(أحدها): أن ما مثلوا به من المادة مع الصورة، والكليات مع الجزئيات، والوجود مع الثبوت، كل ذلك يرجع عند التحقيق إلى شيء واحد لا شيئين، فجعلوا الواحد اثنين، كما جعلوا الاثنين واحدًا، في مثل صفات الله، يجعلون العلم هو العالم، والعلم هو المعلوم، والعلم هو القدرة، والعلم هو الإرادة، وأنواع هذه الأمور التي إذا تدبرها العاقل تبين له أن هؤلاء من أجهل الناس بأمور الإلهية (٤)، وأعظم الناس قولًا للباطل، مع ما في نفوسهم ونفوس أتباعهم من الدعاوي الهائلة الطويلة العريضة، كما يدعي إخوانهم القرامطة الباطنية أنهم أئمة معصومون مثل الأنبياء، وهم من أجهل الناس وأضلهم وأكفرهم.
(الثاني): أنهم على كل تقدير من هذه التقديرات يجعلون وجوده مشروطًا بوجود غيره الذي ليس هو مبتدعًا (٥) له، فإن وجود الكليات في الخارج مشروط بالجزئيات، ووجود المادة مشروط بالصورة، وكذلك بالعكس.
ووجود الأعيان مشروط بثبوتها المستقر في العدم، فيلزمهم على كل
_________________
(١) ما بين العلامتين ساقط من (م) و(ط).
(٢) في نسخة الأصل: الذي يجعلوا، والتصحيح من (م) و(ط).
(٣) في (ط): "واو" بدلًا من "أو".
(٤) في (ط): "بالأمور الإلهية".
(٥) في (ط): "مبدعًا".
[ ٥١٢ ]
تقدير أن يكون واجب الوجود مشروطًا بما ليس من مبتدعاته (١)، وما كان وجوده موقوفًا على غيره الذي هو ليس مصنوعًا له (٢) لم يكن واجب الوجود بنفسه، وهذا بين.
(الثالث): أن هذا الكلام يعود عند التحقيق إلى أن يكون وجود الخالق عين وجود المخلوقات، وهم يصرحون بذلك لكن يدعون المغايرة بين الوجود والثبوت، أو بين الوجود والماهية أو (٣) بين الكلي والجزئي، وهو المغايرة، و(٤) بين المطلق والمعين (٥)، فلهذا كانوا يقولون بالحلول، تارة يجعلون الخالق (٦) حالًا في المخلوقات، وتارة محلًا لها، وإذا حقق الأمر عليهم بعدم المغايرة كان (٧) حقيقة قولهم أن الخالق هو نفس المخلوقات، فلا خالق ولا مخلوق، وإنما العالم واجب الوجود بنفسه.
(الرابع): أنهم يقرون بما يزعمونه من "التوحيد" عند (٨) التعدد في صفاته الواجبة، وأسمائه، وقيام الحوادث به، وعن كونه جسمًا أو جوهرًا، ثم هم عند التحقيق يجعلونه عين الأجسام المتخيلة (٩) الكائنة الفاسدة المتقذرة (١٠) ويصفونه بكل نقص كما صرحوا بذلك.
و(١١) قالوا ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات؟ وأخبر بذلك عن نفسه، وبصفات النقص (١٢)، وبصفات الذم، وقالوا: العلي لذاته هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية، سواء كانت محمودة عرفًا وعقلًا وشرعًا، أو مذمومة عرفًا وعقلًا وشرعًا،
_________________
(١) في (ط): "مبدعاته".
(٢) في (م) العبارة كالتالي: "الذي هو مصنوع له".
(٣) في (ط): "واو" بدلًا من "أو".
(٤) "الواو" ليست في (ط).
(٥) سبقت الإشارة إلى بعض هذه المذاهب قريبًا.
(٦) في نسخة الأصل و(م) في هذا الموضع كلمة "تارة"، وقد حذفناها لعدم فائدتها.
(٧) في نسخة الأصل و(م): "وكان"، وقد حذفنا الواو لتستقيم العبارة.
(٨) في (م) و(ط): "عن".
(٩) كلمة "المتخيلة" ليست في (ط).
(١٠) في (ط): "المستقذرة".
(١١) "الواو" ليست في (ط).
(١٢) عبارة "وبصفات النقص" ليست في (م).
[ ٥١٣ ]
وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة، فهو متصف عندهم بكل صفة مذمومة، كما هو متصف بكل صفة محمودة، وقد بسط الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع (١)، فإن أمرهم أعظم من أن يبسط هنا، ولكن المقصود التنبيه على تشابه رؤوس الضلال، حتى إذا فهم المؤمن قول أحدهم أعانه على فهم قول الآخر، واحترز منهم، وبين ضلالهم لكثرة ما أوقعوا في الوجود من الضلالات (٢).
