اختلفت (٥) المرجئة في الإيمان ما هو؟ وهم [اثنتا عشرة] (٦) فرقة:
١ - فالفرقة الأولى منهم: يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسوله (٧) وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب، والمحبة لله ولرسوله، والتعظيم (٨)،
_________________
(١) كلمة "الآية" ليست في (ط).
(٢) في (ط): "بغضه".
(٣) في (ط): "ومعاداته".
(٤) في (ط): "لرسوله".
(٥) في (ط): "اختلف"، وفي (م): "الكلمة غير واضحة".
(٦) في نسخة الأصل و(م)؛ "اثنتا عشر"، والتصحيح من (ط).
(٧) في مقالات الإسلاميين "برسله".
(٨) في (ط): "والتعظيم لهما"، وكذلك جاءت في كتاب المقالات بين معكوفتين هكذا: والتعظيم [لهما]، مما يضع أمامنا احتمالين: الأول: أن المصنف -﵀- قد اطلع على نسخة لم يطلع عليها محقق المقالات، والثاني: أن تكون هذه الزيادة من المحقق نفسه، ومع هذا فقد آثرنا أن نثبت ما ورد في نسخة الأصل والنسخة (م)؛ لأن المعنى مكتمل بدون هذه الزيادة.
[ ٤٣٠ ]
والخوف فيهما (١)، والعمل بالجوارح فليس بإيمان، وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به، وهذا قول يحكى عن جهم بن صفوان (٢).
قال: "وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة، ثم جحد بلسانه أنه لا بكفر بجحده، وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه، وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلَّا في القلب دون الجوارح".
قال: ٢ - "والفرقة الثانية من المرجئة: يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر به هو الجهل به فقط، فلا إيمان بالله إلَّا المعرفة به، ولا كفر بالله إلَّا الجهل به، وأن قول القاتل: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ ليس بكفر، ولكنه لا يظهر إلَّا من كافر، وذلك أن الله كفر من قال ذلك، وأجمع المسلمون أنَّه لا يقوله إلَّا كافر، وزعموا أن معرفة الله [هي] (٣) المحبة له، وهي الخضوع لله -﷿- (٤).
وأصحاب هذا القول لا يزعمون أن الإيمان بالله إيمان بالرسول، ويقولون: إنه لا يؤمن بالله إذا جاء الرسول (٥) إلَّا من آمن بالرسول، ليس ذلك لأن ذلك مستحيل (٦)، ولكن الرسول قال: "من لم يؤمن بي فليس
_________________
(١) كلمة "فيهما" ليست في (ط)، وفي المقالات ورد عوضًا عنها كلمة "منهما" لتصبح العبارة هكذا: "والخوف منهما"؛ ومعلوم أن العبارة هذه باطلة، لأن الخوف عادة قلبية، بل من أهم العبادات القلبية، ولا يجوز صرف شيء منها لغير الله - ﷿ -، ويغلب على ظني أن هذا التحريف الَّذي وقع إما من الناسخ أو من محقق الكتاب، وليس بإمكاننا أن نرجح أحد الأمرين، لأنه لا توجد لدينا نسخ خطية للكتاب. أما العبارة التي أثبتناها وهي "الخوف فيهما" فمختلفة المعنى تمامًا عن العبارة النبي وردت في كتاب المقالات، والمعنى والله أعلم: الخوف من معصيتها، وعدم طاعة أوامرهما، وقد يعترض على هذه أيضًا؛ ولكن لا يوجد بها محذور شرعى على أية حال.
(٢) في (ط): "الجهم"، وما أثبتناه موافق لما جاء في المقالات.
(٣) في نسخة الأصل و(م): "هو"، والتصحيح من (ط) وهو الموافق للمقالات.
(٤) عبارة الله -﷿- ليست في (ط) ولا في المقالات.
(٥) عبارة "إذا جاء الرسول" ليست في (ط)، وهي في المقالات.
