قبل ذكر الكلام على زيارة القبور الشرعية والمحرمة والفرق بينهما نورد فيما يلي - إن شاء الله تعالى - نبذة عن الحياة البرزخية؛ ليعلم شيء عن حال الأموات ومستقر أرواحهم.
الحياة البرزخية:
دلت الآيات والأحاديث على أن نفس الميت تخرج من بدنه وتفارقه، فبخروجها منه وإمساك الله لها يموت صاحبها، فهي تبلغ التراقي عند الموت، ثم تفيض فلا يقدر مخلوق على إرجاعها؛ قال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾. [القيامة الآية: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة الآية: ٨٧]، وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر الآية: ٤٢].
وهذا بيان لكون النفس تقبض وقت النوم ثم منها ما يمسك فلا يرسل إلى بدنه وهو
[ ٨٢ ]
الذي قضى عليه الموت، ومنها ما يرسل إلى أجل مسمى؛ فالتي تمسك ويقضى على صاحبها بالموت تفارقه مفارقة تنقطع بها حياة الجسد وتزول فتزول حركته وإدراكه، وفي الصحيح عن النبي - ﷺ - كان يقول عند النوم: «باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها وارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين». ثم بعدما تفيض الروح يُصعد بها إلى السماء ثم تُعاد إلى جسد صاحبها للسؤال فيسأل في قبره ويقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فيقول المؤمن: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيي. ويقال له: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول المؤمن: هو عبد الله ورسوله جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه. أما المنافق فإنه يقول عند السؤال: هاه!! هاه!! لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الجن والإنس.
وعود الروح إلى الجسد بعد الموت ليس مثل عودها إليه في الحياة الدنيا، وليس مثل عودها إليه بعد البعث؛ فلكل دار عود خاص بها، وعودها إلى الجسد في البرزخ يحس معه بالنعيم أو العذاب؛ ولهذا أخبر - ﷺ - أن الميت يوسع له في
[ ٨٣ ]
قبره، ويسأل ونحو ذلك، وإن كان التراب لا يتغير. والروح تتصل بالبدن متى شاء الله، وتفارقه متى شاء الله - تعالى - لا يتوقف ذلك بمرة ولا مرتين.
والنوم أخو الموت؛ ولهذا كان النبي - ﷺ - يقول إذا استيقظ: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور». وإن كان النائم ليس كالميت في الحساسية؛ إذ إن الميت يحس بالنعيم أو العذاب بصفة أكمل وأبلغ من إحساس النائم؛ لأن نعيم الميت أو عذابه حقيقيان؛ ولكن يُذكر النوم كمثلٍ يقرِّب إلى الأذهان ما يلقاه الميت؛ فإذا كان النائم يحصل له في منامه أحيانًا لذة أو ألم بحسب ما يحلم به وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه كما يعرفه الجميع، فكذلك الميت يحصل له من النعيم أو العذاب ما الله به عليم.
والأرواح مخلوقة بلا شك، وقد دلت أحاديث نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة على بقائها؛ فمنها المنعم ومنها المعذب؛ أما حقيقة الروح فلا يعلمها إلا الله - سبحانه.
والنعيم أو العذاب يقع على الروح إذا فارقت البدن ويقع عليها وعلى البدن مجتمعين إذا عادت إليه؛ فهي دائمًا في نعيم أو عذاب مفردة عن البدن أو متصلة به والبدن تابع لها في ذلك، حتى يبعث الله الخلائق فتعود إلى الجسد عودًا كاملا
[ ٨٤ ]
ليس معه مفارقة.
وعذاب القبر هو عذاب البرزخ؛ فكل من مات وهو مستحق للعذاب يناله نصيبه منه قبر أو لم يقبر، أكلته السباع أو أحرق بالنار، وذري رمادًا أو صلب أو أغرق في البحر؛ كل هذه الحالات وغيرها يصل فيها إلى الميت ما يستحقه من نعيم أو عذاب كما يصل إلى المقبور تمامًا، ويقع النعيم أو العذاب على الروح والبدن كذلك، وما ورد من إجلاس الميت واختلاف أضلاعه ونحو ذلك يجب أن يفهم عن الرسول - ﷺ - مراده من غير غُلُوٍّ ولا تقصير.
مستقر الأرواح في البرزخ:
للعلماء في مستقر الأرواح في البرزخ أقوال يتلخص من أدلتها: أن الأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم تفاوت؛ فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى وهي أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهم متفاوتون في منازلهم فأعلاهم منزلة نبينا محمد - ﷺ -.
ومنها: أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة وهي أرواح بعض الشهداء لا كلهم؛ إذ إن من الشهداء من تُحبس روحه عن دخول الجنة لدَين عليه؛ كما في المسند عن
[ ٨٥ ]
عبد الله بن محسن أن رجلا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله مالي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: «الجنة» فلما ولى قال: «إلا الدَّين سارَّني به جبريل آنفًا».
ومنها: أرواح محبوسة على باب الجنة؛ كما في قوله - ﷺ -: «رأيت صاحبكم محبوسًا على باب الجنة».
ومنها: أرواح محبوسة في قبور أصحابها.
ومنها: أرواح في الأرض.
ومنها: أرواح في تنور الزناة والزواني.
ومنها: أرواح في نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة.
كل ذلك تشهد له السنة. والله أعلم.
