وربما قال بعضهم وكثير من المتأخرين: قول وعمل ونية، وربما قال آخر: قول وعمل ونية واتباع للسنة، وربما قال: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، أي بالجوارح، وروى بعضهم هذا مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - (١)،
_________________
(١) = والمصنف -﵀- ممن يرى أن رواية أبي جعفر عن جده عمير صحيحة ثابتة، لذا فهو يقول في كتاب "الإيمان الكبير" (١٧٧): "فروى الناس من وجوه كثيرة مشهورة عن حماد بن سلمة عن أبي جعفر عن جده عمير بن حبيب الخطمي. . . " ثم ذكر الأثر.
(٢) حديث موضوع كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، وقد رواه ابن ماجه برقم (٦٥) في المقدمة، ورواه الخطيب البغدادي عن طريق أبي الصلت الهروي عن طريق الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر عن أبي الصلت حدث به في مجلس أبيه -وكان أمير بغداد-، وكان فيه جماعة من المحدثين، فأنكروا على أبي الصلت هذا الإسناد، فقال أبوه: "هذا سعوط المجانين، إذا سعط به المجنون برأ" (٥/ ٤١٩)، وفي سنن ابن ماجة أن الذي قال هذا هو أبو الصلت نفسه (سنن ابن ماجه ١/ ٢٦). كما رواه الخطيب من ثلاثة طرق ليس فيها أبو الصلت وهي: الطريق الأولى: عن عبد الله بن أحمد بن عامر عن أبيه عن علي بن موسى الرضا، وقال: إنه روى عن أبيه عن علي بن موسى الرضا عن آبائه نسخة، ولكنه نقل عن بعض العلماء ما يشير إلى توهين عبد الله هذا، وأنه كان أميًا؛ ولم يكن مرضيًا (تاريخ بغداد ٩/ ٣٨٦). الطريق الثانية: عن محمد بن إسحاق الهروي قال: حدثنا عبد الله بن عروة قال: حدثنا علي بن غراب قال: حدثني علي بن موسى الرضا. الطريق الثالثة: عن إسحاق بن أحمد بن زيرك عن محمد بن سهل بن عامر البجلي عن علي الرضا (تاريخ بغداد ١/ ٢٥٥). وقد اتهم أبا الصلت الهروي بوضع هذا الحديث الحافظ الدارقطني فيما ذكره الخطيب البغدادي عنه، وقال: "لم يحدث به إلا من سرقه منه، فهو الابتداء في هذا الحديث" (تاريخ بغداد ١١/ ٥١)، وانظر ضعيف سنن ابن ماجه برقم (١١)، والسلسلة الضعيفة برقم (٢٢٧٠) وقول الشيخ الألباني عنه إنه موضوع. ونقل الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقى -﵀- من الزوائد قوله: "إسناد هذا الحديث ضعيف لاتفاقهم على ضعف أبي الصلت الراوي". فهذه الطرق الثلاثة كما ترى للحديث ليس فيها أبو الصلت الهروي المتهم بوضع هذا الحديث، فيحتمل أن الوضع ليس من أبي الصلت، بل من نفس النسخة التى نسبت إلى علي الرضا، ونحلها بعض الوضاعين باسمه، وقد نسب له الحافظ عدة نسخ تلقاها منه بعض من سمعه، ومن أشهرها نسخة أبي الصلت هذه، وقد =
[ ٣٦٨ ]
في النسخة المنسوبة إلى أبي الصلت الهروي (١) عن علي بن الرضا (٢)، وذلك من الموضوعات على النبي - ﷺ - باتفاق أهل العلم
_________________
(١) = ضعف العلماء هذه النسخة بسبب ما احتوته على جملة وافرة من الموضوعات والأكاذيب، قال المؤلف شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في منهاج السنة (٤/ ٥٨): "هذا ولم يأخذ عنه -يعني علي الرضا- أحد من أهل السنة، ولا روي له حديث في الكتب الستة (ما عدا الحديث المشار إليه الذي حكم عليه المؤلف نفسه بالوضع الذي أخرجه ابن ماجه) وإنما يروي له أبو الصلت وأمثاله نسخًا عن آبائه، فيها من الأكاذيب ما قد نزه الله عنه الصادقين من غير أهل البيت، فكيف بالصادقين منهم". ويقول الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في سير أعلام النبلاء (٩/ ٣٩٢): "وهو -أي علي الرضا- بريء من عهدة تلك النسخ الموضوعة عليه" وقال عنه أيضًا (٩/ ٣٨٨): "روى عنه ضعفاء أبو الصلت الهروي. . . ولا تكاد تصح الطرق إليه"، ونقل الحافظ عن ابن السمعاني قوله: "والخلل في رواياته -يعني علي الرضا- عن رواته، فإنه ما روى عنة إلا متروك" (التهذيب ٧/ ٣٤٠). وقال الحافظ العراقى في تخريج الإحياء (١/ ١٤٣): "حديث الإيمان يزيد وينقص أخرجه ابن عدي في الكامل وأبو الشيخ في كتاب الثواب من حديث أبي هريرة، وقال ابن عدى: باطل، فيه أحمد بن حرب الملحي يتعمد الكذب، وهو عند ابن ماجه موقوف على أبي هريرة وابن عباس وأبي الدرداء"، فهذه طريق رابعة ليس فيها أبو الصلت. فتبين بهذا أن هذا الحديث موضوع على رسول الله - ﷺ -.
(٢) هو عبد السلام بن صالح بن سليمان القرشي مولاهم، نعته الإمام الذهبي بشيخ الشيعة، خدم علي بن موسى الرضا، أعجب به المأمون لزهده وعبادته فأدناه وجعله من خاصته، وروى عن جماعة من الأئمة، منهم الفضيل بن عياض وابن المبارك ومالك بن أنس وهشيم وغيرهم، ضعفه أهل الحديث، وبالغ بعضهم في ذمه والطعن فيه، وانفرد يحيى بن معين بتوثيقه، وعلق الذهبي على ذلك بقوله: "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وكان هذا -يعني أبا الصلت- بارًا بيحيى، ونحن نسمع من يحيى دائمًا، ونحتج بقوله في الرجال، ما لم يتبرهن لنا وهن رجل انفرد بتقويته، أو قوة من وهاه" اتهمه العلماء بوضع بعض الأحاديث، ورواية المناكير، مات سنة ٢٣٦ هـ. الجرح والتعديل (٦/ ٤٨)، تاريخ بغداد (١١/ ٤٦) السير (١١/ ٤٤٦)، ميزان الاعتدال (٢/ ٦١٦)، البداية والنهاية (١٠/ ٣٢٩)، التهذيب (١١/ ٢٨٥)، النجوم الزاهرة (٢/ ٢٨٧).
(٣) هو أبو الحسن علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين الهاشمي العلوي الملقب بالرضا، أراد المأمون -وهو من عجيب ما اتفق- أن ينزل له عن الخلافة، فأبى عليه ذلك فجعله ولي العهد من بعده، =
[ ٣٦٩ ]
بحديثه (١)، وليس بين هذه العبارات اختلاف معنوى، ولكن القول المطلق والعمل المطلق في كلام السلف، يتناول قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح.