الحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه، على خاتم أنبيائه، وأفضل رسله محمد، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وإخوانه إلى يوم الدين.
أما بعد فهذه أربع رسائل من آثار سلفنا الصالح، وأئمتنا المحدثين، أزمعنا على نشرها بعد أن يسر الله ﵎ لها من ينفق على طبعها من ذوي الكرم والشرف، ويعود الفضل في البدء بذلك إلى فضيلة الشيخ محمد نصيف السلفي الشهير (^١)، فهو الذي كان كتب إلي سنة (١٣٨٣) - وأنا يومئذ في المدينة المنورة - أن اختار له بعض الرسائل المخطوطة التي لم يسبق أن نشرت من قبل، فانتقيت له من فهرستي التي كنت جمعت فيها أسماء كتب الحديث المحفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق (^٢) الرسائل المشار إليها، وهي لبعض الأئمة المعروفين بالحفظ والعلم والعقيدة الصحيحة، وأرسلت بأسمائها إليه وهي:
١ - كتاب الإيمان. للحافظ أبي بكر بن أبي شيبة. (١٥٩ - ٢٣٥).
٢ - كتاب الإيمان. للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام (١٥٩ - ٢٢٤).
٣ - كتاب العلم. للحافظ أبي خيثمة زهير بن حرب (١٦٠ - ٢٣٤).
_________________
(١) كان ﵀ عالمًا فاضلًا، خيّرًا كريمًا، أنفق أموالًا طائلة في نشر الكتب السلفية وتوزيعها مجانًا لوجه الله تعالى، وكانت داره في (جدة) موئلًا للناس، ومنزلًا للقاصي والداني من الحجاج على اختلاف مذاهبهم، وتباين بلادهم، مات سنة (١٣٩١) هجرية.
(٢) وقد تم طبعه بالمجمع العلمي العربي بدمشق.
[ ٥ ]
٤ - كتاب اقتضاء العلم العمل. للخطيب البغدادي (٣٩٢ - ٤٦٣)
ثم جاءني من فضيلته خطاب، يكلفني فيه أن أصور هذه الرسائل له، إذا ما عدت إلى دمشق، في العطلة الصيفية، ففعلت، وأرسلت إليه بمصوراتها.
ومن نحو أربعة أشهر، كتب فضيلته إلينا برغبته في أن نقوم بطبعها في دمشق مع التعليق عليها، فاستجبت لرغبته، وشرعت في إعداد الرسائل الأربع للطبع، فاستنسختها وقابلتها بالأصول ثم علقت عليها تعليقات مختصرة مفيدة، بعضها في شرح المفردات الغريبة، وتوضيح بعض الجمل التي قد تخفى على بعض الناس.
وأضفت إلى ذلك بيان حال أحاديثها المرفوعة، صحة أو ضعفا، وكذلك بينت حال بعض الآثار الموقوفة، إذا كان لها أهمية خاصة في نظري. وإنما فعلت ذلك لأن أحاديث هذه الرسائل، قد ساقها مؤلفوها بأسانيدها إلى منتهاها باستثناء أبي عبيد، قلما يفعل ذلك، بل هو على الغالب يعلقها تعليقا بدون إسناد، وتلك هي طريقة المحدثين من علمائنا رحمة الله عليهم، أن يرووا الأحاديث بأسانيدها، ليتمكن الواقف عليها من الحكم عليها بما تستحقه من صحة أو ضعف، على ضوء علم مصطلح الحديث وتراجم رواته، وهذه هي الوسيلة الوحيدة التي بها يمكن للعالم أن يعرف ما قاله ﵊ مما لم يقله، ولما كان عامة الناس - إلا قليلًا منهم - لا يعرفون، وبعضهم لا يتمكنون من استعمال هذه الوسيلة والاستفادة منها لمعرفة ذلك، كان لا بد للمتمكن من هذا العلم أن يبين ذلك للناس نصحًا لهم في دينهم، وليس يكفي فيها نحن فيه، ما جرى عليه عامة المخرجين والمعلقين قديمًا وحديثًا - إلا من عصم الله - من الاقتصار على قولهم: رواه فلان وفلان من حديث فلان وفلان! دون أن يبينوا حال أسانيدها، وقد يكون في رواتها بعض الضعفاء والمتروكين، أو الكذابين الوضاعين، فإن مثل هذا التخريج لا يفيد جماهير الناس أصلًا، بل إنه كثيرًا
[ ٦ ]
ما يكون سببًا لتوهمهم أن الحديث ثابت، لأنهم -لجهلهم بهذا العلم- يظنون أن مجرد قول العالم في حديث ما "رواه الطبراني"، مثلًا، إنما هو تصحيح للحديث، وقد يكون في إسناده كذاب أو وضاع كما ذكرنا، وإنما يفيد ذلك الخواص من أهل العلم، الذين يستعينون بالتخريج على الرجوع إلى أصول الأحاديث ليدرسوا أسانيدها، ولكن التعليقات والتخريجات لا توضع عادة لأمثال هؤلاء، وإنما للجماهير، ولذلك جريت -والفضل لله وحده- في كل ما أؤلف أو أعلق عليه من الكتب أن أبين درجات الأحاديث وما صح منها وما لم يصح، لأني أعتقد أن كتمان ذلك مما لا يجوز. والله المستعان.
