منها:
١ - قد مرَّ أن السحر قد يكون كفرًا، وغرضنا الآن استقصاء ما يمكن من الكلام فيه، وفي أقسامه وحقيقته، وبيان أحكامه ردعًا لكثيرين انهمكوا عليه وعلى ما يقرب منه، وعدّوا ذلك شرفًا وفخرًا فنقول:
مذهبنا في السحر ما بسطناه فيما مرَّ. وحاصله أنه إن اشتمل على عبادة مخلوق كشمس أو قمر أو كوكب أو غيرها أو السجود له أو تعظيمه كما يعظم الله ﷾، أو اعتقاد أن له تأثيرًا بذاته أو تنقيص نبي أو ملك بشرطه السابق، أو اعتقد إباحة السحر بجميع أنواعه كان كفرًا وردة، فيستتاب الساحر فإن تاب وإلا قتل.
والسحر له حقيقة عند عامة العلماء خلافًا للمعتزلة وأبي جعفر الاستراباذي وسيأتي لذلك مزيد.
وقد يأتي الساحر بفعل أو بقول يغيّر حال المسحور فيمرض ويموت منه، إما بواصل إلى بدنه من دخان أو غيره أو دونه.
ويحرم فعله إجماعًا ويكفر مستبيحه. وفي الحديث: (لَيْسَ مِنْا مَنْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ) ومن يحسنه إن وصفه كفر كالتقرب إلى الكواكب
[ ٢٢١ ]
السبعة وأنها تحسنه أو أنه يفعل به دون قدرة الله تعالى كفر، كما علم مما مرّ، وإلا لم يكفر.
وتعلمه إن لم يحتج لاعتقاد هو كفر، قيل: حلال وهو ما في الوسيط كمقالات الكفرة وقد يقصد به دفع ضرره وكمعرفة حقائق الأشياء، وقيل: يكره، والأكثرون على حرمته مطلقًا لخوف الافتتان والإضرار.
ويحرم التكهن وإتيان الكاهن وتعلم الكهانة، وكذا التنجيم والضرب بالرمل والشعير والحصا والشعبذة، وأما الحديث الصحيح: (كَانَ نَبِيٌّ يَخُطُّ الرمل فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ ) فمعناه فمن علمتم موافقته، فالجواز معلق بمعرفة الموافقة، ونحن لا نعلمها هذا حاصل كلام أئمتنا.
وأما الإمام مالك رحمه الله تعالى فقد أطلق هو وجماعة سواء الكفر على الساحر وأن السحر كفر، وأن تعلمه كفر كذلك، وأن الساحر يقتل ولا يستتاب سواء سحر مسلما أم ذميًا كالزنديق، ولبعض أئمة مذهبه كلام نفيس في المسألة فيه استشكالات ما ذهب إليه إمامه وبيان حقيقة السحر.
[ ٢٢٢ ]
وحاصله أن الطرطوشي قال: قال مالك وأصحابه: الساحر كافر فيقتل ولا يستتاب، سحر مسلمًا أو ذميًا كالزنديق، قال محمد: إن أظهره قبلت توبته، قال أصبغ: إن أظهره ولم يتب فقتل فماله لبيت المال، وإن تستر فلورثته من المسلمين، ولا آمرهم بالصلاة عليه، فإن فعلوا فهم أعلم، قال: ومن قول علمائنا القدماء لا يقتل حتى يثبت أنه من السحر الذي وصفه الله تعالى بأنه كفر، قال أصبغ: يكشف عن ذلك من يعرف حقيقته ولا يلي قتله إلا السلطان، ولا يقتل الذمي إلا أن يضر المسلم بسحره فيكون نقضا فيقتل، ولا يقبل منه الإسلام، وإن سحر أهل ملته أدب إلا أن يقتل أحدًا فيقتل به.
وقال سحنون: يقتل إلا أن يسلم وهو خلاف قول مالك، ويؤدب من تردد إلى السحرة إذا لم يباشر سحرًا ولا علمه، لأنه لم يكفر، ولكنه ركن للكفرة.
[ ٢٢٣ ]
قال: وتعلمه وتعليمه عند مالك كفر.
وقالت الحنفية: إن اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر، وإن اعتقد أنه تخييل وتمويه لم يكفر.
وقالت الشافعية: يصفه فإن وجدنا فيه كفرًا كالتقرب للكواكب ويعتقد أنها تفعل فيلتمس منها فهو كفر، وإن لم نجد فيه كفرًا، فإن اعتقد إباحته فهو كفر.
قال الطرطوشي: وهذا متفق عليه؛ لأن القرآن نطق بتحريمه، واحتج من لا يقول: إن تعلمه كفر، بأن تعلم الكفر ليس بكفر، فإن الأصولي يتعلم جميع أنواع الكفر ليحذر منه ولا يقدح في شهادته ومأخذه، فالسحر أولى أن لا يكون كفرًا، ولو قال الإنسان: أنا تعلمت كيف يكفر بالله لأجتنبه، أو كيف الزنا أو أنواع الفواحش لأجتنبها لم يأثم.
قال القرافي: هذه المسألة في غاية الإشكال على أصولنا، فإن السحرة يعتمدون أشياء تأبى قواعد الشريعة أن نكفرهم بها كفعل الحجارة المتقدم ذكرها قبل هذه المسألة كذلك يجمعون عقاقير ويجعلونها في الأنهار والآبار أو في قبور الموتى أو في باب يفتح إلى الشرق، ويعتقدون أن الآثار تحدث عن تلك الأمور بخواص نفوسهم التي طبعها الله تعالى على الربط بينها وبين تلك الآثار عند صدق العزم، فلا يمكننا تكفيرهم بجمع العقاقير ولا بوضعها في الآبار ولا باعتقادهم حصول تلك الآثار عند ذلك للفعل؛ لأنهم جرّبوا ذلك فوجدوه لا يخرم عليهم لأجل خواص نفوسهم، فصار ذلك الاعتقاد كاعتقاد الأطباء عند شرب الأدوية وخواص النفوس، ولا يمكن التكفير بها لأنها ليست من كسبهم، ولا كفر بغير مكتسب.
وأما اعتقادهم أن الكواكب تفعل ذلك بقدرة الله فهذا خطأ؛ لأنها لا تفعل ذلك، وإنما جاءت الآثار من خواص نفوسهم التي ربط الله تعالى بها تلك الآثار
[ ٢٢٤ ]
عند ذلك الاعتقاد، فيكون ذلك الاعتقاد في الكواكب، كما إذا اعتقد طبيب أن الله تعالى أودع في الصبر والسقمونيا عقد البطن وقطع الإسهال، وأما تكفيرهم بذلك فلا، وإن اعتقدوا أن الكواكب تفعل ذلك والشياطين تقدرها لا بقدرة الله تعالى، فقد قال بعض علماء الشافعية: هذا مذهب المعتزلة من استقلال الحيوانات بقدرتها دون قدرة الله تعالى، فكما لا نكفر المعتزلة بذلك لا نكفر هؤلاء، ومنهم من فرق بأن الكواكب مظنة العبادة، فإذا انضم إلى ذلك اعتقاد القدرة والتأثير كان كفرًا.
وأجيب عن هذا الفرق بأن تأثير الحيوان في القتل والضر والنفع في مجرى العادة مشاهد من السباع والآدميين وغيرهم.
وأما كون المشتري أو زحل يوجب شقاوة أو سعادة فإنما هو حزر وتخمين للمنجمين، لا حجة في ذلك، وقد عبدت البقر والشجر فصار هذا الشيء مشتركا بين الكواكب وغيرها والذي لا مرية فيه أنه كفر إن اعتقد أنها مستلقة بنفسها لا تحتاج إلى الله تعالى، فهذا مذهب الصابئة وهو كفر صريح لا سيما إن صرح بنفي ما عداها.
وأما قول الأصحاب أنه علامة الكفر فمشكل، لأنا نتكلم في هذه المسألة باعتبار الفتيا ونحن نعلم أن حال الإنسان في تصديقه الله تعالى ورسوله بعد عمل هذه العقاقير كحاله قبل ذلك، وإذا أرادوا الخاتمة فمشكل؛ لأنا نكفر في الحال بكفر واقع في المآل.
والمستقيم في هذه المسألة ما حكاه الطرطوشي عن قدماء أصحابنا أنه لا نكفره حتى يثبت أنه من السحر الذي كفر الله تعالى به، أو يكون سحرًا مشتملًا
[ ٢٢٥ ]
على الكفر، كما قاله الإمام الشافعي، وقول الإمام مالك: إن تعلمه وتعليمه كفر في غاية الإشكال، إذ هو خلاف القواعد، وقال قبل ذلك: والصواب أن لا يقضي بهذا حتى يبين معقول السحر، إذ يطلق على معان مختلفة، وبيانها أن الفخر الرازي رحمه الله تعالى قال: استحدث الخوارق، إن كان بمجرد النفس فهو السحر، وإن كان على سبيل الاستعانة بالفلكيات فذلك دعوة الكواكب، وإن كان على سبيل طرح القوى السماوية بالقوى الأرضية فذلك الطلسمات، وإن كان على سبيل اعتبار النسب الرياضية فذلك الحيل الهندسية، وإن كان على سبيل الاستغاثة بالأرواح الساذجة فذلك العزيمة انتهى.
قال القرافي: والسحر: اسم يقع على حقائق مختلفة وهي السيميا والهيميا وخواص الحقائق من الحيوانات وغيرها، والطلسمات والأوفاق والرقى والعزائم والاستخدامات.
فالسيميا: عبارة عما تركب من خواص أرضية كدهن خاص أو كلمات خاصة توجب تخيلات خاصة، وإدراك الحواس الخمس أو بعضها لحقائق خاصة من المأكولات والمشمومات والمبصرات والملموسات والمسموعات، وقد يكون لذلك وجود يخلقه الله تعالى إذ ذاك، وقد يكون لا حقيقة له، بل هي تخيلات.
والهيميا: امتيازها عن السيميا بأن الآثار الصادرة عنها تضاف للآثار السماوية من الاتصالات الفلكية وغيرها من أحوال الأفلاك، فتحدث جميع ما تقدم ذكره فخصصوا الواحد بالسيميا والآخر بالهيميا.
والخواص للحيوانات كثيرة. ذكروا منها أنه يؤخذ سبعة أحجار ويرجم بها كلب شأنه أنه إذا رمي بحجر عضه فإذا رمي بسبعة أحجار وعضها كلها لقطت
[ ٢٢٦ ]
بعد ذلك وطرحت في ماء فمن شرب منه ظهر فيه إشارة خاصة يعبر عنها السحرة فهذه تثبت للسحر.
وليس ما يذكره الأطباء من الخواص في هذا العالم للنباتات وغيرها من هذا القبيل، ولا يشك في الخواص في هذا العالم. فمنها ما يعلم كاختصاص النار بالإحراق، ومنها ما لا يعلم مطلقا، ومنها ما تعلمه الأفراد كالحجر المكرم وما
[ ٢٢٧ ]
يصنع منه الكيمياء ونحو ذلك، كما يقال: إن في الهند شجرًا إذا عمل منه دهن ودهن به إنسان لا يقطع فيه الحديد، وشجرًا آخر إذا استخرج منه دهن وشرب على صورة خاصة مذكورة عندهم بالعمليات استغنى عن الغذاء، وأمن من الأمراض والأسقام، ولا يموت بشيء من ذلك، وطالت حياته أبدًا حتى يأتي من يقتله، أما موته بالأسباب العادية فلا.
وخواص النفوس لا شك فيها فليس كل أحد يؤذي بالعين، والذين يؤذون بها تختلف أحوالهم في ذلك، فمنهم من يصيد بالعين الطير من الهواء ويقلع الشجر العظيم من الثرى، وآخر إنما يصل لتمريض لطيف، ومن الناس من طبع على صحة الحزر ولا يخطئ غالبًا، ثم نجد واحدًا له خاصية في علم الكشف، وآخر في الرمل، وآخر في النجم، ومن خواص النفوس ما يقتل.
وفي الهند جماعة إذا ركبوا نفوسهم لقتل شخص مات، ثم إذا شق صدره في الوقت لا يوجد قلبه بل انتزعوه من صدره بالهمة والعزم وقوة النفس، ويجربون بالرمل فيجمعون عليه همتهم فلا يوجد فيه حبة، وخواص النفوس كثيرة.
والطلسمات: نقش أسماء خاصة لها تعلق بالأفلاك والكواكب على زعم أهل هذا العلم في أجسام من المعادن أو غيرها، فلا بدّ في الطلسم من هذه الثلاثة الأسماء المخصوصة وتعلقها ببعض أجزاء الفلك، وجعلها في جسم من الأجسام، ولا بدَّ مع ذلك من قوة نفس صالحة لهذه الأعمال، فليس كل النفوس مجبولة على ذلك.
والأوفاق: ترجع إلى مناسبات الأعداد وجعلها على شكل مخصوص، وهذا كأن يكون شكل من تسعة بيوت مبلغ العدد من كل جهة خمسة عشر هو لتيسير
[ ٢٢٨ ]
العسير وإخراج المسجون ووضع الجنين، وكل ما كان من هذا المعنى، وضابطه بطد زهج واح، وكان الغزالي يعتني به كثيرًا حتى نسب إليه.
والرقى: ألفاظ خاصة يحدث عندها الشفاء من الأسقام والأدواء والأسباب المهلكة، ولا يقال لفظ الرقى على ما يحدث ضررًا، بل ذاك يقال له: السحر، وهذه الألفاظ منها مشروع كالفاتحة، وغير مشروع كرقى الجاهلية والهند وغيرهما، وربما كان كفرًا فنهى الإمام مالك رحمه الله تعالى عن الرقى بالعجمية.
[ ٢٢٩ ]
والعزائم كلمات يزعم أهل هذا العلم أن سليمان ﵊ لما أعطاه الله تعالى هذا الملك وجد الجان يعبثون بالناس في الأسواق ويخطفونهم من الطرقات، فسأل الله تعالى أن يولي على كل قبيلة من الجن ملكًا يضبطهم عن الفساد، فولى الله تعالى الملائكة على قبائل الجان فمنعوهم من الفساد ومخالطة الناس، وألزمهم سليمان ﵊ القفار والخراب من الأرض دون العامر ليسلم الناس من شرهم، فإذا عتا بعضهم وأفسد ذكر المعزم كلمات تعظمها تلك الملائكة، ويزعمون أن لكل نوع من الملائكة أسماء أمرت بتعظيمها، ومتى أقسم عليها بها أطاعت وأجابت وفعلت ما طلب منها، فالمعزم بتلك الأسماء على ذلك القبيل يحضر له ملك القبيل من الجان الذي طلبه أو الشخص منهم يحكم بينهم بما يريد، ويزعمون أن هذا الباب إنما دخله الخلل من جهة عدم ضبطه تلك الأسماء فإنها عجمية لا يدرى هل هي مضمومة أو مفتوحة أو مكسورة؟ وربما أسقط النساخ بعض حروفه من غير علم فيختل العمل، فإن المقسم به لفظ آخر لا يعظمه ذلك الملك، فلا يجيب ولا يحصل مقصود المعزم.
والاستخدامات قسمان: الكواكب والجان فيزعمون أن للكواكب إدراكات إذا قوبلت بتجوّد وتلي شيء خاص على الذي يباشر التجود، وربما تقدمت منه أفعال خاصة منها ما هو حرام كاللواط، ومنها ما هو كفر صريح، وكذلك الألفاظ التي يخاطب بها الكواكب منها ما هو كفر صريح يناديه بلفظ الإلهية ونحو ذلك، ومنها ما هو غير محرم، فإذا حصلت تلك مع التجود ومع الهيئات المشروطة كانت روحانية تلك الكواكب مطيعة له متى أراد شيئا فعلته له على زعمهم، وكذلك القول في ملوك الجان على زعمهم إذا عملوا لهم تلك الأعمال الخاصة، فهذا هو الاستخدام على زعمهم، والغالب على المشتغل بهذا الكفر، ولا يشتغل به مفلح ولا مسدد النظر وافر العقل.
[ ٢٣٠ ]
وبعد أن علمت حكم السحر على مذهب الشافعية والمالكية والحنفية، فلا بأس بذكر حكمه عند الحنابلة، فإن كتبهم مشتملة على غرائب فيه بيّنها صاحب الفروع. وحاصل عبارته: ويكفر الساحر باعتقاد حله، وعنه أي: عن أحمد: لا، واختاره ابن عقيل وجزم به في التبصرة، وكفره أبو يعلى بعمله. قال في الترغيب: هو أشد تحريما، وحمل ابن عقيل كلام الإمام أحمد في كفره على معتقدِه، وأن فاعله يفسق ويقتل حدًا فعلى الأول يقتل، وهو أي: الساحر: من يركب مكنسة فتسير به في نهر أو نحوه، وكذا قيل في معزم على الجن ومن يجمعها بزعمه، وأنه يأمرها فتطيعه، وكاهن وعراف، وقيل: يعزر، وقيل: يجوز تعزيره ولو بالقتل.