فابن عربي بزعمه: إنما تجلي الذات عنده هو شهود (٣) وجود (٤) مطلق، هو وجود الموجودات مجردًا مطلقًا لا اسم له ولا نعت، ومعلوم أن من تصور هذا لا يمكن أن يحصل له عنه خطاب، فلهذا زعم أن عند تجلي الذات لا يحصل خطاب، وأما أبو حفص السهروردي فكان أعلم بالسنة، وأتبع للسنة من هذا، وخيرًا منه، وقد رأى أن ما جاءت به الأحاديث من أن الله يتجلى لعباده، ويخاطبهم حين تجليه لهم (٥)، فآمن بذلك (٦) لكن ابن عربي في فلسفته أشهر من هذا في سنته.
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: مجموع الفتاوى (٢/ ١٢٢ - ١٢٣، ١٤٢، ١٨٦، ٣٥٦).
(٢) بهذا الأصل العظيم يكشف لا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن سر استطراداته الكثيرة -التي يؤاخذه عليها بعض الناس- وأنها استطرادات نافعة، بل ضرورية في كثير من الأحيان، ولذلك عدة فوائد كما بين ﵀، منها على سبيل المثال: التنبيه على تشابه رؤوس الضلال والبدع، وأنها وإن بدت مختلفة متباعدة فإن أصولها واحدة، ومآخذها متقاربة، ومنها: فهم أقوال كل فريق بفهم أقوال فريق آخر -وهذه فائدة منهجية هامة- ومنها: الاحتراز والحذر بسبب كثرة بدعهم وضلالاتهم التي تروج على بعض الناس، وتلك لعمر الله منقبة لهذا الكتاب الذي نقوم بتحقيقه ودراسته، أن بيّن مصنفه بعض الغايات التي يرمي إليها من وراء مل هذه الاستطرادات، ولسنا بحاجة بعد الآن أن ندافع عن تلك القضية أمام الناقدين، فقد كفانا ذلك بنفسه ﵀.
(٣) كلمة "هو" ليست في (ط).
(٤) كلمة "وجود" ليست في (م) و(ط).
(٥) الأحاديث في ثبوت تجلي الحق سبحانه لعباده المؤمنين متواترة، ورؤية المؤمنين له تعالى ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
(٦) هنا يفسر المصنف رحمه الله تعالى ما ورد قبل ذلك من خلاف بين السهروردي وابن عربي في مسألة: هل يمكن كل وقت تجلي الحق لعبد مخاطبته أم لا؟
[ ٥١٤ ]
ولهذا كان أتباعهما (١) يعظمون ابن العربي (٢) عليه، مع إقرارهم بأن السهروردي أتبع للسنة، كما حدثني الشيخ الملقب بحسام الدين (٣) القادم علينا (٤) السالك طريق ابن حمويه (٥) الذي يلقبه أصحابه سلطان الأقطاب، وكان عنده من التعظيم لابن عربي وابن حمويه والغلو فيهما أمر عظيم، فبينت له كثيرًا مما يشتمل عليه كلامهما من الفساد والإلحاد والأحاديث المكذوبة على النبي - ﷺ -، وجرى في ذلك فصول، لما كان عنده من التعظيم مع عدم فهم حقيقة أقوالهما، وما تضمنته من الضلالات، وكان مما حدثني عن شيخه الطاووسي (٦) الذي كان بهمدان عن سعد الدين ابن
_________________
(١) يعني من المتصوفة.
(٢) في (ط): "ابن عربي"، وهو الأشهر، ويطلق عليه أيضًا ابن العربي -خصوصًا عند الأندلسيين- وأثبتنا ما في نسخة الأصل و(م) لأنه صحيح أيضًا.
(٣) لم أجد ترجمة لحسام الدين هذا، خصوصًا أن اسم أبيه لم يذكر.
(٤) كلمة "علينا" ليست في (ط).
(٥) ابن حمويه: هو أبو عبد الله محمد بن حمويه بن محمد الجويني الصوفي، شيخ الصوفية في خراسان، نعته الذهبي بالإمام العارف، له في التصوف تأليف، قرأ الفقه والأصول على إمام الحرمين، له من المؤلفات "لطائف الأذهان في تفسير القرآن" و"سلوة الطالبين في سير سيد المرسلين" وغيرهما، مات سنة ٥٣٠ هـ. سير أعلام النبلاء (١٩/ ٥٩٧)، العبر (٤/ ٨٣)، الوافي بالوفيات (٣/ ٢٧)، البداية والنهاية (١٢/ ٢٢٦)، شذرات الذهب (٦/ ١٥٦).
