا بد أن تكون متعلقة بالجسم، تعلق التدبير والتصريف، وما دامت نفس الإنسان مدبرة لبدنه، سموها نفسًا، فإذا فارقت سموها عقلًا؛ لأن العقل عندهم هو المجرد عن المادة، وعن علائق المادة، وأما النفس فهي المتعلقة بالبدن، تعلق التدبير والتصريف، وقد تنازعوا في النفس الفلكية، هل هي جوهر، أو عرض؟ على قولين أحدهما: أنها أعراض قائمة بالفلك، كالقوة الشهوية، والغضبية، وهذا قول أكثر أتباع أرسطو، والثاني: أنها جواهر قائمة بأنفسها كالنفس الناطقة، وإليه يميل ابن سينا وغيره٢.
والمشهور عندهم أن النفوس الفلكية بعدد الأفلاك، فهي تسعة٣.
٤ - الرد على الفلاسفة:
الحق أن تلك الآراء التي قال بها الفلاسفة، في العقول، والنفوس، ما هي إلا امتداد للوثنية القديمة عند اليونان، والتي ترى أن الكواكب أجسام سماوية، وأن لها نفوسًا تحركها، وأن لحركاتها تأثيرًا في نفوسنا، وأجسامنا، وكل كوكب يعتبر إلهًا عندهم٤. ففلاسفة اليونان شرحوا تلك الوثنيات بطريقة فلسفية، تلقفها من بعدهم بعض المنتسبين للإسلام كابن سينا والفارابي وأمثالهم.
وقول الفلاسفة في النفوس باطل من وجوه عدة منها:
أولًا: أن هذا التفسير للفظ النفس لم يرد في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ -، ولا في كلام الصحابة والتابعين، بل جاء لفظ النفس في الشرع بمعنى الروح، وبمعنى العين، والذات، ولم يرد إطلاق النفس على الملائكة فضلًا عن المعنى الذي ذكروه.
_________________
(١) انظر: النجاة ٢/١٣٨، ١١٩، شرح المقاصد ٣/٣١٦.
(٢) انظر: الصفدية ١/٣٤، ٢/٢٥٢ - ٢٥٣، درء التعارض ١/٣٥، مجموع الفتاوى ٩/٢٧٣.
(٣) انظر: تهافت الفلاسفة ص٧٠.
(٤) انظر: مقدمة بغية المرتاد للدكتور موسى بن سليمان الدويش ص١٠٣.
[ ٣٥٨ ]
ثانيًا: قولهم بأن النفوس الفلكية هي التي تدبر الأجسام السماوية، وأنها مبدأ قريب للأجسام الطبيعية، قول فاسد، وهو من الشرك في الربوبية، إذ المتفرد بتدبير الخلق، وإيجادهم هو الله وحده.
ثالثًا: أنهم يقولون إن جميع الحوادث مستندة إلى حركة النفس الفلكية، ويقولون إنالنفس الفلكية تعلم جزئيات حركات الفلك، بل ادعى ابن سينا ومن اتبعه أنها تعلم جميع الحوادث؛ لعلمها بأسبابها؛ لأن سببها هو الحركة الفلكية١. واعتقادهم أن النفوس الفلكية عالمة بما يجري من حوادث قول باطل، فالنفوس الفلكية عندهم هي الملائكة، ولا تفعل إلا من خلال حلولها في الأفلاك السماوية، ومعلوم أن الملائكة خلق مسخر من خلق الله، وكل منهم موكل بعمل من الأعمال، وهي لا تعلم جميع ما يقع من حوادث بل لا تعلم إلا ما وكلت به.
رابعًا: قولهم في النفس الإنسانية أنها جوهر، غير جسم، وأنها مفارقة للمادة في ذاتها، وأن النفس إذا فارقت البدن لا يتجدد لها حال من الأحوال، لا علوم ولا تصورات ولا سمع ولا بصر ولا إرادات ولا فرح وسرور، ولا غير ذلك مما قد يتجدد، ويحدث، بل تبقى عندهم على حال واحدة أزلًا وأبدًا، غير صحيح٢، وهو قول بغير علم، بل قد دلت الأدلة على أن النفس، وهي الروح، جسم حي خفيف متحرك يصعد وينزل ويُرى ويشار إليه، وأنها بعد مفارقتها البدن تكون إما معذبة، وإما منعمة، فهي تحس وتشعر بما يحدث لها بعد مفارقتها البدن.
خامسًا: أن قولهم بتولد النفوس عن الله شبيه بقول المشركين إن الملائكة بنات الله٣.
فقول الفلاسفة في النفوس مكمل لقولهم في العقول، وهو ظاهر البطلان، ومصدره وثني بعيد عن الإسلام.
_________________
(١) انظر: الدرء١٠/١٨٩.
(٢) انظر في هذا المعنى مجموع الفتاوى ٩/٢٧٢.
(٣) انظر: المرجع السابق ٣/٣٠١.
[ ٣٥٩ ]
الصدور والفيض
١ - معنى الصدور في اللغة:
إذا رجعنا إلى مادة صدر نجد أن الصَّدْرَ أعلى مُقَدَّمِ كل شيء وأوله، حتى إنهم ليقولون صدر النهار، والليل، وصدر الشتاء، والصيف١.
وقال الخليل: "والصَّدْرُ: الانصراف عن الورد، وعن كل أمر، ويقال صَدروا، وأصدرناهم..والمصدر أصل الكلمة الذي تصدر عنه الأفعال، وتفسيره أن المصادر كانت أول الكلام كقولك الذهاب والسمع والحفظ، وإنما صدرت الأفعال عنه، فيقال ذهب ذهابًا، وسمع سمعًا"٢. والصَّدَرُ رجوع المسافر من مقصده والشاربة من الورد، يقال صدر يصدر صُدُورًا وصَدَرًا٣. فالصدور يعني الانصراف والرجوع.
٢ - معنى الصدور في الشرع:
لقد ورد الفعل يَصْدُرُ، والفعل يُصْدِرَ ولفظ الصدر، مفردًا وجمعًا، بإضافات متنوعة في كتاب الله - تعالى -؛ ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة - ٦] وقوله - تعالى -: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص - ٢٣]، قال الراغب: "وإذا عدي صدر بعن اقتضى الانصراف، تقول صدرت الإبل عن الماء صدرا، وقيل الصَّدْرُ، قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة - ٦] "٤. وورد في السنة قوله - ﷺ - في حديث أمارات الساعة: "والرجل يَلِطُ ٥ في حوضه فما يصدر حتى تقوم" ٦. والصدر هنا يعني الانصراف والرجوع، فهو على معناه في اللغة.
_________________
(١) انظر: العين ٧/٩٤، الصحاح ٢/٧٠٩، لسان العرب ٤/٤٤٥.
(٢) العين ٧/٩٥ - ٩٦، وانظر: لسان العرب ٤/٤٤٨، المصباح المنير ١/٣٣٥، معجم مقاييس اللغة ٣/٣٣٧.
(٣) انظر: لسان العرب ٤/٤٤٨، الصحاح ٢/٧١٠.
(٤) المفردات ص٤٧٧.
(٥) يلط في حوضه أي يطينه ويصلحه. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٨/٩١.
(٦) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة باب قرب الساعة ٤/٢٢٧٠، ح ٢٩٥٤.
[ ٣٦٠ ]
٣ - معنى الفيض في اللغة:
قال الخليل: "فاض الماء والدمع والمطر والخير، يفيض فيضًا، أي كثر، وفاضت عينه، تفيض فيضًا أي سالت..وفاض صدر فلان بسره، إذا امتلأ فأظهره، والحوض فائض، أي ممتلىء فيضًا، وفيضوضة..وأفاض القوم من عرفات، أي رجعوا ودفعوا، وكل دفعة إفاضة"١.
وقال ابن فارس: "الفاء والياء والضاد أصل صحيح واحد، يدل على جريان الشيء بسهولة، ثم يقاس عليه، من ذلك فاض الماء يفيض"١.
فالفيض لفظ يدل على كثرة الشيء، وجريانه بسهولة.
٤ - معنى الفيض في الشرع:
لم يرد مصطلح الفيض في كتاب الله، وورد الفعل منه، نحو قوله - تعالى -: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ﴾ [المائدة - ٨٣] أي تسيل، وقوله - تعالى -: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة - ١٩٨] قال الراغب: "أي دفعتم منها بكثرة، تشبيهًا بفيض الماء"٣. ومن السنة قوله - ﷺ - في حديث نزول عيسى ابن مريم: "فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" ٤، يفيض أي يكثر. فمعنى الفيض في كتاب الله، وسنة رسوله - ﷺ -، هو المعنى الوارد في اللغة.
_________________
(١) العين ٧/٦٥، وانظر: الصحاح ٣/١٠٩٩، لسان العرب ٧/٢١٠، القاموس المحيط ص٨٣٩. ١ – معجم مقاييس اللغة ٤/٤٦٥.
(٢) المفردات ص٦٤٨.
(٣) جزء من حديث أخرجه البخاري في مواضع منها كتاب الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم ٢/٤٩٠، ح ٣٤٤٨، ومسلم في كتاب الإيمان باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة محمد ﷺ ١/١٣٥، ح ١٥٥.
[ ٣٦١ ]
٥ - معنى الصدور والفيض في اصطلاح الفلاسفة:
الصدور من مصطلحات الفلاسفة، وهو مرادف للفيض. ويعرف الصدور بأنه" فيض الكائنات على مراتب متدرجة من مبدأ واحد، ومنها يتألف العالم جميعه"١.
ويطلق الفيض في اصطلاح الفلاسفة على فعل فاعل يفعل دائمًا لا لعوض، ولا لغرض، وذلك الفاعل لا يكون إلا دائم الوجود، لأن دوام صدور الفعل عنه، تابع لدوام وجوده، وهو المبدأ الفياض، والواجب الوجود، الذي يفيض عنه كل شيء، فيضًا ضروريًا معقولًا٢.
يقول ابن سينا: "وهو عقل محض يعقل ذاته، فيجب أن يعقل أنه يلزم وجود الكل عنه، لأنه لا يعقل ذاته إلا عقلًا محضًا، ومبدأً أولَ، وإنما يعقل وجود الكل عنه على أنه مبدؤه. وليس في ذاته مانع، أو كاره، لصدور الكل عنه، وذاته عالمة بأن كماله، وعلوه، بحيث يفيض عنه الخير"٣، وقال: "وهو فاعل الكل، بمعنى أنه الموجود الذي يفيض عنه كل وجود، فيضًا تامًا مباينًالذاته"٤.
فنظرية الصدور والفيض تقابل الخلق، فهم يفسرون وجود العالم والكون عن طريق الصدور والفيض لا عن طريق الخلق.
٦ - الرد على الفلاسفة:
إن مصطلح الصدور والفيض، الذي يستعمله الفلاسفة، ينطوي على عدة عقائد فاسدة، وقد تحدثوا عنه في مقام كلامهم عن صدور الكثير من الواحد، حيث إن الفلاسفة قالوا: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وهذا بناء على المعنى الذي يريدونه بلفظ الواحد، المطلق على الله - ﷿ -، وهم يريدون بلفظ الصدور نفي الخلق، وجعل العالم لازم لذات الرب
_________________
(١) المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية ص١٠٥ - ١٠٦.
(٢) انظر: المعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا ٢/١٧٢، المعجم الفلسفي لمراد وهبة ص٥١٦.
(٣) النجاة ٢/١٣٣.
(٤) المرجع السابق ٢/١٣٤.
[ ٣٦٢ ]
أزلًا وأبدًا، لذا رد عليهم أهل السنة، وبينوا الباطل الذي يعنونه بهذا المصطلح، ومن وجوه الرد عليهم:
أولًا: أن معنى الصدور والفيض عند الفلاسفة، معنى مبتدع، ليس واردًا في لغة العرب، ولا في كتاب الله، ولا سنة رسوله - ﷺ -، وإنما هو اصطلاح اصطلحوا عليه.
ثانيًا: معنى الواحد عندهم قد سبق بيانه١؛ وهو أن الله وجود مطلق لا صفة له، وقولهم إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، إنما يتم إذا أثبت موجودًا مجردًا لا صفة له، ولا نعت، وإلا فإذا كان الخالق موصوفًا بصفات متنوعة كالعلم، والقدرة، والكلام، والمشيئة، والرحمة، وبأفعال متنوعة كالخلق، والاستواء، ونحو ذلك، لم يكن واحدًا عندهم بل كان مركبًا وجسمًا، وحينئذ فيقال لهم هذا الذي تسمونه واحدًا لا حقيقة له في الخارج، وإنما هو أمر يقدر في الأذهان، لا يوجد في الأعيان، وهو نظير الواحد البسيط الذي يقولون بتركب الأنواع منه، فإن هذا الواحد الذي يثبتونه في الكليات، ويقولون إنه منه تتركب الأنواع الموجودة، هو نظير الواحد الذي يثبتونه في الإلهيات ويقولون هو مبدأ الوجود، وكلاهما لا حقيقة له في الخارج وإنما هو يقدره الذهن، كما يقدر الكليات المجردة، ومتى بطل واحدهم هذا، بطل توحيدهم، فبطل نفيهم للصفات، وبطل قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد٢.
ثالثًا: إذا تبين أن هذا الواحد ليس له حقيقة في الخارج، قيل لمن قال الواحد لا يصدر عنه إلا واحد؛ ما معنى الصدور؟ أنت لا تعني به حدوثه عنه، ولا فعله له بمشيئته وقدرته، فعلًا يسبق به الفاعل مفعوله، وإنما تعني به لزومه له ووجوبه به، ونحن لا نتصور في الموجودات شيئًا صدر عنه وحده شيء منفصل عنه، كان لازمًا له قبل هذا الوجه، بل ما لزمه وحده كان صفة له، فإذا لم يتصور هذا الصدور، ولا يعلم صدق هذا السلب في صورة معينة من صور هذه القضية الكلية، فمن أين تعلم هذه القضية الكلية؟ وإذا استدلوا على ذلك بالنار التي لا يصدر عنها إلا الإحراق، وبسائر الأجسام البسيطة كالماء، أو بالشمس التي يصدر
_________________
(١) انظر: البحث ص٢٨ - ٣١.
(٢) انظر: درء التعارض ٨/٢٤٧ - ٢٤٨.
[ ٣٦٣ ]
عنها الشعاع، لم يكن شيء من هذه المعينات داخلًا في قضيتهم الكلية، فإن الإحراق لا يصدر عن النار وحدها، بل لا بد من محل قابل للإحراق، ثم إن الإحراق له موانع تمنعه فهو موقوف على ثبوت شروط وانتفاء موانع، غير النار، فلم يصر صادرًا عن النار بالمعنى الذي أرادوه بالحجة، وهو لزومه لذات النار بحيث لا ينفك عنها، وإنما يعقل هذا اللزوم في صفات الملزوم كاستدارة الشمس والضوء القائم بها ونحو ذلك، فإن هذا لازم لا يفارق ذاتها، بخلاف الضوء القائم بما يقابلها من الأجسام، وهو الشعاع المنعكس على الأجسام المسطحة كالأرض، والقائمة كأشخاص الجبال، والحيوان، فإن هذا ليس لازمًا لذات الشمس، بل هو موقوف على وجود هذه الحال التي يقوم بها هذا العرض، وهو أيضًا ممنوع عنها بالحجب كالسحاب الكثيف، والكسوف وغير ذلك، فهذا بيان أن ما قدروه من الواحد ومن الصدور عنه أمر لا يعقل في الخارج أصلًا، فضلًا عن أن يكون قضية كلية عامة١.
رابعًا: أن صدور المختلفات عن ما لا يصدر عنه إلا واحد، بلا واسطة، جمع بين النقيضين، وقول متناقض. وأما الصدور بواسطة، فتلك الواسطة يجب أن لا تكون إلا واحدًا عن واحد، إذا قدر أن الأول واحد بسيط، لا يصدر عنه إلا واحد، وإلا كان قولًا متناقضًا، فإنه إذا صدر عنه ما فيه كثرة، فقد صدر عنه أكثر من واحد. وإن لم يكن في الصادر كثرة، وجب أن لا يصدر عن الصادر الأول إلا واحد، وهلم جرا وهذا خلاف المشهود٢.
خامسًا: أن هذا الصدور، والتولد، والمعلولية، التي يدعونها في العقول، والنفوس، والأفلاك، حيث يقولون إنها جواهر قائمة بأنفسها، صدرت عن جوهر واحد بسيط، فهذا أبطل قول قيل في الصدور والتولد، لأن فيه صدور جواهر، عن جوهر واحد، وهذا لا يعقل. وفيه صدوره عنه من غير جزء منفصل من الأصل، وهذا لا يعقل. وهم غاية ما عندهم أن يشبهوا هذا بحدوث بعض الأعراض، كالشعاع عن الشمس، وحركة الخاتم عن حركة اليد، وهذا تمثيل باطل، لأن تلك ليست علة فاعلة، وإنما هي شرط فقط، والصادر هناك لم يكن
_________________
(١) انظر: شرح العقيدة الأصفهانية ص٥٢ - ٥٣، منهاج السنة ١/٤٠٢ - ٤٠٣.
(٢) انظر: درء التعارض ٨/٢٦٧.
[ ٣٦٤ ]
عن أصل واحد، بل عن أصلين، والصادر عرض لا جوهر قائم بنفسه، فتبين أن ما ذكره هؤلاء من الصدور والتولد العقلي باطل١.
سادسًا: أن قولهم مبني على أصول فاسدة كثيرة:
الأول: إنه لا سبب للحوادث إلا الحركة الفلكية وهذا من أبطل الأصول.
الثاني: إثبات العقول والنفوس التي يقولون بها وهو باطل.
الثالث: إثبات كون الفيض يحصل من النفس الفلكية. فإنهم لو سلم لهم ما يذكرونه من أصولهم، فعندهم أن ما يفيض على النفوس، إنما هو من العقل الفعال، المدبر لكل ما تحت فلك القمر، ومنه تفيض العلوم عندهم على نفوس البشر الأنبياء وغيرهم، والعقل الفعال لا يتمثل فيه شيء من الجزئيات المتغيرة، بل إنما فيه أمر كلي، لكنه بزعمهم دائم الفيض، فإذا استعدت النفس لأن يفيض عليها منه شيء فاض، وذلك الفيض لا يكون بجزئي، فإنه لا جزئي فيه، فكيف يقولون هنا إن الفيض على النفوس هو من النفس الفلكية؟ ٢.
فتبين أن قولهم بالصدور والفيض يعني القول بقدم العقول والنفوس وقدم العالم، ونفي أن يكون الله خالقًا مبدعًا لما سواه.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ١٧/٢٨٩ - ٢٩٠.
(٢) انظر: الرد على المنطقيين ص٤٧٦.
[ ٣٦٥ ]
التولد
١ - معنى التولد في اللغة:
قال الخليل: "الولد اسم يجمع الواحد، والكثير، والذكر، والأنثى سواء، والوليد الصبي، والوليدة الأمة..ويقال ماله وولده أي ورهطه..والولادة وضع الوالدة ولدها، وجارية مولدة: ولدت بين العرب، ونشأت مع أولادهم، ويغذونها غذاء الولد، ويعلمونها من الأدب مثل ما يعلمون أولادهم، وكذلك المولد من العبيد، وكلام مولد مستحدث لم يكن من كلام العرب"١.
وقال الجوهري: "وتوالدوا أي كثروا، وولد بعضهم بعضًا..ويقال ولَّد الرجل غنمه توليدًا، كما يقال نتج إبله نتجًا"٢. ويقول ابن فارس: "وتولَّد الشيء عن الشيء: حصل عنه"٣.
فالتوالد والتوليد هو التكاثر والإنتاج، وحصول الشيء عن الشيء.
٢ - معنى التولد في الاصطلاح:
التولد بمعناه اللغوي موجود عند الفلاسفة في حق الله - تعالى -، وإن لم يعبروا عنه بلفظ التولد. فالفلاسفة يرون بأن العقول والنفوس متولدة عن الله، تولدًا أزليًا لازمًا لذاته، والعالم متولد عن ذلك، فالعالم كله متولد عندهم عن الله تولدًا أزليًا لازمًا لذاته، وإن كانوا قد لا يعبرون بلفظ الولد، فهم يعبرون بلفظ المعلول والعلة، وهو أخص أنواع التولد، ويعبرون بلفظ الموجِب والموجَب٤.
_________________
(١) العين ٨/٧١.
(٢) الصحاح ٢/٥٥٤، وانظر: لسان العرب ٣/٤٦٧.
(٣) معجم مقاييس اللغة ٦/١٤٣.
(٤) انظر: الصفدية١/٢١٦.
[ ٣٦٦ ]
كما يعبرون عنه بلفظ الصدور.
كما يرد لفظ التولد والتوليد عند المعتزلة، فالمتولد عندهم هو الفعل الذي يكون بسبب مني ويحل في غيري. وقيل: هو الفعل الذي أوجبت سببه فخرج من أن يمكنني تركه، وقد أفعله في نفسي وأفعله في غيري.
وقال بعضهم: كل فعل يتهيأ وقوعه على الخطأ، دون القصد إليه، أو الإرادة له فهو متولد١.
وقال الجرجاني: "التوليد هو أن يحصل الفعل عن فاعله بتوسط فعل آخر، كحركة المفتاح بحركة اليد"٢.
وقد اختلف المتكلمون في الأفعال المتولدة عن الإنسان؛ فمنهم من قال ليست مفعولة له بحال، بل هي مفعولة لله - تعالى -، كما يقول ذلك كثير من متكلمي المثبتين للقدر، ومنهم من يقول بل هو مفعول له على طريق التولد كما هو قول بعض المعتزلة، ويحكى عن بعضهم أنه قال لا فاعل لها بحال٣. فالمتكلمون على طرفي نقيض في الأفعال المتولدة عن الإنسان حيث يجعلها الأشاعرة والماتريدية مخلوقة لله وليس للإنسان دور فيها وأبطلوا بذلك ربط الأسباب بمسبباتها. بينما يجعلها المعتزلة مخلوقة للإنسان وناتجة عن فعله وحده، دون تدخل لأسباب أخرى.
٣ - معنى التولد في الشرع، والرد على المخالفين:
لم يرد لفظ التولد أو التوليد في القرآن والسنة، ولكن ورد لفظ الولد في القرآن الكريم بتصريفات عدة، كما ورد في السنة، حيث نفى الله - تعالى - عن نفسه الولد في أكثر من آية، قال - تعالى -: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام - ١٠١]، وقال - سبحانه -: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون - ٩١]، ومن السنة قوله - ﷺ -: "لا أحد أصبر على أذى
_________________
(١) انظر: مقالات الإسلاميين ٢/٩٢ - ٩٣.
(٢) التعريفات ص٩٨.
(٣) انظر: درء التعارض ٩/٣٤٠، مقالات الإسلاميين ٢/٨٦ - ٩٢.
[ ٣٦٧ ]
يسمعه من الله - ﷿ -، إنه يشرك به، ويجعل له الولد، ثم هو يعافيهم، ويرزقهم" ١. وما ذكره الله في كتابه من إبطال التولد، وهو حصول الولد، يبطل قول الفلاسفة عقلًا وسمعًا، قال - تعالى -: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام - ١٠١]، وذلك أن التولد لا يكون إلا عن أصلين، فيمتنع أن يكون له ولد من غير صاحبة، وهو - سبحانه - لم يكن له كفوًا أحد، والفلاسفة جعلوه واحدًا، وجعلوا العالم معلولًا عنه، وقالوا: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وهذا باطل، فإن الواحد البسيط لا يصدر عنه وحده شيء، بل الواحد الذي قدروه إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان، ولا يصدر في العالم العلوي والسفلي أثر إلا عن سببين فأكثر، فالنار إذا أحرقت إنما تحرق بشرط قبول المحل لإحراقها، وكذلك جميع الأمور، قال الله - تعالى -: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات - ٤٩]، فلو كان العالم معلولًا متولدًا عن الله، لكان له مقارنًا، يصدر التولد عنهما جميعًا، فإن التولد لا يكون إلا عن أصلين، فإثبات التعليل والتولد، يقتضي إثبات شريك في إبداع العالم، وهذا لازم لهم لا محيد عنه٢.
وفي قوله - تعالى -: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام - ١٠١]، ثلاث أدلة على نفي الولد والتولد عنه:
أحدها: كونه ليس له صاحبة فهذا نفي الولادة المعهودة.
وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ نفي للولادة العقلية وهي التولد، لأن خلق كل شيء ينافي تولدها عنه.
وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يشبه - والله أعلم - أن يكون لما ادعت النصارى أن المتحد به هو الكلمة، التي يفسرونها بالعلم، والصابئة القائلون بالتولد، والعلة، لا يجعلونه عالمًا بكل شيء، ذكر أنه بكل شيء عليم لإثبات هذه الصفة له ردًا على الصابئة، ونفيها عن غيره ردا على النصارى٣.
_________________
(١) سبق تخريجه ص١٦٨ من البحث.
(٢) انظر: الصفدية١/٢١٦، ٢١٧، الدرء٧/٣٦٩، الجواب الصحيح ٤/٤٧٥.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى ٢/٤٤٥، بدائع الفوائد ٤/٩٦١ - ٩٦٢.
[ ٣٦٨ ]
وبهذا يعلم أن الفلاسفة الذين يقولون بتولد العقول والنفوس عنه بواسطة أو بغير واسطة، شر من النصارى، وأن من زعم أن العالم قديم فقد أخرجه عن كونه مخلوقًا لله١.
وأما التولد عند المتكلمين، وهو الأمور المنفصلة عن الإنسان، التي يقال إنها متولدة عن فعله، فحقيقة الأمر أن تلك قد اشترك فيها الإنسان والسبب المنفصل عنه، فإنه إذا ضرب بحجر فقد فعل الحذف، ووصول الحجر إلى منتهاه حصل بهذا السبب، وبسبب آخر من الحجر والهواء٢، وهي من خلق الله، فلا يكون الإنسان مستقلًا بإحداث هذه الأفعال المتولدة.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ٢/٤٤٥، بدائع الفوائد ٤/٩٦٢.
(٢) انظر: درء التعارض ٩/٣٤١.
[ ٣٦٩ ]
الموجب بالذات
١ - الموجب بالذات في اللغة:
سبق تعريف الوجوب والذات في اللغة١.
٢ - الموجب بالذات في الاصطلاح:
الموجب بالذات من مصطلحات الفلاسفة، والموجب هو اسم الفاعل من الإيجاب، ضد المختار الذي إن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل، فهو الذي يجب أن يصدر عنه الفعل من غير قصد وإرادة٢.
ويعرف الجرجاني الموجب بالذات بقوله: "الموجب بالذات هو الذي يجب أن يصدر عنه الفعل، إن كان علة تامة له، من غير قصد وإرادة، كوجوب صدور الإشراق عن الشمس والإحراق عن النار"٣.
ويجري الحديث عن الموجب بالذات في كتب المتكلمين عند بحثهم صفة القدرة والاختيار٤، حيث يردون على الفلاسفة لقولهم بأن الله موجب بالذات، فالذي يراه الفلاسفة هو أن وجود العالم عن الله - تعالى - إنما هو على سبيل اللزوم لذاته، من غير قصد واختيار، كما شرحوا ذلك من خلال نظرية الفيض والصدور، فيكون - تعالى - موجبًا بالذات؛ لأنه يصدر عنه الفعل من غير قصد وإرادة، لأنه لو كان هناك قصد وإرادة؛ لأحدث ذلك تكثر في ذاته، وهو منزه عن ذلك - كما يقولون -٥.
_________________
(١) انظر: البحث ص٢٨٠، ٣٠٣.
(٢) انظر: موسوعة مصطلحات جامع العلوم ص٩١٥.
(٣) التعريفات ص٢٥٧.
(٤) انظر: المطالب العالية٣/٧٧وما بعدها، شرح المقاصد ٤/٨٩ وما بعدها، شرح المواقف للجرجاني الموقف الخامس في الإلهيات ص٨٤.
(٥) انظر في هذا المعنى النجاة ٢/١٣٣ - ١٣٤.
[ ٣٧٠ ]
٣ - موقف أهل السنة:
رد أهل السنة على قول الفلاسفة بأن الله موجب بالذات من وجوه:
الوجه الأول: مناقشة لفظ الموجب بالذات؛ لأنه لفظ مجمل، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "لفظ الموجب بالذات فيه إجمال؛ فإن أريد به أنه يوجب ما يحدثه بمشيئته وقدرته، فلا منافاة بين كونه فاعلًا بالقدرة والاختيار، وبين كونه موجبًا بالذات بهذا التفسير. وإن أريد بالموجب بالذات أنه يوجب شيئًا من الأشياء، بذات مجردة عن القدرة والاختيار، فهذا باطل ممتنع. وإن أريد أنه علة تامة أزلية، تستلزم معلولها الأزلي، بحيث يكون من العالم ما هو قديم بقدمه، لازم لذاته أزلًا، وأبدًا..فهذا أيضا باطل.
فالموجب بالذات إذا فسر بما يقتضى قدم شيء من العالم مع الله، أو فسر بما يقتضى سلب صفات الكمال عن الله فهو باطل، وإن فسر بما يقتضى أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فهو حق، فإن ما شاء وجوده فقد وجب وجوده، بقدرته ومشيئته"١.
الوجه الثاني: أن يقال إن أردتم بالموجب بالذات ما يستلزم معلوله؛ فالتغيرات التي في العالم تبطل كونه موجبًا بهذا الإعتبار. وإن أردتم بالموجب بالذات ما قد تكون مفعولاته أمرًا لا يلزمه، بل يحدث شيئًا بعد شيء، فحينئذ إذا وافقكم المنازعون على تسميته موجبًا بالذات، لم يكن في ذلك ما ينافي أن تكون مفعولاته تحدث شيئًا بعد شيء، ولا يمتنع أن تكون هذه الأفلاك من جملة الحوادث المتأخرة، فبطل قولكم٢.
الوجه الثالث: مما يبين فساد قول الفلاسفة، القائلين بقدم العالم عن الموجب بالذات، أن يقال إما أن يكون مجرد ذاته هي الموجب للعالم، أو هي متوقفة على أمر آخر، فإن كان الأول لزم قدم كل شيء في العالم، ودوامه، بقدم الموجب، ودوامه، فإنه إذا لم يكن هنا إلا مؤثر تام قديم مستلزم لأثره، لزم أن يكون أثره قديمًا معه بقدمه، وهو مكابرة للحس. وإن كان تأثيره موقوفًا على غيره، كان هذا مع بطلانه بالاتفاق، مبطلًا لقولهم بقدم العالم. وأن يقال ذلك الغير إن كان قديمًا واجبًا معه، ومجموعهما هو العلة التامة، لزم قدم الآثار
_________________
(١) منهاج السنة١/١٦٤ - ١٦٥، وانظر: منهاج السنة ٣/٢٧٤ - ٢٧٥، الصفدية٢/١٠٣.
(٢) انظر: درء التعارض ١/٣٩٤.
[ ٣٧١ ]
بقدمهما، فسواء فرض المؤثر القديم الموجب واحدًا، أو عددًا، متى قيل إنه موجب بذاته في الأزل، لزم حصول جميع موجبه في الأزل، فيلزم ألا يحدث شيء وهو مخالف للعيان. وإن قيل إن تأثيره موقوف على حادث غيره، كان القول في حدوث ذلك الحادث، كالقول في غيره، فيمتنع صدوره عنه، فتبين أنه يلزمهم كون الحوادث لا محدث لها كيفما داروا، ويلزمهم أيضا ألا يكون واجبًا بذاته؛ لأن الواجب بذاته لا بد أن يكون غنيًا عن غيره من كل وجه١.
وبهذا يتبين بطلان قول الفلاسفة بأن الله - تعالى - موجب بالذات، كما يتبين اللوازم الفاسدة لهذا القول.
_________________
(١) انظر: الصفدية ١/٥٧ - ٥٨.
[ ٣٧٢ ]
قدم العالم
١ - معنى قدم العالم في اللغة:
سبق التعريف بلفظ القدم، ولفظ العالم، حيث ذكرت أن القِدَم، مصدر القديم، وهو يعني السبق، والتقدم على الغير، كما يأتي في مقابل الحدوث١.
وأما معنى العالم في اللغة فهو الخلق كله، وقيل إنه مختص بمن يعقل٢.
وقد سبق بيان معنى القديم في الشرع، ومعناه عند المتكلمين، وهنا نبين قول الفلاسفة في قدم العالم.
٢ - معنى قدم العالم في اصطلاح الفلاسفة:
يفصل الفلاسفة في معنى القدم، حيث يقول ابن سينا: "حد القدم هو أن يقال على وجوه: فيقال قديم بالقياس، وقديم مطلقًا. والقديم بالقياس هو شيء زمانه في الماضي، أكثر من زمان شيء آخر، هو قديم بالقياس إليه.
وأما القديم المطلق فهو أيضًا يقال على وجهين: بحسب الزمان وبحسب الذات، أما الذي بحسب الزمان، فهو الشيء الذي وجد في زمان ماض غير متناه. وأما القديم بحسب الذات، فهو الشيء الذي ليس له مبدأ لوجود ذاته مبدأ أوجبه. فالقديم بحسب الزمان هو الذي له مبدأ زماني، والقديم بحسب الذات هو الذي ليس له مبدأ يتعلق به، وهو الواحد الحق، تعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا"٣.
_________________
(١) انظر: البحث ص٢٠٢.
(٢) انظر: البحث ص٢٨٣.
(٣) الحدود لابن سينا ضمن المصطلح الفلسفي للدكتور الأعسم ص٢٦٢ - ٢٦٣، وانظر: النجاة ٢/٦٩، معيار العلم ص٣٢٣.
[ ٣٧٣ ]
فالقديم بالذات هو الله، وأما القديم بحسب الزمان فهو وجود الملائكة، والسماوات، وجملة أصول العالم عندهم١. والقديم بالذات والقديم بالزمان يتفقان في القدم المطلق، وعدم السبق بالعدم. ويدل على ذلك معنى الحادث عندهم، فالحادث يطلق ويراد به ما يفتقر إلى العلة، وإن كان غير مسبوق بالعدم كالعالم، وعلى ما لوجوده أول وهو مسبوق بالعدم. فعلى هذا العالم إن سمي عندهم قديمًا فباعتبار أنه غير مسبوق بالعدم، وإن سمي حادثًا فباعتبار أنه مفتقر إلى العلة في وجوده٢.
وبعض المتكلمين المتأخرين أمثال الرازي، والتفتازاني، والآمدي، والجرجاني، يعرفون القديم بمثل تعريف ابن سينا؛ حيث يقسمونه إلى القديم بالذات، والقديم بالزمان٣.
يقول الجرجاني: "القديم يطلق على الموجود الذي لا يكون وجوده من غيره، وهو القديم بالذات، ويطلق القديم على الموجود الذي ليس وجوده مسبوقًا بالعدم، وهو القديم بالزمان.. وقيل القديم ما لا ابتداء لوجوده الحادث، والمحدث مالم يكن كذلك، فكأن الموجود هو الكائن الثابت والمعدوم ضده، وقيل القديم هو الذي لا أول ولا آخر له"٤.
وقال التفتازاني: "لا قديم بالذات سوى الله - تعالى -، وأما بالزمان فزادت الفلاسفة كثيرا من الممكنات، والمتكلمون صفات الله - تعالى -"٥.
وقال الآمدي: "وأما القديم فقد يطلق على مالا علة لوجوده، كالباري - تعالى -، وعلى مالا أول لوجوده، وإن كان مفتقرا إلى علة، كالعالم على أصل الحكيم"٦.
٣ - نقد قول الفلاسفة بقدم العالم:
اختلف الفلاسفة في قدم العالم، فالذي استقر عليه رأي جماهيرهم المتقدمين والمتأخرين القول بقدمه، وأنه لم يزل موجودًا مع الله - تعالى -، ومعلولًا له، ومساوقًا له، غير متأخر عنه
_________________
(١) انظر: معيار العلم ص٢٨٥.
(٢) المبين ص١١٩، وانظر موسوعة مصطلحات دستور العلماء ص٣٤٥.
(٣) انظر: المباحث المشرقية ١/٢٢٨ - ٢٢٩، شرح المقاصد٢/٨، التعريفات ص٢٢٠ - ٢٢١
(٤) التعريفات ص٢٢٠ - ٢٢١.
(٥) شرح المقاصد ٢/٨.
(٦) المبين ص١١٨ - ١١٩.
[ ٣٧٤ ]
بالزمان، مساوقة المعلول للعلة، ومساوقة النور للشمس، وأن تقدم الباري - تعالى - عليه كتقدم العلة على المعلول، وهو تقدم بالذات والرتبة لا بالزمان١.
ويقول ابن تيمية إن المشهور من مقالة أساطين الفلاسفة، قبل أرسطو، هو القول بحدوث العالم، وإنما اشتهر القول بقدمه عنه، وعن متبعيه كالفارابي، وابن سينا، والحفيد، وأمثالهم٢. وهذا جلي من خلال تعريفهم للفظ القديم، وقولهم بأن الله علة العالم، وأن العالم معلول له. وقد رد على الفلاسفة في قولهم بقدم العالم كثير من نظار أهل السنة والمتكلمين؛ وتتركز وجوه الرد على بيان فساد تعريفهم للقدم، وعلى بطلان القول بقدم العالم وفق المعنى الذي يريدون، ومن وجوه الرد عليهم:
أولًا: أن لفظ القديم في اللغة المشهورة التي خاطبنا بها الأنبياء، يراد به ما كان متقدمًا على غيره تقدمًا زمانيًا، سواء سبقه عدم أولم يسبقه، كما قال - تعالى -: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس - ٣٩]، وقال - تعالى -: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف - ٩٥]، فلهذا كان القديم الأزلي، الذي لم يزل موجودًا، ولم يسبقه عدم أحق باسم القديم من غيره، وليس لأحد أن يجعل القديم، والمتقدم، اسمًا لما قارن غيره في الزمان، لزعمه أنه متقدم عليه بالعلة، ويقول إنه متقدم على غيره، وسابق له بهذا الاعتبار، وإن ذلك المعلول متأخر عنه بهذا الاعتبار، ثم يحمل ماجاء من كلام الأنبياء، وأتباع الأنبياء، وعموم الخلق على هذا الاصطلاح لو كان حقًا، فكيف إذا كان باطلًا! ٣.
ثانيًا: أن ابن سينا وأتباعه قد ناقضوا أنفسهم حين زعموا أن القديم الموجود بغيره يوصف بالإمكان؛ وإن كان قديمًا أزليًا لم يزل واجبًا بغيره. فالممكن لا يكون واجبًا أزليًا، وقد صرح هو وأصحابه في غير موضع بنقيض ذلك، وأصحابه الفلاسفة المتبعون لأرسطو أنكروا ذلك
_________________
(١) انظر: تهافت الفلاسفة ص٢٢.
(٢) انظر: الصفدية ١/١٣٠.
(٣) انظر: الجواب الصحيح ٤/٤٨٣، الدرء ١/٣٧٤.
[ ٣٧٥ ]
عليه، وقالوا إنه خالف به سلفهم، كما خالف به جمهور النظار، وخالف به ما ذكره هو مصرحًا به في غير موضع١.
ثالثًا: أن قولهم بقدم العالم يستلزم امتناع حدوث حادث، فإن القديم إما واجب بنفسه، أو لازم للواجب بنفسه، ولوازم الواجب لا تكون محدثة، ولا مستلزمة لمحدث، فالحوادث ليست من لوازمه، وما لا يكون من لوازمه يتوقف وجوده على حدوث سبب حادث، فإذا كان القديم الواجب بنفسه، أو اللازم للواجب لا يصدر عنه حادث؛ امتنع حدوث الحوادث٢.
رابعًا: أن لفظ القديم والأزلي فيه إجمال، فقد يراد بالقديم الشيء المعين الذي ما زال موجودًا ليس لوجوده أول، ويراد بالقديم الشيء الذي يكون شيئًا بعد شيء، فنوعه المتوالي قديم وليس شيء منه بعينه قديمًا، ولا مجموعه قديم، فإذا كان المفعول مستلزمًا للحوادث، لم يفعل إلا والحوادث مفعولة معه، وهي وإن كانت مفعولة فيه شيئًا بعد شيء، فالمحدث لها شيئًا بعد شيء إن أحدث مقارنها في وقت بعينه، لزم أن يكون محدثًا من جملتها، وهو المطلوب، وإن قيل هو مقارن له، قديم معه، بحيث يوجد معه كل وقت. قيل: فهذا لا يمكن إلا إذا كان علة موجبة له، لا محدثًا له، ولا بد أن يكون علة تامة، فيكون في الأزل مؤثرًا تام التأثير، مستجمعًا لشروط التأثير لشيء معين، وإذا كان مؤثرًا قديمًا دائمًا لشيء معين، كانت لوازم ذلك المعين معه، لا يمكن تأخر شيء منها عنه، لامتناع وجود الملزوم، بدون اللازم فيلزم وجود الحوادث كلها في الأزل٣، وهذا باطل.
خامسًا: أن هؤلاء الفلاسفة يقولون العالم قديم أزلي، ومحدث، مخلوق. فيقال لهم: لم يستعمل أحد من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، بل ولا أحد من سائر الأمم، لفظ الخلق إلا فيما كان بعد عدمه، وهو ما كان مسبوقًا بعدمه ووجود غيره، ومعنى هذا اللفظ معلوم بالاضطرار في جميع لغات الأمم. وأيضًا فاللفظ المستعمل في لغة العامة، والخاصة، لا يجوز أن يكون معناه ما لا يعرفه إلا بعض الناس. وهذا المعنى الذي يدعونه لو كان حقًا لم
_________________
(١) انظر: درء التعارض ٣/٢٤٧.
(٢) انظر: المرجع السابق ٢/١٥١.
(٣) انظر: الصفدية ٢/٤٧ - ٤٨.
[ ٣٧٦ ]
يتصوره إلا بعض الناس، فلا يجوز أن يكون اللفظ العام الذي تداوله العامة والخاصة موضوعًا له، إذا كان هذا يبطل مقصود اللغات، ويبطل تعريف الأنبياء للناس، فكيف وهو باطل في صريح المعقول، كما هو باطل في صحيح المنقول، فإنه لم يعرف أن أحدا ًقط عبر عن القديم الأزلي، الذي لم يزل موجودًا، ولا يزال، بأنه محدث، أو مخلوق، أو مصنوع، أو مفعول. والكتب الإلهية كالتوراة والقرآن مصرحة بأن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، والقديم الأزلي لا يكون مخلوقًا في ستة أيام١.
هذه بعض الردود على القائلين بقدم العالم من الفلاسفة، وبهذا يتضح حقيقة قولهم، وكيف حاولوا إخفاء المعنى الذي يريدون بإطلاقهم لفظ الحدوث عليه، فالعالم عندهم غير مسبوق بالعدم، وهذا يعني أنه غير مخلوق، وهذا مما كُفِّر به الفلاسفة المنتسبون للإسلام.
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح ٤/١٤٧ - ١٤٨. وانظر في الرد على أدلة الفلاسفة على قدم العالم التهافت للغزالي ص٢٣ - ٥٢.
[ ٣٧٧ ]
الهيولى
١ - الهيولى في اللغة:
في القاموس المحيط:" والهَيُولى وتشدد الياء مضمومة، عن ابن القطاع: القطن، وشبهالأوائل طينة العالم به"١.
ويقول الجرجاني: "الهيولى لفظ يوناني، بمعنى الأصل والمادة "٢. وقال شيخ الإسلام: "والهيولى في لغتهم٣ بمعنى المحل، يقال الفضة هيولى الخاتم، والدرهم والخشب هيولى الكرسي، أي هذا المحل الذي تصنع فيه هذه الصورة"٤.
وفي المعتبر للبغدادي: "إن الهيولى ليست من الألفاظ العربية..لكن معناها فيما قالوا يقارب معنى المحل، والموضوع، والمادة. وقد عرّفتُ المحل أنه شبيه في العبارة بالمكان الذي يتمكن فيه المتمكن، ويحل فيه الحال في ظاهر العرف"٥.
وفي المعجم الوسيط: "الهيولى بضم الياء مخففة أو مشددة: مادة الشيء التي يصنع منها، كالخشب للكرسي، والحديد للمسمار، والقطن للملابس القطنية، والهيولى عند القدماء: مادة ليس لها شكل ولا صورة معينة، قابلة للتشكيل والتصوير في شتى الصور، وهي التي صنع الله - تعالى - منها أجزاء العالم المادية. والهيولى التخطيط المبدئي للصورة أو التمثال. والهيولى القطن "٦، هذا معنى الهيولى عند قدماء فلاسفة اليونان. فالهيولى لفظ يوناني معرب بمعنى المحل، والمادة، والأصل.
_________________
(١) القاموس المحيط ص١٣٨٦.
(٢) التعريفات ص ٣١٤، وانظر: التوقيف ص٧٤٥، المعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا ٢/٥٣٦.
(٣) أي الفلاسفة.
(٤) مجموع الفتاوى١٧/٣٢٨.
(٥) المعتبر ٢/٩٦.
(٦) المعجم الوسيط ٢/١٠٠٤.
[ ٣٧٨ ]
٢ - الهيولى في اصطلاح الفلاسفة:
تعتبر الهيولى والصورة المقولتين الرئيسيتين في فلسفة أرسطو، وبهما يفسر الكون بأكمله١. وعنه أخذ الفلاسفة المنتسبون للإسلام مصطلح الهيولى.
يقول الكندي: "الهيولى هي قوة موضوعة لحمل الصور، منفعلة"٢.
ويقول الخوارزمي: "هيولى كل جسم هي الحامل لصورته؛ فإذا أطلقت فإنها تعني طينة العالم؛ أعني جسم الفلك الأعلى وما يحويه من الأفلاك والكواكب، ثم العناصر الأربعة وما يتركب منها"٣.
ويقول ابن سينا: "الهيولى المطلقة هي جوهر، وجوده بالفعل إنما يحصل بقبوله الصورة الجسمية، لقوة فيه قابلة للصور، وليس له في ذاته صورة تخصه إلا معنى القوة"٤.
ويشرح هذا الكلام فيقول: "ومعنى قولي لها جوهر، هو أن وجودها حاصل لها بالفعل لذاتها. ويقال هيولى لكل شيء من شأنه أن يقبل كمالًا ما، وأمرًا ليس فيه، فيكون بالقياس إلى ما ليس فيه هيولى، وبالقياس إلى ما فيه موضوعًا"٥.
ويقول الجرجاني: "الهيولى لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة، وفي الاصطلاح هي جوهر في الجسم، قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال، محل للصورتين الجسمية والنوعية"٦.
وفي الكليات: "الهيولى هو جوهر بسيط، لا يتم وجوده بالفعل، دون وجود ما حل فيه"٧.
والهيولى عند قدماء الفلاسفة على أربعة أقسام هي:
_________________
(١) انظر: تاريخ الفلسفة اليونانية لوولتر ستيس ص٢٢٧.
(٢) الحدود للكندي ضمن كتاب المصطلح الفلسفي ص١٩١.
(٣) الحدود للخوارزمي ضمن كتاب المصطلح الفلسفي ص٢١٠.
(٤) الحدود لابن سينا ضمن كتاب المصطلح الفلسفي ص٢٤٤ - ٢٤٥.
(٥) المرجع السابق ص٢٤٥.
(٦) التعريفات ص٣١٤.
(٧) الكليات ص٩٥٥.
[ ٣٧٩ ]
١ - الهيولى الأولى: وهي جوهر غير جسم، قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال، محل للصورة الجسمية.
٢ - الهيولى الثانية: وهي جسم قام به صورة، كالأجسام بالنسبة إلى صورها النوعية.
٣ - الهيولى الثالثة: وهي الأجسام مع الصورة النوعية التي صارت محلًا لصور أخرى، كالخشب لصورة السرير.
٤ - الهيولى الرابعة: وهي أن يكون الجسم مع الصورتين محلًا للصورة؛ كالأعضاء لصورة البدن١.
والهيولى عند الإطلاق هي الهيولى الأولى، وهي التي دارت عليها التعريفات السابقة، والتي تتفق على أنها جوهر، وجوده بالفعل إنما يحصل بقبوله الصورة الجسمية، لقوة فيه قابلة للصور، وإطلاقها على باقي الأقسام بالتقييد بالثانية والثالثة والرابعة.
٣ - موقف أهل السنة:
لقد أدخل الفلاسفة تحت لفظ الهيولى معان باطلة، ومن ذلك:
أولًا: أنهم أثبتوا مادة أزلية، مجردة عن الصور، ثابتة في الخارج، وهي الهيولى الأولية، التي بنوا عليها قدم العالم وغلطهم فيها جمهور العقلاء٢. حيث ادعوا أن بين أجسام العالم جوهرًا قائمًا بنفسه تشترك فيه الأجسام، ومن تصور الأمور، وعرف ما يقول، علم أنه ليس بين هذا الجسم المعين، وهذا الجسم المعين، قدر مشترك موجود في الخارج أصلًا، بل كل منهما متميز عن الآخر بنفسه، المتناولة لذاته وصفاته، ولكن يشتركان في المقدارية وغيرها من الأحكام اللازمة للأجسام٣.
ثانيًا: أن ما أثبته هؤلاء المتفلسفة من موجودات ممكنة، ليست أجسامًا، ولا أعراضًا قائمة بالأجسام، كالهيولى والصورة والعقل والنفس، التي يدعون أنها جواهر عقلية، موجودة
_________________
(١) انظر: المعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا ٢/٥٣٦، كشاف اصطلاحات الفنون ٢/١٥٣٤ - ١٥٣٥.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ٩/٩٨ بتصرف يسير.
(٣) انظر: الدرء ٣/٨٦.
[ ٣٨٠ ]
خارج الذهن، ليست أجسامًا، ولا أعرضًا لأجسام، فإن أئمة أهل النظر يقولون إن فساد هذا معلوم بالضرورة، كما ذكر ذلك أبو المعالي الجويني، وأمثاله من أئمة النظر والكلام١.
ثالثًا: أن الهيولى الثالثة، وهي الصناعية، كالدرهم الذي له مادة وهي الفضة، وصورة وهي الشكل المعين، وكذلك الدينار والخاتم والسرير والكرسي ونحو ذلك، وهذا القسم لا نزاع فيه بين العقلاء، ولكن هذه الصورة عرض من أعراض هذا الجسم، وصفة له، ليست جوهرًا قائمًا بنفسه، وهذا أمر معلوم بالضرورة حسًا وعقلًا. وأما الهيولى الطباعية - وهي الثانية - فكصور الحيوان والنبات والمعدن، فإنه أيضًا مخلوق من مادة؛ كالهواء والماء والتراب، وهذا لا نزاع فيه، لكن هذه الصورة جوهر قائم بنفسه، مستحيل عن تلك المواد، ليست هي صفة له كالأول٢.
وبهذا يتبين أن قول الفلاسفة بالهيولى يتضمن معان فاسدة، وهي مرتبطة في قولهم بقدم العالم.
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٨، مجموع الفتاوى ٥/٢٩٤، وانظر الشامل لأبي المعالي ١/١١٨ - ١١٩.
(٢) انظر: بغية المرتاد ص٤١٣ - ٤١٤.
[ ٣٨١ ]
الدهر
١ - تعريف الدهر في اللغة:
قال الخليل بن أحمد: "الدهر الأبد الممدود، ورجل دهري قديم، والدهري الذي يقول ببقاء الدهر ولا يؤمن بالآخرة.. والدهر النازلة، دهرهم أمر أي نزل بهم مكروه"١.
وقال الجوهري: "الدهر الزمان..ويجمع على دهور. ويقال: الدهر: الأبد"٢.
وفي اللسان:"الدهر الأمد الممدود..قال الأزهري: الدهر عند العرب يقع على بعض الدهر الأطول، ويقع على مدة الدنيا كلها، وقد سمعت غير واحد من العرب يقول أقمنا على ماء كذا وكذا دهرًا، ودارنا التي حللنا بها تحملنا دهرًا، وإذا كان هذا هكذا جاز أن يقال الزمان والدهر واحد في معنى دون معنى"٣.
فالدهر في اللغة يقع على الزمان، ومدة الدنيا كلها، أو على الأبد.
٢ - معنى الدهر في الشرع:
ورد لفظ الدهر في آيتين من كتاب الله - تعالى - وهي قوله - تعالى -: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ [الجاثية - ٢٤]، وقوله - تعالى -: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان - ١] .
وورد في السنة قوله - ﷺ -: "قال الله - ﷿ - يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار" ٤، أي لا تسبوا الذي يفعل بكم هذه
_________________
(١) العين٤/٢٣ - ٢٤، وانظر: معجم مقاييس اللغة ٢/٣٠٦، لسان العرب ٤/٢٩٢.
(٢) الصحاح ٢/٦٦١.
(٣) لسان العرب ٤/٢٩٢ - ٢٩٤.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، سورة الجاثية ٣/٢٩١، ح ٤٨٢٦، وبنحوه مسلم في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب النهي عن سب الدهر ٤/١٧٦٢، ح ٢٢٤٦.
[ ٣٨٢ ]
الأشياء ويصيبكم بهذه المصائب فإنكم إذا سببتم فاعلها فإنما يقع السب على الله - تعالى - لأنه - ﷿ - هو الفاعل لها لا الدهر، فهذا وجه الحديث١.
وقال ابن الأثير: "والدهر اسم للزمان الطويل، ومدة الحياة الدنيا"٢.
وقال الراغب: "الدهر في الأصل اسم لمدة العالم، من مبدأ وجوده إلى انقضائه..ثم يعبر به عن كل مدة كثيرة"٣.
وذكر شيخ الإسلام في معنى الدهر أنه "هو الزمان أو ما يجرى مجرى الزمان"٤. والزمان وما يجري مجراه، هو تقدير الحركة، أو مقارنة حادث لحادث، أو مرور الليل والنهار٥. والزمان المطلق مقدار الحركة المطلقة٦. وجنس الزمان باق عند المسلمين بعد قيام القيامة، ولأهل الجنة أزمنة هي مقادير حركات هناك غير حركة الفلك٧. فالدهر إذًا لا ينحصر في مدة الحياة الدنيا، بل هو اسم للزمان. وهو عرض مخلوق.
٣ - معنى الدهر عند الفلاسفة:
يقول ابن سينا: "حد الدهر يضاهي الصانع، هو المعنى المعقول من إضافة الثبات إلى النفس في الزمان كله"٨.
وفي دستور العلماء: "وقيل: الدهر منشأ الأزل والأبد، لا ابتداء له ولا انتهاء له، كل ذي ابتداء، وذي انتهاء فيه، وليس هو في غيره. وهذا هو ما ذهب إليه الحكماء "٩. وقال ابن سينا عن الزمان:" الزمان يضاهي المصنوع، هو مقدار الحركة من جهة المتقدم
_________________
(١) انظر: غريب الحديث لابن سلام ٢/١٤٥، غريب الحديث للخطابي ١/٤٩٠، النهاية ٢/١٤٤، مجموع الفتاوى٢/٤٩٣.
(٢) النهاية ٢/١٤٤.
(٣) المفردات ص٣١٩، وانظر: التوقيف ص٣٤٣، بصائر ذوي التمييز ٢/٦٠٩، الكليات ص٤٤٤.
(٤) مجموع الفتاوى ٢/٤٩٤، وانظر: بصائر ذوي التمييز ٢/٦٠٩.
(٥) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٥٦٢، ٢٩٦، ٢٩٨، مجموع الفتاوى ٢/٤٩٤.
(٦) انظر: منهاج السنة ١/١٧٢.
(٧) انظر: الصفدية ٢/١٦٧.
(٨) الحدود لابن سينا ضمن المصطلح الفلسفي للدكتور الأعسم ص٢٥٣.
(٩) موسوعة مصطلحات جامع العلوم للنكري ص ٤٣٠.
[ ٣٨٣ ]
والمتأخر"١. فالزمان عندهم يخص مقدار حركة الفلك فقط، ويستخدم في حق المخلوق، المتحرك - في نظرهم -، فهم يفرقون بين الدهر والزمان. "فالموجود الذي لا يكون حركة ولا في الحركة، فهو لا يكون في الزمان، بل إن اعتبر ثباته مع المتغيرات فتلك المعية هي الدهر، وإن اعتبر ثباته مع الأمور الثابتة، فتلك المعية هي السرمد"٢. أما نسبة المتغير إلى المتغير فهو الزمان٣. فالزمان عند الفلاسفة ممتد مع السفليات، والدهر ممتد مع العلويات٤.