(٦) في المقالات: يستحيل.
[ ٤٣١ ]
بمؤمن بالله" (١).
[الصالحين]
وزعموا أيضًا أن الصلاة ليست بعبادة لله، وأنه لا عبادة إلَّا الإيمان
_________________
(١) هذا جزء من حديث رواه أحمد برقم (٢٢٧٢٥) ولفظه: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا يؤمن بالله من لم يؤمن بي، ولا يؤمن بي من لم يحب الأنصار)، ورواه الطيالسي برقم (٢٤٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٦٦) وسكت عنه الذهبي، ورواه الدارقطني في السنن برقم (٥) ١/ ٧٢، والطبراني في الكبير برقم (٧٥٥) ٢٢/ ٢٩٦، والبيهقي في سننه (١/ ٤٣)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ١٧٧) وقال: "والأسانيد في هذا الباب فيها لين" قلت: يعني في باب التسمية على الوضوء. أما الشطر الأول من الحديث وهي (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) فقد حسنها جماعة من أهل العلم، كما ذكر الشيخ ناصر الألباني، منهم الحافظ ابن الصلاح والحافظ ابن كثير، وقواها الحافظ المنذري، والحافظ ابن حجر، وحسنها الشيخ الألباني أيضًا في الإرواء برقم (٨١)، وفي كتابه صحيح سنن ابن ماجة برقم (٣٢٠)، وقد روى ابن ماجة رواية أخرى برقم (٤٠٠) زاد فيها: ولا صلاة لمن لا يصلي على النبي، ولا صلاة لمن لا يحب الأنصار، وقال الشيخ الألباني: إن الحديث بهذه الزيادة منكر، كما ذكر ذلك في كتاب صحيح سنن ابن ماجة برقم (٣٢١). وأما الحديث الَّذي أورده المصنف فهو من رواية أبي ثفال ثمامة بن وائل المري عن رباح بن عبد الرحمن عن جدته أسماء بنت سعيد بن زيد بن عمرو العدوية القرشية، عن أبيها سعيد بن زيد -أحد العشرة المبشرين بالجنّة- وقد اختلف في صحبتها، كما اختلف في هذا الحديث، فقد روي عن رباح بن عبد الرحمن عن جدته أسماء عن أبيها عن النبي - ﷺ -، وروي عن رباح عن جدته أسماء أنها سمعت رسول الله - ﷺ -، ذكر هذا الاختلاف الدارقطني في العلل (٤/ ٤٣٣) وإن كان الأكثرون على الأول، وهو ما صححه الدارقطني. والحديث مداره على أبي ثفال، وهو ثمامة بن وائل بن حصين المري، قال عنه الحافظ في التقريب (١٣٤): مقبول، لكن قال الذهبي في الكاشف (١/ ١٩٩): في حديثه نظر، وكذا قال البخاري (تهذيب الكمال ٤/ ٤١٠)، (تهذيب التهذيب ٢/ ٢٧) وذكره العقيلي في الضعفاء (١/ ١٧٧)، وذكر أن الإمام أحمد سئل عن حديث أبي ثفال هذا، فقال: لا يثبت، وذكره ابن حبان في الثقات كما ذكر الحافظ، (تهذيب التهذيب ١٢/ ٥٣). كما روي هذا الحديث عن أبي ذر من طريق المنذر بن زياد، رواه ابن عدي في (الكامل ٦/ ٣٦٧) وقال: "وهذا الإسناد غير محفوظ"، وأخرجه أبو الشيخ في (طبقات المحدثين بأصبهان ٢/ ٩٨) من طريق أبي ثفال أيضًا عن أبي هريرة. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٢٨): "فيه يحيى بن أبي يزيد بن عبد الله بن أنيس ولم أر من ترجمه".
[ ٤٣٢ ]
به، وهو معرفته، والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص، وهو خصلة واحدة، وكذلك الكفر، والقائل بهذا القول أبو الحسين الصالحي (١) ".