والحاصل: أن الدور ثلاث؛ دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وقد جعل الله لكل دار أحكامًا تخصُّها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام البرزخ على الأبدان والأرواح تبعًا لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبعًا لها؛ فإذا جاء يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعًا.
وكون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار مطابق للعقل وحق لا مرية فيه، وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب عن غيرهم.
[ ٨٦ ]
وبجب أن يعلم أن النار التي في القبر والنعيم ليسا من جنس نار الدنيا ولا نعيمها؛ وإن كان الله تعالى يحمي عليه التراب والحجارة التي فوقه وتحته حتى تكون أعظم حرا من جمر الدنيا، ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بها؛ بل أعجب من هذا: أن الرَّجلين يدفن أحدهما إلى جنب صاحبه وهذا في حفرة من النار وهذا في روضة من رياض الجنة، لا يصل إلى جاره شيء من نعيمه ولا إلى هذا شيء من نار جاره، وقدرة الله أوسع من ذلك وأعجب؛ ولولا هذه المغيبات العظيمة التي كلف الناس بالإيمان بها من غير إحساس بها لزالت حكمة التكليف.
ما جاء في سماع الميت:
يعتقد بعض الناس أن ما يقال عند القبر يسمعه الميت لذا صار المشركون يدعون الأموات ويستغيثون بهم عند قبورهم، وربما احتجوا بما ذهب إليه بعض العلماء من سماع الميت لسلام المسلم، ومن العلماء من قال: إن الميت في قبره لا يسمع، وهو الذي يدل عليه القرآن، وبه قالت عائشة ﵂ وغيرها، واستدلت عليه من القرآن بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النحل:
[ ٨٧ ]
الآية ٨٠]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، وردوا على حديث أنه يسمع سلام المسلم بأنه ضعيف لا يحتجُّ به، وعلى حديث سماعه خفق نعال المشيعين بأنها حالة خاصة بوقت، ولا علاقة له بخطاب الأحياء له. وردوا على قصة خطابه ﷺ لقتلى بدر من المشركين أنها خاصة به - ﷺ -.
ما يصل إلى الميت من الأعمال:
إذا مات ابن آدم انقطع عمله ولم يصل إليه من العمل إلا ما استثناه الشارع وهو قسمان:
أحدهما: ما تسبب إليه الميت في حياته، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له». وكما في حديث أنس المرفوع: «سبع يجري على العبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من علَّم علما، أو أكرا نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا، أو ورث مصحفا، أو ترك ولدا صالحا يستغفر له بعد موته»، وكما في حديث ِأبي هريرة الذي رواه ابن ماجه بسند حسن والبيهقي وابن خزيمة عن النبي - ﷺ -
[ ٨٨ ]
قال: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علمًا علَّمه ونشره، وولدا صالحا تركه، أو مصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته»، وكما في الحديث الذي رواه مسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»، وما روي عن ابن مسعود ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «ليس من نفْس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه كان أولَ من سنَّ القتل». رواه البخاري ومسلم.
الثاني: دعاء المسلمين واستغفارهم له، والصدقة عنه، ووفاء دينه، والحج له، والأضحية عنه، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: الآية: ١٠]؛ فأثنى عليهم سبحانه باستغفارهم للمؤمنين قبلهم، وقد دل على انتفاع الميت بالدعاء إجماع الأمة على الدعاء في صلاة الجنازة، والأدعية التي وردت بها السنة في صلاة الجنازة
[ ٨٩ ]
قتادة؛ حيث ضمن الدينارين عن الميت فلما قضاهما قال النبي - ﷺ -: «الآن بردت جلدته».
*وأما الأضحية فقد دل عليها عموم قوله - ﷺ - في الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي: «اللهم هذا عني وعن من لم يُضَحِّ من أمتي». وحديث الكبشين اللذين قال في أحدهما: «اللهم هذا عن أمتي جميعا». رواه أحمد. والقربة في الأضحية إراقة الدم، وقد جعلها النبي - ﷺ - لغيره، والأصل فيها أنها عن الحي، ويدخل الميت معه بإشراكه فيها.
*أما العبادات البدنية غير الحج كالصلاة والصوم وقراءة القرآن، ففي وصولها إلى الميت خلاف، والأرجح أن الصوم الواجب يصل؛ لما روي في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: «من مات وعليه صوم صام عنه وَلِيُّه».
*وأما استئجار قوم يقرؤون القرآن ويهدونه للميت فهذا لم يفعله أحد من السلف ولم ينقل عن أحد من أئمة الدين ولم يرخص فيه؛ والاستئجار على نفس التلاوة غير جائز بلا خلاف؛ وفي الاختيار: لو أوصى بأن يُعطى شيء من ماله لمن يقرأ القرآن على قبره فالوصية باطلة. وكره أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية قراءة القرآن عند القبور مطلقا وقت
[ ٩٠ ]
شفَّعهم الله فيه». رواه مسلم.
وكذلك الدعاء للميت بعد الدفن؛ ففي سنن أبي داود من حديث عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي - ﷺ - إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل»، وكذا الدعاء لهم عند زيارة قبورهم.
*ومن أدلة وصول ثواب الصدقة ما جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂: أن رجلا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم».
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄؛ أن رجلا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم»، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها.