[ ٧ ]
وَصفُ الأصول
١ - وقد اعتمدت في طبع الرسالة الأولى "الإيمان لابن أبي شيبة":
على نسخة مخطوطة جيدة كتبها الشيخ أبو العباس أحمد بن أبي الفضائل بن أبي المجد الدخميسي، كما جاء في آخرها، في سماع بخط الحافظ محمد بن يوسف بن محمد البرزالي الإشبيلي" كتبه سنة ثلاث وعشرين وستمائة.
وقرأها الحافظ محمد بن المحب المقدسي على الحافظ الذهبي، كتب ذلك الحافظ المقدسي على الوجه الأول منها بخطه الدقيق كما ستراه في الصورة المطبوعة على الصفحة (ن) في الزاوية الشمالية منها.
وقد أصاب الماء جانبًا منها، ولكنه لم يؤثر عليها إلا قليلا.
ومع ذلك، فقد وقع فيها بعض الأخطاء اليسيرة، وقليل من السقط استدركناه من "كتاب الإيمان" الذي هو كتاب من كتب ديوان المؤلف العظيم المعروف بـ "المصنف" وهو لا يختلف كثيرًا عن كتابنا هذا، إلا في الترتيب، وفي أنه أقل مادة منه بشيء يسير. وهو يقع في السفر الثاني عشر من "المصنف" (ق ٧٧ - ٨٥) من مخطوطة الظاهرية، كتبها عبد الله بن محمد بن إبراهيم المهندس.
٢ - وأما الرسالة الثانية "الإيمان لأبي عبيد":
فإنما اعتمدنا فيها على نسخة قديمة وحيدة (^٤)، كتبت سنة ثمان وثمانين وأربعمائة من نسخة الشيخ العفيف أبي محمد عثمان بن أبي نصر بـ (مصر). وهي نسخة ليست بالجيدة، فإنها مع كونها مقابلة بالأصل كما جاء في خاتمتها، وتراه في الوجه الأخير مصورًا على الصفحة الآتية (٥٢) فقد وقع فيها أخطاء كثيرة، وسقطٌ في غير ما موضع،
_________________
(١) لم يذكر بروكلمن سواها.
[ ٨ ]
وقد اجتهدت، فصححت من ذلك ما أمكنني تصحيحه، وأشرت إلى ذلك في التعليق، وما عجزت عنه نبهت عليه في التعليق غالبًا.
وهي إلى ذلك سيئة الخط، كما يبدو لمن نظر في الصورتين اللتين تمثلان الوجه الأول والأخير منها.
٣ - وأما الرسالة الثالثة: "العلم لأبي خيثمة"
فاعتمدنا فيها على نسخة جيدة كتبها الشيخ أبو أحمد بوران (^٥) بن سنقر بن عبد الله الرومي. وفي آخرها سماع لجماعة منهم الكاتب، على الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري بن الأثير المؤرخ الشهير، كتبه علي بن محمد بن عبد الكريم سنة أربع عشرة وستمائة.
وقابلتها بنسخة أخرى أقدم من هذه، وأصح، كتبها عبد السلام بن أبي بكر بن أحمد الدمشقي الشافعي سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.
وكل من النسختين يتصل إسنادها بالشيخ أبي الفرج يحيى بن محمود بن سعد الأصبهاني، وقد وصفه الحافظ الذهبي في "سير النبلاء " (١٣/ ٣٠ / ٢) بـ "الشيخ المسند الجليل العالم" (٤١٤ - ٥٨٤).
وهو عن الشيخ أبي الفتح إسماعيل بن الفضل بن أحمد بن الأخشيد السراج، قال الذهبي (١٢/ ١٢٦/ ٢):
"الشيخ الأمين المسند الكبير أبو سعد، ويكنى أيضًا أبا الفتح، وبها كناه السمعاني، وكناه بأبي سعد أبو طاهر السلفي، ووثقه (٤٣٦ - ٥٢٤) ".
ويبدو أنه يكنى بأبي الفضل أيضًا، فقد كني بها في أول الكتاب في النسخة الأخرى كما نبهت عليه فيما يأتي (ص ١٠٩) من هذه المجموعة.
وهو عن أبي حفص عمر بن إبراهيم بن أحمد الكتاني المقريء، وصفه الذهبي بقوله (١٠/ ٢٦٧/ ٢).
"الإمام المحدث الثقة بقية المسندين الأصبهاني الكاتب، قال يحيى بن منده:
_________________
(١) كذا الأصل بإهمال الحرف الأول، وهو اسم أعجمي، وفيهم من يسمى "بوران" بالباء الموحدة ومن يسمى "توران" بالتاء المثناة من فوق. انظر حاشية "المشتبه للذهبي".
