وكان هؤلاء في أهل المدينة والبادية كما قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] وكان في المنافقين من هو في الأصل من المشركين، وفيهم من هو في الأصل من أهل الكتاب، وسورة الفتح، والقتال، والحديث، والمجادلة، والحشر، والمنافقين، بل عامة السور المدنية يذكر (٢) فيها المنافقين.
قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ
_________________
(١) = [البقرة ١٧، ١٨]، وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾ [البقرة: ١٩]- إلى قوله - ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٩، ٢٠].
(٢) ليست في (م) و(ط).
(٣) الضمير هنا يعود على القرآن.
[ ٢٩٢ ]
يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾ [آل عمران: ١٥٦ - ١٦٧] الآيات.
وقال تعالى فيها أيضًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١١٨ - ١٢٠].
وقال تعالى في سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٥].
وقال تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٨٨ - ٩٠] الآيات.
وقال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ
[ ٢٩٣ ]
لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٣٨ - ١٤٦].
وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة: ٤١].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾ [المائدة: ٥١ - ٥٣].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾ [المائدة: ٦١، ٦٢].
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ إلى قوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ [المائدة: ٧٧ - ٨١].
وأما سورة براءة فأكثرها في وصف المنافقين وذمهم، ولهذا سميت الفاضحة (١)
_________________
(١) روى الشيخان عن سعيد بن جبير قال: "قلت لابن عباس: سورة التوبة. قال: التوبة هي الفاضحة ما زالت تنزل: ومنهم ومنهم حتى ظنوا أنها لن تبقي أحدًا =
[ ٢٩٤ ]
والمبعثرة (١). وهي نزلت عام تبوك (٢) وكانت تبوك سنة تسع من الهجرة (٣)، وكانت غزوة تبوك آخر مغازي النبي - ﷺ - التي غزاها بنفسه (٤)، وتميز فيها من المنافقين من تميز، فذكر الله تعالى من صفاتهم ما ذكره في هذه السورة.
_________________
(١) = منهم إلَّا ذكر فيها". رواه البخاري برقم (٤٨٨٢) كتاب تفسير القرآن الكريم ورواه مسلم برقم (٣٠٣١) كتاب التفسير.
(٢) ذكر الشوكاني في فتح القدير (٢/ ٣٣٢٢) أن ابن المنذر أخرج عن ابن إسحاق قال: "كانت براءة تسمى في زمن النبي - ﷺ - المبعثرة، لما كشف من سرائر الناس"، وسميت بالمبعثرة لأنها بعثرت أحوال المنافقين، وكشفت خباياهم، يقال: بعثرت المتاع، إذا جعلت أعلاه أسفله، وقلبت جميعه، وقلبته، ومنه: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾ [الانفطار: ٤]. قلت: وقد ذكر أهل العلم -ومنهم المصنف- عدة أسماء لسورة براءة - ﵁ - غير الاسمين الذين ذُكرا - ﵁ - فمن تلك الأسماء: سورة التوبة، سميت بذلك لأن الله -﷿- ذكر فيها توبة الثلاثة الذين خلفوا بتبوك. وتسمى سورة المقشقشة من الجمع، فإنها جمعت أوصاف المنافقين، وكشفت أستارهم. وتسمى سورة البحوث، من بحث، إذا اختبر واستقصى، وذلك لما تضمنت من ذكر المنافقين والبحث عن أسرارهم. وتسمى سورة العذاب، وتسمى المنقرة لأنها نقرت عما في قلوب المشركين والمنافقين. وقد عدد المصنف في موضع آخر أسماء هذه السورة العظيمة، وزاد غير ما ذكرنا: اسم المثيرة. انظر: أحكام القرآن للقاضي ابن عربي (٢/ ٤٤٤)، تفسير القرطبي (٨/ ٣)، العقود الدرية (٩٣)، مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٣٦)، فتح القدير (٢/ ٣٣٢).