*ومن الأدلة على وصول ثواب الحج للميت وبراءة ذمته من الدين إذا قضي عنه ما روي في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄: أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي - ﷺ - فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: «حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله؛ فالله أحق بالوفاء». وحديث أبي
[ ٩١ ]
مستفيضة؛ منها: ما قاله عوف بن مالك: صلى رسول الله - ﷺ - على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: «اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم منزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار»، حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت؛ لدعاء رسول الله - ﷺ - على ذلك الميت. رواه مسلم.
وقال أبو هريرة ﵁: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في صلاته على الجنازة: «اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وأنت هديتها للإسلام وأنت قبضت روحها وأنت أعلم بسرها وعلانيتها» الحديث رواه الإمام أحمد يرحمه الله.
وفي سنن أبي داود يرحمه الله عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء».
وعن عائشة وأنس أنه ﵇ قال: «ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يَبْلُغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه». رواه مسلم.
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من رجل يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا
[ ٩٢ ]
الدفن وبعده، وأما تناوب قبر الميت للقراءة عنده فهذا بدعة مكروهة؛ لأنه لم تأت به السنة ولم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلا.
زيارة القبور:
منع النبي - ﷺ - من زيارة القبور في أوائل الإسلام سدا لذريعة الشرك، ثم لما تمكن التوحيد في القلوب أذن - ﷺ - في زيارتها، وقد وردت أحاديث في الإذن وأحاديث في التعليم؛ فأما التي في الإذن فمنها: حديث أبي سعيد أن النبي - ﷺ - قال: «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجرا». رواه الإمام أحمد والنسائي، ومنها حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة». رواه مسلم.
وأما التي في التعليم فمنها: حديث عائشة أنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - كلما كان ليلتها من رسول الله - ﷺ - يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد». رواه مسلم.
وحديث بريدة المتقدم في دعوة محمد - ﷺ -، وحديث ابن
[ ٩٣ ]
عباس ﵄ أنه قال: مر رسول الله - ﷺ - بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر». رواه أحمد والترمذي وحسَّنه. وبهذا يتبين أن الفائدة من زيارة القبور هي: إحسان الزائر إلى نفسه بتذكر الموت والآخرة والاتعاظ والاعتبار، وإحسانه إلى الميت بالسلام عليه والدعاء له بالرحمة والمغفرة وسؤال العافية.
زيارة القبور الشرعية:
الزيارة الشرعية: هي التي القصد منها تذكُّر الآخرة والاتعاظ والدعاء للأموات من المسلمين، واتباع السنة؛ كما مر في الأحاديث، وهي التي لا يقصد الزائر منها غير ذلك.
الزيارة المحرمة:
وأما الزيارة المحرمة فهي نوعان: بدعية منكرة، وشركية محضة؛ فأما البدعية فهي التي يقصد بها عبادة الله عند القبور تبركا أو اعتقادا أن لعبادة الله عندها مزية على عبادته سبحانه في المساجد أو في البيوت؛ كمن قصد قبر نبي أو صالح أو غيرهما ليصلي عنده أو يدعو الله عنده ونحو ذلك .. فهذا بدعة لا يجوز.
وأقبح من ذلك التمسح بها والطواف
[ ٩٤ ]
بها قصدا للتبرك ونحو ذلك؛ فقد اتفق العلماء على منع ذلك، واعتباره من أعظم وسائل الشرك الأكبر مع ما فيه من مخالفة سنة الرسول - ﷺ - والبعد عنها والإثم المترتب على ذلك؛ فلا يجوز التمسح بمقام إبراهيم ولا بجدران الحجرة النبوية ولا بالقبر النبوي على سبيل فرض الوصول إليه وغيره من باب أولى، ولا بالصخرة التي في المسجد الأقصى، ولا بالبنية المحدثة المبتدعة فوق جبل عرفات، ولا بالجبل نفسه، ولا بالمشعر الحرام؛ لأن ذلك ونحوه ابتداع منهي عنه وتعلق بالمخلوق لا يجوز؛ قال - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». رواه البخاري ومسلم، وفي رواية مسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقال - ﷺ - في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»، والذي ورد الشرع باستلامه من الآثار: الركن اليماني والحجر الأسود، والذي ورد الشرع بتقبيله منها: الحجر الأسود فقط، كما أنه لم يشرع الطواف بشيء سوى الكعبة المشرفة.
أمور محرمة تتعلق بالقبور:
دلت الأحاديث على تحريم اتخاذ القبور مساجد وأعيادًا،
[ ٩٥ ]
وعلى تحريم اتخاذ السرج عليها، وتحريم البناء عليها والكتابة، وعلى تحريم تجصيصها وإلقاء الستور عليها، وعلى عدم صحة الصلاة عليها وإليها، وعلى وجوب هدم ما عليها من مساجد وقباب، وتسويتها ومحو ما عليها من كتابة ونحو ذلك؛ وعلى أن العكوف عندها وسدانتها وتعليق الستور عليها من فعل عبدة الأوثان، كما أن من فعلهم الذبح عندها وإتيانها بالطعام وتقسيمه عندها والنذر لها، وعلى أن ما يفعله بعض الجهلة من الغناء والتمايل وضرب الدفوف عندها ونحو ذلك ما هو إلا من البدع المحرمة؛ فمن تلك الأحاديث:
ما روى مسلم في صحيحه أن النبي - ﷺ - قال قبل أن يموت بخمس: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك». والمسجد هو الموضع الذي يصلي فيه .. فمن صلى عند القبور أو إليها متعمدا فقد اتخذها مساجد. وقد تقدم في وظيفة الرسل أحاديث في هذا الباب فلتراجع.