وقد ذكر الأشعري في كتابه الموجز قول الصالحي هذا وغيره ثم قال: "والذي اختاره في الأسماء قول الصالحي، وفي الخصوص والعموم أي (٢) لا أقطع بظاهر الخبر على العموم، ولا على الخصوص إذ (٣) كان يحتمل في اللغة أن يكون خاصًا، ويحتمل أن يكون عامًا، وأقف في ذلك فلا (٤) أقطع على عموم ولا خصوص إلَّا [بتوقيف] (٥) أو إجماع" (٦).
ثم قال في المقالات:
[السمرية]
٣ - والفرقة الثالثة من المرجئة: يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله، والخضوع له، وهو ترك الاستكبار عليه، والمحبة لله، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن، وزعموا أن إبليس كان عارفًا بالله، غير أنَّه كفر باستكباره على الله، وهذا قول قوم من أصحاب يونس [المري] (٧).
[أصحاب شمر ويونس]
٤ - والفرقة الرابعة وهم أصحاب أبي شمر (٨) ويونس يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله، والمحبة له، والخضوع له بالقلب، والإقرار به أنَّه واحد ليس كمثله شيء، ما لم تقم عليه حجة الأنبياء، وإن كانت قامت عليه حجة الأنبياء (٩)، فالإيمان بهم والتصديق لهم والمعرفة لما جاء من عند الله عنهم داخل في الإيمان ولا يسمون كل خصلة من هذه الخصال إيمانًا ولا بعض إيمان حتَّى تجتمع هذه الخصال، فإذا اجتمعت سموها
_________________
(١) انظره: ص ٣٧٨.
(٢) في (م) و(ط): "إني".
(٣) في (م): "إن".
(٤) في (ط): "ولا".
(٥) في نسخة الأصل: "بتوفيق"، والتصحيح من (م) و(ط).
(٦) لم أستطع توثيق هذا القول لأن الموجز من كتب أبي الحسن الأشعري التي لم تصل إلينا.
(٧) في نسخة الأصل و(م): الشمري، وأثبتنا ما في (ط) لأنه موافق لما في المقالات، ونسب الشهرستاني هذه المقالة إلى يونس بن عون النميري في الملل والنحل (١/ ١٦٢).
(٨) في (م): "شمر"، وما أثبتناه موافق للمقالات.
(٩) عبارة: "وإن كانت قد قامت عليه حجة الأنبياء" ليست في (م).
[ ٤٣٣ ]
إيمانًا لاجتماعها، وشبهوا ذلك بالبياض إذا كان في دابة لا يسمى بلقا إلّا مع السواد وجعلوا ترك كل خصلة من هذه الخصال كفرًا، ولم يجعلوا الإيمان متبعضًا ولا محتملًا للزيادة والنقصان (١). وذكر عن:
[أصحاب أبي ثوبان]
٥ - الخامسة: أصحاب أبي ثوبان أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسله، وما لا يجوز في [العقل] (٢) إلَّا أن يفعله.
وذكر عن:
[النجارية]
٦ - الفرقة السادسة: أن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله وفرائضه المجتمع عليها (٣) والخضوع له [بجميع] (٤) ذلك، والإقرار باللسان، وزعموا أن خصال الإيمان كل منه طاعة، وأن كل واحدة إذا فعلت دون الأخرى، لم تكن طاعة، كالمعرفة بلا إقرار، وأن ترك كل خصلة من ذلك معصية، وأن الإنسان لا يكفر بترك خصلة واحدة، وأن الناس يتفاضلون في إيمانهم، ويكون بعضهم أعلم وأكثر تصديقًا من بعض، وأن الإيمان يزيد ولا ينقص، وهذا قول الحسين بن محمد النجار (٥) وأصحابه.