(٣) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٣٢)، والبداية والنهاية (٥/ ٣٣)، وروى البخاري في صحيحه عن البراء - ﵁ - يقول: "آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، وآخر سورة نزلت سورة براءة" رقم (٤٦٥٤) كتاب التفسير باب (براءة من الله ورسوله. . .)، وقال الحافظ -﵀- في الفتح (٨/ ٣١٦): "الظاهر أنَّ المراد معظمها (أي السورة)، ولا شك أنَّ غالبها نزل في غزوة تبوك وهي آخر غزوات النبي - ﷺ -".
(٤) كانت في شهر رجب منها، سيرة ابن هشام (٤/ ١٢٨)، طبقات ابن سعد (٢/ ١٦٥)، المغازي للواقدي (٣/ ٩٨٩)، تاريخ الطبري (٣/ ١٠٠)، دلائل النبوة (٥/ ٢١٣)، والبداية والنهاية (٥/ ٣).
(٥) البداية والنهاية (٥/ ٣٢).
[ ٢٩٥ ]
وقد قال تعالى في سورة النور: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٤٧ - ٥١] الآيات.
وقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾ [العنكبوت: ١٠، ١١].
وقال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١]، وذكر فيها (١) شأنهم في الأحزاب، وذكر من أقوال المنافقين وجبنهم وهلعهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠)﴾ [الأحزاب: ١٢ - ٢٠].
وقال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ إلى قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٧٣].
وقال تعالى في سورة القتال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ
_________________
(١) في (ط): "فيه" وهو خطأ.
[ ٢٩٦ ]
يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٢٩، ٣٠] إلى ما في السورة من نحو ذلك.
وقال تعالى في سورة الفتح: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٤ - ٦].
وقال تعالى في سورة الحديد: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٢ - ١٥].
وقال تعالى في سورة المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦)﴾ [المجادلة: ١٤ - ١٦] إلى آخر السورة وقوله: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ كقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣].
وقال النبي - ﷺ -: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة (١) بين الغنمين تعير
_________________
(١) العائرة هي المترددة الحائرة لا تدري أيهما تتبع، قاله النووي في شرح مسلم (١٧/ ١٢٨)، وقال في النهاية (٥/ ٢٧٩): العائرة هي التي تذهب كذا وكذا.
[ ٢٩٧ ]
إلى هذه مرة وإلى هذه مرة" (١).
وقال تعالى في سورة الحشر (٢): ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ١١ - ١٣].
وقد ذكر في سورة المنافقين قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١] إلى آخر السورة.
والمقصود بيان كثرة ما في القرآن من ذكر المنافقين وأوصافهم.
والمنافقون هم في الظاهر مسلمون.
وقد كان المنافقون على عهد رسول الله - ﷺ - يلتزمون أحكام الإسلام الظاهرة، لا سيما في آخر الأمر [ما] (٣) لم يلتزمه كثير من المنافقين الذين من بعدهم لعز الإسلام وظهوره إذ ذاك بالحجة والسيف تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣، الصف: ٩].
ولهذا قال حذيفة بن اليمان - ﵁ -، وكان من أعلم [الصحابة] (٤) بصفات المنافقين وأعيانهم، وكان النبي - ﷺ - قد أسر إليه عام تبوك أسماء جماعة من المنافقين بأعيانهم (٥)، فلهذا كان يقال هو صاحب السر الذي لا
_________________
(١) رواه مسلم برقم (٢٧٨٤) ٤/ ٢١٤٦ كتاب صفات المنافقين من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - ورواه النسائي برقم (٥٠٣٧) كتاب الإيمان وشرائعه، وأحمد برقم (٥٠٥٩)، (٥٥٧٨)، (٥٧٥٦)، (٦٢٦٢).
(٢) قوله في سورة الحشر: في نسخة الأصل فقط.
(٣) ليست في نسخة الأصل، وهي مضافة من (م)، (ط).
(٤) ليست في نسخة الأصل، وهي مضافة من (م)، (ط).
(٥) روى مسلم في صحيحه عن قيس بن عباد قال: قلت لعمار: أرأيتم صنيعكم هذا فيما كان من أمر علي أرأيًا رأيتموه أو شيئًا عهده إليكم رسول الله - ﷺ -؟ فقال: ما =
[ ٢٩٨ ]
يعلمه غيره (١).