٤ - الرد على الفلاسفة:
أولًا: إن تفريق الفلاسفة بين الدهر والزمان لا دليل عليه.
ثانيًا: أن أرسطو ومن تبعه من الفلاسفة، قد ظن أن جنس الزمان مقدار حركة الفلك، وهذا غلط عظيم، فإن جنس الزمان، إذا قيل الزمان مقدار الحركة، فهو مقدار جنس للحركة، لا حركة معينة، بل الزمان المعين مقدار الحركة المعينة، ولهذا كان جنس الزمانباقيا عند المسلمين بعد قيام القيامة، وانشقاق السماء، وتكوير الشمس، ولأهل الجنة أزمنة هي مقادير حركات هناك غير حركة الفلك٥. فليس الزمان محصورًا بحركة الفلك.
ثالثًا: أنهم يقولون الحركة موجودة منذ الأزل، وقدرها وهو الزمان، وفاعلها هو الذي يسمونه الجسم، لكن هذا لا يقتضي قدم شيء بعينه، فإذا قيل إن رب العالمين لم يزل متكلمًا بمشيئته، فاعلًا لما يشاء، كان نوع الفعل لم يزل موجودًا، وقدره وهو الزمان موجودًا، لكن أرسطو وأتباعه غلطوا حيث ظنوا أنه لا زمان إلا قدر حركة الفلك، وأنه لا حركة فوق الفلك، ولا قبله فتعين أن تكون حركته أزلية، وهذا ضلال منهم عقلًا وشرعًا، فلا دليل يدل على امتناع حركة فوق الفلك وقبل الفلك٦.
_________________
(١) الحدود لابن سينا ضمن المصطلح الفلسفي ص ٢٥٣.
(٢) المباحث المشرقية ١/٧٩٠.
(٣) انظر: المحصل للرازي ص٩٠.
(٤) انظر: موسوعة مصطلحات الفلسفة ص٣١١.
(٥) انظر: الصفدية ٢/١٦٧، منهاج السنة النبوية ١/١٧٢.
(٦) انظر: مجموع الفتاوى ٦/٣٠١ - ٣٠٢.
[ ٣٨٤ ]
٥ - معنى الدهرية:
الدهرية هم الذين يقولون بقدم العالم وإنكار الصانع١. وهم الفلاسفة الذين تابعوا أرسطو في القول بقدم العالم، وقدم حركة الأفلاك، ودوامها، ويطلق عليهم الفلاسفة الدهرية.
ويقول ابن القيم عن الدهرية أنهم: "قوم عطلوا المصنوعات عن صانعها"٢.
وقيل الدهري من يقول بقدم الدهر، واستناد الحوادث إليه، ولكنه يقول بوجود الباري - تعالى -٣.
والدهرية فرقتان:
فرقة قالت: إن الخالق - سبحانه - لما خلق الأفلاك متحركة أعظم حركة، دارت عليه فأحرقته، ولم يقدر على ضبطها، وإمساك حركاتها.
وفرقة قالت: إن الأشياء ليس لها أول ألبتة، وإنما تخرج من القوة إلى الفعل، فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل، تكونت الأشياء مركباتها، وبسائطها، من ذاتها لا من شيء آخر.
وقالوا إن العالم دائم، لم يزل ولا يزال، لا يتغير، ولا يضمحل، ولا يجوز أن يكون المبدع يفعل فعلًا يبطل ويضمحل، إلا وهو يبطل ويضمحل مع فعله، وهذا العالم هو الممسك لهذه الأجزاء التي هي فيه٤.
فبعض الدهرية يقرون بخالق للأفلاك لكنهم يقولون بفنائه، وأن العالم بقي يسير نفسه. وبعضهم يجحد وجود خالق للعالم، ويقول بأن الشيء أوجد نفسه بخروجه من القوة إلى الفعل. فقولهم ظاهر الكفر، وهو خارج عن الفطرة التي خلق البشر عليها.
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/١٣٩ - ١٤٠، درء التعارض ٨/١٠٦، التبصير في الدين ص٨٩، تهافت الفلاسفة ص٧٩.
(٢) إغاثة اللهفان ٢/٢٥٥.
(٣) انظر: موسوعة مصطلحات جامع العلوم للنكري ص٤٣٢.
(٤) انظر: إغاثة اللهفان ٢/٢٥٥ - ٢٥٦.
[ ٣٨٥ ]
٦ - حكم تسمية الله بالدهر:
سبب الحديث عن تسمية الله بالدهر، ما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "قال الله - ﷿ - يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" ١، وللناس في هذا الحديث قولان معروفان، لأصحاب الإمام أحمد وغيرهم، أحدهما وهو قول أبى عبيد وأكثر العلماء أن هذا الحديث خرج الكلام فيه لرد ما يقوله أهل الجاهلية ومن أشبههم، فإنهم إذا أصابتهم مصيبة، أو منعوا أغراضهم، أخذوا يسبون الدهر والزمان، وهم يقصدون سب من فعل تلك الأمور، ويضيفونها إلى الدهر، فيقع السب على الله - تعالى - لأنه هو الذي فعل تلك الأمور.
والقول الثاني قول نعيم بن حماد، وطائفة معه من أهل الحديث، والصوفية، أن الدهر من أسماء الله - تعالى - ومعناه القديم الأزلي، وهذا المعنى صحيح لأن الله - سبحانه - هو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء، فهذا المعنى صحيح إنما النزاع في كونه يسمى دهرًا بكل حال، فقد أجمع المسلمون، وهو مما علم بالعقل الصريح، أن الله - ﷾ - ليس هو الدهر، الذي هو الزمان، أو ما يجرى مجرى الزمان٢.
٧ - هل الدهر قائم بنفسه؟
هل الدهر جوهر قائم بنفسه؟ هذا مما تنازع فيه الناس، فأثبته طائفة من المتفلسفة من أصحاب أفلاطون، كما أثبتوا الكليات المجردة في الخارج، التي تسمى المثل الأفلاطونية، والمثل المطلقة، وأثبتوا الهيولى التي هي مادة مجردة عن الصور، وأثبتوا الخلاء جوهرًا قائمًا بنفسه، وتابعه على هذا الرازي٣. وأما جماهير العقلاء من الفلاسفة وغيرهم فيعلمون أن هذا كله لا حقيقة له في الخارج، وإنما هي أمور يقدرها الذهن، ويفرضها، فيظن الغالطون أن هذا الثابت في الأذهان، هو بعينه ثابت في الخارج عن الأذهان٤.
_________________
(١) انظر تخريجه ص ٣٨٢من البحث.
(٢) انظر: الفتاوى ٢/٤٩٣ - ٤٩٤، بيان تلبيس الجهمية ١/١٢٤ - ١٢٦.
(٣) انظر: المطالب العالية ٥/٩١.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى ٢/٤٩٥، الكليات ص٤٤٤.
[ ٣٨٦ ]
فالدهر لفظ كلي، ليس له جوهر قائم بنفسه، إنما له معنى يقدره الذهن.
٨ - حكم سب الدهر:
إن الحديث السابق صريح في النهي عن سب الدهر مطلقًا، سواء اعتقد أنه فاعل، أو لم يعتقد ذلك، كما يقع كثيرًا ممن يعتقد الإسلام١. وفي سب الدهر ثلاث مفاسد عظيمة؛ إحداها: سبه من ليس بأهل أن يسب، فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله، منقاد لأمره مذلل لتسخيره، فسابه أولى بالذم والسب منه.
الثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع وأنه مع ذلك ظالم.
الثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال، وفي حقيقة الأمر فرب الدهر - تعالى - هو المعطي المانع الخافض الرافع المعز المذل، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبتهم للدهر مسبة لله - ﷿ - ولهذا كانت مؤذية للرب - تعالى -.
فساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما؛ إما سبه لله، أو الشرك به. فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب من فعله فقد سب الله٢.
_________________
(١) انظر: تيسير العزيز الحميد ص ٥٤٤ - ٥٤٥.
(٢) انظر: زاد المعاد ٢/٣٥٤ - ٣٥٥.
[ ٣٨٧ ]
الصدفة
١ - معنى الصدفة في اللغة:
صادفت فلانًا أي لقيته١، ووجدته٢، والمصادفة الموافقة٣. وصادف فلانًا لقيه ووجده من غير موعد ولا توقع٤. وصادفه مصادفة وجده ولقيه على غير قصد٥.
فالمصادفة في اللغة تدل على وقوع الشيء اتفاقًا، من غير قصد وترتيب مسبق.
٢ - معنى الصدفة في الاصطلاح:
ورد في المعجم الفلسفي أن "الصدفة اتفاق مجهول العلة، أو تزامن لسلسلتين عليتين مستقلتين، أو هي سلب الضرورة"٦.
والمصادفة عند أرسطو هي اللقاء العرضي الشبيه باللقاء القصدي، أو هي العلة العرضية المتبوعة بنتائج غير متوقعة، تحمل طابع الغائية٧.
وقيل إن المصادفة هي الأمر الذي لا يمكن تفسيره بالعلل الفاعلة، ولا بالعلل الغائية٨.
وقيل المصادفة هي "خلو النظام الكوني من الإله"٩، وهو قول بعض الملاحدة أن هذا العالم بكل ما فيه من إتقان وإبداع باهر وجد بطريق الصدفة، وليس له موجد أوجده، ولا يمكن تفسيره بأنه له علة فاعلة، ولا علة غائية.
_________________
(١) انظر: العين ٧/١٠٢.
(٢) انظر: الصحاح ٤/١٣٨٤، لسان العرب ٩/١٨٨.
(٣) انظر: لسان العرب٩/١٨٨.
(٤) انظر: المعجم الوسيط ١/٥١٠.
(٥) انظر: محيط المحيط ص٥٠٢.
(٦) المعجم الفلسفي للدكتور الحفني ص١٦٦.
(٧) انظر: المعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا ٢/٣٨٣.
(٨) انظر: المرجع السابق ٢/٣٨٣.
(٩) العناية والمصادفة في الفكر الغربي المعاصرد. سارة بنت عبد المحسن ص٢٣.
[ ٣٨٨ ]
٣ - الرد على القائلين بالصدفة:
إن القول بأن هذا العالم بما فيه من بديع الصنع، وعجيب الخلق، قد وجد صدفة من تلقاء نفسه، وليس له موجد أوجده، قول مخالف للعقل والفطرة التي فطر الناس عليها؛ فإنها تشهد بضرورة وجود خالق عظيم أبدع هذا الكون، يقول الشهرستاني: "أما تعطيل العالم عن الصانع العليم، القادر الحكيم، فلست أراها مقالة، ولا عرفت عليها صاحب مقالة، إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدهرية، أنهم قالوا: كان العالم في الأزل أجزاء مبثوثة، تتحرك على غير استقامة، فاصطكت اتفاقًا، فحصل منها العالم بشكله الذي تراه عليه، ودارت الأكوار، وكرت الأدوار، وحدثت المركبات، ولست أرى صاحب هذه المقالة ممن ينكر الصانع، بل هو معترف بالصانع، لكنه يحيل سبب وجود العالم على البخت والاتفاق، احترازًا عن التعطيل، فما عدت هذه المسألة من النظريات التي يقام عليها برهان، فإن الفطرة السليمة الإنسانية شهدت - بضرورة فطرتها، وبديهة فكرتها - على صانع حكيم، قادر عليم، ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم - ١٠] "١.
ومن الأدلة العقلية التي تبطل القول بالصدفة ما يحكى عن أبى حنيفة - ﵀ - "أن قوما من أهل الكلام أرادوا البحث معه في تقرير توحيد الربوبية، فقال لهم: أخبروني - قبل أن نتكلم في هذه المسألة - عن سفينة في دجلة، تذهب فتمتلىء من الطعام والمتاع وغيره بنفسها، وتعود بنفسها، فترسي بنفسها، وتتفرغ وترجع، كل ذلك من غير أن يدبرها أحد؟ فقالوا: هذا محال، لا يمكن أبدًا! فقال لهم: إذا كان هذا محالًا في سفينة، فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟ "٢.
ومثل ذلك ما ذكره الإمام ابن القيم - ﵀ - في الرد على القائلين بالصدفة، حيث قال: "فسل المعطل الجاحد ما تقول في دولاب دائر على نهر، قد أحكمت آلاته وأحكم تركيبه، وقدرت أدواته أحسن تقدير وأبلغه، بحيث لا يرى الناظر فيه خللًا في مادته ولا في صورته، وقد جعل على حديقة عظيمة، فيها من كل أنواع الثمار والزروع، يسقيها
_________________
(١) نهاية الإقدام ص١٢٣ - ١٢٤.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية ١/٣٥ - ٣٦.
[ ٣٨٩ ]
حاجتها، وفي تلك الحديقة من يلم شعثها، ويحسن مراعاتها وتعهدها، والقيام بجميع مصالحها، فلا يختل منها شيء، ولا تتلف ثمارها، ثم يقسم قيمتها عند الجذاذ على سائر المخارج، بحسب حاجاتهم وضروراتهم، فيقسم لكل صنف منهم ما يليق به، ويقسمه هكذا على الدوام، أترى هذا اتفاقًا بلا صانع ولا مختار ولا مدبر؟ بل اتفق وجود ذلك الدولاب والحديقة وكل ذلك اتفاقًا من غير فاعل ولا قيم ولا مدبر، أفترى ما يقول لك عقلك في ذلك لو كان؟ وما الذي يفتيك به؟ وما الذي يرشدك إليه؟ "١.
ويقول عالم الوراثة والبيئة الدكتور جون وليام كلوتس: "إن هذا العالم الذي نعيش فيه قد بلغ من الإتقان، والتعقيد، درجة تجعل من المحال أن يكون نشأ بمحض المصادفة، إنه مليء بالروائع، والأمور المعقدة، التي تحتاج إلى مدبر، والتي لا يمكن نسبتها إلى قدر أعمى. ولا شك أن العلوم قد ساعدتنا على زيادة فهم، وتقدير، ظواهر هذا الكون المعقدة، وهي بذلك تزيد من معرفتنا بالله، ومن إيماننا بوجوده"٢.
ويقول الفلكي كريسي موريسون: "ومثل هذه المجموعة من المعجزات لا يوجد، ولا يمكن أن يحدث بأي حال في غيبة الحياة، وكل ذلك يتم في نظام كامل، والنظام مضاد إطلاقًا للمصادفة، أليس ذلك كله من صنع الخالق؟ "٣.
ويقال للقائلين بالصدفة:" لو أن هزة أرضية قلبت صناديق الحروف في مطبعة، بها نصف مليون حرف فخلطتها ببعضها، فأخبرنا صاحب المطبعة أنه تكون من اختلاط الحروف صدفة عشر كلمات متفرقة، فالمسألة تحتمل التصديق وتحتمل النفي، لكنه لو أخبرنا بأن الكلمات العشر كونت جملة مفيدة لازدادت درجة النفي، والاستبعاد، لكننا قد لا نجزم بالاستحالة، ولو أخبرنا بأن الحروف المبعثرة كونت كتابًا من مائة صفحة، وبه قصيدة كاملة منسجمة بألفاظها، وأوزانها، فالاستحالة في هذه الحالة بحكم البديهية. والمسألة في الكون وأجزائه، وما فيها من إتقان وإحكام وعناية، أعقد بكثير من مثال حروف المطبعة،
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ٢/٦٩.
(٢) الله يتجلى في عصر العلم ص٥٤.
(٣) العلم يدعو للإيمان تأليف أ. كريسي موريسون ص ١٥٦.
[ ٣٩٠ ]
لأن الحروف هنا جاهزة معبأة في صناديقها. إن الصدفة في مجال الكون مستحيلة في ذاتها فضلًا عن أن ينبثق عنها هذا الإحكام والنظام، ولو سلمنا جدلًا بصدفة واحدة في البداية، فهل يقبل عقلنا بسلسلة طويلة متتابعة من المصادفات؟ "١.
فالقول بالصدفة إذًا ليس مذهبا أقيم عليه شيء من البرهان، بل هو محض افتراض، مرفوض بالعقل والفطرة والحس.
_________________
(١) عقيدة التوحيد للدكتور محمد ملكاوي ص١٤٩ - ١٥٠.
[ ٣٩١ ]
الطبيعة
١ - معنى الطبيعة في اللغة:
قال الخليل: "الطَّبَع الوسخ الشديد على السيف، والرجل إذا لم يكن له نفاذ في مكارم الأمور..وفلان مطبوع على خلق سيء، وعلى خلق كريم..وما جعل في الإنسان من طباع المأكل، والمشرب، وغيره من الأطبعة التي طبع عليها، والطبيعة الاسم، بمنزلة السجية والخليقة ونحوه، والطَّبْع الختم علي الشيء..وطَبَع الله الخلق: خلقهم"١.
وقال ابن منظور: "طبعه الله على الأمر يطبعه طبعًا فطره، وطبع الله الخلق على الطبائع التي خلقها، فأنشأهم عليها..والطباع ما ركب في الإنسان من جميع الأخلاق، التي لا يكاد يزاولها من الخير والشر، والطبع ابتداء صنعة الشيء، تقول طبعت اللبن طبعًا، وطبع الدرهم والسيف وغيرهما يطبعه طبعًا صاغه"٢.
فالطبيعة في اللغة السجية والخليقة، وما ركب في الإنسان من جميع الأخلاق.
٢ - معنى الطبيعة في الاصطلاح:
ورد لفظ طبع ويطبع ونحوها في كتاب الله، قال - تعالى -: ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون - ٣]، وقال - سبحانه -: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف - ١٠١]، ومن السنة قول رسول الله - ﷺ -: "إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا" ٣. قال الراغب: "الطبع أن تصور الشيء بصورة ما، كطبع السكة، وطبع الدراهم، وهو أعم من الختم، وأخص من النقش..وبه
_________________
(١) العين ٢/٢٢ - ٢٣، وانظر: الصحاح ٣/١٢٥٢ - ١٢٥٣، معجم مقاييس اللغة ٣/٤٣٨.
(٢) لسان العرب ٨/٢٣٢ - ٢٣٤، وانظر: المصباح ٢/٢٦٨ - ٢٦٩، المغرب ص٢٨٧.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين ٤/٢٠٥٠، ح ٢٦٦١.
[ ٣٩٢ ]
اعتبر الطبع، والطبيعة، التي هي السجية؛ فإن ذلك هو نقش النفس بصورة ما؛ إما من حيث الخلقة؛ وإما من حيث العادة، وهو فيما ينقش به من حيث الخلقة أغلب"١.
ويقول الإمام ابن القيم: "الطبيعة التي هي بمعنى الجبلة، والخليقة"٢.وقال - ﵀ -: "الطبيعة قوة وصفة، فقيرة إلى محلها، محتاجة إلى حامل لها"٣.
ويقول الجرجاني: "الطبيعة عبارة عن القوة السارية في الأجسام، بها يصل الجسم إلى كماله الطبيعي"٤.
والطبيعة عند جمهور المسلمين صفة قائمة بالأجسام، وهي القوى التي خلقها الله في الأجسام٥، وتجري بها كيفيات الأجسام على ما خلقها الله عليه، مؤثرة وفق تدبير الله لها.
فجمهور المسلمين يقولون بالحق الذي دل عليه المنقول والمعقول، فيثبتون ما لله في خلقه وأمره من الأسباب والحِكَم، وما جعله الله في الأجسام من القوى، والطبائع، في الحيوان، وفي الجماد، لكنهم مع إثباتهم للأسباب، والحِكَم، لا يقولون بقول الطبائعية من الفلاسفة وغيرهم، بل يقولون إن الله خالق كل شي وربه ومليكه، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ويعلمون أن الأسباب هي مخلوقة لله، بمشيئته وقدرته، ولا تزال مفتقرة إلى الله، لا يقولون أنها معلولة له، أو متولدة عنه، كما يقوله الفلاسفة، ولا أنها مستغنية عنه بعد الإحداث، كما يقوله من يقوله من أهل الكلام، بل كل ما سوى الله - تعالى - دائم الفقر والاحتياج إليه٦.
_________________
(١) المفردات ص٥١٥.
(٢) أحكام أهل الذمة ٢/١٠٤٣.
(٣) طريق الهجرتين ص٢٠٤.
(٤) التعريفات ص ١٨٢، وانظر: التوقيف ص٤٧٨.
(٥) انظر: الصفدية ١/١٥٤بتصرف.
(٦) انظر: الصفدية ١/١٥٤، إعلام الموقعين ٢/٢٩٨ - ٢٩٩، طريق الهجرتين ص٢٠٤.
[ ٣٩٣ ]
٣ - معنى الطبيعة عند الفلاسفة:
يقول جابر بن حيان في تعريف الطبيعة: "وأما حد الطبيعة، فإنها من حيث الفعل مبدأ حركة وسكون عن حركة "١.
ويقول الخوارزمي: "الطبيعة هي القوة المدبرة لكل شيء مما هو في العالم الطبيعي، والعالم الطبيعي هو كل ما تحت فلك القمر إلى مركز الأرض"٢.
وقال ابن سينا: "الطبيعة مبدأ أول بالذات لحركة ما هي فيه بالذات، وسكونه بالذات، وبالجملة لكل تغير وثبات ذاتي"٣.
ويوضح هذه الأقوال قول ابن رشد: "أكثر ما تطلق الحكماء اسم الطبيعة، على كل قوة تفعل فعلًا عقليًا، أي جاريًا مجرى الترتيب والنظام الذي في الأشياء العقلية، لكن نزهوا السماء عن مثل هذه القوة؛ لكونها عندهم هي التي تعطي هذه القوة المدبرة، في جميع الموجودات"٤. ويقول: "إن الطبيعة إذا كانت تفعل فعلًا في غاية النظام، من غير أن تكون عاقلة، إنها ملهمة من قوى فاعلة هي أشرف منها وهي المسمى عقلًا"٥.
فالطبيعة عند الفلاسفة قوة تفعل فعلًا عقليًا، تدبر فيه كل ما تحت فلك القمر إلى الأرض، وهي مبدأ أول لذلك. فهي قوة مستقلة بالتأثير عما فوقها، وإن كانت متولدة عنها.
ومن الطبيعيين من يقول بأن الطبيعة هي التي أوجدت نفسها، وهي التي تخلق بنظام، وبدون نظام، يقول دارون: "إن الطبيعة تخلق كل شيء، ولا حد لقدرتها على الخلق"، وقال: "إن الطبيعة تخبط خبط عشواء"٦.
وأهل الطبايع هم الذين قالوا بقدم الأرض والماء والنار والهواء٧.
_________________
(١) الحدود لجابر بن حيان ضمن المصطلح الفلسفي للأعسم ص ١٨٤.
(٢) الحدود للخوارزمي ضمن المصطلح الفلسفي للأعسم ص٢١٠.
(٣) الحدود لابن سينا ضمن المصطلح الفلسفي للأعسم ص٢٤٧.
(٤) تهافت التهافت ص٢٦٦.
(٥) تفسير ما بعد الطبيعة ص١٥٠٢.
(٦) مذاهب فكرية معاصرة ص٩٤.
(٧) انظر: أصول الدين للبغدادي ص٥٩.
[ ٣٩٤ ]
٤ - الرد على الفلاسفة والطبائعيين:
قول الفلاسفة، والطبائعيين، في أن الطبيعة هي المدبرة لما في العالم، قول في غاية الفساد، ولم يقدم الطبائعيون دليلًا على ما صاروا إليه من القول بقدرة الطبيعة على الخلق، بل العلم الحديث يبطل ما قالوه، ومن وجوه بطلان قولهم:
أولًا: أن الفعل المنسق المنتظم لا يكون إلا من عالم حكيم، فكيف يفعل من ليس عالمًا، وليس قادرًا؟ فإن قالوا: ولو كان الفاعل حكيمًا لم يقع في بنائه خلل، ولا وجدت هذه الحيوانات المضرة، فعلم أنه بالطبع. قلنا: ينقلب هذا عليكم بما صدر منه من الأمور المنتظمة المحكمة، التي لا يجوز أن يصدر مثلها عن طبع، فأما الخلل المشار إليه فيمكن أن يكون للابتلاء، والردع، والعقوبة، أو في طيه منافع لا نعلمها١.
ثانيًا: أن يقال للطبائعيين: ماذا تعنون بكلمة الطبيعة؟ هل تعنون بها ذات الأشياء، أو صفاتها؟ فإن عنوا بالطبيعة ذات الأشياء فيكون على قولهم كل شيء خلق نفسه، فالسماء خلقت السماء، والأرض خلقت الأرض، فيصبح كل شيء هو الخالق والمخلوق، وبما أن المخلوق مفتقر إلى الخالق، فيكون هذا الشيء مفتقرًا لنفسه، وهو موجود، فيجتمع فيه النقيضان، لاستحالة أن يكون موجودًا معدومًا بنفس الوقت، كما يستحيل أن يكون خالقًا ومخلوقًا، وبهذا يظهر بطلان هذا الادعاء وتهافته.
وإن عنوا بكلمة الطبيعة صفات الأشياء وقابلياتها من حرارة وبرودة وملاسة وخشونة، فقولهم هذا أكثر تهافتًا من سابقه، لأن من البديهيات أن الصفات والقابليات لا تقوم إلا بذات الأشياء، فهي مفتقرة للأشياء، فالصفة دائمًا مفتقرة إلى الموصوف لأنها لا تظهر إلا به، وإذا كانت الأشياء الموصوفة ذاتها عاجزة عن إيجاد نفسها، فعجز الصفة والقابلية عن إيجاد موصوفاتها من باب أولى، بل إن الصفة نفسها بحاجة إلى موجد يوجدها في موصوفها، لأن الموصوف كما هو عاجز عن إيجاد نفسه، فهو عاجز عن إيجاد صفته٢.
_________________
(١) انظر: تلبيس إبليس ص٥٨.
(٢) انظر: عقيدة التوحيد في القرآن الكريم للدكتور محمد ملكاوي ص١٤٤ - ١٤٥، مفتاح دار السعادة١/٢٦١.
[ ٣٩٥ ]
ثالثًا: أن الطبع لا يكون مبدءًا لحركة الجسم، وانتقال أصله، إلا إذا أخرج عن طبعه بغير طبعه، كما يجمع بين الأجسام بالمزج والخلط، فتنتقل عن مراكزها ومحالها، المخالف لمقتضي طبعها، وعند التحقيق يعود الطبع إلى أنه ليس فيها سبب للحركة عن حالها وسكونها، فيكون الطبع بمنزلة السكون وعدم الحركة، أو أمرًا وجوديًا منافيًا للحركة، فالحركة الواردة عليها مخالفة له، والطبع جمود، وهي تنتقل عن إرادة وحركة فعلم بطلان إصابة شيء من الحوادث العرضية عن مجرد الطبع الذي في الموات، فكيف بالحوادث الجوهرية. والإرادة والاختيار مستلزمة للحياة والعلم، كما أن الحياة أيضًا مستلزمة للعلم وللإرادة بل وللإرادة والحركة كما قرر ذلك عثمان بن سعيد وغيره من أئمة السنة١.
رابعًا: أن يقال: "من أين للطبيعة هذا الاختلاف، والفرق الحاصل في النوع الإنساني بين صورهم؟ فقلّ أن يرى اثنان متشابهان من كل وجه، وذلك من أندر ما في العالم، بخلاف أصناف الحيوان كالنعم والوحوش والطير وسائر الدواب..والحكمة البالغة في ذلك أن الناس يحتاجون إلى أن يتعارفوا بأعينهم، وحلاهم، لما يجرى بينهم من المعاملات، فلولا الفرق والاختلاف في الصور، لفسدت أحوالهم، وتشتت نظامهم، ولم يعرف الشاهد من المشهود عليه، ولا المدين من رب الدين، ولا البائع من المشتري..وفي ذلك أعظم الفساد والخلل، فمن الذي ميز بين حلاهم، وصورهم، وأصواتهم، وفرق بينها بفروق لا تنالها العبارة، ولا يدركها الوصف؟ فسل المعطل: أهذا فعل الطبيعة؟ وهل في الطبيعة اقتضاء هذا الاختلاف والافتراق في النوع؟ وأين قول الطبائعيين أن فعلها متشابه لأنها واحدة في نفسها، لا تفعل بإرادة ولا مشيئة فلا يمكن اختلاف أفعالها! فكيف يجمع المعطل بين هذا وهذا؟ ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج - ٤٦] "٢.