_________________
(١) في (ط) والمقالات فالإيمان (الأقرار) بهم ولم نثبت ذلك واكتفينا بما ورد في نسخة الأصل و(م). قال في الصحاح: البلق سواد وبياض (٤/ ١٤٥١) في (ط) وشبهوا ذلك بالبياض إذا كان في دابة لم يسموها بلقاء إلا مع السواد وفي المقالات العبارة كالتالي: وشبّهوا ذلك بالبياض إذا كان في دابة لم يسموها بلقاء ولا بيض أبلق حتَّى يجتمع السواد والبياض فإذا اجتمعا في الدابة سمي ذلك بلقًا إذا كان بيض فإن كان في جمل أو كلب يسمى بقعة (١/ ٢١٥).
(٢) في نسخة الأصل و(م): الفحل، والتصحيح من (ط) وهو موافق للمقالات.
(٣) في (م) و(ط): المجمع، وما جاءت به نسخة الأصل موافق لما في المقالات.
(٤) في نسخة الأصل و(م): مجتمع، وأثبتنا ما في (ط) لأنه أقرب إلى الصواب، وهو موافق لما في المقالات.
(٥) هو الحسين بن محمد بن عبد الله الجار الرازي، إليه تنسب الفرقة النجارية من فرق المعتزلة، وتسمى بالحسينية أيضًا كما ذكر الأشعري، وهي ثلاث فرق أيضًا: البرغوثية، والزعفراية، والمستدركة، وذكر الشهرستاني أن أكثر معتزلة الري وما حواليها كانوا على مذهبه، وافق أهل السنة في أشياء، منها قوله: إن أعمال العباد =
[ ٤٣٤ ]
[الغيلانية]
و٧ - الفرقة السابعة: الغيلانية أصحاب غيلان (١) يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله [الثانية] (٢) والمحبة، والخضوع، والإقرار بما جاه به الرسول - ﷺ -، وبما جاء من عند الله سبحانه، وذلك أن المعرفة الأولى عنده اضطرار، فلذلك لم يجعلها من الإيمان.
وكل هؤلاء الذين حكينا قولهم من الشمرية، والجهمية، والغيلانية، والنجارية، ينكرون أن يكون في الكفار إيمان، وأن يقال فيهم بعض إيمان، إذ كان الإيمان لا يتبعض عندهم.
[أصحاب محمد بن شبيب]
قال: ٨ - والفرقة الثامنة من المرجئة: أصحاب محمد بن شبيب، يزعمون: أن الإيمان الإقرار بالله، والمعرفة بأنه واحد ليس كمثله شيء، والإقرار والمعرفة بأنبياء الله وبرسله، وبجميع ما جاءت به من عند الله، مما نص عليه المسلمون، ونقلوه عن النبي - ﷺ - من الصلاة والصيام ونحو ذلك، مما (٣) لا نزاع بينهم فيه، والخضوع لله، وهو ترك الاستكبار عليه، وزعموا أن إبليس قد عرف الله وأقر به، وإنما كان كافرًا لأنه استكبر، ولولا الاستكبار (٤) ما كان كافرًا، وأن الإيمان يتبعض، ويتفاضل أهله، وأن الخصلة من الإيمان قد تكون طاعة وبعض إيمان، ويكون صاحبها
_________________
(١) = مخلوقة، وهم فاعلون لها، عقد مع النظام عدة مناظرات، له مؤلفات، منها: "الإرجاء" و"القضاء والقدر" و"الثواب والعقاب" وغيرها من المصنفات، توفي في الربع الأول من القرن الثالت الهجري، مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٦)، (١/ ٣٤٠)، الفرق بين الفرق (١٢٧)، الملل والنحل (٨٨)، الفهرست لابن النديم، الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي (١/ ٥٨)، الخطط للمقريزي (٢٠/ ٣٥٠).
(٢) هو غيلان بن مروان كما ذكر ذلك الشهرستاني في الملل والنحل، والمعرفة على أصله نوعان: فطرية، وهي علمه بأن للعالم صانعًا، ولنفسه صانعًا، وهذه المعرفة لا تسمى إيمانًا، إنما الإيمان هو المعرفة الثابتة المكتسبة (١٤٦).