وثبت في سنن أبي داود بإسناد حسن عن أبي هريرة - ﵁ - أنه ﵊ قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر ولا تجعلوا قبري عيدا فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». والعيد: هو ما يعتاد مجيئه وقصده من مكان وزمان،
[ ٩٦ ]
ويستفاد من قوله - ﷺ -: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر» مسألتان:
الأولى: استحباب التلاوة والذكر في البيوت وتأدية النوافل فيها، كما دلت على ذلك النصوص، أما الفرائض فقد دلت الآيات والأحاديث على وجوبها على الرجال المكلفين مع الجماعة في المساجد إلا من كان تخلَّف لعذر مشروع.
المسألة الثانية: أن القبور ليست مَحَلًّا للصلاة ولا للتلاوة، وأن هذه هي السنة المتبعة عند القرون المفضلة.
وروى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوي أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها». وعن ابن مسعود - ﵁ - مرفوعا: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد». رواه الإمام أحمد بسند جيد وأبو حاتم في صحيحه.
فمن قصد القبور والمشاهد للصلاة والدعاء عندها فقد اتخذها مساجد وأعيادًا وارتكب ما نهى الله ورسوله عنه، ووقع في وسيلة من وسائل الشرك الأكبر.
ومما يجب أن يعلم أن المقبورين من الأنبياء والصالحين يكرهون ما يفعل عندهم من البدع كل الكراهة، كما أن المسيح يكره ما يفعله النصارى به. وكما كان أنبياء بني
[ ٩٧ ]
إسرائيل يكرهون ما يفعله الأتباع؛ فلا يحسب المرء المسلم أن النهي عن اتخاذ القبور أعيادا وأوثانا فيه حطٌّ من كرامة أصحابها؛ بل هو إكرام لهم؛ وذلك أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن السنة. وإكرام الأنبياء والصالحين يكون باتباع ما دعوا إليه من الأعمال الصالحة واجتناب ما نهوا عنه من المحذورات؛ ليكثر أجرهم بكثرة أجور من تبعهم.
ومن الأدلة على تسوية القبور المشرفة بالأرض وهدم القباب ما أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وأبو داود عن أبي الهياج الأسدي: قال: "بعثني علي قال لي: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ -؛ أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثالا إلا طمسته". وفي رواية: "ولا صورة إلا طمستُها". وروى مسلم والنسائي وأبو داود أيضا عن أبي علي الهمداني قال: كنا مع فضالة بن عبيد برودس من أرض الروم، فتوفى صاحب لنا فأمر بقبره فسوِّي ثم قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يأمر بتسويتها.
وروى أبوداود أيضا عن عمرو بن عثمان بن هانئ عن القاسم قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أمه، اكشفى لي عن قبر النبي - ﷺ - وصاحبيه - ﵄ - فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة
[ ٩٨ ]
مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء، وذكر في سنن أبي داود بعد هذا الحديث: قال أبو علي: يقال: إن رسول الله - ﷺ - مقدم وأبو بكر عند رأسه وعمر عند رجلي رسول الله - ﷺ -. اهـ.
ومما ينبغي أن يعلم: أنه لم يكن على قبر النبي - ﷺ - قبة حتى سنة ثمان وسبعين وستمائة من الهجرة؛ حيث أحدثت في عهد الملك الظاهر المنصور قلاوون الصالحي، وكان عملها تقليدًا للنصارى في كنائسهم كما قلدهم الوليد بن عبد الملك في زخرفة المسجد النبوي الشريف. «وفاء الوفاء»، وجاء في كتاب مرآة الحرمين: إن السلطان صالح المصري في عام ثمان وسبعين وستمائة من الهجرة بنى على الحجرة النبوية قبة، وكان وكيله أحمد كمال بن هارون عبد القوي الربعي، وبعده جددها وصفحها بألواح النحاس الملك ناصر حسن بن محمد بن قلاوون عام خمسة وخمسين وسبعمائة هجرية. أ. هـ
وهذا العمل لا شك أنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة عن الرسول - ﷺ -، ولكن الغلو في التعظيم والجهل بلاء وخيم! فنسأل الله العافية، ونرجو من الله - جل وعلا - أن يوفق ولاة الأمور لإحياء السنن وإماتة البدع دائمًا وأبدًا.
ومن الواجب المحتم على ولاة أمور المسلمين أن
[ ٩٩ ]
يأتمروا بأمر الله وبأمر رسوله - ﷺ - فيهدموا تلك القباب والمشاهد والمزارات، ويزيلوا ما عليها من قناديل وسرج، ويوجهوا سدنها وعبادها القاصدين إليها للطواف حولها والتمسح بها والمغالاة في تعظيمها والتعبد عندها إلى عبادة خالقهم ورازقهم ومليكهم الذي لا معبود بحق سواه.