ويقول أحد العلماء الغربيين:"..مما لا يتفق مع العقل والمنطق، أن يكون ذلك التصميم البديع للعالم من حولنا، إلا من إبداع إله أعظم، لا نهاية لتدبيره وإبداعه..حقيقة إن هذه طريقة قديمة من طرق الاستدلال على وجود الله، ولكن العلوم الحديثة قد جعلتها أشد
_________________
(١) انظر: قاعدة في المحبة ص١٩٥ - ١٩٦.
(٢) مفتاح دار السعادة ٢/٢١٣ - ٢١٤.
[ ٣٩٦ ]
بيانًا، وأقوى حجة منها في أي وقت مضى..إن الطبيعة لا تستطيع أن تصمم أو تبدع نفسها، لأن كل تحول طبيعي، لابد أن يؤدي إلى نوع من أنواع ضياع النظام، أو تصدع البناء العام"١.
ويقول جورج إيل دافز، عالم الطبيعة: "فالمنطق الذي نستطيع أن نأخذ به، والذي لا يمكن أن يتطرق إليه الشك، هو أنه ليس هناك شيء مادي يستطيع أن يخلق نفسه"٢.
وبهذا يتبين أن قول الطبائعيين ظاهر الفساد، ومناقض للفطرة والعلم والعقل.
_________________
(١) الله يتجلى في عصر العلم ص٩٧ - ٩٩.
(٢) المرجع السابق ص٤١.
[ ٣٩٧ ]
الاتحاد
١ - معنى الاتحاد في اللغة:
جاء في الصحاح "واستأحد الرجل انفرد"١. واستأحد واتحد انفرد٢.
وفي المعجم الوسيط: "اتحد انفرد، واتحد الشيئان، أو الأشياء صارت شيئًا واحدًا"٣.
ولم يرد كلام عن لفظ الاتحاد في كتب اللغة المتقدمة٤، والمفهوم مما سبق أن الاتحاد يعني الانفراد، كما يعني كون الأشياء شيئًا واحدًا.
كما لم يرد لفظ الاتحاد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله - ﷺ -.
٢ - معنى الاتحاد في الاصطلاح:
يقول القاضي عبد الجبار في بيان معنى الاتحاد: "أما الكلام في الاتحاد فالأصل فيه أن نبين حقيقته أولًا. اعلم أن الاتحاد في اللغة افتعال من الوحدة، لأنهم متى اعتقدوا في الشيئين أنهما صارا شيئًا واحدًا يقولون إنهما اتحدا، والشيئان وإن استحال أن يصيرا شيئًا واحدًا، إلا أنهم إذا اعتقدوا صحته لم يكونوا مخطئين في التسمية، وإنما خطؤهم في المعنى"٥.
ويعرف الغزالي لفظ الاتحاد بشكل عام فيقول: "الاتحاد اسم مشترك، فيقال اتحاد لاشتراك أشياء في محمول واحد ذاتي أو عرضي، مثل اتحاد الكافور والثلج في البياض، والإنسان والثور في الحيوانية. ويقال اتحاد لاشتراك محمولات في موضوع واحد، مثل اتحاد الطعم والرائحة في التفاح. ويقال اتحاد لاجتماع الموضوع والمحمول في ذات واحدة، كجزئي الإنسان من البدن
_________________
(١) الصحاح ٢/٤٤٠، وانظر: معجم مقاييس اللغة ١/٦٧.
(٢) انظر: القاموس المحيط ص٣٣٨.
(٣) المعجم الوسيط ٢/١٠١٦.
(٤) حسب اطلاعي.
(٥) شرح الأصول الخمسة ص٢٩٥.
[ ٣٩٨ ]
والنفس. ويقال اتحاد لاجتماع أجسام كثيرة إما بالتتالي كالمائدة، وإما بالجنس كالكرسي والسرير، وإما باتصال أعضاء الحيوان.
وأحق هذا الباب باسم الاتحاد هو حصول جسم واحد بالعدد، من اجتماع أجسام كثيرة، لبطلان خصوصيتها؛ لأجل ارتفاع حدودها المنفردة، وبطلان استقلالاتها بالاتصال"١.
ويقول الجرجاني: "الاتحاد هو تصيير الذاتين واحدة، ولا يكون إلا في العدد من الاثنين فصاعدًا "٢.
هذه تعريفات الاتحاد بشكل عام، فالاتحاد هو حصول شيء واحد بالعدد، من اجتماع اثنين أو أجسام كثيرة. والاتحاد هو حقيقة قول أهل وحدة الوجود، كما أن القول بالاتحاد هو من أسس النصرانية المحرفة.
أ - الاتحاد عند أهل وحدة الوجود:
مذهب وحدة الوجود مذهب الذين يوحدون الله والعالم، ويزعمون أن كل شيء هو الله، وأن الله هو الموجود المطلق، والعالم مظهر من مظاهر الذات الإلهية.
وهو مذهب قديم أخذت به الرواقية٣، والأفلاطونية الحديثة٤، والصوفية٥.
يقول شيخ الإسلام - ﵀ - مبينًا حقيقة مذهب أهل وحدة الوجود، وسبب تسميتهم اتحادية: "حقيقة قول هؤلاء أن وجود الكائنات هو عين وجود الله - تعالى -، ليس وجودها غيره، ولا شيء سواه ألبتة..وأما وجه تسميتهم اتحادية، ففيه طريقان، أحدهما لا يرضونه، لأن الاتحاد على وزن الاقتران، والاقتران يقتضى شيئين، اتحد أحدهما بالآخر، وهم لا يقرون بوجودين أبدًا، والطريق الثاني صحة ذلك، بناء على أن الكثرة صارت وحدة"٦.
_________________
(١) معيار العلم ص٢٩٨.
(٢) التعريفات ص٢٩، وانظر: التوقيف على مهمات التعاريف ص٣١.
(٣) الرواقية نسبة إلى الرواق المصور بأثينا، الذي اتخذه زينون مقرًا له يجتمع فيه، فدعي أصحابه بالرواقيين، والرواقية فلسفة أخلاقية، بها تأثر الصوفية. انظر: الموسوعة الفلسفية للدكتور الحفني ص٢١٣ - ٢١٤.
(٤) الأفلاطونية الحديثة نسبة إلى أفلوطين ومن شايعه من الأفلاطونيين، وهي فلسفة دينية، دمج فيها الفكر القديم بما في ذلك فلسفة أرسطو، والمشائين، والرواقيين، والفيثاغوريين، والأفلاطونيين. انظر: الموسوعة الفلسفية للدكتور الحفني ص٥٦ - ٥٧.
(٥) انظر: المعجم الفلسفي للدكتور صليبا ٢/٥٦٩.
(٦) مجموع الفتاوى ٢/١٤٠ - ١٤١.
[ ٣٩٩ ]
فهم ينفون لفظ الاتحاد لأنه يعني أن الإثنينية، أو التعددية، هي الأصل في الوجود، وهم يرون خلاف ذلك.
فالاتحادية هم القائلون إن الوجود بأسره هو الحق، وأن الكثرة وهم، بل جميع الأضداد المتقابلة، والأشياء المتعارضة، الكل شيء واحد، هو معبودهم في زعمهم١.
ويظهر القول بوحدة الوجود، وبصورة جديدة، عند بعض فلاسفة الغرب، فهذا سبينوزا، الفيلسوف اليهودي الأصل، تظهر في فلسفته ملامح وحدة الوجود، حيث يتصور الطبيعة، أو الكون، ذات مظهرين، فهي فعالة حيوية خالقة من جهة، وهي منفعلة مخلوقة من جهة أخرى. وأن هذا الجانب المنفعل، هو المادة، وما تشتمل عليه الطبيعة من غابات وهواء وماء وغير ذلك، وهذه الطبيعة كلها من إنتاج الجانب الفعال وخلقه، وعندئذ يكون في الكون قوة خالقة تخلق الأشياء، وهي التي يسميها جوهر وهي الله - تعالى الله -، وفيه أشياء مخلوقة وهي الأعراض أو العالم، وهو يقول: "إن كل شيء كامن في الله، وكل شيء يحيا ويتحرك في الله". ويقول: "إن أعظم الخير هو معرفة الاتحاد بين العقل والطبيعة".فهو يرى أن الحقيقة هي أن انفصالنا الفردي مجرد وهم، وأننا أجزاء من مجرى القانون والسبب العظيم٢.كما يظهر في فلسفة كل من هيجل "١٧٧٠ - ١٨٣١م"، وشيلنج "١٧٧٥ - ١٨٥٤م"، وغيرهما من المثاليين الألمان، القول بوحدة الوجود، وأن المطلق هو الوجود الحقيقي، وأن الكثرة في حقيقتها واحدة٣.
فمذهب وحدة الوجود هو اعتقادهم بأن الكائنات المشهودة على كثرتها، هي عين وجود الله، وما هي إلا مظاهر لذاته المنبثة في الكون.
_________________
(١) انظر: معارج القبول ١/٣٧٠.
(٢) انظر: قصة الفلسفة لول ديورانت ص٢١٦ - ٢١٧، ٢٣٤.
(٣) انظر: المرجع السابق ص ٢٤٦، الموسوعة الفلسفية للدكتور الحفني ص٥١١ - ٥١٢، ٢٦٥، المعجم الفلسفي للدكتور صليبا ٢/٥٦٩.
[ ٤٠٠ ]
ب - معنى الاتحاد عند النصارى:
اختلف النصارى في معنى الاتحاد على عدة أقوال:
منهم من فسر الاتحاد بالاختلاط والامتزاج وهذا مذهب طوائف من اليعقوبية١ والنسطورية٢ والملكانية ٣، قالوا: إن الكلمة خالطت جسد المسيح ومازجته كما مازج الخمر الماء أو اللبن، فصارت شيئًا واحدًا وصارت الكثرة قلة.
وقال بعض النصارى المراد بالاتحاد ظهور اللاهوت على الناسوت، كظهور الصورة في المرآة، والنقش في الخاتم. وذهب كثير من هذه الطوائف إلى أن المراد بالاتحاد الحلول٤.
وعندهم أن الاتحاد لفظة مشتقة من الواحد٥.
وعلى هذا فالمراد بلفظ الاتحاد عند النصارى هو القول باختلاط وممازجة الكلمة لجسد المسيح، أو اقتران الذات الإلهية بالمسيح، أو حلول الذات الإلهية في المسيح.
٤ - الرد على الاتحادية:
اتفقت طوائف الأمة في الرد على الاتحادية؛ من أهل الوحدة، أو النصارى، وبيان باطلهم. وأدلة إبطال قولهم كثيرة، ومن وجوه الرد عليهم:
أولًا: أن كل آية في القرآن تبين أن لله ما في السماوات والأرض وما بينهما ونحو ذلك؛ فإنها تبطل هذا القول، فإن السماوات والأرض، وما بينهما، وما فيهما، إذا كان الجميع له
_________________
(١) اليعقوبية أصحاب يعقوب قالوا بالأقانيم الثلاثة إلا أنهم قالوا انقلبت الكلمة لحما ودما فصار الإله هو المسيح وهو الظاهر بجسده بل هو هو. انظر: الملل والنحل ١/٢٢٥.
(٢) النسطورية أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه، قال إن الله تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة الوجود والعلم والحياة، وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات، ولا هي هو، واتحدت الكلمة بجسد عيسى ﵇ لا على طريق الامتزاج كما قالت الملكانية، ولا على طريق الظهور به كما قالت اليعقوبية، ولكن كإشراق الشمس في كوة على بلورة، وكظهور النقش في الشمع إذا طبع بالخاتم. انظر: الملل والنحل ١/٢٢٤.
(٣) الملكانية أصحاب ملكا الذي ظهر بأرض الروم، واستولى عليها، ومعظم الروم ملكانية، قالوا إن الكلمة اتحدت بجسد المسيح وتدرعت بناسوته. انظر: الملل والنحل ١/٢٢٢.
(٤) انظر: الجواب الصحيح ٤/٧٩، التمهيد للباقلاني ص٨٦ - ٨٧، المغني للقاضي عبد الجبار٥/٨٢ - ٨٣.
(٥) انظر: مفاتيح العلوم ص٥٢.
[ ٤٠١ ]
وملكه ومخلوقه، امتنع أن يكون شيء من ذلك ذاته، فإن المملوك ليس هو المالك، والمربوب ليس هو الرب، والمخلوق ليس هو الخالق، ولهذا كان حقيقة قول الاتحادية أن المخلوق هو الخالق، والمصنوع هو الصانع، حتى إنه يمتنع عندهم أنه يكون الله رب العالمين، كما يمتنع أن يكون رب نفسه، إذ ليس العالمون شيئًا خارجًا عن نفسه عندهم، ومن كلام السلف والأئمة في الرد على هؤلاء، الأثر المشهور عن ابن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، لا نقول كما تقول الجهمية أنه ها هنا في الأرض. وقول الإمام أحمد هكذا هو عندنا١.
ثانيًا: يقول الرازي: "وأما القول بالاتحاد فهو أيضًا باطل، لأن الشيئين إذا اتحدا فهما حال الاتحاد إن كانا باقيين فهما اثنان لا واحد. وإن عدما معا كان الحاصل ثالثًا مغايرًا لهما، وإن بقي أحدهما وفني الآخر امتنع الاتحاد أيضًا لأن الموجود لا يكون عين المعدوم، فثبت بما ذكرنا أن القول بالحلول والاتحاد باطل"٢.
ثالثًا: أن الاتحادية يجمعون بين النفي العام والإثبات العام، فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال، وليس لها اسم ولا صفة ولا نعت، إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهو من هذه الجهة لا يرى، ولا اسم له. ويقولون إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون ترى الأشياء فيه. وهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقًا بلا ريب، فلم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود٣.
رابعًا: مما يرد به على النصارى في الألفاظ التي يحتجون بها على الحلول؛ مثل كون الرب ظهر فيه أو حل أو سكن، فإن هذه الألفاظ موجودة عندهم في حق غير المسيح، بخلاف لفظ
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية ٢/٥٢٥.
(٢) الأربعين في أصول الدين١/١٦٦٧، وانظر: المطالب العالية ٢/١٠٥، الكليات ص٣٧.
(٣) انظر: بغية المرتادص٤٧٣.
[ ٤٠٢ ]
الاتحاد فإنه لا يوجد عندهم عن الأنبياء لا في حق المسيح ولا غيره، كما لا يوجد عندهم عن الأنبياء لفظ الأقانيم١، ولا لفظ التثليث، ولا اللاهوت، والناسوت، فهم ابتدعوا ألفاظًا لم ينطق بها الأنبياء أثبتوا لها معاني، وابتدعوا استعمال ألفاظ الأنبياء في غير مرادهم، وحملوا مرادهم عليها، والألفاظ المتشابهة التي يحتجون بها على اتحاد اللاهوت بالناسوت موجودة عندهم في حق غير المسيح، فليس للمسيح خاصة في كلام الأنبياء توجب أن يكون هو الله، أو ابن الله، وتلك الألفاظ قد عرف باتفاقهم واتفاق المسلمين أن المراد بها حلول الإيمان بالله، ومعرفته وهداه، ونوره، ومثاله العلمي، في قلوب عباده الصالحين٢.
خامسًا: أن تصور مذهب هؤلاء كاف في بيان فساده، ولا يحتاج مع حسن التصور إلى دليل آخر، وإنما تقع الشبهة لأن أكثر الناس لا يفهمون حقيقة قولهم وقصدهم، لما فيه من الألفاظ المجملة والمشتركة٣.
فالاتحادية بجميع طوائفها عقيدة فاسدة، تبطل توحيد الربوبية، فضلًا عن توحيد الألوهية.
_________________
(١) الأقنوم لفظ قيل إنه رومي ومعناه الأصل، واختلف النصارى في معنى الأقانيم فبعضهم يقول الأقانيم خواص وبعضهم يقول صفاتوبعضهم يقول أشخاص. انظر: الجواب الصحيح ٣/٤٢٧، مفاتيح العلوم ص٥٢، تلبيس إبليس ص٩٨.
(٢) انظر: الجواب الصحيح ٤/٤٩٥ - ٤٩٦، وانظر ردودا أخرى في مجموع الفتاوى ٢/١٧١ - ١٧٢.
(٣) انظر: مجموعة الرسائل لابن تيمية ٤/٥.
[ ٤٠٣ ]
الحلول
١ - معنى الحلول في اللغة:
قال الخليل: "والحل والحلال والحلول والحلل جماعة الحال النازل"١.
وقال الجوهري: "وحل العذاب يحِل بالكسر، أي وجب، ويحُل بالضم أي نزل"٢.
وحلَّ بالمكان يحُل حلُولًا ومحَلًا وحَلًا، وذلك نزول القوم بمحلة، وهو نقيض الارتحال٣.
فالحلول من يحُل بمعنى النزول نقيض الارتحال، والحلول من يحِل بمعنى الوجوب.
٢ - معنى الحلول في الشرع:
ورد في كتاب الله - تعالى - الفعل يَحِل، وبعض تصريفاته، ومنها قوله - تعالى -: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه - ٨١] قال الراغب: "وحللت نزلت، أصله من حل الأحمال عند النزول، ثم جرد استعماله للنزول، فقيل: حل حلولًا، وأحله غيره"٤.
وورد في السنة أن رسول الله - ﷺ - قال: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة" ٥. قال النووي في معنى حلت له الشفاعة: "أي وجبت، وقيل نالته"٦.
_________________
(١) العين ٣/٢٦، وانظر: الصحاح ٤/١٦٧٢.
(٢) الصحاح ٤/١٦٧٤.
(٣) انظر: لسان العرب ١١/١٦٣، المصباح المنير ١/١٤٧.
(٤) المفردات ص٢٥١.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الأذان باب الدعاء عند النداء ١/٢٠٨، ح ٦١٤.
(٦) شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٨٧، وانظر: الفتح٢/٩٥ - ٩٦، تحفة الأحوذي١٠/٦٠
[ ٤٠٤ ]
٣ - معنى الحلول في الاصطلاح:
يقول الجرجاني في تعريف الحلول: "الحلول السرياني عبارة عن اتحاد الجسمين، بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، كحلول ماء الورد في الورد، فيسمى الساري حالًا والمسري فيه محلًا، الحلول الجواري عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفًا للآخر، كحلول الماء في الكوز"١.
ويبين شيخ الإسلام أنواع الحلولية فيقول: "الحلولية على وجهين، أحدهما: أهل الحلول الخاص، كالنصارى والغالية من هذه الأمة الذين يقولون بالحلول إما في علي، وإما في غيره، والثاني: القائلون بالحلول العام، الذين يقولون في جميع المخلوقات نحوا مما قالته النصارى في المسيح - ﵇ -، أو ما هو شر منه"٢.
والقائلون بالحلول العام هم الحلولية الذين يزعمون أن معبودهم في كل مكان بذاته، وينزهونه عن استوائه على عرشه، وعلوه على خلقه، ولم يصونوه عن أقبح الأماكن، وأقذرها وهؤلاء هم قدماء الجهمية، الذين تصدى للرد عليهم أئمة الحديث كأحمد بن حنبل وغيره٣.
فالحلول يقارب معنى الاتحاد من صيرورة الشيئين، شيئًا واحدًا، لذا يطلق على الاتحادية أهل الوحدة، بأنهم حلولية، كما يطلق على النصارى بأنهم حلولية؛ لأن بعضهم يفسر الاتحاد بالحلول، ولقرب معناهما من بعض.
٤ - الرد على الحلولية:
قول الحلولية باطل من عدة وجوه منها:
أولًا: أن لفظ الحلول لفظ مجمل يراد به معنى باطل، ويراد به معنى حق، وقد جاء في كلام الأنبياء لفظ الحلول بالمعنى الصحيح، فتأوله من في قلبه زيغ كالنصارى، وأشباههم على المعنى الباطل، وقابلهم آخرون أنكروا هذا الاسم بجميع معانيه، وكلا الأمرين باطل،
_________________
(١) التعريفات ص١٢، وانظر: الأربعين ص٤، الكليات ص ٣٩٠، موسوعة النكري ص٣٨١ - ٣٨٢.
(٢) الدرء ٦/١٥١، وانظر: مجموع الفتاوى ١٠/٥٩، ١٢/٢٩٣، الفرق بين الفرق ص٢٤١وما بعدها.
(٣) انظر: معارج القبول ١/٣٧٠.
[ ٤٠٥ ]
فالناس يقولون أنت في قلبي، أو ساكن في قلبي، وأنت حال في قلبي، ونحو ذلك، وهم لا يريدون أن ذاته حلت فيه ولكن يريدون أن تصوره وتمثله وحبه وذكره حل في قلبه١.
ثانيًا: أن الحلولية من الصوفية والنصارى جعلوا توحيدهم هو القول بالحلول، وقد كان أئمة القوم يحذرون عن مثل هذا، سئل الجنيد عن التوحيد فقال: هو إفراد الحدوث عن القدم، فبين أنه لابد للموحد من التمييز بين القديم الخالق، والمحدث المخلوق، فلا يخلط أحدهما بالآخر. وكثير من الحلولية والإباحية ينكر على الجنيد، وأمثاله، من شيوخ أهل المعرفة، المتبعين للكتاب والسنة، ما قالوه من نفي الحلول، وما قالوه في إثبات الأمر والنهي، ويرى أنهم لم يكملوا معرفة الحقيقة كما كملها هو وأمثاله من الحلولية والإباحية٢.
ثالثًا: أن سلف الأمة وأئمتها، أئمة أهل العلم والدين، أثبتوا وآمنوا بجميع ما جاء به الكتاب والسنة، من غير تحريف للكلم عن مواضعه، أثبتوا أن الله فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، وهم بائنون منه، وهو أيضًا مع العباد عمومًا بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وهو أيضًا قريب مجيب٣. وهذا لايستلزم حلوله في خلقه.
وما سبق به الرد على الاتحادية يرد به على الحلولية، لأن فحوى القولين واحد.
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح ٤/٣٧١، ٣/٣٤٥.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ٥/١٢٦.
(٣) انظر: المرجع السابق ٥/١٢٦.
[ ٤٠٦ ]
التثليث
١ - معنى التثليث في اللغة:
قال الجوهري: "الثلاثة في عدد المذكر، والثلاث في عدد المؤنث..وأثلث القوم صاروا ثلاثة "١.
وثلث الاثنين، يثلثهما، ثلثًا، صار لهما ثالثًا، وثلثت القوم، أثلثهم، إذا كنت ثالثهم، وكملتهم ثلاثة بنفسك٢.
والتثليث أن تسقي الزرع سقية أخرى بعد الثنيا٣. فالتثليث إذًا كون الشيء ثلاثة في العدد.
٢ - معنى التثليث في الشرع:
ورد في كتاب الله وفي سنة رسوله - ﷺ - لفظ ثالث وثلاثة ونحوها، قال - تعالى -: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة - ٧٣]، وقال - تعالى -: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء - ١٧١]، قال شيخ الإسلام - ﵀ -: "فذكر - سبحانه - في هذه الآية التثليث، والاتحاد، ونهاهم عنهما، وبين أن المسيح إنما هو رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، ثم قال: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ ولم يذكر هنا أمه "٤. ومن السنة قوله - ﷺ -: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى" ٥.
_________________
(١) الصحاح ١/٢٧٤ - ٢٧٦، وانظر: معجم مقاييس اللغة ١/٣٨٥.
(٢) انظر: لسان العرب ٢/١٢١.
(٣) انظر: المرجع السابق ٢/١٢٤.
(٤) الجواب الصحيح ٢/١٥.
(٥) أخرجه مسلم في كتاب باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد٢/١٠١٤، ح ١٣٩٧، وبنحوه البخاري في كتاب فضل الصلاة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة ١/٣٦٧، ح ١١٨٩.
[ ٤٠٧ ]
والتثليث هو اعتقاد النصارى أن الله ثالث ثلاثة، أب وابن وزوجة، أو الأب والابن والروح القدس، يقول ابن عباس - ﵁ - في تفسير قوله - تعالى -: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء - ١٧١] " يريد بالتثليث الله - تعالى - وصاحبته وابنه"١. ويقول الطبري إن النصارى قبل افتراقهم: "يقولون الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم، أبًا والدًا غير مولود، وابنًا مولودًا غير والد، وزوجة متتبعة بينهما"٢. كما يذكر القاضي عبد الجبار إن معنى التثليث عند النصارى هو: "إنه - تعالى - جوهر واحد، وثلاثة أقانيم: أقنوم الأب، يعنون به ذات الباري عز اسمه؛ وأقنوم الابن، أي الكلمة، وأقنوم روح القدس، أي الحياة"٣.
وقال القرطبي: "والنصارى مع فرقهم مجمعون على التثليث، ويقولون إن الله جوهر واحد وله ثلاثة أقانيم، فيجعلون كل أقنوم إلهًا، ويعنون بالأقانيم الوجود والحياة والعلم، وربما يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس، فيعنون بالأب الوجود، وبالروح الحياة، وبالابن المسيح..ومحصول كلامهم يؤول إلى التمسك بأن عيسى إله بما كان يجريه الله - ﷾ - على يديه من خوارق العادات"٤.
ويقول الدكتور يوسف بوست، في قاموس الكتاب المقدس: "طبيعة الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية: الله الأب، والله الابن، والله الروح القدس، فإلى الأب ينتمي الخلق بواسطة الابن، وإلى الابن الفداء وإلى الروح القدس التطهير، غير أن الثلاثة الأقانيم تتقاسم جميع الأعمال الإلهية على السواء"٥.
وهذا يبين مدى الشرك الذي عليه النصارى، إذ أثبتوا ثلاثة أرباب فاعلين.
_________________
(١) تفسير القرطبي ٦/٢٣.
(٢) تفسير الطبري ٦/٣١٣.
(٣) شرح الأصول الخمسة ص٢٩١، وانظر: المغني للقاضي عبد الجبار ٥/٨١، تلبيس إبليس ص٩٨.
(٤) تفسير القرطبي ٦/٢٣.
(٥) قاموس الكتاب المقدس ص ١٣، نقلا عن مقارنة الأديان للدكتور أحمد شلبي ٢/١٣٤ - ١٣٥.
[ ٤٠٨ ]
٣ - الرد على النصارى:
لقد رد كثير من الأئمة على قول النصارى بالتثليث، وبينوا مدى مخالفته للعقل ولشرائع الأنبياء، ومن وجوه الرد عليهم:
أولًا: أنه لا يوجد في كلام الأنبياء ما يدل على ما ذكروه من التثليث، بل إثبات ما ادعوه من التثليث والتعبير عنه بهذه الألفاظ هو مما ابتدعوه لم يدل عليه لا شرع ولا عقل١، بل التوراة التي يؤمنون بها ليس فيها أي ذكر للتثليث.
ثانيًا: يقال لهم: أخالق العالم عندكم خالق واحد، وهو إله واحد، أم للعالم ثلاثة آلهة خالقون؟ فإن قالوا إن الخالق واحد، وهم ثلاثة آلهة خالقون، كما أنهم في كثير من كلامهم يصرحون بثلاثة آلهة، وثلاثة خالقين، ثم يقولون إله واحد، وخالق واحد، فيقال هذا تناقض ظاهر، فإما هذا وإما هذا، وإذا قلتم الخالق واحد له ثلاث صفات، لم ننازعكم في أن الخالق له صفات لكن لا يختص بثلاثة، فإن قالوا بثلاثة آلهة خالقين، كما قد كثر منهم في كثير من كلامهم، بان أن شركهم أعظم من كل شرك في العالم، فغاية المجوس الثنوية إثبات اثنين نور وظلمة، وهؤلاء يثبتون ثلاثة، ثم الأدلة السمعية في التوراة، والإنجيل والزبور وسائر كلام الأنبياء، مع الأدلة العقلية المبينة لكون الخالق واحدًا، كثيرة جدًا لا يمكن حصرها٢.
