ولهذا قال بعض السلف: "النافلة لا تكون إلا لرسول الله - ﷺ - (٣)، لأن الله قد كفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وغيره يحتاج إلى المغفرة، وتأول على هذا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، وليس إذا فعل نافلة، وضيع فريضة، تقوم النافلة مقام الفريضة
_________________
(١) ذكره الإمام أحمد في رسالة الصلاة (١/ ٣٧٢) وهي مسوقة بكاملها في طبقات الحنابلة، وتسمى رسالة في المسيء صلاته، وقد أنكر الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٧٨) نسبتها إلى الإمام أحمد، ولكن شيخ الإسلام -كما ترى يثبت نسبتها للإمام، وممن أثبتها كذلك ابن أبي يعلى في كتاب الطبقات، وقد جزم بنسبتها وصحتها -من المعاصرين- الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه "المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل" (٢/ ٦١٧).
(٢) في (ط): "لها".
(٣) روى الإمام أحمد في المسند برقم (٢١٦٩٢) عن أبي غالب البصري قال: سمعت أبا أمامة يقول: "إذا وضعت الطهور مواضعه قعدت مغفورًا لك، فإن قام يصلي كانت له فضيلة وأجرًا، لأن قعد قعد مغفورًا له، فقال له رجل: يا أبا أمامة أرأيت إن قام فصلى تكون له نافلة؟ قال: لا، إنما النافلة للنبي - ﷺ -، كيف تكون له نافلة وهو يسعى في الذنوب والخطايا! تكون له فضيلة وأجرًا". ورجاله ثقات إلا أن أبا غالب هذا صاحب أبي أمامة مختلف فيه بين أئمة الشأن، قال عنه الذهبي: صالح الحديث (الكاشف ٣٢٢)، وقال عنه ابن حجر: صدوق يخطئ (التقريب ٦٦٤)، ولكنه يتقوى أيضًا بما رواه أحمد برقم (٢١٧٠٧) عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة - ﵁ - قال عند قوله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾: إنما كانت النافلة خاصة لرسول الله - ﷺ -. وشهر بن حوشب كثر الخلاف فيه بين أئمة الجرح والتعديل، ولكن الاحتجاج به مترجح كما قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى (السير ٤/ ٣٧٨) خصوصًا إذا تابعه غيره، وقد احتج به الإمام مسلم في صحيحه وأخرج له مقرونًا، فالأثر على ذلك لا يقل عن درجة الحسن لغيره. وقال الحافظ ابن القيم في مدارج السالكين (١/ ٣٢٣): "ولهذا كان قيام الليل نافلة للنبي - ﷺ - خاصة، فإنه يحمل في زيادة الدرجات، وغيره يحمل في تكفير السيئات، وأين هذا من هذا؟ . ".
[ ٣٤٢ ]
مطلقًا، بل قد تكون عقوبته على ترك الفريضة أعظم من ثواب النافلة.
فإن قيل: العبد إذا نام عن صلاة أو نسيها، كان عليه أن يصليها إذا ذكرها بالنص (١) والإجماع، فلو كان لها بدل من التطوعات لم يجب القضاء، قيل: هذا خطأ.
فإن قيل هذا يقال في جميع مسقطات العقاب فيقال: إذا كان العبد يمكنه رفع العقوبة بالتوبة لم ينه عن الفعل، ومعلوم أن العبد عليه أن يفعل المأمور ويترك المحظور، لأن الإخلال بذلك سبب للزوم العقاب (٢)، وإن جاز مع إخلاله أن يرتفع العقاب بهذه الأسباب، كما عليه أن يحتمي من السموم القتَّالة (٣)، وإن كان مع تناوله لها يمكن رفع ضررها بأسباب من الأدوية، والله عليم حكيم رحيم، أمرهم بما يصلحهم، ونهاهم عما يفسدهم، ثم إذا وقعوا في أسباب الهلاك لم يؤيسهم من رحمته، بل جعل لهم أسبابًا يتوصلون بها إلى رفع الضرر عنهم (٤).
