قال المصنف ﵀:
باب: التحذير من البدع:
عن العرباض بن سارية ﵁ أنَّه قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، قلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا، قال: «أوصيكم بتقوى الله ﷿، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، وإنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي؛ عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كل بدعة ضلالة» (^١) قال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
الشرح:
هذا حديث عظيم ختم به المصنف كتابه الذي جلَّى فيه فضل الإسلام وحقيقته، بالتحذير مما يخالفه من البدع المحدثة.
قوله: «وعظنا» قال ابن فارس: (الواو والعين والظاء كلمة واحدة. فالوعظ التخويف، والعِظة: الاسم منه. قال الخليل: هو التذكير بالخير وما
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين برقم (٤٢) وأبو داود في كتاب السنة، باب في لزوم السنة برقم (٤٦٠٧) والترمذي ت شاكر في أبواب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع برقم (٢٦٧٦) وأحمد ط الرسالة برقم (١٧١٤٥) وصححه الألباني.
[ ١٢١ ]
يرق له قلبه) (^١)، والقرآن كله موعظة، كما قال الله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥١] وقال: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ [الفرقان: ٥٢]، فلا موعظة أعظم من موعظة القرآن والسنة. فينبغي للإنسان أن يستلين قلبه بين الفينة والأخرى، إذا تراكمت عليه الغفلة، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ *اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٦، ١٧]، فنبه على حياة القلوب بوحي السماء، بحياة الأرض بقطر السماء.
وطالب العلم يحتاج لذلك، فإن استغراق طالب العلم في بعض المسائل البحثية والفقهية أحيانًا قد ينشأ عنه قسوة من جراء إعمال الذهن والعقل، وعدم استلانة القلب، فما أحوجنا إلى الموعظة.
قوله: "وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون" حبذا هذه الموعظة البليغة التي وعظ بها النبي ﷺ أصحابه. وفيض العيون من معين القلوب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]
قوله: "كأنَّما هي موعظة مودِّع فأوصنا" قال ابن رجب ﵀: (يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ ﷺ قَدْ أَبْلَغَ فِي تِلْكَ الْمَوْعِظَةِ مَا لَمْ يُبْلِغْ فِي غَيْرِهَا، فَلِذَلِكَ فَهِمُوا أَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَإِنَّ الْمُوَدِّعَ يَسْتَقْصِي مَا لَمْ يَسْتَقْصِ غَيْرُهُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَلِذَلِكَ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، لِأَنَّهُ مَنِ اسْتَشْعَرَ أَنَّهُ مُوَدِّعٌ بِصَلَاتِهِ، أَتْقَنَهَا عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهَا. وَلَرُبَّمَا كَانَ قَدْ وَقَعَ مِنْهُ ﷺ تَعْرِيضٌ فِي تِلْكَ الْخُطْبَةِ بِالتَّوْدِيعِ، كَمَا عَرَّضَ بِذَلِكَ فِي خُطْبَتِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَالَ: «لَا
_________________
(١) (معجم مقاييس اللغة: (١٠٥٩)
[ ١٢٢ ]
أَدْرِي، لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا وَطَفِقَ يُوَدِّعُ النَّاسَ، فَقَالُوا: هَذِهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ) (^١)
قوله: «أوصيكم بتقوى الله» لأنَّها وصية الله للأولين والآخرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] وقال النبي ﷺ لمعاذ: «اتقِّ الله حيثما كنت» (^٢)، وهي خشية تجعل بينه وبين عذاب الله وقاية؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.
قوله: «والسمع والطاعة» لما وعظهم فيما يتعلق بخاصة أنفسهم، ثنَّى بالأمر العام، إذ لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، فلا بدَّ من اجتماع، ولا بدَّ من طاعة، فلا يصلح أن يستقل كلَّ إنسان برأيه، ويشذُّ عن الجماعة.