ثالثًا: أنهم اضطربوا واختلفوا في معنى أقنوم الابن، تارة يقولون هو علم الله، وتارة يقولون هو حكمة الله، وتارة يقولون هو كلمة الله، وتارة يقولون هو نطق الله. وروح القدس تارة يقولون هو حياة الله، وتارة يقولون هو قدرة الله. والكتب المنقولة عن الأنبياء عندهم، ليس فيها تسمية شيء من صفات الله، لا باسم ابن، ولا باسم روح القدس، فلا يوجد أن أحدًا من الأنبياء سمى علم الله، وحكمته، وكلامه، ابنًا، ولا سمى حياة الله، أو قدرته، روح القدس٣. فشرك النصارى وكفرهم ظاهر في قولهم بالتثليث، وهو مما حرفوا به دين عيسى - ﵇ -.
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح ٣/١٨٤.
(٢) انظر: المرجع السابق ٤/٢٧١.
(٣) انظر: المرجع السابق ٣/٤٢٧ - ٤٢٨، هداية الحيارى ص١٤٨ - ١٥٣.
[ ٤٠٩ ]
الثنوية
١ - معنى الثنوية في اللغة:
قال الخليل: "ثنَّيْتُ الشيء تثنية جعلته اثنين، وثَنَى رجله عن دابته ضم ساقه إلى فخذه فنزل عن دابته، وثنيّت الرجل فأنا ثانيه، وأنت أحد الرجلين لا يتكلم به إلا كذلك.. لا يقال ثنيت فلانًا أي صرت ثانيه كراهية الالتباس، وتقول صرت له ثانيًا، أو معه ثانيًا"١.
والثني ضم واحد إلى واحد، وكذا التثنية٢. فالتثنية هي ضم واحد لآخر ليكونا اثنين.
وقد ورد في كتاب الله لفظ اثنين واثنتين واثنان ونحوها قال - تعالى -: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة - ٤٠] . وورد في السنة مثل ذلك ومنه قوله - ﷺ -: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان" ٣.
٢ - معنى الثنوية في الاصطلاح:
الثنوية من المجوس قالوا بإلهين اثنين هما النور والظلمة، وقالوا بأزلية النور واختلفوا في أزلية الظلمة، يقول شيخ الإسلام في تعريف هذه الفرقة: "الثنوية من المجوس ونحوهم يقولون إن العالم صادر عن أصلين؛ النور والظلمة، والنور عندهم هو إله الخير المحمود، والظلمة هي الإله الشرير المذموم"٤.
وقال في تفصيل قولهم: "وأما المجوس الثنوية فهم أشهر الناس قولًا بإلهين، لكن القوم متفقون على أن الإله الخير المحمود هو النور الفاعل للخيرات، وأما الظلمة التي هي فاعل الشرور فلهم
_________________
(١) العين ٨/٢٤٢، وانظر: الصحاح ٦/٢٢٩٥، لسان العرب١٤/١١٥.
(٢) انظر: المغرب ص٧٠.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الأقضية، باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان ٣/١٣٤٢؛ ١٧١٧وبنحوه البخاري في كتاب الأحكام، باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان ٦/٢٦١٦، ح ٦٧٣٩.
(٤) الجواب الصحيح ١/٣٥١، وانظر: مجموع الفتاوى ٣/٩٧.
[ ٤١٠ ]
فيها قولان: أحدهما: أنه محدث حدث عن فكرة رديئة من النور، وعلى هذا فتكون الظلمة مفعولًا للنور. لكنهم جهال أرادوا تنزيه الرب عن فعل شر معين فجعلوه فاعلًا لأصل الشر، ووصفوه بالفكرة الرديئة التي هي من أعظم النقائص، وجعلوها سببًا لحدوث أصل الشر. والقول الآخر قولهم إن الظلمة قديمة كالنور، فهؤلاء أثبتوا قديمين، لكن لم يجعلوهما متماثلين ولا مشتركين في الفعل، بل يمدحون أحدهما ويذمون الآخر"١.
ويرى جماعة من النظار كالباقلاني، والجويني، والقاضي عبد الجبار، والشهرستاني، وابن الجوزي؛ أن الثنوية تختلف عن المجوس، لقول الثنوية بقدم الأصلين النور والظلمة، وقول المجوس بقدم النور وحدوث الظلمة. يقول الشهرستاني: "الثنوية هؤلاء هم أصحاب الاثنين الأزليين، يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان، بخلاف المجوس فإنهم قالوا بحدوث الظلام، وذكروا سبب حدوثه"٢.
ويقول ابن الجوزي: "الثنوية وهم قوم قالوا صانع العالم اثنان؛ ففاعل الخير نور، وفاعل الشر ظلمة، وهما قديمان لم يزالا ولن يزالا قويين، حساسين، سميعين، بصيرين، وهما مختلفان في النفس والصورة، متضادان في الفعل والتدبير"٣.
وقد افترقت الثنوية إلى عدة فرق ذكر بعضها الرازي حيث يقول: "الثنوية وهم أربع فرق الفرقة الأولى: المانوية أتباع ماني..قال إن للعالم أصلين نور وظلمة وكلاهما قديمان.
الثانية: الديصانية وهم يقولون بالنور والظلمة أيضًا، والفرق بينهم وبين المانوية أنهم يقولون: إن النور والظلمة حيان والديصانية يقولون إن النور حي والظلمة ميتة.
الثالثة: المرقونية وهم يثبتون متوسطًا بين النور والظلمة، ويسمون ذلك المتوسط المعدل.
الرابعة: المزدكية أتباع مزدك بن نامدان ادعى النبوة وأظهر دين الإباحة"٤.
_________________
(١) درء التعارض ٩/٣٤٦.
(٢) الملل والنحل ١/٢٤٤، وانظر: التمهيد ص٦٨، الشامل للجويني ص١١٨، المغني للقاضي عبد الجبار ٥/١٠، تلبيس إبليس ص٥٩.
(٣) تلبيس إبليس ص٥٩.
(٤) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص١٠٤ - ١٠٧، وانظر: الملل والنحل ١/٢٤٤ - ٢٥٤.
[ ٤١١ ]
واعتقاد الثنوية بوجود إلهين للعالم مذهب ظاهر الفساد، ترفضه الفطرة والعقل الصحيح، ولا يستحق صرف الوقت في نقضه. يقول القاضي عبد الجبار: "اعلم أن كثيرًا من المذاهب يستغنى بذكر تفصيله عن التشاغل بذكر نقضه وإفساده؛ لتناقضه في نفسه وكونه غير مبني على الأدلة والحجاج وعلى أصول مقررة، ولكون كثير منه غير معقول، ومذاهب الثنوية من هذا القبيل "١.
_________________
(١) المغني للقاضي عبد الجبار ٥/٩، وانظر في الرد على الثنوية التمهيد للباقلاني ص٦٨ - ٧٥، الشامل ص١٢٩ - ١٣٠.
[ ٤١٢ ]
السحر
١ - معنى السحر في اللغة:
قال الخليل بن أحمد: "السحر كل ما كان من الشيطان فيه معونة، والسحر الأخذة التي تأخذ العين، والسحر البيان في الفطنة، والسَّحْر فعل السِّحْر.. والسَّحْر الغذو كقول امرئ القيس: ونسحر بالطعام وبالشراب١"٢.
وقال الجوهري: "السحر الأخذة وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر"٣. وأصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، فكأن الساحر لما أرى الباطل في صورة الحق، وخيل الشيء على غير حقيقته، قد سحر الشيء عن وجهه أي صرفه، والسحر الخديعة، والسحر الغذاء، وغيث ذو سِحْر إذا كان ماؤه أكثر مما ينبغي٤.
هذه معاني السحر في اللغة، فهو كل ما لطف مأخذه ودق، والعمل الذي فيه معونة من الشيطان، وهو الأخذة، وهو صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، وهو الخديعة، والبيان في فطنة، والسحر أيضًا الغذاء.
_________________
(١) ديوان امرئ القيس ص٧٢، وأوله: أرانا موضعين لأمر غيب.
(٢) العين ٣/١٣٥ - ١٣٦، وانظر: تهذيب اللغة ٤/٢٩٠.
(٣) الصحاح ٢/٦٧٩.
(٤) انظر: تهذيب اللغة ٤/٢٩٠ - ٢٩٣، لسان العرب ٤/٣٤٨ - ٣٥٠.
[ ٤١٣ ]
٢ - معنى السحر في الشرع:
ورد لفظ السحر في آيات كثيرة، ومنها قوله - تعالى -: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة - ١٠٢] وقوله - سبحانه -: ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس - ٨١] .
كما ورد لفظ السحر في السنة، ومن ذلك قوله - ﷺ -: "اجتنبوا الموبقات الشرك بالله والسحر" ١، وقول رسول الله - ﷺ -: "إن من البيان لسحرا" ٢. والسحر في الشرع يطلق على عدة معان مختلفة كما هو في اللغة، ولذلك يقول الشافعي - ﵀ -: "والسحر اسم جامع لمعان مختلفة"٣.
وقال الشنقيطي - ﵀ -: "اعلم أن السحر في الاصطلاح، لا يمكن حده بحد جامع، مانع، لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك بينها، يكون جامعًا لها مانعًا لغيرها، ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافًا متباينًا"٤.
وفيما يلي بعض التعريفات للسحر، وهي تعريفات متباينة - كما قال الشنقيطي - ﵀ -، وذلك لأن كل تعريف منها قد تضمن نوعًا من أنواع السحر.
يقول الطبري - ﵀ -: "معنى السحر تخييل الشيء إلى المرء بخلاف ما هو به في عينه وحقيقته"٥.
ويعرف الجصاص٦ - ﵀ - السحر بأنه: "كل أمر خفي سببه، وتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع"٧، وهذا بمعنى تعريف الطبري.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الشرك والسحر من الموبقات ٤/٤٨، ح ٥٧٦٤.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب إن من البيان سحرًا ٤/٤٩، ح ٥٧٦٧.
(٣) الأم للشافعي١/٢٥٦.
(٤) أضواء البيان للشنقيطي ٤/٤٤٤.
(٥) تفسير الطبري ١ /٤٦٣.
(٦) أحمد بن علي الرازي، أبو بكر الجصاص، فاضل من أهل الري، سكن بغداد ومات فيها، انتهت إليه رئاسة الحنفية، ألف كتاب أحكام القرآن، وكتابًا في أصول الفقه، توفي سنة ٣٧٠هجرية. انظر: الجواهر المضية في طبقات الحنفية للقرشي ١/٢٢٠، شذرات الذهب ٣/٧١.
(٧) أحكام القرآن للجصاص ١/٥١، وانظر: الكليات ص٥١٠، التوقيف ص٣٩٩.
[ ٤١٤ ]
ويقول ابن قدامة١ - ﵀ -: "السحر عزائم ورقى وعقد، تؤثر في الأبدان، والقلوب، فيمرض، ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه"٢. وهذا الذي عرفه ابن قدامه نوع من السحر يختلف عن النوع الذي قبله.
كما عُرف السحر بأنه: "مزاولة النفوس الخبيثة، لأفعال وأقوال، يترتب عليها أمور خارقة للعادة"٣، وهذا نوع آخر.
وقيل إن المراد بالسحر أمر غريب يشبه الخارق، إذ يجري فيه التعلم، ويستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان بارتكاب القبائح قولًا كالرقى التي فيها ألفاظ الشرك، ومدح الشيطان، وتسخيره، وعملًا كعبادة الكواكب، والتزام الجنابة، وسائر الفسوق، واعتقادًا كاستحسان ما يوجب التقرب إليه، ومحبته إياه٤.
وقد عد بعض العلماء أنواعًا كثيرة للسحر٥، منها ما هو مذكور في التعريفات السابقة.
٣ - معنى السحر عند الفلاسفة والمتكلمين:
السحر عند ابن سينا ومن تابعه، قوى نفسانية، تؤدي إلى أمور غريبة، تنبعث في عالم الطبيعة، مرادها الشر، حيث قال في إشاراته: "الأمور الغريبة تنبعث في عالم الطبيعة من مبادىء ثلاثة: أحدها: الهيئة النفسانية المذكورة، وثانيها: خواص الأجسام العنصرية، مثل جذب المغناطيس الحديد بقوة تخصه، وثالثها: قوى سماوية، بينها وبين أمزجة أجسام أرضية مخصوصة، بهيئات وضعية، أو بينها وبين قوى نفوس أرضية، مخصوصة بأحوال فلكية فعلية، أو انفعالية، تستتبع حدوث آثار غريبة. والسحر من قبيل القسم الأول، بل المعجزات،
والكرامات. والنيرنجيات٦ من قبيل القسم الثاني.
_________________
(١) عبد الله بن أحمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي، ثم الدمشقي، الحنبلي، أبو محمد، موفق الدين، تفقه حتى فاق أقرانه، وانتهى إليه معرفة مذهب الإمام أحمد وأصوله، له تصانيف منها: المغني، وروضة الناظر، توفي سنة ٦٢٠هجرية، انظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/١٦٥ - ١٧٣، شذرات الذهب٥/٨٨، الأعلام ٤/٦٧.
(٢) الكافي لابن قدامة ٥ /٣٣١، وانظر: المبدع لابن مفلح ٩/١٨٨.
(٣) مغني المحتاج للشربيني ٤/١٢٠، وانظر: بجيرمي على الخطيب ٤/١٠٠.
(٤) انظر: روح المعاني للآلوسي ١/٣٣٨.
(٥) انظر: المطالب العالية ٨/١٤٣ - ١٤٦، المفردات ص٤٠٠ - ٤٠١، فتح الباري١٠/٢٣٢.
(٦) النيرنجيات هي خواص الأجسام، وهي قوى طبيعية كالقوى التي في حجر المغناطيس، انظر: الصفدية ١/١٤٢، ٢١٨.
[ ٤١٥ ]
والطلمسات١ من قبيل القسم الثالث"٢.
وأما الرازي فمضطرب في تعريف السحر، ففي كتابه المحصل يخالف تعريف ابن سينا،
بينما يوافقه في المباحث المشرقية، وفي المطالب العالية يجعل تعريف ابن سينا نوعًا من أنواع السحر٣. وقول ابن سينا إن السحر، بل المعجزات، والكرامات، من قبيل القوى النفسانية قول باطل، ومن وجوه بطلانه:
الأول: أن كثيرًا من السحر يكون بالشياطين، كما قال - تعالى -: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة - ١٠٢]، وكتب السحر مملوءة من الأقسام والعزائم على الجن بساداتهم الذين يعظمونهم٤، فدل هذا على أن السحر يكون من الاستعانة بالشياطين، وليس لقوة النفس.
ثانيًا: أنهم حصروا الوجود وأسبابه، فيما علموه، ولا علم عندهم بانتفاء ما لم يعلموه، وغاية أحدهم أن ينفي الشيء، لانتفاء دليل معين، وهذا غاية الجهل٥.
ثالثًا: أن قولهم هذا مبني على زعمهم أن النبوة مكتسبة، ولا فرق في حقيقة المعجزة عن السحر والكرامة وهذا باطل، إذ النبوة محض اصطفاء من الله، يخرق العادة للنبي ليعجز الناس عن أن يأتوا بمثله، ولذلك آمن السحرة بموسى لأنه جاء بما لم يستطيعوا من خرق العادة. فالقول بأن السحر والمعجزة والكرامة قوة نفسانية قول غير صحيح ولا دليل عليه.
أما المتكلمون؛ فمختلفون إذ معظم المعتزلة ينكرون وجود الجن، وبنوا على ذلك أن السحر يكون بالتخييل والوهم، وليس بخارق للعادة. فقد أثبتوا نوعًا من أنواع السحر وهو التخييل، ونفوا ما عداه٦.
_________________
(١) الطلسمات ضرب من السحر والتنجيم، سيأتي تفصيله ص ٤٢٦ من البحث.
(٢) الإشارات والتنبيهات ٤/٩٠٠ - ٩٠١.
(٣) انظر: المباحث المشرقية٢/٤٣٦ - ٤٣٧، المحصل ص ٢٠٧، المطالب العالية ٨/١٤٣ - ١٤٦.
(٤) انظر: الصفدية ١/١٦٨ - ١٧٠.
(٥) انظر: المرجع السابق ١/١٧٠.
(٦) انظر في ذلك: متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار١/١٠١، مجموع الفتاوى ١٣/٩٠، الإرشاد للجويني ص٣٢٣.
[ ٤١٦ ]
وكثير من متكلمي الأشاعرة ومن وافقهم لم يعرفوا الفرق بين المعجزة والسحر والكرامة، فجعلوا الخوارق جنسًا واحدًا، وقالوا كلها يمكن أن تكون معجزة إذا اقترنت بدعوى النبوة، والاستدلال بها والتحدي بمثلها، وإذا ادعى النبوة من ليس بنبي من الكفار والسحرة فلابد أن يسلبه الله ما كان معه من ذلك، وأن يقيض له من يعارضه، ولو عارض واحد من هؤلاء النبي لأعجزه الله١. وقابلهم الفلاسفة فجعلوا الجميع قوة نفسانية، وكلا القولين باطل، وإن كان قول الفلاسفة أكثر بطلانًا لأنه مبني على أن النبوة مكتسبة.
وأما حصر كثير من المعتزلة للسحر في التخييل والوهم ففاسد، مخالف للواقع من حال السحرة وما يحصل منهم، وأبطل منه إنكارهم للجن وهو مخالف لصريح القرآن.
أما الأشاعرة ومن وافقهم فقد وضعوا شروطًا للمعجزة من غير دليل يدل على صحة ما ذهبوا إليه، فهو تحكم ممنوع، بل من الممكن أن يبتلي الله الناس بمدع للنبوة مؤيد بخارق من السحر، ولا يعارضه أحد. لكن المدعي يظهر أن سمته ليس هو سمت الأنبياء، حيث يظهر على المدعي من الفجور واستحواذ الشياطين عليه ما يفضح حاله.
٤ - حكم السحر:
السحر حرام بلا خلاف بين أهل العلم٢، وهل يكفر الساحر أم لا؟ فيه تفصيل، يقول الإمام الشافعي: "والسحر اسم جامع لمعان مختلفة، فيقال للساحر صف السحر الذي تسحر به، فإن كان ما يسحر به كلام كفر صريح استتيب منه، فإن تاب وإلا قتل وأخذ ماله فيئا، وإن كان ما يسحر به كلامًا لا يكون كفرًا، وكان غير معروف، ولم يضر به أحدًا نهى عنه، فإن عاد عزر، وإن كان يعلم أنه يضر به أحدًا من غير قتل فعمد أن يعمله عزر، وإن كان يعمل عملًا إذا عمله قتل المعمول به، وقال عمدت قتله، قتل به قودًا، إلا أن يشاء أولياؤه أن يأخذوا ديته.."٣.
_________________
(١) انظر: الإرشاد للجويني ص ٣٠٩ - ٣١٥، أصول الدين ص١٧٠ - ١٧٥، مجموع الفتاوى ١٣/٩٠.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ٣٥/١٧١، حاشية ابن عابدين ٤/٢٤٠، المبدع لإبراهيم ابن مفلح ٩/١٨٨.
(٣) الأم١/٢٥٦، وانظر: الفروع لمحمد بن مفلح المقدسي ٦/١٦٨، الإنصاف للمرداوي١٠/٣٤٩ - ٣٥١، شرح الطحاوية ٢/٧٦٤.
[ ٤١٧ ]
التولة
١ - معنى التولة في اللغة:
قال الخليل: "التِّوَلَة ويقال التُّوَلَة التعاويذ "١.
والتُوَلة هي بضم التاء وفتح الواو الداهية، والتِولة ضرب من الخرز يوضع للسحر فتحبب بها المرأة إلى زوجها، وقيل: هي معاذة تعلق على الإنسان. وقال ابن الأعرابي: تال يتول إذا عالج التولة، وهي السحر٢.
فالتولة في اللغة نوع من السحر، يحبب المرأة إلى زوجها، وهي ضرب من الخرز والتعاويذ.
٢ - معنى التولة في الشرع:
ورد لفظ التولة في قوله - ﷺ -: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" ٣، قال ابن الأثير: "التولة بكسر التاء وفتح الواو ما يحبب المرأة إلى زوجها، من السحر وغيره"٤.
وقال ابن حجر - ﵀ -: "التولة بكسر المثناة، وفتح الواو واللام مخففًا، شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر"٥.
والرقى والتمائم المذكورة في الحديث المراد بها الرقى والتمائم الشركية، والتولة حكمها حكم السحر لأنها منه، وهي شرك بنص كلام الرسول - ﷺ -.
_________________
(١) العين ٨/١٣٥.
(٢) انظر: الصحاح ٤/١٦٤٥، معجم مقاييس اللغة ١/٣٥٩، اللسان١١/٨١، القاموس المحيط ص ١٢٥٥، المغرب ص٦٢.
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الطب، باب في تعليق التمائم ٤/٩، ح ٣٨٨٣، والإمام أحمد في المسند ١/٣٨١، ح ٣٦١٥، والبيهقي في الكبرى ٩/٣٥٠، وابن حبان في صحيحه ح ٦٠٩٠، وأخرجه الحاكم في مستدركه ٤/٤٦٣، ح ٨٢٩٠، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
(٤) النهاية ١/٢٠٠.
(٥) فتح الباري١٠/٢٠٦.
[ ٤١٨ ]
التنجيم
١ - معنى التنجيم في اللغة:
يقول الخليل: "النجم اسم يقع على الثريا، وكل منزل من منازل القمر سمي نجمًا، وكل كوكب من أعلام الكواكب يسمى نجمًا، والنجوم تجمع الكواكب كلها، ويقال لمن تفكر في أمره لينظر كيف يدبره نظر النجوم..والمنجم الذي ينظر في النجوم، والنجوم وظائف الأشياء، وكل وظيفة نجم..والنجم من النبات مالم يقم على ساق، كساق الشجر..ونجم الناب إذا طلع، وأنجمت السماء، بدت نجومها "١.
وفي لسان العرب:" والمنجم والمتنجم الذي ينظر في النجوم، يحسب مواقيتها وسيرها "٢.
فالمنجم هو الذي ينظر في النجوم، يحسب مواقيتها وسيرها، والتنجيم فعل ذلك.
٢ - معنى التنجيم في الشرع:
ورد في كتاب الله لفظ النجوم ومنه قوله - تعالى -: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات - ٨٨]، وورد لفظ النجم، ومنه قوله - تعالى -: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل - ١٦] .
ومن السنة قوله - ﷺ -: "إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء"٣، وقوله - ﷺ -: "من اقتبس علمًا من النجوم، اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد" ٤.
_________________
(١) العين٦/١٥٤ - ١٥٥، وانظر: اللسان ١٢/٥٦٨ - ٥٦٩، القاموس ص ١٤٩٩، الصحاح ٥/٢٠٣٩.
(٢) لسان العرب ١٢/٥٧٠.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق باب في الحوض٤/٢٠٥، ح ٦٥٨٠، ومسلم في كتاب الفضائل باب إثبات حوض رآه ﷺ ٤/١٨٠٠، ح ٢٣٠٣.
(٤) أخرجه أحمد ١/٣١١، ح ٢٨٤١، وأبو داود في كتاب الطب باب في النجوم ٤/١٥، ح ٣٩٠٥، وابن ماجه باب تعلم النجوم ٢/١٢٢٨، ح ٣٧٢٦، والبيهقي في الكبرى باب ما جاء في كراهية اقتباس علم النجوم ٨/١٣٨، وصححه النووي في رياض الصالحينص ٥٣٦، ح ١٦٨٠، والعراقي في تخريج أحاديث الإحياء ٤/١١٢، وشيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ٣٥/١٩٣.
[ ٤١٩ ]
وعلم النجوم المذكور في هذا الحديث هو التنجيم، وهو الاستدلال بأحوال الفلك على الحوادث الأرضية، وهو كما ذكر الرسول - ﷺ - ضرب من السحر.
قال الخطابي١ - ﵀ - شارحًا معنى التنجيم: "علم النجوم المنهي عنه، هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن، والحوادث التي لم تقع، وستقع في مستقبل الزمان، كإخبارهم بأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار، وما كان في معانيها من الأمور، يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها وباجتماعها واقترانها، ويدعون لها تأثيرًا في السفليات، وأنها تتصرف على أحكامها، وتجري على قضايا موجباتها"٢.
ويعرف شيخ الإسلام التنجيم باختصار فيقول: "والتنجيم كالاستدلال بأحوال الفلك على الحوادث الأرضية"٣.
وقال - ﵀ - مبينًا معنى التنجيم: "وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير، وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية، بالأحوال الفلكية، والتمزيج بين القوى الفلكية، والقوابل الأرضية"٤.
أما الأحكام هنا فيراد به الأحوال الغيبية، المستنتجة من مقدمات معلومة، هي الكواكب من جهة حركاتها، ومكانها، وزمانها، وهو الاستدلال بالتشكيلات الفلكية من أوضاعها، وأوضاع الكواكب؛ من المقابلة، والمقارنة وغيرها، على الحوادث الواقعة في عالم الكون، وفي أحوال الجو، والمعادن، والنبات، والحيوان٥. وهذا هو التنجيم.
_________________
(١) حَمْد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب، أبو سليمان، فقيه محدث، من مؤلفاته: معالم السنن، وإصلاح غلط المحدثين، توفي سنة٣٨٨هجرية. انظر: شذرات الذهب ٣/١٢٨، الأعلام ٢/٢٧٣.
(٢) معالم السنن للخطابي ٤/٢١٢ - ٢١٣.
(٣) الفتاوى الكبرى ٤/٦٠٧.
(٤) مجموع الفتاوى ٣٥/١٩٢.
(٥) انظر: كشف الظنون ١/٢٢.
[ ٤٢٠ ]
٣ - حكم التنجيم:
التنجيم وفق التعريف السابق محرم، فإن اعتقد أن الكواكب فاعلة مختارة فهو كفر.
قال شيخ الإسلام: "وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير، وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، والتمزيج بين القوى الفلكية، والقوابل الأرضية، صناعة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل"١.
والتنجيم أنواع:
أحدها: ما هو كفر بإجماع المسلمين، وهو القول بأن الموجودات في العالم السفلي مركبة على تأثير الكواكب والروحانيات، وأن الكواكب فاعلة مختارة، وهذا كفر بالإجماع، وهذا قول مشركي الصابئة٢.
الثاني: الاستدلال على الحوادث الأرضية بمسير الكواكب، واجتماعها، وافتراقها، ونحو ذلك، ويقول إن ذلك بتقدير الله ومشيئته، وهذا محرم، ومنه الاستسقاء بالأنواء٣، وسيأتي تفصيله.
الثالث:" ما يفعله من يكتب حروف أبي جاد، ويجعل لكل حرف منها قدرًا من العدد معلوما، ويجري على ذلك أسماء الآدميين، والأزمة، والأمكنة، وغيرها، ويجمع جمعًا معروفًا عنده، ويطرح منها طرحًا خاصًا، ويثبت إثباتًا خاصًا، وينسبه إلى الأبراج الاثني عشر المعروفة عند أهل الحساب، ثم يحكم على تلك القواعد بالسعود والنحوس، وغيرها مما يوحيه إليه الشيطان"٤، وهذا محرم، لما فيه من ادعاء علم الغيب.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣٥/١٩٢ - ١٩٣، وانظر: شرح الطحاوية ٢/٧٦٢، الفروع ٦/١٦٩، الإنصاف١٠/٣٥١، كشاف القناع ٦/١٨٧.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ٣٥/١٧٧، تيسير العزيز الحميد ص٤٤٧، معارج القبول ٢/٥٦٠.
(٣) انظر: معالم السنن للخطابي ٤/٢١٢ - ٢١٣، مجموع الفتاوى ٣٥/١٧١، شرح العقيدة الطحاوية ٢/٧٦٢، تيسير العزيز الحميد ص٤٤٨، معارج القبول ٢/٥٥٩.
(٤) معارج القبول ٢/٥٥٩، وانظر: شرح الطحاوية ٢/٧٦٠، أبجد العلوم ٢/٢٣٦.
[ ٤٢١ ]
أما استخدام أهل الحساب والهندسة والمنطق لحروف المعجم، ولفظها أبجد هوز حطي، كعلامات على مراتب العدد، أو علامات على الخطوط المكتوبة، أو على ألفاظ الأقيسة المؤلفة، فهذا ليس داخل في المنهي عنه١.