(٣) في نسخة الأصل و(م): "التامة"، وأثبتنا ما في (ط) لأنه الصواب، وموافق لما في المقالات، مع أن في (ط) كتب هامش جاء فيه: نسخة "التامة"، وقال محقق المقالات في هامشها: يريد بالمعرفة الثانية المعرفة الناشئة عن نظر واستدلال (١/ ٢١٧) والدليل على أن ما أثبتناه هو الصواب قول صاحب المقالات بعد العبارة السابقة مباشرة: وذلك أن المعرفة الأولى عنده اضطرار، فلذلك لم يجعلها من الإيمان.
(٤) كلمة (مما) ليست في (ط).
(٥) في (ط) والمقالات: "استكباره".
[ ٤٣٥ ]
كافرًا بترك بعض إيمان (١)، ولا يكون مؤمنًا إلَّا بإصابة الكل، وكل رجل يعلم أن الله تعالى واحد ليس كمثله شيء، ويجحد الأنبياء فهو كافر بجحده الأنبياء، وفيه خصلة من الإيمان، وهي معرفته بالله - ﷿ -.
[أبو حنيفة وأصحابه (مرجئة الفقهاء)]
٩ - الفرقة التاسعة من المرجئة: المنتسبين إلى أبي حنيفة وأصحابه، يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله، والإقرار بالله، والمعرفة بالرسول (٢)، والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفسير (٣).
_________________
(١) في (ط) والمقالات: "بعض الإيمان".
(٢) في (م) العبارة: المعرفة بالله والمعرفة بالرسول والإقرار بما جاء من عند الله، وفي (ط) العبارة ناقصة وهي كالتالي: المعرفة بالله وبالرسول والإقرار بما جاء من عند الله. . .، ويتضح مما سبق أن العبارتين ناقصتان عن نسخة الأصل الموافقة للمقالات.
(٣) هذا هو إرجاء الفقهاء الَّذي ذمه السلف، وشنعوا على من قال به، والمرجو كما قدمنا أن يكون أبو حنيفة رحمه الله تعالى قد رجع عنه، وقد ذكر محقق كتاب المقالات محمد محي الدين عبد الحميد في غمرة دفاعه عن أبي حنيفة أن مذهه في الإيمان هو الَّذي تدل عليه آيات الكتاب العزيز، وأحاديث الرسول - ﷺ -، (١/ ٢٢٠). قلت: وقد ثبت عن كثير من السلف، أنهم عدوا أبا حنيفة مرجئًا، -وقد ذكرت ذلك من قبل- وفي الحقيقة أن إطلاق القول بأن الخلاف بين السلف ومرجئة الفقهاء كأبي حنيفة في الإيمان خلاف لفظى كما ذهب إليه بعض أهل العلم فيه نظر، والقول بأن الخلاف لفظي بإطلاق فيه تخطئة -ولو بغير قصد- لعلماء السلف رحمهم الله تعالى الذين أجمعوا على إنكار هذه البدعة، وشنعوا على قائليها، وأمروا بهجر أصحابها -وكتب العقيدة المسندة مليئة بهذا- وكيف يكون الخلاف لفظيًا، وبين السلف ومرجة الفقهاء خلاف له آثار واضحة وأحكام مترتبة، ومن ذلك ما يلي:
(٤) السلف يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه، وهؤلاء يقولون بعدمها.
(٥) إطلاقه على الفاسق أو عدمه، فالسلف لا يطلقونه على الفاسق إلَّا مقيدًا، وهؤلاء بعكسهم.
(٦) هل يقع تامًا في القلب مع عدم الحمل أم لا؟ عند السلف لا يقع تامًا في القلب مع عدم العمل، وعند هؤلاء يقع.
(٧) وعند السلف أعمال القلب هي من الإيمان، وعند هؤلاء خشية وتقوى لا تدخل في حقيقته.