قوله: «وإن تأمَّر عليكم عبد» أي: لا يحملنَّكم استنكاف أن تسمعوا وتطيعوا لمن وُلِّي عليكم، فعن أبي ذر ﵁ قال: إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ. (^٣) قوله: «وإنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» قال ابن رجب- ﵀: (هَذَا إِخْبَارٌ مِنْهُ ﷺ بِمَا وَقَعَ فِي أُمَّتِهِ بَعْدَهُ مِنْ كَثْرَةِ الِاخْتِلَافِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، وَفِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ وَالِاعْتِقَادَاتِ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنَ افْتِرَاقِ أُمَّتِهِ عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَأَنَّهَا كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً، وَهِيَ مَنْ كَانَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَأَصْحَابُهُ، وَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَمْرٌ عِنْدَ الِافْتِرَاقِ وَالِاخْتِلَافِ بِالتَّمَسُّكِ بِسُنَّتِهِ وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ، وَالسُّنَّةُ: هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ، فَيَشْمَلُ ذَلِكَ التَّمَسُّكَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ مِنَ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ، وَهَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ الْكَامِلَةُ، وَلِهَذَا كَانَ
_________________
(١) (جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (٢/ ١١٥)
(٢) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب البر والصلة، باب ما جاء في معاشرة الناس برقم (١٩٨٧) وحسنه الألباني.
(٣) (أخرجه مسلم في باب كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار، برقم: (٦٤٨)
[ ١٢٣ ]
السَّلَفُ قَدِيمًا لَا يُطْلِقُونَ اسْمَ السُّنَّةِ إِلَّا عَلَى مَا يَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ. وَكَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ يَخُصُّ اسْمَ السُّنَّةِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاعْتِقَادَاتِ، لِأَنَّهَا أَصْلُ الدِّينِ، وَالْمُخَالِفُ فِيهَا عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، وَفِي ذِكْرِ هَذَا الْكَلَامِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِأُولِي الْأَمْرِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِأُولِي الْأَمْرِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، كَمَا صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ») (^١)
والمقصود بالخلفاء الراشدين: كلُّ من خلف النبي ﷺ في أمته بالعلم النافع، والعمل الصالح، وأولهم دخولًا في هذا الخلفاء الأربعة، فلهذا يقال: سنة راشدية، وسنة عمرية راشدية. قوله «عضوا عليها بالنواجذ» النواجذ: الأضراس؛ لأنَّ من عضَّ على الشيء بنواجذه، فقد استمسك به، ليس كمن يعض عليه بالثنايا أو بالرباعيات، فهو كناية عن شدة التمسك بها.
قوله: «وإياكم ومحدثات الأمور» في الدين، وهي البدع، وتقدم تعريفها.
قوله: «فإنَّ كل بدعة ضلالة» جملة تعليلية لما سبق من تحذير. ولو كان فيها خيرًا لدلَّنا عليها النبي ﷺ، قال ابن رجب ﵀: (فَقَوْلُهُ ﷺ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ، وَهُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، فَكُلُّ مَنْ أَحْدَثَ شَيْئًا، وَنَسَبَهُ إِلَى الدِّينِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ مِنَ الدِّينِ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، فَهُوَ ضَلَالَةٌ، وَالِدَيْنُ بَرِيءٌ مِنْهُ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَسَائِلُ الِاعْتِقَادَاتِ، أَوِ الْأَعْمَالُ، أَوِ الْأَقْوَالُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ.
وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ السَّلَفِ مِنَ اسْتِحْسَانِ بَعْضِ الْبِدَعِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي
_________________
(١) (جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (٢/ ١٢٠ - ١٢١)
[ ١٢٤ ]
الْبِدَعِ اللُّغَوِيَّةِ، لَا الشَّرْعِيَّةِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ ﵁ لَمَّا جَمَعَ النَّاسَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ عَلَى إِمَامٍ وَاحِدٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَخَرَجَ وَرَآهُمْ يُصَلُّونَ كَذَلِكَ فَقَالَ: نِعْمَتُ الْبِدْعَةُ هَذِهِ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَتْ هَذِهِ بِدْعَةٌ، فَنِعْمَتُ الْبِدْعَةُ. وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ، وَلَكِنَّهُ حَسَنٌ، وَمُرَادُهُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ، وَلَكِنَّ لَهُ أُصُولٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ يُرْجَعُ إِلَيْهَا) وذكر أمثلة. (^١)
فوائد الحديث:
١ - شفقة النبي ﷺ على أمته، وكمال نصحه لأصحابه.
٢ - أهمية الوعظ، وعظيم أثره على القلوب، والتحذير من التهوين من شأنه.
٣ - كمال إيمان الصحابة، ورقة قلوبهم.
٤ - طلب الوصية ممن هو أهل لها.
٥ - البداءة بالوصية بتقوى الله.
٦ - وجوب السمع والطاعة بالمعروف لأولي الأمر، وتحريم منابذتهم، والخروج عليهم.
٧ - سنة الله في التفرق والاختلاف.
٨ - الأمر بالاعتصام بالسنة النبوية، والراشدية، وشدة التمسك بها.
٩ - فضيلة الخلفاء الراشدين، وأن سنتهم متبعة.
١٠ - الحذر من البدع والمحدثات بأنواعها.
١١ - أن البدع لا تورث إلا الضلال.
١٢ - أنه ليس في البدع بدعة حسنة، بل كلها ضلالة.
_________________
(١) جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (٢/ ١٢٨)
[ ١٢٥ ]
ثم قال المصنف ﵀:
وعن حذيفة: أنَّه قال: كل عبادة لا يتعبَّدها أصحاب محمد فلا تعبَّدوها، فإنَّ الأول لم يدع للآخر مقالًا، فاتقوا الله يا معشر القرَّاء، وخذوا طريق من كان قبلكم (^١)، رواه أبو داود.
هذا يدل على لزوم طريقة الصحابة ﵏، ولزوم فهمهم، وعملهم؛ فإنهم شاهدوا التنزيل، وعلموا التأويل. ومن الناس من يسوِّغ لنفسه فهم النصوص وفق ما يشتهي، والواجب اتباع سبيل المؤمنين من الصحابة والتابعين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وقد تقدم نحوه.
_________________
(١) هكذا عزاه المصنف لأبي داود فقط، دون ذكر السنن، وعزاه غيره لأبي داود في السنن، كأبي شامة في الباعث (ص ٧٠ - ٧١)، والسيوطي في الأمر بالاتباع (ص ٦٢)، والقاسمي في إصلاح المساجد (ص ١٤). ولم نجده في سنن أبي داود في النسخ المتاحة لدينا، وهو في الزهد لأبي داود، بلفظ: "عن همام بن الحارث، قال: مر علينا حذيفة، ونحن في حلقة في المسجد نتحدث، فقال: يا معشر القراء، اسلكوا الطريق، والله لئن سلكتموه لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن اتخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا". وتقدم. وأخرجه بالسياق الذي ذكره المصنف: الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص: ١٤٩) وأبي شامة في الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص: ١٦) والشاطبي في الاعتصام (٣/ ٣٨) وبنحوه ابن أبي شيبة في المصنف (١٦٦٥١ و١٨٩٨٥)، والبخاري (٧٢٨٢) نحوه مختصرًا، وابن وضاح في البدع والنهي عنها (١٠ و١١ و١٢ و١٥ و١٦) وعبد الله في السنة (١٠٦) ومحمد بن نصر المروزي في السنة (٨٦ و٨٧)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٨٠٩) وابن بطة في الإبانة (١٩٦ و١٩٧) واللالكائي (١١٩) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٨٠) والخطيب في تاريخه (٣/ ٤٤٦).