وفي الترغيب: الكاهن والمنجم كالساحر عند أصحابنا، وإن ابن عقيل فسقه فقط إن قال: أصبت بحدسي وفراستي، فإن أخبر قومًا بطريقته أنه يعلم الغيب فللإمام قتله لسعيه بالفساد.
وفي الفروع من كتبهم بعد ذكر ما مرّ قال شيخنا: التنجيم كالاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية من السحر.
قال: ويحرم إجماعًا وأقرّ أولهم وآخرهم أن الله يدفع عن أهل العبادة والدعاء ببركته ما زعموا أن الأفلاك تستجلبه وتوجده، وأن لهم من ثواب الدارين
[ ٢٣١ ]
ما لا تقوى الأفلاك أن تجلبه، ومن سحر بالأدوية والتدخين، وسقي مُضر عُزِّر، قيل: ولو بالقتل.
وقال القاضي والحلواني: إن قال: سحري ينفع وأقدر على القتل به قتل، ولو لم يقتل، والمشعبذ والقائل بزجر الطير والضارب بحصا وشعير وقداح إن لم يعتقد إباحته وأنه يعلم به عزر وكفّ عنه وإلا كفر. ويحرم طلسم ورقية بغير عربي وقيل: يكره، وتوقف الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه في الحل لسحر أي: لأجل إزالته بسحر آخر، وفيه وجهان وسأله مُهنّا عمن يأتيه مسحورة فيطلقه عنها قال: لا بأس.
قال الخلال: ربما كره فعاله ولا يرى به بأسًا كما بينه مُهنّا، وهذا من
[ ٢٣٢ ]
الضرورة التي يباح فعلها، ولا يقتل ساحر كتابي على الأصح، وفي التبصرة: إن اعتقدوا جوازه.
وفي عيون المسائل: أن الساحر يكفر، وهل تقبل توبته؟ على روايتين.
ثم قال: ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس، وذلك شائع عام في الناس، ثم قال في عيون المسائل: فأما من يسحر بالأدوية والتدخين وسقي شيء مضر فلا يكفر ولا يقتل، ويعزر بما يردعه، وما قال غريب، ووجهه أن يقصد الأذى بكلامه وعمله على وجه المكر والحيلة فأشبه السحر، وهذا يعلم بالعادة والعرف أنه يؤثر وينتج ما يعمله السحر أو أكثره، فيعطى حكمه تسوية بين المتماثلين أو المتقاربين. لا سيما إن قلنا بقتل الآمر بالقتل على رواية سبقت، فهنا أولى، أو الممسك لمن يقتل فهذا مثله.
ولهذا ذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير قال: يفسد النمام
[ ٢٣٣ ]
والكذاب في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة. ورأيت بعضهم حكاه عن يحيى بن أكثم قال: النمام شر من الساحر. يعمل النمام في ساعة ما لا يعمله الساحر في شهر، لكن يقال: الساحر إنما كفر لوصف السحر فهو أمر خاص ودليله خاص، وهذا ليس بساحر، وإنما يؤثر عمله ما يؤثره فيعطى حكمه إلا فيما اختص به من الكفر وعدم قبول التوبة، ولعل هذا القول أوجه من تعزيره فقط، فظهر مما سبق أنه رواية مخرّجة من الممسك والآمر.
ومن أطلق الشارع كفره كدعواه غير أبيه ومن أتى عرافًا فصدقه بما يقول
[ ٢٣٤ ]
فقيل: كفر النعمة وقيل: قارب الكفر، وذكر ابن حامد روايتين: إحداهما تشديد وتأكيد، نقل ابن حنبل: كفر دون كفر لا يخرج من الإسلام، والثانية يجب التوقف، انتهى ما في الفروع وهو مشتمل على غرائب ونفائس يرتدع بها السحرة.
وعبارة التنقيح: ولا تقبل في الدنيا توبة زنديق وهو المنافق، وهو من يظهر الإسلام ويخفي الكفر، ولا من يظهر الخير ويبطن الفسق، ولا من تكررت ردته، أو سب الله تعالى أو رسوله ﷺ صريحًا أو بغضه، ولا الساحر الذي يكفر بسحره.
[ ٢٣٥ ]
ثم قال: ويقتل الساحر المسلم الذي يركب المكنسة فتسير به في الهواء ونحوه ويكفر هو ومن يعتقد حله، وأما الذي يسحر بأدوية وتدخين وسقي شيء يضرّ فإنه يقتص منه إن قتل بفعله غالبًا وإلا فالدية، ومشعبذ وقائل بزجر طير وضارب بحصى وشعير وقداح إن لم يعتقد إباحته وأنه لا يعلم به، يعزر ويكف عنه، ويحرم طلسم ورقية بغير عربي ويجوز الحل بسحر للضرورة انتهى.
وبقيت هنا فوائد لا بأس بذكرها وإن لم يكن لها كبير مناسبة فيما نحن فيه.
وهي أن الفخر الرازي رحمه الله تعالى قال في كتابه الملخص: السحر والعين لا يكونان في فاضل، لأن من شرط السحر الجزم بصدور الأثر، وكذلك أكثر الأعمال من شرطها الجزم، والفاضل الممتلئ علمًا يرى وقوع ذلك من الممكنات التي يجوز أن توجد وأن لا توجد، فلا يصح له عمل أصلا.
وأما العين، فلا بدَّ فيها من شرط التعظيم للمرئي، والنفس الفاضلة لا تصل في تعظيم ما تراه إلى هذه الغاية، فلذلك لا يصح السحر إلا من العجائز والتركمان والسودان ونحو ذلك من أرباب النفوس الجاهلة، فيقال: السحر له حقيقة، وقد يموت المسحور أو يتغير طبعه قاله الشافعي وابن حنبل رضي الله تعالى عنهما، وقالت الحنفية: إن وصل إلى بدنه كالدخان ونحوه جاز أن يؤثر وإلا فلا.
وقالت القدرية: لا حقيقة للسحر وهذا لا يصح فإن ما لا حقيقة له لا يؤثر، وقد سحر النبيُّ ﷺ
[ ٢٣٦ ]
وقد سحرت عائشةً ﵂ جاريةٌ اشترتها، وقد أطبقت الصحابة رضي الله تعالى عنهم على صحة ذلك.
ومن حجة الزاعمين أنه لا حقيقة له قوله تعالى: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) طه/٦٦. ولأنه لو كانت له حقيقة لأمكن الساحر أن يدعي النبوة فإنه قد يأتي بالخوارق على اختلافها. والجواب أن السحر أنواع فبعضه هو الذي يخيّل، وعن الثاني أن إضلال الخلق ممكن، ولكن الله تعالى أجرى العادة بضبط مصالحهم، فما ييسر ذلك على الساحر، وكم من ممكن يمنعه الله تعالى من الدخول في العالم لأنواع من الحكم، مع أنا سنبين الفرق بين السحر والمعجزة من وجوه فلا يحصل اللبس.
[ ٢٣٧ ]
واعلم أن الفرق بين معجزات الأنبياء وسحر السحرة وغيرهم مما يتوهم أنه خارق للعادة قد أشكل على جماعة من الأصوليين وغيرهم وهو عظيم الموقع في الدين. والكلام عليه من ثلاثة أوجه: فرق في نفس الأمر باعتبار الباطن، وفرق باعتبار الظاهر، أما الفرق الواقع في نفس الأمر فهو أن السحر والطلمسات والسيميا، وجميع هذه الأمور ليس فيها شيء خارق للعادة، بل هي عادة جرت من الله تعالى بترتيب مسببات على أسبابها، غير أن تلك الأسباب لم تحصل لكثير من الناس، بل للقليل منهم كالعقاقير التي يعمل منها الكيمياء، والحشائش التي يعمل منها النفط الذي يحرق الحصون، والدهن الذي من أدهن به لم يقطع فيه حديد ولا تعدو عليه النار، فهذه كلها في العالم أمور عزيزة قليلة الوقوع، وإذا وجدت أسبابها جرت على العادة فيها، وكذلك أسباب السحر إذا وجدت حصل، وكذلك السيميا وغيرها كلها جارية على أسبابها العادية، غير أن الذي يعرف تلك الأسباب قليل من الناس.
وأما المعجزات فليس لها سبب في العادة أصلًا، فلم يجعل الله تعالى في العالم عقارًا يفلق البحر أو يسير الجبل ونحو ذلك، وهذا فرق عظيم، غير أن الجاهل بالأمرين يقول: وما يدريني أن هذا له سبب والآخر لا سبب له، فنذكر له الفرقين الأخيرين:
أحدهما: أن السحر وما يجري مجراه مختص بمن عمل له حتى أن أهل هذا الحرف إذا استدعاهم الملوك ليصنعوا لهم هذه الأمور يطلبون منهم أن يكتب أسماء كل من يحضر ذلك المجلس، فيصنعون صنيعتهم لمن سمي لهم، فإن حضر غيرهم لا يرى شيئًا مما يراه الذي سموا.