الرابع: هو تعلم منازل الشمس والقمر، للاستدلال بذلك على القبلة، وأوقات الصلوات، والفصول، وقد اختلف السلف فيه؛ مابين الجواز والكراهية٢. ولعل الأولى جوازه لعدم وجود المحظور فيه، إضافة إلى فائدته في معرفة أوقات الصلاة، والقبلة، ونحوها من الأمور الضرورية شرعًا.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى١٢/٦٢.
(٢) انظر: تيسير العزيز الحميد ص٤٤٨، ٤٥٣، معالم السنن ٤/٢١٣.
[ ٤٢٢ ]
الاستسقاء بالأنواء
١ - معنى الاستسقاء بالأنواء في اللغة:
أ - معنى الاستسقاء في اللغة:
قال الخليل بن أحمد: "السقيا اسم السقي، والسقاء القربة للماء واللبن، والسقاية الموضع يتخذ فيه الشراب في المواسم وغيرها.. والاستقاء الأخذ من النهر والبئر"١.
وقال الجوهري: "وسقاه الله الغيث وأسقاه..السقي على فعيل السحابة العظيمة القطر، الشديدة الوقع"٢. فالاستسقاء في اللغة طلب السقيا.
ب - معنى الأنواء في اللغة:
قال الخليل بن أحمد: "النوء مهموز من أنواء النجوم، وذلك إذا سقط نجم بالغداة فغاب مع طلوع الفجر، وطلع في حياله نجم في تلك الساعة، على رأس أربعة عشر منزلًا من منازل القمر، سمي بذلك السقوط والطلوع نوءًا من أنواء المطر والحر والبرد، وذلك من قولك ناء ينوء.. والشيء إذا مال إلى السقوط، تقول ناء ينوء نوءًا، بوزن ناع، وإذا نهض في تثاقل يقال ناء ينوء به نوءًا إذا أطاقه"٣.
وقال الجوهري: "قال أبو عبيد: ولم نسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها، وقال الأصمعي: إلى الطالع منها في سلطانه، فتقول: مطرنا بنوء كذا. والجمع أنواء ونوآن أيضًا"٤.
فالنوء يطلق على النجم وعلى السقوط والنهوض في تثاقل.
والاستسقاء بالأنواء في اللغة يعني طلب أو نسبة السقيا إلى النجوم بسقوطها وطلوعها.
_________________
(١) العين ٥/١٨٩ - ١٩٠، وانظر: معجم مقاييس اللغة ٣/٨٤ - ٨٥.
(٢) الصحاح ٦/٢٣٧٩، وانظر: معجم مقاييس اللغة ٣/٨٤ - ٨٥.
(٣) العين ٨/٣٩١، وانظر: الصحاح ١/٧٨ - ٧٩، لسان العرب١/١٧٥ - ١٧٦.
(٤) الصحاح ١/٧٩.
[ ٤٢٣ ]
٢ - معنى الاستسقاء بالأنواء في الشرع:
لفظ الاستسقاء بالأنواء بهذا التركيب لم يرد في كتاب الله، ولكن ورد في السنة لفظ الاستسقاء بالنجوم، والاستسقاء بالأنواء، فعن أبي مالك الأشعري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن، الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" ١، كما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: "خلال من خلال الجاهلية الطعن في الأنساب والنياحة - ونسي الثالثة - قال سفيان: ويقولون إنها الاستسقاء بالأنواء"٢.
قال في تيسير العزيز الحميد في معنى الاستسقاء بالأنواء: "والمراد نسبة السقيا ومجيء المطر إلى الأنواء جمع نوء وهي منازل القمر"٣.
فالاستسقاء بالأنواء هو نسبة السقيا ومجيء المطر إلى أنواء النجوم، وذلك إذا سقط نجم بالغداة فغاب مع طلوع الفجر، وطلع في حياله نجم في تلك الساعة، على رأس أربعة عشر منزلًا من منازل القمر٤.
٣ - حكم الاستسقاء بالأنواء:
الاستسقاء بالأنواء، وهو الاستسقاء بالنجوم، نوعان:
أحدهما: أن يعتقد أن المنزل للمطر هو النجم، فهذا كفر ظاهر، إذ لا خالق إلا الله، وما كان المشركون هكذا، بل كانوا يعلمون أن الله هو المنزل للمطر، كما قال - تعالى -: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت - ٦٣]، وليس هذا معنى الحديث فالنبي - ﷺ - أخبر أن هذا لا يزال في أمته، ومن اعتقد أن النجم ينزل المطر فهو كافر.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز باب التشديد في النياحة ٢/٦٤٤، ح ٩٣٤.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب القسامة في الجاهلية ٣/٥٤، ح ٣٨٥٠.
(٣) تيسير العزيز الحميد ص٤٥٧، ٤٥٩ - ٤٦٠.
(٤) انظر: العين ٨/٣٩١، الصحاح ١/٧٩، اللسان ١/١٧٥ - ١٧٦، التمهيد ١٦/٢٨٧.
[ ٤٢٤ ]
الثاني: أن ينسب إنزال المطر إلى النجم مع اعتقاده أن الله - تعالى - هو الفاعل لذلك المنزل له، إلا أنه - ﷾ - أجرى العادة بوجود المطر عند ظهور ذلك النجم، وفيه خلاف في مذهب الإمام أحمد في تحريمه وكراهته، وصرح أصحاب الشافعي بجوازه، والصحيح أنه محرم لأنه من الشرك الخفي، وهو الذي أراده النبي - ﷺ - وأخبر أنه من أمر الجاهلية، ونفاه، وأبطله، وهو الذي كان يزعم المشركون، ولم يزل موجودًا في هذه الأمة إلى اليوم١.
ويدل على ذلك ما ورد في الصحيحين عن زيد بن خالد قال: صلى لنا رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف النبي - ﷺ - أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" ٢. وعن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: "ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينزل الله الغيث فيقولون: الكوكب كذا وكذا"، وفي رواية: "بكوكب كذا وكذا" ٣.
_________________
(١) انظر: التمهيد لابن عبد البر ١٦/٢٨٦، تيسير العزيز الحميد ص٤٦٠، شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٦٠ - ٦٢.
(٢) سبق تخريجه ص١٥٠.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء ١/٨٤، ح ٧٢.
[ ٤٢٥ ]
الطِّلسم
١ - معنى الطلسم في اللغة:
قال الجوهري: "طرسم الرجل: أطرق. وطَلْسم مثله"١.
وفي لسان العرب: "طَلْسَم الرجل كره وجهه وقطبه"٢.
فقد ذكروا معنى طَلسم في اللغة، وهو الإطراق وتقطيب الوجه، ولم يذكروا الطِّلسم بكسر الطاء وتشديدها، وهو المطلوب.
وفي كشف الظنون:"ومعنى الطِّلسم عقد لا ينحل، وقيل مقلوب اسمه أي المسلط، لأنه من القهر والتسلط"٣. ونقض هذا الكلام شهاب الدين الخفاجي٤ في شفاء الغليل حيث قال:"طلسم لفظ يوناني، لم يعربه من يوثق به، وكونه مقلوبًا من مسلط وهم لا يعتد به"٥.
والطلسم لفظ يوناني لكل ما هو غامض مبهم، كالألغاز والأحاجي٦.
٢ - معنى الطلسم في الاصطلاح:
يعرف ابن سينا الطلسمات بأنها: "تمزيج القوى الفعالة السماوية، بالقوى المنفعلة الأرضية"٧.
وقال الرازي: "الطلسم عبارة عن تمزيج القوى الفعالة السماوية، بالقوى المنفعلة الأرضية، لإحداث ما يخالف العادة، أو للمنع مما يوافق العادة"٨.
_________________
(١) الصحاح ٥/١٩٧٤.
(٢) لسان العرب ١٢/٣٩٦.
(٣) كشف الظنون ٢/١١١٤، وانظر: أبجد العلوم ٢/٣٦٧، مفتاح السعادة ومصباح السيادة لطاش كبري زادة١/٣١٦.
(٤) شهاب الدين أحمد الخفاجي المصري المتوفى سنة ١٠٦٩هجرية. انظر: كشف الظنون ١/٦٩٩.
(٥) نقلا عن تعليق الدكتور رشاد سالم على الصفدية ١/٦٦ حاشية رقم ٣.
(٦) انظر: المعجم الوسيط ٢/٥٦٢.
(٧) الإشارات والتنبيهات ٤/٩٠٠، وانظر: الصفدية ١/١٤٢.
(٨) المطالب العالية ٨/١٤٩.
[ ٤٢٦ ]
وعرف الطلسم في كشف الظنون بأنه: "علم باحث عن كيفية تركيب القوى السماوية الفعالة، مع القوى الأرضية المنفعلة، في الأزمنة المناسبة للفعل والتأثير المقصود، مع بخورات مقوية، جالبة لروحانية الطلسم، ليظهر من تلك الأمور في عالم الكون والفساد أفعال غريبة، وهو قريب المأخذ بالنسبة إلى السحر"١.
فالطلسمات داخلة في علم النجوم والسحر، وذلك أن النجوم التي من السحر نوعان:
أحدهما: علمي وهو الاستدلال بحركات النجوم، على الحوادث.
والثاني: عملي، وهو الذي يقولون إنه تمزيج القوى السماوية، بالقوى المنفعلة الأرضية كالطلاسم ونحوها، وهذا من أرفع أنواع السحر٢.
فالطلاسم ضرب من السحر والتنجيم، تتشكل فيه الشياطين على هيئة روحانيات الكواكب، لتؤثر في الحوادث الأرضية.
والطلاسم تحوي تعظيمًا وعبادة للجن به يستجلبون معاونته، ويعتقدون مع ذلك أن الفاعل والمؤثر هو الكوكب، إذ إن ما يظهر لهم من الجن ويخاطبهم، يعتقدون أنها أرواح الكواكب تخاطبهم، وهم بهذا جهال ومشركون، والشرك فيها ظاهر.
_________________
(١) كشف الظنون ٢/١١١٤، وانظر: أبجد العلوم ٢/٣٦٧.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ٣٥/١٧١، الفتاوى الكبرى ١/٣٨٩.
[ ٤٢٧ ]
الكهانة
١ - معنى الكهانة في اللغة:
الكاهن معروف كَهَنَ له يَكْهُنُ كِهَانة١، وتَكَهن تَكُهنا، قضى له بالغيب، والكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار. والكاهن أيضًا في كلام العرب الذي يقوم بأمر الرجل، ويسعى في حاجته، والقيام بأسبابه وأمر حُزانته. والعرب تسمي كل من يتعاطى علمًا دقيقًا كاهنًا، ومنهم من كان يسمي المنجم، والطبيب، كاهنًا٢.
٢ - معنى الكهانة في الشرع:
ورد في القرآن الكريم قوله - تعالى -: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور - ٢٩]، وورد في السنة قوله - ﷺ -: "من أتى عرافًا، أو كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد" ٣.
وفي معنى الكاهن يقول إبراهيم الحربي٤ - ﵀ -: "الكاهن الذي يخبر بما يكون برأيه وظنه"٥.
وقال الخطابي - ﵀ -: "الكاهِنُ هو الذي يدعي مطالعة علم الغيب، ويخبر الناس عن الكوائن"٦.
_________________
(١) انظر: العين ٣/٣٧٩، الصحاح ٦/٢١٩١.
(٢) انظر: لسان العرب١٣/٢٦٢ - ٢٦٣، القاموس ص١٥٨٥.
(٣) أخرجه أحمد ٢/٤٢٩، والبيهقي ٨/١٣٥، والحاكم ١/٨ وقال: صحيح على شرطهما جميعا، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٢/١٠٣١، ح ٥٩٣٩.
(٤) هو الشيخ الإمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام أبو إسحاق، إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير البغدادي الحربي صاحب التصانيف، توفي سنة خمس وثمانين ومئتين وكانت جنازته مشهودة. انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/٣٥٦ - ٣٧٠.
(٥) غريب الحديث للحربي ٢/٥٩٤.
(٦) معالم السنن للخطابي ٤/٢١١، وانظر: المفردات للراغب ص٧٢٨.
[ ٤٢٨ ]
وقال ابن الأثير: "الكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار"١. وقال ابن قدامة: "الكاهن الذي له رئي من الجن تأتيه بالأخبار"٢.
وقال شيخ الإسلام - ﵀ - في معنى الكهانة أنها: "الإخبار ببعض الغائبات عن الجن"٣.
وقال ابن حجر - ﵀ -: "والكهانة بفتح الكاف ويجوز كسرها، ادعاء علم الغيب، كالإخبار بما سيقع في الأرض، مع الاستناد إلى سبب، والأصل فيه استراق الجن السمع من كلام الملائكة، فيلقيه في أذن الكاهن. والكاهن لفظ يطلق على العراف، والذي يضرب بالحصى، والمنجم، ويطلق على من يقوم بأمر آخر، ويسعى في قضاء حوائجه"٤.
ويقول القاضي عياض - ﵀ - مبينًا أنواع الكهانة: "كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب أحدها: يكون للإنسان ولي من الجن يخبره بما يسترقه من السماء، وهذا القسم باطل من حين بعث النبي - ﷺ -.
الثاني: أن يخبره بما يطرأ أو يكون في أقطار الأرض، وما خفي عنه مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده..
الثالث: المنجمون، وهذا الضرب يخلق الله - تعالى - فيه لبعض الناس قوة ما، لكن الكذب فيه أغلب، ومن هذا الفن العرافة وصاحبها عراف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفته بها، وقد يعتضد بعض هذا الفن ببعض في ذلك بالزجر، والطرق، والنجوم، وأسباب معتادة، وهذه الأضرب كلها تسمى كهانة، وقد أكذبهم الشرع ونهى عن تصديقهم وإتيانهم والله أعلم "٥. والطرق الذي هو من أضرب الكهانة هو الضرب بالحصا، وقيل هو الخط في الرمل٦.
_________________
(١) النهاية٤/٢١٤.
(٢) المغني ١٢/٣٠٥، وانظر: الكافي ٤/١٦٦، الإنصاف للمرداوي ١٠/٣٥١.
(٣) النبوات ص ١٣، المطبعة السلفية.
(٤) فتح الباري١٠/٢٢٧.
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/٢٢٣، وانظر: نيل الأوطار للشوكاني ٧/٣٦٨.
(٦) انظر: النهاية لابن الأثير ٣/١٢١، سنن أبي داود ٤/١٦، العين ٥/٩٨، لسان العرب ١٠/٢١٥.
[ ٤٢٩ ]
فالكاهن إذًا لفظ عام، يدخل فيه كل من يدعي علم الغيب، ويخبر الناس عن الكوائن في مستقبل الزمان، من طريق الجن أو غيرهم، ويدخل في ذلك العراف، والمنجم، والذي يضرب بالحصى أو يخط في الأرض، وقد يختص العراف بمن يدعي معرفة الأمور الماضية، والكاهن من يدعي علم الغيب من حيث معرفة الكوائن في مستقبل الزمان.
٣ - حكم الكهانة:
سبق ذكر قوله - ﷺ -: "من أتى عرافًا أو كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد" ١، وهذا الحديث يبين بجلاء حكم الكهانة وأنها محرمة، فإذا كان قد أطلق الكفر على من يأتي الكاهن ويصدقه، فالكاهن نفسه أولى بذلك الحكم. وقد اختلف الفقهاء في الكاهن، والعراف، هل يلحقون بالسحرة الذين يقتلون أم يعزرون فقط، على قولين: أحدهما أنه لا يكفر بذلك، ولا يقتل بل يعزر، وهو الصحيح من المذهب - كما يقول ابن قدامة -، والوجه الثاني أن حكمهم حكم السحرة الذين يقتلون٢.
_________________
(١) انظر تخريجه ص٤٢٨من البحث.
(٢) انظر في حكم الكاهن: المغني ٩/٣٥ - ٣٧، الفروع ٦/١٦٨، الإنصاف١٠/٣٥١ - ٣٥٢، حاشية ابن عابدين ٤/٢٤٠.
[ ٤٣٠ ]
الطِّيَرة
١ - معنى الطيرة في اللغة:
قال الخليل بن أحمد: "الطِّيَرة مصدر قولك اطَّيَّرْتُ أي تَطَيَّرْتُ، والطِّيرة لغة، ولم أسمع في مصادر افتعل على فعلة غير الطِّيرة، والخِيرة، كقولك اخْتَرْتُه خِيرةً نادرتان..وطائر الإنسان، عمله الذي قلده في قوله - تعالى -: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء - ١٣]، والطائر من الزجر في التشؤم، والتسعد، وزجر فلان الطير فقال كذا وكذا، أو صنع كذا وكذا، جامع لكل ما يسنح لك من الطير وغيره"١.
وقال الجوهري: "وتطيرت من الشيء وبالشيء، والاسم منه الطِيَرة، مثال العِنبَة، وهو مايتشاءم به من الفأل الرديء"٢.
وقال ابن منظور: "والطائر ما تيمنت به أو تشاءمت، وأصله في ذي الجناح..وقالأبو عبيد: الطائر عند لعرب الحظ، وهو الذي تسميه العرب البخت..وقيل للشؤم طائر وطير وطيرة؛ لأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزجرها، والتطير ببارحها، ونعيق غرابها، وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها، فسموا الشؤم طيرًا وطائرًا وطيرة؛ لتشاؤمهم بها"٣.
فأصل الطِّيرة التشاؤم أو التيمن بحركات الطير وأصواتها، ثم صار لفظ عام لكل ما تشاءمت به من طائر أو إنسان أو غير ذلك.
_________________
(١) العين ٧/٤٤٧، وانظر: الصحاح ٢/٧٢٨.
(٢) الصحاح ٢/٧٢٨.
(٣) لسان العرب ٤/٥١١ - ٥١٢.
[ ٤٣١ ]
٢ - معنى الطيرة في الشرع:
ورد في كتاب الله لفظ الطير، والطائر، وفعل التطير، بتصريفاته، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف - ١٣١] . وورد لفظ الطيرة في السنة، ومن ذلك قوله - ﷺ -: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد" ١.
قال ابن الأثير: "الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن، هي التشاؤم بالشيء"٢.
وقال النووي: "والتطير التشاؤم، وأصله الشيء المكروه من قول، أو فعل، أو مرئي، وكانوا يتطيرون بالسوانح، والبوارح، فينفرون الظباء والطيور، فإن أخذت ذات اليمين تبركوا به، ومضوا في سفرهم وحوائجهم، وإن أخذت ذات الشمال رجعوا عن سفرهم وحاجتهم، وتشاءموا بها، فكانت تصدهم في كثير من الأوقات عن مصالحهم، فنفى الشرع ذلك وأبطله ونهى عنه"٣.
وقال شيخ الإسلام: "الطيرة بأن يكون قد فعل أمرًا متوكلًا على الله، أو يعزم عليه، فيسمع كلمة مكروهة مثل ما يتم، أو ما يفلح، ونحو ذلك فيتطير، ويترك الأمر فهذا منهي عنه"٤.
وقيل: الطيرة "ترك الإنسان حاجته واعتقاده عدم نجاحها، تشاؤمًا بسماع بعض الكليمات القبيحة، كيا هالك أو يا ممحوق ونحوها، وكذا التشاؤم ببعض الطيور كالبومة وما شاكلها، إذا صاحت قالوا إنها ناعبة أو مخبرة بشر، وكذا التشاؤم بملاقاة الأعور أو الأعرج.."٥. فالطيرة في الشرع هي التشاؤم بما يُكره من قول أو فعل أو هيئة، وترك ما توجهت إليه لأجل ذلك، واعتقاد عدم نجاحه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الجذام ٤/٣٧، ح ٥٧٠٧، وبنحوه مسلم في كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة ٤/١٧٤٣، ح ٢٢٢٠.
(٢) النهاية في غريب الحديث ٣/١٥٢، وانظر: غريب الحديث لابن الجوزي ٢/٤٨، فتح الباري١٠/٢١٢.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/٢١٨ - ٢١٩.
(٤) مجموع الفتاوى ٢٣/٦٧.
(٥) معارج القبول للشيخ حافظ الحكمي ٢/٣٩٢.
[ ٤٣٢ ]
٣ - حكم الطيرة:
لما كانت الطيرة بابًا من الشرك، منافيًا للتوحيد، أو لكماله، لأنها من إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته، نها عنها الرسول - ﷺ - وأرشد إلى كمال التوحيد بالتوكل على الله، وإنما جعل التطير شركًا؛ لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعًا، أو يدفع ضرًا، فكأنهم أشركوه مع الله - تعالى - ١.
فقد ورد عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "الطيرة شرك" ٢.
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: "كان النبي - ﷺ - يعجبه الفأل الحسن، ويكره الطيرة"٣. لأن الفأل تقوية لما فعله بإذن الله والتوكل عليه، والطيرة معارضة لذلك. واختلف في حكم الطيرة هل هو التحريم أم الكراهة؟ وقوله - ﷺ -: "الطيرة شرك" دليل على التحريم، ولعل مراد من قال بالكراهة كراهة التحريم٤.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ٤/٨١، مفتاح دار السعادة ٢/٢٣٤، فتح الباري ١٠/٢١٣ تيسير العزيز الحميد ص٤٢٧.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطب، باب في الطيرة ٤/١٧، ح ٣٩١٠، والترمذي في السير باب ما جاء في الطيرة ٤/١٦٠، ح ١٦١٤ وقال حسن صحيح، وأحمد ١/٣٨٩، وابن ماجه في الطب ٢/١١٧٠، ح ٣٥٣٨.
(٣) أخرجه ابن ماجه في سننه في كتاب الطب، باب من كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة ٢/١١٧٠، ح ٣٥٣٦.
(٤) انظر: الآداب الشرعية لابن مفلح ٤/٨، تيسير العزيز الحميد ص٤٤٣.
[ ٤٣٣ ]
العرافة
١ - معنى العرافة في اللغة:
قال الجوهري: "والعراف الكاهن والطبيب"١. وقال الخليل: "والعريف القيم بأمر قوم عرف عليهم، سمي به لأنه عرف بذلك الاسم"٢.
والتعريفُ الإِعْلامُ، والتَّعريف أَيضًا إِنشاد الضالة. واعترَفَ القومَ، سأَلهم وعَرِيفُ القوم سيّدهم. والعَرِيفُ القيّم والسيد لمعرفته بسياسة القوم، وقد عَرُفَ عليهم يَعْرُف عِرافة، والعَرِيفُ النَّقِيب وهو دون الرئيس، ويقال للحازي عراف، وللطبيب عراف لمعرفة كل منهم بعلمه، والعراف الكاهن٣.
فالعراف في اللغة اسم للحازي والكاهن، كما يطلق على الطبيب.
٢ - معنى العرافة في الشرع:
ورد عن النبي - ﷺ - أنه قال: "من أتى عرافًا فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" ٤. وقال - ﷺ -: "من أتى عرافًا، أو كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد" ٥.
وقد عرف الخطابي - ﵀ - العراف بأنه: "الذي يزعم أنه يعرف الأمور، بمقدمات أسباب، يستدل بها على مواقعها، كالشيء يسرق فيعرف المظنون به السرقة"٦.
_________________
(١) الصحاح ٤/١٤٠٢، وانظر: تهذيب اللغة ٢/٣٤٧.
(٢) العين ٢/١٢١ وانظر: معجم مقاييس اللغة ٤/٢٨٢.
(٣) انظر: لسان العرب ٩/٢٣٧ - ٢٣٨، القاموس ص ١٠٨١.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان ٤/١٧٥١، ح ٢٢٣٠.
(٥) سبق تخريجه ص٤٢٨ من البحث.
(٦) معالم السنن ٤/٢١٢، وانظر: النهاية ٤/٢١٥.
[ ٤٣٤ ]
وقال القاضي عياض: "والعراف هو الحازر، والمنجم، الذي يدعى علم الغيب، وهي من العرافة، وصاحبها عراف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب، ومقدمات، يدعي معرفتها، وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك، بالزجر، والطرق، والنجوم، وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هو العيافة بالياء. وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة"١.
وقال شيخ الإسلام: "العراف قد قيل إنه اسم عام للكاهن، والمنجم، والرمال، ونحوهم، ممن يتكلم في تقدم المعرفة بهذه الطرق، ولو قيل إنه في اللغة اسم لبعض هذه الأنواع، فسائرها يدخل فيه بطريق العموم المعنوي، كما قيل في اسم الخمر والميسر ونحوهما"٢.
وقال - ﵀ -: "والمنجم يدخل في اسم العراف عند بعض العلماء، وعند بعضهم هو في معناه"٣.
وقال النووي: "والفرق بين العراف والكاهن، أن الكاهن إنما يتعاطى الأخبار عن الكوائن في المستقبل، ويدعى معرفة الأسرار، والعراف يتعاطى معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة ونحوهما"٤. وقال ابن قدامة: "والعراف الذي يحدس ويتخرص"٥.
وقيل: "والكاهن من يخبر بواسطة النجم عن المغيبات في المستقبل، بخلاف العراف فإنه الذي يخبر عن المغيبات الواقعة، كعين السارق، ومكان المسروق، والضالة"٦.
فالعراف إذًا اسم عام لمن يدعي علم الغيب، ويحدس ويتخرص، كالكاهن، والمنجم، والرمال، ونحوهم. وفرق بعض العلماء بينهما بأن الكاهن هو الذي يدعي معرفة الغيب في المستقبل، أما العراف فهو الذي يدعي معرفة الأمور الماضية، كمعرفة مكان الضالة والشيء المسروق، وكلاهما يشمله أنه يدعي معرفة الغيب، ويحدس ويتخرص.
_________________
(١) تفسير القرطبي ٧/٣.
(٢) مجموع الفتاوى ٣٥/١٧٣.
(٣) المرجع السابق ٣٥ /١٩٣، وانظر: الفتح ١٠/٢١٦.
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٢٢.
(٥) المغني ١٢/٣٠٥.
(٦) مغني المحتاج ٤/١٢٠.
[ ٤٣٥ ]
٣ - حكم العراف:
سبق أن العراف اسم عام للكاهن، والمنجم، عند بعض العلماء، وعند بعضهم أنه الذي يتعاطى المغيبات في الماضي، ففيه ادعاء علم الغيب، فيكون حكمه إذًا حكم الكاهن والمنجم١. وإذا كان الوعيد الشديد لمن أتى عرافًا، أنه لم تقبل صلاته أربعين ليلة، وقد أطلق الكفر على من أتى عرافًا فصدقه، فالوعيد أشد للعراف نفسه.
_________________
(١) انظر في تفصيل ذلك: الكافي ٤/١٦٦، المغني ١٢/٣٠٢ - ٣٠٣، الفروع ٦/١٦٨.
[ ٤٣٦ ]
العيافة
١ - معنى العيافة في اللغة:
قال الخليل: "عاف الشيء يعافه عيافة، إذا كرهه من طعام، أو شراب..والعيافة زجر الطير، وهو أن ترى طيرًا أو غرابًا فتتطير، تقول ينبغي أن يكون كذا، فإن لم تر شيئًا قلت بالحدس فهو عيافة، ورجل عائف يتكهن"١.
وقال الجوهري: "وعفت الطير أعيفها عيافة، أي زجرتها، وهو أن تعتبر بأسمائها ومساقطها وأصواتها "٢.
فالعيافة في اللغة تعني كراهية الشيء، والتطير، والقول بالحدس والظن، فهو لفظ أعم من الطيرة.
٢ - معنى العيافة في الشرع:
روى أبو داود في سننه، بإسناد حسن، عن قبيصة بن مخارق، عن النبي - ﷺ - قال: "العيافة، والطرق، والطيرة، من الجبت ٣"٤، قال عوف راوي الحديث: "العيافة زجر الطير، والطرق الخط يخط في الأرض"، وقيل بالعكس٥.
وقال ابن الأثير: "العيافة زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادة العرب كثيرًا، وهو كثير في أشعارهم، يقال عاف يعيف عيفًا، إذا زجر وحدس وظن"٦.
_________________
(١) العين ٢/٢٦٠، وانظر: معجم مقاييس اللغة ٤/١٩٧، الصحاح ٤/١٤٠٨.
(٢) الصحاح ٤/١٤٠٨، وانظر: لسان العرب ٩/٢٦٠ - ٢٦١.