[ ١٢٦ ]
ثم قال المصنف ﵀:
وقال الدارمي: أخبرنا الحكم بن المبارك، قال: أنبأنا عمرو بن يحيى، قال: سمعتُ أبي يحدِّث عن أبيه أنَّه قال: كنَّا نجلس على باب عبد الله بن مسعود ﵁ قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري ﵁ فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعًا، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيتُ آنفًا في المسجد أمرًا أنكرته، ولم أرَ والحمد لله إلا خيرًا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيتُ في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كلِّ حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، فيقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئًا، انتظار رأيك، أو قال: انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء؟ ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصى نعدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تُكسر، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة؟! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم
[ ١٢٧ ]
من مريد للخير لن يصيبه، إنَّ رسول الله ﷺ حدَّثنا أنَّ قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، تم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة ﵁: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج (^١).
والله المستعان، وعلى التكلان.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشرح:
مسك الختام لهذا الكتاب النافع، هذه القصة العجيبة، التي تعطينا فهمًا تطبيقيًا لمفهوم البدعة، فإن أبا عبد الرحمن، عبد الله بن مسعود ﵁، من أجلة أصحاب النبي ﷺ، ومن أفقه الصحابة، وأقربهم هديًا، وسمتًا، ودلًا برسول الله ﷺ حتى إنَّ كلامه ﵁ يشتبه بكلام النبي ﷺ، فيقال: موقوف أو مرفوع؟ وكان أصحابه في الكوفة، يجتمعون عند بابه، قبل صلاة الفجر، ينتظرون خروجه ليصحبوه؛ لأنَّهم يستفيدون منه علمًا، لا لمجرد الموكب والمتابعة، حتى إن أبا موسى الأشعري، على جلالة قدره، قصد بيته لأمر أقلقه وأزعجه، ليسأله، وهذا يدل على أدب الصحابة -رضوان الله عليهم-، وتقدير بعضهم لبعض، فأبو موسى يرجع إلى من هو أعلم منه، وأسبق إلى الإسلام، ولم يقل: كيف أرجع إلى صحابي مثلي؟ كما يجري أحيانًا بين الأقران من طلبة العلم. فتفطن لها يا طالب العلم، ولا يحملنَّك علمٌ أصبته أن تترفع على إخوانك، أو ترى لنفسك فضلًا، أو تتحسس من النواحي الاعتبارية فتقول: لماذا قُدِّم فلان؟ ولماذا صُدِّر فلان؟ بل طهِّر قلبك، واعلم ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٣]. فقص عليه أبو موسى ما رأى، وانتظر ما يكون منه، وهذا يدل على أنَّ
_________________
(١) أخرجه الدارمي في سننه برقم (٢١٠) وقال المحقق: حسين سليم أسد الداراني: "إسناده جيد".
[ ١٢٨ ]
الإنسان ينبغي أن يرجع إلى أهل العلم فيما أشكل عليه، فأرشده إلى ما كان ينبغي أن يقول، ولم يعنِّف عليه. قوله: "حتى أتى إحدى تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: ما الذي أراكم تصنعون؟ " ينبغي لمن أراد الإنكار أن يسأل أولًا، حتى يتبين، ويستنطق من وقع منه ذلك، فلعل في الأمر شيء لم يعلمه. قوله: "قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء" نعم وحُقَّ له أن يضمن؛ لأنَّ الله ﷾ قال: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وقال: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩].
قوله: "ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم؟! " أي: ما أسرع ما يدبُّ فيكم الهلاك. وهذا توبيخ.
قوله: "هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون" أي: كثر بين ظهرانيكم، يسعكم أن تذهبوا وتسألوهم، أما أن تبتدئوا أمرًا لم تُسبقوا إليه، وتحدثوا في الدين ما ليس منه، فلا عذر لكم. قوله: "وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تُكسر" أي العهد بالنبي ﷺ قريب.