قال العلماء: وإليه الإشارة بقوله تعالى: (وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ) الأعراف/١٠٨ والشعراء/٣٣. أي لكل ناظر ينظر إليها، ففارقت بذلك السحر والسيميا وهذا فرق عظيم.
الفرق الثاني: قرائن الأحوال المفيدة للعلم القطعي الضروري المختصة
[ ٢٣٨ ]
٢
بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام المفقودة في حق غيرهم فنجد النبي ﷺ أفضل الناس نشأة ومولدًا وشرفًا وخَلْقًا وخُلُقًا وصدقًا وأدبًا وأمانة وزهادة وإشفاقًا ورفقًا وبعدًا عن الدناءة والكذب والتمويه: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) الأنعام/١٢٤. ثم أصحابه يكونون في غاية العلم والنور والبركة والتقوى والديانة، كأصحاب رسول الله ﷺ كانوا بحرًا في العلوم على أنواعها من الشرعيات والعقليات والحسابيات والسياسات والعلوم الباطنة والظاهرة، حتى إنه روي أن عليًا جلس مع ابن عباس رضي الله تعالى عنهم وأنهما تكلما في الباء من (بِسْمِ اللَّهِ) من العشاء إلى أن طلع الفجر مع أنهم لم يدرسوا ورقة، ولا قرؤوا كتابًا ولا تفرَّغوا من الجهاد.
ولقد قال بعض الأصوليين: لو لم يكن شاهدًا لرسول الله ﷺ إلا أصحابه لكفوا في إثبات نبوته، وكذلك أيضًا ما علم من فرط صدقه حتى كان يقال: محمد الأمين، وما من نبي إلا وله في هذه القرائن الحالية والمقالية العجائب، والساحر على العكس في ذلك.
٢ - ومنها: قال بعض الحنفية: اعلم أن من تلفظ بلفظ الكفر يكفر، وإن لم يعتقد أنه لفظ الكفر ولا يعذر بالجهل، وكذا كل من ضحك عليه أو استحسنه أو رضي به يكفر، ومن أتى بلفظ الكفر حبط عمله وتقع الفرقة بين الزوجين ويجدد النكاح برضا الزوجة إن كان الكفر من الزوج وإن كان من الزوجة تجبر على النكاح، وهذا بعد تجديد الإيمان والتبرؤ من لفظ الكفر، حتى أن من أتى بالشهادة عادة ولم يرجع عما قاله لا يرتفع الكفر عنه، ويكون وطؤه وطء زنا، وولده ولد الزنا، وعند الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه لو مات على الكفر حبط أعماله، ولو ندم وجدد الإيمان لم يحبط عمله، ولا يلزم تجديد
[ ٢٣٩ ]
٣
النكاح، ولو صلى صلاة الوقت ثم أسلم لم يقضها، وعندنا يقضيها، وكذا الحج، فلو أتى بكلمة فجرى على لسانه كلمة الكفر بلا قصد لا يكفر انتهى كلام هذا الحنفي.
وما حكاه عن مذهبنا صحيح، بل مذهبنا موافق لجميع ما قاله إلا في إطلاق عدم العذر بالجهل، فإنه عندنا يعذر إن قرب إسلامه أو نشأ بعيدًا عن العلماء، وإلا في إطلاقه وقوع الفرقة بين الزوجين، فإنها عندنا لا تقع إلا إن صدرت الردة من أحد الزوجين قبل الوطء، فحينئذ تقع الفرقة مطلقًا، فإن وقعت من أحدهما بعد الوطء انتظرنا المرتد، فإن أسلم قبل انقضاء العدة بان بقاء النكاح، وإن استمر لانقضائها بان بطلان النكاح من يوم الردة، وما ذكره من الخلاف بيننا وبينهم في الإحباط صحيح، لكن محله في وجوب القضاء بعد الإسلام، أما بالنسبة لبطلان ثواب جميع ما مضى من عبادات المرتد قبل ردته فنحن موافقوهم على ذلك.
وقد نص الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه في "الأم" على أن الإنسان إذا ارتد والعياذ بالله حبط ثواب جميع أعماله، وإنما الذي يبقى له صورها فقط حتى لا يلزمه القضاء لقوله تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) الآية البقرة/٢١٧ فرتب فيها حبوط الأعمال على الموت مرتدا، وبه تتقيد الآية الأخرى المطلقة لحبوط الأعمال بالردة.
٣ - ومنها: أن من كفر بغير سبه ﷺ أو تنقيصه تقبل توبته اتفاقا، وتجب استتابته على الأصح، وأما من كفر بسبه ﷺ أو تنقيصه صريحا أو ضمنًا، ومثله الملَك، فاختلفوا في تحتم قتله، فقال مالك ﵁ وأصحابه: يقتل حدًا لا ردة ولا تقبل توبته ولا عذره إن ادعى سهوا ونحوه.
ومن ثم قال صاحب المختصر منهم أخذًا مما قدمته عن الشفاء: وإن سب نبيًا أو ملكًا، وإن عرّض أو لعنه أو عابه أو قذفه أو استخف بحقه أو
[ ٢٤٠ ]
غير صفته أو ألحق به نقصًا في دينه أو خصلته أو غض من مرتبته أو وفور علمه أو زهده، أو أضاف له ما لا يجوز عليه أو نسب له ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو قيل: له بحق رسول الله فلعن، وقال: أردت العقرب قتل، ولم يستتب حدًا إلا أن يسلم الكافر، وإن ظهر أنه لم يرد ذمه لجهل أو سكر أو تهور انتهى.
واستدلوا على ذلك بأمور:
الأول: بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا) الأحزاب/٥٧ وجه الدلالة أن من لعنه الله تعالى كذلك وأعد له ما ذكر فقد أبعده من رحمته وأحله في وبيل عقوبته، وإنما يستوجب ذلك الكافر، وحكمه القتل، فاقتضت الآية أن أذى الله وأذى رسوله كفر.
نعم إطلاق الأذى في حقه تعالى إنما هو على سبيل التجوز، إذ هو إيصال الشر الخفيف للمؤذي، فإن زاد كان إضرارا.
والثاني: بقوله تعالى: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ* لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة/٦٥ - ٦٦. قال المفسرون: كفرتم بقولكم في رسول الله.
والثالث: بخبر أبي داود والترمذي (من لنا بْابنِ الْأَشْرَفِ؟ مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟)
[ ٢٤١ ]
أي: من ينتدب لقتله (فقَدِ اسْتَعْلَنَ بِعَدَاوَتِنَا وَهِجَائِنَا) وفي رواية: (فَإِنَّهُ يؤذي اللهَ وَرَسُولَهُ) ثم وجه إليه من قتله غيلة دون دعوة بخلاف غيره من المشركين وعلله بإيذائه له، فدل على أنه لم يأمر بقتله للإشراك، وإنما أمر به للأذى.
[ ٢٤٢ ]
والرابع: بما رواه أبو داود: "أنه ﷺ يوم الفتح أمَّنَ النَّاس إلا جماعة كانوا
[ ٢٤٣ ]
يؤذونه منهم ابْنُ أَبِي سَرْحٍ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فجاء به َلَمَّا دَعَا النبي ﷺ
[ ٢٤٤ ]
النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ وطلب من النبي ﷺ أن يبايعه، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَابَى ثم بايَعَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: (ما كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْن كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ؟) قَالُوا: هلا أَوْمَاتَ إِلَيْنَا فإنا لا نَدْرِي مَا فِي نَفْسِكَ؟ فقَالَ: (إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ) ومنهم عبد الله بن خطل وجاريتاه أمر النبي ﷺ بقتلهم؛ لأنه كان يقول الشعر يهجوه به ويأمرهما أن يغنيا به.
وروى البزار: "أن عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْطٍ نادى يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: مَالِي أُقْتَلُ مِنْ بَيْنِكُمْ صَبْرًا؟ فقَالَ له النبي ﷺ: بِكُفْرِكَ وَافْتِرَائِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ"، وكذب عليه ﷺ رجل فبعث عليا والزبير
[ ٢٤٥ ]
رضي الله تعالى عنهما ليقتلاه، وهجته ﷺ امرأة فقال: من لي بها؟ فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله فقتلها، فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال: (لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ) أي: لا يجري فيها خلف ولا نزاع.