(٣) الجبت كلمة تقع على الصنم، والكاهن، والساحر، ونحو ذلك. انظر: العين ٦/٩٣، لسان العرب ٢/٢١.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣/٤٧٧، وأبو داود في كتاب الطب، باب في الخط وزجر الطير ٤/١٦، ح ٣٩٠٧، وابن حبان ١٣/٥٠٢، ح ٦١٣١، وحسنه النووي في رياض الصالحين ح ١٦٧٩ ص ٥٣٥، وشيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ٣٥/١٩٢.
(٥) انظر: سنن أبي داود ٤/١٦، المسند ٣/٤٧٧، مجموع الفتاوى ٣٥/١٩٢ - ١٩٣.
(٦) النهاية ٣/٣٣٠.
[ ٤٣٧ ]
وقيل: "العيافة بكسر العين وهي زجر الطير، والتفاؤل، والاعتبار في ذلك بأسمائها كما يتفاءل بالعقاب على العقاب، وبالغراب على الغربة، وبالهدهد على الهدى، والفرق بينها وبين الطيرة، أن الطيرة هي التشاؤم بها، وقد تستعمل في التشاؤم بغير الطير، من حيوان، وغيره"١.
وقد سبق قول القاضي عياض بعد أن عرف العرافة: "وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك، بالزجر، والطرق، والنجوم، وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هو العيافة بالياء. وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة"٢.
فالعيافة إذًا تعني زجر الطير، والتشاؤم أو التفاؤل بأسمائها، وأصواتها، وممرها، كما تعني الحدس والتخرص، فتكون بمعنى العراف والكاهن في المعنى العام، وحكمها يدور على المعنى، فتأخذ حكم الطيرة، إذا كانت بمعنى الطيرة، وتأخذ حكم الكاهن والعراف إذا كانت بمعناهما.
_________________
(١) عون المعبود ١٠/٤٠٣، وانظر: فيض القدير للمناوي ٩/٣٩٥.
(٢) تفسير القرطبي ٧/٣.
[ ٤٣٨ ]
الفصل الرابع: المصطلحات البدعية في توحيد الربوبية
الأبدال
الفصل الرابع: المصطلحات البدعية في توحيد الربوبية.
[ ٤٣٩ ]
الأبدال
١ - معنى الأبدال في اللغة:
قال الخليل: "البَدَلُ خَلَفٌ من الشيء، والتبديل التغيير، واستبدلت ثوبًا مكان ثوب، وأخًا مكان أخ، ونحو ذلك المبادلة، والأبدال قوم يقيم الله بهم الدين، وينزل الرزق، أربعون بالشام، وثلاثون في سائر البلدان، إذا مات واحد منهم يقوم مقامه مثله، ولا يؤبه لهم"١.
وتحديد لفظ الأبدال بهذا العدد، وتقسيمه على البلدان، قد اعتمدوا فيه على حديث ضعيف، سيأتي بيانه.
وبَدَلُ الشيء غَيْرُه، وبِدْل الشيء وبَدَله وبَدِيله، الخَلَف منه، والجمع أبدال٢.
فالبدل في اللغة الذي يخلف الشيء، ويتغير مكانه.
٢ - معنى الأبدال في اصطلاح الصوفية:
جاء في اصطلاحات الصوفية: "البدلاء هم سبعة رجال، يسافر أحدهم عن موضع ويترك جسدًا على صورته فيه، بحيث لا يعرف أحد أنه فقد، وذلك معنى البدل لا غير"٣.
وقال المناوي: "الأبدال جمع بدل وهم طائفة من الأولياء، قال أبو البقاء: كأنهم أرادوا أنهم أبدال الأنبياء وخلفاؤهم، وهم عند القوم سبعة لا يزيدون ولا ينقصون، يحفظ الله بهم الأقاليم السبعة، لكل بلد إقليم فيه ولايته منهم واحد على قدم الخليل، وله الإقليم الأول، والثاني على قدم الكليم، والثالث على قدم هارون، والرابع على قدم إدريس، والخامس على قدم يوسف، والسادس على قدم عيسى، والسابع على قدم آدم، على ترتيب الأقاليم. وهم عارفون بما أودع الله في الكواكب السيارة من الأسرار، والحركات، والمنازل وغيرها،
_________________
(١) العين ٨/٤٥، وانظر: لسان العرب ١١/٤٨ - ٤٩.
(٢) انظر: لسان العرب ١١/٤٨، القاموس المحيط ص١٢٤٧.
(٣) اصطلاحات الصوفية للقاشاني ص ١٨، وانظر: اصطلاحات الشيخ محيي الدين العربي ص ٢٨٦، التعريفات ص٦٢، معجم الكلمات الصوفيةص١٨، المعجم الصوفي للدكتور الحفني ص٤١.
[ ٤٤٠ ]
ولهم من الأسماء أسماء الصفات، وكل واحد بحسب ما يعطيه حقيقة ذلك الاسم الإلهي من الشمول والإحاطة"١.
وفي معجم ألفاظ الصوفية: "الأبدال جمع بدل، إحدى المراتب في الترتيب الطبقي للأولياء عند الصوفية، لا يعرفهم عامة الناس - أهل الغيب -، وهم يشاركون بما لهم من اقتدار، له أثره في حفظ نظام الكون"٢.
٣ - الأبدال عند أهل السنة:
لم يرد لفظ الأبدال في كتاب الله - تعالى -، ولم يرد عن رسول الله - ﷺ - بإسناد صحيح، ولكن ورد هذا اللفظ في حديث منقطع الإسناد عن علي بن أبى طالب - ﵁ - مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - أنه قال: "الأبدال يكونون بالشام، وهم أربعون رجلًا، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلًا، يُسقى بهم الغيث، ويُنتصر بهم على الأعداء، ويُصرف عن أهل الشام بهم العذاب" ٣.
والأبدال كما سبق إحدى المراتب في الترتيب الطبقي للأولياء عند الصوفية، حيث أعطوا الأبدال قدرة على التصرف، وحفظ نظام الكون، مما هو ليس في مقدور البشر، وهذا من الشرك في الربوبية، وهو لفظ بدعي مرفوض بهذا المعنى.
ولكن يكثر في كتب رجال الحديث قولهم فلان من الأبدال، فما مرادهم بهذا اللفظ؟.
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: "كذلك لفظ البدل جاء في كلام كثير منهم، فأما الحديث المرفوع فالأشبه أنه ليس من كلام النبي..والذين تكلموا باسم البدل فسروه بمعان منها: أنهم أبدال الأنبياء، ومنها أنه كلما مات منهم رجل أبدل الله - تعالى - مكانه رجلًا،
_________________
(١) التوقيف ص٢٩ - ٣٠.
(٢) معجم ألفاظ الصوفية للدكتور الشرقاوي ص٢٢.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند ١/١١٢، ح ٨٩٦، وبنحوه الطبراني في المعجم الكبير١٠/١٨١، ح ١٠٣٩٠. وهو حديث منقطع الإسناد، انظر: مجموع الفتاوى١١/٤٣٣ - ٤٣٤، الأحاديث المختارة لأبي عبد الله المقدسي ٢/١١٠، ح ٤٨٤.
[ ٤٤١ ]
ومنها أنهم أبدلوا السيئات من أخلاقهم وأعمالهم وعقائدهم بحسنات، وهذه الصفات كلها لا تختص بأربعين ولا بأقل ولا بأكثر ولا تحصر بأهل بقعة من الأرض"١.
وقال - ﵀ -: "وأما أهل العلم فكانوا يقولون هم٢ الأبدال؛ لأنهم أبدال الأنبياء، وقائمون مقامهم حقيقة، ليسوا من المعدمين الذين لا يعرف لهم حقيقة، كل منهم يقوم مقام الأنبياء في القدر الذي ناب عنهم فيه، هذا في العلم والمقال، وهذا في العبادة والحال، وهذا في الأمرين جميعا"٣. فهذه المعاني صحيحة وهي لا تختص بعدد معين، وهي التي يريدها بعض المترجمين لرجال الحديث.
أما من فسر الأربعين الأبدال بأن الناس إنما ينصرون ويرزقون بهم، فذلك باطل، بل النصر والرزق يحصل بأسباب من آكدها دعاء المؤمنين، وصلاتهم، وإخلاصهم، ولا يتقيد ذلك لا بأربعين ولا بأقل ولا بأكثر٤. وكذا من قال بالأبدال السبعة وقدرتهم على حفظ نظام الكون فهذا - كما سبق - من الشرك في الربوبية.
فالأبدال لفظ مجمل قد يحوي معنى صحيحًا وقد يحوي معنى باطلًا.
_________________
(١) مجموع الفتاوى١١/٤٤١ - ٤٤٢.
(٢) يعني أهل الحديث.
(٣) مجموع الفتاوى ٤/٩٧.
(٤) انظر: المرجع السابق ١١/٤٤٢.
[ ٤٤٢ ]
الأوتاد
١ - معنى الأوتاد في اللغة:
الوتِدُ بالكسر، والوَتْد والوَدُّ، ما رز في الحائط، أو الأرض، من الخشب، والجمعأوتاد، قال الله - تعالى -: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ - ٧]، وقوله - ﷿ -: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ﴾ [الفجر - ١٠]، وَتَد الوَتِد وَتْدًا وَتِدَة وَتَّد كلاهما ثبت١.
فالأوتاد جمع وتد، وهو الشيء المثبت، الذي به يثبت شيء آخر.
٢ - معنى الأوتاد في اصطلاح الصوفية:
جاء في اصطلاحات الصوفية: "الأوتاد هم الرجال الأربعة، الذين على منازل الجهات الأربع من العالم أي الشرق والغرب والشمال والجنوب، بهم يحفظ الله - تعالى - تلك الجهات، لكونهم محل نظره - تعالى -"٢.
فالأوتاد إحدى المراتب في الترتيب الطبقي للأولياء عند الصوفية."والأوتاد قد بلغوا ووصلوا، وثبتت أقدامهم، وأركانهم، أما الأبدال فإنهم يتقلبون من حال إلى حال"٣.
٣ - معنى الأوتاد عند أهل السنة:
ورد لفظ الأوتاد في القرآن الكريم، حيث أطلقه الله على الجبال التي تثبت الأرض، قال - تعالى -: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ - ٧] .
_________________
(١) انظر: لسان العرب ٣/٤٤٤.
(٢) اصطلاحات الصوفية للقاشاني ص ١٧، وانظر: اصطلاحات ابن عربي ص ٢٨٦، معجم الكلمات الصوفية لأحمد النقشبندي الخالدي ص١٦، التعريفات ص٥٨، التوقيف على مهمات التعاريف ص١٠٢.
(٣) معجم ألفاظ الصوفية للدكتور الشرقاوي ص٦٣.
[ ٤٤٣ ]
ولم يرد عن السلف إطلاق هذا اللفظ على بعضهم. وتحديده - كما يقول الصوفية - بأربعة أشخاص لا يزيدون، ولا ينقصون، وبهم يحفظ الله جهات العالم الأربع، هو أمر مبتدع وباطل، إذ لم يرد بهذا المعنى شيء في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ -، وفيه شرك بالربوبية؛ إذ أسندوا لبعض الخلق التكفل بحفظ العالم.
وأما قول فلان من الأوتاد "يعنى بذلك أن الله - تعالى - يثبت به الإيمان، والدين، في قلوب من يهديهم الله به، كما يثبت الأرض بأوتادها، وهذا المعنى ثابت لكل من كان بهذه الصفة من العلماء، فكل من حصل به تثبيت العلم والإيمان في جمهور الناس، كان بمنزلة الأوتاد العظيمة والجبال الكبيرة، ومن كان بدونه كان بحسبه، وليس ذلك محصورًا في أربعة ولا أقل ولا أكثر، بل جعل هؤلاء أربعة مضاهاة لقول المنجمين في أوتاد الأرض"١.
إذًا فلفظ الأوتاد فيه إجمال، قد يحمل معنى باطلًا، وهو المعنى الذي يخصصه الصوفية، وغيرهم، بأربعة أشخاص يحفظ الله بهم العالم. وقد يحمل معنى صحيحًا، بأن يعني أن العلماء كالأوتاد بهم يثبت الله العلم، والإيمان في جمهور الناس.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى١١/٤٤٠.
[ ٤٤٤ ]
القطب والغوث
١ - معنى القطب في اللغة:
قال الخليل: "القُطْبُ نباتٌ.. والقُطْبُ كوكب بين الجدي والفرقدين، صغير أبيض، لا يبرح موضعه، شبه بقطب الرحى، وقطب الرحى، الحديدة التي في الطبق الأسفل من الرحيين، يدور عليها الطبق الأعلى، وتدور الكواكب على هذا الكوكب"١.
وقال ابن فارس: "القاف والطاء والباء أصل صحيح يدل على الجمع، يقال جاءت العرب قاطبة، إذا جاءت بأجمعها"٢. وقطب القوم سيدهم، وفلان قطب بني فلان، أي سيدهم الذي يدور عليه أمرهم٣.
فالقطب في اللغة هو الذي يدور عليه الأمر، لأهميته، وقطب القوم سيدهم.
٢ - معنى القطب في اصطلاح الصوفية:
القطب عند الصوفية عبارة عن "الواحد الذي هو موضع نظر الله من العالم في كل زمان، وهو على قلب إسرافيل - ﵇ - "٤.
وقال الجرجاني: "القطب، وقد يسمى غوثًا باعتبار التجاء الملهوف إليه، وهو عبارة عن الواحد الذي هو موضوع نظر الله في كل زمان، أعطاه الطلسم الأعظم من لدنه، وهو يسري في الكون وأعيانه الباطنة، والظاهرة، سريان الروح في الجسد، بيده قسطاس الفيض الأعم، وزنه يتبع علمه، وعلمه يتبع علم الحق، وعلم الحق يتبع الماهيات غير المجعولة فهو يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل.."٥.
_________________
(١) العين ٥/١٠٦ - ١٠٧، وانظر: لسان العرب ١/٦٨٢.
(٢) معجم مقاييس اللغة ٥/١٠٤.
(٣) انظر: لسان العرب ١/٦٨٢، القاموس المحيط ص١٦١.
(٤) اصطلاحات الشيخ محيي الدين العربي ص ٢٨٦، وانظر: اصطلاحات الصوفية ص٨٠ - ٨١.
(٥) التعريفات ص٢٢٧.
[ ٤٤٥ ]
ويقول المناوي: "الأقطاب هم الجامعون للأحوال، والمقامات، وقد يتوسع فيسمى كل من دار عليه مقام من المقامات، وانفرد به في زمانه، قطبًا، لكن حيث أطلق القطب لا يكون في الزمان إلا واحدًا وهو الغوث، وهو سيد أهل زمنه وإمامهم، وقد يحوز الخلافة الظاهرة كما حاز الباطنة"١.
٣ - معنى الغوث في اللغة:
الغوث الإعانة والنصرة عند الشدة، يقول ابن فارس: "الغين والواو والثاء كلمة واحدة، وهي الغوث من الإغاثة، وهي الإعانة والنصرة عند الشدة. وغَوْثٌ: قبيلة "٢. ويقول الخليل: "ضُرب فلانٌ فغَوَّث تغويثًا أي قال: واغَوْثاه، أي من يغيثني. والغَوْث الاسم من ذلك" ٣.
٤ - معنى الغوث في اصطلاح الصوفية:
جاء في اصطلاحات الصوفية: "الغوث هو القطب حين يلتجأ إليه، ولا يسمى في غير ذلك الوقت غوثًا"٤. فالغوث إذًا هو القطب في حالة الالتجاء إليه.
٥ - معنى القطب والغوث عند أهل السنة:
لفظ القطب ولفظ الغوث لم يردا في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ - ولم ينطق بها السلف - ﵏ -، فهي ألفاظ محدثة، ومع ذلك يجعلها الصوفية من أعلى الرتب الدينية، قال شيخ الإسلام - ﵀ -: "أما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة، مثل الغوث الذي بمكة والأوتاد الأربعة والأقطاب السبعة، والأبدال الأربعين، والنجباء الثلاثمائة، فهذه أسماء ليست موجودة في كتاب الله - تعالى - ولا هي أيضا مأثورة عن النبي، بإسناد صحيح، ولا ضعيف يحمل عليه"٥.
_________________
(١) التوقيف ص٨٣.
(٢) معجم مقاييس اللغة ٤/٤٠٠.
(٣) العين ٨/٤٤٠.
(٤) اصطلاحات الصوفية ص٧٤، وانظر: اصطلاحات ابن عربي ص٢٩٣، التعريفات ص٢٠٩، معجم الكلمات الصوفية ص٦٠، موسوعة مصطلحات جامع العلوم ص٦٤٨، المعجم الصوفي ص١٨٥.
(٥) مجموع الفتاوى١١/٤٣٣ - ٤٣٤.
[ ٤٤٦ ]
وأما من حيث معناها فهي ألفاظ مجملة قد يراد بها معنى صحيح وقد يراد بها معنى باطل، وقد سئل شيخ الإسلام - ﵀ - عن لفظ القطب الغوث فأجاب بقوله: "وأما سؤال السائل عن القطب الغوث الفرد الجامع؛ فهذا قد يقوله طوائف من الناس ويفسرونه بأمور باطلة في دين الإسلام، مثل تفسير بعضهم أن الغوث هو الذي يكون مدد الخلائق بواسطته في نصرهم ورزقهم، حتى يقول إن مدد الملائكة وحيتان البحر بواسطته، فهذا من جنس قول النصارى في المسيح - ﵇ -، والغالية في علي - ﵁ -، وهذا كفر صريح يستتاب منه صاحبه فإن تاب وإلا قتل..وأما إن قصد القائل بقوله القطب الغوث الفرد الجامع، أنه رجل يكون أفضل أهل زمانه، فهذا ممكن، لكن من الممكن أيضًا أن يكون في الزمان اثنان متساويان في الفضل، وثلاثة، وأربعة، ولا يجزم بأن لا يكون في كل زمان أفضل الناس إلا واحدًا، وقد تكون جماعة بعضهم أفضل من بعض من وجه دون وجه، وتلك الوجوه إما متقاربة وإما متساوية، ثم إذا كان في الزمان رجل هو أفضل أهل الزمان، فتسميته بالقطب الغوث الجامع، بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تكلم بهذا أحد من سلف الأمة وأئمتها"١.
ومن المحاذير في لفظ القطب أنهم يدخلون في هذه الأسماء ما هو من خصائص الربوبية مثل كونه يعطي الولاية من يشاء، ويصرفها عن من يشاء، والله يقول لسيد ولد آدم: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص - ٥٦] وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران - ١٢٨] ٢.
وبعضهم يطلق لفظ القطب على كل من دار عليه أمر من أمور الدين، أو الدنيا باطنًا أو ظاهرًا، فهو قطب ذلك الأمر ومداره، سواء كان الدائر عليه أمر داره أو دربه أو قريته أو مدينته أمر دينها أو دنياها، باطنًا أو ظاهرًا ولا اختصاص لهذا المعنى بسبعة، ولا أقل، ولا أكثر، لكن الممدوح من ذلك من كان مدارًا لصلاح الدنيا والدين، دون مجرد صلاح الدنيا، فقد يتفق في بعض الأعصار أن يكون شخص أفضل أهل عصره، وقد يتفق في عصر
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٧/٩٦ - ١٠٢، وانظر: منهاج السنة ١/٩٥.
(٢) انظر: بغية المرتاد ص٣٩٣ - ٣٩٤.
[ ٤٤٧ ]
آخر أن يتكافأ اثنان أو ثلاثة في الفضل عند الله سواء، ولا يجب أن يكون في كل زمان شخص واحد هو أفضل الخلق عند الله مطلقًا١.
وأما لفظ الغوث فيقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "فأما لفظ الغوث والغياث فلا يستحقه إلا الله، فهو غياث المستغيثين، فلا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره، لا بملك مقرب، ولا نبي مرسل"٢.
فإطلاق لفظ الغوث على غير الله باطل مطلقًا٣. وأما لفظ القطب فقد يراد به معنى صحيح، وقد يراد به معنى باطل كما سبق.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى١١/٤٤٠.
(٢) المرجع السابق١١/٤٣٧.
(٣) انظر: المرجع السابق ١١/٤٤٤.
[ ٤٤٨ ]
النجباء والنقباء
١ - معنى النجباء في اللغة:
قال الخليل: "انتجبته أي استخلصته، واصطفيته، اختيارًا على غيره"١. "ورجل نجيب، أي كريم بيّن النجابة"٢.
وفي النهاية: "النجيب الفاضل من كل حيوان، وقد نجب ينجب نجابة إذا كان فاضلًا نفيسًا في نوعه"٣.
فالنجباء جمع نجيب، وهو الفاضل النفيس.
٢ - معنى النجباء في الاصطلاح:
"النجباء هم الأربعون القائمون بإصلاح أمور الناس، وحمل أثقالهم، المتصرفون في حقوق الخلق لا غير"٤. والعدد المذكور هنا تختلف الكتب في تحديده.
٣ - معنى النقباء في اللغة:
قال الخليل: "النَّقْب في الحائط ونحوه يخلص فيه إلى ما وراءه، وفي الجسد يخلص فيه إلى ما تحته من قلب أو كبد..والنقيب شاهد القوم يكون مع عريفهم، أو قبيلهم يسمع قوله ويصَدِّق عليه وعليهم..والنُّقَباء الذين ينقبون الأخبار والأمور للقوم فيصدقون بها.. والنَّقْاب الحبر العالم"٥. فالنقباء جمع نقيب، والنقيب الباحث عن القوم، وعن أحوالهم.
_________________
(١) العين ٦/١٥٢.
(٢) الصحاح ١/٢٢٢.
(٣) النهاية لابن الأثير ٥/١٧.
(٤) اصطلاحات الصوفية للقاشاني ص١٠٣، وانظر: اصطلاحات ابن عربي ص٢٨٦، معجم الكلمات الصوفية ص٨٨، التعريفات ص ٣٠٨، التوقيف ص٦٩٢.
(٥) العين ٥/١٧٩ - ١٨٠، وانظر: الصحاح ١/٢٢٧، اللسان ١/٧٦٩.
[ ٤٤٩ ]
٤ - معنى النقباء في الاصطلاح:
جاء في معجم اصطلاحات الصوفية: "النقباء هم الذين تحققوا باسم الباطن، فأشرفوا على بواطن الناس، واستخرجوا خفايا الضمائر، لانكشاف الستائر لهم عن وجوه السرائر، وهم ثلاثمائة"١. وهذا العدد المذكور للنقباء تختلف الكتب في تحديده.
٥ - موقف أهل السنة من لفظي النقباء والنجباء:
سبق بيان المعنى اللغوي لهذين اللفظين، فالنقباء جمع نقيب، والنقيب الباحث عن القوم، وعن أحوالهم٢، أما النجباء فجمع نجيب والنجيب في اللغة الفاضل. ولم يرد هذان اللفظان في كتاب الله ولا في سنة رسوله، وورد لفظ النقيب قال - تعالى -: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة - ١٢]، وهو على معناه في اللغة. فإطلاق لفظ النقباء أو النجباء على المعاني اللغوية السابقة صحيح، وهذه الصفات كلها لا تختص بعدد معين.
أما المعنى الذي يذكره الصوفية للنقباء فهو معنى باطل، وظاهر الفساد، إذ لا يعلم بواطن النفوس إلا الله، وقد تمدح - سبحانه - بذلك فقال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر - ١٩]، وكذلك المعنى الذي ذكروه للنجباء هو باطل أيضًا، إذ فيه إشراك بعض الخلق مع الله في التصرف.
_________________
(١) اصطلاحات الصوفية للقاشاني ص١٠٤ - ١٠٥، وانظر: اصطلاحات ابن عربي ص ٢٨٦، معجم الكلمات الصوفية ص٩٠، التعريفات ص٣١٤، التوقيف ص٧٠٨.
(٢) انظر: المفردات ص٨٢٠.
[ ٤٥٠ ]
العارف
١ - معنى العارف في اللغة:
قال الأزهري: "عرف يعرف عرفانًا ومعرفة، وأمر عارف معروف عريف. قلت: لم أسمع أمر عارف أي معروف لغير الليث، والذي حصلناه للأئمة: رجل عارف أي صبور، قال أبو عبيد وغيره: يقال نزلت به مصيبة فوجد صبورًا عارفًا..ونفس عروف صبور إذا حُمِلت على أمر احتملته..والعرف والعارفة والمعروف واحد، وهو كل ما تعرفه النفس من الخير، وتَبْسأ به، وتطمئن إليه"١. ورجل عروفة بالأمور أي عارف بها، والهاء للمبالغة٢. والعرفان العلم٣.
٢ - معنى العارف في اصطلاح الصوفية:
جاء في معجم الكلمات الصوفية: "العارف هو من أشهده الله ذاته، وصفاته، وأسماءه، وأفعاله، فالمعرفة حال تحدث من شهوده"٤.
وفي الكليات: "والعارف هو المستغرق في معرفة الله، ومحبته"٥.
ومنهم من يفرق بين المعرفة والعلم فيقول:" المعرفة ما شاهدته حسًا، والعلم ما شاهدته خبرًا، أي بخبر الأنبياء - ﵈ -"٦.
وبناء على قول الصوفية وأهل الوحدة بالفناء، صار العارف عندهم "الفاني عن حظوظه
_________________
(١) تهذيب اللغة ٢/٣٤٤.
(٢) انظر: الصحاح ٤/١٤٠٢، معجم مقاييس اللغة ٤/٢٨٢.
(٣) انظر: لسان العرب ٩/٢٣٦، وانظر البحث ص٢٢٧.
(٤) معجم الكلمات الصوفية ص٥٥، وانظر: المعجم الصوفي ص١٦٧.
(٥) الكليات ص٤٩٠.
(٦) كشاف اصطلاحات الفنون ٢/٩٩٦.
[ ٤٥١ ]
في شهود قيوميته، لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة"١.
وقد آل بهم استغراقهم في توحيد الربوبية، والوقوف عند المشيئة العامة الشاملة إلى اطراح الأسباب، حتى قال قائلهم: العارف لايعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا؛ لاستبصاره بسر الله في القدر٢.
٣ - موقف أهل السنة من لفظ العارف:
لم يرد العارف بهذا اللفظ في كتاب الله، وورد الفعل عرف بتصريفاته وبعض اشتقاقاته، نحو قوله - تعالى -: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد - ٣٠]، وقوله - تعالى -: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة - ١٤٦]، وورد الفعل عرف بتصريفاته في السنة، ومنه قوله - ﷺ -: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام، على من عرفت، وعلى من لم تعرف" ٣. واختار الله لنفسه لفظ العلم، ولم يصف نفسه بالمعرفة. وليس للفظ العارف مكانة دينية، أو أهمية خاصة، بل الذي يتردد عند أهل السنة هو لفظ العلم والعالم.
والصوفية يرجحون لفظ العارف على العالم، وكثير منهم - كما يقول ابن القيم٤ - لا يرفع بالعلم رأسًا، ويعده قاطعًا وحجابًا دون المعرفة. وهذا باطل، فالله - ﷿ - امتدح أهل العلم، في أكثر من آية، ومنه قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر - ٩]، والآيات والأحاديث في فضل العلم والعلماء كثيرة، ليس هذا محل التفصيل فيها.
وأما العارف في اصطلاح الصوفية فهو في الحقيقة ضلال وانحراف، إذ ليس بعارف من آل به الأمر إلى ترك الأسباب، وعدم التمييز بين المعروف والمنكر، والحق والباطل، بل هو خروج عن العلم والدين.
_________________
(١) الاستغاثة ١/٣٥٥.
(٢) انظر: طريق الهجرتين ص٤٩٥.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان باب السلام للمعرفة وغير المعرفة ٥/٢٣٠٢، ح ٥٨٨٢.
(٤) انظر: المدارج ٣/٣٣٥.
[ ٤٥٢ ]
رجال الغيب
١ - معنى رجال الغيب في اللغة:
قال الخليل: "هذا رَجُل أي ليس بأنثى، وهذا رجل أي كامل"١.
وقال الجوهري: "والرَجُل خلاف المرأة، والجمع رِجَال ورِجَالات، مثل جمال وجمالات، وأَرَاجِل"٢. فالرجال في اللغة جمع رجل وهو خلاف المرأة، أي ليس بأنثى.
وأما الغيب، فيقول ابن فارس: "الغين والياء والباء أصل صحيح يدل على تستر الشيء عن العيون، ثم يقاس. من ذلك الغيب ما غاب، مما لايعلمه إلا الله. ويقال غابت الشمس تغيب غيبة وغيوبًا وغيبًا"٣.