(٨) وعند السلف الإيمان يتنوع باعتبار المخاطبين به، فيجب على كل أحد بحسب حاله وعلمه ما لا يجب على الآخر من الإيمان، وعند هؤلاء لا يتنوع.
(٩) السلف يقولون إنه يستثنى فيه باعتبار، وهؤلاء يقولون لا يجوز ذلك لأنه شك.
[ ٤٣٦ ]
[التومنية]
١٠ - الفرقة العاشرة من المرجئة: أصحاب أبي معاذ التومني (١) يزعمون: أن الإيمان ترك ما عظم من الكبائر، وهو اسم لخصال إذا تركها التارك، أو ترك خصلة منها كان كافرًا، فتلك الخصلة التي يكفر بتركها إيمان، وكل طاعة إذا تركها التارك لم يجمع المسلمون على كفره (٢)، فتلك الطاعة شريعة من شرائع الإيمان، تاركها إن كانت فريضة يوصف بالفسق، فيقال له: إنه يفسق، ولا يسمى بالفسق، ولا يقال فاسق، وليس (٣) تخرج الكبائر من الإيمان إذا لم تكن كفرًا، وتارك الفرائض مثل الصلاة والصيام والحج على الجحود بها، والرد لها، والاستخفاف بها، [كافر] (٤) بالله، وإنما كفر للاستخفاف والرد والجحود، وإن تركها غير مستحل لتركها مشاغلًا مسوفًا، يقول: الساعة أصلي، وإذا فرغت من لهوي وعملي، فليس بكافر، وإن كان يصلي يومًا ووقتًا من الأوقات، ولكن نفسقه.
وكان أبو معاذ يقول: من قتل نبيًا أو لطمه كفر، وليس من أجل اللطمة كفر، ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض له.
[المريسية أصحاب بشر المريسي]
و١١ - الفرقة الحادية عشرة (٥) من المرجئة: أصحاب بشر المريسي (٦)
_________________
(١) = ٧ - إطلاق نصوص الإيمان على العمل أهو حقيقة أم مجاز؟ فالسلف يقولون: حقيقة وهؤلاء يقولون: مجاز.
(٢) وهؤلاء يقولون: يجوز أن يقول أحد: أن إيماني كإيمان جبريل، والسلف يقولون: لا يجوز. ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (٢/ ٤١٦). ولب الخلاف بين السلف وهؤلاء المرجئة: أن السلف يرون أن تارك العمل (جنس العمل) بالكلية كافر باطنًا وظاهرًا، أما هؤلاء يرونه مؤمنًا ناجيًا في الآخرة. وقد سبق الحديث أثناء الدراسة التحليلية عن موقف المصنف رحمه الله تعالى من هذا الخلاف.
(٣) أبو معاذ التومني من أئمة المرجئة، وإمام الفرقة التومنية من فرقها، لم أجد من أفاض في ترجمته أكثر من كتاب الفرق والنحل، مقالات الإسلاميين (١/ ٣٢١)، الفرق بين الفرق (٣٠٣)، الملل والنحل (١٤٤).
(٤) في (ط): "تكفيره".
(٥) في (ط): "وليست".
(٦) في نسخة الأصل: "كافرًا"، والتصحيح من (م) و(ط).
(٧) في (ط): الحادية عشرة.
(٨) هو بشر بن غياث بن أبي كريمة العدوي المريسي، من كبار رؤوس الابتداع =
[ ٤٣٧ ]
[مذهب ابن الراوندي]
يقولون: إن الإيمان هو التصديق لأن الإيمان في اللغة هو التصديق، وما ليس بتصديق (١) فليس بإيمان، ويزعمون (٢) أن التصديق يكون بالقلب وباللسان جميعًا، وإلى هذا القول كان يذهب ابن الراوندي (٣).