[ ٩ ]
"ثقة"، وقال عبد الغافر النخشبي: "لم يحدث في وقته أوثق منه". مات سنة خمس وأربعين وأربعمائة".
وهو عن أبي حفص عمر بن إبراهيم بن أحمد الكتاني المقري، وصفه الذهبي بقوله (١٠/ ٢٦٧/ ٢).
"الإمام المقريء المحدث المعمر".
وترجمه الخطيب في "تاريخ بغداد" وقال (١١/ ٢٦٩):
"وكان ثقة، ذكره محمد بن أبي الفوارس فقال: كان لا بأس به، ولد في سنة ثلاثمائة، وتوفي سنة تسعين وثلاثمائة".
وأما أبو القاسم علي بن عبد العزيز البغوي راوي الكتاب عن المؤلف رحمه الله تعالى، فهو حافظ ثقة مشهور، مترجم في "تذكرة الحفاظ" (٢/ ١٧٨/ ١٧٩)، فمن شاء زيادة المعرفة، فليرجع إليه.
ومما سبق يتبين للقراء الكرام أن هذه الرسالة صحيحة الإسناد إلى مؤلفها، رواها علماء أجلاء بعضهم عن بعض، حتى وصلت إلينا في كتاب بخط العلماء الثقات وإسماعهم، فهي حري بالوثوق بها، والاعتماد عليها، وقد ذكرها كاتب جلبي في "كشف الظنون"، كما ذكر سائر الرسائل الأربع.
فخذها -أيها القاريء الكريم- رسائل ثلاثًا، مصححة منقحة، معلقة مخرجة، مطبوعة طبعًا متقنًا، ولا تنس من دعائك الصالح مؤلفيها ومن كان له الفضل في السعي لطبعها، والإنفاق عليها، ومن قام على تحقيقها، وتخريج أحاديثها.
والله تعالى هو المسؤول أن يجزي من ذكرنا خير ما يجزي من يسعى لنشر دينه، وحفظ سنة نبيه ﷺ، ويجعله لهم أجرًا مستمرًا إلى يوم الدين، ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. والحمد لله رب العالمين.
دمشق في ٢٤ رمضان سنة ١٣٨٥
محمد ناصر الدين الألباني
[ ١٠ ]
ترجمة المصنف
الإمام ابن ابي شيبة
هو أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة: إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم الكوفي، صاحب التصانيف الكبار، مثل "المصنف" و"المسند" وغيرهما.
ولد سنة تسع وخمسين ومائة، وسمع الحديث من من جماعة من ثقات الأئمة، منهم سفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي.
وروى عنه الإمام أحمد وابنه عبد الله، وهو من شيوخ الأئمة: البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام:
"ربانيو الحديث أربعة، فأعلمهم بالحلال والحرام أحمد بن حنبل، وأحسنهم سياقة وأداءً له علي بن المديني، وأحسنهم وضعًا لكتاب ابن أبي شيبة، وأعلمهم بصحيح الحديث وسقيمه يحيى بن معين".
وقال أيضًا:
"انتهى الحديث إلى أربعة، إلى أبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، فأبو بكر أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه، ويحيى أجمعهم له، وعلي أعلمهم به".
وقال العجلي: "ثقة حافظ".
وقال الخطيب البغدادي: "كان متقنًا حافظًا مكثرًا، صنف "المسند"
[ ١١ ]
"والأحكام" و"التفسير"، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين".
ووصفه الحافظ الذهبي بـ: "الحافظ عديم النظير، الثبت النحرير".
توفي رحمه الله تعالى وله ست وسبعون سنة.
وكتابه "المصنف" يوجد منه في المكتبة الظاهرية المجلدات الآتية بخطوط مختلفة:
المجلد الأول. حديث ٢٧٨ (ق ١ - ١٢٨).
نسخة ثانية منه محرومة. حديث ٢٩٠ (ق ١ - ٢١٠).
المجلد الثاني. نسخة ثالثة محرومة حديث ٤٢٢ (١ - ٢٣٠).
المجلد السابع والثامن. نسخة رابعة. حديث ٢٨٨ (ق ١ - ٢٠٩)
المجلد الحادي عشر والثاني عشر: النسخة ذاتها. حديث ٢٨٩ (ق ١ - ٢٠٨).
وله في المكتبة "كتاب الأدب" على نحو "الأدب المفرد" للبخاري، الجزء الأول والثاني. مجموع ٧٨ (١٣٧ - ١٨٣). ويفهم من بعض السماعات التي عليه أن تمامه بالجزء الثالث، وهو غير موجود في المكتبة، فإذا وجد في بعض المكاتب الأخرى فاني أقترح على بعض أهل الفضل أن يسعوا لنشره فإنه نفيس. والله الموفق.
[ ١٢ ]
صورة الوجه الأول من الأصل المخطوط
[ ١٣ ]
صورة الوجه الأخير من الأصل المخطوط
[ ١٤ ]