(٦) لعل المقصود به الشيخ أبو الفضل ركن الدين عزيز بن محمد القزويني الطاووسي المتكلم المتوفى بهمدان سنة ٦٠٠ هـ، سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٥٣)، العبر (٤/ ٣١٣)، شذرات الذهب (٦/ ٥٦٣)، مع أن هذا مشكل جدًا، فكيف يكون شيخًا لحسام الدين الذي حاور المصنف، وقد توفي في هذه السنة، لأن ولادة المصنف بعد موت الطاووسي هذا بإحدى وستين سنة، إلا إن كان الطاووسي من المعمرين الذين تجاوزوا المئة، وهو ما لم يذكره أحد، أو أن يكون قصد المؤلف بكلمة (شيخه) أنه على نفس طريقته، وهذا احتمال بعيد. وقد يكون المقصود بالطاووسي هو ركن الدين أحمد بن عبد المنعم بن أبي الغنائم القزويني الطاووسي، المعمر، كبير الصوفية في دمشق، المتوفى سنة ٧٠٤ هـ، شذرات الذهب (٨/ ٢٠)، وهذا شيخ أدركه المصنف، ولكن يبقى الإشكال أن المصنف ذكر أن الطاووسي هو الذي بهمدان، ولم يذكر هذا إلا عن الأول، والله أعلم.
[ ٥١٥ ]
حمويه أنه قال: محي الدين ابن عربي بحر لا تكدره الدلاء! ! و(١) لكن نور المتابعة النبوية التي (٢) على وجه الشيخ شهاب الدين السهروردي شيء آخر.
فقلت له: هذا كما يقال: كان هولاكو (٣) ملك الكفار ملكًا عظيمًا (٤)، لكن نور الإسلام الذي على شهاب الدين غازي (٥) صاحب ميافارقين شيء (٦) آخر.
_________________
(١) "الواو" ليست في (م) و(ط).
(٢) كلمة "التي" ليست في (ط).
(٣) في (ط): "هؤلاء أوتوا من" وهو تصحيف فاحش.
(٤) هو هولاكو بن تولي بن جنكيز خان، ملك التتار، بعثه ابن عمه القان الكبير على جيش المغول، فطوى الممالك، واستباح البلدان، وقتل جنوده من الخلق ما لا يحصيهم إلا الله ﷿، وعلى يديه كان سقوط الدولة العباسية في العراق عام ٦٥٦ هـ، وكانت كارثة لم تعرف لها الأمة مثيلًا، حين قتل خليفة الوقت المسعتصم وأمراء بني العباس وبني هاشم وكبار القواد وجمع غفير من العلماء والفقهاء والأعيان -ولا حول ولا قوة إلا بالله- وبلغ عدد القتلى في بغداد ما يزيد على المليون -على أقل التقديرات- وما زال أمر هذا الجبار في علو، وطغيانه في ازدياد حتى هزمه ابن عمه الأمير بركة خان -الذي أسلم- عام ٦٦١ هـ، وقتل كثير من رجاله، وضعف شأنه، ثم أصيب بعلة الصرع، حتى كان يصرع في اليوم مرتين، حتى أهلكه الله عام ٦٦٣ هـ، وقيل عام ٦٦٤ هـ، عن ستين عامًا، بمراغة ونقل إلى قلعة تلا، وبنوا عليه قبة، وتملك بعده ابنه أبغا بعد أن خلف سبعة عشر ولدًا، وذاق من خزي الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى، سير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٨١)، العبر (٥/ ٢٢٥)، فوات الوفيات (٤/ ٢٤٠)، البداية والنهاية (١٣/ ٢١٣، ٢٥٢، ٢٥٩)، شذرات الذهب (٧/ ٤٦٨، ٥٥٠ د ٥٢٩).
(٥) هو السلطان الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، صاحب ميافارقين، كان ملكًا جوادًا حازمًا شهمًا شجاعًا مهيبًا، مات سنة ٦٤٥ هـ، وتملك بعده ابنه الشهيد الملك الكامل ناصر الدين الذي قتله هولاكو غدرًا، مرآة الزمان (٨/ ٧٦٨)، سير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٣٣)، العبر (٥/ ١٨٧)، البداية والنهاية (١٣/ ١٨٦)، شذرات الذهب (٧/ ٤٠٢).
(٦) ميافارقين: مدينة كبيرة عند آمد من بلاد الجزيرة. كما قال السمعاني في "الأنساب" (٥/ ٤٢٤)، وقال ياقوت عنها: "أشهر مدينة في ديار بكر" وأطال في سبب تسميتها وفي وصفها، وذكر أنها -على بعض الأقوال- فتحت في عهد عمر - ﵁ - "معجم البلدان" (٨/ ٢٤١).
[ ٥١٦ ]
فإنهم كانوا يعظمون ابن عربي، لأن الشيخ شهاب الدين لم يكن متمكنًا من معرفة السنة ومتابعتها، وتحقيق ما جاءت به الرسل كتمكن ابن عربي في طريقه التي سلكها، وجمع فيها بين الفلسفة والتصوف، وهؤلاء إنما يقطع دابرهم المباينة لله (١) بين الخالق والمخلوق، وإثبات تعينه منفصلًا عن المخلوق، ترفع إليه الأيدي بالدعاء، وإليه كان معراج الأنبياء.