ولهذا قيل: إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله،
_________________
(١) النص المشار إليه روي بألفاظ مختلفة، رواه البخاري برقم (٥٩٧) كتاب مواقيت الصلاة باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، ومسلم برقم (٦٨٤) ١/ ٤٧٧ كتاب المساجد باب فضل تعجيل الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، والترمذي برقم (١٧٧) كتاب الصلاة، والنسائي برقم (٦١٣) كتاب المواقيت، وأبو داود برقم (٤٣٥) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (٦٩٦) كتاب الصلاة، والدارمي برقم (١٢٩٩) كتاب الصلاة.
(٢) في (م) و(ط): "للذم والعقاب".
(٣) في (ط): "القاتلة".
(٤) وجدت في حاشية هذه الصفحة ما يلي: [قلت: أبو هريرة روى عن النبي - ﷺ - قال: "ما أنزل الله داء إلا وأنزل له شفاء" وقال: "تداووا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا السام". قال كاتب نسخة الأصل في أصله: هكذا وجد حاشية في الأصل والله أعلم]. قلت: ولم يتبين لي هل هي من المؤلف أم من الناسخ أم من أحد تلامذة المصنف، ثم إن هناك نصًا صغيرًا آخر جاء في أوله: وقال خبيب، ولم أستطع قراءة ما تبقى منه. والحديث الأول رواه البخاري برقم (٥٧٧٨) كتاب الطب، وابن ماجه برقم (٣٤٣٨) كتاب الطب، وأحمد برقم (٣٣٩٧). والثاني رواه الترمذي برقم (٢٠٣٨) كتاب الطب، وأبو داود برقم (٣٨٥٥) كتاب الطب، وابن ماجه برقم (٣٤٤٦) كتاب الطب، وأحمد برقم (١٧٧٢٧).
[ ٣٤٣ ]
ولا يجرئهم على معاصي الله، ولهذا يؤمر العبد بالتوبة كلما أذنب، قال بعضهم لشيخه: إني أذنبت، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: إلى متى، قال: إلى أن تحزن الشيطان. وفي المسند عن علي عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إن الله يحب العبد المفتَّن التواب) (١)، وأيضًا كان (٢) من نام عن صلاة، أو نسيها فصلاته إذا استيقظ أو ذكرها كفارة لها تبرأ بها الذمة من المطالبة، ويرتفع عنه الذم والعقاب، ويستوجب بذلك المدح والثواب، وأما ما يفعله من التطوعات فلا يعلم القدر الذي يقوم ثوابه مقام ذلك، ولو علم فقد لا يمكن فعله مع سائر الواجبات، ثم إذا قدر أنه أمر بما يقوم مقام ذلك صار واجبًا فلا يكون تطوعًا، والتطوعات شرعت لمزيد التقرب إلى الله تعالى كما قال تعالى في الحديث الصحيح: (ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) (٣) الحديث.
فإذا لم يكن العبد قد أدى الفرائض كما أمر، لم يحصل له مقصود النوافل ولا يظلمه الله، فإنه تعالى (٤) لا يظلم مثقال ذرة، بل يقيمها مقام نظيرها من الفرائض، كمن عليه ديون لأناس يريد أن يتطوع لهم بأشياء، فإن وفاهم وتطوع لهم كان عادلًا محسنًا، وإن وفا (٥) ولم يتطوع كان عادلًا، وإن أعطاهم ما يقوم مقام دينهم، وجعل ذلك تطوعًا كان غالطًا في جعله تطوعًا (٦)، بل يكون من الواجب الذي يستحقونه.
_________________
(١) هو في المسند برقم (٥٧١) وهو من زيادات عبد الله، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده ضعيف جدًا (٢/ ٣٩)، وأبو يعلى في مسنده (١/ ٣٧٦)، والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٠)، وقال: رواه عبد الله وأبو يعلى وفيه من لم أعرفه، ولفظه: إن الله يحب العبد المؤمن المفتن التواب، والمفتن بفتح التاء المشددة هو: الذي يفتن ويمتحن بالذنوب. قاله الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى.
(٢) في (م) و(ط): "فإن".
(٣) رواه البخاري برقم (٦٥٠٢) كتاب الرقاق باب، ورواه أحمد بنحوه برقم (٢٥٦٦١).
(٤) في (م) و(ط): "فإن الله".
(٥) في (م) و(ط): "وفاهم".
(٦) كلمة "تطوعًا" ليست في (ط).
[ ٣٤٤ ]