قالوا: فقد ثبت أنه ﷺ أمر بقتل من آذاه أو تنقصه والحق له وهو مخير فيه، فاختار قتل بعضهم والعفو عن بعضهم، وبعد وفاته تعذر تمييز المعفو عنه من غيره فبقي الحكم على عمومه في القتل لعدم الاطلاع على العفو، وليس لأمته بعده أن يسقطوا حقه؛ لأنه لم يرد عنه الإذن في ذلك.
والخامس: بإجماع الأمة على قتل منتقصه من المسلمين وسابه، وممن حكى الإجماع على ذلك ابن المنذر والخطابي وغيرهما كمحمد بن سحنون. وعبارته: أجمع العلماء على كفر شاتمه المنتقص له وجريان الوعيد عليه، وحكمه عند الأئمة القتل، فمن شك في كفره وعذابه كفر انتهى. وما
[ ٢٤٦ ]
صرح به من كفر الساب والشاك في كفره هو ما عليه أئمتنا وغيرهم كما علم مما مر، لكنه عندنا كالمرتد فيستتاب وجوبا فورا، فإن أصر قتل، ولو امرأة، لعموم قوله ﷺ: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) وإن أسلم صح إسلامه وترك كما قاله ابن عباس وغيره لقوله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) الآية. التوبة/٥. وقوله ﷺ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يقولوا لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) الحديث، وقيل: لا تجب استتابة المرتد، لأنه مهدر الدم، وقيل: لا يقتل فورا إذا لم يتب، بل يمهل ثلاثة أيام لاحتمال شبهة عرضت له فيسعى في إزالتها.
والجواب عن أدلتهم المذكورة:
أما عن الأول والثاني فالآيتان ليس فيهما إلا كفر مؤذيه ﵊، وهذا محل وفاق،
أما كونه يقتل بعد التوبة والإسلام، فلا دلالة فيهما على ذلك أصلا، وعن الثالث والرابع وما شابههما مما ذكر فيهما وغيره أنه لا دليل لهم في ذلك أيضا لقيام الكفر بالمحكي عنهم مع الزيادة في العناد فيه، وقد أخبر ﷺ أنه لا عصمة لأحد بعد دعواه إلى الإسلام إلا بالإسلام، فكل من المذكورين مهدر الدم؛ لأنه دعي إلى الإسلام ولم يسلم، فقتله لذلك، لا لمجرد سبه للنبي ﷺ، ومن ثم ذكر ﷺ لهم في قتل عقبة سببين: كفره وافتراءه عليه، ولقتل كعب سببين: إيذاءه الله وإيذاءه رسوله ﷺ، وبعثِ علي والزبير لقتل
[ ٢٤٧ ]
الكاذب عليه إنما هو لكذبه مع كفره، على أن هذا كذب فيه إفساد وفتنة بين المؤمنين، فيكون به قد حارب الله تعالى ورسوله وسعى في الأرض بالفساد فتحتم قتله لذلك لا لمطلق الكذب؛ لأنه بالاتفاق منا ومنهم لا يوجب القتل، وقتل المرأة التي هجته إنما هو لكفرها مع هجائها لا لهجائها فقط، ومن ثم نقل عنها أنها كانت تعيب الإسلام وتحرض على إيذائه ﷺ.
والحاصل أنه لا دليل لهم إلا أن ذكروا صورة فيها أن مسلما طرأ عليه الكفر بسبب السب ثم رجع وأسلم، ثم أمر النبي ﷺ بقتله حينئذ، إذ هذا هو محل الخلاف دون ما ذكروه، إذ لا نزاع بيننا وبينهم في أن الكافر الأصلي إذا بلغته الدعوة وامتنع من الإجابة وحارب بيده أو لسانه أو لم يحارب بالكلية أنه مهدر الدم قطعًا، وكل ما ذكروه في الثالث والرابع من هذا القبيل.
وبهذا يندفع قولهم: قد ثبت أنه ﷺ أمر بقتل من آذاه إلى آخر ما قدمته عنهم.
ولم يتقل أنه ﷺ أمر بقتل مسلم لسبه بل عفا عمن قال من المسلمين: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى، ومن قال: اعدل، ومن قال: أعطني من
[ ٢٤٨ ]
مال الله لا من مال أبيك وجدك، ومن قال: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) المنافقون/٨. ونظائر ذلك كثيرة مشهورة، على أنه لو فرض أنه قتل مسلما بالسب لم يكن فيه دليل، لأنا نقول قتله أيضا لكفره، وإنما الدليل أن لو ورد قتل الساب بعد إسلامه بسبب سبه من غير قبول لتوبته ولم يرد ذلك.
لا يقال: سبه ﷺ حق له وحقوق العباد مبنية على المشاححة، فكيف جاز لنا مع ذلك إسقاطه؟ لأنا نقول: حقوقه ﷺ تشبه حقوق الله تعالى تغليظا من حيث إن تنقيصه كفر كتنقيص الله تعالى، فلتكن مثلها تخفيفا من حيث إن الإسلام يرفع تحتم قتل فاعل ذلك مع أن قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) الأنفال/٣٨ دليل ظاهر على ما قلناه.
[ ٢٤٩ ]
٤
فإن قالوا: إنما يقتل حدا لا ردة، قلنا: فالدليل حينئذ قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) النساء/٤٨. وهذا حينئذ من دون ذلك؛ لأن الفرض أنه حد لا ردة.
فإن قلت: حد الزنا ونحوه لا يسقط بالتوبة فالقياس أن هذا مثله.
قلت: ذلك خارج عن القياس، إذ الأصل في كل معصية أن تسقط بالتوبة إلا ما استثني كحد الزنا فلا يقاس عليه؛ لأن ما خرج عن القياس لا يقاس عليه.
٤ - ومنها: أنه ينبغي التنبيه لما وقع في الشفاء نقلًا عن أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه أن من سبّ النبي ﷺ يقتل وإن تاب، فإن هذا وهم منه على أصحاب الإمام الشافعي ﵁ لاتفاقهم على عدم قتله في سب غير قذف، وأما السب الذي هو قذف فجمهورهم كما قاله غير واحد من المتأخرين مرجحون لعدم قتله أيضا لعموم قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) الأنفال/٣٨. ولقوله ﷺ: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ). وقوله: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ). وقوله: (الْإِسْلَام يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ).
ومن ثم نص الشافعي رضي الله تعالى عنه في "الأم" على ما يوافق ما مرّ عن الأصحاب الموافق لهذه الآية والأحاديث، وعبارتها: وإذا ارتد القوم عن الإسلام إلى يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو تعطيل أو غير ذلك من أصناف الكفر، ثم تابوا عصموا دمهم بالتوبة وإظهار الإسلام انتهت. فتأمل عموم قوله أو غير ذلك.
[ ٢٥٠ ]
٥
قال الإمام النجم ابن الرفعة فقيه المذهب وتلميذه التقي السبكي وغيرهما: وأصحابه متفقون على ذلك ويوافقه قول أبي بكر الفارسي فيما نقله عن القاضي حسين: أجمعت الأمة على أن من سب النبي ﷺ يقتل حدًا؛ لأن من سب النبي ﷺ خرج عن الإيمان، والمرتد يقتل حدًا، فإن تاب قبلت توبته، ولا ينافيه قوله: من قذف نبيًا قتل حدا بعد توبته؛ لأن هذا في قذف نبي وليس كلامنا فيه، ولأن ما ذهب إليه في ذلك ضعيف كما قاله جماعة، منهم حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، وبتقدير صحته لا يصح قياس السبّ على القذف؛ لأنه يوجب الحد بمرة واحدة، والسب الموجب للكفر لا يوجب تعزيرًا بمرة واحدة بعد التوبة كالردة بغير السب، فكان القذف أفحش من السب.
وأما ما قاله السبكي من أن ساب نبينا محمد ﷺ إذا كان مشهورًا قبل سبه له بفساد عقيدته، وتوفرت القرائن على أنّه سبّه قاصدًا التنقص يقتل، ولا تقبل له توبة، فهو مما انتحله مذهبًا وارتضاه رأيًا لنفسه معترفا بأنه مع جملة مسائل أخرى خارجة عن مذهب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه كما صرح بذلك هو، وكذا ابنه في طبقاته، ومن ثمّ قال شيخنا زكريا سقى الله تعالى عهده لما سئل عمن سبّ النبي ﷺ هل يقتل بذلك حدًا وإن تاب؟ كما في "الشفاء" عن أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه: الفتوى على عدم قتله كما جزم به الأصحاب في سبّ غير قذف، ورجحه الغزالي رحمه الله تعالى، ونقله ابن المقري عن تصحيحهم في سب هو قذف؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، ونقل قتله عن أصحاب الشافعي وهمٌ، بل هم متفقون على عدم قتله في الشق الأول وجمهورهم مرجحون له في الثاني انتهى.