ومن أدلة النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها: ما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن جابر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - نهى أن يقعد على القبر وأن يجصص ويبنى عليه؛ قال أبو داود: قال عثمان: أو يزاد عليه. وزاد سليمان بن موسى: أو أن يكتب عليه. وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت أبا مرثد الغنوي يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها». وروى ابن ماجه عن جابر قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن تجصيص القبور، وروي عن جابر أيضا قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يكتب على القبر شيء.
أما العلامة التي يعلم بها القبر لمعرفته كتعليمه بحجر ونحوه فلا بأس به؛ لما روي عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - قال: «أعلم قبر عثمان بن مظعون بصخرة». رواه ابن
[ ١٠٠ ]
ماجه بإسناد حسن وله شاهد رواه أبو داود.
ومن أدلة تحريم الذبح للقبور وأنه شرك أكبر ما تقدم من الآيات والأحاديث في توحيد العبادة ونواقض الإسلام وما رواه أبو داود عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا عقر في الإسلام». قال عبد الرازق: كانوا - يعني أهل الجاهلية - يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. اهـ. وقد تقدم حديث: «لعن الله من ذبح لغير الله».
الزيارة الشركية المحضة:
أما زيارة القبور وما يسمى بالمشاهد لقصد الذبح عندها أو دعاء أهلها أو الاستغاثة بهم أو طلب النصر منهم أو طلبهم تفريج الكرب أو قضاء الحوائج أو طلبهم شفاء المريض أو رد الغائب أو جلب الرزق من زوج أو ولد أو مال ونحو ذلك - فهذا شرك أكبر، وهو عملُ مشركي الجاهلية الذين اتخذوا القبور أوثانًا يعبدونها، ومَنْ هذا عملُه فهو مشرك، وعمله حابط؛ كما دلت على ذلك النصوص من القرآن والسنة، وقد ذكرنا بعضًا منها في توحيد العبادة وفي وظيفة الرسل وفي إبطال الشبهات؛ فعلى من كان على شيء من ذلك الشرك أن يتوب إلى الله ويحج حجة الإسلام بعد التوبة؛ لأن الشرك
[ ١٠١ ]
محبط للأعمال؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: الآية: ٨٨]، وكما قال سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: الآية: ٢٣].
فهؤلاء الذين يأتون إلى تلك المشاهد والقباب والقبور ويطوفون بها ويحجونها كما يحجون البيت الحرام، ويعكفون عنده وينحنون لها ويستغيثون بأهلها إلى غير ذلك من الأمور المحرمة المتقدم ذكرها ونحوها - هؤلاء يظنون أنهم يحسنون صنعا وهم في الحقيقة ضالون خاسرون؛ قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]، وقال - تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف الآية: ١٣٩].
ولا شك أن الشيطان - لعنه الله - قد بلغ مأربه من الشرك الأكبر الذي أوقع فيه هؤلاء الجهلة وزيَّن لهم ما زيَّنه لمشركي الجاهلية، وقد يتمثل - لعنه الله - في صورة الشيخ المستغاث به، كما تفعل الشياطين بعبدة الأوثان؛ إمعانًا في الإغواء والإضلال.
ثم إن مما ينبغي معرفته أن إجابة الدعاء قد تحصل
[ ١٠٢ ]
للمشرك ونحوه ممن يدعون دعاء محرمًا، ولكن ذلك ليس دليلًا على الرضا؛ فالله - سبحانه - يستدرج ويبتلي؛ فكم من عبد دعا دعاء غير مباح أو اعتقد في مخلوق اعتقادًا غير مباح فحصلت له حاجته، ولكن حصولها سبب لهلاكه في الدنيا والآخرة؛ فتارة يسأل ما لا تصح مسألته كما فعل بلعام وغيره ممن دعوا بأشياء فحصلت لهم وكان فيها هلاكهم، وتارة أن يسأل على الوجه الذي لا يحبه الله؛ كما قال - سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. [الأعراف: ٥٥]؛ فهو - سبحانه - لا يحب المعتدين في صفة الدعاء، ولا في المسؤول وإن كانت حاجتهم قد تقضى؛ كأقوام ناجوا الله بمناجاة فيها جرأة على الله وتعدٍّ لحدوده، وأعطوا طلبتهم فتنة، وكقوم صدَّقوا أحد المشعوذين المدَّعين للولاية والمحبة فسلَّموا له مرضاهم وأطفالهم فصار يمسح عليهم، ويقرأ عليهم طلاسم، أو يعطيهم قصاصة من ثوبه ليحرقها ويبخروا بها ذلك المريض، ونحو ذلك من الشعوذات الشيطانية، وكأقوام يقصدون إلى أحد القبور فيأخذون من ترابه ليتداوى به مريضهم أو عقيمهم.
وفي مثل هذه الأحوال قد تقضى حاجتهم فتنة واستدراجا، وذلك مثل السحر والطلسمات والعين ونحو هذا من المؤثرات في العالم؛
[ ١٠٣ ]
بإذن الله قد يقضي الله بها كثيرا من أغراض النفوس الشريرة، ومع هذا فقد قال - سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢ - ١٠٣]؛ فالسحرة ونحوهم معترفون بأن باطلهم لا ينفع في الآخرة، وأن صاحبه خاسر في الآخرة كذلك؛ وإنما يتشبثون بمنفعة في الدنيا، وقد قال تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾. [البقرة: ١٠٣].