ويروى أنَّ عمر بن الخطاب - ﵁ - لم يكن يصلي على أحد حتى يصلي عليه حذيفة لئلا يكون من المنافقين الذين نهى [الله] (٢) عن الصلاة عليهم (٣).
_________________
(١) = عهد إلينا رسول الله - ﷺ - شيئًا لم يعهده إلى الناس كافة ولكن حذيفة أخبرني عن النبي - ﷺ - أنه قال: "في أصحابي اثنا عشر منافقًا منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط. . " كتاب صفات المنافقين وأحكامهم برقم (٢٧٧٩) ٢١٤٣، وروى البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٢٥٦): قصة طويلة في رجوع النبي - ﷺ - من تبوك، وفي تآمر جماعة من المنافقين بطرحه - ﷺ - في عقبة على الطريق وكيف أنَّ الله أظهر كيدهم لنبيه - ﷺ - ومما جاء في تلك القصة أنه - ﷺ - سمى هؤلاء النفر لحذيفة وعمار - ﵄ - وأمرهما أن يكتما أسماءهم، ورواها الإمام أحمد في المسند بسند جيد عن يزيد بن هارون قال: أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي الطفيل - ﵁ -. ويدل على صحة أصل القصة ما رواه مسلم في صحيحه عن الوليد بن عبد الله بن جميع قال: حدثنا أبو الطفيل قال: "كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة؟ قال: فقال له القوم: أخبره إذ سألك، فقال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أنَّ اثني عشر منهم حرب لله ورسول الله - ﷺ - في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد وعذر ثلاثة. . " كتاب صفات المنافقين برقم (٢٧٧٩) / ٢١٤٤. وكون عمار - ﵁ - علم أسماء المنافقين يخالف ما في الصحيح الذي يبين أنَّ أسماءهم لم يعلمها إلَّا حذيفة - ﵁ -. روى البخاري عن إبراهيم النخعي قال: "ذهب علقمة إلى الشام، فلما دخل المسجد قال: اللهم يسر لي جليسًا صالحًا، فجلس إلى أبي الدرداء، فقال أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال من أهل الكوفة، قال: أليس فيكم أو منكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟ يعني: حذيفة، قال: قلت: بلى. . " كتاب فضائل الصحابة باب مناقب عمار وحذيفة - ﵁ - برقم (٣٧٤٢) وفي مناقب عبد الله بن مسعود - ﵁ - برقم (٣٧٦١) ورواه أحمد برقم (٢٦٠٩٩) ورقم (٢٧٠٠١).
(٢) ليست في (م) و(ط).
(٣) ذكر الإِمام ابن عبد البر -﵀- في الاستيعاب (١/ ٢٧٨) عند ترجمته لحذيفة - ﵁ - أنَّ عمر بن الخطاب - ﵁ - كان يسأله عن المنافقين وكان ينظر إليه عند موت من مات مهم فإن لم يشهد جنازته حذيفة لم يشهدها عمر. =
[ ٢٩٩ ]
قال حذيفة - ﵁ -: "النفاق اليوم أكثر منه على عهد رسول الله" وفي روية: "كانوا على عهد النبي - ﷺ - يسرونه، واليوم يظهرونه" (١).
وذكر البخاري في صحيحه عن ابن أبي مليكة (٢) قال: "أدركت ثلاثين من أصحاب محمد - ﷺ - كل منهم يخاف النفاق على نفسه" (٣).
_________________
(١) = وقال المؤلف في منهاج السنة (٥/ ٢٣٧): "وكان إذا مات الميت المجهول حاله لا يصلي عليه عمر حتى يصلي عليه حذيفة خشية أن يكون من المنافقين. . ". وقال الحافظ ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾: "وكان عمر بن الخطاب لا يصلي على جنازة من جهل حاله حتى يصلي عليها حذيفة بن اليمان لأنه كان يعلم أعيان المنافقين قد أخبره بهم رسول الله - ﷺ -"، ثم نقل عن أبي عبيد من كتابه الغريب أنَّ عمر أراد أن يصلي على جنازة رجل فمرزه حذيفة كأنه أراد أن يصده عن الصلاة عليها، ثم حكى عنه أنَّ بعضهم يقول إنَّ المرز بلغة أهل اليمامة هو القرص بأطراف الأصابع. تفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٨١)، والقصة في غريب القرآن لأبي عبيد (٢/ ٣٦).