٥ - ومنها: أفتى السبكي رحمه الله تعالى فيمن قال: القاضي يقضي والمفتي يهذي أي: من الهذيان كما يدل عليه الجواب الآتي، فقال ما حاصله:
[ ٢٥١ ]
٦
يخشى على قائل ذلك الكفر؛ لأن الفتوى تبيين حكم الله تعالى وأصلها تبيين ما أشكل، والمفتي بحق مبيّن لحكم الله تعالى، وهو وارث النبوة، والقاضي يفصل ويلزم بمقتضى الفتوى، قال الله تعالى: (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) النساء/١٧٦. (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) غافر/٢٠. فكل من المفتي أو القاضي بحق له أجر عظيم، والمفتي أعلى والقاضي تابع له؛ لأنه -وإن كان مجتهد فتوى- تابعٌ لفتوى إمامه، فمن زعم أن المفتي يهذي مع اعتقاد أن فتواه صواب فيما أخبر به عن الله تعالى فهو كافر، ومن أطلق تلك العبارة فإنما هو لجهله بمعناها واعتقاده أن الفتوى لا إلزام فيها، وليس كذلك بل يلزم المستفتي الأخذ بها، إلا أن كان عنده ما هو أرجح منها، وتصور اختلاف بين مفتٍ بحق وقاضٍ كذلك إنما هو لاختلاف تصوير أو نحوه، فإن القاضي يبحث ويستكشف أكثر من المفتي، أما مفتٍ أو قاضٍ بغير حق فليس الكلام فيه.
وما ذكره أن المفتي أعلى من القاضي فإنما يتضح فيما أومأ إليه كلامه من أن القاضي تابع له ولو مجتهد فتوى، أما بالنسبة لأصل منصب القضاء بحق ومنصب الإفتاء بحق، فالظاهر أن الأول أفضل؛ لأن فيه إفتاء وإلزاما بالحق وتحريًا وتقصيًا أشد مما في الإفتاء، فإن المفتي إنما يتحرى في تحرير الحكم، والقاضي يتحرى فيه، وفي مطابقة الصورة الخارجية له، ولا يتم له ذلك إلا بعد مزيد تحّر وفحص وتعقب تام، فكان منصب القاضي أفضل للأخبار الصحيحة المصرحة بأن أفضل الأعمال أشقها إلا لعارض، وعلى هذا يحمل قول من قال: أفضل المراتب الإمامة العظمى فالقضاء فالإفتاء.
٦ - وأفتى أيضا فيما نسب إليه مكفر كذبا، فطلب من شافعي أن يحكم بحقن دمه حتى لا يرفع لمالكي بيّنة زور فيهدره ولا تقبل توبته، فهل للشافعي أن يحكم بحقنه وعدم تعزيره، وإن لم يقم عنده بيّنة بذلك؟
[ ٢٥٢ ]
فقال ما حاصله: الذي أراه أنه إذا تلفظ بين يدي شافعي مثلا بكلمة الإسلام، وطلب منه الحكم له بذلك، وقد ادعى عليه بخلافه جاز له الحكم بإسلامه وعصمة دمه وعدم تعزيره، ولا يحتاج لاعترافه بمكفر، لأنه قد يكون بريئًا، فإلجاؤه للكذب بذلك لا معنى له، بل لا يجوز أمره بذلك.
ويكفي في الحكم استناده لما سمع منه من إسلامه، وبه يمتنع على المالكي التعرض له؛ لأن إسلامه الآن وعصمة دمه مقطوع به.
أما فرض أنّه بريء فواضح أو أنه فعل مكفرًا فإسلامه ماح له، فعصمته ثابتة قطعًا، والحكم بالحق حق ولا يقدح في ذلك أن إسلامه الآن إنشاء، وشرط الحكم بصحته سبق مكفر؛ لأنه إنما حكم بالعصمة وهي مستندة إلى مقطوع به، إسلامه المستمر أو المنشأ فلم يضر الشك في تعيينه.
ولذلك نظائر: منها: ما لو قال موكل في شراء جارية بعشرين: إنما أمرتك بعشرة، فإنه يحلف ويقع شراء الجارية ظاهرًا للوكيل.
ويستحب للحاكم أن يرفق بالموكل حتى يقول للوكيل: إن كنت أمرتك بعشرين فقد بعتكها بها بلا تعليق فيقبل لتحل له باطنًا بتقدير صدقه، ووافقنا المالكية على ذلك، ولو طلب الوكيل حينئذ الحكم بصحة ملكه لها أجيب بلا شك، فيحكم له بالملك وحل التصرف المترتب عليه لتحقق سببه، إما بالشراء الأول أو الثاني، وإن كان مبهما لا بصحة الشراء الثاني، لأنه لم يتحقق سببه لاحتمال كذبه، فيكون شراؤه الأول صحيحا حكما، وجاز حكمه بذلك مع إبهام سببه، فكذا في مسألتنا يحكم بالعصمة لتحقق سببها من الإسلام المستمر أو المنشأ.
ولنا أن نقول له هنا أيضا: أن يحكم بصحة إسلامه، ويفرق بينه وبين ما مرّ من عدم الحكم بصحة الشراء الأول بأن البيع يشترط لصحته أمور منها: الملك، ونحن شاكون في ملك الموكل وحاكمون بملك الوكيل لها ظاهرا، فلا يتصور مع ذلك الحكم بصحة الشراء الثاني للشك في سببه، وأما الإسلام فلا يتصور أن يقع غير صحيح، إذ التلفظ بكلمة الإسلام، إما إقرار كلا إله
[ ٢٥٣ ]
٧
٨
إلا الله الخ، وإما إنشاء، أو محتمل لهما، كأشهد أن لا إله إلا الله الخ.
ومعنى الإقرار الإخبار عن العلم بها، ومعنى الإنشاء معروف كالشهادة بين يدي الحاكم، وبأي معنى فرض فهو إقرار صحيح وإنشاء صحيح، ومعنى صحته ترتب أثره عليه، ومن أثره عصمة الدم وجبّ ما قبله، فإذا حكم القاضي بذلك، فمعناه أنه يترتب هذه الآثار عليه.
وسبب الاحتياج إلى حكمه أن الألفاظ التي يصير بها الكافر مسلمًا ذكرها الفقهاء، وقسموا الكفار إلى أقسام: منهم من يصير ببعض الألفاظ مسلمًا، ومنهم من يشترط فيه زيادة، فحكم القاضي بالإسلام بالنسبة إلى اللفظ الموجود معناه كاف في صيرورته مسلمًا فيرفع الحكم الخلاف في اشتراط لفظ آخر، وفي منع إباحة دمه بشيء صدر منه وإن جهل، ولو لم يقصد القاضي رفع الخلاف، وقلنا باشتراط قصده في غير هذا، لأن الصورة أنه ادعى عليه أنه صدر منه ما ينافي الإسلام فالقاضي إنما يحكم ليدرًا عنه القتل بما عساه يثبت.
٧ - ومنها: لو شك هل طلّق أو لا؟ سنّ له الرجعة، فإن راجع، ثم قامت بعد ثلاثة أقراء بيِّنة بأنه كان طلق جاز للحاكم الحكم ببقاء العصمة مستندًا إلى مراجعته تلك، وإن كان حين الرجعة شاكًا في صحتها فكذا إذا ثبت هنا بعد الحكم بعصمة دمه بلفظه بمكفر لا يلتفت إليه، ويحكم بأنه ارتفع أثره بالإسلام، بل لو شك هل طلق بلفظ الحرام أو بغيره، فراجع وحكم القاضي ببقاء العصمة مستندًا للرجعة، ثم ثبت أنه قال: أنت حرام لم يكن للحنفي وإن كانت الكنايات عنده ثوابت أن يحكم عليه بذلك، لأن الشافعي منعه من ذلك بحكمه السابق، وإن كان عند الحكم شاكًا هل خاطبها بلفظ الكناية؟ لاستناده إلى ثبوت العصمة في اعتقاده بالمراجعة بيقين سواء أطلق بصريح أم بكناية.
٨ - ومنها: لو قال: إن كان هذا الطائر غرابًا فأنت طالق وإن لم يكنه فأنت طالق فطار وجهل، فللحاكم الحكم بطلاقها، لأنه لازم على كل تقدير، وإن جهل عين سببه، فلو علق بمختلف في صراحته ولم ينو، ورأى الحاكم أنه
[ ٢٥٤ ]
٩
صريح فحكم بالطلاق، أو كناية فحكم ببقاء العصمة، ثم بان أنه غراب فليس لحاكم آخر الحكم بخلاف ذلك مستندا إلى أنه حكم قبل تيقنه أحد الطرفين. إذ لو كان كذلك لم يتجه حكم أصلًا، وحصل الضرر ببقاء المرأة مع الجهل بالحال معلقة لا منكوحة ولا مطلقة.