وكذلك أنواع من الداعين والسائلين عند القبور أو غيرها قد يدعون دعاءً محرَّمًا يحصل لهم معه ذلك الغرض، ويورثهم ضررًا أعظم منه، ثم إن هذه الأمور المحرمة من الأدعية والاعتقادات في المخلوقين ونحوها قد يعلم فاعلها حرمتها وقد لا يعلمها؛ فإن كان يعلمها فهو كالسحرة الذين أخبر الله عنهم بما عملوا لأنفسهم من الخسران في الآخرة، وإن كان لا يعلمها بسبب تقصيره في طلب العلم أو تركه للحق فهو لا يعذر في ذلك.
وينبغي أن يعلم أنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يجب أن يصلي إليه؛ فالمسلم لما نهي عن الصلاة إلى جهة
[ ١٠٤ ]
غير القبلة فإنه ينهى أن يتحرى استقبال تلك الجهة المنهي عنها وقت الدعاء، ومن الناس من يتحرَّى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها معظمه؛ سواء كانت في المشرق أو غيره؛ وهذا ضلال بيِّن وشرك واضح؛ كما أن بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها مقدسوهم من الصالحين، فيتوجهون إليهم ولو استدبروا قبلة الصلاة، وهذا ونحوه من البدع التي تضارع دين النصارى.
حكم زيارة قبور الكفار:
لا بأس بزيارة المسلم لقبور الكفار للاتعاظ، ولكنه لا يسلم عليهم ولا يستغفر لهم؛ لما جاء في الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - قال: زار النبي - ﷺ - قبر أمه فبكى وأبكى مَنْ حوله فقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنت ربي في أن أزورها فأذن لي، فزوروا القبور؛ فإنها تذكركم الموت». رواه مسلم وغيره. ولما روي عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم وكان وكان فأين هو؟ قال: «في النار»، قال: فكأنه وجد من ذلك فقال. يا رسول الله فأين أبوك؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «حيثما
[ ١٠٥ ]
مررت بقبر مشرك فبشره بالنار». قال: فأسلم الأعرابي بعد، وقال: كلفني رسول الله - ﷺ - تعبا؛ ما مررت بقبر كافر إلا بشرتُه بالنار. رواه ابن ماجه وإسناده صحيح.
حكم زيارة النساء للقبور واتباعهن للجنازة:
وردت أدلة من الحديث في تحريم زيارة النساء للقبور، وفي تحريم اتباعهن للجنائز، وهذه الأدلة منها ما هو صريح في التحريم ومنها ما هو مفهم له؛ فمن الصريح: حديث ابن عباس - ﵄ - قال: «لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج». رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وحسَّنه.
وفي نسخ: وصححه ورواه ابن ماجه أيضا، وحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - «لعن زوَّارات القبور». رواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، وأخرجه ابن ماجه عن حسان بن ثابت، وثبت في الصحيحين نهيه - ﷺ - النساء عن اتباع الجنائز، وقال - ﷺ - لفاطمة - ﵂: «أما إنك لو بلغت معهم الكدى لم تدخلي الجنة حتى يكون كذا وكذا». وقال - ﷺ -: «ارجعن مأزورات غير مأجورات فإنكن تفتنَّ الحي وتؤذين الميت».
[ ١٠٦ ]
وقد حقق شيخ الإسلام - يرحمه الله - الأقوال في هذا الباب فقال: من العلماء من اعتقد أن النساء مأذون لهن في الزيارة كالرجال معتقدًا عموم قوله - ﷺ -: «فزوروها فإنها تذكركم الآخرة». والصحيح: أنهن لم يدخلن في هذا الإذن لعدة أوجه؛ منها:
الأول: أن قوله - ﷺ - «فزوروها». صيغة تذكير تتناول الرجال بالوضع، ودخول النساء في عمومه ضعيف، والعام لا يعارض الأدلة الخاصة المستفيضة في نهي النساء؛ بل ولا ينسخها عند جمهور العلماء، وإن علم تقدم الخاص على العام، ومعلوم أن لفظ (من) في قوله - ﷺ -: «من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان» أدلُّ على العموم من صيغة التذكير .. فهو يتناول الذكور والإناث، ومع هذا فقد علم بالأحاديث الصحيحة أن هذا العموم لم يتناول النساء؛ لنهي النبي - ﷺ - لهنَّ عن اتباع الجنائز.