(٢) روى البخاري نحوه عن حذيفة - ﵁ - قال: "إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي - ﷺ - كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون" كتاب الفتن برقم (٧١١٣) باب إذا قال عند قوم شيئًا ثم خرج فقال بخلافه. وروى عنه أيضًا قوله: "إنما كان النفاق على عهد النبي - ﷺ - فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان". وكل هذه الألفاظ متقاربة المعنى، وهي تدل على تفشي النفاق وإظهار أهله له دون مواراة، وهذا في زمن حذيفة - ﵁ - الذي هو من خير الأزمان، كيف لو أدرك زماننا هذا! !، ورأى أنَّ المنافقين فيه أشر وأخطر وأكثر عددًا وعدة من المنافقين في عصره، بل رأى الزنادقة والملاحدة وهم يجهرون بزندقتهم وإلحادهم بدعوى حرية الفكر والتعبير، والله المستعان.
(٣) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان أبو بكر الأحول، وقيل: أبو محمد القرشي التيمي المكي الإِمام الحجة الحافظ القاضي المؤذن، كان عالمًا مفتيًا قاضيًا لابن الزبير ومؤذنًا له، من كبار التابعين، أدرك خلقًا من الصحابة نحوًا من ثمانين صحابيًا، وهو معدود في طبقة عطاء بن أبي رباح، مات سنة سبع عشرة ومائة. طبقات ابن سعد (٥/ ٤٧٣)، التاريخ الكبير للبخاري (٥/ ١٣٧)، الجرح والتعديل (٥/ ٩٩)، تذكرة الحفاظ (١/ ١٠١)، العبر (١/ ١٤٥)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٨٨)، تهذيب التهذيب (٥/ ٢٦٨)، شذرات الذهب (٢/ ٨٠).
(٤) ذكره البخاري في كتاب الإيمان وعنون به بابًا (١/ ٣٢).
[ ٣٠٠ ]
وقد أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يصلون ويزكون، وأنه لا يقبل ذلك منهم فقال (١) تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٣، ٥٤].
فقد (٢) كانوا يشهدون مع النبي - ﷺ - مغازيه، كما شهد عبد الله بن أبي بن سلول وغيره من المنافقين الغزوة التى قال فيها ابن أبي: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وأخبر بذلك زيد بن أرقم النبي - ﷺ -، وكذبه قوم حتى أنزل الله القرآن بتصديقه (٣).
_________________
(١) في (ط): "وقال".
(٢) في (م) و(ط): "وقد".
(٣) رواها البخاري في صحيحه برقم (٤٩٠٠) كتاب تفسير القرآن باب قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ - إلى قوله- لَكَاذِبُونَ﴾ ومسلم برقم (٢٧٧٢) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (٤/ ٢١٤٠)، والترمذي برقم (٣٣١٢) كتاب تفسير القرآن، وأحمد برقم (١٨٧٩٩). والغزوة التي عناها المؤلف رحمه الله تعالى هي غزوة المريسيع، وتسمى غزوة بني المصطلق، وقد كانت في شهر شعبان سنة خمس على الراجح من أقوال أهل العلم، خلافًا لما ذهب إليه ابن إسحاق وغيره من أهل السير والمغازي الذين ذهبوا إلى أنها كانت سنة ست للهجرة، وممن رجح أنها سنة خمس موسى بن عقبة، كما ذكر الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٤١) والواقدي في مغافله (١/ ٤٠٤) وابن سعد (٢/ ٦٣) والإمام الذهبي في العبر في خبر من غبر (١/ ٧)، وقال في كتابه السيرة النبوية من سير أعلام النبلاء (١/ ٤٦٨): "غزوة المريسيع، وتسمى غزوة بني المصطلق، كانت في شعبان سنة خمس على الصحيح، بل المجزوم به. . "، والحافظ ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٢٥٦)، والحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ٤٣٠)، ومقالة ابن أبي وإخبار زيد بن أرقم النبي - ﷺ - بها كانت في هذه الغزوة وهو الصحيح، وذكر بعض أهل العلم أن هذه المقالة قالها ابن أبي في غزوة تبوك، والصحيح الأول، وهو ما ذكره الواحدي في أسباب النزول (٢٧٨)، وقال: إنه قول أهل التفسير وأصحاب السير. ولمزيد من الاطلاع على هذه الغزوة انظر: مرويات غزوة بني المصطلق لإبراهم بن إبراهم قريبي من إصدارات المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية.