واعلم أنه لا يشترط قصد الحاكم رفع الخلاف فإذا حكم مستندًا لشيء، وهناك ما لو اطلع عليه لم يحكم كما إذا حكم ببينة خارج فظهر للداخل بيِّنة، وهو يرى تقديمها نقضه وإن لم يره لم ينقضه.
ونظيره هنا لو حكم مالكي بعصمته مستندًا للإسلام المستمر، ثم ثبت عنده مكفر جاز له الحكم بإهداره، وكذا لغيره ممن يرى ذلك؛ لأن الحكم الأول إنما كان لظن عدم مكفر، فحيث ثبت بانَ بطلانه بخلاف حكم الشافعي فإنه صحيح، وإن فرض وجود ذلك المكفر، فليس هناك ما لو اطلع عليه لم يحكم، فالضابط أن كل حكم قارنه ما لو علم به الحاكم لم يحكم بنقض على تفصيل فيه بيناه في مسألة الفرس، وكل حكم قارنه ما لو علم به حكم لا ينقض.
وبالجملة: من ادعي عليه بكفر لم يثبت، لو طلبه ظالم ليقتله، فطلب من حاكم شافعي أن يحكم بعصمته، فمن يمنعه يلزمه أنه مكّن الظالم من قتله مع قدرته على إنقاذه بمنعه.
٩ - ومنها: لو انتُزعت دار من داخلٍ ببينة وحكم له بها، ثم أقام الداخل بينة عنده نقض، وقيل: لا، وقيل: إن كان قبل التسليم، فإن أقامها عند حاكم آخر، فإن علم أن الحاكم الأول إنما حكم لعدم علمه ببينة الداخل فكذلك، وإن احتمل أنه إنما حكم ذهابًا إلى ترجيح بينة الخارج، وهو من أهل الترجيح، أو شك الحاكم لم ينقض على الأصح، بل تقر في يد المحكوم له، فإذا كان هذا قول الأصحاب فيمن لم يقصد بحكمه منع ما هو متوقع ثبوته، فكيف في مسألتنا التي قصد الحاكم بحكمه عصمة المحكوم له عما نسب إليه ويتوقع ثبوته، وهذه المسألة ينبغي أن تحرر ويعتنى بها، فإن الناس يحتاجون إليها.
[ ٢٥٥ ]
ولقد بلغني عن ابن دقيق العيد أنه ارتدت الشهادة عنده بحكم حنفي بعصمه دم من نُسب إليه مكفر لينقذه، فامتنع وأمر الشاهدين بأن يشهدا على المنسوب إليه ذلك بالإقرار به، فذهبا إليه وشهدا على إقراره بما نسب إليه ثم حكم بعصمة دمه حكمًا مبتدأ، وهذا منه إما احتياط أو لعدم نظر في المسألة مع أني كنت أتبعه في ذلك حتى نظرت فيها فوجدت الحق يقتضي أن ذلك ليس بشرط، والحق أحق أن يتبع، وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في مختصر المزني لو شهد عليه شاهدان بالردة فأنكر قيل له: إن أقررت بالشهادتين وتبرأت عن كل دين يخالف دين الإسلام لم يكشف عن غيره انتهى.
قيل: أراد الكشف عما شهد الشهود من ردته، وقيل: الكشف عن باطن أمره، لأنا لا نطلع على أفعال القلوب، وعلى كل فقد صرح الأصحاب بأنهما لو شهدا عليه بالردة قبلا، وأن أنكر، فعليه أن يسلم، ولا يفيده إسلامه في رفع الحكم بطلاق زوجته بردته، قال ابن الصباغ: ولا يفيده أيضًا الحكم بإسلامه، فكلامهم سيما كلام ابن الصباغ صريح في الحكم بإسلامه، فيشهد لما قلناه لشمول كلامهم للمحلّ المختلف فيه كالمجمع عليه.
نعم الحكم بإسلامه فقط لا يرفع الخلاف؛ لأن المالكي يقتله للحد لا للكفر بخلاف الحكم بعصمة الدم. انتهى المقصود من كلام السبكي.
[ ٢٥٦ ]
١٠
وفيه مناقشات لا يحتملها هذا الكتاب، فالأولى إن لم يكن هو المتعين رعاية لما قدمه عن ابن دقيق العيد، نعم قال الغزالي في أدب القضاء وتبعه شيخنا في مختصره: قال ابن القاص: قال الشافعي ﵁: إذا ادُّعي على رجل أنه ارتد وهو مسلم لم أكشف عن الحال، وقلت له: قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، وأنك بريء من كل دين يخالف دين الإسلام انتهى. فقول بعض القضاة لمن ادعي عليه بذلك أو جاء بنفسه يطلب الحكم بإسلامه بلفظ ما قلت: غلط انتهى كلامهما، وهو يوافق بعض ما ذكره السبكي إلا أن يقال: الحكم بالإسلام غير الحكم بعصمة الدم الذي الكلام فيه. وقالا أيضًا: شهدوا بكفره وفصلوه فقال: أنا مسلم لم يكف حتى يتلفظ بالشهادتين ويتبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام، ولا يشترط أن يقر بالكفر ثم يسلم.
١٠ - وسئل السبكي أيضا عن حكم الساحر وما يجب عليه وما ورد فيه من الأحاديث. فأجاب: من العلماء كمالك وأحمد من يقول بقتله مطلقًا، وإن تاب كالزنديق.
وعند الشافعي إنما يكفر إن تكلم بكفر أو اعتقد أن كوكبًا يفعل بنفسه، أو أنه يقدر على قلب العين، وتُقبل توبته، ولا يثبت اعتقاده ذلك إلا بإقراره ككونه قتل بسحره، ويقتص منه بشروطه وما عدا ذلك يعزر، ودليلنا الخبر الصحيح: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمان) أي: كما في الحالة الأولى (وزِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، وقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ) أي: كما في الحالة
[ ٢٥٧ ]
الثانية، والحالة الثالثة لا قتل فيها بنص هذا الحديث؛ لأنها ليست إحدى الثلاث، ولم يصح حديث يقتضي قتله، وخبر: (حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ) ضعفه الترمذي، وجعله موقوفًا فهو قول صحابي، ولم يقتل ﷺ لبيدًا اليهودي الذي سحره.
والآثار عن الصحابة رضي الله تعالى عنه أجمعين مختلفة، فعن عمر رضي الله تعالى عنه: (اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ).
وعن حفصة زوج النبي ﷺ أنها قتلت جارية سحرتها.
وعن عائشة ﵂ أنها باعت جارية سحرتها وجعلت ثمنها في الرقاب، وحمل الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فعل عمر وبنته على سحر فيه كفر، وفعل عائشة على ما لا كفر فيه، واستدل بقوله ﷺ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يقولوا: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّه مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ) الحديث، وإذا اختلف الصحابة اتبع أشبههم قولًا بالكتاب والسنة، وكف القتل عمن لم يكفر ولا زنى ولا قتل أشبه بهما.
وقد سئل الزهري شيخ الإمام مالك رضي الله تعالى عنهما أعَلى من سحر من أهل العهد قتل؟ قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ سُحِر، فلم يقتل من سحره، وكان من أهل الكتاب.
[ ٢٥٨ ]
١١
١١ - وسئل السبكي أيضًا عمن قال: ما أعظم الله فقيل له: لا يجوز. فأجاب بما حاصله: يجوز ذلك. قال الله تعالى: (أَبْصِرْ بِهِ) أي: الله (وَأَسْمِعْ) الكهف/٢٦. أي: ما أبصره وما أسمعه، فمعنى ما أعظمه أنه تعالى في غاية العظمة.
ومعنى التعجب من ذلك أنه حارت فيه العقول، فالقصد الثناء عليه بالعظمة أو اعتقادها له، وكلاهما سائغ، وموجبهما أمر عظيم يصح أن يراد بما أعظمه.
وبلغني عن شيخنا أبي حيان أنه كتب بعدم الجواز، فنظرت فرأيت ابن السراج قال: حُكِيت ألفاظ من أبواب مختلفة مستعملة بحال
[ ٢٥٩ ]
التعجب نحو: ما أنت من رجل، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، وكاليوم رجلا، وسبحان الله من رجل ورجلا، وحسبك بزيد رجلًا، ومن رجل، والعظمة لله من رب، وكفاك زيد رجلًا، فقوله: العظمة لله من رب دليل لجواز التعجب في صفات الله تعالى، وإن لم يكن بصيغة ما أفعله وأفعل به، ومن جهة المعنى لا فرق من حيث كونه تعجبًا.