الثاني: لو كان النساء داخلات في الخطاب لاستحبَّ لهنَّ زيارة القبور كالرجال، ولم يعلم أن أحدًا من الأئمة استحَبَّ لهن زيارة القبور، ولا كان النساء على عهد النبي - ﷺ - وخلفائه الراشدين يخرجن لزيارة القبور، والذين رخَّصوا في زيارتهن اعتمدوا على ما يروى عن عائشة - رضي
[ ١٠٧ ]
الله عنها - أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن وكان قد مات في غيبتها، وقالت: لو شهدتك ما زرتك. وهذا يدل على أن الزيارة ليست مستحبة للنساء، وأيضًا فإن الصلاة على الجنازة أوكد من زيارة القبور، ومع هذا فقد ثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ - نهى النساء عن اتباع الجنائز. وفي ذلك تفويت صلاتهن على الميت؛ فإذا لم يستحب لهن اتباعها مع ما فيه من الصلاة والثواب فكيف بالزيارة؟
الثالث: أنه قد جاء عن النبي - ﷺ - عن زوَّارات القبور من طريقين: وذكر حديثي أبي هريرة وابن عباس - ﵄ - في أول الباب، وذكر أنه ليس في إسنادهما متهم بالكذب، وكلاهما حجة بلا ريب، ورجال الأول منهما ليسوا برجال الآخر. ثم قال: فإن قيل: هذا منسوخ بحديث الإذن السابق. فالجواب ما تقدم من أن النساء لا يدخلن في الإذن؛ وأيضا فقوله - ﷺ -: «لعن الله زوارات القبور - أو زائرات القبور» خاصٌّ بهن. وقوله: «فزوروها» بطريق التبع؛ فيدخلن بعموم ضعيف .. إما أن يكون مختصًّا بالرجال، وإما أن يكون متناولًا للنساء، والعامُّ إذا عُرِفَ أنه بعد الخاص لم يكن ناسخًا له عند جمهور العلماء؛ فكيف إذا لم يعلم أن هذا العامَّ بعد الخاص؛ إذ قد يكون قوله: «لعن الله زوارات
[ ١٠٨ ]
القبور». بعد إذنه للرجال في الزيارة، ويدل على ذلك: أنه قرنه بالمتخذين عليها المساجد والسرج، وذكر هذا بصيغة التذكير التي تتناول الرجال، ولعن الزائرات جعله مختصًّا بالنساء، ومعلوم أن اتخاذ المساجد والسرج باق محكم كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، فكذلك الآخر.
ومن العلماء من قال بالكراهة؛ وهو أنهم قالوا: حديث اللعن يدل على التحريم، وحديث الإذن يرفع التحريم، وبقي أصل الكراهة؛ محتجًّا بقول أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا، وأن الزيارة من جنس الاتباع؛ فيكون كلاهما مكروهًا غير محرم. ومنهم من قال: اللعن قد جاء بلفظ الزوَّارات؛ وهن المكثرات للزيارة؛ فالمرة الواحدة في الدهر لا تتناول ذلك، ولا تكون المرأة زوارة.
ورد القائلون بالتحريم: أن لفظ الزوارات قد يكون لتعددهن؛ كما يقال: فتحت الأبواب. ومعلوم أن لكل باب فتحًا واحدًا، قالوا: ولأنه لا ضابط في ذلك بين ما يحرم وما لا يحرم واللعن صريح في التحريم، ومن هؤلاء من يقول: التشييع كذلك، ويحتج بما روي في التشييع من التغليظ؛ كقوله - ﷺ -: «ارجعن مأزورات غير مأجورات فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت». وقوله - ﷺ - لفاطمة -﵂:
[ ١٠٩ ]
«أما إنك لو بلغت معهم الكدى لم تدخلي الجنة حتى يكون كذا وكذا». وهذان يؤيدهما ما ثبت في الصحيحين من أنه - ﷺ - نهى النساء عن اتباع الجنائز.
وأما قول أم عطية: ولم يعزم علينا. فقد يكون مرادها: لم يؤكد النهي، وهذا لا ينفي التحريم، وقد تكون هي ظنت أنه ليس بنهي تحريم، والحجة في قول النبي - ﷺ - لا في ظن غيره، وأيضا فقد علَّل النبي - ﷺ - الإذن للرجال بأنه يذكر الموت، ومعلوم أن المرأة إذا فتح لها هذا الباب أخرجها إلى الجزع والندب والنباحة؛ لما فيها من الضعف وكثرة الجزع وقلة الصبر، كما هو المعروف عن أكثر النساء، وأيضًا فإن ذلك سبب لتأذي الميت ببكائها، وسبب لافتتان الرجال بصوتها وصورتها، كما جاء في الحديث الآخر: «فإنَّكنَّ تفتنَّ الحيَّ وتؤذينَ الميت».
وإذا كانت زيارة النساء مظنَّةً وسببًا للأمور المحرمة في حقهن وحق الرجال، والحكمة هنا غير مضبوطة - فإنه لا يمكن أن يُحَدَّ المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك، ولا التمييز بين نوع ونوع.
ومن أصول الشريعة: أن الحكمة إذا كانت خفية أو غير منتشرة علق الحكم بمظنتها؛ فيحرم هذا الباب سدًّا للذريعة كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة؛ لما في ذلك من الفتنة، وكما
[ ١١٠ ]
حُرِّمَ الخلوة بالأجنبية وغير ذلك من النظر إليها، وليس في زيارة النساء للقبور من المصلحة ما يعارض مفسدة فتنة الحي وإيذاء الميت؛ إذ لم يبق من المصلحة إلا دعاؤها للميت، وذلك ممكن في بيتها. ولهذا قال الفقهاء: إذا علمت المرأة من نفسها أنها إذا زارت المقبرة بدا منها ما لا يجوز من قول أو عمل فزيارتها محرمة بلا نزاع. انتهى ملخصا.
قلت: أما إذا مرت المرأة في طريقها بمقبرة من غير قصد لها فإنه لا مانع من سلامها على أهلها ودعائها لهم وتذكرها الآخرة دون لبث في المقبرة. وهي مأجورة بهذا القدر إن شاء الله.