فرجال الغيب في اللغة هم الرجال المستترون عن العيون.
٢ - معنى رجال الغيب في الاصطلاح:
يعتقد بعض العوام والصوفية أن رجال الغيب أولياء الله من الإنس، وهم غائبون عن أبصار الناس، وكلهم الله بتصريف الأمر٤.
والحقيقة أن ما يسمونه رجال الغيب هم جن تمثلت بصور الإنس، أو رؤيت في غير صور الإنس، والجن يسمون رجالًا، قال - تعالى -: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن - ٦] ٥.
والجن تفعل ذلك كي تلبس على الإنس، ليعظموهم. قال شيخ الإسلام - ﵀ -: "ورجال الغيب هم الجن، وهو يحسب أنه أنسي، وقد يقول له أنا الخضر، أو إلياس، بل أنا
_________________
(١) العين ٦/١٠١.
(٢) الصحاح ٤/١٧٠٥.
(٣) معجم مقايس اللغة ٤/٤٠٣، وانظر: العين ٨/٤٥٤ - ٤٥٦، الصحاح ١/١٩٦.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى ١/٣٦٢، ١٣/٢١٧.
(٥) انظر: المرجع السابق ١١/٤٤٣، منهاج السنة ٣/٣٨٠.
[ ٤٥٣ ]
محمد، أو إبراهيم الخليل، أو المسيح، أو أبو بكر، أو عمر، أو أنا الشيخ فلان، أو الشيخ فلان، ممن يحسن بهم الظن. وقد يطير به في الهواء، أو يأتيه بطعام أو شراب أو نفقة، فيظن هذا كرامة، بل آية ومعجزة، تدل على أن هذا من رجال الغيب، أو من الملائكة، ويكون ذلك شيطانًا لبس عليه"١.
وليس في أولياء الله المتقين، ولا عباد الله المخلصين الصالحين، ولا أنبيائه المرسلين، من كان غائب الجسد دائمًا عن أبصار الناس٢.
والناس في رجال الغيب أحزاب مختلفة٣:
حزب يكذبون بوجود رجال الغيب، ولكن قد عاينهم الناس، وثبت عمن عاينهم، أو حدثه الثقات بما رأوه، وهؤلاء إذا رأوهم وتيقنوا وجودهم قد يخضعون لهم.
وحزب عرفوهم، ورجعوا إلى القدر، واعتقدوا أن ثم في الباطن طريقًا إلى الله غير طريقة الأنبياء. وهؤلاء ضُلال.
وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا وليًا خارجًا عن دائرة الرسول، فقالوا يكون الرسول هو ممدًا للطائفتين. فهؤلاء معظمون للرسول جاهلون بدينه وشرعه.
والحق أن هؤلاء من أتباع الشياطين وأن رجال الغيب هم الجن، وإلا فالإنس يؤنسون أي يشهدون، ويرون، ومن ظنهم أنهم من الإنس فمن غلطه وجهله، وسبب الضلال فيهم وافتراق هذه الأحزاب الثلاثة، عدم الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن.
فرجال الغيب إذًا ليسوا من الأنس بل هم جن يلبسون على الجهال والعوام، فيحسبونهم من أولياء الله وليسوا كذلك.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/٧١.
(٢) انظر: المرجع السابق ١١/٤٤٣.
(٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية ٢/٧٦٦ - ٧٦٧.
[ ٤٥٤ ]
الفناء
١ - معنى الفناء في اللغة:
قال الخليل: "الفَناء نقيض البقاء، والفعل فني يفنى فناء فهو فان، والفِناء سعة أمام الدار"١.
" وتفانى القوم قتلًا، أفنى بعضهم بعضًا، وتفانوا أي أفنى بعضهم بعضًا في الحرب، وفني يفنى فناء هرم وأشرف على الموت هرمًا"٢.
فالفناء هو الاضمحلال والتلاشي والعدم، وقد يطلق على ما تلاشت قواه وأوصافه مع بقاء عينه كما يقال شيخ فان٣.
٢ - معنى الفناء في اصطلاح الصوفية:
جاء في اصطلاحات الصوفية: "الفناء بزوال الرسوم جميعًا بالكلية، في عين الذات الأحدية، مع ارتفاع الإثنينية، وهو مقام المحبوبية"٤.
وفي المعجم الصوفي: "وقيل الفناء هو الغيبة عن الأشياء..وقيل الفناء أن لا ترى شيئًا إلا الله، ولا تعلم إلا الله، وتكون ناسيًا لنفسك ولكل الأشياء سوى الله"٥.
ويقول شيخ الإسلام - ﵀ - مبينًا المعنى العام للفناء عند الصوفية: "ما يسميه بعض الصوفية الفناء، وهو استغراق القلب في الحق حتى لا يشعر بغيره"٦.
_________________
(١) العين ٨/٣٧٦، وانظر: تهذيب اللغة ١٥/٤٧٨، لسان العرب ١٥/١٦٤.
(٢) لسان العرب ١٥/١٦٤، وانظر: تهذيب اللغة ١٥/٤٧٨.
(٣) انظر: مدارج السالكين ١/١٥٤.
(٤) اصطلاحات الصوفية للقاشاني ص٢١٢، وانظر: معجم الكلمات الصوفية ص١٩١.
(٥) المعجم الصوفي ص١٩٦.
(٦) بغية المرتاد ص٢٢٦.
[ ٤٥٥ ]
ويقول الإمام ابن القيم - ﵀ -: "ولكن القوم اصطلحوا على وضع هذه اللفظة لتجريد شهود الحقيقة الكونية والغيبة عن شهود الكائنات"١. وسيأتي تفصيل أقسامه عند بيان موقف أهل السنة منه.
٣ - موقف أهل السنة من مصطلح الفناء:
لم يرد مصطلح الفناء في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - ﷺ -، وقد ورد الفعل فنى في قوله - تعالى -: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن - ٢٦] أي هالك وذاهب٢. والفناء المذكور في الآية، ليس هو الفناء الذي تشير إليه الصوفية، فإن الفناء في الآية الهلاك والعدم، حيث أخبر - سبحانه - أن كل من على الأرض يعدم ويموت، ويبقى وجهه - سبحانه - ٣.
كما لم يرد في كلام الصحابة والتابعين، مدح لفظ الفناء، ولا ذمه، ولا استعملوا لفظه في المعنى الذي يشير إليه الصوفية البتة، ولا ذكره مشايخ الطريق المتقدمون، ولا جعلوه غاية. فهذا اللفظ لا ينكر مطلقًا، ولا يقبل مطلقًا، بل لا بد فيه من التفصيل، وبيان صحيحه من معلوله، ووسيلته من غايته٤.
والفناء مصطلح يحتمل عدة معان؛ منها ما هو صحيح، ومنها ما هو نقص، ومنها ما هو كفر.
يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "والمعنى الذي يسمونه الفناء ينقسم ثلاثة أقسام: فناء عن عبادة السوى، وفناء عن شهود السوى، وفناء عن وجود السوى.
فالأول: أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه. وهذا هو حقيقة التوحيد والإخلاص الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو تحقيق
_________________
(١) مدارج السالكين ١/١٥٤ - ١٥٥.
(٢) انظر: تفسير الطبري ٢٧/١٣٤، تفسير ابن كثير ٤/٢٧٣.
(٣) انظر: مدارج السالكين ٣/٣٦٨.
(٤) انظر: المرجع السابق ٣/٣٧٧ - ٣٧٨، بتصرف.
[ ٤٥٦ ]
لا إله إلا الله. فإنه يفنى من قلبه كل تأله لغير الله، ولا يبقى في قلبه تأله لغير الله، وكل من كان أكمل في هذا التوحيد كان أفضل عند الله.
والثاني أن يفنى عن شهود ما سوى الله، وهذا الذي يسميه كثير من الصوفية حال الاصطلام والفناء والجمع ونحو ذلك، وهذا فيه فضيلة من جهة إقبال القلب على الله، وفيه نقص من جهة عدم شهوده للأمر على ما هو عليه، فإنه إذا شهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأنه المعبود لا إله إلا هو، الذي أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأمر بطاعته، وطاعة رسله، ونهى عن معصيته، ومعصية رسله، فشهد حقائق أسمائه وصفاته وأحكامه خلقًا وأمرًا، كان أتم معرفة وشهودًا وإيمانًا وتحقيقًا، من أن يفنى بشهود معنى عن شهود معنى آخر، وشهود التفرقة في الجمع، والكثرة في الوحدة، وهو الشهود الصحيح المطابق، لكن إذا كان قد ورد على الإنسان ما يعجز معه عن شهود هذا وهذا كان معذورًا للعجز، لا محمودًا على النقص والجهل.
والثالث الفناء عن وجود السوى، وهو قول الملاحدة أهل الوحدة، كصاحب الفصوص وأتباعه الذين يقولون وجود الخالق هو وجود المخلوق، وما ثم غير ولا سوى في نفس الأمر، فهؤلاء قولهم أعظم كفرًا من قول اليهود والنصارى وعباد الأصنام"١.
والمعنى الأول للفناء مطلوب. أما الفناء بالمعنى الثاني فهو الذي يظنه الصوفية غاية السالكين، مع أنه ليس غاية محمودة بل هو فناء الناقصين٢، وهو الفناء في شهود الربوبية، وهؤلاء"ليس مرادهم فناء وجود ما سوى الله في الخارج، بل فناؤه عن شهودهم وحسهم، فحقيقته غيبة أحدهم عن سوى مشهوده، بل غيبته أيضا عن شهوده ونفسه، لأنه يغيب بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبموجوده عن وجوده، وبمحبوبه عن حبه،
_________________
(١) مجموع الفتاوى٢/٢٦٨ - ٢٧٠، وانظر: مدارج السالكين١/١٥٤ - ١٥٥، ٣/٣٧٨ - ٣٨٠.
(٢) انظر: مدارج السالكين١/١٤٩، ١٥٥.
[ ٤٥٧ ]
وبمشهوده عن شهوده، وقد يسمى حال مثل هذا سكرًا واصطلامًا ومحوًا وجمعًا١، وقد يفرقون بين معاني هذا الأسماء"٢.
أما الفناء بالمعنى الثالث فهو فناء أهل الوحدة، وقولهم فيه كفر محض.
ويعرض للسالك على درب الفناء معاطب، ومهالك؛ منها أنه إذا اقتحم عقبة الفناء ظن أن صاحبها قد سقط عنه الأمر، لتشويشه على الفناء، ونقضه له، والفناء عنده غاية العارفين، ونهاية التوحيد، فيرى ترك كل ما أبطله وأزاله من أمر ونهي أو غيرهما، ويصرح بعضهم بأنه إنما يسقط الأمر والنهي عمن شهد الإرادة. ولم يعلم هذا المغرور أن غاية ما معه الفناء في توحيد أهل الشرك الذي أقروا به ولم يكونوا به مسلمين ألبتة، كما قال - تعالى -: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان - ٢٥]، ومن كان هذا التوحيد والفناء غاية توحيده، انسلخ من دين الله، ومن جميع رسله وكتبه٣.
٤ - المصطلحات التي تدخل تحت لفظ الفناء:
يستخدم الصوفية مصطلحات أخرى للتعبير عن معنى الفناء، كلفظ المحو والجمع والاصطلام والسكر، وهذه المصطلحات تشترك معًا في غيبة المتصف بها عن شهود ما سوى الله، وقد يفرق بعض الصوفية بينها من حيث السبب الباعث لغيبة الشخص عن ما سوى الله، ومن حيث درجة هذه الغيبة، وحال المتصف بها.
يقول شيخ الإسلام مبينًا تقارب هذه الألفاظ: ".. أن يفنى عن شهود ما سوى الله وهذا الذي يسميه كثير من الصوفية حال الاصطلام والفناء والجمع ونحو ذلك"٤. وقال عن السكر: "وكذلك ما يرد على القلوب مما يسمونه السكر والفناء، ونحو ذلك من الأمور
_________________
(١) سيأتي التعريف بهذه المصطلحات في الفقرة التالية.
(٢) مدارج السالكين ١/١٥٥.
(٣) انظر: المرجع السابق ١/١٦٠.
(٤) مجموع الفتاوى ٢/٣٧٠، وانظر المرجع نفسه١٠/٥٩٤.
[ ٤٥٨ ]
التي تغيب العقل بغير اختيار صاحبها، فإنه إذا لم يكن السبب محظورًا لم يكن السكران مذمومًا بل معذورًا"١، وفيما يلي بيان هذه المصطلحات عند الصوفية باختصار:
١ - الجمع:
وأما الجمع فهو "شهود الأشياء بالله والتبري من الحول والقوة إلا بالله، وجمع الجمعالاستهلاك بالكلية والفناء عما سوى الله وهو المرتبة الأحدية "٢.
٢ - المحو:
والمحو هو "فناء وجود العبد في ذات الحق"٣. و"محو الجمع والمحو الحقيقي فناء الكثرة في الوحدة"٤. والمحو "رفع أوصاف العادة بحيث يغيب العبد عندها عن عقله، وتحصل منه أفعال وأقوال لا مدخل لعقله فيها؛ كالسكر من الخمر"٥.
٣ - الاصطلام:
والاصطلام هو "نعت وله يرد على القلب تحت سلطانه "٦. وقيل هو" الوله الغالب على القلب، وهو غلبات الحق الذي يجعل كلية العبد مغلوبة له بامتحان اللطف في نفي إرادته"٧.
٤ - السكر:
أما تعريف السكر: فهو "غيبة بوارد قوي"٨. وهو يعطي الطرب والإلتذاذ٩.
وفي اصطلاحات الصوفية قال عن السكر: "ودرجته في النهايات الاصطلام بين سطوة الفناء واستقراره، وبداية البقاء بعده واستهلاكه"١٠.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١١/١٠.
(٢) التعريفات ص١٠٥، وانظر: اصطلاحات ابن عربي ص٢٨٧.
(٣) التوقيف ص ٦٤١.
(٤) اصطلاحات الصوفية ص٩٠، وانظر: التعريفات ص٢٥٨.
(٥) التعريفات ص٢٥٨.
(٦) اصطلاحات ابن عربي ص ٢٩٢، وانظر: اصطلاحات الصوفية ص١٥، التوقيف ص٦٨.
(٧) المعجم الصوفي ٢٤.
(٨) اصطلاحات ابن عربي ص٢٨٨.
(٩) انظر: التعريفات ص١٥٩.
(١٠) اصطلاحات الصوفية ص٢٠٧.
[ ٤٥٩ ]
٥ - الصعق:
والصعق هو"الفناء في الحق بالتجلي الذاتي"١.
وقالوا: "الصعق الغشية أو الذهاب أو الفناء، وذلك من مطالعة أنوار الحقائق، فالصعق دهشة، وسكر ناتج من تجلي أسرار الله على قلب العبد الصادق، وذلك في حال المشاهدة"٢.
٦ - المشاهدة:
والمشاهدة "شهود الذات، بارتفاع الحجاب مطلقًا..ودرجتها شهود الحق ذاته بذاته، لفناء العبد بكليته في عين الجمع"٣.
ومن خلال التعريف بهذه المصطلحات يتضح التقارب والاشتراك بينها في المعنى، والحكم على المتصف بها كما سبق في لفظ الفناء بمعناه عند الصوفية، يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "فالأحوال التي يعبر عنها بالاصطلام والفناء والسكر ونحو ذلك، إنما تتضمن عدم الإحساس ببعض الأشياء دون بعض، فهي مع نقص صاحبها - لضعف تمييزه - لا تنتهي إلى حد يسقط فيه التمييز مطلقًا، ومن نفى التمييز في هذا المقام مطلقًا، وعظم هذا المقام، فقد غلط في الحقيقة الكونية والدينية قدرًا وشرعًا، وغلط في خلق الله وفي أمره، حيث ظن أن وجود هذا؛ لا وجود له، وحيث ظن أنه ممدوح، ولا مدح في عدم التمييز: العقل والمعرفة"٤.
_________________
(١) معجم الكلمات الصوفية ص٤٩.
(٢) معجم ألفاظ الصوفية للدكتور الشرقاوي ص١٩٠.
(٣) معجم الكلمات الصوفية ص١٨٤ - ١٨٥.
(٤) مجموع الفتاوى ٣/١١٧.
[ ٤٦٠ ]
الكشف
١ - معنى الكشف في اللغة:
قال الخليل: "الكشف رفعك شيئًا عما يواريه ويغطيه، كرفع الغطاء على الشيء"١.
وفي الصحاح: "وكاشفه بالعداوة، أي بادأه بها"٢.
وقال ابن دريد: "كشفت الشيء أكشفه كشفًا إذا أظهرته، وأبديته"٣.
"وكشف الأمر يكشف كشفًا أظهره"٤. والأكشف الذي لا ترس معه في الحرب٥.
فالكشف إذًا يعني الإظهار، ورفع الغطاء والحجاب.
٢ - معنى الكشف في اصطلاح الصوفية:
جاء تعريف المكاشفة في اصطلاحات الصوفية بأنها: "شهود الأعيان وما فيها من الأحوال في عين الحق، فهو التحقيق الصحيح بمطالعة تجليات الأسماء الإلهية"٦.
وقال الجرجاني: "الكشف في اللغة رفع الحجاب، وفي الاصطلاح هو الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية، والأمور الحقيقية وجودًا وشهودًا "٧.
والكشف طريق المعرفة عند الصوفية، وهو حاكم على الوحي عندهم، بل قال الغزالي إنه لا يستدل بالسمع على شيء من العلم الخبري، وإنما الإنسان يعرف الحق بنور إلهي، يقذف في قلبه، ثم يعرض الوارد في السمع عليه، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه، وما خالف أولوه٨، بل زادت طائفة أخرى على ذلك فادعوا أنهم يعلمون إما بالكشف وإما
_________________
(١) العين ٥/٢٩٧، وانظر: تهذيب اللغة ١٠/٢٦، لسان العرب ٩/٣٠٠
(٢) الصحاح ٤/١٤٢١.
(٣) جمهرة اللغةلابن دريد ٣/٦٥.
(٤) لسان العرب ٩/٣٠٠.
(٥) تهذيب اللغة للأزهري ١٠/٢٧.
(٦) اصطلاحات الصوفية ص ٢٠١.
(٧) التعريفات ص٢٣٥، وانظر: التوقيف ص٦٠٤.
(٨) انظر: إحياء علوم الدين ١/١٨٠.
[ ٤٦١ ]
بالعقل الحقائق التي أخبر بها الرسول أكمل من علمه بها١، وهو ما يصرح به مشايخ الاتحادية. وكثير منهم يدعي الكشف والشهود لما يخبرون عنه، وأن تحققهم لا يوجد بالنظر والقياس والبحث، وإنما هو شهود الحقائق وكشفها، ويقولون: ثبت عندنا بالكشف ما يناقض صريح العقل٢.
والكشف يقابله الإشراق عند السهروردي٣، والإشراق عنده هو ظهور الأنوار العقلية، ولمعانها وفيضانها على الأنفس الكاملة، عند التجرد عن المواد الجسمية٤.
وعرفه أيضًا بأنه" شروق الأنوار على النفس بحيث تنقطع عن منازعة الوهم"٥.
ومما يدخل في معنى الكشف عند الصوفية، وهو من أنواعه وحالاته ووسائله:
"١" - الوارد: وهو كل ما يرد على القلب من المعاني الغيبية من غير تعمد من العبد٦.
"٢" - الخاطر: وهو ما يرد على القلب والضمير من الخطاب، ربانيًا كان أو ملكيًا، أو نفسيًا، أو شيطانيًا، من غير إقامة. وقد يكون كل وارد لا تعمّل لك فيه٧.
"٣" - التجلي: وهو ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب٨.
"٤" - المحادثة: وهي خطاب الحق للعارفين من عالم الملك والشهادة٩.
"٥" - المسامرة: وهي خطاب الحق للعارفين، ومحادثته لهم في عالم الأسرار والغيوب١٠.
_________________
(١) انظر: درء التعارض ٥/٣٣٩ - ٣٤٠.
(٢) انظر: بيان تلبيس الجهمية ٢/٥٣٨.
(٣) الفيلسوف المنطقي، شهاب الدين يحيى بن حبش بن أميرك السهروردي، كان يتوقد ذكاء إلا أنه قليل الدين، وقال ابن أبي أصيبعة اسمه عمر، له كتاب التلويحات اللوحية والعرشية، وكتاب المعارج والمطارحات، وكتاب حكمة الإشراق، وسائرها ليست من علوم الإسلام، وكان يتهم بالانحلال والتعطيل، ويعتقد مذهب الأوائل، اشتهر ذلك عنه وأفتى علماء حلب بقتله، وقتل في أوائل سنة سبع وثمانين وخمس مئة. انظر: سير أعلام النبلاء ٢١/٢٠٧ - ٢١١، كشف الظنون ١/٦٨٤.
(٤) انظر: حكمة الإشراق للسهروردي ص٢٩٨، نقلا عن المعجم الفلسفي للأستاذ مراد وهبة ص٦٨.
(٥) رسالة كلمات الصوفية للسهروردي، مجلة معهد المخطوطات العربية رقم ٢٨، ص ١٨٣، نقلا عن المعجم الفلسفي للأستاذ مراد وهبة ص٦٨.
(٦) انظر: المعجم الصوفي للدكتور الحفني ص٢٥٥.
(٧) انظر: معجم الكلمات الصوفية للنقشبندي ص٣٠، المعجم الصوفي ص٨٥.
(٨) انظر: معجم الكلمات الصوفية ص٢١، المعجم الصوفي ص٤٨.
(٩) انظر: معجم الكلمات الصوفية ص٧٨، المعجم الصوفي ص٢٢١.
(١٠) انظر: معجم الكلمات الصوفية ص٧٩، المعجم الصوفي ص٢٣٠.
[ ٤٦٢ ]
"٦" - الذوق: وهو نور عرفاني يقذفه الحق بتجليه في قلوب أوليائه، يفرقون به بين الحق والباطل من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب أو غيره١.
"٧" - البصيرة: وهي قوة للقلب منورة بنور القدس، منكشف حجابها بهداية الحق، تُرى بها حقائق الأشياء وبواطنها، وتسمى القوة القدسية٢.
وكأن الذوق والبصيرة وسائل وأدوات للكشف، وأما الوارد والخاطر والتجلي والمحادثة والمسامرة فهي أضرب وأنواع للكشف.
٣ - موقف أهل السنة من الكشف:
لقد ورد لفظ الكشف في القرآن، ومنه قوله - تعالى -: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ [ق - ٢٢]، وقال - سبحانه -: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء - ٥٦]، وورد في السنة الفعل "كشف"، ومن ذلك ما رواه أنس قال: "بينما المسلمون في صلاة الفجر، لم يفجأهم إلا رسول الله - ﷺ - كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم وهم صفوف، فتبسم يضحك.."٣، وهو على معناه في اللغة.
والكشف في الاصطلاح عند أهل السنة نوع من الخوارق، وذلك بأن يسمع الشخص مالا يسمعه غيره، أو يرى ما لا يراه غيره، أو أن يعلم ما لا يعلمه غيره، إما من طريق الوحي والإلهام وهذا للمؤمن، وقد يكون كرامة من الله لعبده، وقد يحصل للنفس نوع من الكشف، إما يقظة وإما منامًا بسبب قلة علاقتها مع البدن، إما برياضة أو بغيرها، وهذا هو الكشف النفساني، وهو مشترك بين المؤمن والكافر٤.
_________________
(١) انظر: المعجم الصوفي ص١٠٠، معجم ألفاظ الصوفية للدكتور الشرقاوي ص١٤٥ - ١٤٦.
(٢) انظر: المعجم الصوفي ص٤٤.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب هل يلتفت لأمر ينزل به أو يرى شيئا أو بصاقا قي القبلة ١/٢٤٥، ح ٧٥٤، ومسلم في كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما من يصلي بالناس ١/٣١٥، ح ٤١٩.
(٤) انظر: الصفدية ١/١٨٧، شرح الطحاوية ٢/٧٥٣ بتصرف.
[ ٤٦٣ ]
يقول شيخ الإسلام موضحًا معنى الكشف وأنواعه: "فما كان من الخوارق من باب العلم، فتارة بأن يسمع العبد مالا يسمعه غيره. وتارة بأن يرى مالا يراه غيره يقظة ومنامًا. وتارة بأن يعلم مالا يعلم غيره وحيًا وإلهامًا، أو إنزال علم ضروري، أو فراسة صادقة، ويسمى كشفًا ومشاهدات، ومكاشفات ومخاطبات، فالسماع مخاطبات، والرؤية مشاهدات، والعلم مكاشفة، ويسمى ذلك كله كشفًا ومكاشفة أي كشف له عنه"١.
والكشف الصحيح أن يعرف الحق الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، معاينة لقلبه٢، فينكشف له من غوامض علوم الدين ما لا ينكشف لغيره، ويكون مع علمه عاملًا، فهذا من كشف الأولياء، وهو كشف ظاهر المنفعة.
ومن الكشف مالا فائدة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، كالاطلاع على سيئات العباد٣.
ولابد أن يقترن الدين بالكشف، وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فلعدم الدين الذي هو أداء الواجبات وترك المحرمات، وأما في الدنيا فإن الخوارق هي من الأمور الخطرة، التي لا تنالها النفوس إلا بمخاطرات في القلب والجسم والأهل والمال٤.
وأما قول بعض الصوفية والاتحادية، أنه ثبت عندهم بالكشف ما يخالف الكتاب والسنة، فإن مشايخ الصوفية العارفين، متفقون على أن ما يحصل بالزهد والعبادة والرياضة والتصفية والخلوة، وغير ذلك، من المعارف، متى خالف الكتاب والسنة، أو خالف العقل الصريح، فهو باطل، ومن زعم من المنتسبين إليهم أنهم يجدون في الكشف ما يناقض صريح العقل، أو أن أحدهم يرد عليه أمر يخالف الكتاب والسنة بحيث يكون خارجًا عن طاعة الرسول - ﷺ - وأمره، أو أنه يحصل له علم مفصل بجميع ما أخبر به الرسول - ﷺ - وأمر به، فهو عندهم ضال مبطل، بل زنديق منافق، لا يجوزون قط طريقًا
_________________
(١) مجموع الفتاوى١١/٣١٣.
(٢) انظر: المدارج ٣/٢٢٦.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى١١/٣٢٨.
(٤) انظر: المرجع السابق ١١/٣٣٠.
[ ٤٦٤ ]
يستغنى به عن اتباع الرسول - ﷺ - فيما يخبر به الرسول، ويأمر به، فضلًا عن أن يسوغ له مخالفة الرسول - ﷺ - في أمره وخبره١.
وما يُعلم بالكشف قد يكون صحيحًا وقد يكون خاطئًا، فأهل المكاشفات والمخاطبات يصيبون تارة، ويخطئون أخرى، كأهل النظر والاستدلال في موارد الاجتهاد، ولهذا وجب عليهم جميعهم أن يعتصموا بكتاب الله، وسنة رسوله - ﷺ -، وأن يزنوا كشفهم، ومشاهدتهم، وآرائهم، ومعقولاتهم، بكتاب الله، وسنة رسوله، ولا يكتفوا بمجرد ذلك، فإن سيد المحدثين والمخاطبين الملهمين من هذه الأمة هو عمر بن الخطاب، وقد كانت تقع له وقائع، فيردها عليه رسول الله، أو صديقه أبو بكر، ولهذا وجب على جميع الخلق اتباع الرسول ﷺ - ٢.
كما أن ما يدعيه كثير من الصوفية، من الكشف والمشاهدة، عامته خيالات في أنفسهم، ويسمونها حقيقة، وقد تنزل عليهم الشياطين، وتخبرهم بأشياء، وتأمرهم بأشياء٣، وهذا غاية كشفهم الذي يحكمون به على الكتاب والسنة. لذا يجب ربط ما يحصل بالكشف بالكتاب والسنة، فنجعلهما حاكمين على الكشف، وَنرَدُّ ما خالفهما.
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية ١/٢٦٦ - ٢٦٧
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ١١/٦٥، بتصرف.
(٣) انظر: الرد على المنطقيين ص٤٨٩.
[ ٤٦٥ ]