وحكى ابن الأنباري عن الكوفيين أن: "ما أحسن زيدًا" اسم عندهم لا فعل، تقديره شيء أحسن زيدًا، خلافًا للبصريين لأدلة. منها: قوله: ما أعظم الله، ولو كان التقدير ما ذكر وجب أن يقدر هنا: شيء أعظم الله، والله تعالى عظيم لا بجعل جاعل، وقال الشاعر:
ما أقدر الله
ويلزم من قال: إنه فعل أن تقديره شيء أقدر الله، والله تعالى قادر لا بجعل جاعل.
[ ٢٦٠ ]
وأجاب البصريون بأنه لا محذور أن التقدير شيء أعظم الله: أي: وصفه بالعظمة كما تقول عظمت عظيمًا والشيء، إما من يعظمه من عباده، وإما ما يدل على عظمته وقدرته من صفاته أو ذاته تعالى: أي أنه أعظم لذاته لا لشيء جعله عظيمًا، فرقًا وبينه وبين غيره.
وحكى أن بعض أصحاب المبرّد قدم من البصرة إلى بغداد فحضر حلقة ثعلب فسئل عن هذه المسألة فأجاب بجواب أهل البصرة، وهو أن التقدير بشيء أحسن زيدًا فأورد عليه: ما أعظم الله، فالتزمه فيه، فأنكروا عليه بأنه عظيم لا بجعل جاعل، وسجنوه حتى قدم المبرّد فوافقه، وبان قبيح إنكارهم عليه، وفساد ما ذهبوا إليه.
وقيل: قولنا: شيء أعظم الله بمنزلة الإخبار بأنه عظيم لا بشيء جعله عظيمًا لاستحالته، وقول الشاعر:
ما أقدر الله
فهو وإن كان لفظه لفظ التعجب فالمراد به المبالغة في وصفه تعالى بالقدرة، كقوله تعالى: (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا) مريم/٧٥ بلفظ الأمر، وإن لم يكن في الحقيقة أمرًا.
وإن شئت قدرته تقدير: ما أعظم الله، على ما بينا. انتهى كلام ابن
[ ٢٦١ ]
الأنباري، وهو نص صريح في المسألة وناطق بالاتفاق على صحة هذا اللفظ وأنه غير مستنكر، وإنما اختلفوا هل يبقى على حقيقته من التعجب، ويحتمل الأوجه الثلاثة التي ذكرها، أو يجعل مجازًا عن الإخبار؟ وأما إنكار اللفظ فلم يقل به أحد. والأصح أنه باق على معناه من التعجب وتأويل الشيء على ما ذكر.
وذكر أبو الوليد الباجي في كتابه "السنن" أدعية مستحبة من غير القرآن من جملتها: ما أحلمك على من عصاك، وأقربك ممن دعاك، وأعطفك على من سألك.
وروى ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن جده أبي
[ ٢٦٢ ]
بكر رضي الله تعالى عنهم: أن بعض سفهاء قريش حثا على رأس أبي بكر ترابًا فمّر به الوليد بن مغيرة أو العاص بن وائل فقال: ألا ترى ما فعل هذا السفيه؟ قال: أنت فعلت ذلك بنفسك، فقال أبو بكر: أي رب ما أحلمك، ولو لم يكن هذا إلا عن القاسم لكفى فضلًا عن روايته عن جده، وإن كانت مرسلة.
وفي الكشاف في (ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) الرحمن/٢٧ معناه: الذي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه أو الذي يقال له: ما أجلك وما أكرمك.
[ ٢٦٣ ]
وفيه في (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) الكهف/٢٦ أنه جاء بما دل على التعجب من إدراكه للمسموعات والمبصرات للدلالة على أن أمره تعالى في الإدراك خارج عن حد ما عليه إدراك السامعين والمبصرين؛ لأنه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها كما يدرك أكبرها حجما وأكثفها جرما، ويدرك البواطن كما يدرك الظواهر.
وفيه في: (حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا) يوسف/٣١ المعنى: تنزيهه تعالى من صفات العجز، والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله وأما (حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) يوسف/٥١ فالتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله.
وذكر أبو محمد عبد الله بن علي بن إسحاق الصيمري في كتابه التبصرة والتذكرة في النحو في: ما أعظم الله، أي: شيء أعظمه، وفسر الشيء بنحو ما مّر عن ابن الأنباري، ومنه: ويجوز أن يكون ذلك الشيء هو الله تعالى فيكون لنفسه عظيمًا لا لشيء جعله عظيمًا ثم قال: ومثل هذا يستعمل كثيرًا في كلام العرب كما قال الشاعر:
نفس عصام سوّدت عصاما
انتهى.
[ ٢٦٤ ]
وقال نحو ذلك أيضًا ابن الدهان سعيد بن المبارك في شرح الإيضاح: ففسر ما أعظم الله بشيء أعظمه، وفسر ذلك الشيء بنحو ما مرّ عن ابن الأنباري، وقال المتنبي:
[ ٢٦٥ ]
ما أقدر الله أن يخزي خليفته
وأقره عليه الواحدي في شرحه، وتبع السبكي على ذلك الولي أبو زرعة فقال في فتاويه: لا نعلم أحدًا من معتبري العلماء رضي الله تعالى عنهم منع إطلاق هذا اللفظ. أي ما أعظم الله، ما أحلم الله، وهو لفظ دال على تعظيم الرب ﷻ وتفخيم ِآثار صفاته العلية فلا مانع من إطلاقه، وفي التنزيل: (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) الكهف/٢٦، ثم حكى عن قتادة قال: لا أحد أبصر من الله ولا أسمع، وقد وردت صيغة التعجب في حق الله تعالى في السيرة أيضًا، فالمانع لذلك إن كان استناده إلى أن أهل العربية يقدرون في مثل هذا من التعجب: شيئا صيره كذا، مثل هذا لا يستعمل في حق الله تعالى،
[ ٢٦٦ ]
١٢
١٣
١٤
فهذا التقدير غير لازم ولا مطرد فقد يمتنع لمانع، وإذا كان أصل وضع اللفظ في اللغة للتعظيم فلا يمنع منه لأجل ذلك التقدير، ولا تمشي ألفاظ الناس على دقائق أهل العربية التي لا دليل عليها على أنه يمكن تقدير ما يوافقهم بما لا إنكار فيه، من غير إخلال باللائق بالرب ﷻ بأن يقدر شيء وصفه لذلك، وهو إما نفسه أو من ِشاء من خلقه، ولا يقدر: شيء صيره كذلك.
١٢ - وأفتى السبكي أيضًا فيمن سئل عن شيء فقال: لو جاء جبريل ما فعلته، بأنه لا يكفر؛ لأن هذه العبارة تدل على عظمة جبريل عنده.
١٣ - وأفتى أبو زرعة فيمن قال لآخر: سألتك أن تهجرني في الله فقال: هجرته لألفٍ لله بأن مقتضى هذا اللفظ تعدد الآلهة، وذلك كفر صريح، فإن أراده ضربنا عنقه إن لم يتب، فإن ادعى تأويلا يصرفه عن الكفر بأن أراد أسباب الهجرة التي هي لأجل الله، فكأنه قال: هجرتك لألف سبب لله تعالى، فأطلق السبب على المسبب له قُبِل ذلك منه بيمينه، لاحتمال اللفظ له، أو قال: هجرتك ألف هجرة لله، فذلك مما يحتمله اللفظ بتأويل فيقبل أيضًا حقنًا للدم بحسب الإمكان، ولا سيما إن كان القائل لذلك مما لا يعرف بعقيدة سيئة، لكن يؤدب على إطلاق هذا اللفظ لبشاعة ظاهرة.
١٤ - وأفتى شيخنا زكريا الأنصاري سقى الله عهده في اثنين تخاصما، فقال أحدهما للآخر: لست مثلك، أدخل للحاكم وأعمل فضوليا، ولو أردت ذلك لدخلت إليهم وتفوضلت وكفرت ألفي كفر، فهل يكفر بذلك أو لا؟ فماذا يلزمه؟ بأنه يكفر بذلك إلا أن يريد غير الكفر من أنواع الإيذاء فلا يكفر، لكنه ارتكب محرمًا، فيلزمه التعزيز البالغ الرادع له ولأمثاله عن مثل ذلك، وبأن من تلفظ بالشهادتين بالعجمية، وهو يحسن العربية لا يكون مسلمًا بذلك كنظيره في تكبيرة الإحرام.
[ ٢٦٧ ]