قوله: "والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة! " أي أن صنيعكم لا يخلو من أحد احتمالين، ولا شك أنَّه الثاني، وأنَّهم قد افتتحوا باب ضلالة، وهي البدعة. فإن كل بدعة ضلالة. فقد كان الأمر واضحًا جليًا لدى فقيه الصحابة عبد الله بن مسعود، أنَّ هذا إحداث في الدين، ولو كان خيرًا لسبق إليه أصحاب محمد ﷺ.
قوله: "والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير" هذا عذر كل مبتدع، فحين تنكر على بعض المبتدعة إقامة الموالد، مثلًا، يقولون: ما أردنا إلا الخير، نريد أن نصلي على النبي ﷺ، ونوقره، ونتذكر سيرته، إلى آخره.
[ ١٢٩ ]
قوله: "فقال: وكم من مريد للخير لن يصيبه! " وهذه ذهبت مثلًا، وصارت حكمة.
قوله: "إنَّ رسول الله ﷺ حدَّثنا أنَّ قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم" أولئك القوم هم الخوارج، الذين وصفهم النبي ﷺ بقوله: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم» (^١)، ولما أتاهم ابن عباس ﵄ قال: "فدخلت على قوم لم أر قومًا قط أشد اجتهادًا منهم، أيديهم كأنها ثفن الإبل -أي: ركبها الغليظة-، ووجوههم معلمة من آثار السجود" (^٢)، أي: من طول القيام والصيام! فليست العبرة بمجرد إرادة الخير، لكن بموافقة السنة والسبيل.
قوله "وأيم الله! لعل أكثرهم منكم، تم تولى عنهم" كأنَّه تفرَّس فيهم هذه النزعة البدعية.
قوله: "رأينا عامة أولئك الحلق، يطاعنوننا يوم النهروان، مع الخوارج" قالها عمرو بن سلمة، تصديقُا لفراسة ابن مسعود ﵁. فلما خرجت الخوارج، كان عامة هؤلاء الجهلة ممن خرجوا مع الخوارج، وقاتلوا عليًا ﵁، والمهاجرين، والأنصار.
فهذه القصة تبين لنا، بشكل تطبيقي، معنى البدعة، فلا يزايد أحد على سنة رسول الله ﷺ، ويسوِّق ما راق له من المحدثات بدعوى أنَّ هذا فيه خير، وأنَّه ينتج عنه خير، وأنَّنا ما أردنا إلا الخير، فيقال: لو كان هذا المسلك سائغًا، لغدت الشريعة كلأً مباحًا، وصارت في مهب الريح، وضاعت معالم الدين.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب إثم من راءى بقراءة القرآن أو تأكل به أو فخر به برقم (٥٠٥٨) ومسلم في كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم برقم (١٠٦٤)
(٢) مصنف عبد الرزاق الصنعاني برقم (١٨٦٧٨) والمعجم الكبير للطبراني برقم (١٠٥٩٨) وجامع بيان العلم وفضله برقم (١٨٣٤).
[ ١٣٠ ]
فوائد الأثر:
١ - عمق فقه الصحابة، وفضلهم.
٢ - الرجوع لأهل العلم عند الاشتباه.
٣ - أن البدع تضاهي الأمور المشروعة، وتتلبس بها.
٤ - بيان حقيقة البدعة الإضافية.
٥ - الإنكار على المبتدعة، والتحذير من البدع، وعواقبها.
فاستمسك بالسنة المحضة، ودع عنك الأهواء والبدع والتزويق. فهذا الذي يجب أن يتواصى به أهل الإسلام، وعلى طلبة العلم مسئولية كبرى في بيان حقيقة السنة، والحث عليها، وحقيقة البدعة، والتحذير منها، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن.
فرحم الله شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب على ما أودع في هذا الكتاب من العلوم النافعة، والمواعظ البليغة، والتنبيهات المهمة. ونسأل الله تعالى أن يلزمنا كلمة التقوى، وأن يجعلنا أحق بها وأهلها. إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
[ ١٣١ ]