[ ٣٠١ ]
والمقصود أن الناس ينقسمون في الحقيقة إلى مؤمن، ومنافق كافر في الباطن مع كونه مسلمًا في الظاهر، وإلى كافر باطنًا وظاهرًا.
ولما كثرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظ الزنديق (١)، وشاعت في لسان الفقهاء، وتكلم الناس في الزنديق هل تقل توبته في الظاهر، إذا عرف بالزندقة ودفع إلى ولي الأمر قبل توبته؟ .
فمذهب مالك، وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وطائفة من أصحاب الشافعي، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة أن توبته لا تقبل.
والمشهور من مذهب الشافعي قبولها، كالرواية الأخرى عن أحمد، وهو القول الآخر في مذهب أبي حنيفة، ومنهم من فضل (٢).
_________________
(١) قال صاحب لسان العرب: "الزنديق: القائل ببقاء الدهر، فارسي معرب، وهو بالفارسية: زند كراي، يقول بدوام بقاء الدهر، والزندقة الضيق، وقبل الزنديق منه لأنه ضيق على نفسه". قال في القاموس المحيط (١١٥١): "الزنديق بالكسر: في الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان، أو هو معرب: زن دين، أي دين المرأة. . . "
(٢) قال في البحر الرائق شرح كنز الدقائق -وهو من كتب الحنفية- لا تقبل توبة الزنديق في ظاهر المذهب وهو من لا يتدين بدين، وذكر قولًا آخر وهو إن جاء الزنديق قبل أن يؤخذ فأقر أنه زنديق فتاب ذلك تقبل توبته، وإن أخذ ثم تاب لم تقل توبته (٥/ ١٣٦). وذكر النووي ﵀ في روضة الطالبين (٨/ ٣٣٩) أحد مصادر فقه الشافعية في قبول توبة الزنديق خمسة وجوه وهي: (الأول): قبول توبة الزنديق، وذكر أن هذا الوجه هو الصحيح المنصوص للشافعي، و(الثانى): عدم قبول توبته، و(الثالث): أن المتناهين في الخبث كدعاة الباطنية لا تقبل توبتهم ويقبل من عوامهم، و(الرابع): أنه إن أخذ لقتل فتاب لم تقل، وإن جاء تائبًا ابتداء وظهرت أمارات الصدق قبلت، و(الخاص) لا يقبل إسلام من تكررت ردته. وانظر أيضًا نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٧/ ٣٩٩) لشهاب الدين الرملي. وقال الخرشي في شرحه على مختصر خليل المالكي (٨/ ١٦٧) "أن المستسر هو الزنديق يقتل ولا تقبل توبته، ولكن إذا جاء تائبًا في الظهور عيه فإن توبته تقبل". وذكر علي بن سليمان المرداوي في الإنصاف أحد مصادر الفقه الحنبلي =
[ ٣٠٢ ]
والمقصود هنا أن الزنديق في عرف هؤلاء الفقهاء هو المنافق الذي كان على عهد النبي - ﷺ - (١) وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره سواء أبطن دينًا من الأديان كدين اليهود والنصارى أو غيرهم أو كان معطلًا جاحدًا للصانع والمعاد والأعمال الصالحة.