وكان ابن الرواندي يزعم أن الكفر هو الجحد والإنكار والستر و[التغطية] (٤)، وليس يجوز أن يكون كفرًا (٥) إلَّا ما كان في اللغة كفرًا، ولا يجوز أن يكون (٦) إيمانًا إلَّا ما كان في اللغة إيمانًا، وكان يزعم أن
_________________
(١) = والضلال، ومن أئمة الاعتزال، لم يدرك جهم بن صفوان، بل تلقف مقالاته من أتباعه، اشتد نكير السلف عليه، حتى كفره كثير منهم بسبب جملة من بدعه ومفترياته، بل اتهمه بعضهم بالزندقة -وقد كان أبوه يهوديًّا- وهو الَّذي قرر القول بخلق القرآن، ودعا إليه، وهو إمام لهذه الفرقة من المرجئة التي ذكرها الأشعري، ذكر له الذهبي مصنفات، منها: "الإرجاء" و"الرد على الخوارج" و"الاستطاعة" و"كفر المشبهة" و"المعرفة" و"الوعيد" وغيرها التي بث خلالها معتقداته الباطلة، هلك بشر سنة ٢١٨ هـ. الفرق بين الفرق (١٩٢)، تاريخ بغداد (٧/ ٥٦)، وأطال الخطيب في ترجمته، وفيات الأعيان (١/ ٢٧٧)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٩٩)، ميزان الاعتدال (١/ ٣٢٢)، البداية والنهاية (١٠/ ٢٩٤)، لسان الميزان (٢/ ٢٩)، شذرات الذهب (٢/ ٤٤).
(٢) عبارة "وما ليس بتصديق" ليست في (م).
(٣) في (م) و(ط) والمقالات: "يزعم".
(٤) هو أحمد في يحيى بن إسحاق الراوندي -أو الريوندي كما قال بعضهم-، الملحد عدو الدين، صاحب التصانيف في الحط على الملة، كما يقول الحافظ الذهبي، كان أبوه يهوديًا فأظهر الإسلام -كحال بشر المريسي وهذه مسألة ينبغي تتبعها، وليس هذا بغريب على اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام أن يتظاهروا بالدخول فيه حتَّى يفسدوا المسلمين-، وذكر أنَّه كان معتزليًا حتَّى وصل إلى ما وصل إليه، صنف كتبًا تنضح بالكفر والزندقة والإلحاد، منها كتابه "الدامغ" في الرد على القرآن الكريم، وكتابًا في الرد على الشريعة والاعتراض عليها، سماه "الزمردة"، يقول ابن الجوزي -﵀- "كنت أسمع عنه بالعظائم، حتَّى رأيت له ما لم يخطر على قلب" وألف مؤلفًا يثبت فيه قدم العالم ونفي الصانع، وقد تولى جماعة من المعتزلة الرد عليه، ونقض كثير مما أبرمه في مصنفاته هلك سنة: ٢٩٨ هـ، وقيل إنه أخذ وصلب، والأول أشهر. مقالات الإسلاميين (١/ ٢٤٠)، المنتظم لابن الجوزي (٦/ ٩٩)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٥٩)، البداية والنهاية (١١/ ١٢٠)، لسان الميزان (١/ ٣٢٣)، شذرات الذهب (٣/ ١٧٥).
(٥) في نسخ الأصل الكلمة غير واضحة، وتقرأ كأنها القطيعة، والتصحيح من (م) و(ط).
(٦) في (ط) والمقالات: "الكفر".
(٧) كلمة "يكون" ليست في (ط).
[ ٤٣٨ ]
ترك السجود ليس بكفر، ولا السجود لغير الله كفر ولكنه علم على الكفر لأن الله تعالى بين أنَّه لا يسجد للشمس إلَّا كافر (١).
[الكرامية]
قال: ١٢ - والفرتة الثانية عشرة (٢) من المرجئة: الكرامية أصحاب محمد بن كرام (٣) يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب، وأنكروا أن تكون معرفة القلب أو شيء غير الصديق باللسان إيمانًا.