السفر لزيارة القبور:
لم يشرع النبي - ﷺ - السفر لزيارة القبور مطلقا؛ سواء كانت قبور أنبياء أو صالحين أو غيرهم، ولم يسبق إلى ذلك الصحابة - ﵃ - وهم أعلم الناس بسنة النبي - ﷺ - وأشدهم تمسُّكًا بها، ولم يجز ذلك أحد من أئمة الدين الذين يعتد بهم، والثابت عن النبي - ﷺ - النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة؛ كما ثبت في الصحيحين أن النبي - ﷺ - قال: «لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى»؛ وذلك
[ ١١١ ]
لمضاعفة الحسنات بهذه المساجد الثلاثة، ولما لها من الفضل؛ كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام». وعن عبد الله بن الزبير - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا». أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان، وفي رواية أخرجها أحمد وابن ماجه: «وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه».
فلو كان شد الرحل لقصد قبر النبي - ﷺ - أو غيره جائزا لبيَّنه النبي - ﷺ -، وزيارة المدينة ليست للقبر؛ وإنما هي للمسجد؛ فمن نوى بزيارته القبر لا المسجد فقد خالف قول الرسول - ﷺ - ورغب عن سنته، والقول بشرعية شد الرحال لزيارة قبره - ﷺ - يفضي إلى اتخاذ عيدا ويوقع في المحذور الذي خالفه الرسول - ﷺ - من الغلو والإطراء؛ كما قد وقع الكثير من الناس في ذلك بسبب اعتقادهم شرعية شد الرحال لزيارة قبره ﵇.
وأما ما يروى في هذا الباب من الأحاديث التي يَحْتَجُّ بها
[ ١١٢ ]
من قال بشرعية شد الرحال إلى قبره - ﷺ - فهي أحاديث ضعيفة الأسانيد؛ بل موضوعة؛ كما قد نَبَّه على ضعفها الحافظ؛ كالدارقطني والبيهقي والحافظ ابن حجر وغيرهم؛ فلا يجوز أن يعارض بها الأحاديث الصحيحة الدالة على تحريم شد الرحال لغير المساجد الثلاثة.
ومن الأحاديث الموضوعة في هذا الباب حديث: «من حج ولم يزرني فقد جفاني». وحديث: «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي». وحديث: «من زارني وزار أبي إبراهيم في عام ضمنت له على الله الجنة». وحديث: «من زار قبري وجبت له شفاعتي». فهذه الأحاديث وأشباهها لم يثبت منها شيء عن النبي - ﷺ -؛ قال الحافظ ابن حجر في التلخيص بعد ما ذكر أكثر هذه الروايات: طرق هذا الحديث كلها ضعيفة، وقال الحافظ العقيلي: لا يصح في هذا الباب شيء. وجزم شيخ الإسلام: أن هذه الأحاديث موضوعة، ولو كان شيء منها ثابتًا لكان الصحابة - ﵃ - أسبق الناس إلى العمل به وبيانه للأمة.
وقصة الأعرابي التي تروى عن العتبي؛ أن أعرابيا جاء إلى قبر النبي - ﷺ - فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ
[ ١١٣ ]
ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ ﴾ الآية إلى آخر القصة. هذه القصة لا صحة لها، ولا يصح لها سند عن العتبي، ولا هي مما يحتجُّ به. قال ذلك صاحب الصارم المنكي في الردِّ على السُّبكي وغيره، ومثلها ما يروى عن مجيء بلال من الشام، وقصة قوله وفعله عند قبر النبي - ﷺ - هذه الحكايات وما شابهها أثبت المحققون من أهل العلم والفضل عدم صحتها، وأثبتوا تنزيه أصحاب رسول الله - ﷺ - من الإقدام على شيء من هذه الأمور المبتدعة المنهي عنها، ومن الأحاديث والحكايات المكذوبة التي اشتهرت على ألسنة بعض العوام الحديث: «توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم». هذا الحديث موضوع لا أصل له في جميع كتب السنة، وجاء في كتاب السنن والمبتدعات التأكيد الجازم بأنه موضوع مفترى لا أصل له قطعا، ومعلوم أن جاه النبي - ﷺ - عظيم عند الله، ولكن التوسل به لم يرد والخير والبركة والرضوان في الاتباع لا في الابتداع.
ومن تلك الأحاديث المكذوبة: «إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور». وحديث: «لو حسن أحدكم ظنه بحجر نفعه». وحديث: «إن الله يوكِّل ملكا على قبر كل ولي يقضي حوائج الناس». هذه الأحاديث ونحوها كلها مكذوبة لا وجود لها في كتب السنة المعتمدة، ولا يصدقها عاقل عالم
[ ١١٤ ]
بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -.
ومن الأكاذيب ما يحكى عن أهل القبور أن فلانا استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها، وفلانا دعاه أو دعا به في حاجة فقضيت حاجته، وفلانا نزل به فاسترجى صاحب ذلك القبر فكشف ضره. وعند كثير من السدنة والمقابرة من ذلك ما يطول ذكره من الكذب على الأحياء والأموات، ومع هذا فإن الكثير من الجهلة ينخدعون بمثل هذه الحكايات الباطلة ويصدقونها فيقصدون صاحب ذلك القبر ويفعلون عنده مثل ما سمعوا، فيقعون بذلك في الشرك العظيم - والعياذ بالله، وقد تقدم في الكلام على الزيارة الشركية المحضة بيان لبعض حالات يجيب الله فيها الدعاء غير المشروع ابتلاء واستدراجًا للداعي، فليراجع.
[ ١١٥ ]